######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023631 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: محاسن التأويل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023631 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23631 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23631 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد باسل عيون السود #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1418 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلميه - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ترجمة المؤلف ### $ 1- عصر المؤلف: # عاش القاسمي معظم حياته في أشد أيام الظلم والظلام. فقد ولد ونظام الحكم ~~المطلق قائم في الدولة العثمانية، فالحريات بجميع أنواعها مفقودة، والأقلام ~~مغلولة، والأحرار مطاردون، والدستور معلق، وأعوان السلطان مبثوثون في كل ~~مكان، والجاسوسية تفتك بالأبرياء، والعدالة تكاد تكون مفقودة لفساد النظام ~~القضائي، وشراء مراكز القضاء. # في هذا الجو السياسي الخانق عاش القاسمي معظم حياته. # أما الحياة الثقافية في ولاية سورية فكانت أشبه بالمفقودة، فلا مدارس، ~~ولا معاهد، ولا جامعات، واعتماد القلة من الناس على الكتاتيب وحلقات ~~الجوامع والدروس الخاصة في البيوت. جهل مطبق فرضته الدولة على الناس، ~~ليعيشوا في جو من الظلام والغباء، وليسهل على حكامها ومستغليها اضطراد ~~الأمور في مسلك من الظلم والبطش والخنوع. # وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبيعية للحياة الثقافية: جمود على القديم، ~~وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون كثيرا ما يحفظونها من غير فهم، وحواش ~~وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب. وتقليد أعمى غلت معه العقول، حتى كتب ~~الحديث ما كانت تقرأ على الأغلب إلا للتبرك، أما كتب التفسير فممتنعة عن ~~الخاصة بله العامة. # وحسب الرجل أن يقرأ بعض كتب الفقه، ليعتم ويقال إنه عالم. وكتب اللغة ~~والنحو والصرف والأدب يقرؤها بعض الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنة. # وقد كانت الطرق في ذلك العصر في أوج انتشارها، يعتنقها بعض رجال الدين، ~~ويجمعون العامة حولهم، ويشغلونهم عن العمل النافع لإقامة المجتمع الإسلامي ~~الصالح. وقد تعددت هذه الطرق تعدد الأحزاب السياسية، وقامت بين زعمائها ~~خصومات واتهامات لا يكاد يصدقها العقل. # أما حقيقة الدعوة الإسلامية وأهدافها السامية، فلم يكن أحد من رجال الدين ~~عارفا بها، أو مهتما بنشرها. # والحياة الاجتماعية كانت كذلك مفقودة، إذ لم يعرف الناس أي نوع من أنواع ~~الاجتماع إلا في الولائم وصلاة الجمعة، والسهرات التي كان يسميها أهل الشام ~~(الدور) . فلا ندوات ثقافية، ولا جمعيات إصلاحية، وحتى ولا جمعيات خيرية. # والمرأة التي هي نصف المجتمع غائبة، فليس لها في خدمته إلا نصيب قعيد ms0001 ~~البيت. # في هذا الجو الخانق العجيب، المتخلف في جميع مرافق الحياة، نشأ القاسمي. ~~فكان كالطائر المغني في غير سربه، غريبا عن أهل الزمان، ولعل هذا كله كان ~~أدعى لإقدامه، والقناعة برسالته، وضرورة العمل لها، والسعي لنشرها، لا ~~يبالي في ذلك تكفيرا، ولا محاكمة ولا حبسا. # فثبت لهذه المحن كلها، وأكثر منها، كالطود الراسخ، لا يزعزع يقينه وعيد، ~~ولا تهديد، ولا تكفير، ولا حبس. لا تزيده الأيام إلا قوة وعزيمة. ### | 2- # نسبه: # حقق القاسمي ### | نسبه # في كتابه المطبوع المعروف «شرف الأسباط» . وذكر في ترجمته نفسه أنه «محمد ~~جمال الدين أبو الفرج بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح ابن إسماعيل بن أبي بكر ~~المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور وهو الإمام، فقيه الشام، وصالحها ~~في عصرها، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق. وكان أبوه (محمد سعيد) رحمه الله ~~فقيها أديبا، غلب عليه شعر أهل عصره. اشتغل أول حياته بالتجارة، فكان له في ~~العصرونية متجر معروف، ثم اعتزل التجارة لأسباب لا أعرفها. وقد جمع شعره في ~~ديوان سماه ولده جمال الدين «الطالع السعيد في ديوان الإمام الوالد السعيد» ~~وأمه عائشة بنت أحمد جبينة، وجدته لأبيه فاطمة بنت محمد الدسوقي. ### $ 3- ولادته: # في زقاق المكتبي، ظاهر باب الجابية وبالقرب من قصر الحجاج في محلة ~~القنوات، كان مسكن والد القاسمي في دار واسعة الفناء، متعددة الغرف. في ~~وسطها بركة ماء متسعة، في هذه الدار ولد القاسمي، قال: «ولادتي كما رأيتها ~~بخط والدي الماجد وخاله العالم النحرير الشيخ حسن جبينة الشهير بالدسوقي قد ~~كانت في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ~~ومائتين وألف بوطننا دمشق الشام» . # وتوفي جمال الدين القاسمي 1914 م. تاركا وراءه مؤلفاته الكثيرة التي يكاد ~~يصل عددها المائة ما بين كتاب ورسالة ومقالة ... ### $ 4- نشأته ومشيخته: # كان لنشأة القاسمي في بيت عرف بالعلم والتقوى أثر كبير في توجيهه الوجهة ~~التي تولاها، واختاره الله لها، فقد كان جده الشيخ قاسم فقيه الشام ~~وصالحها، وكان أبوه فقيها أديبا. وفي جو من حرمة الدين ms0002 وجلاله، فتح عينيه ~~على النور، فأخذ يعب من معين ثر قوي، مستعينا بتشجيع أبيه الذي لا ينقطع من ~~الدعاء له، وإهدائه الكتب، فأعانه هذا كله على نشأة صحيحة صالحة، لم يعرف ~~فيها لهو الفتيان إلا بالقدر المشروع. # قال في ترجمته لنفسه: «قد ربي في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ ~~المعمر الشيخ عبد الرحمن بن علي شهاب المصري نزيل دمشق» . # «وبعد أن ختمت القرآن، أخذت في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل الشيخ ~~محمود أفندي ابن محمد بن مصطفى القوصي نزيل دمشق، من صلحاء الأتراك ... # ثم انتقلت إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، وكان معلمه العالم الفاضل الشيخ ~~رشيد أفندي قزيها، الشهير بابن سنان. فقرأت عنده في المكتب المذكور مقدمات ~~وفنون شتى، من توحيد وصرف ونحو ومنطق وغيرها ... وكنت في خلال ذلك شارعا في ~~قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضا عند سيدي الوالد، ثم جودت القرآن ~~المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني. فقرأت عليه ختمة وأكثر ~~من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عليه الرحمة» . # ومن كبار مشايخه الشيخ بكري بن حامد البيطار، والشيخ محمد بن محمد الخاني ~~النقشبندي، والشيخ حسن بن أحمد بن عبد القادر جبينة، الشهير بالدسوقي. # وقد أجاز له إجازة عامة كثير من كبار الشيوخ، منهم مفتي الشام العلامة ~~محمود أفندي الحمزاوي، والإمام طاهر بن عمر الآمدي، مفتي الشام أيضا، ~~والعلامة الشيخ محمد الطنطاوي الأزهري ثم الدمشقي. ### $ 5- طريقته في التأليف: # بلغ الجمود من بعض أدعياء الدين أن امتنعوا عن الاحتجاج بالكتاب والسنة، ~~في أي أمر من أمور الدنيا والدين، وقنعوا بكتب الفقهاء وحدها، على ما فيها ~~من اختلاف. وأصبح قول الفقيه عندهم هو وحده الحجة والسند، فلما أدرك ~~القاسمي هذه الحقيقة المرة، رأى أن الإصلاح لا يمكن أن يتم بالاستشهاد ~~بالكتاب وحده، وإن كان دستور المسلمين الخالد، ولا بالسنة معه، وإن كانت ~~متممة له، لذلك عمد إلى الإكثار من نقل أقوال أئمة المسلمين الغابرين في ~~كتبه، يختار ما كان منسجما مع دعوته السامية، ذلك لأن خصومه من رجال ms0003 الدين، ~~إذا كان لهم أن يعترضوا على أقواله، فليس لهم أن يعترضوا على أقوال الفقهاء ~~الأقدمين، بل عليهم أن يسلموا بما جاء فيها. # ولم يكن يقتصر في نقوله عن الأئمة المعروفين من المذاهب الأربعة وغيرهم ~~من فلاسفة المسلمين. وإنما كان يجد القول الصحيح لدى زيدي أو معتزلي أو ~~خارجي أو غيرهم، فلا يمنعه ذلك من الاستشهاد بقوله. لا بل قد يرى قولا لأحد ~~العلماء الفرنجة، فيسارع إلى التقاطه وضمه إلى كتابه. ### | 6- # أسلوبه: # كان والد القاسمي مولعا بالأدب إلى جانب تعمقه بالفقه، فنشأ ولده تنشئة ~~أدبية على الطريقة التي عرفها أهل ذلك الزمان. وكان أسلوب معظم الكتاب في ~~ذلك العصر يعتبر السجع أصلا في الإنشاء وقد التزمه القاسمي في مقدمات كتبه ~~كلها تقريبا، جريا على ما ألف الناس، ولكنه كان سجعا قليل التكلف، أقرب إلى ~~الفطرة منه إلى الصنعة. # ثم شاعت طريقة الترسل، وكان الأستاذ الإمام محمد عبده من الذين دعوا إلى ~~نشرها، وكان القاسمي أحد المعجبين بالأستاذ الإمام، فعدل عن السجع في بعض ~~ما كتب إلى الترسل، فجاء ### | أسلوبه # فيه عربيا صافيا، رائعا في قوة التركيب، وجزالة الألفاظ، ودقة الأداء. # PageV01P001 # وترسله على قلته، يمثل صفاء ذهن القاسمي، وتمكنه من اللغة العربية وغوصه ~~على المعاني، وسعة اطلاعه على مخلفات التراث العربي القديم، وعلى ما ضمت ~~المكتبة العربية من طريف المؤلفات وحديثها. # ويرى المتتبع لكتبه أنه كان أحرص على الفكرة منه على الأسلوب. أما أسلوبه ~~في الإلقاء فقد أطاعت اللغة العربية لسانه على شكل لم يؤلف لدى رجال الدين ~~في ذلك العصر، وكانت الألفاظ تنثال على لسانه في كثير من الانسجام والرقة ~~والعذوبة. ### $ 7- ثقافته العامة: # لم يكن لرجال الدين في عصر القاسمي أي اهتمام بغير كتب الفقه والآلة، أما ~~القاسمي فقد صرف اهتمامه إلى جميع أنواع المعرفة التي أخذت في الانتشار، ~~وعزم على أن يتعلم في شبابه وكهولته ما فاته تعلمه في طفولته. # ولعل أوضح عنوان لثقافته العامة مؤلفاته الكثيرة المتعددة، ومكتبته ~~الخاصة التي حوت كتبا شتى، لم يخل واحد منها من ms0004 تصحيح أو تعليق. فإلى جانب ~~كتب التفسير والحديث والفقه واللغة والتصوف والأدب والتاريخ، ترى كتب ~~الفلسفة وكتب الاجتماع، وكتب الرياضيات وكتب الجغرافيا. ولم تخل مكتبته من ~~كتب الفرق الإسلامية، وكتب الديانات الأخرى، كاليهودية والنصرانية. أضف إلى ~~هذا أنه كان مواظبا على مطالعة المجلات الشهرية العلمية والتاريخية ~~والأدبية التي كانت تصدر في زمانه كالمقتبس والمقتطف والهلال، ومن الآثار ~~الواضحة لثقافته العامة، مؤلفاته العديدة. فقد ألف في مواضيع نادرة ~~ومتعددة، فإلى جانب مؤلفاته في التفسير والحديث والأصول، وضع كتابا في ~~تاريخ دمشق، ورسالة في الجن، وكتيبا في الشاي والقهوة والدخان، ومقالة عن ~~القلب. # وإذا قرأت كتابه «دلائل التوحيد» رأيت فيه حصيلة حسنة من علوم الفلك ~~والجغرافيا والحيوان والنبات والجيلوجيا. وفي كتابه «إرشاد الخلق إلى العمل ~~بخبر البرق» وضع خاتمة بعنوان «طرف تاريخية وطرائف أدبية» بحث فيها عن ~~«التلغراف» ومعناه، واشتقاقه من اللغة اليونانية، وأول من استعمل الكهرباء ~~في المخابرة عن بعد، وكذلك «التلفون» . # ويحدث أن يصاب عام 1312 بمرض «البواسير» ، فيتألم، ويدفعه ألمه إلى البحث ~~عن هذا المرض بحثا علميا، ويضع في ذلك رسالة سماها «ما قاله الأطباء ~~المشاهير في علاج البواسير» ، ويعقد في كتابه «تعطير الشام في مآثر دمشق ~~الشام» فصلا عن «الزراعة في الشام والذرائع لإصلاحها فتراه يشير الى ~~السمادات الكيماوية وأنواعها: الفسفورية والبوتاسية وإلى ضرورة استعمال ~~الآلات الميكانيكية في الحرث والحصاد، وإلى الآفات والأمراض والحشرات ~~الزراعية وطرق مكافحتها. # وقد أولع عام 1324- 1907 بفقه اللغات، (فيلولوجيا) ، وأخذ يبحث عن أصول ~~بعض الألفاظ المعربة من لغاتها الأصلية: اليونانية والسريانية والعبرية ~~والفارسية والقبطية والألمانية والفرنسية وغيرها. # وعلى الجملة فقد كان آخذا بأطراف المعرفة من كل سبب، لم يمنعه عن ذلك ~~مخالفة في الدين أو المذهب أو العقيدة أو الطريقة. # PageV01P002 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ورقاه في مراتب ~~البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الجن والإنس على معارضته لم يقدروا، ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا. فسبحان من أوضح لنا به معالم الدين، وأبان بمشارق أنواره ms0005 ~~مناهج الأدلة للمجتهدين. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، وأستعينه وأستغفره. ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن ~~سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، بملة حنيفية، وشرعة قويمة ~~علية، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصلوه، وأسسوا قواعده ~~وفصلوه، وجالت أفكارهم في آياته، واعملوا الجد في تحقيق مبادئه وغاياته، ~~وعلى من اقتفى أثرهم، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. # أما بعد، فإن أكرم ما تمتد إليه أعناق الهمم، وأعظم ما تتنافس فيه الأمم، ~~العلم الذي هو حياة القلب، وصحة اللب وأجل أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه ~~وأنفعها، هي العلوم الشرعية، والمعارف الدينية. إذ بها انتظام صلاح العباد، ~~واغتنام الفلاح في المعاد. وعلم التفسير، من بينها، أعلاها شأنا، وأقواها ~~برهانا، وأوثقها بنيانا، وأوضحها تبيانا. فإنه مأخذها وأساسها، وإليه يستند ~~اقتناصها واقتباسها، بل هو، كما وصف به، رئيسها ورأسها. كيف لا وموضوعه، ~~وهو الكتاب المجيد، كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية ~~الرسالة، ونور الأبصار والبصائر. وإنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة ~~بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. فلا جرم، لزم من رام الاطلاع على كليات ~~الشريعة الغراء، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها النجباء، أن يتخذه ~~سميره وأنيسه، ويجعله على المدى، نظرا وعملا، جليسه. # فيوشك أن يفوز بالبغية، ويظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين، وفي ~~الرعيل الأول # PageV01P003 # المهتدين، ويشرق في قلبه نور الإيقان، وتطلع في بصيرته شمس العرفان، ~~ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانا عليا، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم يكن ~~نبيا. # وإني كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه ~~لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبر لآلئ عقوده ودراريه. # وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين، وتعرفت، حين درست، ما تخللها من ~~الغث والسمين. ورأيت كلا، بقدر وسعه، حام حول مقاصده. وبمقدار طاقته، جال ~~في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرا من عمري. ~~ووقفت على الفحص عن ms0006 دقائقه قدرا من دهري. أردت أن أنخرط في سلك مفسريه ~~الأكابر. قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر. وأكون بخدمته موسوما، وفي ~~حملته منظوما. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم. واستخرت الله تعالى في ~~تقرير قواعده، وتفسير مقاصده. في كتاب اسمه بعون الله الجليل: «محاسن ~~التأويل» ، أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشحه بمباحث هي المهمات. وأوضح ~~فيه خزائن الأسرار. وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه فوائد التقطتها من ~~تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر. وزوائد استنبطتها ~~بفكري القاصر. مما قادني الدليل إليه. وقوي اعتمادي عليه. وسيحمد السابح في ~~لججه، والسانح في حججه، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان، وأوردته من ~~أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب، ~~ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن ~~الإيجاز في حل المشكلات. اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة ~~الباطلات، فهنالك تصوب أسنة البراهين نحو نحور الشبهات. # ولا يخفى أن من القضايا المسلمة، والمقدمات الضرورية، أنه مهما تأنق ~~الخبير في تحبير دقائقه السمية، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه ~~الظاهرة، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة، إذ لا قدرة لأحد على ~~استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب، وما تضمنه من لباب اللباب، لأنه منطو ~~على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه ~~مولاه، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقى عن خيرته ومصطفاه. # PageV01P004 # هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير، في مصطلح التفسير. وهي قواعد فائقة، ~~وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين ~~المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه. # فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم، التائق لأسنى نتائج الفهوم، ~~المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعا لمعاني الفرقان، ~~وعقدا ضم درر التبيان، وقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس ~~الحكم ثم وهب لك المهر، فقدم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت، وأقبل ~~على ما قبلك منه فها أنت ms0007 قد فزت بما حصلت. وفارق وهد التقليد راقيا إلى ~~يفاع الاستبصار، وتسنم أوج التحقيق في مطالع الأنظار. والبس التقوى شعارا، ~~والاتصاف بالإنصاف دثارا. واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف به لأهله ملة. ~~ولا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية، أنفة ذوي ~~النفوس العصية. فذلك مرعى لسوامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل. # وكان شروعي في هذه النية الحميدة، بعد استخارته تعالى أياما عديدة في ~~العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمائة وألف. نفعنا الله ~~بما يجري منه على يدينا، ولا جعله حجة علينا، ونحن نستغفر الله مما ~~تعاطيناه من الأمر العظيم، واقتحمناه من الخطر الجسيم، ونستعيذ به من ~~الوقوع في حبائل العدو الرجيم، ونسأله توفيقا يقف بنا على جادة الاستقامة، ~~ويصرفنا عن عمل ما يعقبه ملام أو ندامة، ونرجو من فضله تعالى حياة طيبة ~~وعزما تنحط من دونه المصاعب، وعونا على إكمال هذا المأرب تبيض به وجوه ~~المطالب. وهداية قدسية إلى الطريقة المثلى، وعناية لدنية نقوى بها على ~~تأييد كلمة الحق الفضلى، فهو ولي الأنعام، في البدء والختام. # PageV01P005 ### | تمهيد خطير في قواعد التفسير ### $ 1- قاعدة في أمهات مآخذه: # للناظر في القرآن، لطلب التفسير، مآخذ كثيرة. أمهاتها أربعة: # الأول- النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: وهذا هو الطراز المعلم. لكن ~~يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع، فإنه كثير. ولهذا قال أحمد: ثلاثة كتب ~~لا أصل لها: # المغازي، والملاحم، والتفسير. # قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة. ~~وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام. # والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي في قوله: وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة [الأنفال: 60] . # الثاني- الأخذ بقول الصحابي: فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحاكم في مستدركه. وقال أبو الخطاب، من ~~الحنابلة: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة. والصواب ~~الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي. # قلت: ما قاله الحاكم ms0008 نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، بأن ذلك ~~مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه، مما لا مدخل للرأي فيه. ثم رأيت الحاكم ~~نفسه صرح به في علوم الحديث فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة. وأما من ~~يقول إن تفسير الصحابة مسند، فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول. فقد خصص ~~هنا، وعمم في المستدرك. فاعتمد الأول، والله أعلم. ثم قال الزركشي: وفي ~~الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد. واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن ~~شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه. فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها ~~تلقوها من الصحابة. وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظن من لا فهم ~~عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ~~ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل. وقد يكون بعضهم ~~يخبر عن # PageV01P007 # الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد ~~غالبا. # فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم، إن استويا ~~في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم. # الثالث- الأخذ بمطلق اللغة: فإن القرآن نزل بلسان عربي، وهذا قد ذكره ~~جماعة، ونص عليه أحمد في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن ~~القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني. فقيل: ظاهره المنع. # ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد، ~~وقيل: # الكراهة تحمل على من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل ~~عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون ~~المتبادر خلافها. # وروى البيهقي في (الشعب) عن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب ~~يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا. # الرابع- التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة الشرع: وهذا ~~هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث # قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «1» # ، والذي عناه # علي بقوله: إلا فهما يؤتاه الرجل في ms0009 القرآن # . ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ~~ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى: ولا ~~تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] . وقال: وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون [البقرة: 169] . # وقال: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] . أضاف البيان إليه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» ~~أخرجه أبو داود «2» والترمذي والنسائي. # وقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» «3» أخرجه أبو ~~داود «4» . # وقال البيهقي في الحديث الأول: إن صح. أراد- والله أعلم- الرأي الذي ~~PageV01P008 # يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشده برهان، فالقول به جائز. # وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صح، فإنما أراد به- والله أعلم- ~~فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة. وفي معرفة ~~ناسخه ومنسوخه، وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه، إلى أخبار الصحابة ~~الذين شاهدوا تنزيله، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله ~~تعالى. قال تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [النحل: 44] ~~. # فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه ~~بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم ~~يرد. قال: وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول ~~العلم وفروعه، فيكون موافقته للصواب، إن وافقه، من حيث لا يعرفه، غير ~~محمودة. # وقال الماوردي: قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن ~~يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص ~~صريح. وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام، ~~كما قال تعالى: لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء: 83] ولو صح ما ذهب ~~إليه، لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئا. وإن صح ~~الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد ms0010 رأيه، ولم يعرج على سوى لفظه، ~~وأصاب الحق، فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق. إذ الفرض أنه مجرد رأي لا ~~شاهد له. وفي # الحديث: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» أخرجه أبو نعيم ~~وغيره من حديث ابن عباس # . فقوله «ذلول» يحتمل معنيين: # أحدهما: أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم. # والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين. # وقوله: «ذو وجوه» يحتمل معنيين: # أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل. # والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم. # وقوله: «فاحملوه على أحسن وجوهه» يحتمل معنيين: # أحدهما: الحمل على أحسن معانيه. # والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام # PageV01P009 # وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى- كذا ~~أفاده الزركشي في البرهان. # وقال أبو حيان: ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في ~~فهم معاني تركيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم ~~الآيات يتوقف على ذلك، قال: وليس كذلك. قال الزركشي- بعد حكاية ذلك-: # الحق أن علم التفسير، منع ما يتوقف على النقل، كسبب النزول، والنسخ، ~~وتعيين المبهم، وتبيين المجمل. ومنه ما لا يتوقف. ويكفي في تحصيله الثقة ~~على الوجه المعتبر. قال: وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين ~~التفسير والتأويل، والتمييز بين المنقول والمستنبط، ليحيل على الاعتماد في ~~المنقول وعلى النظر في المستنبط. قال: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد ~~تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد. # والأول إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس ~~التابعين. فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، ~~فإن فسره من حيث اللغة، فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهده ~~من الأسباب والقرائن، فلا شك فيه. وإن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن ~~أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن عباس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بشره بذلك حيث # قال: «اللهم علمه التأويل» # . وقد رجح الشافعي ms0011 قول زيد في الفرائض # لحديث «أفرضكم زيد» «1» . # وأما ما ورد عن التابعين، فحيث جاز الاعتماد فيما سبق، فكذلك، وإلا وجب ~~الاجتهاد. # وأما ما لم يرد فيه نقل، فهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى ~~مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق. # وقال الإمام ابن خلدون في مقدمة «العبر» في علوم القرآن: # وأما التفسير: فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، ~~فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا ~~جملا، PageV01P010 # وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية، بحسب الوقائع، ومنها ما هو ~~في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم، ~~ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ~~المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول ~~الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه، كما علم من قوله تعالى: إذا جاء نصر ~~الله والفتح «1» أنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك. # ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك التابعون ~~من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل ذلك متناقلا بين الصدر الأول والسلف، حتى ~~صارت المعارف علوما، ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار ~~الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي ~~والثعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من ~~الآثار ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة، وأحكام ~~الإعراب، والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك، بعد أن كانت ملكات ~~للعرب، لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب. فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل ~~اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب، وعلى منهاج ~~بلاغتهم. وصار التفسير على صنفين: # تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ ~~والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي. وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن ~~الصحابة والتابعين. # وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم ms0012 تشتمل على ~~الغث والسمين، والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل ~~كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة ~~شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار ~~الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل ~~التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين ~~العرب يومئذ بادية PageV01P011 # مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من ~~حمير، الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما ~~لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما ~~يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن ~~منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في ~~أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، ~~فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملؤوا ~~كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها، كما قلنا، عن أهل التوراة الذين ~~يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنهم بعد ~~صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة. فتلقيت ~~بالقبول من يومئذ. فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن ~~عطية، من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى ~~الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب، متداول بين أهل المغرب الأندلس، حسن المنحى. ~~وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور، بالمشرق. # والصنف الآخر من التفسير، وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة ~~والإعراب، والبلاغة، وتأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب وهذا الصنف من ~~التفسير قل أن ينفرد عن الأول إذ الأول هو المقصود بالذات، وإنما جاء هذا ~~بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة. انتهى. ### $ 2- قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف: # قال الإمام محمد بن المرتضى اليماني رضي الله ms0013 عنه في كتابه «إيثار الحق ~~على الخلق» : ### | فصل # في الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف ~~بطريق واضح لا يشك أهل الإنصاف في حسن التنبيه عليه والإرشاد إليه: # «اعلم أن كتاب الله تعالى، لما كان مفزع الطالب للحق بعد الإيمان، وكان ~~محفوظا كما وعد به الرحمن، دخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره، وعدم # PageV01P012 # الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل، ولو كان لكل مبتدع أن ~~يحمله على ما يوافق هواه، بطل كونه فرقا بين الحق والباطل. وقد ثبت أنه ~~يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وهذا لا يتم إلا بحراسته من ~~دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه، ولبس صوادعه ~~وقواطعه بخوافيه، وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها، ويتأملها حق التأمل، ~~ويتعرف أسبابها ممن قد مارسها» وقد أوضحها رضي الله عنه في كتابه المذكور، ~~وجود الكلام عليها ثم قال: # فإذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين، حيث يكون التفسير راجعا ~~إلى الرواية ثم مراتب التفسير، حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية. # أما مراتب المفسرين: فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم، لما ثبت من الثناء ~~عليهم في الكتاب والسنة، ولأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من ~~غيرهم، ولأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم، وأكثرهم ~~تفسيرا حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد جمع عنه ~~تفسير كامل، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك ~~المعول، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير ~~من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه: # أولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين، وتعلم ~~التأويل أي التفسير، وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله ~~طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه: إنه مما أخرجه ~~البخاري ومسلم بكماله. # وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة «اللهم علمه الكتاب ms0014 ~~والحكمة» # وفي رواية «اللهم فقهه في الدين» # . وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين، ودعا له النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين. وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في ~~مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها. # وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما، وفي التفسير ~~خصوصا، وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة ~~النبوية فيه، وقصة عمر معه، رضي الله عنهما، مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله ~~على من هو أكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك «1» . PageV01P013 # وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة. # ورابعها: أنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال: ~~من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية «بغير علم» رواه ~~أبو داود في العلم، والنسائي في فضائل القرآن، والترمذي في التفسير، وقال: ~~حديث حسن، وشرطه فيما قال فيه «حسن» أن يأتي من غير طريق. # والخامس: أن الطرق إليه محفوظة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع، ممتع. # ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه، وأقدم وأعلم وأفضل، مثل علي ~~بن أبي طالب عليه السلام، من جنسه وأهله، وغيره من أكابر الصحابة رضي الله ~~عنهم. # لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر إليه، رضي الله عنهم أجمعين. # ثم المرتبة الثانية من المفسرين «التابعون» ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في ~~التفسير: مجاهد وعطاء وقتادة والحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ~~ومحمد ابن كعب القرظي وزيد بن أسلم. ويلحق بهؤلاء عكرمة، ثم مقاتل بن حيان ~~ومحمد ابن زيد، ثم علي بن أبي طلحة، ثم السدي الكبير. وتتمة هذا في الإيثار ~~وفي الإتقان. # قال ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، ~~كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ~~وغيرهم. وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود. وعلماء أهل المدينة في التفسير ~~مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس. ms0015 ~~انتهى. ### $ 3- قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد: # قال ابن تيمية: يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه ~~معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه. فقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم ~~يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءون ~~القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من ~~العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. ولهذا كانوا ~~يبقون مدة في حفظ السورة. # PageV01P014 # وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا، رواه أحمد ~~في مسنده. # وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ «1» . # وذلك أن الله قال: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته [ص: 29] . # وقال: أفلا يتدبرون القرآن [النساء: 82] وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا ~~يمكن. وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم، كالطب والحساب ~~ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام ~~دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا. ~~وهو، وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما ~~بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة. وربما تكلموا في بعض ~~ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل. وغالب ما ~~يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: # أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على ~~معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم الصراط ~~المستقيم: بعض بالقرآن، أي اتباعه. وبعض بالإسلام. فالقولان متفقان. لأن ~~دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، ~~كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال: «هو السنة ms0016 والجماعة» ، ~~وقول من قال: «هو طريق العبودية» ، وقول من قال: «هو طاعة الله ورسوله» ~~وأمثال ذلك. فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من ~~صفاتها. # الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل. # وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه ~~وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا ~~[فاطر: 32] الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، ~~والمنتهك للحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق ~~يدخل فيه من سبق، فتقرب بالحسنات مع الواجبات. فالمقتصدون أصحاب اليمين، ~~والسابقون PageV01P015 # السابقون أولئك المقربون. ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع ~~الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي ~~في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق ~~المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، ~~والظالم مانع الزكاة. # قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير، تارة لتنوع الأسماء ~~والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي ~~يظن أنه مختلف. # ومن التنازع الموجود منهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين، إما لكونه ~~مشتركا في اللغة، كلفظ «القسورة» الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد ولفظ ~~«عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئا في الأصل، ~~لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشخصين، كالضمائر في قوله: ثم دنا ~~فتدلى [النجم: 8] الآية، وكلفظ والفجر وليال عشر والشفع والوتر [الفجر: 1- ~~3] وأشباه ذلك. فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، ~~وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، ~~وهذا تارة. وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه وإما لكون ~~اللفظ متواطئا، فيكون عاما إذا لم يكن لمخصصه موجب. فهذا النوع إذا صح فيه ~~القولان كان من الصنف الثاني. # ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس ms0017 اختلافا، أن يعبروا عن ~~المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم «تبسل» بتحبس، وبعضهم بترتهن، ~~لأن كلا منهما قريب من الآخر. ### | فصل # ثم قال: # والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم ~~بغير ذلك. # والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من ~~غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك. وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من # PageV01P016 # ضعيفه، عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته. وذلك كاختلافهم ~~في لون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ~~وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. فهذه ~~الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل. # وما لا، بأن نقل عن أهل الكتاب، ككعب ووهب، وقف عن تصديقه وتكذيبه. # لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم» # ، وكذا ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب. ~~فمتى اختلف التابعون، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن ~~الصحابة نقلا صحيحا، فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين، لأن احتمال أن ~~يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل ~~الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين. ومع جزم الصحابي بما يقوله، ~~كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟ # وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود كثير ولله الحمد، وإن ~~قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي، وذلك لأن ~~الغالب عليها المراسيل. # وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه من الخطأ من جهتين ~~حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي ~~يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل ~~تفسير ms0018 عبد الرزاق والفريابي ووكيع وعبد وإسحاق وأمثالهم. أخذها قوم اعتقدوا ~~معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. # (والثاني) قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين ~~بلغة العرب، من غير نظر المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، ~~فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من ~~الدلالة والبيان. # والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يراد به العربي من غير نظر إلى ما ~~يصلح للمتكلم، وسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ ~~لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ~~ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، ~~وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق. ~~والأولون صنفان: تارة # PageV01P017 # يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل ~~عليه ولم يرد به. وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من ~~المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول. وقد يكون حقا، فيكون خطؤهم ~~في الدليل لا في المدلول. فالذين أخطئوا فيهما، مثل طوائف من أهل البدع، ~~اعتقدوا مذاهب باطلة، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف ~~من الصحابة والتابعين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم. وقد صنفوا تفاسير على ~~أصول مذهبهم. مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبائي وعبد الجبار ~~والرماني والزمخشري وأمثالهم. # وهؤلاء من يكون حسن العبارة يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، ~~كصاحب الكشاف ونحوه. حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة تفاسيرهم ~~الباطلة. وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة وأسلم من البدعة. ولو ذكر ~~كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن، فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير ~~ابن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما ينقله ~~ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم ms0019 طائفة ~~من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، ~~وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ~~فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير، وجاء قوم فسروا ~~الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة ~~والتابعين، صار مشاركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. # وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك ~~كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا، لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم ~~أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله. وأما الذين أخطئوا في الدليل لا في ~~المدلول كمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء، يفسرون القرآن بمعان صحيحة ~~في نفسها، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السلمي في الحقائق، ~~فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأول. انتهى. ### $ 4- قاعدة في معرفة النزول: # قال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب ~~يورث العلم بالمسبب. وقد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا # PageV01P018 # تحسبن الذين يفرحون بما أتوا # [آل عمران: 188] الآية، وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد ~~بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون. حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في ~~أهل الكتاب حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه ~~بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه- أخرجه ~~الشيخان «1» . # وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان: الخمر ~~مباحة، ويحتجان بقوله: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا.. [المائدة: 93] الآية، ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك. وهو أن ~~ناسا قالوا، لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا ~~يشربون الخمر وهي رجس؟ فنزلت- أخرجه أحمد والنسائي «2» وغيرهما-. # ومن ذلك قوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ms0020 فعدتهن ~~ثلاثة أشهر [الطلاق: 4] فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال ~~الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب. وقد بين ذلك سبب النزول: ~~وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من النساء قالوا: قد ~~بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن- الصغار والكبار- أخرجه الحاكم عن أبي- ~~فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن ~~عدة أو لا، وهل عدتهن كاللاتي في سورة البقرة أو لا. فمعنى إن ارتبتم إن ~~أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدون، فهذا حكمهن. # ومن ذلك قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] فإنا لو ~~PageV01P019 # تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ~~ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع. فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر، ~~أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ، على اختلاف الروايات في ذلك. # ومن ذلك قوله: إن الصفا والمروة من شعائر الله ... «1» [البقرة: 158] ~~الآية: فإن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض. وقد ذهب بعضهم إلى عدم ~~فرضيته تمسكا بذلك. وقد ردت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها، وهو ~~أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما، لأنه من عمل الجاهلية، فنزلت. # ومنها رفع توهم الحصر. قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما ... [الأنعام: 145] الآية: إن الكفار لما حرموا ما أحل ~~الله. # وكانوا على المضادة والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا ~~حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا ~~تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة، لا ~~النفي والإثبات على الحقيقة. # فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا ~~إثبات الحل. # قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ms0021 ذلك لما ~~كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية، وتعيين المبهم ~~فيها. # ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: إنه الذي أنزل فيه، والذي قال ~~لوالديه أف لكما [الأحقاف: 17] حتى ردت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها «2» ~~. PageV01P020 # وقال ابن تيمية أيضا: قد يجيء كثير من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت ~~في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصا، كقولهم، إن آية الظهار، نزلت في ~~امرأة ثابت ابن قيس وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله: ~~وأن احكم بينهم [المائدة: 49] نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما ~~يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من اليهود والنصارى، أو ~~في قوم من المؤمنين. # فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، ~~فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق. والناس وإن تنازعوا في اللفظ ~~العام الوارد على سبب هل يختص بسببه، فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة ~~تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما ~~يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معين إن كانت ~~أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته. وإن كانت ~~خبرا بمدح أو ذم، فإنها متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته. # قال ابن تيمية أيضا: قولهم أنزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب ~~النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما نقول ~~عنى بهذه الآية كذا. وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في ~~كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى ~~التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله ~~فيه. وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح، كمسند أحمد، وغيره، بخلاف ما إذا ~~ذكر سببا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا ms0022 في المسند. # وقال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا ~~قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن ~~هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من ~~جنس النقل لما وقع. انتهى. # وقال المحقق أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات: معرفة أسباب التنزيل لازمة ~~لمن أراد علم القرآن. والدليل على ذلك أمران: # أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن ~~معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب ~~من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع. إذ الكلام الواحد # PageV01P021 # يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك. كالاستفهام لفظه ~~واحد، ويدخله معان أخر، من تقرير وتوبيخ وغير ذلك. وكالأمر يدخله معنى ~~الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها. ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور ~~الخارجة. # وعمدتها مقتضيات الأحوال. وليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس ~~الكلام المنقول. وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة، أو ~~فهم شيء منه. ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات ~~في فهم الكتاب بلا بد. ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال. وينشأ ~~عن هذا الوجه. # الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ~~مورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال، حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع ~~النزاع. ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ~~ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟! فأرسل إلى ابن ~~عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟! فقال ابن ~~عباس: يا أمير المؤمنين! إنا أنزل القرآن علينا فقرأناه، وعلمنا فيم نزل. ~~وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه ~~رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، اقتتلوا. قال فزجره عمر وانتهره! ~~فانصرف ابن عباس. ونظر ms0023 عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه فقال: أعد علي ما ~~قلت. فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله صحيح في الاعتبار، ~~ويتبين بما هو أقرب. فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ~~ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات ~~أنزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس ~~عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن. # ثم ساق الشاطبي نحو ما تقدم عن ابن تيمية مطولا، وقال في آخر البحث، وهذا ~~شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل، بحيث لو فقد ذكر السبب، لم ~~يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات. # وقد قال عليه السلام: خذوا القرآن من أربعة، منهم عبد الله بن مسعود «1» ~~. # وقد قال PageV01P022 # في خطبة خطبها: والله! لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من ~~أعلمهم بكتاب الله. # وقال في حديث آخر: والذي لا إله غيره! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا ~~أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ~~ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه «1» . وهذا ~~يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن. # وعن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت، ~~وما أراد بها. وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب. # وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله وعليك ~~بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن. وعلى الجملة فهو ظاهر ~~بالمزاولة لعلم التفسير. انتهى. # وقال ولي الله الدهلوي في الفوز الكبير: ومن المواضع الصعبة معرفة أسباب ~~النزول. ووجه الصعوبة فيها خلاف المتقدمين والمتأخرين. والذي يظهر من ~~استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم لا يستعملون «نزلت في كذا» لمحض قصة ~~كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم، ms0024 وهي سبب نزول الآية. بل ربما يذكرون بعض ~~ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، أو بعده صلى الله ~~عليه وسلم. ويقولون: «نزلت في كذا» ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود، بل ~~يكفي انطباق أصل الحكم فقط. وقد يقررون حادثة تحققت في تلك الأيام ~~المباركة، واستنبط صلى الله عليه وسلم حكمها من آية، وتلاها في ذلك الباب، ~~ويقولون: «نزلت في كذا» وربما يقولون: في هذه الصورة، فأنزل الله قوله كذا، ~~فكأنه إشارة إلى أنه استنباطه صلى الله عليه وسلم. وإلقاؤها في تلك الساعة ~~بخاطره المبارك أيضا، نوع من الوحي والنفث في الروع. فلذلك يمكن أن يقال: ~~فأنزلت، ويمكن أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول. ويذكر المحدثون في ذيل ~~آيات القرآن كثيرا من الأشياء ليست من قسم سبب النزول في الحقيقة. مثل ~~استشهاد الصحابة في مناظراتهم بآية، أو تمثيلهم بآية، أو تلاوته صلى الله ~~عليه وسلم آية للاستشهاد في كلامه الشريف، أو رواية حديث وافق الآية في أصل ~~الغرض، أو تعيين موضع النزول، أو تعيين أسماء PageV01P023 # المذكورين بطريق الإبهام، أو بطريق التلفظ بكلمة قرآنية، أو فضل سور ~~وآيات من القرآن، أو صورة امتثاله صلى الله عليه وسلم بأمر من أوامر القرآن ~~ونحو ذلك. وليس شيء من هذا في الحقيقة من أسباب النزول، ولا يشترط إحاطة ~~المفسر بهذه الأشياء، إنما شرط المفسر أمران: # الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات ~~إلا بمعرفة تلك القصص. # والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن ~~الظاهر. فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. # ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السابقين لا تذكر في الحديث إلا على ~~سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها ~~منقولة عن علماء أهل الكتاب، إلا ما شاء الله تعالى. # وقد جاء في صحيح البخاري مرفوعا: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم «1» # . وليعلم أن الصحابة والتابعين ربما كانوا يذكرون قصصا ms0025 جزئية لمذاهب ~~المشركين واليهود وعاداتهم من الجهالات لتتضح تلك العقائد والعادات، ~~ويقولون: نزلت الآية في كذا. ويريدون بذلك أنها نزلت في هذا القبيل، سواء ~~كان هذا وما أشبهه، أو ما قاربه. ويقصدون إظهار تلك الصورة، لا بخصوصها، بل ~~لأجل أن التصوير صالح لتلك الأمور الكلية. ولهذا تختلف أقوالهم في كثير من ~~المواضع، وكل يجر الكلام إلى جانب. وفي الحقيقة، المطالب متحدة. # وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء حيث قال: لا يكون أحد فقيها حتى يحمل ~~الآية على محامل متعددة. انتهى. # وقال أيضا: من جملة الآثار المروية في كتب التفسير بيان سبب النزول. # وسبب النزول على قسمين: # الأول: أن تقع حادثة يظهر فيها إيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، كما وقع ~~في أحد والأحزاب، أنزل الله تعالى مدح هؤلاء، وذم أولئك، ليكون فيصلا بين ~~PageV01P024 # الفريقين. وربما يقع في مثل هذا من التعريض بخصوصيات الحادثة ما يبلغ حد ~~الكثرة. فيجب أن يذكر شرح الحادثة مختصرا ليتضح سوق الكلام على القارئ. # القسم الثاني: أن يتم معنى الآية بعمومها من غير احتياج إلى العلم ~~بالحادثة التي هي سبب النزول. والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ذكر ~~قدماء المفسرين تلك الحادثة بقصد الإحاطة بالآثار المناسبة للآية، أو بقصد ~~بيان ما صدق عليه العموم. وليس ذكر هذا القسم من الضروريات. # وقد تحقق عند الفقير، أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون: نزلت ~~الآية في كذا وكذا، وكان غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية، وذكر بعض الحوادث ~~التي تشملها الآية بعمومها، سواء تقدمت القصة أو تأخرت، إسرائيليا كان ذلك ~~أو جاهليا أو إسلاميا، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها والله أعلم. # فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا، وللقصص المتعددة ~~هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول ~~بأدنى عناية، انتهى كلامه. ### $ 5- قاعدة في الناسخ والمنسوخ # قد تقرر أن النسخ في الشرائع جائز، موافق للحكمة وواقع. فإن شرع موسى نسخ ~~بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم. وشرع عيسى نسخ ms0026 بعض أحكام التوراة. # وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة. لأن الأحكام العملية التي ~~تقبل النسخ، إنما تشرع لمصلحة البشر. والمصلحة تختلف باختلاف الزمان، ~~فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه. # وكما تنسخ شريعة بأخرى، يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك ~~الشريعة. فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم، فنسخ ذلك ~~بالتوجه إلى الكعبة، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين. ولكن هناك خلافا في ~~نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن. فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني ~~المفسر الشهير: ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرج كل ما قالوا إنه منسوخ ~~على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل. # وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ للقرآن، وإنما هي نسخ لحكم، لا ندري # PageV01P025 # هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاده، أم بأمر من الله تعالى غير ~~القرآن، فإن الوحي غير محصور في القرآن. # ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن، بناء على أنه لا مانع من نسخ ~~حكم آية مع بقائها في الكتاب، يعبد الله تعالى بتلاوتها، وتذكر نعمته، ~~بالانتقال من حكم كان موافقا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام، إلى ~~حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان. فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه، ~~كالتخفيف في تكليف المؤمنين بقتال عشرة أمثالهم، والاكتفاء بمقاتلة الضعف ~~بأن تقاتل المائة مائتين. واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر ~~الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال: ~~إن الثانية ناسخة للأولى. أما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ ~~فيها. # وقال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: مراد عامة السلف ~~بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة- وهو اصطلاح المتأخرين- ورفع دلالة ~~العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد مطلق. وحمله على ~~المقيد وتفسيره وتبيينه. حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا، ~~لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ، عندهم وفي لسانهم، هو ~~بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج ms0027 عنه. ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك ~~فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح ~~الحادث المتأخر. # انتهى. # وقال ولي الله الدهلوي في الفوز الكبير: من المواضع الصعبة في فن التفسير ~~التي ساحتها واسعة جدا، والاختلاف فيها كثير، معرفة الناسخ والمنسوخ، وأقوى ~~الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين، وما علم في هذا الباب، ~~من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء ~~المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى ~~النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى، إما بانتهاء مدة العمل، ~~أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من ~~القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ~~ظاهرا، أو إزالة عادة الجاهلية، أو الشريعة السابقة، فاتسع باب النسخ عندهم ~~وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف. ولهذا بلغ عدد الآيات ~~المنسوخة خمسمائة. # PageV01P026 # وإن تأملت، متعمقا، فهي غير محصورة. والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد ~~قليل. لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه. انتهى. # وقال الإمام الشاطبي في الموافقات: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ ~~عندهم، في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصوليين. فقد يطلقون على تقييد ~~المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم، بدليل متصل أو منفصل، نسخا، وعلى بيان ~~المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي، بدليل شرعي متأخر، ~~نسخا. لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد. وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر ~~اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا، ~~فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به. وهذا المعنى جاء في تقييد ~~المطلق. # فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو ~~المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. # وكذلك العام مع الخاص. إذ كان ظاهر العام شمول الحكم لجميع ما يتناوله ~~اللفظ. # فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر ms0028 العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ. ~~إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، ~~وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم، كالمقيد مع المطلق. فلما ~~كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني، لرجوعها إلى شيء ~~واحد. ولا بد من أمثلة تبين المراد: فقد روي عن ابن عباس أنه قال في قوله ~~تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد [الإسراء: 18] أنه ~~ناسخ لقوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها [الشورى: 20] وهذا، على التحقيق، تقييد لمطلق. إذ كان ~~قوله نؤته منها مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة، وهو قوله في الأخرى لمن نريد ~~وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. # وقال في قوله والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله: وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون [الشعراء: 224- 226] هو منسوخ بقوله: إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا.. [الشعراء: 227] الآية، قال مكي- وقد ذكر عن ~~ابن عباس، في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء، أنه قال: منسوخ- ~~قال: # وهو مجاز لا حقيقة. لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه، بينه حرف ~~الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل من ~~المنسوخ، رافع # PageV01P027 # لحكمه، وهو بغير حرف. هذا ما قال. ومعنى ذلك: أنه تخصيص للعموم قبله، ~~ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ، إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص. # وقال في قوله تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها [النور: 27] أنه منسوخ بقوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة.. [النور: 29] الآية. وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء. غير أن ~~قوله: ليس عليكم جناح يثبت في الآية الأخرى أنما يراد بها المسكونة. # وقال في قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا [التوبة: 41] ، أنه منسوخ ~~بقوله: # ما كان المؤمنون لينفروا كافة [التوبة: 122] ، والآيتان في معنيين. ولكنه ~~نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك أن لا يجب النفير على الجميع. # وقال في ms0029 قوله تعالى: قل الأنفال لله والرسول [الأنفال: 1] منسوخ بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه.. [الأنفال: 41] الآية، وإنما ~~ذلك بيان لمبهم في قوله: لله والرسول. # وقال في قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء أنه منسوخ ~~بقوله: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها.. # الآية. وآية الأنعام خبر من الأخبار، والأخبار لا تنسخ ولا تنسخ. # وقال في قوله: وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه.. [النساء: 8] الآية: أنه منسوخ بآية المواريث. وقال مثله الضحاك ~~والسدي وعكرمة. وقال الحسن: منسوخ بالزكاة. وقال ابن المسيب: نسخه الميراث ~~والوصية. # والجمع بين الآيتين ممكن، لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولي ~~القربى من لا يرث. بدليل قوله: وإذا حضر كما ترى الرزق بالحضور، فإن المراد ~~غير الوارثين. وبين الحسن أن المراد الندب أيضا بدليل آية الوصية والميراث ~~فهو من بيان المجمل والمبهم. # وقال هو وابن مسعود في قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء [البقرة: 284] أنه منسوخ بقوله: لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها [البقرة: 286] بدليل أن ابن عباس فسر الآية بكتمان الشهادة، إذ تقدم ~~قوله ولا تكتموا الشهادة ثم قال: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه # PageV01P028 # يحاسبكم به الله الآية. فحصل أن ذلك من باب تخصيص العموم أو بيان المجمل. # وقال في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها [النور: 31] أنه منسوخ ~~بقوله: والقواعد من النساء [النور: 60] الآية، وليس بنسخ وإنما هو تخصيص ~~لما تقدم من العموم. # وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت في قوله تعالى: وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم [المائدة: 5] أنه ناسخ لقوله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه [الأنعام: 121] فإن كان المراد أن طعام أهل الكتاب حلال وإن لم ~~يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص للعموم. # وإن كان المراد طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضا من باب تخصيص. # لكن آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في ms0030 الوجه الأول، وفي الثاني ~~بالعكس. # وقال عطاء في قوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره [الأنفال: 16] أنه منسوخ ~~بقوله: إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] إلى آخر ~~الآيتين، وإنما هو تخصيص وبيان لقوله ومن يولهم فكأنه على معنى ومن يولهم ~~وكانوا مثلي عدد المؤمنين، فلا تعارض ولا نسخ بالإطلاق الأخير، والأمثلة ~~كثيرة. انتهى. # وسيأتي في تفسير قوله تعالى: ما ننسخ من آية [البقرة: 106] زيادة على ما ~~هنا بعونه تعالى. ### $ 6- قاعدة في القراءة الشاذة والمدرج: # قال أبو عبيد في فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة ~~المشهورة وتبيين معانيها. كقراءة عائشة وحفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» ~~وقراءة ابن مسعود «فاقطعوا أيمانهما» وقراءة جابر «فإن الله من بعد إكراههن ~~لهن غفور رحيم» . # قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن. وقد كان يروى مثل هذا ~~عن التابعين في التفسير فيستحسن. فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في ~~نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى؟ فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف # PageV01P029 # معرفة صحة التأويل. انتهى. # وقال القراب في الشافعي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه ~~أثر ولا سنة، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز ~~الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد. انتهى. # ومن القراآت ما يشبه من أنواع الحديث المدرج. وهو ما زيد في القراآت على ~~وجه التفسير. كقراءة سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أم» أخرجها سعيد بن ~~منصور، وقراءة ابن عباس «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم ~~الحج» «1» أخرجها البخاري، وقراءة ابن الزبير «ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم» ~~قال عمرو: # فما أدري أكانت قراءته أم فسر- أخرجه سعيد بن منصور وأخرجه الأنباري، ~~وجزم بأنه تفسير. # وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: «وإن منكم إلا واردها الورود الدخول» قال ~~الأنباري: قوله: «الورود الدخول» تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه ~~بعض ms0031 الرواة فأدخله في القرآن. # قال ابن الجزري في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراآت ~~إيضاحا وبيانا. لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا. ~~فهم آمنون من الالتباس. وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض ~~الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب وساء- كذا في الإتقان. ### $ 7- قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات # قال الإمام أبو العباس أحمد بن زروق في قواعد التصوف: التأثير بالأخبار ~~عن الوقائع أتم لسماعها من التأثير بغيرها. فمن ثم قيل: الحكايات جند من ~~جنود الله يثبت الله بها قلوب العارفين. قيل: فهل تجد لذلك شاهدا من كتاب ~~الله؟ قال: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [هود: 120] ، ووجه ذلك: # أن شاهد الحقيقة بالفعل أظهر وأقوى في الانفعال من شاهدها اللغوي، إذ ~~مادة PageV01P030 # الفاعل مستمرة في الفعل لغابر الدهر. # وقال ولي الله الدهلوي، قدس سره، في أصول التفسير، في فصل الكلام على ~~معرفة أسباب النزول: # شرط المفسر أمران: # الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات ~~إلا بمعرفة تلك القصص. # والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن ~~الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. # ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السالفين لا تذكر في الحديث إلا على ~~سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها ~~منقولة عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء الله تعالى. انتهى. # فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات ~~الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيلي. كالذي جرى في عهده صلى الله عليه ~~وسلم، أو أخبر عنه. فهذا تكفل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد ~~المتصلة، فلا مغمز فيه. # وأما ما كان إسرائيليا، وهو الذي أخذ جانبا وافرا من التنزيل العزيز، فقد ~~تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من ~~المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء ms0032 كانوا تلقفوا أنباءها عن ~~قادتهم. إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور ~~الأخيرة. واشتهر ضن رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، ~~فيروون ما شاؤوا غير مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع. # ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك، طابق أسفارهم أم لا، إذ ~~لم يألوا جهدا في نشر العلم وإيضاح ما بلغهم وسمعوه. إما تحسينا للظن في ~~رواة تلك الأنباء وأنهم لا يروون إلا الصحيح، وإما تعويلا على ما # رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ~~«1» # ورواه أبو داود أيضا بإسناد صحيح عن PageV01P031 # أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج» # فترخصوا في روايتها كيفما كانت، ذهابا إلى أن القصد منها الاعتبار ~~بالوقائع التي أحدثها الله تعالى لمن سلف لينهجوا منهج من أطاع فأثنى عليه ~~وفاز. وينكبوا عن مهيع من عصى فحقت عليه كلمة العذاب وهلك. هذا ملحظهم رضي ~~الله عنهم. # وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: إذا روينا في الأحكام ~~شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا، فبالأحرى القصص. وبالجملة فلا ينكر ~~أن فيها الواهيات بمرة، والموضوعات، مما استبان لمحققي المتأخرين. وقد ~~رأيت، ممن يدعي الفضل، الحط من كرامة الإمام الثعلبي، قدس الله سره العزيز، ~~لروايته الإسرائيليات وهذا، وأيم الحق، من جحد مزايا ذوي الفضل ومعاداة ~~العلم. على أنه، قدس سره، ناقل عن غيره، وراو ما حكاه بالأسانيد إلى أئمة ~~الأخبار. وما ذنب مسبوق بقول نقله باللفظ وعزاه لصاحبه؟ فمعاذا بك، اللهم! ~~من هضيمة السلف. # وقد رأيت له في تاريخ القاضي ابن خلكان ترجمة عالية أحببت إثباتها هنا، ~~تعريفا بمقامه لدى الجاهل به. # قال القاضي في حرف الهمزة: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري ~~المفسر المشهور: كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي ~~فاق غيره ms0033 من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله ~~وسلامه عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعاني، وقال: يقال له الثعلبي، والثعالبي، ~~وهو لقب له ليس بنسب، قاله بعض العلماء. # وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور، وأثنى ~~عليه، وقال: حدث عن أبي طاهر بن خزيمة والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، ~~وكان كثير الحديث، كثير الشيوخ، توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة. # وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. # وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين ~~وأربعمائة. رحمه الله تعالى. انتهى. # والقصد أن الصالحين كانوا يتقبلون الروايات على علاتها للملاحظة المارة، ~~لصفاء سريرتهم. فلا ينبغي إلا تفنيد الموضوع منها، لا الحط من مقامهم وقرض ~~أعراضهم. كيف وقد تلقى الصحابة ومن بعدهم الإسرائيليات وحكوها، بل بعضهم # PageV01P032 # اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق ~~تحريفهم. # روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنه، أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب وأدمن النظر فيها ورأى فيها ~~عجائب. # وقال السيوطي في الإتقان في طبقات المفسرين: وورد عن عبد الله بن عمرو ~~ابن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة، وما أشبهها بأن يكون ~~مما تحمله عن أهل الكتاب. # وقال أيضا، في آخر الإتقان: حديث الفتون طويل جدا، يتضمن شرح قصة موسى ~~وتفسير آيات كثيرة تتعلق به، وقد نبه الحفاظ منهم المزي وابن كثير على أنه ~~موقوف من كلام ابن عباس. قال ابن كثير: وكان ابن عباس تلقاه من ~~الإسرائيليات. انتهى. # وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل كنيسة لليهود وسمع قراءة ~~التوراة حتى أتوا على صفته. # روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: إن الله عز وجل ~~ابتعث نبيه لإدخال رجل الجنة، فدخل الكنيسة فإذا يهود، وإذا يهودي يقرأ ~~عليهم التوراة. فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا، وفي ~~ناحيتها رجل مريض، ms0034 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم أمسكتم؟ فقال ~~المريض: إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا. ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ ~~التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. فقال: # هذه صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لوا أخاكم» «1» . # وروى الإمام أحمد أيضا في مسنده عن أبي صخر العقيلي قال: حدثني رجل من ~~الأعراب قال: جلبت جلوبه إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فلما فرغت من بيعتي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني ~~بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ~~ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان ~~وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة! هل ~~تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه: هكذا، أي لا. فقال ابنه: إي ~~والله الذي أنزل التوراة! إنا لنجد في كتابنا PageV01P033 # صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! فقال: أقيموا ~~اليهودي عن أخيكم، ثم ولي دفنه وحنطه وصلى عليه «1» . # وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة عبد الله بن سلام الحبر رضي ~~الله عنه: عن إبراهيم بن أبي يحيى، قال: حدثنا معاذ بن عبد الرحمن عن يوسف ~~بن عبد الله بن سلام عن أبيه: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة # . قال الذهبي: فهذا- إن صح- ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها. ~~انتهى. # أي ليعلم المحرف فيها من سياق القرآن الكريم، وليتبصر فيما تقوم به الحجة ~~على حملة أسفارها، وليزداد معرفة بمجادلتهم من معتقدهم، ولغير ذلك. # قال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد ~~الرحمن السدي الكبير، في تفسيره، عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن عباس. ~~ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ms0035 ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث # قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي ~~متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» . رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو. # ولهذا كان عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، قد أصاب يوم اليرموك ~~زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من ~~الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتقاد. # فإنها على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. # والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه. # والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن ~~به ولا نكذبه، ويجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى ~~أمر ديني. انتهى. # فحيث جازت حكايته، على ما قاله، فالأولى رواية ما كان من القسم الأول أو ~~الثالث عن نص كتبهم، كما هو مذهب عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، كما ~~نقله ابن كثير هنا، والذهبي والسيوطي كما تقدم. PageV01P034 # وإنما كان الأولى، في رواية الإسرائيليات، ما ذكرنا دفعا لمناقشة بعضهم ~~على الإسرائيليات المتداولة في التفاسير بأنها لم ترو في كتب الحديث ~~المشهورة حتى تكون المرجع، ولم تؤخذ من أسفارهم حتى تتطابق معها، فارتأى ~~النقل عنها لذلك، لا اعتقادا بسلامتها من التحريف المحقق، كلا. بل توسعا في ~~باب الأخبار للاستشهاد والاعتبار. قياما بالحجة على الخصم من معتقده، ~~وناهيك بذلك. # قال ابن حزم في كتاب الملل والنحل، بعد ما أوضح البراهين العديدة على ~~تحريفهم وتبديلهم: إن الله تعالى كما أطلق أيديهم في تبديل ما شاء رفعه من ~~ذينك الكتابين، كف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين، حجة عليهم. # وممن كان يرى جواز النقل عن كتبهم، من قدماء الشافعية، الإمام الماوردي. # كما تراه في مواضع من كتابه «أعلام النبوة» . # وممن حقق هذا البحث الإمام برهان الدين البقاعي، ثم ms0036 الدمشقي، في تفسيره ~~«المناسبات» الذي قال عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا: «ما ألف نظيره وجدير ~~بأن يكتب بماء الذهب» كما حكاه عنه تلميذه الإمام الهيتمي في آخر فتاويه ~~الحديثية. # وهاك ما قاله البقاعي، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم [البقرة: 34] ، ما نصه: فإن أنكر منكر الاستشهاد ~~بالتوراة أو بالإنجيل، وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان ~~بما يعتقده، تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] ، وقوله تعالى: وأنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا [المائدة: 48] في ~~آيات من أمثال ذلك كثيرة. # وذكرته باستشهاد النبي صلى الله عليه وسلم بالتوراة في قصة الزاني «1» . # وروى الشيخان «2» عن PageV01P035 # أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون الأرض يوم ~~القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك ~~يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون ~~الأرض خبزة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه. # وقريب من ذلك حديث الجساسة «1» في أشباهه. # هذا فيما يصدقه كتابنا، وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه، # فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ورواه مسلم والترمذي ~~والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه # ، وهو معنى ما # في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون ~~التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالذي أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم الآية # . فإن دلالة هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها. ولذا ~~أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. ms0037 # فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة ~~مستندا إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل ~~مما لا يحل الانتفاع به لأنهم بدلوا وغيروا وكذا قال غيره من الأصحاب. قيل ~~له: هذا مخصوص بما علم تبديله. بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل. فدار ~~الحكم معه. # ونص الشافعي ظاهر في ذلك. قال المزني عنه في مختصره، في باب جامع ~~PageV01P036 # السير: وما كان من كتبهم- أي الكفار- فيه طب وما لا مكروه فيه، بيع، وما ~~كان فيه شرك بطل وانتفع بأوعيته. # وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمة كتب الأعاجم، قال الشافعي: وما ~~وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علما ~~من طب أو غيره لا مكروه فيه، باعه كما يبيع ما سواه من المغانم. وإن كان ~~كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا ~~دفنه قبل أن يعلم ما هو. انتهى. # فقوله في الأم: «كتاب شرك» مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزني عن ذلك ~~بقوله: وما كان فيه شرك، أي من أبواب الكتاب وفصوله. # وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث: أن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت ~~تلاوته من القرآن في أصح الوجهين: والتعبير «بالأصح» على ما اصطلحوا عليه، ~~يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قوي. # وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب، الشيخ محي الدين النووي رحمه الله في ~~مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذب وأقره، أن المتولي قال: # فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل، كره مسه. انتهى. # فكراهة المس للاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة. # وأصرح من ذلك كله قول الشافعي رحمه الله: أن ما لا مكروه فيه يباع. وكذا ~~قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم- أي الجنب- بكلمة ~~توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر ms0038 ~~الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فجائز. # قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على ~~كل أحيانه «1» . # فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب ~~قراءته من غير أمر ملجئ جاز للمحدث، ولا عكس. PageV01P037 # وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر لله تعالى. # ولا يجوز الحمل على العموم، لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: أنه ~~يجوز الاستنجاء بها، لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل. وهو ضعيف ~~أو محمول على المبدل منهما. لأنه لا يخفى على أحد أن مسلما، فضلا عن عالم، ~~لا يقول أنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح: قال ~~الله جميع هذه الآيات كلها. أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من ~~العبودية والرق لا يكونن لك آلهة غيري. لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل ~~التي مما في السماء فوق، وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض. لا ~~تسجدن لها ولا تعبدنها. لأني أنا الرب إلهك إله غيور. لا تقسم بالرب إلهك ~~كذبا. لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في ~~الأرض التي يعطيكها الرب إلهك. لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على ~~صاحبك شهادة زور. # وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل ابن حجر في آخر ~~شرحه للبخاري. وآخر ما حط عليه، التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم ~~الشرعية، فيجوز له النظر في ذلك، فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون. ~~وبين غيره فلا يجوز له ذلك. وأيده بنظر الأئمة فيها قديما وحديثا، والرد ~~على أهل الكتابين بما يستخرجونه منها. فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه. ~~والله الموفق. # وقد حررت هذه المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين ~~الدين العرافي. فراجعه إن شئت. والله الهادي. # ثم صنفت في ذلك ms0039 تصنيفا حسنا سميته، الأقوال القويمة في حكم النقل من ~~الكتب القديمة، كلام البقاعي الدمشقي رحمه الله تعالى. # وأما مسألة تحريف الكتابين، أعني التوراة والإنجيل، فقد نقل البخاري في ~~أواخر صحيحه في باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ عن ابن ~~عباس: يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكن ~~يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله. # قال أبو الفضل ابن حجر في شرحه: قال شيخنا ابن الملقن في شرحه: هذا الذي ~~قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية، وهو مختاره. أي البخاري. # ثم قال ابن حجر: اختلف في هذه المسألة على أقوال: # PageV01P038 # أحدها: أنها بدلت كلها. وهو مقتضى القول المحكي بجواز الامتهان، وهو ~~إفراط. وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر، وإلا فهي مكابرة. والآيات ~~والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى: ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل [الأعراف: 157] الآية- ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية ~~الرجم. # ويؤيده قوله تعالى: قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: ~~93] . # ثانيها: أن التبديل وقع ولكن في معظمها. وأدلته كثيرة. وينبغي حمل الأول ~~عليه. # ثالثها: وقع في اليسير منها. ومعظمها باق على حاله. ونصره الشيخ تقي ~~الدين ابن تيمية في كتابه «الرد الصحيح على من بدل دين المسيح» . # رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وهو المذكور ~~هنا. # وبالجملة فكتب الكتابيين، كأقوالهم، لا يعتمد عليها كلها. لظهور الكذب ~~والتناقض فيها إلى اليوم. ولظهور تلفيقها. فهي ككتب القصص عندنا. فيها شيء ~~من القرآن والسنة، ولكنه ممزوج بالأكاذيب والآراء المقتبسة من الأمم. ثم إن ~~موافقة القرآن الكريم أو الحديث الصحيح لبعض ما في كتبهم دون بعض، يدل على ~~أن الله تعالى بين له حق كلامهم من باطله، وصدقه من كذبه. وهذا معنى قوله ~~تعالى: ومهيمنا عليه [المائدة: 48] . # قال بعضهم: لا شيء يعول عليه في صحة بعض أقوال كتب اليهود دون ms0040 بعض، بعد ~~ما طرأ عليها من الضياع والتحريف والخلط. إلا الوحي. وقد ثبتت نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالدلائل الساطعة والآثار النافعة. انتهى. أي فعلى وحيه ~~المعول فالحمد لله الذي وفقنا لاتباعه. ### | فصل في معنى ما نقل أن للقرآن ظاهرا وباطنا. # قال الشاطبي في الموافقات: من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرا وباطنا، ~~وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار. # فعن الحسن، مما أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ما أنزل ~~الله آية إلا لها ظهر وبطن، # بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرف حد وكل # PageV01P039 # حد مطلع. وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن ~~الله لمراده، لأن الله تعالى قال: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~[النساء: 78] . والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم ~~لا يفهمون نفس الكلام. كيف وهو منزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله ~~من الكلام، وكان هذا هو معنى ما روي عن علي أنه سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: ~~لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة «1» . ~~الحديث. # وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث إذ قال: الظهر هو الظاهر والباطن هو السر. # وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا [النساء: 82] . فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به لأنهم عرب. # والمراد شيء آخر، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله. وإذا حصل التدبر ~~لم يوجد في القرآن اختلاف البتة. فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الاتفاق، ~~وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه. ولما قالوا في الحسنة: هذا من عند ~~الله، وفي السيئة: هذا من عند رسول الله، بين لهم أن كلا من عند الله، ~~وأنهم لا يفقهون حديثا، لكن بين الوجه الذي يتنزل عليه أن كلا من عند الله ~~بقوله: ما أصابك من حسنة فمن الله.. [النساء: 79] الآية. وقال تعالى: أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] فالتدبر إنما ms0041 يكون لمن ~~التفت إلى المقاصد. وذلك ظاهر أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم ~~تدبر. # قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين: أحدهما يكون برواية، فليس يعتبر ~~فيها إلا النقل. والآخر يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة ~~عن لسان العبد، وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام علي. PageV01P040 # وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد ~~الله تعالى من كلامه وخطابه، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر، ~~فصحيح. ولا نزاع فيه. وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان ~~معلوما عند الصحابة ومن بعدهم، فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى. لأنها ~~أصل يحكم به على تفسير الكتاب. # فلا يكون ظنيا. وما استدل به إنما غايته، إذا صح سنده، أن ينتظم في سلك ~~المراسيل وإذا تقرر هذا فليرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول الله. ~~وله أمثلة تبين معناه بإطلاق. فعن ابن عباس: كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من ~~حيث تعلم. فسألني عن هذه الآية: إذا جاء نصر الله والفتح فقلت: إنما هو أجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه. وقرأ السورة إلى آخرها. فقال ~~عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم. # فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسبح بحمد الله ~~ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه. وباطنها أن الله نعى إليه نفسه. # ولما نزل قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم ... [المائدة: 3] فرح ~~الصحابة، وبكى عمر وقال: ما بعد الكمال إلا النقصان. مستشعرا نعيه عليه ~~السلام. # فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما. وقال تعالى: مثل الذين اتخذوا من ~~دون الله أولياء كمثل العنكبوت.. [العنكبوت: 41] الآية. قال الكفار: ما بال ~~العنكبوت والذباب يذكر في القرآن. ما هذا الكلام لإله فنزل إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ms0042 ما بعوضة فما فوقها [البقرة: 26] فأخذوا بمجرد الظاهر، ~~ولم ينظروا في المراد. فقال تعالى: فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم ... الآية. # ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو ~~لهو ولعب، وظل زائل. وترك ما هو المقصود منها، وهو كونها مجازا ومعبرا لا ~~محل سكنى. وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير. # ولما قال تعالى: عليها تسعة عشر [المدثر: 27 و 30] نظر الكفار إلى ظاهر ~~العدد. فقال أبو جهل، فيما روي: لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم. ~~فبين الله تعالى باطن الأمر بقوله: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ... # PageV01P041 # [المدثر: 31] ، إلى قوله: وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا. # وقال: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [المنافقون: ~~8] فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا. وقال تعالى: ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ... # وقال تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث.. [لقمان: 6] الآية. # لما نزل القرآن، الذي هو الهدى للناس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر ~~بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية، أو بالغناء، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ~~ما أنزل الله. # وقال تعالى في المنافقين: لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله.. # [الحشر: 13] وهذا عدم فقه منهم. لأن من علم أن الله هو الذي بيده ملكوت ~~كل شيء، وأنه هو مصرف الأمور، فهو الفقيه. ولذلك قال تعالى: ذلك بأنهم قوم ~~لا يفقهون. # وكذلك قوله تعالى: صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون [التوبة: # 127] ، لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا. # فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر ~~الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه. وإذا ثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من ~~خطابه، وهو باطنه. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو ~~داخل تحت الظاهر. فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ~~ظاهر القرآن، فإذا فهم ms0043 الفرق بين ضيق في قوله تعالى: يجعل صدره ضيقا حرجا ~~... [الأنعام: # 125] وبين ضائق في قوله: وضائق به صدرك.. [هود: 12] والفرق بين النداء: ~~«بيا أيها الذين آمنوا، ويا أيها الذين كفروا» وبين النداء «بيا أيها ~~الناس، أو بيا بني آدم» والفرق بين ترك العطف في قوله: إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم ... [البقرة: 6] والعطف في قوله: ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث. [لقمان: 6] # PageV01P042 # وكلاهما قد تقدم عليه وصف المؤمنين. والفرق بين تركه أيضا في قوله: ما ~~أنت إلا بشر مثلنا.. [الشعراء: 154] وبين الآية الأخرى: # وما أنت إلا بشر مثلنا [الشعراء: 186] . والفرق بين الرفع في قوله: قال ~~سلام [هود: 69] والنصب فيما قبله من قوله: قالوا سلاما [هود: 69] . # والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكر من قوله: إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا [الأعراف: 201] وبين الإتيان باسم الفاعل في ~~الإبصار من قوله: # فإذا هم مبصرون.. أو فهم الفرق بين «إذا» «وإن» في قوله تعالى: فإذا ~~جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ... # [الأعراف: 131] وبين جاءتهم وتصبهم بالماضي مع إذا، والمستقبل مع إن ~~وكذلك قوله: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون [يونس: 21] مع إتيانه بقوله: «فرحوا» بعد «إذا» و ~~«يقنطون» بعد «إن» وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخري أهل البيان، ~~فإذا حصل فهم ذلك كله على ترتيبه في اللسان العربي، فقد حصل فهم ظاهر ~~القرآن. # ومن هنا حصل إعجاز القرآن عند القائلين بأن إعجازه بالفصاحة. فقال الله ~~تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله.. # [البقرة: 23] الآية. وقال تعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله [هود: 13] وهو لائق أن يكون ~~الإعجاز بالفصاحة لا بغيرها. إذ لم يؤتوا على هذا التقدير إلا من باب ما ~~يستطيعون مثله في الجملة. # ولأنهم دعوا وقلوبهم لاهية عن معناه الباطن الذي هو مراد الله من إنزاله. ~~فإذا عرفوا ms0044 عجزهم عنه عرفوا صدق الآتي به وحصل الإذعان، وهو باب التوفيق ~~والفهم لمراد الله تعالى. وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب ~~بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد والمقصود ~~الذي أنزل القرآن لأجله. # ويتبين ذلك بالشواهد المذكورة آنفا. # ومن ذلك أنه لما نزل: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة.. [الحديد: 11] . قال أبو الدحداح: إن الله كريم استقرض منا ما ~~أعطانا. هذا معنى الحديث. وقالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء. ففهم ~~أبو الدحداح هو الفقه وهو الباطن المراد. # وفي رواية قال أبو الدحداح: يستقرضنا وهو غني. فقال عليه السلام: نعم # PageV01P043 # ليدخلكم الجنة. # وفي الحديث قصة «1» . # وفهم اليهود لم يزد على مجرد القول العربي الظاهر، ثم حمل استقراض الرب ~~الغني على استقراض العبد الفقير، عافانا الله من ذلك. # من ذلك أن العبادات المأمور بها، بل المأمورات والمنهيات كلها، إنما طلب ~~بها العبد شكرا لما أنعم الله به عليه، ألا ترى قوله: وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [النحل: 78] وفي الأخرى: قليلا ما تشكرون ~~[السجدة: 9] والشكر ضد الكفر، فالأيمان وفروعه هو الشكر، فإذا دخل المكلف ~~تحت أعباء التكليف بهذا القصد، فهو الذي فهم المراد من الخطاب، وحصل باطنه ~~على التمام، وإن هو فهم من ذلك مقتضى عصمة ماله ودمه فقط. فهذا خارج عن ~~المقصود وواقف مع ظاهر الخطاب. فإن الله قال: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. [التوبة: 5] فالمنافق إنما ~~فهم مجرد ظاهر الأمر من أن الدخول فيما دخل فيه المسلمون موجب لتخلية ~~سبيلهم. فعملوا على الإحراز من عوادي الدنيا، وتركوا المقصود من ذلك، وهو ~~الذي بينه القرآن من التعبد لله والوقوف على قدم الخدمة. فإذا كانت الصلاة ~~تشعر بإلزام الشكر، بالخضوع لله والتعظيم لأمره فيمن دخلها عريا من ذلك كيف ~~يعد ممن فهم باطن القرآن؟ وكذلك إذا كان له مال حال عليه الحول فوجب عليه ~~شكر النعمة ببذل اليسير من الكثير عودا عليه بالمزيد، فوهبه عند ms0045 رأس الحول ~~فرارا من أدائها لا قصد له إلا ذلك، كيف يكون شاكرا للنعمة؟ وكذلك من يضار ~~الزوجة لتنفك له من المهر على غير طيب النفس لا يعد عاملا بقوله تعالى: ~~PageV01P044 # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ... ~~[البقرة: 229] حتى يجري على معنى قوله تعالى: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا [النساء: 4] . # ويجري هنا مسائل الحيل أمثلة لهذا المعنى. لأن من فهم باطن ما خوطب به لم ~~يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقف مع مجرد ~~الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة. وكذلك ~~تجري مسائل المبتدعة أمثلة أيضا. وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. كما قال الخوارج لعلي: إنه حكم الخلق في دين ~~الله والله يقول: إن الحكم إلا لله [الأنعام: 57] . وقالوا: إنه محا نفسه ~~من إمارة المؤمنين فهو إذا أمير الكافرين. وقالوا لابن عباس: لا تناظروه ~~فإنه ممن قال الله فيهم: بل هم قوم خصمون [الزخرف: 58] . وكما زعم أهل ~~التشبيه في صفة الباري، حين أخذوا بظاهر قوله: تجري بأعيننا [القمر: 13 و ~~14] مما عملت أيدينا [يس: 71] وهو السميع البصير [الشورى: 11] والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] . وحكموا مقتضاه بالقياس على المخلوقين ~~فأسرفوا ما شاءوا. # فلو نظر الخوارج أن الله تعالى قد حكم الخلق في دينه في قوله: يحكم به ~~ذوا عدل منكم [المائدة: 95] وقوله: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~[النساء: 35] لعلموا أن قوله: إن الحكم إلا لله، غير مناف لما فعله علي، ~~وأنه من جملة حكم الله. فإن تحكيم الرجال يرجع به الحكم لله وحده، فكذلك ما ~~كان مثله مما فعله علي. ولو نظروا إلى أن محو الاسم من أمر لا يقتضي إثباته ~~لضده، لما قالوا إنه أمير الكافرين. وهكذا المشبهة لو حققت معنى قوله: ليس ~~كمثله شيء في الآيات المذكورة، لفهموا بواطنها، وإن الرب منزه عن سمات ~~المخلوقين. وعلى الجملة فكل من زاغ ومال ms0046 عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما ~~فاته من باطن القرآن فهما وعلما. وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فعلى مقدار ~~ما حصل له من فهم باطنه. ### $ 8- قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء # قال الشاطبي: كون الظاهر هو المفهوم العربي مجردا، لا إشكال فيه. لأن # PageV01P045 # المؤالف والمخالف اتفقوا على أنه منزل بلسان عربي مبين. وقال سبحانه: ~~ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ثم رد الحكاية عليهم بقوله: لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [النحل: 103] . وهذا الرد على ~~شرط الجواب في الجدل. لأنه أجابهم بما يعرفون من القرآن الذي هو بلسانهم. ~~والبشر، هنا، حبر. وكان نصرانيا. فأسلم. أو سلمان، وقد كان فارسيا فأسلم. ~~أو غيرهما ممن كان لسانه غير عربي باتفاق منهم. وقال تعالى: ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي [فصلت: 44] . وقد علم ~~أنهم لم يقولوا شيئا من ذلك. فدل على أنه عندهم عربي. وإذا ثبت هذا فقد ~~كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربي فقط، وإن لم يتفقوا على فهم المراد ~~منه. فلا يشترط في ظاهره زيادة على الجريان على اللسان العربي. فإذا كل ~~معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في ~~شيء. لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به. ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه ~~مبطل. # ومن أمثلة هذا الفصل ما ادعاه من لا خلاق له من أنه مسمى في القرآن. ~~كبيان ابن سمعان حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: هذا بيان للناس.. [آل ~~عمران: 138] الآية وهو من الترهات بمكان مكين، والسكوت على الجهل كان أولى ~~به من هذا الافتراء البارد. ولو جرى له على اللسان العربي لعده الحمقى من ~~جملتهم، ولكنه كشف عوار نفسه من كل وجه، عافانا الله، وحفظ علينا العقل ~~والدين بمنه. # وإذا كان (بيان) في الآية علما له فأي معنى لقوله: هذا بيان للناس كما ~~يقال هذا ms0047 زيد للناس. ومثله في الفحش من تسمى بالكسف ثم زعم أنه المراد ~~بقوله تعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا [الطور: 44] الآية. فأي معنى ~~يكون للآية على زعمه الفاسد كما تقول: وإن يروا رجلا من السماء ساقطا ~~يقولوا سحاب مركوم. # تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وبيان بن سمعان: هذا هو الذي ~~تنسب إليه البيانية من الفرق. وهو، فيما زعم ابن قتيبة، أول من قال بخلق ~~القرآن. والكسف هو أبو منصور الذي تنسب إليه المنصورية. # وحكى بعض العلماء أن عبيد الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملك أفريقية ~~واستولى عليها، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره. وكان أحدهما ~~يسمى بنصر الله، والآخر بالفتح، وكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكر كما # PageV01P046 # الله في كتابه. فقال: إذا جاء نصر الله والفتح [النصر: 1] قالوا: وقد كان ~~عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى، فبدل قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس. # بقوله: كتامة خير أمة أخرجت للناس. # ومن كان في عقله لا يقول مثل هذا لأن المتسميين بنصر الله والفتح ~~المذكورين إنما وجدا بعد مائتين من السنين من وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيصير المعنى إذا مت يا محمد، ثم خلق هذان، ورأيت الناس يدخلون في ~~دين الله أفواجا فسبح.. الآية، فأي تناقض وراء هذا الإفك الذي افتراه ~~الشيعي. قاتله الله. # ومن أرباب الكلام من ادعى جواز نكاح الرجل من تسع نسوة حرائر. مستدلا على ~~ذلك بقوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.. # [النساء: 3] ولا يقول مثل هذا من فهم وضع العرب في مثنى وثلاث ورباع. # ومنهم من يرى شحم الخنزير وجلده حلالا لأن الله قال: حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير [المائدة: 3] فلم يحرم شيئا غير لحمه. ولفظ اللحم ~~يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس. # ومنهم من فسر الكرسي في قوله: وسع كرسيه السماوات والأرض [البقرة: 255] ، ~~بالعلم مستدلين ببيت لا يعرف وهو: # (ولا بكرسئ علم الله مخلوق) كأنه عندهم ولا بعلم علمه. وبكرسئ مهموز. ms0048 # والكرسي غير مهموز. # ومنهم من فسر غوى في قوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121] . # إنه تخم من أكل الشجرة. من قول العرب غوي الفصيل يغوى غوى إذا بشم من شرب ~~اللبن. وهو فاسد لأن غوي الفصيل فعل، والذي في القرآن على وزن فعل. # ومنهم من قال في قوله: ولقد ذرأنا لجهنم [الأعراف: 179] أي ألقينا فيها. ~~كأنه عندهم من قول الناس: ذرته الريح. وذرأ مهموز، وذرا غير مهموز. # وفي قوله: واتخذ الله إبراهيم خليلا [النساء: 125] ، أي فقيرا إلى رحمته. ~~من الخلة بفتح الخاء. محتجين على ذلك بقول زهير (وإن أتاه خليل يوم مسألة) ~~قال ابن قتيبة: أي فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟ أما يعلمون أن الناس فقراء ~~إلى الله؟ وهل «إبراهيم» في لفظ «خليل الله» إلا كما قيل «موسى كليم الله» ~~، # PageV01P047 # و «عيسى روح الله» . ويشهد له # الحديث «1» : «لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، إن ~~صاحبكم خليل الله» «2» . # وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعا للرأي. وقد أداهم ذلك ~~إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظه عربي، ولا لمعناه برهان، كما رأيت. # وإنما أكثرت من الأمثلة، وإن كانت من الخروج عن مقصود العربية والمعنى ~~على ما علمت، لتكون تنبيها على ما وراءها مما هو مثلها، أو قريب منها. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها، ~~ولكن يشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان ~~العرب ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا ~~في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض. # فأما الأول: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا. فإنه لو كان له فهم لا ~~يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق. ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن، ~~ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه. وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب ~~إليه أصلا إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من ms0049 نسبة ضده إليه، ولا ~~مرجح يدل على أحدهما. فإثبات أحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر. وعند ذلك ~~يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم. والأدلة المذكورة، في أن ~~القرآن عربي، جارية هنا. PageV01P048 # وأما الثاني: فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض، صار ~~من جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن. والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق ~~العلماء. وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم إنه الباطن، لأنهما موفران فيه، ~~بخلاف ما فسر به الباطنية، فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم ~~الظاهر، فقد قالوا في قوله تعالى: وورث سليمان داود [النمل: 16] أنه الإمام ~~ورث النبي علمه، وقالوا في الجنابة: إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر ~~قبل أن ينال رتبة الاستحقاق. ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك. ~~ومعنى الطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام. ~~والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام. والصيام الإمساك ~~عن كشف السر. # والكعبة النبي. والباب علي. والصفا هو النبي. والمروة علي. والتلبية ~~إجابة الداعي. # والطواف سبعا هو الطواف بمحمد عليه السلام إلى تمام الأئمة السبعة. # والصلوات الخمس أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام. ونار إبراهيم هو ~~غضب نمروذ لا النار الحقيقية. وذبح إسحاق هو أخذ العهد عليه. وعصا موسى ~~حجته التي تلقفت شبه السحرة. وانفلاق البحر افتراق علم موسى عليه السلام ~~فيهم. والبحر هو العالم. وتظليل الغمام نصب موسى الإمام لإرشادهم. والمن ~~علم نزل من السماء. # والسلوى داع من الدعاة. والجراد والقمل والضفادع سؤالات موسى وإلزاماته ~~التي تسلطت عليهم. وتسبيح الجبال رجال شداد في الدين. والجن الذين ملكهم ~~سليمان باطنية ذلك الزمان. والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال ~~الشاقة. إلى سائر ما نقل من خباطهم الذي هو عين الخبال، وضحكة السامع. نعوذ ~~بالله من الخذلان. # قال القتبي: وكان بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تفسير الروافض للقرآن إلا ~~بتأويل رجل من أهل مكة للشعر. فإنه قال ذات ms0050 يوم: ما سمعت بأكذب من بني ~~تميم. زعموا أن قول القائل: # بيت، زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل # أنه في رجل منهم. قيل له: فما تقول أنت فيه. قال: البيت بيت الله، وزرارة ~~الحج. قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء. قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو ~~قبيس. قيل: فنهشل؟ قال: أشده. وصمت ساعة ثم قال: نعم نهشل مصباح الكعبة ~~لأنه طويل أسود فذلك نهشل. انتهى ما حكاه. # PageV01P049 ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل أو من قبيل ~~الباطن الصحيح. وهي منسوبة لأناس من أهل العلم، وربما نسب منها إلى السلف ~~الصالح. فمن ذلك فواتح السور نحو: ألم، والمص، وحم، ونحوها. فسرت بأشياء. ~~منها ما يظهر جريانه على مفهوم صحيح ومنها ما ليس كذلك. فينقلون عن ابن ~~عباس أن «ألم» أن ألف الله. ولام جبريل. وميم محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا، إن صح في النقل، فمشكل. لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام ~~العرب هكذا مطلقا. # وإنما أتى مثله إذا دل عليه الدليل اللفظي أو الحالي كما قال: (قلت لها ~~قفي فقالت قاف) وقال: (قالوا جميعا كلهم بلى فا) وقال: (لا أريد الشهر إلا ~~أن تا) والقول في «الم» ليس هكذا. وأيضا فلا دليل من خارج يدل عليه. إذ لو ~~كان له دليل لاقتضت العادة نقله، لأنه من المسائل التي تتوفر الدواعي على ~~نقلها لو صح أنه مما يفسر ويقصد تفهيم معناه. ولما لم يثبت شيء من ذلك دل ~~على أنه من قبيل المتشابهات. فإن ثبت له دليل يدل عليه، صير إليه. وقد ذهب ~~فريق إلى أن المراد الإشارة إلى حروف الهجاء، وأن القرآن منزل بجنس هذه ~~الحروف وهي العربية. وهو أقرب من الأول. كما أنه نقل أن هذه الفواتح أسرار ~~لا يعلم تأويلها إلا الله، وهو أظهر الأقوال فهي من قبيل المشابهات. وأشار ~~جماعة إلى أن المراد بها أعدادها. # تنبيها على مدة هذه الملة. وفي السير ما ms0051 يدل على هذا المعنى. وهو قول ~~يفتقر إلى أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على ~~أعدادها. وربما لا يوجد مثل هذا، لها، البتة، وإنما كان أصله في اليهود ~~حسبما ذكره أصحاب السير. فأنت ترى هذه الأقوال مشكلة إذا سبرناها بالمسبار ~~المتقدم. وكذلك سائر الأقوال المذكورة في الفواتح مثلها في الإشكال وأعظم. ~~ومع إشكالها فقد اتخذها جمع من المنتسبين إلى العلم، بل إلى الاطلاع والكشف ~~على حقائق الأمور، حججا في دعا وادعوها على القرآن. وربما نسبوا شيئا من ~~ذلك إلى علي بن أبي طالب، وزعموا أنها أصل العلوم، ومنبع المكاشفات على ~~أحوال الدنيا والآخرة. وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى في خطابه العرب ~~الأمية التي لا تعرف شيئا من ذلك. وهو، إذا سلم أنه مراد في تلك الفواتح في ~~الجملة، فما الدليل على # PageV01P050 # أنه مراد على كل حال من تركيبها على وجوه، وضرب بعضها ببعض، ونسبتها إلى ~~الطبائع الأربع، وإلى أنها الفاعلة في الوجود، وأنها مجمل كل مفصل، وعنصر ~~كل موجود. ويرتبون في ذلك ترتيبا جميعه دعا ومحالة على الكشف والاطلاع. ~~ودعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال، كما أنه لا يعد دليلا في غيرها، ~~كما سيأتي بحول الله. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد الله في فهم القرآن أشياء مما يعد من ~~باطنه. فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا [البقرة: ~~22] أي أضدادا. قال: وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء، الطواعة إلى ~~حظوظها ومنهيها بغير هدى من الله. وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة ~~تحت عموم الأنداد، حتى لو فصل لكن المعنى: فلا تجعلوا لله أندادا لا صنما ~~ولا شيطانا ولا النفس ولا كذا. # وهذا مشكل الظاهر جدا، إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدل على أن ~~الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانوا يعبدون، ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ولا ~~يتخذونها أربابا. ولكن له وجه جار على الصحة، وذلك أنه لم ms0052 يقل إن هذا هو ~~تفسير الآية، ولكن أتى بما هو ند في الاعتبار الشرعي الذي شهد له القرآن من ~~جهتين: # إحداهما: أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار، فيجريه ~~له فيما لم تنزل فيه، لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه، لأن حقيقة الند أنه ~~المضاد لنده، الجاري على مناقضته. والنفس الأمارة هذا شأنها، لأنها تأمر ~~صاحبها بمراعاة حظوظها، لاهية أو صادة عن مراعاة حقوق خالقها. وهذا هو الذي ~~يعني به الند في نده. لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه. وشاهد صحة هذا ~~الاعتبار قوله تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] وهم لم يعبدوهم ~~من دون الله ولكنهم ائتمروا بأوامرهم، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان. فما ~~حرموا عليهم حرموه، وما أباحوا لهم حللوه، فقال الله تعالى: اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله وهذا شأن المتبع لهوى نفسه. # والثانية: أن الآية: وإن نزلت في أهل الأصنام، فإن لأهل الإسلام فيها ~~نظرا بالنسبة إليهم. ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا ~~من أهل # PageV01P051 # الإيمان: أين تذهب بكم هذه الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~[الأحقاف: 20] ؟ وكان هو يعتبر نفسه بها. وإنما أنزلت في الكفار لقوله: ~~ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم الآية، ولهذا المعنى تقرير في ~~العموم والخصوص. فإذا كان كذلك، صح النزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في ~~قوله: فلا تجعلوا لله أندادا والله أعلم. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة [البقرة: ~~35] قال: لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء ~~هو غيره، أي لا تهتم بشيء هو غيري. قال: فآدم لم يعصم من الهمة والتدبير ~~فلحقه ما لحقه. قال: وكذلك كل من ادعى ما ليس له، وساكن قلبه، ناظرا إلى ~~هوى نفسه، لحقه الترك من الله، مع ما جبلت عليه نفسه فيه، إلا أن يرحمه ~~الله فيعصمه من تدبيره، وينصره على عدوه وعليها. ms0053 # قال: وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة، ~~لأن البلاء في الفرع دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، ~~فغلب الهوى والشهوة والعلم والعقل بسابق القدر، إلى آخر ما تكلم به. # وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أن المراد النهي عن نفس ~~الأكل، لا عن سكون الهمة لغير الله، وإن كان ذلك منهيا عنه أيضا، ولكن له ~~وجه يجري عليه لمن تأول، فإن النهي إنما وقع عن القرب لا غيره، ولم يرد ~~النهي عن الأول تصريحا، فلا منافاة بين اللفظ وبين ما فسر به. # وأيضا فلا يصح حمل النهي على نفس القرب مجردا. إذ لا مناسبة فيه تظهر، ~~ولأنه لم يقل به أحد، وإنما النهي عن معنى القرب. وهو إما التناول والأكل، ~~وإما غيره، وهو شيء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة، فإنه الأصل في ~~تحصيل الأكل. ولا شك في أن السكون لغير الطلب نفع أو دفع، منهي عنه. فهذا ~~التفسير له وجه ظاهر، فكأنه يقول: لم يقع النهي عن مجرد الأكل من حيث هو ~~أكل، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله، إذ لو انتهى لكان ساكنا ~~لله وحده. فلما لم يفعل، وسكن إلى أمر في الشجرة غره به الشيطان، وذلك ~~الخلد المدعى، أضاف # PageV01P052 # الله إليه لفظ العصيان، ثم تاب عليه إنه هو التواب الرحيم. ومن ذلك أنه ~~قال في قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس ... [آل عمران: 96] الآية- باطن ~~البيت قلب محمد صلى الله عليه وسلم، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد، ~~واقتدى بهدايته. وهذا التفسير يحتاج إلى بيان. فإن هذا المعنى لا تعرفه ~~العرب. ولا فيه من جهتها وضع مجازي مناسب، ولا يلائمه مساق بحال، فكيف هذا؟ ~~والعذر عنه أنه لم يقع فيه ما يدل على أنه تفسير للقرآن. فزال الإشكال إذا. ~~وبقي النظر في هذه الدعوى. ولا بد، إن شاء الله، من بيانها. # ومنه قوله في تفسير قول ms0054 الله تعالى: يؤمنون بالجبت والطاغوت [النساء: # 51] قال: رأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء إذا خلا العبد معها ~~للمعصية. # وهو أيضا من قبيل ما قبله. وإن فرض أنه تفسير فعلى ما مر في قوله تعالى: ~~فلا تجعلوا لله أندادا. # وقال في قوله تعالى: والجار ذي القربى ... [النساء: 36] الآية- أما ~~باطنها فهو القلب، والجار الجنب النفس الطبيعي، والصاحب بالجنب العقل ~~المقتدي بعمل الشرع، وابن السبيل الجوارح المطيعة لله عز وجل، وهو من ~~المواضع المشكلة في كلامه. # ولغيره مثل ذلك أيضا. وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ~~ما هو الظاهر من أن المراد بالجار ذي القربى وما ذكر معه ما يفهم منه ~~ابتداء. وغير ذلك لا يعرفه العرب. لا من آمن منهم ولا من كفر. والدليل على ~~ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله ~~أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل، لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن ~~وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ~~ولا هم أعرف بالشريعة منهم. ولا، أيضا، ثم دليل يدل على صحة التفسير لا من ~~مساق الآية، فإنه ينافيه، ولا من خارج، إذ لا دليل عليه كذلك. بل مثل هذا ~~أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن، من كلام الباطنية ومن أشبههم. # وقال في قوله: رح ممرد من قوارير # [النمل: 44] الصرح نفس الطبع، والممرد الهوى. إذا كان غالبا ستر أنوار ~~الهدى بالترك من الله تعالى العصمة لعبده. # وفي قوله: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا [النمل: 52] أي قلوبهم عند # PageV01P053 # إقامتهم على ما نهوا عنه، وقد علموا أنهم مأمورون منهيون، والبيوت ~~القلوب، فمنها عامرة بالذكر، ومنها خراب بالغفلة عن الذكر. # وفي قوله تعالى: فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها ~~[الروم: 50] قال: حياة القلوب بالذكر. # وقال في قوله تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر [الروم: 41] الآية- مثل ~~الله القلب بالبحر، والجوارح بالبر. ومثله أيضا بالأرض التي تزهى بالنبات. ~~هذا باطنه. # وقد حمل بعضهم ms0055 قوله تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه [البقرة: 114] على أن المساجد القلوب، تمنع بالمعاصي من ذكر الله. # ونقل في قوله تعالى: فاخلع نعليك [طه: 12] أن باطن النعلين هو الكونان ~~الدنيا والآخرة، فذكر عن الشبلي أن معنى: «اخلع نعليك» اخلع الكل منك تصل ~~إلينا بالكلية. # وعن عطاء «اخلع نعليك» عن الكون، فلا تنظر إليه بعد هذا الخطاب. # وقال: النعل النفس، والواد المقدس دين المرء، أي حان وقت خلوك من نفسك، ~~والقيام معنا بدينك، وقيل غير ذلك مما يرجع إلى معنى لا يوجد في النقل عن ~~السلف. # وهذا كله، إن صح نقله، خارج عما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في ~~مراد الله بكلامه. # ولقد قال الصديق: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ~~ما لا أعلم» وفي الخبر: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. وما أشبه ~~ذلك من التحذيرات. # وإنما احتيج إلى هذا كله لجلالة من نقل عنهم ذلك من الفضلاء، وربما ألم ~~الغزالي بشيء منه في الإحياء وغيره. وهو مزلة قدم لمن لم يعرف مقاصد القوم. ~~فإن الناس، في أمثال هذه الأشياء، بين قائلين: منهم من يصدق به ويأخذه على ~~ظاهره ويعتقد أن ذلك هو مراد الله تعالى من كتابه، وإذا عارضه ما ينقل في ~~كتب التفسير على خلافه، فربما كذب به أو أشكل عليه. ومنهم من يكذب به على ~~الإطلاق ويرى # PageV01P054 # أنه تقول وبهتان، مثل ما تقدم من تفسير الباطنية ومن حذا حذوهم. وكلا ~~الطريقين فيه ميل عن الإنصاف. ولا بد قبل الخوض في رفع الإشكال من تقديم ~~أصل مسلم يتبين به ما جاء من هذا القبيل، وهي: ### | المسألة العاشرة # فنقول: إن الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر، إذا ~~صحت على كمال شروطها، فهي على ضربين: # أحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات، فإن ~~الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من ~~غير توقف، فإن توقف فهو غير ms0056 صحيح أو غير كامل حسبما بينه أهل التحقق ~~بالسلوك. # والثاني: يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها أو كليها، ويتبعه ~~الاعتبار في القرآن. # فإن كان الأول، فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير ~~إشكال، لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو ~~الهداية التامة، على ما يليق بكل واحد من المكلفين، وبحسب التكاليف ~~وأحوالها، لا بإطلاق. وإذا كانت كذلك فالمشي على طريقها مشي على الصراط ~~المستقيم، ولأن الاعتبار القرآني قلما يجده إلا من كان من أهله عملا به على ~~تقليد أو اجتهاد، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في ~~العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده. بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على ~~توازي أحكامه. ويلزم من ذلك أن يكون معتدا به، لجريانه على مجاريه. # والشاهد على ذلك ما نقل من فهم السلف الصالح فيه، فإنه كله جار على ما ~~تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل. # وإن كان الثاني فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على ~~إطلاقه فيه ممتنع، لأنه بخلاف الأول، فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم ~~القرآن، فنقول: إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر ~~جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني، ~~وهو الوجودي. ويصح تنزيله على معاني القرآن، لأنه وجودي أيضا، فهو مشترك من ~~تلك الجهة، غير خاص فلا # PageV01P055 # يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه المربي، وهو أمر خاص، وعلم ~~منفرد بنفسه، لا يختص بهذا الموضع، فلذلك يوقف على محله. فكون القلب جارا ~~ذا قربى، والجار الجنب هو النفس الطبيعي، إلى سائر ما ذكر، يصح تنزيله ~~اعتباريا مطلقا. فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط، صحيح وسهل جدا ~~عند أربابه غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ، وأيضا، فإن ~~من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه المعنى المقصود المخاطب ms0057 به ~~الخلق، بل أجراه مجراه، وسكت عن كونه هو المراد. وإن جاء شيء من ذلك وصرح ~~صاحبه أنه هو المراد فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار ~~القرآني والوجودي. # وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو، بعد، في السلوك سائر على الطريق، لم يتحقق ~~بمطلوبه. # ولا اعتبار بقول من لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم. وللغزالي في ~~مشكاة الأنوار، وفي كتاب الشكر من الإحياء، وفي كتاب جواهر القرآن في ~~الاعتبار القرآني وغيره، ما يتبين به لهذا الموضع أمثلة. فتأملها هناك ~~والله الموفق. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # وللسنة في هذا النمط مدخل. فإن كل واحد منهما قابل لذلك الاعتبار المتقدم ~~الصحيح الشواهد، وقابل أيضا للاعتبار الوجودي، فقد فرضوا نحوه في # قوله عليه السلام «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» «1» # إلى غير ذلك من الأحاديث. ولا فائدة في التكرار إذا وضح طريق الوصول إلى ~~الحق والصواب. ### $ 9- قاعدة في أن الشريعة أمية، وأنه لا بد في فهمها من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم. # قال الشاطبي في الموافقات: هذه الشريعة المباركة أمية، لأن أهلها كذلك، ~~فهو أجرى على اعتبار المصالح. ويدل على ذلك أمور. # أحدها: النصوص المتواترة اللفظ والمعنى كقوله تعالى: هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم [الجمعة: 2] . PageV01P056 # وقوله: فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ~~[الأعراف: 158] . وفي # الحديث: «بعثت إلى أمة أمية» «1» # ، لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين. والأمي منسوب إلى الأم وهو ~~الباقي على أصل ولادة الأم، لم يتعلم كتابا ولا غيره. فهو على أصل خلقته ~~التي ولد عليها، وفي # الحديث: «نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا» «2» . # وقد فسر معنى الأمية في الحديث: أي ليس لنا علم بالحساب، ولا الكتاب، ~~ونحوه قوله تعالى: وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~[العنكبوت: 48] . وما أشبه هذا من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنة، ~~الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية. لأن أهلها كذلك. ms0058 # والثاني: أن الشريعة التي بعث بها النبي الأمي إلى العرب خصوصا، وإلى من ~~سواهم عموما، إما أن تكون على نسبة ما هم عليه من وصف الأمية، أو لا. فإن ~~كانت كذلك، فهو معنى كونها أمية أي منسوبة إلى الأميين، وإن لم تكن كذلك، ~~لزم أن تكون على غير ما عهدوا. فلم تكن لتنتزل من أنفسهم منزلة ما تعهد، ~~وذلك خلاف ما وضع عليه الأمر فيها. فلا بد أن تكون على ما يعهدون. والعرب ~~لم تعهد إلا ما وصفه الله به من الأمية، فالشريعة إذا أمية. # والثالث: أنه لو لم يكن على ما يعهدون لم يكن عندهم معجزا، ولكانوا ~~يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم: هذا على غير ما عهدنا. إذ ليس لنا عهد ~~بمثل هذا الكلام، من حيث إن كلامنا معروف مفهوم عندنا، وهذا ليس بمفهوم ولا ~~معروف. فلم تقم الحجة عليهم به. ولذلك قال سبحانه: ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته، ء أعجمي وعربي.. [فصلت: 44] فجعل لهم الحجة على ~~فرض كون القرآن أعجميا، ولما قالوا: إنما يعلمه بشر [النحل: 103] . رد الله ~~عليهم بقوله: لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين ~~PageV01P057 # [النحل: 103] . لكنهم أذعنوا لظهور الحجة. فدل على أن ذلك لعلمهم به ~~وعهدهم بمثله مع العجز عن مما ثلته. وأدلة هذا المعنى كثيرة. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء ~~بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن شيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح، وزادت ~~عليه. وأبطلت ما هو باطل. وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه، ~~فمن علومها علم النجوم وما يختص بها من الاهتداء في البر والبحر واختلاف ~~الأزمان باختلاف سيرها، وتعرف منازل سير النيرين وما يتعلق بهذا المعنى. ~~وهو معنى مقرر في أثناء القرآن في مواضع كثيرة. كقوله تعالى: وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر [الأنعام: 97] . وقوله: ~~وبالنجم هم يهتدون [النحل: 16] . وقوله: والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم لا ms0059 الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار.. ~~[يس: 39- 40] الآية. وقوله: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [يونس: 5] . وقوله: وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة.. [الإسراء: 12] الآية. ~~وقوله: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: ~~5] . وقوله: يسئلونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج ... [البقرة: ~~189] وما أشبه ذلك. # ومنها علوم الأنواء، وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب، وهبوب الرياح ~~المثيرة لها، فبين الشرع حقها من باطلها، فقال تعالى: هو الذي يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده ... [الرعد: 12- 13] ~~الآية. # قال: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~[الواقعة: 68- 69] . وقال: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا [النبأ: 14] . # وقال: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 82] . # خرج الترمذي «1» : قال PageV01P058 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، قال: شكركم. ~~تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا. # وفي الحديث «1» : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ... # الحديث في الأنواء. # وفي الموطأ مما انفرد به: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة «2» ~~. # وقال عمر بن الخطاب للعباس، وهو على المنبر، والناس تحته: كم بقي من نوء ~~الثريا؟ فقال له العباس: بقي من نوئها كذا وكذا. # فمثل هذا مبين للحق من الباطل في أمر الأنواء والأمطار. قال تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ... [الحجر: 22] ~~الآية. وقال: الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها [فاطر: 9] . إلى كثير من هذا. # ومنها علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية. وفي القرآن من ذلك ما هو كثير. # وكذلك في السنة. ولكن القرآن احتفل في ذلك. وأكثره من الإخبار بالغيوب ~~التي لم يكن للعرب بها علم، لكنها من جنس ما كانوا ينتحلون. قال تعالى: ذلك ~~من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~[آل عمران: 44] الآية. وقال تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها ms0060 إليك ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا.. [هود: 49] وفي الحديث «3» قصة أبيهم ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في بناء البيت. وغير ذلك مما جرى. ~~PageV01P059 # ومنها ما كان أكثره باطلا أو جميعه: علم العيافة والزجر والكهانة وخط ~~الرمل والضرب بالحصى والطيرة، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه. ~~كالكهانة والزجر وخط الرمل. وأقرت الفأل. لا من جهة تطلب الغيب. فإن ~~الكهانة والزجر كذلك. وأكثر هذه الأمور تخرص على علم الغيب من غير دليل. ~~فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض وهو ~~الوحي والإلهام. وأبقى للناس من ذلك، بعد موته عليه السلام، جزءا من ~~النبوءة وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام ~~والفراسة. # ومنها علم الطب: فقد كان في العرب منه شيء، لا على ما عند الأوائل، بل ~~مأخوذ من تجاريب الأميين، غير مبني على علوم الطبيعة التي يقررها الأقدمون. # وعلى ذلك المساق جاء في الشريعة، ولكن على وجه جامع شاف قليل، يطلع منه ~~على كثير. فقال تعالى: كلوا واشربوا ولا تسرفوا ... [الأعراف: 31] . وجاء ~~في الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء، وأبطل من ذلك ما هو باطل: # كالتداوي بالخمر والرقي التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا. # ومنها التفنن في علم فنون البلاغة، والخوض في وجوه الفصاحة، والتصرف في ~~أساليب الكلام، وهو أعظم منتحلاتهم، فجاءهم بما أعجزهم من القرآن الكريم. ~~قال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: 88] . # ومنها ضرب الأمثال: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل [الروم: ~~58] إلا ضربا واحدا، وهو الشعر، فإن الله نفاه وبرأ الشريعة منه. قال تعالى ~~في حكايته عن الكفار: وقالوا أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق ~~وصدق المرسلين [الصافات: 36- 37] ، أي لم يأت بشعر، فإنه ليس بحق، ولذلك ~~قال: وما علمناه الشعر وما ينبغي له ... [يس: 69] الآية. وبين معنى ذلك في ~~قوله تعالى: والشعراء يتبعهم ms0061 الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 224- 226] فظهر أن الشعر ليس مبنيا على أصل، ~~ولكنه هيمان على غير تحصيل، وقول لا يصدقه فعل، وهذا مضاد لما جاءت به ~~الشريعة إلا ما استثنى الله تعالى. فهذا أنموذج ينبهك على ما نحن بسبيله ~~بالنسبة إلى علوم العرب الأمية. وأما ما يرجع إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق، ~~وما ينضاف إليها، فهو أول ما خوطبوا به، وأكثر ما تجد ذلك في السور المكية ~~من حيث كان آنس لهم، وأجرى على ما يتمدح به عندهم، كقوله تعالى: إن الله ~~يأمر بالعدل # PageV01P060 # والإحسان وإيتاء ذي القربى.. # [النحل: 90] إلى آخرها. وقوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا [الأنعام: 151] إلى انقضاء تلك ~~الخصال. وقوله: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده [الأعراف: 32] وقوله: ~~قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~[الأعراف: 33] إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا المعنى، لكن أدرج فيها ما ~~هو أولى، من النهي عن الإشراك والتكذيب بأمور الآخرة، وشبه ذلك مما هو ~~المقصود الأعظم، وأبطل لهم ما كانوا يعدونه كرما وأخلاقا حسنة، وليس كذلك. ~~أو فيه من المفاسد ما يربى على المصالح التي توهموها، كما قال تعالى: إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه [المائدة: ~~90] ثم بين ما فيها من المفاسد، خصوصا في الخمر والميسر من إيقاع العداوة ~~والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وهذا في الفساد أعظم مما ظنوه ~~فيها صلاحا. لأن الخمر كانت عندهم تشجع الجبان، وتبعث البخيل على البذل، ~~وتنشط الكسالى. والميسر كذلك كان عندهم محمودا لما كانوا يقصدون به من ~~إطعام الفقراء والمساكين، والعطف على المحتاجين، وقد قال تعالى: يسئلونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ~~[البقرة: 219] . # والشريعة إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق، ولهذا # قال عليه السلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «1» # . إلا أن مكارم الأخلاق على ms0062 ضربين: # أحدهما: ما كان مألوفا وقريبا من المعقول المقبول، كانوا في ابتداء ~~الإسلام إنما خوطبوا به ثم لما رسخوا فيه. تمم لهم ما بقي، وهو: # الضرب الثاني: وكان منه ما لا يفعل معناه من أول وهلة فأخر حتى كان من ~~آخره تحريم الربا وما أشبه ذلك، وجميع ذلك راجع إلى مكارم الأخلاق. وهو ~~الذي كان معهودا عندهم على الجملة. ألا ترى أنه كان للعرب أحكام عندهم في ~~الجاهلية أقرها الإسلام. كما قالوا في القراض، وتقدير الدية وضربها على ~~العاقلة، وإلحاق الولد بالقافة، والوقوف بالمشعر الحرام، والحكم في الخنثى، ~~وتوريث الولد، للذكر مثل حظ الأنثيين، والقسامة، وغير ذلك مما ذكره ~~العلماء. ثم نقول: لم يكتف بذلك حتى خوطبوا بدلائل التوحيد فيما يعرفون من ~~سماء وأرض وجبال وسحاب ونبات، PageV01P061 # وبدلائل الآخرة والنبوة كذلك، ولما كان الباقي عندهم من شرائع الأنبياء ~~شيء من شريعة إبراهيم عليه السلام، أبيهم، خوطبوا من تلك الجهة ودعوا ~~إليها، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هي تلك بعينها كقوله تعالى: ~~ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا [الحج: 78] وقوله: ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا.. [آل عمران: 67] الآية- غير أنهم غيروا ~~جملة منها وزادوا واختلفوا. # فجاء تقويمها من جهة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخبروا بما أنعم الله ~~عليهم مما هو لديهم وبين أيديهم، وأخبروا عن نعيم الجنة وأصنافه بما هو ~~معهود في تنعماتهم في الدنيا، لكن مبرأ من الغوائل والآفات التي تلازم ~~التنعيم الدنيوي. كقوله: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح ~~منضود وظل ممدود ### | .... # [الواقعة: 27- 30] إلى آخر الآيات- وبين من مأكولات الجنة ومشروباتها ما ~~هو معلوم عندهم. كالماء واللبن والخمر والعسل والنخيل والأعناب وسائر ما هو ~~عندهم مألوف، دون الجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ذلك من فواكه الأرياف ~~وبلاد العجم. بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة. وقال تعالى: ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] فالقرآن كله ~~حكمة، وقد كانوا عارفين بالحكمة، وكان فيهم حكماء، ms0063 فأتاهم من الحكمة بما ~~عجزوا عن مثله. وكان فيهم أهل وعظ وتذكير، كقس بن ساعدة وغيره. ولم يجادلهم ~~إلا على طريقة ما يعرفون من الجدل. ومن تأمل القرآن وتأمل كلام العرب في ~~هذه الأمور الثلاثة وجد الأمر سواء. إلا ما اختص به كلام الله من الخواص ~~المعروفة. وسر في جميع ملابسات العرب هذا السير تجد الأمر كما تقرر. وإذا ~~ثبت هذا وضح أن الشريعة أمية لم تخرج عما ألفته العرب. ### | ثم قال الشاطبي: «المسألة الرابعة» # ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها، وهم العرب، ينبني ~~عليه قواعد: منها- أن كثيرا من الناس تجاوزوا، على الدعوى في القرآن، الحد. # فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات ~~والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون ~~وأشباهها. وهذا، إذا عرضناه على ما تقدم، لم يصح. # إلى هذا، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف # PageV01P062 # بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من ~~هذا المدعى، سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة وما ~~يلي ذلك. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل ~~المسألة. إلا أن ذلك لم يكن. فدل على أنه غير موجود عندهم. وذلك دليل على ~~أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا. نعم! تضمن علوما هي من جنس ~~علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا ~~تبلغه إدراكات العقول الراجحة، دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره. # أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا، وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] وقوله: ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء [الأنعام: 38] ونحو ذلك، وبفواتح السور، وهي مما لم يعهد عند ~~العرب، وبما نقل عن الناس فيها. وربما حكي من ذلك عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وغيره أشياء. # فأما الآيات فالمراد ms0064 بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد. أو ~~المراد بالكتاب في قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء اللوح المحفوظ، ولم ~~يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية. وأما فواتح ~~السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدا كعدد الجمل الذي ~~تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير. أو هي من المتشابهات التي ~~لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، وغير ذلك. وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا ~~يكون، ولم يدعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوه. وما ينقل عن علي ~~أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما ~~أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار، في الاستعانة على فهمه، ~~على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة. فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام ~~الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله ~~فيه، والله أعلم وبه التوفيق. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # ومنها- أنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب ~~الذين نزل القرآن بلسانهم. فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح ~~العدول عنه # PageV01P063 # في فهم الشريعة. وإن لم يكن ثم عرف، فلا يصح أن يجري في فهمها ما لا ~~تعرفه. # وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب. مثال ذلك: أن معهود العرب أن لا ~~ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس ~~أحد الأمرين عندها بملتزم، بل قد تبنى على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ~~ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته. والدليل على ذلك أشياء: # أحدها: خروجها في كثير من كلامها على أحكام القوانين المطردة، والضوابط ~~المستمرة، وجريانها في كثير من منثورها على طريق منظومها، وإن لم يكن بها ~~حاجة، وتركها لما هو أولى في مراميها. ولا يعد ذلك قليلا في كلامها، ولا ~~ضعيفا، بل هو كثير قوي، وإن ms0065 كان غيره أكثر منه. # والثاني: أن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها، ~~ولا يعد ذلك اختلافا ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامة. ~~والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف. وفي هذا المعنى من ~~الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير. وقد استمر أهل القراآت على أن ~~يعملوا بالروايات التي صحت عندهم، مما وافق المصحف، وأنهم في ذلك قارئون ~~للقرآن من غير شك ولا إشكال، وإن كانت بين القراءتين ما يعده الناظر ببادي ~~الرأي اختلافا في المعنى، لأن معنى الكلام من أوله إلى آخره على استقامة، ~~لا تفاوت فيه، بحسب مقصود الخطاب: كمالك وملك، وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يخادعون إلا أنفسهم. لنبوئنهم من الجنة غرفا لنبوئنهم من الجنة غرفا. إلى ~~كثير من هذا، لأن جميع ذلك لا تفاوت فيه بحسب فهم ما أريد من الخطاب، وهذا ~~كان عادة العرب. # ألا ترى ما حكى ابن جني عن عيسى بن عمر، وحكى عن غيره أيضا، قال: سمعت ذا ~~الرمة ينشد: # وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا # فقلت: أنشدتني: من بائس، فقال: يابس وبائس واحد. فأنت ترى ذا الرمة لم ~~يعبأ بالاختلاف بين البؤس واليبس، لما كان موضع البيت قائما على الوجهين، ~~وصوابا على كلتا الطريقتين. وقد قال في رواية أبي العباس الأحول: البؤس ~~واليبس واحد. يعني بحسب قصد الكلام، لا بحسب تفسير اللغة. وعن أحمد بن ~~يحيى، قال: أنشدني ابن الأعرابي: # وموضع زير لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الروع آنس # فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا، أنشدتنا «وموضع ضيق» فقال: سبحا # PageV01P064 # الله! تصحبنا منذ كذا وكذا، ولا تعلم أن الزير والضيق واحد. وقد جاءت ~~أشعارهم على روايات مختلفة، وبألفاظ متباينة، يعلم من مجموعها أنهم ما ~~كانوا يلتزمون لفظا واحدا على الخصوص، بحيث يعد مرادفه أو مقاربه عيبا أو ~~ضعفا. إلا في مواضع مخصوصة لا يكون ما سواها من المواضع محمولا عليها، ~~وإنما معهودها الغالب ما ms0066 تقدم. # والثالث: أنها قد تهمل بعض أحكام اللفظ، وإن كانت تعتبره على الجملة، كما ~~استقبحوا العطف على الضمير المرفوع المتصل مطلقا ولم يفرقوا بين ما له لفظ، ~~وما ليس له لفظ، فقبح «قمت وزيد» ، كما قبح «قام وزيد» وجمعوا في الردف بين ~~عمود ويعود، من غير استكراه. وواو عمود أقوى في المد. وجمعوا بين سعيد ~~وعمود مع اختلافهما، وأشباه ذلك من الأحكام اللطيفة التي تقتضيها الألفاظ ~~في قياسها النظري، لكنها تهملها وتوليها جانب الإعراض، وما ذاك إلا لعدم ~~تعمقها في تنقيح لسانها. # والرابع: أن الممدوح من كلام العرب، عند أرباب العربية، ما كان بعيدا عن ~~تكلف الاصطناع. ولذلك، إذا اشتغل الشاعر العربي بالتنقيح اختلف في الأخذ ~~عنه. # فقد كان الأصمعي يعيب الحطيئة. واعتذر عن ذلك بأن قال: وجدت شعره كله ~~جيدا، فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع. إنما الشاعر ~~المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه، جيده ورديه. وما قاله هو الباب ~~المنتهج، والطريق المهيع عند أهل اللسان. وعلى الجملة فالأدلة على هذا ~~المعنى كثيرة، ومن زاول كلام العرب وقف من هذا على علم. وإذا كان كذلك، فلا ~~يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه ~~لسان العرب، وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتني العرب به، والوقوف عند ~~ما حدث. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # ومنها- أنه إنما يصح في مسلك الأفهام والفهم، ما يكون عاما لجميع العرب، ~~فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه، بحسب الألفاظ والمعاني. فإن الناس في ~~الفهم وتأتي التكليف فيه، ليسوا على وزان واحد ولا متقارب. إلا أنهم ~~يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها. وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا. ~~ولم يكونوا # PageV01P065 # بحيث يتعمقون في كل مهم، ولا في أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم. # اللهم إلا أن يقصدوا أمرا خاصا، لأناس خاصة. فذاك كالكنايات الغامضة، ~~والرموز البعيدة التي تخفى عن الجمهور، ولا تخفى عمن قصد بها. وإلا كان ~~خارجا عن حكم معهودها. فكذلك يلزم ms0067 أن ينزل فهم الكتاب والسنة بحيث تكون ~~معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه ~~اللغات، حتى كانت قبائل العرب تفهمه. وأيضا فمقتضاه من التكليف لا يخرج عن ~~هذا النمط. لأن الضعيف ليس كالقوي، ولا الصغير كالكبير، ولا الأنثى كالذكر، ~~بل كل له حد ينتهي إليه في العبارة الجارية. فأخذوا بما يشترك الجمهور في ~~القدرة عليه، وألزموه ذلك من طريقهم بالحجة القائمة والموعظة الحسنة، ونحو ~~ذلك، ولو شاء الله لألزمهم ما لا يطيقون، ولكلفهم بغير قيام حجة، ولا إتيان ~~ببرهان، ولا وعظ ولا تذكير، ولطوقهم فهم ما لا يفهم، وعلم ما لا يعلم، فلا ~~حجر عليه في ذلك، فإن حجة الملك قائمة قل فلله الحجة البالغة [الأنعام: ~~149] لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا، وكلفهم من حيث لهم القدرة على ~~ما به كلفوا، وغدوا في أثناء ذلك بما يستقيم به منآدهم، ويقوى به ضعيفهم، ~~وتنتهض به عزائمهم، من الوعد تارة، والوعيد أخرى، والموعظة الحسنة أخرى، ~~وبيان مجاري العادات فيمن سلف من الأمم الماضية، والقرون الخالية، إلى غير ~~ذلك مما في معناه. حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخلق ~~الماضين، بل هم مشتركون في مقتضاه، ولا يكونون مشتركين إلا فيما لهم منة ~~على تحمله. وزادهم تخفيفا دون الأولين، وأجرى فوقهم فضلا من الله ونعمة، ~~والله عليم حكيم. # وقد خرج الترمذي، وصححه عن أبي بن كعب، قال: لقي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جبريل فقال: يا جبريل! إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ ~~الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد! إن ~~القرآن أنزل على سبعة أحرف # . فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان ~~الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين، كما يسع غيرهم. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # ومنها- أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، ~~بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من # PageV01P066 # أجلها. وهذا الأصل معلوم عند أهل ms0068 العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى ~~تحصيل المعنى المراد. والمعنى هو المقصود. ولا أيضا كل المعاني. فإن المعنى ~~الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوما دونه. كما لم يعبأ ~~ذو الرمة ببائس ولا يابس، اتكالا منه على أن حاصل المعنى مفهوم. وأبين من ~~هذا ما في جامع الإسماعيلي المخرج على صحيح البخاري عن أنس بن مالك، أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قرأ «فاكهة وأبا» «1» قال: ما الأب؟ ثم قال: ما ~~كلفنا هذا. أو قال: ما أمرنا بهذا. وفيه أيضا عن أنس أن رجلا سأل عمر بن ~~الخطاب عن قوله: «فاكهة وأبا» ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف. ~~ومن المشهور «2» تأديبه لضبيع. # حين كان يكثر السؤال عن المرسلات والعاصفات ونحوهما. وظاهر من هذا كله ~~أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبي معلوم على الجملة، ولا ينبني على فهم ~~هذه الأشياء حكم تكليفي، فرأى أن الاشتغال به عن غيره، مما هو أهم منه، ~~تكلف. # ولهذا أصل في الشريعة صحيح، نبه عليه قوله تعالى: ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب.. [البقرة: 177] إلى آخر الآية. فلو كان فهم ~~اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي لم يكن تكلفا، بل هو مضطر إليه. ~~كما روي عن عمر نفسه في قوله تعالى: أو يأخذهم على تخوف [النحل: 47] فإنه ~~سأل عنه على المنبر. فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص. ثم أنشده: # تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن # فقال عمر: أيها الناس! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم. فإن فيه تفسير ~~كتابكم. PageV01P067 # فليس بين الخبرين تعارض. لأن هذا توقف فهم معنى الآية عليه، بخلاف الأول. ~~فإذا كان الأمر هكذا فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب، لأنه المقصود ~~والمراد. وعليه ينبني الخطاب ابتداء. وكثيرا ما يغفل هذا النظر بالنسبة ~~للكتاب والسنة، فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتستبهم ~~على الملتمس، وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير معمل، ~~ومشيه على غير ms0069 طريق. والله الواقي برحمته. ### | فصل في أن بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا # قال الشاطبي في الموافقات: بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان صحيح ~~لا إشكال في صحته. لأنه لذلك بعث. قال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] ، ولا خلاف فيه. وأما بيان الصحابة، فإن ~~أجمعوا على ما بينوه، فلا إشكال في صحته أيضا. كما أجمعوا على الغسل من ~~التقاء الختانين المبين لقوله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا [المائدة: 6] ، ~~وإن لم يجمعوا عليه، فهل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ~~ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين: # أحدهما: معرفتهم باللسان العربي، فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم، ولم ~~تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، ~~فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان، صح اعتماده من هذه الجهة. # والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم ~~أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه ~~غيرهم بسبب ذلك. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فمتى جاء عنهم تقييد بعض ~~المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه صواب. # هذا، إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة. فإن خالف بعضهم، فالمسألة ~~اجتهادية. مثاله قوله عليه السلام: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر «1» ~~، PageV01P068 # فهذا التعجيل يحتمل أن يقصد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا. فكان ~~عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يصليان المغرب قبل أن يفطرا. ثم يفطران بعد ~~الصلاة، بيانا أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد ~~الصلاة فهو تعجيل أيضا، وأن التأخير الذي يفعله أهل المشرق شيء آخر، داخل ~~في التعمق المنهي عنه، وكذلك ذكر عن اليهود أنهم يؤخرون الإفطار فندب ~~المسلمون إلى التعجيل. وكذلك # قال عليه السلام: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه «1» # ، احتمل أن تكون الرؤية مقيدة بالأكثر، وهو أن يرى بعد غروب الشمس. # فبين عثمان ms0070 أن ذلك غير لازم، فرأى الهلال في خلافته قبل الغروب، فلم يفطر ~~حتى أمسى وغابت الشمس. # وتأمل. فعادة مالك بن أنس في موطئه وغيره الإتيان بالآثار عن الصحابة. ~~مبينا بها السنن، وما يعمل به منها، وما لا يعمل به. وما يقيد به مطلقاتها. ~~وهو دأبه ومذهبه لما تقدم ذكره. # ومما بين كلامهم اللغة أيضا. كما نقل مالك في دلوك الشمس وغسق الليل كلام ~~ابن عمر وابن عباس، وفي معنى السعي عن عمر بن الخطاب أعني قوله تعالى: # فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع [الجمعة: 9] . وفي معنى الأخوة أن السنة ~~قضت أن الأخوة اثنان فصاعدا. كما تبين بكلامهم معنى الكتاب والسنة. # لا يقال: إن هذا المذهب راجع إلى تقليد الصحابي، وقد عرفت ما فيه من ~~النزاع والخلاف. لأنا نقول: نعم. هو تقليد، ولكنه راجع إلى ما لا يمكن ~~الاجتهاد فيه على وجهه، إلا لهم، لما تقدم من أنهم عرب، وفرق بين من هو ~~عربي الأصل والنحلة وبين من تعرب: (غلب التطبع شيمة المطبوع) وأنهم شاهدوا ~~من أسباب التكاليف وقرائن أحوالها ما لم يشاهد من بعدهم. ونقل قرائن ~~الأحوال على ما هو عليه كالمتعذر، فلا بد من القول بأن فهمهم في الشريعة ~~أتم وأحرى بالتقديم. فإذا جاء في القرآن أو في السنة من بيانهم ما هو موضوع ~~موضع التفسير، بحيث لو فرضنا عدمه، لم يمكن تنزيل النص عليه على وجهه، ~~انحتم الحكم بإعمال ذلك البيان، لما ذكر، ولما جاء في السنة من اتباعهم ~~والجريان على سننهم. كما جاء في # قوله PageV01P069 # عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ~~تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ «1» # ، وغير ذلك من الأحاديث فإنها عاضدة بهذا المعنى في الجملة. أما إذا علم ~~أن الموضع موضع اجتهاد لا يفتقر إلى ذينك الأمرين فهم ومن سواهم فيه شرع، ~~سواء. كمسألة العول والوضوء من النوم، وكثير من مسائل الربا التي قال فيها ~~عمر بن الخطاب: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا آية الربا. ~~فدعوا الربا ms0071 والريبة. أو كما قال: # فمثل هذه المسائل موضع اجتهاد للجميع، لا يختص به الصحابة دون غيرهم من ~~المجتهدين. وفيه خلاف بين العلماء أيضا. فإن منهم من يجعل قول الصحابي ~~ورأيه حجة يرجع إليها ويعمل عليها من غير نظر، كالأحاديث والاجتهادات ~~النبوية. # وهو مذكور في كتب الأصول. فلا يحتاج إلى ذكره هاهنا. ### | فصل في أن كل حكاية في القرآن لم يقع لها رد فهي صحيحة # قال الشاطبي: كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها، ~~وهو الأكثر، رد لها أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي ~~وكذبه. # وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه. # أما الأول فظاهر ولا يحتاج إلى برهان. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إذ ~~قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91] فأعقب بقوله: قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى [الأنعام: 91] الآية. وقال: وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا.. [الأنعام: 136] الآية، فوقع التنكيت على افتراء ما ~~زعموا بقوله: # بزعمهم وبقوله: ساء ما يحكمون [الأنعام: 136] وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر ~~[الأنعام: 138] إلى تمامه. ورد بقوله: سيجزيهم بما كانوا يفترون [الأنعام: ~~138] PageV01P070 # ثم قال: وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ... # [الأنعام: 139] الآية، فنبه على فساده بقوله: سيجزيهم وصفهم [الأنعام: ~~139] ، زيادة على ذلك. وقال تعالى: وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون [الفرقان: 4] ، فرد عليهم بقوله: فقد جاؤ ظلما وزورا ~~[الفرقان: 4] ، ثم قال: وقالوا أساطير الأولين ... [الفرقان: 5- 6] الآية. ~~فرد بقوله: قل أنزله الذي يعلم السر ... [الفرقان: 5- 6] ، الآية. ثم قال: ~~وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا [الفرقان: 8] ، ثم قال تعالى: ~~انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا [الفرقان: 9] ، وقال تعالى: وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إلى قوله: أأنزل عليه الذكر من بيننا ~~ثم رد عليهم بقوله: بل هم في شك من ذكري [ص: 4- 8] ، إلى آخر ما هنالك. ~~وقال: وقالوا اتخذ الله ولدا [البقرة: 116] ، ثم رد عليهم ms0072 بأوجه كثيرة ثبتت ~~في أثناء القرآن كقوله: # بل عباد مكرمون [الأنبياء: 26] ، وقوله: بل له ما في السماوات والأرض ~~[يونس: 68] وقوله: سبحانه هو الغني ... [يونس: 68] الآية، وقوله: تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض [يونس: 68] ، إلى آخره وأشباه ذلك. # ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر. # وأما الثاني- فظاهر أيضا. ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، ~~فإن القرآن سمي فرقانا وهدى وبرهانا وبيانا وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله ~~على الخلق، على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم. وهذا المعنى يأبى أن ~~يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبه عليه. # وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم ولم ينبه على ~~إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة، عند طائفة، في شريعتنا. ويمنعه ~~قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه ~~حق وصدق كشريعتنا. ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على ~~أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الأول، كقوله تعالى: وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه [البقرة: 75] الآية، وقوله: ~~يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ... [المائدة: 41] ~~الآية، وكذلك قوله تعالى: من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون ~~سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين [النساء: ~~46] ، # PageV01P071 # فصار هذا من النمط الأول. # ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان ~~حقا. كحكايته عن الأنبياء والأولياء. ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع ~~موسى عليه السلام، وقصة أصحاب الكهف. وأشباه ذلك. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # ولا طراد هذا الأصل اعتمده النظار. فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن ~~الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى: قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين ... [المدثر: 43- 44] الآية، إذ لو كان قولهم باطلا لرد عند ~~حكايته. # واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى ms0073 من ~~قولهم إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم وإنهم خمسة سادسهم كلبهم، أعقب ذلك بقوله ~~رجما بالغيب [الكهف: 22] ، أي ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن. # ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا، ولما حكى قولهم سبعة وثامنهم كلبهم لم ~~يتبعه بإبطال، بل قال: قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل [الكهف: 22] ~~، دل المساق على صحته دون القولين الأولين. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: ~~أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم. ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل ~~عن قول إبراهيم عليه السلام: رب أرني كيف تحي الموتى [البقرة: 260] ، فقيل ~~له: أكان شاكا حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، وإنما كان طلب زيادة ~~إيمان إلى إيمان. ألا تراه قال: أولم تؤمن قال بلى [البقرة: 260] ، فلو علم ~~منه شكا لأظهر ذلك، فصح أن الطمانينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان. ~~بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله: قالت الأعراب آمنا [الحجرات: ~~14] فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14] . # ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن، عرف مداخلها وما هو منها حق مما هو ~~باطل. فقد قال تعالى: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ~~[المنافقون: 1] ، إلى آخرها، فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل، فظاهرها ~~حق وباطنها كذب، من حيث كان إخبارا عن المعتقد، وهو غير مطابق، فقال تعالى: # PageV01P072 # والله يعلم إنك لرسوله [المنافقون: 1] تصحيحا لظاهر القول. وقال: والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون إبطالا لما قصدوا فيه. وقال تعالى: وما قدروا ~~الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة [الزمر: 67] الآية، وسبب ~~نزولها ما # خرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس، قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا يا يهودي! فقال: كيف تقول يا ~~أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه ~~والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه (وأشار ms0074 الراوي بخنصره أولا ثم تابع حتى ~~بلغ الإبهام) فأنزل الله وما قدروا الله حق قدره. # وفي رواية أخرى: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! ~~إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، ~~والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~بدت نواجذه. قال: وما قدروا الله حق قدره. # وفي رواية فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا # . والحديث الأول كأنه مفسر لهذا، وبمعناه يتبين معنى قوله: وما قدروا ~~الله حق قدره فإن الآية بينت أن كلام اليهودي حق في الجملة، وذلك قوله: ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه # وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية وذلك- والله أعلم- لأنه أشار إلى ~~معنى الأصابع بأصابع نفسه، وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه، فقال: وما ~~قدروا الله حق قدره. # وقال تعالى: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن [التوبة: 61] أي ~~يسمع الحق والباطل، فرد الله عليهم فيما هو باطل وأحق الحق، فقال: قل أذن ~~خير لكم [التوبة: 61] الآية، ولما قصدوا الأذية بذلك الكلام قال تعالى: # والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم [التوبة: 61] . وقال تعالى: وإذا ~~قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو ~~يشاء الله أطعمه [يس: 47] فهذا منهم امتناع عن الإنفاق بحجة، قصدهم فيها ~~الاستهزاء، فرد عليهم بقوله: إن أنتم إلا في ضلال مبين [يس: 47] لأن ذلك ~~حيد عن امتثال الأمر. وجواب «أنفقوا» أن يقال: «نعم أو لا» وهو الامتثال أو ~~العصيان. فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا ~~تعارض، انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا. إذ حاصلهم أنهم اعترضوا على المشيئة ~~المطلقة بالمشيئة المطلقة، لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق، فكأنهم قالوا: ~~كيف يشاء الطلب منا، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم، وهذا عين الضلال في نفس ~~الحجة. وقال تعالى: وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث [الأنبياء: 78] إلى ~~قوله: وكلا آتينا حكما # PageV01P073 # وعلما # فقوله: ففهمناها سليمان ms0075 [الأنبياء: 79] تقرير لإصابته عليه السلام- في ~~ذلك، الحكم-، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام، لكن لما كان ~~المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله الوسع، قال: وكلا آتينا حكما وعلما ~~[الأنبياء: 79] وهذا من البيان الخفي فيما نحن فيه. # قال الحسن: والله! لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين لرأيت أن القضاة ~~قد هلكوا. فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده. والنمط هنا يتسع، ~~ويكفي منه ما ذكر، وبالله التوفيق. # ثم اعلم أن قصص القرآن الكريم لا يراد بها سرد تاريخ الأمم أو الأشخاص، ~~وإنما هي عبرة للناس. كما قال تعالى في سورة هود، بعد ما ذكر موجزا من سيرة ~~الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ... # [هود: 120] إلخ، ولذلك لا تذكر الوقائع والحوادث بالترتيب، ولا تستقصى ~~فيذكر منها الطم والرم، ويؤتى فيها بالجرة وأذن الجرة، كما في بعض الكتب، ~~التي تسميها الملل الأخرى مقدسة. وللعبرة وجوه كثيرة. وفي تلك القصص فوائد ~~عظيمة، وأفضل الفوائد وأهم العبر فيها التنبيه على سنن الله تعالى في ~~الاجتماع البشري، وتأثير أعمال الخير والشر في الحياة الإنسانية. وقد نبه ~~الله تعالى على ذلك في مواضع من كتابه كقوله: وقد خلت سنة الأولين [الحجر: ~~13] . وقوله: سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون [غافر: ~~85] . يذكر أمثال هذا بعد بيان أحوال الأمم في غمط الحق والإعراض عنه، ~~والغرور بما أوتوا، ونحو ذلك. # فالآية الأولى جاءت في سياق الكلام عن المعرضين عن الحق لا يلوون عليه ~~ولا ينظرون في أدلته لانهماكهم في ترفهم وسرفهم، وجمودهم على عاداتهم ~~وتقاليدهم. # والآية الثانية: جاءت في سياق محاجة الكافرين والتذكير بما كان من شأنهم ~~مع الأنبياء. وبعد الأمر في السير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم القوية ~~ذات القوة والآثار في الأرض، وكيف هلكوا بعد ما دعوا إلى الحق والتهذيب فلم ~~يستجيبوا، لما صرفهم من الغرور بما كانوا فيه، ولم ينفعهم إيمانهم عند ما ~~نزل بهم بأس الله وحل بهم عذاب التفريط والاسترسال في الكفر ms0076 وآثاره السوءى. ~~وليس المراد، بنفي كون قصص القرآن تاريخا، أن التاريخ شيء باطل ضار ينزه ~~القرآن عنه. كلا. إن قصصه شذور من التاريخ تعلم الناس كيف ينتفعون ~~بالتاريخ. # فمثل ما في القرآن من التاريخ البشري كمثل ما فيه من التاريخ الطبيعي م # PageV01P074 # أحوال الحيوان والنبات والجماد، ومثل ما فيه من الكلام في الفلك، يراد ~~بذلك كله التوجيه إلى العبرة والاستدلال على قدرة الصانع وحكمته لا تفصيل ~~مسائل العلوم الطبيعية والفلكية التي مكن الله البشر من الوقوف عليها ~~بالبحث والنظر والتجربة، وهداهم إلى ذلك بالفطرة وبالوحي معا. ### $ 10- قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم # . قال الشاطبي: إذا ورد في القرآن الترغيب، قارنه الترهيب في لواحقه أو ~~سوابقه أو قرائنه. وبالعكس. وكذلك الترجية مع التخويف وما يرجع إلى هذا ~~المعنى، مثله. # ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار وبالعكس. لأن في ذكر أهل الجنة ~~بأعمالهم ترجية. وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا. فهو راجع إلى الترجية ~~والتخويف. # ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر. فأنت ترى أن الله جعل الحمد ~~فاتحة كتابه وقد وقع فيه اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم ~~[الفاتحة: 6] إلى آخرها. فجيء بذكر الفريقين. ثم بدئت سورة البقرة بذكرهما ~~أيضا. فقيل: هدى للمتقين. ثم قال: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم [البقرة: 6] ثم ذكر بأثرهم المنافقون. وهم صنف من الكفار. فلما ~~تم ذلك أعقب بالأمر بالتقوى ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية. فقال: فإن ~~لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار [البقرة: 24] إلى قوله: وبشر الذين ~~آمنوا الآية ثم قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ~~فأما الذين آمنوا [البقرة: 26] الآية. ثم ذكر في قصة آدم مثل هذا. ولما ذكر ~~بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم، قيل: إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا [البقرة: 62] إلى قوله: هم فيها خالدون. ثم ذكر تفاصيل ذلك ~~الاعتداء إلى أن ختم بقوله: # ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [البقرة: 102] . وهذا تخويف. ثم ms0077 ~~قال: ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة [البقرة: 103] الآية وهو ترجية. ثم شرع ~~في ذكر ما كان من شأن المخالفين في تحويل القبلة ثم قال: بلى من أسلم وجهه ~~لله [البقرة: 112] الآية. ثم ذكر من شأنهم الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون [البقرة: 121] . ثم ~~ذكر قصة إبراهيم علية السلام وبنيه. وذكر في أثنائها التخويف والترجية. ~~وختمها بمثل ذلك، ولا يطول عليك زمان إنجاز الوعد في هذا الاقتران، فقد ~~يكون بينهما أشياء معترضة في أثناء المقصود، والرجوع بعد إلى ما تقرر. وقال ~~تعالى في سورة # PageV01P075 # الأنعام، وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات: الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض إلى قوله: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] . # وذكر البراهين التامة ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه، إلى أن قال: كتب ~~على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه [الأنعام: 12] فأقسم ~~بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف. وذلك يعطي التخويف تصريحا، ~~والترجية ضمنا. ثم قال: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم [الأنعام: 15] ~~فهذا تخويف، وقال: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه [الأنعام: 16] الآية. وهذا ~~ترجية، وكذا قوله: وإن يمسسك الله بضر [الأنعام: 17] الآية. ثم مضى في ذكر ~~التخويف حتى قال: وللدار الآخرة خير للذين يتقون [الأنعام: 32] . ثم قال: ~~إنما يستجيب الذين يسمعون [الأنعام: 36] ونظيره قوله: والذين كذبوا بآياتنا ~~صم وبكم في الظلمات [الأنعام: 39] الآية. ثم ذكر ما يليق بالموطن إلى أن ~~قال: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح [الأنعام: 48] ~~الآية. # واجر في النظر على هذا الترتيب يلح لك وجه الأصل المنبه عليه. ولولا ~~الإطالة لبسط في ذلك كثير. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال. فيرد التخويف ويتسع ~~مجاله. لكنه لا يخلو من الترجية. كما في سورة الأنعام. فإنها جاءت مقررة ~~للخلق ومنكرة على من كفر بالله واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، ~~وصد عن سبيله، ms0078 وأنكر ما لا ينكر، ولد فيه وخاصم. وهذا المعنى يقتضي تأكيد ~~التخويف من إطالة التأنيب والتعنيف. فكثرت مقدماته ولواحقه. ولم يخل، مع ~~ذلك، من طرف الترجية. لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق. وقد تقدم الدعاء. وإنما ~~هو مزيد تكرار، إعذارا وإنذارا. ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من ~~طلب الترجية. # لأن درء المفاسد آكد. وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها. وذلك في مواطن ~~القنوط ومظنته. كما في قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53] الآية. فإن ~~ناسا من أهل الشرك # PageV01P076 # كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا. فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا: أن لما عملنا كفارة. ~~فنزلت. فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط. فجيء فيه بالترجية غالبة. ومثل ذلك ~~الآية الأخرى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات [هود: 114] . وانظر في سببها في الترمذي والنسائي وغيرهما. # ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب، كان جانب التخويف أغلب. وذلك في ~~مظانه الخاصة، لا على الإطلاق. فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة هذا ولا هذا أتى ~~الأمر معتدلا. فإن قيل: هذا لا يطرد. فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه ~~بالآخر، فيأتي التخويف من غير ترجية، وبالعكس. ألا ترى قوله تعالى: ويل لكل ~~همزة لمزة [الهمزة: 1] ، إلى آخرها، فإنها كلها تخويف. وقوله: كلا إن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6- 7] ، إلى آخر السورة. وقوله: ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: 1] ، إلى آخر السورة. # ومن الآيات قوله: إن الذين يؤذون الله ورسوله إلى قوله: فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا [الأحزاب: 57- 58] . وفي الطرف الآخر قوله تعالى: ~~والضحى والليل إذا سجى [الضحى: 1- 2] ، إلى آخرها. وقوله تعالى: ألم نشرح ~~لك صدرك [الشرح: 1] ، إلى آخرها. # ومن الآيات قوله تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى [النور: 22] الآية. # وروى أبو عبيد عن ابن عباس أنه التقى هو وعبد ms0079 الله بن عمرو. فقال ابن ~~عباس: أي آية أرجى في كتاب الله؟ فقال عبد الله: قوله: قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [الزمر: 53] الآية. فقال ابن ~~عباس: # لكن قول الله: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى، قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] . # قال ابن عباس: فرضي منه بقوله: بلى. # قال: فهذا لما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان. # وعن ابن مسعود قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر ~~الله له. وفسر ذلك أبي بن كعب بقوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله [آل عمران: 135] ، إلى آخر الآية. وقوله: ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] . # PageV01P077 # وعن ابن مسعود: إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما ~~فيها. ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها: قوله: إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31] الآية. وقوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~[النساء: 40] الآية. وقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48] ~~الآية. وقوله: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك [النساء: 64] الآية. وقوله: ~~ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] . # وأشياء من هذا القبيل كثيرة إذا تتبعت وجدت. فالقاعدة لا تطرد وإنما الذي ~~يقال: إن كل موطن له ما يناسبه، ولكل مقام مقال، وهو الذي يطرد في علم ~~البيان. # أما هذا التخصيص فلا. فالجواب: أن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم. ~~وعنه جوابان: إجمالي وتفصيلي. فالإجمالي: أن يقال: إن الأمر العام والقانون ~~الشائع هو ما تقدم فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية. لأن الكلية إذا كانت ~~أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم بها. وعليها شاءت الأمور ~~الهادية الجارية في الوجود. ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل. يدل عليه ~~الاستقراء. # فليس بقادح فيما تأصل. ms0080 وأما التفصيلي، فإن قوله: ويل لكل همزة لمزة قضية ~~عين في رجل معين من الكفار، بسبب أمر معين من همزه النبي عليه السلام وعيبه ~~إياه. فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح. لا أنه أجري مجرى التخويف. # فليس مما نحن فيه. وهذا الوجه جار في قوله: إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى. # وقوله: إن الذين يؤذون الله ورسوله [التوبة: 61] الآيتين، جار على ما ~~ذكر. وكذلك سورة والضحى [الضحى: 1- 11] . # وقوله: ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] ، غير ما نحن فيه. بل هو أمر من الله ~~للنبي عليه السلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح. # وقوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم [النور: 22] ، قضية عين لأبي بكر ~~الصديق، نفس بها من كربه فيما أصابه بسبب الإفك المتقول على بنته عائشة. ~~فجاء هذا الكلام كالتأنيس له والحض على إتمام مكارم الأخلاق، وإدامتها، ~~بالإنفاق على قريبه المتصف بالمسكنة والهجرة. ولم يكن ذلك واجبا على أبي ~~بكر. ولكن أحب الله له معالي الأخلاق. # وقوله: لا تقنطوا [الزمر: 53] ، وما ذكر معها في المذاكرة المتقدمة، # PageV01P078 # ليس مقصودهم، بذكر ذلك، النقض على ما نحن فيه، بل النظر في معاني آيات ~~على استقلالها: ألا ترى أن قوله: لا تقنطوا من رحمة الله، أعقب بقوله: ~~وأنيبوا إلى ربكم [الزمر: 54] الآية. وفي هذا تخويف عظيم مهيج للفرار من ~~وقوعه. وما تقدم من السبب في نزول الآية يبين المراد، وأن قوله: لا تقنطوا، ~~ورافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف. # وقوله: رب أرني كيف تحي الموتى [البقرة: 260] نظر في معنى آية في الجملة، ~~وما يستنبط منها. وإلا فقوله: أو لم تؤمن، تقرير فيه إشارة إلى التخويف أو ~~لا يكون مؤمنا. فلما قال: بلى. حصل المقصود. # وقوله: والذين إذا فعلوا فاحشة [آل عمران: 135] ، كقوله: لا تقنطوا من ~~رحمة الله [الزمر: 53] . # وقوله: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110] داخل تحت أصلنا. لأنه جاء بعد قوله: ولا تكن للخائنين ~~خصيما [النساء: 105] . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # إلى قوله: فمن يجادل الله عنهم ms0081 يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا # [النساء: 107- 109] . # وقوله إن تجتنبوا [النساء: 31] آت بعد الوعيد على الكبائر في أول السورة ~~إلى هنالك. كأكل مال اليتيم والحيف في الوصية وغيرهما. فذلك مما يرجى به ~~تقدم التخويف. # وأما قوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] ، فقد أعقب بقوله ~~يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الآية. وتقدم قبلها قوله: الذين يبخلون، إلى ~~قوله: عذابا مهينا. بل قوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، جمع التخويف مع ~~الترجية. # وكذلك قوله: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ... [النساء: 64] الآية. تقدم ~~قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم. فهو مما نحن فيه. # وقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ... [النساء: 48] الآية. جامع للتخويف ~~والترجية من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة. ولم يرد ابن مسعود ~~بقوله: # ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، أنها آيات ترجية خاصة. بل مراده، ~~والله أعلم، أنها كليات في الشريعة محكمات. قد احتوت على علم كثير، وأحاطت ~~بقواعد عظيمة في الدين. ولذلك قال: ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما ~~يعرفونها. # PageV01P079 # وإذا ثبت هذا، فجميع ما تقدم جار على أن لكل موطن ما يناسبه إنزال ~~القرآن، إجراؤه على البشارة والنذارة. وهو مقصوده الأصلي، لأنه أنزل لأحد ~~الطرفين دون الآخر وهو المطلوب. وبالله التوفيق. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء. لأن حقيقة ~~الإيمان دائرة بينهما. وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص. فقال: إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~أنهم إلى ربهم راجعون [المؤمنون: 57- 60] . وقال: إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله [البقرة: 218] . # وقال: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه [الإسراء: 57] . وهذا على الجملة. فإن غلب عليه طرف الانحلال ~~والمخالفة، فجانب الخوف عليه أقرب. وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط ~~فجانب الرجاء إليه أقرب. وبهذا كان عليه السلام يؤدب ms0082 أصحابه. # ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله ... [الزمر: 53] الآية. وغلب على قوم جانب الإهمال ~~في بعض الأمور فخوفوا وعوقبوا. كقوله: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم ~~الله في الدنيا والآخرة ... [الأحزاب: 57] الآية. # فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته، فعلى المكلف العمل على وفق ~~ذلك التأديب. ### | فصل في أن الأحكام في التنزيل أكثرها كلية ولذا احتيج في الاستنباط منه إلى السنة # قال الشاطبي: تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي. وحيث جاء ~~جزئيا فمأخذه على الكلية، إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل إلا ما خصه الدليل. # مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على هذا المعنى، بعد الاستقراء ~~المعتبر، أنه محتاج # PageV01P080 # إلى كثير من البيان. فإن السنة، على كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هي بيان ~~للكتاب. # كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. وقد قال الله تعالى: وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] . # وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما ~~كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة» «1» . # وإنما الذي أعطي القرآن، وأما السنة فبيان له. وإذا كان كذلك فالقرآن على ~~اختصاره جامع. ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات. لأن الشريعة ~~تمت بتمام نزوله لقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] الآية. ~~وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في ~~القرآن. # وإنما بينتها السنة. وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود ~~وغيرها. وأيضا فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية وجدناها ~~قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات ومكمل ~~كل واحد منها. وهذا كله ظاهر أيضا. فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة ~~والإجماع والقياس. وجميع ذلك إنما نشأ عن القرآن. # وقد عد الناس قوله تعالى: لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] ، ~~متضمنا للقياس. # وقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه ms0083 [الحشر: 7] ، متضمنا للسنة. # وقوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] ، متضمنا للإجماع. # وهذا أهم ما يكون. وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات ~~والمستوشمات «2» إلخ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت ~~تقرأ PageV01P081 # القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك لعنت كذا وكذا؟ فذكرته. فقال ~~عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب ~~الله؟ فقالت المرأة: # لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد ~~وجدتيه. # قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحديث. # وعبد الله من العالمين بالقرآن. ### | ### | ثم قال الشاطبي: فصل # # فعلى هذا لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في ~~شرحه وبيانه، وهو السنة، لأنه إذا كان كليا وفيه أمور جلية، كما في شأن ~~الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه. وبعد ذلك ~~ينظر في تفسير السلف الصالح له، إن أعوزته السنة، فإنهم أعرف به من غيرهم، ~~وإلا فمطلق الفهم العربي لمن حصله يكفي فيها أعوز من ذلك. والله أعلم. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم. فالعالم به على التحقيق ~~عالم بجملة الشريعة لا يعوزه منها شيء. والدليل على ذلك أمور: منها النصوص ~~القرآنية في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] الآية. وقوله: ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 38] . وقوله: ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء [الأنعام: 38] . وقوله: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~[الإسراء: 9] يعني الطريقة المستقيمة. ولو لم يكمل فيه جميع معانيها لما صح ~~إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة. وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى ~~وشفاء لما في الصدور. ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل ~~شيء. ومنها ما جاء في الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك # كقوله عليه السلام «1» : إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين، ~~والشفاء النافع، عصمة ms0084 لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا PageV01P082 # يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد # إلخ، فكونه حبل الله بإطلاق، والشفاء النافع، إلى تمامه، دليل على كمال ~~الأمر فيه، ونحو هذا في حديث علي عن النبي عليه السلام «1» . # وعن ابن مسعود، أن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه. وأن أدب الله القرآن. وسئلت ~~عائشة «2» عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، ~~وصدق ذلك قوله: # وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] . وعن قتادة: ما جالس القرآن أحد إلا ~~فارقه بزيادة أو نقصان. ثم قرأ: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] . وعن محمد بن كعب القرظي في ~~قول الله تعالى: إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان [آل عمران: 193] . قال: ~~هو القرآن. # ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي الحديث «3» : يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله. وما ذاك إلا أنه أعلم ~~بأحكام الله # . فالعالم بالقرآن عالم بجملة الشريعة. وعن عائشة أن من قرأ القرآن فليس ~~فوقه أحد. وعن عبد الله قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن فإن فيه علم ~~الأولين والآخرين. وعن عبد الله بن عمر قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرا ~~عظيما، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه. وفي رواية عنه: ~~من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه. وما ذاك إلا أنه جامع لمعاني ~~النبوة. وأشباه هذا مما يدل على هذا المعنى. ومنها التجربة وهو أنه لا أحد ~~من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا. وأقرب الطوائف ~~من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر PageV01P083 # الذين ينكرون القياس. ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من ~~المسائل. وقال ابن حزم الظاهري: كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل ~~في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله. حاشى القراض فما وجدنا له أصلا فيهما ~~البتة. # إلى آخر ما قال. # وأنت تعلم أن القراض نوع من ms0085 أنواع الإجارة. وأصل الإجارة في القرآن ثابت. # وبين ذلك إقراره عليه السلام وعمل الصحابة به. # ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح. لما ثبت في الشريعة من المسائل ~~والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة. ويصدق ذلك ما # في الصحيح من قوله عليه السلام «1» : لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ~~يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري # . ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. # وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا. ويصححه قول الله تعالى: فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] الآية. قال ميمون بن مهران: ~~الرد إلى الله، إلى كتابه. والرد إلى الرسول، إذا كان حيا، فلما قبضه الله، ~~فالرد إلى سنته. # ومثله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا [الأحزاب: 36] ~~الآية. # يقال إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله لقوله: لتبين للناس ما ~~نزل إليهم [النحل: 44] وهو جمع بين الأدلة. # لأنا نقول: إن كانت السنة بيانا للكتاب، ففي أحد قسميها. فالقسم الآخر ~~زيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها. وتحريم ~~الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع. # وقيل «2» لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا. إلا كتاب الله أو ~~فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت: وما في هذه الصحيفة؟ ~~قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. # وهذا، وإن كان فيه دليل على أنه لا شيء عندهم إلا كتاب الله، ففيه دليل ~~على أن عندهم ما ليس في كتاب الله. وهو خلاف ما أصلت. # والجواب عن ذلك مذكور في الدليل الثاني وهو السنة بحول الله. PageV01P084 # ومن نوادر الاستدلال القرآني ما # نقل عن علي أنه قال: الحمل ستة أشهر. # انتزاعا من قوله تعالى: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] مع قوله: # وفصاله في عامين [لقمان: 14] واستنباط مالك بن أنس أن من سب الصحابة فلا ~~حظ له في الفيء من قوله: والذين جاؤ من ms0086 بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا [الحشر: ~~10] الآية. وقول من قال: الولد لا يملك. من قوله: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون [الأنبياء: 26] . وقول ابن العربي: إن الإنسان قبل ~~أن يكون علقة لا يسمى إنسانا. من قوله: خلق الإنسان من علق [العلق: 2] . # واستدلال منذر بن سعيد على أن العربي غير مطبوع على العربية بقوله: والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا [النحل: 78] وأغرب ذلك استدلال ابن ~~الفخار القرطبي على أن الإيماء بالرؤوس إلى جانب عند الإباية، والإيماء بها ~~سفلا عند الإجابة، أولى مما يفعله المشارقة من خلاف ذلك، بقوله تعالى: لووا ~~رؤسهم ورأيتهم يصدون [المنافقون: 5] الآية. # وكان أبو بكر الشبلي الصوفي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا. فقال له ابن ~~مجاهد: أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ فقال: فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~[ص: 33] . # ثم قال الشبلي: أين في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد ~~وقال له: قل. قال: قوله: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] الآية. واستدل بعضهم على منع سماع المرأة بقوله تعالى: ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف: 143] الآية. وفي بعض هذه ~~الاستدلالات نظر. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # وعلى هذا لا بد في كل مسألة، يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه، أن يلتفت ~~إلى أصلها في القرآن. فإن وجدت منصوصا على عينها أو ذكر نوعها أو جنسها ~~فذاك. وإلا فمراتب النظر فيها متعددة. وقد تقدم أن كل دليل شرعي فإما مقطوع ~~به أو راجع إلى مقطوع به. وأعلى مراجع المقطوع به القرآن الكريم. فهو أول ~~مرجوع إليه. أما إذا لم يرد في المسألة إلا العمل خاصة فيكفي الرجوع فيها ~~إلى السنة # PageV01P085 # المنقولة بالآحاد. كما يكفي الرجوع فيها إلى قول المجتهد. وهو أضعف. ~~وإنما يرجع فيها إلى أصلها في الكتاب لافتقاره إلى ذلك في جعلها أصلا يرجع ~~إليه، أو دينا يدان الله به، فلا يكتفي بمجرد تلقيها من أخبار الآحاد كما ~~تقدم. ### | فصل في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن # قال ms0087 الشاطبي: العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم على أقسام: # قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد والمعين على معرفة مراد ~~الله تعالى منه، كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها وعلم القراآت والناسخ ~~والمنسوخ وقواعد أصول الفقه وما أشبه ذلك. فهذا لا نظر فيه هنا. ولكن قد ~~يدعي فيما ليس بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن وأنه مطلوب كطلب ما هو ~~وسيلة بالحقيقة. فإن علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب وعلم ~~المكي والمدني وعلم القراآت وعلم أصول الفقه معلوم عند جميع العلماء أنها ~~معينة على فهم القرآن. وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس وسيلة أيضا. ولا ~~يكون كذلك. كما تقدم في حكاية الرازي في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله ~~تعالى: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ~~[ق: 6] . وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه ب (فصل المقال فيما بين ~~الشريعة والحكمة من الاتصال) أن علوم الفلسفة مطلوبة. إذ لا يفهم المقصود ~~من الشريعة على الحقيقة إلا بها. # ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال لما بعد في المعارضة. وشاهد ما بين ~~الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم. هل كانوا آخذين فيها أم كانوا ~~تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع. بتحققهم بفهم القرآن. يشهد لهم بذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير. فلينظر امرؤ أين يضع قدمه. # وثم أنواع أخر يعرفها من زاول هذه الأمور ولا ينبئك مثل خبير. فأبو حامد ~~ممن فتل هذه الأمور خبرة وصرح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه. # وقسم هو مأخوذ من جملته، من حيث هو كلام، لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي ~~أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو. وذلك ما فيه من دلالة النبوة. وهو كونه ~~معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل ~~القرآن كما تؤخذ # PageV01P086 # منه الأحكام الشرعية. إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك ms0088 مثل نصها على ~~الأحكام بالأمر والنهي وغيرهما. وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا ~~بسورة مثله. وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء، ولا سورة دون سورة، ~~ولا نمط منه دون آخر. بل ماهيته هي المعجزة له حسبما نبه عليه # قوله عليه السلام: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر. ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ~~يوم القيامة» # فهو بهيأته التي أنزله الله عليها دال على صدق الرسول عليه السلام. وفيها ~~عجز الفصحاء اللسن والخصماء اللد عن الإتيان بما يماثله أو يدانيه. ووجه ~~كونه معجزا لا يحتاج إلى تقريره في هذا الموضع. لأنه كيما تصور الإعجاز به، ~~فماهيته هي الدالة على ذلك. فإلى أي نحو منه ملت دلك على صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فهذا القسم أيضا لا نظر فيه هنا وموضعه كتب الكلام. # وقسم هو مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله وخطاب الخلق به ومعاملته لهم ~~بالرفق والحسنى، من جعله عربيا يدخل تحت نيل أفهامهم مع أنه المنزه القديم. # وكونه تنزل لهم بالتقريب والملاطفة والتعليم في نفس المعاملة به قبل ~~النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات. وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من ~~العلوم. وينبني صحة الأصل المذكور في كتاب الاجتهاد. وهو أصل التخلق بصفات ~~الله والاقتداء بأفعاله. ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد ~~الفرعية والمحاسن الأدبية. # فلنذكر منها أمثلة يستعان بها في فهم المراد. فمن ذلك عدم المؤاخذة قبل ~~الإنذار. # ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~[الإسراء: 15] فجرت عادته في خلقه أن لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال ~~الرسل. # فإذا قامت الحجة عليهم. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكل جزاء مثله، ~~ومنها الإبلاغ في إقامة الحجة على ما خاطب به الخلق. فإنه تعالى أنزل ~~القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه. وزاد على يدي رسوله عليه السلام من ~~المعجزات ما ms0089 فيه بعض الكفاية. # ومنها ترك الأخذ من أول مرة بالذنب، والحلم عن تعجيل المعاندين بالعذاب، ~~مع تماديهم على الإباية والجحود، بعد وضوح البرهان، وإن استعجلوا به. # ومنها تحسين العبارة بالكناية ونحوها في المواطن التي يحتاج فيها إلى ذكر ~~ما يستحي من ذكره في عادتنا. كقوله تعالى: أو لامستم النساء [النساء: 43] . # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه [التحريم: 12] . وقوله: # PageV01P087 # كانا يأكلان الطعام [المائدة: 75] حتى إذا وضح السبيل في مقطع الحق، وحضر ~~وقت التصريح بما ينبغي التصريح به، فلا بد منه. وإليه الإشارة بقوله: إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها [البقرة: 26] والله لا ~~يستحيي من الحق [الأحزاب: 53] . # ومنها التأني في الأمور والجري على مجرى التثبت والأخذ بالاحتياط، وهو ~~المعهود في حقنا فلقد أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما ~~في عشرين سنة، حتى قال الكفار: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: ~~32] . فقال الله: # كذلك لنثبت به فؤادك. وقال: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا [الإسراء: 106] . وفي هذه المدة كان الإنذار يترادف والصراط ~~يستوي بالنسبة إلى كل وجهة وإلى كل محتاج إليه. # وحين أبى من أبى من الدخول في الإسلام بعد عشر سنين أو أكثر، بدءوا ~~بالتغليظ بالدعاء. فشرع الجهاد لكن على تدريج أيضا. حكمة بالغة وترتيبا ~~يقتضيه العدل والإحسان. حتى إذا كمل الدين ودخل الناس فيه أفواجا ولم يبق ~~لقائل ما يقول، قبض الله نبيه إليه، وقد بانت الحجة ووضحت الحجة واشتد أس ~~الدين وقوي عضده بأنصار الله. فلله الحمد كثيرا على ذلك. # ومنها كيفية تأدب العباد إذا قصدوا باب رب الأرباب بالتضرع والدعاء. فقد ~~بين مساق القرآن آدابا استقرئت منه. وإن لم ينص عليها بالعبارة، فقد أغنت ~~إشارة التقرير عن التصريح بالتعبير. فأنت ترى أن نداء الله للعباد لم يأت ~~في القرآن، في الغالب، إلا ب (يا) ، المشيرة إلى بعد المنادى. لأن صاحب ~~النداء منزه عن مداناة العباد، موصوف بالتعالي عنهم والاستغناء. فإذا قرر ~~نداء العباد للرب ms0090 أتى بأمور تستدعي قرب الإجابة. منها إسقاط حرف النداء ~~المشير إلى قرب المنادى وأنه حاضر مع المنادي غير غافل عنه، فدل على ~~استشعار الراغب هذا المعنى إذ لم يأت في الغالب إلا: ربنا ربنا كقوله: ربنا ~~لا تؤاخذنا [البقرة: 286] ربنا تقبل منا [البقرة: 127] ، رب إني نذرت لك ما ~~في بطني [آل عمران: 35] ، رب أرني كيف تحي الموتى [البقرة: 260] . # ومنها: كثرة مجيء النداء باسم الرب المقتضى للقيام بأمور العباد ~~وإصلاحها. # فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان قائلا: يا من هو ~~المصلح لشئوننا على الإطلاق أتم لنا ذلك بكذا. وهو مقتضى ما يدعو به. وإنما ~~أتى # PageV01P088 # (اللهم) في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال. # ومنها: تقديم الوسيلة بين يدي الطلب كقوله: إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا ~~الصراط المستقيم [الفاتحة: 5- 6] الآية ربنا إننا آمنا [آل عمران: 16] ربنا ~~آمنا بما أنزلت [آل عمران: 53] ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك [آل عمران: ~~191] ، ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة [يونس: 88] الآية. # رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده إلى قوله: ولا تزد الظالمين إلا تبارا ~~[نوح: 21] ، وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ~~[البقرة: 127] إلى غير ذلك من الآداب التي تؤخذ من مجرد التقرير. # والحاصل أن القرآن احتوى، من هذا النوع، من الفوائد والمحاسن التي ~~تقتضيها القواعد الشرعية، على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار، ويصححها نصوص ~~الآيات والأخبار. # وقسم هو المقصود الأول بالذكر، وهو الذي نبه عليه العلماء وعرفوه مأخوذا ~~من نصوص الكتاب، منطوقها ومفهومها، على حسب ما أداه اللسان العربي فيه. # وذلك أنه محتو من العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول. # أحدها- معرفة المتوجه إليه وهو الله المعبود، سبحانه. # والثاني- معرفة كيفية التوجه إليه. # والثالث- معرفة مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه. # وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد هو المقصود الذي عبر عنه قوله ~~تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] فالعبادة هي ~~المطلوب الأول. غير أنه لا يمكن إلا بمعرفة المعبود. إذ المجهول لا يتوجه ~~إليه ولا يقصد بعبادة ولا ms0091 بغيرها. فإذا عرف، ومن جملة المعرفة به أنه آمر ~~وناه وطالب للعباد بقيامهم بحقه، توجه الطلب. إلا أنه لا يتأتى دون معرفة ~~كيفية التعبد، فجيء بالجنس الثاني. ولما كانت النفوس من شأنها طلب النتائج ~~والمآلات، وكان مآل الأعمال عائدا على العاملين بحسب ما كان منهم من طاعة ~~أو معصية، وانجر، مع ذلك، التبشير والإنذار في ذكرها- أتى بالجنس الثالث ~~موضحا لهذا الطرف، وأن الدنيا ليست بدار إقامة، وإنما الإقامة في الدار ~~الآخرة. # فالأول- يدخل تحته علم الذات والصفات والأفعال. ويتعلق بالنظر في # PageV01P089 # الصفات أو في الأفعال، النظر في النبوءات لأنها الوسائط بين المعبود ~~والعباد، وفي كل أصل ثبت للدين علميا كان أو عمليا. ويتكمل بتقرير البراهين ~~والمحاجة لمن جادل من خصماء المبطلين. # والثاني- يشتمل على التعريف بأنواع التعبدات من العبادات والعادات ~~والمعاملات وما يتبع كل واحد منها من المكملات. وهي أنواع فروض الكفايات. # وجامعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنظر فيمن يقوم به. # والثالث- يدخل في ضمنه النظر في ثلاثة مواطن: الموت وما يليه، ويوم ~~القيامة وما يحويه، والمنزل الذي يستقر فيه. ومكمل هذا الجنس الترغيب ~~والترهيب. ومنه الإخبار عن الناجين والهالكين وأحوالهم وما أداهم إليه حاصل ~~أعمالهم. وإذا تقرر هذا تلخص من مجموع العلوم الحاصلة في القرآن اثنا عشر ~~علما. # وقد حصرها الغزالي في ستة أقسام: ثلاثة منها هي السوابق والأصول المهمة. ~~وثلاثة هي توابع ومتممة. # فأما الثلاثة- فهي تعريف المدعو إليه، وهو شرح معرفة الله تعالى، ويشتمل ~~على معرفة الذات والصفات والأفعال وتعريف طريق السلوك إلى الله تعالى على ~~الصراط المستقيم، وذلك بالتحلية بالأخلاق الحميدة والتزكية عن الأخلاق ~~الذميمة وتعريف الحال عند الوصول إليه. ويشتمل على ذكر حالي النعم (النعيم) ~~والعذاب، وما يتقدم ذلك من أحوال القيامة. # وأما الثلاثة الأخر- فهي تعريف أحوال المجيبين للدعوة. وذلك قصص الأنبياء ~~والأولياء. وسره الترغيب. وأحوال الناكبين. وذلك قصص أعداء الله. وسره ~~الترهيب. والتعريف بمحاجة الكفار بعد حكاية أقوالهم الزائفة. وتشتمل على ~~ذكر الله بما ينزه عنه، وذكر النبي عليه السلام بما لا يليق به. وادكار ~~عاقبة الطاعة ms0092 والمعصية. وسره في جنبة الباطل التحذير والإفضاح، وفي جنبة ~~الحق التثبيت والإيضاح. والتعريف بعمارة منازل الطريق وكيفية أخذ الأهبة ~~والزاد. ومعناه محصول ما ذكره الفقهاء في العبادات والعادات والمعاملات ~~والجنايات. # وهذه الأقسام الستة تتشعب إلى عشرة، وهي: ذكر الذات، والصفات، والأفعال، ~~والمعاد، والصراط المستقيم، وهو جانب التحلية والتزكية، وأحوال الأنبياء، ~~والأولياء، والأعداء، ومحاجة الكفار، وحدود الأحكام. # PageV01P090 ### | فصل «في أن المدني من السور منزل في الفهم على المكي» # قال الشاطبي: المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، ~~وكذلك المكي بعضه مع بعض. والمدني بعضه مع بعض. على حسب ترتيبه في التنزيل. ~~وإلا لم يصح. والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني، في الغالب، مبني على ~~المكي. كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك ~~الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو ~~تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل ~~الشريعة: فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبل من ملة ~~إبراهيم عليه السلام. ويليه تنزيل سورة الأنعام. فإنها نزلت مبينة لقواعد ~~العقائد وأصول الدين. وقد خرج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها ~~المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هذا ما قالوا. وإذا ~~نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به، من قرب، بيان القواعد الشرعية ~~الكلية التي إذا انخرم منها كلي واحد انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل ~~كلي. # ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل ~~عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة ~~الأنعام. فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبين في غيرها ~~تفاصيل لها. كالعبادات التي هي قواعد الإسلام. والعادات من أصل المأكول ~~والمشروب وغيرهما. والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها. والجنايات ~~من أحكام الدماء وما يليها. وأيضا، فإن حفظ الدين فيها وحفظ النفس والعقل ms0093 ~~والنسل والمال مضمن فيها. وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل. فغيرها من ~~السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما كان غير الأنعام، من المكي ~~المتأخر عنها، مبنيا عليها. وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في ~~الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة. فلا يغيبن على الناظر في الكتاب هذا ~~المعنى فإنه من أسرار علوم التفسير. وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة ~~بكلام ربه سبحانه. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # وللسنة هنا مدخل لأنها مبينة للكتاب. فلا تقع في التفسير إلا على وفقه. # PageV01P091 # وبحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث. # كما يتبين ذلك في القرآن أيضا. ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير ~~كثير من المشروعات. فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أو همت ففهم منها ما ~~يفهم منها لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات. # كحديث «1» # «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» . # أو # حديث «2» # «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، ~~إلا حرمه الله على النار» # . وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين الأئمة فيمن عصى الله ~~من أهل الشهادتين. # فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه الظواهر على الإطلاق. وكأن ما عارضها ~~مؤول عند هؤلاء. وذهب أهل السنة والجماعة إلى خلاف ما قالوه حسبما هو مذكور ~~في كتبهم. وتأولوا هذه الظواهر. ومن جملة ذلك أن طائفة من السلف قالوا: إن ~~هذه الأحاديث منزلة على الحالة الأولى للمسلمين. وذلك قبل أن تنزل الفرائض ~~والأمر والنهي. ومعلوم أن من مات في ذلك الوقت ولم يصل أو لم يصم، مثلا، ~~وفعل ما هو محرم في الشرع- لا حرج عليه. لأنه لم يكلف بشيء من ذلك بعد. فلم ~~يضيع من أمر إسلامه شيئا. كما أن من مات والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا ~~حرج عليه، لقوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~[المائدة: 93] الآية. وكذلك من مات قبل أن تحول القبلة ms0094 نحو الكعبة، لا حرج ~~عليه في صلاته إلى بيت المقدس. لقوله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~[البقرة: 143] إلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه، وتصريح بأن ~~اعتبار الترتيب في النزول مفيد في فهم الكتاب والسنة. ### | فصل في الاعتدال في التفسير # قال الشاطبي: ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال. وعليه أكثر ~~السلف المتقدمين. بل ذلك شأنهم وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء ~~بمقاصده وبواطنه. وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال، إما على ~~PageV01P092 # الإفراط وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فالذين أخذوه على ~~التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية، فما قاموا في تفهم ~~معانيه، ولا قعدوا. كما تقدم عن الباطنية وغيرها. ولا إشكال في اطراح ~~التعويل على هؤلاء. # والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى. وقد ~~تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية. وأن ما لم يكن معهودا عند ~~العرب فلا يعتبر فيها. ومر فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها. ولا ~~تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة. فما وراء ~~ذلك، إن كان مقصودا لها، فبالقصد الثاني. ومن جهة ما هو معين على إدراك ~~المعنى المقصود. كالمجاز والاستعارة والكناية، وإذا كان كذلك فربما لا ~~يحتاج فيه إلى فكر. فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط ~~القبح والتكلف. وذلك ليس من كلام العرب. # فكذلك لا يليق بالقرآن من باب الأولى. وأيضا، فإنه حائل بين الإنسان وبين ~~المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه ثم التعبد بمقتضاه. وذلك أنه إعذار ~~وإنذار وتبشير وتحذير ورد إلى الصراط المستقيم. فكم بين من فهم معناه ورأى ~~أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمرا عن ~~ساعد الجد والاجتهاد، باذلا غاية الطاقة في الموافقات، هاربا بالكلية عن ~~المخالفات- وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ~~ومدارجها، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى ms0095 واحد. # وتفريع التجنيس، ومحاسن الألفاظ، والمعنى في الخطاب، بمعزل عن النظر فيه. # كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، بل التفقه في ~~المعبر عنه، وما المراد به. هذا لا يرتاب فيه عاقل. ولا يصح أن يقال: إن ~~التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني، ~~بإجماع العلماء. فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره؟ ولأن الاشتغال بالوسيلة ~~والقيام بالفرض الواجب فيها، دون الاشتغال بالمعنى المقصود، لا ينكر في ~~الجملة. وإلا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه. وليس كذلك باتفاق العلماء. ~~لأنا نقول: ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق. كيف؟ وبالعربية فهمنا عن ~~الله تعالى مراده من كتابه. وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط ~~الذي يشك في كونه مراد المتكلم. أو يظن أنه غير مراد. أو يقطع به فيه. لأن ~~العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها. ولم يشتغل بالتفقه فيها سلف هذه ~~الأمة. فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة: من أين فهمتم عني ~~أني قصدت التجنيس الفلاني بما أنزلت من قولي: وهم يحسبون أنهم # PageV01P093 # يحسنون صنعا # [الكهف: 104] ، أو قولي قال إني لعملكم من القالين [الشعراء: 168] ؟ # فإن في دعوى مثل هذا على القرآن، وأنه مقصود للمتكلم به، خطرا. بل هو ~~راجع إلى معنى قوله تعالى: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم ~~به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم [النور: 15] ، وإلى أنه قول في ~~كتاب الله بالرأي. وذلك بخلاف الكناية في قوله تعالى: أو لامستم النساء ~~[النساء: 43] ، وقوله: كانا يأكلان الطعام [المائدة: 75] ، وما أشبه ذلك. ~~فإنه شائع في كلام العرب، مفهوم من مساق الكلام، معلوم اعتباره عند أهل ~~اللسان ضرورة. والتجنيس ونحوه ليس كذلك. وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد ~~وعدمه. إذ ليس في التجنيس ذلك، والشاهد على ذلك ندوره في العرب الأجلاف ~~البوالين على أعقابهم (كما قال أبو عبيدة) ، ومن كان نحوهم. وشهرة الكناية ~~وغيرها. ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا في ms0096 كلام المولدين ومن لا يحتج ~~به. فالحاصل أن لكل علم عدلا، وطرفا إفراط وتفريط. والطرفان هما المذمومان. ~~والوسط هو المحمود. ### | ثم قال الشاطبي: فصل # إذا تعين أن العدل في الوسط فمأخذ الوسط ربما كان مجهولا. والإحالة على ~~مجهول لا فائدة فيه. فلا بد من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم. والقول في ~~ذلك، والله المستعان. إن المساقاة تختلف باختلاف الأحوال والأوقات ~~والنوازل. وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من ~~المستمع المتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه ~~الحال فيها. لا ينظر في أولها دون آخرها ولا في آخرها دون أولها. فإن ~~القضية، وإن اشتملت على جمل، فبعضها متعلق بالبعض. لأنها قضية واحدة نازلة ~~في شيء واحد. فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره. ~~وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف. فإن فرق النظر، في أجزائه فلا ~~يتوصل به إلى مراده. فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون ~~بعض إلا في موطن واحد. وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما ~~يقتضيه. لا بحسب مقصود المتكلم. فإذا صح له الظاهر على العربية رجع إلى نفس ~~الكلام. فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد. # فعليه بالتعبد به، وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل ~~فإنها تبين كثيرا # PageV01P094 # من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر. غير أن الكلام المنظور فيه، ~~تارة يكون واحدا بكل اعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة، طالت أو قصرت. ~~وعليه أكثر سور المفصل. وتارة يكون متعددا في الاعتبار، بمعنى أنه أنزل في ~~قضايا متعددة كسورة البقرة وآل عمران والنساء واقرأ باسم ربك وأشباهها. ولا ~~علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة، أم نزلت شيئا بعد شيء. ولكن هذا ~~القسم له اعتباران: اعتبار من جهة تعدد القضايا فتكون كل قضية مختصة ~~بنظرها. ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه، ويشترك مع هذا ~~الاعتبار القسم الأول. فلا فرق بينهما ms0097 في التماس العلم والفقه. واعتبار من ~~جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة. إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء ~~الرجال، ويشترك معه أيضا القسم الأول. لأنه نظم ألقي بالوحي، وكلاهما لا ~~يلتمس منه فقه على وجه ظاهر. وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز. وبعض ~~مسائل نبه عليها في المسألة السابقة قبل. وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في ~~أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات. فاعتبار جهة النظم، مثلا، في السورة ~~لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر. فالاقتصار على بعضها فيه ~~غير مفيد غاية المقصود. كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما، ~~لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها. فسورة البقرة مثلا كلام واحد ~~باعتبار النظم. واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها: منها ما هو ~~كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب. ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم. # ومنها ما هو المقصود في الإنزال. وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب. # ومنها: الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك. ~~ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام: فبه يبين ما تقدم. # فقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم [البقرة: 183] إلى قوله: كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون. ~~كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى. وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه، ~~وقضائه وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها، ولا ينبني إلا ~~عليها. # ثم جاء قوله: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] الآية. # كلاما آخر، بين أحكاما أخر. # وقوله: يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] . # وانتهى الكلام على قول طائفة. وعند أخرى أن قوله: وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت # PageV01P095 # [البقرة: 189] . الآية، من تمام مسألة الأهلة. وإن انجر معه شيء آخر. كما ~~انجر على القولين معا تذكير وتقديم لأحكام الحج في قوله: قل هي مواقيت ~~للناس والحج. # وقوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر [الكوثر: 1] . نازلة في ms0098 قضية واحدة. # وسورة اقرأ نازلة في قضيتين: الأولى إلى قوله: علم الإنسان ما لم يعلم ~~[العلق: 5] والأخرى ما بقي إلى آخر السورة. # وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من ~~المكيات. # وغلب المكي أنه مقرر لثلاثة معان. أصلها معنى واحد. وهو الدعاء إلى عبادة ~~الله تعالى: # أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق. غير أنه يأتي على وجوه. كنفي ~~الشريك بإطلاق. أو نفيه، بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة من كونه ~~مقربا إلى الله زلفى، أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة. # والثاني: تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول الله إليهم جميعا، صادق فيما ~~جاء به من عند الله. إلا أنه وارد على وجوه أيضا: كإثبات كونه رسولا حقا، ~~ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر، أو ما أشبه ~~ذلك من كفرهم وعنادهم. # والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وإنه حق لا ريب فيه، بالأدلة ~~الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به. فرد بكل وجه ~~يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر. # فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة. في ~~عامة الأمر. وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها، فراجع إليها في محصول الأمر. ~~ويتبع ذلك الرغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم ~~القيامة وأشباه ذلك. # فإذا تقرر هذا وعدنا إلى النظر في سورة المؤمنين مثلا، وجدنا فيها ~~المعاني الثلاثة على أوضح الوجوه. إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار ~~للنبوءة التي هي المدخل للمعنيين الباقيين. وإنهم إنما أنكروا ذلك بوصف ~~البشرية، ترفعا منهم أن يرسل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم، ~~إن كانت. فجاءت السورة # PageV01P096 # تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها. وبأي وجه تكون على أكمل وجوهها، ~~حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى، فافتتحت السورة بثلاث جمل: # إحداها، وهي الآكد في المقام، بيان الأوصاف المكتسبة للعبد. التي إذا ~~اتصف ms0099 بها رفعه الله وأكرمه. وذلك قوله: قد أفلح المؤمنون إلى قوله: هم فيها ~~خالدون [المؤمنون: 1- 11] والثانية بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي ~~حصل له، جاريا على مجاري الاعتبار والاختيار. بحيث لا يجد الطاعن، إلى من ~~هذا حاله، سبيلا. والثالثة. بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في ~~التربية والرفق والإعانة على إقامة الحياة. وإن ذلك له بتسخير السماوات ~~والأرض وما بينهما. وكفى بهذا تشريفا وتكريما. ثم ذكرت قصص من تقدم مع ~~أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور. منها كونهم من البشر. ففي قصة نوح مع قومه ~~قولهم: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم [المؤمنون: 24] . ثم أجمل ~~ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم، أي من البشر، لا من الملائكة: فقالوا ~~ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه [المؤمنون: 33] الآية ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [المؤمنون: 34] . ثم قالوا: إن هو إلا رجل ~~افترى على الله كذبا [المؤمنون: 38] أي هو من البشر. ثم قال تعالى: ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا، كل ما جاء أمة رسولها كذبوه [المؤمنون: 44] فقوله: ~~رسولها مشيرا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها. ثم ذكر موسى وهارون ~~ورد فرعون وملئه بقولهم: أنؤمن لبشرين مثلنا [المؤمنون: 47] إلخ. هذا كله ~~حكاية عن الكفار الذين غضوا من رتبة النبوءة بوصف البشرية، تسلية لمحمد ~~عليه السلام. ثم بين أن وصف البشرية للأنبياء لا غض فيه، وأن جميع الرسل ~~إنما كانوا من البشر، يأكلون ويشربون، كجميع الناس، والاختصاص أمر آخر من ~~الله تعالى. فقال بعد تقرير رسالة موسى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~[المؤمنون: 50] وكانا مع ذلك يأكلان ويشربان. ثم قال: يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات [المؤمنون: 51] أي هذا من نعم الله عليكم، والعمل الصالح شكر ~~تلك النعم، ومشرف للعامل به. فهو الذي يوجب التخصيص، لا الأعمال السيئة. ~~وقوله: وإن هذه أمتكم أمة واحدة [المؤمنون: 52] إشارة إلى التماثل بينهم ~~وأنهم جميعا مصطفون من البشر. ثم ختم هذا المعنى بنحو مما به بدأ فقال: إن ~~الذين هم ms0100 من خشية ربهم مشفقون إلى قوله: وهم لها سابقون [المؤمنون: 57- 61] ~~. # وإذا تأمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا، فهم أن ما ذكر من المعنى هو # PageV01P097 # المقصود مضافا إلى المعنى الآخر. وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل ~~بوصف البشرية استكبارا من أشرافهم وعتوا على الله ورسوله. فإن الجملة ~~الأولى من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه ~~المذكورة. # والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول في أطوار العدم وغاية الضعف. ~~فإن التارات السبع أتت عليه. وهي كلها ضعف إلى ضعف. وأصله العدم. فلا يليق، ~~بمن هذه صفته، الاستكبار. والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء ~~والافتقار إليها. # ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية. فلا يليق بالفقير ~~الاستكبار على من هو مثله في النشأة والخلق. فهذا كله كالتنكيت عليهم. ~~والله أعلم. # ثم ذكر القصص في قوم نوح فقال الملأ الذين كفروا من قومه [المؤمنون: 24] ~~، والملأ هم الأشراف، وكذلك فيمن بعدهم وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم [المؤمنون: 33] الآية. وفي قصة موسى: أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [المؤمنون: 47] ومثل هذا الوصف يدل على ~~أنهم، لشرفهم في قومهم، قالوا هذا الكلام. # ثم قوله: فذرهم في غمرتهم حتى حين [المؤمنون: 54] إلى قوله: لا يشعرون ~~رجوع إلى وصف أشراف قريش وأنهم إنما تشرفوا بالمال والبنين. فرد عليهم بأن ~~الذي يجب له الشرف من كان على هذا الوصف، وهو قوله: إن الذين هم من خشية ~~ربهم مشفقون [المؤمنون: 57] ثم رجعت الآيات إلى وصفهم في ترفهم وحال مآلهم ~~وذكر النعم عليهم والبراهين على صحة النبوءة، وأن ما قال عن الله حق من ~~إثبات الوحدانية ونفي الشريك وأمور الدار الآخرة للمطيعين والعاصين، حسبما ~~اقتضاه الحال والوصف للفريقين. فهذا النظر، إذا اعتبر كليا في السورة، وجد ~~على أتم من هذا الوصف. لكن على منهاجه وطريقه. ومن أراد الاعتبار في سائر ~~سور القرآن فالباب مفتوح. والتوفيق بيد الله. # فسورة المؤمنين قصة واحدة في شيء واحد. # وبالجملة، فحيث ذكر ms0101 قصص الأنبياء، عليهم السلام، كنوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد عليه السلام وتثبيت لفؤاده، لما ~~كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة. فتذكر القصة على ~~النحو الذي يقع له مثله. وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف ~~الأحوال. والجميع حق واقع لا إشكال في صحته. # PageV01P098 # وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يحتذي في النظر في القرآن لمن أراد فهم ~~القرآن، والله المستعان. ### | فصل فيما جاء من إعمال الرأي في القرآن الكريم # قال الشاطبي: إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه وجاء أيضا ما يقتضي إعماله. # وحسبك من ذلك ما نقل عن الصديق. فإنه نقل عنه أنه قال، وقد سئل في شيء من ~~القرآن: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ ~~وربما روى فيه: إذا قلت في كتاب الله برأيي. ثم سئل عن الكلالة المذكورة في ~~القرآن فقال: أقول فيها برأيي. فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ~~ومن الشيطان: # الكلالة كذا وكذا. # فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن، وهما لا يجتمعان: # والقول فيه: إن الرأي ضربان: أحدهما جار على موافقة كلام العرب وموافقة ~~الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما، لأمور: # أحدها: أن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ ~~وفهم مراد. ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم. فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل ~~الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن. فلا بد من القول فيه بما يليق. # والثاني: أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا ~~ذلك كله بالتوقيف. # فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول. والمعلوم أنه عليه السلام لم يفعل ذلك. ~~فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه. بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه إلا ~~به. وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم. فلم يلزم في جميع ~~تفسير القرآن التوقيف. # والثالث: أن ms0102 الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم. وقد علم أنهم ~~فسروا القرآن على ما فهموا. ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه. والتوقيف ينافي ~~هذا. # فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي، لا يصح. # والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن. لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة ~~الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلا. ومن ~~جهة # PageV01P099 # المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف. وإلا لزم ذلك في السلف ~~الأولين. وهو باطل. فاللازم عنه مثله. بالجملة فهو أوضح من إطناب فيه. # وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية، ~~فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال. كما كان مذموما في القياس أيضا. لأنه ~~تقول على الله بغير برهان. فيرجع إلى الكذب على الله تعالى. وفي هذا القسم ~~جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء. كما روي عن ابن مسعود: ~~ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم ~~بالعلم. وإياكم التبدع. وإياكم والتنطع. وعليكم بالعتيق. وعن عمر بن ~~الخطاب: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ~~ينافس الملك على أخيه. # وعن عمر أيضا: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه. ولا من فاسق ~~بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله ~~على غير تأويله. والذي ذكر عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن قوله: وفاكهة وأبا ~~فقال: # أي سماء تظلني.. الحديث. وسأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة؟ فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: # إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، ~~الله أعلم بهما. نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم. وعن سعيد بن المسيب ~~أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا. وسأله ~~رجل عن آية؟ فقال: # لا تسألني عن القرآن وسل ms0103 عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه (يعني ~~عكرمة) . # وكأن هذا الكلام مشعر بالإنكار على من يزعم ذلك. # وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن شيء من القرآن؟ فقال: اتق الله وعليك ~~بالسداد. فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن. # وعن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. # وعن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. # وعن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله. # وإنما هذا كله توق وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقول فيه ~~من غير تثبت. # وقد نقل عن الأصمعي، وجلالته في معرفة كلام العرب معلومة. أنه لم يفسر # PageV01P100 # قط آية من كتاب الله. وإذا سئل عن ذلك لم يجب. (انظر الحكاية عنه في ~~الكامل) ثم قال الشاطبي: فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء. منها: التحفظ ~~من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة. فإن الناس، في العلم بالأدوات ~~المحتاج إليها في التفسير، ثلاث طبقات. # إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم. # وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم. فنحن أولى ~~بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم. وهيهات. # والثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم. فهذا طرف لا ~~إشكال في تحريم ذلك عليه. # والثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون ~~بعض. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه. لأن الأصل عدم العلم. ~~فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين، فانسحاب ~~الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال. وربما ~~تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع ~~الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن ~~الخلل. # ومنها: أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدمه، ووكل ~~إليه النظر فيه، ms0104 غير ملوم. وله في ذلك سعة. إلا فيما لا بد منه، وعلى حكم ~~الضرورة. # فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس. وما زال السلف الصالح يتحرجون من ~~القياس فيما لا نص فيه. وكذلك وجدناهم في القول في القرآن. فإن المحظور ~~فيهما واحد. # وهو خوف التقول على الله. بل القول في القرآن أشد. فإن القياس يرجع إلى ~~نظر الناظر. والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا، ~~بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر. # ومنها أن يكون على بال من الناظر، والمفسر، والمتكلم عليه، أن ما يقوله ~~تقصيد منه للمتكلم. والقرآن كلام الله. فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد ~~الله من هذا الكلام. فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا ~~يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا، فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل ~~أن يكون المعنى كذا وكذا. بناء أيضا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم. ~~وإلا، فالاحتمالات # PageV01P101 # التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة، فعلى كل تقدير، لا بد في كل قول، يجزم ~~به أو يحتمل، من شاهد يشهد لأصله. وإلا كان باطلا. ودخل صاحبه تحت أهل ~~الرأي المذموم، والله أعلم. ### | فصل في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول # قال الشاطبي: الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، والدليل على ذلك من ~~وجوه: # أحدها: أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي ولا غيره، لكنها ~~أدلة باتفاق العقلاء، فدل أنها جارية على قضايا العقول. وبيان ذلك أن ~~الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين، حتى يعملوا بمقتضاها ~~من الدخول تحت أحكام التكليف، ولو نافتها لم تتلقها، فضلا أن تعمل ~~بمقتضاها. وهذا معنى كونها خارجة عن حكم الأدلة. ويستوي، في هذا، الأدلة ~~المنصوبة على الأحكام الإلهية وعلى الأحكام التكليفية. # والثاني: أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفا بما لا يطاق. وذلك ~~من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل، ولا يتصوره. بل يتصور خلافه ~~ويصدقه. فإذا كان كذلك امتنع على العقل ms0105 التصديق، ضرورة. وقد فرضنا ورود ~~التكليف المنافي التصديق، وهو معنى تكليف ما لا يطاق. وهو باطل حسبما هو ~~مذكور في الأصول. # والثالث: أن مورد التكليف هو العقل. وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام. # حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا. وعد فاقده كالبهيمة المهملة. وهذا واضح ~~في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف. فلو جاءت على خلاف ما ~~يقتضيه لكان لزوم التكليف على العاقل أشد من لزومه على المعتوه والصبي ~~والنائم. إذ لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق. بخلاف العاقل الذي يأتيه ما لا ~~يمكن تصديقه به. # ولما كان التكليف ساقطا عن هؤلاء، لزم أن يكون ساقطا عن العقلاء أيضا. ~~وذلك مناف لوضع الشريعة. فكان ما يؤدي إليه باطلا. # والرابع: أنه لو كان كذلك لكان الكفار أولى من رد الشريعة به. لأنهم ~~كانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى ~~كانوا يفترون عليه وعليها. فتارة يقولون ساحر. وتارة مجنون. وتارة يكذبونه. ~~كما كانوا يقولون في القرآن: سحر، # PageV01P102 # وشعر، وافتراء، وإنما يعلمه بشر، وأساطير الأولين. بل كان أولى ما ~~يقولون: إن هذا لا يعقل، أو هو مخالف للعقول أو ما أشبه ذلك. فلما لم يكن ~~من ذلك شيء، دل على أنهم عقلوا ما فيه وعرفوا جريانه على مقتضى العقول. إلا ~~أنهم أبوا من اتباعه لأمور أخر، حتى كان من أمرهم ما كان، ولم يعترضه أحد ~~بهذا المدعى. فكان قاطعا في نفيه عنه. # والخامس: إن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها ~~العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعة أو كارهة. ولا كلام في عناد معاند ولا في ~~تجاهل متعام. هو المعنى بكونها جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة ~~عليها ولا محسنة فيها ولا مقبحة. وبسط هذا الوجه مذكور في كتاب المقاصد في ~~بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام. فإن قيل: هذه دعوى عريضة يصده عن ~~القول بها غير ما وجه: # أحدها: أن في القرآن ما لا يعقل معناه أصلا. كفواتح ms0106 السور. فإن الناس ~~قالوا: # إن في القرآن ما يعرفه الجمهور، وفيه ما لا يعرفه إلا العرب، وفيه ما لا ~~يعرفه إلا العلماء بالشريعة وفيه ما لا يعرفه إلا الله. فأين جريان هذا ~~القسم على مقتضى العقول؟ # والثاني: أن في الشريعة متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أو لا يعلمها ~~إلا الله تعالى. كالمتشابهات الفروعية، وكالمتشابهات الأصولية. ولا معنى ~~لاشتباهها إلا أنها تتشابه على العقول فلا تفهمها أصلا. ولا يفهمها إلا ~~القليل. والمعظم مصدودون عن فهمها. فكيف يطلق القول بجريانها على فهم ~~العقول. # والثالث: أن فيها أشياء اختلفت على العقول حتى تفرق الناس بها فرقا ~~وتحزبوا أحزابا. وصار كل حزب بما لديهم فرحون [الروم: 32] فقالوا فيها ~~أقوالا كل على مقدار عقله ودينه. فمنهم من غلب عليه هواه حتى أداه ذلك إلى ~~الهلكة. # كنصارى نجران حين اتبعوا، في القول بالتثليث، قول الله تعالى: فعلنا، ~~وقضينا، وخلقنا. ثم بعدهم من أهل الانتماء إلى الإسلام الطاعنين على ~~الشريعة بالتناقض والاختلاف. ثم يليهم سائر الفرق الذين أخبر بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك ناشئ عن خطاب يزل به العقل. كما هو الواقع. ~~فلو كانت الأدلة جارية على تعقلات العقول، لما وقع في الاعتياد هذا ~~الاختلاف. فلما وقع فهم أنه من جهة ما له خروج عن المعقول، ولو بوجه ما. # فالجواب عن الأول: إن فواتح السور، للناس في تفسيرها مقال. بناء على أنه # PageV01P103 # مما يعلمه العلماء. وإن قلنا: إنه مما لا يعلمه العلماء البتة، فليس مما ~~يتعلق به تكليف على حال. فإذا خرج عن ذلك، خرج عن كونه دليلا على شيء من ~~الأعمال، فليس مما نحن فيه. وإن سلم، فالقسم، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ~~في الشريعة، نادر، والنادر لا حكم له، ولا تنخرم به الكلية المستدل عليها ~~أيضا، لأنه مما لا يهتدي العقل إلى فهمه، وليس كلامنا فيه. إنما الكلام على ~~ما يؤدي مفهوما، لكن على خلاف المعقول. وفواتح السور خارجة عن ذلك، لأنا ~~نقطع أنها لو بينت لنا معانيها لم ms0107 تكن إلا على مقتضى العقول، وهو المطلوب. # وعن الثاني: إن المتشابهات ليست مما تعارض مقتضيات العقول وإن توهم بعض ~~الناس فيها ذلك، لأن من توهم فيها ذلك فبناء على اتباع هواه. كما نصت عليه ~~الآية قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7] لا أنه بناء على أمر صحيح: فإنه إن ~~كان كذلك فالتأويل فيه راجع إلى معقول موافق لا إلى مخالف. وإن فرض أنه مما ~~لا يعلمها أحد إلا الله، فالعقول عنها مصدودة لأمر خارجي، لا لمخالفته لها. ~~وهذا كما يأتي في الجملة الواحدة، فكذلك يأتي في الكلام المحتوي على جمل ~~كثيرة وأخبار بمعان كثيرة، ربما يتوهم القاصر النظر، فيها الاختلاف. وكذلك ~~الأعجمي الطبع الذي يظن بنفسه العلم بما ينظر فيه وهو جاهل به. ومن هنا كان ~~احتجاج نصارى نجران في التثليث، ودعوى الملحدين، على القرآن والسنة، ~~التناقض والمخالفة للعقول. # وضموا إلى ذلك جهلهم بحكم التشريع، فخاضوا حين لم يؤذن لهم في الخوض، ~~وفيما لم يجز لهم الخوض فيه، فتاهوا. فإن القرآن والسنة، لما كانا عربيين، ~~لم يكن لينظر فيهما إلا عربي. كما أن من لم يعرف مقاصدهما، لم يحل له أن ~~يتكلم فيهما. # إذ لا يصح له نظر حتى كون عالما بهما. فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه ~~شيء من الشريعة. ولذلك مثال يتبين به المقصود وهو: إن نافع بن الأزرق سأل ~~ابن عباس، فقال له: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، فقال: فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون [المؤمنون: 101] ، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~[الصافات: 27] ، ولا يكتمون الله حديثا [النساء: 42] ، ربنا ما كنا ~~مشركين.. # [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية. وقال: بناها رفع سمكها فسواها.. ~~إلى قوله: والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 27- 30] فذكر خلق السماء قبل ~~خلق الأرض. ثم قال: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ... # [فصلت: 9] إلى أن قال: ثم استوى إلى السماء وهي دخان [فصلت: 11] الآية # PageV01P104 # فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق ms0108 السماء وقال: وكان الله غفورا رحيما ~~[النساء: 96] ، عزيزا حكيما [النساء: 158] ، سميعا بصيرا ... [النساء: # 134] ، فكأنه كان ثم مضى؟ # فقال ابن عباس: لا أنساب بينهم في النفخة الأولى ونفخ في الصور فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله [الزمر: 68] . فلا أنساب عند ذلك ~~ولا يتساءلون. ثم في النفخة الأخرى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. # وأما قوله: ما كنا مشركين. ولا يكتمون الله حديثا. فإن الله يغفر لأهل ~~الإخلاص ذنوبهم. فقال المشركون: تعالوا نقول ما كنا مشركين. فختم على ~~أفواههم فتنطق أيديهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا. وعنده يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض. # وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين ~~آخرين، ثم دحا الأرض، أي أخرج الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما ~~بينهما في يومين. فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام. وخلقت ~~السموات في يومين. # وكان الله غفورا رحيما. سمى نفسه ذلك وذلك قوله: أي لم أزل كذلك فإن الله ~~لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند ~~الله. # هذا تمام ما قال في الجواب. وهو يبين أن جميع ذلك معقول إذا نزل منزلته، ~~وأتي من بابه. # وهكذا سائر ما ذكر الطاعنون، وما أشكل على الطالبين، وما وقف فيه ~~الراسخون، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] ~~. # وقد ألف الناس. في رفع التناقض والاختلاف عن القرآن والسنة، كثيرا، فمن ~~تشوف إلى البسط ومد الباع وشفاء الغليل طلبه في مظانه. ### | فصل في أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب، وأنها تفصيل مجمله وقاضية عليه # قال الشاطبي: رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، والدليل على ذلك ~~أمور: # أحدها: أن الكتاب مقطوع به والسنة مظنونة. والقطع فيها إنما يصح في # PageV01P105 # الجملة لا في التفصيل. بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل. # والمقطوع به مقدم على المظنون. فلزم من ذلك تقديم الكتاب على ms0109 السنة. # والثاني: أن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك. فإن كان بيانا فهو ~~ثان على الوجه المبين في الاعتبار. إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ~~ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين. وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم. ~~وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب. وذلك دليل على ~~تقدم اعتبار الكتاب. # والثالث: ما دل على ذلك من الأخبار والآثار. # كحديث معاذ: «بم تحكم؟ # قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم ~~تجد؟ قال: # اجتهد رأيي» «1» # . الحديث. وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى شريح: «إذا أتاك أمر فاقض بما ~~في كتاب الله. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلخ» «2» . وفي رواية عنه: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض ~~فيه ولا تلتفت إلى غيره. وقد بين معنى هذا في رواية أخرى أنه قال له: انظر ~~ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا. وما لم يتبين لك في كتاب الله ~~فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا عن ابن مسعود: «من ~~عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب لله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ~~فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ... » «3» الحديث. # وعن ابن عباس «4» أنه كان إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به ~~وإن لم PageV01P106 # يكن في كتاب الله، وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به. وهو ~~كثير في كلام السلف والعلماء. ### | مطلب في ملحظ تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب # وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على ~~اعتبار السنة، وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة. وقد لا يخالف غيرهم ~~في معنى تلك التفرقة. والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في ~~مراتب الاعتبار. # فإن قيل: هذا ms0110 مخالف لما عليه المحققون. أما أولا: فإن السنة عند العلماء ~~قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب يكون محتملا ~~لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى ~~الكتاب. # وأيضا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره. وهذا دليل ~~على تقديم السنة. وحسبك أنها تقيد مطلقه وتخص عمومه وتحمله على غير ظاهره ~~حسبما هو مذكور في الأصول. فالقرآن آت بقطع كل سارق. فخصت السنة من ذلك ~~سارق النصاب المحرز. وأتى بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا. فخصته بأموال ~~مخصوصة. وقال تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] ، فأخرجت من ذلك ~~نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. فكل هذا ترك لظواهر الكتاب وتقديم للسنة ~~عليه. ومثل ذلك لا يحصى كثرة. وأما ثانيا: فإن الكتاب والسنة إذا تعارضا، ~~فاختلف أهل الأصول: هل يقدم الكتاب على السنة، أم بالعكس، أم هما متعارضان؟ # وقد تكلم الناس في حديث معاذ ورأوا أنه على خلاف الدليل. فإن كان ما في ~~الكتاب لا يقدم على كل السنة فإن الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن ~~أدلة الكتاب. وأخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب، ولذلك وقع ~~الخلاف وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب، وهو ~~الكتاب. فإذا كان الأمر على هذا فلا وجه لإطلاق القول بتقديم الكتاب، بل ~~المتبع الدليل. # فالجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب. ~~بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير ~~والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودل على ذلك قوله: لتبين للناس ما نزل إليهم ~~[النحل: 44] فإذا حصل بيان قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا # PageV01P107 # أيديهما # [المائدة: 38] بأن القطع من الكوع، وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله، ~~فذلك هو المعنى المراد من الآية. لا أن نقول: إن السنة أثبتت هذه الأحكام ~~دون الكتاب. كما إذا بين لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث، ~~فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن ms0111 نقول: إنا عملنا بقول المفسر الفلاني، دون ~~أن نقول: عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه السلام، وهكذا سائر ما بينته ~~السنة من كتاب الله تعالى. # فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبينة له. فلا يوقف مع إجماله ~~واحتماله. # وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه. وأما خلاف الأصوليين في ~~التعارض، فقد مر أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل ~~مقبول. وإلا فالتوقف. وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت ~~معنى قرآني كلي. فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا المعارضة في ~~الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيين. فيرجع إلى ذلك. وخرج عن معارضة كتاب مع ~~سنة. # وعند ذلك لا يصح وقوع هذا التعارض إلا من تعارض قطعيين. وأما إن لم يستند ~~الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق. وأيضا فإن ~~ما ذكر من تواتر الأخبار إنما غالبه فرض أمر جائز. ولعلك لا تجد في الأخبار ~~النبوية ما يقضي بتواتره إلى زمان الواقعة. فالبحث المذكور في المسألة بحث ~~في غير واقع. أو في نادر الوقوع. ولا كبير جدوى فيه. والله أعلم. # ثم قال الشاطبي: السنة راجعة في معناها إلى الكتاب. فهي تفصيل مجمله ~~وبيان مشكله وبسط مختصره. وذلك لأنها بيان له. وهو الذي دل عليه قوله ~~تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فلا تجد في السنة أمرا إلا ~~والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية. وأيضا فكل ما دل على أن ~~القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها، فهو دليل على ذلك. ولأن الله قال: وإنك ~~لعلى خلق عظيم [القلم: 4] وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن. واقتصرت في ~~خلقه على ذلك. فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخلق ~~محصور في هذه الأشياء. ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شيء. فيلزم من ذلك ~~أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة. لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب. ~~ومثله ms0112 قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] ، وقوله: اليوم أكملت ~~لكم دينكم # PageV01P108 # [المائدة: 3] وهو يريد بإنزال القرآن. # فالسنة إذا، في حصول الأمر، بيان لما فيه. وذلك معنى كونها راجعة إليه. # وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك. حسبما يذكر بعد، بحول الله. وقد تقدم ~~في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب وإلا وجب التوقف عن قبولها. ~~وهو أصل كاف في هذا المقام. فإن قيل هذا غير صحيح من أوجه: أحدها أن الله ~~تعالى قال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء: 65] ~~الآية. # والآية نزلت في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بالسقي قبل ~~الأنصاري من شراج الحرة. # الحديث «1» مذكور في الموطأ، وذلك ليس في كتاب الله تعالى. ثم جاء في عدم ~~الرضى به من الوعيد ما جاء. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر [النساء: 59] والرد إلى الله هو ~~الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته، بعد موته. وقال: ~~وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا [المائدة: 92] وسائر ما قرن فيه طاعة ~~الرسول بطاعة الله، فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه. ~~وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن. إذ لو كان ~~في القرآن لكان من طاعة الله. وقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة [النور: 63] الآية، فقد اختص الرسول عليه السلام بشيء يطاع ~~فيه، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن. وقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~[النساء: 80] ، وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~[الحشر: 7] . وأدلة القرآن تدل على أن كل ما جاء به الرسول وكل ما أمر به ~~ونهى فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن، فلا بد أن يكون زائدا عليه. # والثاني: الأحاديث الدالة على ذم ترك السنة واتباع ms0113 الكتاب، إذ لو كان ما ~~في السنة موجودا في الكتاب، لما كانت السنة متروكة على حال. كما # روي أنه عليه PageV01P109 # السلام، «يوشك بأحدكم أن يقول: هذا كتاب الله. ما كان فيه من حلال ~~أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه. ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد ~~كذب الله، ورسوله، والذي حدثه» # وعنه أنه قال «1» : «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني ~~فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله. فما وجدنا فيه من حلال استحللناه. وما ~~وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل الذي حرم الله» # وفي رواية «2» # «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو ~~نهيت عنه فيقول: لا أدري. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» . # وهذا دليل على أن في السنة ما ليس في الكتاب. # والثالث- إن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص ~~عليها في القرآن. كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها «3» ، وتحريم ~~الحمر الأهلية «4» ، وكل ذي ناب من السباع «5» ، والعقل وفكاك الأسير «6» ~~وأن لا يقتل مسلم بكافر. وهو الذي نبه عليه حديث علي بن أبي طالب حيث قال ~~فيه: ما عندنا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، وما في هذه الصحيفة. ~~وفي حديث آخر عن علي، أنه خطب وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال: والله ما ~~عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة. فنشرها فإذا فيها: ~~أسنان الإبل. وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا. فمن أحدث فيها حدثا ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. ~~وإذا فيها: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها PageV01P110 # أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. # وجاء في ms0114 حديث معاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال ~~فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # . وما في معناه مما تقدم ذكره. وهو واضح في أن في السنة ما ليس في ~~القرآن. وهو نحو قول من قال من العلماء: ترك الكتاب موضعا للسنة. # وتركت السنة موضعا للقرآن. # والرابع- إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم، خارجين عن السنة. # إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء. فاطرحوا أحكام ~~السنة. # فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل ~~الله. # فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن أخوف ما أخاف على أمتي اثنتان: ~~القرآن واللبن. فأما القرآن فيتعلمه المنافقون ليجادلوا به المؤمنين. وأما ~~اللبن فيتبعون الريف. يتبعون الشهوات ويتركون الصلوات» «1» # وفي بعض الأخبار «2» عن عمر بن الخطاب: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات ~~القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله. وقال أبو الدرداء: ~~إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن. وعن عمر «3» : ثلاث ~~يهد من الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون. وعن ابن ~~مسعود «4» : ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. # فعليكم بالعلم. وإياكم والتبدع. وإياكم والتنطع. وعليكم بالعتيق. وعن ~~عمر: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس ~~الملك PageV01P111 # على أخيه. وهنا آثار في هذا المعنى حملها العلماء على تأويل القرآن ~~بالرأي مع طرح السنن. وعليه حمل كثير من العلماء # قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من ~~الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» «1» # وما في معناه. # فإن كثيرا من أهل البدع هكذا فعلوا. اطرحوا الأحاديث وتأولوا كتاب الله ~~على غير تأويله فضلوا وأضلوا. وربما ذكروا حديثا يعطي أن الحديث لا يلتفت ~~إليه إلا إذا وافق كتاب الله تعالى. وذلك ما # روي أنه عليه ms0115 السلام قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله. فإن وافق ~~كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا. # وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله؟» . # قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث. قالوا: # وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل ~~من سقيمه. وقد عارض هذا الحديث قوم فقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل ~~شيء ونعتمد على ذلك. قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب ~~الله. لأنا لم نجد في كتاب الله أن لا نقبل من حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به ~~والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره، جملة على كل حال. هذا مما يلزم ~~القائل أن السنة راجعة إلى الكتاب. # ولقد ضلت بهذه الطريقة طوائف من المتأخرين كما كان ذلك فيمن تقدم. # فالقول بها، والميل إليها ميل عن الصراط المستقيم. أعاذنا الله من ذلك ~~بمنه. # فالجواب إن هذه الوجوه المذكورة لا حجة فيها على خلاف ما تقدم. # أما الوجه الأول فلأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب فلا بد أن ~~تكون بيانا لما في الكتاب احتمال له ولغيره. فتبين السنة أحد الاحتمالين ~~دون الآخر. فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه ~~وأطاع رسوله في مقتضى بيانه. # ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان. إذ ~~صار PageV01P112 # عمله على خلاف ما أراد بكلامه. وعصى رسوله في مقتضى بيانه. فلم يلزم من ~~إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في ~~الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب. بل قد يجتمعان في المعنى. ~~ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين. ولا محال فيه. ويبقى النظر في وجود ما ~~حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن. يأتي على أثر هذا بحول ~~الله تعالى. ms0116 # وقوله في السؤال: فلا بد أن يكون زائدا عليه، مسلم. ولكن هذا الزائد هل ~~هو زيادة الشرح على المشروح إذا كان للشرح بيان ليس في المشروح، وإلا لم ~~يكن شرحا. أم هو زيادة معنى آخر لا يوجد في الكتاب؟ هذا محل النزاع. وعلى ~~هذا المعنى يتنزل الوجه الثاني. # وأيضا فإذا كان الحكم في القرآن إجماليا، وهو في السنة تفصيلي فكأنه ليس ~~إياه. فقوله: أقيموا الصلاة أجمل ما فيه معنى الصلاة وبينه عليه السلام. ~~فظهر من البيان ما لم يظهر من المبين، وإن كان معنى البيان هو معنى المبين ~~ولكنهما في الحكم يختلفان. ألا ترى أن الوجه في المجمل قبل البيان، التوقف، ~~وفي البيان العمل بمقتضاه؟ فلما اختلفا حكما صار كاختلافهما معنى. فاعتبرت ~~السنة اعتبار المفرد عن الكتاب. # وأما الثالث فسيأتي الجواب عنه في المسألة بعد هذا إن شاء الله. # وأما الرابع فإنما وقع الخروج عن السنة في أولئك لمكان إعمالهم الرأي ~~واطراحهم السنن، لا من جهة أخرى. وذلك أن السنة، كما تبين، توضح المجمل ~~وتقيد المطلق وتخصص العموم. فتخرج كثيرا من الصيغ القرآنية عن ظاهر مفهومها ~~في أصل اللغة. وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك الصيغ. ~~فإذا طرحت واتبع ظاهر الصيغ بمجرد الهوى صار صاحب هذا النظر ضالا في نظره، ~~جاهلا بالكتاب، خابطا في عمياء، لا يهتدي إلى الصواب فيها. إذ ليس للعقول ~~من إدراك المنافع والمضار في التصرفات الدنيوية إلا النزر اليسير. وهي في ~~الأخروية أبعد على الجملة والتفصيل. # وأما ما احتجوا به من الحديث، فإن لم يصح في النقل فلا حجة به لأحد من ~~الفريقين. وإن صح أو جاء من طريق يقبل مثله فلا بد من النظر فيه. فإن ~~الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول عليه السلام معتبر بوحي ~~صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب ~~الله. لأنه عليه # PageV01P113 # السلام ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وإذا فرع على ms0117 القول بجواز ~~الخطأ في حقه فلا يقره عليه البتة. فلا بد من الرجوع إلى الصواب. والتفريع ~~على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ~~ويخالفه. # نعم. يجوز أن تأتي السنة بما ليس فيه مخالفة ولا موافقة. بل بما يكون ~~مسكوتا عنه في القرآن إلا إذا قام البرهان على خلاف هذا الجائز. وهو الذي ~~ترجم له في هذه المسألة. فحينئذ لا بد في كل حديث من الموافقة لكتاب الله. ~~كما صرح به الحديث المذكور. فمعناه صحيح. صح سنده أو لا. وقد خرج في معنى ~~هذا الحديث الطحاوي في كتابه في بيان مشكل # الحديث عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، عن أبي حميد وأبي أسيد، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم ~~وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به. وإذا ~~سمعتم بحديث عني تنكره قلوبكم وتند منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكر ~~فأنا أبعدكم منه» . # وروي أيضا عن عبد الملك المذكور عن عباس بن سهل أن أبي بن كعب كان في ~~مجلس. فجعلوا يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرخص والمشدد. ~~وأبي بن كعب ساكت، فلما فرغوا قال: أي هؤلاء! ما حديث بلغكم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعرفه القلب ويلين له الجلد وترجون عنده، فصدقوا بقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول ~~إلا الخير. وبين وجه ذلك الطحاوي بأن الله تعالى قال في كتابه: إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [الأنفال: 2] الآية. وقال: مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم [الزمر: 23] الآية. وقال: وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع [المائدة: 83] الآية. فأخبر عن ~~أهل الإيمان بما هم عليه عند سماع كلامه. # وكان ما يحدثون به عن النبي صلى الله عليه وسلم من جنس ذلك، لأنه كله من ~~عند الله. ففي كونهم عند ms0118 الحديث على ما يكونون عليه عند سماع القرآن دليل ~~على صدق ذلك الحديث. وإن كانوا بخلاف ذلك وجب التوقف لمخالفته ما سواه. وما ~~قاله يلزم منه أن يكون الحديث موافقا لا مخالفا في المعنى. إذ لو خالف لما ~~اقشعرت الجلود ولا لانت القلوب. لأن الضد لا يلائم الضد ولا يوافقه. # وخرج الطحاوي أيضا عن أبي هريرة عنه عليه السلام: إذا حدثتم عني حديثا ~~تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به. قلته أو لم أقله. فإني أقول ما يعرف ولا ~~ينكر. وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به. فإني لا أقول ~~ما ينكر ولا يعرف. # ووجه ذلك أن المروي إذا وافق كتاب الله وسنة نبيه، لوجود معناه في ذلك، ~~وجب # PageV01P114 # قبوله. لأنه إن لم يثبت أنه قاله بذلك اللفظ فقد قال معناه بغير ذلك من ~~الألفاظ. إذ يصح تفسير كلامه عليه السلام للأعجمي بكلامه. وإذا كان الحديث ~~مخالفا يكذبه القرآن والسنة وجب أن يدفع ويعلم أنه لم يقله. وهذا مثل ما ~~تقدم أيضا. # والحاصل من الجميع صحة اعتبار الحديث بموافقة القرآن وعدم مخالفته وهو ~~المطلوب على فرض صحة هذه المنقولات. وأما إن لم تصح فلا علينا إذ المعنى ~~المقصود صحيح. وإذا ثبت هذا بقي النظر في الوجه الذي دل الكتاب به على ~~السنة حتى صار متضمنا لكليتها في الجملة وإن كانت بيانا له في التفصيل، ~~وهي: # إن للناس في هذا المعنى مآخذ: منه ما هو عام جدا وكأنه جار مجرى أخذ ~~الدليل من الكتاب على صحة العلم بالسنة ولزوم الاتباع لها. وهو في معنى أخذ ~~الإجماع منه في نحو قوله: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] الآية. وممن أخذ به عبد الله بن مسعود. # فروى أن امرأة من بني أسد أتته فقالت له: بلغني أنك لعنت ذيت وذيت ~~والواشمة والمستوشمة. وإنني قد قرأت ما بين اللوحين فلم أجد الذي تقول، ~~فقال لها عبد الله: أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ms0119 فانتهوا ~~واتقوا الله [الحشر: 7] ؟ قالت: بلى. قال: فهو ذاك. # وفي رواية: قال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات ~~والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. # قال، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت: يا أبا عبد الرحمن! بلغني عنك أنك ~~لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في كتاب الله؟ # فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت ~~قرأتيه لقد وجدتيه. قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا [الحشر: 7] الحديث. # فظاهر قوله لها: هو في كتاب الله، ثم فسر ذلك بقوله: وما آتاكم الرسول ~~فخذوه دون قوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله [النساء: 119] أن تلك الآية ~~تضمنت جميع ما جاء في الحديث النبوي. ويشعر بذلك أيضا ما روي عن عبد الرحمن ~~بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله ~~تنزع ثيابي. فقرأ عليه: وما آتاكم الرسول فخذوه الآية. # وروي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر. فقال له ابن عباس: اتركهما. # فقال: إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة. فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن # PageV01P115 # صلاة بعد العصر # . فلا أدري أتعذب عليها أم تؤجر، لأن الله قال: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [الأحزاب: 36] . # وروي عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد؟ فقال: هن أحرار. ~~قلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن. قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ~~يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: ~~59] . وكان عمر من أولي الأمر. قال: عتقت ولو بسقط. وهذا المأخذ يشبه ~~الاستدلال على إعمال السنة أو هو هو. ولكنه أدخل مدخل المعاني التفصيلية ~~التي يدل عليها الكتاب من السنة. ### | السنة تفصل ما أجمله الكتاب # ومنها الوجه المشهور عند العلماء. كالأحاديث الآتية في بيان ما أجمل ذكره ms0120 ~~من الأحكام. إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه ~~أو ما أشبه ذلك. كبيانها للصلوات على اختلافها: في مواقيتها وركوعها ~~وسجودها وسائر أحكامها. وبيانها للزكاة: في مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال ~~المزكاة وتعيين ما يزكى مما لا يزكى. وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع ~~النص عليه في الكتاب. وكذلك الطهارة الحدثية والخبثية. والحج والذبائح ~~والصيد وما يؤكل مما لا يؤكل. والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة ~~والظهار واللعان والبيوع وأحكامها. والجنايات من القصاص وغيره. كل ذلك بيان ~~لما وقع مجملا في القرآن. # وهو الذي يظهر دخوله تحت الآية الكريمة وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ~~ما نزل إليهم [النحل: 44] . # وقد روي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق. أتجد في كتاب ~~الله الظهر أربعا، لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو ~~هذا. # ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا. وإن السنة ~~تفسر ذلك. وقيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال ~~له مطرف: # والله ما نريد بالقرآن بدلا. ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا. # وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك. قال الأوزاعي: الكتاب ~~أحوج إلى السنة م # PageV01P116 # السنة إلى الكتاب. قال ابن عبد البر: يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد ~~منه. # وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب. # فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله. ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب ~~وتبينه. # فهذا الوجه في التفصيل أقرب إلى المقصود وأشهر في استعمال العلماء في هذا ~~المعنى. # ومنها النظر إلى ما دل عليه الكتاب في الجملة وأنه موجود في السنة على ~~الكمال، زيادة إلى ما فيها من البيان والشرح. وذلك أن القرآن الكريم أتى ~~بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها والتعريف بمفاسدهما دفعا لها. وقد مر ms0121 أن ~~المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام: وهي الضروريات ويلحق بها مكملاتها. ~~والحاجيات ويضاف مكملاتها. والتحسينيات ويليها مكملاتها. ولا زائد على هذه ~~الثلاثة. وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقدير هذه الأمور. ~~فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها. والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب ~~وبيانا لما فيه منها. فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام. ~~فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة. # فإن حفظ الدين حاصله في ثلاثة معان: وهي الإسلام والإيمان والإحسان. # فأصلها في الكتاب وبيانها في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء: وهي الدعاء إليه ~~بالترغيب والترهيب، وجهاد من عانده أو رام إفساده، وتلافي النقصان الطارئ ~~في أصله. وأصل هذه في الكتاب وبيانها في السنة على الكمال. # وحفظ النفس حاصله في ثلاثة معان: وهي إقامة أصله بشرعية التناسل. # وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود من جهة المأكل والمشرب. وذلك ~~ما يحفظه من داخل. والملبس والمسكن. وذلك ما يحفظه من خارج. وجميع هذا ~~مذكور أصله في القرآن ومبين في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء: وذلك حفظه عن ~~وضعه في حرام كالزنى، وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح. ويلحق به كل ما هو ~~من متعلقاته كالطلاق والخلع واللعان وغيرها. وحفظ ما يتغذى به أن يكون مما ~~لا يضر أو يقتل أو يفسد. وإقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به من الذبائح ~~والصيد وشرعية الحد والقصاص ومراعاة العوارض اللاحقة وأشباه ذلك. وقد دخل ~~حفظ النسل في هذا القسم. وأصوله في القرآن. والسنة بينتها. وحفظ المال راجع ~~إلى مراعاة دخوله في الأملاك. وكتنميته أن لا يفي ومكمله دفع العوارض ~~وتلافي الأصل # PageV01P117 # بالزجر والحد والضمان. وهو في القرآن والسنة. وحفظ العقل يتناول ما لا ~~يفسده. # وهو في القرآن. ومكمله شرعية الحد أو الزجر. وليس في القرآن له أصل على ~~الخصوص. فلم يكن له في السنة حكم على الخصوص أيضا. فبقي الحكم فيه إلى ~~اجتهاد الأمة. وإن ألحق بالضروريات حفظ العرض فله في الكتاب أصل شرحته ~~السنة ms0122 في اللعان والقذف. # هذا وجه في الاعتبار في الضروريات. # وإذا نظرت إلى الحاجيات اطرد النظر أيضا فيها على ذلك الترتيب أو نحوه. # فإن الحاجيات دائرة على الضروريات. وكذلك التحسينيات. وقد كملت قواعد ~~الشريعة في القرآن وفي السنة. فلم يتخلف عنهما شيء. والاستقراء يبين ذلك ~~ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة. ولما كان السلف الصالح كذلك، قالوا ~~به ونصوا عليه. حسبما تقدم عن بعضهم فيه. ومن تشوف إلى مزيد فإن دوران ~~الحاجيات على التوسعة والتيسير ورفع الحرج والرفق. فبالنسبة إلى الدين يظهر ~~في مواضع شرعية الرخص في الطهارة كالتيمم ورفع حكم النجاسة فيما إذا عسر ~~إزالتها، وفي الصلاة بالقصر ورفع القضاء في الإغماء والجمع والصلاة قاعدا ~~وعلى جنب. وفي الصوم بالفطر في السفر والمرض. وكذلك سائر العبادات. فالقرآن ~~إن نص على بعض التفاصيل كالتيمم والقصر والفطر فذاك. وإلا فالنصوص على رفع ~~الحرج فيه كافية. # وللمجتهد إجراء القاعدة والترخص بحسبها. والسنة أول قائم بذلك. وبالنسبة ~~إلى النفس أيضا فظهر في مواضع منها مواضع الرخص كالميتة للمضطر، وشرعية ~~المواساة بالزكاة وغيرها، وإباحة الصيد، وإن لم يتأت فيه من إراقة الدم ~~المحرم ما يتأتى بالذكاة الأصلية، وفي التناسل من العقد على البضع من غير ~~تسمية صداق وإجازة بعض الجهالات فيه بناء على ترك المشاحة، كما في البيوع. ~~وجعل الطلاق ثلاثا دون ما هو أكثر. وإباحة الطلاق من أصله والخلع وأشباه ~~ذلك. وبالنسبة إلى المال أيضا في الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي لا ~~انفكاك عنها في الغالب ورخصة السلم والعرايا والقرض والشفعة والقراض ~~والمساقاة ونحوها. ومنه التوسعة في ادخار الأموال وإمساك ما هو فوق الحاجة ~~منها. والتمتع بالطيبات من الحلال على جهة القصد. من غير إسراف ولا إقتار. ~~وبالنسبة إلى العقل في رفع الحرج عن المكره وعن المضطر، على قول من قال به، ~~في الخوف على النفس عند الجوع والعطش والمرض وما أشبه ذلك. كل ذلك داخل تحت ~~قاعدة رفع الحرج لأن أكثره اجتهادي. # PageV01P118 # وبينت السنة منه ما يحتذي حذوه فرجع إلى تفسير ms0123 ما أجمل من الكتاب. وما ~~فسر من ذلك في الكتاب، فالسنة لا تعدوه ولا تخرج عنه. وقسم التحسينيات جار ~~أيضا كجريان الحاجيات. فإنها راجعة إلى العمل بمكارم الأخلاق. وما يحسن في ~~مجاري العادات كالطهارات بالنسبة إلى الصلوات، على رأي من رأى أنها من هذا ~~القسم، وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات والطيب وما أشبه ذلك. وانتخاب ~~الأطيب والأعلى في الزكوات والإنفاقات وآداب الرفق في الصيام. وبالنسبة إلى ~~النفوس كالرفق والإحسان. وآداب الأكل والشرب ونحو ذلك. وبالنسبة إلى النسل ~~كالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان من عدم التضييق على الزوجة وبسط ~~الرفق في المعاشرة وما أشبه ذلك. وبالنسبة إلى المال كأخذه من غير إشراف ~~نفس، والتورع في كسبه واستعماله والبذل منه على المحتاج وبالنسبة إلى العقل ~~كمباعدة الخمر ومجانبتها، وإن لم يقصد استعمالها، بناء على أن قوله تعالى: ~~فاجتنبوه [المائدة: 90] ، يراد به المجانبة بإطلاق. # فجميع هذا له أصل في القرآن بينه الكتاب على إجمال أو تفصيل أو على ~~الوجهين معا. وجاءت السنة قاضية على ذلك كله بما هو أوضح في الفهم وأشفى في ~~الشرح. # وإنما المقصود هنا التنبيه. والعاقل يتهدى منه لما لم يذكر مما أشير إليه ~~وبالله التوفيق. # ومنها النظر إلى مجال الاجتهاد الحاصل بين الطرفين الواضحين. ومجال ~~القياس الدائر بين الأصول والفروع وهو المبين في دليل القياس. # ولنبدأ بالأول: وذلك أنه يقع في الكتاب النص على طرفين مبينين فيه أو في ~~السنة. كما تقدم في المأخذ الثاني. وتبقى الواسطة على اجتهاد. والتباين ~~لمجاذبة الطرفين إياها، فربما كان وجه النظر فيها قريب المأخذ فيترك إلى ~~أنظار المجتهدين. # وربما يعد على الناظر أو كان محل تعبد لا يجري على مسلك المناسبة. فيأتي ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه البيان، وأنه لاحق بأحد الطرفين. أو ~~آخذ من كل واحد منهما بوجه احتياطي أو غيره. وهذا هو المقصود هنا. # ويتضح ذلك بأمثلة: أحدها أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث. وبقي ~~بين هذين الأصلين أشياء يمكن لحاقها بأحدهما. فبين عليه السلام في ms0124 ذلك ما # PageV01P119 # اتضح به الأمر. فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ~~ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وقال: إنها رجس. # وسئل ابن عمر عن القنفذ فقال: كل. وتلا: قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~[الأنعام: 145] الآية. فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويقول: «هو خبيثة من الخبائث» «1» . فقال ابن عمر: إن قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو كما قال. # وخرج أبو داود «2» : نهى عليه السلام عن أكل الجلالة وألبانها # . وذلك لما في لحمها ولبنها من أثر الجلة وهي العنهدة (كذا. # ولم أدر ما معناها) . # فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث. كما ألحق عليه السلام الضب ~~والحباري والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات. # والثاني: أن الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن ~~والعسل وأشباهها. وحرم الخمر من المشروبات لما فيها من إزالة العقل الموقع ~~للعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. فوقع فيما بين الأصلين ما ~~ليس بمسكر حقيقة ولكنه يوشك أن يسكر. وهو نبيذ الدباء والمزفت والنقير ~~وغيرها. # فنهى «3» عنها إلحاقا لها بالمسكرات تحقيقا. سدا للذريعة. ثم رجع إلى ~~تحقيق الأمر في أن الأصل الإباحة كالماء والعسل # فقال عليه السلام «4» # «كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا. وكل مسكر حرام» # . وبقي في قليل المسكر على الأصل من PageV01P120 # التحريم. فبين أن ما أسكر كثيره فقليله حرام «1» . وكذلك نهى عن الخليطين ~~«2» للمعنى الذي نهى من أجله عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرها. فهذا ~~ونحوه دائر في المعنى بين الأصلين. فكان البيان من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعين ما دار بينهما إلى أي جهة يضاف من الأصلين. # والثالث: أن الله أباح من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك. وعلم من ذلك ~~أن ما لم يكن معلما فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه. فدار بين الأصلين ~~ما كان معلما ولكنه أكل من صيده. فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك. والأكل ~~يقتضي أنه اصطاد ms0125 لنفسه لا لك. فتعارض الأصلان. فجاءت السنة ببيان ذلك. # فقال عليه السلام «3» # «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه» # وفي حديث آخر «4» # «إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك» # وجاء في حديث آخر «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه..» ~~الحديث. # وجميع ذلك رجوع للأصلين الظاهرين. # والرابع: أن النهي ورد على المحرم أن لا يقتل الصيد مطلقا. وجاء أن على ~~من قتله عمدا الجزاء. وأبيح للحلال مطلقا. فمن قتله فلا شيء عليه. فبقي ~~قتله خطأ في محل النظر. فجاءت السنة بالتسوية بين العمد والخطأ. قال ~~الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد وهو في الخطأ سنة. والزهري من أعلم ~~الناس بالسنن. # والخامس: أن الحلال والحرام من كل نوع قد بينه القرآن. وجاءت بينهما أمور ~~ملتبسة لأخذها بطرف من الحلال والحرام. فبين صاحب السنة صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك على الجملة وعلى التفصيل. PageV01P121 # فالأول: # قوله «الحلال «1» بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ... » الحديث. # ومن الثاني: # قوله في حديث عبد الله بن زمعة «2» # «واحتجبي منه يا سودة» لما رأى من شبهه بعتبة..» الحديث. # وفي حديث عدي بن حاتم في الصيد «فإن اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل. ~~لا تدري لعله قتله الذي ليس منها» # وقال في بئر «3» بضاعة، وقد كانت تطرح فيها الحيض والعذرات «خلق الله ~~الماء طهورا لا ينجسه شيء» # فحكم بأحد الطرفين وهو الطهارة. وجاء في الصيد «4» # «كل ما أصميت ودع ما أنميت» # وقال في حديث عقبة بن الحارث في الرضاع «5» ، إذ أخبرته المرأة السوداء ~~بأنها أرضعته والمرأة التي أراد تزوجها. # قال فيه «كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك» # إلى أشياء من هذا القبيل كثيرة. # والسادس: أن الله عز وجل حرم الزنى وأحل التزويج وملك اليمين. وسكت عن ~~النكاح المخالف للمشروع، فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض. فجاء في السنة ~~ما بين الحكم في بعض الوجوه حتى يكون محلا لاجتهاد العلماء في إلحاقه بأحد ~~الأصلين ms0126 مطلقا، أو في بعض الأحوال. وبالأصل الآخر في حال آخر، فجاء في ~~PageV01P122 # ا # لحديث «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ~~فنكاحها باطل. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها» «1» # وهكذا سائر ما جاء، في النكاح الفاسد، من السنة. # والسابع: أن الله أحل صيد البحر فيما أحل من الطيبات وحرم الميتة فيما ~~حرم من الخبائث. فدارت ميتة البحر بين الطرفين فأشكل حكمها. # فقال عليه السلام «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «2» # وروي في بعض الحديث «أحلت لنا ميتتان: الحيتان والجراد» » # وأكل عليه السلام مما قذفه البحر «4» لما أتى به أبو عبيدة. # والثامن: أن الله تعالى جعل النفس بالنفس وأقص من الأطراف بعضها من بعض ~~في قوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... [المائدة: 45] إلى ~~آخر الآية، هذا في العمد. # وأما الخطأ فالدية لقوله: فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ~~[النساء: 92] . وبين عليه السلام دية الأطراف على النحو الذي يأتي بحول ~~الله. # فجاء طرفان أشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمه بالضربة ونحوها. فإنه يشبه ~~جزء الإنسان كسائر الأطراف ويشبه الإنسان التام لخلقته. فبينت السنة فيه أن ~~ديته الغرة وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له. # والتاسع: أن الله حرم الميتة وأباح المذكاة. فدار الجنين، الخارج من بطن ~~المذكاة ميتا، بين الطرفين، فاحتملهما. # فقال في الحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» «5» # ترجيحا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال. # والعاشر: أن الله قال: PageV01P123 # «فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ~~[النساء: 11] فبقيت البنتان مسكوتا عنهما. فنقل في السنة حكمهما. وهو ~~إلحاقهما بما فوق البنتين. ذكره القاضي إسماعيل. فهذه أمثلة يستعان بها على ~~ما سواها، فإنه أمر واضح لمن تأمل، وراجع إلى أحد الأصلين المنصوص عليهما ~~أو إليهما معا، فيأخذ من كل منهما بطرف فلا يخرج عنهما ولا يعدوهما. وأما ~~مجال القياس فإنه يقع في الكتاب العزيز أصول تشير إلى ما كان من نحوها أن ~~حكمه حكمها، وتقرب إلى الفهم الحاصل من ms0127 إطلاقها أن بعض المقيدات مثلها. ~~فيجتزي بذلك الأصل عن تفريع الفروع اعتمادا على بيان السنة فيه. # وهذا النحو بناء على أن المقيس عليه، وإن كان خاصا، في حكم العام معنى. # فإذا كان كذلك ووجدنا في الكتاب أصلا وجاءت السنة بما في معناه، أو ما ~~يلحق به، أو يشبهه، أو يدانيه فهو المعنى هاهنا. وسواء علينا أقلنا إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاله بالقياس أو بالوحي، إلا أنه جار إفهامنا ~~مجرى المقيس، والأصل الكتاب شامل له. وله أمثلة: # أحدها: أن الله عز وجل حرم الربا، وربا الجاهلية الذي قالوا فيه إنما ~~البيع مثل الربا [البقرة: 275] هو فسخ الدين في الدين. يقول الطالب: إما أن ~~تقضي وإما أن تربي. وهو الذي دل عليه أيضا قوله تعالى: وإن تبتم فلكم رؤس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [البقرة: 279] # فقال عليه السلام: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن ~~عبد المطلب فإنه موضوع كله» «1» # وإذا كان كذلك، وكان المنع فيه، إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض، ~~ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بذلك المعنى، # فقال عليه السلام «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير ~~بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فمن ~~زاد وازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا ~~بيد» «2» # ، ثم زاد على ذلك بيع النساء إذا اختلفت الأصناف. وعده من الربا لأن ~~PageV01P124 # النساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة ويدخل فيه بحكم المعنى «السلف يجر ~~نفعا» . وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه. # لتقارب المنافع فيما يراد منها. فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على ~~غير شيء، وهو ممنوع. والأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة ~~الزيادة به في القيمة. إذ لا يسلم الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى ~~من الحاضر في القيمة. وهو الزيادة. ويبقى النظر: لم جاز مثل هذا في غير ~~النقدين والمطعومات، ms0128 ولم يجز فيهما؟ محل نظر. يخفى وجهه على المجتهدين. وهو ~~من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم. فلذلك بينتها السنة. إذ لو ~~كانت بينة لو كل في الغالب أمرها إلى المجتهدين، كما وكل إليهم النظر في ~~كثير من محال الاجتهاد. # فمثل هذا جار مجرى الأصل والفرع في القياس. فتأمله. # والثاني: أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح، وبين ~~الأختين. # وجاء في القرآن: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] ، فجاء نهيه عليه ~~السلام عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس، لأن المعنى ~~الذي لأجله ذم الجمع بين أولئك موجود هنا. # وقد يروى في هذا الحديث «فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» «1» . # والتعليل يشعر بوجه القياس. # والثالث: أن الله تعالى وصف الماء الطهور بأنه أنزله من السماء، وأنه ~~أسكنه في الأرض ولم يأت مثل ذلك في ماء البحر. فجاءت السنة بإلحاق ماء ~~البحر بغيره من المياه بأنه # «الطهور ماؤه، الحل ميتته» «2» . # والرابع: أن الدية في النفس، ذكرها الله تعالى في القرآن. ولم يذكر ديات ~~الأطراف. وهي مما يشكل قياسها على العقول. فبين الحديث من دياتها ما وضح به ~~السبيل وكأنه جار مجرى القياس الذي يشكل أمره. فلا بد من الرجوع إليه، ~~ويحذى حذوه. # والخامس: أن الله تعالى ذكر الفرائض المقدرة من النصف والربع والثمن ~~والثلث والسدس. ولم يذكر ميراث العصبة إلا ما أشار إليه قوله في الأبوين: ~~فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث [النساء: 11] الآية وقوله في ~~الأولاد: للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] PageV01P125 # وقوله في آية الكلالة: وهو يرثها إن لم يكن لها ولد [النساء: 176] . ~~وقوله: وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 176] ~~فاقتضى أن ما بقي، بعد الفرائض المذكورة، فللعصبة. # وبقي من ذلك ما كان من العصبة غير هؤلاء المذكورين، كالجد والعم وابن ~~العم وأشباههم. # فقال عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» ~~«1» # وفي رواية فلأولى عصبة ذكر. # فأتى هذا على ما بقي ms0129 مما يحتاج إليه، بعد ما نبه الكتاب على أصله. # والسادس: أن الله تعالى ذكر من تحريم الرضاعة قوله: وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة [النساء: 23] فألحق النبي عليه السلام، ~~بهاتين، سائر القرابات من الرضاعة التي يحرمن من النسب. كالعمة والخالة ~~وبنت الأخ وبنت الأخت وأشباه ذلك. وجهة إلحاقها هي جهة الإلحاق بالقياس إذ ~~ذاك، من باب القياس بنفي الفارق. نصت عليه السنة إذ كان لأهل الاجتهاد سوى ~~النبي عليه السلام، في ذلك، نظر. وتردد بين الإلحاق والقصر على التعبد، # فقال عليه الصلاة والسلام «إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب» «2» # وسائر ما جاء في هذا المعنى. ثم ألحق بالإناث الذكور، لأن اللبن للفحل. ~~ومن جهة در المرأة، فإذا كانت المرأة بالرضاع فالذي له اللبن أم بلا إشكال. # والسابع: أن الله حرم مكة بدعاء إبراهيم. فقال: رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~[البقرة: 126] وقال تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا [العنكبوت: 67] . # وذلك حرم مكة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه للمدينة بمثل ما ~~دعا إبراهيم لمكة. ومثله معه. فأجابه الله. وحرم ما بين لابتيها # فقال «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» «3» ~~. # وفي رواية «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب ~~الرصاص أو ذوب الملح في الماء» «4» . # وفي حديث آخر «فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل PageV01P126 # الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» «1» # ومثله في صحيفة علي المتقدمة. فهذا نوع من الإلحاق بمكة في الحرمة. وقد ~~جاء فيها قوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ~~إلى قوله: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم [الحج: 25] والإلحاد ~~شامل لكل عدول عن الصواب إلى الظلم وارتكاب المنهيات على تنوعها. حسبما ~~فسرته السنة. فالمدينة لاحقة في هذا المعنى. # والثامن: أن الله تعالى قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ... الآية [البقرة: ms0130 282] فحكم في الأموال بشهادة ~~النساء، منضمة إلى شهادة رجل. وظهر به ضعف شهادتين. ونبه على ذلك في # قوله: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» «2» # ، وفسر نقصان العقل بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. وحين ثبت ذلك ~~بالقرآن وقال فيه: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] . دل ~~على انحطاطهن عن درجة الرجل. فألحقت السنة، بذلك، اليمين مع الشاهد. فقضى ~~عليه السلام بذلك. لأن لليمين في اقتطاع الحقوق واقتضائها حكما قضى به قوله ~~تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا.. [آل عمران: 77] ~~الآية فجرى الشاهد واليمين مجرى الشاهدين. أو الشاهد والمرأتين في القياس. ~~إلا أنه يخفى. فبينته السنة. # والتاسع: أن الله تعالى ذكر البيع في الرقاب وأحله. وذكر الإجارة في بعض ~~الأشياء. كالجعل المشار إليه في قوله تعالى: ولمن جاء به حمل بعير [يوسف: ~~72] . والإجارة على القيام بمال اليتيم في قوله: ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف [النساء: 6] . وفي العمال على الصدقة، كقوله تعالى: والعاملين ~~عليها [التوبة: 60] . وفي بعض منافع لا تأتي على سائرها. فأطلقت السنة فيها ~~القول بالنسبة إلى سائر منافع الرقاب من الناس والدواب والدور والأرضين. ~~فبين النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيرا. ووكل سائرها إلى أنظار ~~المجتهدين. وهذا هو المجال القياسي في الشرع. ولا علينا: أقصد النبي عليه ~~السلام القياس على الخصوص أم لا؟ PageV01P127 # لأن جميع ذلك يرجع إلى قصده بيان ما أنزل الله إليه، على أي وجه كان. # والعاشر: أن الله تعالى أخبر عن إبراهيم. في شأن الرؤيا بما أخبر به من ~~ذبح ولده. وعن رؤيا يوسف ورؤيا الفتيين. وكانت رؤيا صادقة. ولم يدل ذلك على ~~صدق كل رؤيا. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أحكام ذلك، وأن الرؤيا الصالحة ~~«1» من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوءة. وأنها من المبشرات. وأنها على ~~أقسام. إلى غير ذلك من أحكامها. فتضمن إلحاق غير أولئك المذكورين بهم. وهو ~~المعنى الذي في القياس. والأمثلة في هذا المعنى كثيرة. # ومنها النظر إلى ما يتألف من ms0131 أدلة القرآن المتفرقة من معان مجتمعة، فإن ~~الأدلة قد تأتي في معان مختلفة ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في ~~المصالح المرسلة والاستحسان. فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم ~~أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد. بناء على صحة الدليل ~~الدال على أن السنة إنما جاءت مبينة الكتاب. ومثال هذا الوجه ما تقدم في ~~أول كتاب الأدلة الشرعية، في طلب معنى # قوله عليه السلام «لا ضرر ولا ضرار» «2» # من الكتاب، ويدخل فيه ما في معنى هذا الحديث من الأحاديث. فلا معنى ~~للإعادة. # ومنها النظر إلى تفاصيل الأحاديث في تفاصيل القرآن. وإن كان في السنة ~~بيان زائد. ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل معنى في السنة مشارا إليه ~~من حيث وضع اللغة، لا من جهة أخرى. أو منصوصا عليه في القرآن. ولنمثله ثم ~~ننظر في صحته أو عدم صحته. وله أمثلة كثيرة: # أحدها: حديث ابن عمر في تطليقه زوجه وهي حائض «3» . # فقال عليه السلام لعمر «مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر. ثم تحيض ثم ~~تطهر. ثم، إن شاء، أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر ~~الله أن يطلق لها النساء» # . يعني أمره في قوله: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~[الطلاق: 1] . PageV01P128 # والثاني: حديث فاطمة «1» بنت قيس في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يجعل لها سكنى ولا نفقة، إذ طلقها البتة. وشأن المبتوتة أن لها السكنى وإن ~~لم يكن لها نفقة. لأنها بذت على أهلها بلسانها. فكان ذلك تفسيرا لقوله: ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [الطلاق: 1] . # والثالث: حديث سبيعة الأسلمية «2» ، إذ ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر. ~~فأخبرها عليه السلام أن قد حلت. فبين الحديث أن قوله تعالى: والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] مخصوص ~~في غير الحامل. وأن قوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ~~[الطلاق: 4] عام في المطلقات وغيرهن. # والرابع: حديث أبي هريرة في قوله: فبدل ms0132 الذين ظلموا قولا غير الذي قيل ~~لهم [البقرة: 59] قالوا: حبة في شعرة «3» : يعني عوض قوله: وقولوا حطة. # والخامس: # حديث «4» جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة. طاف بالبيت ~~سبعا. # فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] . فصلى خلف المقام، ثم ~~أتى الحجر فاستلمه. ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به. وقرأ: إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله. # والسادس: # حديث «5» النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ~~وقال ربكم ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] . قال «الدعاء هو العبادة» وقرأ ~~الآية إلى قوله. داخرين. # والسابع: # حديث «6» عدي بن حاتم قال: لما نزلت: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «إنما ذلك بياض ~~النهار من سواد الليل» . PageV01P129 # والثامن: # حديث سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الوسطى صلاة ~~العصر» «1» # وقال يوم الأحزاب: «اللهم! املأ قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن صلاة ~~الوسطى حتى غابت الشمس» «2» . # والتاسع: # حديث أبي هريرة قال عليه السلام: «إن موضع سوط في الجنة لخير من الدنيا ~~وما فيها» «3» # . اقرءوا إن شئتم فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز [آل عمران: 135] ~~. # والعاشر: # حديث أنس في الكبائر. قال عليه السلام، فيها «الشرك بالله وعقوق الوالدين ~~وقتل النفس وقول الزور» «4» . # وثم أحاديث أخر فيها ذكر الكبائر. وجميعها تفسير لقوله تعالى: إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31] الآية. # وهذا النمط في السنة كثير. ولكن القرآن لا يفي بهذا المقصود على النص ~~والإشارة العربية التي تستعلمها العرب أو نحوها. وأول شاهد في هذا، الصلاة ~~والحج والزكاة والحيض والنفاس واللقطة والقراض والمساقاة والديات والقسامات ~~وأشباه ذلك من أمور لا تحصى. # فالملتزم لهذا لا يفي بما ادعاه إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا يقبلها كلام ~~العرب ولا يوافق على مثلها السلف الصالح ولا العلماء الراسخون في العلم. # ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب الذي شرع في التنبيه عليه، فلم يوف به ms0133 ~~إلا على التكلف المذكور، والرجوع إلى المآخذ الأول في مواضع كثيرة، لم يتأت ~~له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد في السنة. فكان ذلك نازلا بقصده ~~الذي قصد. # وهذا الرجل المشار إليه لم ينصب نفسه في هذا المقام إلا لاستخراج معاني ~~الأحاديث التي خرج مسلم بن الحجاج في كتابه «المسند الصحيح» دون ما سواها ~~مما نقله الأئمة سواه. وهو من غرائب المعاني المصنفة في علوم القرآن ~~والحديث. # وأرجو أن يكون ما ذكر هنا من المآخذ موفيا بالغرض في الباب. والله الموفق ~~للصواب. PageV01P130 ### | ثم قال الشاطبي: فصل # وقد ظهر، مما تقدم، الجواب عما أوردوا من الأحاديث التي قالوا: إن القرآن ~~لم ينبه عليها. # فقوله عليه السلام «1» # «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته ... إلى آخره» # لا يتناول ما نحن فيه. فإن الحديث إنما جاء فيمن يطرح السنة معتمدا على ~~رأيه في فهم القرآن. وهذا لم ندعه في مسألتنا هذه. بل هو رأي أولئك ~~الخارجين عن الطريقة المثلى. # وقوله: «ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله» # صحيح على الوجه المتقدم. إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين ~~والحكم عليه، وإما بالطريقة القياسية، وإما بغيرها من المآخذ المتقدمة. ومر ~~الجواب عن تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. وتحريم كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير، وعلى العقل. وأما فكاك الأسير فمأخوذ من قوله ~~تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر [الأنفال: 72] وهذا فيمن لم ~~يهاجر، إذا لم يقدر على الهجرة إلا بالانتصار بغيره، فعلى الغير النصر. ~~والأسير في هذا المعنى أولى بالنصر. # فهو مما يرجع إلى النظر القياسي. وأما أن # «لا يقتل مسلم بكافر» «2» # فقد انتزعها العلماء من الكتاب. كقوله: ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا [النساء: 141] وقوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ~~[الحشر: 20] وهذه الآية أبعد، ولكن الأظهر أنه لو كان حكمها موجودا في ~~القرآن على التنصيص أو نحوه لم يجعلها علي خارجة عن القرآن حيث قال: ما ms0134 ~~عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة. إذ لو كان في القرآن لعد الثنتين، ~~دون قتل المسلم بالكافر. ويمكن أن يؤخذ حكم المسألة مأخذ القياس المتقدم. ~~لأن الله قال: الحر بالحر والعبد بالعبد [البقرة: 178] فلم يقد من الحر ~~العبد. والعبودية من آثار الكفر. فأولى أن لا يقاد من المسلم للكافر. وأما ~~إخفار ذمة المسلم فهو من باب نقض العهد. وهو في القرآن. وأقرب الآيات إليه ~~قوله تعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ~~أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار [الرعد: 25] ~~PageV01P131 # وفي الآية الأخرى: أولئك هم الخاسرون [البقرة: 27] وقد مر تحريم المدينة ~~وانتزاعه من القرآن. وأما من تولى قوما بغير إذن مواليه فداخل بالمعنى في ~~قطع ما أمر الله به أن يوصل. وأيضا فإن الانتفاء من ولاء صاحب الولاء، الذي ~~هو لحمة كلحمة النسب، كفر لنعمة ذلك الولاء. كما هو في الانتساب إلى غير ~~الأب.. وقد قال تعالى فيها: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم ~~يكفرون [النحل: 72] وصدق هذا المعنى # في الصحيح من قوله «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم» «1» # وفيه «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة» «2» . # وحديث معاذ ظاهر في أن ما لم يصرح به في القرآن، ولا حصل بيانه فيه، فهو ~~مبين في السنة. وإلا فالاجتهاد يقضي عليه. وليس فيه معارضة لما تقدم. # ثم قال الشاطبي: حيث قلنا: إن الكتاب دال على السنة، وإن السنة، إنما ~~جاءت مبينة له، فذلك بالنسبة إلى الأمر والنهي والإذن، أو ما يقتضي ذلك، ~~وبالجملة ما يتعلق بأفعال المكلفين من جهة التكليف. وأما ما خرج عن ذلك من ~~الإخبار عما كان أو ما يكون، مما لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا إذن، فعلى ~~ضربين: # أحدهما: أن يقع في السنة موقع التفسير للقرآن. فهذا لا نظر في أنه بيان ~~له. # كما في قوله ms0135 تعالى: وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة [البقرة: 58] قال: # «دخلوا يزحفون على أوراكهم» # وفي قوله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [البقرة: 59] قال: ~~قالوا حبة في شعرة. وفي قوله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا ... [البقرة: 143] ~~الآية. قال» # : يدعى نوح فيقال: هل بلغت؟ فيقول: # نعم، فيدعى قومه. فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا ~~من أحد. # فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته. قال فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ، ~~فذلك قول الله: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا. PageV01P132 # وفي قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] . # قال «إنكم تتبعون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» «1» . # وفي قوله: بل أحياء عند ربهم يرزقون [آل عمران: 169] ، # «إن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل ~~معلقة بالعرش، إلى آخر الحديث» «2» . # وقال: «ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ### | .... # الآية: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» «3» . # وفي قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: # 172] الآية. # قال: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ~~ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم ~~عرضهم على آدم فقال: رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك» «4» الحديث. # وفي قوله: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [هود: 80] # قال: «يرحم الله لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد. فما بعث الله من بعده نبيا ~~إلا في ذروة من قومه» «5» . # وقال: «الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني» «6» . # وفي رواية: «ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع ~~المثاني» «7» . PageV01P133 # وسأله اليهود عن قول الله تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ~~[الإسراء: 101] ففسرها لهم «1» . # وحديث «2» موسى مع الخضر ثابت صحيح. # وفي قوله تعالى: فقال إني سقيم [الصافات: 89] . # قال: «لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث: ms0136 قوله إني سقيم..» «3» ~~الحديث. # وقال: «إنكم محشورون إلى الله عراة غرلا» «4» . ثم قرأ: كما بدأنا أول ~~خلق نعيده ... [الأنبياء: 104] الآية. # وفي قوله: إن زلزلة الساعة شيء عظيم [الحج: 1] . # قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار ... » «5» الحديث. # وقال: «إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار» «6» # . وأمثلة هذا الضرب كثيرة. # والثاني: أن لا يقع موقع التفسير، ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي. ~~فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن. لأنه أمر زائد على موقع التكليف، وإنما ~~أنزل القرآن PageV01P134 # لذلك. فالسنة إذا خرجت عن ذلك فلا حرج. وقد جاء من ذلك نمط صالح في ~~الصحيح. كحديث «1» أبرص وأقرع وأعمى، وحديث «2» جريج العابد، ووفاة موسى ~~«3» . وجمل من قصص الأنبياء، عليهم السلام، والأمم قبلنا، مما لا ينبني ~~عليه عمل. ولكن في ذلك من الاعتبار نحو مما في القصص القرآني. وهو نمط ربما ~~رجع إلى الترغيب والترهيب. فهو خادم للأمر والنهي، ومعدود في المكملات ~~لضرورة التشريع فلم يخرج بالكلية عن القسم الأول. والله أعلم. ### $ 11- قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟ # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في كتاب «الإيمان» : # فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ~~ورسوله وكلام كل أحد، بين ظاهر لا يمكن دفعه. لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان ~~على الأعمال مجاز، # فقوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون- أو بضع وسبعون- شعبة. ~~أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» # مجاز. وقوله «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ... إلى آخره» حقيقة. ~~وهذا عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم ~~الإيمان. ونحن نجيب بجوابين: # أحدهما كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز، والثاني ما يختص بهذا الموضع. # فبتقدير أن يكون أحدهما مجازا، ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل ~~الحقيقة هو المطلق أو المقيد؟ أو كلاهما حقيقة؟ حتى يعرف أن لفظ الإيمان ~~إذا أطلق، على ماذا يحمل؟ فيقال أولا: تقسيم الألفاظ الدالة على ms0137 معانيها ~~إلى حقيقة ومجاز، PageV01P135 # أو تقسيم دلالتها، أو المعاني المدلول عليها، إن استعمل لفظ الحقيقة ~~والمجاز في المدلول أو في الدالة، فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين. ~~ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ. وبكل حال، فهذا التقسيم ~~هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة. لم يتكلم به أحد من الصحابة، ~~ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم: كمالك، ~~والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة ~~والنحو: كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء ... ونحوهم. # وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز، أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه. # ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى، بمجاز الآية، بما ~~يعبر به عن الآية. ولهذا، قال: من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصري ~~وأمثاله: إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق: منها نص أهل اللغة على ذلك، بأن ~~يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز- فقد تكلم بلا علم. فإنه ظن أن أهل اللغة ~~قالوا هذا. ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها. وإنما ~~هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين. ~~فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ~~ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه، ولم ~~يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك محمد بن الحسن له ~~في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره، ولم ~~يتكلم بلفظ الحقيقة، والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في ~~كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب «الرد على ~~الجهمية» في قوله: إنا، ونحن، ونحو ذلك في القرآن: # هذا من مجاز اللغة. يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل، فذكر أن هذا من ~~مجاز اللغة. وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في القرآن مجازا: ~~كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، ms0138 وأبي الخطاب، وغيرهم. وآخرون من أصحابه منعوا ~~أن يكون في القرآن مجاز: كأبي الحسن الجزري، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي ~~الفضل التميمي بن أبي الحسن التميمي. وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز، ~~محمد بن جرير مندار وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن علي، وابنه أبو ~~بكر، ومنذر بن سعيد البلوطي وصنف فيه مصنفا. وحكى بعض الناس عن أحمد- في ~~ذلك- روايتين. وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم، ولا من قدماء أصحاب ~~أحمد: إن في القرآن مجازا- لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة. فإن تقسيم ~~الألفاظ إلى حقيقة ومجا # PageV01P136 # إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته ~~موجودا في المائة الثانية. اللهم إلا أن يكون في أواخرها. والذين أنكروا أن ~~يكون أحمد أو غيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا: إن معنى قول أحمد «من مجاز ~~اللغة» أي: مما يجوز في اللغة، أي يجوز في اللغة أن يقول الواحد العظيم ~~الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا أو نفعل كذا ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد ~~بذلك أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له. # وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز، لا في القرآن ولا غيره. كأبي ~~إسحاق الأسفرائيني. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظي، فإنه إذا سلم أن ~~في اللغة لفظا مستعملا في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلا بقي منه. ~~فهذا هو المجاز، وإن لم تسمه مجازا. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا اللفظ ~~إلى حقيقة ومجاز، قالوا: # الحقيقة هو اللفظ المستعمل في ما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في ~~غير ما وضع له- كلفظ الأسد والحمار، إذا أريد بهما البهيمة، أو أريد بهما ~~الشجاع والبليد- وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولا ~~لمعنى، ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه، وقد يستعمل في غير موضوعه. ولهذا ~~كان المشهور عند أهل التقسيم، أن كل مجاز فلا بد له من حقيقة، وليس لكل ~~حقيقة مجاز. فاعترض عليهم بعض متأخريهم، وقال: ms0139 اللفظ الموضوع قبل للاستعمال ~~لا حقيقة ولا مجاز. فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له. وهذا ~~كله إنما يصح أن لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان، ثم بعد ذلك ~~استعملت فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صح على قول من ~~يجعل اللغات اصطلاحية، فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن ~~يسموا هذا بكذا، وهكذا بكذا، ويجعل هذا عاما في جميع اللغات. وهذا القول لا ~~نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي. فإنه وأبا الحسن ~~الأشعري، كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي. لكن الأشعري رجع عن مذهب ~~المعتزلة، وخالفهم في القدر والوعيد، وفي الأسماء والأحكام، وفي صفات الله ~~تعالى. وبين من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه. فتنازع الأشعري وأبو ~~هاشم. وقال الأشعري: هي توقيفية. ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة، فقال ~~آخرون: # بعضها توقيفي، وبعضها اصطلاحي. وقال فريق رابع: بالوقف. # «والمقصود هنا: أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من ~~الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم ~~استعملوها بعد الوضع. وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ ~~فيما # PageV01P137 # عنوه بها من المعاني. فإن ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل، ~~فإن هذا لم ينقله أحد من الناس. ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل، فإنه- إن ~~لم يكن اصطلاح متقدم- لم يمكن الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك، بل نحن نجد ~~أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض، وقد سمي ذلك ~~منطقا وقولا في قول سليمان: علمنا منطق الطير [النمل: 16] ، وفي قوله: ~~«قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم [النمل: 18] ، وفي قوله: يا جبال ~~أوبي معه والطير [سبأ: 10] . وكذلك الآدميون، فالمولود إذا ظهر منه التمييز ~~سمع أبويه، أو من يربيه، ينطق باللفظ، ويشير إلى المعنى، فصار يفهم أن ذلك ~~اللفظ يستعمل في ذلك المعنى- أي أراد المتكلم به ذلك المعنى- ثم هذا يسمع ~~لفظا ms0140 بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد ~~اصطلحوا معه على وضع متقدم. بل ولا فقهوه على معاني الأسماء. وإن كان ~~أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها. كما يترجم للرجل اللغة ~~التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها، وإن باشر أهلها مدة، علم ذلك بلا ~~توقيف من أحد. نعم، قد يضع الناس الاسم لما يحدث، مما لم يكن من قبلهم ~~يعرفه فيسميه، كما يولد لأحدهم فيسميه اسما إما منقولا أو مرتجلا. وقد يكون ~~المسمي واحدا لم يصطلح مع غيره. وقد يستوون فيما يسمونه. وكذلك قد يحدث ~~الرجل آلة من صناعة، أو يصنف كتابا، أو يبني مدينة. ونحو ذلك فيسميه باسم، ~~لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة. وقد قال ~~تعالى: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان [الرحمن: 1- 4] ، قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [فصلت: 21] ، وقال: الذي خلق فسوى والذي قدر ~~فهدى [الأعلى: 2- 3] وهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره. وهو ~~سبحانه، إذا كان قد علم آدم الأسماء كلها، وعرض المسميات على الملائكة- كما ~~أخبر بذلك في كتابه-. فنحن نعلم أنه لم يعلم آدم جميع اللغات التي يتكلم ~~بها جميع الناس إلى يوم القيامة، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا ~~يتكلمون إلا بها ... # فإن دعوى هذا كذب ظاهر ... ! فإن آدم، عليه السلام، إنما ينقل عنه بنوه. ~~وقد أغرق الله، عام الطوفان، جميع ذريته إلا من في السفينة. وأهل السفينة ~~انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح. ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم ~~بعدهم. فإن اللغة الواحدة: كالفارسية، والعربية، والرومية، والتركية.. فيها ~~من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله. والعرب أنفسهم، لكل قوم لغات ~~لا يفهمها غيرهم. فكيف يتصور # PageV01P138 # أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة؟ وأولئك جميعهم لم ~~يكن لهم نسل، وإنما النسل لنوح، وجميع الناس من أولاده، وهم ثلاثة: سام ~~وحام ويافث. كما قال تعالى: وجعلنا ذريته هم الباقين ms0141 [الصافات: 77] فلم ~~يجعل باقيا إلا ذريته. وكما # روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أولاده ثلاثة» رواه أحمد ~~وغيره. # ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله، ويمتنع نقل ذلك عنهم! فإن ~~الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه. وإذا كان الناقل ثلاثة منهم قد ~~علموا أولادهم، وأولادهم قد علموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت. ونحن نجد ~~بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى. والأب الواحد ~~لا يقال إنه علم أحد ابنيه لغة، وابنه الآخر لغة، فإن الأب قد لا يكون له ~~إلا ابنان، واللغات في أولاده أضعاف ذلك. والذي أجرى الله عليه عادة بني ~~آدم، أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها، أو يخاطبهم بها ~~غيرهم. فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها فلا يعلمونها أولادهم، وأيضا ~~فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم والعلماء من ~~المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التي علمها آدم قولان معروفان عن السلف: # أحدهما: أنه إنما علمه أسماء من يعقل، واحتجوا بقوله: ثم عرضهم على ~~الملائكة [البقرة: 31] قالوا: وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل. وما لا ~~يعقل يقال فيها: علمها. ولهذا قال أبو العالية: «علمه أسماء الملائكة لأنه ~~لم يكن حينئذ من يعقل إلا الملائكة، ولم يكن له ذرية، ولا كان إبليس قد ~~انفصل عن الملائكة ولا كان له ذرية» . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ~~«علمه أسماء ذريته» . وهذا يناسب # الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن آدم ~~سأل ربه أن يريه صور الأنبياء من ذريته، فرآهم، فرأى فيهم من يبص، فقال: يا ~~رب! من هذا؟ # قال: ابنك داود» «1» . # فيكون قد أراه صور ذريته، أو بعضهم، أو أسماءهم. وهذه أسماء أعلام لا ~~أجناس. # الثاني: أن الله علمه أسماء كل شيء. وهذا قول الأكثرين كابن عباس ~~وأصحابه. قال ابن عباس: «علمه حتى الفسوة والفسية والقصعة والقصيعة» أراد ~~أسماء الأعراض والأعيان مكبرها ومصغرها. والدليل على ms0142 ذلك، ما # ثبت في PageV01P139 # الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث الشفاعة «1» : «إن ~~الناس يقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ~~وعلمك أسماء كل شيء» # . وأيضا قوله: «الأسماء كلها» . لفظ عام مؤكد، فلا يجوز تخصيصه بالدعوى. # وقوله: ثم عرضهم على الملائكة لأنه اجتمع من يعقل ومن لا يعقل، فغلب من ~~يعقل. كما قال: فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع [النور: 45] . قال عكرمة: «علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، ~~كقولك: إنسان، وجن، وملك، وطائر» . وقال مقاتل بن السائب. وابن قتيبة: ~~«علمه أسماء ما خلق في الأرض من: الدواب، والهوام، والطير» . # ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقاة عن آدم، أن أكثر اللغات ناقصة عن ~~اللغة العربية. ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك ~~مما يضاف إلى الحيوان. بل إنما يستعملون في ذلك الإضافة. فلو كان آدم عليه ~~السلام علمه الجميع لعلمها متناسبة. وأيضا، فكل أمة، ليس لها كتاب، ليس في ~~لغتها أيام الأسبوع، إنما يوجد في لغتها اسم اليوم والشهر والسنة، لأن ذلك ~~عرف بالحس والعقل، فوضعت له الأمم الأسماء، لأن التعبير يتبع التصور. وأما ~~الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع، لم يعرف- أن الله تعالى خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش- إلا بأخبار الأنبياء الذين شرع ~~لهم أن يجتمعوا في الأسبوع يوما يعبدون الله فيه، ويحفظون به الأسبوع الذي ~~بدأ الله فيه خلق هذا العالم. ففي لغة العرب والعبرانيين ومن تلقى عنهم ~~أيام الأسبوع، بخلاف الترك ونحوهم، فإنه ليس في لغتهم أيام الأسبوع لأنهم ~~لم يعرفوا ذلك فلم يعبروا عنه. # فعلم أن الله تعالى ألهم النوع الإنساني أن يعبر عما يريده ويتصوره ~~بلفظه. # وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم، وهم علموا كما علم، وإن اختلفت اللغات. ~~وقد أوحى الله إلى موسى بالعبرانية، وإلى محمد بالعربية، والجميع كلام ~~الله. وقد بين الله من ذلك ما أراد ms0143 من خلقه وأمره، وإن كانت هذه اللغة ليست ~~الأخرى، مع أن العبرانية من PageV01P140 # أقرب اللغات إلى العربية، حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض. # فبالجملة: نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك، بل يكفينا أن يقال: # هذا غير معلوم وجوده، بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة ~~متقدمة. # وإذا سمي هذا توقيفا، فليسمى توقيفا، وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على ~~استعمال جميع الأجناس، فقد قال ما لا علم به، وإنما المعلوم بلا ريب هو ~~الاستعمال. # ثم هؤلاء يقولون: تتميز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ، فإذا دل ~~اللفظ بمجرده فهو حقيقة، وإذا لم يدل إلا مع القرينة فهو مجاز. وهذا أمر ~~متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم. # ثم يقال ثانيا: هذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرق بينهما حد صحيح ~~يميز به بين هذا وهذا. فعلم أن هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما ~~يقول: بل يتكلم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل. وذلك أنهم ~~قالوا: الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو المستعمل في غير ما ~~وضع له، احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال. وهذا يتعذر. ثم هم ~~يقسمون الحقيقة إلى: لغوية وعرفية، وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث: لغوية وشرعية ~~وعرفية. فالحقيقة هي ما صار اللفظ فيها دالا على المعنى بالعرف لا باللغة. ~~وذلك المعنى يكون تارة أعم من اللغوي، وتارة أخص، وتارة لا يكون مباينا له، ~~لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها. (فالأول) مثل لفظ: الرقبة والرأس ونحوهما. ~~كان يستعمل في العضو المخصوص، ثم صار يستعمل في جميع البدن. (والثاني) مثل: # الدابة ونحوها. كان يستعمل في كل ما دب، ثم صار يستعمل، في عرف بعض ~~الناس، في ذوات الأربع. وفي عرف بعض الناس، في الفرس. وفي عرف بعضهم، في ~~الحمار. و (الثالث) مثل لفظ: الغائط، والظعينة، والراوية، والمزادة. فإن ~~الغائط- في اللغة- هو المكان المنخفض من الأرض. فلما كانوا ينتابونه لقضاء ~~حوائجهم، سموا ما يخرج من الإنسان باسم ms0144 محله. والظعينة اسم للدابة، ثم سموا ~~المرأة التي تركبها باسمها، ونظائر ذلك. والمقصود: أن هذه الحقيقة العرفية ~~لم تصر حقيقة لجماعة تواطؤوا على نقلها، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ~~ذلك المعنى العرفي. ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال. ~~ولهذا زاد، من زاد منهم، في حد الحقيقة: في اللغة التي بها التخاطب، ثم هم ~~يعلمون ويقولون: إنه قد يغلب # PageV01P141 # الاستعمال على بعض الألفاظ، فيصير المعنى أشهر فيه، ولا يدل عند الإطلاق ~~إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية. واللفظ مستعمل في ~~هذا الاستعمال الحادث العرفي، وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك ~~تقدم وضع. فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح، وإن قالوا: يعني، بما وضع ~~له، ما استعملت فيه أولا. فيقال: من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت ~~العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله، لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء ~~آخر؟ وإذا لم يعلموا هذا النفي، فلا تعلم أنها حقيقة، وهذا خلاف ما اتفقوا ~~عليه. وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة، وهذا لا ~~يقوله عاقل. ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم ~~أنها استعملت إلا مقيدة، فينطق بها مجردة عن جميع القيود، ثم يدعي أن ذلك ~~هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة، ولا وضعت مجردة. مثل أن ~~يكون حقيقة العين هو العضو المبصر، ثم سميت به عين الشمس، والعين النابعة، ~~والعين الذهب، للمشابهة. لكن أكثرهم يقولون: إن هذا من باب المشترك، لا من ~~باب الحقيقة والمجاز، فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس. يقولون: هو حقيقة في رأس ~~الإنسان. ثم قالوا: رأس الدرب- لأوله-، ورأس العين- لمنبعها-، ورأس القوم- ~~لسيدهم-، ورأس الأمر- لأوله-، ورأس الشهر، ورأس الحول ... وأمثال ذلك على ~~طريق المجاز. وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا، بل يجدون أنه ~~استعمل بالقيود في رأس الإنسان، كقوله تعالى: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين [المائدة: 6] ، ونحوه. وهذا القيد ms0145 يمنع أن يدخل فيه تلك المعاني. ~~فإذا قيل: رأس العين، ورأس الدرب، ورأس الناس، ورأس الأمر ### | .... # ، فهذا المقيد غير ذاك المقيد، ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ ~~الدال هناك، لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرفة في لام ~~التعريف. ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الإنسان أولا، لأن الإنسان ~~يتصور رأسه قبل غيره، والتعبير أولا هو عما يتصوره أولا. فالنطق بهذا ~~المضاف أولا لا يمنع أن ينطق بمضاف إلى غيره ثانيا، ولا يكون هذا من المجاز ~~كما في سائر المضافات. فإذا قيل: ابن آدم، أولا، لم يكن قولنا، ابن الفرس ~~وابن الحمار، مجازا. # وكذلك إذا قيل: بنت الإنسان، لم يكن قولنا بنت الفرس- مجازا. وكذلك إذا ~~قيل: # رأس الإنسان أولا، لم يكن قولنا رأس الفرس- مجازا. وكذلك في سائر ~~المضافات، إذا قيل: يده أو رجله. فإذا قيل: هو حقيقة فيما أضيف إلى ~~الحيوان. قيل: ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى رأس ~~الإنسان، ثم يضاف # PageV01P142 # إلى ما يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التي لم يخطر ببال عامة ~~الناطقين باللغة. فإذا قيل: إنه حقيقة في هذا، فلماذا لا يكون حقيقة في رأس ~~الجبل، والطريق، والعين؟ وكذلك سائر ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ~~ومساكنه، يضاف مثله إلى غيره، ويضاف ذلك إلى الجمادات، فيقال: رأس الجبل، ~~ورأس العين، وخطم الجبل- أي أنفه- وفم الوادي، وبطن الوادي، وظهر الجبل، ~~وبطن الأرض وظهرها، ويستعمل مع الأنف، وهو لفظ الظاهر والباطن في أمور ~~كثرة. # والمعنى في الجميع: أن الظاهر لما ظهر فتبين، والباطن لما بطن فخفي. # وسمي ظهر الإنسان ظهرا لظهوره، وبطن الإنسان بطنا لبطونه، فإذا قيل: إن ~~هذه حقيقة، وذاك مجاز، لم يكن هذا أولى من العكس. وأيضا من الأسماء ما تكلم ~~به أهل اللغة مفردا، كلفظ الإنسان ونحوه. ثم قد يستعمل مقيدا بالإضافة- ~~كقولهم: # إنسان العين، وإبرة الذراع، ونحو ذلك- وبتقدير أن يكون في اللغة حقيقة ~~ومجاز، فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز، وهو غلط، فإن ms0146 المجاز هو اللفظ ~~المستعمل في غير ما وضع له أولا، وهذا لم يستعمل اللفظ بل ركب مع لفظ آخر، ~~فصار وضعا آخر بالإضافة، فلو استعمل مضافا في معنى، ثم استعمل بتلك الإضافة ~~في غيره، كان مجازا. بل إذا كان (بعلبك وحضرموت ونحوهما) مما يركب تركيب ~~مزج- بعد أن كان الأصل فيه الإضافة- لا يقال: إنه مجاز، فما لم ينطق به إلا ~~مضافا أولى أن لا يكون مجازا. وأما من فرق بين الحقيقة والمجاز، بأن ~~الحقيقة: ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن، والمجاز: ما لا يفيد ذلك المعنى ~~إلا مع قرينة أو قال: الحقيقة ما يفيده اللفظ المطلق، والمجاز ما لا يفيد ~~إلا مع التقييد. أو قال: الحقيقة هو المعنى الذي يسبق إلى الذهن عند ~~الإطلاق، والمجاز ما لا يسبق إلى الذهن. أو يقال: # المجاز ما صح نفيه، والحقيقة ما لم يصح نفيها. فإنه يقال: ما تعني ~~بالتجريد عن القرائن، والاقتران بالقرائن؟ إن عنى بذلك: القرائن اللفظية، ~~مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالإضافة، أو لام التعريف، ويقيد بكونه فاعلا ~~ومفعولا ومبتدأ وخبرا، فلا يوجد قط في الكلام المؤلف اسم إلا مقيدا. وكذلك ~~الفعل، إن عنى بتقييده أنه لا بد له من فاعل. وقد يقيد بالمفعول به، وظرفي ~~الزمان والمكان، والمفعول له ومعه، والحال، فالفعل لا يستعمل قط إلا مقيدا، ~~وأما الحرف فأبلغ، فإن الحرف أتى به لمعننى في غيره. ففي الجملة لا يوجد ~~قط- في كلام تام- اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدا بقيود تزيل عنه الإطلاق. ~~فإن كانت القرينة ما يمنع الإطلاق عن كل قيد، فليس في الكلام الذي يتكلم به ~~جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد، سواء كانت # PageV01P143 # الجملة اسمية أو فعلية. فلهذا كان لفظ الكلام والكلمة في لغة العرب- بل ~~وفي لغة غيرهم- لا تستعمل إلا في المقيد وهو الجملة التامة- اسمية كانت أو ~~فعلية أو ندائية- إن قيل إنها قسم ثالث. فأما مجرد الاسم والفعل أو الحرف ~~الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، فهذا لا يسمي في كلام العرب قط كلمة، ~~وإنما ms0147 تسمية هذا (كلمة) اصطلاح نحوي- كما سموا بعض الألفاظ (فعلا) وقسموه ~~إلى فعل ماض ومضارع وأمر- والعرب لم تسم قط اللفظ فعلا، بل النحاة اصطلحوا ~~على هذا فسموا اللفظ باسم مدلوله: فاللفظ الدال على حدوث فعل في زمن ماض ~~سموه فعلا ماضيا ... وكذلك سائرها. وكذلك حيث وجد في الكتاب والسنة، بل وفي ~~كلام العرب- نظمه ونثره- لفظ كلمة، فإنما يراد به المفيد التي تسميها ~~النحاة جملة تامة، لقوله تعالى: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا ~~[الكهف: 4- 5] ، وقوله تعالى: وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي ~~العليا [التوبة: 40] ، وقوله تعالى: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم [آل ~~عمران: 64] ، وقوله وجعلها كلمة باقية في عقبه [الزخرف: 28] ، وقوله: ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26] . # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا ~~كل شيء ما خلا الله باطل» «1» # وقوله: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى ~~الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» «2» # وقوله: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما ~~بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من ~~سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم ~~يلقاه» «3» ، وقوله: «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم ~~لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» ~~«4» . # وإذا كان كل اسم وفعل وحرف يوجد في الكلام فإنه مقيد لا مطلق لم يجز أن ~~يقال: اللفظ الحقيقة ما دل مع الإطلاق والتجرد عن كل قرينة تقارنه. ~~PageV01P144 # فإن قيل: أريد بعض القرائن دون بعض. قيل له: اذكر الفصل بين القرينة التي ~~يكون معها حقيقة، والقرينة التي يكون معها مجاز، ولن تجد إلى ذلك سبيلا ~~تقديره على تقسيم صحيح معقول. ومما يدل على ذلك، أن الناس اختلفوا في العام ~~إذا ms0148 خص هل يكون استعماله فيما بقي حقيقة أو مجازا؟ وكذلك لفظ الأمر إذا ~~أريد به الندب هل يكون حقيقة أو مجازا؟ وفي ذلك قولان لأكثر الطوائف: ~~لأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعي قولان، ولأصحاب مالك قولان. ومن الناس ~~من ظن أن هذا الخلاف يطرد في التخصيص المتصل- كالصفة والشرط والغاية ~~والبدل- وجعل يحكي في ذلك أقوال من يفصل، كما يوجد في كلام طائفة من ~~المصنفين في أصول الفقه، وهذا مما لم يعرف أن أحدا قاله، فجعل اللفظ العام ~~المقيد في الصفات والغايات والشروط مجازا. بل لما أطلق بعض المصنفين أن ~~اللفظ العام إذا خص يصير مجازا، ظن هذا الناقل أنه عنى التخصيص المتصل، ~~وأولئك لم يكن في اصطلاحهم عام مخصوص إلا إذا خص بمنفصل، وأما المتصل فلا ~~يسمون اللفظ عاما مخصوصا، فإنه لم يدل إلا متصلا، والاتصال منعه العموم. ~~وهذا اصطلاح كثير من الأصولين، وهو الصواب. لا يقال لما قيد بالشرط والصفة ~~ونحوهما: أنه داخل فيما خص من العموم، ولا في العام المخصوص، لكن يقيد، ~~فيقال: تخصيص متصل، وهذا المقيد لا يدخل في التخصيص المطلق. # وبالجملة فيقال: إذا كان هذا مجازا فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول ~~به، وبظرف الزمان والمكان- مجازا. وكذلك بالحال، وكذلك كل ما قيد بقيد، ~~فيلزم أن يكون الكلام كله مجازا، فأين الحقيقة؟ # فإن قيل: يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة، فما كان مع القرينة ~~المتصلة فهو حقيقة، وما كان من المنفصلة كان مجازا. قيل: تعني بالمتصل ما ~~كان في اللفظ أو ما كان موجودا حين الخطاب؟ فإن عنيت الأول أن يكون ما علم ~~من حال المتكلم أو المستمع أولا- قرينة منفصلة. فما استعمل بلام التعريف ~~لما يعرفانه كما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهو عند المسلمين ~~رسول الله، أو قال الصديق وهو عندهم أبو بكر. وإذا قال الرجل لصاحبه: اذهب ~~إلى الأمير أو القاضي أو الوالي- يريد ما يعرفانه أن يكون مجازا. وكذلك ~~الضمير يعود إلى معلوم غير مذكور كقوله إنا أنزلناه [الدخان: 3] وقوله حتى ~~توارت بالحجاب [ص: 32] وأمثال ذلك- أن يكون ms0149 هذا مجازا. وهذا لا يقوله أحد. # PageV01P145 # وأيضا فإذا قال لشجاع: هذا الأسد فعل اليوم كذا. أو لبليد: هذا الحمار ~~قال اليوم كذا. أو لعالم، أو جواد: هذا البحر جرى منه اليوم كذا- أن يكون ~~حقيقة، لأن قوله هذا قرينة لفظية، فلا يبقى قط مجازا. وإن قال: المتصل أعم ~~من ذلك. وهو ما كان موجودا حين الخطاب. قيل له: فهذا أشد عليك من الأول. ~~فإن كل متكلم بالمجاز لا بد أن يقترن به حال الخطاب ما بين مراده، وإلا لم ~~يجز التكلم به. فإن قيل: أنا أجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقف ~~الحاجة. قيل: أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى، وهو لا ~~يريد ذلك المعنى إلا إذا بين. وإنما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ ~~عليه كالمجملات. ثم نقول: إذا جوزت تأخير البيان، فالبيان قد يحصل بجملة ~~تامة، وبأفعال من الرسول وبغير ذلك. ولا يكون البيان المتأخر إلا مستقلا ~~بنفسه. لا يكون مما يجب اقترانه بغيره. فإن جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما ~~يحتاج في العمل إلى بيان مجازا. كقوله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها [التوبة: 103] ، ثم يقال: هب أن هذا جائز عقلا، لكن ليس واقعا في ~~الشريعة أصلا، وجميع ما يذكر من ذلك باطل كما قد بسط في موضعه. فإن الذين ~~قالوا: الظاهر الذي لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه، احتجوا ~~بقوله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [البقرة: 67] ، وادعوا أنها كانت ~~معينة، وأخر بيان التعيين. وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان، من أنهم أمروا ببقرة مطلقة. فلو أخذوا بقرة من البقر ~~فذبحوها أجزأ عنهم. ولكن شددوا فشدد الله عليهم. والآية نكرة في سياق ~~الإثبات، فهي مطلقة. والقرآن يدل سياقه على أن الله ذمهم على السؤال بما ~~هي؟ ولو كان المأمور به معينا لما كانوا ملومين. ثم إن مثل هذا لم يقطع قط ~~في أمر الله ورسوله أن يأمر عباده بشيء معين ms0150 ويبهمه عليهم مرة بعد مرة، ولا ~~يذكره بصفات تختص به ابتداء. # واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج. وأن هذه ألفاظ لها ~~معاني في اللغة. بخلاف الشرع. وهذا غلط. فإن الله إنما أمرهم بالصلاة بعد ~~أن عرفوا ما المأمور به. وكذلك الصيام. وكذلك الحج. ولم يؤخر الله قط بيان ~~شيء من هذه المأمورات. ولبسط هذه المسألة موضع آخر. وأما قول من يقول: إن ~~الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق، فمن أفسد الأقوال. فإنه لا يقال: ~~إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيدا فإنه يسبق إلى الذهن في كل موضع منه ما ~~دل عليه ذلك الموضع. # وأما إذا أطلق فهو لا يستعمل في الكلام مطلقا قط. فلم يبق له حال إطلاق ~~محض، حتى يقال: إن الذهن يسبق إليه أم لا. وأيضا، فأي ذهن؟ فإن العربي الذي ~~يفهم # PageV01P146 # كلام العرب يسبق إلى ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطي الذي صار ~~يستعمل الألفاظ في غير معانيها. ومن هنا غلط كثير من الناس. فإنهم قد ~~تعودوا ما اعتادوه. إما من خطاب عامتهم، وإما من خطاب علمائهم، باستعمال ~~اللفظ في معنى. فإذا سمعوه في القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل في ذلك ~~المعنى، فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة. وهذا ~~مما دخل به الغلط على طوائف. بل الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي ~~نزل به القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك ~~الألفاظ. فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله. لا بما حدث بعد ~~ذلك. وأيضا، فقد بينا في غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من ~~القرآن والحديث إلا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم إلى شيء آخر. كما قد ~~بسطنا القول فيه في غير هذا الموضع. فقد بين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ ~~المطلق من جميع القيود لا يوجد إلا مقدرا في اللسان. لا موجودا في الكلام ~~المستعمل. كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من ms0151 جميع القيود، لا ~~يوجد إلا مقدرا في الذهن. لا يوجد في الخارج شيء موجود خارج عن كل قيد. ~~ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق وإن التصور هو تصور ~~المعنى الساذج الحالي عن كل قيد- لا يوجد. # وكذلك ما يدعونه من البسائط التي تتركب منها الأنواع. وأنها أمور مطلقة ~~عن كل قيد- لا توجد. وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ~~ثبوتي- لا يوجد. فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغي معرفتها لمن ~~ينظر في هذه العلوم. فإنه بسبب ظن وجودها ضل طوائف في العقليات والسمعيات. # بل إذا قال العلماء: مطلق ومقيد، إنما يعنون به مطلق من ذلك القيد ومقيد ~~بذلك القيد. كما يقولون: «الرقبة» مطلقة في آية كفارة اليمين، ومقيدة في ~~آية القتل. أي مطلقة عن قيد الإيمان. وإلا فقد قيل فتحرير رقبة [المجادلة: ~~3] ، فقيدت بأنها رقبة واحدة. وأنها هي موجودة. وأنها تقبل التحرير. والذين ~~يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة، ولا وجود ولا ~~عدم، ولا غير ذلك. بل هو الحقيقة من حيث هي هي. كما يذكره الرازي تلقيا له ~~عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة. وقد بسطنا الكلام في هذا الإطلاق ~~والتقييد والكليات والجزئيات في مواضع غير هذا. وبينا من غلط هؤلاء في ذلك ~~ما ليس هذا موضعه. # وإنما المقصود هنا الإطلاق اللفظي. وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد. ~~وهذا لا وجود له. وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ~~ببعض. # PageV01P147 # فتكون تلك القيود ممتنعة الإطلاق. # فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق معقول يمكن التمييز بين ~~نوعين. فعلم أن هذا التقسيم باطل. وحينئذ فكل لفظ موجود في كتاب الله ~~ورسوله، فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز. بل كله حقيقة. # ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازا، وذكروا ما يشهد ~~لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: ms0152 ~~جدارا يريد أن ينقض [الكهف: 77] ، قالوا: والجدار ليس بحيوان والإرادة إنما ~~تكون للحيوان. # فاستعمالها في ميل الجدار مجاز. # فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور. وهو ميل ~~الحي. وفي الميل الذي لا شعور فيه. وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة. ~~يقال: # هذا السقف يريد أن يقع. وهذه الأرض تريد أن تحرث. وهذا الزرع يريد أن ~~يسقى. # وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل. وأمثال ذلك. واللفظ ~~إذا استعمل في معنيين فصاعدا، فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما، مجازا في ~~الآخر، أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا، أو ~~حقيقة في القدر المشترك بينهما. وهي الأسماء المتواطئة وهي الأسماء العامة ~~كلها. وعلى الأول يلزم المجاز. وعلى الثاني يلزم الاشتراك. وكلاهما خلاف ~~الأصل. فوجب أن يجعل من المتواطئة. وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها. ~~وإلا فلو قال قائل في ميل الجماد: # حقيقة، وفي ميل الحيوان: مجاز، لم يكن بين الدعويين فرق، إلا كثرة ~~الاستعمال في ميل الحيوان. لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد ميل الجماد. ~~والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام. لا يوجد كليا ~~عاما إلا في الذهن. وهو مورد التقسيم بين الأنواع. لكن ذلك المعنى العام ~~الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه. لأنهم إنما يحتاجون إلى ~~ما يوجد في الخارج. وإلى ما يوجد في القلوب في العادة. وما لا يكون في ~~الخارج إلا مضافا إلى غيره، لا يوجد في الذهن مجردا. بخلاف لفظ الإنسان ~~والفرس، فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان، ومسمى الفرس ~~بخلاف تصور مسمى الإرادة، ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق ~~العام. فإن هذا لا يوجد في اللغة لفظ مطلق يدل عليه. بل لا يوجد لفظ ~~الإرادة إلا مقيدا بالمريد. ولا لفظ العلم إلا مقيدا بالعالم، ولا لفظ ~~القدرة إلا مقيدا بالقادر. بل وهكذا سائر الأعراض، لما لم توجد إلا في ~~محالها مقيدة بها، ms0153 لم يكن في اللغة لفظ إلا كذلك. فلا يوجد في اللغة لفظ # PageV01P148 # السواد والبياض والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل ~~والقصير. ونحو ذلك. لا مجردا عن كل قيد. وإنما يوجد مجردا في كلام المصنفين ~~في اللغة. لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك. # ومنه قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] ، فإن من ~~الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم. واللباس مما يلبس على البدن. # وإنما استعير هذا وهذا. وليس كذلك بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو ~~وجود طعم الشيء. والاستعمال يدل على ذلك. قال تعالى: ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر [السجدة: 21] ، وقال ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~[الدخان: 49] ، وقال: فذاقت وبال أمرها [الطلاق: 9] ، وقال: قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون [الأنعام: 30] ، فذوقوا عذابي ونذر [القمر: 37] ، ~~لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56] ، لا يذوقون فيها ~~بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا [النبأ: 24- 25] ، # وقال النبي: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا» «1» # وفي بعض الأدعية: أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك. فلفظ الذوق يستعمل في كل ~~ما يحس به ويجد ألمه أو لذته، فدعوى المدعى اختصاص لفظ الذوق بما يكون ~~بالفم- تحكم منه. لكن ذاك مقيد. فيقال: ذقت الطعام وذقت هذا الشراب. فيكون ~~معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم. وإذا كان الذوق مستعملا فيما يحسه ~~الإنسان بباطنه أو بظاهره، حتى الماء الحميم، يقال: ذاقه. فالثوب إذا كان ~~باردا أو حارا، يقال: ذقت حره وبرده. وأما لفظ اللباس، وهو مستعمل في كل ما ~~يغشى الإنسان فيلتبس به. قال تعالى: # وجعلنا الليل لباسا [النبأ: 10] ، وقال: ولباس التقوى ذلك خير [الأعراف: ~~26] ، وقال: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [البقرة: 187] . ومنه يقال: لبس ~~الحق بالباطل، إذا خلط به حتى غشاه فلم يتميز. فالجوع الذي يشمل ألمه جميع ~~الجائع، نفسه وبدنه، وكذلك الخوف الذي يلبس البدن، لو قيل: فأذاقها الله ~~الجوع والخوف، لم يدل ذلك على أنه ms0154 شامل بجميع أجزاء الجائع. بخلاف ما إذا ~~قيل: لباس الجوع والخوف. ولو قال: فألبسهم- لم يكن فيه ما يدل على أنهم ~~ذاقوا ما يؤلمهم، إلا بالعقل. من حيث إنه يعرف الجائع الخائف يألم. بخلاف ~~لفظ ذوق الجوع والخوف. فإن هذا اللفظ يدل على الإحساس بالمؤلم. وإذا أضيف ~~إلى الملذ دل على PageV01P149 # الإحساس به. # كقوله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام ~~دينا وبمحمد نبيا» . # فإن قيل: فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق؟ قيل: لأن الذوق يدل على جنس ~~الإحساس. ويقال: ذاق الطعام لمن وجد طعمه وإن لم يأكله. وأهل الجنة نعيمهم ~~كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق. بل استعمل لفظ الذوق في النفي. كما قال ~~عن أهل النار: لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا [النبأ: 24] أي لا يحصل لهم ~~من ذلك ولا ذوق. وقال عن أهل الجنة: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى [الدخان: 56] . # وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن: لفظ المكر والاستهزاء والسخرية ~~المضاف إلى الله. وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله، عن طريق المجاز. وليس ~~كذلك. بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له. # وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه، عقوبة بمثل فعله- كانت عدلا. كما ~~قال تعالى: كذلك كدنا ليوسف [يوسف: 76] ، فكاد له كما كادت إخوته، لما قال ~~له أبوه: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا [يوسف: 5] . # وقال تعالى: إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا [الطارق: 15- 16] ، وقال: # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~[النمل: 50- 51] ، وقال: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ~~والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم [التوبة: 79] . ~~ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم. كما روي عن ابن عباس: أنه ~~يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق. ثم يفتح لهم باب ~~آخر فيسرعون إليه فيغلق. فيضحك منهم المؤمنون. قال تعالى: فاليوم الذين ~~آمنوا من الكفار يضحكون على ms0155 الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ~~[المطففين: 34- 36] . وعن الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة خمدت النار ~~لهم كما تخمد الإهالة. فيمشون. فيخسف بهم. وعن مقاتل: إذا ضرب بينهم بسور ~~له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة. فيقال ~~لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. وقال بعضهم: استهزاؤه استدراجه لهم. ~~وقيل: إيقاع استهزاء بهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في ~~الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه. ~~وهذا كله حق. وهو استهزاء بهم حقيقة. وفي بعض الآثار: أن الله سبحانه يأمر ~~بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا رأوها وشاهدوا ما فيها من الكرامة، قال ~~الله لملائكته: اصرفوهم عنها. لا # PageV01P150 # حظ لهم فيها. قالوا: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا ~~كان أهون في عذابنا. قال الله: ذلك أردت بكم. إذا لقيتم الناس لقيتموهم ~~مخبتين متواضعين، وإذا خلوتم بارزتموني بالعظائم. أجللتم الناس ولم تجلوني. ~~وعظمتم الناس ولم تعظموني. وخفتم الناس ولم تخافوني. فاليوم أذيقكم أليم ~~عذابي كما حرمتكم جزيل ثوابي. ذكره ابن أبي الدنيا وغيره. # ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: وسئل القرية [يوسف: 82] ~~المراد به أهلها. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. فقيل لهم: لفظ ~~القرية والمدينة والنهر والميراث وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال ~~والمحل، وكلاهما داخل في الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحال، وهو السكان. # وتارة على المحل، وهو المكان، وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر، وهو ~~المحل. # وجرى النهر، وهو الماء. ووضعت الميزاب، وهو المحل. وجرى الميزاب، وهو ~~الماء. وكذلك القرية. قال تعالى: ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~[النحل: 112] وقوله: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ~~فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين [الأعراف: 4- ~~5] ، وقال في آية أخرى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ~~[الأعراف: 97] فجعل القرى هم السكان. وقال: وكأين من قرية هي ms0156 أشد قوة من ~~قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم [محمد: 13] ، وهم السكان. وكذلك ~~قوله: # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا [الكهف: 59] ، وقال ~~تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها [البقرة: 259] ، فهذا ~~المكان، لا السكان. لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونا. فلا يسمى قرية إلا ~~إذا كان قد عمر للسكنى. فمأخوذ من القرى وهو الجمع. ومنه قولهم: قريت الماء ~~في الحوض، إذا جمعته فيه. ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح. ثم ~~الأحكام يتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما. فكذلك القرية، إذا عذب أهلها ~~خربت. وإذا خربت كان عذابا لأهلها. فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر. ~~كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما. فقوله: وسئل القرية [يوسف: 82] ، ~~مثل قوله: قرية كانت آمنة مطمئنة [النحل: 112] ، فاللفظ هنا يراد (به) ~~السكان من غير إضمار ولا حذف. فهذا بتقدير أن يكون في اللغة مجاز، فلا مجاز ~~في القرآن. # بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث. لم ينطق به السلف. # والخلف فيه على قولين. وليس النزاع فيه لفظيا. بل يقال نفس هذا التقسيم ~~باطل. # PageV01P151 # لا يتميز هذا عن هذا. ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق يبين أنها فروق ~~باطلة. # وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني. كما يدعي المنطقيون أن الصفات ~~القائمة بالموصوفات تنقسم اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في ~~الخارج وإلى خارج عنها لازم للماهية ولازم خارج للوجود. وذكروا ثلاثة فروق ~~كلها باطلة. لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له. بل ما يجعلونه داخلا يمكن ~~جعله خارجا وبالعكس. # كما قد بسط في موضعه. وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم ~~يدل إلا معها فهو مجاز- قد تبين بطلانه، وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل ~~مجردا عن جميع القرائن. ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن. وأشهر أمثلة ~~المجاز لفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك، مما يقولون: إنه استعير للشجاع ~~والبليد والجواد. وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة ms0157 بقيود لفظية. كما ~~تستعمل الحقيقة. كقول أبي بكر الصديق عن أبي قتادة «1» ، لما طلب غيره سلب ~~القتيل: لاها الله، إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ~~فنعطيك سلبه. فقوله: تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، وصف ~~له بالقوة بالجهاد في سبيله. وقد عينه تعينا أزال اللبس. وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالدا سيف من سيوف الله، سله الله على ~~المشركين» «2» # وأمثال ذلك. وإن قال القائل: القرائن اللفظية موضوعة، ودلالتها على ~~المعنى حقيقة، لكن القرائن الحالية مجاز. قيل: اللفظ لا يستعمل قط إلا ~~مقيدا بقيود لفظية موضوعة والحال حال المتكلم والمستمع، لا بد من اعتباره ~~في جميع الكلام. فإنه إذا عرف المتكلم، فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا ~~لم يعرف. لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه. واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة ~~المتكلم التي بها يتكلم. وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه. ودلالة ~~اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادة اختيارية. فالمتكلم يريد دلالة اللفظ ~~على المعنى. فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغة. ولهذا كل ~~من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها، عرف عادته في خطابه. وتبين له ~~من مراده ما لا يتبين لغيره. ولهذا ينبغي أن يقصد، إذا ذكر لفظ من القرآن ~~والحديث، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها PageV01P152 # الله ورسوله. فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب ~~بها عباده. وهي العادة المعروفة من كلامه. ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام ~~غيره، وكانت النظائر كثيرة، عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة. لا يختص ~~بها هو صلى الله عليه وسلم. بل هي لغة قومه. ولا يجوز أن يحمل كلامه على ~~عادات حدثت بعده في الخطاب، لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه. كما ~~يفعله كثير من الناس. # وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه. ولهذا كان استعمال القياس في اللغة، ~~وإن جاز في الاستعمال، فإنه لا ms0158 يجوز في الاستدلال. فإنه قد يجوز للإنسان أن ~~يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى الذي استعملوه فيه، مع بيان ذلك، على ما ~~فيه من النزاع. # لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف استعمالها في معاني فيحملها إلى ~~غير تلك المعاني، ويقول: إنهم أرادوا تلك بالقياس على تلك. بل هذا تبديل ~~وتحريف. فإذا قال: «الجار أحق بسقبه» «1» فالجار هو الجار. ليس هو الشريك. ~~فإن هذا لا يعرف في لغتهم، لكن ليس في اللفظ ما يقتضي أنه يستحق الشفعة. ~~لكن يدل على أن البيع له أولى. وأما الخمر فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول ~~الصحيحة أنها كانت اسما لكل مسكر. لم يسم النبيذ خمرا بالقياس. وكذلك ~~النباش كانوا يسمونه سارقا. كما قالت عائشة: سارق موتانا كسارق أحيانا. ~~واللائط عندهم كانوا أغلظ من الزاني بالمرأة. ولا بد، في تفسير القرآن ~~والحديث، من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ. وكيف يفهم ~~كلامه. فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ~~ورسوله بكلامه. وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني. فإن عامة ضلال أهل ~~البدع كان بهذا السبب. فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون ~~أنه دال عليه. ولا يكون الأمر كذلك. ويجعلون هذه الدلالة حقيقة وهذه مجازا. ~~كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان. جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد ~~التصديق. وتناوله للأعمال مجازا. # فيقال: إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجة إلى هذا. وإن صح ~~فهذا لا ينفعكم. بل هو عليكم لا لكم. لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل ~~بإطلاقه بلا قرينة. # والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان، حيث أطلق في الكتاب ~~والسنة. # دخلت فيه الأعمال. وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد. وهذا يدل على أن ~~PageV01P153 # الحقيقة # قوله: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» «1» # وأما حديث «2» جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام فهو كذلك. ~~وهذا هو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم قطعا. كما أنه لما ذكر ms0159 ~~الإحسان، أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام. لم يرد أن الإحسان مجرد عن ~~إيمان وإسلام. ولو قدر أنه أريد بلفظ الإيمان مجرد التصديق، فلم يقع ذلك ~~إلا مع قرينة. فيلزم أن يكون مجازا. وهذا معلوم بالضرورة. لا يمكننا ~~المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث. بخلاف كون لفظ الإيمان في اللغة ~~مرادفا للتصديق. ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله، بل أراد به ما كان ~~يريده أهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد- فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم ~~بواحدة منهما. فلا يعارض اليقين. # كيف؟ وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وأنها من أفسد الكلام. وأيضا. # فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها، بدون لفظ الصلاة ~~والصيام والزكاة والحج، وفي دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعي ~~والحج الشرعي- سواء. قيل: إن الشارع نقله، أو زاد الحكم دون الاسم. أو زاد ~~الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف أو خاطب الاسم مقيدا لا مطلقا. فإن قيل: ~~الصلاة والحج ونحوهما، لو ترك بعضها بطلت. بخلاف الإيمان فإنه لا يبطل عند ~~الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب. قيل: إن أراد بالبطلان أنه لا ~~تبرأ الذمة منها كلها فكذلك الإيمان الواجب، إذا ترك منه شيئا لم تبرأ ~~الذمة منه كله. وإن أريد به وجوب الإعادة فهذا ليس على الإطلاق. فإن في ~~الحج واجبات، إذا تركها لم يعد. بل تجبر بدم. وكذلك في الصلاة عند أكثر ~~العلماء إذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الإعادة. # فإنما يجب إذا أمكنت الإعادة. وإلا فما تعذرت إعادته مطالبا به كالجمعة ~~ونحوها. # وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله، فليس كذلك. بل قد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل، ~~ولا يكون بمنزلة من لم يصل. وفي عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من ~~النوافل. فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتد له بما ~~فعل منها. فكذلك الإيمان، إذا ترك منه شيئا كان عليه فعله. ms0160 إن كان محرما ~~تاب منه. وإن كان واجبا فعله. فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه. وأثيب على ~~ما فعله كسائر العبادات. وقد دلت النصوص PageV01P154 # على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. وقد عدلت ~~المرجئة، في هذا الأصل، عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة. وهذه طريقة ~~أهل البدع. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل ~~والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة الرافضة وغيرهم، من أهل البدع، ~~يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة. ولهذا تجدهم لا ~~يعتمدون على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة ~~المسلمين. فلا يتعمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم. وإنما ~~يعتمدون على العقل واللغة. وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة ~~والحديث وآثار السلف. وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها ~~رؤوسهم. وهذه طريقة الملاحدة أيضا. إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب ~~الأدب واللغة. وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا يلتفتون إليها. هؤلاء ~~يعرضون عن نصوص الأنبياء، إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون ~~القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقد ~~ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع. وإذا تدبرت ~~حججهم، وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل» انتهى. ### | فصل في أنه هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة؟ أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة؟ # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في «كتاب الإيمان» أيضا ما نصه: # «وبسبب الكلام في مسألة الإيمان، تنازع الناس: هل في اللغة أسماء شرعية ~~نقلها الشارع عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه ~~في اللغة؟ فذهب الخوارج والمعتزلة إلى أنها منقولة. وذهبت المرجئة إلى أنها ~~باقية على ما كانت عليه في اللغة، لكن الشارع زاد ms0161 في أحكامها، لا في معنى ~~الأسماء. وهكذا قالوا في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج: أنها باقية في ~~كلام الشارع على معناها اللغوي، لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم: أن الإيمان ~~هو مجرد التصديق، وذلك يحصل بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن ~~الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة ~~إلى عرف الشارع حقيقة. # PageV01P155 # «والتحقيق أن الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا ~~مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت [آل ~~عمران: 97] ، فذكر حجا خاصا وهو حج البيت، وكذلك قوله: فمن حج البيت أو ~~اعتمر ... [البقرة: 158] ، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد، بل لقصد ~~مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة. والشاعر إذا قال: # وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا # كان متكلما باللغة، وقد قيل: لفظه يحج سب الزبرقان المزعفرا. ومعلوم أن ~~ذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام. ~~فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت. # وكذلك الزكاة. هي اسم لما تزكو به النفس. وزكاة النفس زيادة خيرها، وذهاب ~~شرها. والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس، كما قال تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: 103] ، وكذلك ترك ~~الفواحش مما تزكو به، قال تعالى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا [النور: 21] . وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله، قال ~~تعالى: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة [فصلت: 6- 7] . وهي عند ~~المفسرين التوحيد. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب وسماها ~~الزكاة المفروضة. # فصار لفظ الزكاة- إذا عرف باللام- ينصرف إليها، لأجل العهد. # ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه، وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ ~~(التيمم) فإن الله تعالى قال: فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه [المائدة: 6] . # فلفظ التيمم استعمل في معناه المعروف في اللغة، فإنه أمر بتيمم الصعيد، ~~ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه، فصار ms0162 لفظ التيمم، في عرف الفقهاء، يدخل في ~~هذا المسح، وليس هو لغة الشارع، بل الشارع فرق بين تيمم الصعيد وبين المسح ~~الذي يكون بعده. # ولفظ (الإيمان) أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وكذلك ~~لفظ (الإسلام) بالاستسلام لله رب العالمين. وكذلك لفظ (الكفر) مقيدا. ولكن ~~لفظ (النفاق) قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به، لكنه مأخوذ من كلامهم. ~~فإن (نفق) يشبه خرج، ومنه: نفقت الدابة إذا ماتت، ومنه نافق اليربوع. ~~والنفق ف # PageV01P156 # الأرض، قال تعالى: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض [الأنعام: 35] ~~فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرا. وقيد النفاق ~~بأنه نفاق من الإيمان. ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقا ~~عليه. لكن المنافق- الذي في القرآن- هو النفاق على الرسول، فخطاب الله ~~ورسوله الناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيد خاص، لا مطلق ~~يحتمل أنواعا: # وقد بين الرسول تلك الخصائص. والاسم دل عليها، فلا يقال: إنها منقولة، ~~ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد ~~الشارع، لم يستعمل مطلقا. وهو إنما قال: أقيموا الصلاة [البقرة: 43] ، بعد ~~أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي ~~يعرفونها. لم ينزل لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه. ولهذا قال من قال في ~~لفظ الصلاة: إنه عام للمعنى اللغوي، وأنه مجمل لتردده بين المعنى اللغوي ~~والشرعي، ونحو ذلك، فأقوالهم ضعيفة. فإن هذا اللفظ إنما ورد خبرا أو أمرا. ~~فالخبر كقوله: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى [العلق: 9- 10] ، وسورة (اقرأ) ~~من أول ما نزل من القرآن، وكان بعض الكفار- إما أبو جهل أو غيره- قد نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، # وقال «1» : لئن رأيته يصلي لأطأن عنقه، فلما رآه ساجدا رأى من الهول ما ~~أوجب نكوصه على عقبيه # . فإذا قيل: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى فقد علمت تلك الصلاة الواقعة ~~بلا إجمال في اللفظ ولا عموم. ثم إنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة ms0163 المعراج، ~~أقام النبي صلى الله عليه وسلم لهم الصلوات بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم، ~~وكان جبريل يؤم النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون يأتمون بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. فإذا قيل لهم: أقيموا الصلاة عرفوا أنها تلك الصلاة. وقيل: ~~إنه قبل ذلك كانت له صلاتان في طرفي النهار، فكانت أيضا. # فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلا ومسماه معلوم عندهم، فلا إجمال في ~~ذلك ولا يتناول كل ما يسمى: حجا، ودعاء، وصوما، فإن هذا إنما يكون إذا كان ~~اللفظ مطلقا، وذلك لم يرد. وكذلك الإيمان والإسلام، وقد كان معنى ذلك عندهم ~~من أظهر الأمور. وإنما سأل جبرئيل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهم ~~يسمعون، # وقال «2» : PageV01P157 # «هذا جبرئيل جاءكم يعلمكم دينكم» # ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا يقتصروا ~~على أدنى مسمياتها. وهذا كما # في الحديث الصحيح أنه قال: «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة ~~واللقمتان والتمرة والتمرتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن ~~له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافا» «1» # . فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج. وكان ذلك مشهورا عندهم فيمن ~~يظهر حاجته في السؤال، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يظهر حاجته ~~بالسؤال والناس يعطونه- تزول مسكنته بإعطاء الناس له. والسؤال له بمنزلة ~~الحرفة. # وهو، وإن كان مسكينا، يستحق من الزكاة إذا لم يعط من غيرها كفايته، فهو ~~إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج الذي لا ~~يسأل ولا يعرف فيعطى، فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء، فإنه مسكين ~~قطعا. وذاك، مسكنته تندفع بعطاء من يسأله. # وكذلك # قوله: «الإسلام هو الخمس» # يريد أن هذا كله واجب في الإسلام. # فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين. وكذلك الإيمان يجب أن يكون ~~على هذا الوجه المفصل، لا يكتفى فيه بالإيمان بالمجمل، ولهذا لما وصف ~~الإسلام بهذا» . انتهى. ### | ذكر مجمل مقاصد التنزيل الكريم وضروب التفسير # قال الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه «الإشارة إلى الإيجاز ms0164 في بعض ~~أنواع المجاز» في أواخره ما نصه: # «وعلى الجملة فمقاصد القرآن أنواع: أحدها: الطلب وهو أربعة أضرب. # النوع الثاني: الإذن والإطلاق: النوع الثالث: النداء. والنداء تنبيه ~~للمنادى ليسمع ما يلقى إليه بعد النداء من الكلام ليعمل بمقتضاه، ولذلك كثر ~~النداء في القرآن. وأما وصف المنادى فأربعة أقسام: (أحدها) ما لا حث فيه، ~~كقوله تعالى: # يا أيها الناس ... (الثاني) فيه حث، كالوصف بالإيمان، وله فائدتان: ~~(إحداهما) PageV01P158 # الحث على ما يأمر به وينهى عنه بعد النداء، فإن الإيمان موجب للطاعة ~~والإذعان. # (الفائدة الثانية) : إكرام المؤمنين بندائهم بأشرف أوصافهم وأحبها، ~~فيحثهم ذلك الإكرام على لزوم الطاعة والإذعان. # (القسم الثالث) نداء النبي بالنبوة، وفيه فائدة التفخيم والإكرام، والحث ~~على الطاعة والإذعان، شكرا لنعمة النبوة. (القسم الرابع) النداء بالرسالة، ~~وفيه الفائدتان المذكورتان في النداء بالنبوة، مع التأكيد بذكر الرسالة، ~~وهي من النعم الجسام لأنها: # تستلزم النبوة، وتحث على تبليغ الرسالة. فما أحسن قوله: يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة: 67] . # النوع الرابع: مدح الأفعال. # النوع الخامس: مدح الفاعلين لأجل الفعل الذي وصفوا به. # النوع السادس: ذم الأفعال. # النوع السابع: ذم الفاعلين لأجل الفعل الذي وصفوا به. # النوع الثامن: الوعد بالخير العاجل. # النوع التاسع: الوعد بالخير الآجل. # النوع العاشر: الوعيد بالشر العاجل. # النوع الحادي عشر: الوعيد بالشر الآجل. # وكل هذه الأخبار تابعة للأحكام مؤكدة لها، إما بالترغيب فيها، وإن كانت ~~قربة، أو بالترهيب منها إن كانت معصية. # النوع الثاني عشر: الأمثال: وهي مؤكدة للأحكام: ترغيبا أو ترهيبا أو ~~تقبيحا أو تحسينا. # النوع الثالث عشر: التكرير: وهو دال على الاعتناء والاهتمام بالمكرر. ### | مطلب في سر التكرير # فتكرير صفات الله دال على الاعتناء بمعرفتها، والعمل بموجبها. # وتكرير القصص دال على الاهتمام بالوعظ للإيقاظ والاعتبار. وفائدة تكرير ~~القصص تطرئة المواعظ وتشديدها، لأن منها: ما يحث على الطاعة والإيمان، ~~ومنها ما يزجر عن الكفر والعصيان. # PageV01P159 # وكذلك تكرير الوعد والوعيد، وكذلك تكرير ذكر الأحكام، وكذلك تكرير المدح ~~والذم، وما يترتب على المأمورات والمنهيات من المؤكدات المذكورات. # فتكرير ms0165 الوعد يدل على الاهتمام بفعل الطاعات ترغيبا في ثوابها. وتكرير ~~الوعيد يدل على الاهتمام بترك المخالفات ترهيبا من عقابها. وتكرير القرآن ~~بين الوعد والوعيد يدل على الاهتمام بوقوف العباد بين الخوف والرجاء، فلا ~~يقنطوا من رحمة الله وأفضاله، ولا يغتروا بحلمه وإمهاله. وتكرير الأحكام ~~يدل على الاعتناء بفعل الطاعات واجتناب المخالفات. وتكرير الأمثال يدل على ~~الإيضاح والبيان. وتكرير تذكير النعم يدل على الاعتناء بشكرها. # واعلم أنه لا تؤكد العرب إلا ما تهتم به، فإن من اهتم بشيء أكثر ذكره. ~~وكلما عظم الاهتمام كثر التأكيد. وكلما خف، خف التأكيد. وإن توسط الاهتمام، ~~توسط التأكيد. فإذا قال القائل: زيد قائم، فقد أخبر بقيامه. فإن أراد تأكيد ~~ذلك، عند من شك فيه، أو يكذبه، أو ينازعه فيه، أكده فقال: إن زيدا قائم. ~~فإذا جاء ب (إن) فكأنه قال: زيد قائم، زيد قائم. فإن زاد في التأكيد قال: ~~إن زيدا لقائم، فيصير بمثابة ما لو قال: زيد قائم، ثلاث مرات. # أمثلة ذلك: قوله: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم [الكافرون: 1- 4] ، تأكيد لقوله تعالى: لا ~~أعبد ما تعبدون. وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد تأكيد لقوله ولا أنا عابد ~~ما عبدتم. لما وقع الاهتمام بأنه لا يوافقهم على عبادة الأصنام، وبأن الله ~~قد حرمهم أن يدخلوا في دين الإسلام- أكد ذينك لشدة الاهتمام بهما. فهذا ~~تأكيد واحد لكل واحد من الخبرين. وعلى الجملة: فقد أكد نفي عبادته لأصنامهم ~~بقوله: ولا أنا عابد ما عبدتم وأكد نفي عبادتهم لمعبوده بقوله ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد وإن حمل ذلك على وقتين مختلفين، فلا تأكيد إذن. # ومثال تكرير التأكيد قوله تعالى: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا ~~... [التكاثر: 1- 4] المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد عن ~~الاستعداد للمعاد، ثم زجرهم عن التكاثر بقوله كلا ثم هددهم بقوله: سوف ~~تعلمون. ثم أكد الزجر الأول ب كلا الثانية، ثم أكد التهديد ب سوف تعلمون، ~~ثم أكد الزجر ب «كلا الثالثة» فزجرهم ms0166 ثلاث مرات للاهتمام بزجرهم عن ذلك. ~~وهددهم على ذلك مرتين للاهتمام بالاستعداد للمعاد. # PageV01P160 # ومثل هذا قوله تعالى: عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون ~~كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ... [النبأ: 1- 5] ، زجرهم ب «كلا» الأولى عن ~~التساؤل والاختلاف، ثم أكد كلا الأولى بكلا الثانية وتهددهم فيما بينهما ~~بقوله بعد: سيعلمون ثم أكد هذا التهديد بقوله بعد: (كلا) الثانية سيعلمون. # وأما تكرير قوله: ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 19- 24- 28] ، فيجوز أن ~~يكون ما عدا الكلمة الأولى تأكيدا لها، وأن تتكرر العدة بالويل على من كذب، ~~بقوله: إنما توعدون لواقع. ويجوز أن يريد بكل عدة من عذاب الويل من كذب بما ~~بين عدتي كل ويل. # وأما قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 13- 16- 18] فيجوز أن تكون ~~مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهن ما وقع بينها وبين ~~التي قبلها من نعمة، ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم، وبالثانية ~~ما تقدمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية، وبالرابعة ما تقدم على ~~الأولى والثانية والثالثة ... # وهكذا إلى آخر السورة. # فإن قيل: كيف يكون قوله سنفرغ لكم أيه الثقلان [الرحمن: 31] نعمة، وقوله: ~~يعرف المجرمون بسيماهم [الرحمن: 41] نعمة؟ وكذلك قوله: هذه جهنم التي يكذب ~~بها المجرمون [الرحمن: 43] ، وقوله: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ~~[الرحمن: 35] ، وقوله يطوفون بينها وبين حميم آن؟ # قلنا: هذه كلها نعم جسام، لأن الله هدد العباد بها استصلاحا لهم ليخرجوا ~~من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان، إلى حيز الطاعة والإيمان ~~والانقياد والإذعان، فإن من حذر من طرق الردى وبين ما فيها من الأذى، وحث ~~على طرق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة، كان منعما غاية الإنعام، ~~ومحسنا غاية الإحسان. # ومثل ذلك قوله: هذا ما وعد الرحمن [يس: 52] ، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة ~~الربط بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام. # وأما قوله: كل من عليها فان [الرحمن: 26] فإنه تذكير بالموت والفناء ~~للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء. # وأما قوله: وإن كانوا من قبل أن ينزل ms0167 عليهم من قبله لمبلسين # PageV01P161 # [الروم: 49] ، فإن تقديره عند بعضهم: وإن كانوا من قبل إنزال القطر ~~عليهم، من قبل إنزاله، لمبلسين. فأكد قبل الأولى ب قبل الثانية. وهذا لا ~~اهتمام فيه، فإنه معلوم أن اليأس من نزول المطر كان محققا قبل الإنزال، فلا ~~حاجة- في مثل هذا- إلى التأكيد. # وقدر آخرون: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبل إرسال الرياح، أو من ~~قبل إثارة السحاب لمبلسين، فعلى هذا لا يكون تكريرا ولا تأكيدا. # وعود الضمائر إلى المصادر التي دلت عليها الأفعال، ولم تذكر معها- كثير ~~في القرآن وفصيح الكلام. مثاله: قوله: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] فعاد الضمير إلى العدل الذي دل عليه ~~اعدلوا. # ومثله قوله: فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا [المائدة: 106] ، ~~أي: لا نشتري بالقسم الذي دل عليه قوله: فيقسمان بالله. # وأما قوله: إن علينا للهدى [الليل: 12] ، ففيه ثلاث تأكيدات: (أحدها) إن، ~~و (الثاني) اللام في للهدى، و (الثالث) تقديم الخبر، فإن العرب لا يقدمون ~~إلا ما يعتنون به ويهتمون. ومثله قوله إن في ذلك لآيات [الأنعام: 99] ، ~~وقوله: # إن في ذلك لعبرة [النازعات: 26] ، أكد ب (إن واللام وتقديم الخبر) . # وقد يتوهم التأكيد فيما ليس بتأكيد في مثل قوله تلك عشرة كاملة [البقرة: ~~196] ، فإنه لم يرد كمالها في العدد، ولو أراده لكان تأكيدا، وإنما أراد ~~كمالها في صفتها، فإن كمال الصيام في تتابعه. بدليل وجوب المتابعة حيث ~~أمرنا بها فيه، فلما تقرر في الشريعة أن متابعة الصوم أفضل من تفريقه، ~~وقيدت هذه الأيام بالتفريق، فقد يظن ظان أنها ناقصة لتفريقها، وأن كمالها ~~في تتابعها- أخبر أن كمال هذه الأيام في تفريقها لا في تتابعها. ويحتمل أن ~~يريد، بالكاملة، كمال الصوم بترك الرفث والفسوق، وترك المشاتمة، وغير ذلك ~~مما يكون اجتنابه أو فعله مكملا للصوم، فإن العبادات تنقسم إلى كاملة ~~وناقصة. فالناقصة ما اقتصر فيها على أركانها وشرائطها، والكاملة ما أتى ~~فيها بالأركان والشرائط والسنن. # وأعلم أن للتفسير أحكاما وضروبا، فمن ذلك: # فهم معنى ms0168 اللفظ: وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) ما يعرفه العامة ~~والخاصة كالأرض والسماء والجبال والأشجار والأمطار. (القسم الثاني) ما ~~يعرفه معظم الخاصة كالمعاد والملاذ. (القسم الثالث) ما يعرفه القليل من ~~الخاصة كالرفرف والصفصف. # PageV01P162 # ومن ضروب التفسير ما يتردد بين محملين: أحدهما أظهر عند النزول فيرجع فيه ~~إلى الصحابة والتابعين، ويحمل على ظاهره حينئذ. ومنه ما يحمل على أخفى ~~محمليه لدليل يقوم عليه. ومنه ما يتساوى فيه الأمران فيخص أحدهما بالسبب ~~الذي نزل لأجله. ومنه ما يتساوى من غير ترجيح عندنا وهو راجح في نفس الأمر، ~~لأن الرسول عليه السلام قد بين للناس ما نزل إليهم، فبعض المتأخرين يحمله ~~على جميع محامله. والوقف أولى به. # وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، يترجح بعضها على بعض. # وأولى الأقوال: ما دل عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع ~~الأمة، أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما ~~أوضح وأشد موافقة للسياق- كان الحمل عليه أولى. وقد يقدر بعض النحاة ما ~~يقتضيه علم النحو. لكن يمنع منه أدلة شرعية، فيترك ذلك التقدير، ويقدر ~~تقدير آخر يليق بالشرع. وقد يعبر النحاة والمفسرون وغيرهم بالعام ويريدون ~~به الخاص فيجهله كثير من الناس. وعلى الجملة: فالقاعدة في ذلك أن يحمل ~~القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على ~~لفظ ركيك. وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة ~~وملائمة للسياق. وإذا كان للاسم الواحد معان ك العزيز بمعنى القاهر، وبمعنى ~~الممتنع، وبمعنى الذي لا نظير له، حمل في كل موضع على ما يقتضيه ذلك السياق ~~كيلا ينبتر الكلام وينخرم النظام. وإذا اتحد معنى القراءتين- كالسراط ~~والصراط- فهذا ظاهر. وإن اختلف معناهما وجب القطع بأنهما مرادتان. مثال ذلك ~~قوله: ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ويكذبون [البقرة: 10] ، أخبر بأنهم ~~يعذبون بالتكذيب والكذب، وهذا اختصار في صورة الخط، دون اللفظ. # ومن ضروب التفسير وأحكامه: بيان كون اللفظ حقيقة أو مجازا. ومنه: بيان ~~رجحان إحدى الحقيقتين على الأخرى. ms0169 ومنه: بيان رجحان أحد المجازين على ~~الآخر. ومنه: بيان ترجيح الحقيقة على المجاز. ومنه: بيان ترجيح ما يناسب ~~الكلام ويطابقه على ما ليس كذلك. ومنه: ترجيح بعض الإعراب على بعض. ومنه: ~~بيان التقديم والتأخير. ومنه: بيان مظان الإطالة. ومنه: بيان مظان ~~الاختصار. وفائدة الاختصار، سهولته على المتكلم، وإيصال المعنى على الفور ~~إلى المخاطب. كقوله # PageV01P163 # تعالى: فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [يونس: 106] . ومنه: الحذف وهو ~~أنواع وقد تقدمت في أول هذا الكتاب- يعني كتابه- ومن ضروب التفسير وأحكامه: ~~تعين المضاف المحذوف. ومنه: ترجيح بعض المضافات المحذوفة على بعض. ومنه: ~~استواء المضافات المحذوفة من غير ترجيح. ومنه: ترجيح بعض المفاعيل المحذوفة ~~على بعض. ومنه: استواؤها. ومنه: # تعين بعضها. ومنه: ترجيح بعض ما تصح الإشارة إليه بذلك على بعض. ومنه: ~~تعين ما يشار إليه بذلك. ومنه: عود الإشارة بذلك إلى ما ليس بمذكور. ومنه: ~~ترجيح بعض الموصوفات على بعض. ومنه تعين بعض الموصوفات المحذوفة. ومنه ~~ترجيح ما تعود إليه الضمائر. ومنع: تردد ما تعود إليه الضمائر. ومنه: عود ~~الضمائر إلى ما ليس بمذكور. ومنه: عود الضمائر إلى ما دل عليه اللفظ وليس ~~بمذكور، انتهى. ### | سر تكرير قصة موسى مع فرعون # ذكرنا قبل ما قاله العز بن عبد السلام- في التكرير- من الأسرار الباهرة ~~التي تشمل قصة موسى مع فرعون. ثم رأيت كلاما- في ذلك- لشيخ الإسلام تقي ~~الدين بن تيمية- في خلال رسالة له- يقول رحمه الله: # «وثنى في القرآن قصة موسى مع فرعون لأنهما في طرفي نقيض، في الحق ~~والباطل. فإن فرعون في غاية الكفر والباطل، حيث كفر بالربوبية وبالرسالة. ~~وموسى في غاية الحق والإيمان من جهة أن الله كلمه تكليما لم يجعل الله بينه ~~وبين خلقه واسطة من خلقه، فهو مثبت لكمال الرسالة، وكمال التكليم، ومثبت ~~لرب العالمين بما استحقه من النعوت، وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار، ~~فإن الكفار أكثرهم لا يجحدون وجود الله، ولم يكن أيضا للرسل- من التكليم- ~~ما لموسى. فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص، وأعظمها اعتبارا لأهل الإيمان ~~ولأهل الكفر. ولهذا كان النبي صلى الله ms0170 عليه وسلم يقص على أمته عامة ليله ~~عن بني إسرائيل، وكان يتأسى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشر بقتل أبي جهل ~~يوم بدر # قال: «هذا فرعون هذه الأمة» # . وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار، ولهذا كان يعبد آلهة من ~~دون الله، كما أخبر عنه بقوله: ويذرك وآلهتك [الأعراف: 127] وإن كان عالما ~~بما جاء به موسى. مستيقنا له، لكنه كان جاحدا مثبورا، كما أخبر الله بذلك ~~في قوله: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما # PageV01P164 # وعلوا ... # [النمل: 13- 14] الآية. وقال تعالى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ### | .... # - إلى قوله- لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ### | .... # [الإسراء: 101- 102] الآية. ### | ما اقتضته الحكمة الربانية في التنزيل الكريم # قال الشيخ ولي الله الدهلوي- قدس سره- في الفوز الكبير: # ليعلم أن المقصود من نزول القرآن تهذيب طوائف الناس من العرب والعجم، ~~والحضر والبدو. فاقتضت الحكمة الإلهية أن لا يخاطب، في التذكير بآلاء الله، ~~بأكثر مما يعلمه أكثر أفراد بني آدم. ولم يبالغ في البحث والتفتيش مبالغة ~~زائدة، وسيق الكلام في أسماء الله وصفاته عز وجل بوجه يمكن فهمه والإحاطة ~~به بإدراك وفطانة، خلقت أفراد الإنسان، في أصل الفطرة عليها. بدون ممارسة ~~الحكمة الإلهية، وبدون مزاولة علم الكلام، فأثبت ذات المبدأ إجمالا، لأن ~~هذا العلم سار في جميع أفراد بني آدم، لا ترى طائفة منهم في الأقاليم ~~الصالحة والأمكنة القريبة من الاعتدال، ينكرون ذلك. ولما امتنع، بالنسبة ~~إليه، إثبات الصفات بطريق تحقيق الحقائق، مع أنهم إن لم يطلعوا على الصفات ~~الإلهية لم ينالوا معرفة الربوبية التي هي أنفع الأشياء في تهذيب النفوس- ~~اقتضت الحكمة الإلهية أن يختار شيء من الصفات البشرية الكاملة مما ~~يعلمونها، ويجري التمدح بها فيها بينهم، فتستعمل بإزاء المعاني الغامضة ~~التي لا مدخل للعقول البشرية في ساحة جلالها، وجعل نكتة ليس كمثله شيء ~~[الشورى: 11] ، ترياقا للداء العضال من الجهل المركب، ومنع من الصفات ~~البشرية التي تثير الأوهام بجانب العقائد الباطلة في إثبات مثلها. كإثبات ~~الولد والبكاء والجزع. وإن ms0171 تأملت بتعمق النظر، وجدت الجريان على مسطر ~~العلوم الإنسانية غير المكتسبة، وميزت صفات يمكن إثباتها، ولا يقع بها خلل ~~من الصفات التي تثيرها الأوهام الباطلة أمرا دقيقا لا تدركه أذهان العامة. ~~لا جرم كان هذا العلم توقيفيا، ولم يؤذن لهم في التكلم بكل ما يشتهون، ~~واختار سبحانه وتعالى من آلائه وآيات قدرته، جل وعلا، ما تساوت في فهمه ~~الحضر والبدو والعرب والعجم، ولهذا لم يذكر النعم النفسانية المخصوصة ~~بالأولياء والعلماء، ولم يخبر بالنعم الارتفاقية المخصوصة بالملوك. وإنما ~~ذكر سبحانه وتعالى ما ينبغي ذكره. كخلق السموات والأرضين، وإنزال الماء من ~~السحاب، وإجرائها من الأرض، وإخراج أنواع الثمار والحبوب والأزهار بواسطة ~~الماء، وإلهام الصناعات الضرورية والقدرة على فعلها. وقد # PageV01P165 # قرر في مواضع كثيرة من التنبيه على اختلاف أحوال الناس عند هجوم المصائب ~~وانكشافها، ما كان كثير الوقوع من الأمراض النفسانية. واختار من أيام الله- ~~يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى كتنعيم المطيعين، وتعذيب ~~العصاة- ما قرع سمعهم. وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود. وكان ~~العرب تتلقاها أبا عن جد. ومثل قصص إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل عليهم ~~السلام، فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود والعرب في قرون كثيرة. ~~لا القصص الشاذة غير المألوفة. ولا أخبار المجازاة بين فارس والهنود. ~~وانتزع من القصص المشهورة جملا تنفع في تذكيرهم. ولم يسرد القصص بتمامها مع ~~جميع خصوصياتها. # والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو ~~استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات- يميلون إلى القصص نفسها، ويفوتهم التذكر ~~الذي هو الغرض الأصلي فيها. ونظير هذا الكلام ما قاله بعض العارفين: إن ~~الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. # ولما ساق المفسرون الوجوه البعيدة في التفسير صار علم التفسير نادرا ~~كالمعدوم. # ومما تكرر من القصص قصة خلق آدم من الأرض وسجود الملائكة له وامتناع ~~الشيطان منه وكونه ملعونا. وسعيه بعد ذلك في إغواء بني آدم. وقصة مخاصمة ~~نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام وأقوامهم، في باب التوحيد ~~والأمر بالمعروف ms0172 والنهي عن المنكر، وامتناع الأقوام من الامتثال بشبهات ~~ركيكة، مع ذكر جواب الأنبياء. وابتلاء الأقوام بالعقوبة الإلهية. وظهور ~~نصرته عز وجل للأنبياء وتابعيهم، وقصة موسى مع فرعون وقومه، ومع سفهاء بني ~~إسرائيل، ومكابرة هذه الجماعة حضرته عليه الصلاة والسلام. وقيام الله ~~سبحانه وتعالى بعقوبة الأشقياء. # وظهور نصرة نبيه مرة بعد مرة، وقصة خلافة داود وسليمان وآياتهما ~~وكراماتهما. # ومحنة أيوب ويونس، وظهور رحمة الله سبحانه لهما، واستجابة دعاء زكريا. # وقصص سيدنا عيسى العجيبة: من تولده بلا أب، وتكلمه في المهد، وظهور ~~الخوارق منه. فذكرت هذه القصص بأطوار مختلفة إجمالا وتفصيلا بحسب ما اقتضاه ~~أسلوب السور. # ومن القصص التي ذكرت مرة أو مرتين فقط رفع سيدنا إدريس، ومناظرة سيدنا ~~إبراهيم لنمروذ ورؤيته إحياء الطير، وذبح ولده. وقصة سيدنا يوسف، وقصة ~~ولادة # PageV01P166 # سيدنا موسى وإلقائه في اليم، وقتله القبطي، وخروجه إلى مدين وتزوجه هناك. ~~ورؤية النار على الشجرة. وسماع الكلام منها. وقصة ذبح البقرة. وقصة التقاء ~~موسى والخضر. وقصة طالوت وجالوت. وقصة بلقيس. وقصة ذي القرنين. وقصة أصحاب ~~الكهف. وقصة رجلين تحاورا فيما بينهما. وقصة أصحاب الجنة. وقصة رسل عيسى ~~الثلاثة. والمؤمن الذي قتله الكفار شهيدا. وقصة أصحاب الفيل. # فليس المقصود من هذه القصص معرفتها بأنفسها، بل المقصود انتقال ذهن ~~السامع إلى وخامة الشرك والمعاصي، وعقوبة الله عليها، واطمئنان المخلصين ~~بنصرة الله تعالى، وظهور عنايته عز وجل بهم. # وقد ذكر جل شأنه من الموت وما بعده كيفية موت الإنسان، وعجزه في تلك ~~الساعة، وعرض الجنة والنار عليه بعد الموت، وظهور ملائكة العذاب. # وقد ذكر أشراط الساعة من نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج يأجوج ~~ومأجوج، ونفخة الصعق، ونفخة القيام، والحشر والنشر، والسؤال والجواب، ~~والميزان، وأخذ صحف الأعمال باليمين والشمال، ودخول المؤمنين الجنة، ودخول ~~الكفار النار، واختصام أهل النار من التابعين والمتبوعين فيما بينهم، ~~وإنكار بعضهم على بعض، ولعن بعضهم بعضا، واختصاص أهل الإيمان برؤية الله عز ~~وجل، وتلون أنواع التعذيب من السلاسل والأغلال والحميم والغساق والزقوم. ~~وأنواع التنعيم من الحور والقصور، والأنهار والمطاعم ms0173 الهنيئة، والملابس ~~الناعمة، والنساء الجميلة، وصحبة أهل الجنة فيما بينهم صحبة طيبة مفرحة ~~للقلوب. # فتفرقت هذه القصص في سور مختلفة بإجمال وتفصيل بحسب اقتضاء أسلوبها. # والكلية في مباحث الأحكام أنه صلى الله عليه وسلم بعث بالملة الحنيفية. ~~فلزم بقاء شرائه تلك الملة، وعدم التغيير في أمهات تلك المسائل، سوى تخصيص ~~العموم، وزيادة التوقيعات والتحديدات ونحوها. # وأراد الله سبحانه وتعالى أن يزكي العرب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويزكي سائر الأقاليم بالعرب. فلزم أن تكون مادة شريعته صلى الله عليه وسلم ~~على رسوم العرب وعاداتهم. وإذا نظرت إلى مجموع شرائع الملة الحنيفية، ~~ولاحظت رسوم العرب وعاداتهم، وتأملت تشريعه صلى الله عليه وسلم الذي بمنزلة ~~الإصلاح والتسوية- تحققت لكل حكم سببا، وعلمت لكل أمر # PageV01P167 # ونهي مصلحة. وتفصيل الكلام الطويل. # وبالجملة، فقد كان وقع في العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة ~~والحج فتور عظيم من التساهل في إقامتها، واختلاف الناس فيها، بسبب عدم ~~التوقيت في أكثرها، ودخول تحريفات أهل الجاهلية فيها، فأسقط القرآن عدم ~~النسق منها، وسواها حتى استقام أمرها. # وأما تدبير المنزل فقد كان وقع فيها رسوم ضارة وأنواع تعد وعتو. # وكذلك أحكام السياسة المدنية كانت مختلة، فضبط القرآن العظيم أصولها، ~~وحدودها، ووقتها. وذكر من هذا الباب أنواع الكبائر، وكثيرا من الصغائر، ~~وذكرت مسائل الصلاة بطريق الإجمال. وذكر فيها لفظ إقامة الصلاة. ففصلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان وبناء المساجد والجماعة والأوقات ~~وذكرت مسائل الزكاة أيضا بالاختصار، ففصلها صلى الله عليه وسلم تفصيلا. ~~وذكر الصوم في سورة البقرة. والحج فيها وفي سورة الحج. # والجهاد في سورة البقرة والأنفال، وفي مواضع متفرقة. والحدود في المائدة ~~والنور. # والميراث والنكاح والطلاق في سورة البقرة والنساء والطلاق، وغيرها. # وإذا عرفت القسم الذي تعم فائدته جميع الأمة، فهنالك قسم آخر. وذلك مثل ~~أنه كان يعرض عليه صلى الله عليه وسلم سؤال فيجيب، أو بذل النفس والأموال ~~من أهل الإيمان في حادثة، وإمساك المنافقين واتباعهم الهوى- فمدح الله ~~سبحانه المؤمنين، وذم المنافقين مع تهديدهم. أو وقعت حادثة ms0174 من قبيل نصرة ~~على الأعداء وكف ضررهم- فمن الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وذكرهم بتلك ~~النعمة. أو عرضت حاجة تحتاج إلى تنبيه وزجر أو تعريض أو إيماء أو أمر أو ~~نهي- فأنزل الله سبحانه في ذلك الباب. # فما كان من هذا القبيل فلا بد للمفسر من ذكر تلك القصص بطريق الإجمال. # وقد جاءت تعريضات في قصة بدر في الأنفال. وبقصة أحد في آل عمران. # وبالخندق في الأحزاب. وبالحديبية في الفتح. وبني النضير في الحشر. وجاء ~~الحث على فتح مكة وغزوة تبوك في براءة. والإشارة إلى حجة الوداع في ~~المائدة. والإشارة إلى قصة نكاح زينب في الأحزاب. وتحريم السرية في سورة ~~التحريم «1» . وقصة PageV01P168 # الإفك في سورة النور. # واستماع الجن تلاوته صلى الله عليه وسلم في سورة الجن والأحقاف. ومسجد ~~الضرار في براءة. وأشير إلى قصة الإسراء في أول بني إسرائيل. # وهذا القسم أيضا في الحقيقة من باب التذكير بأيام الله. ولكن لما توقف حل ~~التعريضات فيه على سماع القصة- ميز من سائر الأقسام. ### | ذكر بديع أسلوب القرآن الكريم # قال الإمام الدهلوي في كتابه المنوه به قبل: # ولنبين هذا البحث في فصول: ### | الفصل الأول # لم يجعل القرآن مبوبا مفصلا ليطلب كل مطلب منه في باب أو فصل، بل كان ~~كمجموع المكتوبات فرضا، كما يكتب الملوك إلى رعاياهم، بحسب اقتضاء الحال، ~~مثالا، وبعد زمان يكتبون مثالا آخر، وعلى هذا القياس. حتى تجتمع أمثلة ~~كثيرة، فيدونها شخص حتى يصير مجموعا مرتبا. كذلك نزل الملك على الإطلاق جل ~~شأنه على نبيه صلى الله عليه وسلم لهداية عباده، سورة بعد سورة بحسب اقتضاء ~~الحال. وكان في زمانه صلى الله عليه وسلم كل سورة محفوظة ومضبوطة على حدة، ~~من غير تدوين السور، ثم رتبت السور في مجلد بترتيب خاص في زمن أبي بكر وعمر ~~رضي الله عنهما، وسمي هذا المجموع بالمصحف، وقد كانت السور مقسومة عند ~~الصحابة إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السبع الطوال التي هي أطول السور، ~~والقسم الثاني: سور في كل منها مائة آية وتزيد شيئا قليلا، والقسم ms0175 الثالث. ~~ما فيه أقل من المائة وهي المثاني، والقسم الرابع: المفصل. # وقد أدخل في ترتيب المصحف سورتان أو ثلاث من عداد المثاني، في المئين. ~~لمناسبة سياقها بسياق المئين. وعلى هذا القياس ربما وقع في بعض الأقسام ~~PageV01P169 # أيضا تصرف. واستنسخ عثمان رضي الله عنه، من ذلك المصحف، مصاحف أرسل بها ~~إلى الآفاق ليستفيدوا منها، ولا يميلوا إلى ترتيب آخر. ولما كان بين أسلوب ~~السور، وأسلوب أمثلة الملوك مناسبة تامة، روعي في الابتداء والانتهاء طريق ~~المكاتيب، كما يبتدئون في بعض المكاتيب بحمد الله عز وجل، والبعض الآخر ~~ببيان غرض الإملاء، والبعض الآخر باسم المرسل والمرسل إليه. ومنها ما يكون ~~رقعة وشقة بغير عنوان، وبعضها يكون مطولا وبعضها يكون مختصرا كذلك سبحانه ~~وتعالى صدر بعض السور بالحمد والتسبيح، وبعضها ببيان غرض الإملاء، كما قال ~~عز وجل: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين [البقرة: 2] ، سورة أنزلناها ~~وفرضناها [النور: 1] ، وهذا القسم يشبه ما يكتب «هذا ما صالح فلان وفلان» و ~~«هذا ما أوصى به فلان» . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم كتب في واقعة الحديبية: «هذا ما قاضى عليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم» «1» . # وبعضها يذكر المرسل والمرسل إليه كما قال: تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم [الزمر: 1] ، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [هود: 1] ، ~~وهذا القسم يشبه ما يكتبون: «صدر الحكم من حضرة الخلافة» ، أو يكتبون: «هذا ~~إعلام لسكنة البلدة الفلانية من حضرة الخلافة» . # وقد كان كتب صلى الله عليه وسلم: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم ~~الروم» . # وبعضها على أسلوب الرقاع والشقق بغير عنوان، كما قال عز وجل: إذا جاءك ~~المنافقون [المنافقون: 1] ، قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~[المجادلة: 1] ، يا أيها النبي لم تحرم [التحريم: 1] . # ولما كانت للقصائد في فصاحة الكلام شهرة عند العرب، وكان من عاداتهم في ~~مبدأ القصائد التشبيب بذكر مواضع عجيبة، ووقائع هائلة- اختار الله عز وجل ~~هذا الأسلوب في بعض السور، كما قال: والصافات صفا فالزاجرات زجرا [الصافات: ~~1- 2] ، والذاريات ذروا فالحاملات وقرا [الذاريات: ms0176 1- 2] ، إذا الشمس كورت ~~وإذا النجوم انكدرت [التكوير: 1- 2] . # وكما كانوا يختمون المكاتيب بجوامع الكلم، ونوادر الوصايا، وتأكيد ~~PageV01P170 # الأحكام السابقة، وتهديد من يخالفها- كذلك الله سبحانه ختم أواخر السور ~~بجوامع الكلم ومنابع الحكم، والتأكيد البليغ، والتهديد العظيم. # وقد يصدر في أثناء السور الكلام البليغ، العظيم الفائدة، البديع الأسلوب، ~~بنوع من الحمد والتسبيح، أو بنوع من بيان النعم والامتنان. كما صدر بيان ~~التباين بين مرتبة الخالق والمخلوق ب قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى، آلله خير أما يشركون [النمل: 59] ، ثم بين هذا المدعى في خمس آيات ~~بأبلغ وجه، وأبدع أسلوب. # كما صدر مخاصمة بني إسرائيل في أثناء سورة البقرة ب يا بني إسرائيل ~~اذكروا ... ثم ختمها بهذه الكلمة أيضا. # وابتداء المخاصمة بهذا الكلام وانتهاؤه به محل عظيم في البلاغة. # وكذلك صدر مخاصمة أهل الكتابين في آل عمران بآية إن الدين عند الله ~~الإسلام [آل عمران: 19] ليتصور محل النزاع ويتوارد القيل والقال على ذلك ~~المدعى، والله أعلم بحقيقة الحال. ### | الفصل الثاني # قد جرت سنة الله عز وجل في أكثر السور بتقسيمها إلى الآيات. كما كانوا ~~يقسمون القصائد إلى الأبيات. غاية الأمر أن بين الآيات والأبيات فرقا. كل ~~منهما ينشد لالتذاذ نفس المتكلم والسامع. إلا أن الأبيات مقيدة بالعروض ~~والقافية التي دونها الخليل وحفظها الشعراء. وبناء الآيات على وزن وقافية ~~إجماليين يشبهان أمرا طبيعيا، لا على أفاعيل العروضيين وتفاعيلهم وقوافيهم ~~المعينة التي هي أمر صناعي واصطلاحي، وتنقيح ما وقع من الأمر المشترك بين ~~الأبيات والآيات. وتطلق النشائد بإزاء ذلك الأمر العام. ثم ضبط أمور وقع في ~~الآيات التزامها، وذلك بمنزلة الفصل يحتاج إلى التفصيل. والله ولي التوفيق. # تفصيل هذا الإجمال، أن الفطرة السليمة تدرك في القصائد الموزونة المقفاة ~~والأراجيز الرائقة وأمثالها، لطفا وحلاوة بالذوق. وإذا تأملت سبب إدراك ~~اللطف المذكور، فليكن ورود كلام بعض أجزائه يوافق بعضا مفيدا للذة في نفس ~~المخاطب مع انتظار مثله. حتى إذا وقع في نفسه بيت آخر بتوافق الأجزاء ~~المعلوم، وتحقق الأمر المنتظر، تضاعفت اللذة عنده، فحسب كأن البيتين ms0177 بينهما ~~اشتراك في القافية. # PageV01P171 # فتضاعفت اللذة ثالثة. فالالتذاذ بالأبيات بهذا السر فطرة قديمة للناس. ~~والأمزجة السليمة من أهل الأقاليم المعتدلة متفقة على ذلك. # ثم وقعت في توافق الأجزاء من كل بيت، وفي شرط القافية المشتركة بين ~~الأبيات، مذاهب مختلفة ورسوم متباينة، فاختار العرب قانونا وضعه الخليل ~~وأوضحه إيضاحا. # والهنود يتبعون رسما يحكم به ذوقهم وقريحتهم، وكذلك اختار أهل كل زمان ~~وضعا وسلكوا طريقا. فإذا انتزعنا من هذه الرسوم والمذاهب المختلفة أمرا ~~جامعا، وتأملنا سرا منتشرا، وجدنا الموافقة أمرا تخمينيا لا غير. # مثلا، يذكر العرب مقام مستفعلن مفاعلن ومفتعلن، ويعدون مقام فاعلاتن ~~فعلاتن وفاعلتن على القاعدة، ويجعلون موافقة ضرب بيت بضرب بيت آخر، وموافقة ~~عروض بيت لعروض بيت آخر- من المهمات. ويجوزون في الحشو كثيرا من الزحافات. ~~بخلاف شعراء الفرس. فإن الزحافات عندهم مستهجنة. وكذلك تستحسن العرب إن ~~كانت القافية في بيت «قبور» أن يكون في بيت آخر «مثير» بخلاف شعراء العجم. ~~وكذلك شعراء العرب يعدون «حاصل» و «داخل» و «نازل» من قسم واحد بخلاف شعراء ~~العجم. وكذلك وقوع كلمة في المصراعين، بحيث يكون نصفها في مصراع ونصفها ~~الآخر في مصراع آخر عند العرب لا عند العجم. # وبالجملة فإن موافقة الأمر المشترك موافقة تخمينية، لا موافقة حقيقية. ~~ومبنى أوزان الأشعار عند الهند على عدد الحروف. بغير ملاحظة الحركات ~~والسكنات، وهو أيضا مما يتلذذ به. وقد سمعنا بعض أهل البدو، ممن يتلذذ ~~بتغريداته، يختارون كلاما متوافقا بتوافق تخميني، برديف يكون تارة كلمة ~~واحدة وأخرى يزيد عليها. # وينشدون تغريداتهم مثل القصائد. فيتلذذون بها. ولكل قوم أسلوب خاص في ~~نظمهم. وعلى هذا القياس وقع اتفاق الأمم على الالتذاذ بألحان ونغمات ~~واختلافهم في رسوم التغريد والقواعد محقق. # وقد استنبط اليونانيون أوزانا سموها بالمقامات واستخرجوا منها شعبا دونوا ~~لهم فنا شديد التفصيل. وأهل الهند تفطنوا لست نغمات وفرعوا منها نغيمات. ~~وقد رأينا أهل البدو تباعدوا عن هذين الاصطلاحين، وتفطنوا بحسب سليقتهم ~~للتأليف والإيقاع، فهذبوا لهم أوزانا معدودة بغير ضبط الكليات وحصر ~~الجزئيات. فإذا نظرنا بعد هذه الملاحظات ms0178 إلى حكم الحدس لم نجد هاهنا أمرا ~~مشتركا سوى الموافقة التخمينية. ولا يتعلق تخمين العقل إلا بذلك المنتزع ~~الإجمالي. لا بتفصيل القوافي # PageV01P172 # المردفة الموصلة، ولا يحب الذوق السليم إلا تلك الحلاوة المحضة، لا ~~الطويل والمديد من البحور. # لما أراد حضرة الخلاق أن يكلم الإنسان، الذي هو قبضة من التراب، نظر إلى ~~ذلك الحسن الإجمالي لا إلى قوالب مستحسنة عند قوم دون قوم، ولما أراد مالك ~~الملك أن يتكلم على منهج الآدميين، ضبط ذلك الأصل البسيط، لا هذه القوانين ~~المتغيرة بتغير الأدوار والأطوار. ومنشأ التمسك بالقوانين المصطلح عليها هو ~~العجز والجهل، وتحصيل الحسن الإجمالي، بلا توسط تلك القواعد بحيث لا يفوت ~~في الأغوار والأنجاد من البيان شيء، ولا يضيع في كل سهل وجبل من الكلام ~~معجز ومفحم. # وأنا أنتزع هنا من جريان الحق سبحانه وتعالى على ذلك السنن أصلا. وأنتقل ~~إلى قاعدة. وتلك القاعدة أنه اعتبر في أكثر السور امتداد الصوت، لا الطويل ~~والمديد من البحور مثلا، واعتبر في الفواصل انقطاع النفس بالمدة، وما تعتمد ~~عليه المدة، لا قواعد فن القوافي، وهذه الكلمة أيضا تقتضي بسطا. فاستمع لما ~~أقول: # تردد النفس في قصبة العنق من جبلة الإنسان. وإن كان تطويل النفس وتقصيره ~~من مقدور البشر. لكن إذا خلي وطبعه فلا بد من امتداد محدود. فيحصل في أول ~~خروج النفس نشاط، ثم يضمحل ذلك النشاط تدريجا حتى ينقطع في آخر الأمر. # فيحتاج إلى إعادة نفس جديد. وهذا الامتداد أمر محدود بحد مبهم. ومقدر ~~بمقدار منتشر لا يتجاوز نقصانه كلمتين، بل لا يتجاوز الثلث والربع، ~~والزيادة لا تتجاوز كلمتين، بل لا تتجاوز الثلث والربع من ذلك الحد. ويسع ~~ذلك اختلاف عدد الأوتاد والأسباب وتقدم بعض الأركان على بعض، فجعل لامتداد ~~النفس وزن معلوم. وقسم ذلك على ثلاثة أقسام: طويل ومتوسط وقصير. # أما الطويل فنحو سورة النساء، وأما المتوسط فنحو سورة الأعراف والأنعام، ~~وأما القصير فنحو سورة الشعراء وسورة الدخان.. # وتمام النفس يعتمد على مدة معتمدة على حرف قافية متسعة يوافقها ذوق ~~الطبع، ويتلذذ ms0179 من إعادتها مرة بعد أخرى، وإن كانت المدة، في موضع، ألفا، ~~وفي موضع آخر، واوا أو ياء. وسواء كان ذلك الحرف الأخير باء في موضع، أو ~~جيما. أو قافا في موضع آخر، فيعلمون ومؤمنين ومستقيم متوافقة. وخروج ومريج ~~وتحيد و (تبار) وفواق وعجاب كلها على قاعدة. # وكذلك لحوق الألف في آخر الكلام قافية متسعة، في إعادتها لذة. وإن كان ~~حرف # PageV01P173 # الروي مختلفا فيقولون: في موضع كريما، وفي موضع آخر، حديثا، وفي موضع ~~ثالث بصيرا فإن التزم في هذه الصورة موافقة الروي، كان من قبيل التزام ما ~~لا يلزم. كما وقع في أوائل سورة مريم وسورة الفرقان. # وكذلك توافق الآيات بحرف قبل الميم في سورة القتال: (سورة محمد صلى الله ~~عليه وسلم) والنون في سورة الرحمن يفيد لذة كما لا يخفى. وكذلك إعادة جملة ~~بعد طائفة تفيد لذة. كما وقع في سورة الشعراء وسورة القمر وسورة الرحمن ~~وسورة المرسلات، وقد تخالف فواصل آخر السورة أولها لتطريب ذهن السامع ~~وللإشعار بلطافة ذلك الكلام مثل إدا وهدا في آخر سورة مريم، ومثل سلاما ~~وكراما في آخر سورة الفرقان، وطين وساجدين والمنظرين في آخر سورة ص. # مع أن أوائل هذه السور مبنية على فاصلة أخرى كما لا يخفى. فجعل الوزن ~~والقافية المذكوران في أكثر السور من المهمات. إن كان اللفظ الأخير من ~~الآية صالحا للقافية فيها. وإلا وصل بجملة فيها وبين آلاء الله أو تنبيه ~~للمخاطب. كما يقول وهو الحكيم الخبير، وكان الله عليما حكيما، وكان الله ~~بما تعملون خبيرا لعلكم تتقون، (إن في ذلك لآيات لأولي الألباب) ، إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وقد أطنب في مثل هذه المواضع أحيانا مثل فسئل به ~~خبيرا، ويستعمل التقديم والتأخير مرة، والقلب والزيادة أخرى. مثل إل ياسين ~~في إلياس، وطور سينين في سيناء. وليعلم هاهنا أن انسجام الكلام وسهولته على ~~اللسان لكونه مثلا سائرا، أو لتكرر ذكره في الآية- ربما يجعل الكلام الطويل ~~موزونا مع الكلام القصير. وقد تكون الفقر الأول أقصر من الفقر التالية، وهو ~~يفيد ms0180 عذوبة في الكلام. خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه [الحاقة: 30- 32] ، كأن المتكلم يقدر في مثل هذا الكلام أن ~~الفقرة الأولى والثانية، من حيث المجموع، في كفة، والثالثة، وحدها، في كفة. # وربما تكون الآية ذات قوائم ثلاث نحو: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما ~~الذين اسودت وجوههم [آل عمران: 106] ، الآية. وأما الذين ابيضت وجوههم ... ~~[آل عمران: 107] الآية. والعامة يصلون الأول بالثاني فيحسبون الآية طويلة. ~~وقد تجيء في آية فاصلتان كما يكون في البيت أيضا مثل: # كالزهر في ترف، والبدر في شرف ... والبحر في كرم، والدهر في همم # وقد تكون الآية من سائر الآيات. والسر هاهنا إذا جعل حسن الكلام الناشئ ~~من # PageV01P174 # تقارب الوزن ووجد أن الأمر المنتظر وهو القافية في كفة، وجعل حسن الكلام ~~الناشئ من سهولة الأداء وموافقة طبع الكلام وعدم لحوق التغيير فيه في كفة ~~أخرى- ترجح الفطرة السليمة جانب المعنى، فيترك أحد الانتظارين مهملا، ويوفى ~~الحق في الانتظار الثاني. # وإنما قلنا في صدر البحث: قد جرت سنة الله عز وجل على هذا في أكثر السور، ~~لأنه ما ظهرت في بعض السور رعاية هذا القسم من الوزن والقافية. فوقعت طائفة ~~من الكلام على نهج خطب الخطباء وأمثال أهل النكت. ألم تسمع «1» مسامرة ~~النساء المروية عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها فانظر في قوافيها. وفي بعض ~~السور وقع الكلام على منهج كتب العرب بلا رعاية شيء. كمحاورة بعض الناس ~~لبعض. إلا أنه يختم كل كلام بشيء يكون مبنيا على الاختتام. والسر هاهنا أن ~~الأصل في لغة العرب الوقف في موضع ينتهي فيه النفس ويفنى نشاط الكلام. ~~والمستحسن في محل الوقف انتهاء النفس على المدة، هذا هو الوجه في ظهور صورة ~~الآيات. هذا ما فتح الله على الفقير والله أعلم. # إن سألوا. لما تكررت مطالب الفنون الخمسة (أعني علم الأحكام، وعلم الرد ~~على الفرق الضالة، وعلم التذكير بآلاء الله من نحو بيان خلق السموات، وعلم ~~التذكير بأيام الله كالوقائع التي أوجدها من جنس تنعيم المطيعين وتعذيب ms0181 ~~المجرمين، وعلم التذكير بالموت وما بعده) في القرآن العظيم، ولم لم يكتف ~~بموضع واحد؟ قلنا: الذي نريد إفادته للسامع ينقسم إلى قسمين: # الأول: أن يكون المقصود هناك مجرد تعليم ما لا يعلم، فالمخاطب لم يكن ~~عالما بالحكم، وما كان ذهنه مدركا له، فيعلم ذلك المجهول باستماع الكلام ~~ويصير المجهول معلوما. # والثاني: أن يكون المقصود استحضار صورة ذلك العلم في المدركة ليتلذذ به ~~لذة تامة وتفنى القوى القلبية والإدراكية في ذلك العلم، ويغلب القوى كلها ~~حتى تنصبغ بذلك العلم، كما نكرر أحيانا معنى شعر علمناه، وندرك منه لذة في ~~كل مرة، ونحب التكرار لتلك اللذة، والقرآن العظيم أراد من قسمي الإفادة ~~بالنسبة إلى كل واحد من مطالب الفنون الخمسة- تعليم ما لا يعلم بالنسبة إلى ~~الجاهل، وصبغ النفوس بتلك العلوم من التكرار بالنسبة إلى العالم. إلا أن ~~أكثر مباحث الأحكام لم يحصل تكرارها. لأن الإفادة الثانية غير مطلوبة فيها. ~~ولذا أمر بتكرار التلاوة في PageV01P175 # الشريعة، ولم يكتف بمجرد الفهم ولكن الفرق أنهم اختاروا في أكثر الأحوال ~~تكرار تلك المسائل بعبارة جديدة وأسلوب غريب ليكون أوقع في النفس وألذ في ~~الأذهان دون التكرار بلفظ واحد. والذهن يخوض في صورة اختلاف التعبيرات ~~وتغاير الأسلوب، ويتعمق الخاطر بأسره. # إن سألوا: لم نشر هذه المطالب في سورة القرآن، ولم يراع الترتيب فيذكر ~~آلاء الله أولا، ويستوفي حقها، ثم يذكر أيام الله، ثم مخاصمة الكفار؟ قلنا: ~~وإن كانت القدرة الإلهية شاملة للممكنات كلها، ولكن الحاكم في هذه الأبواب ~~الحكمة. # والحكمة موافقة المبعوث إليهم في اللسان، وأسلوب البيان، وأشير إلى هذا ~~المعنى في آية: لقالوا لولا فصلت آياته، ء أعجمي وعربي ... [فصلت: 44] ، ~~وما كان في العرب في وقت نزول القرآن كتاب، لا من الكتب الإلهية، ولا من ~~مؤلف البشر. # وما كان العرب يعلمون ما اخترع المصنفون الآن من الترتيب. فإن كنت في شك ~~من هذا فتأمل قصائد الشعراء المخضرمين، وأقرا رسائل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومكاتيب عمر الفاروق رضي الله عنه ليتضح هذا المعنى. فلو قيل بخلاف ms0182 ~~طورهم، لبقوا في حيرة حين يصل إلى سمعهم شيء غير معهود، فيشوش فهمهم. وأيضا ~~ليس المقصود مجرد الإفادة، بل الإفادة مع الاستحضار والتكرار، وهذا المعنى، ~~في غير المرتب، أقوى وأتم. # إن سألوا لم لم يختر وزنا وقافية. يعتبران عند الشعراء، فإنهما ألذ من ~~هذا الوزن والقافية؟ قلنا: كونهما ألذ، يختلف باختلاف الأقوام والأذهان. ~~وعلى التسليم، فإبداع طور من الوزن والقيافة على لسان حضرة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، وهو أمي، آية ظاهرة على نبوته صلى الله عليه وسلم. ولو نزل ~~القرآن على وزن الشعراء وقافيتهم لحسب الكفار أنه هو الشعر المشهور المعروف ~~في العرب، ولم يأخذوا من ذلك الحسبان فائدة، كما إذا أراد البلغاء من أهل ~~النظم والنثر أن يثبتوا مزيتهم ورجحانهم على المعاصرين على رؤوس الأشهاد، ~~استنبطوا صناعة غريبة، وقالوا: هل يستطيع أحد أن يقول شعرا أو غزلا على هذا ~~الطور؟ أو يكتب كتابا على هذا النمط؟ ولو كان إنشاؤهم على الطور القديم لما ~~ظهرت براعتهم إلا عند المحققين. # إن سألوا عن إعجاز القرآن: من أي وجه هو:؟ قلنا: المحقق عندنا أنه لوجوه ~~كثيرة: # منها الأسلوب البديع. لأن العرب كانت لهم ميادين معلومة يركضون فيها # PageV01P176 # جواد البلاغة ويحرزون قصبات السبق في مسابقة الأقران بالقصائد والخطب، ~~والرسائل والمحاورات. وما كانوا يعرفون أسلوبا غير هذه الأوضاع الأربعة، ~~ولا يتمكنون من إبداعه. فإبداع أسلوب غير أساليبهم على لسان حضرته صلى الله ~~عليه وسلم، وهو أمي، عين الإعجاز. # ومنها الإخبار بالقصص والأحكام والملل السابقة، بحيث كان مصدقا للكتب ~~السابقة. # ومنها الإخبار بأحوال مستقبلة، فكلما وجد شيء على طبق ذلك الإخبار ظهر ~~إعجاز جديد. # ومنها الدرجة العليا في البلاغة مما ليس مقدورا للبشر. ونحن لما جئنا بعد ~~العرب الأول، ما كنا لنصل إلى كنه ذلك، ولكن القدر الذي علمناه أن استعمال ~~الكلمات والتركيبات العذبة الجزلة مع اللطافة وعدم التكلف في القرآن ~~العظيم- أكثر منه في قصائد المتقدمين والمتأخرين. فإنا لا نجد من ذلك فيها ~~قدر ما نجده في القرآن، وهذا أمر ذوقي يتمكن من معرفته ms0183 المهرة من الشعراء، ~~وليس للعامة من الناس ذائقة في هذا الأمر. وأيضا نعلم من الغرابة فيه إنه ~~يلبس المعاني من أنواع التذكير والمخاصمة في كل موضع لباسا يناسب أسلوب ~~السورة، وتقصر يد المتطاول عن نيله، وإن كان أحد لا يفهم هذا الكلام ~~فليتأمل إيراد قصص الأنبياء، في سورة الأعراف، وهود والشعراء، ثم لينظر تلك ~~القصص في الصافات، ثم في الذاريات ليظهر له الفرق. وكذلك تعذيب العصاة ~~وتنعيم المطيعين فإنه يذكر في كل مقام بأسلوب جديد. ويذكر مخاصمة أهل النار ~~في كل مقام بصورة على حدة. # والكلام في هذا يطول. # وأيضا نعلم إنه لا يتصور رعاية مقتضى المقام، الذي تفصيله في فن المعاني، ~~والاستعارات، والكنايات، التي تكفل بها فن البيان مع رعاية حال المخاطبين ~~الأميين الذين لا يعرفون هذه الصناعات- أحسن مما يوجد في القرآن العظيم. ~~فإن المطلوب هاهنا أن يذكر في المخاطبات المعروفة التي يعرفها كل من الناس ~~نكتة رائقة للعامة، مرضية عند الخاصة، وهذا المعنى كالجمع بين النقيضين. # يزيدك وجه حسنا ... إذا ما زدته نظرا # ومن جملة وجوه الإعجاز ما لا يتيسر فهمه لغير المتدبرين في أسرار ~~الشرائع. # وذلك أن العلوم الخمسة نفسها. تدل على أن القرآن نازل من عند الله لهداية ~~بني # PageV01P177 # آدم، كما أن عالم الطب إذا نظر في القانون ولا حظ تحقيقه وتدقيقه في بيان ~~أسباب الأمراض وعلاماتها، ووصف الأدوية- لا يشك أن المؤلف كامل في صناعة ~~الطب. # كذلك إذا علم عالم أسرار الشرائع ما ينبغي إلقاؤه على أفراد الناس في ~~تهذيب النفوس، ثم يتأمل في الفنون الخمسة- يتحقق أن هذه الفنون قد وقعت ~~موقعها بوجه لا يتصور أحسن منه. والنور يدل نفسه على نفسه. انتهى المنقول ~~من الفوز الكبير. ### | الرخصة بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبوي # ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية جمع من الصحابة أنافوا على ~~العشرين- كما في الإتقان- وعد أبو عبيد # الحديث المروي فيه متواترا: «1» # أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. # ومما # خرجه رواة الصحاح من طرقه: ما وقع لعمر بن الخطاب ms0184 رضي الله عنه «2» ~~وتلبيبه هشام بن حكيم برادئه، وانطلاقه به يقوده إلى رسول الله صلوات الله ~~عليه وقوله: يا رسول الله سمعت هشاما يقرأ على حرف لم تقرئنيه. فاستقرأه ~~عليه السلام فقرأ عليه. فقال: «كذلك أنزلت» . ثم استقرأ عمر فقرأ. فقال له ~~عليه السلام: # «كذلك أنزلت» . ثم قال صلوات الله عليه: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة ~~أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.» زيد في رواية: «كلها شاف كاف» «3» # وفي رواية أم أيوب PageV01P178 # رضي الله عنها: «أيها قرأت أصبت» «1» # وصح من رواية أبي بن كعب، أن النبي عليه السلام استزاد جبريل لما قرأه ~~على حرف حتى بلغ سبعة أحرف، # وفي رواية لأبي قال: # قال النبي لجبريل عليهما السلام: «إني بعثت إلى أمة أميين. منهم الغلام ~~والخادم والشيخ الفاني والعجوز» «2» فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة ~~أحرف. زاد في رواية: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. # أخرج ابن جرير عن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: إن ناشئة الليل هي أشد ~~وطئا وأقوم قيلا فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنما هي أقوم. فقال: أقوم ~~وأصوب وأهنأ واحد. # وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم ~~متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. وإياكم والتنطع. فإنما هو كقول أحدكم: هلم ~~وتعال. # وقال ابن سيرين: لا تختلف السبع في حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي: هو ~~كقولك: تعال وهلم وأقبل. كذا في ابن جرير. # قال الإمام ابن قتيبة في كتاب المشكل: كان من تيسير الله تعالى أن أمر ~~نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقرئ كل أمة بلغتهم وما جرى عليه عادتهم، ~~فالهذلي يقرأ: # (عتى حين) يريد حتى كذا يلفظ بها ويستعملها، والنميمي يهمز. والقرشي لا ~~يهمز. والآخر يقرأ: (قيل وغيض) بإشمام الضم مع الكسر، بضاعتنا ردت بإشمام ~~الكسر مع الضم. # ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا ~~وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة ~~للنفس طويلة، ms0185 وتذليل للسان وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل ~~لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين. # قال أبو شامة: معنى قول كثير من الصحابة والتابعين: القراءة سنة يأخذها ~~PageV01P179 # الآخر عن الأول، فاقرؤوا كما علمتم. هو أن السنة المشار إليها ما # ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأه، أو أذن فيه على ما صح عنه ~~«أن القرآن أنزل على سبعة أحرف» # فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه وبعده. إلى أن كان ما كان في ~~عهد عثمان وجمعهم على حرف واحد- كما سيأتي بيانه مفصلا. ### | معنى السبع في حديث «أنزل على سبعة أحرف» # ليس المراد بالسبع حقيقة العدد المعلوم. بل كثرة الأوجه التي تقرأ بها ~~الكلمة، على سبيل التيسير والتسهيل والسعة. ولفظ السبعة يطلق على الكثرة في ~~الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد ~~العدد المعين. كذا في الإتقان. # وحمل بعضهم العدد على ألسن سبعة. وحمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور في ~~الحديث على الوجوه التي يقع بها التغاير. كتغير الحركة مع بقاء المعنى ~~والصورة. وتغير الفعل ماضيا أو أمرا. وتغير بإعجام حرف أو إهماله. وتغير ~~بإبدال حرف قريب من مخرج حرف آخر. وتغير بالتقديم والتأخير، وتغير بزيادة ~~كلمة أو نقصانها، وتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها. # والأظهر ما ذكرنا من إرادة الكثرة من السبعة، لا التحديد. فيشمل ما ذكره ~~ابن قتيبة وغيره من تغير بإدغام أو إظهار أو تفخيم أو إشمام أو غيرها. # وقال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل ~~بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن التي قد نزلت ~~القراءة بها فلا حاجة بنا إلى معرفتها. لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها ~~مع الأسباب المتقدمة- يعني في كلامه من سبب الاقتصار على حرف واحد كما ~~ستراه قريبا- وقد قيل إن خمسة منها لعجز هوازن واثنين منها لقريش وخزاعة. ~~وروي ذلك عن ابن عباس. # وليست الرواية عنه من ms0186 رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. # قال ابن جرير: العجز من هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية ~~وثقيف. ثم قال ابن جرير: # أما معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف «إن ~~كلها شاف كاف» # فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ~~ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] ، شفاء # PageV01P180 # يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته، ~~فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته. # وقال الإمام أبو شامة: إن القرآن نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من ~~العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتهم التي جزت عادتهم باستعمالها ~~على اختلافهم في الألفاظ والإعراب. قال الطحاوي: إنما كان ذلك رخصة لما كان ~~يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد. لعدم علمهم بالكتابة والضبط، ~~وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ يعني بالنسخ ما ~~أقره عثمان في المصاحف التي كتبها كما سيأتي: ### | معنى الأحرف في الحديث # قال الداني: الأحرف الأوجه. أي أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات. # لأن الأحرف جمع في القليل. كفلس وأفلس. والحرف قد يراد به الوجه بدليل ~~قوله تعالى: ومن الناس من يعبد الله على حرف ... [الحج: 11] الآية. فالمراد ~~بالحرف الوجه. أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية. فإذا استقامت ~~له هذه الأحوال اطمأن وعبد الله. # وإذا تغيرت عليه وامتحنه الله بالشدة والضر ترك العبادة وكفر. فهذا عبد ~~الله على وجه واحد. فلهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأوجه ~~المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات، أحرفا. على معنى أن كل شيء ~~منها وجه. وذكر الإمام ابن جرير في قول ابن مسعود: من قرأ القرآن على حرف ~~فلا يتحولن منه إلى غيره- أنه عنى، رضى الله عنه، أن من قرأ بحرفه، وحرفه ~~قراءته. قال: وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرف فلان. وتقول للحرف من حروف ~~الهجاء المقطعة: حرف. كما ms0187 تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في تحقيق أن المراد بالحرف الكلمة، فيما نقله ~~عنه الحافظ ابن الجزري، في أواخر النشر، ما مثاله: وأما تسمية الاسم وحده ~~كلمة والفعل وحده كلمة، والحرف وحده كلمة مثل: هل وبل، فهذا اصطلاح محض ~~لبعض النحاة. ليس هذا من لغة العرب أصلا. وإنما سمى العرب هذه المفردات ~~حروفا. ومنه # قول النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر ~~حسنات. أما PageV01P181 # إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» # والذي عليه محققو العلماء أن المراد بالحرف الاسم وحده، والفعل وحده، ~~وحرف المعنى وحده. لقوله: ألف حرف، وهذا اسم. ولهذا، لما سأل الخليل أصحابه ~~عن النطق بالزاي من زيد فقالوا: زاي. فقال: نطقتم بالاسم. وإنما الحرف زه. ### | الرد على من توهم أن بعض الصحابة يجوز التلاوة بالمعنى # قال ابن الجزري في النشر: أما من يقول بأن بعض الصحابة، كابن مسعود، كان ~~يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. إنما قال: نظرت القراء فوجدتهم ~~متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. نعم كانوا ربما يدخلون التفسير في القراءة ~~إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قرآنا. ~~فهم آمنون من الالتباس. وربما كان بعضهم يكتبه معه. لكن ابن مسعود رضي الله ~~عنه كان يكره ذلك ويمنع منه. رواه عنه مسروق. وروي عنه: جردوا القرآن، ولا ~~تلبسوا به ما ليس منه. ### | اقتصار عثمان رضي الله عنه في جمعه، على الحرف المتواتر # قال ابن الجزري في النشر: لما كان في حدود سنة ثلاثين من الهجرة، في ~~خلافة عثمان رضي الله عنه، حضر حذيفة بن اليمان فتح إرمينية وأذربيجان، ~~فرأى الناس يختلفون في القرآن. ويقول أحدهم: قراءتي أصح من قراءتك. فأفزعه ~~ذلك. # وقدم على عثمان وأشار إليه بأن يتدارك هذا الأمر. فأمر بالصحف الموجودة ~~أن تنسخ في المصاحف. وأشار أن يكتب بلسان قريش لأنه أنزل بلسانهم. فكتب ~~منها عدة مصاحف. فوجه منها إلى مكة واليمن والبحرين ms0188 والبصرة والكوفة ~~والشام. وترك بالمدينة مصحفا. وأمسك لنفسه مصحفا (الذي يقال له الإمام) ~~وأجمعت الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وترك ما خالفها من زيادة ونقص ~~وإبدال كلمة بأخرى. مما كان مأذونا فيه، توسعة عليهم، ولم يثبت عندهم ثبوتا ~~مستفيضا أنه من القرآن. # وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي. # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا» # وقد حصل اليقين من النقل المتواتر، بهذا الترتيب، من تلاوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف. # PageV01P182 # وقال الحارث المحاسبي: إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على ~~اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند ~~اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراآت. فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف ~~بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن. فأما ~~السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق. # وقال ابن التين: اقتصر عثمان، من سائر اللغات، على لغة قريش. محتجا بأنه ~~نزل بلغتهم. وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ~~ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت. فاقتصر على لغة واحدة. # وقال القاضي أبو بكر، في الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس ~~القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإلغاء ما ليس كذلك. وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا ~~تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه ~~ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة، على ما يأتي بعد. # ينتج عن ذلك مسألة وهي: هل الأحرف السبعة موجودة في المصحف اليوم؟ # جوابه ما قاله ابن جرير: إنا لم ندع أن ذلك موجود اليوم. وإنما أخبرنا أن ~~معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم «أنزل القرآن على سبعة أحرف» # على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ms0189 ذكرها (يعني عن ابن مسعود وغيره) . # ثم قال ابن جرير: # فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة وقد أقرأهن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأمر بالقراءة. بهن وأنزلهن الله من عنده على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم: أنسخت فرفعت؟ # فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا ~~بحفظه. # أم ما القصة في ذلك؟ # قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة ~~أمرت بحفظ القرآن، وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. # كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفر بأي الكفارات الثلاث ~~شاءت. إما بعتق أو إطعام، أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من ~~الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر، كانت مصيبة حكم ~~الله، مؤدية، في ذلك، الواجب عليها من حق الله. فكذلك الأمة. أمرت بحفظ # PageV01P183 # القرآن وقراءته. وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت، لعلة من ~~العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، قراءته بحرف واحد. ورفض القراءة ~~بالأحرف الستة الباقية. ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له ~~في قراءته به. # يعني ممن كان في عهد النبوة متلقيا لذلك من الحضرة النبوية. # ثم قال ابن جرير: # لما جمع إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه على ~~تلاوة القرآن بحرف واحد في مصحف واحد، رأت الأمة أن فيما فعل الرشد ~~والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت ~~آثارها. فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفو آثارها، ~~وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء ~~منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم ~~الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية. # فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها الرسول ~~صلوات الله عليه وأمرهم بقراءتها؟ # قيل: إن أمره إياهم بذلك ms0190 لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ~~ورخصة، لأن القراءة بها، لو كانت فرضا عليهم، لوجب أن يكون العلم بكل حرف ~~من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل ~~الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا ~~في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجيب بنقله ~~الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة. # وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع، تاركين ~~ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا إذ كان الذي ~~فعلوا من ذلك، كان كان هو النظر للإسلام وأهله. فكان القيام بفعل الواجب ~~عليهم، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله ~~أقرب منهم إلى السلامة، من ذلك. (أي من الجناية على الإسلام) . ### | بيان أن اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه ونحوه ليس من السبعة الأحرف # قال ابن جرير: وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه، # PageV01P184 # وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة-. فمن معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» # بمعزل. لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن- مما اختلفت القراء في ~~قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به، في قول أحد من علماء ~~الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلم بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع ~~فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية. ### | سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين # لما جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد، وأمر بأن يرسل للآفاق ~~مصاحف على ما جمعه، كما تقدم، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط، فقرأ ~~أهل كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وأول من نقط المصحف وشكله الحجاج، بأمر عبد الملك بن مروان. وقيل أبو ms0191 ~~الأسود الدؤلي. وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر. ثم لما كثر الاختلاف فيما ~~يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا ~~لبدعهم. كمن قال من المعتزلة: وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] ، بنصب ~~الهاء- رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن ~~القرآن العظيم. # فاختاروا من كل مصر، وجه إليه مصحف، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة بالنقل ~~وحسن كمال الدين، وكمال العلم. أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر ~~أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرءوا، ولم ~~تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة، ونافع. وبمكة ~~عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج. وبالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي ~~النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وبالشام عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس ~~الكلابي، ويحيى بن الحارث الزماري. وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو ~~عمرو ابن العلاء، وعاصم الجحدري، ويعقوب الحضرمي. # ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان ~~فيهم المتفق وغيره، فلذا كثر الاختلاف وعسر الضبط، وشق الائتلاف. وظهر ~~التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذها، ومشهورها بشاذها. ~~فمن ثم وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه، ومعيارا يعول عليه، وهو السند ~~والرسم والعربية. فكل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، وأوفق لفظه خط ~~مصحف الإمام فهو من # PageV01P185 # السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة، كانوا ~~لولاه سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ. هذا لفظ الكواشي في ~~أول تفسيره. # إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند فقط، بل اشترط معها التواتر. ذاهبا إلى ~~أن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وقواه أبو القاسم النويري بأن عدم ~~اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، لأن ~~القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا ~~متواترا. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر. # ثم قال النويري: ولم يخالف ms0192 من المتأخرين إلا مكي، وتبعه بعض المتأخرين: # يعني في الاكتفاء بالمعيار الذي ذكره الكواشي. # قال القسطلاني في اللطائف: وها (يعني اشتراط التواتر) بالنظر لمجموع ~~القرآن. وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير ~~من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. كذا في اللطائف ~~للقسطلاني. ### | ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة مصاحفهم العثمانية # ثبتت أحرف في بعض المصاحف العثمانية المرسلة إلى البلاد المتقدمة لم توجد ~~في البقية. فاتبع أئمة كل مصر منها مصحفهم، فمن ذلك قراءة ابن عمر قالوا ~~اتخذ الله ولدا [البقرة: 116] ، بغير واو، في البقرة: وبالزبر وبالكتاب ~~المنير [آل عمران: 184] ، بزيادة الباء في الاسمين. ونحو ذلك. فإن ذلك ثابت ~~في المصحف الشامي. وكقراءة ابن كثير جنات تجري من تحتها الأنهار [الحديد: # 24] ، في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من) فإن ذلك ثابت في ~~المصحف المكي. وكذلك إن الله الغني [الحديد: 24] ، في سورة الحديد بحذف ~~(هو) ، وكذا سارعوا [آل عمران: 133] ، بحذف (الواو) وكذا منها منقلبا ~~[الكهف: 36] ، بالتثنية في الكهف. إلى غير ذلك في مواضع كثيرة في القرآن. ~~اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار في موافقة مصحفهم. ~~كذا في النشر. # PageV01P186 ### | موافقة القراءات لرسم المصحف العثماني تحقيقا أو تقديرا # قال ابن الجزري، في النشر: موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهي الموافقة ~~الصريحة، وقد تكون تقديرا، وهي الموافقة احتمالا. فإنه قد خولف صريح الرسم ~~في مواضع إجماعا نحو السماوات، والربوا ونحو لننظر كيف تعملون [يونس: 14] ، ~~وجيء [الزمر: 69] ، حيث كتب بنون واحدة، وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف. # وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقا، وتوافق بعضها تقديرا نحو ملك يوم ~~الدين [الفاتحة: 4] ، فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف. فقراءة الحذف ~~تحتمله تحقيقا كما كتب ملك الناس [الناس: 2] ، وقراءة الألف تحتمله تقديرا ~~كما كتب مالك الملك [آل عمران: 26] ، فتكون الألف حذفت اختصارا. وكذلك ~~النشأة [العنكبوت: 20] ، حيث كتبت بالألف وافقت قراءة المد تحقيقا ووافقت ~~قراءة القصر تقديرا، إذ يحتمل أن تكون الألف صورة الهمزة على ms0193 غير قياس. وقد ~~يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو يغفر لكم [آل عمران: 31] ، ~~وتعملون، وهيت لك [يوسف: 23] . مما يدل تجرده عن النقط والشكل وحذفه ~~وإثباته- على فضل عظيم للصحابة رضي الله عنهم في علم الهجاء خاصة، وفهم ~~ثاقب في تحقيق كل علم. # وقال أيضا بعد أوراق: ثم إن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن بينهم فيها إلا ~~الخلاف اليسير المحفوظ بين القراء، ثم إنهم لما كتبوا تلك المصاحف جردوها ~~من النقط والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا ~~اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين- شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا ~~المعنيين المعقولين المفهومين. فإن الصحابة، رضوان الله عليهم، تلقوا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن، ~~لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يمنعوا من القراءة به. ### | ما لا يعد مخالفا لصريح الرسم من القراءات الثابتة # قال في النشر بعد ما تقدم: على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل ~~أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت # PageV01P187 # مشهورة مستفاضة. ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء ~~تسئلني [الكهف: 70] ، في الكهف: وقراءة (وأكون من الصالحين) والظاء من ~~بضنين [التكوير: 24] ونحو ذلك، من مخالف الرسم المردود. فإن الخلاف في ذلك ~~يغتفر، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها ~~وتلقيتها بالقبول- وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ~~لو كانت حرفا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة ~~الرسم فيه. وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته. ### | مدار القراءات على صحة النقل لا على الأقيس، عربية # قال الداني في جامع البيان: أئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن ~~على الأفشى في اللغة والأقيس في ms0194 العربية. بل على الأثبت في الأثر والأصح في ~~النقل والرواية. إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة. لأن ~~القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. ### | ذكر من ذهب إلى أن مرجع القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد # يفهم من مواضع من الكشاف اعتماده أن مرجع القراءات اجتهاد الأئمة ~~القارئين. ولذلك جاء في سورة الكهف عند آية هنالك الولاية لله الحق [الكهف: ~~44] ما مثاله: وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك: هذا عبد الله ~~الحق لا الباطل. وهي قراءة سنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس ~~وأنصحهم. فكتب الناصر في الانتصاف يتعقبه ما مثاله: قد تقدم الإنكار عليه ~~في مثل هذا القول، فإنه يوهم أن القراءات موكولة إلى رأي الفصحاء واجتهاد ~~البلغاء، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها، وهذا منكر شنيع. والحق أنه لا ~~يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمعه فوعاه متصلا بفلق فيه صلى الله عليه وسلم، ~~منزلا كذلك من السماء، فلا وقع لفصاحة الفصيح. وإنما هو ناقل كغيره. ولكن ~~الزمخشري لا يفوته الثناء على رأس البدعة ومعدن الفتنة. فإن عمرو بن عبيد ~~أول مصمم على إنكار القدر وهلم جرا إلى سائر البدع الاعتزالية. فمن ثم أثنى ~~عليه. يعني بما تقدم له، ما ذكره في سورة الأنعام في آية وكذلك زين لكثير ~~من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام: 137] ، وذلك أن الزمخشري قال ~~هناك: وأما قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم. برفع القتل ونصب الأولاد ~~وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء # PageV01P188 # والفصل بينهما بغير الظرف- فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، ~~لكان سمجا مردودا كما سمج ورد: # زج القلوص أبي مزادة # فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ ~~والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء. # فكتب الناصر عليه ما ملخصه: إن الزمخشري ركب متن عمياء، فإنه تخيل أن ~~القرء، أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا ~~وسماعا. ms0195 # فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه. وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ~~ثابتة في شركائهم، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب أولادهم ~~بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا. فقرأه منصوبا- إلى أن قال- فهذا ~~كله كما ترى ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان ~~الصواب خلافه، والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة، بنصب ~~الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، بها يعلم ضرورة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأها على جبريل كما أنزلها عليه كذلك ثم تلاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ~~ويقرءون بها خلفا عن سلف. إلى أن انتهت إلى ابن عامر فقرأها أيضا كما ~~سمعها. فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة، جملة ~~وتفصيلا، عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم. فإذا علمت العقيدة ~~الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري ولا بقول أمثاله، ممن لحن ابن ~~عامر، وظن أن القراءة تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل. والحامل هو ~~التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية. # فظنها قطعية حتى يرد ما خالفها. انتهى. # فتأمل. والأمر يحتاج إلى كلام من خالف بحروفه وتمحيص بالنظر في أطرافه ~~وما برهنوا عليه. # ثم رأيت في «مفاتيح الأصول في علم الأصول» للسيد الطباطبائي بحثا مسهبا ~~في بيان تواتر القراءات وعدمه. سأذكره بعد ورقات. ### | بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي متواترة أم آحاد # قال الزركشي، في البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن ~~هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز. والقراءات ~~اختلاف ألفاظ الوحي # PageV01P189 # المذكور في الحروف وكيفيتها، من تخفيف وتشديد وغيرهما. والقراءات السبع ~~متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة، ثم قال الزركشي: والتحقيق أنها ~~متواترة عن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيه ~~نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات. وهي نقل ~~الواحد عن الواحد. نقله في الإتقان. ms0196 # ونقل السروجي الحنفي في «باب الصوم» من كتاب «الغاية شرح الهداية» : # عن المعتزلة، أن السبع آحاد. وعن جميع أهل السنة، أنها متواترة. ومراده ~~بالجميع المجموع. وإلا فقد اختار صاحب البدائع، من متأخري الحنفية، فيما ~~نقله الكمال ابن أبي شريف، أن السبع مشهورة. حكاه القسطاني في اللطائف. ثم ~~قال: # (فإن قلت:) الأسانيد إلى الأئمة السبعة وأسانيدهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، على ما في كتب القراءات، آحاد. لا يبلغ عدد التواتر. فمن أين ~~جاء التواتر؟ # (أجيب) بأن انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن ~~غيرهم. وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة. ومن ذكر في أسانيدهم، والأسانيد ~~إليهم، لتصديهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها. ومع كل منهم في طبقته ما ~~يبلغها عدد التواتر. لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد، بقراءة إمامهم، ~~الجم الغفير عن مثلهم. وكذلك دائما، مع تلقي الأمة لقراءة كل منهم بالقبول. # وقال السخاوي ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد ~~كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند، (وقد علم وجودها ~~بطريق التواتر) - لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها. فقراءة السبع كلها ~~متواترة. ### | رأي الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه من غير نكير # نقل ابن الجزري في النشر: عن الإمام الكبير أبي شامة، في مرشده، أنه قال: # قد شاع عن ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين، أن ~~القراءات السبع كلها متواترة. أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة ~~السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول. ولكن ~~فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له. مع ~~أنه شاع واشتهر واستفاض. فلا أقل من اشتراط ذلك إذ لم يتفق التواتر في ~~بعضها. # PageV01P190 ### | رأي ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء # قال ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبل الأداء. كالمد ~~والإمالة وتحقيق الهمزة ونحوه. أي فإنه ms0197 غير متواتر. (قالوا) : ليس المراد ~~من قوله: # كالمد، أصل المد فإنه متواتر. بل مقدار المزيد فيه على أصله. هل يقتصر ~~فيه على مقدار ألف ونصف، كما قدر به مد الكسائي؟ أو ثلاثة كما قدر به مد ~~ورش وحمزة؟ # وكل هذه الهيئات غير متواترة عند ابن الحاجب وأبي حنيفة. كما صرح به غير ~~واحد من أئمة التحقيق (كذا في اللطائف) . # وقال القاضي ابن خلدون في مقدمة تاريخه، في بحث علوم القرآن من التفسير ~~والقراءات، ما مثاله: # القرآن كلام الله المنزل على نبيه، المكتوب بين دفتي المصحف، وهو متواتر ~~بين الأمة. إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرق ~~مختلفة في بعض ألفاظه، وكيفيات الحروف في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر. إلى ~~أن استقرت منها سبع طرق معينة. تواتر نقلها أيضا بأدائها. واختصت بالانتساب ~~إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير. فصارت هذه القراءات السبع أصولا ~~للقراءة، وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع. إلا أنها عند أئمة ~~القراءة لا تقوى قوتها في النقل. # وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها. وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها ~~لأنها عندهم كيفيات للأداء، وهو غير منضبط. وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر ~~القرآن. وأباه الأكثر. وقالوا بتواترها. وقال آخرون بتواتر غير الأداء ~~منها، كالمد والتسهيل. لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع. وهو الصحيح. ### | بحث القراءات الشاذة # قال الحافظ ابن الجزري في النشر: قال الإمام أبو محمد مكي: إن جميع ما ~~روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم. وذلك ما اجتمع فيه ثلاث ~~خلال. وهي أن ينقل عن الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون وجهه في ~~العربية التي نزل بها القرآن سائغا، ويكون موافقا لخط المصحف- فإذا اجتمعت ~~فيه هذه الخلال الثالث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه. لأنه أخذ عن ~~إجماع من جهة موافقة خط المصحف. وكفر من جحده. # PageV01P191 ### | القسم الثاني: # ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف. فهذا ms0198 ~~يقبل ولا يقرأ به. لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار ~~الآحاد. ولا يثبت قرآن، يقرأ به، بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف ~~لما قد أجمع على مغيبه وصحته. وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا ~~كفر من جحده. ولبئس ما صنع، إذا جحده. ### | القسم الثالث: # هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل، ~~وإن وافق خط المصحف. # قال ابن الجزري: مثال القسم الأول: مالك، وملك. يخدعون، ويخادعون. # وأوصى، ووصى. وتطوع، ويطوع. ونحو ذلك من القراءات المشهورة. ومثال القسم ~~الثاني: قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء (والذكر والأنثى) في وما خلق ~~الذكر والأنثى وقراءة ابن عباس: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) ، ~~(وأما الغلام فكان كافرا) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات. # واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة. فأجازها بعضهم. لأن ~~الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة. وهذا أحد القولين ~~لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء ~~على عدم الجواز. لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وإن ثبتت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة ~~على المصحف العثماني. # أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن. أو أنها لم تكن من الأحرف ~~السبعة. # ومقال القسم الثالث، مما نقله غير ثقة: كثير مما في كتب الشواذ مما غالبه ~~إسناده ضعيف. كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ننجيك ببدنك ننحيك ~~بالحاء المهملة. وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ~~التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي ~~وغيره فإنها لا أصل لها. ومنها إنما يخشى الله من عباده العلماء برفع الهاء ~~ونصب الهمزة. وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها. # قال ابن الجزري: وإن أبا حنيفة لبريء منها. # ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثله ms0199 إلا على وجه ~~السهو # PageV01P192 # والغلط، وعدم الضبط. يعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل ~~جدا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (ومعائش) - ~~بالهمزة- وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء أدري ~~أقريب، مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب، وما رواه أبو ~~علي العطار عن العباس عن أبي عمرو ساحران تظاهرا بتشديد الظاء، والنظر في ~~ذلك لا يخفى. # ثم قال ابن الجزري: # وبقي قسم مردود أيضا، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل البتة، فهذا ~~رده أحق، ومنعه أشد. وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم ~~البغدادي المقري النحوي، وكان بعد الثلاثمائة. قال الإمام أبو طاهر بن أبي ~~هاشم في كتابه «البيان» وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه ~~في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها. ~~فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل. # (قلت) وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد، حضره الفقهاء والقراء، وأجمعوا ~~على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع، وكتب عليه بذلك محضر، كما ذكره الحافظ ~~أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. # قلت: ونقله القاضي أبو بكر في الانتصار، ورده. وعبارته: وقال قوم من ~~المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف، ~~إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية وإن لم يثبت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ بها. قال: وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤوا من قال به. # قال ابن الجزري: ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له ~~أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه، كما روينا ~~عن عمر ابن الخطاب وزيد بن ثابت وكثير من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة ~~يأخذها الآخر عن الأول، فاقرأوا كما علمتوه. # ثم قال ابن الجزري: # أما إذا كان القياس على إجماع انعقد، أو عن أصل يعتمد، فيصار إليه ms0200 عند ~~عدم النص، وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله، ولا ينبغي رده، لا سيما ~~فيما # PageV01P193 # تدعو إليه الضرورة، وتمس الحاجة، كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات ~~لأهل الأداء، وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل «كتابيه أني» ~~وإدغام «ماليه هلك» قياسا عليه، وكذلك قياس «قال رجلان، وقال رجل» على «قال ~~رب» في الإدغام» ، كما ذكره الداني وغيره. ونحو ذلك مما لا يخالف نصا، ولا ~~يرد إجماعا ولا أصلا، مع أنه قليل جدا وإلى ذلك أشار مكي بن أبي طالب رحمه ~~الله في كتابه «التبصرة» حيث قال: فجميع ما ذكرنا في هذا الكتاب ينقسم ~~ثلاثة أقسام: قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود، وقسم قرأت به ~~وأخذته لفظا أو سماعا وهو غير موجود في الكتب، وقسم لم أقرأ به ولا وجدته ~~في الكتب، ولكن قسته على ما قرأت به، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم ~~الرؤية في النقل والنص، وهو الأقل. # وقال ابن الجزري: # وقد زل بسبب ذلك قوم وأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روي، وما له وجه ~~ضعيف على الوجه القوي، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون ~~والتنوين. ### | بيان أن كل قراءة صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبولها والإيمان بها # قال الحافظ ابن الجزري في النشر: كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من القراءات، فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدا من الأمة رده، ولزم الإيمان به، ~~وأن كله منزل من عند الله، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع ~~الآية، يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا ~~يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض، وإلى ذلك أشار عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: «لا تختلفوا في القرآن ولا تتنازعوا ~~فيه، فإنه لا يختلف ولا يتساقط، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة ~~حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد، ولو كان من الحرفين ms0201 حرف يأمر بشيء ~~ينهى عنه الآخر، كان ذلك الاختلاف. ولكنه جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة ~~فلا يدعها رغبة عنها، فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله» . # قال ابن الجزري: قلت: وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث # قال لأحد المختلفين «أحسنت» # وفي الحديث الآخر «أصبت» # وفي الآخر «هكذا أنزلت» # فصوب النبي # PageV01P194 # صلى الله عليه وسلم قراءة كل من المختلفين وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند ~~الله. ### | افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء # قال ابن الجزري، بعد ما تقدم: وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف ~~الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله وهو كلامه لا شك ~~فيه. واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر واحد، فكل مذهب ~~بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق ~~وصواب في نفس الأمر، نقطع بذلك ونؤمن به. ### | معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها # ثم قال ابن الجزري، بعد ما تقدم: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف ~~الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط ~~له وأكثر قراءة وإقراء به وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة ~~الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم. المراد بها أن ذلك القارئ، ~~وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به. فآثره على ~~غيره وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه وأخذ عنه، فلذلك أضيف ~~إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة ~~اختراع ورأي واجتهاد. ### | ثمرة اختلاف القراءات وتنوعها # قال في النشر: «وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها فإن في ذلك فوائد غير ~~ما قدمنا من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. فمنها: ما في ذلك من ~~نهاية البلاغة وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار وجمال الإيجاز، لأن كل قراءة ~~بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات. ومنها: ما في ذلك ~~من عظيم البرهان ms0202 وواضح الدلالة، إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم ~~يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبين بعضه ~~بعضا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد، وما ذلك إلا آية بالغة ~~وبرهان قاطع على صدق من جاء به صلى الله عليه وسلم. ومنها: سهولة حفظه، ~~وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة. فإنه ~~من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظه ~~جملا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما في ما كان خطه ~~واحدا، فإن ذلك أسهل حفظا، وأيسر لفظا. # PageV01P195 # ومنها: إعظام أجور هذه الأمة- من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم- ~~في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام: من دلالة كل لفظ، واستخراج ~~كمين أسراره، وخفي إشاراته بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية ~~فهمهم، والأجر على قدر المشقة. ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفه على سائر ~~الأمم من حيث تلقيهم كتاب ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، ~~والبحث عن لفظة لفظة، والكشف عن صيغة صيغة، وتحرير تصحيحه، وإتقان تجويده، ~~حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكا ~~ولا تسكينا ولا تفخيما ولا ترقيقا، حتى ضبطوا مقادير المدات، وتفاوت ~~الإمالات، وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ~~ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم. ومنها: ما ذخره الله تعالى من ~~المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة، من إسنادها كتاب ~~ربها واتصال هذا السبب الإلهي بسببها، فكل قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله، ~~ويرفع ارتياب الملحد قطعا بوصله. ومنها: ظهور سر الله تعالى في توليه حفظ ~~كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإنه تعالى لم ~~يخل عصرا من الأعصار، ولو في قطر من الأقطار، من إمام حجة قائم بنقل كتاب ~~الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببا ~~لوجود هذا السبب القويم على ممر ms0203 الدهور، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن ~~العظيم في المصحف والصدور» انتهى. ### | إجمال المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها # قال السيد محمد الطباطبائي- أحد أعلام الإمامية- في كتابه «مفاتيح ~~الأصول» في: باب أدلة الأحكام في القول في الكتاب الكريم. ما مثاله: # اختلفوا في أن القراءات السبع المشهورة، هل هي متواترة، أو لا؟ على ~~أقوال: # الأول: إنها متواترة مطلقا، وإن الكل مما نزل به الروح الأمين على قلب ~~سيد المرسلين. هو للعلامة ابن المطهر، وابن فهد، والمحقق الثاني في ~~المعالم، والشهيد الثاني في المقاصد العلية، والمحدث الحر العاملي، والمحكي ~~عن الفاضل الجواد، وفي شرح الوافية للسيد صدر الدين، معظم المجتهدين من ~~أصحابنا حكموا بتواتر القراءات السبع. وفي التفسير الكبير للرازي: ذهب إليه ~~الأكثرون. # الثاني: إن القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمدة واللين ~~وتخفيف # PageV01P196 # الهمزة والإمالة ونحوها، وذلك لا يجب تواتره وغير متواتر. ومنها: ما هو ~~من جوهر اللفظ كملك ومالك وهذا متواتر. وهذا للفاضل البهائي، وابن الحاجب ~~في مختصره، والعضدي في شرحه. # الثالث: إنها ليست بمتواترة مطلقا لو كانت من جوهر اللفظ، وهو للشيخ في ~~«التبيان» ونجم الأئمة في «شرح الكافية» ، وجمال الدين الخونساري، والسيد ~~نعمة الله الجزائري، والشيخ يوسف البحراني، والسيد صدر الدين، والمحكي عن ~~ابن طاوس في كتاب «سعد السعود» ، والرازي، والزمخشري، وإليه يميل كلام ~~الحرفوشي. # للقول الأول وجوه: # منها: تضمن جملة من العبارات الإجماع على تواتر السبع: وقد يناقش فيه: # أولا: بأن غاية ما يستفاد- مما ذكر- الظن بتواتر السبعة، ومحل الكلام ~~حصول العلم به. وثانيا: باحتمال أن يريدوا ما ذكره الشهيد الثاني في ~~«المقاصد العلية» وولد الشيخ البهائي فقالا: «ليس المراد أن كل ما ورد من ~~هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه ~~القراءات، فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن غيرهم» انتهى. # وباحتمال أن يريدوا جواز القراءة بالسبعة. وفي هذين الاحتمالين نظر ~~لبعدهما عن ظاهر العبارة فتأمل! وثالثا: بالمعارضة بما ذكره الشيخ في ~~«التبيان» من أن المعروف من مذهب الإمامية، والتطلع ms0204 في أخبارهم ورواياتهم، ~~أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد. فتأمل!. # ومنها: ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلها ~~شاف واف» # فإن المراد من الأحرف القراءات. وقد يناقش فيه: # أولا: بضعف السند. سلمنا الصحة. ولكنه خبر واحد، فلا يفيد العلم بالمدعى. # وثانيا: بضعف الدلالة، لعدم الدليل على إرادة القراءات من الأحرف. وقد ~~اختلفوا في تفسيرها. # ومنها: أن القراءات السبع لو لم تكن متواترة، ومن القرآن المنزل، لوجب أن ~~يتواتر ذلك، ويعلم عدم كونها منه، والتالي باطل فالمقدم مثله. أما الملازمة ~~فلأن العادة قاضية بأنه يجب أن يكون ما ليس بقرآن معلوما أنه ليس بقرآن ~~لتوفر الدواعي # PageV01P197 # على تمييز القرآن عن غيره، وهو مستلزم لذلك. وفيه نظر. # ومنها: ما تمسك به العلامة في «نهاية الأصول» ، والحاجبي في «مختصره» ، ~~والعضدي في «شرحه» من أن القراءات السبع «لو لم تكن متواترة لخرج بعض ~~القرآن عن كونه متواترا- كما لك وملك وأشباههما- والتالي باطل فالمقدم ~~مثله. بيان الشرطية أنهما وردا عن القراء السبعة، وليس تواتر أحدهما أولى ~~من تواتر الآخر، فإما أن يكونا متواترين وهو المطلوب، أو لا يكون شيء منهما ~~بمتواتر وهو باطل، وإلا يخرج عن كونه قرآنا، وهذا خلف» . وأورد عليه جمال ~~الدين الخونساري فقال: «لا يخفى أن دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفر ~~الدواعي على نقله- لو تم إنما يدل على وجوب تواتره إلى زمان الجمع. وأما ~~بعده، فالظاهر أنهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا الكتاب الذي جمع، بحيث يصير ~~متواترا في كل زمان، واستغنوا به عن جعل أصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ ~~من خارج، كيف وقد عرفت أن الظاهر أنه لم يقع التواتر في كثير من أبعاض ~~القرآن إلا بهذا الوجه، وهو وجوده في هذا الكتاب المتواتر، على هذا، ~~فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضدي ضعيف جدا، إذ بتواتر ~~ذلك الكتاب- على الوجه المذكور- لا يعلم إلا تواتر إحدى القراءات لا ~~بعينها. لا خصوص بعضها ولا جميعها. فالظاهر أنه لا بد- في إثبات تواترها- ~~من التفحص والتفتيش ms0205 في نقلتها ورواتها، فإن ظهر بلوغهم إلى حد التواتر فهو ~~متواتر وإلا فلا. والذي ظهر لنا من خارج، شهرة القراءات السبع دون ما ~~عداها، وأما بلوغ الجميع أو بعضها حد التواتر فكأنه لا يظهر في هذه ~~الأعصار. # وللقول الثاني: على تواتر ما هو من جوهر اللفظ، الوجه الأخير الذي تمسك ~~به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة لإثبات تواتر السبع، وعلى عدم تواتر ما ~~هو من قبيل الهيأة- كالمد واللين والإمالة وغيرها- ما ذكره بعض من أن ~~القرآن هو الكلام، وصفات الألفاظ- أعني الهيأة- ليست كلاما. وأورد عليه ~~الباغنوي فقال: «هاهنا بحث، وهو أنه لا شك أن القرآن هاهنا عبارة عن اللفظ. ~~وكما أن الجوهر جزء مادي له، كذلك الهيأة جزء صوري له. فإذا ثبت أن القرآن ~~لا بد أن يكون متواترا ثبت أن الهيأة لا بد أن تكون متواترة أيضا. ولو سلم ~~أن الهيأة ليست جزءا للفظ فلا شك أنها من لوازمه. ولا يمكن نقله بدون ~~نقلها، فإذا تواتر نقله تواتر نقلها. فإن قلت: نقله لا يستلزم نقلها ~~بخصوصها بل إنما يستلزم نقل إحداهما لا بعينها، فاللازم تواتر القدر ~~المشترك بين الهيئات، والظاهر أن الهيئات المخصوصة لا يوجب تواترها، فلا ~~منافاة. # قلت: ما ذكر من توفر الدواعي على نقل القرآن لا يجري في الجواهر المخصوصة # PageV01P198 # أيضا، إذ كما أن اختلاف بعض الهيئات لا يؤثر في صلاحية كون القرآن متحدى ~~به، وفي كونه من أصول الأحكام، كذلك اختلاف بعض الجواهر لا يؤثر في ذلك، ~~فلم يلزم أن كل ما هو من قبيل الجوهر لا بد أن يكون متواترا، فليتأمل ... ~~!» انتهى. # واعترض عليه جمال الدين الخونساري فقال- بعد الإشارة إليه-: «لا يخفى أن ~~ما ذكر من دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفر الدواعي على نقله للتحدي به ~~ولكونه أصل سائر الأحكام- لا يدل إلا على وجوب تواتر مادته وهيأته التي ~~يختلف باختلافها المعنى والفصاحة والبلاغة. وأما ما يكون من قبيل الأداء ~~بالمعنى الذي ذكر، فلا يدل على وجوب تواتره، إذ لا مدخل له فيما هو مناط ~~توفر الدوعي. أما استنباط ms0206 الأحكام فظاهر. وأما التحدي والإعجاز فلأنهما لا ~~يوجبان إلا نقل أصل الكلام الذي وقعا به من مادته وصورته التي لهما مدخل ~~فيهما. وأما الهيأة التي لا مدخل لها في ذلك- كالمد واللين مثلا- فلا حاجة ~~إلى تواترهما. بل يكفي فيهما الحوالة إلى ما هو دأب العرب في كلامهم في ~~المد في مواضعه، واللين في مواقعه، وكذا في أمثالهما» . # ثم قال: «لا يخفى أنه إذا جوز تغيير بعض الجواهر، مما يكون من هذا ~~القبيل، فقد يؤدي خطأ إلى تغيير ما يختلف ويختل به المعنى والفصاحة ~~والبلاغة، فلا بد من سد ذلك الباب بالكلية، حذرا من أن ينتهي إلى ذلك، وأما ~~تحريف النقلة في المد واللين وأمثالهما فلا يخل بشيء، إذ يكفي فيهما الرجوع ~~إلى قوانين العرب فيهما. فإذا نقل إلينا متواترا جوهر الكلام وهيأته التي ~~لها دخل في المعنى والفصاحة والبلاغة، فلنرجع في المد واللين وأمثالهما إلى ~~قوانين العرب، ولا حاجة إلى أن يتواتر عندنا أنه في أي موضع مد، وفي أي ~~موضع قصر، وهو ظاهر» . # وللقول الثالث وجوه: # منها: # خبر الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس ~~يقولون: نزل القرآن على سبعة أحرف، فقال: بل نزل على حرف واحد من عند واحد» ~~. # ويؤيده # خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن القرآن واحد نزل من عند ~~الواحد» # ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة. # ومنها: ما ذكره السيد نعمة الله من أن كتب القراءة والتفسير مشحونة من ~~قولهم: قرأ حفص وعاصم كذا، وفي قراءة علي بن أبي طالب وأهل البيت عليهم # PageV01P199 # السلام كذا، بل ربما قالوا: وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ~~يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والحاصل ~~أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين. فكيف تكون القراءات ~~السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس؟ # ومنها: ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن قراءات السبع استندوا بالقراءات ~~بآرائهم، وإن أسندوا بعض قراءاتهم الى النبي صلى الله ms0207 عليه وسلم، فلا يجوز ~~أن يدعي تواتر قراءاتهم. وذلك لأن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب ~~والنقط. كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين ~~عليه السلام وأولاده. # وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا عليه السلام. نعم ذكر جمال الدين ~~السيوطي في كتابه الموسوم ب «المطالع السعيدة» : أن أبا الأسود الدؤلي أعرب ~~مصحفا واحدا في خلافة معاوية. وبالجملة: لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك ~~الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين ~~المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية، كما تصرفوا في ~~النحو، وصاروا إلى ما دونوه من القواعد المختلفة. # قال محمد بن بحر الرهني: «إن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القارئ الذي ~~بعده كانوا لا يجيزون إلا قراءته، ثم لما جاء القارئ الثاني انتقلوا عن ذلك ~~المنع إلى جواز قراءة الثاني، وكذلك في القراءات السبع، فاشتمل كل واحد على ~~إنكار قراءته، ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة، ~~مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم، مع أن في ~~زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة ... إلخ» . ومنها: ما ذكره الرازي في ~~تفسيره الكبير فإنه قال: «اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة ~~بالتواتر، وفيه إشكال، وذلك لأنا نقول هذه القراءات، إما أن تكون منقولة ~~بالنقل المتواتر، أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر ~~أن الله قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها بالجواز، وإذا كان ~~كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا، على خلاف الحكم الثالث بالتواتر، فيجب ~~أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم ~~الكفر، كما ترى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة، ~~ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره. وأما إن قلنا: إن هذه القراءات ما ثبتت ~~بالتواتر، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع ~~وذلك باطل بالإجماع» ms0208 . ثم قال: «ولقائل أن يجيب عنه # PageV01P200 # فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمة فيه، وفي تجويز القراءة بكل ~~واحد منها. # وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج ~~القرآن بالكلية عن كونه قطعيا» انتهى. # ومنها: أنها لو كانت متواترة لكان ترك البسملة من أوائل السور، عدا ~~الحمد، متواترا. لأنه من قراءة بعض السبعة، فيلزم جواز تركها في الصلاة، ~~وهو باطل للأدلة الدالة على عدمه، وقد بيناها في المصابيح. # ومنها: ما ذكره العلامة الشيرازي- فيما حكى عنه- من: «إن الذين يستند ~~إليهم القراء سبعة. والتواتر لا يحصل بسبعة فضلا فيما اختلفوا فيه- ثم قال- ~~أجيب عنه أولا: بأنا لا نسلم أن التواتر لا يحصل بسبعة لأنه لا يتوقف على ~~حصول عدد معين، بل المعتبر فيه حصول اليقين. وثانيا: بأن التواتر ما حصل من ~~هؤلاء السبعة لأن القارئين لكل واحدة من القراءات السبع كانوا بالغين حد ~~التواتر، إلا أنهم استندوا- كل واحد منهم- إلى واحد منهم، إما لتجرده بهذه ~~القراءة، أو لكثرة مباشرته بها، ثم أسندوا الرواية عن كل واحد منهم إلى ~~اثنين لتجردهما لروايتها» انتهى. # وفي جميع الوجوه المذكورة نظر. # والتحقيق أن يقال: إنه لم يظهر دليل قاطع على أحد الأقوال في المسألة. ~~نعم يمكن استظهار القول الأول للإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة ~~بين الخاصة والعامة والمؤيدة بالمروي عن الخصال- كذا- المتقدم إليه الإشارة ~~وغيره مما ذكره حجة عليه. ولا يعارضها خبر الفضيل وزرارة لقصور دلالتهما ~~جدا. فإن المناقشة في # حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف» # جار فيهما كما لا يخفى. ولا يقدح فيها ما ذكره السيد نعمة الله والرازي ~~وغيرهما مما ذكر، حجة على القول الثالث، كما لا يخفى على المتدبر. # وينبغي التنبيه على أمور: # الأول: قال العلامة الشيرازي فيما حكي عنه: «السبع متواترة بشرط صحة ~~إسنادها إليهم، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف ~~المنسوب إلى صاحبها كذلك- كمالك بالألف، وملك بغير الألف- المنسوب أولهما ~~إلى الكسائي وعاصم بإسناد صحيح، مع كونه مكتوبا بالألف في مصحفهما، ~~واستقامة وجهه في العربية» . ثم قال: «وفيه ms0209 نظر، لأن المتواتر ما يفيد ~~العلم، فإذا حصل ثبت أنه قرآن، والعربية ينبغي أن تكون متبعة بالقرآن دون ~~العكس، ثم إنه لا # PageV01P201 # مدخل لموافقة الخط وعدمها عند ثبوت التواتر. # الثاني: اعلم أنه إذا قلنا بأن القراءات السبع كلها متواترة يقينا، ~~فيتفرع عليه أمور: منها: جواز استفادة الأحكام الشرعية من كل منها، ومنها: ~~وجوب الاجتناب من كل منها أصالة إذا كان محدثا. ومنها: لزوم الجمع بين ~~القراءات عند تعارضها، كما يجب الجمع بين الآيات عند تعارضها. وإن قلنا بأن ~~تواترها غير ثابت يقينا، فيتفرع عليه أمور منها: عدم وجوب الاجتناب عن جميع ~~القراءات أصالة إذا كان محدثا، بل يجب من باب المقدمة على القول بأن المنهي ~~عنه- إذا كان مشتبها بغيره وكان محصورا- وجب الاجتناب عن الجميع. وأما على ~~القول بعدم وجوب ذلك فلا يجب الاجتناب- عما ذكر- لا أصالة ولا مقدمة. ~~ومنها: عدم جواز الاستدلال بشيء من القراءات، ولزوم الجمع بينها عند ~~التعارض. لكن هذا إنما يصح إذا منعنا الظن بتواترها، وأما إذا قلنا به، ~~فيجوز الاستدلال بكل منها، ويجب الجمع بينها، كما إذا علم به، بناء على أن ~~الأصل في كل ظن الحجية، فإن منع منه، ففي الأمرين نظر ... !» انتهى بحروفه ~~ملخصا. ### | فصل في ذكر ملخص وجوه التفسير ومراتبه # هذا الفصل ننقله عن مقدمة التفسير الذي شرع فيه، في هذا العهد، الأستاذ ~~النحرير الشيخ محمد عبده مفتي مصر. قال- حرسه الله وأيده ورعاه-: # «التكلم في تفسير القرآن ليس بالأمر السهل، وربما كان من أصعب الأمور ~~وأهمها، وما كل صعب يترك. ولذلك لا ينبغي أن يمتنع الناس عن طلبه. ووجوه ~~الصعوبة كثيرة، أهمها: أن القرآن كلام سماوي تنزل من حضرة الربوبية، التي ~~لا يكتنه كنهها، على قلب أكمل الأنبياء، وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب ~~سامية، لا يشرف عليها إلا أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية، وأن ~~الطالب له يجد أمامه من الهيبة والجلال، الفائضين من حضرة الكمال، ما يأخذ ~~بتلبيبه، ويكاد يحول دون مطلوبه. ولكن الله تعالى خفف علينا الأمر بأن ~~أمرنا بالفهم والتعقل لكلامه، ms0210 لأنه إنما أنزل الكتاب نورا وهدى مبينا للناس ~~شرائعه وأحكامه، ولا يكون كذلك إلا إذا كانوا يفهمونه. والتفسير الذي نطلبه ~~هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم ~~الدنيا، وحياتهم الآخرة. فإن هذا هو # PageV01P202 # المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له، أو وسيلة لتحصيله. # التفسير له وجوه شتى: # أحدها: النظر في أساليب الكتاب ومعانيه وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة ~~ليعرف به علو الكتاب، وامتيازه على غيره من القول. سلك هذا المسلك ~~الزمخشري، وقد ألم بشيء من المقاصد الأخرى، ونحا نحوه آخرون. # ثانيها: الإعراب، وقد اعتنى بهذا أقوام توسعوا في بيان وجوهه، وما تحتمله ~~الألفاظ منها. # ثالثها: تتبع القصص، وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا في قصص القرآن ما ~~شاؤوا من كتب التاريخ، والإسرائيليات، ولم يعتمدوا على التوراة والإنجيل ~~والكتب المعتمدة عند أهل الكتاب وغيرهم، بل أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من ~~غير تفريق بين غث وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل. # رابعها: غريب القرآن. # خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، والاستنباط منها. # سادسها: الكلام في أصول العقائد، ومقارعة الزائغين، ومحاجة المختلفين. # وللإمام الرازي العناية الكبرى بهذا النوع. # سابعها: المواعظ والرقائق، وقد مزجها، الذين ولعوا بها، بحكايات المتصوفة ~~والعباد. وخرجوا ببعض ذلك عن حدود الفضائل والآداب التي وضعها القرآن. # ثامنها: ما يسمونه بالإشارة، وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية ~~بكلام الصوفية. # وقد عرفت أن الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن ~~المقصود من الكتاب الإلهي، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي. لهذا ~~كان الذي نعنى به من التفسير هو ما سبق ذكره، ويتبعه بلا ريب بيان وجوه ~~البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب على الوجه الذي يليق بفصاحة ~~القرآن وبلاغته. # ويمكن أن يقول بعض أهل هذا العصر: لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، ~~لأن الأئمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام منهما، فما # PageV01P203 # علينا إلا أن ننظر في كتبهم، ms0211 ونستغني بها..! هكذا زعم بعضهم!! ولو صح هذا ~~الزعم، لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى، وهو- على ما فيه من تعظيم ~~شأن الفقه- مخالف لإجماع الأمة، من النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر واحد ~~من المؤمنين ... ! # ولا أدري كيف يخطر هذا على بال مسلم ... ؟! # الأحكام العملية التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقل ما جاء في ~~القرآن. وإن فيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ورفعه من ~~حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية، ما ~~لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وما هو أجدر بالدخول في الفقه ~~الحقيقي، ولا يوجد هذا الإرشاد إلا في القرآن. وفيما أخذ منه، كإحياء ~~العلوم، حظ عظيم من علم التهذيب. # ولكن سلطان القرآن على نفوس الذين يفهمونه، وتأثيره في قلوب الذين يتلونه ~~حق تلاوته لا يساهمه فيه كلام، كما أن الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها ~~اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام. # ثم إن أئمة الدين قالوا: إن القرآن سيبقى حجة على كل فرد من أفراد البشر ~~إلى يوم القيامة # لحديث: «والقرآن حجة لك أو عليك» # . (أول حديث في كتاب الطهارة من صحيح مسلم. عن أبي مالك الأشعري) ولا ~~يعقل هذا إلا بفهمه والإصابة من حكمته وحكمه. # خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية ~~في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أنزل القرآن لهدايته، ~~يقول الله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم [النساء: 1] ، فهل يعقل أنه ~~يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا ونكتفي بالنظر في قول نظر ناظر فيه، ولم ~~يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه، لا جملة ولا تفصيلا ... ؟ كلا. إنه يجب ~~على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم ~~وجاهل، يكفي العامي من فهم قوله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون ... إلخ [المؤمنون: 1- 6] ، ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن ~~الذين جمعت أوصافهم في ms0212 الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى، ~~ويكفي في معرفة الأوصاف أن يعرف معنى الخشوع، والإعراض عن اللغو، وما لا ~~خير فيه، والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية، وبذل المال في ~~الزكاة، والوفاء بالعهد، وصدق الوعد، والعفة عن إتيان الفاحشة. وأن من ~~فارق، هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المتعدي حدود # PageV01P204 # الله، المتعرض لغضبه. وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة ~~كان، ومن أهل أي لغة كان. ومن الممكن أن يتناول كل أحد من القرآن بقدر ما ~~يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإن الله تعالى أنزله لهدايتنا، وهو ~~يعلم منا كل أنواع الضعف الذي نحن عليه. وهناك مرتبة تعلو على هذه وهي من ~~فروض الكفاية. # للتفسير مراتب: أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله تعالى ~~وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير، وهذه هي التي قلنا إنها ~~متيسرة لكل أحد ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر: 17] وأما ~~المرتبة العليا فإنها لا تتم إلا بأمور. # أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن، بحيث يحقق المفسر ~~ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان، وفهم فلان، فإن كثيرا من ~~الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن ~~قريب أو بعيد، من ذلك لفظ التأويل. اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه ~~مخصوص. ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى، كقوله تعالى: هل ينظرون إلا ~~تأويله، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~[الأعراف: 53] فما هذا التأويل؟ # يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ~~ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب. فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن ~~بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى. فعلى المدقق أن ~~يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله. والأحسن أن يفهم ~~اللفظ من القرآن نفسه. بأن يجمع ما تكرر في ms0213 مواضع منه، وينظر فيه. فربما ~~استعمل بمعان مختلفة. كلفظ «الهداية» - سيأتي تفسيره في الفاتحة- وغيره، ~~ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين ~~معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه ببعض. وإن أفضل قرينة تقوم على ~~حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، ~~وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته. # ثانيها: الأساليب: فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب ~~الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ~~ومحاسنه # PageV01P205 # والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم، إننا لا نتسامى إلى فهم ~~مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به ~~بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب- المعاني ~~والبيان- ولكن مجرد العلم بهذه الفنون، وفهم مسائلها، وحفظ أحكامها، لا ~~يفيد المطلوب. ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق يتكلمون ~~بما يوافق القواعد قبل أن توضع! أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلا! وإنما ~~هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من ~~العجم عند ما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدة ~~خمسين سنة من بعد الهجرة ... ! # ثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبين ~~فيه ما لم يبينه في غيره. بين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه، والسنن ~~الإلهية في البشر، وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته ~~فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم، ~~وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان ~~وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علوية وسفلية، ويحتاج في هذا إلى ~~فنون كثيرة من أهمها: # التاريخ بأنواعه. # أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات ~~والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا ~~بالنظر والتفكر والسير ms0214 في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء ~~وكمالا ... ! ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنا كمن يعتبر ~~الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة ... ! # رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن. فيجب على المفسر القائم ~~بهذا الفرض الكفائي أن يعلم بما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب ~~وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعث لهدايتهم وإسعادهم..! وكيف يفهم المفسر ما قبحته ~~الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة- أو ما يقرب منها- إذا لم يكن عارفا ~~بأحوالهم وما كانوا عليه. هل يكتفي من علماء القرآن- دعاة الدين والمناضلين ~~عنه- بالتقليد بأن يقولوا- تقليدا لغيرهم- إن الناس كانوا على باطل، وإن ~~القرآن دحض أباطيلهم في الجملة؟ كلا ... ! # خامسها: العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كانوا عليه ~~من علم وعمل، وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها. # PageV01P206 # فعلم- مما ذكرنا- أن التفسير قسمان: # أحدهما: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به: حل الألفاظ، وإعراب ~~الجمل، وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. وهذا ~~لا ينبغي أن يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو ~~والمعاني وغيرهما. # وثانيهما: (وهو التفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية) ~~هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسر إلى ~~فهم مراد القائل من القول وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على ~~الوجه الذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ~~ليتحقق فيه معنى قوله: هدى ورحمة ونحوهما من الأوصاف. # فالمقصد الحقيقي وراء كل تلك الشروط والفنون، وهو الاهتداء بالقرآن. # وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير» ثم تكلم عن ~~التفسير والتأويل في اصطلاح العلماء، وبين عظم شأن التفسير وفهمه بما ~~مثاله: # «مثل الناطقين بالعربية الآن- من العراق إلى نهاية بلاد مراكش- بالنسبة ~~إلى العرب في لغتهم، كمثل قوم من الأعاجم- مخالطين للعرب- وجد في كلامهم- ~~بسبب المخالطة- مفردات كثيرة من العربية. فهؤلاء الأقوام ms0215 أشد حاجة إلى ~~التفسير وفهم القرآن من المسلمين الأولين، لا سيما من كانوا في القرن ~~الثالث حيث بدئ بكتابة التفسير وأحس المسلمون بشدة حاجتهم إليه. ولا شك أن ~~من يأتي بعدنا يكون أحوج منا إلى ذلك، إذا بقينا على تقهقرنا، ولكن إذا يسر ~~الله لنا نهضة لإحياء لغتنا وديننا فربما يكون من بعدنا أحسن حالا منا ... ~~! # التفسير عند قومنا- اليوم ومن قبل اليوم بقرون- هو عبارة عن الاطلاع على ~~ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه ~~القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] ، ~~وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير- يطلبون لأنفسهم معنى تستقر ~~عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه- ~~لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من ~~يباريهم في طلبها، # PageV01P207 # ولا يخرجون- لإظهار البراعة في تحصيلها- عن حد الإكثار من القول، واختراع ~~الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل. إن الله تعالى ~~لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس، وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه ~~الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بين لنا ما نزل إلينا ~~وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] . يسألنا: هل ~~بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بلغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم؟ ~~وهل عملتم بإرشاد القرآن. واهتديتم بهدي النبي، واتبعتم سنته؟ # عجبا لنا! ننتظر هذا السؤال، ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه ... ! # فيا للغفلة والغرور. # معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى. أول ما يلقن الوليد عندنا من ~~معرفة الله تعالى هو اسم «الله» تبارك وتعالى، يتعلمه بالأيمان الكاذبة، ~~كقوله: والله لقد فعلت كذا وكذا، والله ما فعلت كذا ... وكذلك القرآن! يسمع ~~الصبي ممن يعيش معهم: أنه كلام الله تعالى، ولا يعقل معنى ذلك، ثم لا يعرف ~~من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربى بينهم، وذلك ~~بأمرين: # أحدهما: اعتقاد أن آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء ms0216 وشربه صاحب مرض كذا، ~~يشفى! وأن من حمل القرآن لا يقربه جن ولا شيطان! ويبارك له في كذا وكذا ... ~~إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما هو معروف للخاصة ... ! ~~ومع صرف النظر عن صحة هذا وعدم صحته، نقول: إن فيه مبالغة في التعظيم عظيمة ~~جدا، ولكنها- ويا للأسف ... ! - لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض ~~الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها..! ونحو هذا ما يعلق على ~~الأطفال من التعاويذ والتناجيس: كالخرق، والعظام، والتمائم المشتملة على ~~الطلسمات والكلمات الأعجمية المنقولة عن بعض الأمم الوثنية ... ! # هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه- إذا جرينا على سنة القرآن- عبادة ~~للقرآن لا عبادة لله به! ثانيهما: الهمزة، والحركة المخصوصة، والكلمات ~~المعلومة ### | .... # التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ رخيم الصوت، حسن الأداء، ~~عارفا بالتطريب على أصول النغم.. # والسبب في هذه اللذة والنشوة هي حسن الصوت والنغم، بل أقوى سب # PageV01P208 # لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن ... ! وأعني بالفهم: ما يكون عن ذوق ~~سليم تصيب أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظها، فتشغله عما بين يديه ~~مما سواه. # لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا، لم يصحبه ذلك ~~الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل ~~والتأثر والفهم والتدبر ... # لهذا كله، يمكننا أن نقول: إن الجاهلية اليوم أشد من الجاهلية والضالين ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن من أولئك من قال الله تعالى فيهم: ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] ، ومعرفة الحق أمر عظيم شريف ... ~~! نعم، ربما كان إثم صاحبها مع الجحود أشد، ولكنه يكون دائما ملوما من نفسه ~~على الإعراض عن الحق. وهذا اللوم يزلزل ما في نفسه من الإصرار على الباطل. # كان البدوي راعي الغنم يسمع القرآن فيخر له ساجدا لما عنده من رقة ~~الإحساس ولطف الشعور ... ! فهل يقاس هذا بأي متعلم اليوم؟ أرأيت أهل جزيرة ~~العرب كيف انضووا إلى الإسلام بجاذبية القرآن لما كان لهم من دقة الفهم ~~التي كانت سبب الانجذاب إلى الحق..! ms0217 # - وأشار الأستاذ هنا إلى البنت الأعرابية التي فطنت لاشتمال الآية على ~~أمرين ونهيين وبشارتين- ومجمل الخبر: أن الأصمعي قال: سمعت بنتا من الأعراب ~~خماسية أو سداسية تنشد: # أستغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانا بغير حله # مثل غزال ناعم في دله ... وانتصف الليل ولم أصله # فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: ويحك! أيعد هذا فصاحة مع قوله ~~تعالى: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين [القصص: 7] فجمع في ~~آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين ... ! # لما رأى علماء المسلمين في الصدر الأول تأثير القرآن في جذب قلوب الناس ~~إلى الإسلام، وأن الإسلام لا يحفظ إلا به، ولما كان العرب قد اختلطوا ~~بالعجم، وفهم من دخل في الإسلام من الأعاجم ما فهمه علماء العرب، أجمع كل ~~على وجوب حفظ اللغة العربية، ودونوا لها الدواوين، ووضعوا لها الفنون. # PageV01P209 # نعم: إن الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه، ومدة من مواد ~~حياتها، ولا حياة لأمة ماتت لغتها. ولكن لم يكن هذا وحده هو الحامل لسلف ~~الأمة على حفظ اللغة بمفرداتها وأساليبها وآدابها، وإنما الحامل لهم على ~~ذلك ما ذكرنا. # ألف العلامة الأسفراييني كتابا في الفرق، ختمه بذكر أهل السنة ومزاياهم، ~~وعد من فضائلهم- التي امتازوا بها على سائر الفرق- التبريز في اللغة ~~وآدابها، وبين ذلك بأجلى بيان. فزين هذه المزايا؟ وأين آثارها في فهم ~~القرآن؟ بل وفهم ما دونه من الكلام البليغ ... ؟ # وقد بينا وجه الحاجة في التفسير إلى تحصيل ملكة الذوق العربي، وإلى غير ~~ذلك من الأمور التي يتوقف عليها القرآن» انتهى. ### | فصل في بيان دقائق المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم # قال بعض علماء الفلك ما مثاله: إن القرآن الكريم قد أتى في هذا الباب ~~بمسائل علمية دقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه ~~المسائل تعتبر من معجزات القرآن العلمية الخالدة. وهاكها ملخصة: # المسألة الأولى-: الأرض كوكب كباقي الكواكب السيارة الله الذي خلق سبع ms0218 ~~سماوات ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12] ، وهما من مادة واحدة كانتا رتقا ~~ففتقناهما [الأنبياء: 30] . وهي تدور حول الشمس وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء [النمل: 88] . # المسألة الثانية: السيارات الأخرى مسكونة بالحيوانات وما بث فيهما من ~~دابة [الشورى: 29] ، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن [الإسراء: 44] ~~يسئله من في السماوات والأرض [الرحمن: 29] ، ومجموع هذه الآيات يدل على أن ~~في السموات حيوانات عاقلة كالإنسان، لا كما كان يزعم القدماء: أن الكواكب ~~كلها أجرام فارغة خلقت ليتلذذ بمنظرها الإنسان ... ! # المسألة الثالثة: ليس القمر خاصا بالأرض، بل للسيارات الأخرى أقمار وجعل ~~القمر فيهن نورا [نوح: 16] فالألف واللام في القمر للجنس لا للعهد، كما # PageV01P210 # في قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] . # المسألة الرابعة: ليست السيارات مضيئة بذاتها، بل إن الشمس هي مصباحها ~~جميعا وجعل الشمس سراجا [نوح: 16] أي لهن، كما يدل عليه السياق، فالنور ~~الذي نشاهده فيها منعكس عليها من الشمس. # المسألة الخامسة: السماوات والسيارات السبع شيء، والشمس والقمر شيء آخر، ~~فهما ليسا من السيارات كما كان يتوهم القدماء ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ... [العنكبوت: 61] الآية وغيرها كثير. # المسألة السادسة: العوالم متعددة: ولذلك يقول القرآن في كثير من المواضع: # الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2] ، والعوالم هي منظومات من الكواكب ~~المتجاذبة والسماء ذات الحبك [الذاريات: 7] . لا كما كان يتوهم القدماء: أن ~~العالم واحد وأن الإنسان أشرف الموجودات ... ! # المسألة السابعة- ليست جميع العوالم مخلوقة لأجل هذا الإنسان: لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: 57] ، أي الناس المعهودين على ~~وجه الأرض. والإنسان الأرضي أفضل من بعض المخلوقات لا كلها وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا [الإسراء: 70] . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: وسخر لكم ~~ما في السماوات وما في الأرض [الجاثية: 13] ، إذ لا يلزم من هذا القول أنها ~~غير مسخرة لغيرنا من الأحياء، فالبحر مثلا، قال الله تعالى فيه: سخر لكم ~~البحر [الجاثية: 12] ، مع أنه مسخر لغيرنا من الحيوانات البحرية تسخيرا أتم ~~وأعم، فمنه تأكل ms0219 وتشرب وتتنفس، وفيه تسكن وتحيى وتموت. فما هو مسخر لبعض ~~الحيوانات تسخيرا جزئيا قد يكون مسخرا لغيرها تسخيرا كليا. فكذلك النجوم ~~مسخرة لنا- لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر- مع أنها لغيرنا شموس عليها ~~قوام حياتهم، كما إن شمسنا عليها قوام حياتنا وهي- بالنسبة لهم- نجم من ~~نجوم الثوابت. # وبالجملة: فإن جميع العوالم- بما بينها من الارتباط العام والتجاذب الذي ~~بينها- مسخرة بعضها لبعض بالنفع الكلي أو الجزئي. # المسألة الثامنة-: كان القدماء يعتقدون أن جميع الثوابت مركوزة في كرة ~~مجوفة يسمونها كرة الثوابت- أو فلك الثوابت- وبحركة هذه الكرة تتحرك ~~الكواكب كما تقدم. ومعنى ذلك: أن الكواكب لا حركة لها بذاتها، وأن فلك # PageV01P211 # جميع الثوابت واحد وأنه جسم صلب. والحقيقة خلاف ذلك. فإن لكل كوكب فلكا ~~يجري فيه وحده، وكل كوكب يتحرك بذاته لا بحركة غيره، والكواكب جميعا سابحة ~~في الفضاء، أو بعبارة أصح في الأثير- مادة العالم الأصلية- غير مركوزة في ~~شيء مما يتوهمون. وبهذه الحقائق جاء الكتاب الحكيم والناس في الظلمات ~~والأوهام يتخبطون..! قال الله تعالى: وكل في فلك يسبحون [الأنبياء: 33] ، ~~والتنوين في لفظ «كل» عوض عن الإضافة. والمعنى: كل واحد من الكواكب في فلك ~~خاص به يسبح بذاته. وفي قوله يسبحون إشارة إلى مادة العالم الأصلية- ~~الأثير- التي تسبح فيها الكواكب كما تسبح الأسماك في الماء. فليست الأفلاك ~~أجساما صلبة تدور بالكواكب كما كانوا يزعمون ### | ..... # المسألة التاسعة: نص الكتاب العزيز على جود الجذب العام للكواكب كافة من ~~جميع جهاتها، فقال: والسماء ذات الحبك [الذاريات: 7] ، أم السماء بناها ~~[النازعات: 27] ، هل ترى من فطور [الملك: 3] ، فالكون كله: # كالجسم الواحد الكبير، محكم البناء، لا خلل فيه، كما قال: وما لها من ~~فروج ويتخلله الأثير كما يتخلل ذرات الجسم الصغير فتبارك الله أحسن ~~الخالقين [المؤمنون: 14] . # المسألة العاشرة: كان الناس في سالف الأزمان لا يدرون من أين يأتى ماء ~~المطر، ولهم في السحاب أوهام عجيبة، كما كانت لهم في كل شيء سخافات ~~وخرافات..! ولكن القرآن الشريف تنزه عن الجهل والخطأ فقال: ألم تر أن الله ~~يزجي سحابا- إلى قوله: فترى الودق يخرج من خلاله [النور: ms0220 43] . وقال: # أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض [الزمر: 21] . ومقتضى الآيتين: # أن الماء العذب الذي نشربه ونسقي به الأرض- سواء كان من الينابيع أو من ~~الأنهار- هو من الأمطار الناشئة من السحاب، ومن أين يأتي السحاب؟ هو بخار ~~من بحار هذه الأرض! أي: أن السحاب هو من الأرض، وهو عين قوله تعالى: أخرج ~~منها ماءها ومرعاها [النازعات: 31] ، أي: أن الماء جميعه أصله من الأرض وإن ~~شوهد أنه ينزل من السحاب ... ! # فهذه كلها آيات بينات، ومعجزات باهرات، دالة على صدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وصحة القرآن» . كلامه بحروفه. # وقال أيضا: # «من عجيب أمر هذا القرآن أن يذكر أمثال هذه الدقائق العلمية العالية، ~~التي # PageV01P212 # كانت جميع الأمم تجهلها، بطريقة لا تقف عثرة في سبيل إيمان أحد به، في أي ~~زمن كان، مهما كانت معلوماته. فالناس قديما فهموا أمثال هذه الآية بما ~~يوافق علومهم، حتى إذا كشف العلم الصحيح عن حقائق الأشياء، علمنا أنهم ~~كانوا واهمين، وفهمنا معناها الصحيح. فكأن هذه الآيات جعلت في القرآن ~~معجزات للمتأخرين، تظهر لهم كلما تقدمت علومهم ... ! وأما المعاصرون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، فمعجزته لهم: إتيانه بأخبار الأولين، وبالشرائع التي ~~أتى بها، وبالمغيبات التي تحققت في زمنه ... وغير ذلك، مع علمهم بصدقه ~~وحاله، وبعده عن العلم، والتعلم بالمشاهدة والعيان. فآيات القرآن- بالنسبة ~~لهم- بعضها معناه صريح لا يقبل التأويل، وفيها بيان كل شيء مما يحتاجون ~~إليه، والبعض الآخر يقبل التأويل، وتتشابه عليهم معانيه لنقص علومهم. وهذا ~~القسم لا يهمهم كثيرا، فإنه خاص بعلوم لم يكونوا وصلوا إليها، وهو معجزات ~~للمتأخرين يشاهدونها، وتتجلى لهم كلما تقدموا في العلم الصحيح. قال تعالى: ~~هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [آل ~~عمران: 7] ، أي: لها معان كثيرة يشبه بعضها بعضا، وتتشابه عليهم في ذلك ~~الزمن، فلا يمكنهم الجزم بالصحيح منها: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة بتشكيك الناس في دينهم بسببه وابتغاء تأويله، ~~وما يعلم تأويله إلا الله في زمنهم لنقص علمهم ms0221 وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا [الإسراء: 85] . والراسخون في العلم يقولون ... إلخ، فإذا جعل قوله ~~تعالى والراسخون معطوفا على لفظ الجلالة كان المعنى: أن تأويله لا يعلمه ~~أحد في جميع الأزمنة إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه، وإذا كان لفظ ~~والراسخون مستأنفا كان المعنى: أن الراسخين في العلم في زمنهم لا يعلمون ~~تأويله- كما قلنا- وإنما يؤمنون به لظهور الدلائل الأخرى لهم على صدق ~~النبي، ويفوضون علم هذه الأشياء إلى المستقبل من الزمان، كما نفوض الآن ~~نحن، مسألة رجم الشياطين بالشهب، للمستقبل ونؤمن بالقرآن لثبوت صدقه ~~بالدلائل الأخرى القطعية» بحروفه. ### | بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف # قد بسط الكلام في أن مذهب السلف هو الحق غير واحد من الأئمة الأعلام. # وهو، وإن كان غنيا في نفسه عن إقامة البرهان، فقد رأينا أن نورد شذرة مما ~~يؤيد # PageV01P213 # ذلك، تنبيها للغبي، وتأييدا للألمعي. فنقول: قال حجة الإسلام الغزالي قدس ~~الله روحه في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام» . # الباب الثاني في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف، وعليه برهانان ~~عقلي وسمعي: # «أما العقلي فاثنان: كلي وتفصيلي. أما البرهان الكلي على أن الحق مذهب ~~السلف، فينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلمة عند كل عاقل: # الأول: أن أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد، بالإضافة إلى حسن المعاد هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ما ينتفع به في الآخرة- أو يضر، - لا سبيل ~~إلى معرفته بالتجربة- كما عرف الطبيب- إذ لا مجال للعلوم التجريبية إلا بما ~~يشاهد على سبيل التكرر، ومن الذي رجع من ذلك العالم فأدرك بالمشاهدة ما نفع ~~وضر، وأخبر عنه؟ ولا يدرك بقياس العقل، فإن العقول قاصرة عن ذلك، والعقلاء ~~بأجمعهم معترفون بأن العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ~~ضرر المعاصي ونفع الطاعات، لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد- كما وردت به ~~الشرائع- بل أقروا بجملتهم: أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوة، وهي قوة وراء ~~قوة العقل، يدرك بها من أمر الغيب في الماضي والمستقبل أمور لا على طريق ms0222 ~~التعريف بالأسباب العقلية. وهذا مما اتفق عليه الأوائل من الحكماء، فضلا عن ~~الأولياء والعلماء الراسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباس من حضرة النبوة، ~~المقرين بقصور كل قوة سوى هذه القوة. # الأصل الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أفاض إلى الخلق ما أوحي إليه من ~~صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، وأنه ما كتم شيئا من الوحي وأخفاه وطواه عن ~~الخلق، فإنه لم يبعث إلا لذلك، ولذلك كان رحمة للعالمين، فلم يكن متهما ~~فيه، وعرف ذلك علما ضروريا من قرائن أحواله في حرصه على إصلاح الخلق، وشغفه ~~بإرشادهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم، فما ترك شيئا مما يقرب الخلق إلى الجنة ~~ورضاء الخالق إلا دلهم عليه، وأمرهم به، وحثهم عليه، ولا شيئا مما يقربهم ~~إلى النار وإلى سخط الله إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، وذلك في العلم والعمل ~~جميعا. # الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كنهه ~~ودرك أسراره، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعاصروه، وصاحبوه، بل لازموه ~~آناء الليل والنهار، متشمرين لفهم معاني كلامه وتلقيه بالقبول: للعلم به ~~أولا، وللنقل إلى من بعدهم ثانيا، وللتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بسماعه ~~وفهمه وحفظه ونشره. # PageV01P214 # وهم الذين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السماع والفهم والحفظ ~~والأداء # فقال: «نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ... » «1» ~~الحديث. # فليت شعري أيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائه وكتمانه عنهم؟! ~~حاشا منصب النبوة عن ذلك..! أو يتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك ~~مقاصده..؟ أو يتهمون في إخفائه وإسراره بعد الفهم؟ أو يتهمون في معاندته من ~~حيث العمل ومخالفته على سبيل المكابرة، مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه؟ فهذه ~~أمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل..! # الأصل الرابع: أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى ~~البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور. بل بالغوا في ~~زجر من خاض فيه، وسأل عنه، وتكلم به على ما سنحكيه عنهم، فلو كان ذلك من ~~الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين ms0223 لأقبلوا عليه ليلا ونهارا، ودعوا ~~إليه أولادهم وأهليهم، وتشمروا عن ساق الجد في تأسيس أصوله، وشرح قوانينه ~~تشمرا أبلغ من تشمرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث. فنعلم- بالقطع من ~~هذه الأصول- أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوه.، وقد أثنى عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «2» # وقال صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة، الناجية منهم ~~واحدة» «3» فقيل: من هم؟ فقال: «ما أنا عليه الآن وأصحابي» . # البرهان الثاني، وهو التفصيلي: فنقول: PageV01P215 # ادعينا أن الحق هو مذهب السلف، وأن مذهب السلف هو: توظيف الوظائف السبع ~~على عوام الخلق في ظواهر الأخبار المتشابهة. وقد ذكرنا برهان كل وظيفة معها ~~فهو برهان كونه حقا، فمن يخالف- ليت شعري! - أيخالف في قولنا الأول: إنه ~~يجب على العامي التقديس للحق عن التشبيه ومشابهة الأجسام. أو في قولنا ~~الثاني: # إنه يجب عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام ~~بالمعنى الذي أراده. أو في قولنا الثالث: إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن ~~درك حقيقة تلك المعاني. أو في قولنا الرابع: إنه يجب عليه السكوت عن السؤال ~~والخوض فيما هو وراء طاقته. أو في قولنا الخامس: إنه يجب عليه إمساك اللسان ~~عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع والتفريق. أو في قولنا السادس: ~~إنه يجب عليه كف القلب عن التذكر فيه والفكر مع عجزه عنه، وقد قيل لهم: ~~تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق. أو في قولنا السابع: إنه يجب عليه ~~التسليم لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين. فهذه أمور ~~بيانها برهانها، ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها، إن كان من أهل التمييز، ~~فضلا عن العلماء والعقلاء. فهذه هي البراهين العقلية! النمط الثاني: ~~البرهان السمعي على ذلك. وطريقه أن نقول: # الدليل على أن الحق مذهب السلف أن نقيضه بدعة- والبدعة مذمومة وضلالة- ~~والخوض من جهة العوام في التأويل، والخوض فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة، ~~وكان نقيضه- وهو الكف عن ذلك- سنة محمودة. فهاهنا ثلاثة أصول: # أحدها: إن البحث ms0224 والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة. # والثاني: أن كل بدعة فهي مذمومة. # والثالث: أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضها، وهي السنة القديمة، ~~محمودة. # ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول، فإذا سلم ذلك، ينتج: أن الحق مذهب ~~السلف. ثم أطال- قدس سره- في إيضاح هذه الأصول وأطاب، فارجع إليه إن شئت. # والقول الشامل في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه: # «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن ~~والحديث. ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل # PageV01P216 # معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه. وهو سبحانه، مع ذلك، ليس ~~كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله. فكما ~~نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، ~~وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب ~~نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة، وأنه سبحانه مستحق الكمال الذي لا ~~غاية فوقه، وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة ~~العدم. ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل. فلا يمثلون صفات الله بصفات ~~خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو ~~وصفه به رسوله، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفون الكلم عن ~~مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته» . # روى البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» بإسناد صحيح عن الأوزاعي، قال: # «كنا- والتابعون متوافرون- نقول: إن الله، تعالى ذكره، فوق عرشه، ونؤمن ~~بما وردت السنة به من صفاته. فقد حكى الأوزاعي- وهو أحد الأئمة الأربعة في ~~عصر تابعي التابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل ~~الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة هذا القول ~~في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال ~~الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي ms0225 ~~لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا. # وروى أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» عن الأوزاعي، قال: # «سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت» . # وروي أيضا عن الوليد بن مسلم قال: # «سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار ~~التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت» . وفي رواية، فقالوا: # «أمروها كما جاءت بلا كيف» . فقولهم رضي الله عنهم «أمروها كما جاءت» رد ~~على المعطلة، وقولهم «بلا كيف» رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم ~~التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين- ~~أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه. # وقال تلميذه الإمام شمس الدين بن القيم الدمشقي في كتابه «طريق الهجرتين» # PageV01P217 # في شرح حديث «فرح الله بتوبة عبده» ما صورته، بعد جمل: # «وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء، فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت ~~نفسه وطباعه فعليك بوادي الخفا، وهو وادي المحرفين للكلم عن مواضعه، ~~الواضعين له على غير المراد منه، فهو واد قد سلكه خلق، وتفرقوا في شعابه ~~وطرقه ومتاهاته، ولم يستقر لهم فيه قدم، ولا لجئوا منه إلى ركن وثيق، بل هم ~~كحاطب الليل، وحاطم السيل. وإن نجاك الله من هذا الوادي، فتأمل هذه الألفاظ ~~النبوية المعصومة التي مقصود المتكلم بها غاية البيان، مع مصدرها عن كمال ~~العلم بالله، وكمال النصيحة للأمة، ومع هذه المقامات الثلاث- أعني كمال ~~بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني، وكمال معرفته وعلمه بما يعبر ~~عنه، وكمال نصحه وإرادته لهداية الخلائق- يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء، وهو ~~لا يريد منهم ما يدل عليه خطابه، بل يريد منهم أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب، ~~إنما يدل عليه- كدلالة الألغاز والأحاجي- مع قدرته على التعبير عن ذلك ~~المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع ~~للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات ~~والتجويزات. # سبحانك هذا بهتان عظيم. وهل قدر الرسول حق قدره، أو مرسله حق قدره ms0226 من نسب ~~كلامه سبحانه، أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ~~ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه ~~المحرفون للكلم عن مواضعه، المتأولون له غير تأويله، وأن يكون كلامه من جنس ~~الألغاز والأحاجي. والحمد لله رب العالمين. # فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فنسلك فيه، أو من طريق ~~يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم. بحمد الله، الطريق واضحة المنار، بينة ~~الأعلام، مضيئة للسالكين، وأولها: أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى ~~صفات رب العالمين، فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس. من حلها، فما بعدها ~~أيسر منها. ومن هلك بها، فما بعدها أشد منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات ~~الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها، واحتجابه بها عن أصل الصفة، ~~وتجردها عن خصائص المحدث؟ فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها، فيظن ~~القاصر، إذا رأى ذلك اللازم في المحل المحدث، أنه لزم لتلك الصفة مطلقا، ~~فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم. ~~وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة ~~والمقت والبغض، وردها كلها إلى الإرادة. فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص ~~المخلوق من انبساط دم # PageV01P218 # القلب، وحصول ما ينفعه، وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام، ~~وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين، فإن ذلك هو ~~السابق إلى فهمه. وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه، ولم ~~يحط علمه بغيره، ولما كان هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق ~~والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم، فلم يجد بدا من نفيها. # ثم لأصحاب هذا الطريق مسلكان: # أحدهما: مسلك التناقض البين وهو إثبات كثير من الصفات. ولا يلتفت فيها ~~إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق- كالعلم والقدرة ~~والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها ~~يستلزم المحذور الذي فر ms0227 منه، فكيف لم يستلزمه إثبات ما أثبته؟ وإن كان ~~إثبات لا يستلزم محذورا، فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه؟ وهل في التناقض أعجب ~~من هذا..؟ # المسلك الثاني: مسلك النفي العام والتعطيل المحض هربا من التناقض، ~~والتزاما لأعظم الباطل وأمحل المحال، فإذا، الحق المحض في الإثبات المحض ~~الذي أثبته الله لنفسه في كلامه، وعلى لسانه رسوله، من غير تشبيه ولا ~~تمثيل، ومن غير تحريف ولا تبديل، ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما ~~يلزم الصفة في المحل المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله، ~~فيضطرون، في نفيه، إلى نفي الصفة. ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة ~~لذاتها من حيث هي، فهذا لا يجب بل لا يجوز نفيه كما يلزم العلم والسمع ~~والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر، فلا يجوز نفي هذه التعلقات عن هذه ~~الصفات إذ لا تحقق لها بدونها. وكذلك الإرادة، مثلا، تستلزم العلم لذاتها ~~فلا يجوز نفي لازمها عنها. وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا ~~يجوز نفي لوازمها. وكذلك كون المرئي مرئيا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها. ~~ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلا بنفي الرؤية. # وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بد منها، فمن نفى لوازمه نفى الفعل ~~الاختياري ولا بد. # من هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا، فإنهم ينفون الشيء، ~~ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء، وينفون لازمه، فتناقض أقوالهم وأدلتهم، ~~ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشك. ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك ~~والحيرة، حاشا من هو في خفارة بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع ~~تلك # PageV01P219 # الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحي عليها فنقدها نقد ~~الصيارف، فنفى زغلها، وعلم أن الصحيح منها: إما أن يكون قد تولت النصوص ~~بيانه، وإما أن يكون فيها غنية عنه، بما هو خير منه، وأقرب طريقا، وأسهل ~~تناولا لا يستفيد المؤمن البصير، بما جاء به الرسول العارف به، من ~~المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا، ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة ~~بعضهم بعضا، ms0228 فيتولى بعضهم محاربة بعض، ويسلم ما جاء به الرسول. # فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به ~~الرسول، يناقضه أو يعارضه. فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا، ولا يقع ~~ردهم إلا على آراء أمثالهم وأشباههم. وأما ما جاء به الرسول فمحفوظ محروس ~~مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه. فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم، ~~فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم، وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبين كذبهم ~~على العقل والوحي فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلا بزخرف من ~~القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان. فاكشفه ولا تهنه تجده كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ~~والله سريع الحساب [النور: 39] . # ولولا أن كل مسائل القوم وشبههم، التي خالفوا فيها النصوص، بهذه المثابة ~~لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإيمان السائرين إلى الله على ~~طريق الرسول وأصحابه. وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتابا مفردا. وقد ~~كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المقصد في عامة كتبه، لا سيما كتابه الذي ~~وسمه ببيان «موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح» ، فمزق فيه شملهم كل ممزق، ~~وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء. # واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التي ~~توردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من قسمين: # إما أن يكون القول الذي أوردت عليه ليس من أقوال الرسول، بل يكون نسبته ~~إليه غلطا، وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا. بل يكون قد قاله ~~بعضهم، وغلط فيه، فإن العصمة إنما هي لمجموع الأمة، لا لطائفة معينة منها. # وإما أن يكون القول الذي أوردت عليه قولا صحيحا، لكن لا ترد تلك الشبهة ~~عليه، وحينئذ فلا بد لها من أحد أمرين: إما أن تكون لازمة، وإما أن لا تكون ~~لازمة، فإن كانت لازمة لما جاء به الرسول، فهي ms0229 حق لا شبهة، إذ لازم الحق ~~حق، ولا ينبغي # PageV01P220 # الفرار منها، كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنة، بل كل ما لزم من ~~الحق فهو حق يتعين القول به كائنا ما كان. # وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلا بهذه الطريق؟ # ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموهم ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها، ~~فتسطلوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه. فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا ~~منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا. وإن لم تكن لازمة لهم، فإلزامهم إياها ~~باطل، وعلى النقدين، فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم. وحينئذ فلهم جوابان: ~~مركب مجمل، ومفرد مفصل أما الأول، فيقولون لهم: هذه اللوازم التي تلزمونا ~~بها، إما أن تكون لازمة في نفس الأمر، وإما أن لا تكون لازمة. فإن كانت ~~لازمة فهي حق، إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول فهو الحق الصريح، ولازم الحق ~~حق. وإن لم تكن لازمة فهي مندفعة، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها. وأما ~~الجواب المفصل فيفردون كل إلزام بجواب، ولا يردونه مطلقا، بل ينظرون إلى ~~ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه، فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول يتضمن ~~إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، فلا يكون المعنى إلا حقا، فيقبلون ذلك ~~الإلزام. وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول متضمنا لنفي ما أثبته، أو إثبات ~~ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى، فيقابلونه بالرد، وإن كان لفظا مجملا محتملا ~~لحق وباطل لم يقبلوه مطلقا، ولم يردوه مطلقا، حتى يستفسروا قائله: ماذا ~~أراد به؟ فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به الرسول قبلوه، ولم يطلقوا ~~اللفظ المحتمل إطلاقا. وإن أراد معنى باطلا ردوه ولم يطلقوا نفي اللفظ ~~المحتمل أيضا. فهذه قاعدتهم التي يعتصمون، وعليها يعولون، وبسط هذه الكلمات ~~يستدعي أسفارا لا سفرا واحدا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها، ولا بغيرها، ~~فلنقتصر عليها» انتهى بحروفه. ### | ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة # قال الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله في مقدمة تفسيره: # «ما من برهان ولا دلالة وتقسيم وتحديد ms0230 مبني على كليات المعلومات العقلية ~~والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به. لكن أورده تعالى على عادة العرب، ~~دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين لأمرين: أحدهما بسبب ما قاله: وما أرسلنا ~~من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... [إبراهيم: 4] الآية. والثاني: إن ~~المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلي من الكلام. فإن ~~من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا ~~يعرفه إلا الأقلون ما لم يكن ملغزا. فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في ~~أجل صورة تشتمل # PageV01P221 # على أدق دقيق لتفهم العامة من جليها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، ويفهم ~~الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الحكماء. وعلى هذا النحو # قال عليه السلام «إن لكل آية ظهرا وبطنا ولكل حرف حدا ومطلعا» «1» # ، لا على ما ذهب إليه الباطنية. # ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر، كان نصيبه من علم القرآن ~~أكثر. ولذلك، إذا ذكر تعالى حجة إلى ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافتها ~~إلى أولي العقل، ومرة إلى أولي العلم، ومرة إلى السامعين ومرة إلى ~~المفكرين، ومرة إلى المتذكرين تنبيها على أن بكل قوة من هذه القوى يمكن ~~إدراك حقيقة منها، وذلك نحو قوله تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~[الرعد: 4] وغيرها من الآيات. ### | شرف علم التفسير # قال الإمام الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره: # «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله. وذلك أن الصناعات ~~الحقيقية إنما تشرف بأحد ثلاثة أشياء: # إما بشرف موضوعاتها، وهي المعمول فيها، نحو أن يقال: الصياغة أشرف من ~~الدباغة لأن موضوعها- وهو الذهب والفضة- أشرف من جلد الميتة- الذي هو موضوع ~~الدباغة- وإما بشرف صورها، نحو أن يقال: طبع السيوف أشرف من طبع القيود. # وإما بشرف أغراضها وكمالها، كصناعة الطب- التي غرضها إفادة الصحة- فإنها ~~أشرف من الكناسة- التي غرضها تنظيف المستراح «فإذا ثبت ذلك، فصناعة التفسير ~~قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث، وهو أن موضوع التفسير كلام الله تعالى: ~~الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، ms0231 وصورة فعله: إظهار خفيات ما أودعه ~~منزله من أسراره ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، وغرضه التمسك بالعروة ~~الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا فناء ~~لها. ولهذا عظم الله محله بقوله: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~[البقرة: 269] قيل: هو تفسير القرآن» انتهى. PageV01P222 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فاتحة الكتاب # فاتحة الشيء: أوله وابتداؤه. ولما افتتح التنزيل الكريم بها، إما بتوقيف ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، أو باجتهاد من الصحابة- كما حكى القولين ~~القاضي الباقلاني في ترتيب التنزيل- سميت بذلك قال السيد الجرجاني: فاتحة ~~الكتاب صارت علما بالغلبة لسورة الحمد، وقد يطلق عليها «الفاتحة» وحدها، ~~فإما أن يكون علما آخر بالغلبة أيضا، لكون اللام لازمة، وإما أن يكون ~~اختصارا، واللام كالعوض عن الإضافة إلى الكتاب، مع لمح الوصفية الأصلية. # وقال ابن جرير: سميت «فاتحة الكتاب» : لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ~~ويقرأ بها في الصلوات. فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة ~~والقراءة. # وتسمى «أم القرآن» : لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها ~~خلفها في القراءة والكتابة تقدم الأم والأصل، أو لاشتمالها على ما فيه من ~~الثناء على الله بما هو أهله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو ~~على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط ~~المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء، ومنازل الأشقياء. # والعرب تسمي كل أمر جامع أمورا، وكل مقدم له توابع تتبعه «أما» - فتقول ~~للجلدة التي تجمع الدماغ «أم الرأس» وتسمي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون ~~تحتها «أما» وتسمى «السبع المثاني» - جمع مثنى كمفعل اسم مكان، أو مثنى ~~بالتشديد من التثنية على غير قياس- لأنها سبع آيات تثنى في الصلاة أي تكرر ~~فيها. # PageV01P223 # والأكثرون على أن الفاتحة مكية، وأنها سبع آيات. # وأصل معنى «السورة» لغة: المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سور المدينة ~~للحائط الذي يحويها، وذلك لارتفاعه على ما يحويه. ومنه قول نابغة بني ~~ذبيان: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # أي ms0232 منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك. # وأما «الآية» فإما بمعنى: العلامة- لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها ~~وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالة على الشيء يستدل به عليه- وإما بمعنى: ~~القصة- كما قال كعب بن زهير: # ألا أبلغا هذا المعرض آية: ... أيقظان قال القول، إذ قال، أم حلم # أي رسالة مني، وخبرا عني- فيكون معنى الآيات «القصص» قصة تتلو قصة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # قال الإمام ابن جرير: إن الله، تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه، أدب نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم: بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع ~~أفعاله، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل- ما أدبه به من ذلك، ~~وعلمه إياه- منه لجميع خلقه: سنة يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فبه ~~افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ~~ظهر، من قول القائل: بسم الله، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. وذلك أن ~~الباء مقتضية فعلا يكون لها جالبا، فإذا كان محذوفا يقدر بما جعلت التسمية ~~مبدأ له. والاسم هنا بمعنى التسمية- كالكلام بمعنى التكليم، والعطاء بمعنى ~~الإعطاء- والمعنى: أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله ~~بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. والله علم على ذاته، تعالى وتقدس. قال ابن ~~عباس: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده وأصله «إلاه» بمعني مألوه أي معبود، ~~فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام، وبعد ~~الإدغام فخمت تعظيما- هذا تحقيق اللغويين. # PageV01P224 # والرحمن الرحيم قال الجوهري: هما اسمان مشتقان من الرحمة. ونظيرهما في ~~اللغة «نديم وندمان» وهما بمعنى. ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما ~~على جهة التوكيد، كما يقال: جاد مجد إلا أن الرحمن اسم مخصص بالله لا يجوز ~~أن يسمى به غيره. ألا ترى أنه قال: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~[الإسراء: 110] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. # وقد ناقش في كون الرحمن الرحيم بمعنى واحد، العلامة الشيخ محمد عبده ~~المصري في مباحثه التفسيرية قائلا: إن ms0233 ذلك غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها- ~~ثم قال: - وأنا لا أجير لمسلم أن يقول، في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن ~~كلمة جاءت لتأكيد غيرها ولا معنى لها في نفسها، بل ليس في القرآن حرف جاء ~~لغير معنى مقصود. والجمهور: على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم، ومعنى ~~الرحيم المنعم بدقائقها. وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل ~~الكافرين مع غيرهم، والرحيم المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. وكل هذا تحكم ~~باللغة مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل ~~على الوصف مطلقا، فصيغة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان ~~جليلا أو دقيقا. # وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد ~~الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا، فهو غير معني ولا مراد، وقد ~~قارب من قال: إن معنى الرحمن المحسن بالإحسان العام. ولكنه أخطأ في تخصيص ~~مدلول الرحيم بالمؤمنين، ولعل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول- على ~~قوله هذا- هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة، مع عدم التفطن لما هو ~~أحسن منه، ثم قال: والذي أقول: إن لفظ «رحمن» وصف فعلي فيه معنى المبالغة- ~~كفعال- ويدل في استعمال اللغة على الصفات العارضة- كعطشان وغرثان وغضبان- ~~وأما لفظ «رحيم» فإنه يدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق ~~والسجايا في الناس- كعليم وحكيم وحليم وجميل- والقرآن لا يخرج عن الأسلوب ~~العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله عز وجل التي تعلو عن مماثله صفات ~~المخلوقين، فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة ~~النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أنها ~~من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر، ~~ولا يكون الثاني مؤكدا للأول. فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه ب الرحمن، ~~وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا، لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة ~~له دائما- لأن الفعل قد # PageV01P225 # ينقطع إذا كان عارضا لم ينشأ عن صفة لازمة ثابتة- فعند ما ms0234 يسمع لفظ ~~الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه. ~~انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية # 2] # الحمد لله رب العالمين (2) # الحمد لله أي الثناء بالجميل، والمدح بالكمال ثابت لله دون سائر ما يعبد ~~من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه. واللام في الحمد للاستغراق أي استغراق ~~جميع أجناس الحمد وثبوتها لله تعالى تعظيما وتمجيدا- كما # في الحديث: «اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله» . # قال الإمام ابن القيم في «طريق الهجرتين» : الملك والحمد في حقه تعالى ~~متلازمان. فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده، فهو محمود في ملكه، وله ~~الملك والقدرة مع حمده. فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، ~~يستحيل خروجها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره ~~لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده. فهو محمود على كل ما خلقه ~~وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله ~~يشمل ذلك كله. ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ألا له الخلق والأمر تبارك ~~الله رب العالمين [الأعراف: 54] . فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح. والطرق ~~إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم ~~وجزئياته، وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا، لأن جميع أسمائه، تبارك وتعالى، ~~حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه ~~حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد ~~بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره ~~وحامله. فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، ~~وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر. - ثم قال-: وبالجملة فكل صفة ~~علياء، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال ~~وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به، ~~ويذكر به، ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده ~~لا يحصي أحد من ms0235 خلقه ثناء عليه. # رب العالمين الرب يطلق على السيد المطاع وعلى المصلح وعلى المالك. - # PageV01P226 # تقول: ربه يربه فهو رب كما تقول: نم عليه ينم فهو نم- فهو صفة مشبهة، ~~ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى التربية وهي: تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا. ~~وصف به الفاعل مبالغة كما وصف بالعدل. والرب- باللام- لا يقال إلا لله عز ~~وجل. وهو في غيره على التقييد بالإضافة- كرب الدار- ومنه قوله تعالى: ارجع ~~إلى ربك [يوسف: 50] إنه ربي أحسن مثواي [يوسف: 23] . # والعالمين جمع عالم وهو: الخلق كله وكل صنف منه. وإيثار صيغة الجمع لبيان ~~شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس. والتعريف لاستغراق أفراد كل منها ~~بأسرها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية # 3] # الرحمن الرحيم (3) # إيرادهما عقد وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب ~~التنزيل الحكيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 4] # مالك يوم الدين (4) # قرأ عاصم والكسائي بإثبات ألف مالك والباقون بحذفها. قال الزمخشري: # ورجحت قراءة (ملك) لأنه قراءة أهل الحرمين، وهم أولى الناس بأن يقرءوا ~~القرآن غضا طريا كما أنزل، وقراؤهم الأعلون رواية وفصاحة. ولقوله تعالى: ~~لمن الملك اليوم [غافر: 16] فقد وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة. والقرآن ~~يتعاضد بعضه ببعض، وتتناسب معانيه في المواد. وثمة مرجحات أخرى. # وقال بعضهم: إن قراءة مالك أبلغ، لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته ~~العامة، ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة. وتظهر التفرقة في عبد مملوك في ~~مملكة لها سلطان، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه. # ومن وجوه تفضيلها: إنها تزيد بحرف، ولقارئ القرآن بكل «1» حرف عشر حسنات ~~PageV01P227 # - كما رواه الترمذي عن ابن مسعود بإسناد صحيح- وكلاهما صحيح متواتر في ~~السبع. # والدين الحساب والمجازاة بالأعمال. ومنه: «كما تدين تدان» أي: مالك أمور ~~العالمين كلها في يوم الدين. وتخصيصه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله، أو ~~لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر وفصل القضاء فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية # 5] # إياك نعبد وإياك نستعين (5) # قال الطبري: أي لك، اللهم، ms0236 نخشع ونذل ونستكين. إقرارا لك بالربوبية لا ~~لغيرك- قال- والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق ~~المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة «معبدا» ومنه قيل للبعير ~~المذلل بالركوب في الحوائج «معبد» ومنه سمي العبد «عبدا» لذلته لمولاه ~~انتهى. # وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها ~~لعبادته وحده. أعني: أن لا يشرك شيئا ما معه، لا في محبته كمحبته، ولا في ~~خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في النذر ~~له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، فإن كل ذلك ~~إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده. وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال ~~الذل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبا للإله المعبود كمال الحب، ولا ~~بد أن يكون ذليلا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده. فهو الإله ~~المستحق للعبادة، الذي لا يستحقها إلا هو، وهي كمال الحب والذل والإجلال ~~والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلا هو، تعالى. وقد أشار لذلك تقديم ~~المفعول، فإن فيه تنبيها على ما يجب للعبد من تخصيصه ربه بالعبادة، وإسلامه ~~وجهه لله وحده، لا كما كان عليه المشركون الذين ظهر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليهم، فقد كانوا متفرقين في عبادتهم، متشاكسين في وجهتهم: # منهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد ~~الأصنام، ومنهم من يعبد الأحبار والرهبان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار ~~... إلى غير ذلك، كما بينه القرآن الكريم في قوله تعالى: ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر [فصلت: 37] الآية. وفي ~~قوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا # PageV01P228 # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 40- 41] . وفي قوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك [المائدة: 116] الآية. # وقوله تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا ms0237 الملائكة والنبيين أربابا [آل عمران: ~~80] الآية. وفي قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ~~[النجم: 19- 20] . # وحديث «1» أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها ~~أسلحتهم يقال لها «ذات أنواط» فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله ~~أكبر، إنها السنن، قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون- إلى قوله: وهو فضلكم على ~~العالمين [الأعراف: 138- 140] رواه الترمذي وصححه. # وأما عبادتهم للأحبار والرهبان ففي قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله [التوبة: 31] ، # فروى الإمام أحمد والترمذي «2» عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمون، ~~ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» فقلت: بلى قال: «فتلك عبادتهم» . # فالعبادة أنواع وأصناف، ولا يتم الإيمان إلا بتوحيدها كلها لله سبحانه. ~~وقد بينت السنة أن الدعاء هو العبادة. أي ركنها المهم الأعظم. وأصله من ~~التنزيل الكريم قوله تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي PageV01P229 # [غافر: 60] ، فسماه عبادة. # وفي الخبر: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» «1» . # قال شمس الدين بن القيم: ولهذا كان العبد مأمورا في كل صلاة أن يقول: # إياك نعبد وإياك نستعين والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك، فلا ~~تزال النفس تلتفت إلى غير الله، إما خوفا منه، أو رجاء له، فلا يزال العبد ~~مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك، ولذا أخبر سبحانه عن المشركين ~~أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه، وكيف يقدره حق قدره من جعل ~~له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، يذل ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر ~~مرضاته، والمؤثر لا يرضى بإيثاره انتهى. # (فائدة) ms0238 قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة إياك نعبد ~~وإياك نستعين: فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، ~~والتفويض إلى الله عز وجل. وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال ~~تعالى: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123] ، قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ~~[الملك: 29] ، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 9] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية # 6] # اهدنا الصراط المستقيم (6) # أي ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له. # قال الإمام الراغب في تفسيره: «الهداية دلالة بلطف. ومنه الهدية، وهوادي ~~الوحش وهي متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بفعلت نحو: # هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بأفعلت نحو أهديت الهدية، ولما يصور ~~العروس على وجهين: قيل فيه: هديت وأهديت. فإن قيل: كيف جعلت الهدى دلالة ~~بلطف وقد قال تعالى: فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات: 23] وقال تعالى: # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [الحج: 4] قيل: ~~PageV01P230 # إن ذلك حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال: # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع! # والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولا وفعلا، وهي من الله تعالى على ~~منازل بعضها يترتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث ~~إلا بعد الثاني. فأول المنازل إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى ~~مصالحه إما تسخيرا وإما طوعا- كالمشاعر الخمسة والقوة الفكرية، وبعض ذلك قد ~~أعطاه الحيوانات، وبعض خص به الإنسان، وعلى ذلك دل قوله تعالى: أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى [طه: 50] ، وقوله تعالى: الذي قدر فهدى [الأعلى: 3] ، وهذه ~~الهداية إما تسخير وإما تعليم، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى: وأوحى ربك إلى ~~النحل [النحل: 68] ، وقوله تعالى: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة: 5] ، وقال في ~~الإنسان، بما أعطاه من العقل، وعرفه من الرشد: إنا هديناه السبيل [الإنسان: ~~3] وقال: # وهديناه النجدين [البلد: 10] ، وقال في ثمود: فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى [فصلت: 17] ، وثانيهما الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء عليهم ~~السلام. # وإياها ms0239 عنى بقوله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا [السجدة: 24] . # وبقوله: ولكل قوم هاد [الرعد: 7] ، وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله عز ~~وجل، وتارة إلى النبي عليه السلام، وتارة إلى القرآن. قال الله تعالى: إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [الإسراء: 9] . # وثالثها هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي الهداية ~~المذكورة في قوله عز وجل: وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد ~~[الحج: 24] . وقوله: أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] ~~وقوله: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69] . # وهذه الهداية هي المعنية بقوله: ويجعل لكم نورا تمشون به [الحديد: 28] . # ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال: هو آثرهم بها من حيث ~~إنه هو السبب في وصولهم إليها. ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث أنهم توصلوا ~~إليها باجتهادهم. فمن قصد سلطانا مسترفدا فأعطاه، يصح أن يقال: إن السلطان ~~خوله. # ويصح أن يقال: فلان اكتسب بسعيه، ولانطواء ذلك على الأمرين، قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: 17] ، وقال: إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم [يونس: 9] . فنبه أن ذلك ~~بجهدهم وبفضله جميعا. # PageV01P231 # وهذه الهداية يصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال: هي ~~محظورة إلا على أوليائه، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا ~~لتناولها. ومن ذلك قيل: إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل ~~مخصوص، بتقديم عبادات. وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا ~~يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير. ألا ترى إلى نجوم السماء ما ~~أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء. # وقال بعض الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مر على قلات ~~وغدران، فيتناول كل قلت منها بقدر سعته- ثم تلا قوله- أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها [الرعد: 17] وقال بعضهم: هي كمطر أتى على أرضين فينتفع ~~كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به. # (والمنزلة الرابعة) من الهداية التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها ~~عنى الله بقوله ونزعنا ما ms0240 في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا [الأعراف: 43] . فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ~~ينفى عن أحد بوجه. ومنها ما ينفى عن بعض ويثبت لبعض، ومن هذا الوجه قال ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # إنك لا تهدي من أحببت [القصص: 56] . وقال: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي ~~من يشاء [البقرة: 272] ، وقال: وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم [الروم: 53] ~~. فإنه عنى الهداية- التي هي التوفيق وإدخال الجنة- دون التي هي الدعاء ~~لقوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] . وقال في الأنبياء: ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا [الأنبياء: 73] . فقوله: اهدنا الصراط المستقيم ~~فسر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة: (الأول) أنه عنى ~~الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك- وإن كان هو قد فعله لا محالة- ليزيدنا ~~ثوابا بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: اللهم صل على محمد. (الثاني) قيل: وفقنا ~~لطريقة الشرع. (الثالث) احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، ~~واعصمنا من الشبهات. (الرابع) زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك: ومن يؤمن ~~بالله يهد قلبه [التغابن: 11] . وقولك: والذين اهتدوا زادهم هدى [محمد: 17] ~~. # (الخامس) قيل: علمنا العلم الحقيقي فذلك سبب الخلاص، وهو المعبر عنه ~~بالنور في قوله: يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35] (السادس) قيل: هو ~~سؤال الجنة، لقوله تعالى: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~سيهديهم ويصلح بالهم [محمد: 4- 5] . وقال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم [يونس: 9] الآية. فهذه الأقاويل اختلفت # PageV01P232 # باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادا ~~بالآية- إذ لا تنافي بينها- وبالله التوفيق» كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق ~~معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم، وأن الوجوه المأثورة في ~~آية ما- إذا لم تتناف- صح إرادتها كلها، ومثل هذا يسمى: اختلاف تنوع لا ~~اختلاف تضاد. # كما أشار لذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مبحث ~~له مهم، نأثره عنه هنا، لما فيه من الفوائد الجليلة. قال رحمه الله: # ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين ms0241 وغيرهم على وجهين: # أحدهما ليس فيه تضاد وتناقض، بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو ~~اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات. وعامة الاختلاف الثابت عن ~~مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب. فإن الله سبحانه إذا ~~ذكر في القرآن اسما مثل قوله اهدنا الصراط المستقيم فكل من المفسرين يعبر ~~عن الصراط المستقيم بعبارة تدل بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق بمنزلة ما ~~يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء، كل اسم منها يدل على صفة من صفاته. فيقول ~~بعضهم: # الصراط المستقيم كتاب الله أو اتباع كتاب الله. ويقول الآخر: الصراط ~~المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو ~~السنة والجماعة. ويقول الآخر: الصراط المستقيم طريق العبودية، أو طريق ~~الخوف والرضا والحب، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب ~~والسنة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن ~~المسمى هو واحد، وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته، وكثير من التفسير ~~والترجمة تكون من هذا الوجه. ومنه قسم آخر وهو أن يذكر المفسر والمترجم ~~معنى اللفظ على سبيل التمثيل لا على سبيل الحد والحصر- مثل أن يقول قائل من ~~العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف- وليس المقصود مجرد عينه، وإنما ~~الإشارة إلى تعيين هذا الشخص تمثيلا. وهذا كما إذا سئلوا عن قوله: فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات [فاطر: 32] . أو عن قوله: إن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] . أو عن الصالحين أو ~~الظالمين، ونحو ذلك من الأسماء العامة الجامعة التي قد يتعسر أو يتعذر على ~~المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه، إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له ~~من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه، وقد يستدل به على نظائره. فإن الظالم ~~لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور. والمقتصد هو فاعل الواجب وتارك ~~المحرم. والسابق هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه. فيقول ~~المجيب بحسب حاجة السائل: الظالم الذي يفوت الصلاة، أو # PageV01P233 # الذي لا يسبغ ms0242 الوضوء، أو الذي لا يتم الأركان ونحو ذلك. والمقتصد الذي ~~يصلي في الوقت- كما أمر- والسابق بالخيرات الذي يصلي الصلاة بواجباتها ~~ومستحباتها ويأتي بالنوافل المستحبة معها. وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة ~~والصوم والحج وسائر الواجبات. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ~~التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد ~~بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، فمن ادعى علمه ~~فهو كاذب. والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه ~~السنة، وإن كان من الناس من غير السنة، فمن الناس من غير بعض معاني القرآن- ~~إذ لم يتمكن من تغيير لفظه. وأيضا فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني ~~القرآن، كما خفي عليه بعض السنة، فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب والله ~~أعلم. # وتقدم في مقدمة الكتاب بسط لهذا البحث فارجع إليه. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا في تحقيق هذه الآية: # «كل عبد مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم. # فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلا به، ~~فمن فاته هذا الهدى فهو: إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين، وهذا ~~الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا [الكهف: 17] . فإن الصراط المستقيم: أن تفعل في كل وقت ما ~~أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نهيت عنه. وهذا يحتاج في كل ~~وقت إلى أن تعلم: ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهى عنه، وإلى أن يحصل لك ~~إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة لترك المحظور. والصراط المستقيم قد فسر ~~بالقرآن والإسلام وطريق العبودية، وكل هذا حق، فهو موصوف بهذا وبغيره، ~~فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته، بخلاف الحاجة إلى الرزق ~~والنصر، فإن الله يرزقه، وإن انقطع رزقه مات- والموت لا بد منه- فإن كان من ~~أهل الهداية، كان سعيدا بعد الموت، وكان ms0243 الموت موصلا له إلى السعادة ~~الدائمة الأبدية، فيكون رحمة في حقه. وكذلك النصر- إذا قدر أنه قهر وغلب ~~حتى قتل- فإذا كان من أهل الهداية إلى الاستقامة مات شهيدا، وكان القتل من ~~تمام نعمة الله عليه. فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى ~~الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما، فلهذا كان هذا الدعاء مفروضا عليهم في ~~الصلاة- فرضها ونفلها- وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر: # PageV01P234 # لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2- 3] وكان من المتوكلين ومن يتوكل ~~على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره [الطلاق: 3] ، وكان ممن ينصره الله ~~ورسوله ومن ينصر الله ينصره وكان من جند الله، وجند الله هم الغالبون. ~~فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر. فتبين أن هذا ~~الدعاء هو الجامع لكل مطلوب تحصل به كل منفعة، وتندفع به كل مضرة. # (فائدة) الصراط المستقيم أصله الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا ~~انحراف، ويستعار لكل قول أو عمل يبلغ به صاحبه الغاية الحميدة. فالطريق ~~الواضح للحس، كالحق للعقل، في أنه: إذا سير بهما أبلغا السالك النهاية ~~الحسنى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 7] # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) # أي: بطاعتك وعبادتك، وهم المذكورون في قوله تعالى: ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~[النساء: 69] . # غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الأصفهاني: وإنما ذكر تعالى هذه ~~الجملة لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير عليهم، فبين بالوصف أن ~~المراد بالدعاء ليس هو النعم العامة، بل ذلك نعمة خاصة. ثم إن المراد ~~بالمغضوب عليهم والضالين: كل من حاد عن جادة الإسلام من أي فرقة ونحلة. ~~وتعيين بعض المفسرين فرقة منهم من باب تمثيل العام بأوضح أفراده وأشهرها، ~~وهذا هو المراد بقول ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين اختلافا في أن ~~المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى. ms0244 # (فوائد) الأولى: يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: «آمين» ومعناه: # اللهم استجب، أو كذلك فليكن، أو كذلك فافعل. وليس من القرآن. بدليل أنه ~~لم يثبت في المصاحف. والدليل على استحباب التأمين ما # رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي «1» عن وائل بن حجر قال: «سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم PageV01P235 # ولا الضالين فقال: «آمين» مد بها صوته» . ولأبي داود: رفع بها صوته. قال ~~الترمذي: # هذا حديث حسن، وفي الباب عن علي وأبي هريرة، وروي عن علي وابن مسعود ~~وغيرهم. # وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين قال «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول» «1» ~~. رواه أبو داود. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه» «2» . # وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا: «إذا قال- يعني الإمام- ولا الضالين ~~فقولوا: آمين، يجبكم الله» «3» . # الثانية: في ذكر ما اشتملت عليه هذه السورة من العلوم: # اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت- وهي سبع آيات- على حمد الله ~~تعالى، وتمجيده، والثناء عليه: بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته ~~العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله ~~والتضرع إليه والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده ~~بالألوهية، تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى ~~سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم- وهو الدين القويم- وتثبيتهم عليه ~~حتى يفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. # واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، ~~والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب ~~عليهم والضالون. # قال العلامة الشيخ محمد عبده في تفسيره: PageV01P236 # الفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن. وكل ما فيه تفصيل للأصول التي ~~وضعت فيها. ولست أعني بهذا ما يعبرون ms0245 عنه بالإشارة ودلالة الحروف كقولهم: ~~إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في ~~الباء، وأسرار الباء في نقطتها! فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه. وإنما هو من مخترعات ~~الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان. - قال-: ~~وبيان ما أريد: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: # أحدها التوحيد: لأن الناس كانوا كلهم وثنيين- وإن كان بعضهم يدعى ~~التوحيد- ثانيها وعد من أخذ به، وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ ~~به، وإنذاره بسوء العقوبة. والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم ~~الدنيا والآخرة وسعادتهما. والوعيد- كذلك- يشمل نقمهما وشقاءهما. فقد وعد ~~الله المؤمنين: # بالاستخلاف في الأرض، والعزة، والسلطان، والسيادة. وأوعد المخالفين، ~~بالخزي والشقاء في الدنيا. كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار ~~الجحيم. # ثالثها العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس. # رابعها بيان سبيل السعادة وكيفية السير فيه الموصل إلى نعم الدنيا ~~والآخرة. # خامسها قصص من وقف عند حدود الله تعالى وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين ~~تعدوا حدوده ونبذوا أحكام دينه ظهريا لأجل الاعتبار، واختيار طريق ~~المحسنين. # هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم ~~الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالا بغير ما شك ولا ريب. # فأما التوحيد ففي قوله: الحمد لله رب العالمين لأنه ناطق بأن كل حمد ~~وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر ~~كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية ~~والتنمية. ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى فصرح به بقوله: رب ~~العالمين. ولفظ «رب» ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية ~~والإنماء. وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عز ~~وجل. فليس في الكون متصرف # PageV01P237 # بالإيجاد، والإشقاء، والإسعاد سواه. ثم إن التوحيد أهم ما جاء لأجله ~~الدين. ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، ms0246 بل استكمله وبقوله: ~~إياك نعبد وإياك نستعين فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في ~~جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله تعتقد لهم السلطة الغيبية، يدعون ~~لذلك من دون الله، ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى ~~الله زلفى. وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل ~~لهذا الإجمال. # «وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في بسم الله الرحمن الرحيم فذكر ~~الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء. وعد بالإحسان- لا سيما وقد ~~كررها مرة ثانية- تنبيها لنا على أن أمره إيانا بتوحيده وعبادته رحمة منه ~~سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا. وقوله تعالى: مالك يوم الدين يتضمن ~~الوعد والوعيد معا، لأن معنى الدين الخضوع، أي: إن له تعالى في ذلك اليوم ~~السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وإن ~~العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته- ظاهرا وباطنا- يرجو رحمته، ويخشى عذابه، ~~وهذا يتضمن الوعد والوعيد. أو معنى الدين الجزاء وهو: إما ثواب للمحسن، ~~وإما عقاب للمسيء، وذلك وعد ووعيد. وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك الصراط ~~المستقيم وهو الذي من سلكه فاز، ومن تنكبه هلك. وذلك يستلزم الوعد والوعيد. # وأما العبادة، فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله: إياك نعبد وإياك ~~نستعين، أوضح معناها بعض الإيضاح بقوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم أي: ~~إنه قد وضع لنا صراطا سيبينه ويحدده. ويكون مناط السعادة في الاستقامة ~~عليه، والشقاء في الانحراف عنه. وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة. ويشبه ~~هذا قوله تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1- 3] . فالتواصي بالحق ~~والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد. والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في ~~المتدبر لها. وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله، وهيبته، والرجاء ~~لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء. فقد ذكرت ~~العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها، والصيام وأيامه، وكانت هذه ~~الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا ms0247 بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها ~~التي فصلت في القرآن تفصيلا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى ~~حقيقة العبادة. ومخ العبادة الفكر والعبرة، وأما الأخبار والقصص ففي قوله ~~تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم تصريح بأن هنالك قوما تقدموا وقد شرع الله ~~شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح: ألا فانظروا في الشؤون # PageV01P238 # العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها، كما قال تعالى لنبيه يدعوه إلى ~~الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~[الأنعام: 90] حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار. وفي قوله تعالى: ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقان: فريق ~~ضل عن صراط الله، وفريق جاحده، وعاند من يدعو إليه، فكان محفوفا بالغضب ~~الإلهي، والخزي في هذه الحياة الدنيا. وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار ~~الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة، فيشرح حال الظالمين الذين ~~قاوموا الحق، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله. # فتبين من مجموع ما تقدم: أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي ~~يفصلها القرآن تفصيلا. فكان إنزالها أولا موافقا لسنة الله تعالى في ~~الإبداع، وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى «أم الكتاب» . # الثالثة: مما صح في فضلها من الأخبار: ما # رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي ~~في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله ~~إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم؟ - ثم ~~قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» ثم ~~أخذ بيدي، فلما أراد أن نخرج، قلت: يا رسول الله ألم تقل لأعلمنك سورة هي ~~أعظم سورة في القرآن. قال: # «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» ~~«1» . # وروى الإمام أحمد والترمذي بإسناد حسن صحيح عن أبي هريرة، نحوه، غير أن ~~القصة مع أبي بن كعب، وفي آخره: «والذي ms0248 نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا ~~في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني» «2» # . واستدل بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما ~~هو المحكي عن كثير من العلماء منهم: إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي ~~وابن الحضار من المالكية، وذلك بين واضح. PageV01P239 # وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت ~~جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها ~~رجل ما كنا نأبنه برقية. فرقاه، فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، ~~فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقى؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم ~~الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل، النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فلما قدمنا المدينة، ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «وما كان ~~يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم» «1» . وهكذا رواه مسلم وأبو ~~داود. # وفي بعض روايات مسلم: أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم- يعني ~~اللديغ، يسمونه بذلك تفاؤلا-. # وروى مسلم والنسائي عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فرفع فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم ~~لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل ~~قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك، ~~فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته «2» . # وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) غير تمام» «3» فقيل ~~لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا ~~قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال ms0249 الله، حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن ~~الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال ~~مجدني عبدي- وقال مرة فوض إلي عبدي- فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، ~~قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل» # . ويكفي من شرح الفاتحة هذا المقدار الجليل، والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل. PageV01P240 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البقرة # جميعها مدني بلا خلاف. وآيها مائتان وست وثمانون. وقد صح في فضلها عدة ~~أخبار: # منها ما # في مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضى الله عنه: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، فإن البيت ~~الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» «1» # . وقال الترمذي: حسن صحيح. # وروى ابن حبان في صحيحه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. «إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ~~ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله ~~الشيطان ثلاثة أيام» . # وروى مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: ~~البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة ~~البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» «2» . # (وقوله الزهراوين: أي المنيرتين- في الإعجاز أو في وفرة الأحكام- ~~والغياية: # ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء. والصواف: المصطفة. والبطلة: # السحرة. ومعنى لا تستطيعها: لا تستطيع النفوذ في قارئها، أو لا يمكنهم ~~حفظها. # والله أعلم) . PageV01P241 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) # أعلم أن للناس في هذا وما يجرى مجراه من الفواتح مذهبين: # الأول أن هذا علم مستور، وسر ms0250 محجوب، أستأثر الله تبارك وتعالى به فهو من ~~المتشابه. ولم يرتض هذا كثير من المحققين وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب ~~الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق. واحتجوا بأدله عقلية ونقلية، بسطها ~~العلامة الفخر. # (المذهب الثاني) مذهب من فسرها، وتكلم فيما يصح أن يكون مرادا منها، وهو ~~ما للجمهور. وفيه وجهان: (الأول) وعليه الأكثر: أنها أسماء للسور. # (الثاني) أن يكون ورود الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد: كالإيقاظ ~~وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن وبغرابة نظمه، وكالتحريك للنظر في أن هذا ~~المتلو عليهم- وقد عجزوا عنه عن آخرهم- كلام منظوم من عين ما ينظمون منه ~~كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم ~~تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله- بعد المراجعات المتطاولة- وهم أمراء ~~الكلام، وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب، ~~والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن ~~النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحد ~~الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس ~~بكلام البشر، وإنه كلام خالق القوى والقدر. قاله الزمخشري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 2] # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) # أي: هذا القرآن لا شك أنه من عند الله تعالى كما قال تعالى في السجدة الم ~~تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [السجدة: 1- 2] . قال بعض ~~المحققين: اختصاص ذلك بالإشارة للبعيد حكم عرفي لا وضعي، فإن العرب تعارض ~~بين اسمي الإشارة. فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. # وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة. ومن جرى على أن ذلك إشارة للبعيد يقول: ~~إنما # PageV01P242 # صحت الإشارة بذلك، هنا إلى ما ليس ببعيد، لتعظيم المشار إليه، ذهابا إلى ~~بعد درجته وعلو مرتبته ومنزلته في الهداية والشرف. # والريب في الأصل: مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة. وحقيقتها: قلق النفس ~~واضطرابها. ثم استعمل في معنى الشك مطلقا، أو مع تهمة. لأنه يقلق لنفس ~~ويزيل ms0251 الطمأنينة. # وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «1» . # ومعنى نفيه عن الكتاب. أنه في علو الشأن، وسطوع البرهان، بحيث ليس فيه ~~مظنة أن يرتاب في حقيقته، وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى. والأمر ~~كذلك، لأن العرب، مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية، عجزوا عن معارضة أقصر ~~سورة من القرآن. وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز ~~للعاقل أن يرتاب فيه، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلا. # هدى للمتقين أي: هاد لهم ودال على الدين القويم المفضي إلى سعادتي ~~الدارين. # قال الناصر في الانتصاف: الهدى يطلق في القرآن على معنيين (أحدهما) ~~الإرشاد وإيضاح سبيل الحق. ومنه قوله تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى [فصلت: 17] . وعلى هذا يكون الهدى للضال باعتبار أنه رشد ~~إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا. و (الآخر) خلق الله تعالى الاهتداء ~~في قلب العبد، ومنه أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] . ~~فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان ~~جميعا. # وعلى الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبين أنهم هم ~~الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: إنما أنت منذر من يخشاها ~~[النازعات: 45] . # وقال إنما تنذر من اتبع الذكر [يس: 11] . وقد كان، صلى الله عليه وآله ~~وسلم، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. ~~وهذه الآية نظير آية: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد [فصلت: 44] ، وننزل ~~من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~[الإسراء: 82] . وكقوله PageV01P243 # تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين [يونس: 57] . إلى غير ذلك، مما دل على أن النفع به لا يناله ~~إلا الإبرار. والمراد بالمتقين- هنا- من نعتهم الله تعالى بقوله ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 3] # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ms0252 الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # الذين يؤمنون، أي يصدقون بالغيب، الغيب في الأصل مصدر غاب. # بمعنى استتر واحتجب وخفي. وهو بمعنى الفاعل- كالزور للزائر- أطلق عليه ~~مبالغة، والمراد به ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما ~~يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام. والمعنى يؤمنون بما لا يتناوله حسهم. ~~كذاته تعالى، وملائكته، والجنة، والنار، والعرش والكرسي، واللوح ونحوها. # ويقيمون الصلاة، أي يؤدونها بحدودها وفروضها الظاهرة والباطنة. كالخشوع ~~والمراقبة وتدبر المتلو والمقروء. # قال الراغب: إقامة الصلاة توفية حدودها، وإدامتها. وتخصيص الإقامة تنبيه ~~على أنه لم يرد إيقاعها فقط. لهذا، لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ ~~الإقامة نحو أقم الصلاة [هود: 114] ، وقوله والمقيمين الصلاة [الإسراء: 78] ~~، والذين يقيمون الصلاة [المائدة: 55] . ولم يقل: المصلي، إلا في ~~المنافقين: # فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون: 4- 5] ، وذلك تنبيه على ~~أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل- كما قال عمر رضي الله عنه: الحاج قليل ~~والركب كثير- ولهذا # قال عليه السلام «من صلى ركعتين مقبلا بقلبه على ربه خرج من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه» # . فذكر مع قوله «صلى» الإقبال بقلبه على الله تنبيها على معنى الإقامة، ~~وبذلك عظم ثوابه. وكثير من الأفعال التي حث تعالى على توفية حقه، ذكره بلفظ ~~الإقامة، نحو ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل [المائدة: 66] ، ونحو ~~وأقيموا الوزن بالقسط [الرحمن: 9] تنبيها على المحافظة على تعديله. # انتهى. # فالإقامة من أقام العود إذا قومه. و «الصلاة» فعلة من صلى إذا دعا، ك ~~«الزكاة» من زكى- وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخم- وإنما سمي الفعل ~~المخصوص بها لاشتماله على الدعاء. # PageV01P244 # ومما رزقناهم ينفقون أي يؤتون مما رزقناهم من الأموال من شرع لهم إيتاؤه ~~والإنفاق عليه من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأمثالهم، على ما ~~بين في آيات كثيرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 4] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمراد بما أنزل إليك ~~الكتاب المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي- وإن كان ms0253 بعضه مترقبا- ~~تغليبا للموجود على ما لم يوجد. كما أن المراد من قوله وما أنزل من قبلك ~~الكتب الإلهية السالفة كلها. وهذا كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ~~[النساء: 136] الآية. # والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل. فنزول الكتب الإلهية إلى الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقاها جبريل من جنابه عز وجل فينزل بها إلى ~~الرسل عليهم السلام. # ولهذا يقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ. أي تكلم به حقيقة لا ~~مجازا. # قال الإمام أحمد وغيره: وإليه يعود أي لا يبقى له أثر في الوجود أي هو ~~المتكلم به قال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~[الأنعام: 114] . وقال تعالى: قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل: 102] ~~. # وقال تعالى: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الزمر: 1] . # وبالآخرة هم يوقنون الآخرة في الأصل: تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وهي ~~صفة الدار، بدليل قوله تعالى: تلك الدار الآخرة [القصص: 83] . سميت بذلك ~~لأنها متأخرة عن الدنيا. وقيل للدنيا: دنيا، لأنها أدنى من الآخرة. وهما من ~~الصفات الغالبة. ومع ذلك فقد جريا مجرى الأسماء. إذ قد غلب ترك ذكر اسم ~~موصوفهما معهما، كأنهما ليسا من الصفات. # والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي تقديم الآخرة وبناء ~~يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على ~~خلاف حقيقته. كزعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأن ~~النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من ~~قبيل نعيم الدنيا أو لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ فاعتقادهم في أمور الآخرة ~~بمعزل من الصحة، فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين!. # PageV01P245 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # أولئك أي: المتصفون بما تقدم. على هدى من ربهم أي على نور من ربهم، ~~وبرهان، واستقامة، وسداد- بتسديده إياهم ms0254 وتوفيقه لهم-. وأولئك هم المفلحون ~~أي المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله- بإيمانهم- من الفوز بالثواب، ~~والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 6] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) # لما بين تعالى نعوت المؤمنين قبل، شرح أحوال مقابليهم وهم الكفرة المردة ~~بأنهم: تناهوا في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير، كما ~~قال تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى ~~يروا العذاب [يونس: 96- 97] . وكقوله سبحانه في المعاندين الكتابيين ولئن ~~أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك [البقرة: 145] الآية. # وسواء اسم بمعنى: الاستواء، وصف به، كما يوصف بالمصادر، مبالغة، ومنه ~~قوله تعالى: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم بمعنى: مستوية. # و (الإنذار) الإعلام مع تخويف. والمراد هنا: التخويف من عذابه تعالى، ~~وانتقامه، والاقتصار عليه لما أنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإنذار أوقع ~~في القلوب، ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع للبشارة رأسا- أولى. # وقوله لا يؤمنون جملة مستقلة، مؤكدة لما قبلها، مبينة لما فيه من إجمال ~~ما فيه الاستواء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 7] # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) # استئناف معلل لما سبق من الحكم، أو بيان وتأكيد له. والختم على الشيء: # الاستيثاق منه بضرب الخاتم عليه. والمراد: إحداث حالة تجعلها- بسبب ~~تماديهم # PageV01P246 # في الغي، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن منهاج النظر الصحيح- بحيث لا ~~يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ فيها الحق أصلا. # قال أبو السعود: وإسناد إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى، ~~لاستناد جميع الحوادث عندنا- من حيث الخلق- إليه سبحانه. وورود الآية ~~الكريمة ناعية عليهم سوء صنيعهم، ووخامة عاقبتهم، لكون أفعالهم- من حيث ~~الكسب- مستندة إليهم. فإن خلقها منه سبحانه ليس بطريق الجبر، بل بطريق ~~الترتيب- على ما اقترفوه من القبائح- كما يعرب عنه قوله تعالى: بل طبع الله ~~عليها بكفرهم [النساء: 155] ونحو ذلك، يعني كقوله تعالى: فلما زاغوا أزاغ ~~الله ms0255 قلوبهم وقوله: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~[الأنعام: 110] . # وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل، وذكروا في ذلك عدة من الأقاويل. # منها: أن القوم لما أعرضوا عن الحق، وتمكن ذلك في قلوبهم، حتى صار ~~كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه. # ومنها: أن المراد به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى ~~خالية عن الفطن، أو بقلوب قدر ختم الله تعالى عليها. كما في: سال به ~~الوادي- إذا هلك- وطارت به العنقاء- إذا طالت غيبته-. # ومنها: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر، واستحكمت، بحيث لم يبق إلى تحصيل ~~إيمانهم طريق سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف، ~~عبر عن ذلك بالختم، لأنه سد لطريق إيمانهم بالكلية. وفيه إشعار بترامي ~~أمرهم في الغي والعناد. # ومنها: أن ذلك حكاية لما كانت الكفرة يقولونه. مثل قولهم: قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت: 5] . # تهكما بهم. # ومنها: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه. ويعضده ~~قوله تعالى: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما [الإسراء: 97] . # انتهى ملخصا. # (فائدة) قال الراغب: المراد بالقلب في كثير من الآيات: العقل والمعرفة. # PageV01P247 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 8] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) # أصل ناس أناس، حذفت همزته تخفيفا، وحذفها مع لام التعريف كاللازم. # ويشهد لأصله إنسان، وأناس، وأناسي، وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي ~~يبصرون- كما سمي الجن لاجتنانهم- ولذلك سموا بشرا. وقيل: اشتقاقه من الأنس- ~~ضد الوحشة- لأن الإنسان مدني بالطبع. والأول أظهر. # واعلم أن صفات المنافقين إنما نزلت في السور المدنية. لأن مكة لم يكن ~~فيها نفاق، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها ~~الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة ~~مشركي العرب. وبها اليهود- من أهل الكتاب- وهم ثلاث قبائل: بنو قينقاع- ~~حلفاء الخزرج- وبنو النضير وبنو قريظة- حلفاء الأوس- فلما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من ms0256 أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس ~~والخزرج، وقل من أسلم من اليهود- إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه- ولم ~~يكن إذ ذاك نفاق أيضا، لأنه لم يكن للمسلمين، بعد، شوكة تخاف، بل قد كان ~~عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة- من أحياء العرب حوالي ~~المدينة-. فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعز الإسلام ~~وأهله، قال عبد الله بن أبي بن سلول- وكان رأسا في المدينة، وهو من الخزرج، ~~وكان ابن سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، ~~فجاءهم الخبر، وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما ~~كانت وقعة بدر، قال: هذا أمر قد توجه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه ~~طوائف- ممن هو على طريقته ونحلته- وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثم وجد النفاق ~~في أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 9] # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # قال القاشاني: المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، ~~واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله [النساء: 80] . فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، ~~واستبطان # PageV01P248 # الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام ~~الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، ~~والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى ~~وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في ~~أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال- بازدياد الظلمة، ~~والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله ~~يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين [آل عمران: 54] ، وهم- من غاية تعمقهم في جهلهم- لا ~~يحسون بذلك الأمر الظاهر. # وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وما يخادعون) بالألف. # قال ابن كثير: نبه الله سبحانه على صفات المنافقين، لئلا يغتر بظاهر ~~أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض- من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد ~~إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر- وهذا ms0257 من المحذورات: أن يظن بأهل الفجور ~~خير. ثم إن قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين- ~~إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان «1» في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا- ~~في غزوة تبوك- الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة، ليسقط عنها، ~~فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة. # فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة، مردوا على النفاق لا تعلمهم [التوبة: 101] الآية. وقال تعالى: # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ففيها دليل على أنه لم يغربهم ~~ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم، كما ~~قال تعالى: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم [محمد: 30] . وقد كان من أشهرهم بالنفاق، عبد الله بن ~~أبي بن سلول. # واستند- غير واحد من الأئمة- في الحكمة عن كفه صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~المنافقين، بما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله ~~عنه «أكره أن يتحدث العرب أن PageV01P249 # محمدا يقتل أصحابه» «1» . # ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في ~~الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم- بأنه لأجل كفرهم- فإنهم إنما يأخذونه ~~بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 10] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # المرض: السقم، وهو نقيض الصحة، بسبب ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال ~~اللائق به، ويوجب الخلل في أفاعيله، استعير هاهنا لعدم صحة يقينهم، وضعف ~~دينهم- وكذا توصف قلوب المؤمنين بالسلامة التي هي صحة اليقين، وعدم ضعفه، ~~كما قال تعالى: إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 89] أي: # غير مريض بما ذكرنا- أو استعير لشكهم، لأن الشك تردد بين الأمرين، ~~والمنافق متردد، كما # في ms0258 الحديث «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين» «2» # والمريض متردد بين الحياة والموت. # فزادهم الله مرضا بأن طبع على قلوبهم، لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها ~~التذكير والإنذار. # وقال القاشاني: أي مرضا آخر- حقدا وحسدا وغلا- بإعلاء كلمة الدين، ونصرة ~~الرسول والمؤمنين- ثم قال: والرذائل كلها أمراض القلوب، لأنها أسباب ضعفها ~~وآفتها في أفعالها الخاصة، وهلاكها في العاقبة. # ولهم عذاب أليم أي: مؤلم- بكسر اللام- فعيل بمعنى فاعل- كسميع- وبصير- ~~قال في المحكم: الأليم من العذاب الذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ. ومنه. يعلم ~~PageV01P250 # وجه إيثاره في عذاب المنافقين- على «العظم» المتقدم في وصف عذاب ~~الكافرين- ويؤيده: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا [النساء: 145] . # بما كانوا يكذبون الباء للسببية أو للمقابلة- أي بسبب كذبهم أو بمقابلته- ~~وهو قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. وفيه رمز إلى قبح ~~الكذب، وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لا حق بهم من أجل كذبهم- مع إحاطة ~~علم السامع بأن لحوق العذاب بهم من جهات شتى- ونحوه قوله تعالى: مما ~~خطيئاتهم أغرقوا [نوح: 25]- والقوم كفرة- وإنما خصت الخطيئات استعظاما لها، ~~وتنفيرا عن ارتكابها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 12] # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون (12) # شروع في تعديد بعض من مساوئهم المتفرعة- على ما حكى عنهم من الكفر ~~والنفاق- و «الفساد» خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به. ونقيضه ~~«الصلاح» وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: ~~تهييج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن ~~أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية. قال الله تعالى: وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد ~~[البقرة: 205] . # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [البقرة: 30]- ومنه قيل لحرب كانت ~~بين طيء: حرب الفساد-. # وكان إفساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمالئون الكفار على المسلمين ~~بإفشاء أسرارهم إليهم، وإغرائهم عليهم، واتخاذهم أولياء، مع ما يدعون في ~~السر إلى: تكذيب النبي صلى الله ms0259 عليه وسلم وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه، ~~وذلك مما يجرئ الكفرة على إظهار عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصب ~~الحرب له، وطمعهم في الغلبة، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد- ~~بتهييج الفتن بينهم- قيل لهم: لا تفسدوا- كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك ~~بيدك ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته- وقد قال تعالى: ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض # PageV01P251 # وفساد كبير # [الأنفال: 73] ، فأخبر أن موالاة الكافرين تؤدي إلى الفتنة والفساد، لما ~~تقدم. # وقولهم: إنما نحن مصلحون أي: بين المؤمنين وأهل الكتاب. نداري الفريقين ~~ونريد الإصلاح بينهما كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا [النساء: 62] . أو معناه: إنما نحن مصلحون في الأرض بالطاعة ~~والانقياد. # قال الراغب: تصوروا إفسادهم بصورة الإصلاح- لما في قلوبهم من المرض- كما ~~قال أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا [فاطر: 8] وقوله: وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون [الأنعام: 43] وقوله: وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: ~~104] . # وقال القاشاني كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم ~~أمور الدنيا- لأنفسهم خاصة- لتوغلهم في محبة الدنيا، وانهماكهم في اللذات ~~البدنية، واحتجابهم- بالمنافع الجزئية، والملاذ الحسية- عن المصالح العامة ~~الكلية، واللذات العقلية، وبذلك يتيسر مرادهم، ويتسهل مطلوبهم، وهم لا ~~يحسون بإفسادهم المدرك بالحس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 13] # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) # وإذا قيل لهم بطريق الأمر بالمعروف، إثر نهيهم عن المنكر- إتماما للنصح، ~~وإكمالا للإرشاد- آمنوا كما آمن الناس أي: الكاملون في الإنسانية، فإن ~~المؤمنين هم الناس في الحقيقة لجمعهم ما يعد من خواص الإنسان وفضائله- ~~قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء استفهام في معنى الإنكار. و (السفه) خفة ~~وسخافة رأي يورثهما: قصور العقل، وقلة المعرفة بمواضع المصالح والمضار. ~~ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما [النساء: 5] . # وإنما سفهوهم- مع أنهم العقلاء المراجيح- لأنهم: لجهلهم، وإخلالهم بالنظر ~~وإنصاف ms0260 أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل- ومن # PageV01P252 # ركب متن الباطل كان سفيها- ولأنهم كانوا في رئاسة في قومهم، ويسار، وكان ~~أكثر المؤمنين فقراء، ومنهم موال- كصهيب، وبلال، وخباب- فدعوهم سفهاء ~~تحقيرا لشأنهم! ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 14] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤن (14) # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا أي: أظهروا لهم الإيمان، والموالاة، ~~والمصافاة- نفاقا، ومصانعة، وتقية وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم-. # واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين، فليس ~~بتكرير. لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم، وهذه لبيان تباين ~~أحوالهم، وتناقض أقوالهم- في أثناء المعاملة والمخاطبة- حسب تباين ~~المخاطبين! وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن يقال: ~~خلوت بفلان وإليه أي: انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلا بمعنى: مضى، ومنه: ~~القرون الخالية. والمراد ب شياطينهم: أصحابهم أولو التمرد والعناد، ~~والشيطان يكون من الإنس والجن، كما قال تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام: 112] . ~~وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. واشتقاق شيطان من شطن، إذا بعد، لبعده ~~من الصلاح والخير. # ومعنى إنا معكم أي في الاعتقاد على مثل ما أنتم عليه، إنما نحن في إظهار ~~الإيمان عند المؤمنين مستهزئون ساخرون بهم. والاستهزاء بالشيء السخرية منه. # يقال: هزأت واستهزأت بمعنى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 15] # الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) # الله يستهزئ بهم يسخر بهم للنقمة منهم- هكذا فسره ابن عباس رضي الله ~~عنهما فيما رواه الضحاك- ويمدهم في طغيانهم يعمهون يزيدهم على وجه # PageV01P253 # الإملاء، والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون [الأنعام: ~~110] . # و (الطغيان) المراد به هنا: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو. وأصل ~~المادة هو المجاوزة في الشيء، كما ms0261 قال تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في ~~الجارية [الحاقة: 11] . # (والعمه) مثل العمى- إلا أن العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي ~~خاصة- وهو التحير والتردد، لا يدري أين يتوجه. # أي في ضلالهم وكفرهم- الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه- يترددون حيارى، ~~ضلالا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا. # والمشهور فتح الياء من «يمدهم» ، وقرئ- شاذا- بضمها، وهما بمعنى واحد. ~~يقال: مد الجيش وأمده- إذا زاده، وألحق به ما يقويه ويكثره- وكذلك مد ~~الدواة وأمدها زادها ما يصلحها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 16] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم ~~بما ذكر من الصفات الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز، بحيث صاروا ~~كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عليه. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم في الشر وسوء الحال، ومحله الرفع على الابتداء، خبره قوله تعالى: ~~الذين اشتروا إلخ. والجملة مسوقة لتقرير ما قبلها، وبيان لكمال جهالتهم- ~~فيما حكي عنهم من الأقوال والأفعال- بإظهار غاية سماجتها، وتصويرها بصورة ~~ما لا يكاد يتعاطاه من له أدنى تمييز- فضلا عن العقلاء-. والضلالة الجور عن ~~القصد، وبالهدى التوجه إليه. وقد استعير الأول: للعدول عن الصواب في الدين، ~~والثاني: # للاستقامة عليه. و «الاشتراء» استبدال السلعة بالثمن- أي أخذها به- ~~فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة فيها ~~والإعراض عنه. # فإن قيل: كيف اشتروا الضلالة بالهدى، وما كانوا على هدى؟ # قلت: جعلوا لتمكنهم منه- بتيسير أسبابه- كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى # PageV01P254 # الضلالة قد عطلوه، واستبدلوها به، فاستعير ثبوته لتمكنهم بجامع المشاركة ~~في استتباع الجدوى ولا مرية في أن هذه المرتبة- من التمكن- كانت حاصلة لهم ~~بما شاهدوه- من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة- من جهة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # فما ربحت تجارتهم عطف على الصلة داخل في حيزها. والفاء للدلالة على ترتب ~~مضمونه عليها. والتجارة صناعة التجار، وهو التصدي للبيع والشراء، لتحصيل ~~الربح وهو الفضل على رأس المال، وإسناد عدمه- الذي هو عبارة عن الخسران- ~~إليها، وهو لأصحابها، من الإسناد المجازي ms0262 وهو: أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس ~~بالذي هو في الحقيقة له- كما تلبست التجارة بالمشترين- وفائدته: المبالغة ~~في تخسيرهم، لما فيه من الإشعار بكثرة الخسار، وعمومه المستتبع، لسرايته ~~إلى ما يلابسهم. # فإن قلت: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما ~~معنى ذكر الربح، والتجارة كأن ثم مبايعة على الحقيقة؟ # قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن ~~تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها، وأخوات- إذا تلاحقن- لم تر ~~كلاما أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح، فإيرادهما- ~~إثر الاشتراء- تصوير لما فاتهم من فوائد الهدى بصورة خسار التجارة- الذي ~~يتحاشى عنه كل أحد- للإشباع في التخسير والتحسير. وهذا النوع قريب من ~~التتميم الذي يمثله أهل صناعة البديع بقول الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار..! # لما شبهته- في الاهتداء به- بالعلم المرتفع، أتبعت ذلك ما يناسبه ويحققه، ~~فلم تقنع بظهور الارتفاع حتى أضافت إلى ذلك ظهورا آخر، باشتعال النار في ~~رأسه. # وقوله: وما كانوا مهتدين أي: لزوال استعدادهم، وتكدير قلوبهم بالرين ~~الموجب للحجاب والحرمان الأبدي. # قال الزمخشري: فإن قيل: لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح ~~تجارتهم، ورتبا معا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى؟ وما وجه الجمع ~~بينهما- مع ذلك الترتيب- على أن عدم الاهتداء قد فهم من استبدال الضلالة ~~بالهدى، فيكون تكرارا لما مضى؟ # PageV01P255 # فالجواب: أن رأس مالهم هو الهدى، فلما استبدلوا به ما يضاده- ولا يجامعه ~~أصلا- انتفى رأس المال بالكلية، وحين لم يبق في أيديهم إلا ذلك الضد- أعنى ~~الضلالة- وصفوا بانتفاء الربح والخسارة. لأن الضال في دينه خاسر هالك- وإن ~~أصاب فوائد دنيوية- ولأن من لم يسلم له رأس ماله لم يوصف بالريح، بل ~~بانتفائه، فقد أضاعوا سلامة رأس المال بالاستبدال، وترتب على ذلك إضاعة ~~الربح. # وأما قوله: وما كانوا مهتدين فليس معناه عدم اهتدائهم في الدين- فيكون ~~تكرارا لما سبق- بل لما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير إلى عدم ~~اهتدائهم لطرق التجارة- كما يهتدي إليه التجار البصراء بالأمور التي يربح ~~فيها ويخسر- فهذا راجع إلى الترشيح. ### | ### | القول في ms0263 تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 17] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) # ولما جاء بحقيقة صفتهم، عقبها بضرب المثل- زيادة في الكشف، وتتميما ~~للبيان- فقال تعالى: مثلهم أي: مثالهم في نفاقهم، وحالهم فيه كمثل الذي ~~استوقد أي أوقد نارا في ظلمة- والتنكير للتعظيم- فلما أضاءت أي: # أنارت النار ما حوله فأبصر، واستدفأ، وأمن مما يخافه ذهب الله بنورهم أي: # أطفأ الله نارهم- التي هي مدار نورهم- فبقوا في ظلمة وخوف- وجمع الضمير ~~مراعاة لمعنى الذي كقوله وخضتم كالذي خاضوا [التوبة: 69] . وتركهم في ظلمات ~~لا يبصرون ما حولهم- متحيرين عن الطريق، خائفين- فكذلك هؤلاء استضاءوا ~~قليلا بالانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، حيث أمنوا على أنفسهم وما ~~يتبعها. ثم وراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة- ظلمة النفاق- التي ترمي بهم ~~إلى ظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمد، ومحصوله: أنهم انتفعوا بهذه ~~الكلمة مدة حياتهم القليلة، ثم قطعه الله تعالى بالموت. # ونقل- عن كثير من السلف- تفسير آخر، وهو: تمثيل إيمانهم أولا، ثم كفرهم ~~ثانيا. فيكون إذهاب النور في الدنيا، كما قال تعالى: ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا [المنافقون: 3] الآية، فلما آمنوا أضاء الإيمان في قلوبهم- كما أضاءت ~~النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارا- ثم لما كفروا، ذهب الله بنورهم: انتزعه- ~~كما ذهب # PageV01P256 # بضوء هذه النار- وعلى هذا فالتمثيل مرتبط بما قبله. فإنهم- لما وصفوا ~~بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى- مثل هداهم- الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول ~~المستوقد- والضلالة- التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم- بذهاب الله بنورهم، ~~وتركه إياهم في الظلمات. # قال الزمخشري في الكشف: ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل ~~والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، ~~حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه ~~مشاهد- وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي. # ولأمر ما، أكثر الله- في كتابه المبين، وفي سائر كتبه- أمثاله، وفشت في ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله ~~تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] ~~. # و (والمثل) في أصل كلامهم بمعنى: المثل وهو النظير. ms0264 يقال: مثل، ومثل، ~~ومثيل- كشبه وشبه وشبيه- ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل. # ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا ~~قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثم حوفظ عليه، وحمي من التغيير. # فإنه- لو غير- لربما انتفى الدلالة على تلك الغرابة. وقيل: إن المحافظة ~~على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة. فوجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ ~~المشبه به. فإن وقع تغيير، لم يكن مثلا، بل مأخوذا منه، وإشارة إليه- كما ~~في قولك: # بالصيف ضيعت اللبن بالتذكير. # وقال بعضهم: قد استعير المثل للحال، أو القصة، أو الصفة- إذا كان لها ~~شأن، وفيها غرابة- كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. # وكذلك قوله مثل الجنة التي وعد المتقون [الرعد: 35] أي- فيما قصصنا عليك ~~من العجائب- قصة الجنة العجيبة الشأن، ثم أخذ في بيان عجائبها ولله المثل ~~الأعلى [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. # مثلهم في التوراة [الفتح: 29] أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه. # ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا ~~منه صفة للعجيب الشأن. # PageV01P257 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 18] # صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # صم بكم عمي الصمم: آفة مانعة من السماع، سمى به فقدان حاسة السمع، لما أن ~~سببه اكتناز باطن الصماخ، وانسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل ~~الصوت بتموجه. والبكم: الخرس. والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر. # وصفوا بذلك- مع سلامة حواسهم المذكورة- لما أنهم سدوا عن الإصاخة إلى ~~الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، ~~فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم- كقوله-: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وكقوله: # أصم عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد # فهم لا يرجعون أي- بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة- لا يعودون إلى الهدى- ~~بعد أن باعوه. أو عن الضلالة- بعد أن اشتروها. فالآية الكريمة تتمة للتمثيل ~~بأن ما أصابهم، ليس مجرد انطفاء نارهم، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة- مع ~~بقاء ms0265 حاسة البصر بحالها- بل اختلت مشاعرهم جميعا، واتصفوا بتلك الصفات ~~فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون؟ وكيف ~~يرجعون إلى ما ابتدءوا منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 19] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # أو كصيب من السماء تمثيل لحالهم إثر تمثيل، ليعم البيان منها كل دقيق ~~وجليل، ويوفي حقها من التفظيع والتهويل. فإنه تفننهم في فنون الكفر والضلال ~~حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال. وكما يجب على البليغ- في مظان الإجمال ~~والإيجاز- أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه- في موارد التفصيل والإشباع- ~~أن يفصل ويشبع. # PageV01P258 # (والصيب) السحاب ذو الصوب. والصوب المطر. والمراد بالسماء: السحاب، كما ~~قال تعالى: أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون [الواقعة: 69] . وهي ~~في الأصل: كل ما علاك من سقف ونحوه. # فيه ظلمات ورعد وبرق التنوين في الكل للتفخيم والتهويل- كأنه قيل: فيه ~~ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف- يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ~~الصاعقة: الصوت الشديد من الرعدة يسقط معها قطعة نار تنقدح من السحاب- إذا ~~اصطكت أجرامه- لا تأتي على شيء إلا أحرقته حذر- أي خوف- الموت- من سماعها- ~~والله محيط بالكافرين علما وقدرة فلا يفوتونه. # والجملة اعتراضية منبهة على أن ما صنعوا- من سد الآذان بالأصابع- لا يغني ~~عنهم شيئا، فإن القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا ترد بأس الله عز وجل. ~~وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير- الراجع إلى أصحاب الصيب- الإيذان بأن ما ~~دهمهم- من الأمور الهائلة المحكية- بسبب كفرهم، فيظهر استحقاقهم شدة الأمر ~~عليهم، على طريقة قوله تعالى: صابت حرث قوم ظلموا # [آل عمران: 117] فإن الإهلاك الناشئ عن السخط أشد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 20] # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) # يكاد البرق يخطف أبصارهم استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدر- كأنه قيل: ~~فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد يخطف أبصارهم، أي: يأخذها بسرعة كلما ~~أضاء ms0266 لهم مشوا فيه أي: في ضوئه وإذا أظلم عليهم قاموا أي: # وقفوا، وثبتوا في مكانهم- ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وكسدت. وقام الماء، ~~جمد- وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين: بشدته على أصحاب الصيب، وما هم ~~فيه من غاية التحير والجهل- بما يأتون وما يذرون- إذا صادفوا من البرق ~~خفقة- مع خوف أن يخطف أبصارهم- انتهزوا تلك الخفقة فرصة، فخطوا خطوات ~~يسيرة، فإذا خفي، وفتر لمعانه، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم أي: لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق ~~فأعماهم. # ومفعول «شاء» محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى: ولو شاء الله أن يذهب ~~بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» . لا # PageV01P259 # يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب- كنحو قوله: فلو شئت أن ~~أبكي دما لبكيته، وقوله تعالى: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ~~[الأنبياء: 17] . # إن الله على كل شيء قدير تعليل للشرطية، وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته ~~تعالى على إزالة مشاعرهم بالطريق البرهاني. ### | تنبيهات: # الأول: محصول التمثيلين- غب وصف أربابهما بوقوعهم في ضلالتهم التي ~~استبدلوها بالهدى- هو أنه شبه، في الأول، حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما ~~يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل. وفي الثاني: شبه حالهم بحال ~~من أخذتهم السماء في ليلة تكاثف ظلماتها- بتراكم السحب، وانتساج قطراتها، ~~وتواتر فيها الرعود الهائلة، والبروف المخيفة، والصواعق المختلفة المهلكة، ~~وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت. وبذلك يعلم أن التمثيلين جميعا من ~~جملة التمثيلات المركبة، وهو الذي تقتضيه جزالة المعاني- لأنه يحصل في ~~النفس من تشبيه الهيئات المركبة ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها. فإنك إذا ~~تصورت حال من طفئت ناره بعد إيقادها ### | .... # إلخ. وحال من أخذتهم السماء ... إلخ. حصل في نفسك هيئة عجيبة توصلك إلى ~~معرفة حال المنافقين، على وجه يتقاصر عنه تشبيه المنافق- في التمثيل الأول- ~~بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانتفاء النار ~~وتشبيه دين الإسلام- في الثاني- بالصيب، وما يتعلق به- من شبه الكفار- ~~بالظلمات، وما فيه- من الوعد والوعيد- بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة- من ~~الإفزاع والبلايا والفتن- من ms0267 جهة أهل الإسلام بالصواعق. وأيضا في تشبيه ~~المفردات، وطي ذكر المشبهات تكلف ظاهر. وأيضا في لفظ (المثل) نوع إنباء عن ~~التركيب، إذ المتبادر منه القصة التي هي في غرابتها كالمثل السائر، وهي في ~~الهيئة المركبة دون كل واحد من مفرداتها. وأيضا في التمثيل المركب اشتمال ~~على التشبيه في المفردات إجمالا، مع أمر زائد: هو تشبيه الهيئة بالهيئة، ~~وإيذانه بأن اجتماع تلك المفردات مستتبع لهيئة عجيبة حقيقة بأن تكون مثلا ~~في الغرابة. # التنبيه الثاني: # قال الإمام العلامة «ابن القيم» في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية على ~~غزو المعطلة والجهمية) «في هذه الآية، شبه، سبحانه، أعداءه المنافقين، بقوم ~~أوقدوا نارا لتضيء لهم، # PageV01P260 # وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، ~~وأبصروا الطريق- بعد أن كانوا حيارى تائهين- فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق، ~~فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم- فأبصروا وعرفوا- طفئت تلك ~~الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث- ~~فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: مما يسمعه بإذنه، ويراه بعينه، ~~ويعقل بقلبه، وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى: فلا تسمع قلوبهم شيئا، ولا ~~تبصره، ولا تعقل ما ينفعها. وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم ~~وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له، ولا بصر، ولا عقل. والقولان متلازمان. # وقال في صفتهم فهم لا يرجعون لأنهم قد رأوا في ضوء النار، وأبصروا الهدى، ~~فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. وقال سبحانه وتعالى: # ذهب الله بنورهم ولم يقل: ذهب نورهم، وفيه سر بديع: وهو انقطاع سر تلك ~~المعية الخاصة- التي هي للمؤمنين- من الله تعالى، وأن الله مع المؤمنين ~~[الأنفال: 19] ، إن الله مع الصابرين [البقرة: 153] ، وإن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] . فذهاب الله بذلك النور: انقطاع ~~المعية- التي خص بها أولياءه- فقطعها بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم- ~~بعد ذهاب نورهم-، ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله لا تحزن إن الله معنا ~~[التوبة: 40] ، ولا من كلا، إن معي ربي سيهدين [الشعراء: 62] . # وتأمل قوله تعالى: أضاءت ms0268 ما حوله كيف جعل ضوءها خارجا عنه، منفصلا، ولو ~~اتصل ضوؤها به، ولابسه، لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة، ~~وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في ~~معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به: حجة من الله قائمة، وحكمة ~~بالغة، تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده. # وتأمل قوله تعالى: ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم، ليطابق أول الآية، ~~فإن النار فيها إشراق وإحراق: فذهب ما فيها من الإشراق- وهو النور- وأبقى ~~عليهم ما فيها من الإحراق- وهو النارية- وتأمل كيف قال بنورهم ولم يقل: ~~بضوئهم- مع قوله فلما أضاءت ما حوله- لأن الضوء هي زيادة في النور، فلو ~~قيل: # ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان النور ~~أصل الضوء، كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته، وأيضا فإنه أبلغ في النفي ~~عنهم، وأنهم # PageV01P261 # من أهل الظلمات الذين لا نور لهم، وأيضا فإن الله تعالى سمى كتابه (نورا) ~~، ورسوله صلى الله عليه وسلم (نورا) ، ودينه (نورا) ، وهداه (نورا) ، ومن ~~أسمائه (النور) ، والصلاة (نور) ، فذهابه سبحانه بهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل ~~مطابقة هذا المثل- لما تقدمه من قوله: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 16] كيف طابق هذه التجارة ~~الخاسرة التي تضمنت هول الضلالة والرضاء بها، وبدل الهدى في مقابلتها، وهول ~~الظلمات- التي هي الضلالة والرضاء بها- بدلا عن النور- الذي هو الهدى ~~والنور- فبدلوا الهدى والنور، وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة. فيا لها من ~~تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشد غبنها. وتأمل كيف قال تعالى: ذهب الله ~~بنورهم فوحده ثم قال: وتركهم في ظلمات فجمعها. فإن الحق واحد: هو صراط الله ~~المستقيم- الذي لا صراط يوصل إليه سواه- وهو عبادته وحده لا شريك له، بما ~~شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بالأهواء، والبدع، وطرق ~~الخارجين عن ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم- من الهدى ودين الحق- ~~بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة. ولهذا، يفرد، سبحانه، الحق، ويجمع ~~الباطل، كقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا ms0269 يخرجهم من الظلمات إلى النور، ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: ~~257] وقال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله [الأنعام: 153] ، فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق. ولا يناقض ~~هذا قوله يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة: 16] فإن تلك هي ~~طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، إن طرق مرضاته كلها ~~ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خط خطا مستقيما، وقال: «هذا ~~سبيل الله» «1» . # ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان ~~يدعو إليه» ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. # وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها ~~بين PageV01P262 # أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله [المائدة: 64] . ويكون قوله تعالى: ذهب الله بنورهم مطابقا ~~لقوله تعالى: # أطفأها الله ويكون تخييبهم، وإبطال ما راموه، هو: تركهم في ظلمات الحيرة، ~~لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا، بل هم صم بكم عمي. ~~هذا التقدير- وإن كان حقا- ففي كونه مراد بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد ~~لغيره، ويأباه قوله تعالى: فلما أضاءت ما حوله وموقد نار الحرب لا يضيء ما ~~حوله أبدا. ويأباه قوله تعالى: ذهب الله بنورهم وموقد نار الحرب لا نور له، ~~ويأباه قوله تعالى: وتركهم في ظلمات لا يبصرون وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من ~~نور المعرفة والبصيرة، إلى ظلمة الشك والكفر. # قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر. ولهذا قال ~~فهم لا يرجعون أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حق ~~الكفار صم بكم عمي فهم لا يعقلون فسلب العقل عن الكفار- إذ لم يكونوا من ~~أهل ms0270 البصيرة والإيمان- وسلب الرجوع عن المنافقين- لأنهم آمنوا ثم كفروا- ~~فلم يرجعوا إلى الإيمان. ### | فصل # ثم ضرب الله، سبحانه، لهم مثلا آخر مائيا، فقال تعالى: أو كصيب من السماء ~~فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله ~~محيط بالكافرين. فشبه نصيبهم- مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم- من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان ~~إليها، وذهب نوره. وبقي في الظلمات حائرا، تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف ~~طريقا، وبنصيب أصحاب الصيب- وهو المطر الذي يصوب (أي ينزل) من علو إلى ~~أسفل- فشبه الهدى- الذي هدى به عباده- بالصيب، لأن القلوب تحيى به حياة ~~الأرض بالمطر. ونصيب المنافقين من هذا الهدى، بنصيب من لم يحصل له نصيب من ~~الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له- فيما وراء ذلك- مما هو المقصود ~~بالصيب- من حياة البلاد، والعباد، والشجر، والدواب، وأن تلك الظلمات التي ~~فيه، وذلك الرعد، والبرق، مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك ~~الصيب. # فالجاهل- لفرط جهله- يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ~~ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل المسافر عن سفره، وصانع عن صنعته ولا بصيرة ~~له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن ~~كل # PageV01P263 # قاصر النظر، ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما ~~وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق، إلا من صحت بصيرته- فإذا رأى ضعيف ~~البصيرة ما في الجهاد من التعب، والمشاق، والتعرض لإتلاف المنهجة، ~~والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته- لم يقدم عليه، ~~لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق ~~المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون. وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت ~~الحرام، فلم يعلم- من سفره ذلك- إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ~~ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر هذا السفر، ~~ومآله، وعاقبته- فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء، حال الضعيف ~~البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من ms0271 الوعد والوعيد، والزواجر ~~والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي ~~المألوفات والشهوات- والفطام على الصبي أصعب شيء، وأشقه- والناس كلهم صبيان ~~العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علما، وعملا، ~~ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب، وما فيه- من الرعد والبرق ~~والصواعق- ويعلم أنه حياة الوجود. ### | التنبيه الثالث: # قال القاشاني: «إنما بولغ في ذكر فريق المنافقين، وذمهم، وتعييرهم، ~~وتقبيح صورة حالهم، وتهديدهم، وإيعادهم، وتهجين سيرهم وعاداتهم: لإمكان ~~قبولهم للهداية، وزوال مرضهم العارض. عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم، ~~والتوبيخ يقلع أصول رذائلهم، فتتزكى بواطنهم، وتتنور قلوبهم، فيسلكوا طريق ~~الحق. ولعل موادعة المؤمنين، وملاطفتهم إياهم، ومجالستهم معهم- تستميل ~~طباعهم، فتهيج فيهم محبة ما، وشوقا تلين به قلوبهم إلى ذكر لله، وتنقاد به ~~نفوسهم لأمر الله، فيتوبوا ويصلحوا، كما قال تعالى: إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين، وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ~~[النساء: 145- 146] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 21] # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) # يا أيها الناس اعبدوا ربكم لما ذكر الله علو طبقة كتابه الكريم، وتحزب ~~الناس في شأنه إلى ثلاث فرق، مؤمنة به محافظة على ما فيه من الشرائع ~~والأحكام، # PageV01P264 # وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمجاهرة والشقاق، وأخرى مذبذبة بينهما ~~بالمخادعة والنفاق، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند ~~الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب- وهو من الالتفات المذكور عند قوله جل ~~ذكره إياك نعبد- وهو فن من الكلام جزل، فيه هز وتحريك من السامع- كما أنك ~~إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إن فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ~~ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث، فقلت: يا فلان! من حقك أن تلزم ~~الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ~~ومواردك- نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة ~~استدعاء، وأوجدته، ms0272 بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازا من طبعه، ما لا ~~يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة. وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من ~~صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول. وإنما كثر ~~النداء في كتابه تعالى على طريقة يا أيها الناس لاستقلاله بأوجه من ~~التأكيد، وأسباب من المبالغة. كالإيضاح بعد الإبهام، واختيار لفظ البعيد ~~وتأكيد معناه بحرف التنبيه. # ومعلوم أن كل ما نادى الله له عباده: من أوامره، ونواهيه، وعظاته، ~~وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك ... ~~مما أنطق به كتابه- أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان علمهم أن يتيقظوا لها، ~~ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا ~~بالآكد الأبلغ- أفاده الزمخشري-. # والمراد بالناس: كافة المكلفين- مؤمنهم وكافرهم- فطلب العبادة من ~~المؤمنين طلب الزيادة فيها، والثبات عليها، ومن الكافرين، ابتداؤها. الذي ~~خلقكم أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود «و» - خلق- الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون أي كي تتقون، كقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: 56] ، وقوله سبحانه الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا [الملك: 2] . وفي إيراد «لعل» تشبه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجو ~~منه أمرا هين الحصول. فإنه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، ~~وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلة عقلية ونقلية داعية إليها، ووعد، وأوعد، ~~وألطف بما لا يحصى كثرة، لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان اختياره ~~للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجي ~~منه- مع تمكنه من خلافه- وصار طلب الله تعالى لعبادته واتقائه بمنزلة ~~الترجي- فيما ذكرناه-. # PageV01P265 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 22] # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # الذي جعل- خلق- لكم الأرض فراشا بساطا ومهادا غير حزنة، والسماء بناء ~~البناء، في الأصل، مصدر سمي به المبني- بيتا كان، أو قبة، أو خباء. # قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشد ms0273 بعضه بعضا. # والسماء يراد بها الجنس كالسماوات، والمعني بها الكواكب السيارات- قال: # فجميع السموات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك ~~كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب ~~الشمس لها. # وأنزل من السماء أي: السحاب ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا ~~لله أندادا النهي متفرع على مضمون ذلك الأمر، كأنه قيل: إذا أمرتم بعبادة ~~من هذا شأنه- من التفرد بهذه الأفعال الجليلة- فلا تجعلو له أندادا شركاء ~~في العبادة، أي أمثالا تعبدونهم كعبادته- جمع ند. وهو المثل، ولا يقال إلا ~~للمثل المخالف المناوئ- فإن قيل: كيف صلح تسميتها أندادا وهم ما كانوا ~~يزعمون أنها تخالفه وتناوئه، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده؟ أجيب: بأنهم ~~لما تقربوا إليها، وعظموها، وسموها آلهة- أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها ~~آلهة مثله قادرة على مخالفته، ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم. وكما ~~تهكم بهم بلفظ الند شنع عليهم، واستفظع شأنهم، بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن ~~لا يصح أن يكون له ند قط. # وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، وأنها لا تفعل مثل أفعاله، ~~كقوله هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء [الروم: 40] أو وأنتم من أهل ~~العلم والمعرفة- والتوبيخ فيه آكد- أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم ~~عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا- هو غاية الجهل، ونهاية ~~سخافة العقل. # ومما ينبغي التفطن له- في الاعتبار بهذه الآية- ما قاله الزمخشري: من أنه ~~سبحانه وتعالى قدم من موجبات عبادته، وملزمات حق الشكر له: خلقهم أحياء # PageV01P266 # قادرين أولا- لأنه سابقة أصول النعم، ومقدمتها، والسبب في التمكن من ~~العبادة والشكر وغيرهما-، ثم خلق الأرض- التي هي مكانهم، ومستقرهم الذي لا ~~بد لهم منه- وهي بمنزلة عرصة المسكن، ومتقلبه، ومفترشه، ثم خلق السماء- ~~التي هي كالقبة المضروبة، والخيمة المطنبة- على هذا القرار، ثم ما سواه عز ~~وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها، ~~والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان- من ألوان الثمار- ~~رزقا لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا، ومتسلقا إلى ms0274 النظر الموصل إلى ~~التوحيد والاعتراف، ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في ~~خلق أنفسهم، وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر ~~على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا- عند ذلك- أن لا بد لها من خالق- ليس كمثلها- ~~حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا، وهم يعلمون أنها تقدر على نحو ما هو ~~عليه قادر. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء ~~وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، ذلكم الله ربكم، فتبارك الله رب ~~العالمين [غافر: 64] . فمضمونه أنه الخالق، الرازق، مالك الدار وساكنيها، ~~ورازقهم. # فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره. # ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويحققها. ويبطل الإشراك، ويهدمه، ~~وعلم الطريق إلى إثبات ذلك، وتصحيحه. وعرفهم أن من أشرك فقد كابر عقله، ~~وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه- عطف على ذلك ما هو الحجة على ~~إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، ~~وأراهم كيف يتعرفون: أهو من عند الله- كما يدعي- أم هو من عند نفسه- كما ~~يدعون-؟ # بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم، ويذوقوا طباعهم، وهم أبناء جنسه، وأهل ~~جلدته. # فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 23] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) # وإن كنتم في ريب مما نزلنا- أي من القرآن الذي نزلناه- على عبدنا # PageV01P267 # محمد صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله تعالى، والتعبير عن اعتقادهم في ~~حقه بالريب- مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر- كما يعرب عنه قوله تعالى: ~~إن كنتم صادقين إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم- وإن كانوا في ~~غاية ما يكون من المكابرة والعناد- هو الارتياب في شأنه (وأما الجزم ~~المذكور فخارج من دائرة الاحتمال، كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك ~~للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع) وإما للتنبيه على أن جزمهم ~~ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإعجاز، ونهاية قوتها. وإنما ms0275 لم ~~يقل: (وإن ارتبتم فيما نزلنا ### | .... # إلخ، لما أشير إليه- فيما سلف- من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن ~~شائبة وقوع الريب فيه- حسبما نطق به قوله تعالى لا ريب فيه- والإشعار بأن ~~ذلك- إن وقع- فمن جهتهم لا من جهته العالية. واعتبار استقرارهم فيه، ~~وإحاطته بهم، لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته: لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ~~ملابستهم به، لا قلته ولا كثرته. وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان ~~العبودية، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة- من التشريف، والتنويه، والتنبيه ~~على اختصاصه به عز وجل، وانقياده لأوامره تعالى- ما لا يخفى. والأمر في ~~قوله تعالى: فأتوا بسورة من باب التعجيز وإلقام الحجر، كما في قوله تعالى: ~~فأت بها من المغرب [البقرة: 258] ، أو من باب المجاراة معهم- بحسب حسبانهم- ~~حيث كانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا. و «السورة» الطائفة من القرآن ~~العظيم المترجمة، وأقلها ثلاث آيات، وواوها أصلية، منقولة من سور البلد- ~~لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة، محوزة. أو محتوية على فنون رائقة من ~~العلوم، احتواء سور المدينة على ما فيها. أو من السورة التي هي الرتبة. # فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا- من حيث الفضل والشرف، أو من حيث ~~الطول والقصر- فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف: مراتب يرتقي ~~إليها القارئ شيئا فشيئا. و «من» في قوله تعالى: من مثله بيانية متعلقة ~~بمحذوف صفة لسورة، والضمير «لما نزلنا» أي بسورة كائنة من مثله في علو ~~الرتبة، وسمو الطبقة، والنظم الرائق، والبيان البديع، وحيازة سائر نعوت ~~الإعجاز، وقيل «من» زائدة- على ما هو رأي الأخفش- بدليل قوله تعالى فأتوا ~~بسورة مثله [يونس: 38] بعشر سور مثله [هود: 13] . # وقوله تعالى: وادعوا شهداءكم من دون الله إرشاد لهم إلى إنهاض أمة جمة ~~ليحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم، ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير ~~مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء جنسهم. وهذا كقوله # PageV01P268 # تعالى في سورة هود أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [هود: 13] ، و «الشهداء» ms0276 جمع ~~شهيد، بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر. و «من» لابتداء ~~الغاية متعلقة ب «ادعوا» والظرف مستقر. والمعنى: ادعوا، متجاوزين الله ~~تعالى للاستظهار، من حضركم- كائنا من كان- أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم ~~من رؤسائكم وأشرافكم- الذين تفزعون إليهم في الملمات، وتعولون عليهم في ~~المهمات- أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم- من أمنائكم المتولين ~~لاستخلاص الحقوق، بتنفيذ القول عند الولاة- أو القائمين بنصرتكم- حقيقة أو ~~زعما- من الإنس والجن ليعينوكم. وإخراجه، سبحانه وتعالى، من حكم الدعاء في ~~الأول- مع اندراجه في الحضور- لتأكيد تناوله لجميع ما عداه، لا لبيان ~~استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى ~~لأجابهم إليه. وأما في سائر الوجوه: فللتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه ~~تعالى، وكونهم في عدوة المحادة والمشاقة له، قاصرين استظهارهم على ما سواه، ~~والالتفات لإدخال الروعة، وتربية المهابة إن كنتم صادقين أي: في زعمكم أنه ~~من كلامه صلى الله عليه وسلم، واستلزام المقدم للتالي من حيث إن صدقهم في ~~ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله، بقضية مشاركتهم له صلى الله ~~عليه وسلم في البشرية والعربية، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، ~~وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، ~~لا سيما عند المظاهرة والتعاون- ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات ~~الإتيان به، ودواعي الأمر به-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 24] # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) # فإن لم تفعلوا أي: ما أمرتم به من الإتيان بالمثل، بعد ما بذلتم في السعي ~~غاية المجهود ولن تفعلوا اعتراض بين جزأي الشرطية، مقرر لمضمون مقدمها، ~~ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها، وهي معجزة باهرة: حيث أخبر بالغيب الخاص- علمه ~~به عز وجل- وقد وقع الأمر كذلك فاتقوا النار جواب الشرط، على أن اتقاء ~~النار كناية عن الاحتراز من العناد، إذ- بذلك- يتحقق تسببه عنه، وترتبه ~~عليه، # PageV01P269 # كأنه قيل: فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله- كما هو المقرر- فاحترزوا من ~~إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه، فإنه مستوجب للعقاب ms0277 بالنار، لكن أوثر ~~عليه الكناية المذكورة المبنية على تصوير العناد بصورة النار، وجعل الاتصاف ~~به عين الملابسة بها، للمبالغة في تهويل شأنه، وتفظيع أمره، وإظهار كمال ~~العناية- بتحذير المخاطبين منه، وتنفيرهم عنه، وحثهم على الجد في تحقيق ~~المكني به- وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى. حيث كان الأصل: فإن لم ~~تفعلوا فقد صح صدقه عندكم، وإذا صح ذلك كان لزومكم العناد، وترككم الإيمان ~~به، سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار، فاحترزوا منه واتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة- أعاذنا الله منها ~~برحمته الواسعة- و «الوقود» ما توقد به النار، وترفع من الحطب. وقرئ بضم ~~الواو، وهو مصدر سمي به المفعول مبالغة- كما يقال: فلان فخر قومه، وزين ~~بلده- فإن قيل: صلة الذي والتي يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم ~~أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ # قلت: لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من آيات التنزيل المتقدمة عليها، ~~أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أهل الكتاب. والمراد بالحجارة ~~الأصنام، وبالناس أنفسهم- حسبما ورد في قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] فإنها مفسرة لما نحن فيه- وحكمة اقترانهم مع ~~الحجارة في الوقود: أنهم لما اعتقدوا في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها ~~الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم، ويستدفعون المضار عن أنفسهم بمكانهم، ~~جعلها الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم- إبلاغا في إيلامهم، ~~وإغراقا في تحسيرهم. # ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة، فشحوا ~~بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم. فتكوى جباههم وجنوبهم ~~أعدت للكافرين هيئت لهم، وجعلت عدة لعذابهم، والمراد: إما جنس الكفار- ~~والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليا، - وإما هم خاصة، ووضع الكافرين موضع ~~ضميرهم لذمهم، وتعليل الحكم بكفرهم- والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما ~~قبلها. ومبينة لمن أريد بالناس، دافعة لاحتمال العموم. # (تنبيه) هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدي الكافرين ~~بالتنزيل الكريم. وقد تحداهم الله تعالى في غير موضع منه، فقال في ms0278 سورة ~~القصص قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين # PageV01P270 # [القصص: 49] . وقال في سورة الإسراء قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [الإسراء: ~~88] . # وقال في سورة هود: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [هود: 13] . وقال في سورة ~~يونس: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة ~~مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [يونس: 38- 38] . وكل ~~هذه الآيات مكية. ثم تحداهم أيضا في المدينة بقوله وإن كنتم في ريب.. ~~[البقرة: 23] ، إلى آخر هذه الآية فعجزوا عن آخرهم: - وهم فرسان الكلام، ~~وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم، ما لم يخص به غيرهم من الأمم، ~~وأوتو من ذرابة اللسان، ما لم يؤت إنسان. ومن فصل الخطاب، ما يقيد الألباب. ~~جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة. يأتون منه على البديهة ~~بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب، ~~ويرتجزون به بين الطعن والضرب. ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ~~ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال. ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط ~~اللئال. فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن، ويهيجون الدمن، ~~ويجرئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان. ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون ~~النبيه خاملا، منهم البدوي: ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والكلام الفخم، ~~والطبع الجوهري، والمنزع القوي. ومنهم الحضري: ذو البلاغة البارعة، ~~والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول ~~القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلا البابين فلهما- في ~~البلاغة- الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والمهبع الناهج. ~~لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قدحوا فنونها، ~~واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها، ~~فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، ms0279 وتقاولوا في القل ~~والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر- ومع هذا- فلم يتصد للإتيان بما يوازيه ~~أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض- لمقدار أقصر سورة منه- ناهض من ~~بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء، ~~ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادة والمضارة، ~~وإلقائهم # PageV01P271 # الشراشر على المعازة والمعارة، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، ~~وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط: إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن ~~رماهم بمأثرة رموه بمآثر. وقد جرد لهم الحجة أولا، والسيف آخرا، فلم ~~يعارضوا إلا السيف وحده. فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر ~~قد زخر فطم على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب، وبذلك يظهر ~~أن في قوله تعالى: ولن تفعلوا معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا، ومن ~~تعاطى ذلك من سخفائهم- كمسيلمة- كشف عواره لجميعهم. # قال الحافظ ابن كثير: ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل ~~أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال له ~~عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر. ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها. قال: وما هو؟ # فقال: يا وبر يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر. وسائرك حفر نقر- ثم قال-: كيف ~~ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب! .. # وحيث عجز عرب ذلك العصر، فما سواهم أعجز في هذا الأمر ... ! وقد مضى- إلى ~~الآن- أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو ~~مسلم، أو ذو استسلام، فدل على أنه ليس من كلام البشر، بل كلام خالق القوى ~~والقدر، أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله. وهذا الوجه- أعني بلوغه في ~~الفصاحة والبلاغة إلى حد خرج عن طوق البشر- كاف وحده في الإعجاز، وقد انضم ~~إليه أوجه: # (منها) إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر. و ms0280 (منها) كونه لا يمله السمع ~~مهما تكرر. و (منها) جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم. و (منها) ~~إنباؤه عن الوقائع الخالية، وأحوال الأمم. والحال أن من أنزل عليه، صلى ~~الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، لاستغنائه بالوحي، وليكون وجه ~~الإعجاز بالقبول أحرى. # وبذلك يعلم أن القرآن أعظم المعجزات، فإنه آية باقية مدى الدهر، يشاهدها- ~~كل حين بعين الفكر- كل ذي حجر. وسواه- من المعجزات- انقضت بانقضاء وقتها، ~~فلم يبق منها إلا الخبر. # وقد ذهب بعض علماء الشيعة- في وجه إعجازه- إلى: كونه قاهرا لمن # PageV01P272 # يقاومه، وغالبا على من يغالبه، ونافذا في إزهاق ما يخالفه. وكونه مؤثرا ~~في إيجاد الأمة، وبقاء الشريعة، ونفوذ الحكم، وثبوت الكلمة، لما جعل الله ~~فيه من النور، والهداية، والرحمة. وعبارته: إن كلام الله تعالى يمتاز عن ~~غيره بالنفوذ، والغلبة في هداية الخلق، وإنشاء أمة مستقلة، وإبقاء شريعة ~~جديدة. وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية، والآيات السماوية. ثم ~~قال: وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام- الذي يتحدى الداعي به، وينسبه إلى ~~الله- إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة، وقهر ~~الأمم المنكرة المانعة، فأوجد أمة مستقلة نامية، وشريعة جديدة باقية، فلا ~~يبقى ثمة شك أنه هو كلام الله النازل من السماء، والقدرة الظاهرة منه هي ~~القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء. وإلى هذه النكتة أشير ~~في قوله تعالى: يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ~~[الأنفال: 7] وقال تعالى: والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم ~~داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد [الشورى: 16] وهذه العلامة لا ~~توجد إلا في كتب الله تعالى. ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها. سواء ~~كان عالما، أو أميا، أو عجميا. شرقيا، أو غربيا ... ! فمن الذي يشك أن بني ~~إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وعن ذلة العبودية إلى عز ~~الاستقلال إلا بسبب التوراة ... ؟! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما ~~وصلوا إلى عبادة الله تعالى- بعد عبادة الأوثان- إلا بواسطة الإنجيل ... ؟! ~~ومن ms0281 الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى- من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصى ~~إفريقية- ما خرجوا عن ربقة الوثنية، وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله ~~إلا بهداية القرآن العظيم؟ وما تحروا عن أغلال العقائد الفاسدة، والأعمال ~~القبيحة، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة، والعقائد الصحيحة إلا بنور هذا ~~السفر الكريم ... ؟! ثم قال: والخلاصة إن هذه العلامة وهي هداية النفوس، ~~وإيجاد الديانة الجديدة- بقهر الأديان القديمة، وتبديل العوائد العتيقة- هي ~~العلامة الظاهرة المميزة بين الكلمات الإلهية! والمصنفات البشرية. حتى أن ~~أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول، وصدق شريعته، لو لم تعرف في نفسها هذه ~~الهداية، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدقه ولباه، ~~واتبعه وآساه، فإن محبة الدين القديم الموروث راسخة في جميع النفوس. والخوف ~~من تبديل أركانه وآدابه متمكن في أعماق القلوب. # PageV01P273 # فالهداية أظهر علامة في صدق النبوة والرسالة، إذ هي صفة الفعل، ومرتبطة ~~بالدعوة- كالإبراء للطب، ومعرفة السطوح للهندسة، والبيع والشراء للتجارة، ~~وصنع الأسرة والأبواب وغيرها للنجارة- ثم قال: وإذا تصفحت القرآن المجيد، ~~تجد أن الله تعالى استدل بها في مواضع متعددة، ووصف القرآن بأنه حجة- بما ~~أودع فيه من الهداية والرحمة- ولا ترى موضعا واحدا وصفه بأنه أفصح الكتب ~~وأبلغ الصحف، فانظر في قوله تعالى: فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ~~تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه إن كنتم صادقين # [القصص: 48- 49] . أترى أن الله تعالى أفحمهم بقوله: فأتوا بكتاب من عند ~~الله هو أفصح منهما أو أبلغ منهما؟ وكذلك لما انتقدوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعدم صدور معجزة منه كالمعجزات السالفة، فقال تعالى: وقالوا لولا ~~أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون [العنكبوت: 50] ، فبين الله تعالى مزية القرآن على سائر المعجزات، ~~وكفايته عن غيره بأن فيه ms0282 الذكرى والرحمة. # وقال تعالى في أول هذه السورة الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وما ~~قال فيه فصاحة وبلاغة يعجز عن مثلها جميع العالمين. وذلك لأن الفصاحة ~~والبلاغة من الأوصاف الخفية الغامضة الدقيقة- التي تختلف فيها الأذواق، ~~وتتشعب فيها الآراء والأنظار- ولكن ما ظهر من الرسول عليه السلام- بسبب ~~نزول القرآن عليه- من العلم والقدرة على هداية الأمم، وإزالة أسقام أهل ~~العالم، وتأسيس الشريعة الإلهامية، وإيجاد الأمة الإسلامية رغما للأمم ~~الكبرى، ومباينا للديانات العظمى: أمر ظاهر محسوس، تصعب فيه المناقشة، ولا ~~تفيد معه المغالطة. فمن الذي يمكنه أن ينكر أن الأمم العظيمة- كالعرب ~~والفرس، والخزر، والترك، والهنود، والصينيين، وأهالي إفريقية- خرجوا من ~~ظلمات الشرك، وعبادة النار والأوثان، وإنكار الأنبياء، ودخلوا في نور ~~التوحيد، وعبادة الله وحده، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه، بنور الكتاب ~~المبين ... ! # - كذا في كتاب (الدرر البهية) لأبي الفضائل الإيراني- ولا يخفى أن ما ~~ذكره هو وجه متين، ولكن لا يسوغ نفي ما عداه لأجله، بل يجدر أن يضم إليها، ~~ويكون في مقدمتها والله أعلم. # ثم إن من عادته تعالى، في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع # PageV01P274 # البشارة بالإنذار. وهذا معنى تسمية القرآن مثاني- على الأصح- وهو أن يذكر ~~الإيمان ويتبع بذكر الكفر- أو عكسه- أو حال السعداء ثم الأشقياء- أو عكسه- ~~وحاصله ذكر الشيء ومقابله. والحكمة في ذلك: هي إرادة التنشيط لاكتساب ما ~~يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم ~~بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من ~~فعل الطاعات وترك المعاصي- فقال عز وجل: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 25] # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات (البشارة) : الإخبار بما يظهر سرور ~~المخبر به. ومنه البشرة: لظاهر الجلد. وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. ~~وأما فبشرهم بعذاب أليم فمن العكس في الكلام الذي يقصد به ms0283 الاستهزاء- ~~الزائد في غيظ المستهزأ به، وتألمه، واغتمامه- ففيه استعارة أحد الضدين ~~للآخر تهكما وسخرية. والصالحات ما استقام من الأعمال أي صلح لترتب الثواب ~~عليه. # وقد أجمع السلف على أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. ثم إنه إذا أطلق ~~دخلت فيه الأعمال، # لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة- أو بضع وسبعون ~~شعبة- أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ~~والحياء شعبة من الإيمان» «1» . # وإذا عطف عليه- كما في هذه الآية- فهنا، قد يقال: الأعمال دخلت فيه، ~~وعطفت عطف الخاص على العام. وقد يقال: لم تدخل فيه، ولكن مع العطف- كما في ~~اسم الفقير والمسكين. إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما ~~PageV01P275 # على الآخر فهما صنفان- وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر، ~~والتقوى، والمعروف. وفي الإثم، والعدوان، والمنكر. تختلف دلالتها في ~~الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن. # وقد بين حديث جبريل أن الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله- كما # في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب» «1» . # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ألا إن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» ~~«2» . # فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب. فيجب أن يصلح سائر الجسد، ~~فلذلك هو ثمرة ما في القلب. فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان. # وصحته، لما كانت لازمة لصلاح القلب، دخلت في الاسم. كما نطق بذلك الكتاب ~~والسنة في غير موضع، هذا ما أفاده الإمام ابن تيمية رحمه الله. # وقوله تعالى: أن لهم جنات جمع (جنة) : وهي البستان من النخل والشجر ~~المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. وإنما سميت «دار الثواب» بها مع أن فيها ~~ما لا يوصف من الغرفات والقصور، لما أنها مناط نعيمها، ومعظم ملاذها. ~~وجمعها مع التنكير: لاشتمالها على جنان كثيرة في كل منها مراتب ودرجات ~~متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها. وقوله تجري من تحتها الأنهار صفة ~~جنات، ثم إن أريد ms0284 بها الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها ~~الأرض المشتملة عليها، فلا بد من تقدير مضاف- أي من تحت أشجارها- وإن أريد ~~بها مجموع الأرض والأشجار، فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح ~~لإطلاق اسم الجنة على PageV01P276 # الكل، وإنما جيء ذكر الجنات- مشفوعا بذكر الأنهار الجارية- لما أن أنزه ~~البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة، ~~وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى. واللام في الأنهار: للجنس: كما في ~~قولك: # لفلان بستان فيه الماء الجاري- أو للعهد. والإشارة إلى ما ذكر في قوله ~~تعالى: # فيها أنهار من ماء غير آسن ... [محمد: 15] الآية. # كلما رزقوا منها- أي: أطعموا من تلك الجنات- من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي ~~رزقنا من قبل- أي: مثل الذي رزقناه من قبل هذا الذي أحضر إلينا- فالإشارة ~~إلى المرزوق في الجنة لتشابه ثمارها. بقرينة قوله وأتوا به- أي: أتتهم ~~الملائكة والولدان برزق الجنة- متشابها يشبه بعضه بعضا لونا، ويختلف طعما، ~~وذلك أجلب للسرور، وأزيد في التعجب، وأظهر للمزية، وأبين للفضل. # وترديدهم هذا القول، ونطقهم به- عند كل ثمرة يرزقونها- دليل على تناهي ~~الأمر في استحكام الشبه، وأنه الذي يستملي تعجبهم، ويستدعي استغرابهم، ~~ويفرط ابتهاجهم. فإن قيل: كيف موقع قوله وأتوا به متشابها من نظم الكلام؟ ~~قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان، ونعم ما فعل. ورأى من الرأي كذا، وكان ~~صوابا. ومنه قوله تعالى: وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون [النمل: 34] ~~. وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير. # ولهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من الأقذار ~~والأدناس- ويجوز لمجيئه مطلقا، أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع، وسوء ~~الأخلاق وسائر مثالبهن وكيدهن. # وقوله تعالى: وهم فيها خالدون هذا هو تمام السعادة، فإنهم- مع هذا ~~النعيم- في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء. بل في ~~نعيم سرمدي أبدي على الدوام. والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم. إنه البر ~~الرحيم. # ولما ضرب تعالى- فيما تقدم- للمنافقين مثلين: في قوله: مثلهم كمثل الذي ~~استوقد ... إلخ. وقوله أو كصيب ... إلخ. إلى أمثال ms0285 أخرى تقدمت على نزول هذه ~~السورة، من السور المكية، ضربت للمشركين- نبه تعالى إلى موضع العبرة بها، ~~والحكمة منها، وتضليل من لا يقدرها قدرها- ممن يتجاهل عن سرها، ويتعامى عن ~~نورها، ويحول دون الاهتداء بها، والأخذ بسببها- فقال سبحانه: # PageV01P277 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 26] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي: يذكر مثلا ما. # يقال: ضرب مثلا، ذكره، فيتعدى لمفعول واحد. أو صير، فلمفعولين. # قال أبو إسحاق في قوله تعالى: واضرب لهم مثلا [الكهف: 32] أي: # اذكر لهم. وعبارة الجوهري: ضرب الله مثلا أي وصف وبين. وفي شرح نظم ~~الفصيح: ضرب المثل: إيراده ليمتثل به، ويتصور ما أراد المتكلم بيانه ~~للمخاطب. # يقال: ضرب الشيء مثلا، وضرب به، وتمثله، وتمثل به. ثم قال: وهذا معنى قول ~~بعضهم: ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره، وتمثيله به. و «ما» هذه اسمية ~~إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما، وزادته شياعا ~~وعموما- كقولك: # أعطني كتابا ما، تريد أي كتاب كان- كأنه قيل: مثلا ما من الأمثال أي مثل ~~كان. # فهي صفة لما قبلها. أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها- كما في قوله ~~تعالى: # فبما نقضهم ميثاقهم [النساء: 155]- كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلا ~~حقا، أو البتة. # وبعوضة بدل من مثلا. أو هما مفعولا «يضرب» لتضمنه معنى الجعل والتصيير. ~~ومعنى الآية: إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن ~~يتمثل بها لحقارتها. أي لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا- ولو كان في الحقارة ~~والصغر كالبعوضة- كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل ~~بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ms0286 اجتمعوا له، ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب [الحج: 73] ، ~~وقال: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا وإن ~~أوهن البيوت لبيت العنكبوت، لو كانوا يعلمون [العنكبوت: 41] ، وغير ذلك من ~~أمثال الكتاب العزيز. فما استنكره السفهاء وأهل العناد والمراء، واستغربوه ~~من أن # PageV01P278 # تكون المحقرات من الأشياء ومضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار ~~والاستغراب. من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع ~~الحجاب عن الغرض المطلوب. وإدناء المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثل له ~~عظيما، كان المتمثل به مثله. وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس ~~العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا، إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له ~~وتستجره إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى ~~الحق لما كان واضحا، جليا أبلج. كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل ~~لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ أفاده الزمخشري. # فأما الذين آمنوا شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر ~~تحقيق حقية صدوره عنه تعالى- أي: فأما المؤمنون فيعلمون أنه الحق من ربهم- ~~كسائر ما ورد منه تعالى- والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وذلك لأن ~~التمثل به مسوق على قضية مضربه، ومحتذى على مثال ما يستدعيه- كما جعل بيت ~~العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله تعالى- وجعلت أقل من ~~الذباب، وأخس قدرا. وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا، لأنه لا حال أحقر من ~~تلك الأنداد وأقل ... ! فالمؤمنون- الذين عادتهم الإنصاف، والعمل على العدل ~~والتسوية، والنظر في الأمور بناظر العقل- إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا ~~أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله وأما ~~الذين كفروا ممن غلبهم الجهل على عقولهم، وغشيهم على بصائرهم- فلا يتفطنون، ~~ولا يلقون أذهانهم. أو عرفوا أنه الحق، إلا أن حب الرياسة، وهوى الإلف ~~والعادة، لا يخليهم أن ينصفوا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا أي: فإذا ~~سمعوه عاندوا، وكابروا، وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه ms0287 بالإنكار. ولا خفاء ~~في أن التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها- مما لا تخفى استقامته وصحته على من به ~~أدنى مسكة. ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل، ولا ~~متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة، والعجز عن إعمال الحيلة، ~~بدفع الواضح، وإنكار المستقيم، والتعويل على المكابرة والمغالطة- إذا لم ~~يجد سوى ذلك معولا. يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا جواب عن تلك المقالة ~~الباطلة، ورد لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة، وغاية جميلة، هي كونه ~~ذريعة إلى هداية المستعدين للهداية، # PageV01P279 # وإضلال المنهمكين في الغواية. وقدم الإضلال على الهداية- مع تقدم حال ~~المهتدين على حال الضالين فيما قبله، ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب ~~أمرا فظيعا يسوؤهم، ويفت في أعضادهم، وهو السر في تخصيص هذه الفائدة بالذكر ~~وما يضل به أي بالمثل أو بضربه إلا الفاسقين تكملة للجواب والرد، وزيادة ~~تعيين لمن أريد إضلالهم، ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 27] # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه صفة للفاسقين، للذم. و (العهد) الذي ~~وصفوا بنقضه: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ~~ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته- في كتبه، وعلى لسان رسله- ونقضهم ذلك ~~هو تركهم العمل به ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل عام في كل قطيعة لا ~~يرضاها الله تعالى: كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين ~~الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي ~~شر، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة ~~بالذات من كل وصل وفصل ويفسدون في الأرض بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء ~~بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه أولئك هم الخاسرون لأنهم ~~استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، وعقابها بثوابها. ~~وهذه الصفات المسوقة في الآية ms0288 صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما ~~قال تعالى في سورة الرعد: # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى، إنما يتذكر أولوا ~~الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب [الرعد: 19- 20- 21] ~~الآيات- إلى أن قال-: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار [الرعد: ~~25] ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 28] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) # PageV01P280 # كيف تكفرون بالله التفات إلى خطاب المذكورين، مبني على إيراث ما عدد من ~~قبائحهم السابقة، لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع. # والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع. واستبعاده، والتعجيب منه، لأن ~~معهم ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان وكنتم أمواتا أجساما لا حياة لها ~~عناصر، وأغذية، ونطفا، ومضغا مخلقة وغير مخلقة- وإطلاق الأموات على تلك ~~الأجسام الجمادية، إما حقيقة- بناء على أن الميت عادم الحياة مطلقا. كما في ~~قوله تعالى: بلدة ميتا [الفرقان: 49] وو آية لهم الأرض الميتة [يس: 33] . # أو استعارة، جريا على أن إطلاق الميت فيما تصح فيه الحياة، لاجتماعهما في ~~أن لا روح ولا إحساس. فأحياكم بخلق الأرواح، ونفخها فيكم. وإنما عطفه ~~بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه، غير متراخ عنه، بخلاف البواقي ثم يميتكم ~~عند ما تقضى آجالكم ثم يحييكم بالنشور، والبعث، للحساب والجزاء ثم إليه ~~ترجعون- بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فما ~~أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه ... ! # فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه ~~يحييهم ثم إليه يرجعون، فيكف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في ~~سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة ... ؟ # قلت: تمكنهم من العلم بهما- لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في ~~إزاحة العذر. سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى ~~لما قدر ms0289 على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإن بدء الخلق ليس ~~بأهون عليه من إعادته..! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر- ~~مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم ~~عن الكفر، أو على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين ~~جميعا. فإن ما عدده آيات، وهي- مع كونها آيات- من أعظم النعم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 29] # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # PageV01P281 # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، ~~فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى. وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم، ~~ويتم به معاشهم. ومعنى لكم لأجلكم، ولانتفاعكم. وفيه دليل على أن الأصل في ~~الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا ~~فرق بين الحيوانات وغيرها. مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله ~~جميعا أقوى دلالة على هذا. ثم استوى إلى السماء قال أبو العالية الرياحي: ~~استوى إلى السماء أي: ارتفع. نقله عنه البخاري في صحيحه «1» ، ورواه محمد ~~بن جرير الطبري في تفسيره عن الربيع بن أنس. # وقال البغوي: قال ابن عباس وأكثر المفسرين: ارتفع إلى السماء. وقال ~~الخليل ابن أحمد في ثم استوى إلى السماء: ارتفع. رواه أبو عمرو ابن عبد ~~البر في شرح الموطأ، نقله الذهبي في كتاب العلو-. وقد استدل بقوله: ثم ~~استوى على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وكذلك الآية التي في (حم ~~السجدة) . وقوله تعالى في سورة (والنازعات) والأرض بعد ذلك دحاها ~~[النازعات: 30] إنما يفيد تأخر دحوها، لا خلق جرمها، فإن خلق الأرض ~~وتهيئتها- لما يراد منها- قبل خلق السماء. ودحوها بعد خلق السماء. والدحو ~~هو البسط، وإنبات العشب منها، وغير ذلك. مما فسره قوله تعالى أخرج منها ~~ماءها ومرعاها [النازعات: 31] الآية- وكانت قبل ذلك خربة وخالية. على أن ~~«بعد» تأتى بمعنى «مع» كقوله «عتل بعد ms0290 ذلك زنيم [القلم: 13] أي: مع ذلك، ~~فلا إشكال. وتقديم الأرض- هنا- لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة. فسواهن ~~سبع سماوات أي: صيرهن، كما في آية أخرى فقضاهن [فصلت: 12] . # (تنبيه) قال بعض علماء الفلك: السموات السبع- المذكورة كثيرا في القرآن- ~~هي هذه السيارات السبع. وإنما خصت بالذكر- مع أن السيارات أكثر من ذلك- ~~لأنها أكبر السيارات وأعظمها، على أن القرآن الكريم لم يذكرها في موضع ~~واحد- على سبيل الحصر- فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع. # وقال بعض علماء اللغة: إن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة ~~للمبالغة في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. ومنه آية سبع سنابل [البقرة: ~~261] وآية والبحر يمده من بعده سبعة أبحر [لقمان: 27] وآية سبعين مرة ~~[التوبة: 80] PageV01P282 # والله أعلم. # وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي، وأن المراد به العالم ~~الشمسي وحده دون غيره. وعبارته: إن قيل: إن كل ما يعلو الأرض- من الشمس ~~والقمر والكواكب- هو سماء، فلماذا خصص تعالى عددا هو سبع؟ # فالجواب: لا شك أنه يشير إلى العالم الشمسي- الذي أحطنا الآن به علما- ~~وأن حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع، لأن القول بذلك، يخرج ~~تطبيق القرآن على الفلك، لأن العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه ~~احتمال الزيادة- لأن الجمع يدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها- حتى ~~يمكن أن يقال: إن سبعا للمبالغة- كسبعين وسبعمائة- ولا يصح أن يكون العدد ~~سبعة للمبالغة لأنه قليل جدا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين- مثل ~~العالم الشمسي- ويؤيد الحصر في هذا العدد آية ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا [نوح: 15- 16] فأخرج ~~الشمس لأنها مركز وأخرج القمر لأنه تابع للأرض، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع..! # قال: وبذلك تتجلى الآن معجزة واضحة جلية. لأنه في عصر التقدم والمدنية ~~العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك ~~لا يعرفون من السيارات إلا خمسا- بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي: عطارد، ~~الزهرة، المريخ، المشتري، زحل. وكانوا يفسرونها بأنها هي السموات المذكورة ~~في القرآن. ولما لم يمكنهم التوفيق بين ms0291 السبع والخمس، أضافوا الشمس والقمر ~~لتمام العدد. مع أن القرآن يصرح بأن السموات السبع غير الشمس والقمر. وذلك ~~في قوله تعالى: الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على ~~العرش، وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى [الرعد: 2] ، فلفظ «وسخر» ~~دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السموات. ولذلك كان المفسرون- الذين ~~لا يعرفون الهيئة- لا يرون أن تعد الشمس سماء، ولا القمر، لعلمهم أن ~~السموات السبع مسكونة. وأما الشمس فنار محرقة. فذهبوا- في تفسير السموات- ~~على تلك الظنون. ولما اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيار لم يكن معلوما، دعوه ~~«أورانوس» ثم سير آخر سموه «نبتون» - صارت مجاميع السيارات سبعا، فهذا ~~الاكتشاف- الذي ظهر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بألف ومائتي سنة- دل على ~~معجزة القرآن، ونبوة المنزل عليه صلى الله عليه وسلم. # PageV01P283 # ثم قال: وأما كون السموات هي السيارات السبع بدون توابعها، فلا يفهم من ~~الآية، لأن الأقمار التي نثبتها، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ، يلزم أن ~~تكون تابعة للسموات السبع- لأنها تعلونا- وهي في العالم الشمسي. وحينئذ، ~~فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع. بمعنى: أن مجموعة زحل- بما فيها ~~هو نفسه أي مع أقماره الثمانية- تعد سماء، لأن فلكها طبقة فوق طبقة فلك ~~مجموعة المشتري. ويدل على هذا التطبيق قوله تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين، وأعتدنا لهم عذاب السعير [الملك: 5] يشير ~~إلى أن السماء الدنيا- أي السماء التي تلي الأرض- فلك المريخ. فهو وما حوله ~~من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح، وتعتبر كلها سماء وليس السيار نفسه ~~... ! # انتهى. # وقوله تعالى: وهو بكل شيء عليم اعتراض تذييلي مقرر لما قبله، من خلق ~~السموات والأرض وما فيها- على هذا النمط البديع المنطوي على الحكم الفائقة، ~~والمصالح اللائقة. فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء يستدعي أن يخلق كل ما ~~يخلقه على الوجه الرائق. # ولما ذكر تعالى الحياة والموت- المشاهدين- تنبيها على القدرة على ما ~~اتبعهما به من البعث، ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا ~~النظام البديع، وختم ذلك بصفة العلم- ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري- ~~المودع من ms0292 صفة العلم- ما ظهر به فضله بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة أي قوما يخلف بعضهم بعضا، ~~قرنا بعد قرن. كما قال تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الأرض [الأنعام: 165] ~~وقال ويجعلكم خلفاء الأرض [النمل: 62] وقال: ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة ~~في الأرض يخلفون [الزخرف: 60] وقال فخلف من بعدهم خلف [مريم: 59] . ويجوز ~~أن يراد: خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان # PageV01P284 # الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريته، وأن يراد: خليفة مني، لأن آدم كان خليفة ~~الله في أرضه. وكذلك كل نبي إنا جعلناك خليفة في الأرض [ص: 26] والغرض من ~~إخبار الملائكة بذلك، هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به، ~~فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت ~~استخلافهم، أو الحكمة: تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا ~~عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم- وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا ~~عن المشاورة- أو تعظيم شأن المجعول، وإظهار فضله، بأن بشر بوجود سكان ~~ملكوته، ونوه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقبه بالخليفة. # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~قال إني أعلم ما لا تعلمون هذا تعجب من أن يستخلف- لعمارة الأرض وإصلاحها- ~~من يفسد فيها، واستعلام عن الحكمة في ذلك. أي: كيف تستخلف هؤلاء، مع أن ~~منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح ~~بحمدك، ونقدس لك- أي ولا يصدر عنا شيء من ذلك- وهلا وقع الاقتصار علينا ... ~~؟ فقال تعالى مجيبا لهم إني أعلم ما لا تعلمون أي: إن لي حكمة- في خلق ~~الخليفة- لا تعلمونها. # فإن قلت: من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجبوا منه، وإنما هو غيب؟ # أجيب: بأنهم عرفوه: إما بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية. فإنه ~~أخبرهم أنه ms0293 يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون [الحجر: 26] أو فهموا من ~~«الخليفة» أنه الذي يفصل بين الناس، ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن ~~المحارم والمآثم. # قال العلامة برهان الدين البقاعي في تفسيره: وما يقال من أنه كان قبل ~~آدم، عليه السلام، في الأرض خلق يعصون، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه ~~السلام- كلام لا أصل له. بل آدم أول ساكنيها بنفسه. انتهى. # وقوله تعالى: نسبح بحمدك أي: ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك، ملتبسين ~~بحمدك- على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه ~~العبادة. # وقوله نقدس لك أي: نصفك بما يليق بك- من العلو والعزة- وننزهك عما لا ~~يليق بك. وقيل: المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. كأنهم قابلوا # PageV01P285 # الفساد، الذي أعظمه الإشراك، بالتسبيح. وسفك الدماء، الذي هو تلويث النفس ~~بأقبح الجرائم، بتطهير النفس عن الآثام. لا تمدحا بذلك، ولا إظهارا للمنة، ~~بل بيانا للواقع. ### | تنبيهات في وجوه فوائد من الآية # الأول: دلت الآية على أن الله تعالى- في عظمته وجلاله- يرضى لعبيده أن ~~يسألوه عن حكمته في صنعته، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، لا سيما عند ~~الحيرة. والسؤال يكون بالمقال، ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في ~~إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها- ~~كالبحث العلمي، والاستدلال العقلي، والإلهام الإلهي-. # الثاني: إذا كان من أسرار الله تعالى، وحكمه، ما يخفى على الملائكة، فنحن ~~أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة ~~وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا ... ! # الثالث: إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة ~~الدليل- بعد الإرشاد- إلى الخضوع والتسليم. وذلك أنه- بعد أن أخبرهم بأنه ~~يعلم ما لا يعلمون- علم آدم الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة، كما سيأتي ~~بيانه. # الرابع: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، عن تكذيب الناس، ومحاجتهم في ~~النبوة بغير برهان، على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا. فإذا كان الملأ ~~الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون، ويطلبون البيان والبرهان، ms0294 فيما لا ~~يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل ~~الله الملائكة المقربين. أي فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، ~~وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين ~~اتصال هذه الآيات بما قبلها. وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب، وكونه ~~لا ريب فيه، والرسول، وكونه يبلغ وحي الله تعالى، ويهدي به عباده، واختلاف ~~الناس فيها. # ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة ~~منها. مع كون الجميع في سياق موضوع واحد. - كذا في تفسير مفتي مصر-. # PageV01P286 # ولما بين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام. أن في ~~الخليفة فضائل غائبة عنهم، ليستشرفوا إليها، أبرز لهم طرفا منها، ليعاينوه ~~جهرة، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته، وتنزاح شبهتهم بالكلية، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 31] # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) # وعلم آدم الأسماء كلها إما بخلق علم ضروري بها فيه. أو إلقاء في روعه. # وآدم اسم عبراني مشتق من أدمه، وهي لفظة عبرانية معناها التراب، لأنه جبل ~~من تراب الأرض. كما أن حواء كلمة عبرانية معناها «حي» ، وسميت بذلك لأنها ~~تكون أم الأحياء. والمراد بالأسماء، أسماء كل شيء. قال ابن عباس: هي هذه ~~الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، ~~وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وفي التوراة مصداق الآية: وهو أنه ~~تعالى صور من الأرض كل حيوانات البر، وكل طيور السماء، وأحضرها إلى آدم، ~~لينظر ما يسميها، وكل ما سماه آدم من نفس حية، فهو اسمه. وسمى آدم جميع ~~الحيوانات بأساميها وجميع طيور السماء، وجميع وحوش الأرض. # قال ابن جرير: وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن ادكر، ~~والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله عز وجل في ~~هذا القرآن، من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أن ms0295 الله جل ~~ثناؤه، احتج فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم، على من كان بين ظهرانيه، من ~~يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب، التي لم يكن تعالى أطلع من ~~خلقه إلا خاصا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار، لتتقرر عندهم ~~صحة نبوته، ويعلموا أن ما آتاهم به فمن عنده. # قال الحافظ ابن كثير: وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ~~ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام، وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا ~~عن ذلك. فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام، ~~عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل عليهم في العلم ثم عرضهم على الملائكة ~~أي عرض أهل الأسماء، فالضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا فقال أنبئوني ~~بأسماء # PageV01P287 # هؤلاء # أي التي علمتها آدم. وإنما استنبأهم، وقد علم عجزهم عن الإنباء، تبكيتا ~~لهم، وإظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة. فإن ~~التصرف والتدبير، وإقامة المعدلة، بغير وقوف على مراتب الاستعدادات، ~~ومقادير الحقوق، مما لا يكاد يمكن إن كنتم صادقين أي في زعمكم أنكم أحقاء ~~بالخلافة ممن استخلفته، كما ينبئ عنه مقالكم. والتصديق كما يتطرق إلى ~~الكلام باعتبار منطوقه، قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من الأخبار. فإن ~~أدنى مراتب الاستحقاق، هو الوقوف على أسماء ما في الأرض. ولما اتضح لهم ~~موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم هفوة زلتهم، أنابوا إلى الله تعالى بالتوبة، وذلك ~~ما أفاده قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 32] # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم تقديس ~~وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه، إلا بما شاء. وأن ~~يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى. واعتراف منهم بالعجز والقصور عما ~~كلفوه. وأنه العالم بكل المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام، ~~لما نحن بمعزل من الاستعداد له، ms0296 من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من ~~أنواع المخلوقات التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل إلا ما ~~تقتضيه الحكمة. ومن جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل له من العلوم ~~الكلية، والمعارف الجزئية، المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في الأرض، ~~وبناء أمر الخلافة عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 33] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) # قال يا آدم أنبئهم أي أعلمهم بأسمائهم التي عجزوا عن علمها فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال عز وجل تقريرا لما مر من الجواب الإجمالي واستحضارا له ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض إيراد ما لا تعلمون بعنوان الغيب ~~مضافا إلى السموات والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط، وغاية ~~سعته مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم، وعلم آدم عليه السلام، من الأمور ~~المتعلقة بأهل السموات والأرض. وهذا دليل واضح على أن المراد بما لا ~~تعلمون، فيما سبق، ما # PageV01P288 # أشير إليه هناك، كأنه قيل: ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة ما ~~لا تعلمونه فيه، هو هذا الذي عاينتموه. وفي الآية تعريض بمعاتبتهم على ترك ~~الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون عطف على جملة ألم أقل لكم لا على أعلم، إذ هو غير داخل تحت القول. ~~أي ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم تخفون في أنفسكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 34] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم لما أنبأهم بأسماء، وعلمهم ما لا يعلموا، ~~أمرهم بالسجود له، على وجه التحية والتكرمة تعظيما له، واعترافا بفضله، ~~واعتذارا عما قالوا فيه. وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام ~~فسجدوا إلا إبليس أبى أي امتنع عن السجود «واستكبر أي تكبر وقال: أنا خير ~~منه، ms0297 فالسين للمبالغة وكان في سابق علم الله أو صار من الكافرين. ### | تنبيهات: # الأول: للناس في هذا السجود أقوال: أحدها أنه تكريم لآدم، وطاعة لله، ولم ~~يكن عبادة لآدم. وقيل: السجود لله، وآدم قبلة، أو السجود لآدم تحية، أو ~~السجود لآدم عبادة بأمر الله، وفرضه عليهم. ذكر ابن الأنباري عن الفراء ~~وجماعة من الأئمة، أن سجود الملائكة لآدم، كان تحية، ولم يكن عبادة. وكان ~~سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ~~قال أهل العلم: السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه. وعلى هذا إجماع كل من ~~يسمع قوله. فإن الله تعالى قال اسجدوا لآدم ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له ~~معنى. وفرق بين «سجدت له» وبين «سجدت إليه» قال تعالى: لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن [فصلت: 37] ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~[الرعد: 15] أجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرم. ~~وأما الكعبة، فيقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، ثم ~~صلى إلى الكعبة، ولا يقال صلى لبيت المقدس، ولا للكعبة. والصواب أن الخضوع ~~بالقلوب، والاعتراف بالعبودية، لا يصلى على الإطلاق إلا لله سبحانه. وأما ~~السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر. فلو أمرنا سبحانه أن نسجد لأحد من ~~خلقه، لسجدنا طاعة واتباعا لأمره. # فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه. وهو لآدم ~~تشريف # PageV01P289 # وتعظيم وتكريم. وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام. ولم يأت أن آدم سجد ~~للملائكة. بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين. وبالجملة، أهل السنة ~~قالوا: إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية له. وقالت المعتزلة: كان آدم كالقبلة ~~يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة ~~عليهم. فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من ~~الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: ~~الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى ~~الله سبحانه عن إبليس قال ms0298 أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا [الإسراء: 62] . # الثاني: اختلفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل: هم الذين كانوا ~~مع إبليس في الأرض. قال تقي الدين بن تيمية: هذا القول ليس من أقوال ~~المسلمين واليهود النصارى. وقيل: هم جميع الملائكة، حتى جبريل وميكائيل. ~~وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. قال ابن تيمية: ومن قال ~~خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، لأنه سبحانه قال فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون [الحجر: 30] ، وهذا تأكيد للعموم. # الثالث: للعلماء في إبليس، هل كان من الملائكة أم لا؟ قولان: أحدهما أنه ~~كان من الملائكة. قاله ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيب، واختاره الشيخ ~~موفق الدين والشيخ أبو الحسن الأشعري وأئمة المالكية وابن جرير الطبري. قال ~~البغوي: هذا قول أكثر المفسرين، لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. ~~قال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس فلولا أنه من ~~الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود ~~لم يكن عاصيا، ولما استحق الخزي والنكال. والقول الثاني أنه كان من الجن، ~~ولم يكن من الملائكة. قاله ابن عباس، في رواية، والحسن وقتادة، واختاره ~~الزمخشري وأبو البقاء العكبري والكواشي في تفسيره. لقوله تعالى: إلا إبليس ~~كان من الجن ففسق عن أمر ربه [الكهف: 50] ، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل ~~الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، ولا ذرية ~~للملائكة. # قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة، لأن إبليس كان في ~~صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له ~~كرامة له، # PageV01P290 # كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه ~~جمهور العلماء وصححه البغوي. وأجابوا عن قوله تعالى: إلا إبليس كان من الجن ~~أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. # قال ابن القيم: الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة ~~قول وحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس ms0299 منهم بمادته وأصله. كان ~~أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم ~~يتواردا على محل واحد. وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في ~~الفتاوي المصرية: وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار. سموا «جنا» ، ~~لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم. والدليل على ذلك قوله تعالى: وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا [الصافات: 158] ، وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ~~ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية. # سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ قال: ذلك عرس لم أشهده! قال: ثم قرأت هذه ~~الآية، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. فقلت: نعم. وقال قوم: ليس ~~له ذرية ولا أولاد، وذريته أعوانه من الشياطين. # الرابع: في قوله تعالى: وكان من الكافرين قولان: أحدهما أنه وقت العبادة ~~كان منافقا، والثاني أنه كان مؤمنا ثم كفر، وهذا قول الأكثرين. فقيل في ~~معنى الآية وكان من الكافرين في علم الله، أي كان عالما في الأزل أنه ~~سيكفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله. أو يقال: معنى الآية ~~أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك. واختلف الناس بأي سبب كفر ~~إبليس، لعنه لله. فقالت الخوارج: # إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة. وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال ~~آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة ~~وأمرهم بالسجود. ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا. وقال جمهور الناس: كفر ~~إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل ~~ب أنا خير منه [الأعراف: 12] كما يأتي. فكأنه ترك السجود لآدم. تسفيها لأمر ~~الله وحكمته. وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم # بقوله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» «1» # كذا في PageV01P291 # كتاب الاستعاذة للإمام مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 35] # وقلنا يا آدم اسكن أنت ms0300 وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له ~~زوجة وأقرهما في الجنة، أباحهما الأكل منها بقوله وكلا منها رغدا أي أكلا ~~واسعا. # و «حيث» للمكان المبهم، أي أي مكان من الجنة شئتما. أطلق لهما الأكل من ~~الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة. حين لم يحظر عليهما بعض ~~الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة. حتى لا يبقى لهما عذر ~~في التناول مما منعا منه بقوله ولا تقربا هذه الشجرة أي هذه الحاضرة من ~~الشجر، أي لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم ~~الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة ~~داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصم. فلا يرى قبيحا، ولا يسمع نهيا، فيقع. ~~والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. ~~وعلى ذلك # قوله صلى الله عليه وسلم «1» # «العينان تزنيان» # لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، ~~فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى: ولا تقربوا الزنى [الإسراء: ~~32] ، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] . # قال ابن العربي: سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل: لا تقرب، بفتح ~~الراء، كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء، معناه لا تدن، نقله ~~ابن مفلح في كتاب الاستعاذة. ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى ~~في شرح القاموس عن شيخه العلامة الفاسي. قال: إن أرباب الأفعال نصوا عليه، ~~وظاهر PageV01P292 # القاموس أنهما مترادفان، فإنه قال: قرب منه، ككرم، وقربه كسمع قربا ~~وقربانا وقربانا دنا، فهو قريب. للواحد والجمع. انتهى. ### | لطيفة: # جاء في آية الأعراف فكلا [الأعراف: 19] وهنا بالواو، لأن كل فعل عطف عليه ~~شيء، وكان ذلك الفعل كالشرط، وذكر الشيء كالجزاء، عطف بالفاء دون ms0301 الواو، ~~كقوله تعالى: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ~~[البقرة: 58] لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء، كأنه ~~قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول. وقوله في ~~الأعراف اسكنوا هذه القرية وكلوا منها [الأعراف: 161] بالواو دون الفاء، ~~لأنه من السكنى، وهو في المقام مع اللبث الطويل، والأكل لا يختص وجوده ~~بوجوده، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا، فلما لم يتعلق ~~الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط، عطف بالواو. وإذا ثبت هذا فنقول: قد ~~يراد ب اسكن الزم مكانا دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد ادخله واسكن فيه. ~~ففي البقرة، ورد الأمر، بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد المكث، ~~والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو. وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة. ~~والمراد الدخول والأكل متعلق به، فورد بالفاء. ### | تنبيه: # لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة، إذ لا ~~حاجة إليه، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودا، لا ~~يجب بيانه. وقوله: من الظالمين أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله ~~تعالى. # قال ابن مفلح الحنبلي في كتاب الاستعاذة: قال ابن حزم: حمل الأمر على ~~الندب، والنهي على الكراهة، يقع في الفقهاء والأفاضل كثيرا، وهو الذي يقع ~~من الأنبياء عليهم السلام، ولا يؤاخذون به، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة. ~~ومعنى قوله: فتكونا من الظالمين أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة وضع ~~الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع ~~الشيء في غير موضعه. انتهى ثم قال: وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل: ~~لا براءة من المعصية أعظم # PageV01P293 # من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا. وهكذا فعل آدم عليه السلام، فإنه ~~أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن، ومتأولا وقاصدا إلى ~~الخير، لأنه قدر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما ms0302 ~~هو فيه أبدا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به، وكان الواجب أن يحمل أمر ~~ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء ~~المسلمين لكان مأجورا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان ~~بذلك ظالما لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا، كما سمى العامد. ~~والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبا. ~~انتهى. # وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين: الصواب أن آدم ~~عليه السلام، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من ~~التأكيدات: # أحدها القسم. والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها ~~بأداة التأكيد. الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به ~~اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث. السادس تقدم المعمول على القليل فيه. ولم ~~يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها ~~لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ~~ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما ~~تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. # قال ابن مفلح: فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، فالتأويل ~~لنص الله أخرجه، وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالما ~~مستحقا للشفاء. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 36] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) # فأزلهما الشيطان عنها أي أذهبهما عن الجنة، وأبعدهما. يقال: زل عن ~~مرتبته، وزل عني ذاك، إذا ذهب عنك، وزل من الشهر كذا. وقال ابن جرير: # فأزلهما، بتشديد اللام، بمعنى استزلهما، من قولك زل الرجل في دينه، إذا ~~هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيان فيه، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من ~~أجله في دينه أو # PageV01P294 # دنياه. ms0303 وقرئ «فأزالهما» بالألف، من التنحية فأخرجهما مما كانا فيه من ~~الرغد والنعيم والكرامة وقلنا اهبطوا أي انزلوا إلى الأرض، خطاب لآدم وحواء ~~والشيطان. # أو خطاب لآدم وحواء خاصة، لقوله في الآية الأخرى قال اهبطا منها جميعا ~~[طه: 123] ، وجمع الضمير لأنهما أصلا الإنس، فكأنهما الإنس كلهم بعضكم لبعض ~~عدو متعادين يبغي بعضكم على بعض ولكم في الأرض مستقر منزل وموضع استقرار ~~ومتاع تمتع بالعيش إلى حين أي إلى الموت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 37] # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) # فتلقى آدم من ربه كلمات استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها. ~~قال ابن جرير: وهي الكلمات التي أخبر عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، ~~معترفا بذنبه، وهو قوله: ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] الآية، فدعا بها ~~لكي تكون عنوانا له ولأولاده على التوبة فتاب عليه فرجع عليه بالرحمة ~~والقبول، وتجاوز عنه، وقوله تعالى: إنه هو التواب الرحيم في الجمع بين ~~الاسمين وعد للتائب بالإحسان مع العفو. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 38] # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (38) # قلنا لآدم وحواء اهبطوا منها من الجنة جميعا ثم ذكر ذرية آدم فقال فإما ~~بإدغام نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة يأتينكم مني هدى كتاب أنزله ~~عليكم، ورسول أبعثه إليكم فمن تبع هداي أقبل على الهدى وقبل فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون في الآخرة بأن يدخلوا الجنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 39] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا بالكتاب والرسول أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون لا يموتون ولا يخرجون. # PageV01P295 ### | تنبيه: # إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة. ~~أو لاختلاف المقصود. فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ~~ولا يخلدون. والثاني أشعر بأنهم اهبطوا للتكليف. فمن اتبع الهدى نجا. ومن ~~ضله ms0304 هلك. ### | «فوائد» # الأولى: ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت ~~في الأرض. قال بعضهم: هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا ~~الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: اهبطوا مصرا ~~[البقرة: 61] ، واحتجوا عليه بوجوه: # أحدها: أن هذه الجنة: لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان ~~آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله: هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى [طه: 120] ، ولما صح قوله: ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين [الأعراف: 20] . # وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: وما هم منها ~~بمخرجين [الحجر: 48] . # وثالثها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم ~~يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، ~~لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ~~ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد. # ورابعها: # روى مسلم «1» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة» . # قال ابن مفلح: أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة ~~الخلد، دار الثواب. ثم قال: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: وهذا قول ~~أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدة، أو غير ذلك، ~~فهو من PageV01P296 # الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام ~~فيها في «مفتاح دار السعادة» وكتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» . # الفائدة الثانية: اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في ~~الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ~~ذلك قوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 120] ، وقوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه ms0305 الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ~~[الأعراف: 20] ، ومقاسمته لهما إني لكما لمن الناصحين [الأعراف: 21] . # والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال: كان ذلك بالوسوسة، كما قال: # فوسوس لهما الشيطان [الأعراف: 20] ، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي ~~جعل له، كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «1» . # وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، ~~لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام ~~الخفي. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول. # الفائدة الثالثة: لم يسم الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ماسة إلى اسمه، ~~كما تقدم في الشجرة. # ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم- دعا بني إسرائيل ~~خصوصا، وهم اليهود، لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم (من هنا ~~إلى الآية رقم 142) فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى ~~آبائهم. وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، ~~وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها، كما سيأتي تفصيله، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 40] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) # يا بني إسرائيل أي أولاد يعقوب. وقد هيجهم تعالى بذكر أبيهم إسرائيل، ~~PageV01P297 # كأنه قيل: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم، كما تقول: ~~يا ابن الكريم، افعل كذا، ويا ابن العالم، اطلب العلم، اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم قال ابن جرير: نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل: اصطفاؤه ~~منهم الرسل، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء ~~والضراء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من ~~الحجر، وإطعام المن والسلوى. # فأمر، جل ثناؤه، أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذكر، وأن لا ~~ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم، ما أحل بمن نسي نعمه ms0306 ~~عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده. وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون العهد هو الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى: ولقد أخذ الله ~~ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم، لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار [المائدة: 12] ، ~~الآية. فعهد الله هو وصيته لهم، بما ذكر في الآية. ومنها: الإيمان برسله ~~المتناول لخاتمهم عليه السلام، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة. ~~وعهده تعالى إياهم، هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، وقوله تعالى: ~~وإياي فارهبون قال ابن جرير: أي اخشوني واتقوا، أيها المضيعون عهدي من بني ~~إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن ~~تؤمنوا به وتتبعوه، أن أحل بكم من عقوبتي إن لم تتوبوا إلي باتباعه ~~والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من أسلافكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 41] # وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) # وآمنوا بما أنزلت أي من القرآن مصدقا لما معكم أي موافقا بالتوحيد، وصفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، وبعض الشرائع، لما معكم من الكتاب- كما في ~~التنوير- قال ابن جرير: أمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم أن في تصديقهم ~~بالقرآن تصديقا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه، نظير الذي من ذلك في الإنجيل ~~والتوراة. ففي تصديقهم بما أنزل على محمد، تصديق منهم لما معهم من التوراة. ~~وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما # PageV01P298 # معهم من التوراة. انتهى. # وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم، لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإن ~~إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا. ### | تنبيه: # كثيرا ما يستدل مجادلة أهل الكتاب على عدم تحريف كتبهم بهذه الآية ~~وأمثالها، كآية: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم [البقرة: 89] ، ~~وآية ولكن ms0307 تصديق الذي بين يديه [يونس: 37] وغيرهما. مع أنه ثبت بالبراهين ~~القاطعة ذهاب قدر كبير من كتبهم، واختلاط حقها بباطلها فيما بقي، كما صنفت ~~في ذلك مصنفات عدة. وقد رد استدلالهم بهذه الآية وأمثالها على ما ادعوه، ~~بأن معنى كون القرآن مصدقا لما معهم، ما ذكرناه قبل في تأويلها. # وحاصله أن ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم هو طبق ما عندهم من حقية ~~نبوته، وصحة البشائر عنه، كما قال تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق ~~لما معهم أي أنه عليه السلام جاء طبق ما عندهم عنه في التوراة والإنجيل، ~~بمعنى أن أحواله جميعا توافق البشائر ولا تكونوا أول كافر به يعني من جنسكم ~~أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه. فالأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني ~~إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن ~~به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه، ~~والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما ~~بعث كان أمرهم على العكس، لقوله فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. # ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق ~~رسولي، بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، فالاشتراء استعارة للاستبدال. ~~وإياي فاتقون بالإيمان واتباع الحق، والإعراض عن حطام الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 42 الى 43] # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة # PageV01P299 # واركعوا مع الراكعين # اللبس الخلط، وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين. والمعنى لا تخلطوا الحق ~~المنزل بالباطل الذي يخترعونه أو يذكرونه في تأويله حتى يشتبه أحدهما ~~بالآخر، وقوله وتكتموا مجزوم داخل تحت حكم النهي. وتكرير الحق، لزيادة ~~تقبيح المنهي عنه، إذ في التصريح باسم الحق، ما ليس في ضميره، والتقييد ~~بقوله وأنتم تعلمون لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل عسى يعذر، وقوله وأقيموا ~~الصلاة الآية، أمر بلزوم الشرائع عليهم ms0308 بعد الإيمان. وذلك إقامة الصلاة ~~بأدائها بفروضها، والمحافظة عليها. وإعطاء الصدقة المفروضة، والركوع لله، ~~أي الخضوع لأوامره بإطاعتها. # قال ابن جرير: هذا أمر من الله، جل ثناؤه، لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ~~ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والدخول مع ~~المسلمين في الإسلام والخضوع له بالطاعة. ونهي منه لهم عن كتمان ما قد ~~علموه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تظاهر حججه عليهم، وبعد ~~الإعذار لهم والإنذار. وبعد تذكيره نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك ~~عليهم، وإبلاغا إليهم في المقدرة. # وقد قيل في قوله: واركعوا مع الراكعين حث على إقامة الصلاة في الجماعة ~~لما فيها من تظاهر النفوس في المناجاة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 44] # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # أتأمرون الناس بالبر أي بما فيه لله رضا من القول أو الفعل. وجماع البر ~~كل ما فيه طاعة لله تعالى. والهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم ~~وتنسون أنفسكم أي تتركونها من البر كالمنسيات. والمعنى تخالفون ما تأمرون ~~به من ذلك إلى غيره. وقوله وأنتم تتلون الكتاب تبكيت مثل قوله وأنتم تعلمون ~~يعني تتلون التوراة وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول ~~العمل. أفلا تعقلون توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى ~~يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه ~~وتدفعه. # روى الحافظ ابن كثير الدمشقي في تفسيره عن إبراهيم النخعي قال: إني لأكره ~~القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وقوله: # PageV01P300 # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون [الصف: 2- 3] ، وقوله إخبارا عن شعيب: وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، ~~عليه توكلت وإليه أنيب [هود: 88] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 45] # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ms0309 الخاشعين (45) # واستعينوا بالصبر أي على الوفاء بالعهد والصلاة أي التي سرها خشوع القلب ~~للرب. فإنها من أكبر العون على الثبات في الأمر. قال ابن جرير: أي استعينوا ~~على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من طاعتي واتباع أمري وترك ما ~~تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري واتباع ~~رسولي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة. فالآية متصلة بما ~~قبلها. كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة ~~والإعراض عن المال عولجوا بذلك. وإنها الضمير للصلاة. وتخصيصها برد الضمير ~~إليها لعظم شأنها واشتمالها على ضروب من الصبر، وجوز عود الضمير على ~~الاستعانة بهما لكبيرة لشاقة ثقيلة كقوله تعالى: كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه [الشورى: 13] إلا على الخاشعين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 46] # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أي محشورون إليه يوم القيامة للجزاء. والظن ~~هنا بمعنى اليقين ومثله إني ظننت أني ملاق حسابيه [الحاقة: 20] . # قال ابن جرير: العرب قد تسمي اليقين ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة ~~والضياء سدفة والمغيث صارخا والمستغيث صارخا وما أشبه ذلك من الأسماء التي ~~يسمى بها الشيء وضده. # والشواهد على ذلك من أشعار العرب أكثر من أن تحصر وأنهم إليه راجعون أي ~~بعد الموت فيجازيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 47] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) # PageV01P301 # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم كرر التذكير للتأكيد ولربط ~~ما بعده من الوعيد الشديد به وأني فضلتكم عطف على نعمتي، عطف الخاص على ~~العام لكماله. أي فضلت آباءكم على العالمين أي عالمي زمانهم بإنزال الكتاب ~~عليهم وإرسال الرسل فيهم وجعلهم ملوكا، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى ~~عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا. وتفضيل الآباء شرف الأبناء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 48] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ms0310 منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) # واتقوا يوما يريد يوم القيامة أي حسابه أو عذابه لا تجزي فيه نفس عن نفس ~~شيئا أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. فانتصاب شيئا على المفعولية. أو شيئا ~~من الجزاء فيكون نصبه على المصدرية. وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم ~~والإقناط الكلي ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ لا يقبل منها عدل أي فدية ولا ~~هم ينصرون يمنعون من عذاب الله. وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس ~~الكثيرة وذكر لمعنى العباد أو الأناسي. # (تنبيه) تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه ~~نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها ~~شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده ~~أن الخطاب معهم كما قال: فما تنفعهم شفاعة الشافعين [المدثر: 48] ، وكما ~~قال عن أهل النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [الشعراء: 100- 101] ~~فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا ~~من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد. # وفي الانتصاف: من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها ~~وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها ~~تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، ~~لأن قوله يوما أخرجه منكرا. ولا شك أن في القيامة مواطن. ويومها معدود ~~بخمسين ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة. وبعضها هو الوقت الموعود، ~~وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد وردت آي ~~كثيرة ترشد إلى # PageV01P302 # تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى: فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون [المؤمنون: 101] ، مع قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~~[الصافات: 27] فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين: # أحدهما محل للتناول والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة. وأدلة ثبوتها لا ~~تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة. وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة. ms0311 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 49] # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # وإذ نجيناكم من آل فرعون تذكير لتفاصيل ما أجمل في قوله تعالى: # نعمتي التي أنعمت عليكم من فنون النعماء. أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم، ~~أي آباءكم. فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم. والمراد بالآل، فرعون وأتباعه، فإن ~~الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه (قاله في القاموس) . # ثم بين ما أنجاهم منه بقوله يسومونكم أي يبغونكم سوء العذاب أي أفظعه ~~وأشده يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم أي يتركونهم أحياء وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم البلاء إما المحنة، إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون، أو النعمة، إن ~~أشير به إلى الإنجاء. قال ابن جرير: العرب تسمي الخير بلاء والشر بلاء. # فائدة: فرعون لقب لمن ملك مصر كافرا. ككسرى لملك الفرس. وقيصر لملك ~~الروم. وتبع لمن ملك اليمن كافرا. والنجاشي لمن ملك الحبشة، وخاقان لملك ~~الترك. ولعتوه اشتق منه: تفرعن الرجل، إذا عتا وتمرد. # وسبب سومه بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم (على ما روي في ~~التوراة) خوفه من نموهم وكثرة توالدهم. وكانت أرض مصر امتلأت منهم. فإن ~~يوسف، عليه السلام، لما استقدم أباه وإخوته وأهلهم من أرض كنعان إلى مصر، ~~أعطاهم ملكا في أرض مصر في أفضل الأرض كما أمره ملك مصر. وكان لهم في مصر ~~مقام عظيم بسبب يوسف عليه السلام. فتكاثروا وتناسلوا. ولما توفي يوسف عليه ~~السلام والملك الذي اتخذه وزيرا عنده، انقطع ذلك الاحترام عن بني إسرائيل. # إلى أن قام على مصر أحد ملوكها الفراعنة. فرأى غو الإسرائيليين. فقال ~~لقومه: # أضحى بنو إسرائيل شعبا أكثر منا وأعظم. فهلم نحتال لهم لئلا ينموا. ~~فيكون، إذا # PageV01P303 # حدثت حرب، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا. ويخرجون من أرضنا. فسلط ~~عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم. وكانوا كلما أشتد تعبدهم ازدادوا ~~كثرة وشدة. فشق على المصريين كثرتهم واختشوا منهم. فجعل أهل مصر يستعبدونهم ~~جورا ويمررون ms0312 عليهم حياتهم بالعمل الشديد بالطين واللبن، وكل فلاحة الأرض، ~~وكل الأفعال التي استعبدوهم بها بالمشقة. # وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قصه الله تعالى. ولم يزل الأمر في هذه الشدة ~~عليهم حتى نجاهم سبحانه بإرسال موسى عليه السلام. وقوله جل ذكره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 50] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) # وإذ فرقنا بكم البحر بيان لسبب التنجية، وتصوير لكيفيتها، إثر تذكيرها ~~وبيان عظمها وهولها. وقد بين في تضاعيف ذلك نعمة جليلة أخرى هي الإنجاء من ~~الغرق. أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو ملتبسا بكم أو بسبب إنجائكم. ~~وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت مسالك. فالباء على الأول استعانة. مثلها في: ~~كتبت بالقلم. وعلى الثاني للمصاحبة. مثلها في: أسندت ظهري بالحائط. وعلى ~~الثالث للسببية. والوجه الأول ضعيف من حيث إن مقتضاه أن تفريق البحر وقع ~~ببني إسرائيل والمنصوص عليه في التنزيل أن البحر إنما انفرق بعصا موسى. قال ~~تعالى: # أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم [الشعراء: 63] ~~فآلة التفريق العصا لا بنو إسرائيل فأنجيناكم أي من الغرق بإخراجكم إلى ~~الساحل وأغرقنا آل فرعون أريد فرعون وقومه. وإنما اقتصر على ذكرهم للعلم ~~بأنه أولى به منهم وأنتم تنظرون أي إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه. ليكون ~~ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم. # وكانت قصة إغراق آل فرعون المشار لها في هذه الآية، على ما روي، أن الحق ~~تعالى لما شاء إخراج بني إسرائيل من مصر من بيت العبودية، أوقع في نفس ~~فرعون أن يطلقهم من مصر. بعد إباء شديد منه ورؤية آيات إلهية كادت تحل به ~~وبقومه البوار. فدعا موسى وهارون وقال: اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو ~~إسرائيل جميعا. # واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد ~~هرب، تغير قلبه عليهم، وقال: ماذا فعلنا حتى أطلقناهم من خدمتنا؟ فشد ~~مركبته وأخذ # PageV01P304 # قومه معه وسعى وراءهم وأدركهم وهم نازلون عند بحر القلزم. وهو المشهور ~~ببحر ms0313 السويس. فلما رأت بنو إسرائيل عسكر فرعون وراءهم قالوا: يا موسى أين ~~ما وعدتنا من النصر والظفر؟ فلو بقينا على خدمة المصريين لكان خيرا لنا من ~~أن نهلك في هذه البرية قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128] وقال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون [الأعراف: 129] . ~~وأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق وأيبس ~~قعره. فدخل بنو إسرائيل فيه. فتبعهم فرعون وجنوده. فخرج موسى وقومه من ~~الجهة الثانية. # وانطبق البحر على فرعون ومن معه فغرقوا كلهم. وسيأتي الإشارة إلى هذه ~~القصة في مواضع من التنزيل. ومن أبسطها فيه سورة الشعراء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 51] # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) # وإذ واعدنا موسى أي بعد فراغه من مقاومة آل فرعون وإهلاكهم أربعين ليلة ~~أي لنعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها. وقد روي في ترجمة التوراة أنه ~~تعالى قال لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك ألواحا من حجارة والشريعة ~~والوصية التي كتبتها لتعلمهم. فصعد موسى إلى الجبل وبقي هناك أربعين يوما ~~وأربعين ليلة. وموسى كلمة عبرانية معناها منشول من الماء ثم اتخذتم العجل ~~أي إلها ومعبودا من بعده أي من بعد مضيه للميقات وأنتم ظالمون أي بوضع ~~العبادة في غير موضعها. وهو حال من ضمير اتخذتم. أو اعتراض تذييلي. أي ~~وأنتم قوم عادتكم الظلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 52] # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) # ثم عفونا عنكم أي محونا ذنوبكم من بعد ذلك أي الاتخاذ والظلم القبيح ~~لعلكم تشكرون لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 53] # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) # PageV01P305 # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا ~~وفرقانا يفرق بين الحق والباطل. يعني التوراة. كقولك: رأيت ms0314 الغيث والليث ~~تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. ونحوه قوله تعالى: ولقد آتينا موسى ~~وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين [الأنبياء: 48] يعني الكتاب الجامع بين ~~كونه فرقانا وضياء وذكرا. أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان ~~من العصا واليد وغيرهما من الآيات. أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. ~~وقيل: الفرقان انفراق البحر. وقيل: # النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: يوم الفرقان [الأنفال: 41] ~~يريد به يوم بدر لعلكم تهتدون أي لكي تهتدوا بالعمل فيه من الضلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 54] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم هذه الآية بيان لكيفية وقوع العفو المذكور في الآية قبل، روى أن ~~موسى عليه السلام لما رجع من الميقات ورأى ما صنع قومه بعده من عبادة ~~العجل، غضب ورمى باللوحين من يده. فكسرهما في أسفل الجبل. ثم أحرق العجل ~~الذي صنعوه. ثم قال: من كان من حزب الرب فليقبل إلي. فاجتمع إليه جميع بني ~~لاوى. وقال لهم: # هذا ما يقول الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه. فجوزوا في وسط ~~المحلة من باب إلى باب وارجعوا. وليقتل الرجل منكم أخاه وصاحبه وقريبه. ~~فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة ~~وعشرين ألف رجل (وفي رواية نحو ثلاثة آلاف رجل) وفي غد ذلك اليوم كلم موسى ~~الشعب وقال لهم: أنتم قد أخطأتم خطيئة عظيمة. وإني الآن أصعد إلى الرب ~~فأتضرع إليه من أجل خطيئتكم. فصعد موسى وتضرع للرب وسأل المغفرة لقومه. # ولاوي، ثالث مولود ليعقوب عليه السلام من أولاده الاثني عشر، معناه في ~~العربية ملتصق أو متصل. # PageV01P306 # والأحبار اللاويون ينسبون إليه. وقد اختارهم تعالى من بني ms0315 إسرائيل على ~~لسان موسى عليه السلام للخدمة المقدسة. وجعلهم من المقربين لديه. وبما ~~سقناه يعلم أن قوله تعالى: فاقتلوا أنفسكم أمر لمن لم يعبد العجل، أعني ~~اللاويين، أن يقتلوا العبدة. لا كما فهمه بعضهم من قتل بعضهم بعضا مطلقا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56] # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون أي واذكروا نعمتي عليكم في ~~بعثي لكم بعد الصعق. إذ سألتم رؤيتي عيانا مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم ~~في دار الدنيا. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن القائلين لموسى ذلك هم ~~السبعون المختارون. ويؤيده آية الأعراف: واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب [الأعراف: 155] الآية. # وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل فإن موسى الكليم ~~عليه السلام قد سأل ذلك. فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ أفاده ابن ~~كثير. وقد رأيت دعواهم المذكورة في الفصل الرابع والعشرين في سفر الخروج. # وهذا من المواضع المحقق تحريفها. ويدل عليه ما في الفصل الثالث والثلاثين ~~من السفر المذكور أنه تعالى قال لموسى: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا ~~يراني ويعيش. # وجهرة، في الأصل، مصدر قولك جهرت بالقراءة. استعيرت للمعاينة، لما بينهما ~~من الاتحاد. في الوضوح والانكشاف. إلا أن الأول في المسموعات، والثاني في ~~المبصرات. ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية. فنصبت بفعلها كما تنصب ~~القرفصاء بفعل الجلوس. أو على الحال من الفاعل أو المفعول. # قال ابن جرير: وأصل الصاعقة كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه، حتى يصير ~~من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض # PageV01P307 # آلات الجسم. صوتا كان ذلك أو نارا. أو زلزلة أو رجفا (قال) ms0316 ومما يدل على ~~أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت قول الله عز وجل وخر موسى صعقا يعني ~~مغشيا عليه. ومنه قول جرير: # وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا # فقد علم أن موسى لم يكن، حين غشي عليه وصعق، ميتا. لأن الله، جل وعز، ~~أخبر عنه أنه لما أفاق قال: تبت إليك. ولا شبه جرير الفرزدق، وهو حي، ~~بالقرد ميتا، ولكن معنى ذلك ما وصفناه. # وقوله تعالى: وأنتم تنظرون أي إلى تلك الصاعقة. وقوله تعالى: ثم بعثناكم ~~من بعد موتكم قال الراغب الأصبهاني في تفسيره: البعث إرسال المبعوث من ~~المكان الذي فيه. لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المعلق به، فقيل: # بعثت البعير من مبركه أي أثرته. وبعثته في السير أي هيجته، وبعث الله ~~الميت أحياه. وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال. وكل ذلك واحد في ~~الحقيقة، وإنما اختلف لاختلاف صور المبعوثات (ثم قال) والموت حمل على ~~المعروف، وحمل أيضا على الأحوال الشاقة الجارية مجرى الموت، وليس يقتضى ~~قوله فأخذتكم الصاعقة أنهم ماتوا. ألا ترى إلى قوله: وخر موسى صعقا لكن ~~الآية تحتمل الأمرين، وحقيقة ما كان إنما يعتمد فيها على السمع المتعدي عن ~~الاحتمالات. انتهى. وقد يؤيد الثاني آية الأعراف المذكورة وهي واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا، فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإياي [الأعراف: 155] ، فالرجفة هي المسماة بالصاعقة هنا، والتنزيل ~~يفسر بعضه بعضا، والأصل توافق الآي. وقد ذكر ابن إسحاق والسدي أن الذين ~~أخذتهم الرجفة هم الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، وسيأتي في الأعراف بسط ~~ذلك إن شاء الله. # دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم ~~يذكر، سبحانه وتعالى، سؤال الرؤية إلا استعظمه. وذلك في آيات. منها هذه. ~~ومنها قوله تعالى: يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ~~[النساء: 153] ومنها قوله تعالى: وقال الذين لا يرجون ms0317 لقاءنا لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ~~[الفرقان: 21] فدلت هذه التهويلات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على ~~امتناعها فيها. وكما # PageV01P308 # أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في ~~الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية ~~الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي ~~جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 57] # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. # لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من ~~النعم، فمنها تظليل الغمام عليهم. وذلك أنهم كانت تظلهم سحابة إذا ارتحلوا. ~~لئلا تؤذيهم حرارة الشمس. وقد ذكر تفصيل شأنها في توراتهم في الفصل التاسع ~~من سفر العدد. ومنها إنزال المن. وقد روي في التوراة أنهم لما ارتحلوا من ~~إيليم وأتوا إلى برية سين، الت بين إيليم وسيناء، في منتصف الشهر الثاني ~~بعد خروجهم من مصر، تذمروا على موسى وهارون في البرية، وقالوا لهما: ليتنا ~~متنا في أرض مصر إذ كنا نأكل خبزا ولحما. فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتهلكا ~~هذا الجمع بالجوع. فأوحى تعالى لموسى عليه السلام إني أمطر عليكم خبزا من ~~السماء. فليخرج الشعب، ويلتقطون حاجة اليوم بيومها طعامهم من أجل أني ~~أمتحنهم، هل يمشون في شريعتي أم لا، وليكونوا في اليوم السادس أنهم يهيئون ~~ضعف ما يلتقطونه يوما فيوما. لأن اليوم السابع يوم عيد لا يشخص فيه لأمر ~~المعيشة ولا لطلبة شيء. فقال لهم موسى: إن الرب تعالى يعطيكم عند المساء ~~لحما تأكلون. وبالغداة تشبعون خبزا. فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت ~~المحلة، وبالغداة أيضا وقع الندى حول المحلة. ولما غطى ms0318 وجه الأرض تباين في ~~البرية شيء رقيق كأنه مدقوق بالمدقة. يشبه الجليد على الأرض. فلما نظر إليه ~~بنو إسرائيل قالوا: ما هذا؟ لأنهم لم يعرفوه. فقال لهم موسى: هذا هو الخبز ~~الذي أعطاكم الرب لتأكلوا. وقد أمركم أن يلقط كل واحد على قدر ما في بيته، ~~وقدر مأكله. ففعل بنو إسرائيل كذلك ولقطوا ما بين مكثر ومقلل، وقال لهم ~~موسى: لا تبقوا منه شيئا إلى الغد. فلم # PageV01P309 # يطيعوا موسى. واستفضل منه رجال إلى الغد، فضرب فيه الدود ونتن. فغضب ~~عليهم موسى. وكانوا يلقطون غدوة. كل إنسان يلقط على قدر ما يأكل. فإذا ~~أصابه حر الشمس ذاب. وقد أعطوا في اليوم السادس خبز يومين ليجلس كل رجل ~~منهم في مكانه في اليوم السابع. راحة وتقديسا له. وكان إذا خرج بعض الشعب ~~ليلتقط، يوم السابع، لا يجد في الأرض منه شيئا. ودعا آل إسرائيل اسمه المن. ~~وكان مثل حب الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل، وأكل بنو إسرائيل المن أربعين ~~سنة حتى أتوا إلى الأرض العامرة ودنوا من تخوم أرض كنعان. وروي في ترجمة ~~التوراة أيضا أن المن كان يشبه لون للؤلؤ. وكان يطوف الشعب ويلتقطونه ~~ويطحنونه بالرحى. # ويدقونه في الهاون ويطبخونه في القدور. ويعملون منه رغفا طعمها كالخبز ~~المعجون بالدهن. ومتى نزل الندى على المحلة ليلا كان ينزل المن معه. # هذا ما كان من أمر المن. وأما السلوى فروي أيضا: أن جماعة ممن صعد مع بني ~~إسرائيل من مصر تاقت أنفسهم للحم وجلسوا يبكون. ووافقهم بنو إسرائيل على ~~اشتهائه أيضا. وقالوا: من يطعمنا لحما لنأكل؟ قد تذكرنا السمك الذي كنا ~~نأكله بمصر من غير ثمن. والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد ~~يبست نفوسنا ولا تنظر عيوننا إلا المن. فلما سمع موسى الشعب يبكون ~~بعشائرهم، وعلم غضب الرب عليهم، لذلك، ابتهل إلى ربه وقال: من أين لي لحم ~~أطعم منه هذا الجمع وهم يبكون علي ويقولون أعطنا لحما لنأكل؟ فأوحى إليه ~~ربه أن يجمع سبعين رجلا من شيوخ شعبه وعرفائه. ويقبل بهم ms0319 إلى خيمة الاجتماع ~~فيكونوا معه. # ثم كلمه ربه ووعده أن يعطيه لحما يأكلون منه شهرا حتى يأنفوا منه. فأخبر ~~موسى الشعب بذلك. ثم انحاز إلى المحلة هو وشيوخ قومه. فخرجت ريح وحملت ~~السلوى من البحر وألقتها على المحلة مسيرة يوم حول المحلة من كل جانب، ~~وكانت تطير بالجو ذراعين على الأرض وقام الشعب يومهم ذلك كله، والليل. وفي ~~غد اليوم الثاني. فجمعوا السلوى أقل من جمع عشرة أكرار. سطحوه سطيحا ويبسوه ~~حول المحلة. وقبل أن ينقطع اللحم من عندهم غضب الرب تعالى على الشعب. # فضربه ضربة عظيمة جدا. ودعي اسم ذلك الموضع قبول الشهوة. لأنهم هناك ~~دفنوا القوم الذين اشتهوا. ثم خرجوا من قبور الشهوة وارتحلوا لغيره. انتهى. # وقوله تعالى: كلوا على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم كلوا. وقوله ~~وما ظلمونا كلام عدل به عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء جنايات ~~المخاطبين للإعراض عنهم وتعداد قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة. معطوف # PageV01P310 # على مضمر قد حذف للإيجاز، والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به. أي ~~فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية ~~وفراقهم مصر. وما ظلمونا بذلك، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، بالعصيان. إذ لا ~~يتخطاهم ضرره وبذلك حق عليهم العذاب الذي ضربوا به كما ذكرناه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 59] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ~~(59) # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون. # هذا إشارة إلى ما حل ببني إسرائيل- لما نكلوا عن الجهاد- ودخولهم الأرض ~~المقدسة- أرض كنعان- لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه ms0320 السلام، وإنما ~~أطلق على الأرض المذكورة قرية، لأن القرية: كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ ~~قرارا. وتقع على المدن وغيرها- كذا في كفاية المتحفظ- ثم إن ما قص- هنا- ~~ذكر في سورة المائدة في قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون [المائدة: 20] الآيات: # وقوله تعالى: ادخلوا الباب سجدا في التأويلات: يحتمل المراد من الباب ~~حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أمروا بالدخول فيها. ويحتمل من الباب ~~القرية نفسها، لا حقيقة الباب- كقوله وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ذكر ~~القرية ولم يذكر الباب- وذلك في اللغة جائز. (ويقال: فلان دخل في باب كذا، ~~لا يعنون حقيقة الباب، ولكن كونه في أمر هو فيه) . # وقوله سجدا يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود. فيخرج على # PageV01P311 # وجوه: على التحية لذلك المكان، ويحتمل على الشكر له لما أهلك أعداءهم ~~الجبارين، ويحتمل الكناية عن الصلاة- إذ العرب قد تسمي السجود (صلاة) - ~~كأنهم أمروا بالصلاة فيها، ويحتمل أن الأمر بالسجود- لا على حقيقة السجود ~~والصلاة- ولكن أمر بالخضوع له والطاعة والشكر على أياديه، والله أعلم. # وقوله تعالى: وقولوا حطة خبر محذوف، أي مسألتنا حطة- والأصل النصب- ~~بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات. # وقوله سبحانه فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم أي: بدلوا أمره ~~تعالى لهم- بدخول الأرض مجاهدين- بالإحجام عنه، وتثبيط الناس. ولذا قال أبو ~~مسلم «قوله تعالى: فبدل يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم ~~أتوا له ببدل. والدليل عليه: أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة. قال ~~تعالى: # سيقول المخلفون إذا انطلقتم- إلى قوله- يريدون أن يبدلوا كلام الله ~~[الفتح: 15] ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول. فكذا هنا، ~~فيكون المعنى: إنهم لما أمروا بدخول الأرض- وما ms0321 ذكر معه- لم يمتثلوا أمر ~~الله، ولم يلتفتوا إليه» . # وفي تكرير الذين ظلموا زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذان بأن إنزال الرجز ~~عليهم لظلمهم. و (الرجز) : هو الموت بغتة، كما تقدم. # قال الراغب: وتخصيص قوله رجزا من السماء هو أن العذاب ضربان: ضرب قد ~~يمكن- على بعض الوجوه- دفاعه، أو يظن أنه يمكن فيه ذلك، وهو كل عذاب على يد ~~آدمي، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق. وضرب لا يمكن- ولا يظن- دفاعه ~~بقوة آدمي- كالطاعون، والصاعقة، والموت- وهو المعني بقوله: # رجزا من السماء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 60] # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) # هذا تذكير لنعمة أخرى كفروها. وروي في توراتهم أنه ارتحلت كل جماعة بني ~~إسرائيل من برية سينا بأمره تعالى، وحلوا في رقادين، ولم يكن هناك ماء # PageV01P312 # ليشربوا، فخاصموا موسى، وقالوا له أعطنا ماء لنشرب، أخرجتنا من مصر ~~لتقتلنا نحن وأولادنا، ودوابنا بالعطش؟ فابتهل موسى إلى ربه في السقيا، ~~فأوحى إليه أن أمض أمام الشعب، وخذ معك من شيوخ إسرائيل. والعصا التي ضربت ~~بها النهر خذها بيدك. واذهب إلى صخرة حوريب، فاضربها فيخرج منها ماء ليشرب ~~الشعب. ففعل موسى كذلك أمام شيوخ إسرائيل. انتهى. # وقوله تعالى: اثنتا عشرة عينا أي عدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكل سبط ~~منهم عين قد عرفوها. قال الراغب: وأنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده، وهذا ~~المنكر، مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات ~~الخارجة عن العادات، فقد ترك النظر على طريقته. إذ قد تقرر عندهم أن حجر ~~المغناطيس يجر الحديد، وأن الحجر المنفر للنحل ينفره، والحجر الحلاق يحلق ~~الشعر، وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة. وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم، ~~فغير ممتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض. # وقوله: ولا تعثوا في الأرض مفسدين أي لا تمشوا في الأرض بالفساد، وخلاف ~~أمر موسى. قال ms0322 الراغب: فإن قيل: فما فائدة قوله مفسدين والعثو ضرب من ~~الإفساد؟ قيل: قد قال بعض النحويين: إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظا مما ~~يشبه. وقال بعض المحققين: إن العثو، وإن اقتضى الفساد، فليس بموضوع له، بل ~~هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد، وهو مقابلة المعتدي ~~بفعله نحو فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] ~~، وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو، بالإضافة إلى ما قوبل به، عدل. ولولا ~~كونه جزاء لكن إفسادا. فبين تعالى أن العثو المنهي عنه، هو المقصود به ~~الإفساد. فالإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال: ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها [الأعراف: 56] ، وقد يكون في صورة العثو والتعدي ما هو صلاح وعدل، ~~كما تقدم. وهذا ظاهر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # PageV01P313 # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد قال قتادة: لما ملوا طعامهم ~~وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا ذلك. قال الراغب: إن قيل: كيف ~~قال لن نصبر على طعام واحد وكان لهم المن والسلوى، قيل: إن ذلك إشارة إلى ~~مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك: فلان يفعل فعلا واحدا في كل يوم، وإن ~~كثرت أفعاله، إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها. وهذا المعنى في إنكار ~~الطعام أبلغ. لأنهم لم يكتفوا في إنكاره بقولهم لن نصبر على طعام، حتى ~~أكدوا بقولهم واحد أو أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل فادع لنا ربك ~~يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها هو الثوم لقراءة ابن ~~مسعود «وثومها» وللتصريح به في التوراة في هذه القصة. ms0323 وقد ذكر ابن جرير ~~شواهد لإبدال الثاء فاء لتقارب مخرجيهما كقولهم للأثافي «أثاثي» ، وقولهم ~~وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وللمغافير «مغاثير» وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى أي أدون قدرا، وأصل الدنو القرب في المكان، فاستعير ~~للخسة، كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل: بعيد الهمة. بالذي هو خير أي ~~بمقابلة ما هو خير، أي أرفع وأجل، وهو المن الذي فيه الحلاوة التي تألفها ~~أغلب الطباع البشرية، والسلوى من أطيب لحوم الطير، وفي مجموعهما غذاء تقوم ~~به البنية. وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة ولا تغذية اهبطوا مصرا هكذا هو ~~منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور، ~~بالصرف. # قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصحف على ذلك، أي ~~من الأمصار، أي انحدروا إليه فإن لكم فيها ما سألتم أي فإن الذي سألتم يكون ~~في الأمصار لا في القفار، والمعنى أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو ~~كثير، في أي بلد دخلتموها وجدتموه. فليس يساوي مع دناءته، وكثرته في ~~الأمصار أن أسأل الله فيه. ولما حكى الله تعالى إنكار موسى عليه السلام على ~~اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم، جاء بحكاية ~~سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم، واعتدائهم، وضرب الذلة عليهم لذلك، استطرادا ~~فقال: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة فمن هنا إلى قوله ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين # PageV01P314 # كانوا في عهد موسى، يدل على هذا قوله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. والذلة ~~بالكسر الصغار والهوان والحقارة. والذل بالضم ضد العز. والمسكنة مفعلة من ~~السكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض، لما به من الفقر. والمسكين مفعيل ~~منه- كذا في السمين- وفي الذلة استعارة بالكناية حيث شبهت بالقبة في الشمول ~~والإحاطة، أو شبهت الذلة بهم بلصوق الطين بالحائط في عدم الانفكاك. وهذا ~~الخبر الذي أخبر الله تعالى به هو معلوم في ms0324 جميع الأزمنة، فإن اليهود أذل ~~الفرق، وأشدهم مسكنة، وأكثرهم تصاغرا، لم ينتظم لهم جمع، ولا خفقت على ~~رؤوسهم راية، ولا ثبتت له ولاية، بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة ~~كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال، وإن بلغ في الكثرة أي ~~مبلغ، فهو مرتد بأثواب المسكنة. وباؤ بغضب من الله أي رجعوا به، أي صار ~~عليهم، أو صاروا أحقاء به. من قولهم. باء فلان بفلان، أي صار حقيقا أن يقتل ~~بمقابلته. فالباء على التقديرين صلة باؤوا، لا للملابسة. وإلا لاحتيج ~~اعتبار المرجوع إليه، ولا دلالة في الكلام عليه ذلك إشارة إلى ما سلف من ~~ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم بأنهم بسبب أنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله الباهرة التي ظهرت على يدي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ~~ويقتلون النبيين بغير الحق كزكريا ويحيى عليهما السلام. وقتل الأنبياء في ~~بني إسرائيل كان ظاهرا، ولم يذكر قتل رسول من الرسل. وذلك- والله أعلم- ~~لقوله إنا لننصر رسلنا [غافر: 51] وقوله: إنهم لهم المنصورون [الصافات: ~~172] وقال قوم: لم يقتل أحد من الرسل، وإنما قتل الأنبياء، أو رسل الرسل، ~~والله أعلم. كذا في التأويلات. # وقوله بغير الحق لم يخرج مخرج التقييد، حتى يقال إنه لا يكون قتل ~~الأنبياء بحق في حال من الأحوال، لمكان العصمة. بل المراد نعي هذا الأمر ~~عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، حملهم عليه اتباع الهوى وحب ~~الدنيا، والغلو في العصيان، والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى: ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون أي جرهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من ~~الكفر، وقتل الأنبياء عليهم السلام. وقيل: كررت الإشارة للدلالة على أن ما ~~لحقهم، كما أنه بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي، واعتدائهم ~~حدود الله تعالى. # وعليه فيكون ذكر علل إنزال العقوبة بهم في نهاية حسن الترتيب. إذ بدئ ~~أولا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو كفرهم بآياته. ثم ثني بما يتلوه في ~~العظم، وهو قتل # PageV01P315 # الأنبياء. ثم بما يكون منهم ms0325 من المعاصي التي تخصهم. ثم بما يكون منهم من ~~المعاصي المتعدية إلى الغير، مثل الاعتداء. وهذا من لطائف أسلوب التنزيل. # ثم أعلم تعالى بأن باب التوبة مفتوح على الوجه العام لليهود وغيرهم. وأن ~~من ارتكب كبائر الذنوب التي تستوجب الغضب الإلهي، وضرب الذلة والمسكنة، كما ~~حل باليهود، إذا آمن وتاب فله في الدنيا والآخرة ما للمؤمنين. وعادة ~~التنزيل جارية بأنه متى ذكر وعد أو وعيد، عقب بضده ليكون الكلام تاما فقيل: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 62] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # أي إن الذين آمنوا بما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وصاروا من جملة ~~أتباعه. قال في فتح البيان: # كأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من ~~سائر الملل، يرجع إلى شيء واحد، وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا استحق ما ذكره الله من الأجر. ومن فاته ذلك فاته الخير كله، ~~والأجر دقه وجله. والمراد بالإيمان هاهنا هو ما بينه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من # قوله، لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره» «1» . # ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية. فمن لم يؤمن بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ولا بالقرآن، فليس بمؤمن. ومن آمن بهما صار مسلما ~~مؤمنا، ولم يبق يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا. انتهى. # قال الراغب في تفسيره: تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين: أحدهما الإقرار ~~بالشهادتين، الذي يؤمن نفس الإنسان، وماله عن الإباحة إلا بحق، وذلك بعد ~~استقرار هذا الدين مختص به كالإسلام. والثاني تحري اليقين فيما يتعاطاه ~~الإنسان من أمر دينه. فقوله إن الذين آمنوا عنى به المتدين بدين محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقوله: # من آمن بالله عنى به المتحري للاعتقاد اليقيني، فهو غير الأول. ولما ms0326 كانت ~~PageV01P316 # مشاهير الأديان هذه الأربع، بين تعالى أن كل من تعاطى دينا من هذه ~~الأديان في وقت شرعه، وقبل أن ينسخ، فتحرى في ذلك الاعتقاد اليقيني، وأتبع ~~اعتقاده بالأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # ثم قال: وقول ابن عباس: إن هذا منسوخ بقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه [آل عمران: 85] ، يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين ~~الإسلام، وأن الله عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبي عليه السلام. فأما ~~في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، ~~أنه تعالى كان وعد من عمل صالحا من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في ~~الآخرة الجنة، ثم نسخه بآية ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه بل ~~مراده ما ذكر الراغب. # وهذا ما لا شبهة فيه. ولذا قال ابن جرير: ظاهر التنزيل يدل على أنه تعالى ~~لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان، بعض خلقه دون بعض منهم، ~~والخبر بقوله من آمن بالله واليوم الآخر عن جميع ما ذكر في أول الآية. ### | تنبيه: # ظاهر هذه الآية، مع تفسير الراغب من آمن بالمتحري للاعتقاد اليقيني، مما ~~قد يستدل به العنبري لمذهبه. فقد نقل الأصوليون في باب الاجتهاد والتقليد ~~أن العنبري ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب، حتى في الأصول، ووافقه الجاحظ. قال ~~الغزالي في المستصفى: ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود ~~والنصارى والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده، فهو آثم. وإن نظر فعجز ~~عن درك الحق فهو معذور غير آثم. وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر، ~~فهو أيضا معذور. وإنما الآثم المعذب، المعاند فقط. لأن الله تعالى لا يكلف ~~نفسا إلا وسعها. وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله ~~تعالى، إذ استد عليهم طريق المعرفة. ثم رده الغزالي بأدلة سمعية ضرورية، ~~وذلك مثل معرفتنا ضرورة أمره عليه السلام اليهود والنصارى بالإيمان به، ~~وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، وذلك ms0327 لا ينحصر في الكتاب والسنة. # ثم قال الغزالي: وأما قوله- أي الجاحظ-: كيف يكلفهم ما لا يطيقون؟ # قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم، أما أنهم يطيقون أو لا يطيقون، فلننظر فيه، ~~بل نبه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل، ونصب من ~~الأدلة، وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات، الذين نبهوا العقول، وحركوا ~~دواعي النظر، حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد الرسل. # PageV01P317 # وقوله والذين هادوا أي تهودوا. يقال: هاد يهود، وتهود، إذا دخل في ~~اليهودية. هو هائد، والجمع هود. وهم أمة موسى عليه السلام، وإنما لزمهم هذا ~~الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى ~~وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب (بالذال المعجمة- فقلبتها ~~العرب دالا مهملة) . # وقوله تعالى: والنصارى جمع نصران، كندامى جمع ندمان، يقال: رجل نصران، ~~وامرأة نصرانة، والياء في نصراني للمبالغة، كما في أحمري، سموا بذلك لأنهم ~~نصروا المسيح عليه السلام- كذا في الكشاف- أو هو جمع نصراني، مغير عن ~~ناصري، نسبة إلى ناصرة- القرية المعروفة- وقد نسب إليها المسيح عليه ~~السلام، لأنه ربي بها. وجاء في الإنجيل «يسوع الناصري» . وقوله تعالى: # والصابئين جمع صابئ، ويقال لهم الصابئة. قال ابن جرير: الصابئ هو ~~المستحدث، سوى دينه، دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من ~~دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب «صابئا» يقال منه: صبا فلان يصبو ~~صباء، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت. وقد اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا ~~الاسم، من أهل الملل. فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. ~~وقالوا: # الذي عنى الله بهذا الاسم قوما لا دين لهم. فعن مجاهد: الصابئون ليسوا ~~بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم. وعن ابن زيد: الصابئون دين من الأديان كانوا ~~بجزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي. ~~وعن قتادة: أنهم قوم يعبدون الملائكة. # وقال الإمام الشهرستاني، في الكلام عن الصابئة ما مثاله: والصبوة في ~~مقابلة الحنيفية. وفي اللغة: ms0328 صبا الرجل إذا مال وزاغ. فبحكم ميل هؤلاء عن ~~سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة. وهم يقولون: الصبوة هو ~~الانحلال عن قيد الرجال. وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن ~~مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدعي أن مذهبها هو ~~الاكتساب، الحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة. فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ~~ودعوة الحنفاء إلى الفطرة. فالصابئة قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، ولا ~~يقولون بالشريعة والإسلام. # فيقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد. والصابئة الأولى الذين قالوا ~~بعاذيمون وهرمس، وهما شيت وإدريس، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وهم ~~أصحاب الروحانيات. فيعتقدون أن للعالم صانعا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان. # PageV01P318 # والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه ~~بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا ~~وحالة. أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، الذين جبلوا على ~~الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون. قالوا فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، منهم أربابنا وآلهتنا ~~وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب. وأما الفعل، فقالوا: الروحانيات هم ~~الأسباب المتوسطون في الاختراع وتصريف الأمور من حال إلى حال، يستمدون ~~القوة من الحضرة الإلهية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية، فمنها ~~مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها وهي هياكلها. ولكل روحاني هيكل، ~~ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى ~~الجسد، فهو ربه ومدبره. وكانوا يسمون الهياكل أربابا، وربما يسمونها آباء، ~~والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات: تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها ~~انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات في ~~المركبات، فيتبعها قوى جسمانية ويركب عليها نفوس روحانية: مثل أنواع النبات ~~وأنواع الحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي، وقد تكون ~~جزئية صادرة عن روحاني جزئي. فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك. ومنها ~~مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو مما يصعد من الأرض فينزل، مثل ~~الأمطار والثلوج والبرد والرياح، وما ينزل ms0329 من السماء: مثل الصواعق والشهب، ~~وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب ~~والهالة والمجرة، وما يحدث في الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة، إلى غير ~~ذلك. قالوا: وأما الحالة، فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة ~~واللذة والسرور في جوار رب الأرباب كيف يخفى؟ هذا ملخص ما أفاده العلامة ~~الشهرستاني في كتاب- الملل والنحل- ثم ساق مناظرات ومحاورات بين الصابئة ~~والحنفاء جرت في المفاضلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية. وأوردها ~~على شكل سؤال وجواب. فلتنظر ثم. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه- في الرد على المنطقيين- إن حران ~~كانت دار هؤلاء الصابئة، وفيها ولد إبراهيم عليه السلام (أو انتقل إليها من ~~العراق. # على اختلاف القولين) وكان بها هيكل العلة الأولى. هيكل العقل الأول، هيكل ~~النفس الكلية، هيكل زحل. هيكل المشتري. هيكل المريخ، هيكل الشمس. # وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم. ثم # PageV01P319 # ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين، حتى جاء الإسلام. ~~ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت. ومنهم الصابئة ~~الذين كانوا ببغداد وغيرها، أطباء وكتابا، وبعضهم لم يسلم. وكذلك كان دين ~~أهل دمشق وغيرها قبل ظهور النصرانية. وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي. وتحت ~~جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء. فإن الصابئة ~~نوعان: صابئة حنفاء موحدون، وصابئة مشركون. فالأول هم الذين أثنى الله ~~عليهم بهذه الآية. # فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا. من هذه الملل الأربع: ~~المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل ~~النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل. والصابئون ~~الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول ~~التوراة والإنجيل. وهذا بخلاف المجوس والمشركين، فإنه ليس فيهم مؤمن. فلهذا ~~قال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد [الحج: ~~17] ، فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم ms0330 القيامة. لم يذكر ~~في الست من كان مؤمنا، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط. ثم إن الصابئين ~~ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين. والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما ~~قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا، ويؤمنون ~~بأن الله محدث لهذا العالم، ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة ~~الحنفاء الذين أثنى الله عليهم. ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث ~~هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه. وكذلك المشركون من ~~الهند. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء ~~الفلاسفة المشركين، هو أرسطو. انتهى. # وما قرره الإمام ابن تيمية، يؤيد ما ذهب إليه كثير من المفسرين، من أن ~~معنى قوله تعالى من آمن من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدقا بقلبه ~~بالمبدأ والمعاد، عاملا بمقتضى شرعه، وذلك كأهل الكتابين أو كان من الصابئة ~~الموحدين. # وذهب آخرون إلى أن معنى قوله من آمن من أحدث من هذه الطوائف، إيمانا ~~خالصا بما ذكر. قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام. وأما ~~بيان حال من مضى على دين آخر قبل انتساخه، فلا ملابسة له بالمقام، ~~والصابئون ليس لهم دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات. فليتأمل. # وقوله تعالى فلهم أجرهم أي: الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة # PageV01P320 # بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله. وفي قوله عند ربهم مزيد لطف ~~بهم وإيذان بأن أجرهم متيقن الثبوت، مأمون من الفوات. وقوله تعالى: ولا خوف ~~عليهم أي حين يخاف الكفار العقاب ويحزنون على تفويت الثواب. # (تنبيه) قال العلامة البقاعي في تفسيره: وحسن وضع هذه الآية، في أثناء ~~قصصهم، أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم. وربما أمروا بقتل النساء ~~أيضا. فربما ظن من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل. وقد ذكر منه في سورة ~~المائدة، وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم، إشارة إلى تكذيبهم في قولهم ليس ~~علينا في الأميين سبيل [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة الدم ms0331 والمال إنما ~~هو الإيمان والاستقامة. وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع. وفيها ~~تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذل والمسكنة. وسيأتي بعض ذلك عند قوله لا ~~تعبدون إلا الله [البقرة: 83] الآية. بل وفيها ما يقتضي المنع من مال ~~المخالف في الدين، فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ثور عدوك أو ~~حماره وعليه حمولة فارددها إليه. وإذا رأيت حمار عدوك جاثما تحت حمله فهممت ~~أن لا توازره فوازره وساعده. ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 63] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) # وإذ أخذنا ميثاقكم تذكيرا لجناية أخرى لأسلافهم، أي واذكروا وقت أخذنا ~~لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة، ورفعنا فوقكم الطور ترهيبا لكم ~~لتقبلوا الميثاق. وذلك أن الطور اقتلع من أصله، ورفع وظلل فوقهم. والطور هو ~~الجبل. وقيل لهم وهو مطل فوقهم خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة أي بجد ~~واجتهاد، واذكروا ما فيه واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا ~~تغفلوا عنه لعلكم تتقون لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تنتظموا في سلك ~~المتقين، أو طلبا لذلك. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الأعراف: وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون [الأعراف: 171] . # قال الراغب: إن قيل إن هذا يكون إلجاء ولا يستحق به الثواب، قيل: لم # PageV01P321 # يستحقوا الثواب بالالتزام وإنما استحقوه بالعمل بها من بعد. فأما في ~~التزامها فمضطرون، وقال بعض الناس: عنى بالطور تشديد الأمر عليهم، وجعل ذلك ~~مثلا. # وذلك بعيد. ومثله قول القاشاني: طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني ~~وقبولها. فإنه بعيد يأباه ظاهر الآية الأخرى. وإن كان الإطلاق في اللغة لا ~~ينحصر في الحقيقة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 64] # ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ~~(64) # ثم توليتم أي ms0332 أعرضتم عن الوفاء بالميثاق من بعد ذلك أي من بعد أخذ ذلك ~~الميثاق المؤكد فلولا فضل الله عليكم ورحمته أي لكم بتوفيقكم للتوبة، أو ~~تأخير العذاب، لكنتم من الخاسرين أي الهالكين بالعقوبة. # قال الراغب: الخاسر المطلق، في القرآن، هو الذي خسر أعظم ما يقتني، وذلك ~~نعيم الأبد، وهو المذكور في قوله قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة [الزمر: 15] . # وقال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور، تولوا ~~عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا كلمها عن مواضعه. وتركوا العلم بها، وقتلوا ~~الأنبياء، وكفروا بهم، وعصوا أمرهم. ومنها ما عمله أوائلهم، ومنها ما فعله ~~متأخروهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون ~~موسى ويعترضون عليه، ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك. ~~حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون. وكل هذا مذكور ~~في تراجم التوراة التي يقرون بها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به. حتى ~~عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح، وهموا بقتله. # والقرآن، وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة، ~~وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم. فغير عجيب إنكارهم ما جاء به ~~محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب، وجحودهم لحقه. وحالهم في كتابهم ~~ونبيهم ما ذكر. # والله أعلم. # ثم ذكرهم تعالى بالإيقاع بمن نقض ميثاقه وفيما أخذه عليهم من تعظيم السبت ~~بقوله: # PageV01P322 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 65] # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) # ولقد علمتم الذين اعتدوا أي تعمدوا العدوان منكم في السبت بأن استحلوه ~~وتحيلوا على اصطياد الحيتان فيه. وذلك أن الله ابتلاهم، فما كان يبقى حوت ~~في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت كما قال: تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، كذلك نبلوهم [الأعراف: ~~163] ، فحفروا حياضا عند البحر، وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان ~~تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو ms0333 اعتداؤهم. # فتسبب عن اعتدائهم المذكور ما ذكره تعالى بقوله فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين أي صاغرين مطرودين مبعدين من الخير، أذلاء. وقد روي عن الضحاك ~~وقتادة: أنهم مسخوا قردة، لها أذناب تعاوى، بعد ما كانوا رجالا ونساء. وأما ~~مجاهد فقال: # مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا. رواه ابن جرير. وهكذا قال القاشاني: كونوا قردة أي مشابهين ~~الناس في الصورة وليسوا بهم. ثم قال: والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في ~~الدنيا والآخرة. # وردت به الآيات والأحاديث. وفي أثر: عد المسوخ ثلاثة عشر، وبيان أعمالهم ~~ومعاصيهم وموجبات مسخهم. والحاصل أن من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات، ~~ورسخ فيه بحيث زال استعداده، وتمكن في طبعه، وصار صورة ذاتية له، صار طبعه ~~طبع ذلك الحيوان. ونفسه نفسه، فصارت صفته صورته. # وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: وسئلهم عن القرية ~~التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ~~ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون [الأعراف: 163] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 66] # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) # فجعلناها أي المسخة والعقوبة نكالا عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه ~~وتردعه. ومنه النكل للقيد لما بين يديها من المعاصي من أهل عالمها # PageV01P323 # الشاهدين لها وما خلفها ممن جاء بعدهم، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، ~~أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها وموعظة للمتقين من قومهم، أو لكل ~~متق سمعها. وأشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن النقم تقع في غيرهم، ~~وعظا لهم. # (تنبيه) : أفادت هذه الآية التنويه بشأن يوم السبت عند الإسرائيليين، إذ ~~مستحلوه منهم مسخوا قردة. وفي ترجمة التوراة ما نصه: وكلم الرب موسى قائلا: # كلم بني إسرائيل، تحفظون السبت لأنه مقدس لكم، من دنسه يقتل، ومن صنع فيه ~~عملا يقطع من بين شعبه. في ستة أيام تصنع الأعمال، وأما اليوم السابع ففيه ~~سبت ms0334 راحة، وليحفظ بنو إسرائيل السبت، وليتخذوه عيدا بأجيالهم. لأن الرب خلق ~~السماء والأرض في ستة أيام، وفرغ يوم السابع. وفيها أيضا ما نصه: في ستة ~~أيام تعمل عملك، وأما اليوم السابع ففيه تستريح، لكي يستريح ثورك وحمارك ~~ويتنفس ابن أمتك والغريب. انتهى. # وقد حرم على اليهود فيه أن يعدوا طعامهم. بل حرم عليهم أن يوقدوا نارا. # وفي سفر نحميا- في الفصل الثالث عشر- ما نصه: وفي تلك الأيام رأيت في ~~يهوذا قوما يدوسون في المعاصر في السبت ويأتون بأكداسها يحملونها على ~~الحمير، وبخمر أيضا، وعنب وتين، وكل حمل مما كانوا يأتون به إلى أورشليم في ~~يوم السبت. فأشهدت عليهم يوم بيعهم الطعام. وكان الصوريون المقيمون بها ~~يأتون بالسمك. وكل نوع من المبيعات، ويبيعون في يوم السبت لبني يهوذا وفي ~~أورشليم. فخاصمت عظماء يهوذا، وقلت لهم: ما هذا الشر الذي تفعلونه وتدنسون ~~يوم السبت؟ ألم تفعل آباؤكم هكذا؟ فجلب إلهنا كل هذا الشر علينا وعلى هذه ~~المدينة، وأنتم تزيدون الغضب على بني إسرائيل بتدنيسكم السبت، إلى آخره. # ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه العلية، أتبعه ببيان قساوتهم في مصالح ~~أنفسهم توبيخا لأخلاقهم. مع الإشارة إلى نعمته عليهم في خرق العادة في شأن ~~البقرة، وبيان من هو القاتل بسببها، وإحياء الله تعالى المقتول، ونصه على ~~من قتله منهم، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 67] # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) # PageV01P324 # وإذ قال موسى لقومه بني إسرائيل إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وذلك أنه ~~وجد قتيل فيهم، وكانوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله بذبح بقرة وأن يضربوه ~~ببعضها ليحيى ويخبر بقاتله قالوا استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام، ~~كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ هل سارعوا إلى الامتثال أو لا. فقيل: قالوا أتتخذنا ~~هزوا بضم الزاي وقلب الهمزة واوا، وقرئ بالهمزة مع الضم والسكون. أي ~~أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوا بنا، أو نفس الهزو، للمبالغة. ms0335 ~~وأشعر جوابهم ما ثبت من فظاظتهم، إذ فيه سوء الأدب على من ثبتت رسالته وقد ~~علموها قال استئناف كما سبق أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لأن الهزو في ~~أثناء تبليغ أمر الله، سبحانه، جهل وسفه. نفى عنه، عليه السلام، ما توهموه ~~من قبله على أبلغ وجه، وآكده، بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه بالاستعاذة ~~منه، استفظاعا له، واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه، عليه ~~السلام، بها. والعوذ: اللجأ من متخوف لكاف يكفيه. والجهل: التقدم في الأمور ~~بغير علم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 68] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) # قالوا تماديا في الغلظة ادع لنا أي لأجلنا ربك يبين لنا ما هي ما حالها، ~~وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى. # فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن. الخارجة عما عليه البقر، وما ~~وإن شاعت في طلب مفهوم الحقيقة، لكنها قد يطلب بها الصفة والحال. تقول: ما ~~زيد؟ فيقال: طبيب أو عالم. قال أي موسى عليه السلام، بعد ما دعا ربه عز وجل ~~بالبيان، وأتاه الوحي. إنه تعالى يقول إنها أي البقرة المأمور بذبحها بقرة ~~لا فارض أي لا مسنة. وقد فرضت فروضا، فهي فارض، أي أسنت. من الفرض بمعنى ~~القطع. كأنها قطعت سنها وبلغت آخرها. ولا بكر أي لا فتية صغيرة لم يلقحها ~~الفحل. عوان أي نصف بين ذلك أي سني الفارض والبكر فافعلوا ما تؤمرون هذا ~~أمر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به. ~~وفيه حث على الامتثال، وزجر عن المراجعة. ومع ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان ~~اللون بعد بيان السن بأن: # PageV01P325 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 69] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها تسر الناظرين (69) # قالوا ادع لنا ms0336 ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها شديد الصفرة، يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال: أسود حالك ~~وأبيض يقق، وأحمر قانئ، وأخضر ناضر ومدهام. وفي إسناد الفقوع إلى اللون- مع ~~كونه من أحوال الملون لملابسته به- ما لا يخفى من فضل تأكيد. كأنه قيل: ~~صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما في: جد جده. تسر الناظرين أي تبهج نفوسهم. # روى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا ~~بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم. وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، ورفعه ابن ~~جريج والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 70] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون (70) # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي زيادة استكشاف عن حالها لتمتاز عما ~~يشاركها في التعوين والصفرة. ولذلك عللوا تكرير سؤالهم بقولهم إن البقر ~~الموصوف بما تقدم تشابه علينا لكثرته، أي اشتبه علينا أيها نذبح. قال ~~البقاعي: وذكر الفعل، لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحده، فإن العرب ~~تذكره. نقل عن سيبويه. وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 71] # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث. أي لم تذلل ~~لإثارة الأرض وسقي الحرث. ولا ذلول صفة لبقرة. بمعنى غير ذلول. ولا # PageV01P326 # الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى. لأن المعنى: لا ذلول تثير ~~وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، ~~والمقصود: إنها مكرمة ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في السانية. ~~مسلمة، سلمها الله من العيوب، أو معفاة من العلم، سلمها أهلها منه، أو ~~مخلصة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. من: سلم له كذا، ms0337 إذا خلص له لا ~~شية فيها، أي لا لون فيها يخالف لون جلدها من بياض وسواد وحمرة، فهي صفراء ~~كلها، وهي في الأصل مصدر: وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر. في ~~الصحاح: الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو ~~الذاهبة من أوله. والجمع: # شيات. يقال: ثور أشيه، كما يقال: فرس أبلق. قالوا الآن جئت بالحق أي ~~بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها، ولم يبق لنا في شأنها ~~اشتباه أصلا. # بخلاف المرتين الأوليين، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه ~~المرتبة فذبحوها، الفاء فصيحة، كما في فانفجرت، أي فحصلوا البقرة فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون كاد من أفعال المقاربة، وضع لدنو الخبر من الحصول، ~~والجملة حال من ضمير ذبحوا، أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل ~~منه. اعتراض تذييلي. ومآله استثقال استقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لفرط ~~تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي خيط إسهابهم فيها. # (تنبيه) قال الراغب: قال بعض الناس: في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء ~~قبل فعله. فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة، وكان لهم أن يذبحوا أي ~~بقرة شاؤوا. وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة. فكأنهم نهوا عما ~~كانوا أمروا به من قبل. وليس كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث ~~كالبيان له، لما راجعوا، ولم يسقط عنهم ذبح البقرة. بل زيد في أوصافها وكشف ~~عن المراد بالأمر الأول. # وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 72] # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها أي اختلفتم واختصمتم في شأنها، إذ كل واحد ~~من الخصماء يدافع الآخر والله مخرج ما كنتم تكتمون مظهر، لا محالة، ما ~~كتمتم من أمر القتيل، لا يتركه مكتوما. # PageV01P327 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 73] # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ms0338 ~~(73) # فقلنا اضربوه # أي المقتول ببعضها # أي البقرة. يعني فضربوه فحيي وأخبر بقاتله. كما دل عليه قوله كذلك # أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة يحي الله الموتى # يوم القيامة ويريكم آياته # أي دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير. ويجوز أن يراد بالآيات ~~هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة ~~على عضو ميت. وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة لعلكم ~~تعقلون # لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى ~~اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى. # قال الراغب: وقوله كذلك يحي الله الموتى # قيل هو حكاية عن قول موسى عليه السلام لقومه، وقيل بل هو خطاب من الله ~~تعالى لهذه الأمة، تنبيها على الاعتبار بإحيائه الموتى. ### | تنبيهات: # (الأول) قال الزمخشري: (فإن قلت) فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان ~~حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها؟ فيقال: (وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها) ؟ # (أجيب) بأن كل ما قص من قصص بني إسرائيل، إنما قص تعديدا لما وجد منهم من ~~الجنايات، وتقريعا لهم عليها، ولما جدد فيهم من الآيات العظام. وهاتان ~~قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين. # فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ~~ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة. ~~وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه ~~لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة، بعد ما ~~استؤنفت الثانية، استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما ~~بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: اضربوه ببعضها، حتى تبين أنهما ~~قصتان فيما يرجع إلى التقريع، وتثنيته # PageV01P328 # بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها. وأنها قصة واحدة بالضمير ~~الراجع إلى البقرة. # وقال الحرالي: قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ذكر ms0339 ندائهم في القتيل، ~~ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء ~~وأقوال الخصومة. والله أعلم. # (التنبيه الثاني) قال الراغب: قد استبعد بعض الناس ذلك وما حكاه الله ~~منه، وأنكر حصول ذلك الفعل على الحقيقة وقال: ذلك ممتنع من حيث الطبيعة، ~~وأيضا فإن ذلك لا يعرف فيه حكمة إلهية. فأما استبعاده ذلك من حيث الطبيعة ~~فإنما هو استبعاد للإحياء والنشور، ولذلك موضع لا يختص بالتفسير. ومن كان ~~ذلك طريقته فلا خوض معه في تفسير القرآن. وأما الحكمة فيه فظاهرة إذ هو من ~~المعجزات المحسوسة الباهرة للعقول. وأما تخصيص البقرة، فإن كثيرا من حكمة ~~الله تعالى لا يمكن للبشر الوقوف عليه. ولو لم يكن في تخصيص بقرة على وصف ~~مخصوص إلا توافر المأمورين بذلك على طلبها، واستيجاب الثواب في بذل ثمنها، ~~وجلب نفع توفر إلى صاحبها- لكان في ذلك حكمة عظيمة. وفي الآية تنبيه على أن ~~الجماعة التي حكمهم واحد يجوز أن ينسب الفعل إليهم وإن كان واقعا من بعضهم، ~~ولا يكون ذلك كذبا. كأن الجملة المركبة من شخص واحد يصح أن ينسب إليها ما ~~وقع من عضو منها. # وقد ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا ~~منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتعلق به ~~كبير فائدة. كما أن البعض من البقرة لم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه. ~~فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى. إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا ~~دنيوية. وإن كان معينا في نفس الأمر. وأيا كان فالمعجزة حاصلة به. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 74] # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) # PageV01P329 # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه ~~صلى الله ms0340 عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت ~~أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية ~~منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، ~~وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما ~~عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أولى. لأن قوله ~~تعالى: ثم قست قلوبكم، خطاب مشافهة. فحمله على الحاضرين أولى. وأما أن يكون ~~المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا، أو من قبل ~~المخاطبين من سلفهم. والله أعلم. فهي كالحجارة في القساوة أو أشد منها قسوة ~~أي هي في القسوة مثل الحجارة أو زائد عليها فيها. وأو للتخيير أو للترديد. # بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى كالحديد. أو من ~~عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المفضل عليه ~~للأمن من الالتباس وإن من الحجارة لما يتفجر أي يتفتح بالسعة والكثرة منه ~~الأنهار بيان لأشدية قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات ~~والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما ~~تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة وإن منها لما يشقق أي ~~يتشقق فيخرج منه الماء أي العيون الي هي دون الأنهار وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله أي يتردى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادا لما سخره له من ~~الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشاني. # وقد ذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية على خلق التمييز في ~~الجماد حتى يخشى ويسبح. والمحققون على أن هذه الآية وأمثالها من المجاز ~~البليغ. وأن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة. لا سيما وأن المجاز أكثر في ~~اللسان منها، كما بسط في مطولات البيان. # وقد رد الإمام ابن حزم، في أول كتابه «الفصل» على من زعم أن للحيوان ~~والجماد تمييزا، ردا مسهبا. وقال: من ادعى ذلك أكذبه العيان. ثم استثنى ما ms0341 ~~كان معجزة للأنبياء عليهم السلام. # (قال) ولعل معترضا يعترض بقوله تعالى يصف الحجارة وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله، فقد علمنا بالضرورة أن الحجارة لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث # PageV01P330 # إليها نبي. فإذ لا شك في هذا، فإن القول منه تعالى يخرج على أحد ثلاثة ~~أوجه: # أحدها أن يكون الضمير في قوله تعالى: وإن منها لما يهبط راجع إلى القلوب ~~المذكورة في أول الآية في قوله تعالى: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو أشد قسوة فذكر تعالى أن من تلك القلوب القاسية ما يقبل الإيمان ~~يوما ما، فيهبط عن القسوة إلى اللين من خشية الله تعالى، وهذا أمر يشاهد ~~بالعيان، فقد تلين القلوب القاسية بلطف الله تعالى، ويخشى العاصي. وقد أخبر ~~عز وجل: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ~~[آل عمران: 199] ، وكما أخبر تعالى أن من الأعراب من يؤمن بالله [التوبة: ~~99] من بعد أن أخبر أن الأعراب أشد كفرا ونفاقا [التوبة: 97] . (قال) فهذا ~~وجه ظاهر متيقن الصحة. والوجه الثاني أن الخشية المذكورة في الآية إنما هي ~~التصرف بحكم الله تعالى وجري أقداره، كما قلنا في قوله تعالى حاكيا عن ~~السماء والأرض قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11] . # والوجه الثالث أن يكون الله تعالى عنى بقوله وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله الجبل الذي صار دكا، إذ تجلى الله تعالى له يوم سأله كليمه عليه ~~السلام الرؤية، فذلك الجبل بلا شك من جملة الحجارة وقد هبط عن مكانه من ~~خشية الله تعالى، وهذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة. ويكون ~~يهبط بمعنى «هبط» كقوله تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا [الأنفال: 30] ~~معناه: # وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقا إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم في ~~إنكاره على أبيه عبادة الحجارة لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42] وقوله تعالى: أم اتخذوا من دون الله شفعاء، قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون [الزمر: 43] فصح بهذا، صحة ms0342 لا مجال للشك فيها، أن ~~الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها ~~النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا. وأما الأحاديث المأثورة في ~~أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاولت، وخشع جبل كذا، ~~فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد ~~أصلا. ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يدخل شيئا منها من انتدب من الأئمة ~~لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة (انتهى ~~كلام ابن حزم) . # وقال ابن جرير: اختلف أهل النحو في معنى الهبوط- ما هبط من الأحجار من ~~خشية الله- فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله. وقال # PageV01P331 # آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. وقال آخرون: قوله يهبط من ~~خشية الله كقوله جدارا يريد أن ينقض [الكهف: 77] ولا إرادة له. قالوا: # وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية ~~الله. قال زيد الخيل: # بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجدا للحوافر # وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوا له: # ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع # يريد أنه ذليل. # وكما قال جرير بن عطية: # لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع # وقال آخرون: معنى قوله يهبط من خشية الله أي يوجب الخشية لغيره بدلالته ~~على صانعه. كما قيل: ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس ~~إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية: # وأعور من نبهان، أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير # فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه. من ~~أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية. ~~وتقدم رد ابن حزم له مبرهنا عليه. # ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها ~~بتأويله. وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى ms0343 من رأس جبل فخشية الله ~~نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال ويدل على ذلك قوله ~~لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله [الحشر: ~~21] ، وقال ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض [الحج: 18] ~~، إلى قوله: والنجوم والجبال والشجر والدواب [الحج: 18] ، وقد روي مثل هذا ~~عن السلف، ولا بد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. # فإن قوما استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة. وقوما ~~استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق: إن قوما ~~من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب: الأول المعرفة التامة التي ~~هي العلم التام. # PageV01P332 # وذلك لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. والثاني معرفة متزايدة، وهي ~~للإنسان. وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية. وجعل له بذلك سبيلا إلى ~~تعريف كثير مما لم يعرفه. وليس ذلك إلا للإنسان. والثالث معرفة دون ذلك، ~~وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. ~~واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها. والرابع: معرفة ~~الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في ~~استجلاب المنافع وما ينميها. # والخامس: معرفة العناصر. فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص ~~به كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلو، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا ~~اختيار منه. قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من ~~مركزه قهرا، أبى إلا العود إليه طوعا. قالوا ويوضح ذلك أن السراج يجتذب ~~الأدهان التي تبقيه. ويأبى الماء الذي يطفيه. وأن المغناطيس يجر الحديد ولا ~~يجر غيره. هذا ما حكوه. # فعلى هذا إذا قيل: لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه ~~القوى تسمى معرفة. فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الإنسان في أنها تميز ~~وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. (انتهى قول الراغب) وهو تأويل حسن، ms0344 ~~ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو ~~مسلم في كثير من الإطلاقات. # وقوله تعالى: وما الله بغافل عما تعملون فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما ~~لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه، مطلعا عليه غير غافل ~~عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. ولما بين سبحانه وتعالى قساوة قلوبهم، تسبب ~~عن ذلك بعدهم عن الإيمان، فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض ~~التنكيت عليهم، والتبكيت لهم، منكرا للطمع في إيمانهم فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 75] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) # أفتطمعون أيها المؤمنون بعد أن علمتم تفاصيل شؤون أسلافهم المؤيسة # PageV01P333 # عنهم أن يؤمنوا أي هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم وهم متماثلون في ~~الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلافهم إلا مثل ما أتى. من أسلافهم، (واللام ~~في قوله) لكم لتضمين معنى الاستجابة. كما في قوله عز وجل فآمن له لوط ~~[العنكبوت: 26] ، أي في إيمانهم مستجيبين لكم. أو للتعليل أي في أن يحدثوا ~~الإيمان لأجل دعوتكم وقد كان فريق منهم أي طائفة فيمن سلف منهم يسمعون كلام ~~الله وهو ما يتلونه من التوراة ثم يحرفونه قال ابن كثير: أي يتأولونه على ~~غير تأويله. وقال ابن جرير: يعني بقوله يحرفونه يبدلون معناه وتأويله ~~ويغيرونه، وأصله من انحراف الشيء عن جهته وهو ميله عنها إلى غيرها. # فكذلك قوله يحرفونه أي يميلونه عن وجهه، ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره. # من بعد ما عقلوه أي فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة وهم ~~يعلمون أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. # قال ابن جرير: هذا إخبار عن إقدامهم على البهت ومناصبتهم العداوة له ~~ولرسوله موسى عليه السلام. وأن بقاياهم في العصر المحمدي على مثل ما كان ~~عليه أوائلهم في العصر الموسوي بغيا ms0345 وحسدا. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ~~فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~[المائدة: 13] ، والظاهر أن المراد، بالفريق منهم، أحبارهم، وإنما فعلوا ~~ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى، من بعد، في قوله تعالى: ~~واشتروا به ثمنا قليلا [آل عمران: 187] ، وقال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~[البقرة: 146] . # ولقائل أن يقول، كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من ~~إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين. وأجاب القفال عنه ~~فقال: # يحتمل أن يكون المعنى: كيف يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه ~~من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن ~~وجهه، والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك، ولا يلتفتون إلى أقوال أهل الحق، وهو ~~قولك للرجل كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي وأنت عنه تأخذ، ولا تأخذ عن غيره. # ونحوه قول الراغب: لما كان الإيمان هو العلم الحقيقي مع العمل بمقتضاه، ~~فمتى لم يتحر ذلك من حصل له بعض العلوم، فحقيق أن لا يحصل لمن غبي عن كل ~~العلوم. فذكر ذلك تبعيدا لإيمانهم لا يأسا للحكم بذلك، إذ ليس كل ما لا ~~يطمع فيه كان مأيوسا (ثم قال الراغب) وفي الآية تنبيه أن ليس المانع ~~للإنسان من تحري الإيمان الجهل به فقط، بل يكون عنادا وغلبة شهوة. # PageV01P334 # (تنبيه) ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير ثم يحرفونه هو الأنسب ~~باعتبار سوق الآية الكريمة، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظي عن ~~التوراة، فإنه واقع بلا ريب، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظه، وأولوا بعضا ~~منها بغير المراد منه، وكذا يقال في الإنجيل. ويشهد لذلك كلام أحبارهم، فقد ~~نقل العلامة الجليل الشيخ رحمه الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) : أن أهل ~~الكتاب سلفا وخلفا، عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم، ~~ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد، وأنهم يزيدون تارة ~~شيئا بطريق التفسير في الكلام، الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى ~~الامتياز، ms0346 وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم. ومن تأمل في تراجمهم ~~المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة. ثم ساق بعضا منها ~~فانظره. # وفي ذخيرة الألباب، لأحد علماء النصارى، ما مثاله: إن بعضهم ذهب إلى أن ~~الروح القدس لم يق الكتبة عثرة الخطأ الطفيف، ولا كفاهم زلة القدم حتى لم ~~يستحل أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات. وفيه أيضا: إن بين النسخة العبرانية ~~والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافا عظيما في أمر التاريخ. فإذا ~~تحريف الأسفار الخمسة أمر بين. وفيه أيضا في الفصل (31) : أن بعض علمائهم ~~زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين العتيق والجديد نيفا ~~وأربعة آلاف غلطة، ورأى آخر فيها ما يزيد على الثمانية آلاف خطأ. انتهى. ~~فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظي فيها. وهو المقصود. # وأما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها، فهو إفراط. قال الحافظ ابن حجر ~~في أواخر شرح الصحيح في باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد [البروج: 21] ~~: # إن القول بأنها بدلت كلها مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي ~~منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [الأعراف: 157] الآية. ~~ومن ذلك قصة رجم اليهوديين «1» وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى ~~PageV01P335 # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] . وقد أسلفنا ~~تتمة هذا البحث في مقدمة التفسير في الكلام على الإسرائيليات. فارجع إليه. # ثم أخبر تعالى، عن تخلق أولئك المأيوس من إيمانهم من اليهود بأخلاق ~~المنافقين وسلوكهم منهاجهم، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 76] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) # وإذا لقوا الذين آمنوا أي بالله ورسوله من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم قالوا آمنا أي بأنكم على الحق، وأن محمدا هو الرسول المبشر به، وكأنهم ~~يقولون ذلك إرضاء لحلفائهم من الأوس والخزرج، أو جهرا بحقيقة ms0347 لا يسعهم، ~~أمام حلفائهم، السكوت عنها. وإذا خلا بعضهم يعني الذين لم ينافقوا إلى بعض ~~أي الذين نافقوا قالوا أي عاتبين عليهم أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي ~~بما بين لكم في التوراة من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان ~~بالنبي الذي يجيئكم مصدقا لما معكم، ونصره. # قال ابن إسحاق: أي أتقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه أخذ له الميثاق عليكم ~~باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي نجده في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به. # قال ابن جرير: أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم. والمعنى: # أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن حكمه تعالى وقضائه ~~فيهم، ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ~~في التوراة. # ليحاجوكم متعلقة بالتحديث، دون الفتح، أي ليقيم المؤمنون به عليكم الحجة ~~به عند ربكم أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة، فيقولون: ألم ~~تحدثونا بما في كتابكم، في الدنيا، من حقية ديننا، وصدق نبينا؟ فيكون ذلك ~~زائدا في ظهور فضيحتكم، وتوبيخكم على رؤوس الخلائق، في الموقف. لأنه ليس من ~~اعترف بالحق، ثم كتم، كمن ثبت على الإنكار. PageV01P336 # وتأول الراغب الأصفهاني قوله تعالى: عند ربكم أي في حكمه وكتابه، كما هو ~~وجه في آية فإذ لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون [النور: ~~13] أي في حكم الله وقضائه، وهو وجه جيد، وقوله أفلا تعقلون من تمام ~~التوبيخ والعتاب، فهو من جملة الحكاية عنهم على سبيل إنكار بعضهم على بعض. ~~قال الراغب: ويصح أن تكون استئناف إنكار من الله عز وجل، على سبيل ما يسمى ~~في البلاغة «الالتفات» . ويصح أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين، تنبيها على ما ~~يفعله الكفار والمنافقون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 77] # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون أي يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره ~~وما يعلنون أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه. قال الراغب: هذا تبكيت ~~لهم، ms0348 وإنكار لما يتعاطونه، مع علمهم بأن الله لا يخفى عليه خافية. # ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، ~~ذكر العوام الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالم عليه ~~أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من ~~العلم، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 78] # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) # ومنهم أميون أي لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها من ~~دلائل النبوة، فيؤمنوا. لا يعلمون الكتاب أي التوراة، أي لا يدرون ما فيها ~~من حدود وأحكام ومواثيق إلا أماني بالتشديد جمع أمنية، أصلها أمنوية ~~«أفعولة» فأعلت إعلال سيد، وميت. مأخوذة من تمنى الشيء: قدره وأحب أن يصير ~~إليه. أو من تمنى: كذب. أو من تمنى الكتاب: قرأه. وعلى كل فالاستثناء ~~منقطع، إذ ليس ما يتمنى، وما يختلق وما يتلى، من جنس علم الكتاب أي لا ~~يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أماني حسبما منتهم أحبارهم من أن الله سبحانه ~~يعفو عنهم. وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم. وغير ذلك من أمانيهم الفارغة. ~~المستندة إلى الكتاب، على # PageV01P337 # زعم رؤسائهم. أو لا يعلمون الكتاب، لكن أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم. # فتقبلوها على التقليد. أو لا يعلمون الكتاب لكن يتلقونه قدر ما يتلى ~~عليهم. # فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه. # قال ابن جرير: وأولى ما روينا في تأويل قوله إلا أماني أن هؤلاء الأميين ~~لا يفقهون، من الكتاب الذي أنزله الله، شيئا. ولكنهم يتخرصون الكذب ~~ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه ~~وافتعاله. # بدليل قوله تعالى بعد وإن هم إلا يظنون فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون ~~من الأكاذيب ظنا منهم، لا يقينا. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: حمله على تمني القلب أولى. بدليل قوله تعالى ~~وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم [البقرة: 111] ~~أي تمنيهم. وقال الله تعالى: ليس بأمانيكم ولا أماني ms0349 أهل الكتاب، من يعمل ~~سوءا يجز به [النساء: 123] ، وقال تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم [البقرة: ~~111] ، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ~~وما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يظنون [الجاثية: 24] بمعنى يقدرون ويخرصون. ~~ورجح كثيرون حمله على القراءة، كقوله تعالى: إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته [الحج: 52] ، إذ في الاستثناء، حينئذ، نوع تعلق بما قبله. # فيكون أليق في طريقة الاستثناء. وإن هم إلا يظنون ما هم إلا قوم قصارى ~~أمرهم الظن والتقليد، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم. فأنى يرجى منهم ~~الإيمان المؤسس على قواعد اليقين؟ # (تنبيه) قال الراغب: قد أنبأ الله عن جهل الأميين وذمهم والمبالغة في ذم ~~علمائهم وأحبارهم. فإن الأميين لم يعرفوا إلا مجرد التلاوة. واعتمدوا على ~~زعمائهم وأحبارهم. وهم قد ضلوا وأضلوا. ونبهنا الله تعالى بذم الأميين، على ~~اكتساب المعارف لئلا يحتاج إلى التقليد والاعتماد على من لا يؤمن كذبه. ~~وبذم زعمائهم، على تحري الصدق وتجنب الإضلال. إذ هو أعظم من الضلال. # ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال الأماني واتباع الظن، عقب ببيان حال ~~الذين أوقعوهم في تلك الورطة، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على ~~الله، وأكل أموال الناس بالباطل. فقيل على وجه الدعاء عليهم. # PageV01P338 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 79] # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # فويل فإن أضيف، نصب. نحو: ويلك وويحك- وإذا فصل عن الإضافة، رفع. نحو: ~~ويل له. الويل: الهلاك وشدة العذاب للذين يكتبون الكتاب أي المحرف. أو ما ~~كتبوه من التأويلات الزائفة بأيديهم تأكيد لدفع توهم المجاز. # كقولك: كتبته بيميني. وقد يقال في مثل هذا: إن فائدته تصوير الحالة في ~~النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا للهيئة ثم يقولون لما ~~كتبوه، كذبا وبهتانا هذا من عند الله ليشتروا به أي يأخذوا لأنفسهم ~~بمقابلته ثمنا قليلا أي عرضا ms0350 يسيرا. ويجوز في الآية معنى آخر. أي: فويل ~~للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، فيشهدون ~~بذلك، وكان من مقتضى كتابتهم بأيديهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون ~~عليه، لو كان كتابة غيرهم، ومقتضى قولهم وإقرارهم بأنه من عند الله- الوقوف ~~مع عهوده ومواثيقه، إجلالا لمنزله وموحيه، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه. ~~ولكن لم يكن ذلك منهم. بل كان أن حرفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمنا ~~قليلا. وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله، وصدقهم في قولهم: ~~هذا من عند الله. ثم مخالفتهم لذلك. فيكون قوله تعالى ليشتروا به تعليلا ~~لمحذوف دل عليه السياق. أي ثم بعد ذلك يحرفونه ليشتروا به. وهو وجه جيد ~~يوافق آية يحرفون الكلم عن مواضعه وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما ~~رواه ابن جرير: # هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه فويل لهم مما كتبت أيديهم أي: ~~فشدة العذاب لهم مما غيرت أيديهم وويل لهم مما يكسبون يصيبون من الحرام ~~والسحت. # قال الراغب: إن قيل: لم ذكر يكسبون بلفظ المستقبل وكتبت بلفظ الماضي؟ ~~قيل: تنبيها على ما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة» «1» # فنبه بالآية أن ما أضلوه وأثبتوه من التأويلات PageV01P339 # الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا (إن ~~قيل) لم ذكر الكتابة دون القول (قيل) لما كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة ~~عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول ~~يضمحل أثره. # (إن قيل) : ما الذي كانوا يكتبونه؟ (قيل) : روي عن بعض السلف أن رؤساء ~~اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقولون ~~هذا من عند الله. وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح. وهو أنه يجب أن يتصور أن كل ~~نبي أتى بوصف لنبي بعده، فإنه أتى بلفظة معرضة وإشارة مدرجة، لا يعرفها إلا ~~الراسخون في العلم. وقد ms0351 قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن بإشارات. # ولو كان ذلك متجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه. ثم ازداد ذلك ~~غموضا بنقله من لسان إلى لسان: من العبراني إلى السرياني إلى العربي. وقد ~~ذكر المحصلة ألفاظا من التوراة والإنجيل، إذا اعتبرت وجدت دالة على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتعريض. هو عند الراسخين في العلم جلي وعند ~~العامة خفي. فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرفة. وقد ~~نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه، وتبديل آياته، وكتمان ~~الحق عن أهله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طمعا في عرض الدنيا. ~~وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت. لقوله تعالى: قل ~~متاع الدنيا قليل [النساء: 77] ، كلام الراغب رحمه الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 80] # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة بيان لبعض آخر من جناياتهم فيما ~~ادعوا لأنفسهم من أنهم لا تمسهم النار في الآخرة إلا مدة يسيرة. ومرادهم ~~بذلك أنهم لا يخلدون فيها. لأن كل معدود منقض. قال مجاهد: كانت اليهود ~~تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة. فإنما نعذب، مكان كل ألف سنة، يوما. ثم ~~ينقطع العذاب. # وروي ذلك عن ابن عباس. وعنه أن اليهود قالوا: لن ندخل النار إلا الأيام ~~التي عبدنا PageV01P340 # فيها العجل، أربعين، فإذا انقضت انقطع عنا العذاب. ثم بين تعالى إفكهم. ~~لأن العقل لا طريق له إلى معرفة ذلك، وإنما سبيل معرفته الإخبار منه تعالى، ~~وهو منتف. فقال سبحانه قل منكرا لقولهم وموبخا لهم أتخذتم عند الله عهدا أي ~~عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار فلن يخلف الله عهده أي فتقولوا لن ~~يخلف الله عهده. وجعل بعضهم الفاء فصيحة معربة عن شرط مقدر. أي: إن ms0352 كان ~~الأمر كذلك فلن يخلفه أم تقولون أي: أم لم يكن ذلك فأنتم تقولون مفترين على ~~الله ما لا تعلمون أي وقوعه جهلا وجراءة. وقولهم المحكي، وإن لم يكن تصريحا ~~بالافتراء عليه سبحانه، لكنه مستلزم له. لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد ~~سببه إليه تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 81] # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(81) # بلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله لن تمسنا النار أي بلى تمسكم أبدا. ~~بدليل قوله هم فيها خالدون، من كسب سيئة أي عملها وهي والسيء عملان قبيحان ~~أصلها سيوءة. من: ساءه يسوه. فأعلت إعلال سيد. ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب ~~السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لا بد أن يكون سببه محيطا به فقال ~~وأحاطت به خطيئته أي غمرته من جميع جوانبه فلا تبقي له حسنة. وسدت عليه ~~مسالك النجاة. بأن عمل مثل عملكم أيها اليهود. وكفر بما كفرتم به حتى يحيط ~~كفره بما له من حسنة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. # (تنبيه) ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الخلود في النار إنما هو للكفار ~~والمشركين لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار. ~~فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك ~~كونها نازلة في اليهود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 82] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون من عادة # PageV01P341 # التنزيل العزيز أنه لا يذكر فيه آية في الوعيد إلا ويتلوها آية في الوعد. ~~وذلك لفوائد: # منها، ليظهر بذلك عدله سبحانه. لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين ~~على الكفر، وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. ومنها، أن ~~المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه. وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا ~~الطريق. # ومنها، أنه يظهر بوعده كمال رحمته، وبوعيده كمال حكمته، فيصير ms0353 ذلك سببا ~~للعرفان. # وقد قدمنا عند قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات [البقرة: # 25] أن السلف أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل. فإذا عطف عليه العمل، فإما ~~أن يكون من عطف الخاص على العام. أو يقال: لم يدخل فيه ولكن مع العطف. كما ~~في اسم الفقير والمسكين. فتذكر. # قال الراغب: في هذه الآية دليل على أن قوله تعالى من قبل: بلى من كسب ~~سيئة هو الكفر، وإحاطة الخطيئة به، الأعمال السيئة، وذلك لما قابله به من ~~الإيمان والأعمال الصالحة. # ثم شرع، سبحانه، يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 83] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ثم بين الميثاق بقوله تعالى: لا تعبدون إلا ~~الله وهو إخبار في معنى النهي، كقوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد ~~[البقرة: 282] ، وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول له كذا، وهو أبلغ من صريح ~~الأمر والنهي. وقد بدئ بأعلى الحقوق وأعظمها. وهو حق الله تبارك وتعالى. أن ~~يعبد وحده ولا يشرك به شيئا. وبهذا أمر جميع خلقه. ولذلك خلقهم. كما قال ~~تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون [الأنبياء: 25] . وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] . وبالوالدين إحسانا والإحسان ~~نهاية البر، فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله ~~الأمر بإكرام الوالدين. حتى قرن # PageV01P342 # تعالى الأمر بالإحسان إليهما، بعبادته التي هي توحيده، والبراءة عن ~~الشرك، اهتماما به وتعظيما له. # قال حكيم مصر في تفسيره: العلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد، ~~هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشئونه أيام كان ضعيفا ~~عاجزا جاهلا. لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا. وكانا يحوطانه ~~بالعناية ms0354 والرعاية. ويكفلانه، حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه. ~~فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما، عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح ~~والحنان العظيم، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وإذا وجب على الإنسان أن ~~يشكر، لكل من يساعده على أمر عسير، فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب ~~الحال في المساعد، وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر ~~للوالدين بعد الشكر لله تعالى، وهما اللذان كانا يسعدانه على كل شيء، أيام ~~كان يتعذر عليه كل شيء وذي القربى أي القرابة. # قال الأستاذ الحكيم «الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة، ويوثق الروابط ~~الطبيعية، حتى تبلغ البيوت، في وحدة المصلحة، درجة الكمال. والأمة تتألف من ~~البيوت، أي العائلات. فصلاحها صلاحها. ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة. # وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدهما وأكملهما ~~في الفطرة بين الوالدين والأولاد. ثم بين سائر الأقربين. فمن فسدت فطرته ~~حتى لا خير فيه لأهله، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟ ومن لا خير فيه ~~للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بنية أمته. لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية ~~التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس. فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل ~~فتجعله جزءا منهم، يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم ويرى منفعتهم عين ~~منفعته، ومضرتهم عين مضرته؟ قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من ~~كل نعرة، وصلتها أمتن من كل صلة. فجاء الدين يقدم حقوق الأقربين على سائر ~~الحقوق. # وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص. ثم ذكر تعالى حقوق أهل الحاجة من ~~سائر الناس فقال سبحانه واليتامى والمساكين. اليتامى جمع يتيم. # وهو من مات أبوه وهو صغير. قدم تعالى الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم ~~يقيدها بفقر ولا مسكنة. فعلم أنها مقصودة لذاتها. وقد أكد تعالى في الوحي ~~الوصية باليتيم. وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا. وحسبك أن القرآن ~~نهى # PageV01P343 # عن قهر اليتيم وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدا خاصا. ms0355 والسر في ذلك هو ~~كون اليتيم لا يجد، في الغالب، من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية ~~بتربيته والقيام بحفظ حقوقه والعناية بأموره الدينية والدنيوية. فإن الأم، ~~إن وجدت، تكون في الأغلب عاجزة. لا سيما إذا تزوجت بعد أبيه. فأراد الله ~~تعالى، وهو أرحم الراحمين، بما أكد من الوصية بالأيتام، أن يكونوا من الناس ~~بمنزلة أبنائهم. يربونهم تربية دينية دنيوية، لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم، ~~فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالا. فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة ~~لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد. # والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة. فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد ~~الأمة. وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين ~~يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا. إلا ~~أنهم قد اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملا ينفع ~~الناس. ولكن المسكين من يعجز عن كسب ما يكفيه. # وقولوا للناس حسنا أي قولا حسنا. أي: كلموهم طيبا ولينوا لهم جانبا. # وفيه من التأكيد والتحضيض على إحسان مقاولة الناس، أنه وضع المصدر فيه ~~موضع الاسم، وهذا إنما يستعمل للمبالغة في تأكيد الوصف، كرجل عدل وصوم ~~وفطر. # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة خطاب لبني إسرائيل. فالمراد الصلاة التي ~~كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها. ثم توليتم أي أعرضتم عن المضي ~~على مقتضى الميثاق الذي فيه سعادتكم ورفضتموه. وقوله إلا قليلا منكم ~~استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى عليه السلام، أو في كل زمن. فإنه ~~لا تخلو أمة من الأمم، من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم ~~وقدر طاقتهم. # والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم، وبيان أن وجود قليل ~~من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهي إذا فشا فيها المنكر، وقل ~~المعروف. وأنتم معرضون # عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق. # ثم نعى عليهم أيضا إخلالهم بواجب الميثاق المأخوذ عليهم في حقوق العباد ~~بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية ms0356 # 84] # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم إخبار # PageV01P344 # في معنى النهي. والمراد به النهي الشديد عن تعرض بعض بني إسرائيل لبعض ~~بالقتل والإجلاء. أن لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله ثم أقررتم أي ~~أظهرتم الالتزام بموجب المحافظة على الميثاق المذكور وأنتم تشهدون بلزومه. ~~فهو توكيد للإقرار، كقولك: أقر فلان، شاهدا على نفسه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) # ثم أنتم هؤلاء خطاب خاص للحاضرين، فيه توبيخ شديد تقتلون أنفسكم وتخرجون ~~فريقا منكم من ديارهم من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق تظاهرون عليهم أي ~~تتعاونون عليهم بالإثم وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم والعدوان ~~وهو التجاوز في الظلم وإن يأتوكم أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم ~~أسارى بضم الهمزة، وفتح السين، والألف بعدها. وقرأ حمزة (أسرى) بفتح ~~الهمزة، وسكون السين كقتلى، جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو القد، وهو ~~ما يقد أي يقطع من السير تفادوهم بضم التاء وفتح الفاء. # وقرئ تفدوهم بفتح التاء وسكون الفاء، أي تخلصوهم بالمال من الفداء. وهو ~~الفكاك بعوض وهو محرم عليكم إخراجهم الجملة حال من الضمير في تخرجون أو من ~~فريقا أو منهما. وتخصيص بيان الحرمة هاهنا بالإخراج، مع كونه قرينا للقتل ~~عند أخذ الميثاق، لكونه مظنة للمساهلة في أمره، بسبب قلة خطره بالنسبة إلى ~~القتل. ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معا. ~~وذلك مختص بصورة الإخراج حيث لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو ~~قصاص. وهو السر في تخصيص التظاهر به فيما ms0357 سبق. ثم أنكر عليهم التفرقة بين ~~الأحكام فقال أفتؤمنون ببعض الكتاب أي: التوراة وهو الموجب للمفاداة ~~وتكفرون ببعض وهو المحرم للقتل والإخراج. ثم اعلم أن ما ذكرناه في قوله ~~تعالى تفادوهم وفتؤمنون ببعض الكتاب هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين # PageV01P345 # من أن ذلك وصف لهم بما هو طاعة، وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره، ~~والإيمان بذلك. وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك. والمراد أنكم، مع القتل ~~والإخراج، إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال وإن كان ذلك ~~محرما عليكم، ثم عنده تخرجونه من الأسر. # قال أبو مسلم: والمفسرون، إنما أتوا من جهة قوله تعالى: أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم. والمراد أنه إذا كان في الكتاب ~~الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتب وكفرتم ببعض. # وكلا القولين يحتمله لفظ المفاداة، لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه ~~فاداه. # والآخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك. إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه ~~أقرب. # لأن عود قوله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض إلى ما تقدم ذكره في هذه ~~الآية. أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات. أفاده الرازي. فما جزاء ~~من يفعل ذلك منكم إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعض. أو إلى ما ~~فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى إلا خزي ذل وهوان مع الفضيحة. ~~والتنكير للتفخيم. في الحياة الدنيا وقد فعل سبحانه ذلك، فقتلت بنو قريظة ~~وأجليت بنو النضير إلى أذرعات وأريحا من الشام. ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب يعني النار وما الله بغافل عما تعملون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 86] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) # أولئك الذين اشتروا أي آثروا الحياة الدنيا على خساستها. واستبدلوها ~~بالآخرة مع نفاستها. فلا يخفف عنهم العذاب في واحدة من الدارين. ولا هم ms0358 ~~ينصرون قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: أنكر تعالى على اليهود الذين كانوا ~~في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المدينة، وما كانوا يعانونه من ~~القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في ~~الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث ~~قبائل: بنو قينقاع، حلفاء الخزرج، وبنو نضير وبنو قريظة حلفاء الأوس ~~فكانوا، إذا كانت بين الأوس والخزرج # PageV01P346 # حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل ~~واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه. فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، ~~ويسفكون دماءهم، وبأيديهم التوراة. يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس ~~والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا ~~قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها وأسر ~~الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتفتدي بنو قينقاع ما كان من ~~أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم. ~~فإذا عيرتهم العرب بذلك وقالوا: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا إنا أمرنا ~~أن نفديهم وحرم علينا قتالهم. فيقال: لم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن ~~تستذل حلفاؤنا. فلذلك حين عيرهم عز وجل فقال: # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض أي تفادوهم بحكم التوراة وتقتلونهم. # وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك ~~بالله ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. هذا ملخص ما ساقه ابن ~~كثير عن محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس. ورواه أيضا عن السدي. فليحقق ~~تصحيح هذه القصة. # وفي الآية تفسير آخر. أي لا تقتلوا أنفسكم لشدة تصيبكم بسكين أو خنق أو ~~بارتكاب ما يوجب ذلك. كالارتداد والزنى بعد الإحصان. وقتل النفس بغير الحق ~~نحو ذلك. ولا تسيئوا جوار من جاوركم فيضطرون إلى الخروج من دياركم. أو: لا ~~تفسدوا فتكونوا سببا لإخراجكم أنفسكم. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 87] # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا ms0359 من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) # ولقد آتينا موسى الكتاب شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم. وتصديره ~~بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به. والمراد بالكتاب التوراة. وقفينا ~~من بعده بالرسل يقال: قفاه به أتبعه إياه، من التقفية وهي متابعة شيء شيئا. ~~كأنه يتلو قفاه، وقفا الصورة منها، خلفها المقابل للوجه. والمعنى لم نقتصر ~~على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى، بل أرسلنا من بعده الرسل تترى، ~~ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود. وآتينا عيسى اسم معرب أصله ~~يسوع. لفظة يونانية بمعنى مخلص. ومثله يشوع، بالمعجمة، في اللغة العبرانية ~~ابن مريم البينات # PageV01P347 # المعجزات الواضحات التي لا مرية فيها لذي عقل. كإحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص وأيدناه أي قويناه على ذلك كله بروح القدس بالروح المقدسة ~~كما تقول: حاتم الجود ورجل صدق. وهي الروح الطاهرة التي نفخها الله فيه ~~وميزه بها عن غيره ممن خلق. قال تعالى: وروح منه [النساء: 171] ، ولذا كان ~~له، عليه الصلاة والسلام، بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى. وعن ~~الحسن البصري: القدس هو الله. وروحه جبريل. والإضافة للتشريف. والمعنى ~~أعناه بجبريل. قال الرازي: والذي يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى: ~~قل نزله روح القدس [النحل: 102] ، والله أعلم. # وتخصيصه من بين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفه بما ذكر من إيتاء ~~البينات والتأييد بروح القدس لحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه عليه ~~السلام، ببيان حقيته وإظهار نهاية قبح ما فعلوا به عليه السلام أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم من الحق، أي لا تحبه. من هوى كفرح، إذا أحب ~~استكبرتم عن الاتباع له والإيمان بما جاء به من عند الله تعالى ففريقا منهم ~~كذبتم إذ لم تنل أيديكم مضرته وفريقا آخر منهم تقتلون غير مكتفين بتكذيبهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 88] # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # وقالوا ms0360 بيان لنوع آخر من مخازيهم. والقائلون المعاصرون للنبي عليه السلام ~~قلوبنا غلف هذا كقوله تعالى: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [فصلت: ~~5] ، أي هي مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها. فلا تفقهه. # مستعار من الأغلف الذي لم يختن بل لعنهم الله بكفرهم رد الله أن تكون ~~قلوبهم كذلك لأنها متمكنة من قبول الحق. وإنما طردهم عن رحمته بسبب كفرهم ~~وزيغهم. وهذا كما قال في سورة النساء: وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا [النساء: 155] . وقوله: فقليلا ما يؤمنون «ما» ~~مزيدة للمبالغة أي فإيمانا قليلا يؤمنون. وهو إيمانهم ببعض الكتاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 89] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) # ولما جاءهم كتاب هو القرآن الكريم الذي مقصود هذه السورة. وصفه # PageV01P348 # بالهدى. وتنكيره للتفخيم. ونعته بقوله من عند الله للتشريف مصدق لما معهم ~~من التوراة. وجواب «لما» محذوف دل عليه جواب «لما» الثانية. وعليه، فقوله ~~تعالى: وكانوا إلخ.. جملة معطوفة على الشرطية، عطف القصة على القصة. وقيل: ~~جوابها كفروا. ولما الثانية تكرار للأولى، فلا تحتاج إلى جواب. # وقيل: كفروا جواب للأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد. وعلى الوجهين فجملة ~~قوله وكانوا من قبل أي قبل مجيئه يستفتحون على الذين كفروا جملة حالية ~~مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم. والاستفتاح: الاستنصار أي طلب النصر، أي ~~يطلبون من الله النصر على المشركين لما أنهم كانوا مستذلين في جزيرة العرب، ~~ولذا كانوا يحالفون بعض القبائل تعززا بهم على ما تقدم فلما جاءهم ما عرفوا ~~صحته وصدقه. كان من حقهم أن يسارعوا إلى الإيمان به لظفرهم بأمنيتهم حينئذ، ~~وهو انتصارهم على المشركين وحصول العزة لهم مع المؤمنين. ولكن كفروا به أي ~~امتنعوا من الإيمان به خوفا من زوال رئاستهم وأموالهم. وأصروا على الإنكار ~~مع علمهم بحقيقة نبوته. ولذا قال عبد الله بن سلام في قصة إسلامه ms0361 «1» : يا ~~معشر اليهود اتقوا الله. فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول ~~الله وأنه جاء بحق. رواه البخاري في الهجرة. وروى أيضا أن عبد الله بن سلام ~~لما بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم أتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا ~~يعلمهن إلا نبي. فلما أجابه عنها قال: أشهد أنك رسول الله. وسنذكر الحديث ~~بتمامه عند قوله تعالى من كان عدوا لجبريل [البقرة: 97] الآية إن شاء الله ~~تعالى. وقوله فلعنة الله على الكافرين اللام فيه للعهد أي عليهم، ووضع ~~المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم، كما أن ~~الفاء للإيذان بترتبها عليه. أو للجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا. إذ ~~الكلام فيهم. وأيا ما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى: # بل لعنهم الله بكفرهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 90] # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) # بئسما اشتروا به أنفسهم «ما» نكرة موصوفة بما بعدها، منصوبة على التمييز، ~~مفسرة لفاعل بئس. أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم واعتاضوا لها، فرضوا به ~~PageV01P349 # وعدلوا إليه. والمخصوص بالذم قوله تعالى: أن يكفروا بما أنزل الله أي ~~كفرهم بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته بغيا حسدا أن ينزل ~~الله لأن ينزل، أو على أن ينزل. أي حسدوه على أن ينزل الله من فضله الذي هو ~~الوحي على من يشاء من عباده أي يشاؤه ويصطفيه للرسالة فباؤ بغضب أي رجعوا ~~لأجل ذلك بغضب، في حسدهم لهذا النبي صلى الله عليه وسلم حتى كفروا به على ~~غضب كانوا استحقوه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم من أجل تحريفهم الكلم، ~~وتضييعهم بعض أحكام التوراة، وكفرهم بعيسى عليه السلام. # قال الرازي: إن غضبه تعالى يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب، ~~فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة، كغضبه على من ms0362 كفر بخصال كثيرة. # قلت: # وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك ~~لا ملك إلا الله» «1» # . والروايات في توصيف غضبه تعالى بالشدة على بعض المنكرات متوافرة. انظر ~~الجامع الصغير. # ويحتمل المعنى. فصاروا أحقاء بغضب مترادف، فلا يكون القصد إثبات غضبين ~~لأمرين متنوعين أو أمور، بل المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا ~~الكفر، وإن كان واحدا، إلا أنه عظيم. والله أعلم. # وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين أن الغضب ~~صفة وصف الله تعالى نفسه بها. وليس غضبه كغضبنا. كما أن ذاته ليست مثل ~~ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته. وما قيل: إن ~~الغضب من الانفعالات النفسانية فيقال نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات ~~فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات ~~المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه ~~كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب والمنسوب إليه كالمنسوب ~~إليه. كما # قال صلى الله عليه وسلم: «ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» «2» # فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. وهذا يتبين بقاعدة: وهي أن كثيرا ~~من الناس يتوهم، في بعض PageV01P350 # الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين. ثم ~~يريد نفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها كونه مثل ~~ما فهمه من النصوص لصفات المخلوقين. وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. ~~الثاني أنه إذ جعل ذلك هو مفهومها وعطله فبقيت النصوص معطلة. عما دلت عليه ~~من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جناية على النصوص، وظنه السيئ الذي ~~ظنه بالله ورسوله، حيث خلاف الذي يفهم من كلامهما، من إثبات صفات الله ~~والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات ~~عن الله بغير دليل. # فيكون معطلا عما يستحقه الرب تبارك وتعالى. الرابع: أنه يصف الرب بنقيض ~~تلك الصفات من صفات الموات والجمادات وصفات المعدومات. فيكون قد عطل صفات ms0363 ~~الكمال التي يستحقها الرب. ومثله بالمنقوصات والمعدومات. وعطل النصوص عما ~~دلت عليه من الصفات. وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات. # فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل. سبحانه وتعالى عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية. عليه الرحمة، في ~~القاعدة التدمرية. # وللكافرين أي لهم. والإظهار في موضع الإضمار للإشعار بعلية كفرهم لما حاق ~~بهم عذاب مهين يراد به إهانتهم. أي إذلالهم. فإن كفرهم، لما كان سببه البغي ~~والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الآخرة كما قال ~~تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] أي ~~صاغرين حقيرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 91] # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين (91) # وإذا قيل لهم أي لليهود آمنوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصدقوه واتبعوه قالوا نؤمن بما أنزل علينا من التوراة، ولا نقر إلا بها ~~ويكفرون بما وراءه حال من ضمير «قالوا» بتقدير مبتدأ. أي قالوا ما قالوا ~~وهم يكفرون بما بعده وهو الحق مصدقا لما معهم منها غير مخالف له. وفيه رد ~~لمقالتهم. لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها قل تبكيتا لهم ~~ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين أي إن كنتم صادقين في دعواكم # PageV01P351 # الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة ~~التي بأيديكم وأنتم تعلمون صدقهم. قتلتموهم بغيا وعنادا، واستكبارا على رسل ~~الله. # فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي كما قال تعالى أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ~~[البقرة: 87] والخطاب للحاضرين من اليهود والماضين، على طريق التغليب، وحيث ~~كانوا مشاركين في العقد والعمل، كان الاعتراض على أسلافهم اعتراضا على ~~أخلافهم. # ودلت الآية على أن المجادلة في الدين من عرف الأنبياء عليهم ms0364 السلام، وإن ~~إيراد المناقضة على الخصم جائز. # ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى، أقام دليلا آخر ~~أقوى مما تقدمه. فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد ~~والبعد عن الإشراك. وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن. وقد نقضوا جميع ~~ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى، وبحضرة هارون عليهما السلام. فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 92] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) # ولقد جاءكم موسى بالبينات من الآيات كفلق البحر وإنزال المن والسلوى وغير ~~ذلك من الدلائل القاطعات على أنه رسول الله وأنه لا إله إلا الله ثم اتخذتم ~~العجل معبودا من دون الله من بعده أي من بعد ما ذهب موسى عنكم إلى الطور ~~لمناجاة الله عز وجل. كما قال تعالى واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار [الأعراف: 148] وقوله تعالى: وأنتم ظالمون أي بعبادته. # واضعين لها في غير موضعها. أو بالإخلال بحقوق آيات الله تعالى. أو هو ~~اعتراض. # أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. # ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم وأنهم مع الهوى فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 93] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) # PageV01P352 # وإذ أخذنا ميثاقكم على الإيمان والطاعة. ورفعنا فوقكم الطور قائلين خذوا ~~ما آتيناكم أي ما أمرتم به في التوراة بقوة بجد واسمعوا أطيعوا قالوا سمعنا ~~قولك وعصينا أمرك. وظاهر السوق يقتضي أنهم قالوا ذلك حقيقة. # قال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى: سمعوه فتلقوه بالعصيان. فعبر عن ذلك ~~بالقول وإن لم يقولوه: كقوله تعالى أن يقول له كن فيكون [يس: 82] . # وأشربوا في قلوبهم العجل أي حبه على حذف المضاف. وإقامة المضاف مقامه ~~للمبالغة. أو العجل مجاز عن صورته. فلا يحتاج إلى حذف المضاف. وعلى كل، ~~فأشربوا ms0365 استعارة تبعية. إما من إشراب الثوب الصبغ- أي تداخله فيه- أو من ~~إشراب الماء- أي تداخله أعماق البدن- والجامع السراية في كل جزء. وإسناد ~~الفعل إليهم إيهام لمكان الإشراب. ثم بين بقوله في قلوبهم للمبالغة، فظهر ~~وجه العدول عن مقتضى الظاهر وهو: وأشرب قلوبهم العجل. بكفرهم بسبب كفرهم قل ~~بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين أي كما زعمتم، بالتوراة. وإضافة ~~الأمر إلى إيمانهم تهكم كما في قصة شعيب أصلاتك تأمرك [هود: 87] وكذا إضافة ~~الإيمان إليهم. وقوله إن كنتم مؤمنين قدح في صحة دعواهم. فإن الإيمان إنما ~~يأمر بعباده الله وحده لا بشركة العبادة لما هو في غاية البلادة. فهو غاية ~~الاستهزاء. # وحاصل الكلام: إن كنتم مؤمنين بها عاملين، فيما ذكر من القول والعمل، بما ~~فيها، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها. وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك ~~القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. فجواب الشرط محذوف، كما ترى، لدلالة ما ~~سبق عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 94] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) # قل كرر الأمر بتبكيتهم لإظهار نوع آخر من أباطيلهم. وهو ادعاؤهم أن الدار ~~الآخرة خالصة لهم من دون الناس. لكنه لم يحك عنهم قبل الأمر بإبطاله، بل ~~اكتفى بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام بقوله إن كانت لكم الدار الآخرة عند ~~الله خالصة نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة. أي سالمة لكم، ~~خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق كما تقولون لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا # PageV01P353 # [البقرة: 111] . من دون الناس اللام للجنس أو للعهد وهم المسلمون فتمنوا ~~الموت فسلوا الموت إن كنتم صادقين لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق ~~إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الأكدار، ولا ~~سبيل إلى ذلك إلا بالموت. والذي يتوقف عليه المطلوب لا بد وأن يكون مطلوبا، ~~نظرا إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب. والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما ~~يدل عليه كما ms0366 أشرنا إليه، لا مجرد خطوره بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك ~~لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي لأنه من ضمائر ~~القلوب. وثم تفسير آخر للتمني بأن يدعوا إلى المباهلة والدعاء بالموت. ~~وإليه ذهب ابن جرير. والأول أقرب إلى موافقة اللفظ. وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 95] # ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) # ولن يتمنوه أبدا من المعجزات لأنه إخبار بالغيب. وكان كما أخبر به. # كقوله ولن تفعلوا [البقرة: 24] . بما قدمت أيديهم بما أسلفوا من أنواع ~~العصيان. واليد مجاز عن النفس. عبر بها عنها، لأنها من بين جوارح الإنسان، ~~مناط عامة صنائعه. ولذا كانت الجنايات بها أكثر من غيرها. ولم يجعل المجاز ~~في الإسناد، فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم، ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء ~~والله عليم بالظالمين أي بهم. تذييل للتهديد. والتنبيه على أنهم ظالمون في ~~دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن سواهم. ونظير هذه الآية في سورة الجمعة قوله ~~تعالى: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين [الجمعة: 6- 7] . # وقد تلطف الغزالي في توجيه الإتيان ب «لن» هنا و «لا» في سورة الجمعة بأن ~~الدعوى هنا أعظم من الثانية، إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، ~~وأما مرتبة الولاية فهي، وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى ~~الجنة. فلما كانت الدعوى الأولى أعظم، لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ ~~«لن» لأنها أقوى الألفاظ النافية. ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية ~~العظمة اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة، في إفادة معنى ~~النفي. والله أعلم. # ولما أخبر تعالى عنهم أنهم لا يتمنون الموت، أتبعه بأنهم في غاية الحرص ~~على الحياة بقوله: # PageV01P354 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 96] # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة ms0367 وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وهي ~~الحياة المتطاولة، ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي: على الحياة. ~~ومن الذين أشركوا عطف على ما قبله بحسب المعنى، كأنه قيل: أحرص من الناس ~~ومن الذين أشركوا. وإفرادهم بالذكر، مع دخولهم في الناس، للإيذان بامتيازهم ~~من بينهم بشدة الحرص. للمبالغة في توبيخ اليهود. فإن حرصهم، وهم معترفون ~~بالجزاء، لما كان أشد من حرص المشركين المنكرين له، دل ذلك على جزمهم ~~بمصيرهم إلى النار. ويجوز أن يحمل على حذف المعطوف ثقة بإنباء المعطوف ~~عليه، عنه، أي وأحرص من الذين أشركوا. # وأما تجويز كون الواو للاستئناف وقد تم الكلام عند قوله: على حياة تقديره ~~ومن الذين أشركوا ناس يود أحدهم، على حذف الموصوف، وقول أبو مسلم: إن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص ~~الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة- فلا ~~يخفى بعده. لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر، أن ~~يكون المراد: # ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، ليكون ~~ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم: إن الدار الآخرة لنا، ~~لا لغيرنا والله أعلم. # يود أحدهم لو يعمر ألف سنة بيان لزيادة حرصهم، على طريق الاستئناف. # ولو مصدرية، بمعنى «أن» مؤول ما بعدها بمصدر، مفعول يود. أي يود أحدهم ~~تعمير ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ما حجازية، والضمير العائد ~~على أحدهم اسمها، وبمزحزحه خبرها، والباء زائدة، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي ~~وما أحدهم المتمني بمن يزحزحه، أي يبعده وينجيه، من العذاب، تعميره. قال ~~القاضي: # PageV01P355 # والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير، ولو قال تعالى: وما هو ~~بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول والله بصير بما ~~يعملون فسوف يجازيهم عليه. # وما ذكره بعض المفسرين ms0368 من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى ~~فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة. نعم! لو حمل أحدهما ~~على الآخر مجازا لم يبعد، ولا ضرورة إليه هنا. ودعوى أن بعض الأعمال مما لا ~~يصح أن يرى، فلذا حمل هذا البصر على العلم- هو من باب قياس الغائب على ~~الشاهد، وهو بديهي البطلان. قال شمس الدين ابن القيم الدمشقي في كتاب ~~الكافية الشافية. # وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصخر والصوان # ويرى مجاري القوت في أعضائها ... ويرى عروق بياضها بعيان # ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى، كذاك، تقلب الأجفان # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن ~~الله عدو للكافرين. # روى البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عن أنس قال «1» : سمع عبد الله ابن ~~سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي. فما أول ~~أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى ~~أمه؟ قال: «أخبرني بهن جبريل آنفا» ، قال: # جبريل؟ قال «نعم» قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: من ~~كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك. «أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر ~~الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام أهل الجنة، فزيادة كبد حوت. ~~وإذا سبق ماء PageV01P356 # الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت» قال: أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت وإنهم ~~إن يعلموا بإسلامي ms0369 قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أي رجل عبد الله فيكم» ؟ # قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال «أرأيتم إن أسلم عبد ~~الله بن سلام» ؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عبد الله فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا. وانتقصوه. # قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. # وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال «1» : ~~حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، ~~حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. وساق نحوا مما تقدم. وتتمته ~~قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، ~~قال: فإن ولي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط، إلا وهو وليه. قالوا: فعندها ~~نفارقك. ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: فما منعكم أن ~~تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل قل من كان عدوا لجبريل إلى ~~قوله لو كانوا يعلمون فعندها باؤوا بغضب على غضب. # وفي رواية للإمام أحمد والترمذي والنسائي في القصة: فأخبرنا من صاحبك؟ ~~قال جبريل عليه السلام. قالوا: جبريل! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال ~~والعذاب، عدونا. لو قلت «ميكائيل» الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان! ~~فأنزل الله تعالى قل من كان عدوا لجبريل إلى آخر الآية. # ويؤخذ من روايات أخر أن سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر ~~بن الخطاب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم. # فقد روى ابن جرير عن الشعبي قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون ~~أحجارا يصلون إليها. فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى هاهنا. # قال فكره ذلك، وقال: أيما؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة ~~بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم ~~مدراسهم، فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان، ومن ms0370 الفرقان كيف يصدق ~~التوراة! فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا: يا ابن الخطاب! ما من أصحابك ~~أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال قلت: إني ~~آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان ~~قال، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا PageV01P357 # ابن الخطاب! ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله ~~الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، أتعلمون ~~أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. قال: فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم ~~عليكم فأجيبوه. قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا ~~به. فإنا نعلم أنه رسول الله. قال: قلت ويحكم، إذا هلكتم. قالوا: إنا لم ~~نهلك. قال: قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا ~~تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة. وإنه قرن به ~~عدونا من الملائكة. قال: قلت: ومن عدوكم، ومن سلمكم. قالوا: عدونا جبريل، ~~وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: ~~إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار، والتشديد والعذاب، ونحو هذا. وإن ~~ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف، ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ~~ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمنيه والآخر عن يساره، قال: قلت: فو الله الذي لا ~~إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما، ما ~~ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو ~~جبريل. قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من ~~مخرفة لبني فلان. فقال لي: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن؟ # فقرأ علي قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله حتى قرأ ~~الآيات. # قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا ~~أريد أن أخبرك بالخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. # ورواه مختصرا ابن ms0371 أبي حاتم أيضا، وفيه انقطاع، فإن الشعبي لم يدرك زمان ~~عمر رضي الله عنه. كذا قاله الحافظ ابن كثير، وساقه أيضا الواحدي، وزاد في ~~آخره: # قال عمر: فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر. # قال العلامة البقاعي: وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده ~~عن الشعبي، عن عمر رضي الله عنه. قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح ~~الإسناد، انتهى. # وثم روايات متنوعات ساقها ابن كثير في تفسيره، لا نطول كتابنا بسردها، ~~ومرجعها واحد. فإن قيل: بين رواية البخاري الأولى وما بعدها تناف. فالجواب: ~~لا منافاة، لأن قراءته صلى الله عليه وسلم لها في محاورة عبد الله بن سلام، ~~ردا لقول اليهود، لا يستلزم نزولها حينئذ. فإن المعتمد في سبب نزولها غير ~~قصة عبد الله بن سلام مما سلف # PageV01P358 # من الروايات. فإن طرقها يقوي بعضها بعضا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قال له عبد الله بن سلام: إن جبريل عدو لليهود، تلا عليه الآية، مذكرا ~~له سبب نزولها- كذا قاله الحافظ ابن حجر في الفتح. # وقد أشار إلى ذلك السيوطي في «الإتقان» حيث قال (تنبيه) قد يكون في إحدى ~~القصتين، (فتلا) فيهم الراوي، فيقول (فينزل) . وقال العلامة ولي الله ~~الدهلوي قدس سره في كتابه «أصول التفسير» وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة ~~والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا وكذا، وكأن غرضهم ~~تصوير ما صدقت عليه الآية وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها. ~~سواء تقدمت القصة أو تأخرت. إسرائيليا كان ذلك أو جاهليا أو إسلاميا. ~~استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم. # فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا. وللقصص المتعددة ~~هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول ~~بأدنى عناية. انتهى. # وقوله تعالى لجبريل قرئ في السبع بكسر الجيم والراء بلا همز، وبفتح الجيم ~~بدونها أيضا، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها. قال ابن ~~جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت ms0372 فيه. # وقوله فإنه نزله تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، والبارز الأول لجبريل ~~عليه السلام، والثاني للقرآن، أضمر من غير سبق ذكر، إيذانا بفخامة شأنه، ~~واستغنائه عن الذكر، لكمال شهرته ونباهته، لا سيما عند ذكر شيء من صفاته. ~~وقوله على قلبك زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحي، فإنه القابل الأول ~~له، إن أريد به الروح. ومدار الفهم والحفظ إن أريد به العضو، وهذا كقوله ~~نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء: 193- 194] ، وكان حق الكلام أن ~~يقال (على قلبي) لأنه المطابق لقل، ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم ~~به تحقيقا لكونه كلام الله. وأنه أمر بإبلاغه. وقوله بإذن الله أي بأمره. ~~وقوله مصدقا لما بين يديه أي من التوراة وبقية الصحف المنزلة. وقوله وهدى ~~وبشرى للمؤمنين أي يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة، كما قال تعالى قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفاء [فصلت: 44] الآية. وقال تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] ، وفيه رد على اليهود، حيث قالوا: إن جبريل ~~ينزل بالحرب والشدة # PageV01P359 # كما تقدم، فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. فإن قيل: من شأن الشرط ~~والجزاء الاتصال بالسببية والترتب، فكيف استقام قوله فإنه نزله جزاء للشرط؟ ~~أجيب بأن قوله فإنه نزله تعليل لجواب الشرط، كما أسلفنا. والمعنى: من عادى ~~جبريل من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته، بل يجب عليه محبته، فإنه نزل عليك ~~كتابا مصدقا لكتبهم. فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه، في إنزاله ما ~~ينفعهم، ويصحح المنزل عليهم. وقيل: الجواب محذوف تقديره «فليمت غيظا» . ~~وعليه فلا يكون فإنه نزله نائبا عنه. ووجهه أن يقدر الجواب مؤخرا عن قوله ~~فإنه نزله ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة، كأنه قيل: من عاداه، لأنه ~~نزل على قلبك فليمت غيظا. # قال الرضى: كثيرا ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام، قال الله ~~تعالى فاخرج منها فإنك رجيم [الحجر: 34] ، وقيل تقديره: فهو عدو لي وأنا ~~عدوه، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، وهي قوله تعالى: من ~~كان عدوا لله ms0373 وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين أي من ~~كان عدوا لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر. وأفادت الآية غضب الله ~~تعالى لجبريل على من عاداه. # وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة حديثا قدسيا «من عادى لي وليا ~~فقد آذنته بالحرب» «1» . # وصدر الكلام بذكر الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا بأن عداوتهم عداوته عز ~~وعلا. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع، لأن عداوة الرسل ~~بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر ~~الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر ~~الملائكة لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وإنهما، وإن كانا من ~~الملائكة، فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس ~~الملائكة، تنزيلا للتغاير الوصفي، منزلة التغاير الذاتي، وللتنبيه على أن ~~معاداة الواحد والكل سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن ~~من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ PageV01P360 # الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. # ووضع «الكافرين» موضع «لهم» ، ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن ~~عداوة الملائكة كفر. وقد قرئ في السبع «ميكال» كميزان، و «ميكائل» بهمزة ~~مكسورة بعد الألف بدون ياء و «ميكائيل» بالهمزة والياء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 99] # ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) # ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون أي أنزلنا إليك ~~علامات واضحات دالات على نبوتك. وتلك الآيات هي ما حواه القرآن من خفايا ~~علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، ~~والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما ~~حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلعها ~~الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان في ذلك من ~~أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. ~~إذ ms0374 كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت، من غير تعلم تعلمه من بشر، ~~ولا أخذ شيء منه عن آدمي. وحمل الآيات على ما ذكرناه من آيات القرآن المجيد ~~أولى من حملها على سائر المعجزات المأثورة. لأن الآيات إذا قرنت إلى ~~التنزيل، كانت أخص بالقرآن. وقوله وما يكفر بها إلا الفاسقون أي المتمردون ~~من الكفرة، واللام للعهد، أي الفاسقون المعهودون، وهم اليهود. أو للجنس، ~~وهم داخلون فيه دخولا أوليا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 100] # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون الهمزة للإنكار ~~والواو للعطف على محذوف يقتضيه المقام، أي كفروا بالآيات بالبينات، أوكلما ~~عاهدوا إلخ. أو أينكرون فسقهم وكلما إلخ، وقيل: الواو زائدة، وقيل هي «أو» ~~التي لأحد الشيئين. حركت بالفتح. وقد قرئ شاذا بسكونها. فتكون بمعنى بل. # دلت عليه القرينة. أعني قوله بل أكثرهم لا يؤمنون ترقيا إلى الأغلظ ~~فالأغلظ. قال ابن: جني: «أو» هذه هي التي بمعنى «أم» المنقطعة، وكلتاهما ~~بمعنى «بل» - # PageV01P361 # موجود في الكلام كثيرا. أنشد الفراء لذي الرمة: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها. أو أنت في العين أملح # وكذا قال في قوله تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون وعلى الوجه ~~الأول، فالمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، لأن مثل ~~ذلك، إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت. ودل بقوله أوكلما ~~عاهدوا على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه. بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم. ~~فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن ذلك ~~ليس ببدع منهم بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم. على ما بينه في الآيات ~~المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال. لأن من يعتاد منه هذه ~~الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته، كصعوبة من لم ms0375 تجر عادته بذلك. # قال العلامة: واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق ~~منهم، ومن آبائهم، فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة [الأنفال: 56] ، والنبذ ~~الرمي بالذمام، ورفضه. وإسناده إلى فريق منهم، لأن منهم من لم ينبذه. وفي ~~قوله بل أكثرهم لا يؤمنون دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون. قوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 101] # ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون تصريح بما طوى قبل. فإن ~~نبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، أعقبهم ~~التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته، كما ~~قال تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل [الأعراف: 157] الآية، فتنكير رسول للتفخيم. والجار بعده ~~متعلق بجاء، أو بمحذوف وقع صفة لرسول، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده ~~التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية وقوله كتاب الله يعني ~~التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله، المصدق لما معهم، كافرون بها، نابذون ~~لها. وقيل كتاب الله القرآن نبذوه # PageV01P362 # بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. وقوله وراء ظهورهم مثل لتركهم وإعراضهم عنه، ~~مثل بما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه، وقلة التفاوت إليه. وقوله كأنهم ~~لا يعلمون جملة حالية، أي نبذوه وراء ظهورهم، مشبهين بمن لا يعلمه. فإن ~~أريد بهم أحبارهم، فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان، ولا يعرفون ~~ما فيه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. ففيه إيذان بأن علمهم به رصين، ~~لكنهم يتجاهلون. أو كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو لا يعلمونه أصلا، ~~كما إذا أريد بهم الكل. وفي هذين الوجهين، زيادة مبالغة في إعراضهم ms0376 عما في ~~التوراة من دلائل النبوة. وهذا، وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن، ~~فالمراد بالعلم المنفي في كأنهم لا يعلمون هو العلم بأنه كتاب الله، ففيه ~~ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم متيقنون في ذلك، وإنما يكفرون به ~~مكابرة وعنادا، وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 102] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر هو حكاية لفن آخر من زيغهم وضلالهم، إثر نبذهم ~~كتاب الله والعمل بما بين أيديهم. وهو اتباعهم لما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان من السحر والكفر، وإنه إنما نال ذلك الملك بسبب معرفته السحر. ~~وزادوا على ذلك فنسبوه إلى الردة والكفر لأسباب افتروها عليه، فبرأه الله ~~تعالى من هذا الافتراء والاختلاق، وألصق الكفر بأولئك الشياطين الذين ~~يضللون العقول والأفهام بتعليم السحر والشعبذة، وإسناد التأثير إلى غير ~~الخالق، سبحانه، والصد عن سبيل الحق، وابتغائهم إياها عوجا وتتلوا بمعنى ~~تقص وتحدث. من التلاوة، وهي القراءة. أو بمعنى تكذب وتختلق، وهو قول أبي ~~مسلم، قال: يقال تلا عليه، إذا # PageV01P363 # كذب، وتلا عنه إذا صدق. وهكذا قال الراغب في تفسيره: تلا عليه كذب، نحو ~~روى عليه، وقال عليه ويقولون على الله الكذب [آل عمران: 75] . وقال: الآية ~~معطوفة على ما تقدم من ذكر اليهود، وهي منطوية على أمرين: ذم اليهود في ~~تحري السحر وإيثاره، وتبرئة لسليمان عليه السلام مما نسبوه إليه، وتخرصوه ~~عليه. وذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتد ms0377 في آخر عمره وعبد ~~الأصنام، وبني لها المعابد، كما تراه في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك ~~الثالث. فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والقحة الكبيرة، ولما تنبه عقلاء أهل ~~الكتاب المتأخرون لمثل هذه الفري، اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال ~~المندرجة في كتبهم المقدسة إلهاميا، بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين، يعني ~~بلا إلهام، كما في «إظهار الحق» . # والمراد بالشياطين شياطين الإنس، وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء، ~~الدعاة إلى الباطل. وقوله على ملك سليمان أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص ~~المختلقة عليه. وقوله تعالى: وما كفر سليمان تنزيه لساحته عليه السلام من ~~الردة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها، وقال ~~كثيرون: # هذا تبرئة من السحر، وأنه تعالى كنى عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، ~~وأن من كان نبيا كان معصوما عنه. وإنما كان كفرا لكونه يكون بالتوجه إلى ~~الأفلاك والشياطين وعبادتها، وزعم أنها مؤثرة دونه تعالى. # والمعنى الأول أصرح وأوضح. وقوله تعالى: ولكن الشياطين كفروا يعلمون ~~الناس السحر عنى بالشياطين من ذكرناهم قبل وهم خبثاء الإنس وأشرارهم. كما ~~في قوله تعالى وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [البقرة: 14] وقوله ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض [الأنعام: 112] والذي يعين هذا ~~المعنى قوله تتلوا لأن تلاوة شياطين الجن، لا يسمعها أحد. ومعنى «تتلو» تقص ~~كما تقدم. وقوله: يعلمون الناس السحر يعين هذا المعنى أيضا، إذ لا يتعلم ~~أحد السحر إلا من شياطين الإنس. والمراد بقوله كفروا كفرهم بآيات الله ~~المنزلة، أو عبادتهم غيره تعالى، أو كفرهم باستعمال السحر والشغودة، تعمية ~~على الحق، وتغشية للبصائر. وجملة قوله يعلمون الناس السحر حالية من ضمير ~~كفروا، أو خبر ثان ل لكن، أو مستأنفة. هذا على تقدير كون الضمير للشياطين. ~~وأما على تقدير رجوعه إلى فاعل اتبعوا فهي إما حال منه أو استئنافية. وقوله ~~تعالى: وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به ms0378 بين المرء وزوجه ~~وما # PageV01P364 # هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد ~~علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو ~~كانوا يعلمون # . اعلم أن للعلماء في هذه الآية وجوها كثيرة، وأقوالا عديدة، فمنهم من ~~ذهب فيها مذهب الأخبار بين نقلة الغث والسمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها ~~البحث وتمحل لما اعترضه، بما المعنى الصحيح في غنى عنه. ومنهم من ادعى فيها ~~التقديم والتأخير ورد آخرها على أولها، بما جعلها أشبه بالألغاز والمعميات، ~~التي يتنزه عنها بيان أبلغ كلام. إلى غير ذلك مما يراه المتتبع لما كتب ~~فيها. # والذي ذهب إليه المحققون أن هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرين بالصلاح ~~والتقوى في بابل- وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات- وكانا يعلمان الناس ~~السحر. وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما ~~يعلمانه للناس هو بوحي من الله. وبلغ مكر هذين الرجلين، ومحافظتهما على ~~اعتقاد الناس بالحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر، أي إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك، أتشكر أم ~~تكفر، وننصح لك أن لا تكفر. يقولان ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية، ~~وصناعتهما روحانية، وأنهما لا يقصدان إلا الخير. كما يفعل ذلك دجاجة هذا ~~الزمان، قائلين لم يعلمونهم الكتابة للمحبة والبغض على زعمهم: نوصيك بأن لا ~~تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجل غير زوجها، إلى غير ذلك من الأوهام ~~والافتراء. ولليهود في ذلك خرافات كثيرة. حتى إنهم يعتقدون أن السحر نزل ~~عليهما من الله. وأنهما ملكان جاءا لتعليمه للناس. فجاء القرآن مكذبا لهم ~~في دعواهم نزوله من السماء، وفي ذم السحر ومن يتعلمه أو يعلمه، فقال يعلمون ~~الناس السحر وما أنزل على الملكين الآية، ف «ما» هنا نافية، على أصح ~~الأقوال، ولفظ «الملكين» هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك ~~الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين عن تاريخ اليونان ~~والمصريين ms0379 وغيرهم، وكما يرد في كلام المسلم، في الرد على المسيحيين، ذكر ~~تجسد الإله وصلبه، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقوله تعالى: # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه من قبيل التمثيل، وإظهار ~~الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل، وطرق ~~الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم مجتمع: كالمرء وزوجه. ~~والخلاصة: أن معنى الآية من أولها إلى آخرها هكذا: أن اليهود كذبوا القرآن ~~ونبذوه وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من ~~خبثائهم عن سليمان وملكه. وزعموا أنه كفر، وهو لم يكفر. # PageV01P365 # ولكن شياطينهم هم الذين كفروا، وصاروا يعلمون الناس السحر، ويدعون أنه ~~أنزل على هاروت وماروت، اللذين سموهما ملكين، ولم ينزل عليهما شيء، وإنما ~~كانا رجلين يدعيان الصلاح لدرجة أنهما كانا يوهمان الناس أنهما لا يقصدان ~~إلا الخير، ويحذرانهم من الكفر، وبلغ من أمر ما يتعلمونه منهما من طرق ~~الحيل والدهاء أنهم يفرقون به بين المجتمعين، ويحلون به عقد المتحدين. فأنت ~~ترى من هذا المقام كله للذم، فلا يصح أن يرد فيه مدح هاروت وماروت. والذي ~~يدل على صحة ما قلناه فيهما أن القرآن أنكر نزول أي ملك إلى الأرض ليعلم ~~الناس شيئا من عند الله، غير الوحي إلى الأنبياء، ونص نصا صريحا أن الله لم ~~يرسل إلا الإنس لتعليم بني نوعهم فقال وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم، فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [الأنبياء: 7] ، وقال منكرا على ~~من طلب إنزال الملك وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ~~ثم لا ينظرون [الأنعام: 8] ، وقال في سورة الفرقان وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا- إلى ~~قوله- فضلوا فلا يستطيعون سبيلا [الفرقان: 7- 9] . # وللقصاص في هاروت وماروت في أحاديث عجيبة. فزعموا أنهما كان ملكين من ~~الملائكة، وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي، أنكرا ذلك ~~وأكبراه ودعوا على أهل الأرض. فأوحى الله إليهما: إني لو ابتليتكما ms0380 بما ~~ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني، فقالا: يا رب، لو ابتليتنا لم ~~نفعل، فجربنا. # فأهبطهما إلى الأرض، وابتلاهما الله بشهوات بني آدم، فمكثا في بلدة كانت ~~فيها فاجرة تسمى «الزهرة» فدعواها إلى الفاحشة وواقعاها بعد أن شربا الخمر، ~~وقتلا النفس وسجدا للصنم، وعلماها الاسم الأعظم، الذي كانا به يعرجان إلى ~~السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم، وعرجت إلى السماء، فمسخها الله تعالى، ~~وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة. ثم إن الله تعالى عرف هاروت وماروت قبيح ~~ما فيه وقعا، ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلا، وبين عذاب الدنيا عاجلا، ~~فاختارا عذاب الدنيا، فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة، وهما ~~يعلمان الناس السحر، ويدعوان إليه، ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك ~~الموضع لتعلم السحر خاصة. # وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم. ولم يقل بها القرآن قط، وإنما ~~ذكرها التلمود، كما يعلم من مراجعة «مدارس يدكوت» في الإصحاح الثالث ~~والثلاثين، وجاراه جهلة القصاص من المسلمين، فأخذوها منه. # قال الرازي في تفسيره: إن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه: # PageV01P366 # أحدها: أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما (أي لهاروت وماروت) : # لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت ذلك بنا ~~يا رب لما عصيناك، وهذا منهم تكذيب لله تعالى. وتجهيل له، وذلك من صريح ~~الكفر. # وثانيها: أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان ~~الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب، والله تعالى خير بينهما من أشرك ~~به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبيائه. # وثالثها: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر، في حال كونهما ~~معذبين ويدعوان إليه، وهما يعاقبان. # وهكذا، الإمام أبو مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليهما أيضا بوجوه: # الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله، وذلك غير جائز، ~~لأن السحر كفر وعبث لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. # الثاني: أن قوله ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر يدل على أن ~~تعليم السحر ms0381 كفر. فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر. وذلك ~~باطل. # الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك في ~~الملائكة بطريق الأولى. # الرابع: إن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، ~~وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل ~~المموه؟ # وقد جرت عادة الله بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام ما جئتم به ~~السحر إن الله سيبطله [يونس: 81] انتهى. # وقد ساق الرازي ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله ~~لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث ~~«عصمة الملائكة» ففيه تكلف وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما. # وللراغب الأصفهاني احتمالات في تصحيح القصة، وتجويزات عجيبة تنبو عن الحق ~~الصراح الذي آثرنا نقله أولا عن بعض المحققين. والله أعلم. # واعلم أن لفظ السحر، في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على ~~غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد، أفاد ذم # PageV01P367 # فاعله، قال تعالى سحروا أعين الناس [الأعراف: 116] ، يعني موهوا عليهم ~~حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى. وقد يستعمل مقيدا: فيما يمدح ويحمد، كما # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أهتم: «إن من البيان لسحرا» ~~«1» # ، لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ ~~عبارته. وبالجملة، فالسحر المطلق إنما هو تخييل بشعوذة صارفة للأبصار، أو ~~تمتمة مزخرفة عائقة للأسماع، فلا يغير حقائق الأشياء، ولا ينقل الصور. ~~وقوله تعالى: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله قال الراغب: الإذن قد ~~يقال في الإعلام بالرخصة، ويقال للعلم، ومنه آذنته بكذا، ويقال للأمر ~~الحتم. وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان: # أحدهما: الإذن لقاصد الفعل في مباشرته. نحو قولك: أذن الله لك أن تصل ~~الرحم. # والثاني: الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله، ~~والترياق في تخليصه من أذيته. فإذن الله ms0382 تعالى وقوع التسخير وتأثيره من ~~القبيل الثاني، وذلك هو المشار إليه بالقضاء، وعلى هذا يقال: «الأشياء كلها ~~بإذن الله وقضائه» ولا يقال: الأشياء كلها بأمره ورضاه وقوله تعالى: ~~ويتعلمون ما يضرهم إرشاد إلى أن ليس في تعلم السحر إلا المضرة، لما فيه من ~~التلبيس والتمويه، وإيهام الباطل حقا، والتوصل به إلى المفاسد والشرور. ~~وقوله سبحانه ولا ينفعهم صرح به إيذانا بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع ~~والضرر، بل هو شر بحت، وضرر محض. # وقوله تعالى: ولقد علموا أي اليهود الذي حكيت ضلالاتهم. وقوله لمن اشتراه ~~أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، والحق الذي أنزله. وقوله ما له في ~~الآخرة من خلاق أي نصيب، لإقباله على التمويه والكذب، واستعمال ذلك في ~~اكتساب حطام الدنيا وتمتعاتها. وفيه إشارة إلى أن اختيارهم للسحر، ليس من ~~جهلهم بضرره، بل أتوا ما أتوا عن علم بعاقبته السوأى. وقوله تعالى: ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم أي ما باعوا به حظهم الأخروي، حتى كأنهم أتلفوا أنفسهم، ~~وإنما نفى عنهم العلم بقوله لو كانوا يعلمون مع إثباته لهم على سبيل ~~التوكيد القسمي بقوله ولقد علموا- لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم. ~~فجعلهم غير عالمين، لعدم عملهم بموجب علمهم. ولما بين سبحانه ما عليهم فيما ~~ارتكبوا من المضار PageV01P368 # أتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 103] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) # ولو أنهم آمنوا أي بما دعوا إليه من القرآن الحكيم واتقوا أي ما يؤثمهم، ~~ومنه السحر والتمويه وقوله لمثوبة من عند الله خير جواب «لو» وأصله: # لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم. فحذف الفعل وغير ~~السبك إلى ما عليه النظم الكريم، دلالة على ثبات المثوبة لهم والجزم ~~بخيريتها، وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من أن ينسب إليه، وقوله تعالى: ~~لو كانوا يعلمون أي أن ثواب الله خير. وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل ~~بموجب العلم. ### | القول في تأويل ms0383 قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 104] # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104) # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا التي ~~تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الحير وحفظ الجانب، فاغتنمها اليهود ~~لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم، ويقصدون بها الرعونة، ~~وهي إفراط الجهالة، فنهاهم عن موافقتهم في القول، منعا للصحيح الموافق في ~~الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال وقولوا ~~انظرنا فأبقى المعنى وصرف اللفظ. أي أنظر إلينا. بالحذف والإيصال. أو ~~انتظرنا. على أنه من نظره إذا انتظره، وقرئ انظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى ~~نحفظ. وقرئ راعونا على صيغة الجمع للتوقير. وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ~~ذا رعن، كدارع ولابن، لأنه لما أشبه قولهم راعينا وكان سببا للسب بالرعن ~~اتصف به واسمعوا أي قولوا ما أمرتكم به، وامتثلوا جميع أوامري، ولا تكونوا ~~كاليهود، حيث قالوا سمعنا وعصينا وللكافرين أي اليهود الذي توسلوا بقولكم ~~المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاب أليم لما ~~اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع ~~تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء ~~من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا # PageV01P369 # لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # [النساء: 46] ، ومن ليهم ما جاء # في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون «السام عليكم» «1» # والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نزد عليهم ب «وعليكم» ، وإنما يستجاب ~~لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 105] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) # ما يود الذين كفروا من ms0384 أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم بيان لشدة عداوة الكافرين من القبيلين للمؤمنين، حسدا وبغيا. ليقطع ~~التشبه بهم. فإن مخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق ~~الفاضلة. # ثم بين أن الحسد لا يؤثر في زوال ذلك بقوله والله يختص برحمته من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم و (الاختصاص) عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها ~~دون غيره، وفيه تنبيه على ما أنعم به على المؤمنين، من الشرع التام الكامل ~~الذي شرعه لهم. # ولما أنكرت اليهود أن يقع شيء من النسخ لآيات الله، توصلا بذلك إلى إنكار ~~آيات القرآن، وتأييد تأبيد التوراة، رد عليهم سبحانه- بعد تحقيق حقية ~~الوحي- بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 106] # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير (106) # ما ننسخ من آية أي: ما نبدل من آية بغيرها- كنسخنا آيات التوراة بآيات ~~PageV01P370 # القرآن- أو ننسها أي: نذهبها من القلوب- كما أخبر بقوله ونسوا حظا مما ~~ذكروا به [المائدة: 13]- وقرئ (أو ننسأها) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما ~~أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن. وعلى هذه القراءة، فقد نشر على ~~ترتيب هذا اللف قوله نأت بخير منها أي: من المنسوخة المبدلة- كما فعل في ~~الآيات التي شرعت في الملة الحنيفية ما فيه اليسر، ورفع الحرج، والعنت- ~~فكانت خيرا من تلك الآصار والأغلال. وقوله أو مثلها أي: مثل تلك الآيات ~~الموحاة قبل، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها ~~مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره. # قال الراغب: فإن قيل: إن الذي ترك ولم ينسخ ليس مثله بل هو هو، فكيف قال ~~«بمثلها» ؟ قيل: الحكم الذي أنزل في القرآن- وكان ثابتا في الشرع الذي ~~قبلنا- يصح أن يقال هو هو، إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته- التي هي ~~اللفظ. ويصح أن يقال هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط بل اعتبر باللفظ. ونحو ~~ذلك أن يقال: ماء البئر هو ماء النهر- إذا اعتبر جنس الماء، وتارة ms0385 يقال: ~~مثل ماء النهر- إذا اعتبر قرار الماء. # على أن إرادة العين بالمثل شائعة- كما في قولهم: مثلك لا يبخل- ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في ~~الخير. قال الراغب: أي لا تحسبن أن تغييري لحكم، حالا فحالا، وأني لم آت ~~بالثاني في الابتداء- هو العجز، فإن من علم قدرته على كل شيء لا يظن ذلك. # وإنما تغير ذلك يرجع إلى مصلحة العباد، وأن الأليق بهم، في الوقت ~~المتقدم، الحكم المتقدم. وفي الوقت المتأخر، الحكم المتأخر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 107] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو ~~أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ. وما لكم من دون الله من ولي يلي ~~أموركم ولا نصير ناصر يمنعكم من العذاب. # وقضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة، هو الجزم والإيقان بأنه تعالى لا ~~يفعل # PageV01P371 # بهم- في أمر من أمور دينهم أو دنياهم- إلا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه- ~~من الثقة به، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه. من غير إصغاء إلى أقاويل ~~اليهود، وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ، حيث أنكروا نسخ ~~أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما ~~بما جاء به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله ~~أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته. عليهم ~~السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ~~ما يشاء، وإقرار ما يشاء. # والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد، وإلا فقد وجد في ~~شريعتهم النسخ بكثرة. # وقد ذكر العلامة الشيخ رحمه الله الهندي في (إظهار الحق) أمثلة وافرة مما ~~وقع من ذلك في التوراة والإنجيل. فارجع إليها في الباب الثالث منه. ### | تنبيهان: # الأول: قال بعض الفضلاء: نزلت ms0386 هذه الآية لما قال المشركون أو اليهود: إن ~~محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. وفي الآية رد عليهم ~~بأن المقصود من نسخ الحكم السابق: تهيؤ النفوس لأرقى منه. وهو معنى قوله ~~تعالى: # نأت بخير منها لأن الخالق تعالى ربى الأمة العربية في ثلاث وعشرين سنة ~~تربية تدريجية لا تتم لغيرها- بواسطة الفواعل الاجتماعية- إلا في قرون ~~عديدة. لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليتها، ومتى ارتقت قابليتها بدل ~~الله لها ذلك الحكم بغيره. وهذه سنة الخالق في الأفراد والأمم على حد سواء. ~~فإنك لو نظرت في الكائنات الحية- من أول الخلية النباتية إلى أرقى شكل من ~~أشكال الأشجار، ومن أول رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان- لرأيت أن النسخ ~~ناموس طبيعي محسوس في الأمور المادية. والأدبية معا ... ! فإن انتقال ~~الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل، فيافع، فشاب، فكهل، فشيخ، وما يتبع ~~كل دور من هذه الأدوار- من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها- يريك بأجلى ~~دليل: أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي محقق. وإذا كان هذا النسخ ليس ~~بمستنكر في الكائنات، فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي ~~في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى؟ هل يرى إنسان له مسكة من عقل أن من ~~الحكمة تكليف العرب- وهم في مبدإ أمرهم- بما يلزم أن يتصفوا به وهم في ~~نهاية الرقي الإنساني، وغاية الكمال البشري ... ؟! وإذا كان هذا يصح، وجب ~~أن الشرائع تكلف الأطفال بما تكلف به الرجال، وهذا لم يقل به عاقل في ~~الوجود ... ! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في # PageV01P372 # الوجود، فكيف يجوز على الله- وهو أحكم الحاكمين- بأن يكلف الأمة- وهي في ~~دور طفوليتها- بما لا تتحمله إلا في دور شبوبيتها وكهولتها ... ؟ وأي ~~الأمرين أفضل: أشرعنا الذي سن الله لنا حدوده بنفسه، ونسخ منه ما أراد ~~بعلمه، وأتمه- بحيث لا يستطيع الإنس والجن أن ينقضوا حرفا منه- لانطباقه ~~على كل زمان ومكان، وعدم مجافاته لأي حالة من حالات الإنسان..؟! أم شرائع ~~دينية أخرى، حرفها كهانها، ونسخ الوجود أحكامها- بحيث يستحيل العمل بها- ~~لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية ms0387 من كل وجه ... ؟! # الثاني: أسلفنا- في مقدمة التفسير- إلى أن النسخ باصطلاح السلف أعم منه ~~في اصطلاح الخلف، بما ينبغي مراجعته.. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 108] # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل أم هنا، إما متصلة ~~معادلة للهمزة في ألم تعلم أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور، قادر على ~~الأشياء كلها، يأمر وينهى كما أراد ... أم تعلموا وتقترحون بالسؤال- كلما ~~اقترحت اليهود على موسى عليه السلام؟ وإما منقطعة- بمعنى بل- للإضراب ~~والانتقال عن حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايل ~~المساهلة منهم في ذلك، وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة، إلى التحذير من ~~ذلك. ومعنى (الهمزة) إنكار وقوع الإرادة منهم، واستبعاده. لما أن قضية ~~الإيمان وازعة عنها. وتوجيه الإنكار إلى الإرادة- دون متعلقها- للمبالغة في ~~إنكاره واستبعاده، ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته. فضلا عن صدور ~~نفسه، وقوله ومن يتبدل الكفر أي: # يختره، ويأخذه لنفسه بالإيمان. بمقابلته بدلا منه فقد ضل سواء السبيل أي ~~عدل عن الصراط المستقيم. جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل ~~جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله أم تريدون إلخ، معطوفة ~~عليه. ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ويؤدي بكم الضلال إلى ~~البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان. فظهر وجه ذكر قوله أم تريدون إلخ ~~بعد قوله تعالى ما ننسخ. فإن المقصود من كل منهما تثبيتهم على الآيات ~~وتوصيتهم بالثقة بها. # PageV01P373 # قال الراغب: فإن قيل ما فائدة قوله ومن يتبدل الكفر إلخ ومعلوم أنه بدون ~~الكفر يضل الإنسان سواء السبيل فكيف بالكفر؟ وقيل معنى ذلك من يتبدل الكفر ~~بالإيمان يعلم أنه قد ضل، قبل، سواء السبيل، وفي ذلك تنبيه أن ضلاله سواء ~~السبيل قاده إلى الكفر بعد الإيمان، ومعناه لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى ~~فتضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان. فمبدأ ذلك، ms0388 الضلال ~~عن سواء السبيل، ووجه آخر وهو أنه سمى معاندة الأنبياء عليهم السلام، بعد ~~حصول ما تسكن النفس إليه، كفرا. إذ هي مؤدية إليه. كتسمية العصير خمرا. ~~فقال: ومن يتبدل أي يطلب تبديل الكفر، أي المعاندة التي هي مبدأ الكفر، ~~بالإيمان أي بما حصل له من الدلالة المقتضية لسكون النفس، فقد ضل سواء ~~السبيل. # ووجه ثالث وهو أن ذلك نهاية التبكيت لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى ~~الباطل. وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه. ووجه رابع وهو أن سواء ~~السبيل إشارة إلى الفطرة التي فطر الناس عليها. والإيمان إشارة إلى المكتسب ~~من جهة الشرائع فقال ومن يتبدل الكفر بالإيمان أي بالإيمان المكتسب فقد ~~أبطله، وضيع الفطرة التي فطر الناس عليها فلا يرجى له نزوع عما هو عليه بعد ~~ذلك. # هذا. وما قررناه في الآية من أن الخطاب للمسلمين هو ما يترجح ويكون كقوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [المائدة: ~~101] . ويرشحه قوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان فإن موقع خطابه إنما يتضح مع ~~المؤمنين. ورجح الرازي كون الخطاب مع اليهود قال: لأن هذه السورة من أول ~~قوله يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأنه لم يجر ذكر ~~غيرهم في السياق، وقد قص تعالى عنهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا الآية، وحينئذ فمعنى تبدل الكفر ~~بالإيمان. وهم بمعزل من الإيمان، إعراضهم عنه، مع تمكنهم منه، وإيثارهم ~~للكفر عليه. كما أن إضافة الرسول إليهم باعتبار أنهم من أمة الدعوة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 109] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا علة ود # PageV01P374 # من عند أنفسهم من بعد ما ms0389 تبين لهم الحق من صحة رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بشهادة ما طابقه من التوراة فاعفوا واصفحوا أي أعرضوا عما يكون منهم ~~من الجهل والعداوة فلا تجازوهم حتى يأتي الله بأمره وهو الإذن في قتالهم ~~وإجلائهم إن الله على كل شيء قدير فينتقم منهم إذا آن أوانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 110] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه أي ثوابه ~~عند الله إن الله بما تعملون بصير فلا يضيع عنده عمل عامل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 111] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) # وقالوا أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى نشر لما لفته الواو في وقالوا، واليهود جمع هائد، كعوذ جمع عائذ. ~~وقرئ (إلا من كان يهوديا أو نصرانيا) . تلك أمانيهم جملة معترضة مبينة ~~لبطلان ما قالوا. والأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى. كالأعجوبة والأضحوكة. # فإن قيل: قوله لن يدخل الجنة أمنية واحدة، فلم قال: أمانيهم؟ أجيب: بأن ~~الجمع باعتبار صدوره عن الجميع. وأجاب صاحب الانتصاف بأنهم لشدة تمنيهم ~~لهذه الأمنية ومعاودتهم لها وتأكدها في نفوسهم، جمعت. ليفيد جمعها أنها ~~متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه ~~واحدا. # ونظيره قوله: معى جياع. فجمعوا الصفة. ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، ~~تأكيد لثبوتها وتمكنها. وهذا المعنى أحد ما روي في قوله تعالى: إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون [الشعراء: 54] فإنه جمع (قليلا) وقد كان الأصل إفراده فيقال ~~(لشرذمة قليلة) كقوله تعالى كم من فئة قليلة [البقرة: 249] لولا ما قصد ~~إليه من تأكيد معنى القلة بجمعها. ووجه إفادة الجمع في مثل هذا للتأكيد، أن ~~الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبانة زيادته ~~على نظرائه، نقلا ms0390 مجازيا بديعا، فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة ~~البيان. والله الموفق قل # PageV01P375 # هاتوا برهانكم # حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم. قال الرازي: ~~دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا أو إثباتا، فلا بد له من الدليل ~~والبرهان. وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد، قال الشاعر: # من ادعى شيئا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه # انتهى كلام الرازي. وسبقه إلى ذلك الزمخشري حيث قال: وهذا أهدم شيء لمذهب ~~المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل غير ثابت. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 112] # بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (112) # بلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة من أسلم وجهه لله من أخلص نفسه ~~له لا يشرك به غيره. وإنما عبر عن النفس بالوجه، لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع ~~المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع. أو المعنى: من أخلص توجهه ~~وقصده، بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره وهو محسن في عمله، موافق لهديه ~~صلى الله عليه وسلم، وإلا لم يقبل، ولذا # قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» «1» رواه ~~مسلم # فله أجره عند ربه وهو عبارة عن دخول الجنة، وتصويره بصورة الأجر للإيذان ~~بقوة ارتباطه بالعمل. ولا خوف عليهم من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات ~~مطلوب. والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في ~~الضمائر الأول باعتبار اللفظ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 113] # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~PageV01P376 # بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه، إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه ~~العموم. ms0391 ومعنى على شيء أي أمر يعتد به من الدين وهم يتلون الكتاب الواو ~~للحال. والكتاب للجنس. أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة ~~للكتب. وحق من حمل التوراة أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، وآمن به، أن ~~لا يكفر بالباقي. لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته. وكذلك ~~كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا كذلك أي مثل الذي سمعت به على ~~ذلك المنهاج قال الجهلة الذين لا يعلمون لا علم عندهم ولا كتاب. # كعبدة الأصنام. قالوا لأهل كل دين مثل قولهم ليسوا على شيء. وهذا توبيخ ~~عظيم، حيث نظموا أنفسهم، مع علمهم، في سلك من لا يعلم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أي يفصل بينهم بقضائه العدل، فيحكم بين ~~المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد [الحج: 17] وكما قال ~~تعالى: قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم [سبأ: ~~26] . # قال الرازي: وأعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فإن كل طائفة تكفر الأخرى. مع اتفاقهم على تلاوة القرآن. انتهى. # فهاهنا تسكب العبرات بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من ~~الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لما ~~غلت مراحل العصبية في الدين، تمكن الشيطان من تفريق كلمة المسلمين، # يأبى الفتح إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح # مع أن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف. ونهى عن الفرقة والاختلاف. ~~فقال تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [آل عمران: 103] . وقال ~~تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء [الأنعام: 159] . وقال ~~تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [آل ~~عمران: 105] . وقال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ms0392 السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] . وقد امتاز أهل الحق، من هذه الأمة ~~بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون ~~عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين. # PageV01P377 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 114] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها إنكار ~~واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك، ولما وجه تعالى الذم فيما سبق في ~~حق اليهود والنصارى، ذيله بذم المشركين في قوله: كذلك قال الذين لا يعلمون. ~~ثم وجهه بهذه الآية أيضا للمشركين الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم أيضا ~~عنه، حين «1» ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة عام ~~الحديبية، وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، لأن منع الناس من إقامة شعائر ~~العبادة فيه، سعى في تخريبه. وأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. واستحوذوا عليه بأصنامهم وأندادهم ~~وشركهم، كما قال تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~[الأنفال: 34] ، وقال تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش ~~إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [التوبة: 17- 18] ، وقال تعالى: ~~هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~[الفتح: 25] ، فإذا كان من آمن بالله واليوم الآخر.. إلخ مصدودا عنه، ~~مطرودا منه، فأي خراب له أعظم من ذلك، والعمارة إحياء المكان وشغله بما وضع ms0393 ~~له. وليس المراد بعمارته. زخرفته وإقامة صورته فقط، إنما عمارته بذكر الله ~~فيه وإقامة شرعه PageV01P378 # فيه ورفعه عن الدنس والشرك. وإنما أوقع المنع على المساجد، وإن كان ~~الممنوع هو الناس لما أن المآل عائد لها. ولا يقال: كيف قيل مساجد والمراد ~~المسجد الحرام فقط؟ لأنه لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا، ~~كما تقول، لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين؟ وكما قال ~~تعالى: ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1] ، والمنزول فيه واحد. وقوله أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم ~~على المسجد الحرام، ويذل لهم المشركين، حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد ~~منهم إلا خائفا. يخاف أن يؤخذ فيعاقب. أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله ~~صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام. ونادى فيهم عام حج أبو بكر ~~رضي الله عنه «ألا لا يحجن بعد العام مشرك» . فحج النبي صلى الله عليه وسلم ~~من العام الثاني ظاهرا على المسجد الحرام، لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ~~ويدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، المشار إليه بقوله ~~تعالى لهم في الدنيا خزي لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين صدوا ~~عنه ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو عذاب النار لما انتهكوا من حرمة البيت ~~وامتهنوه، من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله، والطواف به عريا، وغير ذلك ~~من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله، وفي الآية وجه آخر وهو أن الآية في ~~ذم اليهود، تبعا للسابق واللاحق، وما جنوه بكفرهم على بيت المقدس من خرابه ~~وتسليط عدوهم عليهم حتى خربه ودمر مدينتهم، وقتل وسبى منهم وأسرهم وبقوا في ~~الأسر البابلي سبعين سنة، كل ذلك كان برفضهم كتاب الله والعمل بشريعته. وفي ~~قوله تعالى: أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين إشارة إلى رجوعهم إليه ~~بعد الأسر على تخوف من العدو ومذلة لصقت بهم. وهو وجه وجيه. لأن لفظ «سعى» ~~يرشد إلى ms0394 ذلك. كما أن مفهومها يشعر بذم القائمين على الخراب بالأولى وهم ~~النصارى، حينما تمكنت سلطتهم انتقاما من أعدائهم اليهود. # روى ابن جرير عن مجاهد، قال في الآية: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت ~~المقدس الأذى. ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال قتادة: حملهم بعض اليهود ~~على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وتدل على أن ~~أماكن العبادة تصان وتحترم، لأنها المدرسة العامة التي تتلى فيها الحكم ~~والأحكام والإرشاد إلى سبل السلام. # وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فيما # رواه الإمام أحمد عن بسر بن أرطاة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدعو: اللهم أحسن عاقبتنا في # PageV01P379 # الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. # قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث حسن وليس في شيء من الكتب الستة، وليس ~~لصحابيه، وهو بسر بن أرطاة (ويقال ابن أبي أرطاة) حديث سواه، وسوى حديث: لا ~~تقطع الأيدي في الغزو. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 115] # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) # ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم بيان ~~لشمول ملكوته لجميع الآفاق، المتسبب عنه سعة علمه. وفي ذلك تحذير من ~~المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله تعالى: إن الله واسع عليم نظير قوله: إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ~~[الرحمن: 33] ، وكقوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقوله ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] ، وقوله: ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما [غافر: 7] ، أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 116] # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) # وقالوا اتخذ الله ولدا، سبحانه، بل له ما في السماوات والأرض، كل له ~~قانتون يريد الذين قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات ~~الله. ms0395 فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم وقولهم: إن لله ولدا. فقال سبحانه ~~أي تقدس وتنزه عما زعموا تنزها بليغا. وكلمة بل للإضراب عما تقتضيه مقالتهم ~~الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات. أي ليس الأمر كما ~~زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، ~~والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه. أي كل ما فيهما، كائنا ما كان من أولي ~~العلم وغيرهم له قانتون منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره # PageV01P380 # ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء. ومن حق الولد أن يكون ~~من جنس الوالد. # قال الراغب في تفسيره: نبه على أقوى حجة على نفي ذلك. وبيانها: هو أن لكل ~~موجود في العالم، مخلوقا طبيعيا، أو معمولا صناعيا، غرضا وكمالا أوجد ~~لأجله. وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، ~~والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال، ~~والرجل للتناول، لكن ليس على التمام. والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن ~~يبقى به نوعه، وجزء منه، لما لم يجعل الله له سبيلا إلى بقائه بشخصه، فجعل ~~له بذرا لحفظ نوعه. ويقوي ذلك، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام ~~السماوية بذرا واستخلافا، لما لم يجعل لها فناء النبات والحيوان. ولما كان ~~الله تعالى هو الباقي الدائم، بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد ~~لنفسه معنى. ولهذا قال سبحانه أن يكون له ولد أي هو منزه عن السبب المقتضي ~~للولد. ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم، أن الإنسان افتقر ~~إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه- بين تعالى بقوله له ما في السماوات ~~والأرض أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سد لفقره، فصار في ~~قوله له ما في السماوات والأرض دلالة ثانية. ثم زاد حجة بقوله قانتون وهو ~~أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين ms0396 وحفدة [النحل: 72] ، بين أن كل ما في السموات والأرض، مع كونه ~~ملكا له، قانت أيضا، إما طائعا، وإما كارها، وإما مسخرا. كقوله: ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها [الرعد: 15] ، وقوله وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده [الإسراء: 44] وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة. # ثم قال الراغب: إن قيل من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله ~~تعالى؟ # قيل قد ذكر في الشرائع المتقدمة: كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب ~~وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر وإن ~~الله هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود ~~الإنسان، وإن الأب هو السبب الأخير في وجوده وإن الأب هو معبود الابن من ~~وجه أي مخدومه. وكانوا يقولون للملائكة: آلهة. # كما قالت العرب للشمس: إلاهة. وكانوا يقصدون معنى صحيحا كما يقصد # PageV01P381 # علماؤنا بقولهم: الله محب ومحبوب، ومريد ومراد ونحو ذلك من الألفاظ. كما ~~يقال للسلطان: الملك. وقول الناس: رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، مما ~~يكشف عن تقدم ذلك التعارف، ويقوي ذلك ما يروى أن يعقوب كان يقال له بكر ~~الله، وأن عيسى كان يقول: أنا ذاهب إلى أبي. ونحو ذلك من الألفاظ. ثم تصور ~~الجهلة منهم، بأخرة، معنى الولادة الطبيعية. فصار ذلك منهيا عن التفوه به ~~في شرعنا، تنزها عن هذا الاعتقاد، حتى صار إطلاقه، وإن قصد به ما قصده ~~هؤلاء، قرين الكفر، كلام الراغب رحمه الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 117] # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) # بديع السماوات والأرض أي مبدعهما وخالقهما على غير مثال سبق. وكل من فعل ~~ما لم يسبق إليه يقال له: أبدعت. ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة: # مبتدع، لأنه يأتي في دين الإسلام، ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون ~~رضي الله عنهم، وهذه الجملة حجة أخرى لدفع تشبثهم في ولادة عيسى بلا أب. ~~وعلم عزير بالتوراة بلا تعلم. وتقرير ms0397 الحجة: إن الله سبحانه مبدع الأشياء ~~كلها. فلا يبعد أن يوجد أحدا بلا أب، أو يعلم بلا واسطة بشر. وقال الراغب: ~~ذكر تعالى في هذه الآية حجة رابعة: شرحها: إن الأب هو عنصر للابن. منه ~~تكون. والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون ~~المنفعل فاعلا. وقوله تعالى: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي إذا ~~أراد أمرا. والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حد من مطلق المعلوم. قال ~~الراغب: القضاء إتمام الشيء قولا أو فعلا، فمن القول آية وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] ، وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~[الإسراء: 4] ، ومن الفعل قوله فقضاهن سبع سماوات في يومين [فصلت: 12] وقضى ~~فلان دينه، وقضى نحبه، وانقضى الأمر. (ثم قال) ونبه بقوله وإذا قضى أمرا ~~على حجة خامسة وهو أن الولد يكون بنشوء وتركيب. حالا بعد حال. وهو إذا أراد ~~شيئا، فقد فعل بلا مهلة. ولم يرد ب إذا حقيقة الزمان، إذ كان ذلك إشارة إلى ~~ما قبل وجود الزمان. ولم يرد أيضا ب كن حقيقة اللفظ، ولا بالفاء التعقيب ~~الزماني. بل استعير كل ذلك لأنه أقرب ما يتراءى لنا به سرعة الفعل وتمامه. # وذكر لفظ القضاء إذ هو لإتمام الفعل، والأمر لكونه منطويا على اللفظ ~~والفعل، # PageV01P382 # والقول إذ هو أخف موجد منا وأسرعه إيجادا، ولفظ كن لعموم معناه واختصار ~~لفظه، ثم قال فيكون تنبيها لأنه لا يمتنع عليه شيء يريد إيجاده، وكن فيكون ~~وإن كان مخرجها مخرج شيئين، أحدهما مبني على الآخر، فهو في الحقيقة شيء ~~واحد. انتهى. # والذين ذهبوا إلى أن المراد ب كن حقيقة اللفظ، ورد عليهم سؤال مشهور، ~~وهو: إن كن لفظ أمر، والأمر لا يكون إلا لموجود. فبعض أجاب بأنه أمر للشيء ~~في حال تكونه لا قبله ولا بعده. وبعض قال: هو أمر لمعلوم له، وذلك في حكم ~~الموجود وإن كان معدوم الذات. وبعض قال: هو أمر للمعدوم. قال ويصح أمر ~~المعدوم كما يصح أمر الموجود. ولهم أجوبة أكثر ms0398 تكلفا وتمحلا. # وقد سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا بأنه إن ~~كان المخاطب ب كن موجودا، فتحصيل الحاصل محال. وإن كان معدوما، فكيف يتصور ~~خطاب المعدوم؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة مبنية على أصلين: # أحدهما الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب، ~~بل هو الذي يكون المخاطب به، ويخلقه بدون فعل من المخاطب، أو قدرة أو إرادة ~~أو وجود له. وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله ~~بقدرة وإرادة. وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته. إذ لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس. هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط ~~وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟ لا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به ~~حكم الخطاب إلا بعد وجوده. وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقي؟ أم هو ~~عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة؟. والأول هو المشهور عند ~~المنتسبين إلى السنة. # والأصل الثاني أن المعدوم في حال عدمه، هل هو شيء أم لا؟ فإنه قد ذهب ~~طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين، وزعموا ~~أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة، وأن وجودها زائد على حقيقتها. وكذلك ~~ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة. والذي عليه ~~جماهير الناس، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة، ~~إنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين، وإنه ليس ~~في الخارج شيئان أحدهما حقيقة، والآخر وجوده الزائد على حقيقته. فإن الله ~~أبدع الذوات التي هي الماهيات. فكل ما سواه سبحانه مخلوق ومجعول ومبدع ~~ومبدوء له # PageV01P383 # سبحانه وتعالى. ولكن في هؤلاء من يقول: المعدوم ليس بشيء أصلا، وإن سمي ~~شيئا باعتبار ثبوته في العلم، كان مجازا. ومنهم من يقول: لا ريب أن له ~~ثبوتا في العلم ووجودا فيه، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء ms0399 وذات. ~~وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت. كما فرق من قال: المعدوم شيء. ولا ~~يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع، كما فرق أولئك. إذ قد ~~اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن. وعمدة من جعله ~~شيئا، إنما هو لأنه ثابت في العلم، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق ~~والخبر عنه والأمر به والنهي عنه، وغير ذلك. قالوا: وهذه التخصيصات تمتنع ~~أن تتعلق بالعدم المحض. # فإن خص الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العيني، وبين الوجود الذي هو ~~الثبوت العلمي، زالت الشبهة في هذا الباب. # وقوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] ~~ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقيل توجيه هذا الخطاب إليه. # وبذلك كان مقدرا مقضيا. فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما ~~شاء. # كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد ~~الله بن عمر وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» «1» # . قال: وعرشه على الماء. # وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم ~~خلق السموات والأرض» «2» . # وفي سنن أبي داود «3» وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أول ~~ما خلق الله القلم، فقال PageV01P384 # له: اكتب قال: رب، وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. # إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما ~~مخبرا عنه، مكتوبا، فهو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي، وإن ~~كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتا في الخارج. بل هو عدم محض ونفي ~~صرف. وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات. وقد ذكرها الله سبحانه في أول ~~سورة أنزلها على نبيه في قوله اقرأ ms0400 باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ~~اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [العلق: 1- 4] ~~وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع، وإذا كان كذلك كان الخطاب ~~موجها إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة، وخلق وكون كما قال ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] فالذي يقال له ~~كن هو الذي يراد، وهو، حين يراد قبل أن يخلق، له ثبوت وتميز في العلم ~~والتقدير. ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب ~~عن التقسيم. فإن قول السائل: إن كان المخاطب موجودا، فتحصيل الحاصل محال. ~~يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي هو وجوده. ولا ريب أن ~~المعدوم ليس موجودا، ولا هو في نفسه ثابت. وأما ما علم وأريد وكان شيئا في ~~العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا، بل جميع المخلوقات لا ~~توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة. # وقول السائل: إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ يقال له: أما إذا ~~قصد أن يخاطب المعدوم بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال، إذ من شرط المخاطب أن ~~يتمكن من الفهم والفعل. والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل. فيمتنع خطاب ~~التكليف له حال عدمه بمعنى أنه مطلوب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، ولذلك ~~أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين. بمعنى أن يعتقد أنه شيء ~~ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون. وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب ~~إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه، فليس ذلك محالا. ~~بل هو أمر ممكن. بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه، فيقدر أمرا في نفسه يريد ~~أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب، الذي قدره في نفسه، ~~ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته. فإن كان قادرا على حصوله حصل مع ~~الإرادة والطلب الجازم. وإن كان عاجزا، لم يحصل. وقد يقول الإنسان: ليكن ~~كذا ونحو ذلك من صيغ ms0401 الطلب. فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه. والله سبحانه ~~على كل شيء قدير. وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإن أمره إذا أراد شيئا # PageV01P385 # أن يقول له كن فيكون. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 118] # وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # وقال الذين لا يعلمون من المشركين أو من أهل الكتاب وهو الأظهر. لأن ما ~~تقدم، كله في حوارهم ورد أضاليلهم، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به ~~لولا يكلمنا الله هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى؟ استكبارا منهم ~~وعتوا أو تأتينا آية جحودا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله، آيات، واستهانة ~~بها كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم أي هذا الباطل الشنيع فقالوا: أرنا ~~الله جهرة. # وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من ~~قبله تشابهت قلوبهم أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتحكم على ~~الأنبياء قد بينا الآيات لقوم يوقنون أي بالحق. لا تعتريهم شبهة ولا ريبة ~~وهذا رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن ~~كمال التوضيح، مكان الإتيان الذي طلبوه، ما لا يخفى من الجزالة. والمعنى ~~انهم اقترحوا آية فذة. ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق ~~واليقين. وإنما لم يتعرض لرد قولهم لولا يكلمنا الله إيذانا بأنه من ظهور ~~البطلان بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 119] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) # إنا أرسلناك بالحق بشيرا بالثواب للمؤمنين ونذيرا بالعقاب للكافرين ولا ~~تسئل عن أصحاب الجحيم ولا نسألك عنهم: ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت ~~جهدك في دعوتهم؟ كقوله فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [الرعد: 40] وفي ~~التعبير عنهم بصاحبية الجحيم، دون الكفر والتكذيب ونحوهما، وعيد شديد لهم، ~~وإيذان بأنهم مطبوع على قلوبهم، ms0402 لا يرجى منهم الإيمان. # والجحيم، من أسماء النار وتطلق على النار الشديدة التأجج، وعلى كل نار ~~بعضها فوق بعض، وعلى كل نار عظيمة في مهواة، وعلى المكان الشديد الحر. # PageV01P386 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 120] # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ~~(120) # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم أي لأنهم يريدون أن ~~يكونوا متبوعين على الإطلاق. وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه ~~على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز ووقوعه منه، عليه السلام قل لا يتبع رسول ~~إلا الهدى، إن هدى الله أي الذي هو الإسلام هو الهدى أي فليس وراءه هدى. ~~وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى. كما يعرب عنه قوله ولئن اتبعت أهواءهم ~~أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم بعد الذي جاءك من العلم ~~بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة ما ~~لك من الله من ولي يلي أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه. وإنما أوثر خطابه صلى ~~الله عليه وسلم ليدخل دخولا أوليا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من ~~المنافقين تمسكا بولايتهم، طمعا في نصرتهم. # قال الإمام الرازي: وفي الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا ~~باطلا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد. انتهى. # وفي فتح البيان ما نصه: وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له ~~القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله ~~سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه- ترك الدهان لتاركي العلم بالكتاب والسنة، ~~المؤثرين لمحض الرأي عليهما. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 121] # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون لما ذكر ms0403 تعالى، فيما تقدم، عدم رضاء اليهود والنصارى ~~إلا باتباع ملتهم، لدعواهم أنهم على حق وأنهم مؤمنون بما لديهم- فند تعالى ~~دعواهم # PageV01P387 # الإيمان به بأن من أوتي الكتاب فتلاه حق تلاوته فذاك المؤمن به. ~~والمذكورون ممن لم يتله حق تلاوته، لما عدد من مساوئ اليهود أولا، وشفعه ~~بدعوى النصارى اتخاذ الولد. ومن كان يعتقد ذلك فإنى له الإيمان؟ وهل هو ممن ~~يتلو الكتاب حق تلاوته؟ # وكتابه بأمر بتوحيد ربه والمشي مع شريعته وتصديق كل نبي يصدق ما معهم، ~~وقد كفروا بكل ذلك. فجملة يتلونه حال مقدرة من «هم» أو من الكتاب. وجوز أن ~~تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن. فالضمير في يتلونه ~~للقرآن. فتكون كآية الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون [القصص: ~~52- 54] ، وكآية قل آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن الذين أوتوا العلم من قبله ~~إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا [الإسراء: 107] . # ومن تلاوته حق تلاوته الإيمان بأنه حق من ربهم، وصبرهم ودرؤهم بالحسنة ~~السيئة، وإنفاقهم وسجودهم له تعالى فالآيتان مفسرتان لتلاوتهم حق تلاوته. # وعن ابن مسعود: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرمه، ~~ويقرأه كما أنزل الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على ~~غير تأويله. ومثله عن ابن عباس. # وقوله تعالى أولئك إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه ~~يؤمنون به محط الفائدة ما يلزم الإيمان به من الربح. بقرينة قوله ومن يكفر ~~به فأولئك هم الخاسرون حيث اشتروا الضلالة بالهدى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 123] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفاعة ولا هم ينصرون (123) # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ms0404 عليكم وأني فضلتكم على العالمين. # واتقوا أي خافوا يوما لا تجزي أي لا تغني نفس عن نفس فيه شيئا ولا يقبل ~~منها عدل أي فداء ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون أي يمنعون من عذاب الله. ~~وقد مر نظير الآيتين في صدر السورة. # PageV01P388 # قال القاضي: ولما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر ~~عن إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها- كرر ذلك وختم به الكلام معهم، ~~مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 124] # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن لما عاب سبحانه أهل الضلال، وكان ~~جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام، وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب، ~~وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم- ذكر الجميع ما أنعم به عليه ~~تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي، الذي لم يخالط ~~عالما قط، على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء. وذكر البيت الذي بناه فجعله ~~عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى، تعظيما لأمره وتفخيما لعلي ~~قدره. وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني ~~إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر- حث على الاقتداء به. وكذا في ذكر الإسلام ~~والتوحيد، هز لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك. ذكره البقاعي. # وإذ منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ~~بطريق التلوين أي واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام، ليتذكروا بما وقع فيه ~~من الأمور الداعية إلى التوحيد، الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ما ~~هم فيه من الباطل، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذكروا خوطب به بنو ~~إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه عليهم ~~السلام، من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. أي واذكروا إذ ~~ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به. فما لكم ms0405 أنتم لا تقتدون به ~~فتفعلوا عند الابتلاء فعله، في إيفاء العهد والثبات على الوعد، لأجازيكم ~~على ذلك جزاء المحسنين؟ والابتلاء، في الأصل، الاختبار. أي تطلب الخبرة ~~بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه، غالبا، فعله أو تركه. والاختيار منا ~~لظهور ما لم نعلم. ومن الله لإظهار ما قد علم. وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر ~~الخفي في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى. وقوله ~~تعالى بكلمات أي بشرائع: أوامر ونواه. وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها. ~~قال ابن جرير: ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على # PageV01P389 # التعيين، إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا ~~بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. انتهى. # وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام، فأسلم لرب ~~العالمين وابتلاؤه بالهجرة. فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى ~~الله. # وابتلاؤه بالنار فصبر عليها. ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه. ثم ابتلاؤه ~~بذبح ابنه فسلم واحتسب. # كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة. # ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه عليه الصلاة والسلام. من قيامه بتلك ~~الكلمات حق القيام. وتوفيتهن أحسن الوفاء. وهذا معنى قوله تعالى فأتمهن ~~كقوله تعالى: # وإبراهيم الذي وفى [النجم: 37] والإتمام التوفية. # قال جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام. فكأنه قيل: فما جوزي ~~على شكره؟ قيل: قال له ربه إني جاعلك للناس إماما أي قدوة لمن بعدك. # والإمام اسم لمن يؤتم به. ولم يبعث بعده نبي إلا كان مأمورا باتباع ملته، ~~وكان من ذريته. كما قال تعالى وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب [العنكبوت: ~~27] قال أي إبراهيم: ومن ذريتي أي واجعل من ذريتي أئمة قال لا ينال أي قد ~~أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك. لكن لا ينال عهدي أي الذي عهدته إليك ~~بالإمامة الظالمين أي منهم. لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين. ففي قوله ~~لا ينال ... إلخ إجابة خفية لدعوته عليه السلام. وعدة إجمالية منه تعالى ms0406 ~~بتشريف بعض ذريته بنيل عهد الإمامة. كما قال تعالى: وجعلنا في ذريته النبوة ~~والكتاب [العنكبوت: 27] وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لا سيما للذين ~~دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد. وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما ~~أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا ~~يجزى أحد عنهم شيئا ولا هم ينصرون. وقرئ (الظالمون) على أن عهدي مفعول مقدم ~~اهتماما ورعاية للفواصل. # وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف ~~أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت ~~بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله ~~الرازي عنهم وحاورهم. # PageV01P390 # أقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية ~~الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك. # المراد بالعهد، تلك الإمامة المسؤول عنها. وهل كانت إلا الإمامة في الدين ~~وهي النبوة التي حرمها الظالمون من ذريته؟ كما قال تعالى: وباركنا عليه ~~وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ولو دلت الآية على ما ادعوا ~~لخالفه الواقع ... فقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين. فظهر أن ~~المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصة. والاحتجاج بها على عدم ~~صلاحية الظالم للولاية تمحل. لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ~~ولا إلى السياق، أو ذهاب إلى الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم. كما ~~قاله بعضهم. وهو أشد تمحلا. # ومعلوم أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع، كما ورد، ~~ومتى زاغ عن ذلك كان ظالما، والبحث في ذلك له غير هذا المقام. وبالله ~~التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 125] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) # وإذ جعلنا البيت أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى. وهو اسم غالب للكعبة. # كالنجم للثريا مثابة ms0407 للناس مباءة مرجعا للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم ~~يثوبون إليه. ومثابة مفعلة. من «الثوب» وهو الرجوع تراميا إليه بالكلية. ~~وسر هذا التفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها له. ~~فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل: # محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال # فهم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار. ولا يقضون منه وطرا. # بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا. # لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا # فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح! ~~ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدما بين # PageV01P391 # يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ~~ويستطيبه! ذكر هذه الشذرة (الإمام ابن القيم في أوائل زاد المعاد) . # وأمنا موضع أمن. كقوله حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] ، ~~وكقوله ومن دخله كان آمنا [آل عمران: 97] ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف ~~الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون. وكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا ~~يعرض له. وفي هذا بيان شرف البيت من كونه محلا تشتاق إليه الأرواح ولا تقضي ~~منه وطرا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله في ~~قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم [إبراهيم: 37] ، إلى أن قال ربنا ~~وتقبل دعاء [إبراهيم: 40] ، ومن كونه مأمنا لمن دخله. كما بينا. # وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال يوم فتح مكة: «إن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض. وهو ~~حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم ~~يحل لي إلا ساعة من نهار» «1» # الحديث. وقوله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى قرئ بكسر الخاء، أمرا ~~معترضا بين الجملتين الخبريتين. أو بتقدير: وقلنا اتخذوا. وقرئ بفتح الخاء ~~ماضيا معطوفا على جعلنا. أي واتخذوه مصلى، ومقام إبراهيم هو الحرم كله. عن ms0408 ~~مجاهد. # وعنه: هو جمع ومزدلفة ومنى ومكة. ويقال: هو مقامه الذي هو في المسجد ~~الحرام. # فقد قال قتادة: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت ~~الأمم شيئا مما تكلفته الأمم قبلها. # قال الراغب الأصفهاني: والأولى أنه الحرم كله. فما من موضع ذكروه إلا هو ~~مصلى أو مدعى أو موضع صلاة. # أقول: كأن الأصل في الآية: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ومصلى. إلا ~~أنه PageV01P392 # عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك، ودون أن يقال مثلا: واتخذوا منه ~~مصلى- لوجوه: (أحدها) التنويه بأمر الصلاة فيه والتعظيم لشأنها حيث أفرد، ~~للعناية بها، جملة على حدة. (وثانيها) التذكير بأنه مقام الأب الأكبر ~~للأنبياء كافة. وما كان مقامه فجدير أن يحترم ويعظم. (وثالثها) التنصيص على ~~أن هذا الاتخاذ بأمر رباني لا بتشريع بشر، تمهيدا للأمر باستقباله، وإلزاما ~~لمن جادل فيه، وهم اليهود. # وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال «1» : يا رسول الله لو ~~اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # قال ابن كثير: ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة. وذلك الحجر ~~هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ~~عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما ~~كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، كلما ~~فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها. # وهكذا حتى تم جدران الكعبة. كما جاء بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في ~~بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري «2» . # قال ابن كثير: وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما. ومكانه ~~معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة ~~المستقلة هناك، وكأن الخليل عليه السلام، لما فرغ من بناء البيت، وضعه إلى ~~جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء، فتركه هناك، ولهذا، والله أعلم، ~~أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف. وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم ~~حيث ms0409 انتهى بناء الكعبة فيه. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه ~~لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا، وجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. ~~PageV01P393 # قال ابن كثير: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله ~~عنه. ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة. وقد روى البيهقي بسنده إلى عائشة ~~رضي الله عنها قالت: إن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت. ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه. # وقال سفيان بن عيينة، وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع ~~البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحوله عمر إلى مكانه بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه ~~هذا فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. ~~وقال أيضا: لا أدري أكان لاصقا بها أم لا. وأثر عائشة المتقدم يدل على أنه ~~كان لاصقا بها. والله أعلم. وقال الحافظ الشيخ عمر بن الحافظ التقي محمد بن ~~فهد المكي الهاشمي، في كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» في حوادث سنة ~~سبع عشرة: فيها جاء سيل عظيم يعرف بسيل أم نهشل من أعلى مكة من طريق الردم. ~~فدخل المسجد الحرام واقتلع مقام إبراهيم من موضعه، وذهب به حتى وجد بأسفل ~~مكة. وعين مكانه الذي كان فيه لما عفاه السيل. فأتى به وربط بلصق الكعبة في ~~وجهها. وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة بن سعد بن العاص بن أمية. فماتت فيه ~~واستخرجت بأسفل مكة، وكان سيلا هائلا. فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة الشريفة. فهاله ذلك. وركب فزعا إلى مكة. ~~فدخلا بعمرة في شهر رمضان. فلما وصل إلى مكة وقف على حجر المقام وهو ملصق ~~بالبيت الشريف. ثم قال: أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام. فقال ~~المطلب بن أبي وداعة ms0410 السهمي رضي الله عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم ~~ذلك. فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر. ~~ومن موضعه إلى زمزم بمقاط. وهي عندي في البيت. فقال له عمر: اجلس عندي ~~وأرسل إليها من يأتي بها. فجلس عنده وأرسل إليها فأتي بها. # فقيس، ووضع حجر المقام في هذا المحل الذي هو فيه الآن. وأحكم ذلك واستمر ~~إلى الآن. انتهى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أي أمرناهما. وتعديته ب إلى ~~لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا أن طهرا بيتي أي عن كل رجس حسي ومعنوي: # فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. ~~كما قال تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود [الحج: 26] ، أو أخلصاه للطائفين وما ~~بعده لئلا يغشاه غيرهم. فاللام صلة «طهرا» على هذا. وعلى ما قبله، لام ~~العلة. أي طهراه لأجلهم. # PageV01P394 # وقوله تعالى للطائفين أي حوله. وعن سعيد بن جبير: يعني من أتاه من غربة ~~والعاكفين يعني أهله المقيمين فيه أو المعتكفين. كما روى ابن أبي حاتم ~~بسنده إلى ثابت قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلم ~~الأمير: أن امنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون. ~~قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون. ورواه عبد بن حميد ~~في مسنده. وقد ثبت في الصحيح «1» أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وهو عزب. # وفي الكشاف: يجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين. يعني القائمين في الصلاة. # كما قال للطائفين والقائمين والركع السجود جمع راكع وساجد والمعنى ~~للطائفين والمصلين. لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي. ولتقارب ~~الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما. وجمع صفتين جمع سلامة، ~~وأخر بين جمع تكسير لأجل المقابلة. وهو نوع من الفصاحة. وأخر صيغة «فعول» ~~على «فعل» لأنها فاصلة والمراد من الآية الرد على المشركين الذين كانوا ~~يشركون ms0411 بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له. ثم مع ذلك يصدون ~~أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ففي ذلك تبكيت لهم وتنبيه على توبيخهم بترك ~~دينه ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 126] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126) # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن ~~أسكنته من ذريتي بلدا أي يأنس من يحل به آمنا أي من الخوف. أي لا يرعب ~~أهله.. وقد أجاب الله دعاءه. كقوله تعالى: ومن دخله كان آمنا [آل عمران: ~~97] ، وقوله أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم، ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون [العنكبوت: 67] ، إلى غير ذلك من ~~الآيات. PageV01P395 # وصحت أحاديث متعددة بتحريم القتال فيه. # وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل ~~لأحد أن يحمل بمكة السلاح» «1» # فهو آمن من الآفات، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله. كما فعل بأصحاب ~~الفيل. وقوله تعالى في سورة إبراهيم هذا البلد آمنا [إبراهيم: 35] ، بتعريف ~~البلد مع جعله صفة لهذا، خلاف ما هنا، إما أن يحمل على تعدد السؤال بأن ~~تكون الدعوة الأولى المذكورة هنا، وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا. كأنه ~~قال: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. # لأنه تعالى حكى عنه أنه قال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~[إبراهيم: 37] ، فقال، هاهنا، اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. والدعوة الثانية ~~وقعت وقد جعل بلدا. فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن ~~وسلامة. وإما أن يحمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر. ~~فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين. وقد ms0412 حكى ذلك هنا. واقتصر هناك على حكاية ~~سؤل الأمن، اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال أجعل أفئدة الناس ~~تهوي إليه، هذا خلاصة ما حققوه. # وعندي أن السؤال والمسؤول واحد. إلا أنه تفنن في الموضعين. فحذف من كل ما ~~أثبته في الآخر احتباكا. والأصل: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا. وبه تتطابق ~~الدعوتان على أبدع وجه وأخلصه من التكلف. على ما فيه من إفادة المبالغة. أي ~~بلدا كاملا في الأمن: كأنه قيل: اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به ~~كقولك: كان هذا اليوم يوما حارا. وفي القاموس وشرحه التاج: البلد والبلدة ~~علم على مكة، شرفها الله تعالى، تفخيما لها. كالنجم للثريا. وكل قطعة من ~~الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة خالية أو مسكونة. وفي النهاية: البلد من ~~الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء. وارزق أهله من الثمرات ~~إنما سأل إبراهيم عليه السلام ذلك، لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر، ~~فاستجاب الله تعالى له، فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر بدل من أهله، بدل البعض، يعني: ارزق المؤمنين من أهله خاصة. ~~وإنما خصهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان، واهتماما بشأن أهله، ومراعاة لحسن ~~الأدب في المسألة. حيث ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين، في باب ~~الإمامة، في قوله لا ينال عهدي الظالمين بعد أن سأل، عليه السلام، جعلها في ~~ذريته، فلا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان، ~~وزجر عن الكفر قال الله تعالى PageV01P396 # معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض ومن كفر أي ~~أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، فهو عطف على مفعول فعل ~~محذوف، دل الكلام عليه. ويجوز أن تكون من مبتدأ موصولة أو شرطية. وقوله ~~فأمتعه خبره أو جوابه. وعبر عن رزقه بالمتعة التي هي الزاد القليل والبلغة، ~~تخسيسا له، وأكد ذلك بقوله قليلا تمتيعا قليلا، أو زمانا قليلا ثم أضطره ~~إلى عذاب النار أي ألجئه إليه كما قال تعالى: ms0413 يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~[الطور: 13] ، ويوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر: 48] وقرئ فأمتعه ~~قليلا ثم اضطره، بلفظ الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام، ~~وفي قال ضميره وبئس المصير النار أو عذابها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 127] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل أي اذكر بناءهما البيت ~~ورفعهما القواعد منه. وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية، لاستحضار ~~صورتها العجيبة والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وقال ~~الزجاج: # القواعد: أساطين البناء التي تعمده ربنا تقبل منا على إرادة القول أي ~~يقولان، وترك مفعول تقبل ليعم الدعاء وغيره من القرب والطاعات، التي من ~~جملتها ما هما بصدده من البناء. كما يعرب عنه جعل الجملة الدعائية حالية ~~إنك أنت السميع لدعائنا العليم بضمائرنا ونياتنا. وفي صحيح البخاري «1» عن ~~ابن عباس في حديث مجيء إبراهيم لتفقد إسماعيل عليهما السلام، ثم قال: يا ~~إسماعيل! إن الله قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ ~~قال: وأعينك. قال: # فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. ~~قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، ~~وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه ~~وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم. قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم. PageV01P397 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 128] # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) # ربنا واجعلنا مسلمين لك مخلصين لك أوجهنا. من قوله: أسلم وجهه لله. # أو مستسلمين، يقال: أسلم له وسلم، واستسلم، إذا خضع وأذعن. والمعنى: زدنا ~~إخلاصا أو إذعانا لك ومن ذريتنا واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك ومن ms0414 للتبعيض، ~~أو للتبيين، كقوله وعد الله الذين آمنوا منكم [النور: 55] ، وإنما خصا ~~الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ~~وأرنا مناسكنا أي عرفنا متعبداتنا، جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو ~~المتعبد، وشرعة العبادة. يقع على المصدر والزمان والمكان، من النسك مثلثة ~~وبضمتين وهو العبادة والطاعة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى. ومن المفسرين ~~من حمل المناسك على مناسك الحج لشيوعها في أعماله ومواضعه. فالإراءة حينئذ ~~لتعريف تلك الأعمال والبقاع. وقد رويت آثار عن بعض الصحابة والتابعين تتضمن ~~أن جبريل أرى إبراهيم المناسك وأن الشيطان تعرض له، فرماه عليه السلام. ~~قالوا: # وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقى عن الله بلا واسطة، لكونه ~~علما على آتي يوم الدين، حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. والذي عول ~~عليه أئمة اللغة ما ذكرناه أولا من حمل المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه ~~اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى، واللزوم لما يرضيه، وجعل ذلك ~~عاما لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام. أي علمنا كيف نعبدك ~~وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك، حتى نخدمك كما يخدم العبد مولاه؟ وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم هذا الدعاء استتابه لما فرط من التقصير. فإن العبد، ~~وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه إما على ~~سبيل السهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأولى، فالدعاء منهما، عليهما ~~السلام، لأجل ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 129] # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة # PageV01P398 # ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم # هذا إخبار عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا ~~منهم، أي من ذرية إبراهيم، وهم العرب من ولد إسماعيل. # وقد أجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته ~~رسول منهم، وهو محمد، صلى الله عليه ms0415 وسلم، إلى الناس كافة. وقد أخبر صلى ~~الله عليه وسلم عن نفسه أنه دعوة إبراهيم. # ومراده هذه الدعوة. وذلك فيما # خرجه الإمام أحمد «1» عن العرباض بن سارية. # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني، عند الله، لخاتم النبيين، ~~وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، أنا دعوة أبي ~~إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين. # وأخرج أيضا نحوه عن أبي أمامة «2» ، قال: قلت: يا نبي الله! ما كان أول ~~بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه يخرج منها ~~نور أضاءت منها قصور الشام. # والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام، ولم ~~يزل ذكره في الناس مشهورا حتى أفصح باسمه عيسى ابن مريم، عليهما السلام، ~~حيث قال إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ~~يأتي من بعدي اسمه أحمد [الصف: 6] ، وهذ معنى قوله في الحديث: دعوة أبي ~~إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم. وقوله فيه، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت ~~منها قصور الشام. قيل: كان منها ما رأته حين حملت به، وقصته على قومها، ~~فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة وإرهاصا. وتخصيص الشام بظهور نوره ~~إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا يكون الشام في آخر ~~الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم- إذا نزل بدمشق- ~~بالمنارة الشرقية البيضاء منها. # ولهذا جاء # في الصحيحين «3» # «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم PageV01P399 # من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» وفي صحيح البخاري «وهم بالشام» # وقوله تعالى يتلوا عليهم آياتك هي إما الفرقان الذي أنزل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، المتلو عليهم، وإما الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته ~~تعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم أنه كان يذكرهم بها، ويدعوهم إليها، ~~ويحملهم على الإيمان بها. وقوله تعالى: ويعلمهم الكتاب أي الكامل الشامل ~~لكل كتاب وهو القرآن والحكمة هي السنة، فسرها بها ms0416 كثيرون. وعن مالك: هي ~~معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. وقوله تعالى: ويزكيهم أي يطهرهم من ~~الشرك، وسائر الأرجاس، كقوله: # ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: 157] . # ولما ذكر عليه السلام هذه الدعوات، ختمها بالثناء على الله تعالى فقال ~~إنك أنت العزيز الحكيم، والعزيز ذو العزة وهي القوة، والشدة، والغلبة، ~~والرفعة والحكيم بمعنى الحاكم، أو بمعنى الذي يحكم الأشياء ويتقنها، ~~وكلاهما من أوصافه تعالى. # قال الراغب: إن قيل ما وجه الترتيب في الآية؟ قيل: أما الآيات فهي الآيات ~~الدالة على معجز النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر التلاوة لما كان أعظم ~~دلالة نبوته متعلقا بالقرآن. # وأما الترتيب، فلأن أول منزلة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ادعاء ~~النبوة، الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب، أي ~~تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلى إفادة ~~الحكمة، وهي أشرف منزلة العلم، ولهذا قال ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا [البقرة: 269] ثم بالتدرج في الحكمة يصير الإنسان مزكى أي مطهرا ~~مستصلحا لمجاورة الله عز وجل. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 130] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في ~~العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، أي لا ~~يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، أي حملها على السفه وهو ~~الجهل. # قال الراغب: وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان: جهل # PageV01P400 # بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء. وجهل مركب وهو أن يعتقد ~~في الحق أنه باطل، وفي الباطل أنه حق. والسفه أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل ~~مقتضى ما اعتقده. فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لسفه نفسه، ~~وذلك ms0417 أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة. وذاك أن من جهل نفسه، جهل أنه مصنوع، ~~وإذا جهل كونه مصنوعا جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعا، فكيف يعرف أمره ~~ونهيه، وما حسنه وقبحه؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، ~~قال: # وفي أنفسكم، أفلا تبصرون [الذاريات: 21] ، وقال: ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19] . # وقوله تعالى: ولقد اصطفيناه في الدنيا أي اخترناه من بين سائر الخلق ~~بالرسالة والنبوة والإمامة، وتكثير الأنبياء من نسله، وإعطاء الخلة، وإظهار ~~المناسك عليه، وجعل بيته آمنا، ذا آيات بينات إلى يوم القيامة. وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين الذين لهم الدرجات العلى، وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة ~~الصلاح، حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة، لعلو رتبته عند الله ~~تعالى في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه، والاهتداء بهديه. ~~وأشد ذم لمن خالفه. # قال الراغب: إن قيل كيف وصفه بالاصطفاء في الدنيا، وبالصلاح في الآخرة، ~~والنظر يقتضي عكس ذلك. فإن الصلاح وصف يرجع إلى الفعل، وذلك يكون في ~~الدنيا. والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحا، فحقه أن يكون في الآخرة؟ # قيل: الاصطفاء ضربان، أحدهما كما قلت، والآخر في الدنيا، وهو اختصاص الله ~~بعض العبيد بولايته ونبوته بخصوصية فيه، وهو المعني بقوله شاكرا لأنعمه ~~اجتباه [النحل: 121] ، والصلاح، وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجازى به في ~~الآخرة، فبين تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما علم الله من حكمته فيه، ومحكوم ~~له في الآخرة، بصلاحه في الدنيا، تنبيها أن الثواب في الآخرة لم يستحقه ~~باصطفائه في الدنيا، وإنما استحقه بصلاحه فيها. ويجوز أن يكون قوله في ~~الآخرة أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين. ويجوز أنه عنى بقوله في الدنيا ~~حال بقائه، وفي الآخرة أي حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء ~~الحسن عليه، الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين [الشعراء: 84] ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب: ظالم، ومقتصد، ~~وسابق، عبر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة ms0418 الله ورحمته صالح. انتهى. # PageV01P401 # وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم، ~~وإقامة المحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على اذكروا في قوله يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي [البقرة: 40] ولما ذكر إمامته عليه السلام، ذكر ما ~~يؤتم به فيه، وهو سبب اصطفائه، وصلاحه، وذلك دينه، وما أوصى به بنيه، وما ~~أوصى به بنوه بنيهم سلفا عن خلف، ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبه ~~أهل الكتاب إليه فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 131] # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) # إذ أي اصطفيناه لأنه قال له ربه أسلم أي لربك، أي انقد له، وأخلص نفسك ~~له، أو استقم على الإسلام، واثبت على التوحيد قال أسلمت لرب العالمين وظاهر ~~النظم الكريم أن القول حقيقي، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب ~~تأويله. وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية ~~إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام- ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام ~~على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 132] # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) # ووصى بها إبراهيم بنيه شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره، إثر بيان ~~كماله في نفسه. والتوصية التقدم إلى الغير في الشيء النافع المحمود عاقبته. # والضمير في بها إما عائد لقوله: أسلمت لرب العالمين على تأويل الكلمة ~~والجملة. ونحوه رجوع الضمير في قوله وجعلها كلمة باقية [الزخرف: 28] إلى ~~قوله: إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني [الزخرف: 26- 27] ، وقوله: # كلمة دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. وإما عائد إلى الملة في ~~قوله: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم، وأيد الأول بكون الموصى به مطابقا في اللفظ ~~لأسلمت، وقرب المعطوف عليه. ورجح القاضي الثاني لكون المرجع مذكورا صريحا، ~~ورد الإضمار إلى المصرح بذكره، إذا أمكن، أولى من رده إلى المدلول ~~والمفهوم. ولكون الملة ms0419 أجمع من تلك الكلمة. والكل حسن. وقوله تعالى بنيه # PageV01P402 # تفيد صيغة الجمع أن لإبراهيم عليه السلام من الولد غير إسماعيل وإسحاق. ~~وقرأت في سفر التكوين من التوراة أن إبراهيم عليه السلام تزوج، بعد وفاة ~~سارة أم إسحاق، امرأة أخرى اسمها قطورة، فولدت له: زمران ويقشان ومدان ~~ومديان ويشباق وشوحا، فعلى هذا تكون بنوه عليه السلام ثمانية ويعقوب معطوف ~~على إبراهيم، ومفعوله محذوف تقديره: ووصى يعقوب بنيه. لأن يعقوب أوصى بنيه ~~أيضا كما أوصى إبراهيم بنيه. ودليل ذلك قوله تعالى: إذ قال لبنيه ما تعبدون ~~من بعدي [البقرة: 133] ، كما سيأتي. وقرئ ويعقوب بالنصب عطفا على بنيه، ~~ومعناه: # ووصى بها إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب. وقد ولد يعقوب في حياة جده ~~إبراهيم، وأدرك من حياته خمس عشرة سنة، كما يستفاد من سفر التكوين من ~~التوراة، فإن فيها أن إبراهيم عليه السلام، ولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة، ~~ومات وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، وكان لإسحاق، حين ولد له يعقوب وعيسو، ~~ستون سنة، فاستفيد من ذلك ما ذكرناه. ولوجود يعقوب في حياة جده يفهم سر ~~ذكره في قوله تعالى: ووهبنا له إسحاق ويعقوب [الأنعام: 84] ، وفي آية أخرى ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة [العنكبوت: 27] . يا بني أي قال كل من ~~إبراهيم ويعقوب، على القراءة الأولى. وعلى الثانية: قال إبراهيم: يا بني إن ~~الله اصطفى لكم الدين أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، ~~الذي لا دين غيره عند الله تعالى فلا أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون وفي هذه الجملة إيجاز بليغ. والمراد: الزموا ~~الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وهذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي ~~لا تموتوا على حالة إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام. فالنهي في ~~الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، لأنه هو المقدور. فلا ~~يقال: صيغة النهي موضوعة لطلب الكف عما هو مدلولها، فيكون المفهوم منه ~~النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، وذا ليس بمقصود، لأنه ms0420 غير مقدور. ~~وإنما المقدور فيه هو الكون على خلاف حال الإسلام، فيعود النهي إليه، ويكون ~~المقصود النهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، لما أن الامتناع عن ~~الاتصاف بتلك الحال يتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال. فإما أن يقال: ~~استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني، فيكون مجازا. أو يقال: استعمل اللفظ ~~في معناه لينتقل منه إلى ملزومه، فيكون كناية. # قال الزمخشري: ونظير ذلك قولك: لا تصل إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن ~~الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته. والنكتة في إدخال حرف النهي # PageV01P403 # عما ليس بمنهي عنه، هو إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام، ~~موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل ~~فيهم. كما تقول في الأمر: مت وأنت شهيد. فليس مرادك الأمر بالموت، ولكن ~~بالكون على صفة الشهداء إذا مات. وإنما أمرته بالموت اعتدادا منك بميتته، ~~وإظهارا لفضلها على غيرها، وإنها حقيقة بأن يحث عليها. هذا. وقد قرر سبحانه ~~بهذه الآيات بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله ~~والأنبياء من ذلك، ولما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه ~~بالدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على ~~اليهود والنصارى ومبالغة في البيان بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 133] # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت أي ما كنتم حاضرين حينئذ، ف أم منقطعة ~~مقدرة ب «بل» والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ. # والشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر، وحضور الموت حضور مقدماته إذ ~~قال أي يعقوب لبنيه وهم: رأوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساكر، وزبولون، ~~ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالي، وجاد، وأشير، وهم الأسباط الآتي ذكرهم ما ~~تعبدون من بعدي أي أي شيء ms0421 تعبدونه بعد موتي، وأراد بسؤاله تقريرهم على ~~التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عطف بيان لآبائك. وجعل إسماعيل وهو عمه من ~~جملة آبائه. لأن العم أب والخالة أم، لا نخراطهما في سلك واحد، وهو الأخوة، ~~لا تفاوت بينهما. ومنه # حديث الترمذي عن علي كرم الله وجهه، رفعه «عم الرجل صنو أبيه» «1» # أي لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. # وفي PageV01P404 # الصحيحين عن البراء، رفعه «الخالة بمنزلة الأم» «1» # وروى ابن سعد عن محمد بن علي مرسلا «الخالة والدة» . # إلها واحدا بدل من إله آبائك، كقوله تعالى: بالناصية ناصية كاذبة خاطئة ~~[العلق: 15- 16] أو على الاختصاص، أي نريد بإله آبائك إلها واحدا، وفي ذلك ~~تحقيق للبراءة من الشرك، للتصريح بالتوحيد، ثم أخبروا بعد توحيدهم بإخلاصهم ~~في عبادتهم، بقولهم ونحن له أي وحده لا لأب ولا غيره مسلمون أي مطيعون ~~خاضعون، كما قال تعالى وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها [آل ~~عمران: 83] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت ~~مناهجهم، كما قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث. منها # قوله صلى الله عليه وسلم «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» ~~«2» # وقد اشتمل نبأ وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لبنيهما على دقائق ~~مرغبة في الدين. منها أنه تعالى لم يقل «وأمر إبراهيم بنيه» بل قال «وصاهم» ~~، ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك ~~الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فدل على الاهتمام بالوصي به، ~~والتمسك به. ومنها تخصيص بنيهما بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر ~~من شفقته على غيرهم، فلما خصاهم بذلك في آخر عمرهما علمنا أن اهتمامهما ~~بذلك كان أشد من اهتمامهما بغيره. ومنها أنهما، عليهما السلام، ما مزجا ~~بهذه الوصية وصية أخرى. وهذا يدل على شدة الاهتمام أيضا. إلى دقائق أخرى ~~أشار ms0422 إليها الفخر، عليه الرحمة. PageV01P405 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 134] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ~~(134) # تلك إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما الموحدين أمة أي جيل وجماعة قد خلت ~~أي سلفت ومضت لها ما كسبت في إسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ولكم ~~ما كسبتم أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم، لا يسألون هم عن أعمالكم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو ~~متأخرا: فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ~~ما اكتسبتم. فما اقتص عليكم أخبارهم، وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة ~~إليه، إلا لتفعلوا ما فعلوه، فتنتفعوا. وإن أبيتم، لم تنتفعوا بأعمالهم. # قال الرازي: الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله لها ما كسبت يدل على ~~أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان ~~كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم ~~أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا ~~عليه من الملة هو الحق. انتهى. # ومعلوم أن اتباع الأنبياء عليهم السلام، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، ~~لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول. # ثم أخبر تعالى أنهم اعتاضوا عن الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم، بأن صاروا ~~دعاة إلى الكفر، مع بيان بطلان ما هم عليه من كل وجه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 135] # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) # وقالوا أي الفريقان من أهل الكتاب كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل نتبع ~~ملة إبراهيم ونستن بسنته لا نحول عنها كما تحولتم حنيفا أي مستقيما أو ~~مائلا عن الباطل إلى الحق، لأن الحنف، محركة، يطلق على الاستقامة، ومنه قيل # PageV01P406 # للمائل الرجل، أحنف. تفاؤلا بالاستقامة كم قالوا للديغ: سليم. وللمهلكة: ~~مفازة. # ويطلق على ms0423 ميل في صدر القدم، واعوجاج في الرجل، فالحنيف المستقيم على ~~إسلامه لله تعالى، المائل عن الشرك إلى دين الله سبحانه. # ولما أثبت إسلامه بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله وما كان من المشركين وفيه ~~تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم اتباعه عليه السلام، مع إشراكهم ~~بقولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، قد أفادت هذه الآية الكريمة أن ~~ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضي عند الله ~~الإسلام، وهو دعوة الخلق على توحيده تعالى، وعبادته وحده، لا شريك له. # ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمدا خاتم النبيين ~~لدعوة الناس جميعا إلى هذا الأصل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 136] # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (136) # قولوا أي يا أيها الذين آمنوا. وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم حيث ~~يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم آمنا بالله وما أنزل إلينا أي من ~~الكتاب الذي تقدم إنه الهدى وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط من الأحكام التي كانوا متعبدين بها، مما اشتملت عليه صحف أبيهم ~~إبراهيم عليه السلام ومن الموحى إليهم خاصة. والأسباط هم أولاد يعقوب ~~الاثنا عشر المتقدم ذكرهم. جمع سبط وهو الحافد. سموا بذلك لكونهم حفدة ~~إبراهيم وإسحاق. وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل وما أوتي النبيون ~~من ربهم مما ذكر، وغيرهم. لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان فلا نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى ونحن له مسلمون منقادون. # وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «1» : كان أهل الكتاب ~~يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «لا PageV01P407 # تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 137] # فإن آمنوا بمثل ms0424 ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # فإن آمنوا أي أهل الكتاب الذي أرادوا أن يستتبعوكم بمثل ما آمنتم به أي ~~بما آمنتم به على الوجه الذي فصل. على أن المثل مقحم. وقد قرأ ابن عباس ~~وابن مسعود بما آمنتم به. وقرأ أبي: بالذي آمنتم به فقد اهتدوا إلى الحق ~~وأصابوه كما اهتديتم. عكس ما قالوا: كونوا مثلنا تهتدوا وإن تولوا أي ~~أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به. فإنما هم في شقاق أي فما هم إلا في خلاف ~~وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء. # قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا ~~تكون معصية إنه شقاق. وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة ~~الله وغضبه ولعنه، وفي استحقاق النار، فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم، ~~وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول، مضمرون له السوء، ~~مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا أمنه الله تعالى من كيدهم وأمن ~~المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال: فسيكفيكهم الله تقوية لقلبه وقلب المؤمنين ~~لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به. وقد أنجز وعده بقتل ~~قريظة وسبيهم «1» وإجلاء بني النضير «2» وهو السميع العليم أتبع وعده ~~بالنصر والكفاية، بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من أمرهم لا يخفى ~~عليه تعالى. فهو يسبب لكل قول وضمير PageV01P408 # منهم ما يرد ضرره عليهم. فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. أي يسمع ما تدعو به، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق. وهو ~~مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 138] # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # صبغة الله مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمنا بالله كذا قاله سيبويه. # فهو بمثابة فعله. كأنه قيل صبغنا الله صبغة. أي صبغ قلوبنا بالهداية ~~والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بماء الشبه، ms0425 ولا تغلب صبغة غيره عليها. ~~والصبغة كالصبغ (بالكسر فيهما لغة) ما يصبغ به وتلون به الثياب. ووصف ~~الإيمان بذلك لكونه تطهيرا للمؤمنين من أوضار الكفر، وحلية تزينهم بآثاره ~~الجميلة، ومتداخلا في قلوبهم. # كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك. ويقال: صبغ يده بالماء غمسها ~~فيه. # وأنشد ثعلب: # دع الشر وانزل بالنجاة تحرزا ... إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ # وقال الراغب: الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من ~~بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن ~~العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] الآية، والمعنى بقوله عليه ~~السلام: كل مولود يولد على الفطرة «1» ... الخبر. وتسمية ذلك بالصبغة من ~~حيث إن قوى الإنسان التي ركب عليها، إذا اعتبرت بذاته، تجري مجرى الصبغة ~~التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت اليهود والنصارى، إذا لقنوا أولادهم ~~اليهودية والنصرانية، يقولون: قد صبغناه- بين تعالى أن الإيمان بمثل ما ~~آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق. ولا أحد أحسن صبغة منه. # (ثم قال) وقول الحسن وقتادة ومجاهد: إن الصبغة هي الدين، وقول غيرهم: # إنها الشريعة، وقول من قال: هو الختان- إشارة إلى مغزى واحد. ومن أحسن من ~~الله صبغة الاستفهام للإنكار والنفي. أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى. ~~لأنها صبغة PageV01P409 # قلب لا تزول. لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه ~~سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه. والجملة اعتراضيه مقررة لما في ~~صبغة الله من معنى الابتهاج ونحن له عابدون شكرا لتلك النعمة ولسائر نعمه. ~~فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، وهي تزيل رين القلب فينطبع فيه ~~صورة الهداية. # وهو عطف على آمنا، داخل معه تحت الأمر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 139] # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) # قل منكرا لمحاجتهم وموبخا لهم عليها ms0426 أتحاجوننا في الله أي أتناظروننا في ~~توحيد الله والإخلاص له واتباع الهدى وترك الهوى وهو ربنا وربكم المستحق ~~لإخلاص العبودية له وحده لا شريك له، ونحن وأنتم في العبودية له سواء ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم أي نحن برءاء منكم ومما تعبدون، وأنتم برءاء منا. كما ~~قال في الآية الأخرى: وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون [يونس: 41] . وقال تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت ~~وجهي لله ومن اتبعن [آل عمران: 20] الآية. ونحن له مخلصون في العبادة ~~والتوجه، لا نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار ~~والرهبان. ولما بقي من مباهتاتهم وادعاؤهم أن أسلافهم كانوا على دينهم، ~~أبطلها سبحانه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 140] # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون (140) # أم تقولون إن إبراهيم خليل الله وإسماعيل وإسحاق ابنيه ويعقوب ابن إسحاق ~~والأسباط أولاد يعقوب كانوا هودا أو نصارى أي على ملتهم. إما اليهودية وإما ~~النصرانية قل أأنتم أعلم أم الله أي الذي له الإحاطة كلها أعلم. فلا يمكنهم ~~أن يقولوا: نحن. وإن قالوا: الله، فقد برأ الله إبراهيم ومن معه من ذلك. # فبطل ما ادعوا. وثبت أنهم، عليهم السلام، كانوا على الحنيفية مسلمين ~~مبرئين عن اليهودية والنصرانية، هذا مع أن رد قولهم هذا أظهر ظاهر من حيث ~~إنه لا يعقل أن # PageV01P410 # يكون السابق على نسبة للاحق، ما حدثت إلا بعده بمدد متطاولة. وسيأتي النص ~~الصريح بإبطال ذلك في آل عمران. ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ~~ومن ذكر معه، عليهم السلام، على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ~~ذلك. مع تقرير الله لهم به واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه ~~بقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل [البقرة: 42] الآية- أشار إلى أشد الوعيد في ~~كتمان ذلك بقوله ومن أظلم ممن كتم ms0427 شهادة موجودة ومودعة عنده من الله وهو ~~كتمان العلم الذي هو الإخبار بما أنزل الله. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد ~~أظلم من أهل الكتاب حيث كتموا شهادته تعالى لهم، عليهم السلام، بالحنيفية ~~والبراءة من الفريقين. # قال التقي ابن تيمية: سمى تعالى ما عندهم من العلم شهادة كما قال إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى [البقرة: 159] الآية، كأنه قال: ~~خبرا عنده، دينا عنده من الله، وبيانا عنده من الله، فإن كان قوله من الله ~~متعلقا ب كتم فإنه يعم كل الشهادات. وإن كان متعلقا ب عنده، وهو الأوجه، أو ~~بشهادة، أو بهما، فإن الأمر في ذلك واحد. أي شهادة استقرت عنده من جهة ~~الله. # فهو كتمان شهادات العلم الموروث عن الأنبياء. فسمى الإخبار به شهادة. # ثم قال: وكذلك الأخبار النبوية إنما يراد بالشهادة فيها الإخبار. وما ~~الله بغافل عما تعملون تهديد ووعيد شديد. أي أن علمه محيط بكم وسيجزيكم ~~عليه. # قال الرازي: هذا هو الكلام الجامع لكل وعيد. ومن تصور أنه تعالى عالم ~~بسره وإعلانه، ولا يخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته. إن خيرا فخير ~~وإن شرا فشر- لا يمضى عليه طرفة عين إلا هو حذر خائف. ألا ترى أن أحدنا لو ~~كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر والوجل، مع ~~أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر ~~وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 141] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ~~(141) # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم فلا يسألون عن أعمالكم # PageV01P411 # ولا تسئلون عما كانوا يعملون لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء ~~المتقدمين، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم، أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين ~~دائر مع أمره في كل زمان. وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدونه بحكم ما تجدد من ~~المنزل المعجز لكافة أهل ms0428 الأرض، أحمرهم وأسودهم ... أي فعليكم بترك الكلام ~~في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد ~~صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن ~~عملكم. # قال الراغب: إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس، صالحهم ~~وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم لا سيما في أمور ~~دينهم. # ولهذا حكى عن الكفار قولهم إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون [الزخرف: 22] . فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة. ~~وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك، تنبيها أن الأمر ~~سواء على ما قلت أو لم يكن. فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه. وفي ~~الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا ~~عليهم تنبيها على نحو ما قال: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه [الإسراء: ~~13] ، وقوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [البقرة: 286] ، وقوله ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم: كل ~~شاة تناط برجليها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 142] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها # روى البخاري في صحيحه «1» عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت. وأنه صلى أول صلاة ~~صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل ~~المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل مكة. فداروا، كما هم، قبل البيت. # وروى مسلم «2» : عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه: صلينا مع ~~رسول PageV01P412 # الله صلى ms0429 الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ~~ثم صرفنا نحو الكعبة. # وروى الشيخان «1» ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم ~~آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن. وقد ~~أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى ~~الكعبة. (اللفظ لمسلم) . # والأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متوافرة. وفيما ذكرنا ~~كفاية. # وقد أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن فريقا من ~~الناس سينكرون تغيير القبلة وسماهم سفهاء، جمع سفيه. وهو الخفيف الحلم ~~والأحمق والجاهل. قال ابو السعود: أي الذين خفت أحلامهم واستمهنوها ~~بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر. # انتهى. ومعنى قوله ما ولاهم أي أي شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، ~~أي ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس. ومدار الإنكار، إن كان ~~القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، ~~فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس: أن ~~القائلين هم اليهود، وعن الحسن أنهم مشركو العرب. وعن السدي أنهم ~~المنافقون. # قال الراغب: ولا تنافي بين أقوالهم فكل قد عابوا، وكل سفهاء. # (تنبيه) ظاهر قوله تعالى: سيقول السفهاء إلخ أنه إخبار بقولهم المذكور. # ثم إن الإخبار قبل وقوعه. وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإن ~~مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد. والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أرد، ~~مع ما فيه من دلائل النبوة حيث يكون إخبارا عن غيب، فيكون معجزا قل لله ~~المشرق والمغرب جواب عن شبهتهم. وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا. فلا ~~يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة. بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى ~~جعلها قبلة، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى. وما أمر به فهو ~~الحق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته ~~تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: ms0430 وطهر ~~بيتي [الحج: 26] . PageV01P413 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 143] # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) # وكذلك أي كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها جعلناكم أمة وسطا ~~أي عدولا، خيارا وقوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا تعليل للجعل المنوه به الذي تمت المنة به عليهم. واعلم أن أصل الشهود ~~والشهادة الحضور مع المشاهدة. إما بالبصر أو بالبصيرة. قال الرازي: الشهادة ~~والمشاهدة والشهود هو الرؤية، يقال شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان ~~بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة، لا جرم قد تسمى ~~المعرفة التي في القلب مشاهدة وشهودا، والعارف بالشيء شاهدا ومشاهدا. ثم ~~سميت الدلالة على الشيء شاهدا على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد ~~شاهدا. ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك، ~~سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا. وبالجملة، فكل من عرف حال شيء وكشف عنه كان ~~شاهدا عليه. انتهى. # والشهيد أصله الشاهد والمشاهد للشيء والمخبر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو ~~بصيرة. وهو، بالمعنى الثالث، من النعوت الجليلة. ولذلك وصف به النبيون ~~والسادة والأئمة. كما ترى في هذه الآية وفي آية فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] وآية، وادعوا شهداءكم ~~[البقرة: 23] ، والشهداء والصالحين [النساء: 69] ، ثم إن في اللام في قوله ~~تعالى لتكونوا شهداء على الناس وجهين (الأول) إنها لام الصيرورة والعاقبة. ~~أي فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطا أن كنتم شهداء على الناس. وهم أهل ~~الأديان الأخر. أي بصراء على كفرهم بآيات الله وما غيروا وبدلوا وأشركوا ~~وألحدوا. مما قص عليكم في الآيات قبل، حتى أحطتم به خبرا. فعرفتم حق دينهم ~~من باطله، ووحيه من مخترعه. # يعني: وإذا شهدتم ms0431 ذلك منهم وأبصرتم فاشكروا مولاكم على ما أولاكم، ~~وعافاكم مما ابتلى به سواكم، حيث وفقكم للمنهج السوي وهداكم للمهيع الرضي. ~~وذلك صار الرسول عليكم شهيدا بأنكم عرفتم الحق من الباطل والهدى من الضلال ~~والنور # PageV01P414 # من الظلمات، بما بلغكم من وحيه وأراكم من آياته. فعظمت المنة لله عليكم ~~إذ أصبحتم مهتدين بعد الضلالة، علماء بعد الجهالة. ففيه إشارة إلى تحذير ~~المؤمنين من أن يزيغوا بعد الهدى، كما زاغ أولئك الذين نعى عليهم ضلالتهم، ~~فتقوم عليهم الحجة كما قامت على أولئك. # (الوجه الثاني) أن تكون اللام للتعليل، على أصلها. والمعنى: جعلناكم أمة ~~خيارا لتكونوا شهداء على الناس، أي رقباء قواما عليهم بدعائهم إلى الحق ~~وإرشادهم إلى الهدى وإنذارهم مما هم فيه من الزيغ والضلال. كما كان الرسول ~~شهيدا عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم. فتكون ~~الآية نظير آية كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~[آل عمران: 110] ، وربما آثر هذا المعنى من قال: خير ما فسر القرآن ~~بالقرآن. لتماثل الآيتين بادئ بدء. فإن الوسط بمعنى الخيار. وقد صرح به في ~~قوله خير أمة وإلى هذا المعنى يشير قول مجاهد في الآية: لتكونوا شهداء ~~لمحمد عليه السلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس: أي شهداء على حقية ~~رسالته. وذلك بالدعوة إليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قطب ~~الدعوة وروحها. # وبعد كتابة هذا رأيت السمرقندي في تفسيره نقل خلاصة ما قلناه. وعبارته: # وللآية تأويل آخر وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدولا لتكونوا شهداء على ~~الناس إلخ يقول: إنكم حجة على جميع من خالفكم. ورسول الله عليه السلام حجة ~~عليكم. والشهادة في اللغة هو البيان. ولهذا سمي الشاهد بينة لأنه يبين حق ~~المدعي. يعني إنكم تبينون لمن بعدكم، والنبي، عليه السلام، يبين لكم. ~~انتهى. # وأوضح ذلك الراغب الأصفهاني: بأسلوب آخر فقال: إن قيل: على أي وجه شهادة ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة وشهادة الأمة على الناس؟ قيل: الشاهد ~~هو العالم بالشيء المخبر عنه مثبتا حكمه. وأعظم ms0432 شاهد من ثبت شهادته بحجة. ~~ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر، وكمله ببعثة ~~الأنبياء، وخص هذه الأمة بأتم كتاب، كما وصفه بقوله ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء [الأنعام: 38] ، وقوله ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] ~~، فأفادناه عليه السلام وبينه لنا- صار حجة وشاهدا أن يقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير [المائدة: 19] . # وجعل أمته، المتخصصة بمعرفته، شهودا على سائر الناس. (إن قيل) هل أمته ~~شهود كلهم أم بعضهم؟ (قيل) كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء. وذلك بشريطة أن # PageV01P415 # يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم يكن شاهدا ~~ومقبولا. # ولذلك قال تعالى: قد أفلح من زكاها [الشمس: 9] وعلى هذا قال يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135] ، ~~فالقيام بالقسط مراعاة العدالة. وهي، بالقول المجمل، ثلاث: عدالة بين ~~الإنسان ونفسه- وعدالة بينه وبين الناس- وعدالة بينه وبين الله عز وجل. فمن ~~رعى ذلك فقد صار عدلا شاهدا لله عز وجل. (إن قيل) فهل هم شهود على بعض ~~الأمة أم على الناس كافة؟ (قيل) بل كل شاهد نفسه وعلى أمته وعلى الناس ~~كافة. فإن من عرف حكمة الله تعالى وجوده وعدله ورأفته، علم أنه لم يغفل ~~تعالى عنه ولا عن أحد من الناس، ولا بخل عليهم ولا ظلمهم، ومن علم ذلك فهو ~~شاهد لله على من في زمانه وعلى من قبله ومن بعده. وعلى هذا الوجه ما روي في ~~الخبر أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم. انتهى كلام الراغب. والخبر ~~الذي أشار إليه # رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. ~~فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من ~~نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: # محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا» «1» # . فذلك قوله جل ذكره وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ms0433 الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا وقد روي مرفوعا عن جابر. أخرجه الطبري. وعن ثلة ~~من التابعين من قولهم. # وأقول: قد بينا مرارا، أن مثل هذا الخبر وكل ما يروى مرفوعا أو غير مرفوع ~~في تأويل هذه الآية، فكله يفيد أن للآية عموما يشمل ما ذكر. لا أنها خاصة ~~به لا يستفاد منها غيره. كما أوضحناه في المقدمة في قولهم: نزلت الآية في ~~كذا. # وعليه، فلا تنافي بين ما يفهم من سياق الآية أو ما يتقاضاه معناها لغة، ~~من حيث عمومها، أو ما يحمل عليها من نظائرها في التنزيل الكريم، وبين ما ~~يروى في تفسيرها. فمآل ما يتعدد من سبب النزول في آية ما، أو ما يكثر من ~~الآثار في وجوهها، كله من باب تفسير العام ببعض ما يتناوله لفظه. ولذلك ~~يكثر في بعض طرق الروايات: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى. أو ~~ثم قرأ. أو أقرأوا إن شئتم. مما يدل على أنه ذكرت الآية حجة لما أخبر به، ~~لأنه مما يندرج فيها. فاحرص على ذلك. PageV01P416 ### | تنبيهات: # (الأول) . أستدل بالآية على أن الإجماع حجة. لأن الله تعالى وصف هذه ~~الأمة بالعدالة. والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها. فإذا اجتمعوا على شيء ~~وشهدوا به لزم قبوله، فإجماع الأمة حق. لا تجتمع الأمة. والحمد لله، على ~~ضلالة. # كما وصفها الله بذلك في الكتاب فقال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [آل عمران: 110] ، وهذا ~~وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. كما وصف نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم بذلك في قوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر [الأعراف: 157] ، وبذلك وصف المؤمنين في ~~قوله والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر [التوبة: 71] ، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال، لكانت لم تأمر ~~بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. وقد جعلهم الله شهداء على الناس. ~~وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. # وقد ثبت ms0434 في الصحيح «1» عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك رضي ~~الله عنه فيقول: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت» . # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا ~~فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في ~~الأرض. # وعند الحاكم أنه قرأ هذه الآية: وكذلك جعلناكم ... إلى آخرها. # فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء، لم يشهدوا بباطل. فإذا شهدوا أن الله أمر ~~بشيء، فقد أمر به. وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه. ولو كانوا ~~يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. بل زكاهم الله في ~~شهادتهم، كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق، ~~وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا الحق. هذه نبذة من كلام الإمام ابن ~~تيمية، عليه الرحمة، في الإجماع، من بعض رسائله. # (الثاني) مما يتعلق أيضا بهذا المقام، ما قاله أيضا هذا الإمام في رسالته ~~إلى جماعة عدي بن مسافر. ونصه: فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، ~~وجعل PageV01P417 # فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة. ولهذا كان إجماعهم حجة، كما كان ~~الكتاب والسنة حجة. ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن ~~أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين، # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، رواها عنه أهل ~~السنن والمسانيد، كالإمام أحمد «1» ، وأبي داود «2» ، والترمذي «3» وغيرهم، ~~أنه قال: ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا ~~واحدة، وهي الجماعة. # وفي رواية: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي. وهذه الفرقة ~~الناجية أهل السنة. وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل. # فالمسلمون وسط في أنبياء الله، ms0435 ورسله، وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم ~~كما غلت في النصارى ف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ~~ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما ~~يشركون [التوبة: 31] ولا جفوا عنهم، كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون ~~الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس [آل عمران: 21] ، ~~كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم. بل المؤمنون آمنوا برسل الله، ~~وعزروهم، ونصروهم، ووقروهم، وأحبوهم، وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم ~~أربابا. كما قال تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، ~~أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل عمران: 79- 80] . PageV01P418 # ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن ~~الله، ولا ثالث ثلاثة. كما تقوله النصارى. ولا كفروا به، وقالوا على مريم ~~بهتانا عظيما، حتى جعلوه، ولد غية، كما زعمت اليهود. بل قالوا: هذا عبد ~~الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه. وكذلك ~~المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ~~ويمحو ما شاء ويثبت. كما قالته اليهود. # كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها [البقرة: 142] ، وبقوله وإذا قيل لهم آمنوا بما ~~أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما ~~معهم [البقرة: 91] ، ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، ~~فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاؤوا. كما يفعله النصارى. كما ذكر الله عنهم ~~بقوله اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] . # قال عدي بن حاتم رضي الله عنه «1» : قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: ~~ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. # والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر. فكما لا يخلق غيره، لا ms0436 يأمر غيره. ~~وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به. وقالوا: إن الله يحكم ما ~~يريد. وأما المخلوق، فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيما # . وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق ~~الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء [آل عمران: 181] . وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة [المائدة: 64] . وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت. ~~إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به. فقالوا: إنه ~~يخلق ويرزق ويرحم ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله ~~سبحانه وتعالى. ليس له سمي ولا ند. ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 4] ، ~~وليس كمثله شيء [الشورى: 11] ، فإنه PageV01P419 # رب العالمين، وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له، فقراء إليه. # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [مريم: 93- 95] ، ومن ذلك: أمر الحلال ~~والحرام. فإن اليهود كما قال تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم [النساء: 160] ، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط. ~~ولا شحم الثرب (الثرب: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. وجمعه ثروب) ~~والكليتين. ولا الجدي في لبن أمه. إلى غير ذلك، مما حرم عليهم من الطعام ~~واللباس وغيرهما. # حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا. والواجب عليهم مائتان ~~وثمانية وأربعون أمرا. وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يواكلوا الحائض، ~~ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، ~~وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~[آل عمران: 50] . ولهذا قال تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون [التوبة: 29] . وأما ~~المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا ms0437 عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون [الأعراف: 156- 157] . # وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق. فهم في باب ~~أسماء الله وآياته وصفاته، وسط بين أهل التعطيل، الذين يلحدون في أسماء ~~الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهونه بالعدم ~~والموات. وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. ~~فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف وتمثيل. وهم في باب ~~خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ~~ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء. # وبين المفسدين لدين الله. الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا ~~عمل فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب. فيصيرون بمنزلة المشركين الذين ~~قالوا # PageV01P420 # لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء [الأنعام: 148] ، ~~فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير. فيقدر أن يهدي العباد ويقلب ~~قلوبهم. وإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا ~~يريد. ولا يعجز عن إنفاذ مراده. # وإنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ~~ومشيئة وعمل. وأنه مختار. ولا يسمونه مجبورا. إذ المجبور من أكره على خلاف ~~اختياره. والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله. فهو مختار مريد. والله ~~خالقه وخالق اختياره. وهذا ليس له نظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، ~~وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ~~ويخرجونهم من الإيمان بالكلية. ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وبين المرجئة الذين يقولون: # إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء. ms0438 والأعمال الصالحة ليست من الدين ~~والإيمان. # ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق ~~المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله. وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي ~~يستوجبون به الجنة. وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه ~~مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان. وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم أيضا في أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورضي عنهم، وسط بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله ~~عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويعتقدون أنه الإمام ~~المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما ~~جعلوه نبيا أو إلها. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله ~~عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما. ويستحبون سب علي وعثمان ~~ونحوهما. ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه وإمامته. # وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط. لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان انتهى. # وما جعلنا القبلة التي كنت عليها أي ما شرعنا القبلة، كقوله تعالى: ما ~~جعل الله من بحيرة [المائدة: 103] أي ما شرعها. والتي كنت عليها ليس بصفة ~~للقبلة إنما هو ثاني مفعولي (جعل) أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت ~~عليها أي في مكة تستقبلها قبل الهجرة وهي الكعبة. يعني: وما رددناك إليها ~~إلا امتحانا للناس وابتلاء. أو كنت عليها بمعنى صرت عليها الآن. كقوله ~~تعالى # PageV01P421 # كنتم خير أمة [آل عمران: 110] . أو بمعنى كنت على تطلبها، أي حريصا عليه، ~~وراغبا فيه. كما يفصح عنه قوله تعالى بعد قد نرى تقلب وجهك [البقرة: 144] ~~الآية. # وعلى هذه الأوجه، فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة. أو معنى ~~التي كنت عليها: قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس. أي إنما شرعنا لك التوجه ~~أولا إليه ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك، حيثما توجهت، ms0439 من ~~غيره. فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة أولا. # ثم اعلم أن الحكمة هو التمييز بين الناس بقوله إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~في كل ما يؤمر به، فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله ~~والتوجه له أيان ما وجهه ممن ينقلب على عقبيه أي يرتد عن دينه فينافق أو ~~يكفر ممن كان يظهر الاتباع. وأصل المنقلب على عقبيه: الراجع مستدبرا في ~~الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه. استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من ~~دين أو خير. # قال ابن جرير: قد ارتد، في محنة الله أصحاب رسوله في القبلة، رجال ممن ~~كان قد أسلم. وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم. وقالوا: ما بال ~~محمد يحولنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من ~~إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. ~~وقال المشركون: تحير محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصا ~~للمؤمنين. # انتهى. # (لطيفة) العقبين تثنية عقب وهو مؤخر القدم. والانقلاب عليهما استعارة ~~تمثيلية. وهذه الاستعارة نظير قوله تعالى: ثم أدبر واستكبر [المدثر: 23] ، ~~وكقوله كذب وتولى [طه: 48] . # (تنبيه) قال الراغب رحمه الله: ما وجه قوله إلا لنعلم وذلك يقتضي استفادة ~~علم. ولم يزل، تعالى، عالما بما كان وبما يكون؟ (قيل) : إن ذلك من الألفاظ ~~التي لولا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى. ومجاز ذلك على أوجه: ~~(الأول) أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين: حدوث الفعل في نفسه وحدوث العلم ~~به. ولما كان علم الله لم يزل ولا يزال، صار اللام فيه مقتضيا حدوث الفعل ~~لا حدوث العلم. (والثاني) أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به. والله تعالى ~~علمهم، قبل أن يتبعوه، غير تابعين. وبعد أن تبعوه علمهم تابعين. وهذا ~~الجواب # PageV01P422 # هو في الحقيقة الأول. لأن التغيير داخل في المعلوم لا في العلم. ~~(والثالث) معناه ليعلم غيرنا بنا. فنسب ذلك إلى نفسه. كقوله تعالى: الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها ms0440 [الزمر: 42] ، وفي موضع آخر قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم [السجدة: 11] ، وقال تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113] ، وإنما علمه بملائكته. (والرابع) معناه لنجازي. وذلك ~~متعارف. نحو قولك: سأعلم حسن بلائك. أي سأجزيك على حسب مقتضى علمي قبل. ~~فعبر عن الجزاء بالعلم لما كان هو سببه (والخامس) أن عادة الحليم إذا أفاد ~~غيره علما أن يقول: تعال حتى نعلم كذا. وإنما يريد إعلام المخاطب. لكن يحله ~~نفسه محل المشارك للمتعلم على سبيل اللطف. انتهى. # والوجه الثالث هو الذي اختاره الإمام ابن جرير قال: أما معناه عندنا: وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي: من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه (قال) وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع ~~الرئيس، إلى الرئيس. وما فعل بهم، إليه. نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد ~~العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سبب كان منه في ذلك، وكالذي # روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله جل ثناؤه: ~~مرضت فلم يعدني عبدي. # واستقرضته فلم يقرضني» «1» # فأضاف، تعالى ذكره، الاستقراض والعيادة إلى نفسه وقد كان ذلك بغيره، إذ ~~كان ذلك عن سببه. # قد حكي عن العرب سماعا: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري. # بمعنى جوع أهله وعياله وعري ظهورهم. فكذلك قوله إلا لنعلم بمعنى: يعلم ~~أوليائي وحزبي. # وإن كانت أي التولية إليها أو الجعلة أو التحويلة لكبيرة أي ثقيلة ~~PageV01P423 # شاقة. لأن مفارقة الإلف، بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدا. إلا على ~~الذين هدى الله قلوبهم. فأيقنوا بتصديق الرسول وأن كل ما جاء به فهو الحق ~~الذي لا مرية فيه. وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن يكلف عباده ~~بما شاء وينسخ ما يشاء. وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، ~~بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر، أحدث لهم شكا. كما يحصل، ~~للذين آمنوا، إيقان وتصديق. كما قال تعالى: وإذا ما أنزلت ms0441 سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون # [التوبة: 124- 125] . # وقال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا [الإسراء: 82] . وقوله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن ~~الله بالناس لرؤف رحيم هذا تطمين لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين ومن ~~أهل الكتاب قبل النسخ. # وبيان أنهم يثابون على ذلك. وقد روى البخاري «1» من حديث أبي إسحاق ~~المتقدم عن البراء: وكان الذي مات على القبلة، قبل أن تحول قبل البيت، رجال ~~قتلوا. لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~[البقرة: 143] ، أي صلاتكم. وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في ~~الصلاة وغيرها، ليفيدهم أنه لم يضع شيء مما عملوه، ثم يصح عنهم، فيندرج ~~المسؤول عنه اندراجا أوليا، ويكون الحكم كليا. وذكر بلفظ الخطاب دون ~~الغائب، ليتناول الماضيين والباقين، تغليبا لحكم المخاطب على الغائب في ~~اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، بما اتصف به من الرأفة ~~المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة. # ولما انطوى النبي صلى الله عليه وسلم على إرادة التوجه إلى الكعبة، لأنها ~~قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود- أجابه ~~الحق إلى ذلك بقوله: PageV01P424 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 144] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) # قد نرى تقلب وجهك في السماء أي تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء تشوفا ~~لنزول الوحي بالتحويل. # قالوا: وفي ذلك تنبيه على حسن أدبه حيث انتظر ولم يسأل. وهذا ألطف مما ~~قيل: إن تقلب وجهه كناية عن دعائه، ولا مانع أن يراد بتقلب وجهه صلى الله ~~عليه وسلم بالتحويل، ففيه إعلام بما جعله تعالى ms0442 من اختصاص السماء بوجه ~~الداعي. وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة، فهي متقدمة في المعنى. ~~فإنها رأس القصة. فلنولينك قبلة ترضاها أي لنعطينك أو لنوجهنك إلى قبلة ~~تحبها وتميل إليها. ودل على أن مرضيه الكعبة، بفاء السبب في قوله: فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته. والتعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارة ~~إلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره أي ~~حيثما كنتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم في الصلاة تلقاء المسجد. وأما سر ~~الأمر بالتولية خاصا وعاما، فقال الراغب: أما خطابه الخاص فتشريفا له ~~وإيجابا لرغبته. وأما خطابه العام بعده، فلأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا ~~أمر قد خص، عليه السلام، به. كما خص في قوله قم الليل [المزمل: 2] ، ولأنه ~~لما كان تحويل القبلة أمرا له خطر، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك أبلغ وليكون ~~لهم في ذلك تشريف. ولأن في الخطاب العام تعليق حكم آخر به. وهو أنه لا فرق ~~بين القرب والبعد في وجوب التوجه إلى الكعبة. وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم قال الفخر: الضمير في قوله أنه الحق راجع إلى ~~مذكور سابق. وقد تقدم ذكر الرسول، كما تقدم ذكر القبلة. فجاز أن يكون ~~المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق. فيشتمل ذلك على أمر ~~القبلة وغيرها. ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم ~~يعلمون أنه الحق. وهذا الاحتمال الأخير أقرب، لأنه أليق بالمساق. ثم ذكر من ~~وجوه علمهم لذلك: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله ~~الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأنهم كانوا يعلمون نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر عليه من المعجزات. ومتى علموا نبوته فقد ~~علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو # PageV01P425 # حق. فكان هذا التحويل حقا. # قلت: وثم وجه آخر أدق مما ذكره الفخر في علمهم حقية ذلك التحويل وأنه من ~~أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. ms0443 وبيانه أن أمره تعالى للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكافة من اتبعه، باستقبال الكعبة، من جملة الاستعلان في فاران ~~المذكور في التوراة إشارة لخاتم النبيين وبشارة به. فقد جاء في الأصحاح ~~الثالث والثلاثين من سفر التثنية (ويقال الاستثناء) هكذا: وهذه هي البركة ~~التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: # جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران. # وهذه البشارة تنبه على موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. لأن الله ~~تعالى أنزل التوراة على موسى في طور سيناء والإنجيل على عيسى في جبل سعير. ~~لأنه عليه السلام كان يسكن أرض الخليل من سعير بقرية تدعى الناصرة. وتلألؤه ~~من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في جبل ~~فاران. وفاران هي مكة. لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الأصحاح الحادي ~~والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام هكذا: وكان الله مع ~~الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فاران. # ولا شك أن إسماعيل، عليه السلام، كان سكناه في مكة وفيها مات وبها دفن. # وقال ابن الأثير: وفي الحديث ذكر جبل فاران اسم لجبال مكة بالعبراني. له ~~ذكر في أعلام النبوة. وألفه الأولى ليست بهمزة. وما الله بغافل عما يعملون ~~قرئ بالياء والتاء. فيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم. ولما بين تعالى ~~أنهم يعلمون أن هذه القبلة حق، أعلم أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على ~~المعاندة بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 145] # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب أي من اليهود والنصارى بكل آية أي برهان ~~قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ما تبعوا قبلتك أي هذه التي حولت # PageV01P426 # إليها. لأن تركهم اتباعك ليس عن ms0444 شبهة تزيلها بإيراد الحجة. إنما هو عن ~~مكابرة وعناد. مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. وقوله تعالى: ~~وما أنت بتابع قبلتهم هذا حسم لأطماعهم في العود إليها. أو للمقابلة. يعني ~~ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك. وما بعضهم بتابع قبلة بعض فلا ~~اتفاق بين فريقيهم، مع كون الكل من بني إسرائيل. # قال الزمخشري: أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه. # فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان. والمبطل لا يقلع عن باطله ~~لشدة شكيمته في عناده. وفيه إراحة للنبي صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى ~~هدى بعضهم. ### | فوائد: # الأولى: قال الراغب: إن قيل كيف أعلم بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم ~~فريق؟ قيل: قال بعضهم: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض. وهذا صحيح. # بدلالة أنك لو قلت: ما آمنوا ولكن آمن بعضهم، لم يكن منافيا. وقيل: عني ~~به أقوام مخصوصون. # الثانية: قال الراغب: في قوله تعالى: وما أنت بتابع قبلتهم إشارة إلى أن ~~من عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد. ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا ~~من الطريق: أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول. # إن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتد (قيل) إن الذي يقدر أنه ~~معرفة، هو ظن متصور بصورة العلم. فأما أن يحصل له العلم الحقيقي ثم يعقبه ~~الارتداد- فبعيد. ولم يعن بهذه المعرفة ما جعله الله تعالى للإنسان ~~بالفطنة. فإن تلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد. # الثالثة: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وفي بدائع الفوائد: قبلة ~~أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله. بل بمشورة واجتهاد منهم. أما النصارى ~~فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق. وهم ~~يقرون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل. وهي الصخرة، وإنما وضع لهم ~~أشياخهم هذه القبلة. # فهم مع اليهود، متفقون على أن الله لم يشرع استقبال بيت المقدس ms0445 على رسوله ~~أبدا. والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر. وأما اليهود فليس في التوراة ~~الأمر باستقبال الصخرة، البتة. وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من ~~حيث خرجوا. # فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه. فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو ~~الصخرة. # PageV01P427 # وقوله ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم بعد الإفصاح عن حقيقة ~~حاله المعلومة عنده في قوله: وما أنت بتابع قبلتهم كلام وارد على سبيل ~~الفرض والتقدير. بمعنى: ولئن اتبعتهم، مثلا، بعد وضوح البرهان والإحاطة ~~بحقيقة الأمر إنك إذا لمن الظالمين أي المرتكبين الظلم الفاحش. # وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد ~~إنارته، ويتبع الهوى. وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. أفاده الزمخشري. ### | تنبيهات: # الأول: قال الراغب: حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم. ونبه أن اتباع ~~الهوى بعد التحقيق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة. وقد أكثر الله ~~تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة مواضع. وقول من قال: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعني به الأمة، فلا معنى لتخصصه. فإن الله ~~تعالى يحذر نبيه من إتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره. فذو المنزلة الرفيعة ~~إلى تحذير الإنذار عليه أحوج. # حفظا لمنزلته وصيانة لمكانته. وهو كلام نفيس جدا. # (الثاني) في الآية تنويه بشأن العلم. حيث سمى أمر النبوات والدلائل ~~والمعجزات باسم العلم. فذلك ينبه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة. # (الثالث) دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على ~~غيرهم. لأن قوله تعالى: من بعد ما جاءك من العلم يدل على ذلك. ذكره الرازي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 146] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أي يعرفون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معرفة لا امتراء فيها، كما لا يمترون في معرفة أولادهم ~~من بين أولادهم الناس. وهذه المعرفة مستفادة من الكتاب. كما أخبر تعالى عن ms0446 ~~نعته فيه بقوله: يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل [الأعراف: 157] ، ~~يعني يعرفونه بالأوصاف المذكورة في التوراة والإنجيل بأنه هو النبي الموعود ~~بحيث لا يلتبس عليهم. كما يعرفون أبناءهم، ولا تلتبس أشخاصهم بغيرهم. فهو ~~تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسية ~~في أن كل منهما يقيني، لا اشتباه فيه. # PageV01P428 # وقد روي عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ولدك؟ ~~قال: نعم وأكثر. نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته. # وإني لا أدري ما كان من أمه. فقبل عمر رأسه. وإن فريقا منهم أي أهل ~~الكتاب، مع ذلك التحقق والإيقان العلمي ليكتمون الحق أي يخفونه ولا يعلنونه ~~وهم يعلمون أي الحق، أو عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون. قال الراغب: لم يقل ~~يكتمونه. لأن في كتمان أمره كتمان الحق جملة. وزاد في ذمهم بقوله وهم ~~يعلمون فإنه ليس المرتكب ذنبا عن جهل، كمن يرتكبه عن علم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 147] # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) # الحق من ربك أي الحق من الله، لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من ~~الله، كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله، كالذي عليه أهل الكتاب، ~~فهو الباطل. أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. وقرأ علي رضي الله عنه ~~الحق بالنصب على الإبدال من الأول، كما في الكشاف. أو المفعولية ل يعلمون، ~~كما قاله أبو البقاء. فلا تكن من الممترين الشاكين في كتمانهم الحق مع ~~علمهم. أو في الحق الذي جاءك من ربك، وهو ما أنت عليه. ومعلوم أن الشك غير ~~متوقع منه. # ففيه تعريض للأمة. وقال الراغب: ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد ~~من الشاك، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك ~~قوله إني أعظك أن تكون من الجاهلين [هود: 46] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 148] # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ms0447 ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير (148) # لكل وجهة # أي لكل أمة أو لكل نبي قبلة أو شرعة ومنهاج وموليها # وجهه. أي مائل إليها بوجهه، تابع لها. لأنها حببت إليه، وزينت له. وقال ~~أبو معاذ: # موليها بمعنى متوليها. أي تولاها ورضيها واتبعهااستبقوا الخيرات # أي ابتدروها بالمسابقة إليها. وهذا أبلغ من الأمر بالمسارعة، لما فيه من ~~الحث على إحراز قصب السبق. والمراد بالخيرات جميع أنواعها مما ينال به ~~سعادة الدارين ين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا # قال الراغب: أي أي شغل تحريتم، وحيثما تصرفتم، وأي # PageV01P429 # معبود اتخذتم، فإنكم مجموعون ومحاسبون عليهان الله على كل شيء قدير # تعليل لما قبله. أي هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم ~~وأبدانكم. # (تنبيه) تشير الآية إلى أن الناس على مذاهب عديدة وأديان متنوعة. وأن على ~~العاقل أن يستبق إلى ما كان خيرها وأرقاها. وقد اتفق العقلاء قاطبة ~~والفلاسفة أن دين الإسلام أرقى الأديان كلها لما حوى من حاجيات الكمال ~~البشري، ووفي بشئون الاجتماع، وأسباب العمران وذرائع الرقي وطرق السعادتين. ~~وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه [الحج: 67] ~~وقوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون [المائدة: 48] . # ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبين عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي ~~السفر والحضر بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 149] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) # ومن حيث خرجت أي ومن أي بلد خرجت للسفر فول وجهك شطر المسجد الحرام إذا ~~صليت وإنه أي هذا الأمر للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون قرئ بالياء ~~فهو وعيد للكافرين، وبالتاء فهو وعد للمؤمنين. ولما عظم في شأن القبلة ~~انتشار أقوال السفهاء وتنوع شغبهم وجدالهم، كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد ~~لأمرها، تعظيما ms0448 لشأنها وتوهية لشبههم، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 150] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا # PageV01P430 # وجوهكم شطره # وقوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة أي لئلا يحتج عليكم أحد في ~~التولي إلى غيره. ولتنتفي مجادلتهم لكم. كقول اليهود مثلا: # يجحد ديننا ويتبع قبلتنا! وقول غيرهم: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته! ~~فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة. # قال الراغب: وأشار بقوله وإنه للحق من ربك إلى تحقيق ما قدمه. فبين أنه ~~إذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل صاحب شرع قبلة يختص بها، وأنت صاحب شرع، ~~فتغيير القبلة لك حق من ربك. (ثم قال) إن قيل: لم كرر قوله وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره؟ قيل: حث بإحداهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن ~~في أي مكان حصل للإنسان، نائيا كان عنها أو دانيا منها. # وذلك مآل الاختيار والتمكن. وحث بالآخر على التمكن بالقلب وحده عند ~~اشتباه القبلة. وفي النافلة في حال اليسر على الراحلة والسفر. إلا الذين ~~ظلموا منهم فإنهم يظهرون فجورا ولددا في ذلك، بالعناد. وهم: إما اليهود ~~المعبر عنهم بأهل الكتاب قبل، أو المنافقون أو المشركون كما حكى قبل في ~~«السفهاء» . وكان من قول اليهود، فيما حكاه قتادة: اشتاق الرجل إلى بيت ~~أبيه ودين قومه. ومن قول المشركين، فيما حكاه مجاهد.: قد رجع إلى قبلتكم ~~فيوشك أن يرجع إلى دينكم. # وتقدم قول المنافقين. وبالجملة فالكل عابوا وخاضوا فلا تخشوهم تخافوا ~~جدالهم واخشوني فلا تخالفوا أمري ولأتم نعمتي عليكم بالتوجه إلى أكمل ~~الجهات المتضمنة للآيات البينات والأمن ولعلكم تهتدون للصراط المستقيم ~~بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة. # قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة، واستيلائه على جزيرة العرب كلها، ~~وتمكينه بذلك من سائر أهل الأرض، ms0449 لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح ~~الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 151] # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم وقوله تعالى: فيكم المراد به العرب. # وكذلك قوله منكم. # PageV01P431 # وفي إرساله فيهم ومنهم نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف. ولأن ~~المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير. فبعثه الله تعالى ~~من واسطتهم ليكونوا إلى القول أقرب يتلوا عليكم آياتنا يقرأ عليكم القرآن ~~الذي هو من أعظم النعم. لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ~~ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل ~~خيرات الدنيا والآخرة ويزكيكم أي يطهركم من الشرك وأفعال الجاهلية وسفاسف ~~الأخلاق ويعلمكم الكتاب وهو القرآن. وهذا ليس بتكرار. لأن تلاوة القرآن ~~عليهم غير تعليمه إياهم والحكمة وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن ~~على تفصيلها. ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة هي سنة الرسول. وقوله ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة ~~من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم. ~~فبعث الله تعالى النبي بالحق. # حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم. فصاروا أعمق الناس علما وأبرهم ~~قلوبا وأقلهم تكلفا وأصدقهم لهجة. وذلك من أعظم أنواع النعم. قال تعالى: ~~لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم [آل عمران: 164] الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: ~~ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار [إبراهيم: ~~28] ، قال ابن عباس يعني، بنعمة الله، محمدا صلى الله عليه وسلم. ولهذا ندب ~~الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. وقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 152] # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # فاذكروني أذكركم ms0450 واشكروا لي ولا تكفرون قال ابن جرير: أي اذكروني أيها ~~المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي ~~إياكم ومغفرتي لكم. وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. ~~وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة، أذكركم بالمزيد والتوالي. وهي ~~بمعنى ما قبله. وقوله واشكروا لي قال ابن جرير: أي اشكروا لي فيما أنعمت ~~عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته. وقوله ولا تكفرون أي لا ~~تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم. # قال السمرقندي: أي اشكروا نعمتي: أن أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو # PageV01P432 # عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة. ولا تجحدوا هذه النعمة، ~~ويقال: النعمة، في الحقيقة. هي العلم. وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة. # وليس بنعمة. والعلم لا يمل منه صاحبه. بل يطلب منه الزيادة. فأمر الله ~~تعالى بشكر هذه النعمة، وهي نعمة بعثه رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة. كما ~~قصه الحرالي. ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم، جعل، تعالى ~~ذكره، لهم عوض ما كانوا يذكرون. كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم. وهز ~~عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم. # وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«1» # «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم. وإن اقترب إلي شبرا ~~اقتربت إليه ذراعا. # وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا. فإن أتاني يمشي أتيته هرولة. صحيح ~~الإسناد أخرجه «2» البخاري أيضا. # وروى مسلم «3» عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أنهما شهدا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم ~~الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده. # والآثار في فضل الذكر متوافرة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة. # (تنبيه) قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في ~~التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما. بل كل ms0451 عامل لله تعالى بطاعة، ~~فهو ذاكر لله تعالى. # كذا قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه، وغيره من العلماء. وقال عطاء رحمه ~~الله: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. كيف تشتري وتبيع. وتصلى وتصوم، ~~وتنكح وتطلق. وأشباه هذا. وقال النووي أيضا: إن الأذكار المشروعة في الصلاة ~~وغيرها. واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به ~~بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، لا عارض. وقد صنف، في عمل اليوم ~~والليلة، جماعة من الأئمة كتبا نفيسة. ومن أجمعها للمتأخرين (كتاب ~~PageV01P433 # الأذكار للنووي) وممن جمع زبدة ما روى فيها الإمام ابن القيم رحمه الله ~~تعالى في (زاد المعاد) . وقال في طليعة ذلك: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل. # بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه. وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ~~ذكرا منه لله. وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ~~ذكرا منه له. # وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه ذكرا منه له. وسؤاله ودعاؤه إياه ~~ورغبته ورهبته ذكرا منه له. وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه. فكان ذكر الله ~~في كل أحيانه وعلى جميع أحواله. وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما ~~وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته. انتهى. # وأما الأذكار المحدثة والسماعات المبتدعة، سماع الكف والدف، فلم يكن ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر الأكابر من أئمة الدين، يجعلون هذا ~~طريقا إلى الله تبارك وتعالى. ولا يعدونه من القرب والطاعات بل يعدونه من ~~البدع المذمومة. حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه ~~(التغيير) يصدون به الناس عن القرآن. وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك. ~~ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا. ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم. ومن ~~كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله، كان نصيب الشيطان فيه أكثر. ~~فسماع الغناء والملاهي من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية. وهو سماع ~~المشركين. قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا ms0452 مكاء وتصدية ~~[الأنفال: 35] ، قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وغيرهما من السلف: ~~التصدية، التصفيق باليد. # والمكاء مثل الصفير. فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. وأما النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ~~نحو ذلك، والاجتماعات الشرعية. # ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط. لا بكف ~~ولا بدف ولا تواجد وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا اجتمعوا، ~~أمروا واحدا منهم أن يقرأ. والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون. ومر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ # فقال له «1» : مررت بك PageV01P434 # البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك. فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته ~~لك تحبيرا # . أي لحسنته لك تحسينا. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : زينوا القرآن بأصواتكم. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : لله أشد أذنا (أي استماعا) إلى الرجل ~~الحسن الصوت بالقرآن يجهر به، من صاحب القينة إلى قينته. # وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «3» # «أقرأ علي» قلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال «نعم» فقرأت ~~سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا ~~بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] ، قال: حسبك الآن. فالتفت فإذا عيناه ~~تذرفان. # ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى ذلك في ~~كتابه فقال أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا ~~مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا، إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا [مريم: 58] . وقال تعالى في أهل المعرفة وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ~~[المائدة: 83] ، ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان ~~واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: الله نزل أحسن الحديث ms0453 كتابا متشابها ~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله [الزمر: 23] ، وقال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا [الأنفال: 2] ، فخلاف هذا ~~السماع، من الباطل الذي نهى عنه. # ولذلك لم يفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا فعله أكابر المشايخ. # فليفق من كان من الفريق الأدنى في سلوك فقره. وليصحب من هو من الرفيق ~~الأعلى إلى حلول قبره. وليداو جراحات اجتراح بدعته، باتباع هدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولزوم سنته. PageV01P435 # واعلم أن ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته، فيتولد منه الهيبة والإجلال. ~~وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن. وتارة لنعمته فيتولد منه ~~الشكر، ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها. وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه ~~العبر. فحق المؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره تعالى على أحد هذه الأوجه. ~~وقوله تعالى واشكروا لي ولا تكفرون فيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها ~~(فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب) . وقد وعد تعالى على شكره بمزيد الخير ~~فقال: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~[إبراهيم: 7] قال ابن عطية: # اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد. و «لي» أفصح وأشهر مع الشكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 153] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة أرشد تعالى المؤمنين، إثر ~~الأمر بالشكر في الآية قبل، بالاستعانة بالصبر والصلاة. لأن العبد إما أن ~~يكون في نعمة فيشكر عليها. أو في نقمة فيصير عليها. كما جاء # في الحديث «1» : عجبا للمؤمن لا يقضى له قضاء إلا كان خيرا له # . إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له. وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له. ~~وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله، الصبر ~~والصلاة. كما تقدم في قوله واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين [البقرة: ms0454 45] ، # وفي الحديث «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى # . ثم إن الصبر صبران: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات ~~والقربات. والثاني أكثر ثوابا. لأنه المقصود وأما الصبر الثالث، وهو الصبر ~~على المصائب والنوائب، فذاك أيضا واجب. كالاستغفار من المعائب. # وقال الإمام ابن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) وأعظم عون لولي الأمر ~~خاصة، ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء ~~وغيره. PageV01P436 # وأصل ذلك المحافظة على الصلاة بالقلب والبدن. والثاني الإحسان إلى الخلق ~~بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث الصبر على الأذى من الخلق وغيره من ~~النوائب. # ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا كقوله تعالى: واستعينوا بالصبر ~~والصلاة [البقرة: 45] ، وكقوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين [هود: 114- 115] ، وقوله فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها [طه: 130] ، وأما قرانه بين الصلاة والزكاة ~~في القرآن فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي ~~والرعية. إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة ~~من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه، وفي ~~الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم وإعانة الملهوف ~~وقضاء حاجة المحتاج. وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ~~ومخالفة الهوى وترك الشر والبطر. انتهى. # إن الله مع الصابرين قال الإمام ابن تيمية (في شرح حديث النزول) : لفظ ~~المعية في كتاب الله جاء عاما كما في قوله تعالى وهو معكم أين ما كنتم ~~[الحديد: 4] ، وفي قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] ~~إلى قوله هو معهم أين ما كانوا وجاء خاصا كما في قوله: إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] ، وقوله إنني معكما أسمع وأرى [طه: ~~46] ، وقوله لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] ، فلو كان المراد بذاته مع ~~كل شيء لكان ms0455 التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله لا تحزن إن الله ~~معنا أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله إن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. # وأيضا، فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها ~~اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. كما في قوله محمد رسول الله والذين معه ~~[الفتح: 29] ، وقوله فأولئك مع المؤمنين [النساء: 146] ، وقوله اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] ، وقوله وجاهدوا معكم [الأنفال: 75] ، ~~ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله وهو معكم يدل على أن تكون ذاته مختلطة ~~بذوات الخلق. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبين أن لفظ المعية في ~~اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو، إذا كان مع العباد، ~~لم يناف # PageV01P437 # ذلك علوه على عرشه. ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم ~~بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد. انتهى ~~مختصرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 154] # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) # وقوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون ينهى تعالى عبادة المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا. بمعنى ~~الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة. وتصرمت عنهم اللذات. وأضحوا كالجمادات. ~~كما يتبادر من معنى الميت. ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء. لأنهم ~~أحياء عند ربهم يرزقون. كما قال تعالى في آل عمران ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من ~~فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين [آل عمران: ~~169- 171] ، فقوله في هذه الآية عند ربهم يفسر المراد من حياتهم. أي إنها ~~لأرواحهم عنده تعالى. وقوله ولكن لا تشعرون أي بحياتهم الروحية بعد موتهم. ~~إذ لم يظهر منها شيء ms0456 في أبدانهم، وإن حفظ بعضها عن التلف. كما ترون النيام ~~همودا لا يتحركون. # فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا، ولا عيش أرغد منه في الآخرة. # قال الحرالي: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد منال المكروه من كل وجه. حتى ~~في أن يقال عنه: ميت. فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم، ~~لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر. انتهى. # ولذا قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى، وقولوا لهم الشهداء الأحياء. ~~وقال الراغب الأصفهاني: الحياة على أوجه. وكل واحد منها يقابله موت ~~(الأولى) هو القوة النامية التي بها الغذاء، والشهوة إليه. وذلك موجود في ~~النبات والحيوان والإنسان. ولذلك يقال: نبات حي. (والثانية) في القوة ~~الحاسة التي بها الحركة المكانية. وهي في الحيوان دون النبات (والثالثة) ~~القوة العاملة العاقلة. وهي في الإنسان دون الحيوان والنبات. وبها يتعلق ~~التكليف. وقد يقال للعلم المستفاد والعمل الصالح: حياة. وعلى ذلك قوله ~~تعالى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] وقيل: ~~المحسن حي وإن كان في دار الأموات. والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء ~~(قال) ونعود إلى معنى الآية فنقول: قد أجمعوا على # PageV01P438 # أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النمو والغذاء، ولا الحياة التي بها ~~الحس. فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول. فبعض المفسرين اعتبر الحياة ~~المختصة بالإنسان. وقال: إن هذه الحياة مخصصة بالقوة المسماة تارة الروح ~~وتارة النفس. # قال: والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة، التي هي الروح. البدن. فمتى ~~كان الإنسان محسنا كان منعما بروحه مسرورا لمكانه إلى يوم القيامة. وإن كان ~~مسيئا كان به معذبا. وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين والأدلة. ~~وهو مذهب أصحاب الحديث. ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. بل إليه ذهب أصحاب الملل كلها. ومما دل على صحته خبرا # «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» «1» # وما # روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن الله خلق ms0457 الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» «2» # وروي أنه لما قتل من قتل من صناديد قريش- يوم بدر- وجمعوا في قليب، أقبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبهم بقوله «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني ~~وجدت ما وعدني ربي حقا» قيل: يا رسول الله! أتخاطب جيفا؟ فقال: «ما أنتم ~~بأسمع منهم، ولو قدروا لأجابوا» # إلى غير ذلك من الأخبار. وقال تعالى في آل فرعون: النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا وهذا يعني به قبل يوم القيامة، لأنه قال في آخر الآية ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] . انتهى. # وفي البيضاوي وحواشيه: «إن إثبات الحياة للشهداء في زمان بطلان الجسد، ~~وفساد البنية، ونفي الشعور بها- دليل على أن حياتهم ليست الجسد، ولا من جنس ~~حياة الحيوان، لأنها بصحة البنية، واعتدال المزاج وإنما هي أمر يدرك بالوحي ~~لا بالعقل» انتهى. # وقد جاء الوحي ببيان حياتهم- كما أسلفنا- قال الإمام ابن القيم رحمه الله ~~PageV01P439 # تعالى في كتاب (الروح) : وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ~~ربهم يرزقون، وهذه حياة أرواحهم، ورزقها دار، وإلا فالأبدان قد تمزقت. وقد ~~فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحياة: بأن أرواحهم «1» في جوف طير ~~خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك ~~القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء ~~نشتهي؟ ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا ... ! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات. فلما ~~رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا- قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في ~~أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى..! # فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم «إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر ~~الجنة» «2» # (وتعلق بضم اللام- أي: تأكل العلقة) وهذا صريح في أكلها، وشربها، ~~وحركتها، وانتقالها، وكلامها ... ! انتهى. # قال الطيبي: # قوله صلى الله عليه وسلم «أرواحهم في جوف طير خضر» # أي: يخلق لأرواحهم، بعد ما فارقت أبدانهم، هياكل تلك الهيئة، تتعلق بها ~~وتكون خلفا عن أبدانهم، ms0458 فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية. ~~وقال ابن القيم في كتاب (الروح) : «إن الله سبحانه وتعالى جعل الدور ثلاثة: ~~دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وجعل لكل دار أحكاما تختص بها. وركب ~~هذا الإنسان من بدن ونفس. # وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، ولهذا جعل أحكامه ~~الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس ~~خلافه. # وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها. فكما تبعت الأرواح ~~الأبدان في أحكام الدنيا، فتألمت بألمها، والتذت براحتها، وكانت هي التي ~~باشرت أسباب النعيم والعذاب- تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها. ~~والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، ~~والأرواح خفية. والأبدان كالقبور لها. والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية ~~في قبورها. فتجري أحكام البرزخ على الأرواح. فترى إلى أبدانها نعيما ~~وعذابا. كما جرى أحكام الدنيا على الأبدان فترى إلى أرواحها نعيما وعذابا. ~~فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي، يزل عنك PageV01P440 # كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا الله سبحانه، بلطفه ورحمته ~~وهدايته من ذلك. أنموذجا في الدنيا من حال النائم. فإن ما ينعم به، أو يعذب ~~في نومه، يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له. وقد يقوى حتى يؤثر في البدن ~~تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم أنه في نومه ضرب، فيصبح وآثار الضرب في جسمه. ~~ويرى أنه قد أكل وشرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب فيه. ويذهب عنه ~~الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم، ثم يقوم من نومه، ويضرب ويبطش ~~ويدافع، كأنه يقظان، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. لأن الحكم، لما جرى ~~على الروح، استعانت بالبدن من خارجه. ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس. فإذا كانت ~~الروح تتألم وتتنعم، ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ، ~~بل أعظم. فإن تجرد الروح هناك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها، لم تنقطع عنه ~~كل الانقطاع. فإذا كان يوم حشر الأجساد، وقيام الناس من قبورهم، صار الحكم ~~والنعيم ms0459 والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرا باديا. ومتى أعطيت هذا الموضع ~~حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه، وضيقه وسعته، ~~وضمه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة- مطابق للعقل. وأنه ~~حق لا مرية فيه. وأن من أشكل عليه ذلك، فمن سوء فهمه، وقلة علمه. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى 156] # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) # وقوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء خطاب لمن آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم، خصوا به، وإن ~~شمل من ماثلهم، لأنهم المباشرون للدعوة والجهاد، ومكافحة الفجار. وكل قائم ~~بحق، وداع إليه، معرض للابتلاء بما ذكر، كله أو بعضه. والتنوين للتقليل. ~~أي: بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه، وإنما قلل ليؤذن أن كل بلاء ~~أصاب الإنسان، وإن جل، ففوقه ما يقل إليه. وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته ~~معهم في كل حال لا تزايلهم. وإنما أخبر به قبل الوقوع، ليوطنوا عليه ~~نفوسهم، ويزداد يقينهم، عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به. وليعلموا أنه شيء ~~يسير، له عاقبة حميدة من # PageV01P441 # الخوف # أي خوف العدو والإرجاف به والجوع أي الفقر، للشغل بالجهاد، أو فقد الزاد، ~~إذا كنتم في سرية تجاهدون في سبيل الله. وقد كان يتفق لهم ذلك أياما ~~يتبلغون فيها بتمرة ونقص من الأموال أي لانقطاعهم بالجهاد عن عمارة ~~بساتينهم، أو لافتقاد بعضها بسبب الهجرة، وترك شيء منه في البلدة المهاجر ~~منها والأنفس بقتلها شهيدة في سبيل الله، أو ذهاب أطرافها فيه والثمرات أي ~~بأن لا نغل الحدائق كعادتها، للغيبة عنها في سبيل الله، وفقد من يتعاهدها، ~~وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر، لا ~~سيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة. فكل هذا وأمثاله مما ~~يختبر الله به عباده كما قال: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~[محمد: 31] . قال ms0460 الراغب: هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها: أي إذا ~~نظر إلى عموم كل فرد مما ذكر فيها، وقطع النظر عن خصوص حال المخاطبين فيها، ~~بما يدل عليه سابقه. # ثم بين تعالى ما للصابرين عنده بقوله وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة مكروه، اسم فاعل من أصابته شدة: لحقته. أي كهذه البلايا قالوا إنا ~~لله أي ملكا وخلقا، فلا ينبغي أن نخاف غيره، لأنه غالب على الكل. أو نبالي ~~بالجوع، لأن رزق العبد على سيده، فإن منع وقتا، فلا بد أن يعود إليه. ~~وأموالنا وأنفسنا وثمراتنا ملك له، فله أن يتصرف فيها بما يشاء وإنا إليه ~~راجعون في الدار الآخرة. # فيحصل لنا عنده ما فوته علينا. لأنه لا يضيع أجر المحسنين. فالمصاب يهون ~~عليه خطبه، إذا تسلى بقوله هذا، وتصور ما خلق له، وأنه رجع إلى ربه، وتذكر ~~نعم الله عليه. ورأى أن ما أبقى عليه أضعاف ما أسترده منه. قال الراغب: ~~وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح وتسخط القضاء ~~ليس يغني شيئا. # وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله والقصد له، والاستهانة بما يعرض في ~~طريق الوصول إليه. فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها ~~وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه. # (ثم قال) إن قيل: ولم قلت: إن الأمر بالصبر يقتضي العلم؟ قيل: الصبر في ~~الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 157] # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # أولئك إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت عليهم # PageV01P442 # صلوات من ربهم # قال الراغب: الصلاة، وإن كانت في الأصل الدعاء، فهي من الله البركة على ~~وجه، والمغفرة على وجه. وقال الرازي: الصلاة من الله هي الثناء والمدح ~~والتعظيم. قال الراغب: وإنما قال صلوات على الجمع، تنبيها على كثرتها منه ~~وأنها حاصلة في الدنيا توفيقا وإرشادا، وفي الآخرة ثوابا ومغفرة ورحمة ~~عظيمة في الدنيا عوض مصيبتهم وأولئك هم المهتدون أي إلى الوفاء ms0461 بحق ~~الربوبية والعبودية، فلا بد أن يوفي الله عليهم صلواته ورحمته. # (تنبيه) ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند ~~المصائب، وفي أجر الصابرين، أحاديث كثيرة. منها ما # في صحيح مسلم «1» عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني ~~في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا ~~منها. # قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير من أبي سلمة: صاحب رسول الله؟ # ثم عزم الله لي فقلتها. قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى الإمام أحمد «2» عن الحسين بن علي عليهما السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها، وإن طال عهدها، ~~فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ~~بها. # وروى الإمام أحمد «3» بسنده عن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي. وإني لفي ~~القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة (يعني الخولاني) فأخرجني وقال: ألا أبشرك؟ قال ~~قلت: # بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبي موسى الأشعري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: يا ملك الموت، قبضت ~~ولد عبدي، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك ~~واسترجع. قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. # ورواه الترمذي # وقال: حسن غريب. # وروى البخاري «4» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من يرد الله به خيرا يصب منه. PageV01P443 # وروى الشيخان «1» عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى ~~الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه. # ورويا «2» أيضا عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ms0462 ~~من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به عنه من سيئاته. كما تحط ~~الشجرة ورقها. # والأحاديث في ذلك متوافرة معروفة في كتب السنة. # وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام، رحمة الله تعالى، كلام على فوائد ~~المحن والرزايا يحسن إيراده هنا. قال عليه الرحمة: للمصائب والبلايا والمحن ~~والرزايا فوائد تختلف باختلاف رتب الناس. # أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها. # والثاني: معرفة ذلة العبودية وكسرها. وإليه الإشارة بقوله تعالى: الذين ~~إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون [البقرة: 156] ، اعترفوا ~~بأنهم ملكه وعبيده وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر ~~لهم منه ولا محيد لهم عنه. # والثالثة: الإخلاص لله تعالى إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه. ولا ~~معتمد في كشفها إلا عليه وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو [الأنعام: ~~17] ، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين [العنكبوت: 65] . # الرابعة: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه وإذا مس الإنسان ضر دعا ~~ربه منيبا إليه [الزمر: 8] . # الخامسة: التضرع والدعاء وإذا مس الإنسان الضر دعانا [يونس: 12] ، ~~PageV01P444 # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [الإسراء: 67] . بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء، وتنسون ما تشركون [الأنعام: 41] . قل من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين [الأنعام: 63] . # السادسة: الحلم ممن صدرت عنه المصيبة إن إبراهيم لأواه حليم [التوبة: ~~114] ، إنا نبشرك بغلام عليم [الحجر: 53] . إن فيك لخصلتين يحبهما الله ~~تعالى: الحلم والأناة «1» . وتختلف مراتب الحلم باختلاف المصائب في صغرها ~~وكبرها، فالحلم عند أعظم المصائب أفضل من كل حلم. # السابعة: العفو عن جانيها والعافين عن الناس [آل عمران: 134] . فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40] والعفو عن أعظمها أفضل من كل عفو. # الثامنة: الصبر عليها. وهو موجب لمحبة الله تعالى وكثرة ثوابه والله يحب ~~الصابرين [آل عمران: 146] ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: ~~10] ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر «2» . # التاسعة: ms0463 الفرح بها لأجل فوائدها. # قال عليه الصلاة والسلام «3» : والذي نفسي بيده! إن كانوا ليفرحون ~~بالبلاء كما تفرحون بالرخاء # . وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: حبذا المكروهان الموت والفقر. ~~وإنما فرحوا بها إذ لا وقع لشدتها ومرارتها بالنسبة إلى ثمرتها وفائدتها، ~~كما يفرح من عظمت أدواؤه بشرب الأدوية الحاسمة لها، مع تجرعه لمرارتها. ~~PageV01P445 # العاشرة: الشكر عليها لما تضمنته من فوائدها. كما يشكر المريض الطبيب ~~القاطع لأطرافه، المانع من شهواته، لما يتوقع في ذلك من البرء والشفاء. # الحادية عشرة: تمحيصها للذنوب والخطايا وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفوا عن كثير [الشورى: 30] ولا يصيب المؤمن وصب ولا نصب حتى الهم ~~يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به من سيئاته «1» . # الثانية عشرة: رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم. فالناس معافى ~~ومبتلى فارحموا أهل البلاء واشكروا الله تعالى على العافية «2» . وإنما ~~يرحم العشاق من عشق. # الثالثة عشرة: معرفة نعمة العافية والشكر عليها. فإن النعم لا تعرف ~~أقدارها إلا بعد فقدها. # الرابعة عشرة: ما أعده الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الآخرة على ~~اختلاف مراتبها. # الخامسة عشرة: ما في طيها من الفوائد الخفية فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا [النساء: 19] . وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~[البقرة: 216] . إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم [النور: 11] . # ولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم «3» كان في طي تلك البلية أن أخدمها ~~هاجر. PageV01P446 # فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرية إسماعيل ~~خاتم النبيين. فأعظم بذلك من خير كان في طي تلك البلية، وقد قيل: # كم نعمة مطوية لك بين أثناء المصائب وقال آخر: # رب مبغوض كريه فيه لله لطائف السادسة عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من ~~الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر، فإن نمرود، لو كان فقيرا ~~سقيما، فاقد السمع والبصر، لما حاج إبراهيم في ربه، لكن حمله بطر الملك على ~~ذلك. وقد علل الله سبحانه وتعالى محاجته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون ~~بمثل ms0464 ذلك لما قال أنا ربكم الأعلى [النازعات: 24] . وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله [التوبة: 74] ، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ~~[العلق: 6- 7] . ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض [الشورى: 27] ، ~~واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه [هود: 116] . # لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه [الجن: 16] . وما أرسلنا في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون [سبأ: 34] . # والفقراء والضعفاء هم الأولياء وأتباع الأنبياء. ولهذه الفوائد الجليلة ~~كان أشد الناس بلاء الأنبياء «1» . ثم الأمثل فالأمثل. نسبوا إلى الجنون ~~إنك لمجنون [الحجر: 6] والسحر قالوا ساحر أو مجنون [الذاريات: 52] ، ~~والكهانة فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون [الطور: 29] . واستهزئ ~~بهم وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن [الحجر: 11] . وسخر منهم ولقد ~~استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن [الأنعام: ~~10] ، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا [الأنعام: 34] . وقيل لنا أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب [البقرة: 214] . PageV01P447 # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر ~~الصابرين [البقرة: 155] ، لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا [آل عمران: 186] . # كالذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وتغربوا عن أوطانهم. وكثر عناهم. واشتد ~~بلاهم، وتكاثر أعداهم. فغلبوا في بعض المواطن، وقتل منهم بأحد «1» وبئر ~~معونة «2» من قتل. وشج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكسرت رباعيته. ~~وهشمت البيضة على رأسه. # وقتل أعزاؤه ومثل بهم. فشمتت أعداؤه واغتم أولياؤه. وابتلوا يوم الخندق ~~«3» . وزلزلوا زلزالا شديدا. وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وكانوا ~~في خوف دائم وعرى لازم. وفقر مدقع. حتى شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع. ~~ولم يشبع سيد الأولين والآخرين من خبز بر في يوم مرتين. وأوذي بأنواع ~~الأذية حتى قذفوا أحب «4» أهله إليه. ثم ابتلي في آخر الأمر بمسيلمة «5» ~~وطليحة والعنسي «6» . ولقي هو وأصحابه ms0465 في جيش العسرة «7» ما لقوه. ومات ~~ودرعه «8» عند يهودي على آصع من شعير. ولم تزل الأنبياء والصالحون يتعهدون ~~بالبلاء الوقت بالوقت (يبتلى الرجل «9» على قدر دينه فإن كان صلبا في دينه ~~شدد في بلائه. ولقد كان أحدهم يوضع «10» المنشار على مفرقه فلا يصده ذلك عن ~~دينه) . # وقال عليه الصلاة والسلام. «مثل PageV01P448 # المؤمن «1» مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء» ~~. # وقال عليه الصلاة والسلام (مثل المؤمن «2» كمثل الخامة من الزرع تفيئها ~~الريح، تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى تهيج) # فحال الشدة والبلوى مقبلة بالعبد إلى الله عز وجل. وحال العافية والنعماء ~~صارفة للعبد عن الله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه [يونس: 12] ، فلأجل ~~ذلك تقللوا في المآكل والمشارب والمناكح والمجالس والمراكب وغير ذلك. ~~ليكونوا على حالة توجب لهم الرجوع إلى الله تعالى عز وجل والإقبال عليه. # السابعة عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى. فإن المصائب تنزل بالبر ~~والفاجر. فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا. # ولرضا أفضل من الجنة وما فيها. لقوله تعالى: ورضوان من الله أكبر ~~[التوبة: 72] ، أي من جنات عدن ومساكنها الطيبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 158] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) # قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما، الصفا والمروة: علمان لجبلين بمكة. ومعنى كونهما ~~من شعائر الله: من أعلام مناسكه ومتعبداته. # قال الرازي: كل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله، فهو من شعائر الله. قال ~~الله تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله [الحج: 36] ، أي: علامة ~~للقربة. # وقال ذلك ومن يعظم شعائر الله [الحج: 32] ، وشعائر الحج معالم نسكه. ومنه ~~المشعر الحرام. ومنه إشعار السنام- وهو أن يعلم بالمدية- فيكون ذلك علما ms0466 ~~على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله. و (الشعائر) جمع شعيرة ~~وهي PageV01P449 # العلامة، مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام، ومنه قولك: شعرت بكذا أي ~~علمت انتهى. # و (الحج) في اللغة: القصد. و (الاعتمار) : الزيارة. غلبا في الشريعة على ~~قصد البيت وزيارته، على الوجهين المعروفين في النسك. و (الجناح) بالضم: ~~الإثم والتضييق والمؤاخذة. وأصل (الطواف) : المشي حول الشيء. والمراد: ~~السعي بينهما. # وقد روي في سبب نزول الآية عدة روايات: # ولفظ البخاري عن عروة قال «1» : سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: # أرأيت قول الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فو الله! ما على أحد جناح أن لا يطوف ~~بالصفا والمروة! قالت: بئسما قلت يا ابن أختي! إن هذه لو كانت كما أولتها ~~عليه، كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار. ~~كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل. ~~فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف ~~بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله ... ~~الآية. # قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف ~~بينهما. فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. # ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد ~~سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس- إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل ~~بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف ~~بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله! كنا نطوف ~~بالصفا والمروة. # وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا. فهل علينا من حرج أن نطوف ~~بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله ... ~~الآية. # قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية ms0467 نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا ~~يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذي يطوفون ثم تحرجوا أن ~~يطوفوا PageV01P450 # بهما في الإسلام. من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر ~~الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. # وفي رواية معمر عن الزهري: إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما ~~لمناة، أخرجه البخاري تعليقا، ووصله أحمد وغيره. # وأخرج مسلم «1» في رواية يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير أن عائشة ~~أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، هم وغسان، يهلون لمناة. فتحرجوا أن ~~يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم: من أحرم لمناة لم يطف ~~بين الصفا والمروة. وإنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حين ~~أسلموا. فأنزل الله عز وجل في ذلك: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم. # وروي الفاكهي عن الزهري: أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي ~~قديد. فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من ~~عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلوا لها. فمن أهل لها لم يطف بين الصفا ~~والمروة. # قال: وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل ~~يثرب. # وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة «2» قال: كان على الصفا والمروة ~~صنمان من نحاس يقال لهما «إساف ونائلة» كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما ~~... الحديث. # وروى الطبراني وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس ~~قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية. فأنزل ~~الله عز وجل إن الصفا والمروة ... الآية. # وروى الفاكهي وإسماعيل القاضي في «الأحكام» بإسناد صحيح عن الشعبي قال: ~~كان صنم بالصفا يدعى «إساف» ، ووثن بالمروة يدعى «نائلة» ، فكان أهل ~~الجاهلية يسعون بينهما. فلما جاء الإسلام رمى بهما وقالوا: إنما كان ذلك ~~يصنعه أهل الجاهلية من أجل ms0468 أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل ~~الله تعالى: # إن الصفا والمروة ... الآية. # وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أنه تحرج طوائف من السعي بين الصفا ~~PageV01P451 # والمروة لأسباب متعددة فنزلت في الكل. والله أعلم. # وجواب عائشة، رضي الله عنها، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير ~~معرفتها بدقائق الألفاظ. لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناح ~~عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه. ومن تطوع ~~خيرا فإن الله شاكر عليم، أي: من فعل خيرا فإن الله يشكره عليه ويثيبه به. ~~ومعنى (تطوع) أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهي ~~لا لغوي. # و (الشكر) من الله تعالى المجازاة والثناء الجميل. # قال الراغب: الشكر، كما يكون بالقول، يكون بالفعل، وعلى ذلك قوله تعالى: ~~اعملوا آل داود شكرا [سبأ: 13] قال: وليس شكر الرفيع للوضيع إلا الإفضال ~~عليه وقبول حمد منه. ### | تنبيهات: # الأول: تمسك بعضهم بقوله تعالى: ومن تطوع خيرا على أن السعي سنة، وأن من ~~تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها: إن التطوع التبرع بما لا يلزم فقد ~~قدمنا أنه عرف فقهي لا لغوي، فلا حجة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت ~~المراد منه. # وممن ذهب إلى أنه سنة، لا يجبر بتركه شيء، أنس فيما نقله ابن المنذر ~~وعطاء. نقله ابن حجر في (الفتح) . # وقال الرازي: روي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه. # وأما # حديث «1» : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي رواه أحمد وغيره # ، ففي إسناده عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف. # ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب. ذكره الحافظ ابن حجر ~~في (الفتح) . # الثاني: صح # أنه «2» صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة سبعا، رواه الشيخان ~~وغيرهما PageV01P452 # عن ابن عمر. # وأخرج مسلم وغيره «1» من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر ms0469 إلى البيت ورفع يديه، فجعل ~~يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. # وأخرج أيضا «2» من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنا من ~~الصفا قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله. أبدأ بما بدأ الله به فبدأ ~~بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره قال: لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ~~لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ~~ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا نصبت قدماه في بطن ~~الوادي، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على ~~الصفا # . وظاهر هذا أنه كان ماشيا. # وقد روى مسلم «3» في صحيحه عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول: طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين ~~الصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه. # ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا ~~طوافا واحدا. # قال ابن حزم: لا تعارض بينهما، لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب ~~كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده. # وعندي- في الجمع بينهما- وجه آخر أحسن من هذا وهو: أنه سعى ماشيا أولا، ~~ثم أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به. # ففي صحيح مسلم «4» عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف ~~بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة! قال: صدقوا ~~وكذبوا ... ! - قال- قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا..؟ قال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كثر PageV01P453 # عليه الناس. يقولون: هذا محمد..! حتى خرج عليه العواتق من البيوت- قال- ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه- فلما كثر عليه ~~ركب. والمشي والسعي أفضل. # وفي الصحيحين «1» عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سعى رسول ~~الله صلى ms0470 الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوته ... ~~! # وعن كريب مولى ابن عباس: أن ابن عباس قال «2» : ليس السعي ببطن الوادي ~~بين الصفا والمروة بسنة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون: لا نجيز ~~البطحاء إلا شدا..! رواه البخاري تعليقا، ووصله أبو نعيم في مستخرجه. قال ~~شراح الصحيح: المراد بالسعي المنفي هو شدة المشي والعدو. فهو، رضي الله ~~عنه، لم ينف سنية السعي المجرد، بل مجاوزة الوادي بقوة وعدو شديد، إذ أصل ~~السعي هديه صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. # الثالث: في البخاري «3» عن ابن عباس في قصة هاجر أم إسماعيل: إن الطواف ~~بينهما مأخوذ من طوافها وتردادها في طلب الماء. ولفظه: وجعلت أم إسماعيل ~~ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ~~ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى (أو قال، يتلبط) فانطلقت كراهية أن تنظر ~~إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي ~~تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت ~~طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، ~~فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك سعي الناس بينهما فلما ~~أشرفت على المروة سمعت صوتا ... الحديث. # قال ابن كثير: لما ترددت هاجر في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، ~~تطلب الغوث من الله تعالى متذللة، خائفة، مضطرة، فقيرة إلى الله عز وجل، ~~كشف تعالى كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي طعامها ~~طعام طعم، PageV01P454 # وشفاء سقم. فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله ~~في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأنه يلتجئ إلى الله عز وجل ~~لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن ~~يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه- من الذنوب ~~والمعاصي- إلى حال الكمال ms0471 والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ~~عليها السلام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 159] # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. # لما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق، وختم ما أتبعه ~~له بصفتي الشكر والعلم- ترغيبا وترهيبا- بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ~~ويعلم من أخفاه وإن دق فعله وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت ~~المنافقين منهم. ولعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق. إذ كانت هذه كلها ~~في الحقيقة قصصهم. والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم ~~المبين، لأن هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد «شاكر ~~عليم» : ومن أحدث شرا فإن الله عليم قدير، فوصل به استئنافا قوله- على وجه ~~يعمهم وغيرهم- إن الذين يكتمون ما أنزلنا ... الآية، بيانا لجزائهم. ~~فانتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله: ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون [البقرة: 42] ، فكانت ~~البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا منطبقا- على ~~نحو ما كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من الرسل خلقا- لينطبق ~~الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا، فعم كل كاتم من الأولين ~~والآخرين. نقله البقاعي. # و (اللعن) الطرد والإبعاد عن الخير، هذا من الله تعالى ومن الخلق: السب، ~~والشتم، والدعاء على الملعون، ومشاقته، ومخالفته، مع السخط عليه، والبراءة ~~منه. # والمراد بقوله: اللاعنون كل من يصح منه لعن، وقد بينه بعد قوله تعالى: # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [البقرة: 162] ، وقد دلت # PageV01P455 # الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر، لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، لأن ما ~~يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت ~~خطيئته، وبلغ للعنه من الشقاوة والخسران ms0472 الغاية التي لا يدرك كنهها..! وقد ~~وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتمان العلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال ~~«1» : لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا أبدا إن الذين يكتمون ~~... [البقرة: 159] الآية، وقوله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه.. [آل عمران: 187] الآية. # ثم استثنى تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 160] # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ~~(160) # إلا الذين تابوا- أي عن الكتمان- وأصلحوا- أي عملوا صالحا- وبينوا- ما ~~كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع- فأولئك أتوب عليهم- أي أقبل توبتهم ~~بإفاضة المغفرة والرحمة عليهم- وأنا التواب الرحيم. # ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى كفره بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين خالدين فيها PageV01P456 # - أي في اللعنة، أو في النار، على أنها أضمرت من غير ذكر تفخيما لشأنها ~~وتهويلا لأمرها- لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون- إما من الإنظار بمعنى ~~التأخير والإمهال. أي: لا يمهلون عن العذاب ولا يؤخر عنهم ساعة بل هو ~~متواصل دائم أو من النظر بمعنى الرؤية أي: لا ينظر إليهم نظر رحمة كقوله: ~~ولا ينظر إليهم يوم القيامة [آل عمران: 77] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 163] # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم يخبر تعالى بخطابه كافة ~~الناس عن تفرده بالإلهية. وأنه لا شريك له ولا عديل. # قال الراغب: يجوز أن يكون قوله: وإلهكم إله واحد خطابا عاما، أي المستحق ~~منكم العبادة هو إله واحد لا أكثر ويجوز أن يكون خطابا للمؤمنين. # والمعنى. الذي تعبدونه إله واحد، تنبيها أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون ~~أصناما آلهة والشيطان والهوى ms0473 وغير ذلك. إن قيل: ما فائدة الجمع بين: إلهكم ~~إله واحد وبين لا إله إلا هو وأحدهما يبنى على الآخر؟ قيل: لما بين بقوله: ~~وإلهكم إله واحد أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها- وكان يجوز أن يتوهم ~~أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد ولا يستحق العبادة- أكده بقوله: لا إله إلا ~~هو وحق لهذا المعنى أن يكون مؤكدا وتكرر عليه الألفاظ، إذ هو مبدأ مقصود ~~العبادة ومنتهاه. # انتهى. # وقال الرازي: إنما خص سبحانه وتعالى هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ~~ذكر الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في ~~الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته ~~سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان. انتهى. # ولما كان مقام الوحدانية لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة، نصب تعالى ~~الأدلة، من العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات، على ذلك تبصيرا ~~للجهال وتذكيرا للعلماء بقوله: # PageV01P457 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 164] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) # إن في خلق السماوات والأرض- في ارتفاع الأولى ولطافتها واتساعها وكواكبها ~~السيارة والثوابت ودوران فلكها، وفي انخفاض الثانية وكثافتها وجبالها ~~وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع- واختلاف الليل ~~والنهار أي: اعتقابهما وكون كل منهما خلفا للآخر، فيجيء أحدهما ثم يذهب ~~ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة كقوله تعالى: وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة [الفرقان: 62] ، أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازديادا ~~وانتقاصا كما قال: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل [الحج: 61] ~~، أي: يزيد من هذا في هذا ومن هذا في ذاك. والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى آخر لمعايش الناس ~~والانتفاع بما عند أهل إقليم لغيره. # قال ms0474 الراغب: ولما لم يكن فرق بين أن يقال: والفلك التي تجري في البحر ~~وبين أن يقال: والبحر الذي يجري فيه الفلك، في أن القصد الأول بالآية أن ~~يعرف منفعة البحر وإن أخر في اللفظ، قدم ذكر الفلك الذي هو من صنعتنا. ولما ~~كان سبيلنا إلى معرفتها أقرب منه إلى معرفة صنعه- قدم ذكر الفلك لينظر منها ~~إلى آثار خلق الله تعالى. وما أنزل الله من السماء أي المزن من ماء فأحيا ~~به الأرض بأنواع النبات والأزهار وما عليها من الأشجار بعد موتها باستيلاء ~~اليبوسة عليها وبث فيها أي نشر وفرق من كل دابة من العقلاء وغيرهم وتصريف ~~الرياح أي: تقليبها في مهابها: قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، وفي أحوالها: ~~حارة وباردة وعاصفة ولينة، فتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطورا تسوقه، وآونة ~~تجمعه، ووقتا تفرقه، وحينا تصرفه. # قال الثعالبي: إذا جاءت الريح بنفس ضعيف وروح فهي النسيم، فإذا كانت ~~شديدة فهي العاصف، فإذا حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار فهي # PageV01P458 # الزعزعان والزعزع. فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة، فإذا هبت من الأرض ~~نحو السماء كالعمود فهي الإعصار ويقال لها زوبعة أيضا، فإذا هبت بالغبرة ~~فهي الهبوة، فإذا كانت باردة فهي الصرصر، فإذا كان مع بردها ندى فهي ~~البليل، فإذا كانت حارة فهي الحرور والسموم، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل ~~مطرا فهي العقيم. ومما يذكر منها بلفظ الجمع: الأعاصير وهي التي تهيج ~~بالغبار، واللواقع التي تلقح الأشجار، والمعصرات التي تأتي بالأمطار، ~~والمبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث. # والسحاب المسخر بين السماء والأرض أي: فلا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله ~~يحمله بخار الماء- كما تهوي بقية الأجرام العالية- حيث لم يكن لها ممسك ~~محسوس، ولا يعلو، ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة: فالكثيف يقتضي ~~النزول، واللطيف يقتضي العلو، والمتوسط يقتضي الانقشاع. ذكره البقاعي. ### | لطيفتان: # الأولى: قال الثعالبي: أول ما ينشأ السحاب فهو النشء، فإذا انسحب في ~~الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فإذا أظل فهو العارض، ~~فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق ms0475 فهو العماء، فإذا عن فهو العنان، فإذا ~~كان أبيض فهو المزن. # الثانية: قال الراغب: التسخير القهر على الفعل. وهو أبلغ من الإكراه. ~~فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادة منه على وجه، كحمل الرحى على الطحن. ~~وقوله تعالى: لآيات: أي عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كما وكيفا لقوم ~~يعقلون أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول، فيستدلون على قدرته، ~~سبحانه، القاهرة، وحكمته الباهرة، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص ~~الألوهية به جل شأنه. # قال البقاعي: وسبب تكثير الأدلة أن عقول الناس متفاوتة. فجعل سبحانه ~~العالم- وهو الممكنات الموجودة، وهي جملة ما سواه، الدالة على وجوده وفعله ~~بالاختيار- على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى في عرف ~~أهل الشرع: الشهادة والخلق والملك. وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى: ~~الغيب والأمر والملكوت. والأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولو ~~الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس. فالله تعالى- بكمال عنايته ~~ورأفته ورحمته- جعل العالم بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه # PageV01P459 # متعددة، وطرق متكثرة، تعجز القوى البشرية. عن ضبطها، يستدل بها على ~~وحدانيته، بعضها أوضح من بعض، ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل بقدر ما ~~هيئ له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك- والعياذ بالله- هو ~~الشقي انتهى. # قال المهايمي: وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد ~~دل عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات؟ ثم قال: أما ~~دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان. لأن لهما أجزاء ~~يفتقران إليها، فلا بد لها من محدث ليس بعض أجزائهما، لأنه دخله التركيب ~~الحادث، والقديم لا يكون محلا للحوادث، والمحدث لا بد أن يكون قديما قطعا ~~للتسلسل. وعلى التوحيد، فلأن إله السموات لو كان غير إله الأرض لم يرتبط ~~منافع أحدهما بالآخر. # وعلى الرحمتين لأنه عز وجل جعل في الأرض مواد قابلة للصور المختلفة ~~وأفاضها واحدة بعد أخرى بتحريك السموات. وأما دلالة اختلاف الليل والنهار ~~على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السموات ولا بد لها من محرك، فإن كان ~~حادثا فلا بد له من محدث. وعلى ms0476 التوحيد، فلأن إله الليل لو كان غير إله ~~النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له، ~~فيلزم اجتماعهما وهو محال. فإن امتنع لزم عجز أحدهما أو كليهما. وعلى ~~الرحمتين، فلأن الاعتدال الذي به انتظام أمر الحيوانات إنما يكون من ~~تعاقبهما، إذ دوام الليل مبرد للعالم في الغاية، ودوام النهار مسخن له في ~~الغاية. وأما دلالة الفلك على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء فحقها ~~الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ودخول الهواء فيها- وإن كان من ~~الأسباب- فلا يتم عند امتلاء الفلك بالأمتعة الكثيرة، إذ يقل الهواء جدا ~~فيضعف أثره في إمساك هذا الثقيل جدا، فلا ينبغي أن ينسب إلا إلى الله تعالى ~~من أول الأمر وعلى التوحيد، فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع ~~أحدهما الآخر من التصرف في ملكه، وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف ~~المنافع المنوطة بالفلك وعلى الرحمتين فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، ~~والمسافر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها. وأما دلالة إنزال الماء على ~~وجود الإله، فلأنه أثقل من الهواء، فوجوده في مركزه لا يكون إلا من الله. ~~وعلى التوحيد، فلأن إله الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ~~ملكه. وعلى الرحمتين، فلأنه أحيى به الأرض معاشا للحيوانات، وبث به الدواب ~~تكميلا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجود الإله، فلأنها ~~حادثة تحدث هذه مرة وهذه أخرى، وقد يعدم الكل، فلا بد من # PageV01P460 # محدث، فإن كان حادثا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد، فلأنه لو كان لكل ريح ~~إله لأمكن للكل أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخل ~~بالنظام. وعلى الرحمتين، فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي الأشجار والثمار. ~~وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلا لنزل، أو كان خفيفا ~~لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى وأما على التوحيد فلأن ~~إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكل واحد أن يجعل سحابه ms0477 في ~~مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأن منها ~~الأمطار. وله وجوه أخر من الدلالات وفوائد غير محصورة، قنعنا بما ذكرنا. # قال القاضي عبد الجبار: الآية تدل على أمور: (أحدها) لو كان الحق يدرك ~~بالتقليد، واتباع الآباء، والجري على الإلف والعادة، لما صح ذلك. و ~~(ثانيها) لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور ~~بأنها آيات، لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات. و ~~(ثالثها) أن سائر الأجسام والأعراض، وإن كانت تدل على الصانع، فهو تعالى خص ~~هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعما على ~~المكلفين على أوفر حظ ونصيب، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب ~~وأشد تأثيرا في الخواطر. نقله الرازي. # ثم إن الله تعالى إنما أظهر هذه الآيات الدالة على وجوده، وتوحيده، ~~ورحمته، ليخصه الخلق بالمحبة والعبادة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 165] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) # ولكن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا أي: أمثالا. مع أن الآيات منعت ~~من أن يكون له ند واحد فضلا عن جماعتها يسوون بينهم وبين الله إذ يحبونهم ~~كحب الله أي: يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله والخضوع له. # و (الأنداد) هي: إما الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ~~ورجوا منها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور وقربوا لها ~~القرابين. وإما الرؤساء # PageV01P461 # الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لا سيما في الأوامر والنواهي. ورجح ~~هذا، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~[البقرة: 166] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا لله تعالى ~~يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله ~~تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله من المشركين لأندادهم، لأن أولئك ms0478 أشركوا في ~~المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلها لله، ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ~~ومنه، ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف المشركين فكانوا يعبدون الصنم ~~زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه، كما أكلت باهلة إلهها من حيس، عام ~~المجاعة. # قال العلامة ابن القيم رحمه الله في (شرح المنازل) في باب التوبة: # أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، ~~وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله تعالى، وهو الشرك الذي تضمن ~~تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولذا قالوا لآلهتهم في النار تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97- 98] مع إقرارهم ~~بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، وربه، ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ~~ترزق ولا تميت ولا تحيي، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة، والتعظيم، ~~والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم..! بل كلهم يحبون معبوديهم، ~~ويعظمونها، ويوادونها من دون الله تعالى..! وكثير منهم- بل أكثرهم- يحبون ~~آلهتهم أعظم من محبة الله تعالى..! # ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله تعالى..! ويغضبون بتنقص ~~معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين..! # وإذا انتقصت حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث أو الكلب..! وإذا ~~انتهكت حرمات الله تعالى لم يغضبوا لها. بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم ~~شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم..! قد شاهدنا نحن وغيرنا هذا منهم ... ~~انتهى. # وقال الإمام تقي الدين أحمد بن علي المقريزي رحمه الله: # ومن أجل الشرك، وأصله الشرك في محبة الله، قال تعالى: ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ... الآية، فأخبر سبحانه أن من أحب مع ~~الله شيئا غيره، كما يحبه، فقد اتخذ ندا من دونه! وهذا على أصح القولين في ~~الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله تعالى: ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] ، والمعنى على أصح القولين: أنهم ~~يعدلون به # PageV01P462 # غيره في العبادة فيسوون بينه ms0479 وبين غيره في الحب والعبادة. وكذلك قوله ~~المشركين في النار لأصنامهم تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب ~~العالمين [الشعراء: 97- 98] ومعلوم قطعا أن هذه التسوية لم تكن بينهم وبين ~~الله في كونهم خالقيهم، فإنهم كانوا- كما أخبر الله عنهم- مقرين بأن الله ~~تعالى وحده هو ربهم وخالقهم، وأن الأرض ومن فيها لله وحده، وأنه رب السموات ~~ورب العرش العظيم، وأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه ~~... وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبة والعبادة فمن ~~أحب غير الله تعالى، وخافه، ورجاه، وذل له- كما يحب الله ويخافه ويرجوه- ~~فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى..! فعياذا بالله! من أن ينسلخ ~~القلب من التوحيد والإسلام، كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه مسلم ~~موحد..! # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه: # والمتخذ إلهه هواه، له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل ~~له، وهذه محبة مع الله لا محبة لله! وهذه محبة أهل الشرك..! والنفوس قد ~~تدعي محبة الله، وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه وقد أشركته في ~~الحب مع الله! وقد يخفى الهوى على النفس، فإن حبك الشيء يعمي ويصم..! وهكذا ~~الأعمال التي يظن الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو ~~يعلمه: # إما لحب رئاسة، وإما لحب مال، وإما لحب صورة..! ولهذا قالوا «1» : يا ~~رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله..! فلما صار كثير من ~~الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة- ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب ~~والسنة- دخل فيها نوع من الشرك واتباع الأهواء. والله تعالى قد جعل محبته ~~موجبة لاتباع رسوله فقال: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] ، وهذا، لأن ~~الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول ~~يدعو إليه..! وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه..! فصار محبوب ms0480 الرب ~~ومدعو PageV01P463 # الرسول متلازمين، بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوعت الصفات..! انتهى. # ولو يرى الذين ظلموا أي: باتخاذ الأنداد ووضعها موضع المعبود إذ يرون ~~العذاب المعد لهم يوم القيامة أن القوة لله جميعا أي: القدرة كلها لله، على ~~كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم وأن الله شديد العذاب أي: العقاب ~~للظالمين. وفائدة عطفها على ما قبلها: المبالغة في تهويل الخطب، وتفظيع ~~الأمر. # فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب، لجواز تركه عفوا مع ~~القدرة عليه. وجواب (لو) محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان: إما لعدم ~~الإحاطة بكنهه، وإما لضيق العبارة عنه، وإما لإيجاب ذكره ما لا يستطيعه ~~المعبر أو المستمع من الضجر والتفجع عليه. أي لكان منهم ما لا يدخل تحت ~~الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم. ونظيره- في حذف ~~الجواب- قوله تعالى: # ولو ترى إذ وقفوا [الأنعام: 27] وقولهم: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. ~~وقرئ ولو ترى بالتاء- على خطاب الرسول أو كل مخاطب- أي: ولو ترى ذلك لرأيت ~~أمرا عظيما في الفظاعة والهول. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 166] # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) # إذ تبرأ الذين اتبعوا بدل من «إذ يرون» أي: تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء ~~الآمرون باتخاذ الأنداد وكل ما عبد من دونه تعالى: من الذين اتبعوا من ~~الأتباع، بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه في الدنيا لهم- أو يدعونهم ~~إليه- من فنون الكفر والضلال، واعتزلوا عن مخالطتهم، وقابلوهم باللعن. وقرئ ~~الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع من ~~الرؤساء ورأوا العذاب الواو للحال، أي: تبرأوا في حال رؤيتهم العذاب وتقطعت ~~بهم الأسباب أي: # الوصل التي كانت بينهم: من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحاب، ~~والاتباع، والاستتباع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 167] # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم ~~الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) # وقال الذين اتبعوا ms0481 حين عاينوا تبرؤ الرؤساء منهم، وندموا على ما فعلوا من ~~اتباعهم لهم في الدنيا لو أن لنا كرة أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا فنتبرأ ~~منهم # PageV01P464 # هناك، ومن عبادتهم، ونعبده تعالى وحده كما تبرؤا منا اليوم. وهم كاذبون ~~في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، كما أخبر تعالى عنهم بذلك كذلك ~~أي: # مثل تلك الإراءة الفظيعة يريهم الله أعمالهم حسرات ندمات شديدة عليهم أي: ~~تذهب وتضمحل، كما قال تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا [الفرقان: 23] وقال تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف ... [إبراهيم: 18] الآية، وقال تعالى: والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ... [النور: 39] الآية وما هم ~~بخارجين من النار ونظير هذه الآية قوله تعالى:.. ولو ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن ~~صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا، ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون [سبأ: 31- 33] ..؟ وقال تعالى: واتخذوا من دون ~~الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: ~~81- 82] . # وقال الخليل لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ~~وما لكم من ناصرين [العنكبوت: 25] . وقالت الملائكة تبرأنا إليك، ما كانوا ~~إيانا يعبدون [القصص: 63] ويقولون سبحانك! أنت ولينا من دونهم، بل كانوا ~~يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 41] . وقال تعالى: ومن أضل ممن يدعوا ~~من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون وإذا ~~حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين [الأحقاف: 5- 6] . وقال ~~تعالى: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ms0482 وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل، إن الظالمين لهم عذاب أليم [إبراهيم: 22] . # PageV01P465 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 168] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا حال أو مفعول، وهو ما انتفى عنه ~~حكم التحريم طيبا أي: مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول. # وقد روى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب ~~الدعوة! فقال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده! ~~إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد ~~نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به ... ! ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب ~~والوصائل ونحوها ... مما زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار ~~الذي في صحيح مسلم «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله ~~تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال. وفيه: # وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم. PageV01P466 # ومما يدخل في خطوات الشيطان: كل معصية لله، ومنها: النذور في المعاصي، ~~كما قاله بعض السلف في الآية. # قال الشعبي: نذر رجل ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من ~~خطوات الشيطان! قال أبو الضحى عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، ~~فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم فقال لا ~~أريده فقال: أصائم أنت؟ قال لا ms0483 ... ! قال: فما شأنك؟ قال حرمت أن آكل ضرعا ~~أبدا..! # فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك ... ! رواه ~~ابن أبي حاتم. # وروي أيضا عن أبي رافع قال: غضبت يوما على امرأتي، فقالت: هي يوما يهودية ~~ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك..! فأتيت عبد الله ابن ~~عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان ... ! وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة- ~~وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة- وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك. # وروى عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من ~~خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين! نقله الإمام ابن كثير الدمشقي. # إنه لكم عدو مبين تعليل للنهي، للتنفير عنه والتحذير منه كما قال إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ~~[فاطر: 6] . وقال تعالى أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو، بئس ~~للظالمين بدلا [الكهف: 50] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 169] # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لفنون ~~شره وإفساده. وبالسوء يشكل جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو ~~أفعال القلوب. والفحشاء ما تجاوز الحد في القبح من العظائم. وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون أي: بأن تفتروا عليه تعالى بأنه حرم هذا وذاك بغير علم. ~~فمعنى ما لا تعلمون ما لا تعلمون أن الله تعالى أمر به. # PageV01P467 # قال البقاعي: ولقد أبلغ سبحانه في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه، ~~لطفا بهم ورحمة لهم، بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته، بما أنعم ~~عليهم: بخلقه لهم أولا، وبجعله ملائما لهم ثانيا، وإباحته لهم ثالثا، ~~وتحذيره لهم من العدو رابعا ... إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن ~~... ! # قال الرازي: قوله تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون يتناول جميع ~~المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق..! لأنه- وإن كان مقلدا للحق- لكنه ~~قال ما ms0484 لا يعلمه، فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.! ~~انتهى. # وقال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : القول على الله بلا علم يعم ~~القول عليه سبحانه في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقد جعله ~~الله تعالى من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى ~~قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~[الأعراف: 33] . وقال تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال ~~وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم [النحل: ### | 116- 117 # ] .! فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه. وقولهم لما ~~لم يحرمه: هذا حرام. ولما لم يحله: هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا ~~يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلا بما علم أن الله سبحانه أحله ~~وحرمه. # وقال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يقول لما لا يعلم ولا ورد الوحي المبين ~~بتحليله وتحريمه: أحله الله وحرمه، لمجرد التقليد أو بالتأويل. # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح، أميره بريدة «1» أن ~~ينزل عدوه إذا PageV01P468 # حاصرهم، على حكم الله، # وقال فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ... ؟ # ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ... # فتأمل، كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم ~~المجتهدين حكم الله. ومن هذا لما كتب الكاتب- بين يدي أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه- حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين ~~عمر، فقال: لا تقل هكذا. ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. ~~وقال مالك: لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا ~~أقتدي به، يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام. وما كانوا يجترءون على ذلك. ~~وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ms0485 ونرى هذا حسنا. # ولما نهاهم سبحانه عن متابعة العدو، ذمهم بمتابعته، مع أنه عدو، من غير ~~حجة، بل بمجرد التقليد للجهلة، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 170] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله على رسوله واجتهدوا في تكليف أنفسكم ~~الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان قالوا بل نتبع ما ألفينا أي: وجدنا ~~عليه آباءنا أي: من عبادة الأصنام والأنداد. # فقال مبكتا لهم أولو أي: أيتبعون آباءهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~أي: من الدين ولا يهتدون للصواب إذ جهلوه؟ # قال الحرالي: فيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة ~~الدين. ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن ~~الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم. PageV01P469 # قال الرازي: معنى الآية: إن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من ~~الدلائل الباهرة. فهم قالوا: لا نتبع ذلك وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا. ~~فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد. وأجاب الله تعالى عنهم بقوله أولو كان ~~آباؤهم ... إلى آخره. # ثم قال: تقرير هذا الجواب من وجوه: # أحدها: أن يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم ~~كونه محقا أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف ~~كونه محقا، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر، لزم التسلسل وإن ~~عرفته بالعقل، فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد..! وإن قلت: ليس من شرط جواز ~~تقليده أن يعلم كونه محقا ... فإذن قد جوزت تقليده وإن كان مبطلا..! فإذن ~~أنت- على تقليدك- لا تعلم أنك محق أو مبطل..! # وثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ~~ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة مذهبا فأنت ~~ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ms0486 ولا مذهبه، كان لا بد من ~~العدول إلى النظر، فكذا هاهنا. # وثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد ~~أم لا بتقليد؟ فإن عرفته بتقليد، لزم إما الدور وإما التسلسل. وإن عرفته لا ~~بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم، وجب أن تطلب العلم ~~بالدليل لا بالتقليد لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل- مع أن ذلك المتقدم ~~طلبه بالدليل لا بالتقليد- كنت مخالفا له. فثبت أن القول بالتقليد يفضي ~~ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلا. # ثم قال الرازي عليه الرحمة: إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن ~~اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين ~~متابعة التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال وترك التعويل ~~على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. # وقال الإمام الراغب: ذمهم الله بأنهم أبطلوا ما خص الله به الإنسان من ~~الفكر والروية، وركب فيه من المعارف. وذلك أن الله ميز الإنسان بالفكر ~~ليعرف به الحق من الباطل في الاعتقاد. والصدق من الكذب في الأقوال. والجميل ~~من القبيح في الفعل. ليتحرى الحق والصدق والجميل. ويتجنب أضدادها. وجعل له ~~من نور العقل # PageV01P470 # ما يستغني به. فيدله على معرفة مطلوبه. فلما حث الناس على تناول الحلال ~~الطيب، ونهاهم عن متابعة الشيطان، بين حال الكفار- في تركهم الرشاد، ~~واتباعهم الآباء والأجداد- ليحذر الاقتداء بهم، تاركين استعمال الفكر الذي ~~هو صورة الإنسان وحقيقته. ثم قال أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا أي: ~~أيتبعونهم وإن كانوا جهلة؟ تنبيها على أنه محال اتباع من لا عقل له ولا ~~اهتداء. إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله يعقلون ويهتدون وأحدهما يغني عن ~~الآخر؟ قيل: قد تقدم أن (العاقل) يقال على ضربين: أحدهما لمن يحصل له القوة ~~التي بها يصح التكليف، والثاني لمن يحصل العلوم المكتسبة وهو المقصود ~~هاهنا. و (المهتدي) قد يقال لمن اقتدى في أفعاله بالعالم وإن لم يكن مثله ~~في العلم فبين أنهم لا يعقلون ms0487 ولا يهتدون. ووجه آخر: وهو أن يعقل ويهتدي، ~~وإن كان كثيرا ما يتلازمان، فإن العقل يقال بالإضافة إلى المعرفة، ~~والاهتداء بالإضافة إلى العمل، فكأنه قيل: لا علم لهم صحيح ولا مستقيم. # ثم ضرب تعالى للكافرين مثلا فظيعا كما قال سبحانه للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء [النحل: 60] . فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 171] # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق أي يصيح، يقال: نعق الراعي بغنمه: # صاح بها وزجرها. وقوله تعالى بما لا يسمع إلا دعاء ونداء أي: بالبهائم ~~التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه- الذي هو تصويت بها، وزجر لها- ولا ~~تفقه شيئا آخر، ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون. وقد أفهم هذا الإيجاز ~~البليغ تمثيلين في مثل واحد. فكأن وفاء اللفظ: مثل الذين كفروا ومثل داعيهم ~~كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم. وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب. ومن ~~لا يصل فهمه إلى جمع المثلين، يقتصر على تأويله بمثل واحد، فيقدر في ~~الكلام: ومثل داعي الذين كفروا. أشار لذلك الحرالي فيما نقله البقاعي عنه. # وقال الفراء: أضاف تعالى المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي ولم ~~يقل كالغنم. والمعنى- والله أعلم- مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ~~ما يقول # PageV01P471 # الراعي أكثر من الصوت، فأضاف التشبيه إلى الراعي والمعنى في المرعي. قال: ~~ومثله في الكلام (فلان يخافك كخوف الأسد) المعنى كخوفه الأسد، لأن الأسد ~~معروف أنه المخوف. # وقيل: أريد تشبيه حال الكافر- في دعائه الصنم- بحال من ينعق بما لا ~~يسمعه. والمعنى: مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم- التي لا تفقه دعاءهم- كمثل ~~الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذلك ~~المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء. # وقال ابن القيم في (أعلام الموقعين) : ولك أن تجعل هذا من التشبيه ~~المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق. فإن جعلته من المركب: كان تشبيها ~~للكفار- في عدم فقههم وانتفاعهم- بالغنم التي ms0488 ينعق بها الراعي فلا تفقه من ~~قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه ~~المفرق: # فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة ~~الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء ~~والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. والله أعلم. # قال الرازي: اعلم أنه تعالى- لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى ~~اتباع ما أنزل الله: تركوا النظر والتدبر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالوا: بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا- ضرب لهم هذا المثل- تنبيها للسامعين لهم- إنهم ~~إنما وقعوا فيما وقعوا فيه: بسبب ترك الإصغاء، وقلة الاهتمام بالدين، ~~فصيرهم- من هذا الوجه- بمنزلة الأنعام ... ! ومثل هذا المثل يزيد السامع ~~معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا ~~لقلبه، وتضييقا لصدره- حيث صيره كالبهيمة- فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع ~~لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد. ثم زاد في تبكيتهم فقال صم بكم ~~عمي فهم لا يعقلون فهم بمنزلة الصم: في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه، ~~وبمنزلة البكم: في أنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه، وبمنزلة العمي: من حيث ~~إنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها. ولما كان طريق اكتساب ~~العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة، فلما أعرضوا عنها، فقدوا ~~العقل المكتسب. ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما..! # PageV01P472 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 172] # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم أي: ما أخلصناه لكم من ~~الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس- كما أحله المشركون من المحرمات- ولا تحرموا ~~ما أحلوا منها من السائبة وما معها واشكروا لله- الذي رزقكم هذه النعم- إن ~~كنتم إياه- أي: وحده- تعبدون أي: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه ~~سبحانه هو المنعم لا غير. # قال الإمام ابن تيمية في (جواب أهل الإيمان) : الطيبات التي أباحها هي ~~المطاعم النافعة للعقول والأخلاق. والخبائث هي الضارة في العقول والأخلاق. ~~كما ms0489 أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول والأخلاق. فأباح الله الطيبات ~~للمتقين التي يستعينون بها على عبادة ربهم التي خلقوا لها. وحرم عليهم ~~الخبائث التي تضرهم في المقصود الذي خلقوا له. وأمرهم- مع أكلها- بالشكر، ~~ونهاهم عن تحريمها. # فمن أكلها ولم يشكر ترك ما أمر الله به واستحق العقوبة. ومن حرمها- ~~كالرهبان- فقد تعدى حدود الله فاستحق العقوبة. # وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليرضى ~~عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» «1» . # وفي حديث آخر: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» «2» . # وقال تعالى لتسئلن يومئذ عن النعيم [التكاثر: 8] . أي: عن شكره، فإنه لا ~~يبيح شيئا ويعاقب من فعله، ولكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه. وعما حرمه ~~عليه، هل فرط بترك مأمور أو فعل محظور؟ كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~[المائدة: 87] . # ولما قيد تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، افتقر الأمر إلى بيان الخبيث ~~منه PageV01P473 # ليجتنب، فبين صريحا ما حرم عليهم- مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون ~~غيره- وأفهم حل ما عداه، وأنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 173] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) # إنما حرم عليكم الميتة وهي في عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على ~~هيئة غير مشروعة- إما في الفاعل أو في المفعول- فدخل فيها: المنخنقة، ~~والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما عدا عليها السبع. # قال ابن كثير: وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر، لقوله تعالى أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه [المائدة: 96] ، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحديث ~~العنبر في الصحيح. # وفي المسند، والموطأ، والسنن: قوله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته» «1» . # وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر «2» : أحلت لنا ms0490 ~~ميتتان ودمان. فأما الميتتان الحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال. ~~والدم وهو المسفوح أي: الجاري، كما صرح بذلك في الآية الأخرى- والمفسر قاض ~~على المبهم- وكان بعض العرب يجعل الدم في المصارين ثم يشويها ويأكلها ~~ويسمونه الفصد. وفي القاموس وشرحه: والفصيد دم كان يوضع في الجاهلية في معى ~~من فصد عرق البعير، ويشوى، وكان أهل الجاهلية يأكلونه ويطعمونه الضيف في ~~الأزمة. ويحكى: أنه بات رجلان عند أعرابي فالتقيا صباحا، فسأل أحدهما صاحبه ~~عن القرى فقال: ما قريت وإنما فصد لي. فقال لم يحرم من فصد له- بسكون ~~الصاد- فجرى ذلك مثلا لمن نال بعض المقصد، وسكن الصاد تخفيفا، أي: لم يحرم ~~القرى من فصدت له الراحلة فحظي بدمها. ويروى: من فزد له- بالزاي بدل الصاد- ~~وبعضهم يقول: من قصد له- بالقاف- أي: من أعطى قصدا أي قليلا. وكلام العرب ~~بالفاء. وقال يعقوب: تأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في PageV01P474 # شدة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه، ويشح أن ينحر راحلته، فيفصدها، فإذا ~~خرج الدم سخنه للضيف إلى أن يجمد ويقوى فيطعمه إياه. ولحم الخنزير ويدخل ~~شحمه وبقية أجزائه في حكم لحمه: إما تغليبا أو لأن اللحم يشمل ذلك لغة، ~~لأنه ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى إليه ظاهره من ~~سطح جلده. وعرف غلبة استعماله على رطبه الأحمر. وهو هنا على أصله في اللغة. ~~وإما بطريق القياس على رأي، لأنه إذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل- وهو ~~أطيب ما فيه- كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ولما حرم ما يضر الجسم ~~ويؤذي النفس، حرم ما يرين على القلب، فقال وما أهل به لغير الله أي: ذبح ~~على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون ~~له. وأصل (الإهلال) رفع الصوت أي: رفع به الصوت للصنم ونحوه، وذلك كقول أهل ~~الجاهلية: باسم اللات والعزى. # وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة عملت ~~عرسا للعبها، فنحرت فيه جزورا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم. ms0491 وذكر أيضا ~~عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه ~~للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم. # والقصد سد ما كان مظنة للشرك. # قال النووي في (شرح مسلم) : فإن قصد الذابح- مع ذلك- تعظيم المذبوح له، ~~وكان غير الله تعالى- والعبادة له، كان ذلك كفرا. فإن كان الذابح مسلما. ~~قبل ذلك، صار بالذبح مرتدا. ذكره في الكلام على # حديث «1» علي رضي الله عنه: لعن الله من ذبح لغير الله. # قال الحرالي: وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد ~~المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر. # وروى البخاري «2» عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قوما قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: إن قوما يأتوننا PageV01P475 # باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. ~~قالت: # وكانوا حديثي عهد بكفر. فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه ~~بل الذي علم أن اسم الله قد أعلن به عليه. # وروي عن علي رضي الله عنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير ~~الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ~~ما يقولون. ### | فصل فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات # فأما الميتة: فقال الحرالي: هي ما أدركه الموت من الحيوان- عن ذبول القوة ~~وفناء الحياة- وهي أشد مفسد للجسم، لفساد تركيبها بالموت، وذهاب تلزز ~~أجزائها، وعفنها، وذهاب روح الحياة والطهارة منها. # وقال المهايمي في تفسيره: ثم أشار تعالى إلى أنه إنما يقطع محبته أكل ما ~~حرم وهو الميتة وما ذكر معها. فأما الميتة فلأنها خبثت بنزع الروح منها بلا ~~مطهر من الذبح باسم الله- تحقيقا أو تقديرا- فتتعلق أرواحكم بالخبيث فتخبث، ~~فينقطع عنها محبة الله. وإنما أبيح ميتة السمك لأن أصله الماء المطهر، فكما ~~لا يؤثر فيه النجاسة، لا يؤثر نزع الروح فيما حصل منه والجراد لأنه حصل من ~~غير تولد ولا خبث في ذاته كسائر ms0492 الحشرات. # وأما خبث الدم فلأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام، ولم يبلغ بعد إلى حال ~~الأعضاء فهو ميتة. # وقال الإمام ابن تيمية: حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية ~~الغضبية، وزيادته توجب طغيان هذه القوى، وهو مجرى الشيطان من البدن، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» ~~«1» . # وأما خبث لحم الخنزير: فلأذاه للنفس- كما حرم ما قبله لمضرتها في الجسم ~~PageV01P476 # - لأن من حكمة الله في خلقه: أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت ~~نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء «1» : الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، ~~والسكينة في أهل الغنم. فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة، حرم على ~~من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق. نقله البقاعي. # وقد كشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير- المبنية على التجارب ~~الحسية- غير ما قالوه القدماء. فمن مضاره: أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب ~~من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة: كالمغص، والإسهال، والقيء، وفقد شهوة ~~الطعام أو النهم الشديد وآلام الرأس، والإغماء، والدوار، واضطراب الفكر، ~~وعروض نوبات صرعية، وتشنجات عصبية، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي ~~يفوق الحمى، ويودي بحياة المصاب ... إلى غير ذلك من التعب وعسر الهضم، ~~ومضار سواها. # قال حكيم: فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط، بل لإصلاح الروح والجسم ~~معا..! فلم يترك ضارا لأحدهما إلا ونبه عليه تصريحا أو تلويحا ... وقد بسط ~~الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير في مقالات عديدة. # وأما خبث المهل به لغير الله: فلأنه يرين على القلب، لأنه تقرب به لغير ~~موجده وخالقه تقرب عبادة، وذلك من صريح الإشراك والاعتماد على غيره تعالى ~~فكان خبثه معنويا لتأثيره على النفوس والأخلاق كتأثير المضر بالجسم والبدن ~~والشرع جاء للحفظ عما يضر مطلقا، ولصيانة مقام التوحيد. # ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج، رفع حكم هذا التحريم عن ~~المضطر. فقال فمن اضطر أي ألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم ~~بأن أشرف على التلف، فأكل من شيء منه ms0493 حال كونه غير باغ أي غير طالب له راغب ~~فيه لذاته. من (بغى الشيء وابتغاه: طلبه وحرص عليه) ولا عاد أي: # مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة فلا إثم عليه وإن بقيت حرمته، لأنه إذا ~~تناوله حال الاضطرار لا يؤثر فيه الخبث لأنه كاره بالطبع. PageV01P477 # وقال الراغب: واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسد غيره مسده. # والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلة المذكورة، يعني: إبقاء روحه بجهة ما ~~رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناوله ما ذكر له للجوع. # إن الله غفور لما أكله حال الضرورة رحيم حيث رخص لعباده في ذلك إبقاء ~~عليهم. # ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه- إثر ما ذكره من الأحكام- تحذيرا لهذه ~~الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به، وهم أهل الكتاب، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 174] # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب أي: من حدوده وأحكامه وغير ذلك ~~مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى ويشترون به أي: يأخذون بدله ~~ثمنا قليلا أي مما يتمتعون به من لذات العاجلة. وقلله لحقارته في نفسه. # ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضيت بالقليل، أو بالنسبة لما فوتوه على ~~أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار أي ما يستتبع النار ويستلزمها، فكأنه عين النار، وأكله أكلها، وفي ~~بطونهم متعلق ب يأكلون وفائدته: تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقر المأكول. # قال الراغب: أكل النار: تناول ما يؤدي إليها. وذكر الأكل لكونه المقصود ~~الأول بتحصيل المال. وذكر في بطونهم تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم ~~النعم لأجل الطعم الذي هو أحس متناول من الدنيا..! # ولا يكلمهم الله يوم القيامة قال الراغب: لم يعن نفي الكلام رأسا، فقد ~~قال: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] ، وقال: ms0494 # ويوم يقول نادوا شركائي [الكهف: 52] . وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ولهذا ~~قال الحسن: معناه يغضب عليهم تنبيها أنهم بخلاف من قال فيهم تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام. وقيل: حقيقة (كلمته) حملته على الكلام، نحو حركته، لأن # PageV01P478 # من كلمته فقد استدعيت كلامه فكأنه قيل: لا يستدعي كلامهم نحو قوله لا ~~يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 36] . # ولا يزكيهم أي: يطهرهم من دنس الذنوب لغضبه عليهم لأنهم كتموا، وقد ~~علموا، فاستحقوا الغضب ولهم عذاب أليم أي: مؤلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 175] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى أي: استبدلوا إضلال أنفسهم وغيرهم- من ~~الكتمان والتحريف- بالاهتداء والعذاب بالمغفرة أي: أسبابه بأسبابها. # ولما جعل سبحانه أول مأكلهم نارا، وآخر أمرهم عذابا، وترجمة حالهم عدم ~~المغفرة، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا- سبب عنه التعجيب من أمرهم: # بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر، لالتباسهم بالنار حقيقة أو ~~بموجباتها من غير مبالاة، فقال فما أصبرهم- أي: ما أشد حبسهم أنفسهم، أو ما ~~أجرأهم- على النار التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى- نقله ~~البقاعي-. # ثم قال: وإذا جعلته مجازا، كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على ~~السجن الطويل والقيد الثقيل؟ تهديدا له. تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو ~~شديد الصبر على العذاب. # وقد روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إلي رجلان من ~~العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على الله! أي ما أصبرك ~~على عذاب الله. نقله الزمخشري. # قال الراغب: وقد يوصف بالصبر من لا صبر له اعتبارا بالناظر إليه، وتصور ~~أنه صابر، واستعمال لفظ التعجب في ذلك اعتبارا بالخلق لا بالخالق. # ثم ذكر تعالى السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم بقوله: # PageV01P479 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 176] # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد (176) # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق إنما استحقوا هذا العذاب ms0495 الشديد، لأن الله ~~تعالى أنزل الكتاب الجامع لأنواع الهدى. وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة. # بالحق، أي متلبسا به. فلا جرم يكون- من يختلف فيه ويرفضه بالتحريف ~~والكتمان- مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب، لأنه حاول نفي ما أثبت الله، ~~فقد ضاد الله في شرعه، عياذا به سبحانه. وإن الذين اختلفوا في الكتاب أي: ~~في جنس الكتاب الإلهي. بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها أو في ~~التوراة. بأن آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض. أو الاختلاف في تأويلها. ~~فاجترأوا لأجله على تحريفها. # أو في القرآن. بأن قال بعضهم: إنه سحر، وبعضهم: إنه شعر، وبعضهم: أساطير ~~الأولين. # قال الراغب: وأصل الاختلاف: التخلف عن المنهج. وقيل اختلفوا: أتوا بخلاف ~~ما أنزل الله. وقيل: اختلفوا: بمعنى خلفوا- نحو اكتسبوا، وكسبوا، وعملوا ~~واعتملوا- أي: صاروا خلفاء فيه، نحو فخلف من بعدهم خلف [الأعراف: 69] و ~~[مريم: 69] . # لفي شقاق أي: خلاف ومنازعة بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشد العذاب. ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 177] # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # PageV01P480 # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر: اسم جامع للطاعات ~~وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى، ومن هذا: بر الوالدين، قال تعالى إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13- 14] فجعل البر ضد الفجور وقال وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة: 2] . فجعل البر ضد الإثم، فدل ~~على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان. أي: ليس الصلاح والطاعة ~~والفعل المرضي في تزكية النفس- الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف ~~البر- هو أمر القبلة، ولكن البر- الذي يجب الاهتمام به- هو هذه الخصال التي ~~عدها جل شأنه. # ولا يبعد أن يكون بعض المؤمنين- عند نسخ القبلة ms0496 وتحويلها- حصل منهم ~~الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد في شأنها حتى ظنوا أنه الغرض ~~الأكبر في الدين. فبعثهم تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات ~~والطاعات. أشار لهذا الرازي. # وقال الراغب: الخطاب في هذه الآية للكفار والمنافقين الذين أنكروا تغيير ~~القبلة. وقيل: بل لهم وللمؤمنين حيث قد يرون أنهم نالوا البر كله بالتوجه ~~إليها. # ولكن البر من آمن بالله أي: إيمان من آمن بالله- الذي دعت إليه آية ~~الوحدانية- فأثبت له صفات الكمال، ونزهه عن سمات النقصان. واليوم الآخر ~~الذي كذب به المشركون، فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض والملائكة أي: وآمن ~~بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه تعالى وبين رسله بإلقاء الوحي وإنزال ~~الكتب والكتاب أي: بحبس الكتاب. فيشمل الكتب المنزلة من السماء على ~~الأنبياء التي من أفرادها: أشرفها وهو القرآن- المهيمن على ما قبله من ~~الكتب- الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة. ~~والنبيين جميعا من غير تفرقة بين أحد منهم، كما فعل أهل الكتابين. # قال الحرالي ففيه- أي الإيمان بهم وبما قبلهم- قهر النفس للإذعان لمن هو ~~من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن ~~هواها. # وآتى المال على حبه أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك: # ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف، كما # ثبت في # PageV01P481 # الصحيحين من حديث أبي هريرة «1» مرفوعا: أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح ~~شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر # . وقوله ذوي القربى هم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى من الصدقة. # وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال: ~~قال «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة على المسكين صدقة. # وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة. وفي الصحيحين من حديث زينب، امرأة عبد ~~الله بن مسعود «3» ، أنها وامرأة أخرى سألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما..؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لهما أجران: أجر القرابة ms0497 وأجر الصدقة. # وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى القرابة في غير موضع من كتابه العزيز. ~~واليتامى وهم الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ. ~~والمساكين وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ~~ما يسد به حاجتهم وخلتهم. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس ~~المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان. ولكن ~~المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه. # وابن السبيل وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته. فيعطى ما يوصله إلى ~~بلده لعجزه بالغربة. وكذا الذي يريد سفرا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه ~~وإيابه. ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: # ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. # وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن وقتادة، ~~والضحاك، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. و (السبيل) اسم الطريق، ~~PageV01P482 # وجعل المسافر ابنا لها لملازمته إياها- كما يقال لطير الماء: ابن الماء، ~~ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون: ابن الأيام، وللشجعان: بنو الحرب، ~~وللناس: بنو الزمان. # والسائلين وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. # كما # روى الإمام أحمد عن حسين بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «1» : للسائل حق وإن جاء على فرس. ورواه أبو داود. # وفي الرقاب معطوف على المفعول الأول- وهو ذوي- أي: وآتى المال في الرقاب، ~~أي دفعه في فكها، أي: لأجله وبسببه. # قال الراغب: الرقاب جمع رقبة. وأصل الرقبة: العنق. ويعبر بها عن الجملة، ~~كما يعبر عنها بالرأس. # وقال الحرالي: الرقاب جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم. فالمراد: ~~الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة- وفك الأسرى منه- وقدم عليهم ~~أولئك لأن حاجتهم لإقامة البنية. # قيل نكتة إيراد (في) هو أن ما يعطى لهم: مصروف في تخليص رقابهم، فلا ~~يملكونه كالمصارف الأخرى. والله أعلم. ### | لطيفة: # قال الراغب: إن قيل ms0498 كيف اعتبر الترتيب المذكور في قوله تعالى وآتى المال ~~على حبه ... الآية؟ قيل: لما كان أولى من يتفقده الإنسان بمعروفه أقاربه، ~~كان تقديمها أولى ثم عقبه باليتامى لأن مواساتهم بعد الأقارب أولى. ثم ذكر ~~المساكين الذين لا مال لهم حاضرا ولا غائبا. ثم ذكر ابن السبيل الذي قد ~~يكون له مال غائب. # ثم ذكر السائلين الذين منهم صادق وكاذب، ثم ذكر الرقاب الذين لهم أرباب ~~يعولونهم. فكل واحد ممن أخر ذكره أقل فقرا ممن قدم ذكره ... ! # وأقام الصلاة أي: أتم أفعالها في أوقاتها- بركوعها وسجودها وطمأنينتها ~~وخشوعها- على الوجه الشرعي المرضي. وآتى الزكاة أي: زكاة المال المفروضة ~~على أن المراد بما مر من إيتاء المال، التنفل بالصدقات والبر والصلة. قدم ~~على الفريضة مبالغة في الحث عليه، أو المراد بهما المفروضة، والأول لبيان ~~PageV01P483 # المصارف، والثاني لبيان وجوب الأداء. وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على ~~زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله قد أفلح من زكاها ~~وقوله هل لك إلى أن تزكى، ووجه العبد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في ~~التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا عطف على من آمن، فإنه في قوة أن يقال: ومن ~~أوفوا بعهدهم. وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء. # قال الرازي: اعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه ~~وبين رسول الله أو بينه وبين سائر الناس. فالأول: ما يلزمه بالنذور ~~والأيمان. والثاني: فهو ما عاهد الرسول عليه عند البيعة: من القيام ~~بالنصرة، والمظاهرة وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه. والثالث: قد يكون ~~من الواجبات: مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم. وكذا ~~الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن. # وقد يكون من المندوبات: مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في ~~المناصرة. فالآية تتناول كل هذه الأقسام. # قال ابن كثير: وعكس هذه الصفة النفاق. كما صح في الحديث «1» : آية ~~المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. ms0499 وفي رواية: إذا ~~حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. والصابرين نصب على الاختصاص. غير ~~سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته. وهو في الحقيقة معطوف على ما ~~قبله. قال أبو علي: إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولف في بعضها الإعراب، ~~فقد خولف للافتنان. ويسمى ذلك قطعا. لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب ~~في استماع المذكور، ومزيد اهتمام بشأنه! وقد قرئ (والصابرون) كما قرئ ~~(والموفين) . # قال الراغب: لما كان الصبر: من وجه مبدأ للفضائل، ومن وجه جامعا للفضائل، ~~إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ، غير إعرابه تنبيها على هذا ~~المقصد..! PageV01P484 # في البأساء أي: الشدة، أي عند حلولها بهم والضراء بمعنى البأساء وهي ~~الشدة أيضا، كما فسرهما بها في القاموس. وقال ابن الأثير: الضراء: الحالة ~~التي تضر وهي نقيض السراء، وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما وحين البأس ~~أي: # وقت مجاهدة العدو في مواطن الحرب، وزيادة (الحين) للإشعار بوقوعه أحيانا، ~~وسرعة انقضائه، ومعنى (البأس) في اللغة: الشدة، يقال: لا بأس عليك في هذا، ~~أي: لا شدة. وعذاب بئيس شديد. وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة. # والعذاب يسمى بأسا لشدته. قال تعالى: فلما رأوا بأسنا [غافر: 84] . فلما ~~أحسوا بأسنا [الأنبياء: 12] . فمن ينصرنا من بأس الله [غافر: 29] . وقال ~~ابن سيده: البأس الحرب، ثم كثر حتى قيل: لا بأس عليك، أي: لا خوف. # وقال الراغب: استوعبت هذه الجملة أنواع الضر. لأنه إما يحتاج إلى الصبر ~~في شيء يعوز الإنسان، أو يريده فلا يناله، وهو البأساء. أو فيما نال جسمه ~~من ألم، وهو الضراء. أو في مدافعة مؤذيه وهو اليأس. # أولئك الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال ~~والأفعال، فلم تغيرهم الأحوال، ولم تزلزلهم الأهوال. وفيه إشعار بأن من لم ~~يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه الإيمان..! وأولئك هم المتقون عن الكفر ~~وسائر الرذائل. وتكرير الإشارة لزيادة تنويه بشأنهم. وتوسيط الضمير للإشارة ~~إلى انحصار التقوى فيهم. # قال الواحدي: هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع. ms0500 فمن شرائط ~~البر، وتمام شرط البار، أن تجتمع فيه هذه الأوصاف. ومن قام به واحد منها لم ~~يستحق الوصف بالبر. # PageV01P485 ### | فهرس الجزء الأول # مقدمة 3 تمهيد خطير في قواعد التفسير 7 1- قاعدة في أمهات مآخذه 7 2- ~~قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفسير عند الاختلاف 12 فصل 12 3- ~~قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا ~~اختلاف تضاد 14 فصل 16 4- قاعدة في معرفة سبب النزول 18 5- قاعدة في الناسخ ~~والمنسوخ 25 6- قاعدة في القراءة الشاذة، والمدرج 29 7- قاعدة في قصص ~~الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات 30 فصل 39 في معنى ما نقل أن للقرآن ~~ظاهرا وباطنا 39 فصل 42 كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم ~~القرآن إلا عليها 42 8- قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن 45 فصل 48 # PageV01P487 # كون الباطن هو المراد من الخطاب 48 فصل 50 وقوع تفاسير مشكلة في القرآن ~~50 فصل 51 ما نقل عن سهل في قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا 51 فصل 52 ~~المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة 52 المسألة ~~العاشرة 55 فصل 56 للسنة مدخل في هذا النمط 56 9- قاعدة في أن للشريعة أمية ~~56 فصل 58 العلوم التي كان العرب يعتنون بها 58 المسألة الرابعة 62 فصل 63 ~~لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين 63 فصل 65 أنه إنما يصح في ~~مسلك الأفهام والفهم 65 فصل 66 وأن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في ~~الخطاب هو المقصود الأعظم 66 فصل 68 # PageV01P488 # بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا 68 فصل 70 في أن كل حكاية في القرآن لم يقع ~~لها رد فهي صحيحة 70 قصص القرآن لا يراد بها سرد تاريخ الأمم أو الأشخاص 74 ~~10- قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم 75 فصل 80 في أن الأحكام في ~~التنزيل أكثرها كلية 80 فصل 82 القرآن فيه بيان كل شيء 82 فصل 86 في أقسام ms0501 ~~العلوم المضافة إلى القرآن 86 فصل 91 في أن المدني من السور منزل في الفهم ~~على المكي 91 فصل 91 مدخل السنة في تبيين الكتاب 91 فصل 92 في الاعتدال في ~~التفسير 92 فصل 94 الضابط المعول عليه في مأخذ الفهم 94 فصل 99 فيما جاء من ~~إعمال الرأي في القرآن الكريم 99 # PageV01P489 # فصل 102 في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول 102 فصل 105 رتبة ~~السنة التأخر عن الكتاب 105 السنة تفصل ما أجمله الكتاب 117 11- قاعدة في ~~أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟ 135 فصل 155 هل في اللغة أسماء شرعية، نقلها ~~الشارع عن مسماها في اللغة؟ 155 ذكر مجمل مقاصد التنزيل الكريم وضروب ~~التفسير 158 مطلب في سر التكرير 159 إن للتفسير أحكاما وضروبا 162 سر تكرير ~~قصة موسى مع فرعون 164 ما اقتضته الحكمة الربانية في التنزيل الكريم 165 ~~ذكر بديع أسلوب القرآن الكريم 169 الفصل الأول 169 الفصل الثاني 171 الرخصة ~~بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبوي 178 معنى السبع في حديث «أنزل ~~القرآن على سبعة أحرف» 180 معنى الأحرف في الحديث 181 الرد على من توهم أن ~~بعض الصحابة يجوز التلاوة بالمعنى 182 اقتصار عثمان رضي الله عنه، في جمعه، ~~على الحرف المتواتر 182 # PageV01P490 # اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه، ليس من السبعة أحرف 184 سبب الاقتصار ~~على قراءات الأئمة المشهورين 185 ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة ~~مصاحفهم العثمانية 186 موافقة القراءات لرسم المصحف العثماني تحقيقا أو ~~تقديرا 187 ما لا يعد مخالفا لصريح الرسم من القراءات الثابتة 187 مدار ~~القراءات على صحة النقل، لا على الأقيس، عربية 188 ذكر من ذهب إلى أن مرجع ~~القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد 188 بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي ~~متواترة أم آحاد 189 رأى الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه، من غير ~~نكير 190 رأى ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء 191 بحث ms0502 ~~القراءات الشاذة 191 بيان أن كل قراءة صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب ~~قبولها والإيمان بها 194 افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء 195 معنى ~~إضافة القراءة إلى من قرأ بها 195 ثمرة اختلاف القراءات وتنوعها 195 إجمال ~~المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها 196 فصل 202 في ذكر ملخص وجوه ~~التفسير ومراتبه (للإمام الشيخ محمد عبده) 202 فصل 210 في بيان دقائق ~~المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم 210 بيان أن الصواب في ~~آيات الصفات هو مذهب السلف 213 ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة 221 ~~شرف عمل التفسير 222 # PageV01P491 # سورة الفاتحة فاتحة الكتاب الآية 1 224 فاتحة الكتاب الآية 2 226 فاتحة ~~الكتاب الآية 3 227 فاتحة الكتاب الآية 4 227 فاتحة الكتاب الآية 5 228 ~~فاتحة الكتاب الآية 6 230 فاتحة الكتاب الآية 7 235 سورة البقرة البقرة ~~الآية 1 242 البقرة الآية 2 242 البقرة الآية 3 244 البقرة الآية 4 245 ~~البقرة الآية 5 246 البقرة الآية 6 246 البقرة الآية 7 246 البقرة الآية 8 ~~248 البقرة الآية 9 248 البقرة الآية 10 250 البقرة الآية 11 251 البقرة ~~الآية 12 251 البقرة الآية 13 252 البقرة الآية 14 253 البقرة الآية 15 253 ~~البقرة الآية 16 254 البقرة الآية 17 256 البقرة الآية 18 258 البقرة الآية ~~19 258 البقرة الآية 20 259 البقرة الآية 21 264 البقرة الآية 22 266 ~~البقرة الآية 23 267 البقرة الآية 24 269 البقرة الآية 25 275 البقرة الآية ~~26 278 البقرة الآية 27 280 البقرة الآية 28 280 البقرة الآية 29 281 ~~البقرة الآية 30 284 البقرة الآية 31 287 # PageV01P492 # البقرة الآية 32 288 البقرة الآية 33 288 البقرة الآية 34 289 البقرة ~~الآية 35 292 البقرة الآية 36 294 البقرة الآية 37 295 البقرة الآية 38 295 ~~البقرة الآية 39 295 البقرة الآية 40 297 البقرة الآية 41 298 البقرة الآية ~~42 ms0503 299 البقرة الآية 43 299 البقرة # الآية 44 300 البقرة الآية 45 301 البقرة الآية 46 301 البقرة الآية 47 ~~301 البقرة الآية 48 302 البقرة الآية 49 303 البقرة الآية 50 304 البقرة ~~الآية 51 305 البقرة الآية 52 305 البقرة الآية 53 305 البقرة الآية 54 306 ~~البقرة الآية 55 307 البقرة الآية 56 307 البقرة الآية 57 309 البقرة الآية ~~58 311 البقرة الآية 59 311 البقرة الآية 60 312 البقرة الآية 61 313 ~~البقرة الآية 62 216 البقرة الآية 63 321 البقرة الآية 64 322 البقرة الآية ~~65 323 البقرة الآية 66 323 البقرة الآية 67 324 البقرة الآية 68 325 ~~البقرة الآية 69 326 البقرة الآية 70 326 البقرة الآية 71 326 البقرة الآية ~~72 327 البقرة الآية 73 328 البقرة الآية 74 329 البقرة الآية 75 333 # PageV01P493 # البقرة الآية 76 336 البقرة الآية 77 337 البقرة الآية 78 337 البقرة ~~الآية 79 339 البقرة الآية 80 340 البقرة الآية 81 341 البقرة الآية 82 341 ~~البقرة الآية 83 342 البقرة الآية 84 344 البقرة الآية 85 345 البقرة الآية ~~86 346 البقرة الآية 87 347 البقرة الآية 88 348 البقرة الآية 89 348 ~~البقرة الآية 90 349 البقرة الآية 91 351 البقرة الآية 92 352 البقرة الآية ~~93 352 البقرة الآية 94 353 البقرة الآية 95 354 البقرة الآية 96 355 ~~البقرة الآية 97 2356 البقرة الآية 98 356 البقرة الآية 99 361 البقرة ~~الآية 100 361 البقرة الآية 101 362 البقرة الآية 102 363 البقرة الآية 103 ~~369 البقرة الآية 104 369 البقرة الآية 105 370 البقرة الآية 106 370 ~~البقرة الآية 107 371 البقرة الآية 108 373 البقرة الآية 109 374 البقرة ~~الآية 110 375 البقرة الآية 111 375 البقرة الآية 112 376 البقرة الآية 113 ~~376 البقرة الآية 114 378 البقرة الآية 115 380 البقرة الآية 116 380 ~~البقرة الآية 117 ms0504 382 البقرة الآية 118 386 البقرة الآية 119 386 # PageV01P494 # البقرة الآية 120 387 البقرة الآية 121 387 البقرة الآية 122 388 البقرة ~~الآية 123 388 البقرة الآية 124 389 البقرة الآية 125 391 البقرة الآية 126 ~~395 البقرة الآية 127 397 البقرة الآية 128 398 البقرة الآية 129 398 ~~البقرة الآية 130 400 البقرة الآية 131 402 البقرة الآية 132 402 البقرة ~~الآية 133 404 البقرة الآية 134 406 البقرة الآية 135 406 البقرة الآية 136 ~~407 البقرة الآية 137 408 البقرة الآية 138 409 البقرة الآية 139 410 ~~البقرة الآية 140 410 البقرة الآية 141 411 البقرة الآية 142 412 البقرة ~~الآية 143 414 البقرة الآية 144 425 البقرة الآية 145 426 البقرة الآية 146 ~~428 البقرة الآية 147 429 البقرة الآية 148 429 البقرة الآية 149 430 ~~البقرة الآية 150 430 البقرة الآية 151 431 البقرة الآية 152 432 البقرة ~~الآية 153 436 البقرة الآية 154 438 البقرة الآية 155 441 البقرة الآية 156 ~~441 البقرة الآية 157 442 البقرة الآية 158 449 البقرة الآية 159 455 ~~البقرة الآية 160 456 البقرة الآية 161 456 البقرة الآية 162 456 البقرة ~~الآية 163 457 # PageV01P495 # البقرة الآية 164 458 البقرة الآية 165 461 البقرة الآية 166 464 البقرة ~~الآية 167 464 البقرة الآية 168 466 البقرة الآية 169 467 البقرة الآية 170 ~~469 البقرة الآية 171 471 البقرة الآية 172 473 البقرة الآية 173 474 ~~البقرة الآية 174 478 البقرة الآية 175 479 البقرة الآية 176 480 البقرة ~~الآية 177 80 # PageV01P496 ### | المجلد الثاني ### | تتمة سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 178] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) # يا أيها الذين ms0505 آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى هذا شروع في بيان الحدود ~~والحقوق التي لآدمي معين، وهي النفوس. وكتب بمعنى فرض وأوجب. # قال الراغب: الكتابة يعبر بها عن الإيجاب. وأصل ذلك أن الشيء يراد ثم ~~يقال ثم يكتب. فيعبر عن المراد الذي هو المبدأ، بالكتابة التي هي المنتهى. # الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من القاتلين ~~من أخيه أي دم أخيه المقتول شيء بأن ترك وليه القود منه، ونزل عن طلب الدم ~~إلى الدية. وفي ذكر الأخوة: تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع ~~أخوة الإيمان فاتباع أي: فعلى العافي اتباع للقاتل بالمعروف بأن يطالبه ~~بالدية بلا عنف وعلى القاتل أداء للدية إليه أي: العافي وهو الوارث بإحسان ~~بلا مطل ولا بخس ذلك أي: ما ذكر من الحكم وهو جواز القصاص والعفو عنه على ~~الدية تخفيف تسهيل من ربكم عليكم ورحمة بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا ~~منهما فمن اعتدى بعد ذلك بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل ~~القاتل بعد العفو أو أخذ الدية فله باعتدائه عذاب أليم أما في الدنيا ~~فبالاقتصاص بما قتله بغير حق، وأما في الآخرة فبالنار. ### | تنبيهات: # الأول: قال الراغب: إن قيل: على من يتوجه هذا الوجوب في قوله تعالى: # كتب عليكم؟ أجيب: على الناس كافة. فمنهم من يلزمه استقادته- وهو الإمام- ~~إذا طلبه الولي. ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل. ومنهم من يلزمه ~~المعاونة # PageV02P003 # والرضا به. ومنهم من يلزمه أن لا يتعدى بل يقتص أو يأخذ الدية. والقصد ~~بالآية: # منع التعدي الجاهلي. # الثاني: القصاص مصدر قاصه، المزيد. وأصل القص: قطع الشيء على سبيل ~~الاجتذاذ، ومنه: قص شعره وقص الحديث: اقتطع كلاما حادثا جدا وغيره، والقصة ~~اسم منه. وحقيقة القصاص: أن يفعل بالقاتل والجارح مثل ما فعلا. أفاده ~~الراغب. # الثالث: ذكر تقي الدين ابن تيمية في (السياسة الشرعية) جملة من أحكام ~~القتل نأثرها عنه. قال رحمه الله: # القتل ثلاثة أنواع: # أحدها العمد المحض: وهو أن يقصد ms0506 من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا. # سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه. أو بثقله، كالسندان وكودس القصار. أو ~~بغير ذلك: كالتحريق، والتغريق، وإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك ~~الخصيتين حتى يخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم ... ونحو ذلك من ~~الأفعال. فهذا إذا فعله وجب فيه القود. وهو أن يمكن أولياء المقتول من ~~القاتل. فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية وليس لهم ~~أن يقتلوا غير قاتله. # قال الله تعالى: ... ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل إنه كان منصورا [الإسراء: 33] . وقيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله. # وعن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : من ~~أصيب بدم أو خبل- والخبل الجرح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أراد ~~الرابعة، فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئا ~~من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. فمن قتل بعد العفو ~~وأخذ الدية فهو أعظم جرما ممن قتل ابتداء. # حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدا ولا يكون أمره إلى أولياء ~~المقتول. فإن الله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر، والعبد ~~بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء: فاتباع بالمعروف، وأداء ~~إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ~~ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون. قال العلماء: إن أولياء ~~المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا PageV02P004 # القاتل وأولياءه. وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب ~~القاتل. - # كسيد القبيلة ومقدم الطائفة-. فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي ~~هؤلاء في الاستيفاء. كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية ~~الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد ~~يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما، أشرف من المقتول. فيفضي ذلك إلى أن ~~أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل. وربما حالف هؤلاء ms0507 ~~قوما واستعانوا بهم. وهؤلاء، قوما. فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة. وسبب ~~ذلك: # خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى. فكتب الله علينا (القصاص) ~~وهو المساواة والمعادلة في القتل. وأخبر أن فيه (حياة) فإنه يحقن دم غير ~~القاتل من أولياء الرجلين. وأيضا إذا علم من يريد القتل: أنه يقتل، كف عن ~~القتل ... ! # وقد روي عن علي بن أبي طالب «1» وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من ~~سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في ~~عهده..! رواه أحمد وأبو داود # وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين ~~تتكافأ دماؤهم- أي تتساوى أو تتعادل- فلا يفضل عربي على عجمي ولا قرشي أو ~~هاشمي على غيره من المسلمين. ولا حر أصلي على مولى عتيق. ولا عالم أو أمير ~~على أمي أو مأمور. # وهذا متفق عليه بين المسلمين. بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود. ~~فإنه كان يقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة ~~والنضير. وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء. فتحاكموا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك وفي حد الزاني. فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى ~~التحميم «2» ، وقالوا: إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجة PageV02P005 # وإلا أنتم فقد تركتم حكم التوراة. فأنزل الله تعالى: يا أيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم ... - إلى قوله- ... وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب ~~المقسطين ... # [المائدة: 41- 42] . - إلى قوله- ... فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن ~~والسن بالسن والجروح قصاص [المائدة: 44- 45] ... # فبين سبحانه أنه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا ~~يفعلونه إلى قوله: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ms0508 مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ... - إلى قوله- أفحكم الجاهلية يبغون، ~~ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 48- 50] . # فحكم الله سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه ~~أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس- في البوادي والحواضر- ~~إنما هي البغي وترك العدل. فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من ~~الأخرى. أو مالا. أو يعلو عليها بالباطل، فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على ~~استيفاء الحق! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، ~~وغيرها ... بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من ~~حكم الجاهلية..! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى: وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، ~~وأقسطوا، إن الله يحب PageV02P006 # المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون [الحجرات: 9- 10] . وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه ~~أفضل لهم كما قال تعالى: والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له [المائدة: # 45] . # قال أنس «1» : ما رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه ~~قصاص إلا أمر فيه بالعفو..! رواه أبو داود # وغيره. # وروى مسلم في صحيحه «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد ~~لله إلا رفعه الله. # وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحر مع المسلم الحر، فأما ~~الذمي، فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم. كما أن المستأمن الذي يقدم ~~من بلاد الكفار- رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك- ليس بكفء له، وفاقا. # ومنهم من يقول: بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد. # النوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد: # قال النبي ms0509 صلى الله عليه وسلم «3» : ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط ~~والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها ~~أولادها. # سماه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة، لكنه بفعل لا يقتل ~~غالبا، فقد تعمد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. # الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه: مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا ~~فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود، وإنما فيه الدية ~~والكفارة. # وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم. # التنبيه الرابع: قال الراغب: إن قيل: لم قال فمن عفي له من أخيه شيء ولم ~~يقل: فمن عفا له أخوه شيئا..؟ قيل: العدول إلى ذلك للطيفة. وهي أنه لا فرق ~~بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة، فعفا أحدهم. إذ القصاص يبطل ويعدل ~~حينئذ إلى الدية، فقال: فمن عفي له من أخيه شيء ليدل على هذا المعنى، و ~~(الهاء) في قوله: أخيه يجوز أن تكون للمقتول ولوليه. وجعله أخا لولي الدم ~~لا للنسب ولا لموالاة دينية، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية. # الخامس: هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى: النفس ~~بالنفس [المائدة: 45] . كما أنها مقيدة وتلك مطلقة، والمطلق يحمل على ~~PageV02P007 # المقيد، وكذا ما ورد في السنة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الباب فإنه يبين ما يراد في هذه الآية وآية المائدة. # وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه: لا يقتل حر بعبد. # كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى. فالتعويل على ذلك. # وبالجملة: فقوله تعالى: الحر بالحر ... إلخ لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد ~~شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. هذا ~~ما اعتمدوه، والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 179] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # وقوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، ~~حيث جعل ms0510 الشيء محل ضده، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة. وقد جعل مكانا وظرفا ~~للحياة، وعرف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم- الذي ~~هو القصاص- حياة عظيمة. وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. # وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل! وكان يقتل بالمقتول غير ~~قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر..! فلما جاء الإسلام بشرع القصاص ~~كانت فيه حياة أي حياة..! أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع ~~عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا هم بالقتل، فعلم أنه ~~يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود. فكان القصاص سبب ~~حياة نفسين..! هذا ما يستفاد من (الكشاف) . ### | لطيفة: # اتفق علماء البيان على أن هذه الآية- في الإيجاز مع جمع المعاني- بالغة ~~إلى أعلى الدرجات..! وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، ~~كقولهم: # قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل. وأجود ~~الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم القتل أنفى للقتل وقد كانوا ~~مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها..! ومن المعلوم لكل ذي لب ~~أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه! وأنى لها الوصول إلى رشاقة ~~القرآن وعذوبته..! # قال في (الإتقان) وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في # PageV02P008 # هذا المعنى وهو قولهم (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر. وقد أشار ~~ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام ~~المخلوق..! # وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك..! # الأول: أن ما يناظره من كلامهم وهو القصاص حياة أقل حروفا، فإن حروفه ~~عشرة وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر..! # الثاني: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والحياة ناصة على ثبوتها التي هي ~~الغرض المطلوب منه! الثالث: أن تنكير حياة يفيد تعظيما، فيدل على أن في ~~القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة [البقرة: ~~96] . ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة ms0511 فيها ~~بالبقاء! الرابع: أن الآية فيه مطردة، بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى ~~للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما.! وإنما ينفيه قتل خاص، وهو ~~القصاص، ففيه حياة أبدا..! # الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل. والخالي من ~~التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة..! # السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف. بخلاف قولهم. فإن فيه حذف (من) ~~التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول، (وظلما) مع ~~القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصا أنفى ظلما من تركه. # السابع: أن في الآية طباقا، لأن القصاص يشعر بضد الحياة بخلاف المثل..! # الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين- الذي هو ~~الفناء والموت- محلا ومكانا لضده- الذي هو الحياة. واستقرار الحياة في ~~الموت مبالغة عظيمة..! ذكره في (الكشاف) ، وعبر عنه صاحب (الإيضاح) بأنه ~~جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال «في» عليه. # التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة- وهو السكون بعد الحركة- ~~وذلك مستكره. فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق ~~به وظهرت بذلك فصاحته! بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع ~~بالسكنات. نظيره: إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فحبست، ثم تحركت فحبست، # PageV02P009 # لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة! ~~العاشر: أن المثل كالتناقض من حيث الظاهر. لأن الشيء لا ينفي نفسه! الحادي ~~عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة، وبعدها عن غنة ~~النون. # الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى ~~الصاد. - إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. # بخلاف الخروج من القاف إلى التاء- التي هي من حرف منخفض- فهو غير ملائم ~~للقاف. وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى ~~الهمزة، لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق. # الثالث عشر: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك تكرير ~~القاف والتاء. ms0512 # الرابع عشر: سلامتها من لفظ (القتل) المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ (الحياة) ~~فإن الطباع أقبل له من لفظ (القتل) . # الخامس عشر: أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل، بخلاف ~~مطلق القتل. # السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات، والمثل على النفي، والإثبات أشرف ~~لأنه أول، والنفي ثان عنه. # السابع عشر: أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة. ~~وقوله في القصاص حياة مفهوم من أول وهلة..! # الثامن عشر: أن في المثل بناء (أفعل التفضيل) من فعل متعد، والآية سالمة ~~منه..! # التاسع عشر: أن (أفعل) في الغالب يقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا ~~للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا..! وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك. # العشرون: أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا، لشمول القصاص لهما. # والحياة أيضا في قصاص الأعضاء. لأن قطع العضو ينقص أو ينغص مصلحة الحياة، ~~وقد يسري النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل..! # PageV02P010 # في أول الآية ولكم وفيها لطيفة: وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، ~~وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم..! ~~انتهى. # وقوله تعالى يا أولي الألباب المراد به: العقلاء الذين يعرفون العواقب ~~ويعلمون جهات الخوف. فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعدائهم، وعلموا أنهم ~~يطالبون بالقود، صار ذلك رادعا لهم. لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف ~~نفسه. فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع..! إلا أن هذا الخوف إنما ~~يتولد من الفكر الذي ذكرناه، ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر. فمن لا عقل ~~له يهديه إلى هذا الفكر، لا يحصل له هذا الخوف..! فلهذا السبب خص الله ~~سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب، ثم علل ذلك بقوله لعلكم تتقون أي: الله ~~تعالى بالانقياد لما شرع، فتتحامون القتل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 180] # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) # كتب عليكم أي: فرض، كما استفاض في الشرع إذا حضر أحدكم الموت أي أمارته ~~وهو ms0513 المرض المخوف إن ترك خيرا أي مالا ينبغي أن يوصي فيه، وقد أطلق في ~~القرآن الخير وأريد به المال في آيات كثيرة: منها هذه، ومنها قوله: وما ~~تنفقوا من خير [البقرة: 272] ، ومنها: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8] ~~، ومنها: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [القصص: # 24] . إلى غيرها. وإنما سمى المال خيرا تنبيها على معنى لطيف: وهو أن ~~المال الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من وجه محمود..! كما أن في ~~التسمية إشارة إلى كثرته، كما قال بعضهم: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ~~ومن مكان طيب..! # وقد روى ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عليا رضي الله عنه دخل ~~على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له علي: إنما قال الله إن ترك ~~خيرا الوصية. إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لولدك.! # وروى الحاكم عن ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا! وقال ~~طاوس: لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا. وقال قتادة: كان يقال: ألفا ~~فما فوقها. # PageV02P011 # ومنه يعلم أن لا تحديد للكثرة المفهومة، وأن مردها للعرف لاختلاف أحوال ~~الزمان والمكان. # ثم ذكر نائب فاعل (كتب) بعد أن اشتد التشوف إليه، فقال الوصية وتذكير ~~الفعل الرافع لها: إما لأنه أريد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكر الضمير في ~~قوله فمن بدله بعد ما سمعه وإما للفصل بين الفعل ونائبه، لأن الكلام لما ~~طال، كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث. وقوله للوالدين ~~بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما والأقربين من عداهما من جميع القرابات ~~بالمعروف وهو ما تتقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها. # وفي الصحيحين «1» : أن سعدا قال: يا رسول الله، إن لي مالا ولا يرثني إلا ~~ابنة لي. أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا..! قال: فبالشطر؟ قال لا..! قال: ~~فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس! # وفي صحيح البخاري «2» أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا ms0514 من الثلث إلى ~~الربع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث والثلث كثير..! # وروى الإمام أحمد «3» عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن ~~حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة أن جده أوصى ليتيم في حجره بمائة من ~~الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~حنيفة: إني أوصيت PageV02P012 # ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطيبة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لا لا لا..! الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، ~~وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون! ~~وذكر الحديث بطوله # . ثم أكد تعالى الوجوب بقوله حقا- وكذا قوله- على المتقين فهو إلهاب ~~وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله عن النقير والقطمير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 181] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) # فمن بدله أي: فمن غير الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع، من الأوصياء ~~والشهود بعد ما سمعه أي بعد ما وصل إليه وتحقق لديه فإنما إثمه أي التبديل- ~~على الذين يبدلونه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع، فلا يلحق الموصي منه شيء ~~وقد وقع أجره على الله إن الله سميع عليم وعيد شديد للمبدلين. # هذا، وما ذكرناه من أن المنهي عن التبديل إما الأوصياء أو الشهود هو ~~المشهور. وهناك وجه آخر- أراه أقرب- وهو أن يكون المنهي عن التغيير هو ~~الموصي نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين تعالى الوصية إليها. وذلك ~~لأنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأبعدين الأجانب، طلبا للفخر والشرف. ~~ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة والضر، فأوجب الله تعالى الوصية لهؤلاء ~~منعا للقوم عما اعتادوه- كذا قاله الأصم. PageV02P013 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 182] # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(182) # فمن خاف أي توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع، ويقولون: أخاف أن ms0515 ترسل ~~السماء، يريدون التوقع والظن الغالب، الجاري مجرى العلم من موص جنفا ميلا ~~عن الحق، بالخطإ في الوصية، والتصرف فيما ليس له أو إثما أي: ميلا فيها ~~عمدا فأصلح بينهم أي: بينه وبين الموصى لهم- وهم الوالدان والأقربون- ~~بإجرائهم على طريق الشرع. # قال ابن جرير: بأن يأمره بالعدل في وصيته، وأن ينهاهم عن منعه فيما أذن ~~له فيه وأبيح له. فلا إثم عليه أي: بهذا التبديل، لأن تبديله تبديل باطل ~~إلى حق! - إن الله غفور رحيم قال ابن جرير: أي غفور للموصي- فيما كان حدث ~~به نفسه من الجنف والإثم إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته- فتجاوز له عما ~~كان حدث به نفسه من الجور إذ لم يمض ذلك، رحيم بالمصلح بين الوصي وبين من ~~أراد أن يحيف عليه لغيره أو يأثم فيه له..! ### | تنبيه: # (ما أفادته الآية من فرضية الوصية للوالدين والأقربين) ذكر بعضهم: أنه ~~كان واجبا قبل نزول آية المواريث. فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت ~~المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمل ~~منة الموصي. ولهذا جاء # في الحديث «1» - الذي في السنن وغيرها- عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ~~فلا وصية لوارث..!» . # ونص الإمام الشافعي على أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن ~~حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: «لا وصية لوارث» # . ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة. ~~فهو أقوى من نقل واحد. PageV02P014 # قال الإمام مالك في «الموطأ» : السنة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها ~~أنه: لا تجوز وصية لوارث إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت. # وذهبت طائفة إلى أن الآية محكمة لا تخالف آية المواريث. والمعنى: كتب ~~عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى يوصيكم الله ~~في ms0516 أولادكم أو كتب على المحتضر: أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى ~~به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم! فلا منافاة بين ثبوت الميراث ~~للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن ~~حضره الموت. فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. ولو فرض ~~المنافاة، لأمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية. بإبقاء القريب الذي لا ~~يكون وارثا لأجل صلة الرحم. فقد أكد تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى ~~في غير ما آية، فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة، أو ذوي رحم ~~مفروضة..! قالوا: ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ ~~وجوبها في غيرهم..!. # ومما استدل به على وجوب الوصية، من السنة: # خبر الصحيحين «1» عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» ~~: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده # . قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذلك إلا وعندي وصيتي..! والآيات والأحاديث- بالأمر ببر الأقارب ~~والإحسان إليهم- كثيرة جدا..!. # ظهر لي في آية كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ... إلخ- وكان درسنا صباحا من ~~البخاري في كتاب (الوصايا) - أن هذه الآية ليست منسوخة- كما قيل- بل هي ~~محكمة بطريقة لا أدري هل أحد سبقني بها أم لا؟ فإني- في تفسيري المسمى ~~بمحاسن التأويل- نقلت هناك مذاهب العلماء، ولا يحضرني الآن أن ما سأذكره ~~مأثور أم لا؟ وهو أن هذه الآية مع آية: يوصيكم الله في أولادكم، متلاقيتان ~~في المعنى، من حيث إن المراد بالوصية: وصية الله في إيتاء ذوي الحقوق ~~حقوقهم، وعدم الغض منها، والحذر من تبديلها، لما يلحق المبدل من الوعيد ~~الشديد..! # وخلاصة المعنى على ما ظهر: PageV02P015 # كتب عليكم أي: فرض عليكم فرضا مؤكدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا ~~يعتوره تغيير إذا حضر أحدكم الموت أي: قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة ~~إن ترك خيرا أي: مالا ms0517 يورث الوصية أي: المعهودة، وهي وصية الله سبحانه ~~وتعالى في إيتاء كل ذي حق حقه، على ما بينته تلك الآية للوالدين والأقربين ~~أي: في إبلاغهم فرضهم المبين في آية يوصيكم الله في أولادكم فإنه أجمع آية ~~حقا على المتقين تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما ~~فمن بدله أي: هذا المكتوب الحق بعد ما سمعه أي: فعلم الحق المفروض فيه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم أي: فلا يخفى عليه شيء من ~~حال الممتثل والمبدل، وقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أي: ميلا عما فرضه ~~تعالى أو إثما أي: بقطع من يستحق عن حقه، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس ~~التي لم يدركها نور التهذيب فأصلح بينهم أي: بأمر رضي به الكل فلا إثم عليه ~~أي: لأن الصلح جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، والله أعلم. المنقول ~~من الدفتر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 183] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) # يا أيها الذين آمنوا كتب- فرض- عليكم الصيام وهو الإمساك عن الطعام ~~والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. # واعلم أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة ~~شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحسانا إليهم، وحمية، وجنة..! فإن المقصود من ~~الصيام: حبس النفس عن الشهوات، وفطمها عن المألوفات، وتعديل قوتها ~~الشهوانية، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما ~~فيه حياتها الأبدية..! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال ~~الأكباد الجائعة من المساكين..! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري ~~الطعام والشراب، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في ~~معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحها، وتلجم بلجامه، فهو ~~لجام المتقين، وجنة المجاهدين، ورياضة الأبرار والمقربين..! وهو لرب ~~العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، إنما ترك شهوته ~~وطعامه وشرابه من ms0518 أجل # PageV02P016 # معبوده. فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته. وهو ~~سر بين العبد وربه، ولا يطلع عليه سواه..!. # والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة. وأما كونه ترك طعامه ~~وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر. وذلك حقيقة ~~الصوم..! # وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة. وحميتها عن ~~التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها. ~~واستفراغ المواد الردية المانعة له من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب ~~والجوارح صحتها. # ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات. فهو من أكبر العون على ~~التقوى، كما قال تعالى في تتمة الآية: لعلكم تتقون، # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : الصوم جنة. # وأمر «2» من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه، بالصيام. وجعله ~~وجاء هذه الشهوة. # وكان هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدى، وأعظم تحصيلا ~~للمقصود، وأسهله على النفوس..! ولما كان فطم النفس عن مألوفاتها وشهواتها ~~من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة. لما توطنت ~~النفوس على التوحيد والصلاة. وألفت أوامر القرآن. فنقلت إليه بالتدريج. ~~وكان فرضه السنة الثانية من الهجرة. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد صام تسعة رمضانات. وفرض أولا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كل ~~يوم مسكينا. ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ ~~الكبير والمرأة- إذا لم يطيقا الصيام- فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم ~~مسكينا- كما سيأتي بيانه- وكان للصوم رتب ثلاث: أحدها: إيجابه بوصف ~~التخيير. والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه ~~الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة: وهي التي ~~استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة..! كذا أفاده ابن القيم في زاد المعاد. ~~PageV02P017 # وقوله تعالى: كما كتب على الذين من قبلكم تأكيد للحكم، وترغيب فيه، ~~وتطييب لأنفس المخاطبين به فإن الشاق إذا عم سهل عمله! والمماثلة إنما هي ~~في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، ms0519 وفيه دليل على أن الصوم عبادة قديمة. # وفي التوراة، سفر عزرا، الأصحاح الثاني، ص 750: # (21) «وناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه ~~طريقا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل مالنا» . # وفي سفر إشعياء، الأصحاح الثامن والخمسون ص 1062: # (3) «يقولون لماذا صمنا ولم ننظر. ذللنا أنفسنا ولم نلاحظ. ها إنكم في ~~يوم صومكم توجدون مسرة وبكل أشغالكم تسخرون» . # (4) ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشر. لستم تصومون ~~كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. # (5) أمثل هذا يكون صوم أختاره. يوما يذلل الإنسان فيه نفسه يحنى كالأسلة ~~رأسه ويفرش تحته مسحا ورمادا. هل تسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب؟ ... ~~إلخ. # وفي سفر يوئيل، الأصحاح الأول، ص 1299: # (14) قدسوا صوما. # وفي الأصحاح الثاني، ص 1300: # (12) ولكن الآن يقول الرب: ارجعوا إلي بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء ~~والنوح. # (13) ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم ~~بطيء الغضب وكثير الرأفة.. # (15) ... قدسوا صوما نادوا باعتكاف. # (16) اجمعوا الشعب قدسوا الجماعة. # وفي سفر زكريا، الأصحاح الثامن، ص 1347: # (19) هكذا قال رب الجنود. إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع ~~وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجا وفرحا وأعيادا طيبة. فأحبوا الحق ~~والسلام. # PageV02P018 # وفي إنجيل متى، الأصحاح السادس ص 11: # (17) وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. # (18) لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى ~~في الخفاء يجازيك علانية. # الأصحاح السابع عشر ص 32: # لما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام فتى وأخرج منه الشيطان قال لأصحابه. # (21) وأما هذا الجنس فلا- يخرج إلا بالصلاة والصوم. # وفي الأصحاح الرابع ص 6: # (2) فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا (أي المسيح عليه ~~السلام) . # وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، الأصحاح السادس ص 295: # (4) بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله في صبر كثير في شدائد في ضرورات ~~في ضيقات. # (5) في ضربات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصوام. # وفي الأصحاح الحادي عشر ص 301: # (27) في تعب وكد. في أسهار مرارا كثيرة. في جوع وعطش. ms0520 في أصوام مرارا ~~كثيرة. في برد وعري. # هذا، ومتى أطلق الصوم في كل شريعة، فلا يقصد به الا الامتناع عن الأكل كل ~~النهار إلى المساء، لا مجرد إبدال طعام بطعام. # وقوله تعالى: لعلكم تتقون أي: تجعلون بينكم وبين سخطه تعالى وقاية ~~بالمسارعة إليه، والمواظبة عليه، رجاء لرضاه تعالى فإن الصوم يكسر الشهوة، ~~فيقمع الهوى، فيردع عن مواقعة السوء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 184] # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) # أياما معدودات نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام # PageV02P019 # معدودات وهي أيام شهر رمضان، كما بينها تعالى فيما بعد بقوله شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن. فمن كان منكم مريضا أي: مرضا يضره الصوم، أو يعسر ~~معه. # والمرض: السقم وهو نقيض الصحة واضطراب الطبيعة بعد صفائها واعتدالها أو ~~على سفر أي: فأفطر فعدة أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أخر ~~غير المعدودات المذكورة، وإنما رخص الفطر في حال المرض والسفر لما في ذلك ~~من المشقة. وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم ~~الغزوات وأجلها: في غزوة بدر وغزوة الفتح. # قال عمر بن الخطاب «1» : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ~~غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما. ### | تنبيهات # الأول: ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر، كما خير بعض ~~الصحابة بين الصوم والفطر. # ففي الصحيحين «2» : عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من ~~شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وابن ~~رواحة # . وقوله (في بعض أسفاره) وقع في إحدى روايتي مسلم، بدله (في شهر رمضان) . # وعن عبد الله بن أبي أوفى ms0521 رضي الله عنه قال «3» : سرنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو صائم. # وفي رواية: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما غابت الشمس ~~قال لرجل: انزل فاجدح لنا..! فقال: يا رسول الله! لو أمسيت. قال: أنزل ~~فاجدح لنا قال: إن عليك نهارا. فنزل، فجدح له، فشرب، ثم قال: إذا رأيتم ~~الليل قد أقبل من هاهنا- وأشار بيده نحو المشرق- فقد أفطر الصائم. رواه ~~الشيخان. واللفظ لمسلم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «4» : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من المدينة إلى PageV02P020 # مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس. فأفطر ~~حتى قدم مكة، وذلك في رمضان. # فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء ~~صام، ومن شاء أفطر. رواه الشيخان. واللفظ للبخاري. # وعن قزعة قال «1» : أتيت أبا سعيد الخدري فسألته عن الصوم في السفر فقال: # سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا ~~منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر ~~أقوى لكم! فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر. # ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. # وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك في السفر، رواه مسلم. # وعن عائشة «2» : أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: # أأصوم في السفر؟. - وكان كثير الصيام- فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر. # رواه البخاري. # ورواه مسلم من طريق آخر، أنه قال: يا رسول الله! أجد بي قوة على الصيام ~~في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من ~~الله. فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه. # وعن أنس بن مالك قال «3» : كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يعب الصائم على ms0522 المفطر ولا المفطر على الصائم. رواه الشيخان. # الثاني: لا يخفى أن جواز الصوم للمسافر، إذا أطاقه بلا ضرر. وأما إذا شق ~~عليه الصوم فلا ريب في كراهته، لما # في الصحيحين «4» : عن جابر رضي الله عنه قال: كان PageV02P021 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما، ورجل قد ظلل عليه، ~~فقال: ما هذا؟ فقالوا: # صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر. # فلا ينافي هذا ما تقدم، كما لا يرد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، لأن السياق والقرائن تدل على تخصيصه بمن شق عليه الصوم. وما تقدم، ~~في غيره. # قال ابن دقيق العيد: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق ~~والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم وبين مجرد العام على سبب. فإن ~~بين المقامين فرقا واضحا. ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب. فإن مجرد ورود ~~العام على سبب لا يقتضي التخصيص به. كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان. ~~وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان ~~المجملات كما في هذا الحديث. انتهى. وهو استنباط جيد. وبالجملة: فالمريض ~~والمسافر يباح لهما الفطر. فإن صاما، صح. فإن تضررا، كره..!. # الثالث: لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها ~~الصائم بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ~~ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم..! ~~وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ~~ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم. كما # قال عبيد بن جبر «1» : ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان. فلم نجاوز البيوت حتى دعا ~~بالسفرة. قال: اقترب. قلت: # ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ رواه أبو داود وأحمد. # ولفظ أحمد: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى ms0523 الإسكندرية في سفينة، فلما ~~دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء. وذلك في رمضان، ~~فقلت يا أبا بصرة! والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد. فقال: أترغب عن سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت لا! قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما ~~حوزنا (قيل: أي موضعهم الذي أرادوه) وقال «2» محمد بن كعب: أتيت أنس بن ~~مالك في رمضان- وهو يريد السفر- وقد رحلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا ~~بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ # قال: سنة. ثم ركب # . قال الترمذي: حديث حسن. وقال الدارقطني فيه: فأكل وقد تقارب غروب ~~الشمس..! وهذه الآثار صريحة أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من PageV02P022 # رمضان فله الفطر فيه. قاله في (زاد المعاد) . # وعلى الذين يطيقونه أي الصوم، إن أفطروا فدية أي إعطاء فدية وهي طعام ~~مسكين و «الفدية» ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يقصر فيها، ~~و «الطعام» ما يؤكل وما به قوام البدن فمن تطوع خيرا بأن أطعم أكثر من ~~مسكين فهو خير له لأنه فعل ما يدل على مزيد حبه لربه وأن تصوموا أيها ~~المطيقون خير لكم من الفدية وإن زادت إن كنتم تعلمون أي فضيلة الصوم ~~وفوائده، أو إن كنتم من أهل العلم. # وقد ذهب الأكثرون إلى أن هذه الآية منسوخة بما بعدها. فإنه كان في بدء ~~الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار ~~والفدية. كما روى مسلم «1» عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية ~~بعدها فنسختها. وأسند من طريق آخر عن سلمة أيضا قال: كنا في رمضان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام ~~مسكين، حتى أنزلت هذه الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه. وفي البخاري «2» : ~~قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها شهر رمضان ### | .... # الآية. ثم روي عن ابن أبي ليلى: ms0524 حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ~~نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ~~ورخص لهم في ذلك، فنسخت وأمروا بالصوم. ثم أسند أيضا عن ابن عمر أنه قال: ~~هي منسوخة. # هذا وقد روى البخاري «3» في (التفسير) : عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول ~~في هذه الآية: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ~~أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا. # هذا، وقد ذكر البخاري «4» في (التفسير) : أن أنس بن مالك أطعم- بعد ما ~~PageV02P023 # كبر- عاما أو عامين، كل يوم مسكينا، خبزا ولحما، وأفطر، رواه تعليقا. ~~ووصله أبو يعلى الموصلي في «مسنده» . ورواه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث ~~ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه. وروى محمد بن هشام في فوائده عن حميد قال: # ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: ~~لا..! # فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر ~~... ! # ولما أبهم الأمر في الأيام عينت هنا بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 185] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) # شهر رمضان لأن ذلك أفخم وآكد من تعيينه من أول الأمر. # وقال الراغب: جعل معالم فرضه على الأهلة ليبادر الإنسان به في كل وقت من ~~أوقات السنة، كما يدور الشهر فيه من الصيف والشتاء والربيعين. # وفي رفع شهر وجهان: أحدهما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني ~~الأيام المعدودات. فعلى هذا يكون قوله الذي أنزل نعتا للشهر أو لرمضان. # والثاني هو مبتدأ. ثم في الخبر وجهان: أحدهما الذي أنزل والثاني إن الذي ~~أنزل صفة، والخبر هو الجملة التي هي قوله فمن شهد. # فإن قيل: ms0525 لو كان خبرا لم يكن فيه الفاء لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط!. # قيل: الفاء- على قول الأخفش- زائدة. وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما ~~دخلت لأنك وصفت الشهر ب الذي، فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس (الذي) . ~~ومثله قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم [الجمعة: 8] ، فإن قيل: ~~فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيما ~~أي: فمن شهده منكم. كذا في العكبري. # الذي أنزل فيه القرآن أي: ابتدأ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. # قال الرازي: لأن مبادي الملل والدول هي التي يؤرخ بها، لكونها أشرف # PageV02P024 # الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة. # وقال سفيان بن عيينة: معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن ~~الفضل، قال: ومثله أن يقال: أنزل الله في الصديق كذا آية، يريدون في فضله. # وقال ابن الأنباري: أنزل- في إيجاب صومه على الخلق- القرآن، كما يقال: # أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد ~~في تحريمها، والله أعلم. # قال الحرالي: أشعرت الآية أن في الصوم حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ~~ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من (القرء) وهو ~~ما جمع الكتب والصحف والألواح. انتهى. # وفي مدحه- بإنزاله فيه- مدح للقرآن به، من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد ~~بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، ليوقف على حقيقة ما اتبع هذا به من ~~أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة، من أنه لا ريب فيه، وأنه هدى، على ~~وجه أعم من ذلك الأول. فقال تعالى: هدى للناس نصب على الحال. وبينات من ~~الهدى والفرقان عطف على الحال قبله. فهي حال أيضا. والظرف صفة. أي: # أنزل حال كونه هداية للناس، وآيات واضحة مرشدة إلى الحق، فارقة بينه وبين ~~الباطل. ولدفع سؤال التكرار في قوله وبينات ### | .... # إلخ بعد قوله هدى للناس حمل بعض المفسرين الهدى الأول بواسطة النكرة على ~~الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعني هدايته بإعجازه. والثاني على ~~الهدى الحاصل ms0526 باشتماله على الواضحات من أمر الدين، والفرقان بين الحلال ~~والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات. # وثمة وجه آخر نقله الرازي: وهو أن الهدى الثاني المراد به التوراة ~~والإنجيل. # قال تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان [آل عمران: 3- 4] . فبين تعالى أن ~~القرآن- مع كونه هدى في نفسه- ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى ~~وفرقان، والله أعلم. # فمن شهد منكم الشهر فليصمه هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر- أي: ~~حضر فيه بأن كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه- أن ~~يصوم لا محالة. ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في # PageV02P025 # البيان. ثم أعيد ذكر الرخصة بقوله تعالى ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير، أن الصوم حتم ~~لا تتناوله الرخصة بوجه، أو تتناوله، ولكنها مفضولة. وفيه عناية بأمر ~~الرخصة، وأنها محبوبة له تعالى كما ورد. وفي إطلاقه، إشعار بصحة وقوع ~~القضاء متتابعا وغير متتابع يريد الله بكم اليسر أي تشريع السهولة بالترخيص ~~للمريض والمسافر، وبقصر الصوم على شهر ولا يريد بكم العسر في جعله عزيمة ~~على الكل، وزيادته على شهر. # قال الحرالي: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم. والعسر ما يجهد ~~النفس ويضر الجسم. # قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق، لهذه ~~الآية. # وروى الإمام أحمد مرفوعا «1» : إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره. # وروى أيضا «2» : إن دين الله في يسر (ثلاثا) . # وفي الصحيحين «3» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي ~~موسى، حين بعثهما إلى اليمن: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا ~~تختلفا. # وفي السنن والمسانيد «4» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثت ~~بالحنيفية السمحة. PageV02P026 # أي التي لا إصر فيها ولا حرج. كما قال تعالى: وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج، [الحج: 78] . # ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ms0527 على ما هداكم ولعلكم تشكرون. علل لفعل ~~محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. ولهذه الأمور شرع ذلك. يعني جملة ما ذكر ~~من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه، ومن ~~الترخيص في إباحة الفطر. فقوله لتكملوا علة الأمر بمراعاة العدة. ولتكبروا. # علة ما علم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر ولعلكم تشكرون علة ~~الترخيص والتيسير. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبينه ~~إلا النقاب المحدث من علماء البيان! وإما عدي فعل التكبير بحرف الاستعلاء ~~لكونه مضمنا معنى الحمد. كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم. ~~ومعنى ولعلكم تشكرون وإرادة أن تشكروا. ويجوز عطفها على اليسر أي: يريد بكم ~~لتكملوا ... إلخ، كقوله تعالى: يريدون ليطفؤا ... إلخ. [الصف: 8] والمراد ~~بالتكبير تعظيمه تعالى والثناء عليه- كذا أفاده الزمخشري. # قال الحرالي: وفي لفظ: ولتكبروا الله، إشعار لما أظهرته السنة من صلاة ~~العيد، وأعلن فيها بالتكبير. وكرر مع الجهر فيها لمقصد موافقة معنى التكبير ~~الذي إنما يكون علنا. وجعلت في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير. لأن ~~تكبير الله إنما هو بما جل من مخلوقاته. انتهى ملخصا. # وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ولتكبروا الله. أي ولتذكروا الله عند انقضاء ~~عبادتكم، كما قال فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ~~ذكرا [البقرة: 200] وقال فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [الجمعة: 10] وقال وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود [ق: ### | 39- 40 # ] ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات ~~المكتوبات. # وقال ابن عباس «1» : ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا بالتكبير. PageV02P027 # ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية. # حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر، لظاهر ~~الأمر في قوله ولتكبروا الله على ما هداكم وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه ~~الله: # أنه لا ms0528 يشرع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه. انتهى. # وفي (زوائد المشكاة) عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم ~~الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى. ثم يكبر حتى يأتي الإمام. وفي رواية: ~~رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه الدارقطني. وعن نافع أن ابن عمر ~~كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى، ثم ~~يكبر بالمصلي حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير. رواه الشافعي. # قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: حديث أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي ~~المصلى، رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عمر من طرق مرفوعا وموقوفا، وصحح ~~وقفه. ورواه الشافعي موقوفا أيضا. # وفي الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا: زينوا أعيادكم بالتكبير. إسناده غريب. # انتهى. # وفائدة طلب الشكر في هذا الموضع، هو أنه تعالى، لما أمر بالتكبير، وهو لا ~~يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبرياءه وعزته وعظمته، وكونه أكبر من أن ~~تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين. ثم يعلم أنه ~~سبحانه- مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلا عن هذا المسكين- ~~خصه الله بهذه الهداية العظيمة- لا بد وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى ~~الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته، فلهذا قال ~~ولعلكم تشكرون أفاده الرازي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 186] # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب قال الراغب: هذه الآية من تمام الآية ~~الأولى. لأنه لما حث على تكبيره وشكره على ما قيضه لهم من تمام الصوم، بين ~~أن # PageV02P028 # الذي يذكرونه ويشكرونه قريب منهم، ومجيب لهم إذا دعوه، ثم تمم ما بقي من ~~أحكام الصوم. # قال الرازي: إن السؤال متى كان مبهما، والجواب مفصلا، دل الجواب على أن ~~المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين. فلما قال في الجواب ms0529 فإني قريب علمنا ~~أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، أي كما صرحت به الرواية ~~السابقة. # والقريب من أسمائه تعالى الحسنى. ومعناه القريب من عبده بسماعه دعاءه، ~~ورؤيته تضرعه، وعلمه به، كما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ~~وقال وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] وقال ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم [المجادلة: 7] . # قال الإمام تقي الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، في عقيدته الواسطية: # ودخل- فيما ذكرناه من الإيمان بالله- الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، ~~وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة. من أنه ~~سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه. وهو معهم سبحانه أينما كانوا. ~~يعلم ما هم عاملون. # كما جمع بين ذلك في قوله هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير. وليس معنى ~~قوله وهو معكم أين ما كنتم أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة. وهو ~~خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة. وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. بل القمر- آية ~~من آيات الله- من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر ~~أينما كان. وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه. مهيمن عليهم، مطلع إليهم. ~~إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق ~~العرش، وأنه معنا- حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون ~~الكاذبة. ودخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه، كما قال تعالى وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب ... الآية. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «1» : إن الذي تدعونه أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته. # وما ذكر في الكتاب والسنة- من قربه ومعيته- لا ينافي ما ذكر من علوه ~~وفوقيته..! فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وهو علي في دنوه، ~~قريب في ms0530 علوه..! انتهى كلامه، رحمه الله تعالى. PageV02P029 # وقوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان تقرير للقرب وتحقيق له. ووعد ~~للداعي بالإجابة. وقد قرئ في السبع بإثبات الياء في (الداع) و (دعان) في ~~الوصل دون الوقف، وبالحذف مطلقا. ### | تنبيهات: # الأول: في معنى الدعاء: # قال في القاموس وشرحه: الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من ~~الخير، والابتهال إليه بالسؤال. ويطلق على العبادة والاستغاثة. # الثاني: فيما فسر به قوله تعالى أجيب دعوة الداع: # قال ابن القيم في (زاد المعاد) في هديه صلى الله عليه وسلم في سجوده ما ~~نصه: وأمر- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- بالدعاء في السجود، وقال «1» : ~~إنه ضمن أن يستجاب لكم # . وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود؟ أو أمر بأن الداعي إذا دعا في ~~محل فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين..! وأحسن ما يحمل عليه الحديث، أن ~~الدعاء نوعان: # دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في سجوده من ~~النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة- أيضا- ~~نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب. ~~وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان. والصحيح ~~أنه يعم النوعين. انتهى. # الثالث: فيمن هو الداعي المجاب: # قال الراغب: بين تعالى- في هذه الآية- إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا ~~دعوه أجابهم، وعليه نبه بقوله تعالى: ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] . إن ~~قيل: # قد ضمن في الآيتين أن من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه! قيل: ~~إنه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] وإنما عنى به الموصوفين ~~بقوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42] ، ~~وقوله: وعباد الرحمن [الفرقان: 63] PageV02P030 # الآيات وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى ~~ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] ، ويخلص النية، ويظهر ~~الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أن ms0531 ~~نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوله وأعطاه. ومعلوم أن من هذا حاله ~~فمجاب الدعوة..! # وقال ابن القيم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل ~~عن الدواء الشافي) ما نصه، بعد جمل: وكذلك الدعاء. فإنه من أقوى الأسباب في ~~دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره. إما لضعفه في نفسه بأن ~~يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإما لضعف القلب وعدم إقباله ~~على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن ~~السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ~~والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو اللهو وغلبتها عليه. ~~كما # في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ادعو ~~الله وأنتم موقنون بالإجابة. # واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه!. # فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك ~~أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها. كما # في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«1» : «أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم [المؤمنون: 51] ، وقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم [البقرة: 172] ، ثم ذكر: # الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! ومطعمه ~~حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فإنى يستجاب لذلك..!» # وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب (الزهد) لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، ~~فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى ~~الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها ~~بيوتكم من الحرام. الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا..!. # ثم قال ابن القيم رحمه الله: والدعاء من أنفع الأدوية. وهو ms0532 عدو البلاء، ~~يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن. ~~كما PageV02P031 # روى الحاكم في (صحيحه) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله ~~وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء سلاح المؤمن وعماد ~~الدين، ونور السموات والأرض! وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها، أن يكون ~~أقوى من البلاء فيدفعه. # الثاني، أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن ~~قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث، أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه..!. # وقد روى الحاكم في (صحيحه) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع مما نزل ومما ~~لم ينزل. وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة!. # وفيه أيضا، من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء ~~ينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم، عباد الله، بالدعاء!. # وفيه أيضا: من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يرد القدر إلا ~~الدعاء. ولا يزيد في العمر إلا البر. وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه..!. # ثم قال ابن القيم رضي الله عنه: ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. # وقد روى ابن ماجة في (سننه) «1» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه! # وفي (صحيح الحاكم) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعجزوا ~~في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد. # وذكر الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب الملحين في الدعاء! # وفي كتاب (الزهد) للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن ~~مثلا إلا رجل في البحر على خشبة. فهو يدعو: يا رب! لعل الله عز وجل أن ~~ينجيه..!. # ثم قال ابن القيم، نور الله ضريحه: ومن الآفات ms0533 التي تمنع ترتب أثر الدعاء ~~عليه، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من ~~بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه. فلما استبطأ كماله وإدراكه ~~تركه وأهمله..! # وفي البخاري «2» من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول: دعوت فلم يستجب لي!. # وفي صحيح مسلم «3» عنه: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة ~~رحم ما لم يستعجل! قيل: يا رسول PageV02P032 # الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي. # فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء. # وفي (مسند أحمد) «1» من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا: يا رسول الله! كيف يستعجل؟ قال: ~~يقول: قد دعوت لربي فلم يستجب لي. # ثم قال: ### | فصل # وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا ~~من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين ~~الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة ~~على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف ~~خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلا وتضرعا ورقة، واستقبل الداعي ~~القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء ~~عليه، ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده صلى الله عليه وسلم، ثم قدم بين يدي ~~حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ~~ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه ~~صدقة- فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا. ولا سيما إن صادف الأدعية التي ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم ~~الأعظم. فمنها ما # في السنن وفي (صحيح ابن حبان) «2» من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني ms0534 أشهد ~~أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي- لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحدا..! فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به ~~أجاب! # وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم.! # وفي السنن «3» و (صحيح ابن حبان) أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي ثم دعا: # اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات ~~والأرض، يا ذا PageV02P033 # الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دعا ~~الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى! # وأخرج الحديثين أحمد في (مسنده) وفي (جامع الترمذي) «1» من حديث أسماء ~~بنت يزيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسم الله الأعظم في هاتين ~~الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [البقرة: 163] وفاتحة ~~آل عمران الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم # ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي (مسند أحمد) «2» # و (صحيح الحاكم) من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام. # يعني: تعلقوا بها والزموها وداوموا عليها. # وفي (جامع الترمذي) «3» من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم. وإذا ~~اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم..! # وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~كربه أمر قال: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث. # وفي (صحيح الحاكم) «4» من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه. # قال القاسم: فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم. # وفي (جامع الترمذي) «5» و (صحيح الحاكم) من حديث سعد بن أبي وقاص ms0535 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. # فإنه لم يدع بها رجل مسلم، في شيء قط، إلا استجاب الله له # قال الترمذي: حديث صحيح. # وفي (صحيح الحاكم) أيضا من حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ألا ~~أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهم فدعا به يفرج الله عنه: دعاء ذي ~~النون. # وفي (صحيحه) أيضا عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: هل ~~أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس. فقال رجل: يا رسول الله! هل كان ~~ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين [الأنبياء: # 88] ، فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر ~~PageV02P034 # شهيد. وإن برأ، برأ مغفورا له! # وفي (الصحيحين) «1» من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب ~~العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم.! # وفي (مسند الإمام أحمد) «2» من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا ~~الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله ~~رب العالمين. # وفي (مسنده) أيضا «3» ، من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: # اللهم! إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك. ناصيتي بيدك. ماض في حكمك. عدل في ~~قضاؤك. أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك. أو علمته أحدا من خلقك. أو ~~أنزلته في كتابك. أو استأثرت به في علم الغيب عندك. أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي.! إلا أذهب الله ms0536 همه وحزنه ~~وأبدله مكانه فرحا. فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلمها؟ قال: بل ينبغي لمن ~~سمعها أن يتعلمها. # وقال ابن مسعود: ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح. # ثم قال ابن القيم: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، فيكون ~~قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله. أو حسنة تقدمت منه، جعل ~~الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته. أو صادف الدعاء وقت إجابة. ونحو ذلك، ~~فأجيبت دعوته. فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك ~~الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في ~~الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به. فظن غيره أن استعمال هذا ~~الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب كان غالطا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من ~~الناس. ومن هذا، قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب. فيظن الجاهل أن السر ~~للقبر. ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله. فإذا حصل ذلك في ~~بيت من بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله..!. PageV02P035 # ثم قال ابن القيم: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح. والسلاح بضاربه لا ~~بحده فقط! فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به. والساعد ساعد قوي، ~~والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو..! ومتى تخلف واحد من هذه ~~الثلاثة، تخلف التأثير..! فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم ~~يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة- لم يحصل ~~التأثير..!. # ثم قال ابن القيم: وهنا سؤال مشهور وهو: أن المدعو به إن كان قد قدر لم ~~يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء ~~سأله العبد أو لم يسأله. فظنت طائفة صحة هذا السؤال.، فتركت الدعاء وقالت: ~~لا فائدة فيه! وهؤلاء- مع فرط جهلهم وضلالهم- يتناقضون. فإن طرد مذهبهم ~~يوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم إن كان الشبع والري قد قدر لك فلا ~~بد من وقوعهما. أكلت ms0537 أو لم تأكل. وإن لم يقدرا لم يقعا. أكلت أو لم تأكل. ~~وإن كان الولد قدر لك، فلا بد منه، وطأت الزوجة والأمة أو لم تطأهما. وإن ~~لم يقدر لم يكن. # فلا حاجة إلى التزويج والتسري. وهلم جرا ... فهل يقال: هذا عاقل أو آدمي؟ ~~بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. ~~فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا. # وتكايس بعضهم. وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض. يثيب الله ~~عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما..! ولا فرق- عند ~~هذا الكيس- بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول ~~المطلوب. # وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق..! وقالت طائفة أخرى ~~أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء ~~الحاجة. # فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له، وأمارة على أن حاجته قد قضيت..! # وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء. فإن ذلك دليل وعلامة ~~على أنه يمطر..! قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع ~~العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب له..! وهكذا- ~~عندهم- الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء ~~من ذلك سببا البتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا بمجرد الاقتران ~~العادي لا التأثير السببي. وخالفوا، بذلك، الحس والعقل والشرع وسائر طوائف ~~العقلاء. بل أضحكوا عليهم العقلاء..! والصواب أن هاهنا قسما ثالثا غير ما ~~ذكره السائل، وهو: إن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر ~~مجردا عن سببه ولكن قدر # PageV02P036 # بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى ~~المقدور. وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر ~~حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. وكذلك قدر دخول الجنة ~~بالأعمال، ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حرمه ~~السائل ولم يوفق له. وحينئذ، فالدعاء، من ms0538 أقوى الأسباب. فإذا قدر وقوع ~~المدعو به بالدعاء، لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا ~~فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من ~~الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب! ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم ~~الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه ~~من غيرهم. وكان عمر رضي الله عنه يستنصر به على عدوه. وكان أعظم جنده، وكان ~~يقول للصحابة: # لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء! وكان يقول: إني لا أحمل هم ~~الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه..!. # فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإن الله سبحانه يقول: ادعوني ~~أستجب لكم [غافر: 60] ، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان. # وفي (سنن ابن ماجة) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه. # وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل ~~خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه..! # وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب (الزهد) أثرا: أنا الله لا إله إلا أنا، إذا ~~رضيت باركت وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من ~~الولد! # وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم- على اختلاف أجناسها ومللها ~~ونحلها- على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى ~~خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة ~~لكل شر..! فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرب ~~إليه والإحسان إلى خلقه! وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا ~~والآخرة، وحصول السرور في الدنيا والآخرة- في كتابه- على الأعمال، ترتب ~~الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن ~~يزيد على ألف موضع: فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على ~~الوصف المناسب له، كقوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا ms0539 لهم كونوا ~~قردة خاسئين # [الأعراف: 166] ، وقوله فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~[الزخرف: 55] ، وقوله والسارق والسارقة # PageV02P037 # فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا # [المائدة: 38] ، وقوله إن المسلمين والمسلمات ... - إلى قوله- والذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب: 35] ، وهذا ~~كثير جدا..!. # وتارة ترتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء: كقوله تعالى إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم [الأنفال: 29] ، وقوله: وأن لو ~~استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [الجن: 16] ، وقوله: فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين [التوبة: 11] ونظائره ... # وتارة يأتي ب (لام التعليل) : كقوله: ليدبروا آياته وليتذكر أولوا ~~الألباب [ص: 29] ، وقوله: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا [البقرة: 143] . # وتارة يأتي بأداة (كي) التي للتعليل، كقوله كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم [الحشر: 7] ### | .... # وتارة يأتي ب (باء السببية) كقوله تعالى ذلك بما قدمت أيديكم [آل عمران: ~~182] ، وقوله: بما كنتم تعملون [الأعراف: 43] ، وبما كنتم تكسبون [الأعراف: ~~39] ، وقوله: ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا [الإسراء: # 98] ### | .... # وتارة يأتي ب (المفعول لأجله) ظاهرا أو محذوفا، كقوله: فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: # 282] ، وكقوله تعالى: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~[الأعراف: # 172] ، وقوله: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ~~[الأنعام: # 156] ، أي كراهة أن تقولوا ... # وتارة ب (فاء السببية) ، كقوله: فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~[الشمس: 14] ، وقوله: فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية [الحاقة: # 10] ، وقوله فكذبوهما فكانوا من المهلكين [المؤمنون: 48] ، ونظائره ... # وتارة يأتي بأداة (لما) الدالة على الجزاء، كقوله فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين [الزخرف: 55] ، ونظائره ... # وتارة يأتي ب (إن) وما عملت فيه، كقوله إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # PageV02P038 # [الأنبياء: 90] ، وقوله في ضد هؤلاء إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~[الأنبياء: 77] ### | .... # وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله ~~فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [الصافات: 113- ~~114] ... # وتارة يأتي ب (لو) الدالة على الشرط، كقوله ولو أنهم ms0540 فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم [النساء: 66] ### | .... # وبالجملة: فالقرآن- من أوله إلى آخره- صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر ~~والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ~~ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. ومن تفقه في هذه المسألة، ~~وتأملها حق التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلا منه ~~وعجزا وتفريطا وإضاعة فيكون توكله عجزا، وعجزه توكلا..! بل الفقيه- كل ~~الفقيه- الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر. ~~لا يمكن للإنسان أن يعيش إلا بذلك..! فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع ~~المخاوف والمحاذير هي من القدر. # والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر..! وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده ~~يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة..! فهذا ~~وزن القدر المخوف في الدنيا وما يضاده، فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة لا ~~يناقض بعضها بعضا. ولا يبطل بعضها بعضا، فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن ~~عرف قدرها، ورعاها حق رعايتها..! والله المستعان. # ولكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه: # أحدهما: أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما ~~شهده في العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما ~~وحديثا. # ومن أنفع ما في ذلك: تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه ~~أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي ~~الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك ~~الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا ... ! وبعد ذلك، فإذا ~~تأملت أخبار الأمم، وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته، طابق ذلك ما ~~علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به. وعلمت من ~~آياته في الآفاق ما يدلك على # PageV02P039 # أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة ... ! ~~فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير ~~والشر ... ! انتهى. # وقوله تعالى فليستجيبوا لي أي: إذا دعوتهم للإيمان والطاعة. كما أجيبهم ~~إذا دعوني ms0541 لمهماتهم وليؤمنوا بي أمر بالثبات على ما هم عليه لعلهم يرشدون ~~أي: راجين إصابة الرشد وهو الحق. ### | تنبيهان: # الأول: قال الراغب: أوثر (فليستجيبوا) على (فليجيبوا) للطيفة وهي: أن ~~حقيقة الاستجابة طلب الإجابة وإن كان قد يستعمل في معنى الإجابة. فبين أن ~~العباد متى تحروا إجابته بقدر وسعهم فإنه يرضى عنهم. إن قيل: كيف جمع بين ~~الاستجابة والإيمان، وأحدهما يغني عن الآخر، فإنه لا يكون مستجيبا لله من ~~لا يكون مؤمنا؟ قلنا: استجابته ارتسام أوامره ونواهيه التي تتولاه الجوارح، ~~والإيمان هو الذي تقتضيه القلوب. وأيضا فإن الإيمان المعني هاهنا هو ~~الإيمان المذكور في قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ... [الأنفال: ~~2] الآية. # الثاني: قدمنا عن الراغب سر وصل هذه الآية بما قبلها ووجه التناسب وثمة ~~سر آخر قاله الحافظ ابن كثير. وعبارته: # وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، ~~إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر. كما # روى أبو داود الطيالسي في «مسنده» «1» عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة! # . فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. # وروى ابن ماجة «2» عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن للصائم عند فطرة دعوة ما ترد..! # وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم أني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء ~~أن تغفر لي..! # وروى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة «3» : عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام ~~العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام ~~PageV02P040 # يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ms0542 ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # وقوله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إرشاد إلى ما شرعه في ~~الصوم- بعد بيان إيجابه على من وجب عليه، وحاله معه حضرا أو سفرا، وعدته- ~~من إحلال غشيان الزوج ليلا. وكأن الصحابة تحرجوا عن ذلك ظنا أنه من تتمة ~~الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عنه، فبين لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه. # وقد روى البخاري «1» عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان ~~كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم. # إيذانا بأنه أحله ولم يحرمه، إذ لم يشرع من فضله ما فيه إعنات وحرج. # و (الرفث) أصله قول الفحش. وكنى به هنا عن الجماع وما يتبعه. كما كنى عنه ~~في قوله: فلما تغشاها [الأعراف: 189] ، وقوله: فأتوا حرثكم [البقرة: # 223] . فالله تعالى كريم يكني، وإيثار الكناية عنه- هنا- بلفظ الرفث ~~الدال على معنى القبح- عدا بقية الآيات- استهجانا لما وجد منهم قبل ~~الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. والكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن ~~لفظه من سنن العرب. # وللثعالبي في آخر كتابه (فقه اللغة) فصل في ذلك بديع. PageV02P041 # ثم إن المستعمل الشائع: رفث بالمرأة- بالباء- وإنما عدي هنا ب (إلى) ~~لتضمنه معنى الإفضاء، كما في قوله: وقد أفضى بعضكم إلى بعض [النساء: # 21] . # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن قال الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ~~سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه ~~السوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمي النكاح حصنا لكونه حصنا ~~لذويه عن تعاطي القبيح. # وهذا ألطف من قول بعضهم: شبه كل واحد من الزوجين- لاشتماله على صاحبه في ~~العناق والضم- باللباس المشتمل على لابسه، وفيه قال الجعدي: # إذا ما ms0543 الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا # وقال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع قوله: هن لباس لكم؟ قلت: هو استئناف ~~كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة ~~والملابسة، قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن فلذلك رخص لكم في مباشرتهن. # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم استئناف آخر مبين لما ذكر من السبب ~~وهو (اختيان النفس) ، أي: قلة تصبيرها من نزوعها إلى رغيبتها. ومنه: خانته ~~رجلاه إذا لم يقدر على المشي. أي: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم ~~يحل لكم ذلك فأحله رحمة بكم ولطفا، وفي (الاختيان) وجه آخر وهو: أنه عنى به ~~مخالفة الحق بنقض العهد، أي: كنتم تظلمونها بذلك- بتعريضها للعقاب- لو لم ~~يحل ذلك لكم. قالوا: والاختيان أبلغ من الخيانة- كالاكتساب من الكسب- ففيه ~~زيادة وشدة. # ثم أشار تعالى إلى لطفه بالمؤمنين بتخفيفه ما كان يغلهم ويثقلهم ويخونهم ~~لولا رحمته، بقوله: فتاب عليكم أي: عاد بفضله وتيسيره عليكم برفع الحرج في ~~الرفث ليلا وعفا عنكم أي: جاوز عنكم تحريمه، ف (العفو) بمعنى التوسعة ~~والتخفيف. فالآن باشروهن قال أبو البقاء: حقيقة (الآن) الوقت الذي أنت فيه ~~وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب وقوعه. تنزيلا للقريب ~~منزلة الحاضر وهو المراد- هنا- لأن قوله فالآن باشروهن أي: فالوقت الذي كان ~~يحرم عليكم الجماع فيه من الليل قد أبحناه لكم فيه فعلى هذا (الآن) ظرف # PageV02P042 # ل (فباشروهن) . وقيل: الكلام محمول على المعنى، والتقدير: فالآن قد أبحنا ~~لكم أن تباشروهن. ودل على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة. فعلى ~~هذا، (الآن) على حقيقته. # وأصل (المباشرة) إلصاق البشرة بالبشرة. كني بها عن الجماع الذي يستلزمها ~~وابتغوا ما كتب الله لكم تأكيد لما قبله، أي: ابتغوا هذه الرخصة التي أحلها ~~لكم. # و (كتب) هنا، إما بمعنى جعل كقوله كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: # 22] ، أي: جعل، وقوله فاكتبنا مع الشاهدين [آل عمران: 53] ، فسأكتبها ~~للذين يتقون [الأعراف: 156] ، أي: أجعلها. أو بمعنى قضى، كقوله: قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [التوبة: ms0544 51] ، أي: قضاه، وقوله: كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز [المجادلة: 21] ، وقوله: لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل [آل عمران: 154] ، أي: قضي. # قال الراغب: في الآية إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة. وهي: أن الله ~~تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية! كما جعل لنا شهوة ~~الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية! فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله ~~له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة. فمتى تحرى به حفظ النفس وحصن النفس ~~على الوجه المشروع، فقد ابتغى ما كتب الله له. وإلى هذا أشار من قال: عنى ~~الولد. # وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أباح ~~تعالى الأكل والشرب- مع ما تقدم من إباحة الجماع- في أي الليل شاء الصائم ~~إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل. وشبها بخيطين: أبيض وأسود، لأن ~~أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل، كالخيط ~~الممدود. # قال أبو دؤاد الإيادي: # فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا..! # وقوله من الفجر بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن ~~بيان أحدهما بيان للثاني. وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر ~~الصيام. كما روى الشيخان «1» وغيرهما عن سهل بن سعد قال: أنزلت وكلوا ~~PageV02P043 # واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر ~~وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ~~ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده من الفجر فعلموا إنما ~~يعني الليل والنهار. ورويا أيضا «1» - # واللفظ لمسلم- عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر قال له عدي: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي ~~عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن وسادك لعريض. إنما هو سواد الليل وبياض النهار..!. # قال ابن كثير: ومعنى ms0545 قوله: إن وسادك لعريض أي: إن كان يسع تحته الخيطين ~~المرادين من هذه الآية فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب..! وجاء في بعض ~~هذه الألفاظ: إنك لعريض القفا. ففسره بعضهم بالبلادة- وهو ضعيف- بل يرجع ~~إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. انتهى. # وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله تعالى حتى يتبين ... إشعار بأنه لا يكفي ~~إلا التبين الواضح لا تباشير الضوء. # وقد روى مسلم «2» عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى ~~يستطير هكذا. وحكاه حماد بيديه، قال: يعني معترضا. # وفي لفظ آخر عنه: لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر- أو ~~قال: - حتى ينفجر الفجر. # وروى الإمام أحمد «3» عن قيس بن طلق عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ليس الفجر المستطيل في الأفق. ولكنه المعترض الأحمر. # ورواه الترمذي «4» بلفظ: كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا ~~واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر # . قال: وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذر وسمرة. ثم قال: حديث طلق بن علي ~~حديث حسن غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا- عند أهل العلم- أنه لا يحرم ~~على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول أهل ~~العلم. # انتهى. PageV02P044 # قال بعضهم: المراد بالأحمر الأبيض، كما فسر به # حديث «1» # «بعثت إلى الأحمر والأسود» . # وقال شمر: سموا الأبيض أحمر تطيرا بالأبرص، حكاه عن أبي عمرو بن العلاء. ~~ويظهر أنه لا حاجة إلى هذا، فإن طلوع الفجر يصحبه حمرة. وفي (القاموس) ~~الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل. فافهم. # وقال الحافظ عبد الرزاق في (مصنفه) : أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن ~~عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا، ~~لكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب!. وقال عطاء: # فأما إذا سطع سطوعا في السماء- وسطوعه أن يذهب في السماء ms0546 طولا- فإنه لا ~~يحرم به شراب للصائم، ولا صلاة، لا يفوت به الحج. ولكن إذا انتشر على رؤوس ~~الجبال حرم الشراب للصيام، وفات الحج. # قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء. وهكذا روي عن غير ~~واحد من السلف. رحمهم الله..! انتهى. # ثم أتموا الصيام أي: صرم كل يوم إلى الليل أي: إلى ظهور الظلمة من قبل ~~المشرق وذلك بغروب الشمس. وكلمة (إلى) تفيد أن الإفطار عند غروب الشمس. كما ~~جاء # في (الصحيحين) «2» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر ~~النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. # قال ابن القيم: أي أفطر حكما وإن لم ينوه. أو دخل في وقت فطره، كما في: # أصبح وأمسى. # وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر ويحض عليه، كما # في (الصحيحين) «3» : لا يزال PageV02P045 # الناس بخير ما عجلوا الفطر. # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول ~~الله عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا. ورواه الترمذي # وقال: حديث حسن غريب. # وعن أنس بن مالك «2» قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر، قبل أن ~~يصلي، على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات ~~من ماء. رواه الترمذي. # وقال: حسن غريب. # وروى الإمام أحمد «3» عن ليلى، امرأة بشير بن الخصاصية، قالت: أردت أن ~~أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عنه وقال: يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا. # ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة، النهي عن الوصال. وهو أن يصل يوما بيوم ~~ولا يأكل بينهما شيئا. # ففي (الصحيحين) «4» عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لا تواصلوا..! قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى- ~~أو إني أبيت أطعم وأسقى. # قال الترمذي: وفي ms0547 الباب عن علي، وأبي هريرة، وعائشة وابن عمر، وجابر، ~~وأبي سعيد، وبشير بن الخصاصية. أي: فالنهي عنه قد ثبت من غير وجه. نعم! من ~~أحب أن يواصل إلى السحر فله ذلك، كما # في حديث «5» أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تواصلوا. فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، قالوا: ~~فإنك تواصل يا رسول الله. قال: لست كهيئتكم. # إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني. أخرجاه في (الصحيحين) . # والمراد PageV02P046 # بهذا الطعام والشراب، ما يغذيه الله به من المعارف، وما يفيض على قلبه من ~~لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه وتوابع ذلك من ~~الأحوال التي هي غذاء القلب، ونعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس ~~والروح والقلب. بما هو أعظم غذاء، وأجوده، وأنفعه. وقد يقوي هذا الغذاء حتى ~~يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان. # ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير ~~من الغذاء الحيواني. ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت ~~عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضاء عنه. وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل ~~إليه كل وقت. ومحبوبه حفي به، معتز بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة ~~التامة له. # أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه، ~~ولا أعظم، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أعظم إحسانا، إذا امتلأ قلب المحب بحبه، ~~وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه أعظم تمكن؟ وهذا حاله مع ~~حبيبه. أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا؟ ولهذا قال: # إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم- كما ~~قيل- لما كان صائما. فضلا عن كونه مواصلا. كذا في (زاد المعاد) . # وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، أنهم كانوا ~~يواصلون الأيام المتعددة. وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة ~~لأنفسهم. لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة والله أعلم. # قال ابن كثير: ويحتمل ms0548 أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب ~~الشفقة. كما جاء في حديث عائشة «1» : رحمة لهم. فكان ابن الزبير وابنه عامر ~~ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه. لأنهم كانوا يجدون قوة عليه. # ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ~~هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غيره. فحرم الله عليه أن ينكح ~~النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه. وقال الضحاك: كان الرجل إذا ~~PageV02P047 # اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: ~~أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن ~~مسعود ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، ~~والربيع ابن أنس، ومقاتل قالوا: لا يقربها وهو معتكف. # قال ابن كثير: وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند ~~العلماء: # أن المعتكف يحرم عليه النساء مادام معتكفا في مسجده. ولو ذهب إلى منزله ~~لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته ~~تلك- من قضاء الغائط أو الأكل- وليس له أن يقبل امرأته، ولا أن يضمها إليه، ~~ولا أن يشتغل بشيء سوى اعتكافه. # ثم قال ابن كثير: المراد بالمباشرة، الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ~~ونحو ذلك. فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به. # فقد ثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض. وكان لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان. # وفي (الصحيحين) «2» أيضا: أن صفية أم المؤمنين كانت تزور النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو معتكف في المسجد. فتتحدث عنده ساعة ثم ترجع إلى منزلها. ~~فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى يبلغها دارها، وذلك في ~~الليل. ### | تنبيهان: # الأول: قال الراغب: ظاهر ذكر المساجد يقتضي جواز الاعتكاف في كل مسجد. # الثاني: في ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في ms0549 ~~الصيام أو في آخر شهر الصيام. كما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «3» أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ~~ثم اعتكف أزواجه PageV02P048 # من بعده. ثم إن حقيقة الاعتكاف هو المكث في بيت الله تقربا إليه. وهو من ~~الشرائع القديمة. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في هديه صلى الله عليه وسلم في ~~الاعتكاف: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى ~~متوقفا وعلى جمعيته على الله. ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى. ~~فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى. وكان فضول الطعام ~~والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده ~~شعثا، ويشتته في كل واد. ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو ~~يعوقه ويوقفه- اقتضت رحمة العزيز الرحيم لعباده أن شرع لهم من الصوم ما ~~يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن ~~سيره إلى الله تعالى. وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه ~~وأخراه. ولا يضره ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة. وشرع لهم الاعتكاف ~~الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، ~~والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه. بحيث يصير ذكره ~~وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته. فيستولي عليه بدلها، ويصير ~~الهم به كله، والخطرات كلها بذكره. والفكرة في تحصيل مراضيه وما يقرب منه. ~~فيكون أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق. فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في ~~القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. ~~ولما كان المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو ~~العشر الأخير من رمضان. ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف ~~مفطرا قط. بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم. ولم يذكر الله سبحانه ~~الاعتكاف إلا مع الصوم. # ولا فعله رسول الله ms0550 صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم. فالقول الراجح في ~~الدليل الذي عليه جمهور السلف، أن الصوم شرط في الاعتكاف. وهو الذي كان ~~يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. وأما الكلام، فإنه شرع للأمة حبس ~~اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأما فضول المنام، فإنه شرع لهم من ~~قيام الليل ما هو أفضل من السهر وأحمد عاقبة. وهو السهر المتوسط الذي ينفع ~~القلب والبدن، ولا يعوق عن مصلحة العبد. ومدار أرباب الرياضات والسلوك على ~~هذه الأركان الأربعة. وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبوي المحمدي. ولم ~~ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين. ثم قال: # كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز ~~وجل. وتركه # PageV02P049 # مرة فقضاه في شوال. واعتكف مرة- في العشر الأول. ثم الأوسط، ثم العشر ~~الأخير- يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأخير، فداوم على ~~اعتكافه حتى لحق بربه عز وجل. وكان يأمر بخباء «1» فيضرب له في المسجد يخلو ~~فيه بربه عز وجل. وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله. فأمر به مرة ~~فضرب. فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت. فلما صلى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية. ~~فأمر بخبائه فقوض. وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من ~~شوال. # وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام. فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف ~~عشرين يوما. وكان يعارضه جبريل «2» بالقرآن كل سنة مرة. فلما كان ذلك العام ~~عارضه به مرتين. ولم يباشر امرأة من نسائه- وهو معتكف- لا بقبلة ولا ~~بغيرها. وكان- إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريره في معتكفه. وكان إذا ~~خرج لحاجته مر بالمريض، وهو على طريقه، فلا يعرج له إلا سأل عنه. واعتكف ~~مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا. كل هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف ~~وروحه. # تلك حدود الله فلا تقربوها يعني: تلك الأحكام التي ذكرت في الصيام ~~والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع. وشبه تلك الأحكام بالحدود ~~الحاجزة بين الأشياء لكونها حاجزة ms0551 بين الحق والباطل. فإن من عمل بها كان في ~~حيز الحق، ومن خالفها وقع في الباطل. ونهى عن قربها كيلا يداني الباطل فضلا ~~أن يتخطى إليه. فالنهي عن مكان القرب من الحدود التي هي الأحكام، كناية عن ~~النهي عن قرب الباطل. لكون الأول لازما للثاني. وبذلك يحصل الجمع بين هذه ~~الآية وآية تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة: 229] ، ويندفع التنافي. ~~وقوله فلا تقربوها أبلغ من فلا تعتدوها لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق ~~الكناية التي هي أبلغ من التصريح. وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق ~~التصريح كذلك يبين الله آياته للناس أي: كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه- ~~في هذا الموضع- يبين للناس ما شرعه لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ~~لعلهم يتقون المحارم فيعرفون كيف يطيعون ويهتدون. كما قال تعالى: هو الذي ~~ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤف ~~رحيم [الحديد: 9] . PageV02P050 # قال الرازي: والغرض من قوله تعالى كذلك ### | .... # إلخ تعظيم حال البيان، وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان. # وفيه أيضا تقرير للأحكام السابقة، والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل ~~التقوى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 188] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بذلك: # ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل ~~مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم [الحجرات: # 11] . وقوله ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ، بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا ~~ولا يقتل بعضكم بعضا. لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة. وكذلك تفعل العرب. # تكني عن أنفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها لأن أخا الرجل عندها كنفسه ~~فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله ~~بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. # و (بينكم) : إما ظرف ل (تأكلوا) بمعنى: لا تتناولوها فيما بينكم ms0552 بالأكل، ~~أو حال من (الأموال) أي: لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم. و (بالباطل) ~~في موضع نصب ب (تأكلوا) أي: لا تأخذوها بالسبب بالباطل- أي الوجه الذي لم ~~يبحه الله تعالى- ويجوز أن يكون حالا من (الأموال) أي: لا تأكلوها متلبسة ~~بالباطل. أو من الفاعل في (تأكلوا) أي: لا تأكلوها مبطلين أي متلبسين ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام أي: تخاصموا بها- أي: بأموالهم- إلى الحكام ~~مجزوم عطفا على النهي، ويؤيده قراءة أبي (ولا تدلوا) بإعادة (لا الناهية) ~~والإدلاء: مأخوذ من إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر للاستقاء ثم استعير ~~لكل إلقاء قول أو فعل توصلا إلى شيء ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته. كأنه ~~يرسلها ليصير إلى مراده، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء. ~~وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسبا إليه. فيطلب الميراث ~~بتلك النسبة ف (الباء) صلة الإدلاء تجوزا به عن الإلقاء كما ذكرنا. ~~والمعنى: لا تلقوا أمرها- والحكومة فيها- إلى الحكام. أو # PageV02P051 # لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال ~~الناس. # وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» الراشي والمرتشي والرائش- وهو ~~الواسطة الذي يمشي بينهما- رواه أهل السنن. وذلك لأن ولي الأمر إذا أكل هذا ~~السحت- أعني الرشوة المسماة بالبرطيل، وتسمى أحيانا بالهدية وغيرها- احتاج ~~أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان ~~وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا مقصود الولاية. ~~وإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود، مثل من ~~نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك. وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في ~~سبيل الله فقاتل المسلمين. # و (الحكام) : جمع حاكم وهو منفذ الحكم بين الناس كالحكم، محركة. لتأكلوا ~~أي: بواسطة حكمهم الفاسد، وبالتحاكم إليهم- فريقا- أي: طائفة وقطعة- من ~~أموال الناس بالإثم بما يوجب إثما- كشهادة الزور واليمين الفاجرة وحكمهم ~~الفاسد- فإنه لا يفيد الحل والظلم. ف (الباء) للسببية. متعلقها (لتأكلوا) . ~~وجوز كونها للمصاحبة. فالمجرور حال من فاعل (لتأكلوا) أي: متلبسين بالإثم ~~وأنتم تعلمون ms0553 أي: أنكم على الباطل. وارتكاب المعصية- مع العلم بقبحها- ~~أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ، فالتقييد لكمال تقبيح حالهم. # قال الراغب: أي: إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم، تنبيها على ~~أن الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه، وما علمتم منه لا بما يظهر. # وقال ابن كثير في (تفسيره) : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذه الآية ~~في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى ~~الحكام. وهو يعرف أن الحق عليه. وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام. وكذا روي عن ~~مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل ابن ~~حيان، وعبد الرحمن بن زيد أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. # وقد ورد في (الصحيحين) «2» عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ألا إنما أنا بشر. PageV02P052 # وإنما يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له. # فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار. فليحملها أو ليذرها # . فدلت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء ~~في نفس الأمر. فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حلال، ولا يحرم باطلا هو ~~حلال. وإنما هو ملزم في الظاهر. فإن طابق في نفس الأمر فذاك. وإلا فللحاكم ~~أجره. وعلى المحتال وزره. # ولهذا قال تعالى في آخر الآية وأنتم تعلمون أي: تعلمون بطلان ما تدعونه ~~وتروجونه في كلامكم. قال قتادة: اعلم يا بني آدم..! أن قضاء القاضي لا يحل ~~حراما، ولا يحق لك باطلا. وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، ~~والقاضي بشر يخطئ ويصيب. واعلموا أن من قضى له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى ~~يجمع الله بينهما يوم القيامة. فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به ~~للمبطل على المحق في الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 189] # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من ms0554 اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج # أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم ~~خلقت الأهلة؟ فنزلت. # وروى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة ~~بن غنم. قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو- أو يطلع- دقيقا مثل ~~الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، ~~لا يكون على حال واحد؟ # فنزلت. # ومعنى كونها مواقيت للناس معالم لهم في حل دينهم، ولصومهم، ولفطرهم، ~~وأوقات حجهم، وأجائرهم، وأوقات الحيض وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل. ~~فكل هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ~~ونقصا. ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. # قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أن الأحكام الشرعية- كالزكاة والعدد للنساء ~~والحمل تتعلق بشهور الأهلة لا بشهور الفرس. أما ما تعلق بالعقود والأفعال ~~المتعلقة # PageV02P053 # بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم. بالأهلة أو بشهور الفرس. فهذا ~~حكم، وذاك حكم آخر. # وقد ذكر تعالى هذا المعنى في آيات. كقوله سبحانه: وقدره منازل لتعلموا ~~عدد السنين والحساب [يونس: 5] . وقوله: فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار ~~مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب [الإسراء: 12] . # أي: من غير افتقار إلى مراجعة المنجم وحساب الحاسب، رحمة منه تعالى ~~وفضلا. # وإفراد «الحج» بالذكر هنا تنويها بشأنه. # وقال القفال: نكتة إفراده بيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله ~~تعالى لفرضه، وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر، كما كانت ~~العرب تفعل ذلك في النسيء. والله أعلم. # والجمهور على فتح حاء (الحج) والحسن على كسرها في جميع القرآن. قال ~~سيبويه هما مصدران كالرد والذكر وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. # و (والأهلة) جمع هلال. وجمعه باختلاف زمانه. وهو: غرة القمر إلى ثلاث ~~ليال أو سبع، ثم يسمى قمرا، وليلة البدر لأربع ms0555 عشرة. # قال أبو العباس: سمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار ~~عنه، وسمي بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يعجلها المغيب. ويقال: سمي ~~بدرا لتمامه وامتلائه. وكل شيء تم فهو بدر. ### | تنبيه: # الجواب على الرواية الثانية في سبب نزول الآية من الأسلوب الحكيم. وهو ~~تلقي السائل بغير ما يتطلب- بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها للسائل على أن ~~ذلك الغير هو الأولى بحاله أو المهم له. فلما سألوا عن السبب الفاعلي ~~للتشكلات النورية في الهلال، أجيبوا بما ترى من السبب الغائي. تنبيها على ~~أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم. لأن درك الأسباب الفاعلية ~~لتلك التشكلات مبني على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها. فلو ~~أجيبوا: بأن اختلاف تشكلات الهلال. # بقدر محاذاته للشمس، فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف. ثم تزداد ~~المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ. ثم تنقص المحاذاة ~~والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية- لكان هذا الجواب اشتغالا ~~بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين، ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان # PageV02P054 # ذلك. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اقتبس علما من النجوم اقتبس ~~بابا من السحر. # زاد ما زاد. أخرجه الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» وابن ماجة «3» عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما. # وقال علي رضي الله عنه: من طلب علم النجوم تكهن. # وهو من العلم الذي # قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: علم لا ينفع، وجهل لا يضر! # والمقصود أن الجواب، على الرواية الثانية، من الأسلوب الحكيم. إشعارا بأن ~~الأولى السؤال عن الحكمة فيه. # قال السكاكي في (المفتاح) : ولهذا النوع- أعني إخراج الكلام لا على مقتضى ~~الظاهر- أساليب متفننة، إذ ما من مقتضى كلام ظاهري إلا ولهذا النوع مدخل ~~فيه بجهة من جهات البلاغة. ترشد إليه تارة بالتصريح، وتارة بالفحوى. # ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب ~~الحكيم فيها. وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما ms0556 قال: # أتت تشتكي عندي مزاولة القرى، ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي # فقلت، كأني ما سمعت كلامها: ... هم الضيف. جدي في قراهم وعجلي # أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى: يسئلونك عن الأهلة.. الآية قالوا ~~في السؤال: ما بال الهلال يبدو دقيقا..! إلخ؟ فأجيبوا بما ترى. وكما قال: # يسئلونك ماذا ينفقون قل: ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل [البقرة: 215] . سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ~~ببيان المصرف. ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله، لتوخي التنبيه له ~~بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه، أو أهم له ~~إذا تأمل. وأن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ~~ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك ~~الخارجي، وسل سخيمته، حتى آثر أن يحسن، على أن يسيء غير أن سحره بهذا ~~الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله «لأحملنك على الأدهم!» فقال ~~متغابيا: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب! مبرزا وعيده في معرض الوعد، ~~متوصلا أن يريه بألطف PageV02P055 # وجه: أن أمرأ مثله- في مسند الإمرة المطاعة- خليق بأن يصفد لا أن يصفد، ~~وأن بعد لا أن يوعد. # وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون. # قال الراغب في (تفسيره) الباب معروف. وعنه استعير لمدخل الأمور المتوصل ~~به إليها وقيل في العلم: باب كذا. وقد سئل عليه السلام عن زيادة القمر ~~ونقصانه. فأنزل الله هذه الآية تنبيها على أظهر فائدته للحس، وأبينها له. ~~ثم قال: # وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها أي: بأن تطلبوا الأمر من غير وجهه. ~~وذلك أنه يقال: أتى فلان البيت من بابه- إذا طلب الشيء من وجهه. وقال ~~الشاعر: # أتيت المروءة من بابها وأتى البيت من ظهره: إذا طلب الأمر من غير وجهه. ~~وجعل ذلك مثلا لسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما هو ليس من العلم ~~المختص بالنبوة. وإن ذلك عدول ms0557 عن المنهج، وذلك أن العلوم ضربان: # دنيوي، يتعلق بأمر المعاش- كمعرفة الصنائع، ومعرفة حركات النجوم، ومعرفة ~~المعادن، والنبات، وطبائع الحيوانات. وقد جعل لنا سبيلا إلى معرفته على غير ~~لسان نبيه عليه السلام. # وشريعة: وهو البر. ولا سبيل إلى أخذه إلا من جهته. وهو أحكام التقوى..! # فلما جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، عما أمكنهم معرفته من غير ~~جهته، أجابهم، ثم بين لهم أنه ليس البر ترك المنهج في السؤال من النبي ما ~~ليس مختصا بعلم نبوته. # ولكن البر هو مجرد التقوى: وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: المراد من هذه الآية، ما كانوا يعملونه من ~~النسيء. # فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي عينه الله له. فيحرمون الحلال ~~ويحللون الحرام. فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج ~~وشهوره. # وأما ما رواه البخاري «1» وغيره عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله ~~عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من ~~قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه. ~~فكأنه عير بذلك، فنزلت وليس البر ... الآية. فالمراد، من نزولها في ذلك، ~~صدقها عليه PageV02P056 # حسبما رآه لا أن ذلك كان سبب نزولها. كما بينا مرارا معنى قولهم: نزلت ~~الآية في كذا. # وقد أشار، لهذا الراغب- بعد حكايته هذه الرواية وما قاله أبو مسلم- ~~بقوله: # وكل ذلك لا يدفع أن تتناوله الآية. لكن الأليق أن تؤول الآية بما تقدم ~~ذكره من أن معنى وأتوا البيوت من أبوابها أي: تحروا في كل عمل إتيان الشيء ~~من وجهه ### | ، تنبيه # ا على أن ما يطلب من غير وجهه صعب تناوله. ثم قال: واتقوا الله حثا لنا ~~أن نجعل تقوى الله شعارنا في كل ما نتحراه. وبين أن ذلك ذريعة إلى تحصيل ~~الفلاح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 190] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم المقاتلة ms0558 في سبيل الله هو الجهاد ~~لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين. وفي قوله: الذين يقاتلونكم تهييج وإغراء ~~بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله. أي: كما يقاتلونكم فاقتلوهم ~~أنتم. كما قال: # وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة [التوبة: 36] ، ولا تعتدوا أي: # بابتداء القتال. أو بقتال من نهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، ~~والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو ~~بالمفاجأة من غير دعوة. إن الله لا يحب المعتدين أي: المتجاوزين حكمه في ~~هذا وغيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 191] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) # واقتلوهم أي: الذين يقاتلونكم حيث ثقفتموهم أي: وجدتموهم. # وأخرجوهم من حيث أخرجوكم أي: من مكة. فإن قريشا أخرجوا المسلمين منها. # والمسلمون أخرجوا المشركين يوم الفتح. والفتنة أشد من القتل أي: المحنة ~~والبلاء الذي ينزل بالإنسان، يتعذب به، أشد عليه من القتل. أي: إن فتنتهم ~~إياكم # PageV02P057 # في الحرم عن دينكم- بالتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال- ~~أشد قبحا من القتل فيه. إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه على اعتقاده ~~الذي تمكن من عقله ونفسه. ورآه سعادة له في عاقبة أمره. فالجملة دفع لما قد ~~يقع من استعظام قتلهم في مثل الحرم، وإعلام بأن القصاص منهم بالقتل دون ~~جرمهم بفتنة المؤمنين. # لأن الفتنة أشد من القتل. ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه لأن حرمته لذاته. وحرمة سائر الحرم من أجله. وهذا بمثابة الاستثناء من ~~قوله تعالى: # واقتلوهم حيث ثقفتموهم، فإن قاتلوكم أي: فيه فلا تفتقرون إلى الفرار عن ~~الحرم فاقتلوهم فيه إذ لا حرمة لهم لهتكهم حرمة المسجد الحرام كذلك جزاء ~~الكافرين لا يترك لهم حرمة كما لم يتركوا حرمة الله في آياته. ### | تنبيه: # دلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم، إذا بدءوا بالقتال فيه، ~~دفعا لصوتهم كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية «1» ~~تحت الشجرة على ms0559 القتال، لما تألب عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف ~~والأحابيش عامئذ. ثم كف الله القتال بينهم فقال: وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم [الفتح: 24] . # وقال صلى الله عليه وسلم لخالد ومن معه يوم الفتح «2» : إن عرض لكم أحد ~~من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا ... فما عرض لهم أحد إلا ~~أناموه، وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلا # . كما في السيرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 192] # فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) # فإن انتهوا أي: عن القتال فإن الله غفور رحيم أي: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا ~~لهم تخلقا بصفتي الحق تعالى المذكورتين وهما: المغفرة والرحمة، هذا ظاهر ~~المساق. # وقال بعضهم: فإن انتهوا أي: عن الشرك والقتال فإن الله غفور لما سلف من ~~طغيانهم رحيم بقبول توبتهم وإيمانهم. PageV02P058 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 193] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) # وقاتلوهم أي: هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنكم حتى لا ~~تكون- أي: لا توجد في الحرم- فتنة أي: تقو بسببه يفتنون الناس عن دينهم، ~~ويمنعونهم من إظهاره والدعوة إليه ويكون الدين لله خالصا أي: لا يعبد دونه ~~شيء في الحرم. ولا يخشى فيه غيره، فلا يفتن أحد في دينه. ولا يؤذى لأجله. # وفي (الصحيحين) «1» عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله. # فإن انتهوا عن قتالكم في الحرم فلا عدوان فلا سبيل لكم بالقتل إلا على ~~الظالمين المبتدئين بالقتل. # وروى البخاري في (صحيحه) «2» عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أتاه ~~رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد ضيعوا، وأنت ابن عمر وصاحب ~~النبي صلى الله عليه ms0560 وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم ~~أخي..! قالا: ألم يقل الله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة؟ فقال: قاتلنا حتى لم ~~تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون ~~الدين لغير الله. # ثم ساق البخاري رواية أخرى وفيها: قال ابن عمر: فعلنا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما يعذبوه حتى كثر ~~الإسلام فلم تكن فتنة. PageV02P059 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 194] # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) # وقوله تعالى: # الشهر الحرام بالشهر الحرام إيذان بأن مراعاة حرمة الشهر واجبة لمن راعى ~~حرمته، وإن من هتكها اقتص منه فهتك حرمته بهتكهم حرمته. فكما يقاتلون عند ~~المسجد الحرام- إذا قاتلوا فيه- يقاتلون في الشهر الحرام إذا قاتلوا فيه. # وقد روى الإمام أحمد «1» بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ~~قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن ~~يغزى- أو يغزوا- فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. ولهذا، لما سار صلى الله ~~عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ست معتمرا، وخيم بالحديبية، وبلغه أن عثمان ~~قتل- وكان بعثه في رسالة إلى المشركين- بايع أصحابه- وكانوا ألفا ~~وأربعمائة- تحت الشجرة على قتال المشركين. فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف ~~عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. # وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصن فلهم بالطائف عدل إليها ~~فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق. واستمر عليها إلى كمال ~~أربعين يوما. كما ثبت في (الصحيحين) عن أنس. فلما كثر القتل في أصحابه ~~انصرف عنها، ولم تفتح، ثم كر راجعا إلى مكة. واعتمر من الجعرانة حيث قسم ~~غنائم حنين. وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان. # والحرمات قصاص أي: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر. بحيث يمتنع ms0561 هتك ~~حرمته لهتكهم حرمة ما دونه، على أنا لا نهتك حرمة الشهر والمسجد الحرام ~~والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدها- قاله المهايمي. # و (الحرمات) جمع حرمة. وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. و (القصاص) : # المساواة. والكلام على حذف المضاف. أي: ذوات قصاص. أو المصدر بمعنى ~~المفعول أي مقاصة، أو الحمل بطريق المبالغة. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: PageV02P060 # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126] وقال: وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها [الشورى: 40] . واتقوا الله في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم ~~بدون هتكهم، وفي زيادة الاعتداء واعلموا أن الله مع المتقين أي: بالمعونة ~~والنصر والحفظ والتأييد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 195] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) # وأنفقوا في سبيل الله أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات. ومن ~~أهمها: صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على ~~عدوهم. # وقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة أي: ما يؤدي إلى الهلاك أي: ~~لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلا ~~به. # وقال الراغب: وللآية تأويلان بنظرين أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في ~~الإنفاق، وعن التهور في الإقدام، والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن ~~القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. فالإنسان، كما أنه منهي عن ~~الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام عن ~~الجهاد، ولهذا قال تعالى: # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا [الفرقان: 67] الآية، وقال: ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 29] الآية. # ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد ~~المهاجرين عنها، وقد اشتهر في هذه الآية حديث أبي أيوب الأنصاري، رواه أبو ~~داود، والترمذي، والنسائي وابن حبان في (صحيحه) ، والحاكم في (مستدركه) ~~وغيرهم ... ولفظ الترمذي «1» : عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم. # فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج ms0562 إليهم من المسلمين مثلهم أو ~~أكثر. وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. فحمل رجل من ~~المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي ~~بيديه إلى PageV02P061 # التهلكة.. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس! إنكم لتؤولون هذه ~~الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله ~~الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا- دون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو ~~أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها! فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم يرد علينا ما قلنا وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما ~~زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. هذا حديث حسن غريب ~~صحيح. # أقول: إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل ~~بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال. أي: في حمل الواحد على ~~جماعة العدو كما تأولوها. وهذا هو الظاهر. وإلا فاللفظ يقتضي العموم، ~~ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك. ولا شبهة أن التعبد إنما هو ~~باللفظ الوارد وهو عام. # وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده: أن ~~عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق. فانطلق رجل من أزد ~~شنوءة فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه ~~إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده. وقال عمرو: قال الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة!. # وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي- والله أعلم- من ~~باب صدق عمومها على ما رووه. ### | تنبيه: # قال الحاكم: تدل الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف على النفس. # وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأن كل ذلك إلقاء النفس إلى ~~التهلكة. ms0563 وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو ~~على المسلمين. كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وكما ~~فعله أمير المؤمنين على عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من ~~مصالحة معاوية. وتدل أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا ~~خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يصالح يوم الأحزاب ~~بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بترك ذلك. ~~وهو لا يعزم إلا على ما يجوز. # PageV02P062 # لطيفة: (الإلقاء) لغة، طرح الشيء، عدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء ~~مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي: الأنفس، فذكر الجزء ~~وإرادة الكل لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أن أكثر ظهور أفعال النفس ~~بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي: لا توقعوا أنفسكم في ~~الهلاك. # والتهلكة بضم اللام. قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدرا على ~~تفعلة- بضم العين- إلا هذا. # وقال اليزيدي: هو من نوادر المصادر. ولا يجري على القياس! قال الزمخشري: ~~ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما. # على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمة. كما جاء الجوار في الجوار. # هذا ما ذكروه. # قال الفخر الرازي- ولله دره- بعد نقله نحو ما سبق: وإني لأتعجب كثيرا من ~~تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا ~~مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجة قوية. فورود هذا اللفظ في ~~كلام الله تعالى. # المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة- أولى أن يدل على صحة هذه ~~اللفظة واستقامتها. # وأحسنوا أي: تحروا فعل الإحسان، أي: الإتيان بكل ما هو حسن، ومن أجله ~~الإنفاق، وقوله: إن الله يحب المحسنين. قال الراغب: نبه بإظهار المحبة ~~للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 196] # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى ms0564 من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) # وأتموا الحج والعمرة لله أي: أدوهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله ~~تعالى. # PageV02P063 # قال الراغب: قيل: أتموا خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا، فأمر أن لا يصرف ~~وجهه حتى يتمهما. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله. واحتج به في وجوب إتمام ~~كل عبادة دخل فيها الإنسان متنفلا. وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها. وقيل: # إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة. وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية ~~حقها وإكمال شرائطها. وعلى هذا قوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~[البقرة: # 187] وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله واحتج به في وجوب العمرة. وإنما قال ~~في الحج والعمرة لله ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا ~~يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم: فخصهما بالذكر لله تعالى حثا ~~على الإخلاص فيهما، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور. # فإن أحصرتم أي: حبسكم عدو عن تمام الحج أو العمرة وأردتم التحلل فما ~~استيسر من الهدي أي فعليكم، أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر يقال: # يسر الأمر واستيسر كما يقال: صعب واستصعب و (الهدي) بتخفيف الياء ~~وتشديدها جمع هدية وهدية. وهو ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقربا به إلى ~~الله. قال ثعلب: الهدي، بالتخفيف، لغة أهل الحجاز. والتثقيل، على فعيل، لغة ~~بني تميم وسفلى قيس. وقد قرئ بالوجهين جميعا في الآية. وشاهد الهدي مثقلا ~~من كلامهم قول الفرزدق: # حلفت برب مكة والمصلى ... وأعناق الهدي مقلدات # وشاهد الهدية كذلك قول ساعدة بن جؤية # إني وأيديهم وكل هدية ... مما تثج له ترائب تثعب # وأعلى الهدي بدنة. وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أحصر وأراد أن ~~يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة. ms0565 ### | ### | تنبيه: # # قال الراغب: ظاهر قوله تعالى أحصرتم أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو ~~بغيرها. وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدو مسلم ~~أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدو وإحصار المرض. لولا أن ~~الآية نزلت في سبب العدو فلا يجوز أن تتعدى إلا بدلالة. ولأن قوله فإذا ~~أمنتم يدل على أن المراد بالإحصار هو بالعدو. # PageV02P064 # وقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه كما ذهب إليه ثلة من السلف. فقد روى ~~ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة ~~بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو ~~مرض أو كسر. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. # وثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج ~~وأنا شاكية. فقال: # حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني. ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله. # ومن دلالة الآية ما قاله الراغب: إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصر ~~لأنه قال فما استيسر من الهدي واقتصر عليه. # ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله أي: الموضع الذي يحل فيه نحره، وهو ~~مكانه الذي يستقر فيه. يعني موضع الإحصار. وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، ~~واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه- شائع. ولما اعتمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفار قريش عن ~~الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم. # وقد ساق الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) بعض ما في قصة الحديبية من ~~القواعد الفقهية في فصل قال فيه: ومنها أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من ~~الحل أو الحرم، وأنه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل ~~إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله. بدليل قوله تعالى هم ms0566 الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله [الفتح: 25] . ومنها ~~أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل لا من الحرم، لأن الحرم كله محل ~~الهدي. # وقال الإمام مالك في «الموطأ» «2» : من حبس بعدو فحال بينه وبين البيت، ~~فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء. # قال «3» : فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. PageV02P065 # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي: # فمن كان منكم- معشر المحرمين- مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر ويحوجه إلى ~~الحلق، أو كان به أذى من رأسه- كجراحة وقمل- فعليه، إن حلق، فدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك. وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري رضي الله عنه ~~قال «1» : حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال ~~ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا..! أما تجد شاة؟ قلت: لا! قال: صم ثلاثة ~~أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت في ~~خاصة وهي لكم عامة، رواه الشيخان وغيرهما. واللفظ للبخاري. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا ~~المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر علي النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. فأمره أن يحلق. قال: ~~ونزلت هذه الآية. # قال ابن عباس: إذا كان (أو أو) فأية أخذت أجزأ عنك! وعامة العلماء: إنه ~~يخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق- وهو ثلاثة آصع لكل مسكين ~~نصف صاع وهو مدان- وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي ذلك فعل ~~أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة، جاء بالأسهل فالأسهل. ولما أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن ms0567 عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال: ~~أما تجد شاة؟ فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة- أفاده ابن كثير. ### | تنبيه: # استفيد من الآية أحكام: # الأول: جواز الحلق من المحرم، واللبس للمخيط للضرورة، ووجوب الفدية عليه، ~~وذلك لبيان سبب النزول. # الثاني: تحريم الحلق ولبس المخيط لغير عذر، وهذا مأخوذ من المفهوم لأنه ~~مصرح به، وذلك إجماع. # الثالث: أن الفدية الواجبة تكون من أجناس الثلاثة وهي: الصيام، أو ~~الصدقة، PageV02P066 # أو النسك، وقد ورد بيانها في حديث كعب. # الرابع: أن الفدية واجبة على التخيير كما بينا. # قال الراغب: وظاهر الآية يقتضي أنه لا فرق بين قليل الشعر وكثيره، بخلاف ~~ما قال أبو حنيفة رحمه الله، حيث لم يلزم إلا بحلق الثلث. وغيره لم يلزم ~~إلا بحلق الربع. ### | لطيفة: # أصل النسك العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكا لأنها من أشرف العبادات ~~التي يتقرب بها إلى الله تعالى. # قال أبو البقاء: والنسك- في الأصل- مصدر بمعنى المفعول لأنه من: نسك ~~ينسك، والمراد به هاهنا المنسوك، ويجوز أن يكون اسما لا مصدرا، ويجوز تسكين ~~السين. انتهى. # فإذا أمنتم أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين فمن ~~تمتع بالعمرة أي: بإحرامه بها في أشهر الحج. ليستفيد الحل حين وصوله إلى ~~البيت، ويستمر حلالا في سفره ذلك إلى الحج أي: إلى وقت الإحرام بالحج فما ~~أي: فعليه ما استيسر أي: تيسر من الهدي من النعم، يكون هذا الهدي لأجل ما ~~تمتع به بين النسكين من الحل. # وفي (النهاية) : صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا أحرم ~~بالعمرة بعد إهلاله شوالا فقد صار متمتعا بالعمرة إلى الحج، وسمي به. لأنه: ~~إذا قدم مكة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، حل من عمرته، وحلق ~~رأسه، وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه، وحل له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه ~~من النساء والطيب، ثم ينشئ بعد ذلك إحراما جديدا للحج وقت نهوضه إلى منى، ~~أو قبل ذلك، من غير أن يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه ms0568 عمرته، ~~فذلك تمتعه بالعمرة إلى الحج، أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلق وطيب ~~وتنظف وقضاء تفث وإلمام بأهله، إن كانت معه. # قال: الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وكان من هديه صلى الله عليه ~~وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى. وكذلك كان ابن عمر ~~يفعل، ولم ينحر صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم ~~النحر ولا أحد من الصحابة، البتة. # PageV02P067 # فمن لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج أي: بعد الإحرام وقبل الفراغ ~~من أعماله، والأولى سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه. # قال الراغب: إن قيل: كيف قال: في الحج؟ ومتى أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ~~ثلاثة أيام في الحج لأنه منهي عنه في يوم النحر وأيام التشريق؟ قيل: الواجب ~~على المتمتع أن يحرم بالحج على وجه يمكنه الإتيان بالصيام لثلاثة أيام، ~~وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة. وقد قال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام ~~التشريق. # ويحملان النهي على صوم أيام منى على غير المتمتع. # وسبعة إذا رجعتم أي: إلى أهليكم، أو إذا أخذتم في الرجوع بعد الفراغ من ~~أعمال الحج. # قال الراغب: وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعا، فيصح حمله عليهما. # إلا أن الذي يرجح الوجه الأول ما روي في (الصحيحين) «1» من حديث ابن عمر ~~الطويل وفيه: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى ~~أهله. # تلك عشرة فذلك حساب، أي: إجمال بعد تفصيل، وفائدتها: أن لا يتوهم أن ~~الواو بمعنى (أو) وأن الكلام على التخيير، بل المجموع بدل الهدي..! # وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا، فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم. ~~وفي المثل: علمان خير من علم، فإن أكثر العرب لا يعرف الحساب. فاللائق ~~الخطاب الذي يفهمه الخاص والعام. وهو ما يكون بتكرار الكلام وزيادة ~~الإفهام..! # وفائدة ثالثة: وهو أن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق ~~لهما..! # وفائدة رابعة: أشار لها الراغب وهو: # إن قوله تلك عشرة كاملة استطراد ms0569 في الكلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد ~~ولذا قيل: العدد أول العلوم وأشرفها. أما أنه أول، فلأن ما عداه معدول منه، ~~وبه يفصل ويميز. وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغير، بل هو لازم ~~طريقة واحدة. فذكر العشرة ووصفها بالكاملة. إذ هي عدد كمل فيه خواص ~~الأعداد، فإن PageV02P068 # الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة ~~أول عدد زوج محدود- أي مجتمع من ضرب عدد في نفسه- والخمسة أول عدد دائر، ~~والستة أول عدد نام- أي إذا أخذ جميع أجزائه لم يزد عليه ولم ينقص منه- ~~والسبعة أول عدد أول- أي لا يتقدمه عدد بعده- والثمانية أول عدد زوج الزوج، ~~والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عدد ينتهي إليه العدد. لأن ما بعده يكون ~~مكررا بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل..! # كاملة صفة مؤكدة لعشرة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، ففيه زيادة ~~توصية لصيامها، وأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها، كأنه قيل: تلك عشرة ~~كاملة، فراعوا كمالها ولا تنقصوها. ذلك أي: وجوب دم التمتع أو بدله لمن لم ~~يجد لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أي: بل كان أهله على مسافة الغيبة ~~منه، وأما من كان أهله حاضريه- بأن يكون ساكنا في مكة- فهو في حكم القرب من ~~الله، فالله تعالى يجبره بفضله. # هذا، وقال بعض المجتهدين: إن ذلك إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله: # فمن تمتع وليست للهدي والصوم، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، ~~عنده. # وروى ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة! ~~لا متعة لكم. أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا- أو ~~قال: # يجعل بينه وبين الحرم واديا- ثم يهل بعمرة..!. # وروى عبد الرزاق عن طاوس قال: المتعة للناس لا لأهل مكة. ثم قال: # وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس، والله أعلم. # و (الأهل) : سكن المرء من زوج ومستوطن. و (الحضور) : ملازمة الموطن. # واتقوا الله- في الجناية على إحرامه- واعلموا أن الله شديد العقاب لمن ~~جنى ms0570 على إحرامه أكثر من شدة الملوك على من أساء الأدب بحضرته. وإظهار الاسم ~~الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. ### | تنبيهات # الأول: في قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة.. الآية، دليل على مشروعية # PageV02P069 # التمتع. كما جاء في (الصحيحين) «1» عن عمران بن حصين قال: أنزلت آية ~~المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل ~~قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. # وروى مالك في «الموطأ» «2» عن عبد الله عن عمر أنه قال: والله! لأن أعتمر ~~قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة..!. # وفي (الصحيحين) «3» : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة. يعني كما فعل أصحابه صلى الله عليه وسلم عن أمره. # الثاني: قال ابن القيم في (زاد المعاد) : قد ثبت أن التمتع أفضل من ~~الإفراد لوجوه كثيرة: منها: أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بفسخ الحج إليه، ~~ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. ومنها: أنه تأسف على ~~كونه لم يفعله بقوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ~~ولجعلتها متعة. ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. ومنها أن الحج، الذي ~~استقر عليه فعله وفعل أصحابه، القران ممن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق ~~الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه..!. # الثالث: قال الراغب لا يجب الدم أو بدله في التمتع إلا بأربع شرائط: ~~إيقاع العمرة في أشهر الحج والتحلل منها فيه، والثاني: أن يثني الحج من ~~سنته، والثالث: أن لا يرجع إلى الميقات لإنشاء الحج، الرابع: أن لا يكون من ~~حاضري المسجد الحرام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 197] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) # الحج أي: أوقات أعماله. أشهر وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. # أي ms0571 عشرة الأول. نزل منزلة الكل لغاية فضله. PageV02P070 # قال الثعالبي: وقد جاء في تفسير أشهر الحج وعشر ذي الحجة- وفي بعضها تسع- ~~فمن عبر بالتسع أراد الأيام، ومن عبر بالعشر أراد الليالي # ولقوله صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة # . وقد تبينت أنه يفوت الوقوف بطلوع الفجر. # وقوله: معلومات أي: قبل نزول الشرع عند الناس، لا يشكلن عليهم. وآذن هذا ~~أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه فمن فرض أي: أوجب على نفسه فيهن الحج ~~بإحرامه فلا رفث أي: خروج عن حدود الشريعة بارتكاب محظورات الإحرام وغيرها ~~كالسباب والتنابز بالألقاب، ولا جدال أي: مماراة أحد من الرفقة والخدم ~~والمكارين في الحج أي: في أيامه، بل ينبغي أن يوجد فيها كل خير من خيرات ~~الحج. والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، والإشعار بعلة ~~الحكم فإن زيارة البيت المعظم، والتقرب بها إلى الله عز وجل، من موجبات ترك ~~الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أن ذلك حقيق ~~بأن لا يكون، فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه، ففي تضاعيف الحج أقبح، ~~كليس الحرير في الصلاة. ### | لطيفة: # قال بعضهم: النكتة في منع هذه الأشياء على أنها آداب لسانية: تعظيم شأن ~~الحرم، وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، ~~فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل. ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال ~~في مجلس السلطان. ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله ~~تعالى على أكمل الآداب، وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه ~~الله سبحانه إليه..! وأما السر فيها على أنها محرمات الإحرام، فهو أن يتمثل ~~الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى، قاصد له. فيتجرد ~~عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني ~~الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي ~~الأموات، وفي ذلك- من تصفية النفس، وتهذيبها، وإشعارها بحقيقة العبودية ~~لله، والأخوة للناس- ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره..!. # وما ms0572 تفعلوا من خير يعلمه الله حث على الخير عقيب النهي عن الشر، وأن ~~يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان # PageV02P071 # الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة..! وقد روي «1» فيمن حج ولم يرفث ولم ~~يفسق أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه! وذلك، لأن الإقبال على الله تعالى ~~بتلك الهيئة، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع، يمحو من النفوس ~~آثار الذنوب وظلمتها. ويدخلها في حياة جديدة: لها فيها ما كسبت، وعليها ما ~~اكتسبت..! # وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وروى البخاري «2» عن عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون! ~~فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى. # أي: وتزودوا ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام ~~وإبرام الناس والتثقيل عليهم. فإن خير الزاد التقوى، أي: الاتقاء عن ~~الإبرام والتثقيل عليهم..!. # وقال ابن عمر: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر. وكان يشترط على من ~~صحبه الجودة.. نقله ابن كثير. # ويقال: في معنى الآية: وتزودوا من التقوى للمعاد، فإن الإنسان لا بد له ~~من سفر في الدنيا، ولا بد فيه من زاد، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب ~~والمركب وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بد فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله، ~~والعمل بطاعته، واتقاء المحظورات..! وهذه الزاد أفضل من الزاد الأول، فإن ~~زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم ~~المقيم في الآخرة..! وفي هذا المعنى قال الأعشى: # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا..! # وثمة وجه آخر: وهو أن قوله تعالى: وتزودوا أمر باتخاذ الزاد هو طعام ~~السفر، وقوله فإن خير الزاد التقوى إرشاد إلى زاد الآخرة وهو استصحاب ~~التقوى PageV02P072 # إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير [الأعراف: 26] ، لما ms0573 ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس ~~المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. # واتقون يا أولي الألباب أي: اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ~~ذوي العقول والأفهام! فإن قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء ~~فكأنه لا لب له..! كما قال تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179] ~~!. # وقد قرئ بإثبات الياء في اتقون على الأصل، وبحذفها للتخفيف ودلالة الكسرة ~~عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 198] # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم قال الراغب: كانت العرب تتحاشى من ~~التجارة في الحج، حتى إنهم كانوا يتجنبون المبايعة إذا دخل العشر، وحتى ~~سموا من تولى متجرا في الحج: الداج دون الحاج فأباح الله ذلك وعلى إباحة ~~ذلك، دل قوله: وأذن في الناس بالحج ... - إلى قوله- ليشهدوا منافع لهم ~~[الحج: 27] وقوله: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [المزمل: 20] ~~. # وقد روى البخاري «1» عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في ~~الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج. # ففي الآية الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها ~~شيء من الرزق- وهو المراد بالفضل هنا- ومنه قوله تعالى: فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10] . أي: لا إثم عليكم في أن تبتغوا في ~~مواسم PageV02P073 # الحج رزقا ونفعا وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم ~~من الحج..! فإذا أفضتم من عرفات- أي دفعتم منها- فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام أي: بالتلبية، والتهليل، والتكبير، والثناء، والدعوات. و (المشعر ~~الحرام) : # موضع بالمزدلفة، ميمه مفتوحة وقد تكسر، وقد وهم من ظنه جبيلا بها. سمي به ~~لأنه معلم للعبادة وموضع لها- كذا في «القاموس وشرحه» . # ونقل الفخر عن الواحدي في (البسيط) : إن ms0574 (المشعر الحرام) هو المزدلفة. # سماها الله تعالى بذلك، لأن الصلاة والمقام والمبيت به، والدعاء عنده. ~~واستقر به الفخر قال: لأن الفاء في قوله فاذكروا الله.. إلخ تدل على أن ~~الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلا ~~بالبيتوتة بالمزدلفة. انتهى. # قال البيضاوي: ويؤيد الأول ما # روى جابر «1» : أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة ~~بغلس- ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام # . أي: فإنه يدل على تغاير المزدلفة والمشعر الحرام لمكان مسيره صلى الله ~~عليه وسلم منها إلى المشعر الحرام،! وإنما قال (يؤيد) لأنه يجوز أن يؤول ~~المشعر الحرام في الحديث بالجبل، إما بحذف المضاف، أو بتسمية الجزء باسم ~~الكل- أفاده السيلكوتي. # قال ابن القيم في (زاد المعاد) في سياق حجته صلى الله عليه وسلم: فلما ~~غربت الشمس واستحكم غروبها أفاض من عرفة بالسكينة من طريق المأزمين، ثم جعل ~~يسير العنق- وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء- فإذا وجد فجوة- وهو ~~المتسع- نص سيره- أي: رفعه فوق ذلك- وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع ~~التلبية، حتى أتى المزدلفة فتوضأ، ثم أمر المؤذن بالأذان فأذن، ثم أقام ~~فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت ~~الصلاة ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئا فلما ~~طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، ~~فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر ~~جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. انتهى المقصود منه. # قال بعض الأئمة: ما أحق الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا، ~~لأنه مع كونه مفعولا له صلى الله عليه وسلم. ومندرجا تحت قوله: خذوا عني ~~مناسككم، فيه أيضا PageV02P074 # النص القرآني بصيغة الأمر: فاذكروا الله عند المشعر الحرام. # واذكروه كما هداكم بدلائل الكتاب، أي: اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية ~~حسنة! فمفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال، كما تقول: اخدمه كما أكرمك، ~~يعني: لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه. وفيه تنبيه لهم على ما أنعم ms0575 الله به ~~عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج! وإن كنتم من قبله أي: ~~من قبل الهدى لمن الضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة. و (إن) هي المخففة، و ~~(اللام) هي الفارقة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 199] # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي: من عرفة لا من المزدلفة. وفي الخطاب ~~وجهان: # أحدهما: أنه لقريش. وذلك لما كانوا عليه من الترفع على الناس والتعالي ~~عليهم، وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل الله، وقطان ~~حرمه، فلا نخرج منه فيقفون بجمع، وسائر الناس بعرفات. # وقد روى البخاري «1» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان ~~دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ~~فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف ~~بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وثانيهما: ~~أنه أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس يعني: # إبراهيم عليه السلام. # قال الراغب: وسماه الناس لأن (الناس) يستعمل على ضربين: أحدهما للنوع من ~~غير اعتبار مدح وذم، والثاني المدح اعتبارا بوجود تمام الصورة المختصة ~~بالإنسانية، وليس ذلك في هذه اللفظة، بل في اسم كل جنس ونوع- نحو: هذه فرس ~~وفلان رجل، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل- أي: ليس فيه معناه المختص ~~PageV02P075 # بنوعه. وبهذا النظر نفي السمع والبصر عن الكفار فعلى هذا سمي إبراهيم ~~(الناس) على سبيل المدح- وهو أن الواحد يسمى باسم الجماعة تنبيها على أنه ~~يقوم مقامهم في الحكم- وعلى هذا قول الشاعر: # وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد..! # وعلى هذا قال: إن إبراهيم كان أمة [النحل: 120] . # فإن قيل: ما معنى كلمة «ثم» فإنها تستلزم تراخي الشيء عن نفسه، سواء عطف ~~على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط..؟ # فالجواب: إن كلمة «ثم» ليست للتراخي، بل مستعارة للتفاوت بين الإفاضتين- ~~أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة ms0576 من مزدلفة- والبعد بينهما بأن أحدهما صواب ~~والآخر خطأ. # قال التفتازاني: لما كان المقصود من قوله تعالى: ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس المعنى التعريضي، كان معناه: ثم لا تفيضوا من مزدلفة، والمقصود من ~~إيراد كلمة «ثم» التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن أحدهما صواب والأخرى ~~خطأ. # وأجاب بعضهم بأن «ثم» بمعنى الواو. # واستغفروا الله عما سلف من المعاصي إن الله غفور رحيم. # قال ابن كثير عليه الرحمة: كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. ~~ولهذا # ثبت في (صحيح مسلم) «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ ~~من الصلاة يستغفر الله ثلاثا وثلاثين. # وفي (الصحيحين) «2» : أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير PageV02P076 # ثلاثا وثلاثين. # وقد روى ابن جرير هاهنا حديث عباس بن مرداس السلمي في استغفاره صلى الله ~~عليه وسلم لأمته عشية عرفة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 200] # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) # فإذا قضيتم مناسككم أي: فرغتم من أعمال الحج ونفرتم فاذكروا الله كذكركم ~~آباءكم أو أشد ذكرا أي: فأكثروا ذكر الله، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه ~~وشرح آلائه ونعمائه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء ~~مناسككم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون ~~في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات..! # ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل هذه الآية. وفيها إشعار بتحويل القوم ~~عما اعتادوه، وحث على إفراد ذكره جل شأنه. # ثم أرشد تعالى إلى دعائه- بعد كثرة ذكره- فإنه مظنة الإجابة. وذم من لا ~~يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض على أخراه، فقال فمن الناس أي: الذين نسوا ~~قدر الآخرة وكانت الدنيا أكبر همهم من يقول أي: في ذكره ربنا آتنا أي: # مرغوباتنا في الدنيا لا نطلب غيرها وما له في الآخرة من خلاق أي: نصيب ~~وحظ لأنه استوفى ms0577 نصيبه في الدنيا بتخصيص دعائه به. فالجملة إخبار منه تعالى ~~ببيان حاله في الآخرة أو المعنى: ما له في الآخرة من طلب خلاق. فهو بيان ~~لحاله في الدنيا وتصريح بما علم ضمنا من قوله: آتنا في الدنيا أو تأكيد ~~لكون همه مقصورا على الدنيا. وقوله في الآخرة حينئذ متعلق ب خلاق حال منه ~~وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف ~~فيقولون: اللهم! اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن.! لا يذكرون من أمر ~~الآخرة شيئا فنزل فيهم ذلك. # وهؤلاء الذين حكى الله عنهم- أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا- قال ~~قوم: هو مشركو العرب. وكونهم لا خلاق لهم في الآخرة ظاهر. إذ لا نصيب لهم ~~فيها من كرامة ونعيم وثواب. وقال قوم: هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم ~~يسألون # PageV02P077 # الله لدنياهم لا لأخراهم، ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب، حيث سألوا ~~الله تعالى- في أعظم المواقف وأشرف المشاهد- حطام الدنيا وعرضها الفاني، ~~معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة..! ومعنى كونهم لا خلاق لهم في ~~الآخرة، أي: إلا أن يتوبوا، أو إلا أن يعفو الله عنه، أو لا خلاق له في ~~الآخرة كخلاق من سأل المولى لآخرته، والله أعلم. كذا يستفاد من الرازي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 201] # ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~(201) # ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كل شر، فإن الحسنة في ~~الدنيا. تشمل كل مطلوب دنيوي- من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، ~~وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل ... إلى غير ذلك مما اشتملت ~~عليه عبارات المفسرين- ولا منافاة بينها- فإنها كلها مندرجة في الحسنة في ~~الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، ~~وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر ms0578 في العرصات، وتيسير الحساب ... وغير ذلك ~~من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في ~~الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. # وقد ورد في السنة الترغيب في هذا الدعاء، فقد كان يقول صلى الله عليه ~~وسلم كما رواه البخاري «1» عن أنس. # وروى الإمام أحمد «2» : يسأل قتادة أنسا: أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: «اللهم ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . وكان أنس إذا أراد أن ~~يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه! ورواه مسلم «3» ~~. # وهذا لفظه. PageV02P078 # وروى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~... الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 202] # أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) # أولئك إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت ~~الجميلة، وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من الإشارة إلى علو درجتهم، ~~وبعد منزلتهم في الفضل لهم نصيب مما كسبوا أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال ~~الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. أو من أجل ما كسبوا، كقوله: مما ~~خطيئاتهم أغرقوا [نوح: 25] . أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه في الدنيا ~~والآخرة. وسمي الدعاء كسبا لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب والله سريع ~~الحساب إما بمعنى سريع في الحساب كسريع في السير، فالجملة تذييل لقوله ~~أولئك ... إلخ يعني: أنه يجازيهم على قدر أعمالهم وكسبهم ولا يشغله شأن عن ~~شأن لأنه سريع في المحاسبة أو بمعنى: سريع حسابه كحسن الوجه. فالجملة تذييل ~~لقوله: فاذكروا الله كذكركم آباءكم ... إلخ يعني: يوشك أن يقيم القيامة ~~ويحاسب العباد. فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة باكتساب الطاعات والحسنات. # وقال الراغب: لما كان الحساب يكشف عن جمل الشيء وتفصيله، نبه بذلك ms0579 على ~~إحاطته بأفعال عباده ووقوفه على حقائقها. وذكر السريع تنبيها أن ذلك منه لا ~~في زمان ولا بفكرة، وذلك أبلغ ما يمكن أن يتصور به الكافة سرعة فعل الله. ### | تنبيه: # قال الرازي: اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها ~~بالذكر فقال: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ... إلخ، ~~ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره فقال: فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم ... إلخ، ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: فمن الناس ~~من يقول ... إلخ، وما أحسن هذا الترتيب! فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر ~~النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله تعالى ~~لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر، يشتغل الرجل بالدعاء إنما ~~يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر ... !. # PageV02P079 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 203] # واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # واذكروا الله في أيام معدودات هي أيام التشريق، قاله ابن عباس رضي الله ~~عنه. # وروى الإمام مسلم «1» عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله # . وقال عكرمة: معنى هذه الآية: التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات ~~المكتوبات: الله أكبر! الله أكبر!. # وروى البخاري «2» عن ابن عمر: أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف ~~الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي مجلسه، وفي ممشاه في تلك الأيام ~~جميعا. وفي رواية: أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر ~~أهل الأسواق حتى ترتج منى- أخرجه البخاري تعليقا. # ومن الذكر في هذه الأيام التكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل يوم من ~~أيام التشريق. # فقد ورد في (الصحيح) «3» : أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مع كل حصاة. # وقد جاء في الحديث «4» الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل ms0580 الطواف ~~بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل. # وروى مالك «5» في (موطأه) عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج ~~الغد من يوم النحر حين ارتفاع النهار شيئا، فكبر، فكبر الناس بتكبيره. ثم ~~خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر، فكبر الناس بتكبيره. ثم ~~خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر، فكبر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ~~ويبلغ البيت فيعلم أن عمر قد خرج يرمي. # ثم قال مالك: والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء- من كان في ~~جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلها واجب. PageV02P080 # ثم قال: الأيام المعدودات أيام التشريق. # وفي (القاموس وشرحه) : (التشريق) تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق ~~وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي: تشرر في ~~الشمس- حكاه يعقوب. وقيل: سميت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير أو لأن ~~الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس- قاله ابن الأعرابي. قال أبو عبيد: وكان أبو ~~حنيفة يذهب بالتشريق إلى التكبير، ولم يذهب إليه غيره. # فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه أي: فمن تعجل النفر الأول من هذه الأيام ~~الثلاثة، فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث، واكتفى برمي الجمار في يومين ~~من هذه الأيام الثلاثة، فلا يأثم بهذا التعجيل. وإيضاحه: أنه يجب على الحاج ~~المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق. ليرمي كل يوم ~~بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة. يرمي عند كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى في ~~اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها، فذلك ~~واسع له ومن تأخر أي: حتى رمى في اليوم الثالث وهو النفر الثاني فلا إثم ~~عليه في تأخره، واعلم: # السنة هو التأخر. فإنه صلى الله عليه وسلم لم يتعجل في يومين بل تأخر حتى ~~أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة. ولا يقال هذا اللفظ- أعني فلا إثم عليه- ~~إنما يقال في حق المقصر لا في حق من أتى بتمام العمل، لأنا نقول: أتى به ~~لمشاكلة ms0581 اللفظ الأول كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] ، وقوله: ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] ، ونحن ~~نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا عدوان. فإذا حمل على موافقة ~~اللفظ ما لا يصح في المعنى- فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى ~~أولى. لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه- قاله الواحدي. # وقال الراغب: رفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة- أي كناية ~~عنها- وقيل: رفع الإثم أنه حط ذنوبهما بإقامتهما الحج- تعجل أو تأخر- بشرط ~~أن يكون مقياسهما الاعتبار بالتقوى، وعلى ذلك دل # حديث «1» : من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه!. # وقوله تعالى: لمن اتقى خبر لمبتدأ محذوف، أي: الذي ذكر- من PageV02P081 # التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر، أو من الأحكام- لمن اتقى، لأنه ~~الحاج على الحقيقة والمنتفع به. على حد: ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~[الروم: # 38] وقوله: هدى للمتقين [البقرة: 2] . واتقوا الله- في مجامع أموركم- ~~واعلموا أنكم إليه تحشرون أي للجزاء على أعمالكم، وهو تأكيد للأمر بالتقوى ~~وبعث على التشدد فيه، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن ~~بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار- صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى ~~التقوى. # و (الحشر) اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 204] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا أي: يعظم في نفسك حلاوة حديثه ~~وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه ويشهد الله على ما في قلبه ~~أي: يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك وأن الذي في قلبه موافق للسانه ~~لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما ~~في قلبه من الكفر والنفاق- على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا: نشهد ~~إنك لرسول الله [المنافقون: 1] . - كقوله تعالى: يستخفون من الناس ولا ms0582 ~~يستخفون من الله ... # [النساء: 108] الآية، وهو ألد الخصام شديد الخصومة، جدل بالباطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 205] # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) # وإذا تولى- انصرف عمن خدعه بكلامه- سعى - مشى- في الأرض ليفسد فيها ~~بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا ~~المعنى يسمى فسادا، كقوله تعالى- حكاية عن قوم فرعون: # أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض [الأعراف: 127] . أي: يردوا قومك عن ~~دينهم ويفسدوا عليهم شرعتهم وسمي هذا المعنى فسادا لأنه يوقع الاختلاف بين ~~الناس، ويفرق كلمتهم، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام، # PageV02P082 # وتنسفك الدماء. وهذا كثير في القرآن المجيد. ويهلك الحرث أي: الزرع. # والنسل أي: المواشي الناتجة. # قال بعض المحققين: وإن إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد، وإن ~~التعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل فالمعنى: يؤذي مسترسلا في إفساده ولو ~~أدى إلى إهلاك الحرث والنسل. # والله لا يحب الفساد أي: لا يرضى فعله. # قال الراغب: إن قيل: كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء؟ ~~قيل: الإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك ~~غير موجود في فعل الله تعالى، ولا هو آمر به،، ولا محب له، وما يرى من فعله ~~ويظهر بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك. فأما بالنظر ~~الإلهي فكله صلاح، ولهذا قال بعض الحكماء: يا من إفساده إصلاح! أي: ما نظنه ~~إفسادا- لقصور نظرنا ومعرفتنا- فهو في الحقيقة إصلاح وجملة الأمر: إن ~~الإنسان هو زبدة هذا العالم وما سواه مخلوق لأجله، ولهذا قال تعالى هو الذي ~~خلق لكم ما في الأرض [البقرة: 29] . والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله ~~الذي رسخ له، فإذن: # إهلاك ما أمر بإهلاكه، لإصلاح الإنسان وما منه أسباب حياته الأبدية. ~~ولشرح هذه الجملة موضع آخر. - ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 206] # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) # وإذا قيل له على ms0583 نهج العظة اتق الله في النفاق، واحذر سوء عاقبته. أو في ~~الإفساد والإهلاك وفي اللجاج بالباطل أخذته العزة بالإثم أي: حملته الأنفة ~~وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم وهو التكبر أو المعنى: أخذته الحمية للإثم ~~الذي في قلبه فمنعته عن قبول قول الناصح فحسبه أي: كافيه جهنم إذا صار ~~إليها واستقر فيها جزاء وعذابا ولبئس المهاد أي: الفراش الذي يستقر عليه ~~بدل فرش عزته. # قال الراغب: المهد معروف، وتصور منه التوطئة، فقيل لكل وطيء مهد. # والمهاد يجعل تارة جمعا للمهد، وتارة للآلة نحو فراش. وجعل جهنم مهادا ~~لهم كما جعل العذاب مبشرا به في قوله: فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران: 21] . # PageV02P083 # وقال الحاكم: هذه الآية تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال ~~للعبد: # اتق الله! فيقول: عليك نفسك.. # قال الزمخشري: ومنه رد قول الواعظ. # وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في ~~وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، قل ~~أفأنبئكم بشر من ذلكم، النار وعدها الله الذين كفروا، وبئس المصير [الحج: ~~72] . # ولما أتم تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضال، أتبعه بقسيمه ~~المهتدي. ليبعث العباد على تجنب صفات الفريق الأول، والتخلق بنعوت الثاني ~~فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 207] # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) # ومن الناس من يشري نفسه أي: يبيعها ببذلها في طاعة الله ابتغاء مرضات ~~الله أي: طلب رضاه والله رؤف بالعباد حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم ~~نعمه ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره. ### | لطيفة: # قال بعضهم: كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل ~~الصالح مع عدم الدعوى والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة ~~لسانه لما في جنانه! والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به. فإن من يبيع ~~نفسه لله، لا يبغي ثمنا لها غير مرضاته، لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول ~~الحق والإخلاص في القلب فلا يتكلم ms0584 بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا ~~يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا ... وهذا هو المؤمن الذي يعتد ~~القرآن بإيمانه ... # وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في (مسنده) ، وابن أبي حاتم ورزين عن سعيد ~~بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر ~~من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش! لقد ~~علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله! لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم معي في ~~كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. وإن شئتم ~~دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم! فلما قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة قال: ربح # PageV02P084 # البيع. أبا يحيى! ربح، أبا يحيى..! ونزلت ومن الناس من يشري نفسه ### | .... # الآية. # وأخرج الحاكم في (المستدرك) نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب موصولا. ~~وأخرجه أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس. وفيه التصريح بنزول ~~الآية، وقال صحيح على شرط مسلم وروي أنها نزلت في صهيب وغيره. كما روي في ~~نزول الأولى روايات ساقها بعض المفسرين. # ولا تنافي في ذلك، لأن قولهم نزلت في كذا، تارة يراد به أن حالا ما كان ~~سببا لنزولها، بمعنى أنها ما نزلت إلا لأجله! وهذا يعلم إما من إشعار الآية ~~بذلك، أو من رواية صح سندها صحة لا مطعن فيه. وتارة يراد به أنها نزلت بعد ~~وقوع شأن ما تشمله بعمومها. فيقول الراوي عقيب حدوث ذلك الشأن: نزلت في ~~كذا، والمراد أنها تصدق عليه لا أن ذلك الشأن كان سببا للنزول ... وما روي ~~في هذه الآية من هذا القبيل. # وإلى هذا النوع أشار الزركشي في (البرهان) بقوله: قد عرف من عادة الصحابة ~~والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها ~~تتضمن هذا الحكم. لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على ~~الحكم بالآية، لا من ms0585 جنس النقل لما وقع ... # وقد قدمنا أن سبب النزول مما يدخله الاجتهاد. وأن لا يعول منه إلا على ما ~~صح سنده. وما نزل عنه وارتقى عن درجة الضعف يتفقه فيه.. فاحرص على هذا ~~التحقيق، وقد أسلفنا في (المقدمة) البحث فيه مستوفى. وبالله التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 208] # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم- بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام ~~فيهما قراءتان سبعيتان- أي: في الإسلام. قال امرؤ القيس بن عابس: # فلست مبدلا بالله ربا ... ولا مستبدلا بالسلم دينا..! # ومثله قول أخي كندة: # دعوت عشيرتي للسلم لما ... رأيتهم تولوا مدبرينا..! # PageV02P085 # قال الرازي: أصل هذه الكلمة من الانقياد. قال الله تعالى: إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] . والإسلام إنما سمي إسلاما ~~لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب. وهذا أيضا راجع إلى هذا ~~المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه. # ومعنى الآية: ادخلوا في الاستسلام والطاعة. أي: استسلموا لله وأطيعوه ولا ~~تخرجوا عن شيء من شرائعه كافة حال من الضمير في (ادخلوا) ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان أي: طرقه التي يأمركم بها ف: إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون [البقرة: 169] و: إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير [فاطر: 6] وضم الطاء من (خطوات) وإسكانها لغتان: # حجازية وتميمية. وقد قرئ بهما في السبع. إنه لكم عدو مبين. ظاهر العداوة ~~أو مظهر لها. أي: بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه السلام وغيره، مما ~~شواهده ظاهرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 209] # فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) # فإن زللتم أي: عن الدخول في السلم من بعد ما جاءتكم البينات أي: # الآيات الظاهرة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فاعلموا أن الله ~~عزيز غالب لا يعجزه الانتقام ms0586 ممن زل ولا يفوته من ضل حكيم لا ينتقم إلا ~~بحق. # وقوله فاعلموا ... إلخ نهاية في الوعيد. لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا ~~يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي ~~وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام- في الزجر- أبلغ من ذكر ~~الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على ~~الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم. # هذا، ومن الوجوه المحتملة في الآية، أن يكون (السلم) المذكور فيها معناه ~~الصلح والمسالمة وترك المنازعة والاختلاف. فمعنى ادخلوا في السلم كونوا ~~متوافقين ومجتمعين في نصرة الدين، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على ~~طلب الدنيا والمنازعة مع الناس. فتكون الآية حينئذ كقوله تعالى: ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [الأنفال: 46] ، وقوله: واعتصموا بحبل الله ~~جميعا # PageV02P086 # ولا تفرقوا # [آل عمران: 103] ، وقوله: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] ~~. والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 210] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور (210) # هل ينظرون أي ينتظرون، ف (نظر) ك (انتظر) ، يقال: نظرته وانتظرته إذا ~~ارتقبت حضوره. وهذا الاستفهام إنكاري في معنى النفي أي: ما ينتظرون بما ~~يفعلون من العناد والمخالفة- في الامتثال بما أمروا به، والانتهاء عما نهوا ~~عنه- بعد طول الحلم عنهم إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام جمع ظلة- ~~كقلل في جمع قلة- أي: في ظلة داخل ظلة- وهي ما يستر من الشمس، فهي في غاية ~~الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها ~~والملائكة- عطف على الاسم الجليل- أي: ويأتي جنده الذين لا يعلم كثرتهم إلا ~~هو. هذا، على قراءة الجماعة. وعلى قراءة أبي جعفر، بالخفض. فهو عطف على ظلل ~~أو الغمام وقضي الأمر أي: أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه. قال الراغب: نبه به ~~على أنه لا يمكن تلافي الفارط..! وهو عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار. ~~وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه، فكأنه ms0587 قد كان. أو جملة مستأنفة ~~جيء بها إنباء عن وقوع مضمونها. وإلى الله ترجع الأمور. أي: فمن كانوا ~~نافذي الملك والتصرف في الدنيا، فإن ملكهم وتصرفهم مسترد منهم يوم القيامة ~~وراجع إليه تعالى، يقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه ~~إليهم. أو عنى ب الأمور الأرواح والأنفس دون الأجسام، وسماها أمورا من حيث ~~إنها إبداعات مشار إليها بقوله: ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] . فهي ~~من الإبداع الذي لا يمكن من البشر تصوره فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه ~~وراجعة وعلى نحو ذلك قال: كما بدأكم تعودون [الأعراف: 29] . ويكون رجوعها ~~إما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة. قاله الإمام الراغب. # قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أمورا، ~~امتحانا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر ~~كله لله وحده. وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم- كما ~~أمر- ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى. # PageV02P087 # وقد قرئ في السبع (ترجع) بضم التاء بمعنى ترد، وبفتحها بمعنى تصير، كقوله ~~تعالى: ألا إلى الله تصير الأمور [الشورى: 53] . # قال القفال: والمعنى في القراءتين متقارب. لأنها ترجع إليه تعالى، وهو ~~سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة. ### | تنبيهان # الأول: لهذه الآية أشباه ونظائر تدل على أن هذا الوعيد أخروي. # ولذا قال ابن كثير في معنى الآية: يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات ~~الله وسلامه عليه هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله: ~~إن خيرا فخير، وإن شرا فشر..! ولهذا قال تعالى: وقضي الأمر وإلى الله ترجع ~~الأمور. # كما قال تعالى: كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء ~~يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى [الفجر: 21- 23] . # وقال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك ... [الأنعام: 158] الآية. # الثاني: وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ms0588 ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في ~~آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والقول في جميع ذلك من جنس واحد. # وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها: إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ~~والقول في صفاته كالقول في ذاته. والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ~~ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف ~~يأتي..؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته! فليقل ~~له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته..! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم ~~بكيفية الموصوف. وقد أطلق غير واحد، ممن حكى إجماع السلف، منهم الخطابي: ~~مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. ~~وبعض الناس يقول: مذهب السلف إن الظاهر غير مراد. ويقول أجمعنا على أن ~~الظاهر غير مراد. وهذه العبارة خطأ إما لفظا ومعنى، أو لفظا لا معنى. لأن ~~لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك. فإن # PageV02P088 # كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من ~~خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ~~ظاهرها فهذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى جعله ~~محتاجا إلى تأويل، وحيث حكى عن السلف ما لم يريدوه. وإن كان القائل يعتقد ~~أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، ~~والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه ~~على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، أن ~~ظاهر ذلك مراد- كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه ~~كعلمنا وقدرته كقدرتنا. # وكذلك لما اتفقوا على أنه حي عالم حقيقة، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه ~~مثل المخلوق الذي ms0589 هو حي عليم قدير. فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات ~~تماثل صفات الخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا. وإن كان يعتقد ~~أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن ~~يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا ~~إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا. # وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير. وبالجملة، ~~فمن قال: إن الظاهر غير مراد- بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة- قلنا له: ~~أصبت في المعنى ولكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقا ~~إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات ~~الله ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو ~~نقصه. ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني- وهو مراد الجهمية ومن ~~تبعهم- فقد أخطأ. وإنما أتي من أخطأ من قبل أنه يتوهم- في بعض الصفات أو في ~~كثير منها أو أكثرها أو كلها- أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ~~ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: # أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص ~~هو التمثيل. # الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله، بقيت النصوص معطلة عما دلت ~~عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه # PageV02P089 # السيء الذي ظنه بالله ورسوله- حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل ~~الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله ~~والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. # الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم، فيكون معطلا لما ~~يستحقه الرب. # الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات- من صفات الأموات والجمادات أو ~~صفات المعدومات- فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثله ~~بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل ms0590 مدلولها ~~هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل ~~فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته. # وحاصل الكلام: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه على ما يليق ~~بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته. # هذا ملخص ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالتيه ~~(التدمرية) و (المدنية) . # قال الحافظ ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة ~~كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز ~~إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع ~~الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ~~ويزعم أن من أقر بها شبه. وهم، عند من أقر بها، نافون للمعبود. والحق فيما ~~قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) : لا يجوز رد هذه الأخبار، ~~ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبيه ~~بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها. # وقال عبد الله بن المبارك: إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت ~~الآثار بشيء جسرنا عليه. واعلم أنه ليس في العقل الصحيح ولا في النقل ~~الصريح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية. والمخالفون للكتاب والسنة وسلف ~~الأمة، من المتأولين لهذا الباب، في أمر مريج. وسبحان الله! بأي عقل يوزن ~~الكتاب والسنة. # PageV02P090 # ورضي الله عن الإمام مالك حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ~~ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لجدل هذا؟ وكل من هؤلاء ~~مخصوم بمثل ما خصم به الآخر. وهو من وجوه: # أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك. # والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. # الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار. كما أنه ~~جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان. فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة ms0591 ~~تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به ~~النبوات على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى ~~اليقين في عامة المطالب الإلهية. فإذا كان هكذا، فالواجب تلقي علم ذلك من ~~النبوات على ما هو عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # قال البقاعي: وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف. منه ما في ~~الصحيح عن البراء رضي الله عنه قال «1» : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى ~~جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، ~~فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة ~~تنزلت بالقرآن!. # وعن أسيد بن حضير قال «2» : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه ~~مربوط عنده إذ جالت الفرس. فسكت فسكتت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت ~~الفرس. ثم قرأ فجالت الفرس. فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبا منها. # فأشفق أن تصيبه. فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. فلما أصبح ~~حدث النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير. ~~قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا. فرفعت رأسي فانصرفت ~~إليه. فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح. فخرجت ~~حتى لا أراها. # قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت ~~لأصبحت ينظر الناس إليها. لا تتوارى منهم. # وقال البقاعي أيضا: لما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في ~~الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان ~~وما PageV02P091 # في ذلك- على ما نقل إليهم- من وفور الهيئة وتعاظم الجلال. قال تعالى- ~~جوابا لمن كان قال: كيف يكون هذا؟ -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 211] # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة المراد بهذا ms0592 السؤال: تقريع بني ~~إسرائيل وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحق بعد وضوح الآيات، لا أن يجيبوا ~~فيعلم من جوابهم أمر. كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد، يقول لمن حضره: سله ~~كم أنعمت عليه؟ - أي: كم شاهدوا المعجزات الظاهرة على أيدي أنبيائهم، ~~القاطعة بصدقهم عليهم السلام فيما جاءوهم به: كعصا موسى، وفلقه البحر، ~~وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن ~~والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وصدق من جرت على ~~يديه هذه الخوارق. ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، ويدلوا نعمة الله عليهم ~~بها كفرا كما أشعر بذلك قوله تعالى: ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته ~~فإن الله شديد العقاب فالمراد بنعمة الله آياته، فهو من وضع الظاهر موضع ~~المضمر بغير اللفظ السابق، لتعظيم الآيات ولا يخفى أنها من أجل أقسام نعم ~~الله تعالى لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. # وتبديلهم إياها: استبدالهم بالإيمان بها، الكفر بها والإعراض عنها. كما ~~قال تعالى- إخبارا عن كفار قريش-: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار [إبراهيم: 28- 29] ، ~~وقوله من بعد ما جاءته أي: وصلت إليه وتمكن من معرفتها أو عرفها، والتصريح ~~بذلك- مع أن التبديل لا يتصور قبل المجيء- للإشعار بأنهم قد بدلوها بعد ما ~~وقفوا على تفاصيلها، وفيه تقبيح عظيم بهم، ونعي على شناعة حالهم، واستدلال ~~على استحقاقهم العذاب الشديد حيث بدلوا، بعد المعرفة..!. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 212] # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # زين للذين كفروا حتى بدلوا النعمة الحياة الدنيا لحضورها، فألهتهم عن ~~غائب الآخرة. # PageV02P092 # قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما، من حيث إن ~~نظر العقل والإيمان يبصر طيتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة ~~الخلق في انقطاعهم عن الحق فأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى ~~التزيين ms0593 الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله ~~كما في قوله تعالى: كذلك زينا لكل أمة عملهم [الأنعام: 108] . # وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين، مسندا إلى الله تعالى تارة ~~وإلى غيره أخرى، في عدة آيات من التنزيل الكريم. # وللراغب كلام بديع ينحل به مثل هذا الإشكال وهو قوله: # إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى ما هو سببه ومسهله، وعلى هذا ~~يصح أن ينسب فعل واحد تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره، نحو قوله: قل ~~يتوفاكم ملك الموت [السجدة: 11] ، وفي موضع آخر: الله يتوفى الأنفس [الزمر: ~~42] . فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له، وفي الثاني إلى الآمر به ~~وهكذا، بتصور ما ذكر، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبا إلى الله ~~تعالى، منفيا عن الله تعالى. نحو قوله: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~[الأنفال: 17] . # وقوله: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال 17] ، وقوله: ما أصابك ~~من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] . # ويسخرون- أي: يهزئون- من الذين آمنوا وهذا كما قال تعالى: إن الذين ~~أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون ... # [المطففين: 29- 36] الآيات والذين اتقوا وهم المؤمنون، وإنما ذكروا ~~بعنوان التقوى لحضهم عليها وإيذانا بترتب الحكم عليها فوقهم يوم القيامة ~~لأنهم في عليين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة ~~فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما قال تعالى: فاليوم الذين آمنوا ~~من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون [المطففين: 29- 36] . # ولذا قال الراغب: يحتمل قوله تعالى فوقهم يوم القيامة وجهين: # أحدهما: أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا. # والثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل ~~من النار. انتهى. # PageV02P093 ### | لطائف: # قال السيلكوتي: اعلم أن قوله تعالى: زين للذين كفروا.. إلخ جملة معللة ~~لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب يعنى أن جميع ما ذكر من ~~صفاتهم الذميمة، لأجل تهالكهم في محبة الحياة الدنيا ms0594 وإعراضهم عن غيرها ~~وأورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مركوزا في طبيعتهم. وعطف ~~عليه بالفعل المضارع- أعني يسخرون- لإفادة الاستمرار. وعطف قوله والذين ~~اتقوا لتسلية المؤمنين. # وقوله تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب يعني: ما يعطي الله هؤلاء ~~المتقين من الثواب بغير حساب، أي: رزقا واسعا رغدا لا فناء له ولا انقطاع، ~~كقوله سبحانه: فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب [غافر: 40] فإن ~~كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان ~~لا محالة خارجا عن الحساب. # وقد استقصى الراغب: ما تحتمله الآية من وجوهها- وتلك سعة- وعبارته: # أعطاه بغير حساب: إذا أعطاه أكثر مما يستحق، أو أقل مما يستحق والأول هو ~~المقصود وهو المشار إليه بالإحسان وقد فسر ذلك على أوجه لإجمال اللفظ ~~وإبهامه: # الأول: يعطيه عطاء لا يحويه حصر العباد. كقول الشاعر: # عطاياه، يحصى قبل إحصائها القطر الثاني: يعطيه أكثر مما يستحقه. # الثالث: يعطيه ولا منة. # الرابع: يعطيه بلا مضايقة. من قولهم: حاسبه. # الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أن يكفيه- وكل هذه الوجوه يحتمل أن يكون في ~~الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة. # السادس: أن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ... [الزخرف: 33] الآية، وتنبيها أن لا ~~فضيلة في المال لمن يوسع عليه، ما لم يستعن عليه في الوصول إلى المطلوب منه ~~ولهذا قال تعالى: أيحسبون أنما نمدهم ... [المؤمنون: 55- 56] الآية. # السابع: يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك لأن # PageV02P094 # المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا ما يجب من حيث يجب على الوجه الذي يجب ~~ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب فلا يحاسب، ولهذا روي: من حاسب نفسه في ~~الدنيا أمن الحساب في الآخرة! وعلى هذا قال تعالى لسليمان: هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب [ص: 39] . # الثامن: أن الله عز وجل يعامل في القيامة المؤمنين لا بقدر استحقاقهم بل ~~بأكثر منه، كما قال: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ms0595 أضعافا ~~كثيرة.. [البقرة: 245] الآية. # التاسع: وهو يقارب ذلك: أن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا حظر ~~عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: وفيها ما تشتهيه الأنفس [الزخرف: 71] الآية، ~~وقوله: يدخلون الجنة ... الآية. # وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير، يتعلق بالذين كفروا، وعلى ~~بعضه يتعلق بالذين آمنوا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 213] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) # كان الناس أمة واحدة أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها ~~لتصلح ولا تفسد، وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم أي: ما وجدوا إلا ليكونوا ~~كذلك، كما قال في الآية الأخرى: وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~[يونس: 19] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، ~~إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل. ولما كانوا لم ~~يخلقوا سدى من الله عليهم بما يبصرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من ~~بعثة الأنبياء، وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية فبعث ~~الله النبيين الذين رفعهم على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره، وأرسلهم ~~إلى خلقه مبشرين لمن آمن وأطاع ومنذرين لمن كفر وعصى وأنزل معهم الكتاب أي: ~~كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة # PageV02P095 # لكونه متلبسا بالحق من جميع الوجوه ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من ~~الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد ~~جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين ~~لاختلافهم في الكتاب وما اختلف فيه أي: الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، ~~المنزل لإزالة الاختلاف إلا الذين أوتوه أي: علموه فبدلوا نعمة الله بأن ~~أوقعوا ms0596 الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف. ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من ~~جهته بل من بعد ما جاءتهم البينات- أي: الدلائل الواضحة- بغيا بينهم أي: ~~حسدا وقع بينهم فهدى الله الذين آمنوا بالكتاب لما اختلفوا أي: أهل الضلالة ~~فيه من الحق أي: للحق الذي اختلفوا فيه. وفي إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، ~~ما لا يخفى من التفخيم، بإذنه أي: بتيسيره ولطفه، والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم. # تقرير لما سبق. # وفي (صحيح مسلم) «1» عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان- إذا ~~قام من الليل يصلي- يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السموات ~~والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم..!. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 214] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم أي: من ~~الأنبياء ومن معهم من المؤمنين، أي: والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم ~~تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة، ~~سنة الله التي لا تتبدل مستهم استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الذهن، ~~كأنه قيل: كيف كان مثلهم؟ فقيل: مستهم البأساء والضراء أي: الشدائد والآلام ~~وزلزلوا أي: # أزعجوا، مما دهمهم من الأهوال والإفزاع، إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة ~~التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال حتى يقول الرسول أي: انتهى أمرهم من الشدة ~~إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول- وهو أعلم الناس بشئون الله ~~تعالى، PageV02P096 # وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر- والذين آمنوا معه- وهم الأثبت بعده، ~~العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر- متى نصر الله- استبطاء له، ~~واستطالة لمدة الشدة والعناء- فيقال لهم: ألا إن نصر الله قريب. كما قال ~~تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا [الشرح: ms0597 5- 6] أي: فاصبروا كما ~~صبروا تظفروا..! وقد حصل من هذا الابتلاء جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم ~~يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي ~~المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ... [الأحزاب: 10- 12] الآيات. # وروى البخاري «1» عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا ~~تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ # فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها. فيجاء ~~بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه ~~وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ~~من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم ~~تستعجلون..!. # وفي رواية: ... وهو متوسد بردة، وقد لقينا من المشركين شدة ... # ولما سأل هرقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم! قال: فكيف كانت الحرب ~~بينكم قال: سجالا، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون ~~لها العاقبة!. # وهذه الآية كآية: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا، وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين [العنكبوت: 1- 3] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 215] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) # يسئلونك ماذا ينفقون أي: أي شيء ينفقونه من أصناف الأموال؟ PageV02P097 # قل ما أنفقتم من خير فللوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع ~~كونه صلة الوصل وصدقة والأقربين بعدهما ليكون صلة وصدقة واليتامى بعدهم لأن ~~فيهم الفقر مع العجر والمساكين بعدهم لاحتياجهم وابن السبيل بعدهم لأنه ~~كالفقير لغيبة ماله. فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ~~ما ms0598 ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟ فالجواب: أن قوله: ما أنفقتم من خير قد ~~تضمن بيان ما ينفقونه- وهو كل مال عدوه خيرا- وبني الكلام على ما هو أهم ~~وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال الشاعر: # إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع! # فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع..! # فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة [البقرة: ~~189] . فيما تقدم هذا. # وقال القفال: إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ (ما) ، إلا أن المقصود ~~السؤال عن الكيفية، لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج ~~قربة إلى الله تعالى وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال ~~أي شيء هو؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال: أن ~~مصرفه أي شيء هو؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال. ونظيره قوله تعالى: ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول [البقرة: 70- 71] وإنما كان هذا ~~الجواب موافقا لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي ~~شأنها وصفتها كذا فقوله (ما هي) لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن ~~يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيره. فبهذا ~~الطريق قلنا: إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال. فكذا هاهنا، لما علمنا أنهم ~~كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو- وجب أن يقطع بأن مرادهم من ~~قولهم ماذا ينفقون؟ ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف، فلهذا حسن هذا ~~الجواب..!. # وأجاب الراغب بجوابين: # أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية ~~السؤال أحدهما إيجازا ودل عليه بالجواب بقوله ما أنفقتم من خير كأنه قيل: ~~المنفق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا # PageV02P098 # طريق معروف في البلاغة. # الجواب الثاني: إن السؤال ضربان: سؤال جدل، ms0599 وحقه أن يطابقه جوابه. لا ~~زائدا عليه ولا ناقصا عنه. وسؤال تعلم وحق المعلم أن يكون كالطبيب يتحرى ~~شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه- طلبه المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ~~ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بين لهم الأمرين جميعا. إن ~~قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم..؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل ~~المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق ~~عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع. # ولما بين تعالى وجه المصرف وفصله هذا التفصيل الحسن الكامل، أردفه ~~بالإجمال فقال: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم أي: وكل ما فعلتموه من ~~خير- إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم- حسبة لله، وطلبا لجزيل ثوابه، ~~وهربا من أليم عقابه، فإن الله به عليم. والعليم مبالغة في كونه عالما، ~~يعني: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فيجازيكم أحسن ~~الجزاء عليه، كما قال: # أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى [آل عمران: 195] وقال: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 216] # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # كتب أي: فرض عليكم القتال أي: قتال المتعرضين لقتالكم، كما قال: وقاتلوا ~~في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا [البقرة: 190] ، المراد بقتالهم ~~الجهاد فيهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوتهم. # قال بعض الحكماء: سيف الجهاد والقتال هو آية العز، وبه مصرت الأمصار، ~~ومدنت المدن، وانتشرت المبادئ والمذاهب، وأيدت الشرائع والقوانين وبه حمي ~~الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر، وهو الذي يحميه من طمع ~~الطامعين في الحاضر وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال ~~شمالا، وخط الاستواء جنوبا، وجدران الصين شرقا، وجبال البيرنه غربا..!. # قال: فيجب على المسلمين أن لا يتملصوا من ms0600 قول بعض الأوروبيين: إن الدين # PageV02P099 # الإسلامي قد انتشر بالسيف! فإن هذا القول لا يضر جوهر الدين شيئا فإن ~~المنصفين من الأوروبيين يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع، وأن السيف لم ~~يجرد إلا لحماية الدعوة. وإنما التملص منه يضر المسلمين لأنه يقعدهم عن ~~نصرة الدين بالسيف، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل، ويحملهم على الاعتقاد ~~بترك الوسائل فيستخذون إلى الضعف كما هي حالتهم اليوم، وتبتلعهم الأمم ~~القوية التي جعلت شعار تمدنها السيف أو القوة..!. # قال: يجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء، ويطيلوا النظر ~~في قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [الأنفال: 60] ، لعلهم ~~يتحفزون إلى مجاراة الأمم القوية المجاهدة في الأمم الضعيفة..!. # وقوله تعالى: وهو كره لكم من الكراهة، فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة. ~~كقول الخنساء: # فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له، أو هو فعل ~~بمعنى مفعول- كالخبز بمعنى المخبوز- أي: وهو مكروه لكم، وهذا الكره إنما ~~حصل من حيث نفور الطبع عن القتال- لما فيه من مؤنة المال، ومشقة النفس، ~~وخطر الروح والخوف- فلا ينافي الإيمان. لأن كراهة الطبع جبلية لا تنافي ~~الرضاء بما كلف به. كالمريض الشارب للدواء البشع. # وفي القاموس وشرحه: (الكره) بالفتح ويضم: لغتان جيدتان بمعنى الإباء ~~والمشقة. # قال ثعلب: قرأ نافع وأهل المدينة في سورة البقرة وهو كره لكم بالضم في ~~هذا الحرف خاصة، وسائر القرآن بالفتح. وكان عاصم يضم هذا الحرف والذي في ~~الأحقاف: حملته أمه كرها ووضعته كرها [الأحقاف: 15] ، ويقرأ سائرهن بالفتح. ~~وكان الأعمش وحمزة والكسائي يضمون هذه الحروف الثلاثة والذي في النساء: لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها [النساء: 19] ، ثم قرءوا كل شيء سواها ~~بالفتح. قال الأزهري: ونختار ما عليه أهل الحجاز: أن جميع ما في القرآن ~~بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة، فإن القراء أجمعوا عليه!. قال ثعلب: ولا ~~أعلم بين الأحرف التي ضمها هؤلاء وبين التي فتحوها فرقا في العربية، ولا في ~~سنة تتبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، إلا ~~أنه اسم ms0601 وبقية القرآن # PageV02P100 # مصادر. قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة: أن (الكره والكره) ~~لغتان، فبأي لغة وقع فجائز. إلا الفراء فإنه فرق بينهما بأن (الكره) بالضم ~~ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح: ما أكرهك غيرك عليه. تقول: جئتك كرها، ~~وأدخلتني كرها. وقال ابن سيده: الكره: الإباء والمشقة تتكلفها فتحتملها، ~~وبالضم: المشقة تحتملها من غير أن تكلفها. يقال: فعل ذلك كرها وعلى كره. ~~قال ابن بري: ويدل لصحة قول الفراء قول الله عز وجل: وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها [آل عمران: 83] ، ولم يقرأ أحد بضم الكاف. وقال ~~سبحانه: كتب عليكم القتال وهو كره لكم، ولم يقرأ أحد بفتح الكاف. فيصير ~~(الكره) بالفتح. فعل المضطر، و (الكره) بالضم: فعل المختار. # وعسى أن تكرهوا شيئا- كالجهاد في سبيل الله تعالى- وهو خير لكم إذ فيه ~~إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة وعسى أن تحبوا ~~شيئا- كالقعود عن الغزو- وهو شر لكم لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة ~~والأجر والله يعلم- ما هو خير لكم وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى ما ~~يأمركم به وإن شق عليكم فهو رؤوف بالعباد لا يأمرهم إلا بخير. # قال الحرالي: فنفي العلم عنهم بكلمة (لا) أي: التي هي للاستقبال حتى تفيد ~~دوام الاستصحاب. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. قال: من حيث رتبة هذا ~~الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون- أي: الراسخون- فقد علمهم ~~الله من علمه ما علموا أن القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم. # حتى إن علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، حتى ~~شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم في التوجه إلى غزوة بدر، فقام أبو بكر رضي ~~الله عنه فقال وأحسن ثم قام عمر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد ~~بن عمرو رضي الله عنه فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، ~~والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون [المائدة: 24] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا ms0602 إنا معكما ~~مقاتلون! فو الذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه ~~حتى تبلغه..! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له، ثم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس! فقال له سعد ~~بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه: والله! لكأنك تريدنا يا رسول الله! قال: ~~أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ~~ذلك عهودنا ومواثيقنا # PageV02P101 # على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك ~~بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد، ~~وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل ~~الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 217] # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قال الراغب: السائل عن ذلك، قيل: # أهل الشرك قصدا إلى تعيير المسلمين لما تجاوزوه من القتل في الشهر ~~الحرام، وقيل: هم أهل الإسلام. # وقد أخرج الطبراني في (الكبير) ، والبيهقي في (سننه) ، وابن جرير، وابن ~~أبي حاتم عن جندب بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا، ~~وبعث عليهم عبد الله ابن جحش، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك ~~اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. ~~فأنزل الله هذه الآية. # فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله: إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا ms0603 في سبيل الله الآية [البقرة: 218] . # وأخرجه ابن مندة من الصحابة عن ابن عباس. # وملخص ما ذكره الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) وابن هشام في (السيرة) ~~في الكلام على هذه السرية ونزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من ~~الهجرة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا ~~إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير ~~المؤمنين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وأمره أن لا ~~ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه. فلما سار # PageV02P102 # يومين فتح الكتاب فوجد فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة- ~~بين مكة والطائف- فترصد بها عيرا لقريش، وتعلم لنا من أخبارهم، فقال: سمعا ~~وطاعة! وأخبر أصحابه بذلك وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن ~~كره الموت فليرجع، فأما أنا فناهض! فنهضوا كلهم. فلما كان في أثناء الطريق ~~أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه. فتخلفا في ~~طلبه. فبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا ~~وأدما وتجارة، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن ~~المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة. فتشاور المسلمون وقالوا: نحن ~~في آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم ~~به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردد القوم وهابوا الإقدام ~~عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على مقاتلتهم، فرمى أحدهم عمرو بن ~~الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل فأعجزهم، ثم أقبل عبد الله ~~بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس- وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في ~~الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام- فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~فعلوه واشتد ms0604 تعييب قريش وإنكارهم ذلك. وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا فقالوا: ~~قد أحل محمد الشهر الحرام!، واشتد ذلك على المسلمين حتى أنزل الله تعالى ~~يسئلونك عن الشهر الحرام ### | .... # الآية. # وقوله تعالى: قتال فيه بدل من الشهر، بدل الاشتمال، لأن القتال يقع في ~~الشهر. # وقال الكسائي: وهو مخفوض على التكرير. يريد أن التقدير: عن قتال فيه. # وهو معنى قول الفراء: مخفوض ب (عن) مضمرة. وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجر لا ~~يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار..! وقال أبو عبيدة: هو مجرور على الجوار. # وهو أبعد من قولهما، لأن الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ ولا يحمل عليه ~~ما وجدت عنه مندوحة. وفيه يجوز أن يكون نعتا ل (قتال) ، ويجوز أن يكون ~~متعلقا به كما يتعلق ب (قاتل) . # وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة ~~الاستفهام تقديره: أجائز قتال فيه؟. # قل في جوابهم قتال فيه كبير أي: أمر كبير مستنكر وقد كانت # PageV02P103 # العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدو في الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم ورجب. وسنذكر. في تنبيه يأتي، التحقيق في كون تحريم القتال ~~فيها محكما أو منسوخا. # قال الراغب: إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة ~~إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرفا نحو: سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ~~ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإن قتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال: أحلت لي ساعة ~~من نهار ولم تكن تحل لأحد قبلي «1» . # وصد عن سبيل الله أي: عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم: سمى الحج (سبيل الله) . # قال الحرالي: و (الصد) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكره، و (السبيل) : طريق ~~الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه. وصد مبتدأ. # وكفر به أي: بالسبيل- أعني الدين- أو بالله، عطف عليه. والمسجد الحرام ~~عطف على ms0605 سبيل الله أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. # وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي: كفر به وبالمسجد الحرام. # وإخراج أهله أي: أهل المسجد الحرام- وهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون الذين هم أولياؤه- وهو عطف على صد أيضا منه من المسجد الحرام ~~وخبر الأسماء الثلاثة أكبر عند الله جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم ~~في الشهر الحرام. لأن الإخراج فتنة والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام، ~~أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد ~~كحرمة الشهر..! # هذا، وقيل: خبر صد وكفر محذوف لدلالة ما تقدم عليه. PageV02P104 # وأشار الرازي إلى إعراب آخر وهو: إن صد وكفر معطوفان على كبير أي: قتال ~~فيه، موصوف بهذه الصفات. وعليه ف (أكبر) خبر (إخراج) فقط. # وقد جنح لهذا المهايمي حيث قال في (تفسيره) : # قل قتال فيه كبير من المعاصي الكبائر كيف (و) هو صد عن سبيل الله أي: عن ~~التجارة التي جعلها الله سبيل الرزق لعباده (و) لو استبيح هذا القتل فهو ~~كفر به وصد عن المسجد الحرام إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام، ~~فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر (و) لكن إخراج أهله أي إخراجهم أهل ~~المسجد الحرام وهم النبي والمؤمنون منه أكبر عند الله ... إلى آخره. وهذا ~~الوجه من الإعراب بديع، والأكثرون على الأول. # قال ابن القيم في (زاد المعاد) في تأويل هذه الآية: يقول سبحانه: هذا ~~الذي أنكرتموه عليهم- وإن كان كبيرا- فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، ~~والصد عن سبيله وعن بيته، وإخراج المسلمين- الذين هم أهله- منه، والشرك ~~الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به- أكبر عند الله من قتالهم في ~~الشهر الحرام. # ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المعنى هذه الأبيات، ويقال ~~هي لعبد الله بن جحش: # تعدون قتلا في الحرام عظيمة! ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد # صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به، والله راء وشاهد # وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا ms0606 يرى لله في البيت ساجد # فإنا- وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد # سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد # دما، وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند # قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وأكثر السلف فسروا «الفتنة» هنا ~~بالشرك، كقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [الأنفال: 39] ويدل عليه ~~قوله: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: ~~23] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه. ~~وحقيقتها أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه، ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتتن ~~به. ولهذا # PageV02P105 # يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ذوقوا فتنتكم [الذاريات: 14] . # قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير ~~أمرها، كقوله: ذوقوا ما كنتم تكسبون [الزمر: 24] . وكما فتنوا عباده على ~~الشرك، فتنوا على النار وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم [الذاريات: 14] . ومنه قوله ~~تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ... [البروج: 10] ، ~~فسرت الفتنة- هنا- بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعم من ~~ذلك. وحقيقته: عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. فهذه الفتنة المضافة إلى ~~المشركين. وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله ~~إليه كقوله: وكذلك فتنا بعضهم ببعض [الأنعام: 53] ، وقول موسى: إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء [الأعراف: 155] فتلك بمعنى آخر، وهي ~~بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر، بالنعم ~~والمصائب. فهذه لون، وفتنة المشركين لون. وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره ~~لون آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين ~~أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ~~ويتهاجروا- لون آخر. وهي الفتنة التي # قال فيها محمد صلى الله عليه وسلم «1» : ستكون فتنة، القاعد فيها خير من ~~القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ... # وأحاديث الفتنة- التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال ~~الطائفتين- هي هذه الفتنة «2» . وقد PageV02P106 # تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، ms0607 كقوله تعالى: ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني [التوبة: 49] . يقوله الجد بن قيس لما. ندبه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك، يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات الأصفر ~~فإني لا أصبر عنهن..! # قال تعالى: ألا في الفتنة سقطوا أي: وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من ~~فتنة بنات الأصفر. # والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم ~~يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتل في الشهر الحرام، بل أخبر الله أنه ~~كبير وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر ~~الحرام، فهم أحق بالذم، والعيب والعقوبة، لا سيما أولياؤه. كانوا متأولين ~~في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم. في جنب ما فعلوه من ~~التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل: # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع ... ! # فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن؟ .. ### | تنبيه: # اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية: حرمة القتال في الشهر الحرام. ثم ~~اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ؟. # قال ابن القيم في (زاد المعاد) في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خيبر ~~من الأحكام الفقهية. ما نصه: منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر ~~الحرم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة. ~~فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك. قال الزهري عن عروة عن مروان ~~والمسور، وكذلك قال الواقدي: # خرج في أول سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر. فإن خروجه ~~كان في أواخر المحرم لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا ~~الاستدلال بيعة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت الشجرة بيعة الرضوان ~~على القتال وأن لا يفروا. وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في ذلك. لأنه ~~إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم ms0608 يريدون قتاله، ~~فحينئذ بايع الصحابة. ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام دفعا، وإنما ~~الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء. فالجمهور جوزوه وقالوا: # تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله. وذهب عطاء ~~وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر # PageV02P107 # الحرام ولا نسخ من تحريمه شيء..! وأقوى من هذين الاستدلالين، الاستدلال ~~بحصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف. فإنه خرج إليها في أواخر شوال ~~فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. فبعضها كان في ذي العقدة. فإنه فتح مكة لعشر ~~بقين من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة. فخرج إلى هوازن ~~وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها. ثم ذهب ~~منها إلى الطائف فحاصروه عشرين ليلة. وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا ~~شك. وقد قيل إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. (قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك) ~~وهذا عجيب منه. # فمن أين له هذا التصحيح والجزم به..؟ وفي (الصحيحين) عن أنس بن مالك في ~~قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنعوا، وذكر الحديث. ~~فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب. ومع هذا، فلا دليل في القصة لأن غزو ~~الطائف كان في تمام غزوة هوازن. وهم بدءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقتال. ولما انهزموا دخل ملكهم- وهو مالك بن عوف النضري- مع ثقيف في حصن ~~الطائف. فحاربت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان غزوهم من تمام الغزو ~~التي شرع فيها، والله أعلم. # وقال الله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها ~~منسوخ: # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد [المائدة: 2] ، وقال في سورة البقرة: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله. فهاتان آيتان مدنيتان. بينهما في ~~النزول نحو ثمانية أعوام. وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ناسخ لحكمها. ~~ولا اجتمعت الأمة ms0609 على نسخه. ومن استدل على النسخ بقوله تعالى: وقاتلوا ~~المشركين كافة [التوبة: # 36] ، ونحوها من العمومات، فقد استدل على النسخ بما لا يدل. ومن استدل ~~عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي ~~القعدة، فقد استدل بغير دليل. لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها ~~المشركون بالقتال ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام. # ولا يزالون- يعني أهل مكة- يقاتلونكم- أيها المؤمنون- حتى يردوكم عن ~~دينكم أي: يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا أي: قدروا على ~~ردتكم. وفيه استبعاد لاستطاعتهم. فهو كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق ~~علي. وهو واثق أنه لا يظفر به. وجملة ولا يزالون إما معطوفة على يسئلونك أو ~~معترضة. والمقصود: تحذير المؤمنين منهم وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض ~~الأمور، لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين. # PageV02P108 # وفي الآية إشعار بأنكم أحق بأن لا تزالوا تقاتلونهم. لأنهم قاطعون بأنكم ~~على الحق وأنكم منصورون، وأنهم على الباطل وهم مخذولون، ولا بد وإن طال ~~المدى. # لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم. ومن وكل إلى نفسه ضاع. فالأمر ~~الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام. فينبغي الاستعداد له بعدته، والتأهب له ~~بأهبته، فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين ~~طعنا في الدين، وصدا عن السبيل. أشار لذلك البقاعي. ثم حذر تعالى عن ~~الارتداد بقوله: ومن يرتدد منكم عن دينه وهو الإسلام. وبناء صيغة الافتعال ~~من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دين الحق يبعد أن يرجع ~~عنه، فهو متكلف في ذلك فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم أي: بطلت جميع ~~مساعيهم النافعة لهم، وردت في الدنيا- إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم- ~~والآخرة- إذ يسقط ثوابهم فلا يجزون ثمة بحسناتهم ولا يقتصر عليه بل أولئك ~~أصحاب النار أي: أهل النار هم فيها خالدون مقيمون لا يموتون ولا يخرجون ~~كسائر الكفار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 218] # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ms0610 يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) # إن الذين آمنوا بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد ~~الحرام منه والذين هاجروا فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام ~~وجاهدوا في سبيل الله ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم أولئك وإن ~~باشروا القتال في الشهر الحرام يرجون رحمت الله أي: جنته على إيمانهم ~~وهجرتهم وجهادهم. وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم ~~عالمون بأن العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضل منه سبحانه، لا ~~لأن في فوزهم اشتباها والله غفور لهتكهم حرمة الشهر رحيم بما تجاوز عن ~~قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 219] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) # يسئلونك عن الخمر والميسر هذه الآية أول آية نزلت في الخمر، على ما # PageV02P109 # قاله ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ثم نزلت الآية في المائدة. # وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» والترمذي «3» عن عمر أنه قال- لما ~~نزل تحريم الخمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! فنزلت هذه الآية ~~التي في البقرة: # يسئلونك عن الخمر والميسر ... الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- إذا أقام الصلاة- نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت ~~عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في ~~المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا ~~انتهينا. # وحقيقة الخمر ما أسكر من كل شيء # روى (الشيخان) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «4» : كل ~~مسكر خمر، وكل ms0611 مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يد منها لم يتب ~~منها، لم يشربها في الآخرة. # وأما الميسر فهو القمار- بكسر القاف- مصدر من يسر- كالموعد والمرجع من ~~فعلهما يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من (اليسر) لأنه أخذ مال الرجل ~~بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من (اليسار) لأنه سلب يساره. # وصفته: أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام وهي: # (الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككتف- ~~والنافس، والمسبل- كمحسن- والمعلى- كمعظم-، والمنيح- كأمير، والسفيح- بوزن ~~ما قبله- والوغد) لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها ~~عشرة أجزاء (كما قاله أبو عمر) أو ثمانية وعشرين جزءا (كما قاله الأصمعي) ~~وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي (المنيح والسفيح والوغد) فلا أنصباء لها. ~~وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم: PageV02P110 # لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح # وأساميهن: وغد ... وسفيح ومنيح # فللفذ سهم- أي: فرض واحد- وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة ~~وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة (وهي خريطة) ~~ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج. باسم رجل رجل، قدحا ~~منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ~~ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا ~~يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من ~~لم يدخل فيه ويسمونه البرم (بفتحتين) كذا في (الكشاف) بزيادة. # وفي (القاموس وشرحه) : (الميسر) اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا ~~يتقامرون عليها. كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه ~~وقسموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ~~ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ~~ميسرا لأنه يجزأ أجزاء. وكل شيء جزأته فقد يسرته ويسرت الناقة جزأت لحمها، ~~ويسر القوم الجزور أي: اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سحيم بن وثيل ~~اليربوعي: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ... ألم تعلموا أني ابن فارس ms0612 زهدم # كان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. وقوله (ييسرونني) هو من الميسر، ~~أي: يجزونني ويقتسمونني. وقال لبيد: # واعفف عن الجارات وامنحهن ميسرك السمينا! فجعل الجزور نفسه ميسرا. ونقل ~~الصاغاني، أن الميسر النرد. وقال مجاهد: # كل شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز. # قل فيهما إثم كبير أي: عظيم- وقرئ بالمثلثة- وذلك لما فيهما من المساوي ~~المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير ~~ومنافع للناس دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا ~~كد في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكبر، وتأخير ذكر منافعه مع ~~تخصيصها بالناس، من الدلالة على غلبة الأول- ما لا يخفى على ما نطق به قوله ~~تعالى: وإثمهما أكبر من نفعهما أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من # PageV02P111 # الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها ~~بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ~~ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة ولهذا، قال عمر لما ~~قرئت عليه: # اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة ~~المائدة: # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~[المائدة: ### | 90- 91 # ] . ### | تنبيه: # ألف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرات المسكرات. # ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من ~~جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في ~~الأجساد والعقول والأوراح، وما ينشأ عنها من الخسران المالي. ومما قرره ~~خمسون طبيبا منهم هذه الجمل: ### | 1- # إن المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده. ### | 2- # إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال. ### | 3- # إنها توقف النمو العقلي والجسدي في الأولاد. ### | 4- # إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجر إلى الفقر ~~والشقاء 5- هي من المسكنات كالبنج والإيثر. ms0613 ### | 6- # إنها تعد للأمراض المعدية. ### | 7- # إنها تعد بنوع خاص للتدرن والسل. ### | 8- # إنها تضر في ذات الرئة والحمى التيفودية أكثر مما تنفع. ### | 9- # إنها تقرب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت. وتطيل مدة ~~الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة. ### | 10- # إنها تعد لضربة الشمس والرعن في أيام الحر. ### | 11- # إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد. ### | 12- # إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية. # PageV02P112 ### | 13- # إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرحة. ### | 14- # إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. ### | 15- # إن المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب ~~شقائهم وفقرهم وذهاب صحتهم. ### | 16- # إن الامتناع عنها مما يفضي إلى صحة وسعادة الجنس البشري. # ويسئلونك ماذا ينفقون أي: يتصدقون به من أموالهم قل العفو وهو ما يفضل عن ~~النفقة، أي: الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه. # وفي (الصحيحين) «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الصدقة ما كان ~~عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول. # وأخرج مسلم «2» عن جابر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابدأ بنفسك ~~فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن ~~فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. # وروى أبو داود «3» والنسائي «4» عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك. قال عندي آخر، قال: ~~أنفقه على ولدك. # قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ~~خادمك. # قال: عندي آخر، قال أنت أعلم. # كذلك- أي: كما بين لكم ما ذكر- يبين الله لكم الآيات أي: الأمر والنهي ~~وهوان الدنيا لعلكم تتفكرون. PageV02P113 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 220] # في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) # في الدنيا أنها فانية- والآخرة- أنها باقية، وفي أمورهما لتصلحوها ولا ~~تتحملوا مفسداتهما، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية. # ويسئلونك عن اليتامى أخرج أبو داود «1» والنسائي ms0614 «2» والحاكم وغيرهم، عن ~~ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن # [الأنعام: 152] . وقوله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم ~~فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه، ~~فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # فأنزل الله تعالى ويسئلونك عن اليتامى ... الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم ~~وشرابهم بشرابهم. وقوله تعالى: قل إصلاح لهم خير أي: مداخلتهم على وجه ~~الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. وإنما أقيم غاية المداخلة- أعني ~~الإصلاح- مقامها، تنبيها على أن المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ~~ظاهرا. كأنها عين الإصلاح وإن تخالطوهم تعاشروهم ولم تجانبوهم فإخوانكم فهم ~~إخوانكم في الدين- الذي هو أقوى من العلاقة النسبية. ومن حقوق الإخوة: ~~المخالطة بالإصلاح والنفع. # قال الأصبهاني: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم أوسع. # وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار. يخرجون النفقات بالسوية، ~~ويتباينون في قلة المطعم وكثرته. # والله يعلم المفسد لأموالهم من المصلح لها، فيجازيه على حسب مداخلته، ~~فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح ولو شاء الله لأعنتكم لحملكم على ~~PageV02P114 # العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك ~~شيء. إن الله عزيز أي: غالب على ما أراد حكيم أي: فاعل لأفعاله حسبما ~~تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة. # هذا، وقد حمل القاضي قوله تعالى قل إصلاح لهم خير على جهات المصالح ~~والخيرات العائدة إلى الولي واليتيم. قال رحمه الله: هذا الكلام يجمع النظر ~~في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما لكي ينشأ على علم وأدب ~~وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة. ويدخل فيه ~~أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة. ويدخل أيضا معنى قوله ~~تعالى: # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب [النساء: 2] . ومعنى ~~قوله خير يتناول ms0615 حال المتكفل. أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق ~~اليتيم. ويتناول حال اليتيم أيضا. أي: هذا العمل خير لليتيم من حيث إنه ~~يتضمن صلاح نفسه وصلاح ماله. فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي. # وروى البخاري «1» عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وأشار بالسبابة والوسطى ~~وفرج بينهما. وروى نحوه مسلم أيضا في (صحيحه) «2» . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن أي: لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمن بالله ~~تعالى. # قال ابن كثير: هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا ~~المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنه يدخل فيها كل ~~مشركة PageV02P115 # من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ~~[المائدة: 5] . # وقد بسط العلامة الرازي هاهنا الكلام على أن لفظ (المشرك) هل يتناول ~~الكفار من أهل الكتاب؟ فانظره. # والتحقيق: أن المشرك لا يتناول الكتابي، لأن آيات القرآن صريحة في ~~التفرقة بينهما. وعطف أحدهما على الآخر في مثل: إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين [البينة: 6] . وسر ذلك، أن المشرك هو من يتدين بالشرك. ~~أي: # يكون أصل دينه الإشراك والكتابي- وإن طرأ في دينه الشرك- فلم يكن من أصله ~~وجوهره. # وقوله تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة تعليل للنهي عن مواصلتهن، وترغيب ~~في مواصلة المؤمنات أي: ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر ~~خير من مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن. فإن نقصان الرقية فيها ~~مجبور بالإيمان الذي هو أجل كمالات الإنسان ولو أعجبتكم ms0616 أي: المشركة بحسنها ~~ونسبها وغيرهما. فإن نقصان الكفر لا يجبر بها ولا تنكحوا المشركين بضم ~~التاء- من الإنكاح وهو التزويج أي: لا تزوجوا الكفار- بأي كفر كان- من ~~المسلمات حتى يؤمنوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر ولعبد مؤمن مع ما به من ذل ~~الرقية خير من مشرك ولو أعجبكم بداعي الرغبة فيه الدنيوية، فإن ذهاب ~~الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها. وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين ~~من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما، إعلاما بأن خيريتهما ~~أمر مقطوع به، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه ~~الإيمان، ومن يعدونه شريفا فحقره الكفران. ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في ~~الموضعين ليدل على أنه- وإن كان دنيا- موضع التفضيل لعلو وصفه. وأثبت الوصف ~~بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف ~~موصوفه- أفاده البقاعي. # ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى: أولئك أي: المذكورون من المشركات ~~والمشركين يدعون من يقارنهم ويعاشرهم إلى النار أي: إلى ما يؤدي إليها من ~~الكفر والفسوق فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب ~~الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا..! والله ~~يدعوا # PageV02P116 # أي: بما يأمر به على ألسنة رسله إلى الجنة والمغفرة أي: العمل المؤدي ~~إليهما. # وتقديم الجنة هنا على المغفرة مع سبقها عليها، لرعاية مقابلة النار ~~ابتداء بإذنه بأمره ويبين آياته أمره ونهيه في التزويج للناس لعلهم يتذكرون ~~لكي يتعظوا وينتهوا عن تزويج الحرام، ويوالوا أولياء الله- وهم المؤمنون- ~~بالمعاشرة والمصاهرة فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران. # هذا وقد قيل: معنى والله يدعوا وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون. على ~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل ~~فعلهم فعل نفسه صورة. وملحظة رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون ~~إلى النار، وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا إن فيه فوات رعاية ~~تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: ويبين ~~لله تعالى، فيلزم التفكيك: ### | تنبيه: # قال الراغب: حقيقة التذكر، الاستدراك ms0617 عن نسيان أو غفلة لما اشتبه القلب. # قال: إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟ قيل: إن الله عز وجل ركب فينا ~~بالفطرة معرفته ومعرفة آلائه. والإنسان- باستفادة العلم- يتذكر ما ذكر فيه، ~~فهذا معنى التذكر، ثم قال: وقد قيل: الرجاء من الله واجب. بمعنى أنه إذا ~~رجانا حقق رجانا. قال: وهذه مسألة لا يمكن تصورها إن لم نبلغها بتعاطي هذه ~~الأفعال التي شرطها الله تعالى. فلذلك صعب إدراكها لنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 222] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) # ويسئلونك عن المحيض، وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت ~~مخصوص. ويسمى الحيض أيضا. أي: هل يسبب ويقتضي مجانبة مس من رأته؟ قل هو ~~أذى، أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه. نفرة منه وكراهة له. فاعتزلوا ~~النساء في المحيض، أي: فاجتنبوا مجامعتهن في زمنه. # قال الراغب: في قوله تعالى: هو أذى، تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه، # PageV02P117 # كأن قيل: الحيض أذى وكل أذى متحاشى منه. ولما كان الإنسان قد يتحمل الأذى ~~ولا يراه محرما، صرح بتحريمه بقوله فاعتزلوا النساء. # روى الإمام أحمد ومسلم «1» عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن اليهود كانوا ~~إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ~~يسئلونك عن المحيض قل هو أذى ... ، إلى آخر الآية. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: # ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن ~~حضير وعباد ابن بشر فقالا: يا رسول! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ ~~فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا ~~فاستقبلتهما هدية من ms0618 لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، ~~فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. # ولا تقربوهن حتى يطهرن، تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به ~~عدم قربانهن، لا عدم القرب منهن، وكنى بقربانهن، المنهي عنه، عن مباضعتهن. # فدل على جواز التمتع بهن حينئذ فيما دون الفرج. # ففي (الصحيحين) «2» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجل رأس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا حائض. # وفيهما «3» عنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في ~~حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. # وروى مسلم «4» عنها أيضا قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب. وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم ~~أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في. # وفي (الصحيحين) «5» - واللفظ لمسلم- عن ميمونة قالت: كان رسول الله ~~PageV02P118 # صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض. # وفي لفظ له: كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب. # وقوله: حتى يطهرن بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع: بفتح الطاء ~~والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدل ~~صريحا على أن غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى فإذا ~~تطهرن ... ، إلخ. والقراءة الثانية وإن دلت على أن الغاية هو انقطاع الدم- ~~بناء على ما قيل: إن الطهر انقطاع الدم. والتطهر الاغتسال- إلا أنه لما ضم ~~إليها قوله تعالى: # فإذا تطهرن، صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم ~~فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلمه! فإنه يجب أن يتعلق ~~إباحة كلامه بالأمرين جميعا. وكذلك الآية- لما دلت على وجوب الأمرين- وجب ~~أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد كما ~~بينا. # وقد روى مسلم «1» عن عائشة: إن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~غسل المحيض؟ # فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها ~~فتدلكه دلكا ms0619 شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ~~ممسكة فتطهر بها- والفرصة بالكسر: قطعة من صوف أو قطن أو غيره- تتبع بها ~~أثر الدم. # ثم آذن تعالى أن التطهر شرط في إباحة قربانهن، لا يصح بدونه، بقوله ~~سبحانه فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، أي: فجامعوهن من المكان الذي ~~أمركم الله بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدوه إلى غيره. إن الله يحب ~~التوابين، من الذنوب ويحب المتطهرين أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار. ~~كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة ~~إليها- بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه- وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر ~~التطهر. PageV02P119 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 223] # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، روى الشيخان «1» عن جابر قال: # كانت اليهود تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت كان ولدها ~~أحول. # قال: فأنزلت: نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم. # وعند مسلم عن الزهري: إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في ~~صمام واحد. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير ~~الزهري، لخلوها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. # و (المجبية) كملبية: المنكبة على وجهها، و (الصمام الواحد) : الفرج، ~~وقوله تعالى: حرث لكم، الحرث: إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله والكلام إما ~~بحذف المضاف، أي مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول أي: محروثات. # وإنما شبهن لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث ~~إن كلا منهما مادة لما يحصل منه. ولما عبر تعالى عنهن بالحرث عبر عن ~~مجامعتهن بالإتيان كما تقدم، فقال: فأتوا حرثكم أنى شئتم، أي: فأتوهن كما ~~تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تخطر عليكم جهة ~~دون جهة. والمعنى: جامعوهن من أي جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. ms0620 وفي ~~تخصيص (الحرث) بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه. # قال الزمخشري: وقوله تعالى: هو أذى فاعتزلوا النساء- من حيث أمركم الله- ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم. من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه ~~وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ~~ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. # وقد ورد- في سبب نزول هذه الآية- رواية أخرى أخرجها أبو داود «2» والحاكم ~~PageV02P120 # عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار (وهم أهل وثن) مع هذا الحي من ~~يهود (وهم أهل كتاب) كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون ~~بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف، ~~وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من ~~فعلهم. # وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهن مقبلات ~~ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من ~~الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف. # فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم # ، أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. ### | تنبيه: # ما ذكرناه من الروايات هو المعول عليه عند المحققين. # وثمة روايات أخر تدل على أن هذه الآية إنما أنزلت رخصة في إتيان النساء ~~في أدبارهن. # قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت ~~أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال (يعني وطء المرأة في دبرها) ثم قرأ: ~~نساؤكم حرث لكم، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي نقلها ابن ~~كثير. # وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: قال ابن القاسم: ولم أدرك ~~أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه. والمدنيون يروون فيه الرخصة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد. # أما حديث ابن ms0621 عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عمر، وزيد بن أسلم. وسعيد بن يسار. وغيرهم. # أما نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدا. منها رواية مالك، وأيوب، وعبيد ~~الله ابن عمر العمري، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر ~~بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن ~~أبي فروة. # PageV02P121 # قال الدارقطني، في أحاديث مالك التي رواها خارج (الموطأ) : حدثنا أبو ~~جعفر الأسواني المالكي بمصر. حدثنا محمد بن أحمد بن حماد. حدثنا أبو الحارث ~~أحمد بن سعيد الفهري. حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله. حدثنا الدراوردي ~~عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك على المصحف ~~يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية نساؤكم حرث لكم ... ، فقال: تدري يا ~~نافع فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال قلت: لا؟ قال، فقال لي: في رجل من الأنصار ~~أصاب امرأته في دبرها. فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم ~~... # الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا. إلا في ~~دبرها: # قال أبو ثابت: وحدثني به الدراوردي عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع ~~مثله. # وفي تفسير البقرة من صحيح البخاري: حدثنا إسحاق. حدثنا النضر. حدثنا ابن ~~عون عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت ~~عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال: تدري فيم أنزلت؟ ~~فقلت: # لا! قال: نزلت في كذا وكذا. ثم مضى. # وعن عبد الصمد: حدثني أبي- يعني عبد الوارث- حدثني أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر في قوله تعالى نساؤكم حرث لكم، قال: يأتيها في ... قال: ورواه محمد بن ~~يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، هكذا ~~وقع عنده. # والرواية الأولى- في تفسير إسحاق بن راهويه-. مثل ما ساق، لكن عين الآية ~~وهي نساؤكم ms0622 حرث لكم، وعين قوله كذا وكذا. فقال: نزلت في إتيان النساء في ~~أدبارهن. وكذا رواه الطبري من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد ~~الصمد فهي في تفسير إسحاق أيضا عنه، وقال فيه: يأتيها في الدبر. # وأما رواية محمد: فأخرجها الطبراني في (الأوسط) عن علي بن سعيد، عن أبي ~~بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما أنزلت نساؤكم حرث لكم رخصة ~~في إتيان الدبر. وأخرجه الحاكم في (تاريخه) من طريق عيسى بن مثرود عن عبد ~~الرحمن بن القاسم. ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. # ورواه الدارقطني في (غرائب مالك) من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحارث ~~المدني عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في (الرواة) عن مالك من طريق أحمد بن ~~الحكم العبدي. ورواه أبو إسحاق الثعلبي في (تفسيره) والدارقطني- أيضا- من # PageV02P122 # طريق إسحاق بن محمد الفروي. ورواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من طريق ~~محمد بن صدقة الفدكي، كلهم عن مالك. قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك. # وأما زيد بن أسلم: فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن ~~سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله عز وجل ~~نساؤكم حرث لكم ... الآية. # وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر: فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان ~~عنه: أن ابن عمر كان لا يرى به بأسا. موقوف. # وأما سعيد بن يسار: فروى النسائي والطحاوي والطبري من طريق عبد الرحمن ~~ابن القاسم قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن ~~يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن ~~(والتحميض: الإتيان في الدبر) فقال: أف! أو يفعل هذا مسلم؟ قال ابن القاسم: # فقال لي مالك: أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر ~~عنه فقال: ms0623 لا بأس به. # وأما حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في (تفسيره) والطبري ~~والطحاوي من طرق: عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ~~عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس ~~ذلك عليه وقالوا: أثفرها! فأنزل الله عز وجل نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم. ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن ~~سعد، ولفظه: كنا نأتي النساء في أدبارهن ويسمى ذلك الإثفار، فأنزل الله ~~الآية. # ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام- ولم يسم أبا سعيد- قال: كان رجال من ~~الأنصار ... # هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) ~~، وابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي. وكلها معلولة. # ولذا قال البزار: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في ~~الإطلاق وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح. # وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله ~~قبلهما البخاري. # PageV02P123 # وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنه حلال. # وروى أحمد بن أسامة التجيبي من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه، ~~فقال: ما أعلم فيه تحريما. # وقال ابن رشد في كتاب (البيان والتحصيل في شرح العتبية) روى العتبي عن ~~ابن القاسم عن مالك أنه قال له- وقد سأله عن ذلك مخليا به- فقال: حلال ليس ~~به بأس. # وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال: قال الشافعي كلاما كلم به محمد ~~بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن فقلت ~~له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات- وإن لم تصح- فأنت أعلم، وإن ~~تكلمت بالمناصفة كلمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حرمته؟ # قال: بقول الله عز وجل فأتوهن من حيث أمركم ms0624 الله، وقال: فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم، والحرث لا يكون إلا في الفرج قلت: أفيكون محرما لما سواه؟ قال: نعم. # قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو ~~أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث..؟ قال: لا! قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا! ~~قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: والذين هم لفروجهم ~~حافظون ... الآية. # قال: فقلت له: إن هذا مما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه ~~من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. ~~قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول بذلك في القديم. فأما في الجديد، ~~فالمشهور أنه حرمه. فقد روى الأصم عن الربيع قال: قال الشافعي نص على ~~تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال: قال ~~الشافعي قال الله: # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، احتملت الآية معنيين: أحدهما أن ~~تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها. لأن أنى شئتم، يأتي بمعنى أين شئتم. # ثانيهما أن (الحرث) إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف ~~أصحابنا في ذلك. فأحسب كلا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. ~~قال: فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين: أحدهما ثابت وهو ~~حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به. # وعليه، فيكون الشافعي رجع عن القديم. # وحديث خزيمة رواه الشافعي # PageV02P124 # وأحمد والنسائي وابن ماجة «1» وابن حبان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ~~ثابت: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن ~~فقال: حلال. # فلما ولى الرجل دعاه- أو أمر به فدعي- فقال: كيف قلت؟ في أي الخرزتين؟ ~~أمن دبرها في قبلها؟ # فنعم! أم من دبرها في دبرها فلا؟ إن الله لا يستحيي من الحق. لا تأتوا ~~النساء في أدبارهن. # قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) : وفي إسناده عمرو بن أحيحة. # وهو مجهول الحال. واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ثم قال الحافظ: وقد ms0625 ~~قال الشافعي: غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة- يعني حيث رواه. وتقدم قول ~~البزار: وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت، من طريق فيه، فغير صحيح. # وقال الرازي في (تفسيره) : ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية: أن ~~الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في ~~قبلها. # فقوله: أنى شئتم، محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: # المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن. وهذا قول مالك. واختيار ~~السيد المرتضى من الشيعة. والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله ~~عنه. # وبالجملة: فهذا المقام من معارك الرجال، ومجاول الأبطال. وقد استفيد مما ~~أسلفناه: أن من جوز ذلك وقف مع لفظ الآية. فإنه تعالى جعل الحرث اسما ~~للمرأة. # قال بعض المفسرين: إن العرب تسمي النساء حرثا قال الشاعر: # إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همه أكل الجراد # يريد: امرأتي، وقال آخر: # إنما الأرحام أرض ... ولنا محترثات # فقلبنا الزرع فيها، ... وعلى الله النبات..! # وحينئذ، ففي قوله: فأتوا حرثكم أنى شئتم، إطلاق في إتيانهن على جميع ~~الوجوه. فيدخل فيه محل النزاع. واعتمد أيضا من سبب النزول ما رواه البخاري ~~عن ابن عمر كما تقدم. وقال في رواية جابر المروية في (الصحيح) المتقدمة: إن ~~ورود العام على PageV02P125 # سبب لا يقصره عليه. وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر، رضي الله عنهم، ~~المروى في (سنن أبي داود) بأن سنده ليس على شرط البخاري فلا يعارضه. فيقدم ~~الأصح سندا. ونظر إلى أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ~~حديث. # قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : ذهب جماعة من أئمة الحديث- ~~كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري- إلى أنه لا يثبت ~~فيه شيء. # وأما من منع ذلك: فتأول الآيات المتقدمة على صمام واحد. ونظر إلى أن ~~الأحاديث المروية- من طرق متعددة- بالزجر عن تعاطيه وإن لم تكن على شرط ~~الشيخين في الصحة، إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج به. # وقد ms0626 استقصى الأحاديث الواردة في ذلك، الحافظ الذهبي في جزء جمعه في ذلك. ~~وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) وكذا الإمام ابن القيم في (زاد ~~المعاد) وقد هول- عليه الرحمة- في شأنه تهويلا عظيما. فقال في كتابه ~~المذكور، في الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع، ما نصه: # وأما الدبر، فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء. ومن نسب إلى بعض السلف ~~إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه. ثم ساق أخبار النهي عنه- وقال ~~بعد: وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه إنما ~~أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد، لا في الحش الذي هو موضع الأذى. ~~وموضع الحرث هو المراد من قوله من حيث أمركم الله ... الآية- فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أنى ~~شئتم أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف: قال ابن عباس: فأتوا حرثكم، يعني ~~الفرج وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش ~~الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة ~~القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. # وأيضا، فللمرأة حق على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا ~~يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم ~~يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة ~~الله وشرعه جميعا. وأيضا فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء ~~من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن، وراحة الرجل ~~منه، والوطء # PageV02P126 # في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته ~~للأمر الطبيعي ... وأيضا يضر من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا ~~لمخالفته للطبيعة. وأيضا فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ~~ويلابسه. وأيضا فإنه يضر بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر ~~لها غاية المنافرة. ms0627 وأيضا فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل ~~والمفعول. وأيضا فإنه يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو ~~الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء، يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا فإنه يوجب ~~النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بد. وأيضا فإنه ~~يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح. إلا أن يشاء الله ~~بالتوبة النصوح. وأيضا فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدهما. كما يذهب ~~بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. # وأيضا فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة ~~والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه فأي خير يرجوه بعد هذا؟ ~~وأي شر يأمنه؟ # وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنه الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر ~~إليه؟. # أقول: أخذ هذا ابن القيم من أحاديث وردت في لعن فاعل ذلك، وعدم نظر الحق ~~إليه بيد أنها ضعيفة «1» . # ثم قال ابن القيم: وأيضا فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة ~~القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم ~~فساده. # وأيضا فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع ~~لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس ~~القلب PageV02P127 # والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات ويفسد ~~حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما ~~لا يورثه سواه. وأيضا فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه ~~غيره. وأيضا فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له، ~~واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس. فصلوات الله وسلامه على ~~من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به. وهلاك الدنيا والآخرة ~~في مخالفة هديه وما جاء به. # ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة، نبه على أن لا يكون ~~المرء في قيدها بل في قيد الطاعة، فقال تعالى: وقدموا لأنفسكم، أي: ما يجب ~~تقديمه من الأعمال الصالحة ms0628 لتنالوا به الجنة والكرامة، كقوله: وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى واتقوا الله فلا تجترئوا على المعاصي واعلموا أنكم ملاقوه ~~صائرون إليه فاستعدوا للقائه وبشر المؤمنين بالثواب. وإنما حذف لكونه ~~كالمعلوم، فصار كقوله: وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: ~~47] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 224] # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم، (العرضة) بضم العين فعلة بمعنى مفعول- كالقبضة والغرفة- وهي اسم ~~ما تعرضه دون الشيء. من عرض العود على الإناء. فيعترض دونه ويصير حاجزا ~~ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير. وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات- ~~من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد- ثم يقول: أخاف الله أن ~~أحنث في يميني. فيترك البر إرادة البر في يمينه. فقيل لهم: ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم، أي: حاجزا لما حلفتم عليه. وسمي المحلف عليه يمينا لتلبسه ~~باليمين. كحديث: من حلف على يمين. الآتي ذكره. أي: على شيء مما يحلف عليه. ~~وقوله: أن تبروا وتتقوا، عطف بيان لأيمانكم، أي: للأمور المحلوف عليها التي ~~هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس- أفاده الزمخشري. # وعلى هذا التأويل: الآية. كقوله تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة # PageV02P128 # أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم # [النور: 22] . والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف. ورواه ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع ~~الخير ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. # وقد ثبت في (الصحيحين) «1» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين ~~فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» . # وروى مسلم «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~حلف ms0629 على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» . # وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسرين. وهو النهي عن الجراءة على الله ~~تعالى بكثرة الحلف به. وذلك لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد ~~جعله عرضة له. يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. وقال الشاعر: # ولا تجعليني عرضة للوائم وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: ولا تطع ~~كل حلاف مهين [القلم: 10] . وقال تعالى: واحفظوا أيمانكم [المائدة: 89] . ~~والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت # والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان: أن من حلف في كل قليل وكثير بالله، ~~انطلق لسانه بذلك. ولا يبقى لليمين في قلبه وقع. فلا يؤمن إقدامه على ~~اليمين الكاذبة. فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين. وأيضا، كلما كان ~~الإنسان أكثر PageV02P129 # تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية. ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر ~~الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. ~~وأما قوله تعالى بعد ذلك أن تبروا وتتقوا، فهو علة للنهي. أي: إرادة أن ~~تبروا وتتقوا وتصلحوا. لأن الحلاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون ~~برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم، ~~والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 225] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر ~~منكم من الأيمان اللاغية- إذ لم تقصدوا هتك حرمته- وهي التي لا يقصدها ~~الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها. كما ينبئ عن ~~ذلك قوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، وهو المعني بقوله عز وجل ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، ~~النية. يعني: ربط القلب به لفوات تعظيم أمره، ولهتك حرمته ms0630 بنقض اليمين ~~المقصودة. # روي عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى ~~والله! أخرجه البخاري ومالك وأبو داود «1» ، وهذا لفظ البخاري. # وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة ~~والتابعين. ولفظ رواية ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إنما اللغو في المزاحة ~~والهزل وهو قول الرجل: لا والله! وبلى والله! فذاك لا كفارة فيه، إنما ~~الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله. # ويروى في تفسير لغو اليمين: هو أن يحلف على الشيء يظنه، ثم يظهر ~~PageV02P130 # خلافه. ويروى: أن يحلف وهو غضبان: ويروى غير ذلك، كما ساقها ابن كثير، ~~مسندة. # وقد ظهر- للفقير- أن لا تنافي بين هذه الروايات. لأن كل ما لا عقد للقلب ~~معه من الأيمان فهو لغو بأي صورة كانت وحالة وقعت. فكل ما روي في تفسير ~~الآية فهو مما يشمله اللغو. والله أعلم. # والمراد من المؤاخذة: إيجاب الكفارة. كما بين ذلك في آية المائدة: ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته. والله غفور، يعني: لعباده فيما لغو من ~~أيمانهم فلم يؤاخذهم به حليم، يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة ~~تربصا بالتوبة. والجملة تذييل للحكمين السابقين. فائدته الامتنان على ~~المؤمنين، وشمول مغفرته وإحسانه لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو ~~لغة، الامتناع باليمين. وخص في عرف الشرع: بالامتناع باليمين من وطء ~~الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة (من) تضمينا له معنى: يمتنعون من نسائهم. وهو ~~أحسن من إقامة (من) مقام (على) . وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر ~~يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإما أن يفيء وأما أن يطلق. # وقد اشتهر عن علي وابن عباس ms0631 رضي الله عنهم أن الإيلاء إنما يكون في حال ~~الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم «1» مع نسائه. ~~وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل ~~آخر. فاحتج على محمد بقول علي كرم الله وجهه، فاحتج عليه محمد بالآية فسكت. ~~وقد اتفق الأئمة PageV02P131 # على أن المولى إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها ~~هنا لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التكفير ثابت ~~على حالف. # قال العلامة صديق خان في (تفسيره) : اعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه ~~الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر، ~~ومعناها ظاهر واضح وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي (أي: يحلف من امرأته) ~~أربعة أشهر ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدة فإن فاؤ، ~~أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فإن الله غفور رحيم، أي: لا ~~يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم وإن عزموا الطلاق، أي: وقع العزم ~~منهم عليه والقصد له فإن الله سميع، لذلك منهم عليم، به. فهذا معنى الآية ~~الذي لا شك فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته- ولم يقيد بمدة، أو قيد ~~بزيادة على أربعة أشهر- كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو ~~بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت ~~زوجته قبلها. أو طلقها، وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأما إذا وقت ~~بدون أربعة أشهر: فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى ~~تنقضي المدة. كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آلى من نسائه شهرا. ~~فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة ~~التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح # عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «من حلف على يمين فرأى غيره خيرا ms0632 منه ~~فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» . # قال الحرالي: وفي قوله تعالى: فإن الله سميع عليم، تهديد بما يقع في ~~الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها ~~الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما ~~بطن وظهر. # ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أن العدد ~~والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في عدتها ~~بآية تربص الزوج في إيلائه. # قال الإمام ابن كثير: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم- في مناسبة تأجيل المولي ~~بأربعة أشهر- الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن ~~الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول: # تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني إلا خليل ألاعبه # فو الله! لولا الله، أني أراقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه..! # PageV02P132 # فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنهما: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ # فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر ~~من ذلك. وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس- وكان قد أدرك ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ~~ليلة يطوف بالمدينة- وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة ~~بابها تقول: # تطاول هذا الليل وازور جانبه ... وأرقني إلا ضجيع ألاعبه # ألاعبه طورا وطورا كأنما ... بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه # يسر به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه # فو الله! لولا الله، لا شيء غيره، ... لنقض من هذا السرير جوانبه # ولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا، لا يفتر، الدهر، كاتبه # مخافة ربي، والحياء يصدني، ... وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه.! # ثم ذكر بقية ذلك- كما تقدم أو نحوه- وقد روي هذا من طرق، وهو من ~~المشهورات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 228] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ms0633 واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم ~~تتزوج إن شاءت. وأريد بالمطلقات: المدخول بهن من ذوات الأقراء، لما دلت ~~الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. أما غير المدخولة فلا عدة عليها ~~لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة [الأحزاب: 49] وأما التي لم تحض فعدتها ~~ثلاثة أشهر لقوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] ، وأما الحامل فعدتها وضع ~~الحمل لقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] . # PageV02P133 # فهذه الآية من العام المخصوص. # قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟ قلت: هو خبر في ~~معنى الأمر، وأصل الكلام (وليتربص المطلقات) ، وإخراج الأمر في صورة الخبر ~~تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله. فكأنهن ~~امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء: (رحمك ~~الله) أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر ~~عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل (ويتربص ~~المطلقات) لم يكن بتلك الوكادة.. فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء كما ~~قيل تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن ~~على التربص وزيادة بعث. # لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء ~~طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على ~~التربص. # و (القرء) : من الأضداد. يطلق على الحيض والطهر. نص عليه من أئمة اللغة: # أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم. والبحث في ترجيح أحدهما طويل ~~الذيل، استوفاه الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) فانظره. ولمن نظر ms0634 إلى ~~موضوعه اللغوي أن يقول: تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض. فأيهما ~~اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به. والله أعلم. ولا يحل لهن، - أي: # المطلقات- أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، من الحيض أو الولد، استعجالا ~~في العدة أو إبطالا لحق الزوج في الرجعة إن كن يؤمن بالله، أي: إن جرين على ~~مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته واليوم الآخر، المخوف من جزائه. ودل هذا ~~على أن المرجع في هذا إليهن. لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن. ويتعذر إقامة ~~البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق. وهذه ~~الآية دالة على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد ~~وبعولتهن- أي: أزواجهن- أحق بردهن، أي: برجعتهن، والكلام في الرجعية بدليل ~~الآية التي بعدها في ذلك، أي: في زمان التربص. وهي أيام الأقراء. أما أذا ~~انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها ولا تحل له إلا بنكاح مستأنف بولي وشهود ~~ومهر جديد. # ولا خلاف في ذلك إن أرادوا، أي: بالرجعة إصلاحا، لما بينهم وبينهن، ~~وإحسانا إليهن، ولم يريدوا مضارتهن. وإلا فالرجعة محرمة لقوله تعالى: ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا [البقرة: 231] ، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، # PageV02P134 # أي: ولهن على الرجال مثل ما للرجال عليهن. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ~~ما يجب عليه بالمعروف. كما # ثبت في (صحيح مسلم) «1» : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~في خطبته في حجة الوداع: «فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة ~~الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف» . # وعن معاوية بن حيدة قال: «قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ # قال: أن تطعمها إذا طعمت. وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ~~ولا تهجر إلا في البيت» . رواه أبو داود «2» # وقال: معنى (لا تقبح) : لا تقل قبحك الله. # وعن أبي هريرة «3» : أن رسول الله ms0635 صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل ~~لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه. ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» # . متفق عليه. # وعن ابن عمر «4» : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راع وكلكم ~~مسؤول عن رعيته. # والأمير راع. والرجل راع على أهل بيته. والمرأة راعية على بيت زوجها ~~وولده. # فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» # . متفق عليه. # وعن طلق بن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا الرجل ~~زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» . رواه الترمذي «5» والنسائي. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه «6» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها ~~الملائكة حتى تصبح» # . متفق عليه. PageV02P135 # وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنى لأحب أن أتزين للمرأة ~~كما أحب أن تتزين لي. لأن الله يقول: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. ### | تنبيه: # (المعروف) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، مما قبله العقل، ووافق كرم ~~النفس، وأقره الشرع. وقد قال بعض الفقهاء: لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن ~~وخبز وطبخ ونحوه، لأن المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيرها من ~~منافعها..! # ولكن مفاد الآية يرد هذا ويدل على وجوب المعروف من مثلها لمثله وبه أفتى ~~الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية. وإليه ذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو ~~إسحاق الجوز جاني واحتجا بما # روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت وعلى ~~ما كان خارجا من البيت من عمل. رواه الجوزجاني من طرق. # واستدل بالآية أيضا على وجوب إخدامها، إذا كان مثلها لا يخدم نفسها. # وللرجال عليهن درجة، أي: زيادة في الحق وفضيلة. كما قال تعالى: # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم [النساء: 34] . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت ~~آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة ms0636 أن تسجد لزوجها» . رواه الترمذي «1» # وقال: حديث حسن صحيح. والله عزيز حكيم، أي: غالب في انتقامه ممن عصاه، ~~حكيم في أمره وشرعه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، الطلاق بمعنى التطليق ~~كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ بتقدير مضاف، خبره ما بعده. أي: عدد ~~الطلاق PageV02P136 # الذي يستحق الزوج فيه الرد والرجعة مرتان أي: اثنتان، وإيثار ما ورد به ~~النظم الكريم عليه للإيذان بأن حقهما أن يقعا مرة بعد مرة لا دفعة واحدة، ~~وإن كان حكم الرد ثابتا حينئذ أيضا. # قال ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام: من ~~أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما ~~كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله تعالى على ثلاث طلقات: وأباح ~~الرجعة في المرة وثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: الطلاق مرتان ~~... الآية. # قال الإمام أبو داود في (سننه) «1» : باب نسخ المراجعة بعد الطلقات ~~الثلاث. # ثم أسند عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو ~~أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا. فنسخ ذلك، فقال: الطلاق مرتان.. الآية. ورواه ~~النسائي وغيره. # وروى الترمذي «2» عن عائشة قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن ~~يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر ~~حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك تبينين مني ولا أوويك أبدا..! قالت: ~~وكيف ذاك؟ قال: أطلقك. فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى ~~دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته، فسكت النبي صلى ms0637 الله عليه وسلم حتى نزل القرآن الطلاق مرتان.. ~~الآية # . قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا. من كان طلق ومن لم يكن طلق. ~~ثم أسنده عن عروة ولم يذكر عائشة، وقال: هو أصح!. # وقوله تعالى: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، أي فالحكم بعد تطليق الرجل ~~امرأته تطليقتين: أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها بإحسان فلا ~~يظلمها من حقها شيئا، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء، ولا ينفر الناس عنها. # قال الرازي: الحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه ~~لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر. فلو جعل ~~الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن ~~تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة ~~الواحدة، فلا جرم PageV02P137 # أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان ~~نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها ~~راجعها وأمسكها بالمعروف. وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن ~~الوجوه. # وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. # ولا يحل لكم، - أي: أيها المطلقون- أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا- من ~~المهر وغيره- إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله أي: فيما يلزمها من حقوق ~~الزوجية- فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، أي: # نفسها عن ضرره أي: لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في ~~إعطائه. # وهذه الآية أصل في الخلع. # وقد ذكر ابن جرير: أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وكانت زوجته لا ~~تطيقه بغضا. # ففي (صحيح البخاري) «1» عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! ما أعيب عليه في خلق ولا ~~دين. ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم! قال رسول الله صلى الله ms0638 عليه وسلم: اقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة» # . وقد بسط طرق هذ الحديث مع أحكام الخلع الإمام ابن كثير في (تفسيره) ، ~~وكذا شمس الدين ابن القيم في (زاد المعاد) فلتنظر ثمه. # تلك- أي: الأحكام العظيمة المتقدمة للطلاق والرجعة والخلع وغيرها ... - ~~حدود الله- شرائعه- فلا تعتدوها- بالمخالفة والرفض- ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون، أي: لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب ~~النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 230] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) # فإن طلقها- أي: بعد التطليقتين- فلا تحل له- برجعة ولا بنكاح جديد- من ~~بعد- أي: من بعد هذا الطلاق- حتى تنكح زوجا غيره أي: PageV02P138 # حتى تذوق وطء زوج آخر، وهي العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم في نكاح صحيح. # وفي جعل هذا غاية للحل، زجر لمن له غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثا، ~~لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر. ### | فروع مهمة تتعلق بهذه الآية # الأول: قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني. # ثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة رضي الله عنها: «أن امرأة رفاعة القرظي ~~جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: # يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي. وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن ~~الزبير القرظي وإن ما معه مثل الهدبة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . # وفي (سنن النسائي) «2» : عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «العسيلة الجماع ولو لم ينزل» . # وفيها «3» عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ~~يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل ~~أن يدخل بها؟ قال: ms0639 لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر» # . فتضمن هذا الحكم أمورا: # أحدها: أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل: أنه لا يقدر على جماعها. # الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافا لمن اكتفى بمجرد ~~العقد فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها. # الثالث: أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. # الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود- الذي هو ~~نكاح رغبة- كافيا، ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى ~~يتصل به الوطء..! PageV02P139 # وهذ يدل على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه ~~سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى. فإنه إذا كان عقد الرغبة ~~المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقد تيس مستعار ~~ليحلها، لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار الفرس المستعار ~~للضراب؟. # وقال- عليه الرحمة- قبل ذلك: وأما نكاح المحلل، # ففي (الترمذي) «1» و (المسند) «2» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~مرفوعا: «لعن الله المحلل والمحلل له» # ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وفي (المسند) «3» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لعن الله ~~المحلل المحلل له» ، وإسناده حسن. وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله. # وفي (سنن ابن ماجة) «4» من حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا ~~رسول الله! قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» # . فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم، وقد شهدوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له. ~~وهذا: إما خبر عن الله فهو خبر صدق. وإما دعاء مستجاب قطعا. وهذا يفيد أنه ~~من الكبائر الملعون فاعلها. ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم ~~بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد. فإن القصود في العقود عندهم ~~معتبرة. والأعمال بالنيات. # والشرط المتواطأ عليه ms0640 الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم. والألفاظ ~~لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا ~~عبرة بالألفاظ لأنها وسائل قد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها. # وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك: منها ما قدمناه، ومنها ما ~~رواه الحاكم في (مستدركه) : عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر. فسأله عن ~~رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له. من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل ~~تحل للأول؟ فقال لا. إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ثم قال: هذا PageV02P140 # حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: ~~لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وروى البيهقي: أن عثمان بن عفان ~~رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها. ففرق بينهما. وكذا روي عن علي وابن ~~عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. # وبالجملة: فالتحليل غير جائز في الشرع. ولو كان جائزا لم يلعن فاعله ~~والراضي به. وإذا كان لعن الفاعل لا يدل على تحريم فعله لم تبق صيغة تدل ~~على التحريم قط وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة فليس هو ~~النكاح الذي ذكره الله تعالى في قوله: حتى تنكح زوجا غيره. كما أنه لو قال: ~~(لعن الله بائع الخمر) لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع ~~الذي أذن فيه بقوله: وأحل الله البيع والأمر ظاهر. ### | ### | فصل # # قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : # إلزام الحالف بالطلاق والعتاق، إذا حنث، بطلاق زوجته وعتق عبده- مما حدث ~~الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة- فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام ~~الطلاق به أبدا. وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء- الذي قصد ~~به الطلاق عند وجود الشرط- كما في (صحيح البخاري) «1» عن نافع قال: طلق رجل ~~امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج ~~فليس بشيء. فهذا لا ms0641 ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط ~~مطلقا. # وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع، فإنه يقول ~~بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب. فإنه صح عنهم الإفتاء ~~بالوقوع في صور. # وصح عنهم عدم الوقوع في صور. والصواب: ما أفتوا به في النوعين. ولا يؤخذ ~~ببعض فتاويهم ويترك بعضها. فأما الوقوع: فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ~~ابن عمر، وما رواه الثوري عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا ~~وكذا فهي طالق، ففعلته. قال: هي واحدة وهو أحق بها. على أنه منقطع. وكذلك ~~ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، ~~قال: يتمتع بها إلى سنة. ومن هذا قول أبي ذر لامرأته- وقد ألحت عليه في ~~سؤاله عن ليلة القدر PageV02P141 # فقال: إن عدت سألتيني فأنت طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة ~~في وقوع الطلاق المعلق. وأما الآثار عنهم في خلافه: فصح عن عائشة وابن عباس ~~وحفصة وأم سلمة- رضي الله عنهم- فيمن حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق ~~بين عبدها وبين امرأته أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما. رواه الأثرم ~~في (سننه) والجوز جاني في (المترجم) والدارقطني والبيهقي. # وقاعدة الإمام أحمد: أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه، إذا لم يكن في ~~الباب شيء يدفعه. فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه، يلزمه القول بهذا الأثر ~~لصحته وانتفاء علته. قال أبو محمد بن حزم: وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة- ~~أمي المؤمنين- أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء (كل مملوك لها حر وكل ~~مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك) كفارة يمين واحدة. ~~وإذا صح هذا عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف في قول الحالف: عبده حر إن فعل، ~~أنه يجزيه كفارة يمين ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يلزموه ~~بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: ms0642 الحالف بالطلاق، أنه لا شيء عليه. ولم يعرف له في الصحابة ~~مخالف؟. قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي المعروف بابن ~~بريرة الأندلسي في (شرحه لأحكام عبد الحق) الباب الثالث في حكم اليمين ~~بالطلاق أو الشك منه: وقد قدمنا في (كتاب الأيمان) اختلاف العلماء في ~~اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضي بالطلاق على ~~من حلف به فحنث. ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة- هذا لفظه بعينه- فهذه ~~فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق. # وقد قدمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط- ولا تعارض بين ذلك- فإن ~~الحالف لم يقصد وقوع الطلاق وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد ~~وقوعه..- إلى أن قال: وإذا دخلت اليمين بالطلاق في قول الحالف: أيمان ~~البيعة تلزمني- وهي الأيمان التي رتبها الحجاج- فلم لا تكون أولى بالدخول ~~في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كانت ~~يمين الطلاق يمينا شرعية- بمعنى أن الشرع اعتبرها- وجب أن تعطى حكم ~~الأيمان. وإن لم تكن يمينا شرعيا كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها ~~شيء. كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس ~~الحلف بالطلاق شيئا. وصح عن عكرمة # PageV02P142 # من رواية سنيد بن داود في (تفسيره) عنه: إنها من خطوات الشيطان لا يلزم ~~بها شيء وصح عن شريح- قاضي علي- وابن مسعود: إنها لا يلزم بها الطلاق. وهو ~~مذهب داود بن علي وجميع أصحابه. فهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم. ### | ### | فصل # # وقال الإمام ابن القيم- أيضا- في (أعلام الموقعين) : # إن المطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وزمن أبي بكر، وصدرا من ~~خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة. كما ثبت ذلك ~~في (الصحيح) «2» عن ابن عباس. فروى مسلم في (صحيحه) عن ابن طاوس عن أبيه عن ms0643 ~~ابن عباس: # كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين ~~من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. # وروى الإمام «1» أحمد عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني ~~مطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقها؟ قال: # طلقها ثلاثا، قال: فقال في مجلس واحد؟ قال: نعم! قال: فإنما تلك واحدة ~~فارجعها إن شئت، قال: فرجعها # . فكان ابن عباس يرى: إنما الطلاق عند كل طهر. وقد صحح الإمام أحمد هذا ~~الإسناد وحسنه. ثم إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لم يخف عليه. أن هذا هو ~~السنة، وأنه توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة. وما كان مرة ~~بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع كله جملة واحدة. كاللعان فإنه لو قال: أشهد ~~بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة ~~وقال: أقسم بالله خمسين يمينا إن هذا قاتله، كان يمينا واحدة. ولو قال ~~المقر بالزنا: أنا أقر أربع مرات أني زنيت، كان مرة واحدة. فمن يعتبر ~~الأربع لا يجعل ذلك الإقرار إلا واحدا. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «3» : من قال في يوم (سبحان الله وبحمده) ~~مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. # فلو قال: (سبحان الله PageV02P143 # وبحمده مائة مرة) لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة. وكذلك ~~قوله «1» : من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين ~~وكبره ثلاثا وثلاثين. الحديث، لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، ~~لا يجمع الكل بلفظ واحد. وكذلك # قوله «2» : من قال في يوم (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير) مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ms0644 ذلك حتى ~~يمسي. # لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ ~~فكذلك هو في الأفعال سواء. كقوله تعالى: سنعذبهم مرتين [التوبة: # 101] ، إنما هو مرة بعد مرة. وكذا قول ابن عباس «3» : رأى محمد ربه ~~بفؤاده مرتين إنما هو مرة بعد مرة. وكذا # قول النبي صلى الله عليه وسلم «4» : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. # فهذا هو المعقول من اللغة والعرف. فالأحاديث المذكورة، وهذه النصوص ~~المذكورة، وقوله تعالى: الطلاق مرتان كلها من باب واحد ومشكاة واحدة. ~~والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله تعالى: الطلاق مرتان. فهذا كتاب ~~الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كلهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر ~~عمر رضي الله عنه، على هذا المذهب، فلو عدهم العاد لزادوا على الألف قطعا. ~~ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة- ولله الحمد- ~~على خلافه. بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن، وإلى يومنا هذا. فأفتى ~~به من الصحابة ابن عباس والزبير وابن عوف. وعن علي وابن مسعود روايتان، ومن ~~التابعين عكرمة وطاوس. ومن تابعيهم محمد بن إسحاق وغيره. وممن بعدهم داود ~~إمام أهل الظاهر، وبعض أصحاب مالك، وبعض الحنفية، وأفتى بعض أصحاب أحمد- ~~حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه- قال: وكان الجد يفتي به أحيانا. # والمقصود أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع ~~القديم. ولم يأت بعده إجماع يبطله. ولكن رأى أمير المؤمنين عمر، رضي الله ~~عنه، PageV02P144 # أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من ~~المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم، ليعلموا أن أحدهم، إذا أوقعه جملة، بانت ~~منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح ~~تحليل، فإنه كان من أشد الناس فيه. فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق. فرأى ~~عمر هذا مصلحة لهم في زمانه. ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي صلى ms0645 الله ~~عليه وسلم وعهد الصديق وصدرا من خلافته- كان اللائق بهم. لأنهم لم يتتابعوا ~~فيه. وكانوا يتقون الله في الطلاق. وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا. فلما ~~تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم ~~بما التزموه عقوبة لهم. فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة. ولم ~~يشرعه كله مرة واحدة. فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله، ~~وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله. فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه، ولا يقر ~~على رخصة الله وسعته، وقد ضيعها على نفسه، ولم يتق الله ويطلق كما أمره ~~الله وشرعه له. بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه، رحمة وإحسانا. ~~واختار الأغلظ والأشد. فهذا ما تغيرت به البلوى لتغير الزمان. وعلم ~~الصحابة- رضي الله عنهم- حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ~~ما ألزم به. ثم قال: فلما تغير الزمان، وبعد العهد بالسنة وآثار القوم، ~~وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس، فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل ~~ويقللها ويخفف شرها. وإذا عرض، على من وفقه الله وبصره بالهدى وفقهه في ~~دينه، مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل، ووازن بينهما- تبين له ~~التفاوت، وعلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. # ثم قال عليه الرحمة: ويمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به ~~عمر رضي الله عنه من وجهين: # أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيما وكثير من الفقهاء ~~لا يرى تحريمه، فكيف يعاقب من لم يرتكب محرما عند نفسه؟. # الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليه باب التحليل الذي كان مسدودا على عهد ~~الصحابة رضي الله عنهم. والعقوبة- إذا تضمنت مفسدة أكثر من الفعل المعاقب ~~عليه- كان تركها أحب إلى الله ورسوله. ولا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما ~~كان عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وصدر من ms0646 ~~خلافة عمر # PageV02P145 # أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق. ### | ### | فصل # # وأما طلاق الغضبان ففي (أعلام الموقعين) ما نصه: # إن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به. والله سبحانه رفع المؤاخذة ~~عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل. كما رفعها عمن تلفظ من غير قصد لمعناه ~~ولا إرادة. ولهذا لم يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد، ~~لفرح أو دهش أو غير ذلك. كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد «1» ، وضرب ~~مثل ذلك: من فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم ~~وجدها فقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح. ولم يؤاخذ بذلك. # وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ. ومن هذا قوله تعالى: ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [يونس: 11] ، قال ~~السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، لو استجابه ~~الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه. ولكنه لا يستجيبه لعلمه أن الداعي ~~لم يقصده. ومن هذا رفعه صلى الله عليه وسلم حكم الطلاق عمن طلق في إغلاق. ~~قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية حنبل: هو الغضب. # وبذلك فسره أبو داود. وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق- أحد أئمة ~~المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم- وهي عنده من لغو اليمين أيضا. فأدخل ~~يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق. وحكاه شارح أحكام عبد الحق ~~عنه- وهو ابن بريرة الأندلسي- قال: وهذا قول علي وابن عباس رضي الله عنهم ~~وغيرهما من الصحابة: أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. # وفي «سنن الدارقطني» بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: لا يمين في ~~غضب، ولا عتاق فيما لا يملك. # وهو، إن لم يثبت رفعه، فهو قول ابن عباس. وقد فسر PageV02P146 # الشافعي (لا طلاق في إغلاق) بالغضب. وفسره مسروق به. فهذا مسروق والشافعي ~~وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسروا الإغلاق بالغضب. وهو من أحسن ~~التفسير. لأن الغضبان قد أغلق ms0647 عليه باب القصد لشدة غضبه. وهو كالمكره. بل ~~الغضبان أولى بالإغلاق من المكره. لأن المكره قد قصد رفع الشر الكثير بالشر ~~الذي هو دونه، فهو قاصد حقيقة. ومن هاهنا أوقع عليه الطلاق من أوقعه. وأما ~~الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون. ~~فإن غول العقل يغتاله الخمر بل أشد. وهو شعبة من الجنون، ولا يشك فقيه ~~النفس في أن هذا لا يقع طلاقه. ولهذا قال حبر الأمة- الذي دعا له النبي صلى ~~الله عليه وسلم، بالفقه في الدين: إنما الطلاق من وطر. ذكره البخاري في ~~(صحيحه) «1» أي: عن غرض من المطلق في وقوعه. وهذا من كمال فقهه رضي الله ~~عنه، وإجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، إذ الألفاظ إنما تترتب ~~عليها موجباتها لقصد اللافظ بها. والله لم يؤاخذنا باللغو في أيماننا. ومن ~~اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «2» وجمهور السلف: # إنه قول الحالف: (لا، والله. وبلى، والله.) في عرض كلامه من غير عقد ~~لليمين، كذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق كقول الحالف في عرض ~~كلامه: (علي الطلاق لا أفعل) و (الطلاق يلزمني لا أفعل) من غير قصد لعقد ~~اليمين. بل إذا كان اسم الرب جل جلاله لا ينعقد به يمين اللغو، فيمين ~~الطلاق أولى أن لا ينعقد، ولا تكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد ~~القولين في مذهب أحمد وهو الصواب. فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه ~~فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتلزم الحالف ~~والمقر والناذر والعاقد ما لم يلزمه الله ورسوله به. فاللغو في الأقوال ~~نظير الخطأ والنسيان في الأفعال. وقد رفع الله المؤاخذة بهذا. وهذا كما قال ~~المؤمنون: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] ! فقال ربهم ~~تبارك وتعالى: قد فعلت. # وفي (زاد المعاد) قال شيخنا: حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا ~~يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته. # قال أبو العباس المبرد: ms0648 الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يجد له مخلصا. ~~PageV02P147 # قال شيخنا: ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب ~~وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال. # والغضب على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال. وهذا لا يقع طلاقه بلا ~~نزاع. # الثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، ~~فهذا يقع طلاقه. # الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين ~~نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال. فهذا محل نظر. وعدم الوقوع في هذه ~~الحالة قوي متجه. ### | ### | فصل # # وأما طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها، # ففي (الصحيحين) «1» # أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض- على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- ~~فسأل عمر بن الخطاب، عن ذلك، رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: مره ~~فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. ثم إن شاء أمسكها بعد ذلك ~~وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. # ولمسلم «2» : مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت أو وهي حامل. # وفي لفظ: إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس. # فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى. # في لفظ للبخاري: مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها. # وفي لفظ لأحمد «3» وأبي داود «4» والنسائي «5» ، عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: طلق عبد الله بن عمر امرأته PageV02P148 # وهي حائض فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا وقال: ~~إذا طهرت فليطلق أو ليمسك. وقال ابن عمر رضي الله عنه قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # ، في قبل عدتهن، فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربع أوجه: وجهان حلالان ~~ووجهان حرامان. فالحلال: أن يطلق امرأته طاهرا من جماع. أو يطلقها حاملا ~~مستبينا حملها. والحرام: أن يطلقها وهي حائض. أو يطلقها في ms0649 طهر جامعها فيه. ~~هذا في طلاق المدخول بها. وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا. # ثم إن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف. وقد ~~وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما ~~اطلع عليه غيره. وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وما يدريه ~~لعل الناس اختلفوا؟ كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن ~~المتقدمين والمتأخرين..؟. # وقال محمد بن عبد السلام الخشني: ثنا محمد بشار. ثنا عبد الوهاب بن عبد ~~الحميد الثقفي. ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال، في رجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد ~~بذلك. # ذكره أبو محمد بن حزم في (المحلى) بإسناده إليه. # وقال عبد الرزاق في (مصنفه) عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنه كان لا ~~يرى طلاق ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة. وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها ~~طاهرا من غير جماع أو إذا استبان حملها. # قال أبو محمد بن حزم: العجب من جراءة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو ~~لا يجد فيما يوافق قوله- في إمضاء الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي جامعها ~~فيه- كلمة عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، غير رواية عن ابن عمر. # وقد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر. # وقال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون- ~~ونعوذ بالله من ذلك- وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن ~~جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك، أن الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها ~~فيه بدعة. فإذا لا شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة ~~التي يقرون أنها بدعة وضلالة؟ أليس، بحكم المشاهدة، مجيز البدعة مخالفا # PageV02P149 # لإجماع القائلين بأنها بدعة..؟. # قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل ~~الإسلام ms0650 بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم- كاذبا على جميعهم. # هذا ما أفاده الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) . ثم ذكر حجج المانعين من ~~وقوعه، وحجج من أوقعه، والمناقشة فيها، فراجعه إن شئت. # وذكر في خلال البحث: أنه لا دليل في قوله: مره فليراجعها، على وقوع ~~الطلاق. لأن المراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معان: منها ~~ابتداء النكاح كقوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله، ولا ~~خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق- هاهنا- هو الزوج الثاني. وأن ~~التراجع بينها وبين الزوج الأول. وذلك نكاح مبتدأ. ومنها الرد الحسي إلى ~~الحالة التي كان عليها أولا كقوله «1» لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه ~~غلاما خصه به دون ولده: رده. فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائرة التي ~~سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جورا. وأخبر أنها لا تصح، وأنها خلاف ~~العدل. ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك ورد ~~البيع وليس هذا الرد مستلزما لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين ~~إلى حالة اجتماعهما كما كانا. وهكذا الأمر، بمراجعة ابن عمر امرأته، ارتجاع ~~ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع ~~الطلاق في الحيض البتة، وثمة وجوه أخرى، والله أعلم. ### | فصل # وأما الخلع: فالتحقيق أنه فسخ لا طلاق. وأن العدة فيه حيضة. # روى أبو داود «2» في (سننه) عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس ~~اختلعت من زوجها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة # . ففي ذلك دليل على حكمين: أحدهما PageV02P150 # أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة. وهذا كما أنه صريح السنة فهو ~~مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والربيع ~~بنت معوذ وعمها رضي الله عنهم- وهو من كبار الصحابة- فهؤلاء ms0651 الأربعة من ~~الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم. وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه ~~والإمام أحمد، في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: هذا القول ~~هو مقتضى قواعد الشريعة. فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة ~~ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة. فإذا لم تكن عليها رجعة ~~فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل. وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء. ولا ~~ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثا. فإن باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحدا بائنة ~~ورجعية. قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق. وهو مذهب ابن عباس ~~وعثمان وابن عمر والربيع وعمها. ولا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة. فروى ~~الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو، عن طاوس عن ابن عباس- رضي ~~الله عنهم- أنه قال: الخلع تفريق وليس بطلاق. وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن ~~عمرو، عن طاوس: إن إبراهيم ابن سعد سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم ~~اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن عباس رضي الله عنه: نعم! ذكر الله الطلاق في ~~أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك. # والذي يدل على أنه ليس بطلاق، أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد ~~الدخول الذي لم يستوف عدده، ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع: أحدها: أن ~~الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا يحل بعد استيفاء ~~العدد إلا بعد زوج وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص ~~والإجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه ~~حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدا ~~في كونه ليس بطلاق فإنه سبحانه قال: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ~~[البقرة: 229] ، وهذا- وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين- فإنه يتناولها ~~وغيرها. ولا يجوز أن ms0652 يعود الضمير إلى من لم يذكر، ويخلى عنه المذكور. بل ~~إما أن يختص بالسابق، أو يتناوله وغيره. ثم قال: # فإن طلقها فلا تحل له من بعد، وهذا يتناول من طلقت بعد فدية تطليقتين ~~قطعا لأنها هي المذكورة. فلا بد من دخولها تحت اللفظ. فهذا فهم ترجمان ~~القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تأويل ~~القرآن، وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا # PageV02P151 # كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دل على أنها غير جنسه. فهذا مقتضى ~~النص والقياس وأقوال الصحابة. انتهى. # هذه خلاصة الحجج في هذه الفروع المهمة معرفتها. ولا يعرف قدرها إلا من ~~صغى فهمه عن التعصبات. ومن نظر إلى ما عمت به البلوى- من التفرقة بين المرء ~~وزوجه بمجرد الانتحال للقيل والقال، وترك ما حققه بالدلائل الأئمة الأبطال- ~~قضى العجب، وبالله التوفيق. # فإن طلقها- أي: الزوج الثاني- فلا جناح عليهما أي: على المرأة ومطلقها ~~الأول: - أن يتراجعا أي: إلى ما كانا فيه من النكاح بعقد جديد بعد عدة طلاق ~~الثاني- المعلومة مما تقدم من قوله: والمطلقات يتربصن.. الآية- إن ظنا أن ~~يقيما حدود الله، أي: التي أوجب مراعاتها على الزوجين من الحقوق وتلك أي: ~~الأحكام المذكورة حدود الله، أي: أحكامه المحمية من التغيير والمخالفة ~~يبينها لقوم يعلمون، أي: يكشف اللبس عنها لقوم فيهم نهضة وجد في الاجتهاد ~~فيجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت، فبذلك يعطيهم الله ملكة ~~يميزون بها ما يلبس على غيرهم إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [الأنفال: 29] ~~، واتقوا الله، ويعلمكم الله [البقرة: 282]- أفاده البقاعي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 231] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) # وإذا طلقتم النساء، أي: طلاقا رجعيا فبلغن أجلهن، أي: قاربن انقضاء العدة ~~فأمسكوهن، أي: بالمراجعة إن أردتم ms0653 بمعروف، من غير ضرار أو سرحوهن بمعروف، ~~أي: بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن ولا تمسكوهن، أي: بالرجعة ~~ضرارا، أي: مضارة بإزالة الألفة وإيقاع الوحشة وموجبات النفرة لتعتدوا، ~~اللام للعاقبة، أي: لتكون عاقبة أمركم الاعتداء أو للتعليل (متعلقة ~~بالضرار) فيكون علة للعلة، أي: لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ومن يفعل ~~ذلك فقد ظلم نفسه، أي: بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه # PageV02P152 # ولا تتخذوا آيات الله، أي: أوامره ونواهيه هزوا، أي: مهزوا بها بأن ~~تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة عليها واذكروا نعمة الله عليكم، أي: في ~~إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، ~~أي: السنة يعظكم به أي: بما أنزل. أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ~~المخالفة واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم، تأكيد وتهديد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، أي: انقضت عدتهن. وقد دل سياق الكلامين ~~على اختلاف البلوغين، إذ الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك، وهذا على ~~الحقيقة للنهي عن العضل فلا تعضلوهن، أي: لا تمنعوهن أن ينكحن أزواجهن، ~~الذين طلقوهن والآن يرغبن فيهم إذا تراضوا، أي: النساء والأزواج بينهم ~~بالمعروف، أي: بما يحسن في الدين من الشرائط ذلك، أي: النهي عن العضل يوعظ ~~به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم، أي: الاتعاظ بترك العضل ~~والضرار أزكى لكم، أي أصلح لكم وأطهر، لقلوبكم وقلوبهن من الريبة والعداوة ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون، أي: يعلم ما فيه صلاح أموركم فيما يأمر وينهى ~~(ومنه ما بينه هنا) وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ~~ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون. وقد روي: أن هذه الآية نزلت في معقل بن ~~يسار المزني وأخته. # أخرج البخاري وأبو داود والترمذي «1» وغيرهم عن ms0654 معقل بن يسار: أنه زوج ~~أخته رجلا من المسلمين. فكانت عنده ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها. حتى انقضت ~~العدة فهويها وهويته. فخطبها مع الخطاب. فقال له: يا لكع! أكرمتك بها ~~وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا. فعلم الله حاجته إليها وحاجتها ~~إليه، فأنزل الله الآية. فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة! ثم دعاه ~~وقال: أزوجك PageV02P153 # وأكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 233] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) # والوالدات، أي: من المطلقات يرضعن أولادهن حولين كاملين، أي: # سنتين كاملتين لمن أراد أن يتم الرضاعة، أي: هذا الحكم لمن أراد أن يتم ~~رضاع الولد، فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك، وأنه لا رضاع بعد ~~التمام. # قال الحرالي: وهو- أي الذي يكتفي به دون التمام- هو ما جمعه قوله تعالى: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا [الأحقاف: 15] ، فإذا كان الحمل تسعا كان ~~الرضاع أحدا وعشرين شهرا. وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا، ~~فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود، فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع. # وعلى المولود له- أي: الأب- وعبر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب ~~المؤن عليه، لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون ~~الأم قال بعضهم: # وإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللآباء أبناء # رزقهن وكسوتهن، أي: على والد الطفل نفقة أمه المطلقة مدة الإرضاع، أي ~~طعامهن ولباسهن بالمعروف، وهو قدر الميسرة كما فسره قوله تعالى: لا تكلف ~~نفس إلا وسعها، يعني طاقتها والمعنى: أن أبا الولد لا يكلف في الإنفاق عليه ~~وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف ms0655 القدرة لا تضار والدة ~~بولدها، أي: يأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة ~~محبتها له ولا مولود له، يعني الأب بولده، بطرح الولد عليه يعني: لا تلقي ~~المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها، تضاره بذلك. وهذا التأويل على تقدير كون ~~(تضار) مبنيا للمفعول، وأما على بنائه للفاعل، فالمفعول محذوف والتقدير. لا ~~تضارر- # PageV02P154 # بكسر الراء الأولى- والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ~~ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول ~~(بعد أن ألفها الصبي) : اطلب له ظئرا، وما أشبه ذلك ولا يضارر مولود له ~~امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه ~~منها وهي تريد إرضاعه. والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد وهو أن يغيظ أحدهما ~~صاحبه وعلى الوارث مثل ذلك، أي: على وارث الأب أو وارث الصبي مثل ما على ~~الأب من النفقة وترك الضرار إذا لم يكن الأب فإن أرادا، يعني الزوج والمرأة ~~فصالا، أي: # فصال الصبي عن اللبن قبل الحولين- يعني: فطاما عن تراض منهما، بتراضي ~~الأب والأم وتشاور بمشاورتهما فلا جناح عليهما، أي: على الأب والأم إن لم ~~يرضعا ولدهما سنتين وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم، يعني غير الأم عند ~~إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج فلا جناح عليكم إذا سلمتم- يعني إلى ~~المراضع- ما آتيتم، أي: ما أردتم إيتاءه إليهن من الأجر بالمعروف متعلق ب ~~(سلمتم) أي: سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن ~~يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين ~~لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهن بمصالح الرضيع واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بما تعملون بصير، فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا ~~يخفى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 234] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) # والذين يتوفون منكم، أي: ms0656 يموتون من رجالكم ويذرون، أي: يتركون أزواجا بعد ~~الموت يتربصن، أي ينتظرن بأنفسهن في العدة أربعة أشهر وعشرا يعني عشرة أيام ~~فإذا بلغن أجلهن، أي: انقضت عدتهن فلا جناح عليكم، أي: على الأولياء في ~~تركهن فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب والتزين بالمعروف، أي: بوجه لا ~~ينكره الشرع. وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن ~~يكفوهن عن ذلك. وإلا فعليهم الجناح والله بما تعملون خبير. # PageV02P155 # اعلم أن في هذه الآية مسائل: # الأولى: خص، من عموم الآية، الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن عدتها بوضع ~~الحمل لقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] ، ولما ~~في (الصحيحين) «1» عن سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة- وهو من ~~بني عامر بن لؤي وكان ممن شهد بدرا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. ~~فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب. فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فقال: # مالي أراك تجملت للخطاب، لعلك ترجين النكاح؟ وإنك والله ما أنت بناكح حتى ~~تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين ~~أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد ~~حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزويج إن بدا لي. وفيه قال ابن شهاب: ولا ~~أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت دمها، غير أنه لا يقربها حتى تطهر. # الثانية: المراد من تربصها بنفسها: الامتناع عن النكاح، والامتناع عن ~~التزين، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه. فالأول مجمع ~~عليه. # والثاني: # روي فيه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وعائشة- أمهات المؤمنين- عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «2» قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد ~~على ميت فوق ثلاث. إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . # متفق عليه. # وعن أم سلمة أن امرأة قالت: «يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد ~~اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا. ms0657 # كل ذلك يقول: لا. مرتين أو ثلاثا- ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر. وقد ~~كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة» # . متفق عليه. # وعن نافع: أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها- وهي حاد على زوجها ابن عمر ~~فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان، أخرجه مالك في (الموطأ) «3» . ~~PageV02P156 # وعن أم سلمة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبس المتوفى ~~عنها زوجها، المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل ~~ولا تطيب» أخرجه أبو داود «1» # (والممشقة: المصبوغة بالمشق وهي المغرة) . # وقد استنبط بعضهم وجوب الإحداد من قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن في أنفسهن، أي: من زينة وتطيب- كما قدمنا- فيفيد تحريم ذلك ~~في العدة وهو الإحداد. # وأما الامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي فيه زوجها: # فروى فيه أحمد وأهل السنن «2» حديث فريعة بنت مالك قالت: خرج زوجي في طلب ~~أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة عن ~~دار أهلي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي ~~أتاني في دار شاسعة عن أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له، ~~فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني؟ قال: تحولي، فلما ~~خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني- أو أمر بي فدعيت- فقال: امكثي في ~~بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه ~~أربعة أشهر وعشرا # . وفي بعض ألفاظه: أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته، فأخذ به. وقد ~~أعل هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به. # الثالثة: أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد ~~بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول ~~بل هو توقيفي. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه. # الرابعة: أبدى المهايمي الحكمة في تحديد عدة المتوفى عنها بهذا القدر، ~~فقال: لئلا يتعارض في قلبها حب المتوفى وحب ms0658 الجديد، فأخذت مدة صبرها- وهو ~~أربعة أشهر- وزيد عليه العشر، إذ بذلك ينقطع صبرها فتميل إلى الجديد ميلا ~~كليا، فينقطع عن قلبها حب المتوفى. على أنه يظهر في حق المدخول بها حركة ~~الحمل إذ تكون بعد أربعة أشهر، لكنها تبتدئ ضعيفة وتتقوى بمضي عشر آخر. ثم ~~PageV02P157 # قال: ولم يكتف بالأقراء الدالة على عدمه هاهنا، بخلاف الفراق حال الحياة، ~~لأن الفراق الاختياري شاهد عدمه مع شهادة الأقراء، فثمة شاهدان وهاهنا ~~واحد، وعدم الحركة بعد هذه المدة يقوي شهادة الأول فيكون كالشاهد مع ~~اليمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء، أي: لا حرج عليكم أيها ~~الخاطبون في التعريض بخطبتكم النساء المتوفى عنهن أزواجهن قبل انقضاء العدة ~~لتتزوجوهن بعد انقضائها. والتعريض: إفهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة ~~ولا مجازا. كأن يقال لها: إنك جميلة أو صالحة، أو رب راغب فيك، أو من يجد ~~مثلك. # والخطبة- بالكسر- طلب المرأة. أو- فيما أكننتم، أي: أضمرتم من نكاحهن في ~~أنفسكم، أي: قلوبكم وإن كان حقه التحريم فضلا عن التعريض باللسان، لكن ~~أباحه الله لكم إذ علم الله أنكم ستذكرونهن، أي: لا تصبرون عن النطق ~~برغبتكم فيهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، وفيه طرف من التوبيخ على ~~قلة التثبت كقوله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم [البقرة: # 187] . ولكن لا تواعدوهن سرا هذا الاستدراك من قوله فيما عرضتم به. # وسرا مفعول به لأنه بمعنى النكاح. أي: لا تواعدوهن نكاحا. أو هو بمعنى ضد ~~الجهر والإعلان فيكون مصدرا في موضع الحال تقديره (مستخفين بذلك) والمفعول ~~محذوف تقديره (لا تواعدوهن النكاح سرا) . أو صفة لمصدر محذوف أي: مواعدة ~~سرا، أو التقدير (في سر) فيكون ms0659 ظرفا. وإنما نهى عن ذلك لأن المواعدة بذكر ~~الجماع والرفث بين الأجنبي والأجنبية غير جائز إجماعا. كالمواعدة بينهما ~~على وجه السر إذ لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات. # قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر ~~جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في ~~العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. # PageV02P158 # وقوله تعالى: إلا أن تقولوا قولا معروفا، أي: لا يستحيي منه عند أحد من ~~الناس. فآل الأمر إلى أن المعنى: لا تواعدوهن إلا مالا يستحيى من ذكره فيسر ~~وهو التعريض فنصت هذه الآية على تحريم التصريح. بعد إفهام الآية الأولى ~~لذلك، اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه- أفاده البقاعي. # وقال الرازي: لما أذن تعالى في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارة ~~معها دفعا للريبة والغيبة، استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف. وذلك أن ~~يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها حتى ~~يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض، والله أعلم. ### | تنبيه: # ما قدمناه من أن قوله تعالى ولكن ... إلخ، استدراك من قوله فيما عرضتم ~~قاله أبو البقاء. # وجعل الزمخشري المستدرك محذوفا دل عليه ستذكرونهن، أي: # فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا. # قال الناصر: وقويت دلالة هذا المذكور على ما حذف. لأن المعتاد في مثل هذه ~~الصيغة ورود الإباحة عقيبها. ونظير هذا النظم قوله تعالى: علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ... [البقرة: # 187] الآية، ولهذا الحذف سر- والله أعلم- وهو أنه اجتنب لأن الإباحة لم ~~تنسحب على الذكر مطلقا. بل اختصت بوجه واحد من وجوهه. وذلك الوجه المباح ~~عسر التميز عما لم يبح. فذكرت مستثناة بقوله: إلا أن تقولوا قولا معروفا ~~تنبيها على أن المحل ضيق والأمر فيه عسر، والأصل فيه الحظر. ولا كذلك الوطء ~~في زمن ليل الصوم. فإنه أبيح مطلقا غير مقيد فلذلك صدر الكلام بالإباحة ~~والتوسعة. # وجاء النهي عن مباشرة ms0660 المعتكفة في المسجد تلوا للإباحة وتبعا في الذكر. ~~لأنها حالة فاذة. والمنع فيها لم يكن لأجل الصوم ولكن الأمر يتعلق به من ~~حيث المصاحب، وهو الاعتكاف. فتفطن لهذا السر فإنه من غرائب النكت. # ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله، (العقدة) بالضم من النكاح ~~وكل شيء من البيع ونحوه، وجوبه. قال الفارسي: هو من الشد والربط. وقال ~~الرازي: # أصل العقد الشد. وسميت العهود والأنكحة عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل. # وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح. لأن العزم على الفعل يتقدمه. ~~فإذا نهى # PageV02P159 # عنه كان عن الفعل أنهى. ومعناه: ولا تعزموا وجوب النكاح لأن القصد إليه ~~حال العدة يفيد مزيد تحريك من الجانبين بحيث لا يطاق معه الصبر إلى انقضاء ~~العدة. # وقوله: حتى يبلغ الكتاب أجله، أي: العدة المكتوبة المفروضة آخرها. ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم من الميل إليهن قبل الأجل فاحذروه ~~واعلموا أن الله غفور يغفر ذلك الميل إذ لم يتعد العزم عقدة النكاح حليم لا ~~يعاجل بالعقوبة، فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس ~~مما يستتبع المؤاخذة ... !. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ما ~~شرطية، أي: إن لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة. يعني: ولم تعينوا لهن ~~صداقا- ف أو بمعنى الواو- وحينئذ فلا مهر لهن ولكن المتعة بالمعروف كما قال ~~تعالى ومتعوهن أي: من مالكم جبرا لوحشة الفراق على الموسع أي: الغني الذي ~~يكون في سعة من غناه قدره- بسكون الدال وبفتحها قراءتان سبعيتان- أي: # يجب على الموسر قدر ما يليق بيساره وعلى المقتر أي: المعسر الذي في ضيق ~~من فقره، وهو المقل الفقير، يقال: أقتر إذا افتقر قدره، أي: قدر ما يليق ~~بإعساره متاعا بالمعروف تأكيد ل متعوهن يعني: متعوهن تمتيعا ms0661 بالمعروف- أي: # بالوجه المستحسن فلا يزاد إلى نصف مهر المثل ولا ينقص إلى ما لا يعتد به- ~~حقا، أي: ثبت ذلك ثبوتا مستقرا على المحسنين، أي: المؤمنين لأنه بدل المهر ~~وذكرهم بهذا العنوان ترغيب وتحريض لهم على الإحسان إليهن بالمتعة. # وإنما كانت إحسانا لأن ملاك القصد فيها ما تطيب به نفس المرأة ويبقى ~~باطنها وباطن أهلها سلما ذا مودة. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا- أفاده ~~الحرالي. # وروى الثوري عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك ~~الورق. ودون ذلك الكسوة. وعنه: إن كان موسرا متعها بخادم ونحوه، وإن كان ~~معسرا متعها بثلاثة أثواب. # وروى عبد الرزاق أن الحسن بن علي- عليهما السلام- متع بعشرة آلاف. # فقالت المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق. # PageV02P160 ### | تنبيه: # أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ~~ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا ~~يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل. ~~كما تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أن ~~الآية بينة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولهم عن ~~أقرب مما سلكوه- أعني كون (أو) بمعنى الواو- مع شيوعها في آيات كثيرة- عجيب ~~وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أن مما يرشحه مساق الآية بعدها. # وما # روي في سبب نزول هذه الآية: قال الخازن: نزلت في رجل من الأنصار تزوج ~~امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت لا ~~جناح عليكم ... الآية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمتعها ولو ~~بقلنسوتك # . وهذه الرواية- إن ثبتت- كانت شاهدة لما اعتمدناه، والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # وإن طلقتموهن، - أي: الزوجات ms0662 من قبل أن تمسوهن، أي: تجامعوهن. # قال أبو مسلم: وإنما كنى تعالى بقوله: تمسوهن عن المجامعة، تأديبا للعباد ~~في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به. وقد فرضتم، أي: سميتم لهن فريضة، ~~أي: مهرا مقدرا فنصف ما فرضتم، أي: فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر، أو ~~فالواجب عليكم ذلك إلا أن يعفون، أي: المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم ~~بنصف المهر. وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه ~~شيئا..؟. أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج فيسوق إليها المهر ~~كاملا، أو الولي، يعني: إذا كانت صغيرة- أو غير جائزة التصرف- فيترك نصيبها ~~للزوج. # قال مالك في (موطأه) في هذه الآية: هو الأب في ابنته البكر. والسيد في ~~أمته وكلا التأويلين مروي عن عدة من الصحابة والتابعين. # PageV02P161 # قال الحرالي: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: ولا تعزموا عقدة النكاح خطابا ~~للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج معادلة للزوجات، ~~ومن خص عفوهن بالمالكات- أي الرشيدات- خص هذا بالأولياء. # ونقل ابن جرير: أن الشعبي رجع إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. # وقال الزمخشري: القول بأنه الولي ظاهر الصحة. # وقال الناصر في (حواشيه) : وصدق الزمخشري أنه قول ظاهر الصحة، عليه رونق ~~الحق وطلاوة الصواب لوجوه ستة. ساقها بألطف بيان. فانظرها، والله أعلم. # وأن تعفوا أقرب للتقوى، هذا خطاب للرجال والنساء جميعا، وغلب التذكير ~~نظرا للأشرف. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، ~~وذلك لأن من سمح بترك حقه كان محسنا وذلك عنوان التقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم، أي: التفضل بالإحسان لما فيه من الألفة وطيب الخاطر. فهو حث على ~~العفو، فمن عفا منهما فله الفضل على الآخر. ومعلوم أن النسيان ليس في الوسع ~~حتى ينهى عنه. فالمراد منه الترك أي لا تتركوه ترك المنسي. فالتعبير ~~بالنسيان آكد في النهي. والخطاب هنا أيضا للقبيلين بالتغليب، كالذي قبله، ~~وخصه الحرالي بالرجال، قال: # فمن حق الزوج- الذي له فضل الرجولة- أن يكون هو العافي. وأن لا يؤخذ ~~النساء بالعفو، ولذلك ms0663 لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض. فمن أقبح ما ~~يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا [النساء: 20] . فينبغي أن لا تنسوا ذلك ~~الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به. # وقد حكى الزمخشري عن جبير بن مطعم، أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل ~~بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو..! وعنه: أنه دخل على سعد بن ~~أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها. فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق ~~كاملا، فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها علي فكرهت رده. قيل: فلم بعثت ~~بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟. # وقوله تعالى إن الله بما تعملون بصير، أي: فلا يضيع تفضلكم وإحسانكم. ~~ولما كانت الحقوق المشروعة قبل، مما قد يشق القيام بها على بعض # PageV02P162 # الناس، أمروا بما يخفف عنهم عبئها ويحبب إليهم أداءها. وذلك بالمحافظة ~~على الصلوات فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذا أمر بها تعالى- إثر ما ~~تقدم- بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # حافظوا على الصلوات، أي: داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها ~~وسننها من غير إخلال بشيء منها والصلاة الوسطى، أي: الوسطى بين الصلوات ~~بمعنى المتوسطة أو الفضلى منها، من قولهم للأفضل: الأوسط. فعلى الأول: يكون ~~الأمر لصلاة متوسطة بين صلاتين. وهل هي الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب ~~أو العشاء، أقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين. وعلى الثاني: فهي صلاة ~~الفطر أو الأضحى أو الجماعة أو صلاة الخوف أو الجمعة أو المتوسطة بين الطول ~~والقصر. # أقوال أيضا عن كثير من الأعلام. والقول الأخير جيد جدا كما لو قيل بأنها ~~ذات الخشوع لآية: الذين هم في صلاتهم خاشعون. # وأما علماء الأثر فقد ذهبوا إلى أن المعني بالآية صلاة العصر لما # في (الصحيحين) «1» عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يوم الأحزاب (وفي رواية يوم الخندق) : «ملأ الله قلوبهم ms0664 وبيوتهم نارا كما ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» . # وفي رواية: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر # . وذكر نحوه # وزاد في أخرى: ثم صلاها بين المغرب والعشاء. أخرجاه في (الصحيحين) # ورواه أصحاب السنن والمسانيد والصحاح من طرق يطول ذكرها. # وأجاب عن هذا الاستدلال من ذهب إلى غيره بأنه لم يرد الحديث مورد تفسير ~~الآية حتى يعينها. وإنما فيه الإخبار عن كونها وسطى، وهو كذلك لأنها متوسطة ~~وفضلي من الصلوات. # وما # رواه مسلم «2» عن أبي يونس- مولى عائشة- قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها ~~مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~PageV02P163 # قال: فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وروى ابن جرير عن حفصة نحو ذلك. قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه ~~الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير، أنهما قرءا كذلك. # فهذا من عائشة رضي الله عنها إعلام بالمراد من (الوسطى) عندها. ضمت ~~التأويل إلى أصل التنزيل لأمن اللبس فيه. لأن القرآن متواتر مأمون أن يزاد ~~فيه أو ينقص. وكان في أول العهد بنسخه ربما ضم بعض الصحابة تفسيرا إليه، أو ~~حرفا يقرؤه. ولذا لما خشي عثمان رضي الله عنه أن يرتاب في كونه من التنزيل- ~~مع أنه ليس منه- أمر بأن تجرد المصاحف في عهده مما زيد فيها من التأويل ~~وحروف القراءات التي انفرد بعض الصحب، وأن يقتصر على المتواتر تنزيله ~~وتلقيه من النبي صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو بكر في (الانتصار) : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع ~~نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ~~ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ~~ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد ... # هذا ms0665 وقد أيد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر بأنها خصت ~~بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيعها. # فقد قال أبو المليح: كنا مع بريدة في غزوة. فقال في يوم ذي غيم: بكروا ~~بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط ~~عمله» . أخرجه البخاري «1» # . وقوله: بكروا بصلاة العصر، أي قدموها في أول وقتها. # وروى الشيخان «2» عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله..!» # أي: نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا، فاقدهما. # والمعنى: ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. # وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطي في كتابه (كشف المغطى في تبيين ~~PageV02P164 # الصلاة الوسطى) ما امتازت به صلاة العصر من الخصائص والفضائل، قال عليه ~~الرحمة: # فمنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلظ المصيبة في فواتها بذهاب ~~الأهل والمال في الحديث المتقدم. # ومنها حبوط عمل تاركها المضيع لها في الحديث السالف أيضا. # ومنها أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم! ~~ومنها # قوله صلى الله عليه وسلم: «من حافظ عليها كان له أجرها مرتين» . رواه ~~مسلم. # ومنها أن انتظارها بعد الجمعة كعمرة- رواه أبو يعلى. وروى الحاكم: كمن ~~أتى بحجة وعمرة. # ومنها # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم..- إلى أن قال- ورجل أقام سلعة بعد ~~العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا. فجاء رجل فصدقه فاشتراها» # . متفق عليه. ثم قال: قلت وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد ~~فيما شجر بينهم بعدها فقال: تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله ~~[المائدة: 106] . # قال عامة المفسرين: بعد صلاة العصر، ولذلك غلظ العلماء اللعان وسائر ~~الأيمان المغلظة بوقت صلاة العصر لشرفه ومزيته. # ومنها أن سليمان- عليه السلام- أتلف مالا عظيما من الخيل لما شغله عرضها ~~عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فمدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه ms0666 بقوله ~~تعالى: نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي [ص: 30- 31] الآيات. # ومنها أن «2» الساعة التي في يوم الجمعة قد قيل: إنها بعد العصر. ~~PageV02P165 # ومنها أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال. # ومنها # الحديث المرفوع: إن الله تعالى يوحي إلى الملكين: لا تكتبا على عبدي ~~الصائم بعد العصر سيئة. # ومنها ما جاء في قوله تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر [العصر: 1] . # قال مقاتل: العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها- حكاه ابن عطية. # ومنها ما # روي في الحديث، أن الملائكة تصف كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء ~~الدنيا فينادى الملك: ألق تلك الصحيفة. فيقول: وعزتك ما كتبت إلا ما عمل. ~~فيقول الله عز وجل: لم يرد به وجهي. وينادى الملك الآخر: اكتب لفلان كذا ~~وكذا، فيقول الملك: وعزتك إنه لم يعمل ذلك. فيقول الله عز وجل: إنه نواه. # ومنها أن وقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب. # وقد أفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات. وذكر العلامة الفاسي- شارح ~~(القاموس) - فيما نقله عنه الزبيدي، أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين. ~~فرضي الله عن العلماء المجتهدين وأرضاهم. # سنح لي وقوي بعد تمعن- في أواخر رمضان سنة 1323- احتمال قوله تعالى: ~~والصلاة الوسطى بعد قوله حافظوا على الصلوات لأن يكون إرشادا وأمرا ~~بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطا. لا طويلا مملا ولا قصيرا مخلا. أي: ~~والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر. ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك، قولا وفعلا. # ثم مر بي في القاموس- في 23 ربيع الأول سنة 1324- حكاية هذا قولا. # حيث ساق في مادة (وس ط) الأقوال في الآية، ومنها قوله (أو المتوسطة بين ~~الطول والقصر) قال شارحه الزبيدي: وهذا القول رده أبو حيان في (البحر) . # ثم سنح لي احتمال وجه آخر: وهو أن يكون قوله والصلاة الوسطى أريد به ~~توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلي، أي: ذات فضل عظيم عند ~~الله. فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط. وتوسيط (الواو) بين ~~الصفة والموصوف مما حققه الزمخشري واستدل له بكثير من الآيات. ms0667 وفي سوق ~~الصفة بهذا الأسلوب، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى. وأسلوب القرآن أسلوب ~~خاص انفرد به في باب البلاغة، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلا قطرة من بحر. ~~ولعل # PageV02P166 # هذا الوجه هو ملحظ من قال: هي الصلوات الخمس، وهو معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه، فكأنه أشار إلى أن المعطوف عين المعطوف عليه. إلا أنه أتى بجملة تفيد ~~التوصيف. # وقوله تعالى: وقوموا لله- في الصلاة- قانتين خاشعين ساكتين. # روى الشيخان «1» عن زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # يكلم أحدنا صاحبه بحاجته. حتى نزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت. هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: عن زيد بن ~~أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة ~~حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. # وروى أبو يعلى عن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، ~~فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في ~~نفسي إنه نزل في شيء، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: وعليك ~~السلام- أيها المسلم- ورحمة الله، إن الله يحدث في أمره ما يشاء، فإذا كنتم ~~في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلموا. # وروى الطبراني في (الأوسط) والإمام أحمد «2» وأبو يعلى الموصلي في ~~(مسنديهما) وابن حبان في (صحيحه) عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: كل حرف ذكر من (القنوت) في القرآن فهو الطاعة» . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 239] # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) # فإن خفتم، أي: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره فرجالا، أي: فصلوا راجلين، ~~أي: ماشين على الأقدام- يقال: رجل- كفرح- فهو راجل، ورجل- بضم الجيم- ورجل- ~~بكسرها- ورجل- بفتحها- ورجيل ورجلان إذا لم يكن له ظهر في سفر يركبه فمشى ~~على قدميه، والجمع رجال ورجالة PageV02P167 # ورجال- كرمان- أو ركبانا، أي: راكبين، فيعفى عن كثرة الأفعال ms0668 وإتمام ~~الركوع والسجود واستقبال القبلة. وهذا من رخص الله تعالى التي رخص لعباده، ~~ووضعه الآصار والأغلال عنهم. وقد رويت صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على صفات مختلفة مفصلة في كتب السنة، وذلك لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يتحرى في كل موطن ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. # قال الرازي: صلاة الخوف قسمان: أحدهما أن تكون في حال القتال- وهو المراد ~~بهذه الآية والثاني: في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله ~~تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك [النساء: # 102] . # وقد روى مالك «1» عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف، وصفها ~~ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي ~~القبلة أو غير مستقبليها. # قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ورواه الشيخان. # ولمسلم «2» أيضا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو ~~قائما تومئ إيماء. # وأخرج الإمام أحمد وأبو داود «3» ، بإسناد جيد، عن عبد الله بن أنيس ~~الجهني قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي- ~~وكان نحو عرنة وعرفات- فقال: اذهب فاقتله، قال، فرأيته- وحضرت صلاة العصر- ~~فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا ~~أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب ~~بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك، قال: إني لفي ذلك. فمشيت معه ~~ساعة. حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد (وهذا نص أبي داود) . ~~PageV02P168 # وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي ~~«1» وأبو يعلى والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى ~~كفينا ذلك. # وذلك قوله: وكفى الله المؤمنين القتال [الأحزاب: 25] . فأمر رسول الله ~~صلى ms0669 الله عليه وسلم بلالا فأقام لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه فإن ~~خفتم فرجالا أو ركبانا. ### | تنبيه: # هذه الآية قد أطلقت الخوف. فيدخل فيه أي مخافة من عدو أو سبع أو جمل ~~صائل، وهذا قول الأكثر. وشذ قول الوافي وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن ~~يكون من آدمي. وقد أفادت هذه الآية أن فعلها بالإيماء هو فرضهم، فلا قضاء ~~عليهم بعد الأمن. قال في (التهذيب) خلاف ما يقوله بعضهم. ولكن هذا إذا أتوا ~~بما يسمى صلاة فإن لم يمكنهم شيء من الأفعال، وإنما أتوا بالذكر فقط. فقال ~~الناصر زيد وابن أبي الفوارس وأبو جعفر: هذا لا يسمى صلاة فيجب القضاء. ~~وقال الراضي بالله والأمير الحسين: هو بعض الصلاة، فلا قضاء، # لقوله صلى الله عليه وسلم «2» : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ~~. # وإذا ثبت الترخيص في هذه الصلاة- بترك كمال الفروض- رخص فيها بفعل ما ~~تحتاج إليه، وبلباس ما فيه نجس إذا احتيج إليه- كذا في تفسير بعض علماء ~~الزيدية. # فإذا أمنتم، أي: زال خوفكم فاذكروا الله، أي: فصلوا صلاة الأمن. # عبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها. وقوله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون، أي: # مثل ما علمكم من صلاة الأمن، أو لأجل إنعامه عليكم، فالكاف للتعليل. وهذه ~~الآية كقوله تعالى: فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا [النساء: 103] . والفائدة في ذكر المفعول فيه، وإن ~~كان الإنسان لا يعلم إلا ما لم يعلم، التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقلوا ~~عنها، فإنه أوضح في الامتنان. PageV02P169 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # والذين يتوفون منكم، أي: يقبضون من رجالكم ويذرون، أي: يتركون أزواجا بعد ~~الموت وصية لأزواجهم خبر (الذين) أي: يوصون، أو ليوصوا، أو كتب الله عليهم ~~وصية. وفي قراءة، بالرفع. أي: عليهم وصية لأزواجهم في أموالهم متاعا إلى ms0670 ~~الحول بدل من وصية، على قراءة من نصبها. وعلى قراءة الرفع فمنصوب بوصية أو ~~بفعله غير إخراج حال من أزواجهم، أي: غير مخرجات. والمعنى: # يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم ~~حولا بالنفقة والسكنى من غير أن يخرجن من مسكن زوجهن فإن خرجن عن منزل ~~الأزواج من قبل أنفسهن فلا جناح عليكم على أولياء الميت في ما فعلن في ~~أنفسهن من معروف لا ينكره الشرع- كالتزين والتطيب وترك الحداد والتعرض ~~للخطاب- وفيه دلالة على أن المحظور إخراجها عند إرادتها القرار، وملازمة ~~مسكن الزوج، والحداد من غير أن يجب عليها ذلك، وأنها مخيرة بين الملازمة مع ~~أخذ النفقة، وبين الخروج مع تركها والله عزيز حكيم. ثم ليعلم أن اختيار ~~جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهو قوله تعالى: يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] . قالوا: كان الحكم في ابتداء ~~الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدت زوجته حولا، وكان يحرم على الوارث إخراجها ~~من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبتين في مال زوجها تلك ~~السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها تكون مخيرة. فإن شاءت اعتدت في بيت ~~زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت خرجت قبل تمام الحول وليس لها نفقة ~~ولا سكنى وكان يجب على الرجل أن يوصي بذلك. فدلت هذه الآية على مجموع ~~أمرين. # أحدهما: أن لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة، والثاني: أن عليها عدة ~~سنة ثم نسخ هذان الحكمان. # أما الوصية بالنفقة والسكنى فنسخت بآية الميراث. فجعل لها الربع أو الثمن ~~عوضا عن النفقة والسكنى. ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر. # وقد روى البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان والذين يتوفون # PageV02P170 # منكم ويذرون أزواجا # قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها..؟ قال: يا ابن أخي! لا أغير ~~شيئا «1» منه من مكانه. # وأخرج أبو داود «2» والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: نسخت ~~بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول ms0671 بأن جعل ~~أجلها أربعة أشهر وعشرا. # هذا، وقد ذهب مجاهد إلى أن هذه الآية محكمة كالأولى. أخرجه عنه البخاري ~~«3» قال مجاهد: دلت الآية الأولى وهي: يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا على ~~أن هذه عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية، بزيادة سبعة ~~أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول، أن ذلك من باب الوصية ~~بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا، ولا ~~يمنعن من ذلك، لقوله غير إخراج فإذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر- أو ~~بوضع الحمل- واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك ~~لقوله فإن خرجن ... إلخ. قال الإمام ابن كثير: وهذا القول له اتجاه، وفي ~~اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية. # ومنهم أبو مسلم الأصفهاني قال: معنى الآية: من يتوفى منكم ويذرون أزواجا، ~~وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك وخالفن ~~وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج في ما ~~فعلن في أنفسهن من معروف، أي: نكاح صحيح. لأن إقامتهن بهذه الوصية غير ~~لازمة. قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى ~~حولا كاملا. وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول. فبين الله تعالى في هذه ~~الآية أن ذلك غير واجب. واحتج على قوله بوجوه ساقها الفخر الرازي عنه- إلى ~~أن قال: فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل. ثم ~~قال: وإذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة ~~شرطية فالشرط هو قوله: PageV02P171 # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فهذا كله شرط، والجزاء هو قوله. فإن خرجن فلا جناح عليكم ... إلخ، ~~هذا تقرير قول أبي مسلم. قال الرازي: وهو في غاية الصحة، والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 241] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين، ms0672 أي: للمطلقات متعة من جهة ~~الزوج بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق. وأما المهر فوق حق البضع. # قال ابن كثير: وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة ~~لكل مطلقة. سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو ~~مدخولا بها. # وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف. واختاره ابن جرير. # وقد أخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لكل مؤمنة طلقت، حرة أو ~~أمة، متعة. وقرأ الآية. # وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «لما طلق حفص بن المغيرة امرأته ~~فاطمة. أتت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لزوجها: متعها. قال: لا أجد ما ~~أمتعها قال: فإنه لا بد من المتاع، متعها ولو نصف صاع من التمر» . # وأخرج البيهقي عن قتادة قال: طلق رجل امرأته عند شريح. فقال له شريح: # متعها! فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة. إنما قال الله تعالى: ~~وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا ~~على المحسنين) . # وليس من أولئك!!. # وأخرج البيهقي عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته: لا تأبى أن تكون من ~~المتقين. لا تأبى أن تكون من المحسنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 242] # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) # كذلك، أي: مثل ذلك البيان الشافي يبين الله لكم، في جميع # PageV02P172 # المواضع آياته الدالة على أحكامه لعلكم تعقلون لكي تفهموا ما فيها ~~وتعملوا بموجبها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 243] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) # ألم تر إلى الذين خرجوا، أي: ممن تقدمكم من الأمم من ديارهم، أي: # التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت. ولفظة ألم تر قد ~~تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير- كالأحبار وأهل ~~التاريخ- وقد تذكر لمن لا يكون كذلك. فتكون لتعريفه وتعجيبه. # قال ms0673 الراغب: (رأيت) يتعدى بنفسه دون الجار. لكن لما استعير (ألم تر) ~~لمعنى (ألم تنظر) عدى تعديته ب (إلى) ، وفائدة استعارته: أن النظر قد يتعدى ~~عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما ~~استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال: رأيت إلى كذا. # وهم ألوف، أي: في العدد جمع ألف، أو وهم مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف، ~~بالمد- كشاهد وشهود- أي: إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم ولا تباغض ~~ولكن حذر الموت مفعول له- أي: فرارا منه وقوله: فقال لهم الله موتوا، ~~معناه: فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة ~~رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك مشيئة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء ~~فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف. كقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] . # ثم أحياهم عطف. إما على مقدر يستدعيه المقام أي: فماتوا ثم أحياهم- وإنما ~~حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته. # وإما على (قال) لما أنه عبارة عن الإماتة إن الله لذو فضل على الناس ~~قاطبة. أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة، ~~وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضل ~~على الجميع ليشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون، أي: فضله كما ينبغي. # PageV02P173 ### | تنبيه: # روي عن ابن عباس: أن الآية عني بها قوم كثير والعدد خرجوا من ديارهم ~~فرارا من الجهاد في سبيل الله فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا ~~عدوهم. فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى: وقاتلوا في ~~سبيل الله. # ومعلوم أن سورة البقرة مما نزل في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة. وكان ~~العدو في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأمر المسلمون المهاجرون ومن ~~آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله. وقص لهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على ~~الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة. وإن يكونوا في قلة وضعف، ما داموا ms0674 ~~مستمسكين بحبل الوفاق والصبر والمصابرة. وقد ذهب بعض الرواة إلى أن هذه ~~الآية عني بها ما قص في التوراة عن (حزقيل) - أحد أنبياء بني إسرائيل- أنه ~~أوحى إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني ~~إسرائيل. وأن يناديها باسمه تعالى. فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما. ثم نادى ~~أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى. وهم جيش ~~كثير جدا. وأوحى إلى (حزقيل) أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه. ~~وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة (حزقيل) . # وممن روي عنه أنه عني بهذه الآية نبأ (حزقيل) ، وهب بن منبه وأشعث بن ~~أسلم البصري والحجاج بن أرطاة والسدي وهلال بن يساف وغيرهم. أخرجه عنهم ابن ~~جرير. فإن صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات (حزقيل) في إحياء الموتى له ~~كما أحيى لعيسى عليه السلام. فيرى قومه ما لا ييأسون معه من جهاد عدوهم ~~ليسترجعوا وطنهم الذي أجلاهم عنه عدوهم. لأن (حزقيل) كان فيمن أجلي إلى ~~بابل. قالوا ونبوته تتضمن القضاء المنزل على بني إسرائيل وبشرى السلام الذي ~~يعقب ذلك القضاء. وقد نقل ابن كثير عن عطاء أنه قال في هذه الآية: إنها ~~مثل. ولعل مراده أنها مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها ~~بعد بلوغها غاية الضعف والخمول. فكان حياتها وموتها تمثيلا لحالتيها قبل ~~وبعد. # فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدينة الفخيمة. ~~وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين ~~على دحر المتغلبين الباغين والله أعلم. # ثم إنه لا خفاء في أن ما قص من حوادث الإسرائيليين كان معروفا في الجملة ~~لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة. # PageV02P174 # قال ولي الله الدهلوي في (الفوز الكبير) : واختار سبحانه في تنزيله من ~~أيام الله، يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى، كإنعام المطيعين ~~وتعذيب العصاة، ما قرع سمعهم. وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود. ~~وكانت العرب تتلقاها أبا عن ms0675 جد، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني ~~إسرائيل فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود العرب في قرون كثيرة، ~~وانتزع من القصص المشهورة جملا تنفع في تذكيرهم. ولم يسرد القصص بتمامها مع ~~جميع خصوصياتها. والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية ~~الندرة، أو استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات، يميلون إلى القصص نفسها ~~ويفوتهم التذكر الذي هو الغرض الأصلي فيها. ونظير هذا الكلام ما قاله بعض ~~العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 244] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم. # قال المفسرون: في إتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال، دليل على أنها ~~سيقت بعثا على الجهاد. فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا ~~يغني، كما قال تعالى: الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل ~~فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين [آل عمران: 168] ، وأصل السبيل هو ~~الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ~~ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده ~~وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة ~~الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس ~~عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك ~~وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب. وفي قوله تعالى: واعلموا أن الله ~~سميع عليم بعث على صدق النية والإخلاص. كما # في الصحيحين «1» عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «سئل رسول PageV02P175 # الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، ~~أي ذلك في سبيل الله؟ # فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 245] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ms0676 ~~ويبصط وإليه ترجعون (245) # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة- هذا حث من الله ~~تعالى لعباده على الصدقة، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير ~~موضع. # قال القرطبي: طلب القرض في هذه الآية لما هو تأنيب وتقريب للناس بما ~~يفهمون. والله هو الغني الحميد. لكنه تعالى شبه إعطاءه المؤمنين، وإنفاقهم ~~في الدنيا الذي يرجون ثوابه في الآخرة، بالقرض. كما شبه إعطاء النفوس ~~والأموال في أخذ الجنة، بالبيع والشراء. حسبما يأتي بيانه في سورة براءة، ~~وكنى الله سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا ~~في الصدقة. كما كنى عن المرض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة. # ففي «1» صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: «يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. ~~استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب ~~العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك ~~عندي» وكذا فيما قبله. أخرجه الشيخان. # وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. # وقد أخرج سعيد بن منصور والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما ~~نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! وإن الله ليريد ~~منا القرض؟ قال: PageV02P176 # نعم. يا أبا الدحداح! قال: أرني يدك، يا رسول الله! فناوله يده. قال: ~~فإني قد أقرضت ربي حائطي (وحائط له، فيه ستمائة نخلة. وأم الدحداح فيه ~~وعيالها) فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: اخرجي ~~فقد أقرضته ربي عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قبله منك. فأعطاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره. # فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رب عذق لأبي الدحداح مدلى في الجنة، ~~وفي رواية كم من عذق إلخ # . وقوله تعالى حسنا أي طيبة به نفسه من دون من ولا أذى. وقوله سبحانه ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة كما قال سبحانه: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة ms0677 أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ~~والله واسع عليم [البقرة: 261] . ولما رغب سبحانه في إقراضه أتبعه جملة ~~مرهبة مرغبة فقال: والله يقبض ويبصط # أي: يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين. أي فلا تبخلوا ~~عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق. # وإليه ترجعون أي يوم القيامة فيجازيكم. # قال المهايمي: وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ~~ويسلبه من أهله، ويقوي الضعفاء من الجمع القليل ويضعف الأقوياء من الجمع ~~الكثير؟ يعني كما قصه تعالى في قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 246] # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) # ألم تر إلى الملإ، وهم القوم ذو الشارة والتجمع من بني إسرائيل من بعد ~~موسى إذ قالوا لنبي لهم إنما نكر لعدم مقتض لتعريفه، وزعم الكتابيون أنه ~~صموئيل ابعث لنا ملكا، أي: أقم لنا أميرا: نقاتل، أي معه عن أمره في سبيل ~~الله وذلك حين ظهرت العمالقة، قوم جالوت على كثير من أرضهم قال لهم نبيهم ~~هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. # PageV02P177 # قال الزمخشري: خبر (عسيتم) ألا تقاتلوا. والشرط فاصل بينهما. والمعنى: # هل قاربتم ألا تقاتلوا. يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون. أراد ~~أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل (هل) ~~مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن ~~المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: هل أتى على الإنسان ~~[الإنسان: 1] ، معناه التقرير. وقرئ عسيتم بكسر السين، وهي ضعيفة. # قالوا وما لنا ألا نقاتل، أي وأي سبب لنا في ترك قتال عدونا في سبيل ms0678 الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، أي والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال ~~إيجابا قويا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا فلما كتب عليهم القتال بعد إلحاحهم ~~في طلبه تولوا، أي أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا إلا قليلا منهم والله عليم ~~بالظالمين وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره ~~تعالى. # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على أحكام: # الأول وجوب الجهاد لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني ~~إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم. وأيضا: شرائع من قبلنا تلزمنا. ~~الثاني أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم. وقد «1» كان صلى ~~الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمر عليها أميرا. قال في الكشاف: وروي «2» أنه ~~أمر الناس إذا سافروا، أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم. الثالث: وجوب طاعة ~~الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب. لأن سياق الآية يقضي بذلك، # في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم «أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا» ~~«3» # . وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم ~~أميرا ودليلا وإماما. وهذا محمود. إذ بذلك ينقطع الجدال وينتظم أمورهم. ~~ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء. نحو أمور الأوقاف ~~والمساجد والإمامة لكل PageV02P178 # مسجد ونحو هذا. قال الحاكم: وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود ~~والمواثيق فيما يلزمهم، ووجه ذلك أنه قال (هل عسيتم) وهذا نوع من التأكيد ~~عليهم. وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 247] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، هذا شروع في تفصيل ما ms0679 جرى ~~بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى ~~مصير حالهم. أي قال لهم (بعد ما أوحى إليه ما أوحى) إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا أي ملكه عليكم. فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره. وكان طالوت من ~~سبط لم يكن الملك فيهم. وطالوت اسم أعجمي كجالوت وداود. ولذلك لم ينصرف. ~~وزعم قوم أنه عربي (من الطول) لما وصف به من البسطة في الجسم. ولكنه ليس من ~~أبنية العرب فمنع صرفه للعلمية وشبه العجمة. وقد زعم الكتابيون أن طالوت هو ~~المعروف عندهم بشاول. قالوا معترضين على نبيهم بل على الله تعالى: أنى يكون ~~له الملك علينا أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك ونحن أحق بالملك منه أي لأن ~~فينا من هو سبط الملوك دونه. # قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق ~~الملك على من ملكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر ~~بالسجود لآدم: أنا خير منه [الأعراف: 12] . # ولم يؤت سعة من المال، أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت الملك. ~~والثاني أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به. # قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ~~ملك. # وإنما الملك بإيتاء الله. فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت ~~صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم. # PageV02P179 # قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، لما استبعدوا ~~تملكه بسقوط نسبه وبفقره. رد عليهم ذلك أولا: بأن ملاك الأمر هو اصطفاء ~~الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم. وثانيا: بأن العمدة ~~فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة. وجسامة البدن ليعظم خطره ~~في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب. وقد خصه الله تعالى ~~منهما بحظ وافر قاله أبو السعود. # والله يؤتي ملكه من يشاء، - في الدنيا من غير إرث أو مال. إذ لا يشترط في ~~حقه ms0680 تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد والله واسع يوسع على الفقير ويغنيه ~~عليم بمن يليق بالملك ممن لا يليق به. وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة. # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث ~~وأن الغنى، والصيانة من الحرف الدنيئة، لا تشترط في أمير ولا إمام ولا قاض. ~~أي لما روي أن طالوت كان دباغا أو سقاء مع فقره. قال الحاكم: فيبطل قول ~~الإمامية أنها وراثة، والمعروف من قولهم: أن الإمامة طريقها النص، وتدل ~~الآية أيضا على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولاه. فيكون سليما ~~من الآفات عالما بما يحتاج إليه، لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم ~~والجسم ردا على ما اعتبروا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 248] # وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) # وقال لهم نبيهم إن آية، أي علامة ملكه أنه من الله تعالى: أن يأتيكم ~~التابوت أي يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة. على ~~ما سنذكره فيه سكينة من ربكم، أي وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني ~~إسرائيل يتقوون به على الحرب وبقية، أي فضلة جملة، ذهب جلها مما ترك آل ~~موسى وآل هارون، أي من آثارهم الفاضلة تحمله الملائكة إن في ذلك، أي في رد ~~التابوت إليكم لآية لكم أن ملكه من الله تعالى: إن كنتم مؤمنين بآيات الله ~~وأنبيائه. # قال العلامة البقاعي عليه الرحمة: التابوت، والله أعلم، الصندوق الذي وضع # PageV02P180 # فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات، ويسمى تابوت الشهادة، وكانوا ~~إذا حاربوا حمله جماعة منهم، موظفون لحمله، ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ~~ذلك سبب نصرهم. وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ~~ما أخذوا من نفائسهم. وكان عهدهم به قد طال. فذكرهم بمآثره ترغيبا فيه ~~وحملا على الانقياد لطالوت. فقال: فيه ms0681 سكينة ... الآية. # وفي الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: # (1) وكلم الرب موسى قائلا. (2) كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة. # من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتي. (3) وهذه هي التقدمة التي تأخذونها ~~منهم. ذهب وفضة ونحاس (4) واسما نجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى. # (5) وجلود كباش محمرة وجلود نخس وخشب سنط. (6) وزيت للمنارة وأطياب لدهن ~~المسحة وللبخور العطر. (7) وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة. # (8) فيصنعون لي مقدسا لأسكن في وسطهم. (9) بحسب جميع ما أنا أريك من مثال ~~المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون: # (10) فتصنعون تابوتا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف ذراع وعرضه ذراع ~~ونصف. وارتفاعه ذراع ونصف (11) وتغشيه بذهب نقي من داخل ومن خارج تغشيه. ~~وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه. (12) وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها ~~على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان. وعلى جانبه الثاني حلقتان، ~~(13) وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب. (14) # وتدخل العصوين في الحلقات على جانب التابوت ليحمل التابوت بهما. (15) # تبقي العصوان في حلقات التابوت. لا تنزعان منها. (16) وتضع في التابوت ~~الشهادة التي أعطيك. # وفي الأصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج: # (18) ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه من جبل سيناء لوحي الشهادة ~~لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله. # وفي الأصحاح الرابع والثلاثين منه: أن موسى لما كسر اللوحين أمره الله أن ~~ينحت لوحين مثل الأولين، وأمره أن يكتب عليهما كلمات العهد الكلمات العشر. # ونصه: (1) ثم قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين. فأكتب ~~أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما. # PageV02P181 # وفي حواشي التوراة: أن تابوت الشهادة هو التابوت الذي كان فيه لوحا ~~الشريعة الإلهية المسماة شهادة. # وزعموا أن السكينة معربة عن (شكينا) في اللغة العبرانية. وفي سفر صموئيل ~~من سفر الملوك الأول في الأصحاح الرابع وما بعده نبأ انكسار الإسرائيليين ~~أمام الفلسطينيين وأخذ التابوت من الإسرائيليين وأنه بقي التابوت في بلاد ~~الفلسطينيين سبعة أشهر. في قصص مسهبة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة ms0682 (2) : آية # 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # وقوله تعالى: # فلما فصل طالوت بالجنود، أي خرج بالجيش، لما رد إليهم التابوت وقبلوا ~~ملكه، وخرجوا معه. وكان طالوت أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد ~~قال لهم طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني، أي من أشياعي ~~الذين يقاتلون معي عدوي، ولا يجاوزه ومن لم يطعمه فإنه مني، أي لم يذقه. من ~~(طعم كعلم الشيء، إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا) وفي إيثاره على (لم ~~يشربه) إشعار بأنه محظور تناوله ولو مع الطعام. ذكره الراغب: إلا من اغترف ~~غرفة بيده الواحدة فإنه لا يخرج بذلك عن كونه مني. لأنه في معنى من لم ~~يذقه. # قال الحرالي في قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها، آخذة ما أخذت من ~~قليل أو كثير، وفي الضم، إعلام بملئها. # فشربوا منه، أي إلى حد الارتواء إلا قليلا منهم لم يشربوا إلا كما أذن ~~الله تعالى فلما جاوزه، أي النهر هو أي طالوت والذين آمنوا معه قالوا، أي ~~المفرطون في الشرب لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لأنه سلبت شجاعتهم # PageV02P182 # (وجاء في التوراة تسميته بجليات. على ما سنذكره) قال الذين يظنون، أي ~~يعلمون أنهم ملاقوا الله يرجعون إليه بعد الموت كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 250] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) # ولما برزوا ظهروا لجالوت وجنوده إذ دنوا منه قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا، ~~أي أفضه علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع ms0683 للجراحات، وإنما طلبوه أولا ~~لأنه ملاك الأمر وثبت أقدامنا في ميدان الحرب فلا نهرب منه وانصرنا لأنا ~~مؤمنون بك على القوم الكافرين بك. وهم جالوت وجنوده، وهذه الآية تدل على أن ~~من حزبه أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه ~~تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 251] # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # فهزموهم، أي هؤلاء القليلون، أولئك الكثيرين بإذن الله بنصره إذ شجع ~~القليلين وجبن الكثيرين وقتل داود وكان في جيش طالوت جالوت الذي هو رأس ~~الأقوياء وآتاه الله الملك أي أعطى الله داود ملك بني إسرائيل والحكمة، أي ~~الفهم والنبوة وعلمه مما يشاء من صنعة الدروع وغيرها ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم من أهل الشر ببعض من أهل الخير لفسدت الأرض، أي بغلبة الكفار وظهور ~~الشرك والمعاصي كما قال تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا [الحج: 40] الآية. # ولكن الله ذو فضل على العالمين، أي من عليهم بالدفع. ولذلك قوى سبحانه ~~هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم، ليدفع فساد ~~الأقوياء بالسيف. # PageV02P183 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 252] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # تلك، أي المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت ~~وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه آيات الله إذ هي أخبار غيوب تدل على ~~كمال قدرته سبحانه وحكمته ولطفه نتلوها عليك، أي ننزل عليك جبريل بها ~~بالحق، أي اليقين الذي لا يرتاب فيه وإنك لمن المرسلين بما دلت عليه هذه ~~الآيات من علمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى ~~الدهر. وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما ~~احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة. كما أن فيها تسلية للرسول صلى ms0684 الله ~~عليه وسلم من الكفار والمنافقين. فكأنه قيل: قد عرفت بهذه الآيات ما جرى ~~على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم. ~~فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم. وإنما بعث ~~الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع، لا على سبيل ~~الإكراه. فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم. والوبال في ذلك يرجع عليهم وقوله ~~وإنك لمن المرسلين كالتنبيه على ذلك. أشار له الرازي. # قال البقاعي: ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته. لأنه مما لا يعلمه إلا ~~القليل من حذاق علماء بني إسرائيل. # قلت: يرحم الله البقاعي فإنه لم يطلع على هذه القصة من التوراة مع أنها ~~مسوقة في الأصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول ونصه: # (1) وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا ونزلوا ~~بين سوكوه وعريقة في أفس دميم. (2) واجتمع شاول ورجال إسرائيل ونزلوا في ~~وادي البطم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين. (3) وكان الفلسطينيون وقوفا ~~على جبل من هنا وإسرائيل وقوفا على جبل من هناك والوادي بينهم. (4) فخرج ~~رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جت طوله ست أذرع وشبر. # (5) وعلى رأسه خوذة من نحاس وكان لابسا درعا حرشفيا ووزن الدرع خمسة آلاف ~~شاقل نحاس. (6) وجرموقا نحاس على رجليه ومزراق نحاس بين كتفيه. (7) وقناة ~~رمحه كنول النساجين وسنان رمحه ست مائة شاقل حديد وحامل الترس كان يمشي # PageV02P184 # قدامه. (8) فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: لماذا تخرجون لتصطفوا ~~للحرب. أما أنا الفلسطيني وأنتم عبيد لشاول. اختاروا لأنفسكم رجلا ولينزل ~~إلي. # (9) فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدا. وإن قدرت أنا عليه ~~وقتلته تصيرون أنتم عبيدا وتخدموننا. (10) وقال الفلسطيني أنا عيرت صفوف ~~إسرائيل هذا اليوم. أعطوني رجلا فنتحارب معا (11) ولما سمع شاول وجميع ~~إسرائيل كلام الفلسطيني هذا ارتاعوا وخافوا جدا. (12) وداود هو ابن ذلك ~~الرجل الأفراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه ms0685 يسى وله ثمانية بنين. وكان ~~الرجل في أيام شاول قد شاخ وكبر بين الناس. (13) وذهب بنو يسى الثلاثة ~~الكبار وتبعوا شاول إلى الحرب. وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب ~~أليآب البكر وأبيناداب ثانيه وشمة ثالثهما. (14) وداود هو الصغير والثلاثة ~~الكبار ذهبوا وراء شاول. (15) وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى ~~غنم أبيه في بيت لحم. # وكان الفلسطيني يتقدم ويقف صباحا ومساء أربعين يوما. (17) فقال يسى لداود ~~ابنه خذ لإخوتك إيفة من هذا الفريك وهذه العشر الخبرات واركض إلى المحلة ~~إلى إخوتك. (18) وهذه العشر القطعات من الجبن قدمها لرئيس الألف وافتقد ~~سلامة إخوتك وخذ منهم عربونا. (19) وكان شاول وهم وجميع رجال إسرائيل في ~~وادي البطم يحاربون الفلسطينيين. (20) فبكر داود صباحا وترك الغنم مع حارس ~~وحمل وذهب كما أمره يسى وأتى إلى المتراس والجيش خارج إلى الاصطياف وهتفوا ~~للحرب. (21) واصطف إسرائيل والفلسطينيون صفا مقابل صف. (22) # فترك داود الأمتعة التي معه بيد حافظ الأمتعة وركض إلى الصف وأتى وسأل عن ~~سلامة إخوته. (23) وفيما هو يكلمهم إذا برجل مبارز اسمه جليات الفلسطيني من ~~جت صاعد من صفوف الفلسطينيين وتكلم بمثل هذا الكلام فسمع داود. (24) # وجميع رجال إسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا. (25) فقال رجال ~~إسرائيل أرأيتم هذا الرجل الصاعد. ليعير إسرائيل هو صاعد. فيكون أن الرجل ~~الذي يقتله يغنيه الملك غنى جزيلا ويعطيه بنته ويجعل بيت أبيه حرا في ~~إسرائيل. # (26) فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلا ماذا يفعل للرجل الذي يقتل ذلك ~~الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل. لأنه من هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى ~~يعير صفوف الله الحي. (27) فكلمه الشعب بمثل هذا الكلام قائلين كذا يفعل ~~بالرجل الذي يقتله (28) وسمع أخوه الأكبر أليآب كلامه مع الرجال فحمي غضب ~~أليآب على داود وقال لماذا نزلت وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في ~~البرية. أنا # PageV02P185 # علمت كبرياءك وشر قلبك لأنك نزلت لكي ترى الحرب. (29) فقال داود ماذا ~~عملت الآن. أما هو كلام. (30) وتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام ms0686 ~~فرد له الشعب جوابا كالجواب الأول. (31) وسمع الكلام الذي تكلم به داود ~~وأخبروا به أمام شاول. فاستحضره. (32) فقال داود لشاول: لا يسقط قلب أحد ~~بسببه. عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطيني. (33) فقال شاول لداود لا تستطيع أن ~~تذهب إلى هذا الفلسطيني لتحاربه لأنك غلام وهو رجل حرب منذ صباه. (34) # فقال داود لشاول كان عبدك يرعى لأبيه غنما فجاء أسد مع دب وأخذ شاة من ~~القطيع. (35) فخرجت وراءه وقتلته وأنقذتها من فيه ولما قام علي أمسكته من ~~ذقنه وضربته فقتلته. (36) قتل عبدك الأسد والدب جميعا. وهذا الفلسطيني ~~الأغلف يكون كواحد منهما لأنه قد عير صفوف الله الحي. (37) وقال داود الرب ~~الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب هو ينقذني من يد هدا الفلسطيني. فقال ~~شاول لداود: اذهب وليكن الرب معك. (38) وألبس شاول داود ثيابه وجعل خوذة من ~~نحاس على رأسه وألبسه درعا. (39) فتقلد داود بسيفه فوق ثيابه وعزم أن يمشي ~~لأنه لم يكن قد جرب. فقال داود لشاول لا أقدر أن أمشي بهذه لأني لم أجربها. ~~ونزعها داود عنه. (40) وأخذ عصاه بيده وانتخب له خمسة حجارة ملس من الوادي ~~وجعلها في كنف الرعاة الذي له أي في الجراب ومقلاعه بيده وتقدم نحو ~~الفلسطيني. (41) وذهب الفلسطيني ذاهبا واقترب إلى داود والرجل حامل الترس ~~أمامه. ولما نظر الفلسطيني ورأى داود استحقره لأنه كان غلاما وأشقر جميل ~~المنظر. (43) فقال الفلسطيني لداود العلي أنا كلب حتى أنك تأتي إلي بعصي. # ولعن الفلسطيني داود بآلهته. (44) وقال الفلسطيني لداود تعال إلي فأعطي ~~لحمك لطيور السماء ووحوش البرية. (45) فقال داود للفلسطيني أنت تأتي إلي ~~بسيف وبرمح وبترس. وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين ~~عيرتهم (46) هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك. وأعطي جثث جيش ~~الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض فتعلم كل الأرض أنه ~~يوجد إله لإسرائيل. (47) وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح ~~يخلص الرب لأن الحرب الرب وهو يدفعكم ليدنا. (48) وكان لما قام الفلسطيني ~~وذهب وتقدم للقاء ms0687 داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني. (49) ~~ومد داود يده إلى الكنف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في ~~جبهته فارتز الحجر في جبهته وسقط على وجهه إلى الأرض. (50) فتمكن داود من ~~الفلسطيني # PageV02P186 # بالمقلاع والحجر وضرب الفلسطيني وقتله. ولم يكن سيف بيد داود. (51) فركض ~~داود ووقف على الفلسطيني وأخذ سيفه واخترطه من غمده وقتله وقطع به رأسه. # فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا. (52) فقام رجال إسرائيل ~~ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين حتى مجيئك إلى الوادي وحتى أبواب عقرون ~~... إلخ. # وتتمة شأن داود بعد ذلك إلى أن آتاه الله الملك مذكور في الفصول بعد هذا ~~الفصل من التوراة. فانظره إن شئت. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 253] # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # تلك الرسل، إشارة إلى من ذكر منهم في هذه السورة أو المعلومة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فضلنا بعضهم على بعض بأن خص بمنقبة ليست لغيره منهم من كلم ~~الله تفصيل التفضيل أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى ~~عليه السلام ورفع بعضهم درجات كإبراهيم اتخذه الله خليلا. وداود آتاه الله ~~النبوة والخلافة والملك. # قال الزمخشري: أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في ~~الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة. # والظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم حيث ~~أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ~~ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء. ~~لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من ~~تفخيم فضله وإعلاء ms0688 قدره ما لا يخفى. لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي ~~لا يشبه والمتميز الذي لا يلتبس يقال للرجل: # من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم. تريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من ~~الأفعال. فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر ~~الناس؟ فذكر زهيرا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه. ولو ~~قال: # PageV02P187 # ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. # ثم قال: ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمدا وغيرهما من أولي العزم. # وآتينا عيسى ابن مريم البينات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ~~وأيدناه بروح القدس سبق الكلام فيه. # قال الزمخشري: فإن قلت فلم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ # قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين الله وجه ~~التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات. فلما كان هذان ~~النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات، خصا بالذكر في باب التفضيل. ~~وهذا دليل بين أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها ~~وعظمها، كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع. # ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم، أي من بعد الرسل لاختلافهم في ~~الدين وتشعب مذاهبهم وتكفير بعضهم بعضا من بعد ما جاءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد. # قال الزمخشري: كرره للتأكيد. قال الناصر في حواشيه: ووراء التأكيد سر أخص ~~منه. وهو أن العرب متى ثبت أول كلامهم على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت ~~الرجوع إلى الأول، قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها. وذلك عندهم ~~مهيع من الفصاحة مسلوك. وفي كتاب الله تعالى مواضع في هذا المعنى. # منها قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا [النحل: ms0689 106] ، ومنها قوله تعالى: ولولا ~~رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم- ~~إلى قوله- لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم [الفتح: 25] . وهذه الآية من ~~هذا النمط. لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة، ثم طال ~~الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو ~~اقتتال هؤلاء، فهي نافذة في كل فعل واقع. وهو المعنى المعبر عنه في قوله: ~~ولكن الله يفعل ما يريد طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق ~~المشيئة لتناسب الكلام ويعرف كل بشكله. فهذا سر ينشرح له الصدر، ويرتاح له ~~السر. والله الموفق. # PageV02P188 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 254] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم، هذا أمر بالإنفاق لبعض من ~~المال. قيل هو أمر إيجاب وأنه أراد، بذلك، الإنفاق الواجب وهو الزكاة. لأنه ~~تعالى عقبه بالوعيد بقوله: والكافرون إلخ، حيث عنى بهم مانعوها كما يأتي. ~~وقال الأصم وأبو علي: # أراد النفقة في الجهاد. وقال أبو مسلم وابن جريج: أراد الفرض والنفل. وهو ~~المتجه. # وقوله تعالى من قبل أن يأتي يوم هو يوم القيامة لا بيع فيه، أي فتحصلون ~~ما تنفقونه أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم الأخلاء. الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67] ، ولا شفاعة حتى تتكلوا على ~~شفعاء: إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا [طه: 109] . # والكافرون هم الظالمون أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون وإيثاره عليه ~~للتغليظ والتهديد. كما في قوله تعالى في آخر آية الحج ومن كفر [آل عمران: ~~97] ، مكان (ومن لم يحج) وللإيذان بأن ترك الزكاة من صفات الكفار. قال ~~تعالى: # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة [فصلت: 6- 7] . ذكره الزمخشري. # ويحتمل أن يكون المعنى: والكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأموال في ~~غير مواضعها. فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في أن لا تنفقوا ms0690 فتضعوا ~~أموالكم في غير مواضعها. وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى ~~الخيرات، قبل فواتها بهجوم ما يخشى معه الفوت، من موت أو غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 255] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) # الله لا إله إلا هو الحي أي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء القيوم ~~الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وقرئ القيام والقيم. # PageV02P189 # لا تأخذه سنة ولا نوم تأكيد للقيوم. أي لا يغفل عن تدبير أمر الخلق تعالى ~~وتقدس. والسنة (كعدة) والوسن (محركة وبهاء) والوسنة شدة النوم أو أوله، أو ~~النعاس. كذا في القاموس. # قال المهايمي: السنة فتور يتقدم النوم. والنوم حال تعرض للحيوان من ~~استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس. # فهما منقصان للحياة منافيان للقيومية، لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب ~~الوجود الذي للقيوم. ونفي النوم أولا التزاما، ثم تصريحا، ليدل كمال نفيه ~~على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات ~~والسفليات المشار إليه بقوله له ما في السماوات من الملائكة والشمس والقمر ~~والكواكب وما في الأرض من العوالم المشاهدات. وهذا إخبار بأن الجميع في ~~ملكه وتحت قهره وسلطانه. كقوله: إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا [مريم: 93- 94] . من ذا من الأنبياء ~~والملائكة، فضلا عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام الذي يشفع عنده فضلا عن ~~أن يقاومه أو يناصبه إلا بإذنه أي بتمكينه تحقيقا للعبودية، كما قال تعالى: ~~وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن ~~يشاء ويرضى [النجم: 26] . وكقوله: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء: 28] ~~. وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا ms0691 يتجاسر أحد على أن يشفع ~~لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة. كما # في حديث الشفاعة «1» : «آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن ~~يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع، قال: # فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة» . # قال أبو العباس بن تيمية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون. ~~فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة. ~~فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون ~~هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده. لا يبدأ ~~PageV02P190 # بالشفاعة أولا. ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. وقال ~~«1» له أبو هريرة: «من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا الله ~~خالصا من قلبه» # . فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله. ولا تكون لمن أشرك بالله. ~~وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة ~~دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها ~~القرآن ما كان فيها شرك. ولهذا أثبتت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. يعلم ما ~~بين أيديهم أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم. لأن ما بين يدي المرء ~~يحيط به حسه. وما علمه أيضا. فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه وما خلفهم ~~وهو ما لم ينله علمهم. لأن الخلف هو ما لا يناله الحس. فأنبأ أن علمه من ~~وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا. # أفاده الحرالي. فهذه الجملة كقوله تعالى: عالم الغيب والشهادة [الأنعام: # 73] ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء أي لا يعلمون شيئا من ~~معلوماته إلا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل. كما قال تعالى: ~~فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ms0692 من رسول [الجن: 26- 27] . أي ليكون ما ~~يطلعه عليه من علم غيبه دليلا على نبوته. وسع كرسيه السماوات والأرض روى ~~ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المعني بالكرسي العلم. وذلك ~~لدلالة قوله تعالى: # ولا يؤده حفظهما أي لا يؤوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السموات والأرض. ~~وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~[غافر: 7] ، فأخبر أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: وسع كرسيه السماوات ~~والأرض قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة ظاهر القرآن لما ذكر. ~~ولأن أصل الكرسي العلم. ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة. ومنه ~~قول الراجز في صفة قانص حتى إذا ما احتازها تكرسا يعني علم، ومنه يقال ~~للعلماء: الكراسي. لأنهم المعتمد عليهم. كما يقال: # أوتاد الأرض. يعني أنهم الذي تصلح بهم الأرض. ومنه قول الشاعر: ~~PageV02P191 # يحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالأحداث حين تنوب # يعني بذلك علمه بحوادث الأمور ونوازلها. وروى ابن جرير أيضا عن الحسن: # أن الكرسي في الآية هو العرش. وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيها ~~مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين [النمل: 38] ، فالعرش والكرسي هما شيء واحد وإنما سماه هنا. ~~كرسيا، إعلاما باسم له آخر. ولا يؤده أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: آده ~~الأمر أودا وأوودا (كقعود) بلغ منه المجهود والمشقة حفظهما أي السموات ~~والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد. وكيف يشق عليه وهو العلي قال ابن جرير. ~~قال بعضهم: يعني بذلك علوه عن النظير والأشباه. وقال آخرون: معناه العلي ~~على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه. # وخلقه دونه. كما وصف به نفسه أنه على العرش. فهو عال بذلك عليهم. # العظيم أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان. ### | تنبيه: # آية الكرسي هذه لها شأن عظيم وفضل كبير. وقد صح الحديث «1» عن رسول الله ~~صلى الله ms0693 عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله ~~الأعظم، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في (تفسيره) والجلال ~~السيوطي في (الدر المنثور) فانظرهما. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد. # قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه ~~وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان ~~أفضل من سائر الأذكار. # وقد حكى السيوطي في (الإتقان) عن الأشعري والباقلاني وابن حبان المنع من ~~أن يقال في القرآن فاضل وأفضل. قالوا: وما ورد مما يفيد ذلك محمول على ~~الأعظمية في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقد رد ذلك غير واحد، حتى ~~PageV02P192 # قال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في ~~التفضيل. وقال الغزالي في (جواهر القرآن) : لعلك أن تقول: قد أشرت إلى ~~تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله. فكيف يتفاوت بعضها ~~بعضا، وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك ~~إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، ~~وترتاع على اعتقاد نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلى ~~الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال: يس قلب القرآن «1» . ~~وفاتحه الكتاب أفضل سور القرآن «2» . # وآية الكرسي سيدة آي القرآن. وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن «3» . ~~والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة ~~الثواب في تلاوتها- لا تحصى. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 256] # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي قال ابن كثير: أي لا تكرهوا ~~أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه. لا ~~يحتاج إلى ms0694 أن يكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ~~ونور بصيرته PageV02P193 # دخل فيه على بينة. ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرها مقسورا: ~~فالنفي بمعنى النهي. # وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير. وذهب آخرون إلى أنه خبر محض. أي ~~أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر وإنما بناه على التمكين ~~والاختيار. # قال القفال- موضحا له- لما بين تعالى دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا ~~للعذر، أخبر بعد ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في ~~الإقامة على الكفر. إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه. وذلك مما لا يجوز ~~في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء. إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان ~~معنى الابتلاء والامتحان. ونظير هذه الآية قوله تعالى: فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر [الكهف: 29] . وقوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [يونس: 99] . وقوله تعالى: لعلك ~~باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين [الشعراء: ### | 3- 4 # ] . ### | تنبيه: # علم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل ~~عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين. ولكن لحماية ~~الدعوة إلى الدين والإذعان لسلطانه وحكمه العدل. # فمن يكفر بالطاغوت أي بالشيطان. أي بما يدعو إليه من عبادة الأوثان ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أي فقد تمسك من الدين بأقوى ~~سبب. وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم. هي في نفسها محكمة مبرمة ~~قوية. وربطها قوي شديد. وجملة (لا انفصام لها) إما استئناف مقرر لما قبلها، ~~وإما حال من (العروة) والعامل (استمسك) أو من الضمير المستتر في (الوثقى) ~~وإما صلة لموصول محذوف أي (التي) . نقله الرازي. # وقد روى الشيخان عن عبد الله بن سلام قال: رأيت رؤيا على عهد محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأيت كأني في روضة خضراء ms0695 وسطها عمود حديد أسفله في ~~الأرض وأعلاه في السماء. في أعلاه عروة. فقيل لي: اصعد عليه. فقلت: لا ~~أستطيع. # فجاءني منصف (أي وصيف) فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد فصعدت حتى أخذت ~~بالعروة. فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي. فأتيت رسول # PageV02P194 # الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال: أما الروضة فروضة الإسلام. ~~وأما العمود فعمود الإسلام. وأما العروة فهي العروة الوثقى. أنت على ~~الإسلام حتى تموت # والله سميع عليم اعتراض تذييلي حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق، ~~بما فيه من الوعد والوعيد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 257] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(257) # الله ولي الذين آمنوا أي حافظهم وناصرهم يخرجهم تفسير للولاية أو خبر ثان ~~من الظلمات أي ظلمات الكفر والمعاصي إلى النور أي نور الإيمان الحق الواضح. ~~وإفراد النور لوحدة الحق. كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال. # كما قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [الأنعام: 153] ، والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت أي: الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق يخرجونهم ~~بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء من النور أي الإيمان الفطري الذي ~~جبل عليه الناس كافة. أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى الظلمات أي: ظلمات الكفر والغي أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون. # ثم استشهد تعالى على ما ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) # ألم تر إلى الذي حاج أي جادل إبراهيم ms0696 في ربه أي كيف أخرجه الطاغوت من نور ~~نسبة الإحياء والإماتة إلى ربه، إلى ظلمات نسبتهما إلى نفسه أن # PageV02P195 # آتاه الله الملك أي: لأن آتاه الله. يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه ~~الكبر. فحاج لذلك، أو حاجه لأجله. وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر ~~موضع ما يجب عليه الشكر. كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه. تريد أنه ~~عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 82] . # قال الحرالي: وفي إشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه. # إذ قال إبراهيم حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه ربي الذي يحيي ويميت أي ~~بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه قال أنا أحيي وأميت أي بالقتل والعفو ~~عنه. ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه ~~من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في ~~تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم عليه السلام، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى ~~حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج ~~مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام. وهو ما قصه تعالى بقوله قال إبراهيم ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب أي إذا كنت كما تدعي من ~~أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته ~~وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها ~~كما ادعيت فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر تحير ودهش وغلب بالحجة، لما علم ~~عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا. بل حجتهم داحضة عند ربهم ~~وعليهم غضب ولهم عذاب شديد [الشورى: 16] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ms0697 قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # PageV02P196 # أو كالذي مر على قرية استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين ~~وتقرير له، معطوف على الموصول السابق. وإيثار (أو) الفارقة على (الواو) ~~الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الأمر. والكاف إما ~~اسمية جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، وإما ~~زائدة. والمعنى: أو لم تر إلى مثل الذي. أو إلى الذي مر على قرية. كيف هداه ~~الله تعالى وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود وهي خاوية على ~~عروشها خالية ساقطة حيطانها على سقوفها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها أي ~~كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها. فكان منه كالوقوع في الظلمات. فأراه ~~الدليل على الإحياء الحقيقي في نفسه مبالغة في قلع الشبهة، إخراجا له منها ~~إلى النور فأماته الله مائة عام ليندرس بالكلية ثم بعثه أي أحياه ببعث روحه ~~إلى بدنه وبعض أجزائه إلى بعض بعد تفرقها قال الله له كم لبثت أي مكثت ميتا ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم قاله بناء على التقريب والتخمين. أو استقصارا ~~لمدة لبثه قال الله بل لبثت مائة عام وإنما سأله تعالى ليظهر له عجره عن ~~الإحاطة بشئونه. وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة، ربما يتوهم أنه هين في ~~الجملة، بل بعد مدة طويلة. وينحسم به مادة استبعاده بالمرة. ويطلع في ~~تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغذاء المتسارع ~~إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهرا طويلا، من غير تغير ما. كما قال ~~سبحانه فانظر لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد. # والهاء يجوز أن ms0698 تكون هاء سكت زيدت في الوقف. وأصل الفعل على هذا فيه ~~وجهان: أحدهما يتسنن من قوله: حمإ مسنون. فلما اجتمعت ثلاث نونات قلبت ~~الأخيرة ياء كما قلبت في تظنيت ثم أبدلت الياء ألفا ثم حذفت للجزم. # والثاني أن يكون أصل الألف واوا من قولهم: أسنى يسني إذا مضت عليه ~~السنون. # وأصل سنة سنوة لقولهم: سنوات أي لم تمر عليه السنون. والمعنى على ~~التشبيه. # أي كأنه لم تمر عليه المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره. ويجوز أن ~~تكون الهاء أصلا ويكون اشتقاقه من السنة بناء على أن لام السنة هاء وأصلها ~~سنهة. لقولهم سنهاء وعاملته مسانهة. فعلى هذا تثبت الهاء وصلا ووقفا. إذ ~~الفعل مجزوم بسكونها. وعلى الأول تثبت في الوقف دون الوصل. ومن أثبتها في ~~الوصل أجراه مجرى الوقف. وقد قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وصلا وإثباتها ~~وقفا والباقون بإثباتها وصلا ووقفا. فإن قيل: ما فاعل يتسنى؟ قيل: يحتمل أن ~~يكون ضمير الطعام # PageV02P197 # والشراب لاحتياج كل واحد منهما إلى الآخر، فكانا بمنزلة شيء واحد. فلذلك ~~أفرد الضمير في الفعل. ويحتمل أن يكون جعل الضمير ل (ذلك) . و (ذلك) يكنى ~~به عن الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. ويحتمل أن يكون الضمير للشراب فقط ~~لأنه أقرب. وثم جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير: وانظر إلى ~~طعامك لم يتسنه. وإلى شرابك لم يتسنه. ويجوز أن يكون أفرد في موضع التثنية ~~كما قال الشاعر: # فكأن في العينين حب قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلت # أشار لذلك أبو البقاء وانظر إلى حمارك كيف هو. فرآه صار عظاما نخرة ~~ولنجعلك آية للناس عطف على مقدر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر ~~لمضمون ما سبق. أي فعلنا ما فعلنا، من إحيائك بعد ما ذكر، لتعاين ما ~~استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل. ولنجعلك آية للناس على البعث. أو متعلق ~~بفعل مقدر بعده. أي: ولنجعلك آية للناس فعلنا ما فعلنا وانظر إلى العظام أي ~~عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء كيف ننشزها قرئ بالزاي أي نرفع ms0699 بعضها على ~~بعض ونركبه عليه. من (النشز) وهو المرتفع من الأرض وفيها على هذا وجهان: ضم ~~النون وكسر الشين من (أنشزته) وفتح النون وضم الشين من (نشزته) وهما لغتان. ~~وقرئ بالراء وفيها وجهان: الأول فتح النون وضم الشين وماضيه (نشر) فيكون ~~إما مطاوع أنشر الله الميت فنشر، وحينئذ نشر بمعنى أنشر. فاللازم والمتعدي ~~بلفظ واحد. وإما من النشر الذي هو ضد الطي أي يبسطها بالإحياء. # والثاني ضم النون وكسر الشين أي نحييها كقوله: ثم إذا شاء أنشره [عبس: # 22] . قاله أبو البقاء. ثم نكسوها لحما أي نسترها به فلما تبين له أي ~~اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكلي، وظهر له كيفية ~~الإحياء قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فخرج من الظلمات إلى النور. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # PageV02P198 # وإذ قال إبراهيم قال المهايمي: واذكر لتمثيل قصة المار على القرية، في ~~الإخراج من الظلمات إلى النور، بالإحياء، قصة إبراهيم. # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي أي بلى آمنت ولكن سألت لأزداد ~~بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي. فإن تظاهر الأدلة أسكن ~~للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام لم يكن شاكا في إحياء الموتى قط. وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه ~~النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه. ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «ليس الخبر كالمعاينة» . # وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله. ~~واستدلوا بما # صح عنه صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين وغيرهما من قوله «2» : «نحن أحق ms0700 ~~بالشك من إبراهيم» # . وبما روي عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن عندي آية أرجى منها. إذ ~~رضي الله من إبراهيم قوله بلى. قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به ~~الشيطان. أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه. ورجح هذا ابن جرير بعد ~~حكايته له. # قال ابن عطية: وهو عندي مردود. يعني قول هذه الطائفة. ثم قال: وأما # قول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك من إبراهيم # ، فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به. # ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن ~~إبراهيم. وأطال ابن عطية البحث في هذا. وأطاب. # قال القرطبي: ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام مثل هذا الشك. وقد أخبر ~~الله سبحانه أن أصفياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان [الإسراء: 65] . وقال اللعين: إلا عبادك منهم المخلصين [ص: 83] ~~. وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم! وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع ~~أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها. فأراد أن ~~يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين. PageV02P199 # وقال الناصر في (الانتصاف) : الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار ~~في تفسيرها من المباحث الممتحنة بالفكر المحرر، والنكت المفصحة بالرأي ~~المخمر، فنقول: أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له: كيف تحي الموتى. ~~فليس عن شك، والعياذ بالله، في قدرة الله على الإحياء. ولكنه سؤال عن كيفية ~~الإحياء. ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها. فإنما هي طلب علم ما لا ~~يتوقف الإيمان على علمه. ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة (كيف) وموضوعها ~~السؤال عن الحال. # ونظير هذا السؤال أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس؟ فهو لا يشك أنه ~~يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه، لا ثبوته. ولو كان الوهم قد يتلاعب ~~ببعض الخواطر فيطرق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية. وقد قطع النبي عليه ~~الصلاة والسلام دابر هذا الوهم بقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم أي: ونحن ms0701 ~~لم نشك. # فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى. (فإن قلت) إذا كان السؤال مصروفا إلى ~~الكيفية التي لا يضر عدم تصورها ومشاهدتها بالإيمان ولا تخل به، فما موقع ~~قوله تعالى أولم تؤمن؟ قلت: قد وقعت لبعض الحذاق فيه على لطيفة، وهي أن هذه ~~الصيغة تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما مر. وقد تستعمل في ~~الاستعجاز. مثاله أن يدعي مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن ~~حمله فتقول له: # أرني كيف تحمل هذا؟ فلما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي ~~أحاط علم الله تعالى بأن إبراهيم مبرأ منه- أراد بقوله: أولم تؤمن أن ينطق ~~إبراهيم بقوله: بلى آمنت. ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة ~~الأولى. # ليكون إيمانه مخلصا، نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهما لا يلحقه ~~فيه شك. (فإن قلت) قد تبين لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين. ~~فما موقع قول إبراهيم: ولكن ليطمئن قلبي؟ وذلك يشعر ظاهرا بأنه كان عند ~~السؤال فاقدا للطمأنينة. قلت: معناه: ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية ~~الحياة. لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت ~~عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية. وربك ~~الفتاح العليم. # انتهى. # قال أي: إذ أردت الطمأنينة فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك بضم الصاد ~~وكسرها بمعنى فأملهن واضممهن إليك. يقال: صاره يصوره ويصيره إذا أماله ~~لغتان. # PageV02P200 # قال الزمخشري: وقرأ ابن عباس رضي الله عنه فصرهن بضم الصاد وكسرها وتشديد ~~الراء من: صره يصره ويصره إذا جمعه، وعنه: فصرهن (من التصرية) وهي الجمع ~~أيضا: وقال اللحياني قال بعضهم: معنى صرهن وجههن. ومعنى صرهن قطعهن وشققهن. ~~والمعروف أنهما لغتان بمعنى واحد. وكلهم فسروا فصرهن أملهن.، والكسر فسر ~~بمعنى قطعهن. وقال الفيروزآبادي في (البصائر) : قال بعضهم: صرهن بضم الصاد ~~وتشديد الراء وفتحها من الصر أي الشد. قال وقرئ فصرهن بكسر الصاد وفتح ~~الراء المشددة (من الصرير) أي الصوت أي صح بهن. # وقال أبو ms0702 البقاء: ويقرأ بضم الصاد وتشديد الراء ثم منهم من يضمها اتباعا ~~ومنهم من يفتحها تخفيفا ومنهم من يكسرها على أصل التقاء الساكنين. # أقول: قد تقرر في العربية أن المضاعف إذا لحقته هاء الضمير يلزم وجه واحد ~~في المؤنث وهو فتح ما قبلها نحو ردها مراعاة للألف اتفاقا، وفي المذكر ~~ثلاثة أوجه: # أفصحها الضم ويليه الكسر وهو ضعيف، ويليه الفتح وهو أضعفها. وممن ذكره ~~ثعلب في (الفصيح) لكن غلطوه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه ثم اجعل ~~على كل جبل منهن جزءا أي ثم اذبحهن وجزئهن وضع على كل جبل منهن بعضا ثم ~~ادعهن أي: بأسمائهن يأتينك سعيا أي مسرعات واعلم أن الله عزيز حكيم. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ # قلت: ليتأملها ويعرف أشكالها وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ~~ولا يتوهم أنها غير تلك. ولذلك قال: يأتينك سعيا أي ولم يقل طيرانا لأنه ~~إذا كانت ساعية كانت أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 261] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أي في طاعته كمثل حبة أي مثل ~~نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. فالحذف إما من جانب المشبه أو ~~المشبه به لتحصيل المناسبة، أي وتلك الحبة ألقيت في الأرض ثم أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة أي: أنبتت ساقا انشعب سبع شعب، خرج من كل # PageV02P201 # شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. ~~قال ابن كثير: وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة. فإن هذا ~~فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها كما ينمي ~~الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. انتهى. # أقول: مصداق هذا ما # في الصحيحين «1» عن أبي هريرة ms0703 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله ~~يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» ~~. # والله يضاعف أي هذا التضعيف أو أكثر منه لمن يشاء والله واسع عليم وقد ~~وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. # ففي الصحيحين «2» وغيرهما عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال ~~الله عز وجلى: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) » . # وأخرج أحمد ومسلم «3» والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال: «جاء رجل بناقة ~~مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها ~~يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» . # وأخرج أحمد «4» والطبراني والبيهقي عن بريدة قال: # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النفقة في الحج كالنفقة في سبيل ~~الله. الدرهم بسبعمائة ضعف» # . وثمة آثار أخرى في (ابن كثير) و (الدر المنثور) . ثم مدح تعالى من حفظ ~~نفسه من المن والأذى فيما أنفق بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 262] # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون أي لا يعقبون ما أنفقوا ~~PageV02P202 # منا وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقا ولا أذى وهو ~~ذكره لغيره فيؤذيه بذلك أو التطاول عليه بسببه لهم أجرهم عند ربهم الموعود ~~به قبل ولا خوف عليهم أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة ولا هم ~~يحزنون. # على فائت من زهرة الدنيا، لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك. ### | لطائف: # الأولى: قال الزمخشري معنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن ~~والأذى وفي حواشيه للناصر ما نصه: (ثم) في أصل وضعها تشعر بتراخي المعطوف ~~بها عن المعطوف ms0704 عليه في الزمان وبعد ما بينهما، والزمخشري يحملها على ~~التفاوت في المراتب والتباعد بينهما. حيث لا يمكنه حملها على التراخي في ~~الزمان لسياق يأبى ذلك. كهذه الآية. وحاصلة أنها استعيرت من تباعد الأزمنة ~~لتباعد المرتبة. # وعندي فيها وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة على دوام ~~الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه. فهي على هذا لم تخرج عن ~~الإشعار ببعد الزمن. ولكن معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه. ~~ومعناها المستعارة إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه. وعليه حمل قوله ~~تعالى: ثم استقاموا [فصلت: 30] ، أي داموا على الاستقامة دواما متراخيا ~~ممتد الأمد. # وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى ~~والشهوات، وكذلك قوله: ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى أي يدومون على ~~تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى ~~الأذية وتقليد المنن بسببه، ثم يتوبون. والله أعلم. وقريب من هذا أو مثله، ~~أن السين يصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه وتراخيه. ثم ورد قوله تعالى حكاية ~~عن الخليل عليه السلام: إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99] . وقد حكى ~~الله تعالى في مثل هذه الآية: الذي خلقني فهو يهدين [الشعراء: 78] . فليس ~~إلى حمل السين على تراخي زمان وقوع الهداية له من سبيل. فيتعين المصير إلى ~~حملها على الدلالة على تنفس دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي ~~أمدها. # انتهى. # الثانية: قال الزمخشري: (فإن قلت) أي فرق بين قوله: لهم أجرهم وقوله فيما ~~بعد: فلهم أجرهم؟ (قلت) الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط، وضمنه ثمه. ~~والفرق بينهما من جهة المعنى أن الفاء فيها دلالة على أن الإنفاق به # PageV02P203 # استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة. # وقال أبو السعود: وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما ~~بعدها، للإيذان بأن ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المن ~~والأذى- أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 263] ms0705 # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # قول معروف أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ومغفرة أي غفر عن ظلم قولي أو ~~فعلي خير من صدقة يتبعها أذى إذ لا يحصل للصدقة ثواب ويحصل إثم الأذى. وقد ~~دخل في قوله (قول معروف) الرد الجميل للسائل و (مغفرة) العفو عن السائل إذا ~~وجد منه ما يثقل على المسؤول. والله غني عن طلب صدقة لعبيده مع الأذى لهم ~~أو المن عليهم حليم عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 264] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~(264) # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى أي لا تحبطوا أجرها ~~بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسان المعتبر في الصدقة. ~~والمنافي مبطل كالرياء. # فيصير المان والمؤذي كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر في بطلان صدقته. و (رئاء) إما مفعول له أو حال. أي مرائيا. والهمزة ~~الأولى في (رئاء) عين الكلمة لأنه. من راءى. والأخيرة بدل من الياء لوقوعها ~~طرفا بعد ألف زائدة كالقضاء. ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياء فرارا ~~من ثقل الهمزة بعد الكسرة. وقد قرئ به. قاله أبو البقاء. # فمثله أي هذا المنفق رياء، في إنفاقه مقارنا لما يفسده. ومثل نفقته # PageV02P204 # كمثل صفوان وهو حجر أملس عليه تراب فأصابه وابل أي مطر كثير فتركه صلدا ~~أي أجرد لا شيء عليه لا يقدرون على شيء مما كسبوا أي المرائي والمان ~~والمؤذي، لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لبطلانه. كقوله: # فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 23] . # فلا يجدون ثواب صدقاتهم كما لا يوجد على الصفا التراب بعد ما أصابه ~~الوابل والله لا يهدي القوم الكافرين إلى الخير والرشاد. وفيه تعريض بأن ~~الرياء والمن والأذى ms0706 على الإنفاق من صفات الكفار. ولا بد للمؤمن أن يتجنب ~~عنها. وقد ورد في وعيد المن بالصدقة أحاديث متوافرة. # ففي صحيح مسلم «1» عن أبي ذر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم: المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» . # وفي سنن النسائي «2» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق لوالديه ولا منان» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 265] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله مفعول له وتثبيتا معطوف ~~عليه. ويجوز أن يكونا حالين. أي مبتغين ومتثبتين من أنفسهم قال أبو البقاء: # يجوز أن يكون (من) بمعنى اللام أي تثبيتا لأنفسهم. كما تقول: فعلت ذلك ~~كسرا من شهوتي، ويجوز أن تكون على أصلها أي تثبيتا صادرا من أنفسهم. ~~والتثبيت مصدر فعل متعد. فعلى الوجه الأول يكون من أنفسهم مفعول المصدر. ~~وعلى PageV02P205 # الثاني، يكون المفعول محذوفا. تقديره: ويثبتون أعمالهم بإخلاص النية. ~~ويجوز أن يكون تثبيتا بمعنى (تثبت) فيكون لازما. والمصادر قد تختلف ويقع ~~بعضها موقع بعض. ومثله قوله تعالى: وتبتل إليه تبتيلا [المزمل: 8] . أي ~~تبتلا. انتهى. # وعن الشعبي: تثبيتا تصديقا ويقينا كمثل جنة أي بستان بربوة أي: موضع ~~مرتفع أصابها وابل مطر كثير فآتت أكلها أي أخرجت ثمرها ضعفين أي بالنسبة ~~إلى غيرها من الجنان فإن لم يصبها وابل فطل وهو المطر الضعيف، أو أخف ~~المطر، أو أضعفه أو الندى. ولا بد من تقدير مضاف هنا كما تقدم: إما من جانب ~~المشبه أو المشبه به. أي ومثل نفقة الذين إلخ. أو كمثل غارس جنة إلخ. # رعاية للتناسب. # قال الشهاب: وفي التشبيه وجهان: أحدهما أنه مركب، والتشبيه لحال النفقة ~~بحال الجنة بالربوة في كونها زاكية ms0707 متكثرة المنافع عند الله كيفما كانت ~~الحال. # والثاني أن تشبيه حالهم بحال الجنة على الربوة في أن نفقتهم، كثرت أو ~~قلت، زاكية زائدة في حسن حالهم. كما أن الجنة يضعف أكلها قوي المطر وضعيفه. ~~وهذا أيضا تشبيه مركب. إلا أنه لوحظ الشبه فيما بين المفردات. وحاصله: أن ~~حالهم في اتباع القلة والكثرة تضعيف الأجر. كحال الجنة في إنتاج الوابل ~~والطل تضعيف ثمارها. # ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون من تشبيه المفرد بالمفرد بأن تشبه حالهم ~~بجنة مرتفعة في الحسن والبهجة. والنفقة الكثيرة والقليلة بالطل والوابل، ~~والأجر والثواب بالثمرات. والربوة مثلثة الراء. وأكل بضمتين، وتسكن ~~للتخفيف، وبه قرئ والله بما تعملون بصير تحذير عن الرياء وترغيب في ~~الإخلاص. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 266] # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر أي كبر السن. فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة ~~أصعب وله ذرية ضعفاء صغار لا قدرة لهم على الكسب فأصابها إعصار أي ريح ~~شديدة فيه نار فاحترقت تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره # PageV02P206 # بالعيال وقلة المال. والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة، ويضم ~~إليها ما يحبطها، كرياء وإيذاء، في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة، ~~واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه كذلك أي مثل هذا البيان ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون أي فيها. فتعتبرون بها. وروى البخاري ~~«1» في التفسير عن عبيد بن عمير قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه يوما ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: أيود أحدكم أن ~~تكون له جنة؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. ~~فقال ابن عباس: ms0708 في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. # قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل. قال ~~عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس لعمل. قال عمر لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل. # ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي. حتى أغرق أعماله. (قال ابن كثير ~~وهو من أفراد البخاري) ولابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس معناه: أيود ~~أحدكم أن يعمل عمره بعمل الخير حتى إذا كان حين فني عمره ختم ذلك بعمل أهل ~~الشقاء فأفسد ذلك فأحرقه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم هذا بيان لحال ما ينفق ~~منه، إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته. أي: أنفقوا من جياد ما كسبتم لقوله ~~تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: 92] . فمقتضى ~~الإيمان الإنفاق من الجيد. لا سيما ما يطلب به رضا الله وتثبيت النفس. وفي ~~الأمر إشعار بأنه إنما يمثل بالزرع المنبت سبع سنابل، أو بالجنة بربوة، ما ~~أنفق من الجيد ومما أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار ~~ولا تيمموا أي لا تقصدوا الخبيث أي الرديء من أموالكم، منه تنفقون ولستم ~~بآخذيه أي بقابليه (يعني الرديء) إذا أهدي إليكم إلا أن تغمضوا فيه أي: إلا ~~بأن تتسامحوا PageV02P207 # في أخذه وتترخصوا فيه. من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره. # ويقال للبائع: أغمض. أي لا تستقص كأنك لا تبصر. كذا في الكشاف. # قال الرازي: الإغماض في اللغة غض البصر وإطباق جفن على جفن. والمراد ~~هاهنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلا يرى ذلك. ~~ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا. فقوله: ولستم ms0709 ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه يعني لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء، لما ~~أخذتموها إلا على استحياء وإغماض. فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟ ~~واعلموا أن الله غني عن إنفاقكم وإما يأمركم به لمنفعتكم حميد يجازي المحسن ~~أفضل الجزاء. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك، مع ظهور علمهم به، توبيخ على إعطاء ~~الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى. ولما رغب تعالى في إنفاق ~~الجيد حذر من وسوسة الشيطان في ذلك فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 268] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) # الشيطان يعدكم الفقر في الإنفاق ويأمركم بالفحشاء أي يغريكم على البخل ~~ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد # قال الحرالي: الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع. وأعظم مراد بها ~~هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا ~~والآخرة. # ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله. # والله يعدكم بالإنفاق لا سيما من الجيد مغفرة منه للذنوب وفضلا خلفا ~~وثوابا في الآخرة والله واسع قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة ~~وإخلاف ما تنفقونه عليم بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 269] # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب (269) # يؤتي الحكمة من يشاء قال كثيرون: الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة # PageV02P208 # أخرى معرفة الحق والعمل به. قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم وهي ~~كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي. وهي في هذا ~~الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي محكم. وهو فعيل بمعنى مفعول. ~~قال تعالى: # فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان: 4] . # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا إذ بها انتظام أمر الدارين. والإظهار ~~في مقام الإضمار لإظهار الاعتناء بشأنها. وفي إيلاء هذه ms0710 الآية لما قبلها ~~إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله ~~الحكمة وما يذكر أي يتعظ بأمثال القرآن والحكمة إلا أولوا الألباب أي ذوو ~~العقول من الناس، الخالصة من شوائب الهوى. وهم الحكماء. والمراد به الحث ~~على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 270] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر أي يؤول إلى الإنفاق فإن الله يعلمه ~~لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه وما للظالمين أي الذين ينفقون رئاء الناس، ~~أو يضعون الإنفاق في غير موضعه. أو بضم المن والأذى إليه، أو بالإنفاق من ~~الخبيث، أو يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون ~~بالنذور من أنصار أي من أعوان ينصرونهم من عقاب الله. # قال الحرالي: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر ~~فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم، بوضع القهر موضع البر، ناصرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 271] # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # إن تبدوا الصدقات فنعما هي نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية. # وبيان له. ولذلك ترك العطف بينهما. أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا ~~إبداؤها. لأنه # PageV02P209 # يرفع التهمة ويدعو له كل من يسمع من محتاج وغيره ويفيد اتباع الناس إياه ~~وإن تخفوها أي تسروها مخافة الرياء، وسترا لعار الفقراء وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم أي من العلانية. لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي ~~هو روح العبادات ويكفر عنكم من سيئاتكم ذنوبكم بقدر صدقاتكم والله بما ~~تعملون خبير ترغيب في الإسرار. # وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله: الإمام العادل. # وشاب ms0711 نشأ في عبادة ربه. ورجل قلبه معلق في المساجد. ورجلان تحابا في الله ~~اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف ~~الله رب العالمين. ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. ورجل ~~ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» . # وروى الإمام أحمد «2» وابن أبي حاتم عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أي ~~الصدقة أفضل؟ قال: سر إلى فقير، أو جهد من مقل» . ### | لطائف: # قال: أبو البقاء في قوله تعالى (فنعما هي) : نعم فعل جامد لا يكون فيه ~~مستقبل. وأصله نعم كعلم. وقد جاء على ذلك في الشعر. إلا أنهم سكنوا العين ~~ونقلوا حركتها إلى النون ليكون دليلا على الأصل. ومنهم من يترك النون ~~مفتوحة على الأصل. ومنهم من يكسر النون والعين اتباعا. وبكل قد قرئ. وفاعل ~~(نعم) مضمر و (ما) بمعنى شيء. ثم قال: (ونكفر عنكم) يقرأ بالنون على إسناد ~~الفعل إلى الله عز وجل ويقرأ بالياء على هذا التقدير أيضا وعلى تقدير آخر ~~وهو أن يكون الفاعل ضمير الإخفاء. ويقرأ (وتكفر) بالتاء على أن الفعل مسند ~~إلى ضمير الصدقة. ويقرأ بجزم الراء عطفا على موضع فهو خير وبالرفع على ~~إضمار مبتدأ أي ونحن أو وهي. و (من) هنا زائدة عند الأخفش فيكون (سيئاتكم) ~~المفعول. # وعن سيبويه المفعول محذوف أي شيئا من سيئاتكم. والسيئة فيعلة. وعينها واو ~~لأنها من ساء يسوء فأصلها سيوئة فأبدلت الواو ياء وأدغمت الأولى فيها. ~~انتهى. # وفي (غيث النفع) : قرأ (فنعما) الشامي. والإخوان بفتح النون. والباقون ~~بالكسر. وقرأ قالون والبصري وشعبة بإسكان العين واختار كثير لهم إخفاء كسرة ~~العين يريدون الاختلاس فرارا من الجمع بين الساكنين، والباقون بكسر العين، ~~واتفقوا على تشديد الميم. ثم ناقش الشاطبي في كونه لم يذكر لقالون ومن عطف ~~PageV02P210 # عليه إلا الإخفاء، مع أنه روي عنهم الإسكان المحض أيضا. ثم قال: وقد صرح ~~المحقق في نشره أن الداني روى الوجهين جميعا. ثم قال: والإسكان آثر ~~والإخفاء أقيس وهو قراءة أبي جعفر والحسن. وغاية ما ms0712 فيه الجمع بين الساكنين ~~وليس أولهما حرف مد ولين وهو جائز قراءة ولغة. ولا عبرة بمن أنكره ولو كان ~~إمام البصرة. # والمنكر له هنا يقرأ به لحمزة في قوله تعالى: فما استطاعوا [الكهف: 97] . # بالكهف إذ فيه الجمع بين الساكنين وصلا بلا شك إذ السين ساكن والطاء مشدد ~~وهذا مثله. والله أعلم. وبه يعلم رد ما قيل إن راوي التسكين لم يضبط ~~القراءة لأن القارئ اختلس كسرة العين فظنه إسكانا فإنه غفلة عن جوازه لغة. ~~كما حكاه أبو عبيد. وعن القراءة بنظيره في (استطاعوا) وبالله التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) # ليس عليك هداهم أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا ~~به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من المساوئ المعدودة كالمن والأذى ~~والإنفاق من الخبيث والبخل ولكن الله يهدي من يشاء بخلق الهداية في قلبه ~~عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها، لا على سبيل الوجوب. بل ~~على سبيل الاختيار، أفاده المهايمي. # قال أبو السعود: والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين ~~الخطابات المتعلقة بالمكلفين، مبالغة في حملهم على الامتثال. فإن الإخبار ~~بعدم وجوب تدارك أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم مؤذن بوجوبه عليهم ~~حسبما ينطق به ما بعده من الشرطية وما تنفقوا من خير فلأنفسكم أي بالحقيقة ~~لأن المنفق عليه إنما يقضي بها حاجته الفانية ويحصل لكم بها الثواب الأبدي، ~~فلم تمنون به على الناس وتؤذونهم؟ ونظائر هذا القرآن كثيرة كقوله: من عمل ~~صالحا فلنفسه [فصلت: 46] ، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله نفي في معنى ~~النهي. أي فلا تستطيلوا به على الناس ولا تراؤوا به. وما تنفقوا من خير يوف ~~إليكم ثوابه أضعافا مضاعفة وأنتم لا ms0713 تظلمون أي لا تنقصون من حسناتكم، كما ~~لا يزاد على سيئاتكم. # PageV02P211 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # للفقراء متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام. أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء. ~~أو صدقاتكم للفقراء. أي المحتاجين إلى النفقة الذين أحصروا في سبيل الله أي ~~حبسوا أنفسهم في طاعته تعالى من جهاد أو غيره لا يستطيعون ضربا أي ذهابا في ~~الأرض لاكتساب أو تجارة يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف أي من أجل ~~تعففهم عن السؤال. والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولاهم، ورضا عنه، وشرف ~~نفس تعرفهم بسيماهم بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: سيماهم ~~في وجوههم [الفتح: 29] ، وقال: ولتعرفنهم في لحن القول [محمد: 30] . # وفي الحديث الذي في السنن «1» : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور ~~الله» ، ثم قرأ: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] ، قاله ابن كثير. # قال الغزالي: ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة، ويستكشف عن ~~بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، ممن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث ~~والشكوى. أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته. # فهو يتعيش في جلباب التجمل. فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى ~~المجاهرين بالسؤال. كما ينبغي أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة كأن يكون ~~أهل علم. فإن ذلك إعانة له على العلم. والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه ~~النية. وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم. فقيل له: لو عممت! فقال: # إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء. فإذا اشتغل قلب أحدهم ~~بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم. فتفريغهم للعلم أفضل. ### | لطيفة: # السيما مقصور، كالسيمة. والسيماء والسيمياء (ممدودين بكسرهن) والسومة ~~PageV02P212 # (بالضم) : العلامة. قال أبو بكر بن دريد: قولهم: عليه سيما حسنة، معناه ~~علامة وهي مأخوذة من ms0714 وسمت أسم. والأصل في (سيما) وسمي. فحولت الواو من موضع ~~الفاء فوضعت في موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وأيطبه، فصار سومي. وجعلت ~~الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، قال السمين: فوزن سيما عفلا. وإذا مدت ~~فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق. إما واو أو ياء. فهي كعلباء ~~ملحقة بسرداح. فالهمزة للإلحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك. انتهى. # لا يسئلون الناس إلحافا مصدر في موضع الحال. أي ملحفين. يقال: ألحف عليه ~~إلخ. قال الزمخشري: الإلحاف الإلحاح. وهو اللزوم. وأن لا يفارق إلا بشيء ~~يعطاه. من قولهم: لحفني من فضل لحافه. أي أعطاني من فضل ما عنده. قيل معنى ~~الآية: إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا. فيكون النفي متوجها إلى القيد ~~وحده. # والصحيح أنه نفي للسؤال والإلحاف جميعا. فمرجع النفي إلى القيد ومقيده ~~كقوله: # ولا شفيع يطاع [غافر: 18] ، وفيه تنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس ~~إلحافا. واستيجاب المدح والتعظيم للمتعفف عن ذلك. وفي الصحيحين «1» عن أبي ~~هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده ~~التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف» . اقرؤا ~~إن شئتم: لا يسئلون الناس إلحافا، # وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم «2» والنسائي عن ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه ~~مزعة لحم» . # وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود «3» والترمذي وصححه، والنسائي وابن حبان عن ~~سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسائل كدوح يكدح ~~بها الرجل وجهه. # فمن شاء أبقى ومن شاء ترك. إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه ~~بدا» . # وأخرج أحمد «4» عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة. فمن شاء استبقى على وجهه» . # وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم «5» وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس PageV02P213 # أموالهم ms0715 تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر» . # وأخرج أحمد وأبو داود «1» وابن خزيمة عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل شيئا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر ~~جهنم. قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه» . # وأخرج مسلم «2» والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «كنا تسعة ~~أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلنا ~~علام نبايعك؟ # قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس. وتطيعوا ولا ~~تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا ~~يناوله إياه» . # وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري «3» ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ~~هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ~~ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه» . # وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الله يحب المؤمن المحترف» . # وأخرج أحمد والطبراني وأبو داود والنسائي «4» عن أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استغنى أغناه الله. ومن استعف أعفه ~~الله. ومن استكفى كفاه الله. ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» . # وأخرج البخاري «5» ومسلم والنسائي عن ابن عمر أن عمر قال: «كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني. فقال: ~~خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن ~~شئت كله وإن شئت تصدق به. وما لا فلا تتبعه نفسك» . # قال سالم بن عبد الله فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد ~~شيئا أعطيه. وما تنفقوا من خير أي ولو على الملحين وعلى من لم يتحقق فقرهم ~~أو لم تشتد حاجتهم فإن الله به عليم أي بأن ذلك الإنفاق له أو لغيره، ~~فيجازي بحسبه. ثم أشار تعالى إلى أنه لا يختص الإنفاق بوقت ms0716 أو حال بقوله: ~~PageV02P214 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 274] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وفي تقديم الليل على النهار والسر على ~~العلانية إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار. # قال الحرالي: فأفضلهم المنفق ليلا سرا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم ~~بذلك أربعة أصناف. ### | لطائف: # لا يخفى أن في حضه تعالى على الإنفاق في هذه الآية الوافرة، وضربه ~~الأمثال في الإحسان إلى خلقه ترغيبا وترهيبا، ما يدعو كل مؤمن إلى أن يتزكى ~~بفضل ماله. # قال الإمام الغزالي عليه الرحمة في (الإحياء) ما نصه: في وجه الامتحان ~~بالصدقات ثلاثة معاني: الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد، ~~وشهادة بإفراد المعبود. وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى ~~الواحد الفرد. # فإن المحبة لا تقبل الشركة. والتوحيد باللسان قليل الجدوى. وإنما يمتحن ~~به درجة الحب بمفارقة المحبوب. والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة ~~تمتعهم بالدنيا. # وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت. مع أن فيه لقاء المحبوب. ~~فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ~~ومعشوقهم. # ولذلك قال الله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة [التوبة: 111] . وذلك بالجهاد. وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء ~~الله عز وجل. والمسامحة بالمال أهون. ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال ~~انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن ~~جميع أموالهم. فلم يدخروا دينارا ولا درهما. وقسم درجتهم دون من قبلهم، وهم ~~الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات. فيكون قصدهم ~~في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم. وصرف الفاضل عن الحاجة إلى ~~وجوه البر مهما ظهر وجوهها. وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة. وقد ذهب ~~جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة. كالنخعي والشعبي ~~وعطاء # PageV02P215 # ومجاهد. قال الشعبي (بعد ms0717 أن قيل له: هل في المال حق سوى الزكاة؟) قال: ~~نعم. # أما سمعت قوله عز وجل: وآتى المال على حبه ذوي القربى ... الآية [البقرة: # 177] ، واستدلوا بقوله عز وجل: ومما رزقناهم ينفقون [البقرة: 3] . وبقوله ~~تعالى: أنفقوا مما رزقناكم [المنافقون: 10] . وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية ~~الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم. ومعناه أنه يجب على الموسر، ~~مهما وجد محتاجا، أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة. وقسم يقتصرون على أداء ~~الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. وهي أقل الرتب. وقد اقتصر جميع ~~العوام عليه. لبخلهم بالمال وميلهم إليه، وضعف حبهم للآخرة. قال الله ~~تعالى: إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم [محمد: 37] . يحفكم أي: ~~يستقص عليكم. فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة، وبين عبد لا ~~يستقصي عليه لبخله. فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال. ~~المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات. # قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه» . # وقال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9] . وإنما تزول ~~صفة البخل بأن تتعود بذل المال. فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على ~~مفارقته حتى يصير اعتيادا. والزكاة، بهذا المعنى، طهرة. أي تطهر صاحبها عن ~~خبث البخل المهلك. وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره ~~بصرفه لله تعالى. المعنى الثالث شكر النعمة. فإن لله عز وجل على عبده نعمة ~~في نفسه وفي ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن. والمالية شكر لنعمة ~~المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير، وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا ~~تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه. ### | فصل # وللغزالي رحمه الله أيضا بحث في المن والأذى المتقدم ذكرهما. يجدر ذكره ~~هنا، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة. # قال رحمه الله: الوظيفة الخامسة (يعني من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته) ~~أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى، قال الله ms0718 تعالى: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى [التغابن: 16] . واختلفوا في حقيقة المن والأذى. فقيل: المن أن ~~يذكرها. والأذى أن يظهرها. وقال: سفيان: من من فسدت صدقته. فقيل له: كيف ~~المن؟ فقال: أن يذكره ويتحدث به. وقيل: المن أن يستخدمه بالعطاء. والأذى أن # PageV02P216 # يعيره بالفقر. وقيل: المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه. والأذى أن ينتهره أو ~~يوبخه بالمسألة. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صدقة منان» # . وعندي أن المن له أصل ومغرس. وهو من أحوال القلب وصفاته. ثم يتفرع عليه ~~أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح. فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما ~~عليه. وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه، الذي هو ~~طهرته ونجاته من النار. وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به. فحقه أن يتقلد ~~منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل ~~قبل أن تقع في يد السائل» # . فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه. والفقير آخذ من الله تعالى رزقه ~~بعد صيرورته إلى الله عز وجل. ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو ~~خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت منته ~~سفها وجهلا. فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه. أما هو فإنما يقضي الذي ~~لزمه بشراء ما أحبه. فهو ساع في حق نفسه. فلم يمن به على غيره؟ ومهما عرف ~~المعاني الثلاثة التي ذكرناها قبل، أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى ~~نفسه. # إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل، أو ~~شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد. وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير ~~حتى يرى نفسه محسنا إليه. ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه ~~تفرع منه على ظاهره، ما ذكر في معنى المن. وهو التحدث به وإظهاره وطلب ~~المكافأة منه ms0719 بالشكر والدعاء، والخدمة والتوقير والتعظيم، والقيام بالحقوق ~~والتقديم في المجالس، والمتابعة في الأمور. فهذه كلها ثمرات المنة. ومعنى ~~المنة في الباطن ما ذكرناه. وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين ~~الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار، وفنون الاستخفاف وباطنه وهو ~~منبعه أمران: أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه، فإن ~~ذلك يضيق الخلق لا محالة، والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب ~~حاجته أخس منه وكلاهما منشؤه الجهل. أما كراهيته تسليم المال فهو حمق. لأن ~~من كره بذل درهم في مقابلة ما يسوي ألفا فهو شديد الحمق، ومعلوم أنه يبذل ~~المال لطلب رضا الله عز وجل، والثواب في الدار الآخرة. # وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل، أو شكره لطلب ~~المزيد. وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها. وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو ~~عرف PageV02P217 # فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به ~~وتمنى درجته، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام. # وقد أطال الغزالي رحمه الله من هذا النفس العالي. فليراجع. ### | فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة والصدقة # قال شمس الدين ابن القيم الدمشقي في (زاد المعاد) : هديه صلى الله عليه ~~وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها. ~~ويراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه ~~وتعالى طهرة للمال ولصاحبه. وقيد النعمة به على الأغنياء. فما أزال النعمة ~~بالمال على من أدى زكاته. # بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا ~~له وحارسا له. # ثم قال في (هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع) : كان صلى الله عليه ~~وسلم أعظم الناس صدقة مما ملكت يده. وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ~~ولا يستقله. ولا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا أو كثيرا. وكان عطاؤه ~~عطاء من لا يخاف الفقر. وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه. وكان ms0720 سروره ~~وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه. وكان أجود الناس بالخير ~~يمينه كالريح المرسلة. وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه ~~وتارة بلباسه. وكان يتنوع في أصناف عطائه وصدقته. # فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء شيء ثم يعطي ~~البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل بجابر «1» . وتارة كان يقترض الشيء ~~فيرد أكثر منه، وأفضل PageV02P218 # وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهدية ويكافئ عليها ~~بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن. ~~وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ~~ويحض عليها ويدعو إليها وبحاله وقوله. فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله ~~إلى البذل والعطاء. وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة ~~والندى. # وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا. فإن ~~للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدور وانضاف ذلك إلى ما خصه ~~الله به من شرح صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها. وشرح صدره حسا ~~وإخراج حظ الشيطان منه. # ولما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات من الزكوات والصدقات في جميع ~~الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع ~~الشبهات. # فأخبر عن حالهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، ~~فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 275] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) # الذين يأكلون الربا وهو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. # وكتب الربوا بالواو على لغة من يفخم. كما كتبت الصلاة والزكاة. وزيدت ~~الألف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يقومون أي يوم ms0721 القيامة كما قاله بعض ~~الصحابة والتابعين إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس في القاموس ~~خبطه ضربه شديدا، كتخبطه واختبطه. وفي (العباب) كل من ضربه بيده فصرعه فقد ~~خبطه وتخبطه. وأصل المس باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإنسان ~~فيجنه. # والجار يتعلق إما ب (لا يقومون) أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما ~~يقوم المصروع من جنونه أو ب (يتخبطه) أي من جهة الجنون والمعنى أنهم يقومون ~~يوم القيامة مخبلين كالمصروعين. تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكا لهم ~~وفضيحة. # PageV02P219 # قال الحرالي: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة. ففي ~~إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل. يقبل ~~في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال. # قال البقاعي: وهو مؤيد بالمشاهدة. فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق ~~بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم. ### | تنبيه: # قال في الكشاف: وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط ~~الإنسان فيصرع. والمس الجنون. ورجل ممسوس. وهذا أيضا من زعماتهم. # وأن الجني يمسه فيختلط عقله. وكذلك: جن الرجل معناه ضربته الجن. # وتبعه البيضاوي في قوله وهو: أي التخبط والمس، وارد على ما يزعمون إلخ. # قال الناصر في (الانتصار) : معنى قول الكشاف من زعمات العرب أي كذباتهم ~~وزخارفهم التي لا حقيقة لها. وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان ~~بالقدرية من زعماتهم المردودة بقواطع الشرع. ثم ساق ما ورد في ذلك من ~~الأحاديث والآثار: وقال بعده: واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على ~~حقائقها واقعة كما أخبر الشرع عنها. وإنما القدرية خصماء العلانية. فلا جرم ~~أنهم ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم. من ذلك: السحر، وخبطة ~~الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي ~~يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع. في خبط طويل لهم. # وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في (شرح المقاصد) : وبالجملة فالقول ~~بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه ms0722 إجماع الآراء. ونطق به كلام ~~الله وكلام الأنبياء. # وقال: الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال ~~عجيبة والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية. ولكون ~~الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين ~~يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الإنسان ولا يرون بحسن البصر إلا إذا ~~اكتسبوا من الممتزجات. # قال العلامة البقاعي، بعد نقله ما ذكرنا: # وقد ورد في كثير من الأحاديث عن # PageV02P220 # النبي صلى الله عليه وسلم «1» # «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» # . وورد أنه صلى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في ~~صورة كلب. ونحو ذلك. وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من ~~مثل ذلك. وأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما ~~كان ملقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع- فكثير ~~جدا. لا يحصى مشاهدوه. إلى غير ذلك من الأمور الموجب للقطع أن ذلك من الجن ~~أو الشياطين. وها أنا أذكر لك في ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما فيه مقنع لمن تدبره والله الموفق. # روى الدارمي «2» في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله: إن ابني به جنون وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا. فيخبث علينا. فمسح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا. # فثع ثعة. وخرج من صدره مثل الجرو الأسود فسعى. (وقوله ثع بمثلثة ومهملة ~~أي قاء) . # وللدارمي أيضا وعبد بن حميد بسند حسن أيضا عن جابر رضي الله عنه قال: # خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر. فركبنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير، ~~تظلنا. فعرضت له امرأة معها صبي لها. فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا ~~يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار. فتناول الصبي ms0723 فجعله بينه وبين مقدم الرحل. ~~ثم قال: اخسأ، عدو الله! أنا رسول الله (ثلاثا) ثم دفعه إليها. # وأخرجه الطبراني من وجه آخر. وبين أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان ~~في حرة واقم. # قال جابر: فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان. فعرضت لنا المرأة ومعها ~~صبيها ومعها كبشان تسوقهما. فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي. # فو الذي بعثك بالحق! ما عاد إليه بعد. فقال: خذوا منها واحدا، وردوا ~~عليها الآخر. # ورواه البغوي في (شرح السنة) عن يعلى بن مرة رضي الله عنه. # ثم ساق البقاعي ما جاء في الإنجيل. قال: وذلك كثير جدا. يعني ما وقع ~~PageV02P221 # للمسيح عليه السلام من إخراج الشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين ~~بذلك. وبعد أن ساق ذلك قال: وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم كافيا، لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في ~~الإيمان. # وقد أجاد بيان تسلط الأرواح الخبيثة الإمام شمس الدين ابن القيم في (زاد ~~المعاد) وذكر علاج دفعها فقال عليه الرحمة: ### | فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع # أخرجا في الصحيحين «1» من حديث عطاء بن أبي رباح قال: «قال لي ابن عباس: ~~ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء. أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع. وإني أتكشف. فادع الله لي. ~~فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة. وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك. فقالت: ~~أصبر. قالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها» . # قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط ~~الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع ~~الأرواح،. # فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه. ويعترفون بأن علاجه بمقابلة ~~الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة. فتدافع ~~آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه. فذكر ~~بعض علاج الصرع وقال: # هذا إنما ينفع من الصرع ms0724 الذي سببه الأخلاط والمادة. أما الصرع الذي يكون ~~من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن ~~يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في ~~بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل. وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ~~ذلك. # والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في ~~بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض ~~الإلهي. # وقالوا: إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره. فتأولوا عليهم هذه التسمية ~~وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر ~~بالجزء الإلهي الطاهر PageV02P222 # الذي مسكنه الدماغ. وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها ~~وتأثيراتها. وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له ~~عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف ~~عقولهم. # وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج. ~~فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح ~~وباريها. # والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان. فإن هذا نوع محاربة. # والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح ~~صحيحا في نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويا. فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح ~~كثير طائل. فكيف إذا عدم الأمران جميعا، بكون القلب خرابا من التوحيد ~~والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له. والثاني من جهة المعالج بأن يكون ~~فيه هذان الأمران أيضا. حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه. أو ~~بقول: بسم الله. أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. # والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اخرج عدو الله! أنا رسول الله. # وشاهدت شيخنا (يعني الإمام ابن تيمية رضي الله عنه) يرسل إلى المصروع من ~~يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي. فإن هذا لا يحل لك. فيفيق ~~المصروع. وربما خاطبها بنفسه. وربما كانت الروح ماردة فيخرجها ms0725 بالضرب. ~~فيفيق المصروع. ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. # وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 155] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع ~~فقالت الروح: نعم. ومد بها صوته. قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق ~~عنقه حتى مجلت يداي من الضرب. ولم يشك الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب. ففي ~~أثناء الضرب قالت: أنا أحبه. فقلت لها: هو لا يحبك. قالت: أنا أريد أن أحج ~~به. فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك. فقالت: أنا أدعه كرامة لك. قال قلت: ~~لا. ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. # قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا. وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ ~~قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب؟ # ولم يشعر بأنه وقع ضرب البتة. وكان يعالج بآية الكرسي. وكان يأمر بكثرة ~~قراءة المصروع ومن يعالجه بها. وبقراءة المعوذتين. وبالجملة، فهذا النوع من ~~الصرع. # وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلط ~~الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم، من ~~حقائق # PageV02P223 # الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية. فتلقى الروح الخبيثة ~~الرجل أعزل لا سلاح معه. وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا. ولو كشف الغطاء ~~لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها ~~وقبضتها تسوقها حيث شاءت. ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها ~~الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة. فهناك يتحقق ~~أنه كان هو المصروع حقيقة. وبالله المستعان. # وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل. ~~وأن تكون الجنة والنار نصب عينه وقبلة قلبه. ويستحضر أهل الدنيا وحلول ~~المثلاث والآفات بهم. ووقوعها خلال ديارهم. كمواقع القطر. وهم صرعى لا ~~يفيقون. وما أشد أعداء هذا الصرع! ولكن لما عمت البلية بحيث لا يرى إلا ~~مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا. ms0726 بل صار، لكثرة المصروعين، عين المستنكر ~~المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى ~~أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من أطبق ~~به الجنون. ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه. ومنهم من يفيق مرة ~~ويجن أخرى. فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل. ثم يعاوده الصرع فيقع ~~التخبط. # ثم قال: وأما صرع الأخلاط فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال ~~والحركة والانتصاب منعا غير تام: وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ ~~سدة غير تامة. فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا ما، من غير ~~انقطاع بالكلية. وقد يكون لأسباب أخر. كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح. أو ~~بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء. أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع ~~المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء. ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا ~~بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا. وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة ~~باعتبار وقت وجود المؤلم خاصة. وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار ~~طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن جاوز في السن خمسا وعشرين سنة. وهذه العلة ~~في دماغه وخاصة في جوهره. فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال بقراط: إن الصرع ~~يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. # إذا عرف هذا، فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف، يجوز ~~أن يكون صرعها من هذا النوع. فوعدها النبي صلى الله عليه وسلم الحنة بصبرها ~~على هذا # PageV02P224 # المرض. ودعا لها أن لا تنكشف. وخيرها بين الصبر والجنة، وبين الدعاء لها ~~بالشفاء من غير ضمان. فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز ترك ~~المعالجة والتداوي. وإن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا ~~يناله علاج الأطباء. وإن تأثيره وفعله وتأثير الطبيعة عنه وانفعالها أعظم ~~من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها. وقد جربنا هذا مرارا نحن ~~وغيرنا. وعقلاء الأطباء معترفون بأن في فعل القوى النفسية وانفعالاتها في ~~شفاء الأمراض ms0727 عجائب. وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم ~~وجهالهم. والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع. ويجوز أن يكون من ~~جهة الأرواح. ويكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خيرها بين الصبر على ~~ذلك مع الجنة. وبين الدعاء لها بالشفاء. فاختارت الصبر والستر. والله أعلم. # ذلك أي القيام المخبط بأنهم قالوا أي بسبب قولهم إنما البيع مثل الربا أي ~~نظيره في أن كلا منهما معاوضة. فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن ~~الكلام في الربا لا في البيع. وحل البيع متفق عليه. فيقاس عليه الربا. وحق ~~القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق؟ أجيب بأنه جيء به على طريق ~~المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا ~~في الحل. حتى شبهوا به البيع. كذا أجاب الزمخشري. # قال الناصر في (حواشيه) : وعندي وجه في الجواب غير ما ذكر. وهو أنه متى ~~كان المطلوب التسوية بين المحلين في ثبوت الحكم، فللقائل أن يسوي بينهما ~~طردا. فيقول مثلا: الربا مثل البيع. وغرضه من ذلك أن يقول والبيع حلال ~~فالربا حلال. وله أن يسوى بينهما في العكس فيقول: البيع مثل الربا. فلو كان ~~الربا حراما كان البيع حراما. ضرورة المماثلة. ونتيجته التي دلت قوة الكلام ~~عليها أن يقول: # ولما كان البيع حلالا اتفاقا غير حرام، وجب أن يكون الربا مثله. والأول ~~على طريقة قياس الطرد. والثاني على طريقة العكس. ومآلهما إلى مقصد واحد. ~~فلا حاجة، على هذا التقرير، إلى خروج عن الظاهر لعذر المبالغة أو غيره. ~~وليس الغرض من هذا كله إلا بيان هذا الذي تخيلوه على أنموذج النظم الصحيح. ~~وإن كان قياسا فاسد الوضع، لاستعماله على مناقضة المعلوم من حكم الله أيضا ~~في تحريم الربا وتحليل البيع وقطع القياس بينهما. ولكن إذا استعمل ~~الطريقتين المذكورتين استعمالا صحيحا فقل في الأولى: النبيذ مثل الخمر في ~~علة التحريم. وهو الإسكار. والخمر حرام. # فالنبيذ حرام. وقل في الثانية: إنما الخمر مثل النبيذ. فلو ms0728 كان النبيذ ~~حلالا لكان # PageV02P225 # الخمر حلالا. وليست حلالا اتفاقا. فالنبيذ كذلك. ضرورة المماثلة ~~المذكورة. # فهذا التوجيه أولى أن تحمل الآية عليه. والله أعلم. وقوله وأحل الله ~~البيع وحرم الربا إنكار لتسويتهم بينهما. إذ الحل مع الحرمة ضدان. فإنى ~~يتماثلان؟ ودلالة على أن القياس يهدمه النص. لأنه جعل الدليل على بطلان ~~قياسهم إحلال الله وتحريمه. # قال الرازي: إن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف. قالوا: لو كان الدين ~~بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة. فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا ~~بالقياس. وذكر القفال رحمه الله الفرق بين البابين فقال: من باع ثوبا يساوي ~~عشرة بعشرين، فقد جعل ذات الثوب مقابلا بالعشرين. فلما حصل التراضي على هذا ~~التقابل، صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما. فلم يكن أخذ ~~من صاحبه شيئا بغير عوض. أما إذا باع العشرة بالعشرين فقد أخذ العشرة ~~الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن عوضه هو الإمهال في مدة الأجل. ~~لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة. ~~فظهر الفرق بين الصورتين. وقد أخرج أبو نعيم في (الحلية) عن جعفر بن محمد ~~أنه سئل: لم حرم الله الربا؟ قال لئلا يتمانع الناس المعروف. أي الإحسان ~~الذي في القرض إذ لو حل درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله. # فمن جاءه موعظة أي بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا من ربه متعلق ب (جاءه) ~~أو بمحذوف وقع صفة ل (موعظة) . والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار ~~بكون مجيء الموعظة للتربية فانتهى عطف على (جاءه) أي فاتعظ بلا تراخ، وتبع ~~النهي فله ما سلف أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا يسترد منه وأمره إلى ~~الله إن شاء أخذه لظهور الفرق وإن شاء عفا عنه. لأن الفرق، وإن ظهر لأرباب ~~النظر، يجوز أن يخفى على العوام ومن عاد أي إلى تحليل الربا بعد النص ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لكفرهم بالنص، وردهم إياه بقياسهم ~~الفاسد، بعد ظهور فساده. ms0729 ومن أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر. فلذا استحق ~~الخلود. وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث ~~بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه ~~لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول ~~على ما تقدم. # كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه ~~والاحتجاج عليه # PageV02P226 # بقياسه على البيع. ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في ~~تحريمها، مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات، بما يتوهمه من ~~الخيالات- فقد كفر ثم ازداد كفرا. وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية ~~من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن. وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل إذا للمعتزلة ~~على اعتزالهم في هذه الآية. والله الموفق. أشار لذلك في الانتصاف. # قال في فتح البيان: والمصير إلى هذا التأويل واجب، للأحاديث المتواترة ~~القاضية بخروج الموحدين من النار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 276] # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) # يمحق الله الربا أي يذهب ريعه ويمحو خيره، وإن كان زيادة في الظاهر فلا ~~ينتفع به في الآخرة كما قال تعالى: وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله [الروم: 39] ، وقال تعالى: ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا فيجعله في جهنم [الأنفال: 37] . ويربي الصدقات أي يكثرها ~~وينميها وإن كانت نقصانا في الشاهد. ### | فوائد: # الأولى قال القاشاني: لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة ~~والنفع في الدارين. والمال الحاصل من الربا لا بركة له لأنه حصل من مخالفة ~~الحق. فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي. إذ كل طعام يولد في ~~آكله دواعي وأفعالا من جنسه. فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة، وإن كان ~~مكروها فإلى أفعال مكروهة. وإن كان مباحا فإلى مباحة. وإن كان من طعام فضل ~~فإلى مندوبات، وكان في أفعاله متبرعا متفضلا. وإن ms0730 كان بقدر الواجب من ~~الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية. وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون ~~كذلك. فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرمة المتولدة من أكله. فتزداد ~~عقوباته وآثامه أبدا. ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه ~~وأولاده. فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو المحق الكلي. وأما المتصدق ~~فلكون ماله مزكى يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل. وآكله لا يكون إلا ~~مطيعا في أفعاله. ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعا به. # وذلك هو الزيادة في الحقيقة. ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله ~~لكفى به # PageV02P227 # زيادة. وأي زيادة أفضل مما تبقى عند الله؟ ولو لم يكن نقصان الربا إلا ~~حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به نقصانا. وأي نقصان أفحش مما ~~يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند الله؟. # الثانية: قال القاشاني: عليه الرحمة، قبل ذلك: آكل الربا أسوأ حالا من ~~جميع مرتكبي الكبائر. فإن كل مكتسب له توكل ما في كسبه، قليلا كان أو ~~كثيرا. # كالتاجر والزارع والمحترف. إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولن تتعين لهم ~~قبل الاكتساب. فهم على غير معلوم في الحقيقة. كما # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث ~~لا يعلم» «1» # . وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه. سواء ربح الآخذ أو خسر. ~~فهو محجوب عن ربه بنفسه، وعن رزقه بتعيينه. # لا توكل له أصلا. فوكله الله تعالى إلى نفسه وعقله. وأخرجه من حفظه ~~وكلاءته. # فاختطفه الجن وخبلته. فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله كسائر ~~الناس المرتبطين به بالتوكل. فيكون كالمصروع الذي مسه الشيطان فتخبطه، لا ~~يهتدي إلى مقصد. # الثالثة: قال بعض العلماء العمرانيين: يشترط لجواز التمول أن يكون من وجه ~~مشروع كما في مقابلة عمل أو معاوضة. وأن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير. # ولذا حرمت الشرائع السماوية كلها. وكذلك الحكمة السياسية والأخلاقية ~~والعمرانية. أكل الربا، قصدا لحفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة ms0731 ~~المالية. # لأن الربا هو كسب بدون مقابل مادي، ففيه معنى الغصب. وبدون عمل، ففيه ~~الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق. وبدون تعرض لخسائر طبيعية، كالتجارة ~~والزراعة والأملاك. ومن المشاهد أن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي بين ~~الناس. # ثم قال: وقد نظر الماليون. والاقتصاديون في أمر الربا فقالوا: إن المعتدل ~~منه نافع بل لا بد منه. أولا لأجل قيام المعاملات الكبيرة. وثانيا لأجل أن ~~النقود الموجودة لا تفي للتداول، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسما منها أيضا؟ ~~وثالثا لأجل أن الكثيرين من المتمولين لا يعرفون طرائق الاسترباح أولا ~~يقدرون عليها. كما أن كثيرا من العارفين بها لا يجدون رؤوس أموال ولا شركاء ~~عنان. # فهذا النظر صحيح من وجه إنماء ثروات الأفراد والأمم. أما السياسيون ~~PageV02P228 # والأخلاقيون فينظرون إلى أن ضرر ذلك في جمهور الأمم أكبر من نفعها. لأن ~~هذه الثروات الأفرادية تمكن الاستبداد الداخلي. فتجعل الناس صنفين عبيدا ~~وأسيادا. # وتقوي الاستبداد الخارجي فتسهل التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة ~~مالا وعدة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة. ولذلك حرمت الأديان ~~الربا تحريما مغلظا. انتهى. # الرابعة: قال الرازي: لما بالغ تعالى في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في ~~الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك ~~الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده. وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل ~~المزيد في الخيرات. والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخيرات. فبين ~~تعالى أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في الحقيقة. وإن ~~الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى. ولما كان ~~الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من ~~الدواعي والصوارف. بل يعول على ما ندبه الشرع إليه منهما. # وقال القفال: ونظير قوله: يمحق الله الربا، المثل الذي ضربه فيما تقدم ~~بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا. ونظير قوله: ويربي الصدقات، ~~المثل الذي ضربه بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. # والله ms0732 لا يحب كل كفار أثيم صيغتا مبالغة من الكفر والإثم، لاستمرار مستحل ~~الربا وآكله عليهما وتماديه في ذلك. وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإيذان ~~بأنه من فعل الكفار، لا من فعل المسلمين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 277] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) # إن الذين آمنوا بالله ورسوله وكتبه وبتحريم الربا، ورجح إيمانهم أمر الله ~~بالإنفاق، على جمعهم للمال وعملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم التي من ~~جملتها الجود وترك الربا وأقاموا الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~كالشح والربا وآتوا الزكاة أعطوا زكاة أموالهم التي هي أجل أسباب فضيلة ~~الجود لهم أجرهم ثوابهم الكامل عند ربهم في الجنة ولا خوف عليهم يوم الفزع ~~الأكبر # PageV02P229 # ولا هم يحزنون لأنهم فرحون بما آتاهم ربهم ووقاهم عذاب الجحيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 278] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي اخشوا الله في الربا لأن فيه إبطال ~~حكمته تعالى في خلق الأموال وذروا ما بقي من الربا أي اتركوا ما بقي لكم من ~~الربا على الغرماء إن كنتم مؤمنين على الحقيقة. فإن ذلك مستلزم لما أمرتم ~~به البتة. # قال الحرالي: فبين أن الربا والإيمان لا يجتمعان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 279] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) # فإن لم تفعلوا أي لم تتركوا ما بقي فأذنوا أي اعلموا بحرب من الله ورسوله ~~قال المهايمي: أي إن لم تفعلوا ترك ما بقي كنتم متهاونين بأمره. ومن تهاون ~~بأمر ملك حاربه. # والحرب نقيض السلم. ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا. وفيه إيماء إلى ~~سوء الخاتمة إن دام على أكله. وإن تبتم من الربا فلكم رؤس أموالكم أي ~~أصولها لا تظلمون بطلب الزيادة ولا ms0733 تظلمون بالنقص والمطل. بل لكم ما بذلتم ~~من غير زيادة عليه ولا نقص فيه. ثم أمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا ~~يجد وفاء، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 280] # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) # وإن كان ذو عسرة أي بالكل أو البعض فنظرة أي فالواجب إمهال بقدر ما أعسر ~~إلى ميسرة أي بذلك القدر. لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا ~~حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي. ثم ندب تعالى إلى الوضع من ~~المعسر ووعد عليه الخير والثواب الجزيل فقال: وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم # PageV02P230 # تعلمون أي وأن تتركوا للمعسر قدر ما أعسر بإبرائه منه، لأنه ربما لا يحصل ~~البدل في الحال، فيأخذ ما يساويه في الآخرة. والصدقة تتضاعف الأضعاف ~~المذكورة. # وقد أخرج البخاري «1» ومسلم والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا ~~فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه» . وأخرج مسلم ~~والترمذي نحوه عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه. # وعن أبي قتادة «2» الحارث بن ربعي الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم ~~القيامة» . رواه الإمام أحمد ومسلم. # وعن بريدة «3» قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر ~~معسرا فله بكل يوم مثله صدقة. قال: ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا فله بكل ~~يوم مثلاه صدقة. فسألته عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: له بكل يوم صدقة ~~قبل أن يحل الدين. فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة» . # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «4» : «من أنظر معسرا أو وضع ~~عنه، وقاه الله من فيح جهنم» . رواهما الإمام أحمد # ، ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما ms0734 فيها من الأموال ~~وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما ~~عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 281] # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(281) # واتقوا يوما أي اخشوا عذاب يوم ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت ما عملت من خير أو شر. # قال المهايمي: فإن استوفى الدائن حقه بالتضييق على المديون استوفى الله ~~منه حقوقه بالتضييق. وإن سامحه فالله أولى بالمسامحة. والمديون، إن لم يوف ~~حق PageV02P231 # الدائن مع قدرته على الأداء استوفى الله منه حقه. وأما من لا يقدر، فيرجى ~~أن يعفو الله عنه، ويرضى خصمه بعوض من عنده وهم لا يظلمون لا ينقص من ~~حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. ### | تنبيه: # من تأمل هذه الآيات وما اشتملت عليه من عقوبة أهل الربا ومستحليه، أكبر ~~جرمه وإثمه. فقد ترتب عليه قيامهم في المحشر مخبلين وتخليدهم في النار ~~ونبزهم بالكفر. والحرب من الله ورسوله واللعنة. وكذا الذم والبغض وسقوط ~~العدالة وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة ودعاء من ظلم بأخذ ~~ماله على ظالمه. # وذلك سبب لزوال الخير والبركة. فما أقبح هذه المعصية وأزيد فحشها وأعظم ~~ما يترتب من العقوبات عليها! وقد شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوى ~~التصريح به في تلك الآيات من العقوبات والقبائح الحاصلة لأهل الربا في ~~أحاديث كثيرة. فمنها: ما # رواه الشيخان «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات (أي المهلكات) قالوا: يا رسول الله! وما ~~هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات ~~الغافلات» . # وأخرج البخاري «2» عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت ~~الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة. # فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم. ms0735 فيه رجل قائم. وعلى شط النهر رجل بين ~~يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر. فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر ~~في فيه فرده حيث كان. فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان. # فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا» . # وأخرج مسلم «3» عن جابر بن عبد الله قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء» . # وأخرج البخاري «4» وأبو داود عن أبي جحيفة قال: «لعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV02P232 # الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله» # ، وثمة آثار وافرة، ساقها السيوطي في الدر المنثور. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه هذا إرشاد ~~منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة، أن يكتبوها ليكون ~~ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه على هذا في آخر ~~الآية حيث قال: # ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا وفي قوله: تداينتم ~~دليل على جواز السلم. لأن المداينة فعل اثنين وهو السلم نفسه. ms0736 لأنه دين من ~~الجانبين جميعا. وعلى ذلك روي عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى ~~أجل مسمى، أن الله تعالى أحله وأذن فيه ثم قرأ يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم الآية. رواه البخاري. # وقال آخرون: قوله: إذا تداينتم بدين هو بيع كل دين إلى أجل مسمى. فهو ~~يسمى التداين. كما يسمى البائع والمشترى المتبايعين. لأن كل واحد منهما ~~بائع في وجه. فعلى ذلك، المداينة التداين. وإنما لم نؤمر بالكتابة في بيع ~~الأعيان لأنه في # PageV02P233 # المداينات وصل أحدهما إلى حاجته بقبض رأس المال، والآخر لم يصل. فلعل ذلك ~~يحمله على إنكار الحق والجحود. فإذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه ارتدع عن ~~الإنكار والجحود. لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس. ولا كذلك مع العين ~~بالعين. لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر. فليس ~~هنالك للإنكار معنى، وثمة وجه آخر وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك. أو ينسى ~~بعضه ويذكر بعضا، فأمر بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة. ولا كذلك ~~في بيع العين بالعين. فافترقا. كذا في التأويلات للماتريدي وليكتب بينكم أي ~~الدين المذكور كاتب بالعدل الجار متعلق إما بالفعل أي (وليكتب بالحق) . أو ~~بمحذوف صفة لكاتب، أي: وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من ~~غير ميل إلى أحد الجانبين. لا يزيد ولا ينقص. وهو أمر للمتداينين باختيار ~~كاتب فقيه دين، حتى يجيء كتابه موثوقا به معدلا بالشرع. ولا يأب أي ولا ~~يمتنع كاتب من أن يكتب كما علمه الله أي كما بينه بقوله تعالى بالعدل. أو ~~لا يأب أن ينفع الناس بكتابته. كما نفعه الله بتعليم الكتاب. كقوله تعالى: ~~وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص: 77] . # وفي الحديث «1» : «إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق» . # وفي الحديث الآخر: «من كتم علما يعلمه، ألجم بلجام من نار» . # قال الرازي: ظاهر هذا الكلام نهي لكل كاتب عن الامتناع من الكتابة. # وإيجابها على كل من كان كاتبا فليكتب أي تلك ms0737 الكتابة المعلمة. أمر بها ~~بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها وليملل الذي عليه الحق الإملال الإملاء. ~~وهما لغتان نطق القرآن بهما. قال تعالى: فهي تملى عليه [الفرقان: 5] . أي ~~وليكن المملي على الكاتب المدين وهو الذي عليه الحق، لأنه المقر المشهود ~~عليه وليتق أي وليخش المملي الله ربه جمع ما بين الاسم الجليل والنعت ~~الجميل، للمبالغة في التحذير ولا يبخس أي لا ينقص منه أي مما عليه شيئا مما ~~عليه من الدين فإن كان المدين وهو الذي عليه الحق سفيها أي خفيف الحلم أو ~~جاهلا PageV02P234 # بالإملاء لا يحسنه أو ضعيفا صبيا أو شيخا هرما أو لا يستطيع أن يمل هو أي ~~أو غير مستطيع للإملاء بنفسه- لعي به أو خرس أو عجمة. ولفظ (هو) هنا توكيد ~~للفاعل المضمر- والجمهور على ضم الهاء لأنها كلمة منفصلة عما قبلها فهي ~~مبدوء بها. وقرئ بإسكانها على أن يكون أجري المنفصل مجرى المتصل بالواو أو ~~الفاء أو اللام. نحو: وهو، فهو، لهو. قاله أبو البقاء، فليملل وليه يعني ~~الذي يلي أمره من قيم أو وكيل أو ترجمان بالعدل من غير نقص ولا زيادة ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على المداينة فإن ~~لم يكونا أي الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون أي في العدالة من ~~الشهداء ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال، العدد من النساء، علله ~~بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال أن تضل إحداهما أي تغيب عنها الشهادة ~~فتذكر إحداهما الأخرى الضالة ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا أي لأداء الشهادة ~~التي تحملوها أو لتحملها. وتسميتهم (شهداء) قبل التحمل من تنزيل المشارف ~~منزلة الواقع ولا تسئموا أن تكتبوه أي الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم ~~أي المذكور من الكتابة أقسط أي أعدل عند الله وأقوم للشهادة أي أعون ~~لإقامتها إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ وأدنى أي أقرب ألا ترتابوا أي لا ~~تشكو في جنس الدين وقدره وأجله بتشكيك أحد المتداينين إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة أي حالة تديرونها أي ms0738 تكثرون إدارتها بينكم فتصعب عليكم كتابتها مع ~~قلة الحاجة إليها فليس عليكم جناح ألا تكتبوها لأنها مناجزة فيبعد فيها ~~التنازع والنسيان. قال أبو البقاء (تجارة) يقرأ بالرفع على أن تكون التامة ~~(وحاضرة) صفتها. ويجوز أن تكون الناقصة واسمها تجارة، وحاضرة صفتها، ~~وتديرونها الخبر. # وقرئ بالنصب على أن يكون اسم الفاعل مضمرا فيه، تقديره إلا أن تكون ~~المبايعة تجارة وأشهدوا إذا تبايعتم أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا ~~أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الإختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا ~~إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه ~~دون الكتابة. وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. كذا في ~~الكشاف. وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد أنه اشترى سوطا فأشهد وقال: قال ~~الله وأشهدوا إذا تبايعتم. # قال أبو القاسم بن سلامة في كتابه (الناسخ والمنسوخ) : قد كان جماعة من ~~التابعين يرون أنهم يشهدون في كل بيع وابتياع. فمنهم الشعبي وإبراهيم ~~النخعي. # PageV02P235 # كانوا يقولون إنا نرى أن نشهد ولو في جزرة بقل. # ولا يضار كاتب ولا شهيد يحتمل البناء للفاعل والمفعول. ويدل عليه أنه ~~قرئ: ولا يضارر (بالكسر والفتح) والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة ~~إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار ~~بهما، بأن يعجلا عن مهم. # قال الحرالي: في الإحنة تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه ~~لمراده، ويعينه على الائتمار لأمر بما يدفع من ضرر، عطلته واستعماله في أمر ~~من أمور دنياه. ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة ~~في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه. # وإن تفعلوا أي ما نهيتم عنه من الضرار فإنه فسوق بكم أي خروج بكم عن ~~الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحرالي: وفي صيغة (فعول) تأكيد فيه وتشديد ~~في النذارة. # واتقوا الله أن يعذبكم بالخروج عن طاعته ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة ~~لمصالحكم والله بكل شيء عليم ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضورا يسهل ms0739 ~~عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 283] # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) # وإن كنتم على سفر أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتبا ~~فرهان مقبوضة أي فالذي يستوثق به رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق، وثيقة ~~لدينه. هذا إذا لم يأمن البعض البعض بلا وثيقة فإن أمن بعضكم بعضا لحسن ظنه ~~به واستغنى بأمانته عن الارتهان فليؤد الذي اؤتمن وهو المدين. وإنما عبر ~~عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للإعلام، ولحمله على الأداء أمانته أي دينه. # وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به وليتق الله ربه في رعاية ~~حقوق الأمانة. وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد ~~والتحذير مالا يخفى ولا تكتموا أيها الشهود الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه. # PageV02P236 # قال الزمخشري: فإن قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم. وما فائدة ذكر القلب ~~والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا ~~يتكلم بها. فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه. لأن إسناد الفعل إلى ~~الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول، إذا أردت التوكيد: هذا مما ~~أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، ~~والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله «1» . فكأنه ~~قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان ~~الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط. وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن ~~اقترافه. واللسان ترجمان عنه. # ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. وهي لها كالأصول التي ~~تتشعب منها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من ~~أفعال القلوب. # فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معظم الذنوب. ~~وقرئ ms0740 (قلبه) بالنصب. كقوله: سفه نفسه. وقرأ ابن أبي عبلة: أثم قلبه. أي ~~جعله آثما والله بما تعملون أي بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم عليم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا أي تظهروا ما في أنفسكم من ~~الأفعال الاختيارية باللسان أو الجوارح أو تخفوه يحاسبكم به الله قال أبو ~~مسلم الأصفهاني: إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة: والله بما ~~تعملون عليم. ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال: لله ما في ~~السماوات وما في الأرض ومعنى هذا الملك، أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد ~~وجدت بتخليقه وتكوينه PageV02P237 # وإبداعه. ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة ~~المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد أن يكون عالما بها. ~~إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به. فكأن الله تعالى احتج ~~بخلقه السماوات والأرض، مع ما فيها من وجوه الإحكام والإتقان، على كونه ~~تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها. # قال الشعبي: إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه، بين أن له ~~ملك السموات والأرض، فيجازي على الكتمان والإظهار. وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ~~وإن تبدوا..، إلخ نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. # وروى الإمام أحمد ومسلم «1» والنسائي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: لما نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» . # قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا ms0741 إن نسينا أو ~~أخطأنا (قال: قد فعلت) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا (قال: قد فعلت) واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا (قال: قد فعلت) . وفي ~~مسند عبد الله بن حميد والطبراني: قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا ~~طاقة للمسلمين بها. وصار الأمر إلى أن قضى الله تعالى أن للنفس ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت من القول والعمل. أقول إن ما جاء من أن الآية هالت من ~~هالت من الصحابة فإنما جاءه من عمومها ومن قوله يحاسبكم إذ حمله على حساب ~~المؤاخذة، فأما عمومها فنظمها ظاهر فيه. إلا أنها تتناول الشهادة وكتمانها ~~أولا وبالذات. وغيرها ثانيا وبالعرض. وأما حمل الحساب على المؤاخذة ~~والانتقام فإن كان عرفيا أو لغويا فالإخفاء حينئذ مراد به إخفاء متفق على ~~حظره. كنفاق وريب في الدين. ولا إشكال في الآية. وقد يؤيده ذكر الإيمان ~~بعده. ويكون ختام السورة بالإبداء والإخفاء بمثابة رد العجز على الصدر. ~~لافتتاح السورة بالمؤمنين والكافرين وما لكل منهما. وإن لم يكن الحساب ~~حقيقة فيما ذكر بل كان معناه إيقافه تعالى العبد على عمله خيرا أو شرا ~~وإراءته عاقبته الحسنى أو السوءى، وهو الذي يظهر، فلا PageV02P238 # إشكال أيضا. فما روي عن بعض الصحب عليهم الرضوان منشؤه قوة اليقين وشدة ~~الخوف من هول المطلع مع ورود الحساب في كثير من الآيات في معرض أخطار ~~القيامة مما يحق أن يخفق له فؤاد كل مؤمن. ولا تنس ما أسلفنا في المقدمة ~~وفي غير موضع، أن قولهم: نزلت في كذا قد يراد أن كذا مما يشمله لفظ الآية ~~لعمومها له ولغيره. وهكذا هنا. فالآية وإن كان سياقها في الشهادة وكتمانها، ~~إلا أنها تتناول غيرها بعمومها. ولذلك دخل فيها الوسوسة وتوهم ما توهم. ~~وقوله في الرواية: فأنزل الله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا يتوهم ~~التراخي بين ما دخل قلوبهم وبين نزولها. بل المراد، كما أسلفنا في سبب ~~النزول، أن لفظ لا يكلف الله ... # إلخ الذي نزل معها مبين أن ms0742 لا حرج في مثل الوسوسة ونحوها. فافهم فإنه ~~نفيس جدا. وبه يزاح عنك ما يبحث فيه الكثيرون في هذه الآية ويرونه من ~~المعضلات. # وبالله التوفيق. # هذا # وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الله تعالى تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلم» . # وفي الصحيحين «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«قال الله عز وجل: (إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه. فإن عملها ~~فاكتبوها سيئة. وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها ~~فاكتبوها عشرا) » # ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقرئ برفع الفعلين على الاستئناف أي فهو ~~يغفر إلخ. وبجزمهما عطفا على جواب الشرط. وفي تقديم المغفرة على التعذيب ~~إشعار بسبق رحمته تعالى على غضبه والله على كل شيء قدير. قال الرازي: قد ~~بين بقوله: لله ما في السماوات وما في الأرض أنه كامل الملك والملكوت. وبين ~~بقوله وإن تبدوا.. إلخ. أنه كامل العلم والإحاطة. ثم بين بقوله والله على ~~كل شيء قدير أنه كامل القدرة مستول على كل الممكنات بالقهر والقدرة ~~والتكوين والإعدام. ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات. ~~والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له، خاضعا ~~لأوامره، ونواهيه، محترزا عن سخطه. # وبالله التوفيق. PageV02P239 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية # 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه أي صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت ~~عائشة «1» : كان خلقه القرآن والترقي بمعانيه والتحقق والمؤمنون أي كذلك ~~آمنوا. # قال الزجاج رحمه الله: لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرض الصلاة ~~والزكاة والصيام والحج والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام والربا والدين، ختمها بقوله: آمن الرسول لتعظيمه ~~وتصديق نبيه ms0743 صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لجميع ذلك المذكور قبله، وغيره ~~ليكون تأكيدا له وفذلكة. ### | لطيفة: # قوله (والمؤمنون) إما مبتدأ والجملة بعده خبر. أعني كل آمن. والعائد إلى ~~المبتدأ التنوين القائم مقام الضمير في (كل) ، لأن من جملة العائد إلى ~~المبتدأ التنوين النائب مناب الضمير. وإما معطوف على الرسول فيكون التنوين ~~راجعا إلى الرسول والمؤمنين. وقد اختار كثيرون الأول. ومنهم العلامة أبو ~~السعود. وأطال في توجيهه. وعندي أن الوجه هو الثاني. لأن المقام لتعداد ~~المؤمن به. وذلك يشترك فيه الرسول وأتباعه. وإن كان كنه إيمان الرسول لا ~~يشاركه فيه غيره. فالمقام ليس مقام الخصوصية. والله أعلم. # كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق أي يقولون لا نفرق بين أحد من ~~رسله أي برد بعض وقبول بعض، ولا نشك في كونهم على الحق وبالحق وقالوا سمعنا ~~أي قولك وفهمناه وأطعنا أي امتثلنا أمرك وقمنا به واستقمنا عليه. ولما ~~علموا أنهم لا يخلون من تقصير، وأن الرب يغفر لمن يشاء قالوا: غفرانك ربنا ~~PageV02P240 # أي اغفر لنا غفرانك. أو نسألك غفرانك ذنوبنا. وتقديم ذكر السمع والطاعة ~~على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة ~~والقبول وإليك المصير أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذييل لما ~~قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة. لما أن الرجوع للحساب والجزاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز ~~عنه. # قال الرازي: يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله. ويحتمل أن يكون حكاية ~~عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. على نسق ~~الكلام في ms0744 قوله: وقالوا سمعنا وأطعنا. وقالوا: لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها. # ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله: ربنا لا تؤاخذنا. فكأنه تعالى حكى عنهم ~~طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم ~~وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها. # ثم قال الرازي: في كيفية النظم: إن قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه ~~النظم أنهم لما قالوا: سمعنا وأطعنا فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع ~~وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم ~~الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين، فكذلك نحن بحكم ~~العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى، ~~فوجه النظم أنهم لما قالوا: # سمعنا وأطعنا ثم قالوا بعده: غفرانك ربنا، دل ذلك على أن قولهم: # غفرانك، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل ~~العمد. فلما كان قولهم (غفرانك) طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف ~~الله تعالى ذلك عنهم. وقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والمعنى: أنكم ~~إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على ~~سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى: لا يكلف الله ~~نفسا إلا # PageV02P241 # وسعها # . وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم: غفرانك ربنا. # قال زين العابدين بير محمد دره في (المدحة الكبرى) : وعلى احتمال أن يكون ~~قوله لا يكلف الله.. إلخ حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على ~~تقدير قالوا. قال بعضهم: ولك أن تجعل لا يكلف الله ... إلخ في حيز القول. ~~وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. ~~يكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج ~~عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. # ولا يتضرر بعملهم الشر، بل هو عليهم. # وقال البقاعي: وهذا الكلام من جملة دعائهم ms0745 على وجه الثناء طلبا للوفاء ~~بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن ~~يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس. لأنه مما تخفيه ~~النفوس ولا طاقة على دفعه. # ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الإسم الأعظم من باب التملق بأن ~~له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما ~~يرفه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم: ~~سمعنا وأطعنا، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما ~~شق عليهم من قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم، الآية. بخلاف ما أفاد بني ~~إسرائيل قولهم: سمعنا وعصينا، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ ~~استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم. ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه ~~لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله: لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: لها ما كسبت إلخ. ~~للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن ~~تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة ~~زائدة. وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. # ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص منفعة الفعل ~~بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن ~~مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله. لا لغيرها. وعليها ~~لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في ~~جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في ~~طلبه. # قال الحرالي: وصيغة (فعل) مجردة، تعرب عن أدنى الكسب. فلذلك من هم بحسنة ~~فلم يعملها كتبت له حسنة. # PageV02P242 ### | لطيفة: # وقال الجاربردي في (شرح الشافية) : معنى الكسب تحصيل الشيء على أي وجه ~~كان. والاكتساب المبالغة والاعتمال فيه. ومن ذلك قوله تعالى: لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت. وفيه تنبيه ms0746 على لطف الله تعالى بخلقه، إذ أثبت لهم ثواب ~~الفعل على أي وجه كان. ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلا على وجه مبالغة ~~واعتمال فيه. # قال الزمخشري: لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به، ~~كانت في تحصيله أعمل وأجد. فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن في باب ~~الخير كذلك لفتورها في تحصيله، وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف. # انتهى. قال العلامة ابن جماعة في (حواشيه) : تفرقته بين الكسب والاكتساب ~~هو ما قاله الزمخشري وغيره ونص عليه سيبويه. قال الحلبي: وهو الأظهر. وقال ~~قوم: لا فرق. قالوا: وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال ~~تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة [المدثر: 38] . ولا تكسب كل نفس إلا عليها ~~[الأنعام: 164] . بلى من كسب سيئة [البقرة: 81] . وقال تعالى: بغير ما ~~اكتسبوا [الأحزاب: 58] . فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر. وقال ~~الواحدي: الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد. وفي القاموس: # كسب يكسبه كسبا، وتكسب واكتسب: طلب الرزق. أو كسب أصاب، واكتسب تصرف ~~واجتهد. ثم قال ابن جماعة: ما ذكره من تنبيه الآية على لطف الله بخلقه إلى ~~آخره، قاله ابن الحاجب في شرح (المفصل) وبمعناه قول بعضهم: في الآية إيذان ~~أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرما من الله على عبده، بخلاف ~~العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جد فيها واجتهد. وقريب منه قول آخر: ~~للنفس ما حصل من الثواب بأي وجه اتفق حصوله سواء كان بإصابة مجردة أو ~~بتحصيل. # وعليها ما حصلته وسعت فيه لا ما حصل من غير اختيار وسعي. نبه تعالى أن ~~الثواب حاصل لها سواء كان بسعيها واختيارها أو لم يكن كذلك. وأما العقاب ~~فلا يكون عليها إلا بقصدها وتحصيلها. # وما قالوه من الفرق يحتاج إلى ثبت. وقد قال تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 7- 8] ، أي يرى جزاءه. ~~وقال: # PageV02P243 # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] . على أن ترتب الثواب ms0747 على ما حصل ~~من غير سعي واختيار، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه، فالعقاب أيضا ~~كذلك. فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها، وإن صور بالإصابة عند أول ~~الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله. ومدعي خلافه عليه البيان. نعم ~~الإصرار شرط. لأن الرجوع يمحوه لكنه قدر زائد على الفعل. وبالجملة فما قاله ~~جار الله حسن. وقد ذكره البيضاوي أيضا. وفي الإعراب الحلبي: الذي يظهر في ~~هذا، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف. إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم ~~شرعه، والسيئات تكتسب بتكلف. إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله ~~تعالى، ويتجاوز إليها. فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى ~~والله أعلم. ثم قال ابن جماعة: والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر. ~~والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته. انتهى. # قال البقاعي ولما بشرهم بذلك، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتبه على الأخف ~~فالأخف على سبيل التعلي، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا، ولا ~~بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا. بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء. ولا ~~حملهم فوق طاقتهم. مع أن له جميع ذلك. وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم ~~يخجلهم بذكر سيئاتهم. ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة. ~~فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر. ويظهر دينهم على كل دين. إذ كان ~~سبحانه هو الداعي عنهم. وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا ~~بالإجابة فقال تعالى: ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا إن نسينا أمرك ونهيك ~~أو أخطأنا أي ففعلنا خلاف الصواب، تفريطا ونحوه. # وقد ولع كثير من المفسرين هاهنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفو عنهما، ~~فما فائدة طلب العفو عنهما؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه. وأرق جواب رأيته قول ~~العلامة بير محمد في (المدحة الكبرى) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار ~~والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ ~~من الخطيئة. # كقوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ms0748 وجلة [المؤمنون: 60] . # وقيل في معنى الآية: لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة. على أن ~~يكون النسيان بمعنى الترك. والخطأ من الخطيئة. وعليه فلا إيراد، والله ~~أعلم. # ربنا ولا تحمل علينا إصرا أي عهدا يثقل علينا. # PageV02P244 # قال الحرالي: الإصر العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة كما حملته على ~~الذين من قبلنا وهو ما كلفه بنو إسرائيل مما يهد الأركان. ولا بأس بالإشارة ~~إلى جمل مما حملوه من الآصار. ننقله عن أسفارهم تأكيدا لما يحمل على الشكر ~~على تخفيف ذلك عنا، وتعظيما لمنته تعالى، فلله الحمد فنقول: في سفر الخروج ~~في الأصحاح الثاني عشر: # (15) سبعة أيام تأكلون فطيرا. اليوم الأول تعزلون الخمير في بيوتكم. فإن ~~كل من أكل خميرا من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من ~~إسرائيل. # وكل هذا الأصحاح آصار شاقة. # وفي السفر المذكور- في الأصحاح الحادي والعشرين. # (15) ومن ضرب أباه أو أمه يقتل قتلا (16) ومن سرق إنسانا وباعه أو وجد في ~~يده يقتل قتلا. # (17) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. (27) وإن أسقط سن عبده أو سن أمته ~~يطلقه حرا عوضا عن سنه (28) وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ~~ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئا (29) ولكن إن كان ثورا نطاحا ~~من قبل وقد أشهد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم ~~وصاحبه أيضا يقتل. # وفي السفر المذكور، في الأصحاح الثالث والعشرين. # (10) وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها (11) وأما في السابعة فتريحها ~~وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك ~~وزيتونك. (12) ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح لكي ~~يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب. # (19) أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك. # وفي سفر العدد، في الأصحاح الخامس عشر: # (37) وكلم الرب موسى قائلا (38) كلم بني إسرائيل وقل لهم: أن يصنعوا لهم ~~أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من ~~أسمانجوني (39) فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا ms0749 الرب وتعملونها. # وفي السفر المذكور، في الأصحاح التاسع عشر: # PageV02P245 # (11) من مس ميتا ميتة إنسان ما يكون نجسا سبعة أيام. (12) يتطهر به في ~~اليوم الثالث، وفي السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثالث ففي ~~اليوم السابع لا يكون طاهرا. (13) كل من مس ميتا ميتة إنسان قد مات ولم ~~يتطهر ينجس مسكن الرب. فتقطع تلك النفس من إسرائيل. لأن ماء النجاسة لم يرش ~~عليها تكون نجسة. نجاستها لم تزل فيها. (14) هذه هي الشريعة. إذا مات إنسان ~~في خيمة فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجسا سبعة أيام (15) ~~وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس. (16) وكل من مس على وجه ~~الصحراء قتيلا بالسيف أو ميتا أو عظم إنسان أو قبرا يكون نجسا سبعة أيام. ~~وتمام الفصل المذكور كيفية الطهارة من هذه النجاسة الشاقة جدا. # وفي السفر المذكور في الأصحاح الخامس والثلاثين: # (31) ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل. # وفي سفر التثنية، في الأصحاح الخامس عشر: # (19) كل بكر ذكر يولد من بقرك ومن غنمك تقدسه للرب إلهك. لا تشتغل على ~~بكر بقرك ولا تجز بكر غنمك. # وفي سفر الخروج- في الأصحاح الرابع والثلاثين: # (20) وأما بكر الحمار فتفديه بشاة. وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من ~~بنيك تفديه وفي سفر اللاويين، في الأصحاح الرابع: # (1) وكلم الرب موسى قائلا (2) كلم بني إسرائيل قائلا: إذا أخطأت نفس سهوا ~~في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وعملت واحدة منها (3) إن ~~كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب يقرب عن خطيئته التي أخطأ ثورا ابن بقر ~~صحيحا للرب. ذبيحة خطية. # وكيفية ذلك حرجة جدا. انظرها. # وفيه، في الأصحاح الخامس: # (2) أو إذا مس أحد شيئا نجسا جثة وحش نجس أو جثة بهيمة نجسة أو جثة ديب ~~نجس وأخفى عنه فهو نجس ومذنب. # (5) فإن كان يذنب في شيء من هذه يقر بما قد أخطأ به (6) ويأتي إلى # PageV02P246 # الرب بذبيحة لإثمه عن خطيئته التي أخطأ بها أنثى من ms0750 الأغنام نعجة أو عنزا ~~من المعز ذبيحة خطية فيكفر عنه الكاهن من خطيته. # والأصحاح المذكور كله آصار. # وكذا الأصحاح السادس بعده كله آصار. # وفي الأصحاح الحادي عشر تحريم بعض الطيور وفيه آصار كثيرة. منها: # (33) وكل متاع خزف وقع فيه منها فكل ما فيه يتنجس، وأما هو فتكسرونه. # وفي الأصحاح الثاني عشر أحكام النفساء عندهم والفرق بين ولادتها ذكرا ~~وأنثى. # وإنها في الأول تكون نجسة أسبوعا ثم ثلاثا وثلاثين يوما. وفي الثاني ~~أسبوعين ثم ستة وستين يوما. # وعن تمام أيام طهرها تأتي بكيس كفارة عنها. # وفي الأصحاح الخامس عشر تشريعات لذوي الجراحات. # وفي ذلك آصار كبرى. انظرها. # وفيه أيضا أحكام الحائض والآصار في شأنها. ومنها: # (19) وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء (20) وكل ما تضطجع عليه في طمثها ~~يكون نجسا وكل ما تجلس عليه يكون نجسا (21) وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ~~ويستحم بماء ويكون نجسا إلى المساء وفي الأصحاح السابع عشر: # (15) وكل إنسان يأكل ميتة أو فريسة وطنيا كان أو غريبا يغسل ثيابه ويستحم ~~بماء ويبقى نجسا إلى المساء. # وفي الأصحاح التاسع عشر: # (23) ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها. # ثلاث سنين تكون لكم غلفاء. لا يؤكل منها. (24) وفي السنة الرابعة يكون كل ~~ثمرها قدسا لتمجيد الرب. (25) وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد بكم ~~غلتها. أنا الرب إلهكم. (27) لا تقصروا رؤوسكم مستديرا ولا تفسد عارضيك. # وفي الأصحاح الخامس والعشرين: # (3) ست سنين تزرع حقلك وست سنين تقضب كرمك وتجمع غلتهما. # (4) وأما السنة السابعة ففيها يكون للأرض سبت عطلة سبتا للرب. لا تزرع ~~حقلك # PageV02P247 # ولا تقضب كرمك. (5) زريع حصيدك لا تحصد وعنب كرمك المحول لا تقطف. # سنة عطلة تكون للأرض. (6) ويكون سبت الأرض لكم طعاما. لك ولعبدك ولأمتك ~~ولأجيرك ولمستوطنك النازلين عندك. (7) ولبهائمك وللحيوان الذي في أرضك تكون ~~كل غلتها طعاما. # وفي سفر التثنية، في الأصحاح الحادي والعشرين. # (18) وإذا كان لرجل ابن معاند ومارد ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ~~ويؤدبانه فلا يسمع لهما. (19) يمسكه أبوه وأمه ويأتيان ms0751 به إلى شيوخ مدينته ~~وإلى باب مكانه. (20) ويقولون لشيوخ مدينته. ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع ~~لقولنا وهو مسرف وسكير (21) فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. # وفيه، في الأصحاح الثاني والعشرين: # (10) لا تحرث على ثور وحمار معا. (11) لا تلبس ثوبا مختلطا صوفا وكتانا ~~معا. # وفيه، في الأصحاح الرابع والعشرين: # (1) إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها ~~عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته. (2) ومتى خرجت ~~من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر. (3) فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب ~~طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها ~~له زوجة. (4) لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود بأخذها لتصير له زوجة ~~بعد أن تنجست. لأن ذلك رجس لدى الرب. # وهذه نبذة يسيرة من الآصار التي كانت على الإسرائيليين ولم يشرعها لنا ~~مولانا بفضله وكرمه له الحمد، إنه أرحم الراحمين. # ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به أي من بليات الدنيا والآخرة. فالدعاء ~~الأول في رفع شدائد التكليف، وهذا في رفع شدائد البليات. ويقال: هو تكرير ~~للأول وتصوير للإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة. واعف عنا أي: تجاوز عن ~~ذنوبنا ولا تعاقبنا واغفر لنا أي غط على ذنوبنا واعف عنها وارحمنا أي: تفضل ~~علينا بالرحمة مع كوننا مقصرين مذنبين أنت مولانا أي: ولينا وناصرنا ~~فانصرنا على القوم الكافرين فإن من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولى أمره ~~على الأعداء. # PageV02P248 # وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله تعالى، حسبما أمر في ~~تضاعيف السورة الكريمة، غاية مطلبهم. # قال البقاعي: فتضمن ذلك وجوب قتال الكافرين. وأنهم أعدى الأعداء. وأن ~~قوله لا إكراه في الدين ليس ناهيا عن ذلك. وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار ~~في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه. بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية ~~الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب. فمن نصح نفسه ms0752 دخل فيه بما دل عليه عقله، ~~ومن أبى دخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام. # وقد ورد في (صحيح مسلم) «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ~~قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت» . # وقد روى البخاري «2» والجماعة عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة، كفتاه» ~~. # وروى الإمام أحمد «3» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي» . # وأخرج مسلم «4» عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة. إليها ينتهي ما ~~يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها. ~~قال: إذ يغشى السدرة ما يغشى [النجم: 16] ، قال: فراش من ذهب قال، فأعطي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: # أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله ~~من أمته شيئا، المقحمات. PageV02P249 # وعن ابن عباس قال «1» : «بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم. لم يفتح ~~قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا ~~اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب ~~وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته» . رواه مسلم ~~والنسائي. # وهذا لفظ مسلم. # وأخرج الترمذي «2» والنسائي والدارمي والحاكم وصححه، عن النعمان بن بشير: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بألفي عام. أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة. ولا يقرآن ~~في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» . # وأخرج عبد بن حميد في (مسنده) عن الحسن: أنه كان إذا قرأ ms0753 آخر البقرة قال: ~~يا لك نعمة..! يا لك نعمة. # هذا، وقد روي في فضل سورة البقرة أحاديث كثيرة ... منها ما # أخرجه مسلم «3» والترمذي من حديث النواس بن سمعان قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون ~~به تقدمه سورة البقرة وآل عمران» # . وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد # قال: «كأنهما عمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق. أو كأنهما حزقان من ~~طير صواف تحاجان عن صاحبهما» . # وأخرج أحمد «4» والحاكم والدارمي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «تعلموا سورة البقرة. فإن أخذها بركة. وتركها حسرة. ولا ~~تستطيعها البطلة. # تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما هما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما ~~غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما» . # وأخرج أحمد ومسلم «5» والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا PageV02P250 # تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة ~~البقرة. ولفظ الترمذي: وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله ~~الشيطان» . # وأخرج سعيد بن منصور والترمذي «1» والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء سنام. وإن سنام القرآن سورة البقرة. ~~وفيها آية هي سيدة آي القرآن. آية الكرسي» . ### | فائدة: # قال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله، وله الحمد كله، ~~أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها منه، وموردها إليه، مستويا على العرش، لا ~~تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطلعا على ~~أسرارهم وعلانيتهم، منفردا بتدبير المملكة. يسمع ويرى ويعطي ويمنع، ويثيب ~~ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي ويدبر، الأمور ~~نازلة من عنده، دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا ~~تسقط ورقة إلا بعلمه. فتأمل كيف تجده يثني على نفسه. ويمجد نفسه، ويحمد ~~نفسه، وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه، ms0754 ويحذرهم ~~مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه! ~~يذكرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها. ويحذرهم من نقمه، ~~ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن ~~عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ~~ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم ~~وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه ~~أحسن الأجوبة. ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ~~ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار ~~ويذكر عذابها وقبحها وآلامها. ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من ~~كل وجه. وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناءه عنهم وعن جميع ~~الموجودات. وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه. وكل ما سواه فقير إليه. وأنه ~~لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته. ولا ذرة من الشر فما ~~فوقها إلا بعدله وحكمته. وتشهد من خطابه PageV02P251 # عتابه لأحبابه ألطف عتاب. وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم ~~أعذارهم، ومصلح فسادهم، والدافع عنهم، والحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل ~~بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده. وأنه وليهم الذي لا ~~ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق، وينصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم ~~النصير. # وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما جوادا رحيما جميلا هذا شأنه، فكيف ~~لا تحبه، وتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب ~~إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضى كل من سواه؟ وكيف لا تلهج ~~بذكره، وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن ~~فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟ # اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا. وأعنا على ~~إكمال ما قصدناه بفضلك. يا أرحم الراحمين. # PageV02P252 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة آل عمران # وهي مدنية: مائتا آية، أو إلا آية. سميت بذلك لأن ms0755 اصطفاء آل عمران، وهم ~~عيسى ويحيى ومريم وأمها، نزل فيه منها ما لم ينزل في غيره. إذ هو بضع ~~وثمانون آية. وقد جعل هذا الاصطفاء دليلا على اصطفاء نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وجعله متبوعا لكل محب لله ومحبوب له. # وتسمى الزهراء، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى عليه ~~السلام. والأمان، لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأنه. والكنز، ~~لتضمنها الأسرار العيسوية. والمجادلة، لنزول نيف وثمانين آية منها في ~~مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران. وسورة الاستغفار، لما ~~فيها من قوله: والمستغفرين بالأسحار [آل عمران: 17] . وطيبة، لجمعها من ~~أصناف الطيبين في قوله: # الصابرين والصادقين [آل عمران: 17] . إلى آخره، أفاده المهايمي. # والمراد بعمران هو والد مريم، أم عيسى عليهما السلام، كما يأتي التنويه ~~به في قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين [آل عمران: 33] . # PageV02P253 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) # الم سلف الكلام على ذلك أول البقرة. الله لا إله إلا هو الحي القيوم سبق ~~تأويله في آية الكرسي. نزل عليك الكتاب أي القرآن. عبر عنه باسم الجنس ~~إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس، كأنه هو ~~الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه، كما يلوح به التصريح باسمي ~~التوراة والإنجيل بالحق أي الصدق الذي لا ريب فيه مصدقا لما بين يديه أي من ~~الكتب المنزلة قبله. # قال المهايمي: أي معرفا صدق الكتب السالفة. وقال أبو مسلم: المراد منه ~~أنه تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى توحيده والإيمان به، وتنزيهه ~~عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. ~~فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك. وأنزل التوراة والإنجيل تعيين لما بين ~~يديه وتبيين لرفعة ms0756 محله. تأكيدا لما قبله، وتمهيدا لما بعده. إذ بذلك يترقى ~~شأن ما يصدقه رفعة ونباهة، ويزداد في القلوب قبولا ومهابة، ويتفاحش حال من ~~كفر بهما في الشناعة، واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام. قاله ~~أبو السعود. # والتوراة اسم عبراني معناه (الشريعة) . والإنجيل لفظة يونانية معناها ~~(البشرى) أي الخبر الحسن. هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في ~~مصنفاتهم. وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما ~~منها. وهو خبط. بغير ضبط. # PageV02P254 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 4] # من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام (4) # من قبل متعلق ب أنزل، أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب. والتصريح به مع ~~ظهور الأمر، للمبالغة في البيان هدى للناس أي لقوم موسى وعيسى. أو ما هو ~~أعم. لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع وأنزل الفرقان وهو الكتب ~~السماوية التي ذكرها. لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل. أو هو القرآن. # وإنما كرر ذكره بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، ~~بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله، قال الرازي: أو يقال ~~إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا ~~بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل. وعلى هذا التقدير فلا ~~تكرار. ثم استظهر حمل الفرقان على المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال ~~هذه الكتب الفارقة بين دعواهم ودعوى الكذابين. قال: فالفرقان هو المعجز ~~القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة. ~~انتهى. # ويجوز أن يكون المراد بالفرقان (الميزان) المشار إليه في قوله تعالى: لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~[الحديد: 25] . والميزان هو العدل في الأمور كلها واللفظ مما يشمل ذلك كله ~~لتلاقيها في المعنى. # إن الذين كفروا بآيات الله أي جحدوا بها لهم بسبب كفرهم بها عذاب شديد ~~وهذا الوعيد. ms0757 جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان والله ~~عزيز لا يغالب يفعل ما يشاء ذو انتقام أي معاقبة، يقال: انتقم الله منه: ~~عاقبه. والنقمة: المكافأة بالعقوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 5] # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أي هو مطلع على كفر من ~~كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه. # PageV02P255 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 6] # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ~~ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (7) # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات واضحات الدلالة هن أم الكتاب ~~أي أصله المعتمد عليه في الأحكام وأخر متشابهات وهي ما استأثر الله بعلمها ~~لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها. وجعله كله محكما ~~في قوله: أحكمت آياته [هود: 1] ، بمعنى أنه ليس فيه عيب، وأنه كلام حق فصيح ~~الألفاظ، صحيح المعاني. ومتشابها في قوله كتابا متشابها [الزمر: 23] ، ~~بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ أي ميل عن استقامة إلى كفر وأهواء وابتداع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة أي طلب الإيقاع في الشبهات واللبس وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله ~~إلا الله وحده والراسخون في العلم أي الثابتون المتمكنون مبتدأ خبره يقولون ~~آمنا به أي بالمتشابه على ما أراد الله تعالى ms0758 كل من المحكم والمتشابه من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب أي العقول الخالصة من الركون إلى ~~الأهواء الزائغة. وهو تذييل سيق منه تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن ~~النظر. ### | تنبيه: # للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته ~~في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن ~~تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها: # المحكم في القرآن، تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله، وتارة ~~يقابل # PageV02P256 # بما نسخه الله، مما ألقاه الشيطان. ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه ~~الله مطلقا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس ~~محكما، وإن كان الله أنزله أولا اتباعا للظاهر من قوله: فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته. فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم، ينبغي التفطن ~~لها. # وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون في التنزيل. فيكون في مقابلته ما يلقيه ~~الشيطان. فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من الاشتباه ~~بغيره، وفصل منه ما ليس منه، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق ~~والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما ~~دخل في الحد بالمنع جزء معناه، لا جميع معناه، وتارة يكون في إبقاء التنزيل ~~عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحي. أو يقال (وهو أشبه) ~~: السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا، سواء كان رفع حكم، أو رفع دلالة ظاهرة، ~~فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، فهو منسوخ ~~في اصطلاح السلف. وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ، وقد ~~يكون في مسمع المبلغ، وقد يكون في فهمه، كما قال: أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها [الرعد: 17] . ومعلوم أن من سمع، سمع النص الذي قد رفع حكمه، ~~أو دلالة له، فإنه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ، فيحكم ~~الله آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم، وبان المراد. وعلى هذا التقدير، ~~فيصح ms0759 أن يقال: # المتشابه والمنسوخ. بهذا الاعتبار. والله أعلم. # وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من ~~غيرها، حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي ~~تشبه هذا وتشبه هذا. فتكون محتملة للمعنيين، ولم يقل في المتشابه (لا يعلم ~~تفسيره ومعناه إلا الله) ، وإنما قال: وما يعلم تأويله إلا الله وهذا هو ~~فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع. فإن الله أخبر أنه لا يعلم ~~تأويله إلا هو. والوقف هنا. # على ما دل عليه أدلة كثيرة، وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجمهور التابعين، وجماهير الأمة. ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره، بل ~~قال: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته [ص: 29] . وهذا يعم الآيات ~~المحكمات والآيات المتشابهات. وما لا يعقل له معنى لا يتدبر، وقال: أفلا ~~يتدبرون القرآن [النساء: 82] . ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره. والله ~~ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من ~~تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله # PageV02P257 # وطلب فهمه ومعرفة معناه، فلم يذمه الله، بل أمر بذلك ومدح عليه. يبين ذلك ~~أن التأويل، قد روي أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كحيي بن أخطب وغيره من طلب من حروف الهجاء التي في أوائل ~~السور تأويل بقاء هذه الأمة، كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة ~~للصابئة المنجمين، وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما. لأن ذلك هو عدد ~~ما للحروف في حساب الجمل، بعد إسقاط المكرر. وهذا من نوع تأويل الحوادث ~~التي أخبر بها القرآن في اليوم الآخر. وروي أن من النصارى الذين وفدوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في وفد نجران من تأول (أنا ونحن) على أن الآلهة ~~ثلاثة. لأن هذا ضمير جمع. وهذا تأويل في الإيمان بالله. فأولئك تأولوا في ~~اليوم الآخر. وهؤلاء تأولوا في الله. ومعلوم أن (أنا ونحن) من المتشابه. ~~فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه ~~أعوانه ms0760 وإن لم يكونوا من جنسه، ويراد الواحد المعظم نفسه، الذي يقوم مقام ~~من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى. فصار هذا ~~متشابها لأن اللفظ واحد، والمعنى متنوع، والأسماء المشتركة في اللفظ هي من ~~المتشابه، وبعض المتواطئ أيضا من المتشابه. ويسميها أهل التفسير (الوجوه ~~والنظائر) وصنفوا كتب الوجوه والنظائر. # فالوجوه في الأسماء المشتركة، والنظائر في الأسماء المتواطئة. وقد ظن بعض ~~أصحابنا المصنفين في ذلك أن الوجوه والنظائر جميعا في الأسماء المشتركة، ~~فهي نظائر باعتبار اللفظ، ووجوه باعتبار المعنى، وليس الأمر على ما قاله، ~~بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله. والذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم ~~الذي لا اشتباه فيه مثل: وإلهكم إله واحد [البقرة: 163] . إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدني [طه: 14] . ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~[المؤمنون: 91] . ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك [الفرقان: 2] . ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص: 3- 4] . ويتبعون المتشابه ~~ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه، وحرفوا الكلم عن ~~مواضعه. وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التي أخبر عنها. وذلك أن الكلام نوعان: ~~إنشاء فيه الأمر، وإخبار. فتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به، كما قال ~~من قال من السلف: إن السنة هي تأويل الأمر. # قالت عائشة رضي الله عنها «1» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ~~أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي # . يتأول القرآن، تعني قوله: PageV02P258 # فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [النصر: 3] . وأما الإخبار فتأويله ~~عين الأمر المخبر به إذا وقع. ليس تأويله فهم معناه، وقد جاء اسم التأويل ~~في القرآن في غير موضع. وهذا معناه. قال الله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي ~~تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف: 52- 53] ~~فقد أخبر أنه فصل الكتاب، وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه، ms0761 ثم قال: هل ~~ينظرون، أي ينتظرون، إلا تأويله، يوم يأتي تأويله. إلى آخر الآية. وإنما ~~ذلك مجيء ما أخبر به القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها. كالدابة ويأجوج ~~ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفا صفا، وما في الآخرة من ~~الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك. فحينئذ ~~يقولون: قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل ~~غير الذي كنا نعمل. وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم ~~وقته وقدره وصفته إلا الله. فإن الله يقول: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين [السجدة: 17] . ويقول «1» : # أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، فإن الله قد ~~أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم ~~قطعا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه. ~~كما في قوله: # وأتوا به متشابها [البقرة: 25] ، على أحد القولين أي يشبه ما في الدنيا، ~~وليس مثله. فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق ~~الحقائق من بعض الوجوه، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من القدر ~~المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل ~~إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق على ~~ما هي تأويل ما أخبر الله به، وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين ~~من المتفلسفة وغيرهم. فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح، ~~ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن. # ومن دخل في الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة ~~لتفهيم النعيم الروحاني، إن كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر ~~الأجساد. وإن كان PageV02P259 # من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد، تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي ~~في الجنة من الروحاني والسماع الطيب والروائح العطرة. ms0762 كل ضال يحرف الكلم عن ~~مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته. وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه، إذ الأسماء ~~تشبه الأسماء، والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها. ~~فهؤلاء يتبعون هذا المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على ~~امتناع أن يكون في الجنة هذه الحقائق، وابتغاء تأويله ليردوه إلى المعهود ~~الذي يعلمونه في الدنيا، قال الله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله، فإن ~~تلك الحقائق قال الله فيها: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: ~~17] ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. # وقوله: وما يعلم تأويله. إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على ~~المتشابه. فإن كان عائدا على الكتاب لقوله: منه، ومنه: فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فهذا يصح. فإن جميع آيات الكتاب المحكمة ~~والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به، لا يعلم حقيقة ~~ذلك الغيب ومتى يقع إلا الله. وقد يستدل لهذا أن الله جعل التأويل للكتاب ~~كله مع إخباره أنه مفصل بقوله: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله. فجعل التأويل الجائي ~~الكتاب المفصل، وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة ~~إلا الله. وإنا نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا. وكذلك ~~قوله: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. وإذا كان التأويل ~~الكتاب كله والمراد به ذلك، ارتفعت الشبهة، وصار هذا بمنزلة قوله: يسئلونك ~~عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ~~ثقلت في السماوات والأرض- إلى قوله- إنما علمها عند الله [الأعراف: 187] . ~~وكذلك قوله: يسئلك الناس عن الساعة، قل إنما علمها عند الله، وما يدريك لعل ~~الساعة تكون قريبا [الأحزاب: 63] . فأخبر أنه ليس علمها إلا عند الله، ~~وإنما هو علم وقتها المعين وحقيقتها، وإلا فنحن قد علمنا من صفاتها ما ~~أخبرنا به، فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله. وهذا واضح بين، ms0763 ولا ~~ينافي كون علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه، وأن ~~نفسر النصوص المبينة لأحوالها. فهذا هذا. # وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس، فلأن المخبر ~~به من الوعد والوعيد متشابه، بخلاف الأمر والنهي. ولهذا في الآثار: العمل ~~بمحكمه والإيمان بمتشابهه. لأن المقصود في الخبر الإيمان. وذلك لأن المخبر ~~به من الوعد # PageV02P260 # والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه. بخلاف الأمر والنهي فإنه متميز غير ~~مشتبه بغيره، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع وأمور نتركها لا بد أن ~~نتصورها. # ومما جاء من لفظ التأويل في القرآن قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله [يونس: 39] والكتابة عائدة على القرآن، أو على ما ~~لم يحيطوا بعلمه، وهو يعود إلى القرآن. قال تعالى: وما كان هذا القرآن أن ~~يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من ~~رب العالمين أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، ~~كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ومنهم من يؤمن به ~~ومنهم من لا يؤمن به، وربك أعلم بالمفسدين [يونس: 37- 40] . فأخبر سبحانه ~~أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله. وهذه الصيغة تدل على امتناع ~~المنفي كقوله: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [هود: 117] لأن ~~الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله. كما تحداهم وطالبهم لما قال: أم يقولون ~~افتراه، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ~~[يونس: 38] ، فهذا تعجيز لجميع المخلوقين. قال تعالى: ولكن تصديق الذي بين ~~يديه [يونس: 37] ، أي مصدق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، أي مفصل الكتاب، ~~فأخبر أنه مصدق الذي بين يديه ومفصل الكتاب. والكتاب اسم جنس. ولما تحدى ~~القائلين: افتراه، ودل على أنهم هم المفترون، قال: بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله. ففرق ms0764 بين الإحاطة بعلمه، وبين إتيان تأويله. # فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه، ولما يأتهم تأويله، ~~وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني ~~الكلام على التمام، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به. وفرق بين معرفة ~~الخبر وبين المخبر به. # فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن. ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله. ~~وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم. # إن الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر به محكمه ~~ومتشابهه، وإن لم يعلم تأويله. ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار: وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~ولوا على أدبارهم # PageV02P261 # نفورا # [الإسراء: 45- 46] . فقد أخبر، ذما للمشركين، أنه إذا قرئ عليهم القرآن ~~حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفي آذانهم وقرا. فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا ~~بعضه لشاركوهم في ذلك. وقوله: أن يفقهوه يعود إلى القرآن كله. فعلم أن الله ~~يحب أن يفقه. ولهذا قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن ~~يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها. وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره. ~~وقال مجاهد: # عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات أقفه عند كل آية وأسأله ~~عنها. فهذا ابن عباس حبر الأمة، وهو أحد من كان يقول: وما يعلم تأويله إلا ~~الله، يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن. وهذا هو الذي جعل مجاهدا ومن وافقه ~~كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عن قوله والراسخون في العلم فجعلوا الراسخين ~~يعلمون التأويل. لأن مجاهد تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان ~~معانيه. فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن غير الله. وأصل ذلك أن لفظ ~~التأويل، وبه أشير إلى بين ما عناه الله في القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف ms0765 ~~من السلف، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ (التأويل) ~~اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن. # ومجاهد إمام التفسير، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. # وأما التأويل فشأن آخر. ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد ~~منهم عن تفسير آية من كتاب الله وقال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ~~ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات ~~لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أهل العلم ~~والإيمان جميعهم. وإنما قد ينفون علم بعض ذلك على بعض الناس، وهذا لا ريب ~~فيه، وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات ~~الصفات وآيات القدر وغير ذلك. فلقبوها، هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا ~~يعلم معناه، وما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم؟ # فجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما ~~شاء، ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف ~~الكلم عن مواضعه. والغالب على كلتا الطائفتين الخطأ. أولئك يقصرون في فهمهم ~~القرآن بمنزلة من قيل فيه: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون [البقرة: 78] . وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن ~~مواضعه. ومن # PageV02P262 # المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ~~ولا يعني به شيئا، خلافا للحشوية. وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا ~~معنى له وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه. وبين نفي المعنى عند ~~المتكلم، ونفي الفهم عن المخاطب، بون عظيم. ثم احتج بما لا يجري على أصله، ~~فقال: هذا عبث، والعبث على الله محال، وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلا، ~~بل يجوز أن يفعل كل شيء، وليس له أن يقول العبث صفة نقص، فهو منتف عنه، لأن ~~النزاع في الحروف، وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال، ms0766 ويجوز أن يشتمل الفعل ~~عنده على كل صفة، فلا نقل صريح، ولا عقل صحيح. # ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعي التأويل أخطئوا في ~~زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل، وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي ~~هو تحريف الكلم عن مواضعه. فإن الأولين، لعلمهم بالقرآن والسنن، وصحة ~~عقولهم، وعلمهم بكلام السلف، وكلام العرب، علموا يقينا أن التأويل الذي ~~يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن. فإنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وصاروا ~~مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون للأخبار والأوامر. وما بين صابئة ~~فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال ~~الأنبياء. وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي ~~آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات. وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما ~~جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر. وآخرون من أصناف ~~الأمة، وإن كان يغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من ~~تحريف الكلم عن مواضعه. # والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة، وأكثر أهل ~~الكلام والبدع، رأوا أيضا أن النصوص دلت على معرفة معاني القرآن. ورأوا ~~عجزا وعيبا وقبيحا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرءونه ويتلونه وهم لا ~~يفهمونه. وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل، لكن أخطئوا في معنى ~~التأويل الذي نفاه الله، وفي التأويل الذي أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى ~~تحريف الكلم عن مواضعه، وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من ~~الجهل، وصار الآخرون أكثر كلاما وجدالا، ولكن بفرية على الله، وقول عليه ما ~~لا يعلمونه، وإلحاد في أسمائه وآياته، فهذا هذا. # ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل. فإن التأويل في عرف المتأخرين من # PageV02P263 # المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى ~~الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون ~~عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فإذا قال أحد منهم: هذا الحديث أو هذا ~~النص مؤول، أو هو محمول على ms0767 كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج ~~إلى دليل. والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، ~~وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر، وهذا هو التأويل الذي ~~يتنازعون فيه في مسائل الصفات، إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم ~~التأويل، أو قال بعضهم: # آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها، وقال الثالث: بل ~~التأويل جائز يفعل عند المصلحة، يترك عند المصلحة، أو يصح للعلماء دون ~~غيرهم، إلى غير ذلك من المقالات والتنازع. # وأما لفظ التأويل في لفظ السلف فله معنيان: # أحدهما- تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه، فيكون ~~التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا، وهذا- والله أعلم- هو الذي ~~عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله. ومحمد بن جرير الطبري يقول في ~~تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا. واختلف أهل التأويل في هذه الآية. ~~ونحو ذلك، ومراده التفسير. # والمعنى الثاني- في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو نفس ~~المراد بالكلام. فإن الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب. وإن ~~كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. وبين هذا المعنى والذي قبله بون. ~~فإن الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم، والكلام كالتفسير والشرح ~~والإيضاح. # ويكون وجود التأويل في القلب واللسان، له الوجود الذهني واللفظي والرسمي. ~~وأما هذا، فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو ~~مستقبلة. # فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها. وهذا الوضع والعرف. الثالث ~~هو لغة القرآن التي نزل بها. وقد قدمنا التبيين في ذلك. ومن ذلك قول يعقوب ~~عليه السلام ليوسف: وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته ~~عليك [يوسف: 6] . وقوله: ودخل معه السجن فتيان، قال أحدهما إني أراني أعصر ~~خمرا، وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، نبئنا ~~بتأويله. إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله # PageV02P264 # [يوسف: 36- 37] . وقول الملأ: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين ms0768 [يوسف: 44] . وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون [يوسف: 45] . وقول يوسف لما دخلوا عليه مصر وآوى إليه ~~أبويه وقال: # ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين [يوسف: 99] . ورفع أبويه على العرش وخروا ~~له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا [يوسف: 100] ~~. # فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه، كما ~~قال يوسف: هذا تأويل رءياي من قبل [يوسف: 100] . والعالم بتأويلها الذي ~~يخبر به، كما قال يوسف: لا يأتيكما طعام ترزقانه. أي في المنام. إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما. أي قبل أن يأتيكما التأويل. وقال الله ~~تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] . قالوا: أحسن عاقبة ومصيرا، ~~فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد إلى الكتاب والسنة، والتأويل في ~~سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا، والتأويل في الأعراف ويونس تأويل القرآن، ~~وكذلك في سورة آل عمران. وقال تعالى في قصة موسى والعالم: قال هذا فراق ~~بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا [الكهف: 78] . إلى قوله: ~~وما فعلته عن أمري، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا [الكهف: 82] . فالتأويل ~~هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها. ومن ~~قتل الغلام، ومن إقامة الجدار. فهو تأويل عمل، لا تأويل قول، وإنما كان ~~كذلك لأن التأويل مصدر أوله يؤوله تأويلا، مثل حول تحويلا، وعول تعويلا. و ~~(أول يؤول) تعدية (آل يؤول أولا) ، مثل حال يحول حولا وقولهم (آل يؤول) أي ~~عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه المآل، وهو ما يؤول إليه الشيء. ويشاركه في ~~الاشتقاق الموئل، فإنه وأل، وهذا من أول، والموئل المرجع، قال تعالى: لن ~~يجدوا من دونه موئلا. ومما يوافقه في اشتقاقه الأصغر الآل، فإن آل الشخص من ~~يؤول إليه، ولهذا لا يستعمل إلا في عظيم، بحيث يكون المضاف إليه يصلح أن ~~يؤول إليه الآل. كآل إبراهيم وآل لوط وآل ms0769 فرعون. بخلاف الأهل. والأول أفعل، ~~لأنهم قالوا في تأنيثه أولى، كما قالوا جمادى الأولى، وفي القصص: له الحمد ~~في الأولى والآخرة. ومن الناس من يقول فوعل ويقول (أوله) إلا أن هذا يحتاج ~~إلى شاهد من كلام العرب، بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل. فإن فوعل ~~مثل كوثر وجوهر مصروف. سمي المتقدم أول- والله أعلم- لأن ما بعده يؤول إليه ~~ويبنى عليه، فهو أس لما بعده وقاعدة له. والصيغة # PageV02P265 # صيغة تفضيل مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا من أحمر وحمراء، ولهذا يقولون: # جئته أول من أمس وقال: من أول يوم [التوبة: 108] . وأنا أول المسلمين ~~[الأنعام: 163] . ولا تكونوا أول كافر به [البقرة: 41] . ومثل هذا أول ~~هؤلاء، فهذا الذي فضل عليهم في الأول، لأن كل واحد يرجع إلى ما قبله، ~~فيعتمد عليه، وهذا السابق، كلهم يؤول إليه. فإن من تقدم من فعل، فاستبق به ~~من بعده، كان السابق الذي يؤول الكل إليه. فالأول له وصف السؤدد والاتباع. ~~ولفظ الأول مشعر بالرجوع والعود. والأول مشعر بالابتداء، والمبتدي خلاف ~~العائد. لأنه إنما كان أولا لما بعده، فإنه يقال (أول المسلمين) ، و (أول ~~يوم) ، فما فيه من معنى الرجوع والعود، هو للمضاف إليه لا للمضاف. وإذا ~~قلنا: آل فلان فالعود في المضاف. لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه مآلا ومرجعا ~~لغيره. لأنه كونه مفضلا دل على أنه مآل ومرجع، لا آيل راجع. إذ لا فضل في ~~كون الشيء راجعا إلى غيره، آئلا إليه، وإنما الفضل في كونه هو الذي يرجع ~~إليه ويؤال. فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ~~ومرجعا، والتفضيل المطلق في ذلك يقتضي أن يكون هو السابق المبتدئ. والله ~~أعلم. # فتأويل الكلام ما أوله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ما تأوله ~~المتكلم. # فإن التفعيل يجري على غير فعل كقوله: وتبتل إليه تبتيلا [المزمل: 8] ، ~~فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا، والمصدر واقع موقع ~~الصفة، إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل. كعدل وصوم وفطر، ms0770 وبمعنى ~~المفعول كدرهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله. فالتأويل هو ما أول إليه الكلام ~~أو يؤول إليه، أو تأول هو إليه. والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ~~ويؤول إلى حقيقته التي هي عين المقصود به، كما قال بعض السلف في قوله: لكل ~~نبإ مستقر، وسوف تعلمون [الأنعام: 67] . قال: حقيقة. فإن كان خبرا فإلى ~~الحقيقة الخبر بها يؤول ويرجع، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع، بل ~~كان كذبا. وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع، وإلا لم يكن ~~مقصوده موجودا ولا حاصلا، ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فإلى الحقيقة ~~المطلوبة المنتظرة يؤول. كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية: قل هو القادر على أن ~~يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا [الأنعام: 65] ~~. قال: إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. # PageV02P266 ### | فصل # وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم ~~تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم، فإنهم، وإن ~~أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم، فالكلام على هذا ~~من وجهين: # الأول- من قال إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه، ما الدليل على ~~ذلك؟ # فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا ~~غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد ~~معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم. ولا ~~قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه. وإنما قالوا: كلمات لها معان ~~صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، ونهو عن تأويلات الجهمية ~~وردوها وأبطلوها. التي مضمونها تعطيل النصوص على ما دلت عليه. ونصوص أحمد ~~والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص ~~على ما دلت عليه من معناها، ms0771 ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك ~~في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال: في غير ~~أحاديث الصفات: تمر كما جاءت في أحاديث الوعد. مثل: من غشنا فليس منا «1» . ~~وأحاديث الفضائل. # ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كله عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمي ~~تحريفه تأويلا، بالعرف المتأخر. # فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل. وكذلك نص أحمد في كتاب ~~الرد على الزنادقة الجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن. وتكلم أحمد على ذلك ~~المتشابه، وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية، وجرى في ذلك على ~~سنن الأئمة قبله. فهذا اتفاق من الأئمة على أنه يعلمون معنى هذا المتشابه ~~وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره. بل يبين ويفسر. فاتفاق الأئمة من غير تحريف ~~له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته. # ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب، أن أهل السنة متفقون على إبطال ~~PageV02P267 # تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين، والتأويل المردود هو صرف ~~الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره. فلو قيل: إن هذا هو التأويل المذكور ~~في الآية، وأنه لا يعلمه إلا الله، لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية ~~تأويلا يخالف دلالتها، لكن ذلك لا يعلمه إلا الله. وليس هذا مذهب السلف ~~والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها، لا التوقف عنها. وعندهم ~~قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني. لا تحرف ولا ~~يلحد فيها. # والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه، أن نقول: لا ريب أن الله ~~سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم ~~والقدير والرؤوف ونحو ذلك، ووصف نفسه بصفات مثل سورة الإخلاص وآية الكرسي ~~وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: أن الله بكل شيء عليم، و: على كل شيء قدير، ~~و: فإن الله يحب المتقين و: المقسطين، و: المحسنين، وأنه: # (يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ، و: فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين [الزخرف: 55] . ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ms0772 الله [محمد: 28] ~~. ولكن كره الله انبعاثهم [التوبة: 46] . الرحمن على العرش استوى [طه: 5] . ~~ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] . يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] . وهو ~~الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم [الزخرف: 84] . إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] . # إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: ~~3] . ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشاء [المائدة: 64] . ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] . ~~يريدون وجهه [الكهف: 28] . ولتصنع على عيني [طه: 39] . إلى أمثال ذلك. ~~فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: # أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟ فإن قلت هذا في ~~الجميع كان هذا عنادا ظاهرا، وجحد لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل ~~كفر صريح. فإنا نفهم من قوله: أن الله بكل شيء عليم، معنى. ونفهم من قوله: # إن الله على كل شيء قدير معنى ليس هو الأول. ونفهم من قوله: ورحمتي وسعت ~~كل شيء [الأعراف: 156] . معنى، ونفهم من قوله: إن الله عزيز ذو انتقام ~~[إبراهيم: 47] ، معنى. وصبيان المسلمين، بل وكل عاقل يفهم هذا. # PageV02P268 # وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث، لكن ~~أثرت فيه الفلسفة الفاسدة، من يقول: إنا نسمي الله الرحمن الرحيم العليم ~~القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شيء قط، وكذلك في قوله: # ولا يحيطون بشيء من علمه. يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم. وهذا ~~الغلو في الظاهر، من جنس غلو القرامطة في الباطن. لكن هذا أيبس وذاك أكفر. # ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود، أو على ~~حق موجود. أم لا؟ فإن قال: لا، كان معطلا محضا. وما أعلم مسلما يقول هذا. ~~وإن قال: نعم قيل له: فهل فهمت منها ms0773 دلالتها على نفس الرب، ولم تفهم ~~دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة والعلم، وكلاهما في الدلالة ~~سواء؟ فلا بد أن يقول: لأن ثبوت الصفات محال في العقل، لأنه يلزم منه ~~التركيب أو الحدوث. بخلاف الذات. # فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثاني كما سنذكره. وهو من أقر بفهم ~~بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض. فيقال له: ما الفرق بين ما أثبته ~~وبين ما نفيته أو سكت عن إثباته ونفيه؟ فإن الفرق إما أن يكون من جهة ~~السمع، لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة، بخلاف الآخر. أو من جهة ~~العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر، وكلا الوجهين باطل ~~في أكثر المواضع، أما الأول فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع ~~بصير علي عظيم كدلالته على أنه عليم قدير، ليس بينهما فرق من جهة النص. ~~وكذلك ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وإرادته. وأما الثاني ~~فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت، مثلا، حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ~~ذلك إلى إرادته؟ فإن قال: لأن المعنى المفهوم من الرحمة في حقنا هي رقة ~~تمتنع على الله، قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع ~~على الله. فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه. قيل له: # ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه. وكذلك محبته. وإن قال (وهو حقيقة قوله) : ~~لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل. # وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى الطريقتين. لأن الفعل دل على ~~القدرة، والإحكام دل على العلم. والتخصيص دل على الإرادة. قيل له: الجواب ~~من ثلاثة أوجه: # أحدها- أن الإنعام والإحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة التخصيص ~~على الإرادة والتقريب والإدناء. وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب ~~تدل على المحبة، أو مطلق التخصيص يدل على الإرادة. وأما التخصيص # PageV02P269 # بالإنعام فتخصيص خاص، والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص، وما سلكه ~~في مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا. # الثاني- يقال له: ms0774 هب أن العقل لا يدل على هذا، فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ~~ينفي به الإرادة، والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذه ~~المضايق أعظم، ودلالته أتم، فلأي شيء نفيت مدلوله أو توقفت وأعدت هذه ~~الصفات كلها إلى الإرادة؟ مع أن النصوص تفرق. فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها ~~في إثباته الإرادة زيادة على الفعل. # الثالث- يقال له: إذا قال لك الجهمي: الإرادة لا معنى لها إلا عدم ~~الإكراه، أو نفس الفعل والأمر به، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا إن قال ~~بقدمها، ومحذورا إن قال بحدوثها. # وهنا اضطربت المعتزلة. فإنهم لا يقولون بإرادة قديمة لامتناع صفة قديمة ~~عندهم. ولا يقولون بتجدد صفة له، لامتناع حلول الحوادث عن أكثرهم. مع ~~تناقضهم. # فصاروا حزبين: # البغداديون- وهم أشد غلوا في البدعة في الصفات وفي القدر، نفوا حقيقة ~~الإرادة. وقال الجاحظ: لا معنى لها إلا عدم الإكراه. وقال الكعبي: لا معنى ~~لها إلا نفس الفعل، إذا تعلقت بفعله، ونفس الأمر إذا تعلقت بطاعة عباده. # والبصريون- كأبي علي وأبي هاشم. قالوا: تحدث إرادة لا في محل، فلا إرادة. ~~فالتزموا حدوث حادث غير مراد وقيام صفة بغير محل، وكلاهما عند العقل معلوم ~~الفساد بالبديهة. كان جوابه: أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال، ~~والنص قد دل عليها، والفعل أيضا. فإذا أخذ الخصم ينازع في دلالة النص أو ~~العقل، جعله مسفسطا أو مقرمطا، وهذا بعينه موجود في الرحمة والمحبة، فإن ~~خصومه ينازعونه في دلالة السمع والعقل عليها على الوجه القطعي. # ثم يقال لخصومه: بم أثبتم أنه عليم قدير؟ فما أثبتوه به من سمع وعقل ~~فبعينه تثبت الإرادة، وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله في العليم ~~والقدير، وإذا انتهى الأمر إلى ثبوت المعاني، وأنها تستلزم الحدوث أو ~~التركيب والافتقار، كان الجواب ما قررناه في غير هذا الموضع، فإن ذلك لا ~~يستلزم حدوثا ولا تركيبا مقتضيا حاجة إلى غيره. # PageV02P270 # ويعارضون أيضا بما ينفي به أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة، ويلزمون ~~بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة ms0775 الخلقية، والضرورة العقلية، والقواطع ~~العقلية، واتفاق الأمم، وغير ذلك من الدلائل. ثم يطالبون بوجود من جنس ما ~~نعهده، أو بوجود يعلمون كيفيته، فلا بد أن يفروا إلى إثبات ما لا تشبه ~~حقيقته الحقائق. # فالقول في سائر ما سمي ووصف به نفسه، كالقول في نفسه سبحانه وتعالى. # ونكتة هذا الكلام أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة، ~~لا بد أن يثبت الشيء لقيام المقتضى، وانتفاء المانع. وينفي الشيء لوجود ~~المانع أو لعدم المقتضى، أو يتوقف إذا لم يكن عنده مقتض ولا مانع، فيبين له ~~أن المقتضى فيما نفاه قائم، كما أنه فيما أثبته قائم. إما من كل وجه، أو من ~~وجه يجب به الإثبات. فإن كان المقتضى هناك حقا، فكذلك هنا. وإلا فدرء ذاك ~~المقتضى من جنس درء هذا. وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه ~~من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته، فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا ~~على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر، فإنه إن كان حقا ~~نفاهما، وإن كان باطلا لم ينف واحدا منهما، فعليه أن يسوي بين الأمرين في ~~الإثبات والنفي، ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات. فهذه نكتة الإلزام لمن ~~أثبت شيئا. وما من أحد إلا ولا بد أن يثبت شيئا أو يجب عليه إثباته، فهذا ~~يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التي يدعي أنها موجبة النفي خيالات غير ~~صحيحة، وإن لم يعرف فسادها على التفصيل، وأما من حيث التفصيل فيبين فساد ~~المانع وقيام المقتضى كما قرر هذا غيره مرة. # فإن قال من أثبت هذه الصفات التي هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة، ~~ولم يثبت ما هو فيها أبعاض كاليد والقدم: هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب ~~والتجسيم. قيل له: وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلي كما استلزمت ~~هذه عندك التركيب الحسي. فإن أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها ~~أعراضا لا يمنع ثبوتها، قيل له: وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا ~~أو ms0776 تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها. # فإن قال: هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء، قيل له: وتلك لا يعقل منها إلا ~~الأعراض. # فإن قال: العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية. قيل: والبعض ما جاز انفصاله # PageV02P271 # عن الجملة، وذلك في حق الله محال. فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق ~~الله تعالى مطلقا، والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه. # فإن قال: ذلك تجسيم والتجسيم منتف، قيل: وهذا تجسيم والتجسيم منتف. # فإن قال: أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز، وإن لم يكن له في الشاهد ~~نظير، قيل له: فاعقل صفة هي لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد ~~نظير. # فإن نفى عقل هذا نفى عقل ذاك، وإن كان بينهما نوع فرق، لكنه فرق غير مؤثر ~~في موضع النزاع. ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفي الجميع لكن ذاك أيضا ~~مستلزم لنفي الذات، ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء، صرح بأنها ~~صفة قائمة به كالعلم والقدرة، وهذا أيضا ليس هو معقول النص، ولا مدلول ~~العقل، وإنما الضرورة ألجأتهم إلى هذه المضايق. # وأصل ذلك أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة، وهي ألفاظ ~~مجملة. مثل متحيز ومحدد وجسم ومركب، ونحو ذلك، ونفوا مدلولها، وجعلوا ذلك ~~مقدمة بينهم مسلمة، ومدلولا عليها بنوع قياس، وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك ~~سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض، أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب ~~من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل، إذ ~~الدليل القطعي لا يقبل الترك لمعارض راجح، فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة ~~النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا، تارة يغلبون القياس ~~الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة، وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون ~~الأول كهشام بن الحكم الرافضي، فإنه قد قيل: أول ما تكلم في الجسم نفيا ~~وإثباتا من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف، فإن أبا الهذيل ونحوه من ~~قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس وعارضهم هشام وأثبت الجسم ms0777 ~~لما سلكوه من القياس، واعتقد الأولون إحالة ثبوته، واعتقد هذا إحالة نفيه، ~~وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. # فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام ~~والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره، ويوجب ما أحال نظيره، ~~إذ كلامهم من عند غير الله، وقد قال الله تعالى: ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] . # PageV02P272 # والصواب ما عليه أئمة الهدى، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه ~~به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبل السلف الماضين، أهل ~~العلم والإيمان. والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون ~~من باب تحريف الكلم عن مواضعه. ولا يعرض عنها، فيكون من باب الذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا. ولا يترك تدبر القرآن، فيكون ~~من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني. فهذا أحد الوجهين. وهو منع أن ~~تكون هذه من المتشابه. الوجه الثاني: أنه إذا قيل هذه من المتشابه، أو كان ~~فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به ~~الجهمية متشابها، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما ~~المتشابه، وإما الكتاب كله كما تقدم. ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه ~~كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة. # وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران، أنهم احتجوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم # بقوله: «إنا ونحن» # ونحو ذلك، ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها، وهو ما يحتمل ~~معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب، كما أن ذلك في مسائل المعاد ~~وأولى، فإن نفي المتشابه بين الله وبين خلقه أعظم من نفي المتشابه بين ~~موعود الجنة وموجود الدنيا، وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي ~~علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى، ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول: ms0778 ~~ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج [الزمر: ### | 27- 28 # ] ، وقال تعالى: الر، تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون [يوسف: 1- 2] ، فأخبر أنه أنزله ليعقلوه، وأنه طلب تذكرهم. ~~وقال أيضا: وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر: 21] ، فحض على ~~تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكير فيه، ولم يستثن من ذلك شيئا. بل ~~نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه، مثل قوله: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها [محمد: 24] ، وقوله: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] ، ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا ~~يكون إلا بتدبره كله، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفة ما لم ~~يتدبر لما تدبر. # وقال علي عليه السلام «1» # لما قيل له: هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؟ فقال: لا! ~~والذي PageV02P273 # فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه ~~الصحيفة. # فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة، والفهم أخص من العلم والحكم، قال ~~الله تعالى: ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما [الأنبياء: 79] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : رب مبلغ أوعى من سامع # وقال «2» : بلغوا عني ولو آية. # وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص ~~القرآن، آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها. ورووا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن. وأئمة الصحابة في هذا أعظم ~~من غيرهم. مثل عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: لو أعلم أعلم بكتاب الله ~~مني تبلغه آباط الإبل لأتيته. وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، كانا هما وأصحابهما من أعظم ~~الصحابة والتابعين إثباتا للصفات ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا، وما في التابعين أجل من أصحاب هذين ~~السيدين، بل وثالثهما في علية التابعين من ms0779 جنسهم أو قريب منهم جلالة، أصحاب ~~زيد بن ثابت، لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به، بل أخذوا عن غيره مثل ~~عمر، وابن عمر، وابن عباس. ولو كان معاني هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه، ~~لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه. ثم إن ~~الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير ~~مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان ~~PageV02P274 # وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ~~قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل. وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئا ~~من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية. كقول مالك بن أنس ~~لما سئل عن قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال: الاستواء ~~معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك ربيعة ~~قبله. وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول. فليس في أهل السنة من ينكره. وقد ~~بين أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا ~~تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى؟ ولم يقل مالك: الكيف ~~معدوم، وإنما قال: الكيف مجهول. وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل ~~السنة، غير أن أكثرهم يقولون: لا تخطر كيفيته ببال، ولا تجري ماهيته في ~~مقال. ومنهم من يقول: ليس له كيفية ولا ماهية. فإن قيل: # معنى قوله (الاستواء معلوم) أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قاله ~~بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله ~~بعلمه، قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن ~~هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية، وأيضا فلم يقل ذكر الاستواء في ~~القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، ms0780 فأخبر عن ~~الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فإنه قال: والكيف مجهول، ~~ولو أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان ~~الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس ~~الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه. # لو قال في قوله: إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] ، كيف يسمع وكيف يرى؟ ~~لقلنا: السمع والرؤية معلوم، والكيف مجهول. ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ ~~لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم. وأيضا فإن من قال هذا من أصحابنا ~~وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات ~~العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم ~~معناه بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة. قال ~~بعضهم: # ارتفع على العرش: علا على العرش. وقال بعضهم عبارات أخرى. وهذه ثابتة عن ~~السلف. وقد ذكر البخاري في صحيحه بعضها في آخره، في (كتاب الرد على ~~الجهمية) . # وأما التأويلات المحرفة مثل استولى وغير ذلك، فهي من التأويلات المبتدعة # PageV02P275 # لما ظهرت الجهمية. وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات، ~~بل # في صحيح البخاري «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا عائشة! ~~إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله، فاحذريهم # ، وهذا عام. وقصة صبيغ ابن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا، فإنه ~~بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن، حتى رآه عمر، فسأل عمر عن: الذاريات ذروا ~~[الذاريات: 1] ، فقال: # ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب ~~الشديد. # وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول: ما أحوجك أن ~~يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ. وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة ~~لا الاسترشاد والاستفهام، كما # قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه. # وكما قال تعالى: فأما الذين ms0781 في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد، كالذي يعارض بين آيات القرآن. وقد ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك # وقال «2» : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبهم ~~ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله # ، فكان مقصودهم مذموما، ومطلوبهم متعذرا، مثل أغلوطات المسائل التي نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها «3» . ومما يبين الفرق بين المعنى ~~والتأويل أن صبيغا سأل عمر عن الذاريات وليست من الصفات. وقد تكلم الصحابة ~~في تفسيرها مثل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها، كره سؤاله، ~~لما رآه من قصده. لكن علي كان رعيته ملتوية عليه، لم يكن مطاعا فيهم طاعة ~~عمر حتى يؤدبه. والذاريات والحاملات والجاريات PageV02P276 # والمقسمات فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم ~~والملائكة ويحتمل غير ذلك، إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف. والتأويل الذي لا ~~يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها وأعيان السحاب وما تحمله ~~من الأمطار ومتى ينزل المطر. وكذلك في الجاريات والمقسمات، فهذا لا يعلمه ~~إلا الله تعالى. # وكذلك في قوله: (أنا ونحن) ونحوهما من أسماء الله التي فيها معنى الجمع ~~كما اتبعته النصارى، فإن معناه معلوم وهو الله سبحانه، لكن اسم الجمع يدل ~~على تعدد المعاني بمنزلة الأسماء المتعددة، مثل العليم والقدير والسميع ~~والبصير، فإن المسمى واحد، ومعاني الأسماء متعددة، فهكذا الاسم الذي لفظه ~~الجمع. وأما التأويل الذي اختص الله به. فحقيقة ذاته وصفاته، كما قال مالك: ~~والكيف مجهول فإذا قالوا: ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره؟ قيل: هذا هو ~~التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله. ~~فإن قيل: # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس «1» : اللهم فقهه في الدين ~~وعلمه التأويل. # قيل: أما تأويل الأمر والنهي فذاك يعلمه، واللام هنا للتأويل المعهود، لم ~~يقل تأويل كل القرآن. فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة ms0782 ~~مخبرها إلا الله، والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله. وهذا ~~كقوله: هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله [الأعراف: 53] ، وقوله: بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله [يونس: 39] ، فإن المراد ~~تأويل الخبر الذي فيه عن المستقبل، فإنه هو الذي ينتظر ويأتي، ولما يأتهم. ~~وأما تأويل الأمر والنهي فذاك في الأمر، وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى إن ~~أدخل في التأويل لا ينتظر، والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. # انتهى كلام الشيخ تقي الدين. وإنما سقته بطوله لما أن هذا البحث من ~~المعارك المهمة التي قل من حررها ونهج فيها منهج الحق كالشيخ قدس سره. مع ~~ما في خلال البحث من القواعد الجليلة في فن التفسير. فخذ ما أوتيت وكن من ~~الشاكرين. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # وقال الإمام الجليل أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتاب «إيثار ~~الحق على الخلق» في بحث سبب الاختلاف الشديد بين الفرق ما نصه: # وأما الأصل الثاني وهو السمعي فهو اختلافهم في أمرين: PageV02P277 # أحدهما- في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد ~~المتشابه إلى المحكم، وثانيهما- اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه، ثم ~~اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه. # ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث الحكمة والدقة في كتب الله ~~تعالى أولا، والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم ~~الثواب، وهذا أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ. وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة ~~«علم الله» على علم الخلق، فإن العوائد التجربية، والأدلة السمعية، دلت على ~~امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم، وتفاصيل التحسين والتقبيح، ولذلك وقع ~~الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء، كما قال تعالى حاكيا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله: # ما كان لي (من علم) بالملإ الأعلى إذ يختصمون [ص: 69] ، وحكى الله تعالى ~~اختلاف سليمان وداود، وموسى وهارون، وموسى والخضر. وصح في الحديث «1» ~~اختلاف موسى وآدم، واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس «2» ، إلى ~~أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع ms0783 الاتفاق في نحو ذلك، وإن علة الاختلاف ~~التفاصيل في العلم، فوجب من ذلك أن يكون في أحكام الله تعالى وحكمه ما ~~تستقبحه عقول البشر، لأن الله تعالى لو ماثلنا في جميع الأحكام والحكم دل ~~على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه ~~ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا، خصوصا من المقلدين. ~~وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما السلام. وهذه ~~فائدة نفيسة جدا، وبها PageV02P278 # يكون ورود المتشابه أدل على الله تعالى وعلى صدق أنبيائه، لأن الكذابين ~~إنما يأتون بما يوافق الطباع، كما هو دين القرامطة والزنادقة. وقد أشار ~~السمع إلى ذلك بقوله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ~~ومن فيهن [المؤمنون: 71] . وقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم [الحجرات: 7] . وكيف يستنكر اختلاف الإنسان ~~الظلوم الجهول وعلام الغيوب الذي جمع معارف العارفين في علمه مثل ما أخذه ~~العصفور في منقاره من البحر الأعظم؟ بل كيف لا يختص هذا الرب الأعظم بمعرفة ~~ما لا نعرفه من الحكم اللطيفة التي يستلزم تفرده بمعرفتها أن يتفرد بمعرفة ~~حسن ما تعلقت به وتأويله، وبهذا ينشرح صدر العارف للإيمان بالمتشابه، ~~والإيمان بالغيب في تأويله. ولنذكر بعد هذا كل واحد من الأمرين المقدم ~~ذكرهما على الإيجاز. # أما الأمر الأول- وهو اختلافهم في ماهيتهما. فمنهم من قال: المحكم ما لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا، والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى. فهؤلاء رجعوا ~~بالمحكم إلى النص الجلي، وما عداه متشابه. وعزاه الإمام يحيى إلى أكثر ~~المتكلمين وطوائف من الحشوية. ومنهم من قال: المحكم ما كان إلى معرفته ~~سبيل، والمتشابه ما لا سبيل إلى معرفته بحال، نحو قيام الساعة والحكمة في ~~العدد المخصوص في حملة العرش، وخزنة النار. ومنهم من قصر المتشابه على آيات ~~مخصوصة. ثم اختلفوا، فمنهم من قال: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، ~~ومنهم من قال آيات الشقاوة والسعادة، ومنهم من قال: المنسوخ، ومنهم من قال: ~~القصص والأمثال، ms0784 ومنهم من عكس فقال: المحكم آيات مخصوصة، وهي آيات الحلال ~~والحرام وما عداها متشابه، إلى غير ذلك- حكى الجميع الإمام يحيى في ~~(الحاوي) - واختار أن المحكم ما علم المراد بظاهره بدليل عقلي أو نقلي، ~~والمتشابه به ما لم يعلم المراد منه لا على قرب ولا على بعد مثل قيام ~~الساعة والأعداد المبهمة. وقد ترك الإمام والشيخ ابن تيمية وجها آخر من ~~المتشابه الذي يحتاج إلى التأويل مما لا يعلمه إلا الله على الصحيح، وذلك ~~وجه الحكم المعينة فيما لا تعرف العقول وجه حسنه، مثل خلق أهل النار، ~~وترجيح عذابهم على العفو مع سبق العلم وسعة الرحمة وكمال القدرة على كل ~~شيء، والدليل على أن الحكمة الخفية فيه تسمى تأويلا له، ما ذكره الله تعالى ~~في قصة موسى والخضر، فإن قوله: سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ~~[الكهف: 76] ، صريح في ذلك، وهذا مراد في الآية، لأن الله وصف الذين في ~~قلوبهم زيغ بابتغائهم تأويله وذمهم بذلك، وهم لا يبتغون علم # PageV02P279 # العاقبة، عاقبة الخبر عن الوعد والوعيد، وما يؤول إليه، على ما فسره ~~الشيخ، فهم لا يبتغون الجنة والنار والقيامة وذات الرب سبحانه كما يبغيها ~~طالب العيان، إنما يستقبحون شيئا من الظواهر بعقولهم فيتكلفون لها معاني ~~كثيرة يختلفون فيها، وكل منهم يتفرد بمعنى من غير حجة صحيحة إلا مجرد ~~الاحتمال، وربما خالف ذلك التأويل المعلوم من الشرع فتأولوه، وربما استلزم ~~الوقوع في أعظم مما فروا منه، والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن ~~توفيق الله أمور: # أحدها- أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة ~~الإحاطة على حد علم الله، كلاهما باطل، بل من المتشابه الممنوع الذي لا ~~يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110] ، ولقوله ~~تعالى: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] ، وإنما تتصور المخلوقات وما هو نحوها. ~~ولما روي من النهي عن التفكير في ذات الله، والأمر في التفكير في آلاء ~~الله، ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك ms0785 مذهبه، حتى رواه عنه ~~الخصوم. # ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عز ~~وجل على العقول: امتنع منها بها، وإليها حاكمها. ومن التفكير في الله ~~والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه، ~~حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه. ومن البدع في هذا ~~الموضع بدع المشبهة على اختلاف أنواعهم، وبدع المعطلة على اختلافهم أيضا، ~~فغلاتهم يعطلون الذات والصفات والأسماء. الجميع، ومنهم الباطنية، ودونهم ~~الجهمية. ومن الناس من يوافقهم في بعض ذلك دون بعض. فالفريقان المشبهة ~~والمعطلة إنما أتوا من تعاطي علم ما لا يعلمون. ولو أنهم سلكوا مسالك السلف ~~في الإيمان بما ورد من غير تشبيه لسلموا. # فقد أجمعوا على أن طريقة السلف أسلم، ولكنهم ادعوا أن طريقة الخلف أعلم، ~~فطلبوا العلم من غير مظانه، بل طلبوا علم ما لا يعلم، فتعارضت أنظارهم ~~العقلية، وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية. فالمشبهة ينسبون خصومهم إلى ~~رد آيات الصفات ويدعون فيها ما ليس من التشبيه. والمعطلة ينسبون خصومهم ~~وسائر أئمة الإسلام جميعا إلى التشبيه، ويدعون في تفسيره ما لا تقوم عليه ~~حجة. والكل حرموا طريق الجمع بين الآيات والآثار، والاقتداء بالسلف ~~الأخيار، والاقتصار على جليات الأبصار، وصحاح الآثار، وقد روى الإمام أبو ~~طالب عليه السلام في أماليه بإسناده من حديث زيد بن أسلم أن رجلا سأل أمير ~~المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين! هل تصف لنا ~~ربنا فنزداد له حبا؟ فغضب عليه السلام ونادى # PageV02P280 # (الصلاة جامعة) فحمد الله وأثنى عليه إلى قوله: فكيف يوصف الذي عجزت ~~الملائكة مع قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزته، ~~وقربهم من غيب ملكوت قدرته أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم وهم من ملكوت ~~القدس كلهم ومن معرفته على ما فطرهم عليه فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم [البقرة: 32] . فعليك أيها السائل بما دل ~~عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسل ms0786 بينك وبين معرفته فأتم به واستضئ ~~بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها. فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، ~~وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه، ~~فإنه منتهى حق الله عليك. # وقد روى السيد في الأمالي أيضا الحديث المشهور في كتاب الترمذي عن علي ~~عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال «1» : ستكون ~~فتنة! قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما ~~بعدكم، وفصل ما بينكم، فهو الفاصل بين الحق والباطل، من ابتغى الهدى من ~~غيره أضله الله إلى قوله: من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ~~ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. ورواه في أماليه بسند آخر عن معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه. # ورواه ابن الأثير في (الجامع) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو مع ~~شهرته في شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول، ولكن المبتدعة ~~يرون تصانيفهم أهدى منه، لبيانهم فيها، على زعمهم، المحكم من المتشابه. ~~PageV02P281 # فمنهم من صرح بذلك وقال: إن كلامه أنفع من كلام الله تعالى، وكتبه أهدى ~~من كتب الله، وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني. وقد حمله ~~الإمام المطهر بن يحيى على الجنون، وقيل: لم يصح عنه. ومنهم من يلزمه ذلك ~~وإن لم يصرح به. فهذا الأمر الأول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات ~~الله تعالى. وما يؤدي إليه. # الأمر الثاني- من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه، هو النظر في سر ~~القدر السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء. وقد ~~ثبت في كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم ~~عنه بقولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] ، ثم ساق خبر ms0787 آدم وتعليمه الأسماء وتفضيله ~~في ذلك عليهم إلى قوله: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون [البقرة: 33] ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي ~~بيانه من أن مراد الله بالخلق هم أهل الخير، فالخلق كلهم كالشجرة، وأهل ~~الخير ثمرة تلك الشجرة، وإليه الإشارة بقوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون [الذاريات: 56] ، وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة، ~~قال الله: # كف عن عبادي. إن مصير عبدي مني إحدى ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو ~~يستغفرني فأغفر له، أو أخرج من صلبه من يعبدني- رواه الطبراني-. # وقال الإمام الغزالي في كتاب العلم في (الإحياء) في أقسام العلوم ~~الباطنة: ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق، كما يضر نور ~~الشمس أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل. وكيف يبعد هذا، وقولنا: ~~إن كل شيء بقضاء من الله وقدر- حق في نفسه، وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ~~ذلك عندهم دلالة على السفه، ونقيض الحكمة، والرضا بالقبيح والظلم. وألحد ~~ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك. وكذلك سر القدر لو أفشي أوهم ~~عند أكثر الخلق عجزا، إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل هذا الوهم عنهم. # وقال في شرح (أسماء الله الحسنى) في شرح الرحمن الرحيم: والآن إن خطر لك ~~نوع من الشر لا ترى فيه خيرا، أو إن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى، فاتهم ~~عقلك القاصر في كلا الطرفين، فإنك مثل أم الصبي التي ترى الحجامة شرا محضا، ~~والغبي الذي يرى القصاص شرا محضا، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول، وأنه في ~~حقه شر محض، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة، ولا يدري أن # PageV02P282 # التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض، لا ينبغي لحكيم أن يهمله. ~~هذا أو قريب من هذا. وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في (العواصم) والسر في ~~ذلك أن الله تعالى لا يريد الشر لكونه شرا قطعا، وإنما يريده وسيلة إلى ~~الخير الراجح ms0788 كما قال: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ~~[البقرة: 179] ، وكما صح في الحدود والمصائب أنها كفارات، فهذا هو سر القدر ~~في الجملة، وإنما الذي خفي تفصيله ومعرفته في عذاب الآخرة وشقاوة الأشقياء، ~~فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي التحسين والتقبيح، فصرحوا ~~بنفي حكمة الله تعالى، وهم غلاة الأشعرية، إلا بمعنى إحكام المصنوعات في ~~تصويرها لا سواه، ومن الناس من أداه ذلك إلى القول بالجبر، ونفي قدرة ~~العباد واختيارهم، ومنهم من جمع بينهما. ومن الناس من جعل الوجه في تحسين ~~ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم، وهم جمهور المعتزلة، لكنهم ~~يعتذرون عن تسميته عجزا، ويسمونه غير مقدور. ومنهم من جعل العذر في ذلك أن ~~الله لا يعلم الغيب، وهم غلاة القدرية، نفاة الأقدار. وقد تقصيت الردود ~~الواضحة عليهم، والبراهين الفاضحة لهم في (العواصم) ، وجمعت في ذلك ما لم ~~أسبق إليه ولا إلى قريب منه، في علمي. فتمت هذه المسألة في مجلد ضخم، وبلغت ~~أحاديث وجوب الإيمان بالقدر اثنين وسبعين، وأحاديث صحته مائة وخمسة وخمسين، ~~الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا، من غير الآيات القرآنية، والأدلة ~~البرهانية. وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخروي، وتبعه تلميذه ~~ابن قيم الجوزية، وبسط ذلك في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) ، ~~فأفردت ذلك في جزء لطيف وزادت عليه. ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن ~~الله لا يريد الشر لكونه شرا، بل لا بد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة ~~إليه، وذلك الخير هو تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأويل الخضر لموسى. ~~وطردوا ذلك في شرور الدارين معا. ونصر ذلك الغزالي في شرح (الرحمن الرحيم) ~~، ولنورد في ذلك حديثا واحدا، مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة ~~في ذلك فنقول: قال البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) عن عمرو بن ميمون، ~~عن ابن عباس: لما بعث الله موسى وكلمه قال: # اللهم! أنت رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ms0789 أن لا تعصى لما ~~عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله ~~إليه أني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون. فانتهى موسى. # ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني، وزاد فيه: فلما بعث ~~الله # PageV02P283 # عزيرا سأل الله مثل ما سأل موسى، ثلاث مرات، فقال الله تعالى له: أتستطيع ~~أن تصر صرة من الشمس؟ قال: لا. قال: أفتسطيع أن تجيء بمكيال من الريح؟ قال: ~~لا. # قال: أفتسطيع أن تجيء بمثقال أو بقيراط من نور؟ قال: لا. قال: فهكذا لا ~~تقدر على الذي سألت عنه. أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من ~~الأنبياء، فلا تذكر فيهم. فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك، ~~كموسى. وأجيب عليه بمثل ذلك، وقال الله تعالى: لئن لم تنته لأفعلن بك كما ~~فعلت بصاحبك بين يديك، فجمع عيسى من معه فقال: القدر سر الله تعالى فلا ~~تكلفوه. # وروى الطبراني عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر؟ فقال: وجدت أطول ~~الناس فيه حديثا أجهلهم به. وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به، ووجدت الناظر فيه ~~كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد فيه نظرا ازداد تحيرا. قلت: ويشهد لهذه ~~الآيات ما جاء في كتاب الله من قول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ~~[البقرة: 30] . والجواب الجملي عليهم كما مر. وأما أحاديث النهي عن الخوض ~~في القدر فعشرة أحاديث، رجال بعضها ثقات، وبعضها شواهد لبعض، كما أوضحته في ~~(العواصم) وأقل من هذا مع شهادة القرآن والبرهان لذلك، يكفي المنصف. وما ~~حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة وحيرة. # الأمر الثالث- من المتشابه: الحروف المقطعة أوائل السور، فإن الجهل ~~بالمراد بها معلوم، كالألم والصحة. والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة، ونحو ~~ذلك ضروري. # ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك ~~أو كتابا من كتبه الكريمة، ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك، ~~ويلوموا من طلب منهم بيان مقاصدهم، ونحو ذلك. وهذا هو اختيار زيد ms0790 بن علي ~~عليه السلام، والقاسم والهادي عليهما السلام، وهو نص في تفسيرهما المجموع. ~~وكذلك الإمام يحيى عليه السلام، ذكره في (الحاوي) وقولهم: إنا مخاطبون بها ~~فيجب أن نفهمها- مقلوب. وصوابه: أن لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين ~~بفهمها. وقد ذكرت في الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في ~~تكميلة ترجيح أساليب القرآن. # الأمر الرابع- من المتشابه: المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن، سواء ~~كان بسبب الاشتراك في معناه، أو لغرابته، أو عدم صحة تفسيره في اللغة ~~والشرع، أو غير ذلك. فقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام، كيف لغيره؟ ~~وذلك قوله: # PageV02P284 # إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من ~~أهلك [هود: 45- 46] . # وأما المحكم فهو ما عدا المتشابه، وغالبه النص الجلي، والظاهر الذي لم ~~يعارض والمفهوم الصحيح الذي لم يعارض، والخاص والمقيد وإن عارضهما العام ~~والمطلق. ويلحق بهذا فوائد: # الأولى- الصحيح في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله الوقف على الله، ~~بدليل ذم مبتغي تأويل المتشابه في الآية. وهو اختيار الإمام يحيى في ~~(الحاوي) واحتج بأن «أما» للتفصيل على بابها، والتقدير و «أما الراسخون» ~~بدليل قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ كما تقول: أما زيد فعالم وعمرو ~~جاهل، أي وأما عمرو فجاهل، يوضحه أن المخالف مسلم أن هذا هو الظاهر منها، ~~لكنه يقول: إنه يجب تأويلها على أن المراد ذمهم بابتغاء تأويله الباطل، ~~فيقيد إطلاق الآية بغير حجة، ويجعلها من المتشابه، مع أنها الفارقة بين ~~المحكم والمتشابه، وهذا خلف. # وقد روى الحاكم عن ابن عباس أنه قرأ «ويقول الراسخون» وقال: صحيح. # ورواه الزمخشري في كشافه قراءة عن أبي وغيره، ورواه الإمام أبو طالب في ~~أماليه عن علي عليه السلام. ولم يتأوله ولم يطعن فيه، وهو في (النهج) أيضا، ~~وهو نص لا يمكن تأويله، فإن لفظه عليه السلام: اعلم أيها السائل أن ~~الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون ~~الغيوب، الإقرار بجملة ما ms0791 جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله ~~اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق، فيما ~~لم يكلفهم البحث عنه، رسوخا. # فاقتصر على ذلك. انتهى بحروفه. # وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم، إذ في المتكلفين الأمي ~~والعجمي ونحوهم. وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك عن العبث، جاز ~~أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شاء الله من ~~ملائكته وخواص عباده. والله سبحانه أعلم. # الفائدة الثانية- إذا تعارض العام والخاص، فالمحكم هو الخاص والبناء عليه ~~واجب، وفيه الجمع بينهما، وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية. وهي ~~قاعدة كبيرة فاحفظها. ولا خلاف فيها في الاعتقاد، لعدم القاعدة في التاريخ ~~فيه، ولذلك أجمعوا على إثبات الخلة للمتقين، وتأويل نفي الخلة المطلق، ~~فتأمل ذلك. # PageV02P285 # الفائدة الثالثة- إذا كان التحسين العقلي مع بعض السمع فهو المحكم، ~~والمتشابه مخالفه، لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل، وفي مخالفة هذه ~~القاعدة عناد بين وضلال كبير، فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد. إن شاء الله ~~تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 8] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا من مقال الراسخين، أي لا تمل قلوبنا عن ~~الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ~~ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم وهب لنا من لدنك رحمة ~~تثبت بها قلوبنا إنك أنت الوهاب كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا ~~والنوال. # وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى. # وعن عائشة رضي الله عنها «1» قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كثيرا ما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله! ما ~~أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن ms0792 يزيغه أزاغه- وهو في الصحيح ~~والسنن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 9] # ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) # ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد وهذا من ~~تتمة كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن ~~يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من ~~هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا، فإنها منقضية منقرضة. وإنما الغرض ~~الأعظم منه، ما يتعلق بالأخرة، PageV02P286 # فإنها القصد والمآل. فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم ~~القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب ~~أبدا، ومن منحته الرحمة والهداية بقي هناك في السعادة والكرامة أبدا. ~~فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء، ما يتعلق بالآخرة- أفاده الرازي- ثم قال: ~~احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، قال: وذلك لأن الوعيد ~~داخل تحت لفظ الوعد بدليل قوله تعالى: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا [الأعراف: 44] . والوعد والموعد والميعاد واحد. وقد ~~أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. فكان هذا دليلا على أنه لا يخلف في ~~الوعيد. والجواب: لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقا، بل ذلك الوعيد ~~عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة، فكما ~~أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل ~~منفصل، سلمنا أنه يوعدهم، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد. أما ~~قوله تعالى: فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك، كما ~~في قوله: فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران: 21] . وقوله: ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم [الدخان: 49] . وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا ~~يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله، فكان المراد من الوعد تلك ~~المنافع. # وذكر الواحدي في (البسيط) طريقة أخرى فقال: لم لا ms0793 يجوز أن يحمل هذا على ~~ميعاد الأولياء، دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب. قال: # والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك، قال الشاعر: # إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه # وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد. قال ~~أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن ~~الله وعد وعدا وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده، فقال أبو ~~عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن ~~العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي # واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام، قال ~~له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو؟ فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا، فقال ~~عمرو # PageV02P287 # ابن عبيد فقد سقطت حجتك، قالوا: فانقطع عمرو بن العلاء. # وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول: إنك قست ~~الوعيد على الوعد، وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن ~~الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ~~ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل ~~قياسك. # وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق. فأما قولك: لو لم يفعل لصار ~~كاذبا ومكذبا نفسه، فجوابه أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من ~~غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول ~~الكذب في كلام الله تعالى. فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 10] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع ~~المضار ولا أولادهم ms0794 الذي بهم يتناصرون في الأمور المهمة من الله أي من ~~عذابه تعالى شيئا من الإغناء، أي لن تدفع عنهم شيئا من عذابه. يقال: ما ~~أغنى فلان شيئا، أي لم ينفع في مهم، ولم يكف مؤنة. ورجل مغن أي مجزئ كاف- ~~قاله الأزهري. ونظير هذه الآية قوله تعالى: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا ~~من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 88- 89] ، وأولئك هم وقود النار بفتح ~~الواو أي حطبها، وقرئ بالضم بمعنى أهل وقودها، وأكثر اللغويين على أن الضم ~~للمصدر أي التوقد، والفتح للحطب. وقال الزجاج: المصدر مضموم، ويجوز فيه ~~الفتح. وهذا كقوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون [الأنبياء: 98] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 11] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب (11) # كدأب آل فرعون خبر مبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون. ~~والدأب (بالسكون، ويحرك) مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، فوضع # PageV02P288 # موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، مجازا. يقال: هذا دأبك أي شأنك ~~وعملك، قال الأزهري: عن الزجاج في هذه الآية: أي كأمر آل فرعون، كذا قال ~~أهل اللغة. قال الأزهري: والقول عندي فيه- والله أعلم- أن دأبهم هنا ~~اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كتظاهر آل فرعون ~~على موسى عليه الصلاة والسلام يقال: دأبت أدأب دأبا ودؤوبا إذا اجتهدت في ~~الشيء- انتهى- قال أبو البقاء: وفي ذلك تخويف لهم لعلمهم بما حل بآل فرعون ~~والذين من قبلهم أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، فالموصول في محل جر ~~عطف على ما قبله كذبوا بآياتنا بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريقة ~~الاستئناف المبني على السؤال المقدر فأخذهم الله بذنوبهم أي عاقبهم وأهلكهم ~~بسببها. والله شديد العقاب أي الأخذ بالذنب. فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة ~~تخويف للكفرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 12] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) # قل للذين ms0795 كفروا بهذا الدين وهم اليهود (للزاوية الآتية) أو نصارى نجران، ~~لأن السورة نزلت لإحقاق الحق معهم، أو أعم ستغلبون أي في الدنيا وتحشرون أي ~~يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد الفراش، أي فكفركم ككفر آل فرعون بموسى، ~~وقد فعل بقريش لكفرهم ما رأيتم، فسيفعل بكم ما فعل بهم، وهو أنكم تغلبون ~~كما غلبوا. وقد صدق الله وعده بقتل قريظة «1» ، وإجلاء بني النضير «2» ، ~~وفتح خيبر «3» ، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من أوضح شواهد النبوة. # وقد روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق، عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع ~~إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود! أسلموا قبل ~~أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت ~~نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت ~~أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله قل للذين ### | .... # إلى قوله لأولي الأبصار. PageV02P289 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 13] # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) # قد كان لكم أيها الكافرون المتقدم ذكرهم آية عبرة ودلالة على أنكم ~~ستغلبون، وعلى أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومعل أمره في فئتين أي ~~فرقتين التقتا يوم بدر للقتال فئة تقاتل في سبيل الله أي طاعته، وهم النبي ~~وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية ~~سيوف وأكثرهم رجالة وأخرى كافرة وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف يرونهم ~~مثليهم أي يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين، أراهم ~~الله إياهم، مع قلتهم، أضعافهم ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا ~~لهم من الله تعالى، كما أمدهم بالملائكة. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في ms0796 ~~سورة الأنفال: # ويقللكم في أعينهم [الأنفال: 44] ، قلت: قللوا أولا في أعينهم حتى ~~اجترءوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل ~~والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره في المحمول على اختلاف الأحوال قوله ~~تعالى: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان [الرحمن: 39] ، وقوله تعالى: ~~وقفوهم، إنهم مسؤلون [الصافات: 24] ، وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في ~~أعينهم، أبلغ في القدرة وإظهار الآية- كذا في الكشاف- قلت: أو يجاب بأنهم ~~كثروا أولا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل ~~التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على ~~الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا رأي العين يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس ~~فيها، معاينة كسائر المعاينات- كذا في الكشاف- والله يؤيد أي يقوي بنصره من ~~يشاء إن في ذلك أي التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على ~~الكثير الشاكي السلاح لعبرة أي لاعتبارا وآية وموعظة لأولي الأبصار لذوي ~~العقول والبصائر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # PageV02P290 # زين للناس كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها، ~~وتزهيد الناس فيها، وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى، إثر بيان عدم نفعها ~~للكفرة الذين كانوا يتعززون بها. والمراد بالناس الجنس- قاله أبو السعود حب ~~الشهوات أي المشتهيات، وعبر عنها بذلك مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها، ~~أو تخسيسا لها، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على ~~نفسه بالبهيمية، من النساء في تقديمهن إشعار بعراقتهن في معنى الشهوة إذ ~~يحصل منهن أتم اللذات والبنين للتكثر بهم، وأمل قيامهم مقامهم من بعدهم، ~~والتفاخر والزينة والقناطير أي الأموال الكثيرة وقوله: المقنطرة مأخوذ منها ~~للتوكيد كقولهم ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة من ~~الذهب والفضة قال الرازي: وإنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع ~~الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي ms0797 القدرة، والقدرة ~~صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى ~~تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو ~~محبوب- لا جرم كانا محبوبين والخيل المسومة أي المرسلة إلى المرعى ترعى حيث ~~شاءت، أو التي عليها السيمياء- أي العلامة- قال أبو مسلم: المراد من هذه ~~العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غرا ~~محجلة والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم لتحصيل الأموال النامية ~~والحرث أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة ذلك أي المذكور متاع الحياة ~~الدنيا يتمتع به فيها ثم يفنى والله عنده حسن المآب أي المرجع وهو الجنة، ~~فينبغي الرغبة فيه دون غيره. وفي إشعاره ذم من يستعظم تلك الشهوات ويتهالك ~~عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند الله، وتزهيد في الدنيا وترغيب في ~~الآخرة. ### | تنبيه: # في تزيين هذه الأمور المذكورات للناس إشارة لما تضمنته من الفتنة: # فأما النساء، # ففي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال «1» : ما تركت بعدي فتنة أضر على ~~الرجال من النساء. # وأما البنون، # ففي مسند أبي يعلى عن أبي سعيد مرفوعا: الولد ثمرة القلب، PageV02P291 # وإنه مجبنة مبخلة محزنة، أي يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيعته، ويمتنع أبوه ~~من الإنفاق في الطاعة خوف فقره، ويحزن أبوه لمرضه خوف موته # ، وقد قال تعالى: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن: ~~14] ، وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي ما كتب الله لك؟ قال: سمعا لأمر ~~الله. ولا مرحبا بمن إن عاش فتنني، وإن مات أحزنني. يريد قوله تعالى: نما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم # [التغابن: 15] . # وأما القناطير المقنطرة ففيها الآية قبل، وقوله تعالى: كلا إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6- 7] ، وقال تعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان ~~أعرض ونأى بجانبه [الإسراء: 83] ، فما يورث البطر مثل الغنى. وبه تستجمع ~~أسباب السؤدد والرئاسة والمجد والتفاخر. # وأما الخيل فقد تكون على صاحبها وزرا: إذا ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل ~~الإسلام، كما في الصحيح «1» وفي مسند أحمد عن ms0798 ابن مسعود مرفوعا: الخيل ~~ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن فالذي ~~يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله وأما فرس الشيطان ~~فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس ~~بطنها فهي تستر من فقر. # وأما الفتنة بالأنعام والحرث ففي معنى ما تقدم. والله أعلم. # ولما ذكر تعالى ما عنده من حسن المآب إجمالا، أشار إلى تفصيله مبالغة في ~~الترغيب فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # قل أأنبئكم بخير من ذلكم أي الشهوات المزينة لكم للذين اتقوا الله ولم ~~ينهمكوا في شهواتهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار من أنواع الأشربة ~~من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~PageV02P292 # ولا خطر على قلب بشر، وللذين اتقوا خبر المبتدأ الذي هو جنات وتجري صفة ~~لها، وعند إما متعلق بما تعلق به الجار من معنى الاستقرار، وإما صفة للجنات ~~في الأصل، قدم فانتصب على الحال. والعندية مفيدة لكمال علو رتبة الجنات ~~وسمو طبقتها خالدين فيها أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا ~~وأزواج مطهرة أي من الأرجاس والأدناس البدنية والطبيعية مما لا يخلو عنه ~~نساء الدنيا غالبا ورضوان من الله التنوين للتفخيم أي رضوان لا يقدر قدره. ~~وهذه اللذة الروحانية تتمة ما حصل لهم من اللذات الجسمانية وأكبرها. كما ~~قال تعالى في آية براءة ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] ، أي أعظم ما ~~أعطاهم من النعيم المقيم. # روى الشيخان «1» عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا ~~وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط ~~أحدا من خلقك؟ فيقول: # أنا أعطيكم ms0799 أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل ~~عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. # والله بصير بالعباد أي عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره ~~لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا. ثم وصف ~~سبحانه الذين اتقوا ففازوا بتلك الكرامات بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 16] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار قال ~~الحاكم: في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به ~~إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار «2» ، وتوسل ~~كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 17] # الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) # الصابرين أي على البأساء والضراء وحين البأس والصادقين في إيمانهم ~~PageV02P293 # وأقوالهم ونياتهم والقانتين المطيعين لله الخاضعين له والمنفقين أموالهم ~~في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ~~والمستغفرين بالأسحار. جمع سحر (بفتحتين وفتح وسكون) وهو الوقت الذي قبيل ~~طلوع الفجر آخر الليل. وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت. قال الحرالى: وفي ~~إفهامه تهجدهم في الليل كما قال تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ~~وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 17- 18] . # وقال الرازي: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار ~~والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ~~ذلك. # فقوله: والمستغفرين بالأسحار يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل- انتهى- ~~وقد روى ابن أبي حاتم أن عبد الله بن عمر كان يصلي من الليل، ثم يقول: يا ~~نافع! هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. ~~وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن ~~نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. وروى ابن جرير عن ms0800 حاطب قال: سمعت رجلا في ~~السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر. فاغفر ~~لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود. # وثبت في الصحيحين «1» وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من ~~الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ~~ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. يقول: من يدعوني فأستجيب ~~له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ # وفي رواية لمسلم: ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ~~ظلوم؟ # وفي رواية: حتى ينفجر الفجر. # قال الحافظ ابن كثير: وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا ~~على حدة فرواه من طرق متعددة. ويروى أن بعض الصالحين قال لابنه: يا بني! لا ~~يكن الديك أحسن منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم، والحكمة في تخصيص الأسحار ~~كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية، والألطاف السبحانية، ~~وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة وافرة، مع قربه، تعالى ~~وتقدس، من عباده. قال السيوطي: في الآية فضيلة الاستغفار في السحر، وأن ~~PageV02P294 # هذا الوقت أفضل الأوقات. وقال الرازي: واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد ~~أثر في قوة الإيمان، وفي كمال العبودية. # الأول- أن وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، ~~وبسبب طلوع نور الصبح كان الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام، ~~والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير، يطلع صبح ~~العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب. # والثاني- أن وقت السحر أطيب أوقات النوام، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، ~~وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل. # والثالث- نقل عن ابن عباس والمستغفرين بالأسحار يريد المصلين صلاة الصبح، ~~انتهى. # وهذا الثالث أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم. وعليه، فإنما سميت ~~الصلاة استغفارا لأنهم طلبوا بفعلها المغفرة. ### | ### | لطيفة: # # قال الزمخشري: الواو المتوسطة بين الصفات، للدلالة على كمالهم في كل ~~واحدة منها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms0801 [سورة آل عمران (3) : آية 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # شهد الله أنه لا إله إلا هو أي علم وأخبر أو قال أو بين أنه لا معبود ~~حقيقي سوى ذاته العلية. وشهد بذلك والملائكة وأولوا العلم بالإقرار، وهذه ~~مرتبة جليلة للعلماء، لقرنهم في التوحيد بالملائكة المشرفين، بعطفهم على ~~اسم الله عز وجل قائما بالقسط أي بالعدل في أحكامه لا إله إلا هو كرره ~~تأكيدا وليبني عليه قوله العزيز فلا يرام جنابه عظمة الحكيم فلا يصدر عنه ~~شيء إلا على وفق الاستقامة- كذا في جامع البيان-. # وقال في الانتصاف: هذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا ~~طال عهده، وذلك أن الكلام مصدر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين # PageV02P295 # به، ثم قوله: قائما بالقسط وهو التنزيه. فطال الكلام بذلك فجدد التوحيد ~~تلو التنزيه، ليلي قوله: إن الدين عند الله الإسلام. ولولا هذا التجديد ~~لكان التوحيد المتقدم. كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به. والله أعلم. ### | لطيفة: # قال الرازي: فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله، فكيف يكون المدعي شاهدا؟ # الجواب: من وجوه: الأول: وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله، وذلك لأنه ~~تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما ~~صحت الشهادة. ثم بعد نصب تلك الدلائل، هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك ~~الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن ~~التوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم بعد حصول العلم بالوحدانية، فهو تعالى ~~وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى معرفة التوحيد. وإذا كان الأمر كذلك، كان ~~الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده، ولهذا قال: قل أي شيء أكبر شهادة ~~قل الله [الأنعام: 19]- ثم ساق بقية الوجوه فانظره. # وقال العارف الشعراني، قدس سره، في كتاب (الجواهر والدرر) : سألت أخي ~~أفضل الدين: لم شهد الحق تعالى لنفسه بأنه لا إله إلا هو؟ فقال رضي الله ~~عنه: لينبه عباده على غناه عن ms0802 توحيدهم له، وأنه هو الموحد نفسه. بنفسه. ~~فقلت له: فلم عطف الملائكة على نفسه دون غيرهم؟ فقال: لأن علمهم بالتوحيد ~~لم يكن حاصلا من النظر في الأدلة كالبشر، وإنما كان علمهم بذلك حاصلا من ~~التجلي الإلهي، وذلك أقوى العلوم وأصدقها، فلذلك قدموا في الذكر على أولي ~~العلم. وأيضا فإن الملائكة واسطة بين الحق وبين رسله، فناسب ذكرهم في ~~الوسط، فاعلم ذلك، انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # إن الدين عند الله الإسلام جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي لا دين مرضيا ~~لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة- قاله أبو # PageV02P296 # السعود- وفي الآية الأخرى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ~~في الآخرة من الخاسرين [آل عمران: 85] . وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~مطلقا، أو اليهود، في دين الإسلام إلا من بعد ما جاءهم العلم أي إلا بعد أن ~~علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه. ولم يكن اختلافهم لشبهة عندهم بل بغيا ~~بينهم أي حسدا كائنا بينهم، وطلبا للرئاسة. وهذا تشنيع عليهم إثر تشنيع ومن ~~يكفر بآيات الله المنزلة فإن الله سريع الحساب قائم مقام جواب الشرط. علة ~~له. أي: فإنه تعالى يجازيه ويعاقبه على كفره عن قريب. فإنه سريع الحساب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # فإن حاجوك في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات فقل أسلمت وجهي لله ~~أي انقدت لآياته المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره. قال ~~أبو السعود: وإنما عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر ~~القوى والمشاعر، ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة، ms0803 وبه ~~يحصل التوجه إلى كل شيء ومن اتبعن عطف على الضمير المتصل. ### | لطيفة: # هل قوله تعالى: فقل أسلمت وجهي لله، إعراض على المحاجة، أو هو محاجة ~~وإظهار للدليل؟ فمن قائل بالأول، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر ~~لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا، فإن هذه السورة ~~مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزات الجمة بالقرآن وغيره، فبعد هذا قال: فإن ~~حاجوك فقل أسلمت إلخ. # يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف ~~والحسد وتمسكتم بها كنتم مهتدين. وإن أعرضتم، فإن الله تعالى من وراء ~~مجازاتكم. وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام. فإن المحق إذا ابتلي بالمبطل ~~اللجوج، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ~~ومن اتبعني فمنقادون للحق مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن ~~وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد ~~اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد. # PageV02P297 # فهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه. ومن قائل ~~بالثاني، أعني أنه محاجة، وفي كيفية الاستدلال منها ما ذكره أبو مسلم ~~الأصفهاني، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم ~~إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقا في قوله، صادقا في ~~دينه. فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال: ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين [النحل: 123] ~~، ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين [الأنعام: 79] ، فقول محمد صلى الله عليه ~~وسلم: أسلمت وجهي كقول إبراهيم عليه السلام: وجهت وجهي أي أعرضت عن كل ~~معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة، وأخلصت له. فتقدير الآية كأنه ~~تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل أنا مستمسك ms0804 بطريقة ~~إبراهيم وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة. فكان هذا ~~من باب التمسك بالإلزامات، وداخلا تحت قوله: وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: ~~125] ، - نقله الرازي- وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أي الذين لا كتاب ~~لهم كمشركي العرب أأسلمتم لهذه الآيات كما أسلمت، أم أنتم بعد على الكفر. ~~قال الزمخشري: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام، ويقتضي حصوله ~~لا محالة، فهل أسلمتم، أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له ~~المسألة، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؟ ومنه ~~قوله عز وعلا: فهل أنتم منتهون [المائدة: 91] . بعد ما ذكر الصوارف عن ~~الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، ~~لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي ~~الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين الإذعان. وكذلك في (هل فهمتها) توبيخ ~~بالبلادة وكلة القريحة، وفي فهل أنتم منتهون بالتقاعد عن الانتهاء والحرص ~~الشديد على تعاطي المنهي عنه. انتهى. فإن أسلموا فقد اهتدوا أي خرجوا من ~~الضلال فنفعوا أنفسهم وإن تولوا عن هداك وهديك فإنما عليك البلاغ أي تبليغ ~~آيات الله، لا الإكراه إذا عاندوك، إذ ليس عليك هداهم والله بصير بالعباد ~~وعد ووعيد. # قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ~~صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما ~~دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث. فمن ذلك قوله تعالى: قل يا ~~أيها الناس إني # PageV02P298 # رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158] ، وقال تعالى: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] . وفي الصحيحين «1» وغيرهما مما ثبت تواتره ~~بالوقائع المتعددة أنه صلى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك ~~الآفاق، وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، امتثالا لأمر ~~الله له بذلك. # وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه ms0805 قال «2» : والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ~~ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار. رواه ~~مسلم. # وقال صلى الله عليه وسلم «3» : بعثت إلى الأحمر والأسود. # وقال «4» : كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة # . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 21] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس وهم اليهود. قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، ~~وقتلوا حزقيال عليه السلام، قتله قاض يهودي لما نهاه عن منكر فعله، وزعموا ~~أنهم قتلوا عيسى ابن مريم عليهما السلام. ولما كان المخاطبون راضين بصنيع ~~أسلافهم PageV02P299 # صحت هذه الإضافة إليهم. وقوله تعالى: بغير حق إشارة إلى أن قتلهم ~~للأنبياء كان بغير حق، في اعتقادهم أيضا، فهو أبلغ في التشنيع عليه فبشرهم ~~بعذاب أليم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 22] # أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة أي بطلت أعمالهم التي ~~اعملوها من البر والحسنات في الدارين، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم، ~~والثناء باللعن والخزي، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي وأخذ ~~الأموال منهم غنيمة، والاسترقاق لهم، إلى غير ذلك من الذل والصغار الظاهر ~~فيهم. وأما حبوطها في الآخرة، فإبدال الثواب بالعذاب الأليم. وما لهم من ~~ناصرين ينصرونهم من عذاب الله. وقد دلت الآية على عظم حال من يأمر ~~بالمعروف، وعظم ذنب قاتله، لأنه قرن ذلك بالكفر بالله تعالى، وقتل ~~الأنبياء. # قال الحاكم: وتدل على صحة ما قيل، أنه يأمر بالمعروف وإن خاف على نفسه. # وأن ذلك يكون أولى لما فيه من إعزاز الدين. في الحديث «1» : أفضل الجهاد ~~كلمة حق عند سلطان جائر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل ms0806 عمران (3) : آية 23] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب التوراة. والمراد بهم أحبار ~~اليهود يدعون إلى كتاب الله وهو القرآن ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم ~~استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله واجب، إذ قامت عليهم ~~الحجج الدالة على تنزيله وهم معرضون حال من فريق، أي معرضون عن قبول حكمه. ~~أو اعتراض، أي وهم قوم ديدنهم الإعراض عن الحق، والإصرار على الباطل. ومن ~~المفسرين من حمل قوله يدعون إلى كتاب الله على التوراة، وأن الآية إشارة ~~إلى PageV02P300 # قصة «1» تحاكم اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما زنى منهم اثنان، ~~فحكم عليهما بالرجم، فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا التحميم، فجيء ~~بالتوراة فوجد فيها الرجم، فرجما، فغضبوا فشنع عليهم بهذه الآية. والله ~~أعلم. # قال بعض المفسرين: وللآية ثمرتان: # الأولى: أن من دعى إلى كتاب الله وإلى ما فيه من شرع وجب عليه الإجابة. # وقد قال العلماء رضي الله عنهم: يستحب أن يقول سمعا وطاعة، لقوله تعالى: # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون [النور: 51] . # الثمرة الثانية: أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم رجم اليهوديين، ونزلت الآية مقررة له. انتهى- أي على القول بذلك، ~~والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 24] # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) # ذلك إشارة إلى التولي والإعراض بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات أي بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون من قولهم ذلك. وفي التعبير بالغرور والافتراء إعلام بأن ما حدثوا به ~~أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. ثم رد قولهم المذكور، ~~وأبطل ما غرهم باستعظام ما أعد لهم، وتهويله، وأنهم ms0807 يقعون فيما لا حيلة لهم ~~في دفعه بقوله: PageV02P301 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 25] # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ~~(25) # فكيف يصنعون، وكيف تكون حالتهم إذا جمعناهم ليوم أي في يوم لا ريب فيه أي ~~لا شك، وهو يوم القيامة ووفيت كل نفس ما كسبت أي جزاء ما عملت من خير أو شر ~~وهم لا يظلمون الضمير لكل نفس على المعنى. لأنه في معني كل إنسان. أي لا ~~يظلمون بزيادة عذاب، أو بنقص ثواب. ثم علم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~كيف يدعوه ويمجده بقوله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 26] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # قل اللهم مالك الملك أي مالك جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا بحيث ~~تتصرف فيه كيفما تشاء. إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة. وتعذيبا وإثابة. من ~~غير مشارك ولا ممانع تؤتي الملك من تشاء بيان لبعض وجوه التصرف الذي ~~تستدعيه مالكية الملك، وتحقيق لاختصاصها به تعالى حقيقة، وكون مالكية غيره ~~بطريق المجاز، كما ينبئ عنه إيثار (الإيتاء) الذي هو مجرد الإعطاء على ~~(التمليك) المؤذن بثبوت المالكية حقيقة- أفاده أبو السعود- وفي التعبير ب ~~(من) العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله، وأخص الناس ~~بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب، كما ~~وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي، إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد ~~إليها، من سائر الأمم الذي دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم، وصنوف أهل ~~الأقطار، حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض بظهور ملك ~~يوم الدين- كذا في البقاعي- وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من ~~تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية ms0808 27] # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) # PageV02P302 # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل أي تدخل أحدهما في الآخر، ~~إما بالتعقيب أو بالزيادة والنقص وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ~~كالحيوان من النطف والنطف منه، والبيض من الطير وعكسه. وقيل: إخراج المؤمن ~~من الكافر وبالعكس. قال القفال: والكلمة محتملة للكل، أما الكفر والإيمان ~~فقال تعالى: أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 122] . يريد كان كافرا ~~فهديناه، فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا، وسمى إخراج النبات من الأرض ~~إحياء، وجعلها قبل ذلك ميتة، فقال: يحي الأرض بعد موتها [الروم: 50] . ~~وقال: فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها [فاطر: 9] . وقال: ~~كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون [البقرة: 28] . # وترزق من تشاء بغير حساب أي رزقا واسعا غير محدود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء جمع ولي، ومعانيه كثيرة، منها المحب ~~والصديق والنصير. قال الزمخشري: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو ~~صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر. وقد كرر ~~ذلك في القرآن: ومن يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة: 51] . لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء [المائدة: 51] . لا تجد قوما يؤمنون بالله ... ~~[المجادلة: # 22] الآية، - والمحبة في الله، والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول ~~الإيمان. # وقوله تعالى: من دون المؤمنين حال. أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا ~~أو اشتراكا، وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة ~~عن موالاة الكفرة ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء أي ومن يوال الكفرة ~~فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية ~~الله رأسا. وهذا ms0809 أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان، قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك. ليس النوك عنك بعازب # - أفاده الزمخشري- إلا أن تتقوا منهم تقاة أي تخافوا منهم محذورا، # PageV02P303 # فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه، كما قال البخاري عن أبي ~~الدرداء أنه قال «1» : إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وأصل تقاة ~~وقية، ثم أبدلت الواو تاء، كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا. وفي المحكم: تقاة ~~يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا، والمصدر أجود، لأن في القراءة الأخرى: ~~تقية. ### | تنبيه: # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار، لأن ~~الله تعالى نهى عنها بقوله: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، ثم استثنى ~~تعالى (التقية) فرخص في موالاتهم لأجلها. فتجوز معاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن ~~بالعداوة لهم والبغضاء وانتظار زوال المانع. وقد قال الحاكم: في الآية ~~دلالة على جواز إظهار تعظيم الظلمة، اتقاء لشرهم. قال: وإنما يحسن ~~بالمعاريض التي ليست بكذب، وقال الصادق: التقية واجبة، وإني لأسمع الرجل في ~~المسجد يشتمني فأستتر عنه بالسارية لئلا يراني. وعن الحسن: تقية باللسان، ~~والقلب مطمئن بالإيمان. # واعلم أن الموالاة، التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار، ~~لا تجوز، فإن قيل: قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة، وفي ذلك من الخلطة ~~والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف، فجواب ذلك: أن المراد موالاتهم في أمر ~~الدين، وفيما فيه تعظيم لهم. فإن قيل. في سبب نزول الآية أنه صلى الله عليه ~~وسلم منع عبادة بن الصامت عن الاستعانة باليهود على قريش، وقد حالف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش، وفي هذا دلالة على جواز ~~الاستعانة بهم، وقد ذكر الراضي بالله أنه يجوز الاستعانة بالفساق على حرب ~~المبطلين. قال: وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش ~~وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب. وحد صلى الله عليه وسلم الحلف بينه وبين ~~خزاعة. # قال الراضي بالله: وهو ظاهر عن آبائنا عليهم السلام، وقد استعان علي عليه ~~السلام ms0810 بقتلة عثمان. ولعل الجواب- والله أعلم- أن الاستعانة جائزة مع ~~الحاجة إليها. # ويحمل على هذا استعانة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود. وممنوعة مع عدم ~~الحاجة، أو خشية مضرة منهم. وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت. فصارت ~~الموالاة المحظورة PageV02P304 # تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين والمودة للكفار على كفرهم، ولا لبس في ~~تحريم ذلك، ولا يدخله استثناء والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة ~~والمصادقة بإظهار الأسرار ونحو ذلك، فلا لبس في تحريم ذلك ولا يدخله ~~استثناء. والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمشاورة فيما لا يضر ~~المسلمين، فظاهر كلام الزمخشري أنه لا يجوز إلا للتقية. فحصل من هذا أن ~~الموالي للكافر والفاسق عاص، ولكن أين تبلغ معصيته؟ يحتاج إلى تفصيل: إن ~~كانت الموالاة بمعنى الموادة، وهي أن يوده لمعصيته كان ذلك كالرضا ~~بالمعصية. وإن كانت الموالاة كفرا. كفر. وإن كانت فسقا، فسق. وإن كانت لا ~~توجب كفرا ولا فسقا، لم يكفر ولم يفسق. وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة ~~والمناصرة، فإن كانت محالفة على أمر مباح أو واجب، كأن يدفع المؤمنون عن ~~أهل الذمة من يتعرض لهم. ويخالفونهم على ذلك، فهذا لا حرج فيه بل هو واجب. ~~وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم ~~عليهم، فهذه معصية بلا إشكال، وكذلك إذا كانت بمعنى أنه يظهر سر المسلمين ~~ويحب سلامة الكافرين لا لكفرهم بل ليد لهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك، فهذا ~~معصية بلا إشكال. لكن لا تبلغ حدها الكفر لأنه لم يرو أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حكم بكفر حاطب بن أبي بلتعة. # وقال الراضي بالله: إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر. لأنه صلى ~~الله عليه وسلم قال للعباس: ظاهرك علينا. وقد اعتذر بأنه خرج مكرها. وأما ~~مجرد الإحسان إلى الكافر فجائز لا ليستعين به على المسلمين، ولا لإيناسه. ~~وكذلك أن يضيق لضيقه في قضية معينة لأمر مباح فجائز، كما كان من ضيق ~~المسلمين من غلب فارس الروم. # فصار تحقيق المذهب أن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن ms0811 يحصل من الموالي ~~الرضا بالكفر. والذي يوجب الفسق أن يحصل الرضا بالفسق. إن قيل: فما حكم من ~~يجند مع الظلمة ليستعينوا به على الجبايات وأنواع الظلم؟ قلنا: عاص بلا ~~إشكال، وفاسق بلا إشكال لأنه صار من جملتهم. وفسقهم معلوم. فإن قيل: فإن ~~تجند معهم لحرب إمام المسلمين؟ قلنا: صار باغيا، وحصل فسقه من جهة البغي ~~والظلم. فإن قيل: حكي عن المهدي علي بن محمد عليه السلام أنه كفر من تجند ~~مع سلطان اليمن وقضى بردته، قلنا: هذا يحتاج إلى بيان وجه التكفير بدليل ~~قطعي، وإن ساغ أن نقول ذلك اصطلاح لأمر الإمام كما رد الهادي عليه السلام ~~شهادة من امتنع من بيعة الإمام كان ذلك محتملا- انتهى كلامه رحمه الله. # ومن هذه الآية استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع # PageV02P305 # على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على ~~الخلق) فقال ما نصه: # وزاد الحق غموضا وخفاء أمران: # أحدهما: خوف العارفين، مع قلتهم، من علماء السوء وسلاطين الجور، وشياطين ~~الخلق، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام. وما زال ~~الخوف مانعا من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوا لأكثر الخلق. وقد صح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول: حفظت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «1» وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو ~~بثثته لقطع هذا البلعوم. وما زال الأمر في ذلك يتفاحش. وقد صرح الغزالي ~~بذلك في خطبة (المقصد الأسنى) ولوح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في ~~شرح (الرحمن الرحيم) فأثبت حكمة الله ورحمته، وجود الكلام في ذلك، وظن أنهم ~~لا يفهمون المخالفة، لأن شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة، ولذلك ~~طوى ذلك، وأضرب عنه في موضعه، وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء النظار. # وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات (البرهان) في مسألة قدم القرآن. # والرازي في كتابه المسمى (بالأربعين في أصول الدين) - إلى آخر ما ساقه ~~المرتضى فانظره. # ويحذركم ms0812 الله نفسه أي ذاته المقدسة، فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه، ~~وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح. وذكر النفس، ~~ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى، فلا يؤبه دونه بما يحذر من ~~الكفرة وإلى الله المصير أي المنقلب والمرجع ليجازي كل عامل بعمله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 29] # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير هذا توعد. وأراد إخفاء مودة الكفار ~~وموالاتهم PageV02P306 # وإظهارها. أو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. أو الكفر. وفي هذه الآية ~~تنبيه منه تعالى لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه، فإنه ~~عالم بجميع أمورهم وقادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم ~~فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 30] # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا بصور تناسبه، أو في صحف الملائكة، ~~أو المعنى جزاء ما عملت وتجد ما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أي ~~عملها السوء أمدا بعيدا أي غاية بعيدة لا يصل أحدهما إلى الآخر، و (تود) في ~~موضع الحال. والتقدير: وتجد ما عملت من سوء محضرا، وادة ذلك ويحذركم الله ~~نفسه كرره ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه كذا في الكشاف-. # وقال أبو السعود: تكرير لما سبق وإعادة له، لكن لا للتأكيد فقط، بل ~~لإفادة ما يفيده قوله عز وجل والله رؤف بالعباد من أن تحذيره تعالى من ~~رأفته بهم، ورحمته الواسعة، أو أن رأفته بهم لا ms0813 تمنع تحقيق ما حذرهموه من ~~عقابه، وأن تحذيره ليس مبنيا على تناسي صفة الرأفة، بل هو متحقق مع تحققها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 31] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، ~~وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه تلك، حتى يتبع الشرع ~~المحمدي في جميع أقواله وأفعاله، كما # ثبت في الصحيح «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ~~PageV02P307 # عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 32] # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا أعرضوا عن الطاعة فإن الله لا يحب ~~الكافرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 33] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) # إن الله اصطفى أي اختار بالنبوة آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه ~~أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة واصطفى ~~نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان وأشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا ونجى من اتبعه في السفينة وأغرق من عصاه واصطفى آل ~~إبراهيم أي عشيرته وذوي قرباه، وهم إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما ~~الذين من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأما اصطفاء نفسه عليه الصلاة ~~والسلام فمفهوم من اصطفائهم بطريق الأولوية. وعدم التصريح به للإيذان ~~بالغنى عنه لكمال شهرة أمره في الخلة، وكونه إمام الأنبياء وقدوة الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، وكون اصطفاء آله بدعوته بقوله: ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم [البقرة: 129] ، - الآية- ولذلك # قال عليه الصلاة والسلام: أنا دعوة أبي إبراهيم # واصطفى آل عمران إذ جعل فيهم عيسى عليه الصلاة والسلام الذي أوتي ms0814 البينات ~~وأيد بروح القدس، والمراد بعمران هذا والد مريم أم عيسى عليهما السلام على ~~العالمين أي عالمي زمانهم. أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه. قال ~~السيوطي في (الإكليل) : يستدل بهذه الآية على تفضيل الأنبياء على الملائكة ~~لدخولهم في العالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 34] # ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) # ذرية أي نسلا. نصب على البدلية من الآلين، أو على الحالية منهما. # PageV02P308 ### | لطيفة: # الذرية مثلثة، ولم تسمع إلا غير مهموزة. اسم لنسل الثقلين. وقد تطلق على ~~الآباء والأصول أيضا. قال الله تعالى: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون [يس: 41] . # قال الصاغاني: وفي اشتقاقها وجهان: أحدهما أنها من الذرء ووزنها فعولة أو ~~فعيلة، والثاني: أنها من الذر بمعنى التفريق لأن الله ذرهم في الأرض ووزنها ~~فعلية أو فعولة أيضا. وأصلها ذرورة فقلبت الراء الثالثة ياء كما في تقضت ~~العقاب. كذا في القاموس وشرحه. # بعضها من بعض في محل النصب على أنه صفة لذرية. أي اصطفى الآلين حال كونهم ~~ذرية متسلسلة البعض من البعض في وراثة الاصطفاء والله سميع لأقوال العباد ~~عليم بضمائرهم وأفعالهم. وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا. ~~ونظيره قوله تعالى: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: # 124] . وقوله: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين [الأنبياء: 90] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 35] # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) # إذ قالت امرأت عمران في حيز النصب على المفعولية، بفعل مقدر على طريقة ~~الاستئناف لتقرير اصطفاء آل عمران، وبيان كيفيته. أي اذكر لهم وقت قولها ~~إلخ. وامرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام. ### | فائدة: # قال العلامة النوري في (غبث النفع) : (امرأت عمران) رسمت بالتاء، وكل ما ~~في كتاب الله جل ذكره من لفظ (امرأة) فبالهاء. سبعة مواضع، هذا الأول، ~~والثاني والثالث بيوسف (امرأت العزيز تراود) (امرأت العزيز الآن) والرابع ms0815 ~~بالقصص (امرأت فرعون) الخامس والسادس والسابع بالتحريم (امرأت نوح وامرأت ~~لوط وامرأت فرعون) فلو وقف عليها، فالمكي والنحويان يقفون بالهاء، والباقون ~~بالتاء- انتهى. # PageV02P309 # رب إني نذرت لك ما في بطني محررا أي مخلصا للعبادة (عن الشعبي) أو خادما ~~يخدم في متعبداتك، حرره جعله نذيرا في خدمة المعبد ما عاش، لا يسعه تركه في ~~دينه (عن الزجاج) . وفي الآية دلالة على صحة نذر الأم بولدها، وأن للأم ~~الانتفاع بالولد الصغير لمنافع نفسها، لذلك جعلته للغير. والمعنى: نذرته ~~وقفا على طاعتك، لا أشغله بشيء من أموري. قال أبو منصور في (التأويلات) : ~~جعلت ما في بطنها لله خالصا لم تطلب منه الاستئناس به ولا ما يطمع الناس من ~~أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر عز وجل. وهكذا الواجب على كل أحد إذا طلب ~~ولدا أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريا حيث قال: رب هب لي من ~~لدنك ذرية طيبة [آل عمران: 38] ، وما سأل إبراهيم رب هب لي من الصالحين ~~[الصافات: 100] ، وكقوله: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ~~قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] ، هكذا الواجب أن يطلب ~~الولد، لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم- ~~انتهى-. فتقبل مني إنك أنت السميع العليم أي تقبل مني قرباني وما جعلت لك ~~خالصا، والتقبل أخذ الشيء على وجه الرضا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 36] # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) # فلما وضعتها الضمير لما في بطني، وإنما أنث على المعنى، لأن ما في بطنها ~~كان أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة قالت رب إني وضعتها ~~أنثى أي وكنت رجوت أن يكون ذكرا، وإنما تحسرت أو اعتذرت إذ جهلت قدرها ~~والله أعلم بما وضعت قرئ في السبع بسكون التاء وضمها، فعلى القراءة الأولى ~~تكون الجملة المعترضة من كلامه تعالى إما لدفع ما يتراءى من أن قولها ms0816 رب ~~إني وضعتها أنثى قصدت بها إعلام الله تعالى عن أن يحتاج إلى إعلامها، ~~فأزيلت الشبهة بقوله: والله أعلم بما وضعت هذا ما يتراءى لي. وإما لما ~~ذكروه من أن الاعتراض تعظيم من جهته تعالى لموضوعها، وتفخيم لشأنه، وتجهيل ~~لها بقدره، أي والله أعلم بالنفس التي وضعتها، وما علق بها من عظائم ~~الأمور، وجعلها وابنها آية للعالمين، وهي غافلة عن ذلك. وعلى القراءة ~~الثانية أعني ضم التاء، فالاعتراض من كلامها. إما للوجه الأول من الوجهين ~~السابقين كما استظهرته، أو لما ذكروه من # PageV02P310 # قصد الاعتذار إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته، أو تسلية ~~نفسها على معنى: لعل لله تعالى فيه سرا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من ~~الذكر وليس الذكر كالأنثى جملة معترضة أيضا، إما من كلامه تعالى قصد به ~~معذرتها في التحسر والتحزن ببيان فضل الذكر على الأنثى، ولذا جبلت النفوس ~~على الرغبة فيه دونها لا سيما في هذا المقام أعني مقام قصد إخلاص النذير ~~للعبادة. فإن الذكر يفضلها من وجوه منها: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة ~~موضع العبادة ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض فيه وسائر عوارض النسوان. ~~ومنها: أن الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى ~~على الخدمة. ومنها: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس ~~كذلك الأنثى. ومنها: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق ~~الأنثى. فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المقام. واللام في ~~(الذكر والأنثى) على هذا الملحظ، للجنس- كذا ظهر لي- وعلى قولهم اللام ~~للعهد فيهما أي ليس الذكر الذي طلبته وتخيلت فيه كمالا، قصاراه أن يكون ~~كواحد من الأحبار، كالأنثى التي وهبت لها. # فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور. هذا، ~~وإما أن تكون هذه الجملة من كلامها، والقصد حينئذ تأكيد الاعتذار ببيان أن ~~الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية، وصلاحية خدمة المتعبدات، فإنهن ~~بمعزل عن ذلك، فاللام للجنس. ### | لطيفة: ms0817 # قيل: قياس كونه من قولها أن يكون (وليست الأنثى كالذكر) فإن مقصودها ~~تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر. والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهة ~~بالكامل، لا العكس. قال الناصر في (الانتصاف) وقد وجد الأمر في ذلك مختلفا ~~فلم يثبت عين ما قيل. ألا ترى إلى قوله تعالى: لستن كأحد من النساء ~~[الأحزاب: 32] ، فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة ~~عمران، والله أعلم. # ومنه أيضا: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل: 17] . انتهى. # وإني سميتها مريم قال المفسرون: هي في لغتهم بمعنى العابدة، سمتها بذلك ~~رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها مطابقا لاسمها. لكن رأيت في تأويل الأسماء ~~الموجودة في التوراة والإنجيل أن مريم معناه مرارة أو مر البحر. فلينظر. ~~قال السيوطي # PageV02P311 # في (الإكليل) : في الآية دليل على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة وأنه ~~لا يتعين يوم السابع.، لأنه إنما قالت هذا بأثر الوضع، كما فيها مشروعية ~~التسمية للأم، وأنها لا تختص بالأب. ثم طلبت عصمتها فقالت: وإني أعيذها بك ~~أي أجيرها بحفظك وذريتها من الشيطان الرجيم أي المطرود لمخالفتك، فلا تجعل ~~عليها وعلى ذريتها له سلطانا يكون سببا لطردهما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 37] # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # فتقبلها ربها بقبول حسن أي قبلها أو تكفل بها. ولم يقل (بتقبل) ، للجمع ~~بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا ~~والإثابة. قال المهايمي: بقبول حسن يجعلها فوق كثير من الأولياء وأنبتها ~~نباتا حسنا بجعل ذريتها من كبار الأنبياء- انتهى- وقال الزمخشري: نباتها ~~مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، أي ~~كالصلاح والسداد والعفة والطاعة وكفلها زكريا أي ضمها إليه، وقرئ بالتشديد. ms0818 ~~ونصب زكريا ممدودا أو مقصورا والفاعل الله. أي جعله كافلا لها وضامنا ~~لمصالحها، وقائما بتدبير أمورها. وقد روي أن أمها أخذتها وحملتها إلى ~~المسجد، ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها إذ ~~كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، وأحب كل أن يحظى بتربيتها، فقال لهم ~~زكريا: أنا أحق بها. عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وانطلقوا إلى نهر ~~فألقوا فيه أقلامهم، على أن ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها، فطفا قلم ~~زكريا، ورسبت أقلامهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى في آية أخرى: إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم [آل عمران: 44] . # فأخذها زكريا ورباها في حجر خالتها، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء، ~~انزوت في محرابها تتعبد فيه وصارت بحيث كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشاء بغير حساب. # في الآية مسائل: # الأولى- في معنى المحراب: في القاموس وشرحه ما نصه: والمحراب: الغرفة # PageV02P312 # والموضع العالي، نقله الهروي في غريبه عن الأصمعي، قال وضاح اليمن: # ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلما # وقال أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس ومقدمها وأشرفها. قال: وكذلك هو من ~~المساجد وعن الأصمعي: العرب تسمي القصر محرابا لشرفه. وقال الأزهري: # المحراب عند العامة الذي يفهمه الناس مقام الإمام من المسجد. قال ابن ~~الأنباري: # سمي محراب المسجد لانفراد الإمام فيه، وبعده من القوم. ومنه يقال: فلان ~~حرب لفلان إذا كان بينهما بعد وتباغض. وفي المصباح: ويقال هو مأخوذ من ~~المحاربة لأن المصلي يحارب الشيطان ويحارب نفسه بإحضار قلبه، ثم قال: ~~ومحاريب بني إسرائيل هي مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها. انتهى. # الثانية- في الآية دليل على وقوع الكرامة لأولياء الله تعالى، كما وجد، ~~عند خبيب «1» بن عدي الأنصاري رضي الله عنه المستشهد بمكة، قطف عنب. كما في ~~البخاري. وفي الكتاب والسنة لهذا نظائر كثيرة، ومن اللطائف هنا ما نقله ~~الإمام الشعراني في (اليواقيت) عن العارف أبي الحسن الشاذلي قدس سره أنه ~~قال: ms0819 إن مريم عليها السلام كان يتعرف إليها في بدايتها بخرق العوائد بغير ~~سبب تقوية لإيمانها وتكميلا ليقينها، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب ~~وجد عندها رزقا. فلما قوي إيمانها ويقينها ردت إلى السبب لعدم وقوفها معه، ~~فقيل لها: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا، انتهى. # الثالثة- قوله تعالى إن الله يرزق إلخ تعليل لكونه من عند الله. إما من ~~تمام كلامها فيكون في محل نصب. وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنف. ومعنى ~~(بغير حساب) أي بغير تقدير لكثرته. وإما بغير استحقاق تفضلا منه تعالى. # الرابعة- زكريا المنوه به هنا هو والد يحيى عليهما السلام. ومعنى زكريا ~~تذكار الرب كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 38] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) PageV02P313 # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~كلام مستأنف، وقصة مستقلة، سيقت في تضاعيف حكاية مريم. لما بينهما من قوة ~~الارتباط، وشدة الاشتباك، مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتها من ~~بان اصطفاء آل عمران. فإن فضائل بعض الأقرباء أدلة على فضائل الآخرين. وهنا ~~ظرف مكان، أي في ذلك المكان، حيث هو عند مريم في المحراب، أو ظرف زمان أي ~~في ذلك الوقت، إذ يستعار (هنا وثمت وحيث) للزمان، دعا زكريا ربه لما رأى ~~كرامة مريم على الله ومنزلتها منه تعالى رغب في أن يكون له من زوجته ولد ~~مثل ولد أختها في النجابة والكرامة على الله تعالى. وإن كانت عاقرا عجوزا- ~~كذا في أبي السعود- والذرية هنا الولد، قال الزمخشري: تقع على الواحد ~~والجمع، وقد سبق الكلام عليها قريبا عند قوله تعالى ذرية بعضها من بعض قوله ~~طيبة بمعنى مطيعة لك، لأن ذلك طلبة أهل الخصوص كما سبق إيضاحه في آية رب ~~إني نذرت لك ### | .... # إلخ. وقوله تعالى إنك سميع الدعاء أي مجيبه، وقد أجابه الحق تعالى، فأرسل ~~إليه الملائكة ms0820 مبشرة كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 39] # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك أي على ألسنتنا ~~بيحيى وقد قرئ في السبع بكسر إن وفتحها، ولفظ (يحيى) معرب عن (يوحنا) اسمه ~~في العبرانية. ومعنى يوحنا نعمة الرب. كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل ~~مصدقا بكلمة من الله أي بنبي خلق بكلمة (كن) من غير أب. يرسله الله إلى ~~عباده فيصدقه هو. وذلك عيسى عليه السلام وسيدا أي يسود قومه ويفوقهم وحصورا ~~أي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها عن الشهوات عفة وزهدا واجتهادا ~~في الطاعة ونبيا من الصالحين أي ناشئا منهم لأنه من أصلابهم. أو كائنا من ~~جملتهم. كقوله: وإنه في الآخرة لمن الصالحين [البقرة: # 130] . ولما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد ~~منه بعد الكبر. # PageV02P314 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # قال رب أنى أي كيف أو من أين يكون لي غلام وقد بلغني الكبر أي أدركني ~~الكبر الكامل المانع من الولادة فأضعفني وامرأتي عاقر أي ذات عقر، فهو على ~~النسب، وهو في المعنى مفعول أي معقورة، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث قال كذلك ~~يكون لك الولد على الحال التي أنت وزوجتك عليها لأن الله تعالى لا يحتاج ~~إلى سبب بل الله يفعل ما يشاء لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر. وفي إعراب ~~كذلك أوجه. منها: أنه خبر لمحذوف أي الأمر كذلك. وقوله تعالى: # الله يفعل ما يشاء بيان له. ومنها أن الكاف في محل النصب على أنها في ~~الأصل نعت لمصدر محذوف. أي الله يفعل ما يشاء فعلا من ذلك الصنع العجيب ~~الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر. ms0821 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 41] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # قال زكريا رب اجعل لي آية أي علامة أعرف بها حصول الحمل. وإنما سألها ~~لكون العلوق أمرا خفيا لا يوقف عليه. فأراد أن يعلمه الله به من أوله ~~ليتلقى تلك النعمة بالشكر من أولها ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهورا معتادا قال ~~الله تعالى آيتك ألا تكلم الناس أي أن لا تقدر على تكليمهم ثلاثة أيام إلا ~~رمزا أي إشارة بيد أو رأس. وإما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكره تعالى ~~شكرا على ما أنعم به عليه. وقيل: كان ذلك عقوبة منه تعالى بسبب سؤاله الآية ~~بعد مشافهة الملائكة إياه- حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين- واذكر ربك كثيرا ~~أي ذكرا كثيرا وسبح أي وسبحه بالعشي وهو آخر النهار. ويقع العشي أيضا على ~~ما بين الزوال والغروب والإبكار وهو الغدوة أو من صلاة الفجر إلى طلوع ~~الشمس. قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية الحث على ذكر الله تعالى وهو ~~من شعب الإيمان. # قال محمد بن كعب: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا لأنه منعه ~~من الكلام وأمره بالذكر- أخرجه ابن أبي حاتم-. # PageV02P315 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 42] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) # وإذ قالت الملائكة يا مريم شروع في تتمة فضائل آل عمران. قال المهايمي: # فيه إشارة إلى جواز تكليم الملائكة الولي، ويفارق النبي في دعوى النبوة ~~إن الله اصطفاك بالتقريب والمحبة وطهرك عن الرذائل ليدوم انجذابك إليه ~~واصطفاك على نساء العالمين بالتفضيل وبما أظهره من قدرته العظيمة حيث خلق ~~منك ولدا من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء. وفي (الإكليل) : استدل ~~بهذه الآية من قال بنبوة مريم. كما استدل بها من فضلها على بنات النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأزواجه. وجوابه: # أن المراد عالمي زمانها- قاله السدي-. ### | القول ms0822 في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 43] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # يا مريم اقنتي لربك أي اعبديه شكرا على اصطفائه واسجدي واركعي مع ~~الراكعين أي لتزدادي بكثرة السجود والصلاة قربا. قال البقاعي: الظاهر أن ~~المراد بالسجود هنا ظاهره، وبالركوع الصلاة نفسها، فكأنه قيل: واسجدي ~~مصلية، ولتكن صلاتك مع المصلين، أي في جماعة، فإنك في عداد الرجال لما خصصت ~~به من الكمال. ثم قال: وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها ~~الركوع في صلاة إبراهيم ولا من بعده من الأنبياء عليهم السلام، ولا أتباعهم ~~إلا في موضع واحد، لا يحسن جعله فيه على ظاهره. ورأيته ذكر الصلاة فيها على ~~ثلاثة أنحاء: الأول- إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني- إطلاق لفظ ~~السجود مجردا، والثالث- إطلاقه مقرونا بركوع أو حبو أو خرور على الوجه. ~~ونحو ذلك. ثم ساق البقاعي ما وقع من النصوص في ذلك. وقال بعد: فالذي فهمته ~~من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد ~~السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك، وحينئذ يسمى ~~صلاة. وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم. وذلك موافق للغة، قال في ~~القاموس: سجد خضع، والخضوع التطامن، وأما المكان الذي ذكر فيه الركوع ~~فالظاهر أن معناه فعل الشعب كله ساجدا لله، لأن الركوع يطلق في اللغة على ~~معان، منها الصلاة يقال: ركع أي صلى، # PageV02P316 # وركع إذا انحنى كثيرا، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره لأنه لا يمكن في حال ~~السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن تأويل مما ذكرته في الركوع- والله ~~أعلم- واحتججت باللغة لأن مترجم نسخة التوراة، التي وقعت لي، في عداد ~~البلغاء، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها. على أن سألت عن صلاة اليهود ~~الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع، ثم رأيت البغوي صرح في قوله تعالى واركعوا ~~مع الراكعين [البقرة: 43] . بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا ابن عطية ~~وغيرهما. انتهى كلام البقاعي. ### | ### | لطيفة: # # قال السيوطي ms0823 في (الإكليل) : في الآية دليل على أن الجماعة مطلوبة في ~~الصلاة، وعلى أن المرأة تندب لها الجماعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 44] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) # ذلك إشارة إلى ما سبق من أنباء الغيب أي الأنباء المغيبة عنك نوحيه إليك ~~مطابقا لما في كتابهم. وتذكير الضمير في نوحيه بجعل مرجعه ذلك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم أي وما كنت معاينا لفعلهم وما جرى ~~من أمرهم في شأن مريم إذ يلقون أقلامهم أي سهامهم التي جعلوا عليها علامات ~~يعرف بها من يكفل مريم على جهة القرعة وما كنت لديهم إذ يختصمون بسببها ~~تنافسا في كفالتها وقد روي عن قتادة وغيره أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن ~~واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم. فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها. ~~فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا، فإنه ثبت، ويقال إنه ذهب ~~صاعدا يشق جرية الماء- والله أعلم. قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم، مما ~~كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها ~~أسماءهم، فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى: فساهم فكان ~~من المدحضين # [الصافات: 141] ، وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم ~~الجزور. وإنما سميت هذه السهام أقلاما لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه ~~شيئا بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلما. وقال السيوطي ~~في (الإكليل) : هذه # PageV02P317 # الآية أصل في استعمال القرعة عند التنازع. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة ~~الآية أنه يجوز التخاصم لطلب الفضل حتى يتميز واحد بمزية، ودلت على أن ~~التمييز يحصل بالقرعة في الأمر الملبس. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: لم نفيت المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، ~~وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها، وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علما ~~يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي، فلم ms0824 يبق إلا ~~المشاهدة، وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم ~~بالمنكرين للوحي، مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه: وما كنت ~~بجانب الغربي [القصص: 44] ، وما كنت بجانب الطور [القصص: 46] ، وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم [يوسف: 102] ، - انتهى- وبالجملة، فالنفي تقرير ~~وتحقيق لكون تلك الأنباء وحيا على طريقة التهكم بمنكريه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 45] # إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) # إذ قالت الملائكة شروع في قصة عيسى عليه السلام يا مريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه أي بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب اسمه ذكر الضمير الراجع ~~إلى الكلمة لكونها عبارة عن مذكر. أي اسمه الذي يميزه لقبا المسيح وعلما ~~عيسى معرب يسوع بالسين المهملة كلمة يونانية معناها (مخلص) ويرادفها (يشوع) ~~بالمعجمة، إلا أنها عبرانية كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل. # وفيها أن المسيح بمعنى الممسوح أو المدهون. قال البقاعي: وأصل هذا الوصف ~~أنه كان في شريعتهم من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرا متأهلا للملك ~~والعلم والولايات الفاضلة مباركا، فدل سبحانه على أن عيسى عليه السلام ~~ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يمسح. انتهى. وإنما قال ابن مريم مع ~~كون الخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه، ~~وبذلك فضلت على نساء العالمين وجيها في الدنيا والآخرة أي سيدا ومعظما ~~فيهما ومن المقربين أي من الله عز وجل. # PageV02P318 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 46] # ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) # ويكلم الناس في المهد في محل النصب على الحال وكهلا عطف عليه بمعنى ويكلم ~~الناس، حال كونه طفلا وكهلا، كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين وذلك ~~لا شك أنه غاية في المعجز. وفي ذلك بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلا. والمهد ~~الموضع الذي يهيأ للصبي ويوطأ لينام فيه. والكهل من وخطه الشيب، ms0825 أو من جاوز ~~الثلاثين إلى الأربعين أو الخمسين. قال ابن الأعرابي: يقال للغلام مراهق، ~~ثم محتلم، ثم يقال: تخرج وجهه، ثم اتصلت لحيته، ثم مجتمع، ثم كهل، وهو ابن ~~ثلاث وثلاثين سنة. قال الأزهري: وقيل له كهل حينئذ لانتهاء شبابه وكماله ~~قوته. وقوله تعالى ومن الصالحين قال ابن جرير: يعني من عدادهم وأوليائهم. ~~لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 47] # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) # قالت مخاطبة لله الذي بعث إليها الملائكة رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني ~~بشر أي لست بذات زوج قال كذلك أي على الحالة التي أنت عليها من عدم مس ~~البشر الله يخلق ما يشاء ولا يحتاج إلى سبب، ولا يعجزه شيء. # وصرح هاهنا بقوله يخلق ما يشاء ولم يقل يفعل كما في قصة زكريا، لما أن ~~الخلق المنبئ عن الإحداث للمكون أنسب بهذا المقام لئلا يبقى لمبطل شبهة، ~~وأكد ذلك بقوله: # إذا قضى أمرا من الأمور أي أراد شيئا كما في قوله تعالى: إذا أراد شيئا ~~[يس: 82] فإنما يقول له كن فيكون، من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب كقوله: # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [القمر: 50] . أي إنما نأمر مرة واحدة ~~لا تثنية فيها فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر. وتقدم الكلام على هذه ~~الآية في سورة البقرة. # PageV02P319 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 48] # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) # ويعلمه الكتاب أي الكتابة أو جنس الكتب الإلهية والحكمة أي تهذيب الأخلاق ~~والتوراة والإنجيل إفرادهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب ~~المنزلة، لزيادة فضلهما وإنافتهما على غيرهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 49] # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ms0826 وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (49) # ورسولا إلى بني إسرائيل منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على (يعلمه) ~~أي ويجعله رسولا إلى جميع الإسرائيليين. وقيل: معطوف على الأحوال السابقة ~~أني قد جئتكم معمول ل (رسولا) لما فيه من معنى النطق. أي رسولا ناطقا بأني ~~قد جئتكم بآية من ربكم التنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها، والجار ~~متعلق بمحذوف وقع حالا أي متلبسا ومحتجا بآية أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فيكون ~~طيرا حقيقيا ذا حياة بإذن الله أي أمره، لا باستقلال مني وأبرئ الأكمه الذي ~~ولد أعمى والأبرص المبتلى بالبرص وهو بياض يظهر في البشرة لفساد مزاج. وفي ~~(الإكليل) : هذه الآية أصل لما يقوله الأطباء: إن الأكمه الذي ولد أعمى، ~~والأبرص لا يمكن برؤهما كإحياء الموتى وأحي الموتى بإذن الله لا باستقلال ~~مني. نفيا لتوهم الألوهية، فهذه معجزات قاهرة فعلية وأنبئكم أي أخبركم بما ~~تأكلون وما تدخرون في بيوتكم مما لم أعاينه إن في ذلك لآية أي دلالة لكم ~~على صدقي في دعوى الرسالة إن كنتم مؤمنين مصدقين بآيات الله. وقد ذكر في ~~الإنجيل أنه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم، وأعمى في بيت صيدا، ~~ورجل ولد أعمى في أورشليم، وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة، وأبرأ أبرص ~~في كفر ناحوم، وأقام ابن الأرملة من الموت في بلدة نايين، وأحيا ابنة جيروس ~~في كفر ناحوم، والعازر في بيت عينا. # PageV02P320 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 50] # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) # ومصدقا حال معطوفة على قوله (بآية) أي جئتكم بآية وصدقا لما بين يدي من ~~التوراة أي مقررا لهما ومثبتا ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم قال ابن كثير: ~~فيه دلالة على أن ms0827 عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من ~~القولين. ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما ~~كانوا يتنازعون فيه خطأ، وانكشف لهم عن الغطاء في ذلك، كما قال في الآية ~~الأخرى: # ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه [الزخرف: 63] . والله أعلم- انتهى- ~~أقول: من البعض الذي أحله عيسى عليه السلام لهم فعل الخير في السبوت، وقد ~~كانوا يعتقدون تحريم مطلق عمل يوم السبت، ولذا لما اجتاز عليه السلام ~~بالإسرائيلين مرة أبصر مريضا فسألوه: هل يحل أن يشفي في السبت؟ فقال لهم ~~عليه السلام: أي إنسان منكم يكون له خروف، فيسقط في حفرة يوم السبت ولا ~~يمسكه ويرفعه؟ والإنسان كم يفضل الخروف؟ فإذن يحل فعل الخير في السبوت، ثم ~~أبرأ ذلك المريض- كذا في الأصحاح الثاني عشر. من الفقرة التاسعة إلى ~~الثالثة عشرة من إنجيل متى- وفيه في الأصحاح الخامس الفقرة السابعة عشرة ~~قول المسيح عليه السلام: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما ~~جئت لأنقض بل لأكمل- انتهى- وقد اتفقوا على أن المسيح عليه السلام أقام ~~شرائع التوراة كلها، ثم جاء بولس ومن بعده من الرهبان فادعوا أن المسيح ~~عليه السلام فعل ذلك كله ورفعه عنهم، إذ أكمله وأتمه بفعله إياه. وكفاهم ~~مؤونة العمل بشيء منه، وأغناهم بشريعته الروحانية، فنقضوا الناموس الذي جاء ~~لإكماله المسيح. فمما نقضوه إباحة كثير من الحيوانات المحرمة في الناموس ~~الموسوي، فنسخت حرمتها في الشريعة العيسوية، وثبتت الإباحة العامة بفتوى ~~بولس، إذ قال لهم: لا شيء نجس العين. كما في رسالته إلى أهل رومية. ومما ~~نقضوه تعظيم السبت، فقد كان حكما أبديا في الشريعة الموسوية، وما كان لأحد ~~أن يعمل فيه أدنى عمل، وكان من عمل فيه عملا واجب القتل. ومنه أحكام ~~الأعياد المشروعة في التوراة، ومنه حكم الختان الذي كان أبديا في شريعة ~~إبراهيم عليه السلام وأولاده إلى شريعة موسى، وقد ختن عيسى عليه # PageV02P321 # السلام، فنسخ حكمه الرهبان بعده، كما نسخوا جميع الأحكام العملية ~~للتوراة، إلا الزنى، كما بين في (إظهار الحق) ms0828 ، في الباب الثالث في إثبات ~~النسخ. وقد أسلفنا جملة جليلة في هذا الشأن في سورة البقرة عند قوله تعالى: ~~وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا [البقرة: 135] . فانظرها. وجئتكم بآية ~~من ربكم كرره تأكيدا وليبنى عليه قوله فاتقوا الله وأطيعون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 51] # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا أي ما آمركم به صراط مستقيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 52] # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) # فلما أحس عيسى منهم أي من بني إسرائيل الكفر أي علمه ووجده منهم قال من ~~أنصاري إلى الله جمع نصير. والجار متعلق بمحذوف وقع حالا. أي من أنصاري ~~متوجها إلى الله ملتجئا إليه قال الحواريون وهم طائفة من بني إسرائيل ~~انتدبت للإيمان بالمسيح عليه السلام فوازروه ونصروه واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه- جمع حواري- وهو الناصر أو المبالغ في النصرة والوزير والخليل ~~والخالص كما في (التوشيح) نحن أنصار الله أي أنصار دينه ورسوله آمنا بالله ~~واشهد بأنا مسلمون أي منقادون لرسالتك. ولما أشهدوه عليه السلام أشهدوا ~~الله تعالى الآمر بما أنزل من الإيمان به وبأوامره فقالوا: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 53] # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فأشهدناك على ما نحن عليه من تصديقنا ~~دعواه فاكتبنا أي جزاء على إشهادنا إياك مع الشاهدين أي مع الذين يشهدون ~~بوحدانيتك. وهم المتقدمون في آية شهد الله أو مع الأنبياء الذين يشهدون ~~لأتباعهم. # PageV02P322 ### | لطيفة: # جاء في إنجيل متى في الأصحاح العاشر ما يأتي: ### | 1- # ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ~~ويشفوا كل مرض وكل ضعف. ### | 2- # وأما أسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه. الأول سمعان الذي يقال له بطرس ~~وأندراوس أخوه. يعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه. ### | 3- # فيلبس وبرثو لماوس. توما ومتى ms0829 العشار. يعقوب بن حلفي ولباوس الملقب ~~تداوس. ### | 4- # سمعان القانوي ويهوذا الإسخريوطي يوطي الذي أسلمه. # وكانوا يسمون رسل عيسى عليه السلام. لأنه بعثهم إلى الإسرائيليين الضالين ~~يدعونهم إلى الحق الذي جاء به، فبذلوا الجهد في بثه وانتشاره وإقامته، إلى ~~أن جاء بولس فسلبهم، بخداعه، دين المسيح الصحيح، فلم يسمعوا له بعد من خبر، ~~ولا وقفوا له على أثر، وطمس لهم رسوم التوراة، وحلل لهم كل محرم، كما بين ~~ذلك في غير هذا الموضع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 54] # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) # ومكروا أي الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر بأن هموا بالفتك به ~~وإرادته بالسوء حيث تمالئوا عليه ووشوا به إلى ملكهم ومكر الله أي بهم بعد ~~ذلك فانتقم منهم وأورثهم ذلة مستمرة وأباد ملكهم والله خير الماكرين أي ~~أقواهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب. # وقال البقاعي كغيره في قوله تعالى ومكر الله: أي بأن رفعه إليه. وشبه ذلك ~~عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه، وإنما صلبوا أحدهم، ويقال إنه الذي دلهم، وأما ~~هو عليه السلام، فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه، لينزله ~~في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضربت عليه الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذي ~~طلبوا به العز إلى آخر الدهر، فكان تدميرهم في تدبيرهم، ثم أخبر تعالى ~~ببشارته بالعصمة من مكرهم بقوله: # PageV02P323 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 55] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك أي مستوفي مدة إقامتك بين قومك. # والتوفي، كما يطلق على الإماتة، كذلك يطلق على استيفاء الشيء. كما في كتب ~~اللغة. ولو ادعي أن التوفي حقيقة في الأول، والأصل في الإطلاق الحقيقة ~~فنقول: لا مانع من تشبيه سلب تصرفه عليه السلام بأتباعه ms0830 وانتهاء مدته ~~المقدرة بينهم بسلب الحياة. وهذا الوجه ظاهر جدا، وله نظائر في الكتاب ~~العزيز، قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~[الزمر: 42] . قال الزمخشري: يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي ~~يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى. ومنه قوله تعالى: وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل [الأنعام: 60] . حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى ~~كذلك- انتهى كلامه- ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ~~ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: # ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا أي من مكرهم وخبث صحبتهم وقد دلت هذه ~~الآية بظاهرها على أن الله تعالى فوق سماواته كقوله تعالى: بل رفعه الله ~~إليه، وكان الله عزيزا حكيما [النساء: 158] . وقوله تعالى: يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] . وقوله تعالى: يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض ثم يعرج إليه [السجدة: 5] . وقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور [الملك: 16] . وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله ~~الإمام الذهبي في كتاب (العلو) . قال أبو الوليد بن رشد في (مناهج الأدلة) ~~: لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة (الفوق) ~~حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي ومن ~~اقتدى بقوله- إلى أن قال: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن ~~منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السموات نزلت الكتب وإليها ~~كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم. # وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت ~~جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. وبين بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها ~~الجهمية ومن وافقهم- إلى أن قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب ~~بالشرع والعقل. # PageV02P324 # وأن إبطاله إبطال الشرائع. قال الدارمي: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن ~~الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب ~~(العلو) فانظره، هذا، ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون ms0831 ~~عليه خلفاؤهم من بعدهم من الأحوال، بشره تعالى في ذلك بما بشره فقال وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكذا كان لم يزل من انتحل ~~النصرانية فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد ثم ~~إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ثم فسر الحكم الواقع بين ~~الفريقين بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 56] # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 57] # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~(57) # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~أي يبغضهم، فإن هذه الكناية فاشية في جميع اللغات، جارية مجرى الحقيقة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 58] # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) # ذلك إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى عليه السلام وهو مبتدأ وخبره نتلوه ~~عليك أي من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. وقوله تعالى من الآيات حال من ~~الضمير المنصوب أو خبر بعد خبر والذكر الحكيم أي المشتمل على الحكم، أو ~~المحكم المعصوم من تطرق الخلل إليه، والمراد به القرآن. ### | تنبيه: # في قوله: إني متوفيك. وجوه في التأويل كثيرة، إلا أن الذي فتح المولى به ~~مما أسلفناه هو أرجح التأويلات والله أعلم، وبه يسقط زعم النصارى أن هذه ~~الآية حجة علينا، لإفادتها وفاته عليه السلام، أي بالصلب، ثم رفعه إلى ~~السماء أعني قيامه حيا بعد وفاته على زعمهم من أنه مات بجسده، وأقام على ~~الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن في أول ساعة من ليلة ~~السبت، وأقام في القبر # PageV02P325 # إلى صبيحة الأحد، ثم انبعث حيا وتراءى للنسوة اللائي جئن إلى قبره ~~زائرات. وقد استندوا في هذا الزعم إلى شهادة أنا جيلهم الأربع، ms0832 وشهادة ~~تلاميذه الشفاهية في العالم، ثم أتباعهم وكذا شهادة اليهود بوقوع الصلب على ~~المسيح ذاتيا. ووجه سقوط زعمهم الفاسد المذكور ما بيناه في معنى الآية مما ~~لا يبقى معه أدنى ارتياب. # وقد بين علماؤنا بطلان معتقدهم هذا في تآليف وتحارير فانظره في (حواشي ~~تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) تأليف الشيخ عبد الله بك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 59] # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) # إن مثل عيسى أي شأنه العجيب في إنشائه بالقدرة من غير أب عند الله أي في ~~تقديره وحكمه كمثل آدم أي كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون جملة مفسرة للتمثيل ببيان وجه الشبه بينهما. وحسم ~~لمادة شبه الخصوم، فإن إنكار خلق عيسى عليه السلام بلا أب ممن اعترف بخلق ~~آدم عليه السلام بغير أب وأم، مما لا يكاد يصح- قاله أبو السعود- وقوله ~~خلقه أي صور جسد آدم من تراب ثم قال له كن أي بشرا كاملا روحا وجسدا فإن ~~أمره تعالى يفيد قوة التكون. قال البقاعي: وعبر بصيغة المضارع المقترن ~~بالفاء في فيكون دون الماضي، وإن كان المتبادر إلى الذهن أن المعنى عليه ~~حكاية للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان الأمر من غير تخلف، وتنبيها على ~~أن هذا هو الشأن دائما بتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا كما ~~تقدم التصريح به في آية. إذا قضى أمرا. ### | لطيفة: # قال الرازي: الحكماء قالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: # الأول- ليكون متواضعا، الثاني- ليكون ستارا، الثالث- ليكون أشد التصاقا ~~بالأرض. وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض. قال تعالى: إني جاعل في ~~الأرض خليفة [البقرة: 30] ، الرابع- أراد الحق إظهار القدرة فخلق الشياطين ~~من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق آدم من ~~التراب الذي هو أكثف الأجرام ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، ~~الخامس- خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئا ms0833 لنار الشهوة والغضب- انتهى ملخصا. # PageV02P326 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 60] # الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) # الحق من ربك خبر مبتدأ محذوف، أي الذي قصصنا عليك من نبأ عيسى الحق، ~~وقيل: الحق مبتدأ، والظرف خبر، أي الحق المذكور. وقيل: الحق فاعل لمضمر، أي ~~جاءك الحق. وفي (الحق) تأويلان: الأول- قال أبو مسلم: المراد أن هذا الذي ~~أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود. ~~فالنصارى قالوا إن مريم ولدت إلها، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ~~ونسبوها إلى يوسف النجار، فالله تعالى بين أن هذا الذي أنزل في القرآن هو ~~الحق. # ثم نهى عن الشك فيه. # والقول الثاني- أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من ~~المثل، وهو قصة آدم عليه السلام، فإنه لا بيان أقوى منها. والله أعلم. # فلا تكن من الممترين خطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة ~~التهييج لزيادة الثبات، أو لكل سامع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 61] # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ~~(61) # فمن حاجك أي جادلك من النصارى بإيراد حجة فيه أي في شأن عيسى زعما منهم ~~أنه ليس على الشأن المتلو من بعد ما جاءك من العلم أي الذي أنزلناه إليك، ~~وقصصناه عليك في أمره. وللفاضل المهايمي في هذه الآية أسلوب لطيف في ~~التأويل حيث قال الحق أي الثابت الذي لا يقبل التأويل جاء من ربك الذي رباك ~~بالاطلاع على الحقائق فلا تكن من الممترين بما ورد في الإنجيل من إطلاق لفظ ~~الأب على الله فإنه إطلاق مجازي لأنه لما حدث منه كان كأبيه. وإذا ظهر لك ~~الحق من ربك بالبيان التام فمن حاجك أي جادلك فيه لإثبات أبنيته بظواهر ~~الإنجيل من بعد ما جاءك من العلم القطعي الموجب لتأويله. # فقل لم يبق بيننا وبينكم مناظرة، ولكن نرفع ms0834 عنادكم بطريق المباهلة تعالوا ~~أي أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه علو الحق وسفول الباطل ندع ~~أبناءنا # PageV02P327 # وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم # أي يدع كل منا ومنكم نفسه، وأعزة أهله، وألصقهم بقلبه، ممن يخاطر الرجل ~~بنفسه لهم ويحارب دونهم، ويحملهم على المباهلة ثم نبتهل أي نتضرع إلى الله ~~تعالى ونجتهد في دعاء اللعنة فنجعل لعنت الله أي إبعاده وطرده على الكاذبين ~~منا ومنكم ليهلكهم الله وينجي الصادقين، فلا يبقى العناد الباقي عليكم بعد ~~اتفاق الدلائل العقلية والنقلية. ### | تنبيهات: # الأول- قال القاشاني: إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال ~~نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به، وهو المؤثر بإذن الله في العالم ~~العنصري، فيكون انفعال العالم العنصري منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات ~~الواردة عليه، كالغضب والحزن والفكر في أحوال المعشوق، وغير ذلك من تحرك ~~الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم. وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال ~~حواسنا وسائر قوانا من هيآت أرواحنا، فإذا اتصل نفس قدسي به كان تأثيرها في ~~العالم عند التوجه الاتصالي تأثير ما يتصل به، فتنفعل أجرام العناصر ~~والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد. ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى ~~من نفسه عليه السلام بالخوف، وأحجمت عن المباهلة، وطلبت الموادعة بقبول ~~الجزية؟ # الثاني- قال ابن كثير: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول ~~السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في ~~عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ~~ردا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكبا، منهم ~~ثلاثة نفر، إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح، والسيد ~~ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم:، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفي ~~القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله عز وجل، والفصل ~~من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، ~~دعاهم إلى المباهلة فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك ms0835 ~~بما نزيد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب فقالوا: ~~يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى! لقد عرفتم إن محمدا ~~لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا ~~قط، فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم ~~قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في # PageV02P328 # صاحبكم، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على ~~دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم، وأقرهم على خراج ~~يؤدونه إليه. # وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن الشعبي عن جابر قال: قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه ~~الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة ~~والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق، لو قالا: لا، لأمطر ~~عليهم الوادي نارا. قال جابر: وفيهم نزلت: ندع أبناءنا ... # الآية- قال جابر: أنفسنا وأنفسكم: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن ~~أبي طالب، وأبناؤنا: الحسن والحسين، ونساؤنا: فاطمة، وهكذا- رواه الحاكم في ~~مستدركه بمعناه، ثم قال: # صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. هكذا قال. # وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة عن الشعبي مرسلا، وهذا ~~أصح. # وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك. # وروى البخاري «1» عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد، صاحبا ~~نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال ~~أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا ~~عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا ~~تبعث معنا إلا أمينا. فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا، ms0836 حق أمين. فاستشرف لها ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. ~~فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة. ورواه ~~مسلم والنسائي # أيضا وغيرهم. # وروى الإمام أحمد «2» عن ابن عباس قال: قال أبو جهل- قبحه الله-: إن رأيت ~~محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته، قال: فقال: لو فعل لأخذته ~~الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من ~~النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا ~~يجدون مالا ولا أهلا. PageV02P329 # قال ابن كثير: وقد رواه البخاري والترمذي والنسائي. وقد ساق قصة وفد ~~نجران الإمام ابن القيم عليه الرحمة في (زاد المعاد) وأعقبها بفصل مهم في ~~فقهها. # فليراجع. # الثالث- قال الزمخشري: فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين ~~الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء ~~والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث ~~استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك. ولم يقتصر على ~~تعريض نفسه له، وعلم ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك ~~الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم ~~بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمت كانوا ~~يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ويسمون الذادة عنها ~~بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم ~~وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل، لا شيء ~~أقوى منه، على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم ~~أجابوا إلى ذلك. # الرابع- استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر ~~شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلى الله عليه وسلم. ~~والمباهلة الملاعنة. ms0837 # قال الكازروني في تفسيره: وقع البحث عند شيخنا العلامة الدواني قدس الله ~~سره في جواز المباهلة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب رسالة في شروطها ~~المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار، وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها ~~لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا ~~بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم ~~النصح والإنذار وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها. # قال الإمام صديق خان في تفسيره: وقد دعا الحافظ ابن القيم، رحمه الله، من ~~خالفه في مسألة صفات الرب تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ~~ولا تحريف ولا تعطيل، إلى المباهلة بين الركن والمقام فلم يحبه إلا ذلك ~~وخاف سوء العاقبة. وتمام هذه القصة مذكور في أول كتابه المعروف ب (النونية) ~~- انتهى- وقد ذكر في (زاد المعاد) في فصل فقه قصة وفد نجران ما نصه: ومنها ~~أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل ~~أصروا على العناد أن # PageV02P330 # يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله، سبحانه، بذلك رسوله، ولم يقل إن ذلك ~~ليس لأمتك من بعدك. ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض ~~مسائل الفروع، ولم ينكر عليه الصحابة، ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في ~~مسألة رفع اليدين ولم ينكر عليه ذلك، وهذا من تمام الحجة- انتهى-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 62] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) # إن هذا أي المتقدم من شأن عيسى عليه السلام لهو القصص الحق الذي لا معدل ~~عنه، دون أقاصيص النصارى. والقصص تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء ~~على ترتيبها. في معنى قص الأثر، وهو اتباعه، حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر- ~~أفاده الحرالي-. # قال البقاعي: ولما بدأ سبحانه القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته ~~مستدلا على ذلك بأنه الحي القيوم صريحا، ختم ذلك إشارة وتلويحا فقال، عاطفا ~~على ما ms0838 أنتجه ما تقدم من أن عيسى عبد الله ورسوله، معمما للحكم: وما من إله ~~إلا الله فصرح فيه ب من الاستغراقية، تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم ~~وإن الله لهو العزيز الحكيم فلا يشاركه أحد في العزة والحكمة، ليشاركه في ~~الألوهية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 63] # فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) # فإن تولوا أي أعرضوا عن قبول الحق الذي قص عليك بعد ما عاينوا تلك الحجج ~~النيرة فإن الله عليم بالمفسدين أي بهم فيجازيهم على إفسادهم. والتعبير ~~عنهم بذلك إشارة إلى أنهم، بتوليهم، مفسدون اعتقادهم واعتقاد غيرهم في الله ~~تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 64] # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أي إلى قول معتدل لا # PageV02P331 # يميل إلى التعطيل ولا إلى الشرك، متفق عليها لا يختلف فيها الرسل والكتب ~~وهي ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا أي لا نرى غيره مستحقا للعبادة ~~فنشركه معه، بل نفرد العبادة لله وحده، لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل. ~~قال الله تعالى: # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~[الأنبياء: 25] . وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] . ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا أي كعزيز ~~والمسيح والأحبار والرهبان الذين كانوا يحلون لهم ويحرمون، كما # روى الترمذي «1» عن عدي ابن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال: إنهم لم يكونوا ~~يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليه شيئا ~~حرموه. # قال الكيا الهراسي: فيه رد على من قال بالاستحسان المجرد الذي لا يستند ~~إلى دليل شرعي، وعلى من قال: ms0839 يجب قبول قول الإمام في التحليل والتحريم ولو ~~دون إبانة مستند شرعي. # قال البقاعي: ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية، نبه ~~على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد والاجتراء على ما يختص به الله ~~فقال: # من دون الله الذي اختص بالكمال فإن تولوا أي عن هذه الكلمة السواء المتفق ~~عليها فقولوا أي تبعا لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال: أسلمت لرب ~~العالمين. وامتثالا لوصيته إذ قال: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. اشهدوا ~~بأنا مسلمون أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون دونكم، كما ~~يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب، ~~وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا ~~بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره- كذا قال الكشاف-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 65] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم أي تجادلون فيه فيدعيه كل من ~~PageV02P332 # فريقكم وما أنزلت التوراة والإنجيل أي المقرر كل منهما لأصل دين منتحله ~~منكم إلا من بعده أفلا تعقلون حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدل المحال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 66] # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) # ها أنتم هؤلاء أي الأشخاص الحمقى حاججتم فيما لكم به علم من أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم إذ له ذكر في كتابكم فأمكنكم تغييره لفظا ومعنى، أو من أمر ~~موسى وعيسى عليهما السلام، أو مما نطق به التوراة والإنجيل فلم تحاجون فيما ~~ليس لكم به علم من أمر إبراهيم لكونه لم يذكر في كتابكم بما حاججتم، فلا ~~يمكنكم فيه التغيير والله يعلم فيبينه لنبيه وأنتم لا تعلمون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 67] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا ms0840 نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) # ما كان إبراهيم يهوديا أي كما ادعى اليهود ولا نصرانيا كما ادعى النصارى ~~ولكن كان حنيفا مسلما سبق معنى الحنيف عند قوله تعالى: بل ملة إبراهيم ~~حنيفا في البقرة وما كان من المشركين تعريض بأنهم مشركون بقولهم: # عزيز ابن الله والمسيح ابن الله، ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة ~~إبراهيم عليه السلام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 68] # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين (68) # إن أولى الناس بإبراهيم أي أخصهم به وأقربهم منه. من (الولي) وهو القرب ~~للذين اتبعوه أي في دينه من أمته وغيرهم وهذا النبي يعني خاتم الأنبياء ~~محمدا صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به فعملوا بشريعته الموافقة لشريعة ~~إبراهيم والله ولي المؤمنين بالنصر والمعونة والمحبة. # PageV02P333 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 69] # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) # ودت أي تمنت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم بالرجوع إلى دينهم حسدا ~~وبغيا وما يضلون إلا أنفسهم أي وما يتخطاهم الإضلال، ولا يعود وباله إلا ~~عليهم، إذ يضاعف به عذابهم وما يشعرون أي أن وزره خاص بهم. ونظير هذه الآية ~~قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم [البقرة: 109] . وقوله: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون ~~سواء [النساء: 89] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 70] # يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) # يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله أي المنزلة على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأنتم تشهدون أي تعلمون حقيقتها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 71] # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل أي تسترون الحق المنزل بتمويهاتكم ~~الباطلة وتكتمون الحق أي الذي لا يقبل تمويها ولا تحريفا وأنتم تعلمون ms0841 أي ~~عالمين بما تكتمونه من حقيته وقد كانوا يعلمون ما في التوراة والإنجيل من ~~البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته، ويلبسون على الناس في ذلك، ~~كدأبهم في غيره. وفي الآية دلالة على قبح كتمان الحق، فيدخل في ذلك أصول ~~الدين وفروعه والفتيا والشهادة وعلى قبح التلبيس. فيجب حل الشبهة وإبطالها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 72] # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~أي # PageV02P334 # أوله واكفروا آخره لعلهم يرجعون هذه الآية حكاية لنوع آخر من تلبيساتهم. # وهي مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من المؤمنين أمر دينهم، وهو أنهم ~~اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين، فإذا جاء ~~آخر النهار ارتدوا إلى دينهم. فيظن الضعفاء أنه لا غرض لهم إلا الحق، وأنه ~~ما ردهم عن الدين بعد اتباعهم له وترك العناد، وهم أولو علم وأهل كتاب، إلا ~~ظهور بطلانه لهم، ولهذا قال: # لعلهم يرجعون أي عن الإسلام كما رجعتم. ### | لطيفة: # قال الرازي: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من ~~وجوه: # الأول- أن هذه الحيلة كانت مخيفة فيما بينهم وما أطلعوا عليها أحدا من ~~الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. # الثاني- أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل ~~لها أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت في قلب بعض من ~~في إيمانه ضعف. # الثالث- أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن ~~الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 73] # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) # ولا تؤمنوا ms0842 إلا لمن تبع دينكم من تتمة كلامهم أي ولا تصدقوا إلا نبيا ~~تابعا لشريعتكم، لا من جاء بغيرها، أو ولا تؤمنوا ذلك الإيمان المتقدم، وهو ~~إيمانهم وجه النهار، إلا لأجل حفظ أتباعكم وأشياعكم وبقائهم على دينكم قل ~~إن الهدى هدى الله أي الذي هو الإسلام وقد جئتكم به، وما عداه ضلال فلا ~~ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف ولا تقدرون على إضلال أحد منا بعد أن ~~هدانا الله. ثم وصل به # PageV02P335 # تقريعهم فقال إن بمد الألف على الاستفهام، في قراءة ابن كثير. وتقديرها ~~في قراءة غيره. أي دعاكم الحسد والبغي حتى قلتم ما قلتم ودبرتموه ألأن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم من الشرائع والعلم والكتاب، أو كراهة أن يحاجوكم أي ~~الذين أوتوا مثل ما أوتيتم عند ربكم أي بالشهادة عليكم يوم القيامة أنهم ~~آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحكم قل إن الفضل أي بإنزال الآيات ~~وغيرها بيد الله يؤتيه من يشاء فلا يمكنكم منعه والله واسع كثير العطاء ~~عليم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 74] # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) # يختص برحمته من يشاء فيزيده فضلا عليكم والله ذو الفضل العظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 75] # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما بالمطالبة والترافع وإقامة البينة، فلا ~~يبعد منه الخيانة مع الله بكتمان ما أمر بإظهاره طمعا في إبقاء الرئاسة ~~والرشا عليه. ثم استأنف علة الخيانة بقوله ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل أي ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا ~~فيما أصبنا من أموال العرب عقاب ومؤاخذة فهم يخونون الخلق ويقولون أي ms0843 في ~~الاعتذار عنه على الله الكذب بادعائهم ذلك وغيره فيخونونه أيضا وهم يعلمون ~~أنه كذب محض وافتراء لتحريم الغدر عليهم. كما هو في التوراة. وقد مضى نقله ~~في البقرة في آية: إن الذين آمنوا والذين هادوا [البقرة: 62] . فارجع إليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 76] # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين اعلم أن (بلى) إما لإثبات # PageV02P336 # ما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل، فالوقف حينئذ ~~على (بلى) وقف التمام، وقوله من أوفى بعهده جملة مقررة للجملة التي سدت ~~(بلى) مسدها وإما لابتداء جملة بلا ملاحظة كونها جوابا للنفي السابق، فإن ~~كلمة (بلى) قد تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعدها- كما نقله الرازي- وهذا هو ~~الذي أرتضيه. # وإن اقتصر الكشاف ومقلدوه على الأول. وقد ذكروا في (نعم) أنها تأتي ~~للتوكيد إذا وقعت صدرا. نحو: نعم هذه أطلالهم، فلتكن (بلى) كذلك، فإنهما ~~أخوان، وإن تخالفا في صور، وعلى هذا فلا يحسن الوقف على (بلى) . والضمير في ~~بعهده إما لاسم (الله) في قوله ويقولون على الله الكذب على معنى إن كل من ~~أوفى بعهد الله واتقاه في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. وإما ل من ~~أوفى على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقاه فإنه يحبه. # قال الزمخشري: فإن قلت فهذا عام. يخيل أنه ولو وفى أهل الكتاب بعهودهم ~~وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله. قلت: أجل. لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا ~~أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق ~~لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله ~~وتحريف كلمه- انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 77] # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) # إن الذين يشترون أي يستبدلون بعهد ms0844 الله أي بما أخذهم عليه في كتابه. أو ~~بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم وأيمانهم أي التي ~~عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل ثمنا قليلا من الدنيا الزائلة ~~الحقيرة التي لا نسبة لجميعها إلى أدنى ما فوتوه أولئك لا خلاق أي لا نصيب ~~ثواب لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة وذلك ~~لحجبهم عن مقامات قربه كما قال تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ~~ولا يزكيهم أي ولا يثني عليهم كما يثني على أوليائه، أو لا يطهرهم من دنس ~~ذنوبهم بالمغفرة ولهم عذاب أليم أي بالنار. واعلم أن في هذه الآية مسائل: # PageV02P337 # الأولى- قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن من نقض عهدا لله لغرض ~~دنيوي، أو حلف كاذبا، فإنه قد ارتكب كبيرة. # الثانية- في الجمع بين قوله تعالى هنا: ولا يكلمهم الله. وقوله: فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين [الحجر: 92] . قال القفال: المقصود من هذه الآية بيان شدة ~~سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه فإنما ذلك بسخط عليه، وإذا سخط ~~إنسان على آخر قال له: لا أكلمك. وقد يأمر بحجبه عنه، ويقول: لا أرى وجه ~~فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب، ~~نعوذ بالله منه. ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع الله جل جلاله ~~أولياءه كلامه بغير سفير تشريفا عاليا يختص به أولياءه، ولا يكلم هؤلاء ~~الكفرة والفساق، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة. ومنهم من قال: معنى ~~الآية لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم، والكل حسن. # الثالثة- # روى الشيخان «1» عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان. قال عبد ~~الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز ~~وجل: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ... إلى آخر الآية. # وفي رواية قال: من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال ms0845 امرئ مسلم لقي الله ~~وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا ... الآية. فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد ~~الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، فقال: صدق، في نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة في ~~بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: شاهداك أو يمينه، قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها ~~فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا ... إلى آخر الآية. # وأخرجه الترمذي وأبو داود وقالا: إن الحكومة كانت بين الأشعث وبين رجل ~~يهودي. PageV02P338 # وروى البخاري «1» عن عبد الله بن أبي أوفي أن رجلا أقام سلعة وهو في ~~السوق. فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، ~~فنزلت: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ... إلى آخر الآية. ~~وقدمنا في مقدمة التفسير، في بحث سبب النزول، وفي سورة البقرة أيضا عند ~~آية: من كان عدوا لجبريل [البقرة: 97] ، ما يعلم به الجمع بين مثل هذه ~~الروايات، وأنه لا تنافي. فتذكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 78] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون قال الإمام ابن كثير: يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، ~~أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن ~~المراد به ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو ~~كذب على الله، وهم يعلمون من ms0846 أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ~~ولهذا قال تعالى: ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قال مجاهد والشعبي ~~والحسن وقتادة والربيع بن أنس: يلوون ألسنتهم بالكتاب. ويحرفونه. وهكذا روى ~~البخاري عن ابن عباس «2» أنهم يحرفون: ويزيلون. # وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على ~~غير تأويله. # وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير ~~منها حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند ~~أنفسهم ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. فأما كتب الله فإنها ~~محفوظة لا تحول. # رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير: فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك ~~أنه PageV02P339 # قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص. وأما تعريب ذلك المشاهد ~~بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش. وهو من باب تفسير ~~المعرب المعبر، وفهم كثير منهم فاسد وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من ~~عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء- انتهى- وقد قدمنا الكلام على ذلك ~~في مقدمة التفسير عند الكلام على الإسرائيليات، وفي سورة البقرة أيضا عند ~~قوله تعالى: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه [البقرة: 75] . # ولما بين تعالى كذبهم عليه- جل ذكره- بين افتراءهم على رسله إذ زعموا أن ~~عيسى عليه السلام أمرهم أن يتخذوه ربا، فرد سبحانه عليهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 79] # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون (79) # ما كان لبشر أي ما صح ولا استقام. وفي التعبير ب (بشر) إشعار بعلة الحكم، ~~فإن البشرية منافية لما افتروه عليهم أن يؤتيه الله الكتاب والحكم أي الفهم ~~والعلم أو الحكمة والنبوة وهي الخبر منه تعالى ليدعو الناس إلى الله بترك ~~الأنداد ثم يقول للناس أي الذين بعثه الله ms0847 إليهم ليدعوهم إلى عبادته وحده ~~كونوا عبادا لي أي اتخذوني ربا من دون الله ولكن يقول لهم كونوا ربانيين أي ~~منسوبين إلى الرب لاستيلاء الربوبية عليهم وطمس البشرية بسبب كونهم عالمين ~~عاملين معلمين تالين لكتب الله. أي كونوا عابدين مرتاضين بالعلم والعمل ~~والمواظبة على الطاعات، حتى تصيروا ربانيين بغلبة النور على الظلمة- أفاده ~~القاشاني- بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون أي بسبب مثابرتكم على ~~تعليم الناس الكتاب ودراسته، أي قراءته. فإن ذلك يجركم إلى الله تعالى ~~بالإخلاص في عبادته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 80] # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر أي بالعود ~~إليه # PageV02P340 # وقد بعث لمحو الشرك بعد إذ أنتم مسلمون أي بعد استقراركم على الإسلام. ### | تنبيهات: # الأول- إذا كان ما ذكر في الآية لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح ~~لأحد من الناس غيرهم، بطريق الأولى والأخرى. ولهذا قال الحسن البصري: لا ~~ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد ~~بعضهم بعضا- يعني أهل الكتاب- كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال الله ~~تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... [التوبة: 31] ~~الآية- وفي جامع الترمذي «1» - كما سيأتي- أن عدي بن حاتم قال: يا رسول ~~الله ما عبدوهم. قال: # بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم ~~إياهم. # فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ. # بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما يأمر ~~الله به وبلغتهم إياه الرسل الكرام، وإنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه ~~وبلغته إياه رسله الكرام- قاله ابن كثير- الثاني- في هذه الآية أعظم باعث ~~لمن علم على أن يعمل، وأن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله ~~سبحانه. والدراسة مذاكرة العلم والفقه. فدلت الآية على أن العلم والتعليم ~~والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا، فمن اشتغل بها، لا لهذا المقصود، فقد ~~ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله مثل من غرس ms0848 شجرة حسناء مونقة بمنظرها، ولا ~~منفعة بثمرها، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «2» : «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع» # - كذا في فتح البيان والرازي. # الثالث- قرئ في السبع ولا يأمركم بالرفع على الاستئناف أي ولا يأمركم ~~الله أو النبي، وبالنصب عطفا على ثم يقول. و (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي. ~~PageV02P341 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 81] # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا ~~أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 82] # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون اعلم أن المقصود من هذه الآيات ~~تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. قطعا لعذرهم وإظهارا لعنادهم. ومن جملتها ما ذكره الله ~~تعالى في هذه الآية. وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم ~~الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم، وإن كان ناسخا لبعض ~~أحكامهم بما دلت الحكمة على اقتضاء الزمان ذلك، آمنوا به ونصروه أيضا، ~~مبالغة في تشهير أمره. ولا يمنعهم ما هم فيه من العلم والنبوة واتباع شرعه ~~ونصره. وأخبر أنهم قبلوا ذلك، وحكم بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين. وقد ~~قرئ في السبع بفتح اللام من لما آتيتكم. # وكسرها، فعلى الأول هي موطئة للقسم، لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، ~~وما حينئذ تحتمل الشرطية، ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط. # وتحتمل الموصولة بمعنى (للذي أتيتكموه لتؤمنن به) وعلى الثاني، أعني كسر ~~اللام فما إما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم الكتاب ثم لمجيء ms0849 رسول مصدق لكم ~~غير مخالف أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه. وإما موصولة والمعنى أخذه ~~للذي آتيتكموه، وجاءكم رسول مصدق له، وقوله تعالى: فاشهدوا. أي يا أنبياء، ~~بعضكم على بعض، بالإقرار. وفي قوله تعالى: وأنا معكم من الشاهدين توكيد ~~عليهم. ومن أمعن في نهج الآية علم أن هذا الميثاق قد بولغ في شأنه غاية ~~المبالغة، وإذا كان هذا الإيجاب مع الأنبياء، فمع أممهم أولى. وقد روي عن ~~علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيا من الأنبياء ~~إلا أخذ عليه # PageV02P342 # الميثاق لئن بعث الله محمدا، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ ~~الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. قال ابن ~~كثير: وهذا لا يضاد ما قاله طاوس والحسن وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن ~~يصدق بعضهم بعضا، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن ~~طاوس عن أبيه مثل قول علي وابن عباس- انتهى- ومن أثر علي عليه السلام هذا، ~~فهم بعض العلماء اختصاص هذا الميثاق بنبينا صلى الله عليه وسلم كما نقل ~~القاضي عياض في (الشفاء) عن أبي الحسن القابسي قال: استخص الله تعالى محمدا ~~بفضل لم يؤته غيره أبانه به. وهو ما ذكره في هذه الآية- انتهى- وقد علمت ~~المراد. # بقي أن الإمام أبا مسلم الأصفهاني ذهب إلى أن في قوله تعالى: ميثاق ~~النبيين. حذف مضاف، أي أممهم، وعبارته: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ ~~الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه، ~~وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفا، فلما كان الذين أخذ عليهم ~~الميثاق يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه، ولا يمكن إيجاب ~~الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ ~~الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين، بل هم أمم النبيين. # قال: ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم ms0850 الميثاق، أنهم لو ~~تولوا لكانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما ~~يليق بالأمم. # أجاب القفال رحمه الله فقال: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن ~~الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام، ونظيره قوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] ، وقد علم ~~الله تعالى أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض، ~~فكذا هنا. وقال: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~[الحاقة: 44- 46] ، وقال في صفة الملائكة: ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [الأنبياء: 29] ، مع أنه تعالى أخبر ~~عنهم بأنهم: لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون [الأنبياء: 27] ، وبأنهم: # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] . فكل ذلك خرج على ~~سبيل الفرض والتقدير، فكذا هاهنا. # PageV02P343 # ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي، فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم ~~الشرك، وقد ذكر تعالى على سبيل الفرض والتقدير في قوله: لئن أشركت ليحبطن ~~عملك فكذا هاهنا- نقله الرازي-. # ولما بين تعالى أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم شرع شرعه وأوجبه ~~على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالبا ~~دينا غير دين الله. فلهذا قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 83] # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون (83) # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها أي ~~استسلم له من فيهما بالخضوع والانقياد لمراده والجري تحت قضائه، كما قال ~~تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ~~[الرعد: 15] . وقال تعالى: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون [النحل: 48] . لله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون [النحل: 49] . # فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم ms0851 له كرها. فإنه تحت ~~التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع- أفاده ابن كثير ~~وإليه يرجعون يوم القيامة فيجزي كلا بعمله، والجملة سيقت للتهديد والوعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 84] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط أي أولاد يعقوب وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض، كدأب اليهود والنصارى ~~ونحن له مسلمون أي منقادون فلا نتخذ أربابا من دونه. # PageV02P344 ### | لطيفة: # نكتة الجمع في قوله آمنا بعد الإفراد في قل كون الأمر عاما، والإفراد ~~لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والإيذان بأنه أصل في ذلك. أو الأمر خاص ~~بالإخبار عن نفسه الزكية خاصة. والجمع لإظهار جلالة قدره ورفعة محله بأمره ~~بأن يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك. # ثانية: # عدى (أنزل) هنا بحرف الاستعلاء، وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود ~~المعنيين. إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد ~~المعنيين، وأخرى بالآخر، وقال صاحب (اللباب) : الخطاب في البقرة للأمة ~~لقوله: قولوا. فلم يصح إلا (إلى) لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم ~~جميعا. وهنا قال (قل) ، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، فكان ~~اللائق به (على) لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيها. # وفيه نظر، لقوله تعالى: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا [آل عمران: # 72]- أفاده النسفي-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 85] # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) # ومن يبتغ أي يطلب غير الإسلام دينا أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله ~~تعالى. كدأب المشركين صريحا. والمدعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابين. ~~فلن يقبل منه لأنه لم ينقد لأمر الله. وفي الحديث الصحيح: من عمل عملا ms0852 ليس ~~عليه أمرنا فهو رد وهو في الآخرة من الخاسرين لضلاله وجوه الهداية في ~~الدنيا. # قال العلامة أبو السعود: والمعنى أن المعرض عن الإسلام والطالب لغيره ~~فاقد للنفع، واقع في الخسران، بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها. ~~وفي ترتيب الرد والخسران على مجرد الطلب دلالة على أنه حال من تدين بغير ~~الإسلام واطمأن بذلك أفظع وأقبح- انتهى-. # PageV02P345 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 86] # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين استبعاد لأن يرشدهم الله للصواب ~~ويوفقهم. فإن الحائد عن الحق، بعد ما وضح له، منهمك في الضلال، بعيد عن ~~الرشاد. وقيل: نفي وإنكار له، كما قال تعالى: إن الذين كفروا وظلموا لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم. والمعني بهذه الآية إما ~~أهل الكتاب والمراد كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم حين جاءهم، بعد ~~إيمانهم به قبل مجيئه، إذ رأوه في كتبهم وكانوا يستفتحون به على المشركين. ~~وبعد شهادتهم بحقية رسالته لكونهم عرفوه كما يعرفون أبناءهم، وجاءهم ~~البينات على صدقه التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السلام. ~~فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية. وإما المعني بالآية من ~~ارتد بعد إيمانه. على ما روي في ذلك كما سنذكره. ثم بين تعالى الوعيد على ~~كل بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 87] # أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) # أولئك أي الموصوفون بما تقدم جزاؤهم أن عليهم لعنة الله أي طرده وغضبه ~~والملائكة والناس أجمعين المراد بالناس إما المؤمنين أو العموم، فإن الكافر ~~أيضا يلعن منكر الحق والمرتد عنه، فقد لعن نفسه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 88] # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) # خالدين فيها أي في اللعنة أو العقوبة ms0853 أو النار، وإن لم يجر ذكرهما لدلالة ~~الكلام عليهما. والتخليد في اللعنة على الأول بمعنى أنهم يوم القيامة لا ~~يزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار، فلا يخلو شيء من ~~أحوالهم من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء، أو بمعنى الخلود في أثر اللعن، لأن ~~اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله ~~تعالى: من أعرض عنه فإنه يحمل يوم # PageV02P346 # القيامة وزرا خالدين فيه [طه: 100- 101] ، - أفاده الرازي- لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون أي لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أولا ينظر نظر ~~رحمة إليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 89] # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) # إلا الذين تابوا من بعد ذلك أي الكفر بعد الإيمان وأصلحوا أي وضموا إلى ~~التوبة الأعمال الصالحة. وفيه أن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها ~~العمل الصالح فإن الله غفور رحيم فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم. وهذا من لطفه ~~وبره ورأفته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه تاب عليه. # وقد روى ابن جرير «1» عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ~~ثم ارتد، ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فنزلت: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم. إلى قوله: فإن الله غفور رحيم. فأرسل إليه قومه فأسلم. وهكذا رواه ~~النسائي والحاكم وابن حبان. # وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال «2» ~~: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث ~~فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم. إلى ~~قوله غفور رحيم. قال فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: ~~إنك والله، ما علمت، لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق ~~الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه. # قال ابن سلامة: فصارت فيه توبة، وفي ms0854 كل نادم إلى يوم القيامة. ### | تنبيه: # قال بعض مفسري الزيدية. ثمرة الآية جواز لعن الكفار، وسواء كان الكافر ~~معينا أو غير معين، على ظاهر الأدلة. وقد قال النووي: ظاهر الأحاديث أنه ~~ليس بحرام. وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق من أعلمنا الله أنه مات على ~~الكفر. # كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان وأشباههم. قال: لأنه يدري بما يختم له. ~~وأما الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعيانهم يجوز أنه صلى الله ~~عليه وسلم علم موتهم على الكفر. وأما ما PageV02P347 # ورد في الترمذي «1» عنه صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعان ولا ~~اللعان ولا الفاحش ولا البذي. # فقيل: اللعان مثل الضراب للمبالغة، والمعنى لا يعتاد اللعن حتى يكثر منه. # ومن ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها، وذلك ~~إجماع. إلا توبة المرتد ففيها خلاف شاذ. فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة ~~لهذا الآية وغيرها. # وعند ابن حنبل لا تقبل توبته- رواه عنه في (شرح الإبانة) قيل وهو غلط. ~~ولهذه الآية ولقوله تعالى في سورة النساء: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا [النساء: 137] . فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان. ولو تكررت منه ~~الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء، لقوله تعالى: قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال: 38] . وقال إسحاق بن راهويه: إذا ارتد ~~في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته بعد ذلك. أي لظاهر آية النساء- انتهى- ~~قلت: وفي (زاد المستقنع) و (شرحه) : من فقه الحنابلة ما نصه: ولا تقبل توبة ~~من تكررت ردته بل يقتل. لأن ذلك يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته ~~بالإسلام- انتهى- وهو قريب من مذهب إسحاق. # وحكى في (فتح الباري) مثله عن الليث وعن أبي إسحاق المروزي من أئمة ~~الشافعية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 90] # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون أي الذين ضلوا سبيل ms0855 الحق وأخطئوا منهاجه. وقد أشكل على كثير قوله ~~تعالى لن تقبل توبتهم مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، ~~وقوله سبحانه: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [الشورى: 25] . وغير ذلك. # فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحدي في (الوجيز) : لن تقبل ~~توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل- انتهى-، ~~أي كما قال تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت [النساء: 18] ، الآية. وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي ~~لا يتوبون. # كقوله: أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [البقرة: 6] . وإنما كنى بذلك ~~تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، وقيل: ~~لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا. وبقي للمفسرين ~~وجوه أخرى، هي في PageV02P348 # التأويل أبعد مما ذكر. ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء: إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا إلخ. وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل ~~توبته، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا، وذلك لرسوخه في الكفر. وقد ~~أشار القاشاني إلى أن هذه الآية مع التي قبلها يستفاد منها أن الكفرة قسمان ~~في باب العناد، وعبارته عند قوله تعالى: كيف يهدي الله قوما: أنكر تعالى ~~هدايته لقوم قد هداهم أولا بالنور الاستعدادي إلى الإيمان ثم بالنور ~~الإيماني إلى أن عاينوا حقية الرسول وأيقنوا بحيث لم يبق لهم (كذا) . وانضم ~~إليه الاستدلال العقلي بالبينات ثم ظهرت نفوسهم بعد هذه الشواهد كلها ~~بالعناد واللجاج وحجبت أنوار قلوبهم وعقولهم وأرواحهم الشاهدة ثلاثتها ~~بالحق للحق، لشؤم ظلمهم وقوة استيلاء نفوسهم الأمارة عليهم الذي هو غاية ~~الظلم فقال: والله لا يهدي القوم الظالمين، لغلظ حجابهم وتعمقهم في البعد ~~عن الحق وقبول النور. وهم قسمان: # قسم رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمارة على قلوبهم فيهم وتمكنت، وتناهوا ~~في الغي والاستشراء، وتمادوا في البعد والعناد، حتى صار ذلك ملكة لا تزول ~~وقسم لم يرسخ ذلك فيهم بعد، ولم يصر على قلوبهم رينا، ويبقى ms0856 من وراء حجاب ~~النفس مسكة من نور استعدادهم، عسى أن تتداركهم رحمة من الله وتوفيق فيندموا ~~ويستحيوا بحكم غريز العقول. فأشار إلى القسم الأول بقوله: إن الذين كفروا ~~بعد إيمانهم. إلى آخره، وإلى الثاني بقوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا، بالمواظبة على الأعمال والرياضات، ما أفسدوا- انتهى-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 91] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين هذه الآية نظير قوله تعالى ~~في سورة المائدة: إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، ولهم عذاب أليم [المائدة: ~~36] . # وقد روى الإمام أحمد والشيخان «1» عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: يقال للرجل من أهل PageV02P349 # النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ ~~قال: # فيقول نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر ~~أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك! # وفي رواية للإمام أحمد «1» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم! كيف وجدت منزلك؟ ~~فيقول: أي رب! خير منزل، فيقول: سل وتمن، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن ~~تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات- لما يرى من فضل الشهادة- ويؤتى ~~بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم! كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب! ~~شر منزل، فيقول له: أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا؟ # فيقول: أي رب! نعم. فيقول: كذبت! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل. # فيرد إلى النار. # ولهذا قال أولئك لهم عذاب ms0857 أليم وما لهم من ناصرين أي من منقذ من عذاب ~~الله ولا مجير من أليم عقابه. ### | لطيفة: # في قوله تعالى ولو افتدى به قال صاحب الانتصاف: إن هذه الواو المصاحبة ~~للشرط تستدعي شرطا آخر، يعطف عليه الشروط المقترنة به ضرورة. # والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق ~~الأولى. # مثاله: قولك أكرم زيدا ولو أساء، فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف ~~تقديره: # أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء، إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن ~~إكرامه إن أحسن بطريق الأولى. ومنه: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم [النساء: 135] . معناه- والله أعلم- لو كان الحق على غيركم ولو كان ~~عليكم، ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على ما هو أسهل وأولى ~~بالوجوب، فإذا تبين مقتضى الواو في مثل هذه المواضع وجدت آية آل عمران هذه ~~مخالفة لهذا النمط ظاهرا. لأن قوله: ولو افتدى به. يقتضي شرطا آخر محذوفا ~~يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى. وهذه الحال المذكورة، وهي حالة ~~افتدائهم بملء الأرض ذهبا، هي حالة أجدر الحالات بقبول الفدية، وليس وراءها ~~حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها، فلذلك قدر الزمخشري الكلام بمعنى: لن ~~يقبل من أحد منهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. حتى تبين حالة أخرى يكون ~~الافتداء الخاص بملء الأرض ذهبا هو أولى بالقبول منها، فإذا انتفى حيث كان ~~أولى PageV02P350 # فلأن ينتفي فيما عدا هذه الحالة أولى فهذا كله بيان للباعث له على ~~التقدير المذكور. وأما تنزيل الآية عليه فعسر جدا، فالأولى ذكر وجه يمكن ~~تطبيق الآية عليه على أسهل وجه وأقرب مأخذ إن شاء الله. فنقول: قبول الفدية ~~التي هي ملء الأرض ذهبا يكون على أحوال: # منها- أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية عن نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من ~~مال القاتل على قول. # ومنها- أن يقول المفتدي في التقدير: أفدى نفسي بكذا- وقد لا يفعل- ومنها- ~~أن يقول هذا القول وينجز المقدار الذي يفدي به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا، ~~وقد يسلمه ms0858 مثلا لمن يأمن منه قبول فديته. # وإذا تعددت الأحوال فالمراد في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهو ~~أن يفتدي بملء الأرض ذهبا افتداء محققا، بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ~~ويسلمه وينجزه اختيارا، ومع ذلك لا يقبل منه. فمجرد قوله: أبذل المال وأقدر ~~عليه، أو ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى، فيكون دخول الواو والحالة هذه ~~على بابها تنبيها على أن ثم أحوالا أخر لا ينفع فيها القبول بطريق الأولى ~~بالنسبة إلى الحالة المذكورة. وقد ورد هذا المعنى مكشوفا في قوله تعالى: إن ~~الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما تقبل منهم، ولهم عذاب أليم [المائدة: 36] ، - والله أعلم- وهذا ~~كله تسجيل بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من الوعيد، وإلا فمن المعلوم أنهم ~~أعجز عن الفلس في ذلك اليوم. # ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل: لا أبيعك هذا الثوب بألف ~~دينار ولو سلمتها إلي في يدي هذه. فتأمل هذا النظر فإنه من السهل الممتنع ~~والله ولي التوفيق- انتهى-. # وثمة وجه ثان وهو أن المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرح به في تلك ~~الآية، فالمعنى لا يقبل ملء الأرض فدية، ولو زيد عليه مثله، والمثل يحذف ~~كثيرا في كلامهم، كقولك: ضربته ضرب زيد، تريد مثل ضربه. وأبو يوسف أبو ~~حنيفة: # تريد مثله. وقضية ولا أبا حسن لها، أي ولا مثل أبي حسن. كما أنه يراد في ~~نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد: أنت. وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد ~~الآخر، فكانا في حكم شيء واحد، وعلى هذا الوجه يجري الكلام على التأويل ~~المتقدم لأنه نبه بعدم قبول مثلي ملء الأرض ذهبا على عدم قبول ملئها مرة ~~واحدة بطريق الأولى. # PageV02P351 # ووجه ثالث: وهو أن لا يحمل (ملء الأرض) أولا على الافتداء بل على التصدق، ~~ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق، بل يكون ~~شرطا محذوف الجواب، ويكون المعنى: لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا ms0859 تصدق به، ولو ~~افتدى به أيضا لم يقبل منه. وضمير (به) للمال من غير اعتبار وصف التصدق. # ووجه رابع: وهو أن الواو زيدت لتأكيد النفي. فتبصر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 92] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ~~(92) # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون استئناف خطاب للمؤمنين سيق لبيان ما ~~ينفعهم ويقبل منهم، إثر بيان ما لا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم، أي لن ~~تبلغوا حقيقة البر، وتلحقوا بزمرة الأبرار. بناء على أن تعريف البر للجنس. ~~أو لن تنالوا بر الله سبحانه وتعالى وهو ثوابه وجنته، إذا كان للعهد، حتى ~~تنفقوا في سبيل الله تعالى مما تحبون، أي تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم، ~~كما في قوله تعالى: # أنفقوا من طيبات ما كسبتم [البقرة: 267] # وقد روى الشيخان «1» عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار ~~بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إلى بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب # . قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن ~~الله تبارك وتعالى يقول في كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن ~~أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله عز وجل أرجو برها وذخرها عند الله. ~~فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ ~~بخ. ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت. وإني أرى أن تجعلها في ~~الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه ~~وبني عمه # - (وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمد والقصر، وهو اسم ~~حديقة بالمدينة- وفي الفائق: إنها فيعلى من البراح، وهو الأرض الظاهرة. وبخ ~~بخ كلمة استحسان ومدح كررت للتأكيد، ورابح بالموحدة أي ذو ربح، ms0860 وبالمثناة ~~التحتية أي يروح عليك نفعه وثوابه) . PageV02P352 # وفي الصحيحين «1» أن عمر قال: يا رسول الله! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي ~~من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: حبس الأصل وسبل الثمرة. # وروى الحافظ أبو بكر البزار أن عبد الله بن عمر قال: حضرتني هذه الآية لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئا أحب ~~إلي من جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته ~~لله، لنكحتها. يعني تزوجتها. ### | تنبيه: # قال القاشاني، في هذه الآية: كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر، ولا يمكن ~~التقرب إليه إلا بالتبرؤ عما سواه، فمن أحب شيئا فقد حجب عن الله تعالى به، ~~وأشرك شركا خفيا، لتعلق محبته بغير الله، كما قال تعالى: ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] ، وآثر نفسه به على ~~الله، فقد بعد من الله بثلاثة أوجه. وهي محبة غير الحق، والشرك، وإيثار ~~النفس على الحق فإن آثر الله به على نفسه وتصدق به وأخرجه من يده فقد زال ~~البعد، وحصل القرب، وإلا بقي محجوبا، وإن أنفق من غيره أضعافه، فما نال برا ~~لعلمه تعالى بما ينفق وباحتجابه بغيره. # وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم أي فمجازيكم عليه، قليلا كان أو ~~كثيرا، جيدا أو غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 93] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قال الزمخشري: المعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني ~~إسرائيل من قبل إنزال التوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم، لم ~~يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على ~~نفسه، فتبعوه على تحريمه. PageV02P353 ### | تنبيهات: # الأول- روي، ms0861 فيما حرمه إسرائيل على نفسه، أنه لحوم الإبل وألبانها، رواه ~~الإمام أحمد في قصة، والترمذي وقال: حسن غريب. وروى عن ابن عباس والضحاك ~~والسدي وغيرهم موقوفا عليهم أنه العروق. قالوا: كان يعتريه عرق النسا ~~بالليل فيزعجه، فنذر لئن عوفي لا يأكل عرقا، ولا يأكل ولد ماله عرق، فاتبعه ~~بنوه في إخراج العروق من اللحم استنانا به، واقتداء بطريقه. قال الرازي: ~~ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة أن يعقوب لما خرج من حران إلى ~~كنعان بعث بردا إلى أخيه عيسو إلى أرض ساعير، فانصرف الرسول إليه وقال: إن ~~عيسو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل، فذعر يعقوب وحزن جدا، فصلى ودعا، ~~وقدم هدايا لأخيه، وذكر القصة، إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل، ~~فدنا ذلك الرجل، ووضع إصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة وجفت، ~~فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق- انتهى- قلت: والقصة مسوقة في سفر ~~التكوين من التوراة في الأصحاح الثاني والثلاثين. # الثاني: التحريم المذكور، على الرواية الأولى، أعني لحوم الإبل وألبانها، ~~فكان تبررا وتعبدا وتزهدا وقهرا للنفس، طلبا لمرضاة الحق تعالى. وعلى ~~الثانية فإما وفاء بالنذر وإما تداويا وإما لكونه يجد نفسه تعافه- والله ~~أعلم- فالتحريم بمعنى الامتناع. # الثالث: قال الزمخشري: الآية رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ~~ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلى قوله: ذلك جزيناهم ببغيهم ~~[الأنعام: 146] . وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه، وامتعضوا مما نطق به القرآن ~~من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم. فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه، وما ~~هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني ~~إسرائيل وهلم جرا. إلى أن انتهى التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من ~~قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله ~~وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم- انتهى-. # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ms0862 صادقين أي في دعواكم أنه تحريم قديم. # وفي أمره صلى الله عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به ~~من أن تحريم ما حرم # PageV02P354 # عليهم حادث لا قديم، كما يدعونه- أعظم برهان على صدقه وكذبهم إذ لم ~~يجسروا على إخراج التوراة. فبهتوا وانقلبوا صاغرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 94] # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) # فمن افترى # أي تعمد على الله الكذب # أي في أمر المطاعم وغيرها من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون # لتعرضهم إلى أن يهتكهم تعالى ويعذبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 95] # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) # قل صدق الله تعريض بكذبهم، أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون ~~فاتبعوا ملة إبراهيم أي ملة الإسلام التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم. ~~ومن آمن معه والتي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه السلام حتى تتخلصوا من ~~اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب ~~الله لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن ~~تبعه حنيفا أي مائلا عن الأديان الزائغة وما كان من المشركين تعريض بما في ~~اليهودية والنصرانية من شرك إثبات الولد أو إلهية عيسى، فكيف يزعمون أنهم ~~على ملته، وما كان يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله ~~تعالى وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 96] # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # إن أول بيت وضع للناس أي لنسكهم وعباداتهم للذي ببكة أي للبيت الذي ببكة، ~~أي فيها. وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى. وبكة لغة في مكة، فإن ~~العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم (ضربة لازب ولازم) و (النميط ~~والنبيط) في اسم موضع بالدهناء، وقولهم (أمر راتب وراتم) و (أغبطت الحمى ~~وأغمطت) . وقيل: مكة البلد، ms0863 وبكة موضع المسجد، سميت بذلك لدقها أعناق ~~الجبابرة، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى، أو لازدحام الناس بها من ~~(بكه) إذا فرقه ووضعه وإذا زاحمه، كما أن مكة من (مكه) أهلكه ونقصه. # PageV02P355 # لأنها تهلك من ظلم فيها وألحد وتنقص الذنوب أو تنفيها- كما في القاموس- ~~وقد ذهب بعضهم إلى أن مكة هي (ميشا) أو (ماسا) المذكورة في التوراة، وآخر ~~إلى أنه مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل وهو (مسا) . مباركا أي كثير ~~الخير، لما يحصل لمن حجه، واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله، من الثواب وتكفير ~~الذنوب وهدى للعالمين لأنه قبلتهم ومتعبدهم. ### | تنبيه: # ذكر بعض المفسرين أن المراد بالأولية كونه أولا في الوضع والبناء، ورووا ~~في ذلك آثارا. منها أنه تعالى خلق هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين، ~~ومنها أنه تعالى بعث ملائكة لبناء بيت في الأرض على مثال البيت المعمور، ~~وذلك قبل خلق آدم، ومنها أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق السماء ~~والأرض، وأنه خلق قبل الأرض بألفي عام. وليس في هذه الآثار خبر صحيح يعول ~~عليه. والمتعين أن المراد أول بيت وضع مسجدا. كما بينه # رواية ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال: كانت البيوت ~~قبله، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. # وفي الصحيحين «1» عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد ~~وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، ~~قلت: # كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله. فإن ~~الفضل فيه. # قال ابن القيم في (زاد المعاد) : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف ~~المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى. وبينه ~~وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل القائل، فإن سليمان إنما كان له ~~من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله ~~عليهما وسلم، بعد بناء إبراهيم عليه ms0864 السلام بهذا المقدار. انتهى-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # فيه آيات بينات مقام إبراهيم وهو الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد ~~PageV02P356 # البيت. قال ابن كثير: وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا ~~يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة ~~عنده، حيث قال: # واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] ، وتقدم الكلام على ذلك في ~~سورة البقرة. قال المفسرين: ثمرة الآية الترغيب في زيارة البعض الحرم وفعل ~~الطاعات فيه، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات. ### | لطيفة: # مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره، أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات، بدل ~~البعض من الكل، أو عطف بيان، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة ~~لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام، كقوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا أو باعتبار اشتماله على ~~آيات كثيرة. قالوا: فإن كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء، وغوصه فيها إلى ~~الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض، وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم ~~السلام، وحفظه، مع كثرة الأعداء، ألوف سنة، آية مستقلة. ويؤيده قراءة (آية ~~بينة) على التوحيد، وإما بما يفهم من قوله عز وجل: # ومن دخله كان آمنا فإنه وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية، لكنها ~~في قوة أن يقال (وأمن من دخله) فتكون، بحسب المعنى والمآل، معطوفة على مقام ~~إبراهيم، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفى بذلك، أو يحمل على أنه ~~ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوى ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها- أفاده أبو ~~السعود. قال المهايمي: فيه آيات بينات رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من ~~سجيل، وتعجيل عقوبة من عتا ms0865 فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه، وإذعان ~~النفوس لتوقيره من غير زاجر، ومن أعظمها. النازل منزلة الكل، مقام إبراهيم، ~~الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في ~~الهواء، ثم لين، فغرقت فيه قدماه، كأنهما في طين، فبقي أثره إلى يوم ~~القيامة. ومن آياته أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم، وقد أمن ~~صيده وأشجاره. قال أبو السعود: # ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى: أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] ، وذلك بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام: رب اجعل هذا البلد آمنا [إبراهيم: 35] ، وكان الرجل ~~لو جر كل جريرة # PageV02P357 # ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل ~~الخطاب ما مسسته حتى خرج عنه. ### | ### | تنبيه: # # ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعي الذي ~~وردت به الآيات، وأوضحته الأحاديث والآثار. # ففي الصحيحين «1» ، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا ~~استنفرتم فانفروا. # وقال يوم فتح مكة «2» : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، ~~فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا ~~يلتقط لقطته، إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله ~~إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر. ولهما عن أبي هريرة ~~مثله أو نحوه # ولهما «3» ، واللفظ لمسلم أيضا، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن ~~سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، ~~وأبصرته عيناي، حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها ~~الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك ~~بها ms0866 دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ~~ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد ~~الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح. ~~إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. # قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : # قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما، # هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها، ~~لكونها حرما، كما أن تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها، ~~هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، ~~وإلا PageV02P358 # بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع: # أحدها: وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله، أن الطائفة الممتنعة بها من ~~مبايعة الإمام لا تقاتل لا سيما إن كان لها تأويل. كما امتنع أهل مكة من ~~مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير. فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم ~~وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد ~~الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وهواه # فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا # ، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله، ولو لم يعذه من سفك دمه لم ~~يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان ~~البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، ~~وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعد مقيس ابن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما ~~لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلا، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما ~~وضع عليه يوم خلق الله السموات والأرض. # وكانت العرب في جاهليتها، يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا ~~يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصة الحرم الذي صار بها حرما. ثم جاء ms0867 الإسلام فأكد ~~ذلك وقواه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن من الأمة من يتأسى به في ~~إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق وقال لأصحابه: «فإن أحد ترخص لقتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك» ، ~~وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز ~~إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وذكر عن عبد الله ابن عمر ~~أنه قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته. وعن ابن عباس أنه قال: لو لقيت ~~قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه، وهذا قول جمهور التابعين ومن ~~بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه ~~الله ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب ~~مالك والشافعي إلى أنه يستوفي منه في الحرم كما يستوفي منه في الحل، وهو ~~اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء ~~الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن ~~خطل وهو متعلق بأستار الكعبة «1» ، وبما PageV02P359 # يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا ~~فارا بدم ولا بخربة # ، وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم، ولم يمنعه ~~من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدا أو قصاصا لم يعذه الحرم ولم ~~يمنع من إقامته، فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة ~~إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين، وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق ~~الحال بين قتله لاجئا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، ~~كالحية والحدأة والكلب العقور، # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم # . فنبه بقتلهن ms0868 في الحل والحرم على العلة- وهي فسقهن- ولم يجعل التجاءهن ~~إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال ~~الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قوله تعالى ومن ~~دخله كان آمنا وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، ~~وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود ~~المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام كما قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] . # وقوله تعالى: وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء [القصص: 57] . # وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم: من دخله كان ~~آمنا من النار، وقوله بعضهم: كان آمنا من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، ~~فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود ~~والقصاص في كل زمان ومكان فيقال أولا: لا تعرض في تلك العمومات لزمان ~~الاستيفاء ولا مكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللفظ لا ~~يدل عليها بوضعه، ولا بتضمنه فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم ~~شرط أو مانع لم يقل إن توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصل إن ~~قوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] . مخصوص بالمنكوحة في ~~عدتها أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء ~~الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قدر ~~تناول اللفظ PageV02P360 # لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل ~~اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل ~~والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرمة للاستيفاء كشدة المرض أو ~~البرد أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قلتم ليس ذلك ~~تخصيصا بل تقييدا لمطلقها كلنا لكم هذا الصاع سواء بسواء. وأما ms0869 قتل ابن خطل ~~فقد تقدم أنه كان في وقت الحل، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قطع الإلحاق، ~~ونص على أن ذلك من خصائصه، # وقوله صلى الله عليه وسلم: وإنما أحلت لي ساعة من نهار # ، صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، ~~إذ لو كان حلالا في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أن الدم ~~الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة. وأما # قوله: الحرم لا يعيذ عاصيا # ، فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبينا في ~~الصحيح، فكيف يقدم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأما قولكم: لو ~~كان الحد والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها ~~قولان للعلماء وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله، فمن منع ~~الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن ~~فرق قال سفك الدم إما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ~~ما دونه، لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا: ولأن الحد ~~بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده. وظاهر ~~هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك. قال أبو بكر: هذه مسألة ~~وجدتها لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل، قال: والعمل ~~على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، قالوا: وحينئذ ~~فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق ~~مؤثر بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر سوينا بينهما في الحكم وبطل ~~الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين. قالوا: # وأما قولكم إن الحرم لا يعيذ من هتك فيه الحرمة إذ أتى بما يوجب الحد، ~~فكذلك اللاجئ إليه، فهو ms0870 جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما. فروى ~~الإمام أحمد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ~~قال: من سرق أو قتل في الحد ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ~~حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه الحد. وإن سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في ~~الحرم. وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضا: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما ~~أحدث فيه من شيء، وقد أمر # PageV02P361 # الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم فقال ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم. والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه ~~من وجوه: # أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى ~~خارجه ثم لجأ إليه فإنه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس ~~أحدهما على الآخر باطل. # الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره ~~وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط الملك ~~وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرا. # الثالث: أن الجاني في الحرم قد هتك حرمة الله سبحانه وحرمة بيته وحرمه ~~فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره. # الرابع: أنه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم لعم الفساد وعظم الشر في ~~حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ~~ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطلت حدود الله وعم ~~الضرر للحرم وأهله. # والخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب ~~تعالى المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف ~~المقدم على انتهاك حرمته. # فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه. وأما قولكم إنه ~~حيوان مفسد فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور فلا يصح القياس، فإن ~~الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله. وأما الآدمي ~~فالأصل فيه الحرمة ms0871 وحرمته عظيمة، فإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من ~~الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها، وأيضا فإن حاجة أهل ~~الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو ~~أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها- انتهى. (من الجزء الثاني من صفحة 177 ~~إلى صفحة 180] . # ولما ذكر تعالى فضائل البيت ومناقبه أردفه بذكر إيجاب الحج فقال ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا اللام في البيت للعهد. وحجه: قصده # PageV02P362 # للزيارة بالنسك المعروف. وكسر الحاء وفتحها لغتان، وهما قراءتان سبعيتان، ~~وفي الآية مباحث: # الأول: في إعرابها قال أبو السعود في صدر الآية: جملة من مبتدأ هو حج ~~البيت وخبر هو لله وقوله تعالى على الناس متعلق بما تعلق به الخبر من ~~الاستقرار، أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه ذلك ~~الاستقرار، ويجوز أن يكون على الناس هو الخبر، ولله متعلق بما تعلق به ~~الخبر. ثم قال في قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا في محل الخبر على أنه ~~بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل ~~منه محذوف، أي (من استطاع منهم) ، وقيل بدل الكل على أن المراد بالناس هو ~~البعض المستطيع، فلا حاجة إلى الضمير، وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~مضمر، أي هم من استطاع، وقيل في حيز النصب بتقدير أعني. # الثاني: هذه الآية هي آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هي قوله وأتموا ~~الحج والعمرة لله [البقرة: 196] ، والأول أظهر. وفي فتح البيان: اللام في ~~قوله لله هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا ~~حرف على فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل: # لفلان علي كذا. فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه، ~~وتعظيما لحرمته. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ~~ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا. # الثالث: يجب الحج على المكلف في العمر مرة واحدة. بالنص والإجماع ms0872 # روى الإمام أحمد ومسلم «1» وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس إنه فرض الله عليكم الحج ~~فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما ~~تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا ~~أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» . # وروى الإمام أحمد وأبو داود «2» والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: ~~PageV02P363 # خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إن الله كتب ~~عليكم الحج. فقام الأقرع ابن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: لو ~~قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج ~~مرة، فمن زاد فهو تطوع» . # الرابع: استطاعة السبيل عبارة عن إمكان الوصول إليه. قال ابن المنذر: ~~اختلف العلماء في قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا فقالت طائفة: الآية على ~~العموم، إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إجماعا ~~لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا، فعلى كل مستطيع للحج يجد ~~إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة، الحج. على ظاهر الآية. قال: وروينا عن ~~عكرمة أنه قال: الاستطاعة الصحة. وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحا ليس له ~~مال فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه. فقال له قائل: أكلف الله الناس ~~أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا، ~~بل ينطلق إليه ولو حبوا، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت. وقال مالك: ~~الاستطاعة على إطاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي، ~~وآخر يقدر على المشي على رجليه. وقالت طائفة: # الاستطاعة الزاد والراحلة، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن ~~حنبل، واحتجوا # بحديث ابن عمر أن رجلا قال: يا رسول الله ما ms0873 يوجب الحج؟ قال: # الزاد والراحلة- رواه الترمذي # - وفي إسناده الخوزي فيه مقال. قال ابن كثير: لكن قد تابعه غيره. وقد ~~اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث. # ورواه الحاكم من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن قول الله عز وجل: # من استطاع إليه سبيلا. فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة # ، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. # الخامس: قال الإمام ابن القيم الدمشقي رضي الله عنه في (زاد المعاد) في ~~سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته: لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى ~~المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، ~~واختلف هل حج قبل الهجرة؟ # وروى الترمذي «1» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، معها ~~عمرة. قال الترمذي: PageV02P364 # هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألت محمدا- يعني البخاري- عن هذا ~~فلم يعرفه من حديث الثوري. وفي رواية: لا يعد هذا الحديث محفوظا. ولما نزل ~~فرض الحج بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير، فإن ~~فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر. وأما قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة ~~لله، فإنها، وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما ~~فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب ~~الابتداء. فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ ~~قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وقد نجران على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام ~~تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى ~~التوحيد والمباهلة. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من ~~التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: يا ms0874 أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فأعاضهم الله تعالى ~~من ذلك بالجزية. ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع. وبعث ~~الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا ~~الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم. وقوله تعالى: # ومن كفر فإن الله غني عن العالمين إما مستأنف لوعيد من كفر به تعالى، لا ~~تعلق له بما قبله، وإما أنه متعلق به ومنتظم معه، وهو أظهر وأبلغ. والكفر، ~~على هذا، إما بمعنى جحد فريضة الحج، أو بمعنى ترك ما تقدم الأمر به. ونظيره ~~في السنة ما # رواه النسائي والترمذي «1» عن بريدة مرفوعا: العهد الذي بيننا وبينهم ~~الصلاة، فمن تركها فقد كفر # . وعن عبد الله بن شقيق قال «2» : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة- أخرجه الترمذي- # ولأبي داود «3» عن جابر مرفوعا: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة. # ولفظ مسلم «4» : بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة. # وروى الترمذي «5» عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله PageV02P365 # صلى الله عليه وسلم: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا ~~عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا # ، وذلك أن الله تعالى يقول: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي ~~إسناده مقال. وقد روى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن عمر بن الخطاب قال: من ~~أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا. قال ابن كثير: ~~إسناده صحيح إلى عمر رضي الله عنه. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن ~~البصري قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجلا إلى ~~هذه الأمصار، فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم ~~الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. قال السيوطي في (الإكليل) ms0875 : وقد ~~استدل بظاهر الآية ابن حبيب على أن من ترك الحج، وإن لم ينكره، كفر. ثم ~~قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر: من كان يجد وهو موسر صحيح ولم يحج، ~~كان سيماه بين عينيه كافر، ثم تلا هذه الآية. ### | تنبيه: # هذه الآية الكريمة حازت من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء ~~بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، فمنها الإتيان ب (اللام ~~وعلى) في قوله: # ولله على الناس حج البيت. يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون ~~عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر (الناس) ثم أبدل عنه من استطاع ~~إليه سبيلا، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما- أن الإبدال تثنية للمراد ~~وتكرير له. # والثاني- أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في ~~صورتين مختلفتين. # ومنها قوله ومن كفر مكان (من لم يحج) تغليظا على تارك الحج. ومنها ذكر ~~الاستغناء عنه. وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: # عن العالمين، ولم يقل: عنه. وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ~~ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل ~~على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه- أشار ~~لذلك الزمخشري- ثم عنف تعالى كفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق بقوله: # PageV02P366 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 98] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله أي الدالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقوله: والله شهيد على ما تعملون حال مفيدة لتشديد التوبيخ. ~~وإظهار الجلالة في موضع الإضمار لتربية المهابة وتهويل الخطب. وصيغة ~~المبالغة في (شهيد) لتأكيد الوعيد، وكل ذلك موجب لعدم الاجتراء على ما ~~يأتونه. ثم عقب تعالى الإنكار عليهم في ضلالهم توبيخهم في إضلالهم فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 99] # قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ms0876 وأنتم شهداء ~~وما الله بغافل عما تعملون (99) # قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله أي عن دينه. وكانوا يحتالون ~~لصدهم عن الإسلام من آمن مفعول (تصدون) قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام ~~به تبغونها على الحذف والإيصال، أي تبغون لها، أي لسبيل الله التي هي أقوم ~~السبل عوجا أي اعوجاجا وزيغا وتحريفا. قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له ~~على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام، كقولك: بغيت المال والأجر والثواب، ~~وأريد هاهنا: تبغون لها عوجا ثم أسقطت اللام. كما قالوا: وهبتك درهما، أي ~~وهبت لك درهما، ومثله صدتك ظبيا، أي صدت لك ظبيا، وأنشد: # فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا # أراد: أصيد لكم. # قال الرازي: وفي الآية وجه آخر، وهو أن يكون (عوجا) في موضع الحال. # والمعنى تبغونها ضالين، وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله، ~~فقال تعالى: إنكم تبغون سبيل الله ضالين، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى ~~الحذف والإيصال. # وذكر ناصر الدين في (الانتصاف) وجها آخر قال: هو أتم معنى، وهو أن تجعل ~~الهاء هي المفعول به، و (عوجا) حال وقع فيها المصدر الذي هو (عوجا) موقع ~~الاسم، وفي هذا الإعراب من المبالغة أنهم يطلبون أن تكون الطريقة المستقيمة # PageV02P367 # نفس العوج. على طريقة المبالغة في مثل رجل صوم، ويكون ذلك أبلغ في ذمهم ~~وتوبيخهم- والله أعلم- وأنتم شهداء بأنها سبيل الله والصد عنها ضلال وإضلال ~~وما الله بغافل عما تعملون تهديد ووعيد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 100] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب أي بحسن ~~اعتقادكم فيهم لكونهم أهل الكتاب يردوكم بعد إيمانكم أي بالتوحيد والنبوة ~~كافرين لأنهم يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم.. [البقرة: 109] الآية. ### | القول في تأويل ms0877 قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 101] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) # وكيف تكفرون معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب. والمعنى: من أين يتطرق ~~لكم الكفر؟ وأنتم تتلى عليكم آيات الله وهي القرآن المعجز الذي هو أجل من ~~الآيات المتلوة عليهم وفيكم رسوله ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم، وقد هداكم من ~~الضلالة، وأنقذكم من الجهالة ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم أي ~~من يتمسك بدينه الحق الذي بينه بآياته على لسان رسوله، وهو الإسلام ~~والتوحيد، المعبر عنه بسبيل الله، فهو على هدى لا يضل متبعه. قال الزمخشري: ~~ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم- ~~انتهى- فالجملة حينئذ تذييل لقوله: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ... إلخ، ~~لأن مضمونه أنكم إن تطيعوهم لخوف شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم، والتجئوا ~~إلى الله في دفع ذلك، لأن من التجأ إليه كفاه. # PageV02P368 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 102] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته أي حق تقواه، وذلك بدوام خشيته ~~ظاهرا وباطنا والعمل بموجبها. وروى الحافظ ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال في معنى الآية: هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ~~ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. ورواه ابن مردويه والحاكم مرفوعا، وقال: صحيح على ~~شرط الشيخين ولم يخرجاه. # قال ابن كثير: والأظهر أنه موقوف- والله أعلم-. # وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقال ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: (أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ~~ولا تأخذهم في الله لومة لائم. ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم ~~وأبنائهم) . # أقول: كل ما روي، مما تشمله الآية بعمومها، فلا تنافي. ### | تنبيه: # زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: فاتقوا الله ما استطعتم ms0878 ~~[التغابن: 16] ، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. ~~قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحز، ~~فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة ~~طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته ~~وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب. ~~وقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم. أمر بعبادته قدر الاستطاعة بلا تكليف ~~لما لا يطاق، إذ: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] . وظاهر أن من ~~أتى بما يستطيعه من عبادته تعالى وأناب لجلاله، وأخلص في أعماله، وكان ~~مشفقا في طاعاته، فقد اتقى الله حق تقاته. ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أي ~~مخلصون نفوسكم لله تعالى. لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا، كما في قوله ~~تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء: 125] . وهو استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال، أي لا تموتن على حال من الأحوال، إلا حال تحقق إسلامكم ~~وثباتكم عليه، كما ينبئ عنه الجملة الاسمية. ولو قيل (إلا مسلمين) لم يفد ~~فائدتها. # PageV02P369 # والعامل في الحال ما قبل (إلا) بعد النقض. وظاهر النظم الكريم، وإن كان ~~نهيا عن الموت المقيد بقيد، هو الكون على أي حال غير حال الإسلام- لكن ~~المقصود هو النهي عن ذلك القيد عند الموت المستلزم للأمر بضده الذي هو ~~الكون على حال الإسلام حينئذ. وحيث كان الخطاب للمؤمنين، كان المراد إيجاب ~~الثبات على الإسلام إلى الموت. وتوجيه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي ~~عن قيده المذكور. # فإن النهي عن المقيد في أمثاله، نهي عن القيد ورفع له من أصله بالكلية، ~~مفيد لما لا يفيده النهي عن نفس القيد. فإن قولك: لا تصل إلا وأنت خاشع، ~~يفيد من المبالغة في إيجاب الخشوع في الصلاة ما لا يفيده قولك: لا تترك ~~الخشوع في الصلاة. لما أن هذا نهي عن ترك الخشوع فقط، وذاك نهي عنه وعما ~~يقارنه، ومفيد لكون ms0879 الخشوع هو العمدة في الصلاة، وأن الصلاة بدونه حقها أن ~~لا تفعل. وفيه نوع تحذير عما وراء الموت- أفاده أبو السعود-. # وقد مضى في سورة البقرة الكلام على لون آخر من سر البلاغة في هذه الجملة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 103] # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا الحبل إما بمعنى العهد، كما قال ~~تعالى في الآية بعدها: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس [آل عمران: 112] . أي بعهد وذمة، وإما بمعنى القرآن، كما في ~~صحيح مسلم «1» عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا ~~وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما PageV02P370 # كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة ~~... # الحديث، والوجهان متقاربان، فإن عهده أي شرعه ودينه وكتابه حرز للمتمسك ~~به من الضلالة، كالحبل الذي يتمسك به خشية السقوط، وقوله ولا تفرقوا أي لا ~~تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم، كما اختلف اليهود والنصارى، أو كما ~~كنتم متفرقين في الجاهلية، متدابرين، يعادي بعضكم بعضا، ويحاربه. أو ولا ~~تحدثوا ما يكون عنه التفرق، ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها ~~مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام- أفاده ~~الزمخشري- واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا قال الزمخشري: كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات ~~والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، ~~فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، ~~قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله وكنتم على شفا أي طرف ~~حفرة من النار بما كنتم فيه من الجاهلية فأنقذكم منها أي بالإسلام. قال ابن ~~كثير: وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه كان ms0880 بينهم حروب كثيرة في ~~الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم، والوقائع بينهم. ~~فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال ~~الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى. قال الله تعالى: ~~هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم [الأنفال: 62- 63] الآية- ~~وكانوا على شفا حفرة من النار، بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها، إذ هداهم ~~للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم قسم غنائم ~~حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم ~~PageV02P371 # فقال «1» : يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم ~~متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ فكلما قال شيئا قالوا: ~~الله ورسوله أمن- # انتهى-. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: الضمير في: منها. للحفرة أو للنار أو للشفا، وإنما أنث ~~لإضافته إلى الحفرة، وهو منها كما قال: # كما شرقت صدر القناة من الدم- انتهى- وقال أبو حيان: لا يحسن عوده إلا ~~إلى الشفا، لأنه المحدث عنه- انتهى-. # وفي الانتصاف: يجوز عود الضمير إلى الحفرة، فلا يحتاج إلى تأويله ~~المذكور، كما تقول: أكرمت غلام هند، وأحسنت إليها، والمعنى على عوده إلى ~~الحفرة أتم، لأنها التي يمتن بالانقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان بالانقاذ ~~من الشفا، فلما يستلزمه الكون على الشفا غالبا من الهوي إلى الحفرة، فيكون ~~الإنقاذ من الشفا إنقاذا من الحفرة التي يتوقع الهوي فيها. فإضافة المنة ~~إلى الإنقاذ من الحفرة تكون أبلغ وأوقع. مع أن اكتساب التأنيث من المضاف ~~إليه قد عده أبو علي في (التعاليق) من ضرورة الشعر، خلاف رأيه في (الإيضاح) ~~- نقله ابن يسعون- وما حمل الزمخشري على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو ~~الذي كانوا عليه، ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالانقاذ منها. وقد ~~بينا في أدراج هذا الكلام ما يسوغ الامتنان عليهم بالانقاذ من الحفرة، ~~لأنهم كانوا صائرين إليها غالبا، لولا PageV02P372 # الإنقاذ الرباني. ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : الراتع حول الحمى يوشك أن يواقعه؟ # وإلى قوله ms0881 تعالى: أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار ~~جهنم [التوبة: 109] . وانظر كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سببا ~~مؤديا إلى انهياره في نار جهنم، مع تأكيد ذلك بقوله هار. والله أعلم- ~~انتهى-. # ثم قال الزمخشري: وشفا الحفرة وشفتها حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها ~~واو إلا أنها في المذكر مقلوبة، وفي المؤنث محذوفة. ونحو الشفا والشفة، ~~الجانب والجانبة- انتهى. # وحكى الزجاج في تثنية شفا (شفوان) . قال الأخفش لما لم تجز فيه الإمالة ~~عرف أنه من الواو، لأنه الإمالة من الياء- كذا في الصحاح. # ثم قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: # لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع ~~بعدها الوقوع في النار، بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها. # قال الرازي: وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة ~~وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة، إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك ~~الشيء. # كذلك أي مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته في كل مكان لإنقاذكم عن ~~الضلال فيه لعلكم تهتدون لرشدكم الديني والدنيوي فيه. ثم أشار إلى أنه كما ~~أنقذكم من النار والضلال بإرسال الرسل وإنزال الآيات، فليكن فيكم من ينقذ ~~إخوانه، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 104] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) # ولتكن منكم أمة أي جماعة، سميت بذلك لأنها يؤمها فرق الناس، أي ~~PageV02P373 # يقصدونها ويقتدون بها يدعون إلى الخير وهو ما فيه صلاح ديني ودنيوي ~~ويأمرون بالمعروف أي بكل معروف، من واجب ومندوب يقربهم إلى الجنة ويبعدهم ~~عن النار وينهون عن المنكر أي عن كل منكر، من حرام ومكروه يقربهم إلى النار ~~ويبعدهم من الجنة وأولئك الداعون الآمرون الناهون هم المفلحون الفائزون ~~بأجور أعمالهم وأعمال من تبعهم. # قال بعضهم: الفلاح هو الظفر وإدراك البغية. فالدنيوي هو إدراك السعادة ~~التي تطيب بها الحياة، والأخروي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وعز ms0882 بلا ذل، ~~وغنى بلا فقر، وعلم بلا جهل. ### | لطيفة: # قيل: عطف: ويأمرون على ما قبله، من عطف الخاص على العام- كذا قاله ~~الزمخشري. وناقشه في الانتصاف. وعبارته: عطف الخاص على العام يؤذن بمزيد ~~اعتناء بالخاص لا محالة إذا اقتصر على بعض متناولات العام، كقوله: من كان ~~عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] . وكقوله: فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان [الرحمن: 68] . وكقوله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~[البقرة: 238] . وشبه ذلك. لأن الاقتصار على تخصيص ما يفرد بالذكر يفيده ~~تمييزا عن غيره من بقية المتناولات. وأما هذه الآية فقد ذكر، بعد العام ~~فيها، جميع ما يتناوله، إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور، أو ترك منهي، ~~لا يعدو واحدا من هذين حتى يكون تخصيصها يميزها عن بقية المتناولات، ~~فالأولى في ذلك أن يقال: فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاما ثم ~~مفصلا. وفي تنبيه أن الذكر على وجهين مالا يخفى من العناية- والله أعلم- ~~إلا أن يثبت عرف بخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، ~~فإذ ذاك يتم مراد الزمخشري، وما أرى هذا العرف ثابتا- والله أعلم- انتهى. ### | تنبيه: # وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت ~~بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، ~~وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها- كذا في فتح البيان. # قال الغزالي رضي الله عنه: في هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله تعالى ~~ولتكن أمر. وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به، إذ حصر ~~وقال وأولئك هم المفلحون. وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا ~~قام به أمة # PageV02P374 # سقط الفرض عن الآخرين. إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف. بل قال: # ولتكن منكم أمة. فإذا، مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، ~~واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين. وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون، عم ~~الحرج كافة القادرين عليه لا محالة. انتهى. # فإن قلت: فمن يباشره؟ فالجواب: كل مسلم تمكن منه ولم يغلب على ms0883 ظنه أنه إن ~~أنكر لحقته مضرة عظيمة، أو إن نهيه لا يؤثر، لأنه عبث، إلا أنه يستحب ~~لإظهار شعار الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين. فإن قلت: فمن يؤمر وينهى؟ ~~قلت: # كل مكلف، وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع، كالصبيان والمجانين، وينهى ~~الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها- ~~ذكره الزمخشري-. # وتفصيل هذا البحث في (الإحياء) للغزالي قدس سره، وقد قال، قدس سره، في ~~طليعة ذلك البحث ما نصه: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب ~~الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي ~~بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت ~~الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك ~~العباد، وإن لم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحى ~~بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها ~~مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، ~~وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في ~~تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلا بعملها، أو متقلدا لتنفيذها، ~~مجددا لهذه السنة الداثرة، ناهضا بأعبائها، ومتشمرا في إحيائها، كان ~~مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدا بقربة ~~تتضاءل درجات القرب دون ذروتها- انتهى-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 105] # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب # PageV02P375 # عظيم # ينهى تعالى عباده أن يكونوا كاليهود والنصارى في افتراقهم مذاهب، ~~واختلافهم عن الحق بسبب اتباع الهوى، وطاعة النفس، والحسد، حتى صار كل فريق ~~منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض، ويدعو إلى ما ابتدعه في دينه، فصاروا ~~إلى العداوة والفرقة من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، المبينة للحق، ms0884 ~~الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق. فالنهي متوجه إلى المتصدين ~~للدعوة أصالة، وإلى أعقابهم تبعا. وفي قوله تعالى: وأولئك لهم عذاب عظيم من ~~التأكيد والمبالغة في وعيد المتفرقين، والتشديد في تهديد المشبهين بهم، ~~مالا يخفى. ### | تنبيهات: # الأول: ذكر الفخر الرازي من وجوه قوله تعالى: اختلفوا أي بأن صار كل واحد ~~منهم يدعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. ثم قال: وأقول إنك إذا ~~أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة، فنسأل الله ~~العفو والرحمة- انتهى كلامه- وقوله (هذا الزمان) إشارة إلى أن هذا الحال لم ~~يكن في علماء السلف، وما زالوا يختلفون في الفروع وفي الفتاوى بحسب ما قام ~~لديهم من الدليل، وما أداه إليه اجتهادهم، ولم يضلل بعضهم بعضا، ولم يدع ~~أحدهم أنه على الصواب الذي لا يحتمل الخطأ وأن مخالفه على خطأ لا يحتمل ~~الصواب، وإنما نشأ هذا من جمود المقلدة المتأخرين وتعصبهم وظنهم عصمة ~~مذهبهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في البلاد، وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين، وهم على ~~وحدتهم وتناصرهم. # الثاني: قال القاشاني: يعني ب «الآيات» الحجج العقلية والشرعية الموجبة ~~لاتحاد الوجهة، واتفاق الكلمة، فإن للناس طبائع وغرائز مختلفة، وأهواء ~~متفرقة، وعادات وسيرا متفاوتة، مستفادة من أمزجتهم وأهويتهم، ويترتب على ~~ذلك فهوم متباينة، وأخلاق متعادية، فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام، تتحد ~~عقائدهم وسرهم وآراؤهم بمتابعته، وتتفق كلماتهم وعاداتهم وأهواؤهم بمحبته ~~وطاعته، كانوا مهملين متفرقين، فرائس للشيطان، كشريدة الغنم، تكون للذئب. ~~ولهذا # قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا بد للناس من إمام، بر أو فاجر # . ولم يرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلين فصاعدا لشأن، إلا وأمر ~~أحدهما على الآخر، وأمر الآخر بطاعته ومتابعته، ليتحد الأمر، وينتظم، وإلا ~~وقع الهرج والمرج، واضطرب أمر الدين والدنيا، واختل # PageV02P376 # نظام المعاش والمعاد. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : من فارق الجماعة قيد شبر لم ير ~~بحبوحة الجنة. # وقال «2» : الله ms0885 مع الجماعة # . ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برئاسة القلب، وطاعة العقل، ~~كيف اختل نظامها، وآلت إلى الفساد والتفرق، الموجب لخسار الدنيا والآخرة. ~~ولما نزل قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله، # خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا فقال «3» : هذا سبيل الرشد، ثم خط ~~عن يمينه وشماله خطوطا فقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه. # الثالث: قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، قدس سره، في أول كتابه ~~(رفع الملام عن الأئمة الأعلام) : وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين ~~عند الأمة قبولا عاما يعتقد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من ~~سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، ~~وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من ~~عذر في تركه، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: # أحدها- عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، الثاني- عدم ~~اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول، الثالث- اعتقاده أن ذلك الحكم ~~منسوخ. # وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة- ثم أوسع المقال في ذلك. # وذكر قدس سره، في بعض فتاويه، أن السلف والأئمة الأربعة والجمهور يقولون: ~~الأدلة بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر. وعلى الإنسان أن يجتهد PageV02P377 # ويطلب الأقوى. فإذا رأى دليلا أقوى من غيره، ولم ير ما يعارضه، عمل به، ~~ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه كان ~~مخطئا معذورا، وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه، وخطؤه مغفور ~~له، وذلك الباطن هو الحكم، لكن بشرط القدرة على معرفته، فمن عجز عن معرفته ~~لم يؤاخذ بتركه، فإذا أريد بالخطإ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ، بل كل مجتهد ~~مصيب، مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، وإذا أريد له عدم العلم بالحق في ~~نفس ms0886 الأمر، فالمصيب واحد، وله أجران. كما في المجتهدين في جهة الكعبة، إذا ~~صلوا إلى أربع جهات، فالذي أصاب الكعبة واحد، وله أجران لاجتهاده وعمله، ~~كان أكمل من غيره، والمؤمن «1» القوى أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومن ~~زاده الله علما وعملا زاده الله أجرا بما زاده من العلم والعمل، قال تعالى: ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، نرفع درجات من نشاء، إن ربك حكيم ~~عليم [الأنعام: 83] . # قال مالك عن زيد بن أسلم: بالعلم، وكذلك قال في قصة يوسف: ما كان ليأخذ ~~أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم ~~عليم [يوسف: 76] . وقد تبين بذلك أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، ~~واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون ~~إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر، إما بأن سمع ما لم ~~يسمع الآخر، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى: وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما [الأنبياء: 78- 79] . وهذه حال أهل الاجتهاد ~~والنظر والاستدلال، في الأصول والفروع. # ثم قال: وإذا تدبر الإنسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس ~~عند الأخرى، كما في مسائل الأحكام. ولم يستوعب الحق إلا من اتبع المهاجرين ~~والأنصار، وآمن بما جاء به الرسول كله على وجهه، وهؤلاء هم أهل المرحمة ~~الذين لا يختلفون- انتهى. PageV02P378 # فعلم أن اختلاف الصحابة والتابعين والمجتهدين في الفروع ليس مما تشمله ~~الآية، فإن المراد منها الاختلاف عن الحق، بعد وضوحه، برفضه، وشتان ما بين ~~الاختلافين. ثم على طالب الحق أن يستعمل نظره فيما يؤثر من هذه الخلافيات، ~~فما وجده أقوى دليلا أخذ به، وإلا تركه. وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى ~~فيه: # فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 17- 18] . وإذا ~~اشتبه عليه مما قد اختلف فيه، فليدع بما رواه مسلم «1» في صحيحه عن عائشة ~~رضي الله ms0887 عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول- إذا قام يصلي من ~~الليل- اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم ~~الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. فإن الله ~~تعالى قال فيما # رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : يا عبادي كلكم ضال إلا من ~~هديت، فاستهدوني أهدكم- # انتهى. # الرابع: ذكر بعض المفسرين، هنا، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) ، ولا ~~يعرف له سند صحيح، ورواه الطبراني والبيهقي في (المدخل) بسند ضعيف عن ابن ~~عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث، كقوله ~~تعالى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك [هود: 118- 119] . PageV02P379 # ونحوه # قوله صلى الله عليه وسلم: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم «1» # وغيره من الأحاديث الكثيرة. # والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الخلاف- انتهى- # وقد روى الإمام أحمد وأبو داود «2» بسندهما عن أبي عامر عبد الله بن يحيى ~~قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الكتابين افترقوا في ~~دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة- ~~يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. وأنه سيخرج في أمتي ~~أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ~~ولا مفصل إلا دخله والله! يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به. # قال ابن كثير: وقد روي هذا الحديث من طرق- انتهى. # نبذة في مبدأ الاختلاف في هذه الأمة من أهل الأهواء: # ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب (الفرقان بين الحق ~~والباطل) أن المسلمين كانوا في خلافة أبي بكر وعمر، وصدرا من خلافة عثمان ~~في السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم، ثم حدث في أواخر خلافة ~~عثمان ms0888 أمور أوجبت نوعا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم، فقتلوا ~~عثمان فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان. ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا ~~على تحكيم حكمين خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفارقوه ~~وفارقوا جماعة المسلمين. وحدث في أيامه الشيعة أيضا، لكن كانوا مختفين ~~بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف: # طائفة: تقول إنه إله، وهؤلاء، لما ظهر عليهم، أحرقهم بالنار. # والثانية: السابة وكان قد بلغه عن أبي السودا أنه كان يسب أبا بكر وعمر، ~~فطلبه قيل إنه طلبه ليقتله فهرب منه. # والثالثة: المفضلة الذين يفضلونه على الشيخين، وقد تواتر عنه أنه قال: ~~خير PageV02P380 # هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وروى ذلك البخاري في صحيحه. # ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية، ثم حدثت المرجئة. ثم قال: وإن الناس ~~في ترتيب أهل الأهواء على أقسام: منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم فيبدأ ~~بالخوارج. ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم ~~بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد رضي الله عنه، كعبد الله ابنه، ~~ونحوه، وكالخلال، وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسي. ~~وكلا الطائفتين تختم بالجهمية، لأنهم أغلظوا البدع. وكالبخاري في صحيحه. ~~فإنه بدأ بكتاب الإيمان والرد على المرجئة، وختمه بكتاب التوحيد والرد على ~~الزنادقة والجهمية. # ثم قال قدس سره: إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في ~~الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف شيعا، وعمدتهم ~~في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها ~~يعتمدون في التوحيد والصفات والقدرية والإيمان بالرسول وغير ذلك. ثم ما ~~ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا ~~احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في ~~القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر إلى غير ذلك والآيات ~~التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن. ليس مقصوده أن ~~يفهم مراد الرسول، ms0889 بل أن يدفع منازعه من الاحتجاج بها. ثم قال قدس سره: ~~فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعا لما جاء به الرسول، ولا ~~يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعا لقوله، وعلمه تبعا لأمره، ~~كما كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين. ~~فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا يوسوس دينا غير ما جاء به ~~الرسول. وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله ~~والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل ~~السنة. # وقال قدس سره في رسالته إلى جماعة الشيخ عدي بن مسافر ما نصه: وهذا ~~التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي ~~أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال ~~تعالى: # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف ينبئهم الله بما كانوا ~~يصنعون [المائدة: # PageV02P381 # 14] ، فمتى ترك الناس بعضهم ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة ~~والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن ~~الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، كما قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. إلى قوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [آل عمران: ### | 102- 104 # ] . فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف ~~والفرقة، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله ~~تعالى. ثم قال: ويجب على أولي الأمر، وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها ~~أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فيأمرونهم بما أمر ~~الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله ms0890 تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 106] # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه أي تبيض وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين لاتباعها ~~الدين الحق الذي هو النور الساطع. وتسود وجوه كثيرة، وهي وجوه الكافرين من ~~أهل الكتاب والمشركين، لاتباعها الضلالات المظلمة، وليستدل بذلك على ~~إيمانهم وكفرهم، فيجازي كل بمقتضى حاله، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله ~~تعالى: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم ~~مثوى للمتكبرين [الزمر: 60] ومنها قوله تعالى: ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~[يونس: 26] . ومنها قوله: وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة ترهقها قترة [عبس: 38- 41] . ومنها قوله تعالى: وجوه يومئذ ~~ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة [القيامة: ### | 22- 25 # ] . ومنها تعرف في وجوههم نضرة النعيم [المطففين: 24] . إلى غير ذلك. ~~والمفسرين في هذا البياض والنضرة والغبرة والقترة وجهان: # أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور. والسواد عن الغم. وهذا مجاز ~~مستعمل، قال تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم [النحل: ~~58] . ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة. # PageV02P382 # وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه، ومعناه الاستبشار ~~والتهلل. وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك. ويقال لمن ~~وصل إليه مكروه: اربد وجهه واغبر لونه، وتبدلت صورته. فعلى هذا معنى الآية: ~~إن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن كان ذلك من الحسنات ابيض ~~وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك، إذا رأى الكافر أعماله ~~القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم، وهذا قول أبي مسلم ~~الأصفهاني. # والوجه الثاني: أن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين ~~والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب ~~المصير إليه. ولأبي مسلم أن يقول الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى ~~قال: # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ ms0891 عليها غبرة ترهقها قترة ~~[عبس: 38- 41] . فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار فلو لم ~~يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له، ~~فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة والغم والحزن حتى يصح هذا التقابل- ~~أفاده الرازي- ### | لطيفة: # (يوم) منصوب إما مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة ~~التفرق بعد مجيء البينات، وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين. أي اذكروا ~~يوم ... إلخ أو ظرف للاستقرار في (لهم) أو ل (عظيم) أو ل (عذاب) . # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا، وتقديم بيان ~~هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين ~~الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك ~~عند الإجمال، وقوله تعالى: أكفرتم بعد إيمانكم على إرادة القول، أي فيقال ~~لهم ذلك، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم- أفاده أبو السعود- والمعنى: ~~أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان، وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى ~~على التوحيد والنبوة، وما يناجيكم به وجدانكم من صدق هذه الدعوى وحقيتها ~~وشهادته بصحتها، كما قال تعالى فيما قبل هذه الآية: يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون [آل عمران: 70] : فذمهم على الكفر بعد وضوح ~~الآيات، وقال للمؤمنين. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك # PageV02P383 # لهم عذاب عظيم # [آل عمران: 105] . فقوله تعالى هنا: أكفرتم بعد إيمانكم، محمول على ما ~~ذكر، حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وهي عامة في حق كل الكفار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 107] # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون المراد برحمة الله ~~الجنة، عبر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة ~~الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى. ### | القول في تأويل قوله ms0892 تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 108] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق الإشارة إلى ما تقدم من الوعد والوعيد ~~وما الله يريد ظلما للعالمين أي لا يشاء أن يظلم عباده، فيأخذ أحدا بغير ~~جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن. قال الرازي: إنما حسن ~~ذكر الظلم هاهنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة، وهو سبحانه وتعالى أكرم ~~الأكرمين فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك، وقال: إنهم ما وقعوا فيه إلا لسبب ~~أفعالهم المنكرة، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب. وقال أبو السعود: ~~وفي سبك الجملة نوع إيماء إلى التعريض بأن الكفرة هم الظالمون، ظلموا ~~أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد، كما في قوله تعالى: إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون [يونس: 44] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 109] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) # ولله ما في السماوات وما في الأرض أي له تعالى وحده، من غير شركة، ما ~~فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وإلى الله أي ~~إلى حكمه وقضائه ترجع الأمور أي أمورهم فيجازي كلا منهم بما وعده وأوعده، ~~فلا داعي له إلى الظلم؟ لأنه غني عن كل شيء، وقادر على كل شيء. # PageV02P384 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 110] # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~(110) # كنتم خير أمة أخرجت للناس كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم ~~عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير، وكنتم من (كان) التامة، ~~والمعنى وجدتم وخلقتم خير أمة، أو (الناقصة) والمعنى كنتم في علم الله خير ~~أمة، أو في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وأخرجت للناس ~~صفة لأمة، واللام متعلقة ب أخرجت أي أظهرت لهم حتى تميزت وعرفت، وفصل بينها ~~وبين ms0893 غيرها. ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعه لغيرهم بقوله تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله فبهذه الصفات فضلوا على غيرهم ممن ~~قال تعالى فيهم: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون ~~[المائدة: 79] . ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض [النساء: # 150] . قال أبو السعود: وتؤمنون بالله أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن ~~يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء. وإنما لم يصرح به تفصيلا لظهور أنه ~~الذي يؤمن به المؤمنون، وللإيذان بأنه هو الإيمان بالله تعالى حقيقة، وأن ~~ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهل الكتاب ليس من الإيمان به تعالى في شيء. ~~قال تعالى: # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم ~~الكافرون حقا [النساء: 150- 151] وإنما أخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة، لأن دلالتهما على خيريتهم للناس ~~أظهر من دلالته عليها وليقترن به ما بعده- انتهى- روى ابن جرير أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه رأى من الناس رعة، فقرأ هذه الآية كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس ثم قال: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها. ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا، أي خيارا، لتكونوا شهداء على ~~الناس [البقرة: 143] ، أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وقد روي في معنى الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وافرة، منها ~~ما # أخرجه الإمام # PageV02P385 # أحمد والترمذي «1» والحاكم عن معاوية بن حيدة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز ~~وجل # . قال ابن كثير: وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ ~~بن جبل وأبي سعيد ونحوه. وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات ~~بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على ~~الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبي قبله، ولا رسول من الرسل، ~~فالعمل على منهاجه وسبيله، ms0894 يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من ~~أعمال غيرهم مقامه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير هاهنا حديث السبعين ألفا الذين ~~يدخلون الجنة بغير حساب، وساق طرقه ومخرجيه فأجاد رحمه الله تعالى. ولو آمن ~~أهل الكتاب أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لكان خيرا لهم أي مما ~~هم عليه، إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من ~~العوض القليل الفاني والرياسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم، والعز الباهر. ~~ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا منهم المؤمنون أي ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ولكنهم قليل وأكثرهم الفاسقون ولما ~~كانت مخالفة الأكثر قاصمة، خفف سبحانه عن أوليائه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 111] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) # لن يضروكم إلا أذى أي بألسنتهم لا يبالي به من طعن وتهديد وإن يقاتلوكم ~~أي يوما من الأيام يولوكم الأدبار يعني منهزمين مخذولين ثم لا ينصرون يعني ~~لا يكون لهم النصر عليكم، بل تنصرون عليهم. وقد صدق الله ومن أصدق من الله ~~قيلا؟ لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. قال ابن كثير: فإنهم يوم خيبر ~~أذلهم الله، وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة: بني قينقاع، ~~وبني النضير، وبني قريظة، كلهم أذلهم الله. وكذلك النصارى بالشام كسرهم ~~الصحابة في غير ما موطن وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين. ولا ~~تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم، وهم كذلك، ويحكم ~~بملة الإسلام، وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب، ويقتل ~~الخنزير، PageV02P386 # ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. ### | لطائف: # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله ثم لا ينصرون؟ # قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل ثم أخبركم ~~أنهم لا ينصرون. # فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ # قلت: لو جزم لكان نفي النصر مقيدا ms0895 بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع ~~كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها ~~وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون ~~بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير ~~وبني قينقاع ويهود خيبر. # فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ # قلت: جملة الشرط والجزاء. كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم ~~أخبركم أنهم لا ينصرون. # فإن قلت: فما معنى التراخي في (ثم) ؟ # قلت: التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من ~~الإخبار بتوليتهم الأدبار. # قال الناصر بن المنير: وهذا من الترقي في الوعد عما هو أدنى إلى ما هو ~~أعلى، لأنهم وعدوا بتولية عدوهم الأدبار عند المقابلة، ثم ترقى الوعد إلى ~~ما هو أتم في النجاح من أن هؤلاء لا ينصرون مطلقا، ويزيد هذا الترقي بدخول ~~(ثم) دون (الواو) ، فإنها تستعار هاهنا للتراخي في الرتبة لا في الوجود، ~~كأنه قال: ثم هاهنا ما هو أعلى في الامتنان، وأسمح في رتب الإحسان، وهو أن ~~هؤلاء قوم لا ينصرون البتة- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 112] # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب ~~من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس أي أحيط ~~بهم # PageV02P387 # الهوان والصغار كما يحيط البيت المضروب بساكنه أينما وجدوا، وقوله: إلا ~~بحبل من الله. في محل النصب على الحال. بتقدير: إلا معتصمين أو متمسكين أو ~~ملتبسين بحبل من الله، وهو استثناء من أعم عام الأحوال، والمعنى ضربت عليهم ~~الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ~~ذمة الله وذمة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجائوهم ~~إلى الذمة لما قبلوه من الجزية- كذا ms0896 في الكشاف- وباؤ بغضب من الله أي ~~استوجبوه وضربت عليهم المسكنة أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في ~~الذل ذلك أي ضربت المسكنة والذلة والغضب بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله أي ~~استكبارا وعتوا ويقتلون الأنبياء أي الآتين من عند الله حقا. ولما كانوا ~~معصومين دينا ودنيا قال بغير حق أي يبيح القتل ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~أي ضرب الذلة والمسكنة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة، كما هو معلل ~~بكفرهم وقتلهم الأنبياء، فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى. ~~وقيل: ذلك إشارة إلى علة العلة، وهو الكفر والقتل، أي حصلا منهم بسبب ~~عصيانهم واعتدائهم، فإن الإقدام على المعاصي، والاستهانة بمجاوزة الحدود ~~يهون الكفر. قال الأصفهاني: قال أرباب المعاملات: من ابتلي بترك الآداب، ~~وقع في ترك السنن. ومن ابتلي بترك السنن، وقع في ترك الفرائض. ومن ابتلي ~~بترك الفرائض، وقع في استحقار الشريعة. ومن ابتلي بذلك، وقع في الكفر. # قال برهان الدين البقاعي رحمه الله تعالى: والآية دليل على مؤاخذة الابن ~~الراضي بذنب الأب وإن علا. وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين ~~أيديهم، لأنه قال في السفر الثاني: وقال الله جميع هذه الآيات كلها أنا ~~الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق لا يكون لك آلهة لا ~~تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ~~ومما في الماء أسفل الأرض لا تسجدن لها ولا تعبدنها لأني أنا الرب إلهك ~~غيور آخذ الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف وأثبت النعمة ~~إلى ألف حقب لأحباري وحافظي وصاياي- انتهى- ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 113] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) # ليسوا سواء جملة مستأنفة سيقت تمهيدا للثناء على من أقبل على الحق # PageV02P388 # من أهل الكتاب وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا، وتذكيرا لقوله تعالى: ~~منهم المؤمنون أي ليس أهل الكتاب متساوين ومتشاركين في المساوئ. ثم استأنف ms0897 ~~قوله بيانا لعدم استوائهم من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون. # في قوله تعالى قائمة وجوه: # الأول- أنها قائمة في الصلاة، وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات ~~الليل كقوله تعالى: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما [الفرقان: 64] . ~~وقوله: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل [المزمل: 20] . وقوله: قم الليل ~~[المزمل: 2] . وقوله: وقوموا لله قانتين [البقرة: 238] . # والثاني- أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة في ~~التمسك به، كقوله: إلا ما دمت عليه قائما [آل عمران: 75] أي ملازما ~~للاقتضاء، ثابتا على المطالبة. ومنه قوله تعالى: قائما بالقسط [آل عمران: ~~18] . # الثالث- أنها مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام. # والآناء الأوقات واحدها (إنا) مثل (معى) و (أمعاء) و (إني) مثل (نحي) و ~~(أنحاء) وقوله تعالى: وهم يسجدون جملة مستقلة مستأنفة، وليست حالا من فاعل ~~يتلون لما صح في السنة من النهي عن التلاوة في السجود، وذلك فيما # رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما ~~الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب ~~لكم «1» . # فمعنى الآية أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى، يبتغون الفضل والرحمة كقوله ~~تعالى: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما [الفرقان: 64] . وقوله: أمن هو ~~قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه [الزمر: 7] . ~~ويحتمل أن يكون المعنى: وهم يصلون، والصلاة تسمى سجودا وسجدة كما تسمى ~~ركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة. وعليه فالجملة يجوز فيها الوجهان، وتكرير ~~الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده. ثم وصفهم تعالى بصفات أخر، مبينة لمباينتهم ~~اليهود من جهة أخرى، بقوله: PageV02P389 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 114] # يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) # يؤمنون بالله واليوم الآخر أي على الوجه الذي نطق به الشرع. وظاهر أن ~~الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله. والإيمان ms0898 باليوم الآخر ~~يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله، ولا يحترزون ~~عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر تعريض بمداهنة اليهود في الاحتساب، بل بتعكيسهم في الأمر ~~بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله، فإنه أمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وقوله ~~تعالى ويسارعون في الخيرات صفة أخرى جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس ~~وبالغير. والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه. وفيه تعريض بتباطؤ اليهود ~~فيها، بل بمبادرتهم إلى الشرور وأولئك أي المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة من ~~الصالحين أي من عداد من صلحت أحوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه. # والوصف بالصلاح دال على أكمل الدرجات. فهو غاية المدح، ولذا وصفت به ~~الأنبياء في التنزيل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 115] # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه أي لن يعدموا ثوابه. وإيثار صيغة المجهول ~~للجري على سنن الكبرياء. وقرئ الفعلان بالخطاب والله عليم بالمتقين فيوفيهم ~~أجورهم. وهؤلاء الموصوفون هم المذكورون في آخر السورة: وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ... [آل عمران: ~~199] الآية. ### | تنبيه: # قال البقاعي: أرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات ~~وقال الرازي: لما قال تعالى: من أهل الكتاب أمة قائمة. كان تمام الكلام أن ~~يقال: # (ومنهم أمة مذمومة) إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من ~~أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر. وتحقيقه: أن الضدين يعلمان معا. ~~فذكر # PageV02P390 # أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر، قال أبو ~~ذؤيب: # دعاني إليها القلب. إني لأمره ... مطيع. فما أدرى أرشد طلابها # أراد أم غي، فاكتفى بذكر الرشد عن الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري. # وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأن ذكرها قد جرى قبل، ~~ولأنا قد ذكرنا أن العلم بالضدين معا، فذكر أحدهما مغن عن ذكر الآخر. كما ~~يقال زيد وعمرو ms0899 لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعمرو ~~ليس كذلك. فكذا هاهنا. لما تقدم قوله: ليسوا سواء. أغني عن ذلك الإضمار- ~~انتهى ملخصا- أقول: لا مانع من كون الآية الآتية هي الشق الثاني المقابل ~~للأول. فإن عنوان الذين كفروا مقابل بمفهومه لما قبله كما لا يخفى- والله ~~أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 116] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا أي من عذاب الله، وإن كان التصدق بالأموال يطفئ غضب الرب في حق ~~المؤمنين، ويغفر لهم بموت أولادهم، أو استغفارهم وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون ولما بين تعالى أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا، ثم إنهم ~~ربما أنفقوها في وجوه الخيرات، فيخطر في البال أنهم ينتفعون بها، فأزال تلك ~~الشبهة، وضرب لها مثلا بذهابها هباء منثورا بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 117] # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) # ل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا # من المكارم ويواسون فيه من المغارم مثل ريح فيها صر # أي برد شديد كالصرصرصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم # بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله أهلكته # فكذا ريح الكفر إذا أصابت حرث إنفاق قومه تهلكه. فصار الظلم ريحا لحصوله ~~من هوى النفس ذات برودة شديدة لكونه ظلم الكفر الذي هو الموت المعنوي ~~فأهلكته- قاله المهايمي- # PageV02P391 # ما ظلمهم الله # بإهلاك حرثهم بإرسال ريح من عنده لكن أنفسهم يظلمون # بإرسال ريح الظلم الكفري على حرثهم الأخروي. ### | لطائف: # إن قيل: الغرض تشبيه (ما أنفقوا) في ضياعه، بالحرث الذي ضربته الصر، وقد ~~جعل ما ينفقون ممثلا بالريح، فما وجه المطابقة للغرض؟ أجيب: بأن هذا من ~~التشبيه المركب وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود ms0900 من الجملتين، ~~وإن لم تحصل المشابهة بين أجزائيهما، والمقصود تشبيه الحال بالحال ويجوز أن ~~يراد: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح ~~فتحصل المشابهة. # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : والأقرب أن يقال أصل الكلام- والله أعلم- ~~مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم فأصابته ريح ~~فيها صر فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة. وهو ~~تقديم ما هو أهم. لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذكرها في سياق الوعيد ~~والتهديد أهم من ذكر الحرث. فقدمت عناية بذكرها، واعتمادا على أن الأفهام ~~الصحيحة تستخرج المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه. ومثل هذا، في ~~تحويل النظم لمثل هذه الفائدة، قوله تعالى: فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما ... [البقرة: 282] الآية. ومثله أيضا: أعددت هذه ~~الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، والأصل: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. وأن ~~أدعم بها الحائط إذا مال، وأمثال ذلك كثيرة والله الموفق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم أي أصحابا يستبطنون أمركم ~~من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. قال الزمخشري: بطانة الرجل ووليجته خصيصه ~~وصفيه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به. شبه ببطانة الثوب. كما يقال: # فلان شعاري- انتهى- ومن أمثال العرب في سرار الرجل إلى أخيه ما يستره عن # PageV02P392 # غيره: أفضيت إليه بشقوري- بضم الشين وقد تفتح- أي أخبرته بأمري، وأطلعته ~~على ما أسره من غيره: وفي القاموس وشرحه: البطانة الصاحب للسر الذي يشاور ~~في الأحوال، والوليجة وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر. وقال ~~الزجاج: البطانة الدخلاء الذين ينبسط إليهم ويستبطنون، يقال: فلان بطانة ~~لفلان أي مداخل له موانس. وهؤلاء المنهي عنهم، إما أهل الكتاب، كما رواه ms0901 ~~ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس: أنهم اليهود. وذلك لأن السياق في السورة، ~~والسباق معهم. وقد كان بين الأنصار وبين مجاوريهم من اليهود ما هو معروف من ~~سابق الرضاع والحلف. وإما المنافقون لقوله بعد: وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا ~~خلوا عضوا [آل عمران: 119] ... إلخ. وهذه صفة المنافقين كقوله تعالى في ~~سورة البقرة: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~[البقرة: # 14] ... إلخ- وربما كان يغتر بعض المؤمنين بظاهر أقوال المنافقين ويظنون ~~أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار. وإما جميع أصناف الكفار وقوفا مع عموم ~~قوله تعالى: من دونكم كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء [الممتحنة: 1] . ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي حاتم أنه قيل ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة نصرانيا، حافظ ~~كاتب. فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين. # قال الرازي: فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلا على النهي من ~~اتخاذ النصراني بطانة. # وقال الحافظ ابن كثير: ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة ~~لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على ~~دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. # وقال السيوطي في (الإكليل) : قال الكيا الهراسي: في الآية دلالة على أنه ~~لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين- انتهى-. # ووجه ذلك، كما قال القاشاني، أن بطانة الرجل صفيه وخليصه الذي يبطنه ~~ويطلع على أسراره، ولا يمكن وجود مثل هذا الصديق إلا إذا اتحدا في المقصد ~~واتفقا في الدين والصفة، متحابين في الله لغرض. كما قيل في الأصدقاء: نفس ~~واحدة في أبدان متفرقة. فإذا كان من غير أهل الإيمان، فبأن يكون كاشحا ~~أحرى. # ثم بين نفاقهم واستبطانهم العداوة بقوله: لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون ~~بكم # PageV02P393 # في الفساد. قال القاشاني: لأن المحبة الحقيقية الخالصة لا تكون إلا بين ~~الموحدين لكونها ظل الوحدة. فلا تكون في ms0902 غيرهم لكونهم في عالم التضاد. بل ~~ربما تتألفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع ~~والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها. والمنافع الدنيوية واللذات النفسانية ~~سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها. بخلاف المحبة الأولى فإنها مستندة ~~إلى أمر لا تغير فيه أصلا. # قال الزمخشري: يقال: ألا في الأمر، يألو: إذا قصر فيه. ثم استعمل معدى ~~إلى مفعولين. في قولهم: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، على التضمين. ~~والمعنى: # لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال الفساد ودوا ما عنتم أي عنتكم، على أن ~~(ما) مصدرية، والعنت شدة الضرر والمشقة، أي تمنوا ما يهلككم قد بدت البغضاء ~~من أفواههم أي ظهر البغض الباطن حتى خرج من أفواههم لأنهم لا يتمالكون، مع ~~ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها، أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم ~~للمسلمين. وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان وما ~~تخفي صدورهم أكبر مما ظهر. لأن ظهوره ليس عن روية واختيار بل فلتة. ومثله ~~يكون قليلا قد بينا الآيات الدالة على سوء اتخاذكم إياهم بطانة لتمتنعوا ~~منها فتخلصوا في الدين وتوالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين إن كنتم تعقلون ~~أي من أهل العقل. أو تعقلون ما بين لكم فعملتم به. قال الزمخشري: فإن قلت: ~~كيف موقع هذه الجمل؟ قلت: يجوز أن يكون (لا يألونكم) صفة للبطانة. # وكذلك (قد بدت البغضاء) . كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا، بادية ~~بغضاؤهم. # وأما (قد بينا) فكلام مبتدأ. وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على ~~وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. ثم بين تعالى خطأهم في موالاتهم حيث ~~يبذلونها لأهل البغضاء بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 119] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم أي تخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم ~~ولا يفعلون مثل ذلك بكم، وقوله وتؤمنون بالكتاب كله الواو للحال وهي منتصبة ms0903 # PageV02P394 # من ضمير المفعول في (لا يحبونكم) والمعنى لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون ~~بكتابهم فلا تنكرون منه شيئا، فليس فيكم ما يوجب بغضهم لكم. فما بالكم ~~تحبونهم وهم يكفرون بكتابكم كله؟. # ولم تجعل الواو للعطف على (ولا يحبونكم) أو (تحبونهم) كما ارتضاه أبو ~~حيان لأنه في معرض التخطئة. ولا كذلك الإيمان بالكتاب فإنه محض الصواب. وإن ~~اعتذر له بأن المعنى: يجمعون بين محبة الكفار والإيمان وهما لا يجتمعان، ~~لبعده. # والحالية مقررة للخطأ فتأمل، نقله الخفاجي. # قال الزمخشري: فيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. # ونحوه: فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون [النساء: # 104] . وإذا لقوكم قالوا آمنا نفاقا وتغريرا وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ أي من أجله، تأسفا وتحسرا. حيث لم يجدوا إلى التشفي ~~سبيلا. وعض الأنامل عادة النادم العاجز والمغتاظ إذا عظم حزنه على فوات ~~مطلوبه. ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب. حتى يقال ~~في الغضبان: إنه يعض يده غيظا، وإن لم يكن هناك عض قل موتوا بغيظكم دعاء ~~عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به. والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما ~~يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله. وما لهم في ذلك من الذل والخزي والتبار. ~~كذا في الكشاف إن الله عليم بذات الصدور فيعلم ما في صدورهم من البغضاء ~~والحنق. وهو يحتمل أن يكون من (المقول) أي وقل لهم: إن الله عليم بما هو ~~أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظا. وأن يكون خارجا عنه بمعنى: قل لهم ذلك ~~ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. وقيل: ~~هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس، وقوة الرجاء، والاستبشار ~~بوعد الله تعالى أن يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به من غير أن يكون ~~ثمة قول. كأنه قيل: حدث نفسك بذلك- أفاده أبو السعود- ثم بين تعالى تناهي ~~عداوتهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 120] # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ms0904 تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # إن تمسسكم حسنة بظهوركم على العدو، ونيلكم الغنيمة، وخصب # PageV02P395 # معاشكم، وتتابع الناس في دينكم تسؤهم وإن تصبكم سيئة بإصابة العدو منكم، ~~أو اختلاف بينكم، أو جدب أو بلية يفرحوا بها ولا يعلمون ما لله تعالى في ~~ذلك من الحكمة. ### | لطيفة: # المس أصله باليد، ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء مسا. والتعبير به في جانب ~~الحسنة، وبالإصابة في جانب السيئة للتفنن. وقد سوى بينهما في غير هذا ~~الموضع كقوله: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة [التوبة: 50] وقوله: ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] . وقال: ~~إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا [المعارج: ### | 20- 21 # ] . # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : يمكن أن يقال: المس أقل تمكنا من ~~الإصابة، وكأنه أقل درجاتها، فكأن الكلام- والله أعلم- إن تصبكم الحسنة ~~أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم عليها. وإن تمكنت الإصابة منكم وانتهى الأمر ~~فيها إلى الحد الذي يرثي الشامت عنده منها، فهم لا يرثون لكم ولا ينفكون عن ~~حسدهم، ولا في هذه الحال. بل يفرحون ويسرون. والله أعلم- انتهى- وهذا من ~~أسرار بلاغة التنزيل. فدل التعبير على إفراطهم في السرور والحزن. # فإذا ساءهم أقل خيرنا، فغيره أولى. وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له ~~الشامت فهم لا يرجى موالاتهم أصلا. فكيف تتخذونهم بطانة؟. قال البقاعي: ~~ولما كان هذا الأمر منكيا غائظا مؤلما داواهم بالإشارة إلى النصر بشرط ~~التقوى والصبر فقال: وإن تصبروا وتتقوا أي تصبروا على ما يبتليكم الله به ~~من الشدائد والمحن والمصائب وتثبتوا على الطاعة وتنفوا الاستعانة بهم في ~~أموركم والالتجاء إلى ولايتهم لا يضركم كيدهم شيئا لأن المتوكل على الله ~~الصابر على بلائه، المستعين به لا يغيره: ظافر في طلبته، غالب على خصمه، ~~محفوظ بحسن كلاءة ربه. والمستعين بغيره: مخذول موكول إلى نفسه، محروم عن ~~نصرة ربه. أفاده القاشاني. # وقيل: المراد بنفي الضرر عدم المبالاة به، لأن المتدرب بالاتقاء والصبر ~~يكون قليل ms0905 الانفعال، جريئا على الخصم. (الكيد) الاحتيال على إيقاع الغير في ~~مكروه إن الله بما يعملون محيط قرئ بياء الغيبة، على معنى أنه عالم بما ~~يعملون في # PageV02P396 # معاداتكم من الكيد فيعاقبهم عليه. وبتاء الخطاب، أي بما تعملون من الصبر ~~والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهله. ### | ### | تنبيه # مهم: # قال الرازي: إطلاق لفظ (المحيط) على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو ~~الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان ~~عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط ~~بها، ومنه قوله: والله من ورائهم محيط [البروج: 20] . - انتهى-. # أقول: ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ ~~خاصتها به، وهو قياس مع الفارق. والسمعيات تتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، ~~لا من الوضع المحدث. فليس لأحد أن يجعل الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة ~~لمعاني، ثم يريد أن يفسر مراد الله تعالى بتلك المعاني. وتتمة هذا البحث ~~تقدمت في تفسير (الرحمن الرحيم) من البسملة أول التنزيل الجليل. فارجع ~~إليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 121] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) # وإذ غدوت أي خرجت من أهلك تبوئ أي تنزل المؤمنين مقاعد أي أماكن ومراكز ~~يقفون فيها للقتال والله سميع عليم ذهب الجمهور وعلماء المغازي إلى أن هذه ~~الآية نزلت في وقعة أحد، والسر في سوق هذه الوقعة الأحدية وإيلائها ~~البدرية، وهو تقرير ما سبق. فإن المدعي فيما قبلها المساءة بالحسنة والمسرة ~~بالمصيبة وسنة الله تعالى فيهم في باب النصر والمعونة ودفع مضار العدو، إذا ~~هم صبروا واتقوا، والتغيير إذا غيروا. أي اذكر لهم ما يصدق ذلك من أحوالكم ~~الماضية حين لم يصبروا في أحد، فأصيبوا وسرت الأعداء مصيبتكم، وحين صبروا ~~واتبعوا فنصروا وساء العدو نصرهم. وفي توجيه الخطاب إليه صلى الله عليه ~~وسلم تهييج لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل، من غير أدنى وقوف مع ~~المألوف- كذا يستفاد من تفسير البقاعي-. # وهذه الآية هي افتتاح ms0906 القصة، وقد أنزل فيها ستون آية، وأشير في هذه ~~السورة إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي في هذه الوقعة، كما سيذكر، ~~وكانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وكان سببها أن الله تعالى لما قتل ~~أشراف قريش ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن ~~حرب لذهاب # PageV02P397 # أكابرهم، وجاءوا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق، ولم ينل ما في نفسه، ~~أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع ~~قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش. وجاءوا بنسائهم لئلا ~~يفروا ليحاموا عنهن. ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبا من جبل أحد، ~~واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: # أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة، وأن ~~يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق ~~البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي. فبادر جماعة ~~من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا ~~عليه في ذلك، فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك ~~الملحين، وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج. فقالوا: ~~يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي، إذا لبس لأمته، أن ~~يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه # . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم ~~مكتوم على الصلاة ببقية المسلمين في المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأى رؤيا وهو بالمدينة: رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى أن بقرا تذبح، وأنه ~~أدخل يده في درع حصينة. فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول ~~البقر بنفر من أصحابه يقتلون. وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة! فلما ~~صار بالشوط، بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبي في ثلث الناس، ms0907 ~~مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام. فتبعهم عبد الله بن عمرو، والد جابر، ~~يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا. ~~قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى، وسلك ~~حرة بني حارثة، ومر بين الحوائط، وأبو خيثمة من بني حارثة يدل به، حتى نزل ~~الشعب من أحد مستندا إلى الجبل، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما ~~أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة. فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا ~~وأمر على الرماة عبد الله بن جبير. وأمره وأصحابه أن يلزموا مراكزهم، وألا ~~يفارقوه ولو رأوا الطير تخطف العسكر. وكانوا خلف الجيش. # وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، ~~وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو. ~~واستعرض الشباب يومئذ. فرد من استصغره عن القتال. منهم عبد الله بن عمر ~~وأسامة بن زيد وأسيد # PageV02P398 # ابن ظهير والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعرابة بن أوس وعمرو ~~بن حزام. وأجاز من رآه مطيقا. منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس ~~عشرة سنة. فقيل: أجاز من أجازه، لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، ورد من رد ~~لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته، ورد من رد ~~لعدم إطاقته، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك. قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ~~ابن عمر: # فلما رآني مطيقا أجازني. وتعبت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف، وفيهم ~~مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي ~~جهل، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، ~~وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب، وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر ~~الفاسق، واسمه عبد بن عمرو بن ms0908 صيفي، وكان يمسي (الراهب) لترهبه وتنسكه في ~~الجاهلية، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (الفاسق) . وكان رأس الأوس ~~في الجاهلية. فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه. ~~فكان أول من لقي من المسلمين فنادى قومه وتعرف إليهم. قالوا: لا أنعم الله ~~لك عينا يا فاسق! فقاتل المسلمين قتالا شديدا، وأبلى يومئذ حمزة وطلحة ~~وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس بلاء شديدا، وأصيب جماعة من الأنصار مقبلين ~~غير مدبرين، واشتد القتال، وكان الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، ~~فانهزمت أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم. فلما رأى الرماة ~~هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، ~~وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب ~~الغنيمة، وأخلوا الثغر، ولم يطع أميرهم منهم إلا نحو العشرة، فكر المشركون ~~وقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة من ورائهم وهم ينتهبون، فأحاطوا ~~بهم، واستشهد منهم من أكرمه الله، ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل، وجرح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة ~~في رأسه، يقال: إن الذي تولى ذلك عتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قميئة الليثي. ~~وشد حنظلة الغسيل على أبي سفيان ليقتله، فاعترضه شداد بن الأسود الليثي، من ~~شعوب، فقتله. وكان جنبا. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة ~~غسلته. وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر ~~هناك، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة حتى قام، ومص الدم من جرحه مالك # PageV02P399 # ابن سنان الخدري، والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من ms0909 حلق المغفرة في وجهه ~~صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح. فندرت ثنيتاه فصار ~~أهتم. ولحق المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكر دونه نفر من ~~المسلمين فقتلوا كلهم وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن، ثم قاتل طلحة حتى ~~أجهض المشركون. وأبو دجانة يلي النبي صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه ~~النبل فلا يتحرك، وأصيبت عين قتادة بن النعمان. فرجع وهي على وجنته. # فردها عليه السلام بيده فصحت. وكان أحسن عينيه. وانتهى النضر بن أنس إلى ~~جماعة من الصحابة وقد دهشوا، وقالوا: قتل رسول الله، فقال: فما تصنعون في ~~الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس وقاتل حتى ~~قتل، ووجد به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها ~~في رجله فعرج منها. وقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم. ونادى الشيطان: ~~ألا إن محمدا قد قتل. لأن عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمر يظن أنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ووهن المسلمون لصريخ الشيطان. ثم إن كعب بن مالك ~~الشاعر، من بني سلمة، عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنادى بأعلى صوته ~~يبشر الناس. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: انصت. # فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب، وأدركه أبي بن خلف في الشعب، ~~فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة وطعنه بها في عنقه. ~~فكر أبي منهزما. وقال له المشركون: ما بك من بأس. فقال: والله! لو بصق علي ~~لقتلني، وكان صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل. فمات عدو الله بسرف، ~~مرجعهم إلى مكة. ثم جاء علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجهه ~~ونهض. فاستوى على صخرة من الجبل. وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا. وغفر الله ~~للمنهزمين من المسلمين. ونزل: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان [آل ~~عمران: 155] الآية واستشهد نحو من سبعين. معظمهم من الأنصار. وقتل من ~~المشركين اثنان وعشرون. ms0910 ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى ~~المدينة. ويقال إنه # قال لعلي: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا. # هذا ملخص هذه القصة. وقد ساقها بأطول من هذا أهل السير. وفيما ذكر كفاية. ~~وأما ما اشتملت عليه من الأحكام والفقه والحكم والغايات المحمودة، فقد تكفل ~~بيانها الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) فارجع إليه. ### | تنبيه: # فسر أكثر العلماء (غدوت) بأصلها، وهو الخروج غدوة أي بكرة. ثم # PageV02P400 # استشكلوا أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد بعد صلاة الجمعة كما اتفقت ~~عليه كلمة أهل السير، فكيف المطابقة؟ # فمنهم من أجاب بأنه المراد غدوة السبت، وأنه كان في صباحه التبوؤ للمقاعد ~~إلا أنه لا يساعده (من أهلك) لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه. # ومنهم من قال: المراد غدوة الجمعة أي: اذكر إذ غدوت من أهلك صبيحة الجمعة ~~إلى أصحابك في مسجدك تستشيرهم في أمر المشركين، ثم قال: وبنى من (غدوت) ~~حالا إعلاما بأن الشروع في السبب شروع في مسببه، فقال (تبوئ المؤمنين) أي ~~صبيحة يوم السبت. # وكان يخطر لي أن الأقرب جعل الغدو بمعنى الخروج غير مقيد بالبكرة، وكثيرا ~~ما يستعمل كذلك. # ثم رأيت في فتح البيان ما استظهرته فحمدت الله على الموافقة ونصه: وعبر ~~عن الخروج بالغدو الذي هو الخروج غدوة مع كونه صلى الله عليه وسلم خرج بعد ~~صلاة الجمعة، لأنه قد يعبر بالغدوة والرواح عن الخروج والدخول من غير ~~اعتبار أصل معناهما، كما يقال (أضحى) وإن لم يكن في وقت الضحى- انتهى- قال ~~البقاعي: ولما كان رجوع عبد الله بن أبي المنافق، كما يأتي في صريح الذكر ~~آخر القصة، من الأدلة على أن المنافقين، فضلا عن المصارحين بالمصارمة، ~~متصفون بإخبار الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء، مع أنه كان سببا في هم ~~الطائفتين من الأنصار بالفشل- كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة ~~السوء الذين لا يقصرون عن فساد، في غاية المناسبة. ولذلك افتتحها سبحانه ~~بقوله مبدلا من (إذ غدوت) دليلا على ما قبله من أن بطانة ms0911 السوء لا يألونهم ~~خبالا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 122] # إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) # إذ همت طائفتان منكم أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس أن تفشلا ~~أي تكسلا وتجبنا وتضعفا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فعصمهما الله، ~~فمضيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله وليهما ناصرهما، ومتولي ~~أمرهما، فأمدهما بالتوفيق والعصمة، وعلى الله وحده دون ما عداه استقلالا أو ~~اشتراكا فليتوكل المؤمنون في جميع أمورهم، فإنه حسبهم. و (التوكل: تفعل) # PageV02P401 # من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يتوله بنفسه. وفي ~~الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة ~~بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل. روى الشيخان «1» عن ~~جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت. إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما- قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل ~~لقوله تعالى: والله وليهما. # أي لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم ~~آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 123] # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون لما ذكر تعالى ~~قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر. وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية ~~الضعف عددا وعددا، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة. ثم إنه تعالى نصر ~~المسلمين على الكافرين، فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن ثمرة التوكل عليه ~~تعالى والصبر والتقوى هو النصر والمعونة والتأييد. و (بدر) موضع بين ~~الحرمين، إلى المدينة أقرب، يقال هو منها على ثمانية وعشرين فرسخا. أو اسم ~~بئر هناك حفرها رجل اسمه يدر، وقوله لعلكم تشكرون أي راجين أن تشكروا ما ~~أنعم به عليكم بتقواكم من ms0912 نصرته. وقد أشير في مواضع من التنزيل إلى غزوة ~~بدر، وكانت في شهر رمضان، السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيرا لقريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام ~~إلى مكة. معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش، عميدهم أبو سفيان، ومعه عمرو ~~بن العاص، ومخرمة بن نوفل. فندب صلى الله عليه وسلم إلى هذه العير. وأمر من ~~كان ظهره حاضرا بالخروج. ولم يحتفل في الحشد. لأنه لم يظن قتالا. وخرج ~~مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، لم يكن معهم من الخيل إلا فرسان، وكان ~~معهم سبعون بعيرا يعتقبونها. واتصل خروجه بأبي سفيان، فاستأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري، وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم. فنفروا وأوعبوا، وخرج صلى ~~الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان، واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم، ~~ورد PageV02P402 # أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن ~~عمير، ودفع إلى علي راية، وإلى رجل من الأنصار راية أخرى، يقال كانتا ~~سوداوين. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة. وراية الأنصار يومئذ مع سعد بن ~~معاذ، فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة، ثم انتهوا إلى صخيرات يمام، ثم ~~إلى بئر الروحاء، ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء، وبعث صلى ~~الله عليه وسلم قبلها بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان ~~أخبار أبي سفيان وعيره، ثم تنكب عن الصفراء يمينا، وخرج على وادي دقران، ~~فبلغه خروج قريش ونفيرهم، فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون، وأحسنوا، وهو ~~يريد ما يقول الأنصار، وفهموا ذلك، فتكلم سعد بن معاذ، وكان فيما قال: لو ~~استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله. ~~فسر بذلك وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. ثم ~~ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر، وبعث عليا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون ~~الخبر. فأصابوا غلامين لقريش، فأتوا بهما، وهو صلى الله عليه وسلم قائم ~~يصلي، وقالوا: ms0913 # نحن سقاة قريش، فكذبوهما، كراهية في الخبر، ورجاء أن يكونا من العير ~~للغنيمة وقلة المؤنة، فجعلوا يضربونهما فيقولان: نحن من العير. فسلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم، وقال للغلامين: أخبراني أين قريش؟ ~~فأخبراه أنهم وراء الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا من الإبل ويوما تسعا، # فقال صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة والألف. # وقد كان بسبس وعدي مضيا يتجسسان ولا خبر، حتى نزلا وأناخا قرب الماء، ~~واستقيا في شن لهما، ومجدي بن عمرو من جهينة بقربهما. فسمع عدي جارية من ~~جواري الحي تقول لصاحبتها: العير تأتي غدا أو بعد غد، وأعمل لهم وأقضيك ~~الذي لك، وجاءت إلى مجدي بن عمرو، فصدقها. فرجع بسبس وعدي بالخبر. # وجاء أبو سفيان بعدهما بتجسس الخبر. فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ فقال: # راكبين أناخا يميلان لهذا التل، فاستقيا الماء ونهضا. فأتى أبو سفيان ~~مناخهما، وفتت من أبعار رواحلهما. فقال: هذه، والله، علائف يثرب. فرجع ~~سريعا وقد حذر، وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا. وأوصى إلى قريش بأنا قد ~~نجونا بالعير فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، ونقيم ~~به ثلاثا، وتهابنا العرب أبدا، ورجع الأخنس بن شريق بجميع بني زهرة، وكان ~~حليفهم ومطاعا فيهم وقال: إنما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت، فارجعوا. ~~وكان بنو عدي لم ينفروا مع القوم، فلم يشهد بدرا من قريش عدوي ولا زهري. ~~وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر، وثبطهم عنه مطر نزل ~~وبله مما يليهم، وأصاب مما يلي المسلمين # PageV02P403 # دهس الوادي، وأعانهم على السير. فنزل صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من ~~مياه بدر إلى المدينة، فقال له الحباب بن المنذر: الله أنزلك بهذا المنزل ~~فلا نتحول عنه، أم قصدت الحرب والمكيدة؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: لا بل هو الرأي والحرب. فقال: يا رسول الله! ~~ليس هذا بمنزل، وإنما نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونبني عليه حوضا، ~~ونملؤه ونعور القلب كلها، فنكون قد منعناهم ms0914 الماء، فاستحسنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ثم بنوا عريشا على تل مشرف على المعركة يكون فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى يأتيه النصر من ربه، ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا. ولما ~~نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحي يحزر أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فحزرهم وانصرف وخبرهم الخبر. ورام حكيم بن حزام وعتبة بن ~~ربيعة أن يرجعا بقريش، ولا يكون الحرب، فأبى أبو جهل، وساعده المشركون، ~~وتواقفت الفئتان، وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده، ورجع إلى ~~العريش، ومعه أبو بكر وحده، وطفق يدعو ويلح، وأبو بكر يقاوله. ويقول في ~~دعائه: اللهم! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، اللهم! أنجز لي ما ~~وعدتني. # وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه، وأخفق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم انتبه، # فقال: أبشر يا أبا بكر! فقد أتى نصر الله. # ثم خرج يحرض الناس. # ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: شاهت الوجوه. # ثم تزاحفوا. # فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز، فخرج إليهم عبيدة بن ~~الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقتل حمزة وعلي شيبة ~~والوليد، وضرب عتبة عبيدة، فقطع رجله فمات، وجاء حمزة وعلي إلى عتبة ~~فقتلاه، وقد كان برز إليهم عوف ومعاذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من ~~الأنصار فأبوا إلا قومهم. # وجال القوم جولة. فهزم المشركون. وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا. وأسر ~~سبعون. # واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا. ثم انجلت الحرب، وانصرف إلى ~~المدينة، وقسم الغنائم في الصفراء، ودخل المدينة لثمان بقين من رمضان. وبسط ~~القصة في السير. ومن أبدعها سياقا وفقها (زاد المعاد) فليرجع إليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 124] # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم لتقويتكم ونصركم ودفع # PageV02P404 # أعدائكم بثلاثة آلاف ms0915 من الملائكة منزلين من سمائه لقتال أعدائه. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 125] # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (125) # بلى إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أو ابتداء خطاب من ~~الله تعالى تأييدا لقول نبيه وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا. أي: نعم ~~يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف ولكنه يزيدكم إن تصبروا على قتالهم وتتقوا ~~الفرار عنهم ويأتوكم من فورهم هذا أي ساعتهم هذه فلا تنزعجوا بمفاجأتهم ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن ~~إتيانهم مسومين بكسر الواو أي معلمين أنفسهم بأداة الحرب على عادة الفرسان ~~يوم اللقاء ليعرفوا بها. وقرئ بفتح الواو أو معلمين من قبله تعالى. # روى البخاري «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب. ### | تنبيه: # وفي وعده صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالإمداد بقوله إذ تقول وجهان: # الأول- أنه كان في يوم بدر، فإن سياق ما قبله يدل عليه وهو قوله ولقد ~~نصركم الله ببدر ف (إذ) ظرف ل (نصركم) ، أي نصركم وقت قولك للمؤمنين وقد ~~أظهروا العجز واستغاثوا ربهم. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، على هذا ~~الوجه، وبين قوله في سورة الأنفال في قصة بدر: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال: 9] ؟ # فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، ~~لقوله (مردفين) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وذلك أنهم لما ~~استغاثوا أمدهم بألف ثم أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف ~~لما صبروا واتقوا، وكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى ~~لتقويتهم، وأسرها من أن يأتي مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله ~~مرة بعد مرة. قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة ~~آلاف، ثم صاروا خمسة PageV02P405 # آلاف، ومما يؤيد هذا الوجه ms0916 أن سياق بدر في الأنفال من قوله تعالى: وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين ... [الأنفال: 7] ، الآيات شبيهة بهذا السياق ~~هنا. كما يذوقه من تدبره. # الوجه الثاني: أن هذا الوعد كان يوم أحد، فإن القصة في سياق أحد، وإنما ~~أدخل ذكر بدر اعتراضا في أثنائها ليذكرهم بنعمته عليهم، لما نصرهم ببدر وهم ~~أذلة، وإنه كذلك هو قادر على نصرهم في سائر المواطن. ثم عاد إلى قصة أحد، ~~وأخبر عن قول رسوله لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ... الآية. ثم وعدهم أنهم إن ~~صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف. فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من ~~قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف. وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذاك ~~مطلق، والقصة في هذه السورة هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها ~~اعتراضا. والقصة في الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق هنا غير السياق ~~في الأنفال- أشار لذلك ابن القيم في (زاد المعاد) . # وقد انتصر للوجه الأول العلامة أبو السعود، وبين ضعف الثاني بأوجه وجيهة. # فليرجع إليه. # ونقل الخازن عن ابن جرير أنه قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: # إن الله أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من ~~الملائكة مددا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا ~~لأعدائهم واتقوا الله. # ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ولا بالخمسة آلاف، ولا ~~على أنهم لم يمدوا بهم. وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم على نحو ما ~~رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم. وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره ~~من أنكر ذلك. ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة ~~الآلاف. ولا بالخمسة الآلاف. # وغير جائز، أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم به الحجة. ولا خبر به كذلك، ~~فنسلم لأحد الفريقين قوله. # غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم ms0917 بدر بألف من الملائكة وذلك ~~قوله: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ~~[الأنفال: 9] . # PageV02P406 # فأما في يوم أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا. ~~وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، وينال منهم ما نيل منهم. # فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره. # (هذا هو نص ابن جرير. صفحة 180- 181 من الجزء السابع (طبعة المعارف) . # فإن قلت: فما تصنع بحديث سعد بن أبي وقاص المروي في الصحيحين أنه قال «1» ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ~~ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل؟ قلت: ~~إنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه صبر ولم يهزم كما انهزم ~~أصحابه يوم أحد- انتهى. ### | فائدة: # الإمداد، لغة الإعانة. والمراد هنا إعانة الجيش. وهل إعانة الملائكة ~~للجيش بالقتال معهم للحديث السابق. # ولحديث عائشة في الصحيحين «2» قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح؟ ~~والله ما وضعناه، اخرج إليهم! قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا- وأشار إلى بني ~~قريظة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم # - أو هي بتكثير سواد المسلمين وتثبيت قلوبهم، كما قال تعالى في الأنفال: ~~إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب [الأنفال: 12] . أو بهما معا وهو الظاهر. وقد سئل السبكي ~~عن الحكمة في قتال الملائكة، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من ~~جناحه، فأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة ~~مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله تعالى في ~~عباده. والله فاعل الجميع- انتهى- PageV02P407 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 126] # وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) # وما جعله الله إلا بشرى لكم أي ما جعل الإمداد ms0918 بالملائكة إلا لتستبشروا ~~به فتزداد قوة قلوبكم وشجاعتكم ونجدتكم ونشاطكم ولتطمئن أي تسكن قلوبكم به ~~أي فلا تجزع من كثرة عدوكم وقلة عددكم وما النصر إلا من عند الله وحده لا ~~من الملائكة ولا من غيرهم، فالأسباب الظاهرة بمعزل من التأثير، وفيه توثيق ~~للمؤمنين، وعدم إقناط من النصر عند فقدان أسبابه وأماراته العزيز أي الذي ~~لا يغالب في حكمه الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه حكمته الباهرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 127] # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) # ليقطع طرفا من الذين كفروا أي ليهلك وينقص طائفة منهم بالقتل والأسر، كما ~~كان يوم بدر، من قتل سبعين وأسر سبعين منهم، واللام متعلقة، إما بقوله ~~تعالى: ولقد نصركم الله. وما بينهما تحقيق لحقيقته، وبيان لكيفية وقوعه- ~~إما بما تعلق به الخبر في قوله تعالى: وما النصر إلا من عند الله. من ~~الثبوت والاستقرار أو يكبتهم أي يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة تقويه للمؤمنين ~~فينقلبوا خائبين أي فيرجعوا منقطعي الآمال. وإنما أوقع بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في أثناء الكلام قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 128] # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) # ليس لك من الأمر شيء اعتراضا لئلا يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيرى لنفسه تأثيرا في بعض هذه الأمور فيحتجب عن التوحيد، أي ليس لك من ~~أمرهم شيء، كيفما كان، ما أنت إلا بشر مأمور بالإنذار. إن عليك إلا البلاغ، ~~إنما أمرهم إلى الله- أفاده القاشاني- وفي الاعتراض تخفيف من حزنه لكفرهم، ~~وحرصه على هداهم، كما قال: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. وقوله ~~تعالى: أو يتوب # PageV02P408 # عليهم # . أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم للإسلام بعد الضلالة أو يعذبهم أي في ~~الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم فإنهم ظالمون أي يستحقون ذلك لاستمرارهم ~~على العناد. # روى البخاري «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا أراد ms0919 أن يدعوا على أحد أو يدعوا لأحد، قنت بعد الركوع، فربما ~~قال، إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم! ربنا ولك الحمد: اللهم! أنج الوليد ~~بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم! اشدد وطأتك على مضر ~~واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: ~~اللهم العن فلانا وفلانا (لأحياء من العرب) حتى أنزل الله: ليس لك من الأمر ~~شيء ... الآية. # وقد أسند ما علقه عن ابن عمر «2» # أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة ~~الآخرة من الفجر، يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا. بعد ما يقول: سمع ~~الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ليس لك من الأمر شيء ... الآية # ورواه الإمام أحمد عن ابن عمر أيضا ولفظه: اللهم! العن فلانا وفلانا. ~~اللهم العن الحارث بن هشام. اللهم العن سهيل بن عمرو. اللهم العن صفوان ابن ~~أمية. فنزلت هذه الآية: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ... الآية، # فيتوب عليهم كلهم. # وقال الإمام أحمد «3» حدثنا هشيم حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم ~~على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز ~~وجل، فأنزل الله: # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم. الآية- انفرد به مسلم. ورواه البخاري ~~تعليقا # . وقد تقدم لنا في مقدمة التفسير تحقيق معنى سبب النزول، وأن الآية قد ~~تذكر استشهادا في مقام، لكونها مما تشمله. فيطلق الراوي عليها النزول فيه، ~~ولا يكون قصده أن هذا كان سببا لنزولها. والحكمة في منعه صلى الله عليه ~~وسلم من الدعاء عليهم ظهرت من توبتهم أخيرا. والإلحاح في الدعاء مظنة ~~الإجابة، لا سيما من أشرف PageV02P409 # خلقه. فاقتضت حكمته تعالى إمهالهم إلى أن يتوبوا لسابق علمه فيهم. وفيه ~~طلب التفويض في الأمور الملمة، لما في طيها من الأسرار الإلهية. ### | لطيفة: # قوله ms0920 تعالى: أو يتوب عليهم. منصوب بإضمار (أن) في حكم اسم معطوف ب (أو) ~~على (الأمر) أو على (شيء) ، أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، ~~أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. # أقول: جعل أو يتوب منصوبا بالعطف على (يكبتهم) - بعيد جدا. وإن قدمه بعض ~~المفسرين على الوجه المتقدم. وذلك لأن قوله تعالى ليس لك كلام مستأنف على ~~ما صرحت به الروايات في سبب النزول. وهي المرجع في التأويل- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 129] # ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) # ولله ما في السماوات وما في الأرض تقرير لما قبله من قوله: ليس لك من ~~الأمر شيء، أي له ما فيهما ملكا وأمرا يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء فيحكم ~~في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل والله غفور رحيم تذييل ~~مقرر لمضمون قوله: يغفر لمن يشاء، مع زيادة. وفي تخصيص التذييل به دون ~~قرينة، من الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى- أفاده أبو السعود-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 130] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة هذا نهي عن الربا مع ~~التوبيخ بما كانوا عليه في الجاهلية من تضعيفه، كان الرجل منهم إذا بلغ ~~الدين محله يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وأزيد في الأجل. وفي ندائهم باسم ~~(الإيمان) إشعار بأن من مقتضى الإيمان وتصديقه ترك الربا. وقد تقدم في ~~البقرة من المبالغة في النهي عنه ما يروع من له أدنى تقوى. يوجب، لمن لم ~~يتركه وما يقاربه، الضمان # PageV02P410 # بالخذلان في كل زمان: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة: ~~279] . # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون [البقرة: 86] . وقوله أضعافا مضاعفة ms0921 أي زيادات متكررة، وليس لتقييد ~~النهي به، لما هو معلوم من تحريمه على كل حال، بل لمراعاة عادتهم كما بينا. ~~ومحله النصب على الحالية من الربا. وقرئ (ضعفة) واتقوا الله فيما تنهون عنه ~~لعلكم تفلحون بإيفاء حقوقكم وصونكم عن أعدائكم، كما صنتم حقوق الأشياء. ~~ومما يعلم به حكمة نظم هذه الآية في سلك قصة أحد، ما رواه أبو داود «1» عن ~~أبي هريرة أن عمرو بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن ~~يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا بأحد. قال: أين ~~فلان؟ # قالوا: بأحد. قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد. فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم ~~توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، ~~فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال ~~لأخته: # سليه: حمية لقومك وغضبا لهم أم غضبا لله عز وجل؟ فقال: بل غضبا لله عز ~~وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمات، فدخل الجنة، وما صلى لله عز وجل ~~صلاة. # قال الدينوري: وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: حدثوني عن رجل دخل ~~الجنة لم يصل قط! فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة: هو أخو بني عبد الأشهل. # وعند ابن إسحاق: فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لمن أهل ~~الجنة- هذا ملخص ما أورده البقاعي رحمه الله تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 131] # واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) # واتقوا النار التي أعدت للكافرين بالتحرز عن متابعتهم في الربا ونحوه. ~~روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول: هي أخوف آية في القرآن، حيث ~~أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 132] # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) # وأطيعوا الله والرسول أي في ترك الربا ونحوه لعلكم ترحمون. PageV02P411 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 133] # وسارعوا إلى مغفرة ms0922 من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ~~(133) # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة أي إلى ما يؤدي إليهما من الاستغفار ~~والتوبة والأعمال الصالحة. وقوله عرضها السماوات والأرض أي كعرضهما، كما ~~قال في سورة الحديد: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض [الحديد: 21] . وفي العرض وجهان: # الأول- أنه على حقيقته. وتخصيصه بالذكر تنبيها على اتساع طولها. فإن ~~العرض في العادة أدنى من الطول، كما قال تعالى في صفة فرض الجنة: بطائنها ~~من إستبرق [الرحمن: 54] . أي فما ظنك بظاهرها؟ فكذا هنا. # والثاني- أنه مجاز عن السعة والبسطة. قال القفال: ليس المراد بالعرض ~~هاهنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة، كما تقول العرب: بلاد ~~عريضة، ويقال: هذه دعوى عريضة أي واسعة عظيمة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه ~~لم يضق وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة. وقال الزمخشري: المراد ~~وصفها بالسعة والبسطة. فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه تعالى وأبسطه- ~~والله أعلم. أعدت للمتقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 134] # الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) # الذين ينفقون في السراء أي في حال الرخاء واليسر والضراء أي في حال ~~الضيقة والعسر. وإنما افتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس، ~~فمخالفتها فيه منقبة شامخة والكاظمين الغيظ أي الممسكين عليه في نفوسهم، ~~الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، اتقاء التعدي فيه إلى ما وراء حقه. # روى الإمام أحمد «1» عن جارية بن قدامة السعدي أنه سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قل لي قولا ينفعني وأقلل علي لعلي أعيه، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV02P412 # لا تغضب. فأعاد عليه. حتى أعاد عليه مرارا. كل ذلك يقول: لا تغضب- انفرد ~~به أحمد # وروى من طريق آخر أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب. # قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب ~~يجمع الشركله # والعافين ms0923 عن الناس أي ظلمهم لهم، ولو كانوا قد قتلوا منهم، فلا يؤاخذون ~~أحدا بما يجني عليهم، ولا يبقى في أنفسهم موجدة، كما قال تعالى: وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون [الشورى: 37] . قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا ~~راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهى المؤمنون عن ذلك، ~~وندبوا إلى العفو عن المعسرين. قال تعالى عقيب قصة الربا والتداين: وإن كان ~~ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم، إن كنتم تعلمون [البقرة: ~~280] . # ويحتمل أن يكون كما قال تعالى في الدية: فمن عفي له من أخيه شيء [البقرة: ~~178] . إلى قوله: وأن تصدقوا خير لكم. ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال: لأمثلن بهم. فندب إلى كظم ~~هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه ~~فعل ذلك عفوا. قال تعالى في هذه القصة: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [النحل: 126]- انتهى- وظاهر أن عموم الآية ~~مما يشمل كل ما ذكر. إذ لا تعيين والله يحب المحسنين اللام إما للجنس، وهم ~~داخلون فيه دخولا أوليا. وإما للعهد، عبر عنهم بالمحسنين إيذانا بأن النعوت ~~المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي ~~هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي. وقد فسره صلى الله عليه وسلم # بقوله «1» : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. # والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها- أفاده أبو السعود-. PageV02P413 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 135] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) # والذين إذا فعلوا فاحشة من السيئات الكبار أو ظلموا أنفسهم أي بأي نوع من ~~الذنوب ذكروا الله أي تذكروا حقه وعهده فاستحيوه وخافوه فاستغفروا لذنوبهم ~~أي لأجلها بالتوبة والإنابة إليه تعالى. # قال البقاعي: ولما كان هذا ms0924 مفهما أنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب، أتبعه ~~بتحقيق ذلك، ونفى القدرة عليه عن غيره، مرغبا في الإقبال عليه بالاعتراض ~~بين المتعاطفين بقوله ومن يغفر الذنوب أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا ~~يجازي عليها إلا الله أي الملك الأعلى. وقال أبو السعود من استفهام إنكاري. ~~أي لا يغفر الذنوب أحد إلا الله، خلا أن دلالة الاستفهام على الانتفاء أقوى ~~وأبلغ لإيذانه بأنه كل أحد ممن له حظ من الخطاب يعرف ذلك الانتفاء، فيسارع ~~إلى الجواب به. # والمراد به وصفه سبحانه بغاية سعة الرحمة وعموم المغفرة، والجملة معترضة ~~بين المعطوفين، أو بين الحال وصاحبها لتقرير الاستغفار والحث عليه، ~~والإشعار بالوعد بالقبول. # وقال الزمخشري: في هذه الجملة وصف لذاته تعالى بسعة الرحمة، وقرب ~~المغفرة، وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين ~~إلا فضله وكرمه، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في ~~الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه، وجب العفو والتجاوز. وفيه تطييب ~~لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وأن ~~الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده معه مصححات ~~المغفرة- انتهى-. # وفي مسند الإمام أحمد «1» عن الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله. وفيه أيضا «2» : عن أبي ~~سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P414 # يقول: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت ~~الأرواح فيهم! فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني. # وفيه أيضا «1» : عن علي رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري ~~استحلفته، فإذا حلف لي صدقته وإن أبا بكر رضي الله عليه حدثني، وصدق أبو ~~بكر، أنه سمع رسول الله ms0925 صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يذنب ذنبا ~~فيتوضأ فيحسن الوجوء، ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له، ~~ورواه أهل السنن وابن حبان في صحيحه # وغيرهم- قال الترمذي: حديث حسن ولم يصروا أي لم يقيموا على ما فعلوا أي ~~ما فعلوه من الذنوب من غير استغفار وهم يعلمون حال من فاعل (يصروا) أي لم ~~يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه، والنهي عنه، والوعيد عليه. والتقييد ~~بذلك، لما أنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح. # وقد روى أبو داود والترمذي «2» والبزار وأبو يعلى عن مولى لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه عن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة # ، وإسناده لا بأس به. قال ابن كثير: وقول علي بن المديني والترمذي: ليس ~~إسناد هذا الحديث بذاك- فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة ~~مثله لا تضر لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلي أبي بكر، فهو حديث حسن- ~~والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 136] # أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين (136) # أولئك إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الحميدة ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم أي ستر لذنوبهم وجنات تجري من تحتها الأنهار أي من ~~أنواع المشروبات خالدين فيها ونعم أجر العاملين المخصوص بالمدح PageV02P415 # محذوف، أي ذلك. يعني ما ذكر من المغفرة والجنات. ثم عاد التنزيل إلى ~~تفصيل بقية قصد أحد، بعد تمهيده مبادئ الرشد والصلاح بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 137] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) # قد خلت أي مضت من قبلكم سنن أي وقائع من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم ~~المكذبين فسيروا في الأرض التي فيها ديارهم الخربة وآثار إهلاكهم فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين أي وقيسوا بهم عاقبة اللاحقين بهم في الهلاك ~~والاستئصال. ms0926 والأمر بالسير والنظر. لما أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا في ~~الاعتبار والروعة، أقوى من أثر السماع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 138] # هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) # هذا أي القرآن أو ما تقدم من مؤاخذة المذكورين بيان للناس وهدى وموعظة أي ~~تخويف نافع للمتقين ثم شجع قلوب المؤمنين وسلاهم عما أصابهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 139] # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين أي لا تضعفوا عن ~~الجهاد بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، والحال أنكم ~~الأعلون الغالبون دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من ~~عاقبة أسلافهم، فهو تصريح بالوعد بالنصر بعد الإشعار به فيما سبق، وقوله إن ~~كنتم مؤمنين متعلق بالنهي أو ب (الأعلون) . وجوابه محذوف لدلالة ما تعلق به ~~عليه. أي إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإن الإيمان يوجب قوة ~~القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وعدم المبالاة بأعدائه. أو إن كنتم مؤمنين ~~فأنتم الأعلون، فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة- أفاده أبو السعود-. # PageV02P416 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 140] # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) # إن يمسسكم قرح بالفتح والضم قراءتان، وهما لغتان، كالضعف والضعف، أي إن ~~أصابكم يوم أحد جراح فقد مس القوم قرح مثله أي يوم بدر ولم يضعفوا ولم ~~يجبنوا فأنتم أولى، لأنكم موعودون بالنصر دونهم، أي فقد استويتم في الألم، ~~وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون # [النساء: 104] . فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ~~ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيل الله، وابتغاء مرضاته. وقيل: كلا ~~المسين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول ms0927 الله ~~صلى الله عليه وسلم وتلك الأيام أي أيام هذه الحياة الدنيا نداولها بين ~~الناس أي نصرفها بينهم، نديل تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء. فهي عرض حاضر، ~~يقسمها بين أوليائه وأعدائه. بخلاف الآخرة، فإن عرضها ونصرها ورجاءها خالص ~~للذين آمنوا. # قال ابن القيم قدس الله سره (في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي ~~كانت في وقعة أحد) : # ومنها أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال ~~عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة. فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم ~~المسلمون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره. ولو انتصر عليهم دائما لم يحصل ~~المقصود من البعثة والرسالة. فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ~~ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور ~~والغلبة خاصة- انتهى- وقوله تعالى: وليعلم الله الذين آمنوا قال ابن القيم: ~~حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة ~~بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا ~~عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس. ### | لطيفة: # في الآية وجهان: # أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا معناه: وليعلم.. إلخ فعلنا ذلك. # PageV02P417 # الثاني: أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت ~~وكيت، وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ~~ليسليهم عما جرى عليهم وليبصرهم أن العبد يسوؤه ما يجري عليه من المصائب، ~~ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه- أفاده الزمخشري- ### | تنبيه: # في هذه الآية بحث مشهور، وذلك بأن ظاهرها مشعر بأنه تعالى إنما فعل ذلك ~~ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى، ونظيرها في الإشكال ~~قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله.. [آل عمران: 142] ~~إلخ. وقوله: ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين [العنكبوت: 3] وقوله: لنعلم أي الحزبين أحصى.. [الكهف: 12] وقوله: ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم [محمد: 31] . ~~وقوله: ms0928 إلا لنعلم من يتبع الرسول [البقرة: 143] . # قال الرازي: وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى ~~لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه ~~تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها. # ولما كانت الدلائل القطعية دالة على أزلية علمه جل اسمه، أجاب عن ذلك ~~العلماء بأجوبة: # منها- أن هذا من باب التمثيل. فالتقدير في هذه الآية: ليعاملكم معاملة من ~~يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم. # ومنها- أن العلم فيها مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب ~~أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم. # ومنها- أن العلم على حقيقته. إلا أنه معتبر من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث ~~إنه واقع موجود بالفعل، أي ليعلم الثابت واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع ~~لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد، وهذا ما اعتمده ابن ~~القيم كما نقلناه أولا. # ومنها- أن الكلام على حذف مضاف. أي ليعلم أولياء الله، فأضاف إلى نفسه ~~تفخيما- والله أعلم. # PageV02P418 # ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء بقوله ويتخذ منكم شهداء ~~أي وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في تضحية النفس شهادة ~~للحق، واستماتة دونه، وإعلاء لكلمته، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد ~~أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة ~~الشهادة. وفي لفظ (الاتخاذ) المنبئ عن الاصطفاء والتقريب، من تشريفهم ~~وتفخيم شأنهم ما لا يخفى وقوله والله لا يحب الظالمين قال ابن القيم: تنبيه ~~لطيف الموقع جدا على أن كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخزلوا عن نبيه يوم ~~أحد فلم يشهدوه، ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يحبهم، فأركسهم وردهم ~~ليحرمهم ما خص به المؤمنون في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط ~~هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه. انتهى-. # فالتعريض بالمنافقين. ويحتمل أن يكون بالكفرة الذين أديل لهم، تنبيها على ~~أن ذلك ليس بطريق النصرة لهم، بل لما ذكر ms0929 من الفوائد العائدة إلى المؤمنين. ~~ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 141] # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # وليمحص الله الذين آمنوا أي لينقيهم ويخلصهم من الذنوب ومن آفات النفوس. ~~وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم. فحصل لهم تمحيصان: ~~تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدو. ثم ذكر حكمة أخرى ~~وهي محق الكافرين بقوله ويمحق الكافرين أي يهلكهم، فإنهم إذا ظفروا بغوا ~~وبطروا. فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذ جرت سنة الله تعالى، إذا أراد أن ~~يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم. ~~ومن أعظمها، بعد كفرهم، بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم ~~والتسليط عليهم. والمحق ذهاب الشيء بالكلية حتى لا يرى منه شيء، وقد محق ~~الله الذي حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأصروا على الكفر ~~جميعا، ثم أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون الجهاد ~~في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه ~~فقال: # PageV02P419 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 142] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه ~~بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإن الله لا ~~يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه- أفاده ابن القيم- وفي ~~الكشاف ولما يعلم الله بمعنى ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل ~~نفي العلم منزلة نفي متعلقه، لأنه منتف بانتفائه، يقول الرجل: ما علم الله ~~في فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى علمه، و (لما) بمعنى (لم) ، إلا أن فيها ~~ضربا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل، ~~وتقول: وعدني ms0930 أن يفعل كذا ولما. تريد. ولما يفعل، وأنا أتوقع فعله. ### | لطيفة: # قال أبو مسلم في أم حسبتم: إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي ~~للتبكيت. وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد، وهو ~~كقوله: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [العنكبوت: ### | 1- 2 # ] . وافتتح الكلام بذكر (أم) التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ~~ضربين، يشك في أحدهما لا بعينه. يقولون: أزيدا ضربت أم عمرا؟ مع تيقن وقوع ~~الضرب بأحدهما. قال: وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيدا، ~~فلما قال ولا تهنوا ولا تحزنوا كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به أم ~~تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر. وإنما استبعد هذا لأن الله ~~تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين ~~وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل ~~الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة- انتهى-. # ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 143] # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) # ولقد كنتم تمنون الموت أي الحرب، فإنها من مبادئه، أو الموت على # PageV02P420 # الشهادة من قبل أن تلقوه أي تشاهدوه وتعرفوا هوله فقد رأيتموه أي ما ~~تتمنونه من أسباب الموت، أو الموت بشاهدة أسبابه العادية، أو قتل إخوانكم ~~بين أيديكم وأنتم تنظرون حال من ضمير المخاطبين. وفي إيثار الرؤية على ~~الملاقاة، وتقييدها بالنظر، مبالغة في مشاهدتهم له. # قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر ~~من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالا يشهدون فيه فيلحقون إخوانهم، ~~فأراهم الله ذلك يوم أحد، وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء ~~الله منهم، فأنزل الله تعالى ولقد كنتم تمنون ... الآية- # وقد ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتمنوا ~~لقاء ms0931 العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة ~~تحت ظلال السيوف. # قال أهل المغازي: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، أقبل عبد الله ~~ابن قميئة يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذب عنه مصعب بن عمير ~~رضي الله عنه، وهو يومئذ صاحب رايته، فقتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرجع فقال: # قد قتلت محمدا وصرخ الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير ~~من الناس، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال. ففي ذلك أنزل الله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 144] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) # وما محمد إلا رسول والرسل منهم من مات، ومنهم من قتل، فلا منافاة بين ~~PageV02P421 # الرسالة والقتل والموت، إذ قد خلت من قبله الرسل فسيخلو كما خلوا أفإن ~~مات أي أتؤمنون به في حال حياته فإن مات أو قتل انقلبتم أي ارتددتم على ~~أعقابكم أي بعد علمكم بخلو الرسل قبله، وبقاء دينهم، متمسكا به ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب وسيجزي ~~الله الشاكرين بالنصر والغلبة في الدنيا، والثواب والرضوان في الآخرة، وهم ~~الذين لم ينقلبوا، بل قاموا بطاعته، وقاتلوا على دينه، واتبعوا رسوله حيا ~~وميتا. # وسماهم (شاكرين) لأنهم شكروا نعمة الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف. # والمعنى أن من كان على يقين من دينه، وبصيرة من ربه، لا يرتد بموت الرسول ~~وقتله، ولا يفتر عما كان عليه، لأنه يجاهد لربه لا للرسول، كأصحاب الأنبياء ~~السالفين، كما قال أنس «1» (عم أنس بن مالك، يوم أحد حين أرجف بقتل رسول ~~الله عليه السلام وشاع الخبر، وانهزم المسلمون، وبلغ إليه تقاول بعضهم: ليت ~~فلانا يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقوله المنافقين: لو كان نبيا ما ms0932 قتل) ~~: يا قوم! إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة ~~بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: ~~اللهم! إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء، ثم شد ~~بسيفه وقاتل حتى قتل- أفاده القاشاني-. # روى ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار ~~وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان! أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد ~~قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ~~وما محمد ... الآية- رواه أبو بكر البيهقي في (دلائل النبوة) . PageV02P422 # قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : ومنها- أي من الغايات في هذه ~~الغزوة- أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو قتل. بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده، ~~يموتوا عليه ويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت. فلو مات ~~محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه، وما جاء به، فكل نفس ~~ذائقة الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ليخلد، لا هو ولا هم، ~~بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه، فسواء مات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو بقي. ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه ~~لما صرخ الشيطان بأنه محمدا قد قتل، فقال: وما محمد إلا رسول ... الآية- ~~والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا وقتلوا، فظهر ~~أثر هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزهم، ~~وأظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم- انتهى-. # وثبت في الصحيح «1» أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية يوم ms0933 ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاها منه الناس كلهم، والحديث مشهور. ثم ~~أخبر تعالى أنه جعل لكل نفس أجلا، لا بد أن تستوفيه وتلحق به، فيرد الناس ~~كلهم حوض المنايا موردا واحدا، وإن تنوعت أسبابه، ويصدرون عن موقف القيامة ~~مصادر شتى، فريق في الجنة وفريق في السعير، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 145] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله أي بأمره وإرادته كتابا مؤجلا مصدر ~~مؤكد لمضمون ما قبله، أي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا ~~يتقدم ولا يتأخر. وفي الآية تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن ~~الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه ومن يرد أي بعمله ثواب ~~الدنيا نؤته منها أي ما نشاء أن نؤتيه، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، وهو ~~تعريض بمن PageV02P423 # حضر لطلب الغنائم ومن يرد أي بعمله ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي ~~الشاكرين ونظير هذه الآية قوله تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ~~[الشورى: 20] . وقوله سبحانه: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 18- 19] . # واعلم أن الآية، وإن كان سياقها في الجهاد ولكنها عامة في جميع الأعمال. # وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب أو العقاب هو النيات والدواعي، لا ظواهر ~~الأعمال. # ثم نعى عليهم تقصيرهم وسوء صنيعهم في صدودهم عن سنن الربانيين المجاهدين ~~في سبيل الله مع الرسل الخالية، عليهم السلام، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 146] # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ms0934 الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير أي كم من الأنبياء قاتل معهم، لإعلاء ~~كلمة الله وإعزاز دينه، جماعتهم الأتقياء العباد فما وهنوا أي ضعفوا لما ~~أصابهم في سبيل الله من الجراح وشهادة بعضهم لأن الذي أصابهم إنما هو في ~~سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسوله وما ضعفوا أي عن الجهاد أو ~~العدو أو الدين وما استكانوا للأعداء بل صبروا على قتالهم والله يحب ~~الصابرين على قتال أعدائه. ### | تنبيهات # الأول- (كأين) بمعنى (كم) الخبرية، وفيها لغات، قرئ منها في السبع: # كائن ممدودا مهموزا لابن كثير. والباقون بالتشديد. وفيها كلام كثير في ~~معناها ولغاتها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا، وفي رسمها. فانظر ~~مواد ذلك. # الثاني- قرئ في السبع قتل بالبناء للمجهول ونائب الفاعل ربيون قطعا. وأما ~~احتمال أن يكون ضميرا لنبي ومعه ربيون حال، أو يكون على معنى التقديم ~~والتأخير، أي وكائن من نبي معه ربيون قتل- فتكلف ينبو عن سليم الأفهام. ~~وتعسف يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وإن نقله القفال، ونصره السهيلي # PageV02P424 # وبالغ فيه. فما كل سوداء تمرة. # الثالث- (الربيون) بكسر الراء قراءة الجمهور، وقرئ بضمها وفتحها، فالفتح ~~على القياس، والكسر والضم من تغييرات النسب، وهم الربانيون، أي الذين ~~يعبدون الرب تعالى. # ثم أخبر سبحانه، بعد بيان محاسنهم الفعلية، بمحاسنهم القولية، وهو ما ~~استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم ~~وسؤالهم ربهم ن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على عدوهم، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 147] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) # وما كان قولهم أي هؤلاء الربانيين، مثل قول المنافقين ولا المعجبين. # وقولهم بالنصب خبر ل (كان) ، واسمها (أن) وما بعدها في قوله تعالى إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين. # قال ابن القيم: لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن ~~الشيطان ms0935 إنما يستزلهم ويهزموهم بها. وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز ~~لحد. وأن النصر منوط بالطاعة، قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا. ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، وإن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم ~~يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه ~~بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم يثبتوا ولم ينتصروا. ~~فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضى، وهو التوحيد، والالتجاء إليه سبحانه. ~~ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف- انتهى- قال القاضي: ~~وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن، ~~سواء كان في الجهاد أو غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 148] # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) # فآتاهم الله ثواب الدنيا من النصر والغنيمة، وقهر العدو، والثناء الجميل، # PageV02P425 # وانشراح الصدر بنور الإيمان، وكفارة السيئات وحسن ثواب الآخرة وهو الجنة ~~وما فيها من النعيم المقيم. وتخصيص وصف الحسن بثواب الآخرة للإيذان بفضله ~~ومزيته، وأنه المعتد به عنده تعالى، بخلاف الدنيا لقلتها وامتزاجها ~~بالمضار، وكونها منقطعة زائلة والله يحب المحسنين إشارة إلى أن ما حكى عنهم ~~من الأفعال والأقوال من باب الإحسان. # قال الرازي: فيه دقيقة لطيفة، وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين ~~حيث قالوا: ربنا اغفر لنا ... الآية- سماهم الله محسنين كأن الله تعالى ~~يقول لهم: إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي ~~حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة ~~والمسكنة والعجز. # ثم حذرهم سبحانه، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء المفضي لسعادة ~~الدارين، من طاعة عدوهم. وأخبر أنه إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة. وفي ~~ذلك تعريض بالمنافقين الذي أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد، ~~بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 149] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم أي ms0936 إلى ~~الشرك. والارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر، ومثل في الحور بعد الكور ~~فتنقلبوا خاسرين لدين الإسلام ولمحبة الله ورضوانه وثوابه الدنيوي ~~والأخروي. # فلا تعتقدوا أنهم يوالونكم كما توالونهم. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية ~~الدلالة على أن على المؤمنين أن لا ينزلوا على حكم الكفار ولا يطيعوهم ولا ~~يقبلوا مشورتهم خشية أن يستنزلوهم عن دينهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 150] # بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) # بل الله مولاكم فأطيعوه وهو خير الناصرين ينصركم خيرا من نصرهم لو ~~نصروكم، وكيف لا يكون خير الناصرين وهو ينصركم بغير قتال، كما وعد بقوله: # PageV02P426 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 151] # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب أي الذي يمنعهم من الهجوم عليكم ~~والإقدام على حرمكم بما أشركوا بالله ما لم ينزل به أي بكونه إلها أو متصفا ~~بصفاته أو مستحقا للعبادة سلطانا أي حجة قاطعة ينبني عليها الاعتقادات ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين هي. والمثوى: المقر والمأوى والمقام. من ~~(ثوى يثوي) . ### | لطائف # الأولى: أفادت الآية أن ذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، ~~وعلى قدر الشرك يكون الرعب. قال القاشاني: جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار ~~مسببا عن شركهم لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس لتنورها ~~بنور التوحيد، فلا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده. وأما المشرك ~~فلأنه محجوب عن منيع القدرة بما أشرك بالله من الموجود المشوب بالعدم الذي ~~لم يكن له بحسب نفسه قوة، ولم ينزل الله بوجوده حجة، فليس له إلا العجز ~~والجبن وجميع الرذائل. # وقال القفال رحمه الله: كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم ~~أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك، في قلوب الكافرين، حتى ~~يقهر الكفار. ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك، حتى صار دين ms0937 ~~الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل- انتهى- # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، ~~وأعطيت الشفاعة. PageV02P427 # الثانية: في ذكر عدم تنزيل الحجة مع استحالة تحققها في نفسها، إشعار ~~بنفيها ونفي نزولها جميعا. لأن ما لم ينزل به سلطانا، لا سلطان له. # الثالثة: قال أبو السعود: في الآية إيذان بأن المتبع في الباب هو البرهان ~~السماوي، دون الآراء والأهواء الباطلة. # وقد سبقه إلى ذلك الرازي حيث قال: هذه الآية دالة على فساد التقليد. وذلك ~~لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، ~~وهذا إنما صح إذا كان القول بإثبات ما لا دليل على ثبوته، يكون باطلا، ~~فيلزم فساد القول بالتقليد- انتهى- ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في النصر على ~~عدوه، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزموا أمر الرسول ~~لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم ففارقهم النصر، ~~فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم سوء عواقب المعصية وحسن عاقبة ~~الطاعة بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 152] # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # ولقد صدقكم الله وعده في قوله: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم. إذ ~~تحسونهم أي تقتلونهم قتلا كثيرا. من (حسه) إذا أبطل حسه بإذنه أي بتيسيره ~~وتوفيقه حتى إذا فشلتم أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة وتنازعتم في ~~الأمر أي في الإقامة بالمركز، فقال أصحاب عبد الله «1» : # الغنيمة. أي قوم! الغنيمة. ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد الله ms0938 بن ~~جبير: # أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا والله ~~لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا ~~منهزمين- رواه الإمام أحمد- و (الأمر) إما بمعنى الشأن والقصة، وإما الذي ~~يضاده (النهي) أي فيهم أمرتم به من عدم البراح وعصيتم أي أمر الرسول أن لا ~~تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم، PageV02P428 # وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا- رواه البخاري- من بعد ما أراكم ~~ما تحبون أي من الظفر والغنيمة، وانهزام العدو. روى البخاري «1» عن البراء ~~قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من ~~الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا ~~عليهم- بلفظ ما تقدم- ثم قال البراء: فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء ~~يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة ~~الغنيمة ... الحديث. منكم من يريد الدنيا أي الغنيمة فترك المركز ومنكم من ~~يريد الآخرة فثبت فيه وهم الذين نالوا شرف الشهادة، ومنهم أنس بن النضر ~~الأسد المقدام، القائل وقتئذ: اللهم! إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني ~~المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، ~~فقال أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد! فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته ~~أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم- هذا لفظ ~~البخاري- وأخرجه مسلم بنحوه، فرضي الله عنه وأرضاه وقدس روحه الزكية ثم ~~صرفكم عنهم أي كفكم عنهم حتى حالت الحال، ودالت الدولة. # وفيه من اللطف بالمسلمين ما لا يخفى ليبتليكم أي ليجعل ذلك الصرف محنة ~~عليكم لتتوبوا إلى الله، وترجعوا إليه، وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره، ~~وملتم إلى الغنيمة. ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم بقوله ولقد عفا عنكم ~~أي تفضلا عليكم لإيمانكم والله ذو فضل على المؤمنين أي في الأحوال كلها، ~~إما بالنصرة إما بالابتلاء، فإن الابتلاء فضل ولطف خفي، ليتمرنوا بالصبر ~~على الشدائد، والثبات PageV02P429 # في المواطن، ويتمكنوا في اليقين، ويجعلوه ملكة لهم، ويتحققوا أن الله لا ms0939 ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يميلوا إلى الدنيا وزخرفها، ولا ~~يذهلوا على الحق، وليكون عقوبة عاجلة للبعض، فيتمحصوا عن ذنوبهم، وينالوا ~~درجة الشهادة، فيلقوا الله ظاهرين- أفاده القاشاني-. ### | لطائف: # الأولى: (إذا) في قوله تعالى حتى إذا فشلتم إما شرط، أو، لا. وعلى الأول ~~فجوابها إما محذوف أو مذكور. فتقديره، على كونه محذوفا، حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منعكم الله نصره- ~~لدلالة صدر الآية عليه- أو صرتم فريقين، لأن قوله تعالى: منكم من يريد ... ~~إلخ يفيد فائدته، ويؤدي معناه. وعلى كونه مذكورا فهو إما (وعصيتم) والواو ~~صلة. وحكي هذا عن الكوفيين والفراء، قالوا: ونظيره قوله تعالى: فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم [الصافات: 103- 104] . والمعنى ~~ناديناه. وبعض من نصر هذا الوجه زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب ~~(حتى إذا) بدليل قوله أورد عليهم من لزوم تعليل الشيء بنفسه- إذ الفشل ~~والتنازع معصية فكيف يكونان علة لها- بأن المراد من العصيان خروجهم عن ذلك ~~المكان. ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عنه، فلا لزوم. وإما ~~قوله تعالى صرفكم عنهم وكلمة (ثم) صلة- قاله أبو مسلم-. # وعلى الثاني أعني كونها ليست شرطا فهي اسم و (حتى) حرف جر بمعنى إلى ~~متعلقة بقوله تعالى صدقكم باعتبار تضمنه لمعنى النصر كأنه قيل: لقد نصركم ~~الله (إلى) وقت فشلكم وتنازعكم. # الثانية: فائدة قوله تعالى من بعد ما أراكم ما تحبون التنبيه على عظم ~~المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد، كان من حقهم ~~أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبوا ذلك الإكرام. # الثالثة: ظاهر قوله تعالى: ولقد عفا عنكم. أنه تعالى عفا عنهم من غير ~~توبة، لأنها لم تذكر، فدل على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر. # الرابعة: في قوله تعالى: والله ذو فضل على المؤمنين. دليل على أن صاحب ~~الكبيرة مؤمن، فإن الذنب في الآية كان كبيرة- والله أعلم-. # PageV02P430 # ثم ذكرهم تعالى بحالهم وقت الفرار بقوله: ### | القول في تأويل ms0940 قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 153] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) # إذ تصعدون متعلق ب (صرفكم) أو بقوله (ليبتليكم) ، أو بمقدر. # والإصعاد الإبعاد في الأرض. أي تبعدون في الفرار، وقرئ: تصعدون. من ~~الثلاثي، أي في الجبل ولا تلوون أي لا تعطفون بالوقوف على أحد أي من قريب ~~ولا بعيد، من الدهش والروعة والرسول يدعوكم في أخراكم أي ساقتكم وجماعتكم ~~الأخرى، إلى ترك الفرار من الأعداء وإلى العود والكرة عليهم. وأنتم مدبرون ~~وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير وثوقا بوعد الله ومراقبة له. # قال السدي: لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد، فهزموهم، دخل بعضهم ~~المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يدعو الناس: إلي عباد الله! إلي عباد الله! فذكر الله ~~صعودهم إلى الجبل- ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: إذ ~~تصعدون ... إلخ # - قال ابن كثير: وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. # وفي حديث البراء رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد «1» أنهم لما انهزموا ~~لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. # وروى مسلم «2» عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في ~~سبعة من الأنصار ورجلين من قريش # فأثابكم أي جازاكم بهذا الهرب والفرار غما بغم أي غما متصلا بغم، يعني غم ~~الهزيمة والكسرة، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قتل. وقيل الباء بمعنى ~~مع، وقيل بمعنى على، وهما PageV02P431 # قريبان من الأول. وقيل الباء للمقابلة والعوض، أي أذاقكم غما بمقابلة غم ~~أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عصيانكم أمره. قاله الزجاج. وقال ~~الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، وقيل: المعنى غما ~~بعد غم أي غما مضاعفا. ثم أشار إلى سر ذلك بقوله لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ~~أي ms0941 لتتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات فيها، وتتعودوا رؤية الغلبة ~~والظفر والغنيمة، وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم، فلا تحزنوا على ما ~~فاتكم من الحظوظ والمنافع. وقوله: ولا ما أصابكم من الغموم والمضار. # قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) : وقيل جازاكم غما بما غممتم به ~~رسوله بفراركم عنه، وأسلمتموه إلى عدوه. فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم ~~الذي أوقعتموه بنبيه. والقول الأول أظهر لوجوه: # أحدها: أن قوله لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم تنبيه على حكمة ~~هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وعلى ما ~~أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السلب، وهذا إنما يحصل بالغم الذي ~~يعقبه غم آخر. # الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم ~~الهزيمة، ثم غم الجراح الذي أصابهم، ثم غم القتل ثم غم سماعهم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد قتل، ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم. وليس ~~المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان. # الثالث: أن قوله (بغم) من تمام الثواب، لا أنه سبب جزاء الثواب. والمعنى ~~أثابكم غما متصلا بغم، جزاء على ما وقع منكم من الهرب، وإسلامكم نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، وترك استجابتكم له وهو يدعوكم، ومخالفتكم له في ~~لزوم مركزكم، وتنازعكم في الأمر وفشلكم. وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما ~~يخصه، فترادفت عليهم الغموم، كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها. ولولا أن ~~تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر. ومن لطفه بهم، ورأفته ورحمته، أن هذه الأمور ~~التي صدرت منهم كان من أمور الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من ~~النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل، فيترتب ~~عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبة منها، والاحتراز من ~~أمثالها، ودفعها بأضدادها، أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة ~~المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرا # PageV02P432 # بعدها ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت ms0942 الأجسام بالعلل. ### | لطيفة: # لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، ويجوز أيضا استعماله في ~~الشر، لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي رجع إليه. قال تعالى: وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس [البقرة: 125] . والمرأة تسمى (ثيبا) لأن الواطئ ~~عائد إليها. # وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيرا أو شرا، ~~إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير. فإن حملنا لفظ الثواب هاهنا ~~على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملنا على مقتضى العرف كان ذلك واردا على ~~سبيل التهكم، كما يقال: تحيته الضرب وعتابه السيف، أي جعل الغم مكان ما ~~يرجون من الثواب على حد: فبشرهم بعذاب [آل عمران: 21]- قاله الرازي-. ### | تنبيه: # قال المفضل: (لا) زائدة، والمعنى للتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم ~~عقوبة لكم، كقوله: ألا تسجد [الأعراف: 12] ، و: لئلا يعلم [الحديد: # 29] ، أي أن تسجد وليعلم. # وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى ~~الجيد على اعتبارها، فالوجه ما سلف. # والله خبير بما تعملون خيرا وشرا، قادر على مجازاتكم، وفيه أعظم زاجر عن ~~الإقدام على المعصية. ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، ~~وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه، كما قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 154] # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور (154) # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة أي أمنا. والأمنة (بتحريك الميم) مصدر، # PageV02P433 # يقال: أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة (محركتين) وفي حديث «1» نزول عيسى ~~عليه السلام، وتقع ms0943 الأمنة في الأرض، أي الأمن. ومثله من المصادر العظمة ~~والغلبة، وهو منصوب على المفعولية. وقوله تعالى نعاسا بدل من أمنة وقيل: هو ~~المفعول، وأمنة حال أو مفعول له يغشى طائفة منكم وهم المخلصون، أهل اليقين ~~والثبات والتوكل الصادق، والجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له ~~مأموله. والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال: ~~إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ... [الأنفال: 11] الآية. وروى البخاري «2» في ~~التفسير عن أنس عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، ~~قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. ورواه الترمذي والنسائي ~~والحاكم. # ولفظ الترمذي «3» : قال أبو طلحة: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما ~~منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله تعالى: ثم أنزل ~~عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا. وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد: منها أن ~~الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في ~~مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم. وذلك مما ~~يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى- انتهى- ثم ~~أخبر تعالى أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه، لا دينه ولا نبيه ~~ولا أصحابه، بقوله وطائفة قد أهمتهم أنفسهم أي ما بهم إلا هم أنفسهم وقد ~~قصد خلاصها، فلم يغشهم النعاس، من القلق والجزع والخوف يظنون بالله غير ~~الحق أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ظن الجاهلية كما قال ~~تعالى في الآية الأخرى: بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا ... [الفتح: 12] الآية- وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا ~~تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد PageV02P434 # وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل ~~لهم هذه الظنون الشنيعة. # قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق ~~بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره ms0944 سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل. وفسر ~~بأن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه. ففسر بإنكار الحكمة، ~~وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وهذا هو ظن ~~السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح، حيث ~~يقول: # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، ~~عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم، وساءت مصيرا ~~[الفتح: 6] . وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، ~~وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته ~~المبرأة من كل سوء. بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية ~~والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وكلمته التي سبقت لرسله ~~أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظن به أنه لا ينصر ~~رسله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد جنده، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ~~ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، ~~والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم ~~بعده أبدا- فقد ظن بالله السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله ~~وصفاته ونعوته. فإن عزته وحكمة إلهيته تأبى ذلك، ويأبى أن يذل حزبه وجنده، ~~وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به- ~~فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله. وكذلك من ~~أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. ~~وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة ~~يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة ~~هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج ~~تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قدرها ~~سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا: ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين ~~كفروا من النار [ص: 27] . وأكثر ms0945 الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، ~~فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم. ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف ~~أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته. فمن قنط من # PageV02P435 # رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه ~~مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن ~~به أن يترك خلقه سدى معطلين من الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ~~ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه ~~لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن بإحسانه، ~~والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم ~~صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن ~~أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ~~ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنيع له فيه، ولا اختيار ~~له، ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن ~~أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها ~~أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم، يضلون بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء ~~حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم ~~من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا ~~الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر ~~صادق، وإلا فالعقل لا يقتضي بقبح أحدهما وحسن الآخر- فقد ظن به ظن السوء. ~~ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، ~~وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ~~ملغزة، لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه ~~أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على ms0946 ~~غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي ~~بالألغاز والأحاجي، أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه، ~~وصفاته على عقولهم وآرائهم # ، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من ~~خطابهم ولغتهم، مع قدرته أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم ~~من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق ~~الهدى والبيان- فقد ظن به ظن السوء. فإنه إن قال إنه غير قادر على التعبير ~~عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز. وإن قال ~~إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان، وعن التصريح بالحق، إلى ما يوهم، بل ~~يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد- فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. ~~وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون # PageV02P436 # الله ورسوله. وإن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله فإنما ~~يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين الحيارى هو ~~الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن ~~السوء. ومن الظانين به غير الحق، ظن الجاهلية. ومن ظن به يكون في ملكه ما ~~يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه كان ~~معطلا من الأزل إلى الأبد، عن أن يفعل ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ~~ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ~~ليس فوق سماواته على عرشه، بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه ~~كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل ~~كما أنه أعلى، ومن قال سبحان ربي الأسفل، كمن قال سبحان ربي الأعلى- فقد ظن ~~به أقبح الظن. # ثم قال: وبالجملة فيمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، ووصفه به ورسله، أو ~~عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أن ~~أحدا ms0947 يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم ~~إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم ~~إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم ويخافونهم، ويرجونهم- فقد ظن ~~به أقبح الظن وأسوأه. # ثم قال: ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله ~~واستعان به وتوكل عليه، أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله- فقد ظن به ظن السوء. ~~وظن به خلاف ما هو أهله. # ثم قال: ومن ظن به أنه إن عصاه أو أسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من ~~دونه وليا، ودعا من دونه ملكا أو بشرا، حيا أو ميتا، يرجو بذلك أن ينفعه ~~عند ربه، ويخلصه من عذابه- فقد ظن به ظن السوء. وذلك زيادة في بعده من ~~الله، وفي عذابه. ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد أعداءه تسليطا مستقرا ~~دائما في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا ~~بالأمر دون وصيته، وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم، وكان العزة ~~والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل ~~الحق، وهو يرى قهرهم لهم، وغصبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر ~~على نصر أوليائه، وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل أعداءهم ~~عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على # PageV02P437 # ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل أعداءه الذين بدلوا دينه ~~مضاجعيه في حضرته، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت (كما تظنه الرافضة) - فقد ~~ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا إنه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم ~~الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك. فهم قادحون في قدرته أو في حكمته ~~وحمده، وذلك من ظن السوء به. ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن ~~به ذلك، غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفوا هذا الظن ~~الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا: لم يكن هذا ~~بمشيئة الله، ms0948 ولا قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال ~~عباده، ولا يدخل تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم. ~~وكل مبطل وكافر ومبتدع ومقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن، وإنه أولى ~~بالنصر والظفر والعلو من خصومه. فأكثر الخلق، بل كلهم، إلا من شاء الله، ~~يظنون بالله غير الحق وظن السوء. فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ~~ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ~~ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على ~~التصريح به. ومن فتش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها ~~كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ~~ولو فتشت من فتشته، لرأيت عنده تعتبا على القدر، وملامة له، واقتراحا عليه ~~خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش ~~نفسك هل أنت سالم من ذلك: # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا # فليعتن اللبيب الناصح نفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت، ~~من ظنه بربه ظن السوء. وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء، ومنبع كل ~~شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل ~~العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد ~~التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء، في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. ~~فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك. وأفعاله كذلك، كلها حكمة ~~ومصلحة ورحمة وعدل. وأسماؤه كلها حسنى. والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام ~~من قوله تعالى: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. # ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل بقوله: يقولون هل لنا من ~~الأمر من شيء أي هل لنا من أمر التدبير والرأي من شيء، استفهام على سبيل # PageV02P438 # الإنكار. أي ما لنا أمر يطاع. ونظيره ما حكاه الله ms0949 عنهم أنهم قالوا: لو ~~أطاعونا ما قتلوا [آل عمران: 168] . وذلك أن عبد الله بن أبي لما شاوره ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، أشار عليه بأن لا يخرج من ~~المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج ~~إليهم، كما تقدم: ولما رجع عبد الله بن أبي بمن معه، وأخبر بكثرة القتلى من ~~بني الخزرج، قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعني أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لم يقبل قولي حين أمرته بأنه يبقى في المدينة ولا يخرج منها قل إن الأمر ~~كله لله أي التدبير كله لله، فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق ~~قضائه فلا مرد له. # قال الإمام ابن القيم قدس الله روحه: ليس مقصودهم بقولهم: هل لنا من ~~الأمر من شيء وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. إثبات ~~القدر، ورد الأمر كله إلى الله. ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ~~ذموا عليه، لما حسن الرد عليهم بقوله: إن الأمر كله لله. ولا كان مصدر هذا ~~الكلام ظن الجاهلية. # ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب ~~بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه تبعا لهم، ويسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ويكون النصر والظفر ~~لهم. فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن الجاهلية، وهو ~~الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون، بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم ~~يكن بد من نفاذه، أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما ~~نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: قل إن الأمر كله لله. فلا يكون إلا ما سبق ~~قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، شاء ~~الناس أم أبوا. وما لم يشأ لم يكن، شاء الناس أو لم يشاءوه. وما جرى عليكم ~~من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى ms0950 دفعه، سواء كان لكم من ~~الأمر شيء أو لم يكن، وأنكم لو كنتم في بيوتكم، وقد كتب القتل على بعضكم، ~~لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد. سواء أن يكون ~~لهم من الأمر شيء أو لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية ~~النفاة، الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع- انتهى- ~~يخفون في أنفسهم أي يضمرون فيها، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ما لا ~~يبدون لك لكونه لا يرضاه الله تعالى. ثم بين ذلك بعد إجماله فقال يقولون لو ~~كان لنا من الأمر أي المسموع شيء ما قتلنا هاهنا أي ما غلبنا، أو ما قتل من ~~قتل منا، لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو. ولما أخبر تعالى ~~بما أخفوه جهلا منهم، ظنا أن الحذر يغني من القدر، أمره تعالى بالرد عليهم ~~بقوله # PageV02P439 # قل لو كنتم في بيوتكم أي أجمع رأيكم على أن لا تبرحوا من منازلكم أنتم ~~والمقتولون لبرز أي خرج الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ إلى ~~مضاجعهم أي التي قدر الله قتلهم فيها، ولم يثبتوا في ديارهم، لأنه يوقع في ~~قلوبهم الخروج إمضاء لقدره وحكمه المحتوم الذي لا يقع خلافه ولا يرد، ~~لقوله: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها، إن ذلك على الله يسير [الحديد: 22] . وفيه مبالغة في رد مقالتهم ~~الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضا. وفي ~~التعبير ب (مضاجعهم) من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق ~~السليم. وليبتلي الله ما في صدوركم أي ليعاملكم معاملة الممتحن، ليستخرج ما ~~في صدوركم من الإخلاص والنفاق، ليجعله حجة عليكم، فالمؤمن لا يزداد بذلك ~~إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه ~~على جوارحه ولسانه وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية، ~~للإيذان بكثرتها. كأنه قيل: فعل ms0951 ما فعل لمصالح جمة وليبتلي ... إلخ، أو ~~لفعل مقدر بعدها، أي: وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا لعدم العناية بأمر ~~المؤمنين. وجعلها عللا ل (برز) يأباه الذوق السليم. فإن مقتضى المقام بيان ~~حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول، لا بيان حكمة البروز المفروض- أفاده ~~أبو السعود- ثم ذكر تعالى حكمة أخرى بقوله وليمحص ما في قلوبكم أي يخلصه ~~وينقيه ويهذبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم ~~العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة- ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان ~~والإسلام والبر والتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه ~~المخالطة، ولم تتمحص منه. فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقضي لها من المحن ~~والبلاء، ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء. إن لم يتداركه طبيبه ~~بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك. # فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل ~~نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم. فله عليهم النعمة التامة في ~~هذا وهذا- أفاده ابن القيم. # وقال القاشاني: البلاء سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليهم بتصفيتهم ~~عن صفات نفوسهم، وإظهار ما فيهم من الكمالات، وانقطاعهم من الخلق إلى الحق. # ولهذا كان متوكلا بالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله: ما أوذي نبي مثل ما ~~أوذيت # . كأنه قال: ما صفى نبي مثل ما صفيت. ولقد أحسن من قال: # PageV02P440 # لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار # إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده. # والله عليم بذات الصدور أي الضمائر الملازمة لها، وعد ووعيد. ثم أخبر ~~تعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 155] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) # إن الذين تولوا منكم أي عن القتال ومقارعة الأبطال يوم التقى ms0952 الجمعان أي ~~جمع المسلمين وجمع المشركين إنما استزلهم الشيطان أي حمله على الزلل بمكر ~~منه. مع وعد الله بالنصر ببعض ما كسبوا أي بشؤم بعض ما اكتسبوه بهم من ~~الذنوب، كترك المركز، والميل إلى الغنيمة، مع النهي عنه، فمنعوا التأييد ~~وقوة القلب. قال ابن القيم: كانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة. ~~فإن الأعمال جند للعبد، وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه ~~تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث ~~إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. فأعمال العبد تسوقه ~~قسرا إلى مقتضاه من الخير والشر. والعبد لا يشعر، أو يشعر ويتعامى. ففرار ~~الإنسان من عدوه، وهو يطيقه، إنما هو بجند من عمله، بعثه له الشيطان ~~واستزله به. ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم بقوله: ولقد عفا الله عنهم أي ~~بالاعتذار والندم لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق، ولا شك أنه كان عارضا عفا ~~الله عنه، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها إن الله غفور ~~حليم أي يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 156] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وهم المنافقون القائلون: لو # PageV02P441 # كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا # . وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أي سافروا فيها للتجارة فأصيبوا ~~بغرق أو قتل أو كانوا أي إخوانهم غزى جمع غاز فأصيبوا باصطدام أو قتل لو ~~كانوا عندنا أي مقيمين ما ماتوا وما قتلوا قال أبو السعود: ليس المقصود ~~بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول، بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم ~~بموجبه. # أقول: بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود ms0953 أولا وبالذات، ~~وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس، ويخل بالمقام الإلهي، كما بينته ~~السنة، وسنذكره في التنبيه الآتي. # وقوله ليجعل الله ذلك أي القول حسرة في قلوبهم متعلق ب (قالوا) على أن ~~اللام لام العاقبة، مثلها في ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] أي قالوا ذلك ~~واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم. والمراد بالتعليل المذكور بيان عدم ترتب ~~فائدة ما، على ذلك أصلا والله يحيي ويميت رد لقولهم الباطل، إثر بيان ~~غائلته. # أي هو المؤثر في الحياة والممات وحده، من غير أن يكون للإقامة أو للسفر ~~مدخل في ذلك، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد ~~الحتوف، ويميت المقيم مع حيازته لأسباب السلامة. وعن خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه أنه قال عند موته: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ~~ذا أموت كما يموت العير. فلا نامت أعين الجبناء! والله بما تعملون بصير ~~تهديد للمؤمنين في مماثلة من ذكر. # قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أنه لا يجوز التشبه بالكفار. قال الحاكم: ~~وقد يكون منه ما يكون كفرا. وفيها أيضا دلالة على أنه لا يسقط وجوب الجهاد ~~بخشية القتل. ### | تنبيه: # أشعرت الآية بوجوب حفظ المنطق مما يشاكل ألفاظ المشركين من الكلمات ~~المنافية للعقيدة الإسلامية كما ذكرنا. وقد عقد الإمام ابن القيم في (زاد ~~المعاد) فصلا في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ النطق واختيار الألفاظ ~~قال: # كان صلى الله عليه وسلم يتخير في خطابه، ويختار لأمته أحسن ألفاظ وأجملها ~~وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش. إلى أن قال: ومن ذلك ~~نهيه صلى الله عليه وسلم «1» PageV02P442 # عن قول القائل بعد فوات الأمر: لو أني فعلت كذا وكذا. وقال: إنها تفتح ~~عمل الشيطان. وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة، وهو أن يقول: قدر ~~الله، وما شاء فعل. وذلك لأن قوله: لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني ~~أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة. ms0954 فإنه غير مستقبل ~~لما استدبر من أمره، وغير مستقيل عثرته ب (لو) . وفي ضمن (لو) ادعاء أن ~~الأمر لو كان كما قدره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه، فإن ما ~~وقع مما يتمنى خلافه، إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته. فإذا قال: لو أني ~~فعلت كذا لكان خلاف ما وقع، فهو محال، إذ خلاف المقدر المقضي محال. فقد ~~تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا. وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من ~~معارضته بقوله: لو أني فعلت لدفعت ما قدر علي. فإن قيل: ليس في هذا رد ~~للقدر ولا جحد له، إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر، فهو يقول: لو ~~وفقت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر، فإن القدر يدفع بعضه ببعض، كما ~~يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الذنوب بالتوبة، وقدر العدو بالجهاد، فكلاهما ~~من القدر. قيل: هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه. وأما إذا ~~وقع فلا سبيل إلى دفعه، وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو ~~أولى به من قوله: لو كنت فعلته، بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله ~~الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض، والله ~~يلوم على العجز، ويحب الكيس ويأمر به. والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط ~~الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتح عمل الخير ~~والأمر، وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان. فإنه إذا عجز عما ينفعه وصار ~~إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا، ولو فعلت كذا، يفتح عمل ~~الشيطان، فإن بابه العجز والكسل. ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهما. وهو مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم والحزن والبخل وضلع الدين وغلبة ~~الرجال. فمصدرها كلها عن العجز والكسل، وعنوانها (لو) ، فلذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، فالمتمني من ~~أعجز الناس وأفلسهم، فإن المنى رأس أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر، ms0955 ~~وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن ~~الأسباب التي تعرضه عن المعاصي، ويحول بينها وبينه، فيقع في المعاصي. ~~PageV02P443 # فجمع في هذا الحديث الشريف، في استعاذته صلى الله عليه وسلم أصول الشر ~~وفروعه ومباديه وغاياته وموارده ومصادره. وهو مشتمل على ثمان خصال، كل ~~خصلتين منها قرينتان # فقال: أعوذ بك من الهم والحزن # ، وهما قرينان. فإن المكروه الوارد على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى ~~قسمين: فإنه إما أن يكون سببه أمرا ماضيا، فهو يحدث الحزن، وإما أن يكون ~~توقع أمر مستقبل، فهو يحدث الهم، وكلاهما من العجز. فإن ما مضى لا يدفع ~~بالحزن، بل بالرضاء والحمد والصبر والإيمان بالقدر، وقول العبد: قدر الله ~~وما شاء فعل. وما يستقبل لا يدفع أيضا بالهم. بل إما أن يكون له حيلة في ~~دفعه فلا يعجز عنه، وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع منه، ويلبس ~~له لباسه، ويأخذ له عدته، ويتأهب له أهبته اللائقة، ويستجن بجنة حصينة من ~~التوحيد والتوكل والانطراح بين يدي الرب تعالى، والاستسلام له، والرضا به ~~ربا في كل شيء، ولا يرضى به ربا فيما يحب دون ما يكره. فإذا كان هكذا لم ~~يرض به ربا على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبدا على الإطلاق.. فالهم ~~والحزن لا ينفعان العبد البتة، بلا مضرتهما أكثر من منفعتهما، فإنهما ~~يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، ~~ويقطعان عليه طريق السير، أو ينكسانه إلى وراء أو يعوقانه ويقفانه أو ~~يحجبانه عن العلم الذي كلما رآه شمر إليه، وجد في سيره، فهما حمل ثقيل على ~~ظهر السائر، بل إن عاقة الهم والحزن عن شهواته وإرادته التي تضره في معاشه ~~ومعاده، انتفع به من هذا الوجه، وهذا من حكمة العزيز الحكيم، أن سلط هذين ~~الجندين على القلوب المعرضة عنه، الفارغة من محبته وخوفه ورجائه والإنابة ~~إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار إليه، والانقطاع إليه، ليردها بما ~~يبتليها به من الهموم والغموم والأحزان، والآلام القلبية، عن ms0956 كثير من ~~معاصيها وشهواتها المردية. وهذه القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار. وإن ~~أريد بها الخير، كان حظها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن، ~~حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله، والأنس به، وجعل محبته في ~~محل دبيب خواطر القلب ووساوسه، بحيث يكون ذكره تعالى وحبه وخوفه ورجاؤه ~~والفرح به والابتهاج بذكره، هو المستولي على القلب الغالب عليه، الذي متى ~~فقده، فقد قوته، الذي لا قوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ولا سبيل إلى ~~خلاص القلب من هذه الآلام التي هي أعظم أمراضه، وأفسدها له، إلا بذلك، ولا ~~بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يوصل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ~~ولا يصرف السيئات إلا هو، ولا يدل عليه إلا هو، وإذا أراد عبده لأمر هيأه ~~له، فمنه الإيجاد ومنه # PageV02P444 # الإعداد ومنه الإمداد. وإذا أقامه في مقام، أي مقام كان، فبحمده أقامه ~~فيه، وحكمته أقامته فيه، ولا يليق به غيره، ولا يصلح له سواه، ولا مانع لما ~~أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا يمنع عبده حقا هو للعبد، فيكون بمنعه ~~ظالما، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه ليعطيه، وليتضرع إليه ويتذلل بين يديه ~~ويتملقه ويعطي فقره إليه حقه. # بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة فاقة تامة إليه، على ~~تعاقب الأنفاس. وهذا هو الواقع في نفس الأمر وإن لم يشهده. فلم يمنع عبده ~~ما العبد محتاج إليه، بخلا منه ولا نقصان من خزائنه ولا استئثارا عليه بما ~~هو حق للعبد. بل منعه ليرده إليه وليعزه بالتذلل له، وليغنيه بالافتقار ~~إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليذيقه بمرارة المنع، حلاوة الخضوع ~~ولذة الفقر. وليلبسه خلعة العبودية، ويوليه بعزله أشرف الولايات، وليشهده ~~حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وبره ولطفه في قهره. وأن منعه عطاء وعزله ~~تولية وعقوبته تأديب وامتحانه محبة وعطية وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه ~~إليه. وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه. وحكمته وحمده أقاماه في ms0957 ~~مقامه الذي لا يليق به سواه ولا يحسن أن يتخطاه، انتهى. # ثم أشار تعالى إلى أن الموت في سبيل الله ليس مما يوجب الحسرة حتى يحذر ~~منه. بل هو مما يوجب الفرح والسرور، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 157] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ~~(157) # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم أي فيه من غير قتال لمغفرة من الله أي ~~لذنوبكم تنالكم ورحمة خير مما يجمعون أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها ~~الفانية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 158] # ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # ولئن متم أو قتلتم على أي وجه كان حسب القضاء السابق لإلى الله أي الذي ~~هو متوفيكم لا غيره تحشرون فيجزيكم بأعمالكم. ### | لطائف: # الأولى: أطال نحاة المفسرين في قوله تعالى وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا # PageV02P445 # إلخ. من الوجوه النحوية في (إذا) هنا، وإنه ربما يتبادر أن الموقع ل (إذ) ~~لا لها حيث إن متعلقها وهو (قالوا) ماض. و (إذا) ظرف لما يستقبل. فمن قائل ~~بأن (إذا) لحكاية الحال الماضية، ومن قائل بأنها للاستمرار. وقيل: إن ~~(كفروا) و (قالوا) مراد بهما المستقبل. وفي كل مناقشات وتعسفات. والحق أنها ~~تكون للمضي أيضا. قال المجد الفيروز آبادي: وتجيء (إذا) للماضي كقوله ~~تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها. فلا إشكال. # ونقل الرازي عن قطرب: أن كلمة (إذ) و (إذا) يجوز إقامة كل واحدة منهما ~~مقام الأخرى. قال الرازي: وهذا الذي قاله قطرب كلام حسن، وذلك لأنا إذا ~~جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يجوز إثباتها ~~بالقرآن العظيم أولى. ثم قال: وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير ~~الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به. ~~وأنا شديد التعجب منهم. فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه ~~دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى، ~~انتهى. # الثانية: ms0958 الجمهور على ضم الميم في قوله تعالى: أو متم وهو الأصل لأن ~~الفعل منه يموت. ويقرأ بالكسر وهو لغة طائية. يقال مات يمات مثل خاف يخاف ~~فكما تقول خفت تقول مت. # الثالثة: قدم القتل على الموت في الأولى لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله. # فترتيب المغفرة والرحمة عليه أقوى. وقدم الموت في الثانية لأنه أكثر. ~~وهما مستويان في الحشر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 159] # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين (159) # فبما رحمة من الله لنت لهم أي للذين تولوا عنك حين عادوا إليك بعد ~~الانهزام، وللمؤمنين عموما كما قال تعالى: بالمؤمنين رؤف رحيم [التوبة: # 128] . و (ما) مزيدة للتوكيد أو نكرة. و (رحمة) بدل منها مبين لإبهامها. # والنون للتفخيم، أي ما لنت هذا اللين الخارق للعادة، مع ما سبب فعلهم من # PageV02P446 # الغضب الموجب للعنف والسطوة لا سيما مع اعتراض من اعترض على ما أشار به، ~~إلا بسبب رحمة عظيمة ولو كنت فظا أي سيئ الخلق خشن الكلام غليظ القلب أي ~~قاسيه وشديدة. تعاملهم بالعنف والجفا لانفضوا أي تفرقوا من حولك فلم يسكنوا ~~إليك فلا تتم دعوتك. ولكن الله جعلك سهلا سمحا طلقا لينا لطيفا بارا رؤوفا ~~رحيما. فاعف عنهم أي فيما فرطوا في حقك كما عفا الله عنهم واستغفر لهم ~~إتماما للشفقة عليهم وشاورهم في الأمر أي أمر الحرب وغيره توددا إليهم ~~وتطيبا لنفوسهم واستظهارا بآرائهم وتمهيدا لسنة المشاورة في الأمة. وقد ساق ~~العلامة الرازي وجوها أخرى في فائدة أمره تعالى له عليه الصلاة والسلام ~~بمشاورتهم. # منها: أنه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أكمل الناس عقلا، إلا أن علوم ~~الخلق متناهية. فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر ~~بباله. لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا.، # فإنه صلى الله عليه وسلم قال «1» : أنتم أعرف بأمور دنياكم. ms0959 # ومنها: أن الأمر بمشاورتهم لا لأجل أنه صلى الله عليه وسلم محتاج إليهم، ~~ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه ~~الأصلح في تلك الواقعة فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح ~~الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله. ~~وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل ~~من صلاة المنفرد. انتهى. # وقد ثبت مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في عدة أمور: منها أنه ~~شاورهم في يوم بدر «2» في الذهاب إلى العير. فقالوا: يا رسول الله لو ~~استعرضت بنا عرض البحر PageV02P447 # لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال ~~قوم موسى لموسى «1» : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن نقول: # اذهب فنحن معك وبين يديك، وعن يمينك وشمالك مقاتلون. وشاورهم أيضا أين ~~يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاورهم في أحد ~~في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ~~فخرج إليهم. # وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ. فأبى ذلك ~~عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية ~~في أن يميل على ذراري المشركين فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد، ~~وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قاله. # وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك «2» : أشيروا علي، معشر المسلمين، ~~في قوم أبنوا أهلي ورموهم. وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء. وأبنوهم ~~بمن، والله، ما علمت عليه إلا خيرا. # واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها. فكان صلى الله عليه ~~وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. أفاده الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. # قال الخفاجي: في الآية إرشاد إلى الاجتهاد وجوازه بحضرته صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الرازي: دلت على أنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالاجتهاد ~~إذا لم ينزل عليه الوحي. والاجتهاد ms0960 يتقوى بالمناظرة والمباحثة، فلهذا كان ~~مأمورا بالمشاورة، انتهى. # وقال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصا لمن ~~يدعو إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف. فإذا عزمت أي بعد المشاورة على أمر ~~واطمأنت به نفسك فتوكل على الله في الإعانة على إمضاء ما عزمت، لا على ~~المشورة وأصحابها. قال الرازي: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل ~~الإنسان نفسه، كما يقول بعض الجهال. وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا ~~للأمر بالتوكل، بل PageV02P448 # التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها ~~بل يعول على عصمة الحق إن الله يحب المتوكلين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # إن ينصركم الله كما نصركم يوم بدر فلا غالب لكم وإن يخذلكم كما فعل يوم ~~أحد فمن ذا الذي ينصركم من بعده استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ذاتا ~~وصفة وبطريق المبالغة. وهذا ### | تنبيه # على أن الأمر كله لله، وترغيب في الطاعة، وفيما يستحقون به النصر من الله ~~تعالى والتأييد. وتحذير من المعصية، ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان. ~~كذا في الكشاف. وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل ~~والتفويض إليه، لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه- ~~كذا في الكشاف-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 161] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) # وما كان لنبي أن يغل قرئ بالبناء للمعلوم، أي ما صح وما تأتى لنبي من ~~الأنبياء أن يخون في المغنم، بعد مقام النبوة وعصمة الأنبياء عن جميع ~~الرذائل، وعن تأثير دواعي النفس والشيطان فيهم وبالبناء للمجهول، أي ما صح ~~أن ينسب إلى الغلول ويخون. # روى أبو داود والترمذي «1» عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ما كان لنبي ~~أن يغل، في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال ms0961 بعض الناس: لعل رسول الله ~~أخذها، فأنزل الله وما كان لنبي ... الآية. قال الترمذي: حسن غريب. ورواه ~~ابن مردويه عن ابن عباس أيضا، ولفظه: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشيء فقد، فأنزل الله تعالى وما كان لنبي ... الآية- وهذا تنزيه ~~لمقامه صلى الله عليه وسلم الرفيع وتنبيه على PageV02P449 # عصمته. ثم أشار إلى وعيد الغلول بقوله ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ~~أي بعينه، حاملا له على ظهره، ليفتضح في المحشر، كما # روى الشيخان «1» عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء ~~يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا ~~أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له ~~حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله ~~أغثني فأفول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة ~~على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا ~~قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقاع تخفق فيقول: يا رسول ~~الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا ~~قد بلغت- لفظ مسلم. # وروى البخاري «2» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان على ثقل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له (كركرة) فمات، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها # وعن زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي ~~يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على ~~صاحبكم، فتغيرت وجوه ms0962 الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا ~~متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين- أخرجه أبو داود «3» ~~والنسائي- # وروى عبد الله ابن الإمام أحمد «4» عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم فيقول: ما لي فيه ~~إلا مثل ما لأحدكم منه. إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم ~~القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك. وجاهدوا في سبيل الله القريب ~~والبعيد في الحضر والسفر. # فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. إنه لينجي الله تبارك وتعالى به من الهم ~~والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم # . وروى ابن PageV02P450 # ماجة بعضه. # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما ~~كان يوم خيبر، أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان ~~شهيد. فلان شهيد. حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: كلا إني رأيته في النهار في بردة غلها أو عباءة. ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس إنه لا ~~يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا ~~المؤمنون. وكذا رواه مسلم «1» والترمذي. # وروى أبو داود «2» عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس فيجوزوا بغنائمهم فيخمسه ~~ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا ~~أصبناه من الغنيمة. فقال: أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟ قال: نعم. قال: # فما منعك أن تجيء؟ فاعتذر. فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة. فلن أقبله ~~منك. ### | تنبيه: # من المفسرين من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجازا عن الإتيان بإثمه ~~تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا. قال أبو مسلم: المراد أن الله ~~تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ms0963 ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى ~~عليه خافية. وقال أبو القاسم الكعبي: المراد أنه يشتهر بذلك، مثل اشتهار من ~~يحمل ذلك الشيء. # وناقشهما الرازي بأن هذا التأويل يحتمل، إلا أن الأصل المعتبر في علم ~~القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة، إلا إذا قام دليل يمنعه منه، ~~وهاهنا لا مانع من الظاهر، فوجب إثباته- انتهى. ومما يؤيده # قوله صلى الله عليه وسلم «له رغاء، له حمحمة ... » # إلخ الظاهر في الحقيقة زيادة في النكال. # ثم توفى كل نفس ما كسبت تعطى جزاء ما كسبت وافيا، وإنما عمم الحكم ولم ~~يقل: ثم يوفى ما كسب، ليكون كالبرهان على المقصود، والمبالغة فيه، فإنه إذا ~~كان كل كاسب مجزيا بعمله، فالغال، مع عظم جرمه بذلك أولى وهم أي الناس ~~المدلول عليهم بكل نفس لا يظلمون فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد في عقاب ~~عاصيهم. PageV02P451 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 162] # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) # أفمن اتبع رضوان الله بالطاعة كمن باء رجع بسخط من الله بسبب المعاصي ~~كالغال ومن شاكله ومأواه جهنم وبئس المصير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 163] # هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) # هم درجات عند الله أي طبقات متفاوتة، تشبيه بليغ، ووجه ما بينهم من تباين ~~الأحوال في الثواب والعقاب، كالدرجات في تفاوتها علوا وسفلا. # قال القاشاني: أي كل من أهل الرضا وأهل السخط ذوو درجات متفاوتات، أو هم ~~مختلفون اختلاف الدرجات. # والله بصير بما يعملون أي بأعمالهم، فيجازيهم على حسبها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 164] # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) # لقد من الله أي أنعم على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم أي من ~~جنسهم، عربيا مثلهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته، والانتفاع به. # ولما ms0964 لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام خصوا بالذكر، وإلا فبعثته ~~صلى الله عليه وسلم إحسان إلى العالمين، كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] . # يتلوا عليهم آياته يعني القرآن بعد ما كانوا أهل جاهلية، لم يطرق أسماعهم ~~شيء من الوحي ويزكيهم أي يطهرهم من الذنوب والشرك بدعوته ويعلمهم الكتاب أي ~~القرآن والحكمة أي السنة وإن كانوا من قبل أي من قبل بعثته صلى الله عليه ~~وسلم وتزكيته لفي ضلال مبين أي ظاهر من عبادة الأوثان، وأكل الخبائث، ~~وعدوان بعضهم على بعض، وسواها، فنقلوا ببعثته صلى الله عليه وسلم من ~~الظلمات إلى النور، وصاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة، فعظمت ~~المنة لله تعالى عليهم بذلك. قال الرازي: # PageV02P452 # وفي قوله تعالى من أنفسهم وجه آخر من المنة، وذلك أنه صار شرفا للعرب، ~~وفخرا لهم، كما قال سبحانه: وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون [الزخرف: 44] ~~. وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود ~~والنصارى والعرب، ثم إن الأولين كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة ~~والإنجيل. # فما كان للعرب ما يقابل ذلك. فلما بعث الله محمدا، وأنزل عليه القرآن، ~~صار شرف العرب ذلك زائدا على شرف جميع الأمم. # ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا القول أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم ~~وبسبب أعمالهم فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 165] # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~إن الله على كل شيء قدير (165) # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا الهمزة للتقريع ~~والتقرير، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد، أو على محذوف مثل: ~~أفعلتم كذا وقلتم. و (لما) ظرفه المضاف إلى أصابتكم، أي حين أصابتكم مصيبة، ~~وهي قتل سبعين منكم يوم أحد، والحال أنكم نلتم ضعفيها يوم بدر من قتل سبعين ~~منهم وأسر سبعين: من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر قل هو من عند ~~أنفسكم أي مما اقترفته أنفسكم ms0965 من مخالفة الأمر بترك المركز، فإن الوعد كان ~~مشروطا بالثبات والمطاوعة. قال ابن القيم: وذكر سبحانه هذا بعينه فيما هو ~~أعم من ذلك في السورة المكية فقال: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير [الشورى: 30] . وقال: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك [النساء: 79] فالحسنة والسيئة هاهنا النعمة والمصيبة، ~~فالنعمة من الله من بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، ~~فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله، ~~ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. وختم الآية الأولى بقوله إن الله على كل شيء ~~قدير بعد قوله: قل هو من عند أنفسكم. إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه ~~عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب. فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، ~~وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول ~~بإبطال القدر، فهو شاكل قوله: لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله رب العالمين [التكوير: 28- 29] . وفي # PageV02P453 # ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو ~~الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على ~~سواه. كشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 166] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) # وما أصابكم يوم التقى الجمعان جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد فبإذن ~~الله أي فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار، فالإذن هنا هو الإذن الكوني ~~القدري، لا الشرعي الديني، كقوله في السحر: وما هم بضارين به من أحد إلا ~~بإذن الله [البقرة: 102] . ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير بقوله: وليعلم ~~المؤمنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 167] # وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله ms0966 أعلم بما يكتمون (167) # وليعلم الذين نافقوا أي ليعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية ~~يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تميزا ظاهرا وقيل لهم عطف على (نافقوا) ~~داخل معه في حيز الصلة. أو كلام مبتدأ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا يعني إن لم تقاتلوا لوجه الله تعالى فقاتلوا دفعا عن أنفسكم ~~وأموالكم قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم أي لكنه ليس إلا إلقاء النفس في ~~التهلكة هم أي بهذا القول للكفر في الظاهر يومئذ أقرب منهم للإيمان في ~~الظاهر مع أنه لا إيمان لهم في الباطن أصلا. ### | فائدتان: # الأولى- قال ابن كثير: استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، ~~فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. # الثانية- قال الواحدي: هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم ~~يكفر، ولم يطلق القول بتكفيره. لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم، مع أنهم ~~كانوا # PageV02P454 # كافرين، لإظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله- انتهى. # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم أي يظهرون خلاف ما يضمرون، لا تواطئ ~~قلوبهم ألسنتهم بالإيمان، وقوله بأفواههم تأكيد على حد: ولا طائر يطير ~~بجناحيه [الأنعام: 38] . والله أعلم بما يكتمون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 168] # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) # الذين قالوا لإخوانهم أي من أجل أقاربهم من قتلى أحد وقعدوا أي والحال قد ~~قعدوا عنهم خذلانا لهم لو أطاعونا أي في الرجوع ما قتلوا كما لم نقتل قل ~~كأنكم تزعمون ادعاء القدرة على دفع الموت فادرؤا أي ادفعوا عن أنفسكم الموت ~~أي فإنها أقرب إليكم من أنفسهم إن كنتم صادقين في أن الموت يغني منه حذر، ~~والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم، لا بسبب أنكم ~~دفعتموه بالقعود، مع كتابته عليكم، فإن ذلك مما لا سبيل إليه. # قال ابن القيم: وكان من الحكمة تقديره تعالى في هذه الواقعة تكلم ~~المنافقين بما في ms0967 نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه ~~لهم، وعرفوا مواد النفاق، وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا ~~والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة. فلله كم من حكمة في ضمن هذه ~~القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف، وإرشاد ~~و ### | تنبيه، # وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 169] # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~(169) # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا كلام مستأنف مسوق لبيان أن ~~القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه، ليس مما يحذر، بل هو من أجل المطالب ~~التي يتنافس فيها المتنافسون، إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني، أي لا ~~تحسبنهم أمواتا تعطلت أرواحهم بل هم أحياء فوق الدنيا لأنهم مقربون عند ~~ربهم إذ بذلوا له أرواحهم، لا بمعنى بقاء أرواحهم ورجوعها إليه، لمشاركة # PageV02P455 # أرواح غيرهم في ذلك، بل بمعنى أنهم يرزقون رزق الأحياء، لا رزقا معنويا، ~~بل حقيقيا. كما # روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : لما أصيب ~~إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل ~~من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ~~ومأكلهم، حسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا ~~يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب. فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم ~~عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات: ولا تحسبن ... إلخ. هكذا رواه الإمام أحمد ~~ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه # . وأخرج مسلم «2» عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ولا تحسبن ~~الذين قتلوا ... إلخ. فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف ~~طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى ~~تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي ~~شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة ms0968 حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما ~~رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في ~~أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. # وروى الإمام أحمد «3» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الشهداء على بارق- نهر بباب الجنة- فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم ~~من الجنة بكرة وعشية- تفرد به أحمد- ورواه ابن جريح بإسناد جيد. # قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم ~~من يكون على هذا النهر بباب الجنة. وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا ~~النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح- والله أعلم- ثم ~~قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد «4» حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن ~~روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من ~~النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز ~~عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن # الإمام أحمد PageV02P456 # رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن مالك بن أنس ~~الأصبحي رحمه الله عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نسمة المؤمن طائر ~~يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه. # قوله: يعلق أي يأكل. وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في ~~الجنة، وأما أرواح الشهداء، فكما تقدم، في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب ~~بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم ~~المنان، أن يميتنا على الإيمان- انتهى-. ### | تنبيه: # قال الواحدي: الأصح في حياة الشهداء، ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون. # وقال البيضاوي: الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر ~~مدرك بذاته، ms0969 لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ~~ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى: النار يعرضون عليها ... [غافر: 46] الآية-. # وحديث: أرواح الشهداء في أجواف طير.. إلخ. # قال الشهاب: يعني ليس الإنسان مجرد البدن بدون النفس المجردة، بل هو في ~~الحقيقة النفس المجردة، وإطلاقه على البدن لشدة التعلق بها، وهو جوهر مدرك ~~لذاته، أي من غير احتياج إلى هذا البدن، لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه- ~~انتهى. # وقال أبو السعود: في الآية دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف، لا يفنى ~~بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه. ومن قال بتجريد ~~النفوس البشرية يقول: المراد أن نفوس الشهداء تتمثل طيورا خضرا أو تتعلق ~~بها فتلتذ بما ذكر- انتهى. # وقد أسلفنا في سورة البقرة، في مثل هذه الآية، زيادة على ذلك. فتذكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 170] # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # فرحين بما آتاهم الله من فضله يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة # PageV02P457 # والإحسان الذين لا يغتم فيه بسلبه ويستبشرون بالذين أي بإخوانهم ~~المجاهدين الذين لم يلحقوا بهم لم يقتلوا فيلحقوا بهم من خلفهم متعلق ب ~~(يلحقوا) والمعنى: أنهم بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم. أو لم يلحقوا بهم: ~~لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون بدل من (الذين) ، ~~بدل اشتمال مبين أن استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم، والمعنى: ويستبشرون ~~بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين. وهو أنهم يبعثون آمنين ~~يوم القيامة، بشرهم الله بذلك، فهم مستبشرون به. وفي ذلك حال الشهداء ~~واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على الجد في الجهاد، والرغبة في ~~نيل منازل الشهداء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 171] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين أي يسرون بما ~~أنعم الله عليهم، وما ms0970 تفضل عليهم من زيادة الكرامة، وتوفير أجرهم عليهم. # قال أبو السعود: كرر لبيان أن الاستبشار المذكور ليس بمجرد عدم الخوف ~~والحزن، بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة، لا يقادر قدرها، وهي ثواب ~~أعمالهم. # ثم قال: والمراد بالمؤمنين: إما الشهداء، والتعبير عنهم بالمؤمنين ~~للإيذان بسمو رتبة الإيمان، وكونه مناطا لما نالوه من السعادة. وإما كافة ~~أهل الإيمان من الشهداء وغيرهم، ذكرت توفية أجورهم على إيمانهم، وعدت من ~~جملة ما يستبشر به الشهداء بحكم الأخوة في الدين- انتهى-. # وقال ابن القيم: إن الله تعالى عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله ~~أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضا بما قضاه لهم بقوله: ولا تحسبن ... # الآيات- فجمع لهم إلى الحياة الدائمة، منزلة القرب منه، وأنهم عنده، ~~وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضا، بل ~~هو كمال الرضا، واستباشرهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ~~ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته، وذكرهم سبحانه ~~في أثناء هذه المحنة بما هو أعظم مننه، ونعمه عليهم، التي قابلوا بها كل ~~محنة تنالهم وبلية تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، ~~وهي منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وينقذهم من # PageV02P458 # الضلال، الذي كانوا فيه قبل إرساله، إلى الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ~~ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم. فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد ~~حصول هذا الخبر العظيم له، أمر يسير جدا في جنب الخير الكثير. كما ينال ~~الناس بأذى المطر، في جنب ما يحصل لهم به من الخير. وأعلمهم أن سبب المصيبة ~~من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليوحدوه ويتكلوا عليه، ولا ~~يخافوا غيره. # وأخبرهم بما له فيها من الحكم، لئلا يتهموا في قضائه وقدره، وليتعرف ~~إليهم بأنواع صفاته وأسمائه. وسلاهم بما أعطاهم مما هو أجل قدرا وأعظم خطرا ~~مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه ~~وكرامته، لينافسوا فيه، ولا ms0971 يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ~~ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله. # ثم قال ابن القيم: ولما انقضت الحرب، انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم ~~قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال، فشق ذلك عليهم، # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: اخرج في آثار القوم ~~فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ~~فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فإنهم يريدون ~~المدينة، فوالذي نفسي بيده! لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزهم فيها. ~~قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ~~ووجهوا مكة. ولما عزموا على الرجوع إلى مكة، أشرف على المسلمين أبو سفيان، ~~ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا نعم ~~قد فعلنا. قال أبو سفيان: فذلكم الموعد. ثم انصرف هو وأصحابه. فلما كان في ~~بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا! أصبتم ~~شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى ~~نستأصل شأفتهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس، ~~وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، ~~فقال له عبد الله ابن أبي: أركب معك، قال: لا. فاستجاب له المسلمون على ما ~~بهم من الجرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعا وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد ~~الله وقال: يا رسول الله! إني أحب أن لا تشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما ~~خلفني أبي على بناته فأذن لي أسير معك، فأذن له، فسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد ~~الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. فأمره أن يلحق بأبي سفيان ~~فيخذله، فلحقه بالروحاء- ولم يعلم بإسلامه- فقال: ما وراءك يا معبد؟ # فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا مثله، وقد ~~ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم. فقال: ما تقول؟ فقال: ms0972 ما أرى أن ترتحل # PageV02P459 # حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد ~~أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح. فرجعوا على ~~أعقابهم إلى مكة # - انتهى- وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 172] # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم (172) # الذين استجابوا لله والرسول أي دعوة الله ورسوله إلى الخروج في طلب أبي ~~سفيان إرهابا له من بعد ما أصابهم القرح بأحد للذين أحسنوا منهم بطاعته ~~واتقوا مخالفته أجر عظيم روى البخاري «1» عن عائشة رضي الله عنها في هذه ~~الآية قالت لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر رضي الله ~~عنهما. لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه ~~المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا ~~فيهم أبو بكر والزبير، قال أبو هشام: ولما ثنى معبد أبا سفيان ومن معه، كما ~~تقدم، مر بأبي سفيان ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد ~~المدينة قال: ولم؟ قالوا: # نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، ~~وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا ~~وافيتموه فأخبروه أنا قد جمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، ~~فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي ~~قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تعالى ~~في ذلك: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 173] # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل (173) # الذين قال لهم الناس أي الركب المستقبل لهم إن الناس أي أبا سفيان ~~وأصحابه قد جمعوا لكم أي الجموع ليستأصلوكم فاخشوهم ولا تأتوهم فزادهم أي ~~ذلك القول إيمانا أي تصديقا بالله ويقينا. والمعنى: أنهم لم PageV02P460 # يلتفتوا إليه ms0973 ولم يضعفوا، بل ثبت به عزمهم على طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه. وفي الآية دليل على أن الإيمان يتفاوت ~~زيادة ونقصانا، فإن ازدياد اليقين بتناصر الحجج، وكثرة التأمل، مما لا ريب ~~فيه وقالوا حسبنا الله أي كافينا أمرهم من غير عدة لنا ولا عدد ونعم الوكيل ~~أي الموكول إليه والمفوض إليه الأمر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 174] # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) # فانقلبوا أي رجعوا من حمراء الأسد بنعمة من الله وفضل يعني: العافية ~~وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين لم يمسسهم سوء أي لم يصبهم ~~قتل ولا جراح واتبعوا رضوان الله أي في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم والله ~~ذو فضل عظيم حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما ~~يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به. ### | فائدة: # قال السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى: وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل استحباب هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة. ### | تنبيه: # حمل الآية على غزوة حمراء الأسد، هو ما قاله الحسن وقتادة وعكرمة وغير ~~واحد. وروي أنها نزلت في غزوة بدر الصغرى. # قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: في قوله تعالى الذين قال لهم الناس ... ~~الآية- أن أبا سفيان قال، لما انصرف من أحد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا! ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عسى! فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قوله تعالى ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ... الآية- قال: وهي غزوة بدر الصغرى # رواه ابن جرير- وأخرج أيضا عن ابن جريج قال: لما عمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، ~~فيقولون: قد جمعوا لكم (يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم) فيقول المؤمنون ~~حسبنا الله ونعم الوكيل حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية، لم ينازعهم ms0974 ~~فيها أحد # PageV02P461 # وروى البيهقي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرا مرت في أيام الموسم، فاشتراها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالا، فقسمه بين أصحابه. # قال ابن القيم في (الهدى) : إن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم ~~وإيانا العام القابل ببدر، فلما كان شعبان، وقيل ذو القعدة من العام ~~القابل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت ~~الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد ~~الله بن رواحة، فانتهى إلى بدر، فأقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، ~~وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكة، وهم ألفان، ومعهم خمسون فرسا، فلما ~~انتهوا إلى مر الظهران، مرحلة من مكة، قال لهم أبو سفيان: إن العام عام ~~جدب، وقد رأيت أن أرجع بكم. فانصرفوا راجعين، وأخلفوا الموعد، فسميت هذه ~~بدر الموعد، وتسمى بدر الثانية- انتهى-. # قال ابن كثير: والصحيح أن الآية نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 175] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # إنما ذلكم الشيطان أي قول الشيطان يخوف أولياءه أي يخوفكم بقوله أولياءه ~~الكفار، وحينئذ فأولياءه ثاني مفعولي يخوف، والأول محذوف، أي يخوفكم ~~أولياءه، كما قرئ كذلك، وقيل: لا حذف فيه، والمعنى يخوف من يتبعه، فأما من ~~توكل على الله فلا يخافه فلا تخافوهم أي أولياءه وخافون في مخالفة أمري ~~ورسولي إن كنتم مؤمنين فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف ~~غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 176] # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر أي لا تهتم ولا تبال بما يلوح منهم من ~~آثار الكيد للإسلام ومضرة أهله. وقرئ في السبع يحزنك بضم الياء ms0975 وكسر الزاي ~~إنهم لن يضروا الله شيئا قال عطاء: يريد أولياء الله. نقله الرازي. قال أبو ~~السعود: # PageV02P462 # تعليل للنهي، وتكميل للتسلية بتحقيق نفي ضررهم أبدا، أي لن يضروا بذلك ~~أولياء الله البتة. وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم والإيذان بأن ~~مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه، وفيه مزيد مبالغة في التسلية. # وقال المهايمي: أي لن يضروا أولياء الله، لأنهم يحميهم الله، فلو أضروهم ~~لأضروا الله بتعجيزهم إياه عن حمايتهم، ولا يمكنهم أن يعجزوه شيئا بل يريد ~~الله أن يضرهم الضرر الكلي وهو ألا يجعل لهم حظا في الآخرة أي نصيبا من ~~الثواب في الآخرة ولهم عذاب عظيم قال المفسرين: ثمرة هذه الآية أنه لا يجب ~~الاغتمام من معصية العاصين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 177] # إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) # إن الذين اشتروا أي استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا فيه ~~تعريض ظاهر باقتصار الضرر عليهم، كأنه قيل: وإنما يضرون أنفسهم. فإن جعل ~~الموصول عبارة عن المسارعين المعهودين بأن يراد باشتراء الكفر بالإيمان ~~إيثاره عليه، إما بأخذه بدلا من الإيمان الحاصل بالفعل، كما هو حال ~~المرتدين، أو بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة، كما ~~هو شأن اليهود ومنافقيهم فالتكرير لتقرير الحكم وتأكيده، ببيان علته، ~~بتغيير عنوان الموضوع، فإن ما ذكر في حيز الصلة من الاشتراء المذكور صريح ~~في لحوق ضرره بأنفسهم، وعدم تعديه إلى غيرهم أصلا كيف وهو علم في الخسران ~~الكلي، والحرمان الأبدي، دال على كمال سخافة عقولهم، وركاكة آرائهم، فكيف ~~يتأتى منهم ما يتوقف على قوة الحزم، ورزانة الرأي، ورصانة التدبير، من ~~مضارة حزب الله تعالى، وهي أعز من الأبلق الفرد، وأمنع من عقاب الجو. وإن ~~أجرى الموصول على عمومه بأن يراد بالاشتراء المذكور القدر المشترك الشامل ~~للمعنيين المذكورين ولأخذ الكفر بدلا مما نزل منزلة نفس الإيمان من ~~الاستعداد القريب له، الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق، وملاحظة الدلائل ~~المنصوبة في الآفاق والأنفس، كما هو دأب جميع الكفرة، ms0976 فالجملة مقررة لمضمون ~~ما قبلها تقريرا للقواعد الكلية، لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام- أفاده ~~أبو السعود- ثم قال: وقوله تعالى ولهم عذاب أليم جملة مبتدأة مبينة لكمال ~~فظاعة عذابهم، بذكر غاية إيلامه، بعد ذكر نهاية عظمه، قيل: لما جرت العادة ~~باغتباط المشتري بما اشتراه، وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة، وبتألمه ~~عند كونها # PageV02P463 # خاسرة، وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك- انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 178] # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين (178) # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم أي بتطويل أعمارهم وإمهالهم ~~وتخليتهم وشأنهم دهرا طويلا خير لأنفسهم بل هو سبب مزيد عذابهم، لأنه إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما بكثرة المعاصي فيزدادوا عذابا ولهم أي في الآخرة ~~عذاب مهين ذو إهانة في أسفل دركات النار. ### | لطائف # الأولى: في (ما) - من قوله تعالى أنما نملي لهم الأولى- وجهان: أن تكون ~~مصدرية أو موصولة، حذف عائدها. أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم. # الثانية: كان حق (ما) في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة، ولكنها وقعت في ~~الإمام متصلة، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف. # الثالثة: # (ما) الثانية في أنما نملي إلخ متصلة لأنها كافة. # الرابعة: في قوله تعالى مهين سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع ~~بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم ~~بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا. # ثم أشار سبحانه وتعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في ~~وقعة أحد، وهو أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب. فإن المسلمين لما ~~أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت، دخل معهم في الإسلام ~~ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ~~ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا ~~بما كانوا يكتمونه، وظهر مخبآتهم، وعاد تلويحهم صريحا، وانقسم الناس إلى ~~كافر ومؤمن ومنافق، انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون أن لهم ms0977 عدوا في نفس ~~دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم فقال تعالى: # PageV02P464 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 179] # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا ~~بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) # ما كان الله ليذر أي يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الالتباس ~~بالمنافقين، وبل لا يزال يبتليكم حتى يميز المنافق الخبيث من المؤمن الطيب ~~ولا يميز إلا بهذا الابتلاء لأنه ما كان الله ليطلعكم على الغيب أي الذي ~~يميز به ما في قلوب الخلق من الإيمان والكفر ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشاء باطلاعه على الغيب، كما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما ظهر ~~منهم من الأقوال والأفعال، حسبما حكى عنهم بعضه فيما سلف، فيفضحهم على رؤوس ~~الأشهاد، ويخلصكم من سوء جوارهم. # قال ابن القيم: هذا استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، كما قال ~~عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول [الجن: ### | 26- 27 # ] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم ~~به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة، في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه ~~رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة، كما قال تعالى ~~فآمنوا بالله ورسله الذين اجتباهم للاقتداء بهم في الاعتقادات والأعمال وإن ~~تؤمنوا فتصححوا الاعتقادات وتتقوا فتصلحوا الأعمال فلكم أجر عظيم وهاهنا: ### | لطائف # الأولى: في التعبير عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيل على كل ~~منهما، بما يليق به، وإشعار بعلة الحكم. # الثانية: إفراد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل منهما وتكثره لا سيما ~~بعد ذكر ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمع، للإيذان بأن مدار ~~إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد ~~آحادهما، كما في مثل قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا [النساء: ms0978 3] ، ونظيره ~~قوله تعالى تذهل كل مرضعة عما أرضعت # [الحج: 2] ، حيث قصد الدلالة على الاتصاف بالوصف من غير تعرض لكون ~~الموصوف من العقلاء أو غيرهم. # PageV02P465 # الثالثة: تعليق الميز بالخبيث المعبر به عن المنافق، مع أن المتبادر مما ~~سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين، ~~لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم ~~من حال إلى حال مغايرة للأولى، مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل ~~الإيمان، وإن ظهر مزيد إخلاصهم، لا بالتصرف فيهم، وتغييرهم من حال إلى حال ~~أخرى، مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيد تأكيد ~~للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة: ~~220] . # الرابعة: إنما لم ينسب عدم الترك إليهم، لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من ~~نسب إليه، فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة، كما يشهد به ~~الذوق السليم. # الخامسة: التعرض للاجتباء في قوله يجتبي من رسله ... إلخ للإيذان بأن ~~الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى ~~لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم، واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميم ~~الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة ~~والسلام في هذا الباب أمر متين، له أصل أصيل، جار على سنة الله تعالى ~~المسلوكة فيما بين الرسل عليهم السلام. # السادسة: تعميم الأمر في قوله تعالى فآمنوا بالله ورسله مع أن سوق النظم ~~الكريم للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، لإيجاب الإيمان به بالطريق ~~البرهاني، والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل، لأنه مصدق لما بين يديه ~~من الرسل، وهم شهداء بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم، والمأمور به الإيمان ~~بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام، فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر به من ~~أحوال المنافقين دخولا أوليا. # هذا ما اقتبسناه من تفسير العلامة أبي السعود رحمه الله. وقد استقرب حمل ~~هذه الآية الكريمة على أن تكون مسوقة لبيان الحكمة في ms0979 إملائه تعالى للكفرة ~~إثر بيان شريته لهم. فالمعنى: ما كان الله ليذر المخلصين على الاختلاط أبدا ~~كما تركهم كذلك إلى الآن، لسر يقتضيه، بل يفرز عنهم المنافقين، ولذلك فعله ~~يومئذ، حيث خلى الكفرة وشأنهم، فأبرز لهم صورة الغلبة، فأظهر من في قلوبهم ~~مرض، ما فيها من الخبائث وافتضحوا على رؤوس الأشهاد. # PageV02P466 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 180] # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم اعلم أنه ~~تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة، ~~شرع هاهنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وبين الوعيد الشديد لمن ~~يبخل ببذله فيه، وإيراد ما بخلوا به بعنوان (إيتاء الله تعالى إياه من ~~فضله) للمبالغة في بيان سوء صنيعهم، فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله كما ~~في قوله تعالى: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه [الحديد: 7] . بل هو شر لهم ~~لاستجلاب العقاب عليهم، والتنصيص على شريته لهم، مع انفهامها من نفي ~~خيريته، للمبالغة في ذلك. # والتنوين للتفخيم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة بيان لكيفية شرية مآل ~~ما بخلوا به. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا الوعيد على طريق التمثيل ~~أي سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق. وذهب آخرون إلى أنه على ظاهره، ~~وأنه نوع من العذاب الأخروي المحسوس. وأيدوه # بما روى البخاري «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له ~~زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول: أنا ~~مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ولا يحسبن الذين يبخلون ... إلى آخرها. # وروى الإمام أحمد «2» والنسائي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ms0980 إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله عز وجل له ماله يوم القيامة ~~شجاعا أقرع، له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك، أنا كنزك. # وروى الإمام أحمد «3» والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع ~~أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك. ثم قرأ عبد الله مصداقه ~~في كتاب الله: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. # قال الترمذي: حسن صحيح. PageV02P467 # وروى الحافظ أبو يعلى عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ترك ~~بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع، له زبيبتان، يتبعه. فيقول: من أنت ويلك؟ ~~فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم ~~يتبع سائر جسده # . قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه، وقد رواه الطبراني ~~عن جرير بن عبد الله البجلي. # ورواه ابن جرير والحافظ ابن مردويه عن حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال ~~عنده، فيمنعه إياه، إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع. # وروى ابن جرير مرفوعا: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله ~~الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه. ~~ورواه أيضا موقوفا ومرسلا. # والشجاع (كغراب وكتاب) : الحية مطلقا، أو الذكر منها، أو ضرب منها دقيق، ~~وهو أجرؤها- كذا في القاموس وشرحه-. # ثم أشار تعالى إلي أنهم، وإن لم ينفقوا أموالهم في سبيله، فهي راجعة إليه ~~بقوله ولله ميراث السماوات والأرض أي ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما ~~لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. ونظيره قوله تعالى: وأنفقوا ~~مما جعلكم مستخلفين فيه [الحديد: 7] ، فالميراث على هذا على حقيقته، أو ~~المعنى: أنه يفني أهل السموات والأرض ويصير أملاك أهلهما بعد فنائهم إلى ~~خالص ms0981 ملكه، كما يصير مال المورث ملك الوارث، فجرى ما هنا مجرى الوراثة، إذ ~~كان الخلق يدعون الأملاك ظاهرا، وإلا فالكل له، وعلى هذا فهو مجاز. # قال الزجاج رحمه الله: أي أن الله تعالى يفني أهلهما، فيفنيان بما فيهما، ~~فليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون، لأنهم يجعلون، ما يرجع إلى ~~الإنسان ميراثا، ملكا له والله بما تعملون خبير أي فيجازيكم على المنع ~~والبخل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 181] # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء روى الحافظان ابن # PageV02P468 # مردويه وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] . ~~قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية. # وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت ~~المدراس، فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له (فنحاص) ~~وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له (أشيع) فقال له أبو بكر: ويحك ~~يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، ~~قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال ~~فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا ~~لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيا ~~ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا، ويعطينا، ولو كان غنيا ما ~~أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، ~~وقال: والذي نفسي بيده! لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو ~~الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول ms0982 الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أبصر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله إن ~~عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ~~ذلك غضبت لله مما قال، ضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل ~~الله فيما قال فنحاص لقد سمع الله ... # الآية- ولما كان مثل هذا القول، سواء كان عن اعتقاد، أو استهزاء بالقرآن ~~والرسول- وهو الظاهر- لا يصدر إلا عن تمرد عظيم لكونه في غاية العظم ~~والهول، أشار إلى وعيده الشديد بقوله سنكتب ما قالوا أي ما قالوه من هذه ~~العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة وقتلهم الأنبياء بغير حق إنما نظم مع ما ~~قبله إيذانا بسوابقهم القبيحة، وأنه ليس أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ ~~على قتل الأنبياء لم يستبعد منه هذا الكلام ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 182] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد أي يقال لهم ذلك تقريعا ~~وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا، بسبب هتكهم حرمة الله، وحرمة كلامه وأنبيائه ~~المبلغين له. # PageV02P469 ### | لطائف # الأولى: إيراد صيغة الجمع في الآية مع كون القائل واحدا، كما روي، لرضا ~~الباقين بذلك، ونظائره في التنزيل كثيرة. # الثانية: إضافة عذاب الحريق بيانية. أي العذاب الذي هو الحريق. # الثالثة: الذوق إدراك الطعوم، ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات ~~والحالات، وذكره هاهنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، ~~والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله ~~به للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال- أفاده البيضاوي-. # الرابعة: تقديم الأيدي عملها، لأن من يعمل شيئا يقدمه، والتعبير بالأيدي ~~عن الأنفس من حيث أن عامة أفاعيلها إنما تزاول بهن، فهو من قبيل التعبير عن ~~الكل بالجزء الذي مدار جل العمل عليه. # الخامسة: إن قيل (ظلام) صيغة مبالغة من ms0983 الظلم، تفيد الكثير، ولا يلزم من ~~نفى الظلم الكثير نفي الظلم القليل، فلو قيل: بظالم، لكان أدل على نفي ~~الظلم قليله وكثيره. فالجواب عنه من أوجه: # أحدها- أن الصيغة للنسب من قبيل (بزاز) و (عطار) لا للمبالغة، والمعنى لا ~~ينسب إلى الظلم. # الثاني- أن (فعالا) قد جاء. لا يراد به الكثرة، كقول طرفة: # ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد # لا يريد هاهنا أنه قد يحل التلاع قليلا، لأن ذلك يدفعه قوله: متى يسترفد ~~القوم أرفد. وهذا يدل على نفي البخل في كل حال، ولأن تمام المدح لا يحصل ~~بإرادة الكثرة. # والثالث- أن المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، ~~وظلام لعبيده، فالصيغة للمبالغة كما لا كيفا. # الرابع- أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليل ضرورة. لأن الذي ~~يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في ~~حق من يجوز عليه النفع والضر، كان للظلم القليل المنفعة أترك. # PageV02P470 # الخامس: إن المبالغة لتأكيد معنى بديع، وذلك لأن جملة: وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد- اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، أي والأمر أنه تعالى ~~ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم لبيان ~~كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من ~~الظلم، كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها. وصيغة المبالغة ~~لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في ~~الظلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 183] # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين (183) # الذين قالوا نصب بتقدير (أعني) أو رفع على الذم بتقدير (هم الذين قالوا) ~~: إن الله عهد إلينا أي أمرنا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله ~~النار قل أي تبكيتا لهم، وإظهارا لكذبهم قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات أي ~~المعجزات الواضحة وبالذي قلتم ms0984 بعينه من تشريع القربان الذي تأكله النار فلم ~~قتلتموهم أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم إن كنتم ~~صادقين في أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 184] # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) # فإن كذبوك أي بعد بطلان عذرهم المذكور فقد كذب أي فلا تحزن وتسل فقد كذب ~~رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر جمع زبور أي الكتب الموحاة منه تعالى ~~والكتاب المنير أي الواضح الجلي. والزبور والكتاب: واحد في الأصل، وإنما ~~ذكرا لاختلاف الوصفين. فالزبور فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو المشتمل ~~على جميع الشريعة. ### | فائدة # في قربان أهل الكتاب وتشريعه عندهم # PageV02P471 # اعلم أن القربان (بضم القاف) معناه، لغة، ما يتقرب به إلى الله تعالى ~~وسيلة لمرضاته. قال في مرشد الطالبين: كانت ذبائح العبرانيين عديدة جدا، ~~وكان المستعمل هذه الذبيحة، بتعيين الله، الثيران والنعاج والمعز والحمام ~~واليمام. وكانت الذبائح نوعين عامين: إحداهما كانت تقرب لتكفير الخطايا، ~~والأخرى شكرا لله على مراحمه وبركاته. # ثم قال: فالذبيحة اليومية كانت مشهورة جدا، وهي خروف بلا عيب، يقدم وقودا ~~لله كفارة للخطايا، وذلك مرتان صباحا ومساء، طول مدة السنة، فالتي في ~~الصباح تقدم عن خطايا الشعب ليلا، والتي في المساء عن خطاياهم نهارا. وقبل ~~فعل الذبيحة تعترف كل الشعوب بخطاياها فوق الحيوان المراد ذبحه على يد ~~الكاهن الخادم، وبهذا كان ينقل الإثم إليه بواسطة وضع وكلاء الشعب أيديهم ~~على رأسه، ثم يذبح ويقرب وقودا. وفي غضون ذلك تسجد الجماعة في الدار، وتبخر ~~الكهنة على المذابح الذهبية، ويقدمون الطلبات لله عن الشعب، وأما في يوم ~~السبت، فكانت تتضاعف الذبيحة، ويقرب في كل دفعة خروفان. # ثم قال: يوم الكفارة كان ممتازا بالذبيحة السنوية، وهي أنه بعد أن يقرب ~~الكاهن ثورا كفارة لخطايا عائلته يقرب ماعزان كفارة لخطايا الشعب- انتهى-. # وقد أشير لكيفية ذبح القربان وحرقه في مواضع من التوراة. منها سفر الخروج ~~في الفصل التاسع والعشرين، ومنها في الفصل الأول من سفر الأحبار ms0985 المسمين ~~باللاويين ونصه: ودعا الرب موسى وخاطبه من خباء المحضر قائلا: خاطب بني ~~إسرائيل وقل لهم: أي إنسان منكم قرب قربانا للرب من البهائم فمن البقر ~~والغنم يقربون قرابينهم إن كان قربانه محرقة من البقر، فذكرا صحيحا يقربه ~~عند باب خباء المحضر يقربه للرضوان عنه، ويضع يده على رأس المحرقة ويترضى ~~به ليغفر له، ثم يذبح الثور ويقرب الكهنة بنو هارون الدم وينضحون الدم على ~~المذبح، وما أحاط به في باب قبة الشهادة- يعني التابوت الذي كان فيه لوحا ~~التوراة المسماة شهادة- ثم يسلخون المحرقة، ويقطعونها قطعا، ثم يوقدون نارا ~~على المذبح، وينضدون الحطب على النار، ثم يجعلون الأعضاء المقطعة الرأس ~~والشحم على الحطب الذي على النار على المذبح، ويغسلون أكارعه وجوفه بالماء، ~~ثم يصعده الكاهن ويجعله على المذبح وقودا وقربانا لرضا الرب ... إلخ. # وفي الفصل السادس من سفر الأحبار: وكلم الرب موسى قائلا: مر هارون # PageV02P472 # وبنيه، وقل لهم: هذه شريعة المحرقة، تكون المحرقة على وقيدة المذبح طول ~~الليل إلى الغداة، ونار المذبح متقدة عليه، ويلبس الكاهن قميصه من الكتان، ~~وسراويلات من الكتان على بدنه، ويرفع الرماد الذي آلت إليه نار المحرقة على ~~المذبح، ويجعله إلى جانب المذبح، ثم يخلع ثيابه ويلبس ثيابا أخر، ويخرج ~~الرماد إلى خارج المحلة إلى موضع طاهر، وتبقى النار على المذبح متقدة لا ~~تطفأ، ويضع عليها الكاهن حطبا في كل غداة ... إلخ. # قال بعضهم: زعم الربانيون أن النار التي كانت في هيكل سليمان، والتي أمر ~~اليهود بحفظها دون أن تطفأ البتة، كان أصلها من النار التي نزلت من السماء ~~بعد تقدمة هارون وأبنائه المحرقات، وأنها بقيت إلى أيام خراب الهيكل على يد ~~بختنصر، إلا أنه ليس في التوراة ما يصرح بذلك- انتهى-. # وهذه النار التي نزلت من السماء جاء ذكرها في الفصل التاسع من سفر ~~الأحبار وملخصه: أن موسى أمر هارون عليهما السلام أن يذبح قربانا، فذبح ~~عجلا وأحرق لحمه وجلده خارج المحلة، وأما شحمه وكليتاه وزيادة كبده فقترها ~~على المذبح، ثم قرب تيسا وثورا وكبشا بكيفية خاصة، ms0986 ثم دخل موسى وهارون خباء ~~المحضر، فخرجت نار من عند الرب، فأكلت المحرقة والشحوم التي على المذبح، ~~فنظر جميع الشعب وهتفوا مسبحين وسجدوا- انتهى- إذا علمت ذلك، فقوله تعالى ~~تأكله النار بمعنى أنه يذبح على الكيفية المعروفة، ثم تنزل نار من السماء ~~فتأكله، وتكون معجزة وآية كما حصل في عهد موسى وهارون من نزول النار وأكلها ~~المحرقة، كما ذكرنا. وفي عهد سليمان أيضا، فقد جاء في الفصل التاسع من سفر ~~أخبار الأيام الثاني: أن سليمان لما أتم الدعاء هبطت النار من السماء وأكلت ~~المحرقة والذبائح، وكان جميع بني إسرائيل يعاينون هبوط النار- انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 185] # كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # كل نفس ذائقة الموت كقوله: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو # PageV02P473 # الجلال والإكرام [الرحمن: 26- 27] . وفي هذه الآية تعزية لجميع الناس، ~~ووعد ووعيد للمصدق والمكذب وإنما توفون أجوركم يوم القيامة أي تعطون جزاء ~~أعمالكم وافيا يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قال الزمخشري: فإن ~~قلت. # فهذا يوهم نفي ما يروى أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر ~~النار! «1» قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور ~~وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. # وقال الرازي: بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم ~~القيامة، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم ~~والهموم، وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل ~~إلى المكلف يوم القيامة، لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، ~~واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف الانقطاع. وكذا القول في العقاب، فإنه لا ~~يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، ~~وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة، نعوذ بالله ~~منه. فمن زحزح ms0987 أي أبعد عن النار التي هي مجمع الآفات والشرور وأدخل الجنة ~~الجامعة للذات والسرور فقد فاز أي حصل الفوز العظيم، وهو الظفر بالبغية، ~~أعني النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد. # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن PageV02P474 # العاص قال «1» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يزحزح عن ~~النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى ~~الناس ما يحب أن يؤتى إليه. # وأخرجه مسلم أيضا # وما الحياة الدنيا أي لذاتها إلا متاع الغرور المتاع: ما يتمتع وينتفع ~~به، والغرور (بضم الغين) مصدر غره أي خدعه وأطمعه بالباطل، وإنما وصف عيش ~~الدنيا بذلك لما تمنيه لذاتها من طول البقاء، وأمل الدوام، فتخدعه ثم ~~تصرعه. قال بعض السلف: الدنيا متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول. فخذوا من ~~هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 186] # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) # لتبلون أي لتختبرن في أموالكم بما يصيبها من الآفات وأنفسكم بالقتل ~~والأسر والجراح وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد. # وهذا كقوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات ... [البقرة: 155- 156] ، إلى آخر الآيتين- أي لا بد أن ~~يبتلي المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده. أو أهله. # وفي الحديث «2» : يبتلى PageV02P475 # المرء على قدر دينه. فإن كان في دينه صلابة، زيد في البلاء، # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ~~بالقول والفعل وإن تصبروا على ذلك وتتقوا أي مخالفة أمره تعالى فإن ذلك أي ~~الصبر والتقوى من عزم الأمور أي من معزومات الأمور التي يتنافس فيها ~~المتنافسون. أي مما يجب أن يعزم عليه كل أحد، لما فيه من كمال المزية ~~والشرف. أو مما عزم الله تعالى عليه وأمر به ms0988 وبالغ فيه. يعني: أن ذلك عزمة ~~من عزمات الله تعالى، لا بد أن تصبروا وتتقوا. وفي إبراز الأمر بالصبر ~~والتقوى في صورة الشرطية، من إظهار كمال اللطف بالعبادة، ما لا يخفى- أفاده ~~أبو السعود. # قال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب الصبر. وأن الجهاد لا يسقط مع سماع ما ~~يؤذي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 187] # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وهم علماء اليهود والنصارى ~~لتبيننه للناس أي لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها ~~أمر نبوته صلى الله عليه وسلم. وفي قوله تعالى ولا تكتمونه من النهي عن ~~الكتمان، بعد الأمر بالبيان، مبالغة في إيجاب المأمور به فنبذوه أي الميثاق ~~وراء ظهورهم أي طرحوه ولم يراعوه. ونبذ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة ~~به، والإعراض عنه بالكلية. كما أن جعله نصب العين علم في كمال العناية به ~~واشتروا به أي استبدلوا به ثمنا قليلا أي شيئا حقيرا من حطام الدنيا فبئس ~~ما يشترون بتغيير كلام الله ونبذ ميثاقه. # قال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه، فيدخل فيه ~~بيان الدين والأحكام والفتاوى والشهادات وغير ذلك مما يجب إظهاره. وقد تقدم ~~هذا، وإن المراد بذلك إذا لم يؤد إلى مفسدة. ويدخل في الكتم منع الكتب ~~المنطوية على علم الدين حيث تعذر الأخذ إلا منها. # وقال العلامة الزمخشري عليه الرحمة: كفى بهذه الآية دليلا على أنه مأخوذ ~~على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض ~~فاسد من # PageV02P476 # تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام ~~الدنيا، أو لتقية مما لا دليل عليه ولا أمارة، أو لبخل بالعلم، وعيرة أن ~~ينسب إليه غيرهم- انتهى-. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سئل عن علم ثم ~~كتمه ألجم يوم القيامة بلجام ms0989 من نار- أخرجه الترمذي «1» # ولأبي داود «2» : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم ~~القيامة. # وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله عز وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء. ~~ثم تلا: وإذ أخذ الله ... الآية. ### | لطيفة: # قال العلامة أبو السعود: في تصوير هذه المعاملة بعقد المعاوضة، لا سيما ~~بالاشتراء المؤذن بالرغبة في المأخوذ، والإعراض عن المعطي، والتعبير عن ~~المشتري الذي هو العمدة في العقد والمقصود بالمعاملة بالثمن الذي شأنه أن ~~يكون وسيلة إليه، وجعل الكتاب الذي حقه أن يتنافس فيه المتنافسون، مصحوبا ب ~~(الباء) الداخلة على الآلات والوسائل- من نهاية الجزالة والدلالة على كمال ~~فظاعة حالهم وغاية قبحها بإيثارهم الدنيء الحقير، على الشريف الخطير، ~~وتعكيسهم بجعلهم المقصد الأصلي وسيلة، والوسيلة مقصدا- ما لا يخفي جلالة ~~شأنه ورفعة مكانه- انتهى-. # ثم أشار تعالى أنهم لا يرون قبح ذلك بل يفرحون به فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 188] # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا أي بما فعلوا من اشتراء الثمن القليل ~~بتغيير كلام الله تعالى ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من وفاء الميثاق من ~~غير تغيير ولا كتمان فلا تحسبنهم بمفازة أي بمنجاة من العذاب ولهم عذاب ~~أليم بكفرهم وتدليسهم. PageV02P477 # روى الإمام أحمد «1» عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن مروان قال: # اذهب يا رافع (لبوابه) إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما ~~أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس ما لكم ~~وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب- إلى قوله: ولهم عذاب أليم، وقال ابن عباس: سألهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن ~~قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ~~إياه ms0990 ما سألهم عنه. وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم والترمذي ~~والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم وابن خزيمة والحاكم في مستدركه، وابن ~~مردويه بنحوه. ورواه البخاري «2» أيضا عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال ~~لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس- فذكره- وروى البخاري «3» عن أبي سعيد ~~الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الغزو وتخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ~~وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت لا تحسبن ... الآية- وكذا رواه مسلم ~~بنحوه. # ولا منافاة بين الروايتين لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، ومعنى نزول ~~الآية في ذلك وقوعها بعد ذلك، لا أن أحد الأمرين كان سببا لنزولها. كما ~~حققناه غير مرة. ### | تنبيه: # هذه الآية، وإن كانت محمولة على الكفار لما تقدم، ففيها ترهيب للمؤمنين ~~عما ذم عليه أهلها من الإصرار على القبائح والفرح بها ومحبة المدح بما عرا ~~عنه من الفضائل. ويدخل في ذلك المراؤون المتكثرون بما لم يعطوا، كما جاء # في الصحيحين «4» عن النبي صلى الله عليه وسلم: من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر ~~بها لم يزده الله إلا قلة. PageV02P478 # وفي الصحيحين «1» أيضا: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فليحذر من ~~يأتي بما لا ينبغي ويفرح به ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة ~~واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على الله تعالى. ### | فائدة: # قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني، ~~وفاعل الأول (الذين يفرحون) . وأما مفعولاه فمحذوفان اكتفاء بمفعولي ~~تحسبنهم لأن الفاعل فيهما واحد. فالفاعل الثاني تأكيد للأول، وحسن لما طال ~~الكلام المتصل بالأول. والفاء زائدة، إذ ليست للعطف ولا للجواب، وثمة وجوه ~~أخرى. ### | لطيفة: # تصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور، للتنبيه على بطلان آرائهم ~~الركيكة، وقطع أطماعهم الفارغة، حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من ~~عذاب الآخرة، كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية، وعليه ms0991 كان مبنى فرحهم. ~~وأما نهيه صلى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم المذكور، لا لاحتمال وقوع ~~الحسبان من جهته عليه الصلاة والسلام- أفاده أبو السعود. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 189] # ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) # ولله ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء قدير فهو قادر على عقابهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 190] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~(190) # إن في خلق السماوات والأرض أي في إيجادها على ما هما عليه من الأمور ~~المدهشة، تلك في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، ~~وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، ~~وجبال PageV02P479 # وقفار وأشجار، ونبات وزروع، وثمار وحيوان، ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان ~~والطعوم والروائح والخواص واختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما، وكون كل ~~منهما خلفة للآخر، بحسب طلوع الشمس وغروبها، أو في تفاوتهما بازدياد كل ~~منهما انتقاص الآخر، وانتقاصه بازدياده لآيات أي: لأدلة واضحة على الصانع ~~وعظيم قدرته، وباهر حكمته. والتنكير للتفخيم كما وكيفا، أي كثرة عظيمة ~~لأولي الألباب أي لذوي العقول المجلوة بالتزكية والتصفية بملازمة الذكر ~~دائما كما قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 191] # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم أي فلا يخلو حال من أحوالهم ~~عن ذكر الله المفيد صفاء الظاهر المؤثر في تصفية الباطن. فالمراد تعميم ~~الذكر للأوقات، وعدم الغفلة عنه تعالى. وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر، ~~ليس لتخصيص الذكر بها، بل لأنها الأحوال المعهودة التي لا يخلو عنها ~~الإنسان غالبا ويتفكرون في خلق السماوات والأرض أي في إنشائهما بهذه ~~الأجرام العظام، وما فيهما من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ~~ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى، فيعلموا أن لهما خالقا قادرا ~~مدبرا حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها تعالى. ms0992 كما قيل: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # روى ابن أبي الدنيا في (كتاب التوكل والاعتبار) عن الصوفي الجليل الشيخ ~~أبي سليمان الداراني قدس الله سره أنه قال: إني لأخرج من منزلي، فما يقع ~~بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة. وإنما خصص التفكر ~~بالخلق، للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته. # خرج ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن سلام: لا تفكروا في الله، ولكن ~~تفكروا فيما خلق، وله شواهد كثيرة. # قال الرازي: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل ~~الأنفس، ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال تعالى: لخلق السماوات # PageV02P480 # والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] . ولما كان الأمر كذلك، لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في ~~خلق السموات والأرض، لأن دلالتها أعجب، وشواهدها أعظم، وكيف لا نقول ذلك، ~~ولو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا ~~واحدا ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم ~~يتشعب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر، حتى تصير في ~~الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة ~~على هذه الخلقة حكما بالغة، وأسرارا عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوى ~~جاذبة لغذائها من قعر الأرض، ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق، حتى ~~يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة، جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير ~~العزيز العليم. ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة، وكيفية ~~التدبير في إيجادها، وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها، لعجز عنه. فإذا ~~عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ ~~يقيس تلك الورقة إلى السموات، مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم. وإلى ~~الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان. عرف أن تلك ~~الورقة ms0993 بالنسبة إلى هذه الأشياء، كالعدم. فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك ~~الشيء الحقير، عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله ~~في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن ~~الإحاطة بهذا المقام، لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن ~~يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين. # بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بلاغة، وأسرار عظيمة، وإن كان لا سبيل ~~إلى معرفتها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا على ~~إرادة القول، بمعنى يتفكرون قائلين ذلك. وكلمة هذا متضمنة لضرب من التعظيم، ~~أي ما خلقت هذا المخلوق البديع العظيم الشأن عبثا، عاريا عن الحكمة، خاليا ~~عن المصلحة، بل منتظما لحكم جليلة، ومصالح عظيمة. من جملتها أن يكون دلالة ~~على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، وأن يكون مدارا لمعايش العباد، ~~ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد. ### | لطيفة: # قال أبو البقاء: (باطلا) مفعول من أجله. والباطل، هنا، فاعل بمعنى ~~المصدر، مثل العاقبة والعافية. والمعنى: ما خلقتهما عبثا. ويجوز أن يكون ~~حالا. تقديره: ما خلقت هذا خاليا عن حكمة. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، ~~أي خلقا باطلا- انتهى-. # PageV02P481 # وقوله سبحانك أي تنزيها لك من العبث، وأن تخلق شيئا بغير حكمة فقنا عذاب ~~النار قال السيوطي: فيه استحباب هذا الذكر عند النظر إلى السماء. # ذكره النووي في (الأذكار) . وفيه تعليم العباد كيفية الدعاء، وهو تقديم ~~الثناء على الله تعالى أولا، كما دل عليه قوله سبحانك ثم بعد الثناء يأتي ~~الدعاء، كما دل عليه فقنا عذاب النار. # وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو ~~لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه، والثناء عليه، ثم يصلي على ~~النبي صلى ms0994 الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء- رواه أبو داود «1» ~~والترمذي # وقال: حديث صحيح. # واعلم أنه لما حكى تعالى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة ~~بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة ~~الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ثم ~~أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، بقولهم: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 192] # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي أهنته وأظهرت فضيحته لأهل الموقف. ~~وسر هذا الإتباع عظم موقع السؤال، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها ~~وقوتها، كانت داعيته في ذلك الدعاء- أكمل، وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا ~~يتصل بالإجابة، إلا إذا كان مقرونا بالإخلاص، وهذا أيضا تعليم من الله ~~تعالى فنا آخر من آداب الدعاء وما للظالمين من أنصار تذييل لإظهار نهاية ~~فظاعة حالهم، ببيان خلود عذابهم، بفقدان من ينصرهم، ويقوم بتخليصهم. وغرضهم ~~تأكيد الاستدعاء. ووضع (الظالمين) موضع ضمير المدخلين، لذمهم، والإشعار ~~بتعليل دخولهم النار بظلمهم، ووضعهم الأشياء في غير مواضعها. وجمع ~~(الأنصار) بالنظر إلى جمع الظالمين، أي ما لظالم من الظالمين نصير من ~~الأنصار. والمراد به من PageV02P482 # ينصر بالمدافعة والقهر. فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة، على أن ~~المراد بالظالمين هم الكفار- أفاده أبو السعود-. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 193] # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) # ربنا إننا سمعنا مناديا حكاية لدعاء آخر لهم، وتصدير مقدمة الدعاء ~~بالنداء لإظهار كمال الضراعة، والابتهال. والتأكيد للإيذان بصدور المقال ~~عنهم بوفور الرغبة، وكمال النشاط. والمراد بالمنادي الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، والتنوين للتفخيم، وهذا كقوله تعالى: وداعيا إلى الله [الأحزاب: 46] ~~. وفي وصفه صلى الله عليه وسلم ب (المنادي) دلالة على كمال اعتنائه بشأن ms0995 ~~الدعوى وتبليغها إلى الداني والقاصي، لما فيه من الإيذان برفع الصوت ينادي ~~للإيمان أي لأجل الإيمان بالله. فإن قلت: فأي فائدة في الجمع بين (المنادي) ~~و (ينادي) ؟ قلت: ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدا بالإيمان، تفخيما لشأن ~~المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان. ونحوه قولك: # مررت بهاد يهدي للإسلام، وذلك أن المنادي إذا أطلق، ذهب الوهم إلى مناد ~~للحرب أو لإطفاء النائرة، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو ~~لبعض المنافع. # وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق، ويهدي لسداد الرأي، وغير ذلك. # فإذا قلت: ينادي للإيمان، ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي ~~والهادي، وفخمته. ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه، وناداه له ~~وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه. وذلك أن معنى انتهاء الغاية، ومعنى ~~الاختصاص واقعان جميعا- أفاده الزمخشري-. # أن آمنوا بربكم فآمنا أي فامتثلنا أمره، وأجبنا نداءه، وأن إما تفسيرية، ~~أي آمنوا، أو مصدرية، أي: بأن آمنوا ربنا تكرير للتضرع، وإظهار لكمال ~~الخضوع فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا أي استر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا ~~بها، وأذهب عنا سيئاتنا بتبديلها حسنات وتوفنا مع الأبرار أي معدودين في ~~جملتهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة. والأبرار جمع بار أو بر وهو كثير ~~البر (بالكسر) أي الطاعة. # PageV02P483 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 194] # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد (194) # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك أي على تصديق رسلك والإيمان بهم. أو على ~~ألسنة رسلك. وهو الثواب، وهذا حكاية لدعاء آخر لهم، معطوف على ما قبله. # وتكرير النداء لما مر ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد قصدوا ~~بذلك تذكير وعده تعالى بقوله: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ~~[التحريم: 8] . بإظهار أنهم ممن آمن معه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 195] # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ms0996 ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) # فاستجاب لهم ربهم أني أي بأني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بيان ~~ل (عامل) وتأكيد لعمومه بعضكم من بعض أي الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، ~~كلكم بنو آدم. وهذه جملة معترضة مبينة سبب شركة النساء مع الرجال، فيما وعد ~~الله عباده العاملين. وروى الحافظ سعيد بن منصور في سننه عن أم سلمة أنها ~~قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله ~~تعالى فاستجاب لهم ربهم ... الآية- وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت ~~علينا- ورواه الترمذي «1» ، والحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط ~~البخاري، ولم يخرجاه. وروى ابن مردويه عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية ~~نزلت فاستجاب لهم ربهم ... إلى آخرها. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: من ~~حزبه أمر فقال: # خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد. وقرأ الآيات. # فالذين هاجروا مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم ~~PageV02P484 # له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية وهي المهاجرة عن ~~أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة وأخرجوا من ديارهم أي التي ~~ولدوا فيها ونشأوا وأوذوا في سبيلي أي من أجله وبسببه، يريد سبيل الإيمان ~~بالله وحده، وهو متناول لكل أذى نالهم من المشركين وقاتلوا وقتلوا أي غزوا ~~المشركين واستشهدوا لأكفرن عنهم سيئاتهم جملة قسمية، خبر المبتدأ الذي هو ~~الموصول، وهذا تصريح بوعد ما سأله الداعون بخصوصه، بعد ما وعد ذلك عموما ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار أي من تحت قصورها الأنهار، من أنواع ~~المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثوابا من عند الله في موضع المصدر المؤكد لما ~~قبله، فإن تكفير السيئات وإدخال الجنة، في معنى الإثابة. وأضافه ms0997 إليه تعالى ~~ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا. كما قيل ~~«1» : # إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي # والله عنده حسن الثواب أي حسن الجزاء لمن عمل صالحا. ثم بين تعالى قبح ما ~~أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا، وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها، إثر بيان ~~حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 196] # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد أي تصرفهم فيها بالمتاجر والمكاسب، ~~أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ودرك العاجل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 197] # متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) # متاع قليل أي هو متاع قليل، لقصر مدته، وكونه بلغة فانية، ونعمة زائلة، ~~فلا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين. # وفي صحيح مسلم «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم: والله! ما الدنيا في ~~الآخرة إلا مثل ما PageV02P485 # يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟ # ثم مأواهم جهنم أي مصيرهم الذي إليه يأوون وبئس المهاد أي الفراش هي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 198] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) # لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله بيان لكمال حسن حال المؤمنين، غب بيان وتكرير له، إثر تقرير، ~~مع زيادة خلودهم في الجنات ليتم بذلك سرورهم، ويزداد تبجحهم، ويتكامل به ~~سوء حال الكفرة. والنزل (بضمتين، وضم فسكون) المنزل، وما هيئ للنزيل أن ~~ينزل عليه وما عند الله خير للأبرار أي مما يتقلب فيه الفجار من المتاع ~~القليل الزائل. # والتعبير عنهم ب (الأبرار) للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البر، ~~كما أنها من قبيل التقوى. # روى الشيخان «1» - واللفظ للبخاري- عن عمر بن الخطاب ms0998 قال: جئت رسول ~~PageV02P486 # الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو في مشربة، وإنه لعلى حصير ما بينه ~~وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند ~~رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت! فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا ~~رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت رسول الله! فقال: أما ترضى أن ~~تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ # وروى ابن أبي حاتم وعبد الرزاق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من نفس ~~برة ولا فاجرة، إلا الموت خير لها. لئن كان برا، لقد قال الله تعالى وما ~~عند الله خير للأبرار وقرأ: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب مهين [آل عمران: 178] . # وروى ابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا ~~والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن يصدقني فإن الله يقول ~~وما عند الله خير للأبرار ويقول ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ... ~~الآية. # وأخرج نحوه رزين عن ابن عباس. PageV02P487 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية # 199] # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب. # جملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من نبذ ~~الميثاق، وتحريف الكتاب وغير ذلك. بل منهم طائفة يؤمنون بالله حق الإيمان، ~~ويؤمنون بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم مع ما هم مؤمنون به من ~~الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ~~لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، ms0999 أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا ~~هودا أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: الذين آتيناهم الكتاب من قبله ~~هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ~~قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا [القصص: 52- 54] الآية، ~~وقال تعالى ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 159] ، وقال ~~تعالى: ليسوا سواء، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل ~~وهم يسجدون [آل عمران: 113] . وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا، كما ~~وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة ~~أنفس. وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم ~~الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء ~~المحسنين [المائدة: 82- 85] . # وهكذا قال هنا أولئك لهم أجرهم عند ربهم. # PageV02P488 # وقد ثبت في الحديث «1» أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ سورة ~~(كهيعص) بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساقسة، بكى وبكوا ~~معه، حتى أخضبوا لحاهم. # وثبت في الصحيحين «2» أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أصحابه، وقال: إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه، فخرج إلى الصحراء ~~فصفهم وصلى عليه. # وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما ~~توفي النجاشي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم. فقال ~~بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر ms1000 لعلج مات بأرض الحبشة؟! فنزلت: وإن من أهل ~~الكتاب ... الآية- ورواه عبد بن حميد أيضا مرسلا. # ورواه ابن جرير عن جابر، وفيه: فقال المنافقون: # يصلي على علج مات بأرض الحبشة؟! فنزلت. # وروى الحاكم في (مستدركه) عن عبد الله بن الزبير قال: نزل بالنجاشي عدو ~~من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك ~~وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لداء بنصر الله عز وجل، خير من ~~دواء بنصرة الناس. قال وفيه نزلت: وإن من أهل الكتاب ... الآية- ثم قال: ~~هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: وإن من أهل الكتاب، يعني مسلمة أهل الكتاب. # وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: وإن من أهل الكتاب ~~الآية- قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فاتبعوه وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله أجر اثنين: للذي كانوا عليه من ~~الإيمان قبل محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم- ~~رواه ابن أبي حاتم-. PageV02P489 # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين، فذكر منهم رجلا من أهل الكتاب آمن بنبيه ~~وآمن بي # - أفاده ابن كثير-. # ثم إن الإخبار، في آخر الآية، بكونه تعالى: سريع الحساب. كناية عن كمال ~~علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق، وأنه يوفيها كل عامل على ما ينبغي، ~~وقدر ما ينبغي. ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر لكونه من ~~لوازمها. ولكونه من لوازمها أشبه التأكيد، فلذا لم يعطف عليه- والله أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 200] # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) # يا أيها الذين آمنوا اصبروا أي على مشاق الطاعات وما يمسكم من المكاره ~~والشدائد وصابروا أي غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الجهاد. لا ~~تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. ولمصابرة باب من الصبر. ذكر بعد الصبر على ما ~~يجب الصبر ms1001 عليه، تخصيصا، لشدته وصعوبته- كذا في الكشاف- ورابطوا أي أقيموا ~~على مرابطة الغزو في نحر العدو بالترصد والاستعداد لحربهم، وارتباط الخيل. ~~قال الله تعالى: ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [الأنفال: 60] ، ~~والرباط في الأصل أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره، وكل معد لصاحبه، ~~ثم صار لزوم الثغر رباطا. وربما سميت الخيل أنفسها رباطا، وقد يتجوز ~~بالرباط عن الملازمة والمواظبة على الأمر، فتسمى رباطا ومرابطة. # قال الفارسي: هو ثان من لزوم الثغر، ولزوم الثغر ثان من رباط الخيل. وقد ~~PageV02P490 # وردت الأخبار بالترغيب في الرباط، وكثرة أجره. فمنها ما # رواه البخاري «1» في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها. # وروى مسلم «2» عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي ~~كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان. # وروى الإمام أحمد «3» عن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، ~~فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر. وهكذا رواه أبو داود ~~والترمذي وقال: حسن صحيح. # وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضا # . وبقيت أحاديث أخر ساقها الحافظ ابن كثير في تفسيره. # هذا ومن الوجوه في قوله تعالى رابطوا أن يكون معناه انتظار الصلاة بعد ~~الصلاة. # فقد روى مسلم «4» والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: ~~إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة. فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. # فشبه صلى الله عليه وسلم ما ذكر من الأفعال الصالحة بالرباط. # وروى الحاكم في (مستدركه) والحافظ ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~قال: أقبل علي أبو هريرة يوما ms1002 فقال: أتدري، يا ابن أخي! فيم نزلت هذه الآية ~~يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا؟ قلت: لا! قال: أما إنه لم يكن ~~في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم ~~يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها. فعليهم ~~أنزلت اصبروا أي على الصلوات الخمس، وصابروا أنفسكم وهواكم ورابطوا في ~~مساجدكم. PageV02P491 # واتقوا الله فيما عليكم لعلكم تفلحون أي تفوزون بما يغتبط به. و (لعل) ~~لتغييب المآل. لئلا يتكلوا على الآمال. ### | خاتمة # فيما ورد في الآيات الأواخر من هذه السورة، وفي فضل هذه السورة بتمامها # قال الحافظ ابن كثير: قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده. # روى البخاري «1» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة ~~فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث ~~الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء، فقال إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ثم قال فتوضأ، واستن، ثم صلى إحدى عشرة ~~ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح- وهكذا رواه ~~مسلم # ورواه البخاري «2» من طريق أخرى بلفظ: حتى إذا انتصف الليل، أو قبله ~~بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل ~~يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ~~... الحديث # - وهكذا أخرجه الجماعة من طرق. # وروى ابن مردويه بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أمرني ~~العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحفظ صلاته. قال: فصلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الأخيرة، حتى إذا لم يبق ~~في المسجد أحد غيري، قام فمر بي فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم! قال: ~~فمه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة، قال: فالحق، ms1003 الحق. فلما دخل ~~قال: افرش. عبد الله! فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال: فرفع رأسه ~~إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس (ثلاث مرات) ثم تلا هذه الآيات من آخر ~~سورة آل عمران حتى ختمها. PageV02P492 # وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس عن ~~أبيه حديثا في ذلك أيضا. # وروى ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ~~ليلة بعد ما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية إن في خلق السماوات ~~والأرض إلى آخر السورة، ثم قال: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، ~~وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يدي نورا، ومن ~~خلفي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعظم لي نورا يوم القيامة «1» . # وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس رضي الله ~~عنه. # وروى ابن مردويه وعبد بن حميد حديثا عن عائشة، وفيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: إن في ~~خلق السماوات والأرض إلى قوله فقنا عذاب النار ثم قال: ويل لمن قرأ هذه ~~الآيات ثم لم يتفكر فيها. # ومما ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه مسلم «2» والترمذي من حديث النواس ~~بن سمعان: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه ~~سورة البقرة وآل عمران. وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~أمثال، ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان، بينهما شرق ~~(أي ضياء ونور) ، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما. # والله سبحانه الموفق. # ثم تفسير هذه السورة صباح الجمعة في 11 ذي القعدة الحرام سنة (1318) وذلك ~~في حرم جامع السنانية في الشباك القبلي من السدة اليمنى العليا بيد جامعه ~~الفقير محمد جمال ms1004 الدين القاسمي الدمشقي غفر له ولوالديه وللمؤمنين آمين ~~(ويليه الجزء الثالث وفيه تفسير سورة النساء) PageV02P493 ### | فهرس الجزء الثاني # من كتاب تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل # PageV02P495 # فهرس الجزء الثاني سورة البقرة الآية 178 3 الآية 179 8 الآية 180 11 ~~الآية 181 13 الآية 182 14 الآية 183 16 الآية 184 19 الآية 185 24 الآية ~~186 28 الآية 187 41 الآية 188 51 الآية 189 53 الآيتان 190 و 191 57 الآية ~~192 58 الآية 193 59 الآية 194 60 الآية 195 61 الآية 196 63 الآية 197 70 ~~الآية 198 73 الآية 199 75 الآية 200 77 الآية 201 78 الآية 202 79 الآية ~~203 80 الآيتان 204 و 205 82 الآية 206 83 الآية 207 84 الآية 208 85 الآية ~~209 86 الآية 210 87 الآيتان 211 و 212 92 الآية 213 95 الآية 214 96 # PageV02P497 # الآية 215 97 الآية 216 99 الآية 217 102 الآيتان 218 و 219 109 الآية ~~220 114 الآية 221 115 الآية 222 117 الآية 223 120 الآية 224 128 الآية ~~225 130 الآيتان 226 و 227 131 الآية 228 133 الآية 229 136 الآية 230 138 ~~الآية 231 152 الآية 232 153 الآية 233 154 الآية 234 155 الآية 235 158 ~~الآية 236 160 الآية 237 161 الآية 238 163 الآية 239 167 الآية 240 170 ~~الآيتان 241 و 242 172 الآية 243 173 الآية 244 175 الآية 245 176 الآية ~~246 177 الآية 247 179 الآية 248 180 الآية 249 182 الآيتان 250 و 251 183 ~~الآية 252 184 الآية 253 187 الآيتان 254 و 255 189 الآية 256 193 الآيتان ~~257 و 258 195 الآية 259 196 الآية 260 198 الآية 261 201 الآية 262 202 ~~الآية 263 و 264 204 الآية 265 205 # PageV02P498 # الآية 266 206 الآية 267 207 الآيتان 268 و 269 208 الآيتان 270 و 271 ~~209 ms1005 الآية 272 211 الآية 273 212 الآية 274 215 الآية 275 219 الآية 276 ~~227 الآية 277 229 الآيات 278- 280 230 الآية 281 231 الآية 282 233 الآية ~~283 236 الآية 284 237 الآية 285 240 الآية 286 241 سورة آل عمران الآيات ~~1- 3 254 الآيتان 4 و 5 255 الآيتان 6 و 7 256 الآيتان 8 و 9 286 الآيتان ~~10 و 11 288 الآية 12 289 الآيتان 13 و 14 290 الآية 15 292 الآيتان 16 و ~~17 293 الآية 18 295 الآية 19 296 الآية 20 297 الآية 21 299 الآيتان 22 و ~~23 300 الآية 24 301 الآيات 25- 27 302 الآية 28 303 الآية 29 306 الآيتان ~~30 و 31 307 الآيات 32- 34 308 الآية 35 309 الآية 36 310 الآية 37 312 ~~الآية 38 313 الآية 39 314 الآيتان 40 و 41 315 # PageV02P499 # الآيتان 42 و 43 316 الآية 44 317 الآية 45 318 الآيتان 46 و 47 319 ~~الآيتان 48 و 49 320 الآية 50 321 الآيات 51- 53 322 الآية 54 323 الآية 55 ~~324 الآيات 56- 58 325 الآية 59 326 الآيتان 60 و 61 327 الآيات 62- 64 331 ~~الآية 65 332 الآيات 66- 68 333 الآيات 69- 72 334 الآية 73 335 الآيات 74- ~~76 336 الآية 77 337 الآية 78 339 الآيتان 79 و 80 340 الآيتان 81 و 82 342 ~~الآيتان 83 و 84 344 الآية 85 345 الآيات 86- 88 346 الآية 89 347 الآية 90 ~~348 الآية 91 349 الآية 92 352 الآية 93 353 الآيات 94- 96 355 الآية 97 ~~356 الآيتان 98 و 99 367 الآيتان 100 و 101 368 الآية 102 369 الآية 103 ~~370 الآية 104 373 الآية 105 375 الآية 106 382 الآيات 107- 109 384 الآية ~~110 385 الآية 111 386 الآية 112 387 الآية 113 388 # PageV02P500 # الآيتان 114 و 115 390 الآيتان 116 و 117 391 الآية 118 ms1006 392 الآية 119 ~~394 الآية 120 395 الآية 121 397 الآية 122 401 الآية 123 402 الآية 124 ~~404 الآية 125 405 الآيات 126- 128 408 الآيتان 129 و 130 410 الآيتان 131 ~~و 132 411 الآيتان 133 و 134 412 الآية 135 414 الآية 136 415 الآيات 137- ~~139 416 الآية 140 417 الآية 141 419 الآيتان 142 و 143 420 الآية 144 421 ~~الآية 145 423 الآية 146 424 الآيتان 147 و 148 425 الآيتان 149 و 150 426 ~~الآية 151 427 الآية 152 428 الآية 153 431 الآية 154 433 الآيتان 155 و ~~156 441 الآيتان 157 و 158 445 الآية 159 446 الآيتان 160 و 161 449 الآيات ~~162- 164 452 الآية 165 453 الآيتان 166 و 167 454 الآيتان 168 و 169 455 ~~الآية 170 457 الآية 171 458 الآيتان 172 و 173 460 الآية 174 461 الآيتان ~~175 و 176 462 الآية 177 463 الآية 178 464 # PageV02P501 # الآية 179 465 الآية 180 467 الآية 181 468 الآية 182 469 الآيتان 183 و ~~184 471 الآية 185 473 الآية 186 475 الآية 187 476 الآية 188 477 الآيتان ~~189 و 190 479 الآية 191 480 الآية 192 482 الآية 193 483 الآيتان 194 و ~~195 484 الآيتان 196 و 197 485 الآية 198 486 الآية 199 487 الآية 200 490 ~~خاتمة 492 # PageV02P502 ### | المجلد الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النساء # روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه ~~عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. وقد زعم النحاس أنها مكية. مستندا إلى ~~أن قوله تعالى: إن الله يأمركم [النساء: 58] الآية، نزلت بمكة اتفاقا في ~~شأن مفتاح الكعبة. وذلك مستند واه. لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات من ~~سور طويلة، نزل معظمها بالمدينة، أن تكون مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل ~~بعد الهجرة مدني. ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف ms1007 الرد عليه. ومما يرد عليه ~~أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا ~~وأنا عنده. # ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا. وقيل: نزلت عند الهجرة. وآياتها ~~مائة وسبعون وخمس وقيل ست وقيل سبع. كذا في الإتقان. وروى الحاكم عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن ~~لي بها الدنيا وما فيها: إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] الآية، ~~وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31] الآية، وإن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] ، ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك [النساء: 64] . # الآية. وروى عبد الرزاق عنه أيضا قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إلي من ~~الدنيا جميعا: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم. وقوله: # وإن تك حسنة يضاعفها. وقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء [النساء: 64] . وقوله: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] . وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة ~~النساء، خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس # PageV03P003 # وغربت. أولهن: يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم، والله عليم حكيم [النساء: 26] ، والثانية: والله يريد أن يتوب عليكم ~~ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما [النساء: 27] ، والثالثة: # يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28] ثم ذكر قول ابن ~~مسعود سواء. يعني في الخمسة الباقية. # لطيفة: إنما سميت سورة النساء، لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل ~~في غيرها. # PageV03P004 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # يا أيها الناس اتقوا ربكم أي اخشوه ms1008 أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم ~~عنه. ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى ~~وتأكيد إيجاب الامتثال به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى: الذي ~~خلقكم من نفس واحدة أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى ~~إياهم على هذا النمط البديع مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه ~~كان قادرا على كل شيء. ومنه عقابهم على معاصيهم. فالنظر فيه يؤدي إلى ~~الاتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى إياهم صنوانا مفرعة من أرومة ~~واحدة من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة. كما ~~ينبئ عنه ما يأتي من الإرشاد إلى صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام، والعدل ~~في النكاح وغير ذلك. # وقد ثبت في صحيح مسلم «1» من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV03P005 # حين قدم عليه أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار (أي من عريهم ~~وفقرهم) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة حتى ختم الآية. ثم قال: يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18] . ثم حضهم على الصدقة فقال: ~~تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من صاع بره. من صاع تمره. # وذكر تمام الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة ~~الحاجة. وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها: يا أيها الناس اتقوا ربكم ~~الآية. وخلق منها زوجها أي من نفسها. يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب ~~التآلف والتضام. فإن الجنسية علة الضم. وقد أوضح هذا بقوله تعالى: ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم: 21] ، وبث منهما أي نشر من تلك النفس ~~وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد والتناسل. رجالا كثيرا ونساء أي ~~كثيرة. وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور واتقوا الله الذي تسائلون ~~به ms1009 والأرحام تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به. فإن سؤال ~~بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله وأنشدك الله، على سبيل ~~الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق الاتقاء بالاسم ~~الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة ~~وإدخال الروعة. ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. ~~وتسائلون أصله تتساءلون. فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وقرئ بإدغام تاء ~~التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. وقرئ تسألون (من الثلاثي) أي تسألون ~~به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية. وحمل صيغة التفاعل على ~~اعتبار الجمع. كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه- أفاده أبو السعود- وقوله ~~تعالى والأرحام قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور. والباقون بالنصب ~~عطفا على الاسم الجليل. أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها. فإن قطيعتها ~~مما يجب أن يتقى. أو عطفا على محل الجار والمجرور. كقولك مررت بزيد وعمرا. ~~وينصره قراءة تسائلون به والأرحام فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال ~~والمناشدة بالله عز وجل. PageV03P006 # ويقولون: أسألك بالله وبالرحم. ولقد نبه سبحانه وتعالى، حيث قرنها باسمه ~~الجليل، على أن صلتها بمكان منه. كما في قوله تعالى: ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا [الإسراء: 23] . وقال تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين [النساء: 36] . # وقد روى الشيخان «1» عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الرحم معلقة بالعرش. # تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» . # ورويا «2» أيضا عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع» # . قال سفيان في روايته: يعني قاطع رحم. # وروى البخاري «3» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه ~~وصلها» . # ورويا «4» عن أبي هريرة رضي الله عنه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليصل رحمه # . والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم وترهيب من قطيعتها كثيرة. ms1010 ### | تنبيه: # دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. كذا قاله الرازي. ووجهه أنه ~~تعالى أقرهم على هذا التساؤل. لكونهم يعتقدون عظمته. ولم ينكره عليهم. نعم ~~من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى التساهل في شأنه وجعله عرضة لعدم إجلاله ~~ووسيلة للأبواب الساسانية، فهذا محظور قطعا. وعليه يحمل ما ورد من لعن من ~~سأل بوجه الله، كما سنذكره. وقد ورد في هذا الباب أحاديث وافرة. منها # عن ابن عمر قال «5» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله ~~فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن أتى عليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى PageV03P007 # تعلموا أن قد كافأتموه» ، رواه الإمام أحمد وأبو داود «1» والنسائي وابن ~~حبان والحاكم. # وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس مرفوعا: «من استعاذ بالله ~~فأعيذوه ومن سألكم بوجه الله فأعطوه» . # وعن ابن عمر مرفوعا: «من سئل بالله فأعطى كتب له سبعون حسنة» . رواه ~~البيهقي بإسناد ضعيف. # وفي البخاري «2» عن البراء بن عازب: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسبع» . وذكر منها: وإبرار القسم. # وروى أبو داود «3» والضياء في (المختارة) بإسناد صحيح عن جابر مرفوعا: لا ~~يسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة. # وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: ملعون من سأل بوجه الله. ~~وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا. # قال السيوطي: إسناده حسن. وقال الحافظ المنذري: رجاله رجال الصحيح إلا ~~شيخه (يعني الطبراني) يحيى بن عثمان بن صالح. وهو ثقة وفيه كلام. وهجرا ~~(بضم الهاء وسكون الجيم) أي ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. ويحتمل أنه ~~أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. # وعن أبي عبيدة، مولى رفاعة، عن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله» . # رواه الطبراني. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~ألا أخبركم بشر الناس؟ ms1011 رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي. رواه الترمذي. # وقال: حسن غريب. # والنسائي وابن حبان في صحيحه. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يسأل بالله ~~ولا يعطي # إن الله كان عليكم رقيبا أي مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ~~ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال: والله ~~على كل شيء شهيد. # وفي الحديث «5» : اعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ~~PageV03P008 # وهذا إرشاد وأمر بمراقبته تعالى. فعلى المرء أن يراقب أحوال نفسه ويأخذ ~~حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة فيهلك على غفلة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 2] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) # وآتوا اليتامى أموالهم شروع في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه بتكليف ما ~~يقابلها أمرا ونهيا. وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم ~~ولملابستهم بالأرحام. إذ الخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض الوصاية إلى ~~الأجانب. واليتيم من مات أبوه. من اليتم، وهو الانفراد. ومنه الدرة ~~اليتيمة. والقياس الاشتقاقي يقتضي وقوعه على الصغار والكبار. وقد خصه الشرع ~~بمن لم يبلغ الحلم. # كما # روى أبو داود «1» بإسناد حسن عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا يتم بعد احتلام. # وفي الآية وجوه: الأول- أن يراد باليتامى الكبار الذين أونس منهم الرشد ~~مجازا. باعتبار ما كان، أوثر لقرب العهد بالصغر. والإشارة إلى وجوب ~~المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حينئذ. حتى كأن اسم اليتيم باق بعد، غير ~~زائل. # الثاني- أن يراد بهم الكبار حقيقة، واردة على أصل اللغة. الثالث- أن يراد ~~بهم الصغار. وب (الإيتاء) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة ~~والكسوة. لا دفعها إليهم. وفيه بعد. الرابع- أن يراد بهم ما ذكر. وب ~~(إيتائهم) الأموال، أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء ولاة السوء وقضاته ~~ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تؤتى اليتامى ms1012 إذا بلغوا سالمة غير محذوفة. ~~فالتجوز في الإيتاء حينئذ باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة لأنها ~~لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك. قال الناصر في (الانتصاف) : هذا الوجه قوي ~~بقوله بعد آيات: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا PageV03P009 # النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 6] ، دل على ~~أن الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم. ~~والثانية في الحض على الإيتاء الحقيقي عند حصول البلوغ والرشد. ويقويه أيضا ~~قوله عقيب الأولى: # ولا تتبدلوا إلخ.. فهذا كله تأديب للوصي ما دام المال بيده واليتيم في ~~حجره. # وأما على الوجه الأول فيكون مؤدى الآيتين واحدا وهو الأمر بالإيتاء ~~حقيقة. ويخلص عن التكرار بأن الأولى كالمجملة، والثانية كالمبينة لشرط ~~الإيتاء: من البلوغ وإيناس الرشد. والله أعلم. ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ~~أي ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو ما لكم، وما أبيح لكم ~~من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم نهى عن منكر آخر كانوا يتعاطونه. أي لا تأكلوها مضمومة إلى ~~أموالكم مخلوطة بها للتوسعة إنه أي الأكل كان حوبا أي ذنبا عظيما. وقرئ ~~بفتح الحاء. وقوله تعالى: كبيرا مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور. ~~كأنه قيل من كبار الذنوب. ### | تنبيه: # خص من ذلك مقدار أجر الملل عند كون الولي فقيرا لقوله تعالى: ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف كذا قاله البيضاوي وتابعه أبو السعود. وعندي أنه لا ~~حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله: إلى ~~أموالكم. فلا يشمل مساقها الفقير. وسنوضح ذلك. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم. # فلم ورد النهي عن أكله معها؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال ~~اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها، كان القبح ~~أبلغ والذم أحق. # ولأنهم كانوا يفعلون كذلك. فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم. # انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) ms1013 أهل البيان يقولون: المنهي متى كان درجات فطريق ~~البلاغة النهي عن أدناها تنبيها على الأعلى. كقوله تعالى: فلا تقل لهما أف ~~[الإسراء: 23] . وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي ~~مخالفا لها إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهي أن يأكله وهو غني عنه. ~~وأدناها أن يأكله وهو # PageV03P010 # فقير إليه. فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو ~~فقير إليه حتى يلزم نهي الغني عنه من طريق الأولى. وحينئذ فلا بد من تمهيد ~~أمر يوضح فائدة تخصيص الصورة العليا بالنهي في هذه الآية. فنقول: أبلغ ~~الكلام ما تعددت وجوه إفادته. ولا شك أن النهي عن الأدنى، وإن أفاد النهي ~~عن الأعلى، إلا أن للنهي عن الأعلى أيضا فائدة أخرى جليلة، لا تؤخذ من ~~النهي عن الأدنى. وذلك أن المنهي كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر ~~والداعية إليه أبعد. ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع ~~الغنى عنه أقبح صور الأكل. فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه. حتى إذا ~~استحكم نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن ~~أكل ماله مطلقا. ففيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه ~~الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة ~~معينة على الاجتناب، كإعانتها عليه في الصورة الأولى. # ويحقق مراعاة هذا المعنى تخصيصه الأكل. مع أن تناول مال اليتيم، على أي ~~وجه كان، منهي عنه. كان ذلك بالادخار أو بالتباس أو ببذله في لذة النكاح ~~مثلا، أو غير ذلك. إلا أن حكمة تخصيص النهي بالأكل أن العرب كانت تتذمم ~~بالإكثار من الأكل. وتعد البطنة من البهيمية. وتعيب على من اتخذها ديدنه، ~~ولا كذلك سائر الملاذ. فإنهم ربما يتفاخرون بالإكثار من النكاح ويعدونه من ~~زينة الدنيا. فلما كان الأكل عندهم أقبح الملاذ خص النهي به. حتى إذا نفرت ~~النفس منه بمقتضى طبعها المألوف جرها ذلك إلى النفور من صرف مال ms1014 اليتيم في ~~سائر الملاذ أو غيرها، أكلا أو غيره. ومثل هذه الآية في تخصيص النهي بما هو ~~أعلى قوله تعالى: لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة [آل عمران: 130] . فخص ~~هذه الصورة لأن الطبع عن الانتهاء عنها أعون. ويقابل هذا النظر في النهي ~~نظر آخر في الأمر. وهو أنه تارة يخص صورة الأمر الأدنى تنبيها على الأعلى. ~~وتارة يخص صورة الأعلى لمثل الفائدة المذكورة من التدريب. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى بعد آيات من هذه السورة: وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم الآية [النساء: 8] ، كيف خص صورة حضورهم وإن كانت ~~العليا بالنسبة إلى غيبتهم. وذلك أن الله تعالى علم شح الأنفس على الأموال. ~~فلو أمر بإسعاف الأقارب واليتامى من المال الموروث ولم يذكر حالة حضورهم ~~القسمة، لم تكن الأنفس بالمنبعثة إلى هذا المعروف كانبعاثها مع حضورهم. ~~بخلاف ما إذا حضروا. فإن النفس يرق طبعها وتنفر من أن تأخذ المال الجزل وذو ~~الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فإذا أمرت في هذه الحالة # PageV03P011 # بالإسعاف هان عليها امتثال الأمر وائتلافها على امتثال الطبع. ثم تدربت ~~بذلك على إسعاف ذي الرحم مطلقا حضر أو غاب. فمراعاة هذا وأمثاله من الفوائد ~~لا يكاد يلقى إلا في الكتاب العزيز. ولا يعثر عليه إلا الحاذق الفطن المؤيد ~~بالتوفيق. نسأل الله أن يسلك بنا في هذا النمط. فخذ هذا القانون عمدة. وهو: ~~أن النهي، إن خص الأدنى فلفائدة التنبيه على الأعلى. وإن خص الأعلى، ~~فلفائدة التدريب على الانكفاف عن القبح مطلقا من الانكفاف عن الأقبح. ومثل ~~هذا، النظر في جانب الأمر. والله الموفق. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 3] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ~~(3) # وإن خفتم ألا تقسطوا أي أن لا تعدلوا في اليتامى أي يتامى النساء. قال ~~الزمخشري: ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة، على ~~القلب. ms1015 # كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم فانكحوا ما طاب لكم من النساء أي من ~~طبن لنفوسكم من جهة الجمال والحسن أو العقل أو الصلاح منهن مثنى وثلاث ~~ورباع ومعنى الآية: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا ~~نكحتموهن، بإساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فإنهن ~~كثير ولم يضيق الله عليكم. فالآية للتحذير من التورط في الجور والأمر ~~بالاحتياط. وإن في غيرهن متسعا إلى الأربع. وروى البخاري «1» عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان ~~لها عذق (أي نخلة) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء. فنزلت فيه: ~~وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ~~ماله. ورواه مسلم وأبو داود والنسائي. وفي رواية لهم عن عائشة «2» هي ~~اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه PageV03P012 # مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها ~~مثل ما يعطيها غيره. فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن ~~أعلى سنتهن في الصداق. فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. # قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد هذه الآية فأنزل الله: ويستفتونك في النساء [النساء: 127] # . قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: وترغبون أن تنكحوهن [النساء: ~~127] ، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت: فنهوا أن ~~ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط من أجل ~~رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال. # وفي رواية «1» في قوله تعالى: ويستفتونك في النساء ... إلى آخر الآية. # قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ~~ماله فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله ~~فيحبسها. # فنهاهم الله عن ذلك. زاد أبو داود «2» رحمه الله تعالى: وقال ربيعة في ~~قوله تعالى: ms1016 # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. قال يقول: اتركوهن إن خفتم فقد أحللت ~~لكم أربعا. ### | لطائف: # الأول: (ما) في قوله تعالى: ما طاب لكم، موصولة. وجاء ب (ما) مكان (من) ~~لأنهما قد يتعاقبان. فيقع كل واحد منهما مكان الآخر. كما في قوله تعالى: # والسماء وما بناها [الشمس: 5] ، وقوله: ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~[الكافرون: 5] . # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع ~~[النور: 45] . قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ~~ناقصات العقول. # الثانية: في إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى، مع أنه ~~المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك. فإن النفس مجبولة على الحرص ~~على ما منعت منه. كما أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه ~~مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن. وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح ~~اليتامى- أفاده أبو السعود-. PageV03P013 # الثالثة: اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له. ~~وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة. # الرابعة: مثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة. ومحلهن النصب على أنها ~~حال من فاعل (طاب) مؤكدة لما أفاده وصف الطيب من الترغيب فيهن، والاستمالة ~~إليهن، بتوسيع دائرة الإذن. أي فانكحوا الطيبات لكم، معدودات هذا العدد. ~~ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون. فإن قلت: الذي ~~أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير ~~في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد ~~الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال ~~وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن ~~له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون (أو) . قلت: كما جاء بالواو في ~~المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ~~ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، ms1017 أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد ~~أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسم على تثنية ~~وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة ~~الذي دلت عليه الواو. وتحريره أن الواو. دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من ~~أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، ~~وإن شاءوا متفقين فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. أفاده الزمخشري. ### | بحث جليل: # قال الرازي: ذهب قوم سدى (كحتى. موضع قرب زبيد باليمن اه قاموس) إلى أنه ~~يجوز التزوج بأي عدد أريد. واحتجوا بالقرآن والخبر. أما القرآن فقد تمسكوا ~~بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول- أن قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء، إطلاق في جميع الأعداد. بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه. ~~وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني- أن قوله: مثنى وثلاث ~~ورباع، لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ~~ثبوت الحكم في الباقي. بل نقول: إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج ~~والحجر مطلقا. فإن الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت. اذهب إلى السوق ~~وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا. ~~ورفع الحجر والحرج # PageV03P014 # عنه مطلقا. ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة. بل كان ذلك ~~إذنا في المذكور وغيره. فكذا هنا. وأيضا، فذكر جميع الأعداد متعذر. فإذا ~~ذكر بعض الأعداد بعد قوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، كان ذلك تنبيها ~~على حصول الإذن في جميع الأعداد. الثالث- أن الواو للجمع المطلق. فقوله: ~~مثنى وثلاث ورباع، يفيد حل هذا المجموع. وهو يفيد تسعة. بل الحق أنه يفيد ~~ثمانية عشر. لأن قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين. ~~وكذلك القول في البقية. # وأما الخبر فمن وجهين: الأول- أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم ~~مات عن تسع. ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: فاتبعوه، وأقل ms1018 مراتب ~~الأمر الإباحة. الثاني- أن سنة الرجل طريقته. وكان التزوج بالأكثر من ~~الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام. # فكان ذلك سنة له. ثم إنه # عليه السلام قال «1» : فمن رغب عن سنتي فليس مني. # فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة. ~~فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. # واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول- الخبر. وهو ما # روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمسك ~~أربعا وفارق باقيهن. # وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: ~~أمسك أربعا وفارق واحدة. # واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين: الأول- أن القرآن لما دل على عدم الحصر ~~بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز. والثاني- وهو ~~أن الخبر واقعة حال. فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بإمساك أربع ~~ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، إما بسبب ~~النسب أو بسبب PageV03P015 # الرضاع وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن ~~بمثله (الطريق الثاني) وهو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة ~~على الأربع. وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان: الأول- أن الإجماع لا ينسخ ولا ~~ينسخ. فكيف يقال: # الإجماع نسخ هذه الآية؟ الثاني- أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون ~~بحرمة الزيادة على الأربع. والإجماع، مع مخالفة الواحد والاثنين، لا ينعقد. # (والجواب عن الأول) أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. (وعن الثاني) أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا ~~عبرة بمخالفته، انتهى كلام الرازي، وقوله (من أهل البدعة) لا يجوز أخذه على ~~عمومه لما ستراه. # قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في (وبل الغمام) : الذي نقله إلينا ~~أئمة اللغة والإعراب وصار كالمجمع عليه عندهم، أن العدل في الأعداد يفيد أن ~~المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل ~~المفرد في قوة تلك الأعداد. فإن كان مجيء القوم مثلا ms1019 اثنين اثنين، أو ثلاثة ~~ثلاثة، أو أربعة أربعة، وكانوا ألوفا مؤلفة، فقلت: جاءني القوم مثنى، أفادت ~~هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى تكاملوا. فإن قلت: مثنى وثلاث ~~ورباع، أفاد ذلك أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، ~~وتارة أربعة أربعة. فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد ~~جميع القوم، فإنه لا يستفاد منها أصلا. بل غاية ما يستفاد منها أن عددهم ~~متكثر تكثرا تشق الإحاطة به. ومثل هذا إذا قلت: نكحت النساء مثنى. فإن ~~معناه نكحتهن اثنتين اثنتين. وليس فيه دليل على أن كل دفعة من هذه الدفعات ~~لم يدخل في نكاحه إلا بعد خروج الأولى. كما أنه لا دليل في قولك: # جاءني القوم مثنى، أنه لم يصل الاثنان الآخران إليك إلا وقد فارقك ~~الاثنان الأولان. # إذا تقرر هذا فقوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع يستفاد منه جواز نكاح النساء ~~اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا. والمراد جواز تزوج كل دفعة من ~~هذه الدفعات في وقت من الأوقات. وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن. بل يستفاد ~~من الصيغ الكثرة من غير تعيين. كما قدمنا في مجيء القوم. وليس فيه أيضا ~~دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى. ومن زعم أنه ~~نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا، فهذا مقام الاستفادة منه، ~~فليتفضل بها علينا. وابن عباس، إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع ~~فهو فرد من أفراد الأمة. وأما القعقعة بدعوى الإجماع فما أهونها وأيسر ~~خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف # PageV03P016 # يصح إجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ، والعمراني، والقاسم بن إبراهيم، ~~نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا ~~القرآن الكريم، كما بيناه. وخالفه أيضا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~كما صح ذلك تواترا، من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات. وما آتاكم ~~الرسول فخذوه [الحشر: 7] ، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: ~~21] . قل إن كنتم ms1020 تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] ودعوى ~~الخصوصية مفتقرة إلى دليل. والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل عنها إلا ناقل ~~صحيح تنقطع عنده المعاذير. # وأما حديث «1» أمره صلى الله عليه وسلم لغيلان، لما أسلم وتحته عشر نسوة، ~~بأن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، كما أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن ~~حبان، فهو وإن كان له طرق، فقد قال ابن عبد البر: كلها معلولة. وأعله غيره ~~من الحفاظ بعلل أخرى. ومثل هذا لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني والفعل ~~المصطفوي الذي مات صلى الله عليه وسلم عليه والبراءة الأصلية. ومن صحح لنا ~~هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة، أو جاءنا بدليل في معناه، فجزاه الله ~~خيرا. فليس بين أحد وبين الحق عداوة. وعلى العالم أن يوفي الاجتهاد حقه لا ~~سيما في مقامات التحرير والتقرير. كما نفعله في كثير من الأبحاث. وإذا حاك ~~في صدره شيء فليكن تورعه في العمل لا في تقرير الصواب. # فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ إليه ملكتك، لقيل وقال. ولا سيما ~~في مثل مواطن يجبن عنها كثير من الرجال. فإنك لا تسئل يوم القيامة عن الذي ~~ترتضيه منك العباد بل عن الذي يرتضيه المعبود. وإذا جاء نهر الله بطل نهر ~~معقل. ومن ورد البحر استقل السواقيا. انتهى. # وقال الشوكاني قدس سره أيضا في (نيل الأوطار) : حديث قيس بن الحارث (وفي ~~رواية الحارث بن قيس) في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد ضعفه ~~غير واحد من الأئمة. قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا ~~غير هذا. وقال أبو عمرو النمري: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت به من وجه ~~صحيح. وفي معنى هذا الحديث غيلان الثقفي وهو عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ~~قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة، في الجاهلية. فأسلمن معه. فأمره ~~PageV03P017 # النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. رواه أحمد وابن ماجة ~~والترمذي. وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح. وحكى الحاكم ms1021 عن مسلم أن ~~هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة. قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة ~~حكمنا له بالصحة. وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر الحكم، وأخرجوه ~~من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خرسان وأهل اليمامة عنه. قال ~~الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئا. فإن هؤلاء كلهم، إنما سمعوا منه بالبصرة. وعلى ~~تقدير أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب. لأنه ~~كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة. # وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها. اتفق على ذلك أهل العلم. ~~كابن المديني والبخاري وابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. وحكى الأثرم ~~عن أحمد أن هذا الحديث ليس بصحيح. والعمل عليه. وأعله بتفرد معمر في وصله ~~وتحديثه به في غير بلده. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. وقد أطال ~~الدارقطني في (العلل) تخريج طرقه. ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلا. ~~ورواه عبد الرزاق عن معمر كذلك. وقد وافق معمرا على وصله بحر بن كنيز ~~السقاء عن الزهري. # ولكنه ضعيف. وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك. ويحيى ضعيف. وفي الباب عن ~~نوفل بن معاوية، عند الشافعي، أنه أسلم وتحته خمس نسوة. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق الأخرى # . وفي إسناده رجل مجهول. لأن الشافعي قال: # حدثنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحارث ~~عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت، فذكره. وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود ~~وصفوان بن أمية عند البيهقي. وقوله: اختر منهن أربعا، استدل به الجمهور على ~~تحريم الزيادة على أربع. وذهبت الظاهرية إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا. ~~ولعل وجهه قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع. ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من ~~العدل، تسع. وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة. وحكي أيضا عن ~~القاسم بن إبراهيم. وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه. وحكاه صاحب البحر عن ~~الظاهرية، وقوم مجاهيل. ms1022 وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث المذكور بما فيه من ~~المقال المتقدم. وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي بما تقدم فيه من المقال. ~~وكذلك أجابوا عن حديث نوفل بن معاوية بما قدمنا من كونه في إسناده مجهول. ~~قالوا: # ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفي فيه بمثل ذلك. ولا سيما وقد ثبت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين تسع أو إحدى عشرة، وقد قال تعالى: لقد ~~كان لكم في رسول # PageV03P018 # الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] . وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فهو محل النزاع. ~~ولم يقم عليه دليل. وأما قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع، فالواو فيه للجمع ~~لا للتخيير. وأيضا لفظ مثنى معدول به عن اثنين اثنين. وهو يدل على تناول ما ~~كان متصفا من الأعداد بصفته الاثنينية. وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ~~ما فوق الألوف. فإنك تقول جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين. وهكذا ثلاث ~~ورباع. # وهذا معلوم في لغة العرب لا يشك فيه أحد. فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع ~~على أنه يجوز للإنسان أن يتزوج من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا ~~وأربعا أربعا. # وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى في العدد إلا بعد مفارقته ~~للطائفة التي قبلها. فإنه لا شك أنه يصح، لغة وعرفا، أن يقول الرجل، لألف ~~رجل عنده: جاءني هؤلاء اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة. فحينئذ ~~الآية تدل على إباحة الزواج بعدد من النساء كثير. سواء كانت الواو للجمع أو ~~للتخيير. لأن خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد ~~منهم. فكأن الله سبحانه وتعالى قال، لكل فرد من الناس: انكح ما طاب لك من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع. ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبة. وهي بمجردها ~~كافية في الحل حتى يوجد ناقل صحيح ينقل عنها. وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث ~~المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج. ~~وإن كان كل واحد لا يخلو عن مقال. ويؤيد ذلك كون الأصل في ms1023 الفروج الحرمة. ~~كما صرح به الخطابي. فلا يجوز الإقدام على شيء منها إلا بدليل. وأيضا هذا ~~الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع. كما صرح بذلك في ~~(البحر) . # وقال في (الفتح) اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم ~~الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. وقد ذكر الحافظ في (الفتح) و (التلخيص) ~~الحكمة في تكثير نسائه صلى الله عليه وسلم فليراجع ذلك. انتهى. # وقال قدس سره في تفسيره (فتح القدير) : وقد استدل بالآية على تحريم ما ~~زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة. وأن كل ناكح له أن ~~يختار ما أراد من هذا العدد. كما يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال. وهو ألف ~~درهم (أو هذا المال الذي في البدرة) درهمين درهمين. وثلاثة ثلاثة. وأربعة ~~أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عين مكانه. أما لو كان ~~مطلقا، كما يقال: # اقتسموا الدراهم، ويراد بها ما كسبوه، فليس المعنى هكذا. والآية من الباب ~~الآخر لا # PageV03P019 # من الباب الأول. على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كبيرا: اقتسموه ~~مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين. وبعضه ثلاثة ثلاثة. ~~وبعضه أربعة أربعة. كان هذا هو المعنى العربي. ومعلوم أنه إذا قال القائل: ~~جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف، كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين. هكذا: ~~جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. كما في ~~قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ونحوها. ومعنى قوله: # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع: لينكح كل فرد منكم ما ~~طاب له من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا أربعا. هذا ما تقتضي ~~لغة العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى ~~في آخر الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو ~~بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. # فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن. وأما ~~استدلال من ms1024 استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه ~~قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي. ولو قال: ~~انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا كان هذا القول له وجه. وأما مع المجيء بصيغة ~~العدل فلا. وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون (أو) لأن التخيير يشعر ~~بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره. وذلك ليس بمراد من النظم ~~القرآني. # أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والدارقطني ~~والبيهقي، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة. فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهن (وفي لفظ أمسك منهن) أربعا وفارق ~~سائرهن # . وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق. وعن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت ~~وعندي خمس نسوة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق ~~الأخرى. أخرجه الشافعي في مسنده. # وأخرج ابن ماجة والنحاس في (تاريخه) عن قيس بن الحارث الأسدي قال: أسلمت ~~وكان تحتي ثمان نسوة. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: اختر ~~منهن أربعا وخل سائرهن. ففعلت # . وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقي. # وقال قدس سره أيضا في كتابه (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) : # أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز زيادة على الأربع بقوله عز ~~وجل: # مثنى وثلاث ورباع، فغير صحيح. كما أوضحته في (شرحي للمنتقى) وقد # PageV03P020 # قدمناه. ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث وحديث غيلان الثقفي ~~وحديث نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد عليه. وإن كان في كل واحد ~~منها مقال. لكن الإجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل ~~عليه. # وقد حكى الإجماع صاحب (فتح الباري) والمهدي في (البحر) والنقل عن ~~الظاهرية لم يصح. فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو أعرف بمذهبهم. انتهى. ### | تتمة: # روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ينكح العبد امرأتين ~~ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين. # قال الشوكاني في (نيل الأوطار) قد تمسك بهذا من ms1025 قال: إنه # لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين. وهو مروي عن علي # وزيد بن علي والناصر والحنفية والشافعية. ولا يخفى أن قول الصحابي لا ~~يكون حجة على من لم يقل بحجيته. # نعم، لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية ~~الإجماع. # ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ومجاهد وربيعة وأبي ثور والقاسم بن محمد ~~وسالم أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر. حكى ذلك عنهم صاحب (البحر) فالأولى ~~الجزم بدخوله تحت قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء. والحكم له ~~وعليه بما للأحرار وعليهم. إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة. كما في ~~المواضع المعروفة. # بالتخالف بين حكميهما انتهى. # فإن خفتم ألا تعدلوا أي بين هذه الأعداد فواحدة أي فاختاروها. وقرئ ~~بالرفع أي فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم أي من الإماء، بالغة ما بلغت من ~~مراتب العدد. لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما يلزم في الحرائر. ولا قسم ~~لهن. # و (أو) للتسوية. أي التخيير. والعدد يؤخذ من السياق، ومقابلة الواحدة. ~~قال الزمخشري: سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير ~~حصر ولا توقيت عدد. ولعمري إنهن أقل تبعة وأقصر شغبا وأخف مؤنة من المهائر. ~~لا عليك، أكثرت منهن أم أقللت. عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن ~~أم لم تعزل. انتهى. # ذلك أي الاقتصار على واحدة أو على التسري أدنى أي أقرب ألا تعولوا أي من ~~أن لا تميلوا ولا تجوروا. لانتفائه رأسا بانتفاء محله في الأول. وانتفاء # PageV03P021 # خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر. فإن الميل المحظور متوقع ~~فيه لتحقق المحل والخطر. هذا إن قدر (تعولوا) مضارع عال، بمعنى جار ومال عن ~~الحق. وهو اختيار أكثر المفسرين. ومن الوجوه المحتملة فيه كونه مضارع عال ~~بمعنى كثر عياله. قال في القاموس: وعال فلان عولا وعيالة: كثر عياله، كأعول ~~وأعيل. انتهى. وعلى هذا الوجه اقتصر الإمام المهايمي، قدس سره، في تفسيره ~~حيث قال: أي أقرب من أن لا ms1026 تكثر عيالكم. فيمكن معه القناعة بحيث لا يضطر ~~إلى الجور في أموال اليتامى. انتهى. وروي هذا التأويل عن زيد بن أسلم ~~وسفيان بن عيينة والشافعي. وأما قول ابن كثير في هذا التفسير: هاهنا نظر، ~~فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري- ~~فجوابه (كما قال الرازي) من وجهين: الأول- ما ذكره القفال رضي الله عنه. ~~وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب. وإذا اكتسبن أنفقن على ~~أنفسهن وعلى مولاهن أيضا. وحينئذ تقل العيال. أما إذا كانت المرأة حرة، لم ~~يكن الأمر كذلك. فظهر الفرق. الثاني- أن المرأة إذا كانت مملوكة، فإذا عجز ~~المولي عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها. أما إذا كانت حرة فلا بد له من ~~الإنفاق عليها. والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا ~~تطالبه بالمهر. فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة. ~~انتهى. ### | تنبيهان: # الأول- قال بعض المفسرين: دلت الآية على أنه يجب بالنكاح حقوق. وتدل على ~~أن من خشي الوقوع فيما لا يجوز، قبح منه ما دعا إلى ذلك القبيح. فلا يجوز ~~لمن عرف أنه يخون مال اليتيم إذا تزوج أكثر من واحدة، أن يتزوج أكثر. وكذا ~~إذا عرف أنه يخون الوديعة ولا يحفظها، فإنه لا يجوز له قبول الوديعة. وتدل ~~على أن العدل واجب بين الزوجات. وأن من عرف أنه لا يعدل فإنه لا تحل له ~~الزيادة على واحدة. وتدل على أن زواجه الصغيرة من غير أبيها وجدها جائز. ~~وللفقهاء مذاهب في ذلك معروفة. # الثاني- في سر ما تشير إليه الآية من إصلاح النسل. قال بعض علماء ~~الاجتماع من فلاسفة المسلمين في مقالة عنوانها (الإسلام وإصلاح النسل) ما ~~مثاله: ما زال البشر يسعى منذ ألوف من السنين وراء إصلاح ما يقتنيه من خيل ~~وبقر وغنم ليكثر # PageV03P022 # انتفاعه به. فيختار لإناث هذه الحيوانات أفحلا كريمة، هي على ما يرومه من ~~الصفات، ليحصل منها على نسل أنفع له من أمهاته. وقد زادت رغبة الناس بهذا ~~العصر في إصلاح النوع ms1027 النافع من الحيوان. فضربوه ورقوه باختيار الأفحل ~~المناسبة، حتى حصلوا على صنف من الخيل الجياد تسابق الرياح فتجري (16) مترا ~~في الثانية من الزمن. وعلى صنف من البقر تحلب في اليوم الواحد خمسين أقة. ~~وعلى صنف من المعزى والغنم شعره أو صوفه مثل الحرير نعومة. ولم يقصر ~~إصلاحهم على الحيوان، بل تجاوز إلى النبات. فحصلوا بفضله على أشجار كثيرة ~~الثمر لذيذته. وانتفعوا انتفاعا كبيرا، ما تيسر لأسلافهم. نعم إن البشر ~~افتكروا في إصلاح الحيوان الصامت والنبات، وعلموا ما فيه من الفوائد، فسعوا ~~إليه السعي الذي يرضاه العلم، وجنوا ثمار ذلك السعي. ولكنهم ما افتكروا في ~~إصلاح ما هو أهم من كل ذلك: في إصلاح الحيوان الذكي، والشرير أكثر من ~~الصالح، والجبان أكثر من الشجاع، والكاذب أكثر من الصادق، والكسلان أكثر من ~~أخي الجد النشيط. ولو أنهم أصلحوا نسلهم لما وجد في الناس من يولد مريضا ~~ويعيش مريضا. فلا ينتفع بوجوده المجتمع، وهو كثير. قام من بين هذا الجيل ~~فيلسوفان: ألماني وانكليزي. وأخذا يعلمان بكتاباتهما المبنية على البراهين ~~وجوب إصلاح الإنسان لنسل الإنسان. ويعددان فوائد الإصلاح لنوعه. ويبينان ~~للملأ أن الرقي المطلوب لا يتم إلا به. وطفقا يلومان الناس على اعتنائهم ~~بإصلاح المواشي وإهمالهم إصلاح أنفسهم. الأمر الذي هو أهم من ذلك كثيرا. ~~وذكرا لذلك طرقا: (منها) منع أصحاب العاهات والأمراض المزمنة وأولي الجرائم ~~الكبيرة من الزواج لينقطع نسلهم الذي يجيء غالبا على شاكلتهم. (ومنها) ~~إباحة تعدد الزوجات للنابغين من الرجال ليكثر نسلهم. وقالا: إذا جرى ~~المجتمع على هذا الانتخاب الصناعي قرونا عديدة كان نسل الإنسان الأخير، ~~بحكم ناموس الوراثة، سالما من الأمراض. حسن الطوية. ليس فيه ميل إلى الشر. ~~قويا. ذكي الفؤاد. نابغا في العلوم. التي يتعلمها. كأنه نوع أرقى من ~~الإنسان الحاضر. وكانت أهم طريقة أبدياها للارتقاء المنتظر للبشر في ~~المستقبل، هي طريقة تعدد الزوجات في الحاضر للنابغين من الناس. فإن منع ~~أصحاب الأمراض المزمنة والجناة من الزواج إنما يفيد في تقوية النسل وجعله ~~ميالا بالفطرة إلى الخير ليس إلا، ms1028 لا في جعله أذكى من آبائه وأسمى مدارك. ~~وتعدد الزوجات للنابغين من المسلمين، قد جاء به الإسلام قبل هذين ~~الفيلسوفين بأكثر من ألف وثلاثمائة سنة. فقد أباح لهم تعددهن إلى # PageV03P023 # أربع. ليكثر نسلهم، فيكثر عدد النابغين، الذين بهم وحدهم تتم الأعمال ~~الكبيرة في هذه الدنيا. فهو من مكتشفات هذا الدين الاجتماعية. وقد جعل ~~رضاهن بذلك شرطا له لئلا يكون فيه إجحاف بحقوقهن. والعاقلة من النساء تفضل ~~أن تكون زوجة لنابغة من الرجال- وإن كان ذا زوجات أخر- على أن تكون زوجة ~~لرجل أحمق، وإن اقتصر عليها. لأنها تعلم أن أولادها من الأول ينجبون أكثر ~~منهم من الثاني. وأما غير النابغين منهم فإن الدين يمنعهم من نكاح أكثر من ~~واحدة، لئلا يكثر نسلهم. قال الله تعالى في كتابه المبين يخاطب المؤمنين: ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~الخطاب في هذه الآية لعموم الأمة. فهي تأذن لكل أحد من المسلمين أن يتزوج ~~بأكثر من واحدة من النساء إلى أربع. إذا آنس من نفسه القدرة على العدل ~~بينهن. وإلا وجب عليه الاقتصار على واحدة لئلا يجور عليهن. والقدرة على ~~العدل بين أربع من النساء، متوقف على عقل كبير وسياسة في الإدارة وحكمة ~~بالغة في المعاملة، لا تتأتى إلا لمن كان نابغة بين الرجال، ذا مكانة من ~~العقل ترفعه على أقرانه. والرجل النابغة، إذا تزوج بأكثر من واحدة، كثر ~~نسله فكثر النوابغ. والشعب الذي يكثر نوابغه أقدر على الغلبة في تنازع ~~البقاء من سائر الشعوب. كما يدلنا عليه التاريخ. ثم خاطب الله، في مكان ~~آخر، الخائفين أن لا يعدلوا بين النساء وهم غير النوابغ من المسلمين، ~~بقوله: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم. فأمرهم في هذه الآية، ~~التي هي في المعنى تتمة للأولى، أن لا يقترنوا بأكثر # من واحدة لأنهم في درجة من العقل هي دون درجة النابغين، لن يستطيعوا معها ~~إتيان العدل بين النساء، المتوقف على عقل كبير يسهل لصاحبه أن يرضيهن ~~جمعاء. كما يأتيه ms1029 النابغون والدهاة من الناس. وحرم على هؤلاء، الذين لم ~~يجوزوا المقدرة على العدل، التزوج بأكثر من واحدة. لئلا يقع الظلم من ~~الرجال على النساء. وهو كثير الصدور من الأوساط ومن كان دونهم في سلم ~~الارتقاء. ولئلا يكثر نسل غير النابغين. وهو الأهم. فتبقى الأمة في مكانها ~~من الانحطاط. وقد تقدم أن الخطاب في قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء في الآية الأولى لعموم الأمة. غير أن الشرط بالعدل جعله خاصا ~~بالعادلين منهم. وهم النابغون الذين يقتدرون على إتيان العدل بين النساء ~~لوفور عقلهم. والغاية من أمر هذا الصنف من المسلمين أن يتزوجوا بأكثر من ~~واحدة إلى أربع، هو تكثير نسلهم ليستفيد من كثرة أمثالهم المجتمع، كما ~~أسلفنا. ولكن النابغة لا يأتي نسله في الغالب نوابغ، بمجرد تعدد الزوجات. ~~فإن الزوجة المتوسطة أو المنحطة يكون # PageV03P024 # أولادها في الغالب أوساطا أو منحطين. وإن كان أبوهم راقيا. فلا تحصل ~~الفائدة المطلوبة من تعدد الزوجات وهي إصلاح النسل. بل يجب للحصول على هذا ~~المطلب الأسنى أن يقترن النابغون بالنابغات. ليكون أولادهم مثلهم نبوغا أو ~~أنبغ منهم. بحكم سنة الوراثة. وذلك إنما يتم إذا أحسن النابغون اختيار ~~الأزواج. # فنكحوا ما طاب لهم. والنابغة لا يطيب له أن يقترن إلا بمن جمعت نبوغا مثل ~~نبوغه، إلى حسن رائع. فإن معاشرة الحمقاء ليس مما يطيب للعاقل الراقي. وإن ~~الخير يطلب عند حسان الوجوه. ولذلك قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء ولم يقل وانكحوا من النساء. وفي قوله تعالى: مثنى وثلاث ورباع إشارة ~~إلى مراتب نبوغ الرجل، الثلاث. فكأنه أراد أن لا يتجاوز، الذي قل نبوغه، ~~الاقتران باثنتين. وأن لا يتجاوز، الذي نبوغه متوسط، الاقتران بثلاث. وأن ~~يحل، للذي نبوغه أعلى من الأولين، الاقتران بأربع. # وأما الخائفون أن لا يعدلوا فيجب أن لا يتجاوزوا الاقتران بواحدة. لأنهم ~~أناس لن يستطيعوا، مع كل حرصهم، أن يعدلوا بين النساء. لقصور عقلهم في ~~سياسة المنزل وعدم نبوغهم. وهناك إنسان نبوغه أكبر من كل نبوغ. هو محمد صلى ms1030 ~~الله عليه وسلم. الذي اختاره الله لوفور حكمته رسولا منه إلى البشر. قد أحل ~~له أن يقترن بأكثر من أربع لقدرته على العدل بينهن. # وأظنك، بعد قراءة ما أوردت، تعترف، إن كنت من المنصفين، أن الإسلام جاء، ~~قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام، بسنة للزواج، عليها وحدها يتوقف إصلاح نسل ~~البشر، الذي أخذ في هذا القرن أفراد من فلاسفة الغرب يحضون عليه. تلك السنة ~~هي تعدد الزوجات بعد أن كان الرأي العام في الغرب يعيبه عليها. هذا هو ~~الإسلام يقرر أكبر قاعدة للترقي. وهو إباحة تعدد الزوجات، اللاتي يطبن ~~لوفور جمالهن وعقلهن، لأفراد نابغين من المسلمين. لا يخافون لوفور عقلهم أن ~~لا يعدلوا بينهن. ولكن المسلمين لم يأتمروا بأمر الله. فأباحوا هذا التعدد ~~لكل أحد من المسلمين. للخائفين أن لا يعدلوا. ولغير الخائفين. ففسد النسل. ~~والذي أعان على فساده هو كون القدرة عليه أصبحت، بحكم الجهل، منحصرة في ~~المال الذي يجمعه الغاصب والسارق والكاسب. فكثر نسل الظالمين وقل نسل ~~العادلين من أهل العقل الراجح. انتهى كلامه. وهو استنباط بديع. # PageV03P025 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 4] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) # وآتوا أي أعطوا النساء أي اللاتي أمر بنكاحهن صدقاتهن أي مهورهن (جمع ~~صدقة كسمرة) وهي المهر نحلة أي عطاء غير مسترد بحيلة تلجئهن إلى الرد. ~~والنحلة (بكسر النون وضمها، على ما رواه ابن دريد) اسم مصدر ل (نحل) . ~~والمصدر النحل (بالضم) وهو العطاء بلا عوض. والتعبير عن إيتاء المهور ~~بالنحلة، مع كونها واجبة على الأزواج، لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا ~~وطيب الخاطر. ### | فائدتان: # الأولى- هذا الخطاب إما للأزواج، كما روي عن علقمة والنخعي وقتادة، ~~واختاره الزجاج. فإن ما قبله خطاب للناكحين وهم الأزواج. وإما لأولياء ~~النساء. # وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا. ولذلك ~~كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة. ومعناه إنك تأخذ مهرها ~~إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي ms1031 تعظمه. وقال ابن الأعرابي: النافجة ما ~~يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته. فنهى الله تعالى عن ذلك وأمر بدفع ~~الحق إلى أهله. وهذا قول الكلبي وأبي صالح. واختيار الفراء وابن قتيبة. # الثانية- قال القفال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء ~~المناولة. ويحتمل أن يكون المراد الالتزام. قال تعالى: حتى يعطوا الجزية عن ~~يد [التوبة: 29] . والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها. فعلى هذا الوجه الأول، ~~كان المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن. وعلى التقدير الثاني ~~كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم. سواء سمي ذلك أو لم يسم. ~~إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة. ثم قال رحمه الله: ~~ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا. والله أعلم. # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا الضمير للصدقات. وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك. ~~أي فإن أحللن لكم من المهر شيئا بطيبة النفس، جلبا لمودتكم، لا لحياء # PageV03P026 # عرض لهن منكم أو من غيركم. ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم ~~وسوء معاشرتكم. فكلوه هنيئا مريئا أي فخذوه وتصرفوا فيه تملكا. وتخصيص ~~الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. وهنيئا مريئا: صفتان من ~~(هنؤ الطعام ومرؤ) إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء ما أتاك بلا ~~مشقة ولا تبعة. # والمريء حميد المغبة. وهما عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة ~~التبعة. # لأنهن كالرجال في التصرفات والتبرعات. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: للآية ثمرات: منها أنه لا بد في النكاح من صداق. # ومنها أنه حق واجب للمرأة كسائر الديون. ومنها أن لها أن تتصرف فيه بما ~~شاءت. # ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أم لا. ولذا قال بعض الفقهاء: لها بيع مهرها ~~قبل قبضه. ولبعضهم: لا تبيعه حتى تقبضه، كالملك بالشراء. ومنها أنه يسقط عن ~~الزوج بإسقاطها مع طيب نفسها. وقد رأى شريح إقالتها إذا رجعت، واحتج ~~بالآية. # روى الشعبي أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه. وهي تطلب ~~الرجوع. فقال شريح: رد ms1032 عليها. فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى: فإن طبن ~~لكم عن شيء؟ فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وروي عنه أيضا أقيلها ~~فيما وهبت ولا أقيله. لأنهن يخدعن. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب ~~إلى قضاته: أن النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ~~ترجع فذلك لها. نقله الرازي. # أقول: ما رآه شريح وروي عن عمر، هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع. إذ ~~الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط. حيث بني الشرط على طيب ~~النفس. ولم يقل: فإن وهبن لكم، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن ~~الموهوب طيبة. وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها. وذلك بين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 5] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم # PageV03P027 # وقولوا لهم قولا معروفا # اعلم أن في الآية وجوها يحتملها النظم الكريم. # الأول: أن يراد بالسفهاء اليتامى. كما روي عن سعيد بن جبير. والخطاب ~~حينئذ للأولياء. نهوا أن يؤتوا اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها لقلة ~~عقولهم. لأن السفيه هو الخفيف الحلم. وإنما أضيفت للأولياء، وهي لليتامى، ~~تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء. فكأن أموالهم عين ~~أموالهم. لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي. مبالغة في حملهم على ~~المحافظة عليها. كما قال تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] . أي لا ~~يقتل بعضكم بعضا. حيث عبر عن بني نوعهم بأنفسهم، مبالغة في زجرهم عن قتلهم. ~~فكأن قتلهم قتل أنفسهم. وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها ~~بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، بقوله تعالى: التي جعل الله لكم قياما. أي ~~جعلها الله شيئا تقومون وتنتعشون. فلو ضيعتموها لضعتم. وقوله تعالى: ~~وارزقوهم فيها واكسوهم أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم. بأن تتجروا ~~وتتربحوا. حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال. وقوله سبحانه: ~~وقولوا لهم قولا معروفا أي كلاما لينا ms1033 تطيب به نفوسهم. ومنه أن يعدهم عدة ~~جميلة، بأن يقول وليهم: إذا صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم. # (الوجه الثاني) أن يراد بالسفهاء الناس والصبيان. روي ذلك عن ابن عباس ~~وابن مسعود وغيرهما. فالخطاب عام والنهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله ~~تعالى من المال فيعطيه امرأته وأولاده. ثم ينظر إلى أيديهم. وإنما سماهم ~~سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما على أنفسهم. قال علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك ما خولك الله وجعله لك معيشة ~~فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم. ولكن أمسك مالك وأصلحه ~~وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم. # (الوجه الثالث) أن يراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال. # فيدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفا بهذه الصفة. قال ~~الرازي: # وهذا القول أولى. لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز. قال السيوطي في ~~(الإكليل) : # في هذه الآية الحجر على السفيه. وأنه لا يمكن من ماله. وأنه ينفق عليه ~~منه ويكسي، ولا ينفق في التبرعات. وأنه يقال له معروف. ك (إن رشدت دفعنا ~~إليك مالك. وإنما يحتاط لنفعك) . # PageV03P028 # واستدل بعموم الآية من قال بالحجر على السفيه البالغ. سواء طرأ عليه أم ~~كان من حين البلوغ. ومن قال بالحجر على من يخدع في البيوع. ومن قال بأن من ~~يتصدق على محجور، وشرط أن يترك في يده، لا يسمع منه في ذلك. ### | لطيفة: # في قوله تعالى: التي جعل الله لكم قياما حث على حفظ الأموال وعدم ~~تضييعها. # قال الزمخشري: كان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن. ولأن أترك مالا ~~يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة ~~يقلبها: لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن غيره (وقيل له: إنها تدنيك من ~~الدنيا) : # لأن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا. ~~فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في ms1034 ~~جنازة، فقالوا له: # اذهب إلى دكانك. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) # وابتلوا اليتامى أي اختبروا عقولهم ومعرفتهم بالتصرف حتى إذا بلغوا ~~النكاح أي بأن يحتلموا أو يبلغوا خمس عشرة سنة. لما # في الصحيحين «1» عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه ~~يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس ~~عشرة فأجازني # . قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث ~~فقال: إن هذا لحد بين الصغير والكبير. # وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة. وكذا نبات الشعر الخشن حول ~~العورة، لما # رواه الإمام أحمد «2» وأهل السنن عن عطية القرظي قال: عرضنا على النبي ~~PageV03P029 # صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل. ومن لم ينبت خلى سبيله. ~~فكنت فيمن لم ينبت. فخلى سبيلي. # قال الترمذي: حسن صحيح. فإن آنستم أي شاهدتم وتبينتم منهم رشدا أي صلاحا ~~في دينهم وحفظا لأموالهم. قاله سعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس والحسن وغير ~~واحد من الأئمة فادفعوا إليهم أموالهم أي من غير تأخير. # وظاهر الآية الكريمة أن من بلغ غير رشيد إما بالتبذير أو بالعجز أو ~~بالفسق، لا يسلم إليه ماله لأنها مفسدة للمال ولا تأكلوها أيها الأولياء ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا أي مسرفين ومبادرين كبرهم. أو لإسرافكم ومبادرتكم ~~كبرهم. تفرطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى ~~فينتزعوها من أيدينا ومن كان من الأولياء غنيا فليستعفف أي يتنزه عن أكل ~~مال اليتيم. فإنه عليه كالميتة والدم. وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق ~~ومن كان فقيرا يمنعه اشتغاله بمال اليتيم عن الكسب. وإهماله يفضي إلى تلفه ~~عليه فليأكل ms1035 بالمعروف بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته. كما رواه ابن ~~أبي حاتم عن عائشة حيث قالت: # فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري «1» أيضا. قال ابن كثير: ~~قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله. وقد حاجته. وهل يرد إذا ~~أيسر؟ وجهان: # أحدهما لا يرد لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب ~~الشافعي. لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. # وروى الإمام أحمد «2» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم. # فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا. ومن غير أن تقي ~~مالك، (أو قال تفدي مالك بماله) ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: كل بالمعروف غير ~~مسرف. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة. # وروى ابن حبان في (صحيحه) وابن مردويه في (تفسيره) عن جابر: أن رجلا قال: ~~يا رسول الله! مما أضرب يتيمي؟ # قال: مما كنت ضاربا منه ولدك. غير واق مالك بماله. ولا متأثل منه مالا. # وروى عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء ~~أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما. وإن لهم إبلا. ولي إبل وأنا ~~أمنح من إبلي فقراء. PageV03P030 # فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط ~~حوضها، وتسعى عليها، فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب. ورواه مالك في ~~موطئه «1» . وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل، بقول عطاء بن أبي رباح ~~وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. # والوجه الثاني- يرد. لأن مال اليتيم على الحظر. وإنما أبيح للحاجة. فيرد ~~بدله. كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد روى ابن أبي الدنيا عن حارثة ~~بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة ~~وإلى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت استقرضت. فإذا أيسرت قضيت. # وروى سعيد بن منصور في (سننه) : حدثنا أبو ms1036 الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء ~~قال قال لي عمر رضي الله عنه: إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي ~~اليتيم إن احتجت أخذت منه. فإذا أيسرت رددته. وإن استغنيت استعففت. قال ابن ~~كثير: # إسناد صحيح. # وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: فليأكل بالمعروف يعني القرض. قال وروي ~~عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل، وسعيد بن جبير (في إحدى الروايات) ومجاهد ~~والضحاك والشعبي والسدي نحو ذلك. قال الفخر الرازي: وبعض أهل العلم خص هذا ~~الإقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها. وأما التناول من ألبان ~~المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال. ~~وهذا قول أبي العالية وغيره. واحتجوا بأن الله تعالى قال: فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم، فحكم في الأموال بدفعها إليهم. انتهى. # أقول: الكل محتمل. إذ لا نص من الأصلين على واحد منها. ولا يخفى الورع. ~~فإذا دفعتم إليهم أموالهم أي بعد البلوغ والرشد فأشهدوا عليهم أي عند الدفع ~~بأنهم قبضوها. فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة. قال السيوطي: فيه الأمر ~~بالإشهاد ندبا. وقيل: وجوبا. ويستفاد منه أن القول في الدفع قول الصبي، لا ~~الولي. PageV03P031 # فلا يقبل قوله إلا ببينة. وكفى بالله حسيبا أي كافيا في الشهادة عليكم ~~بالدفع والقبض. أو محاسبا. فلا تخالفوا ما أمركم به. ولا يخفى موقع هذا ~~التذييل هنا. فإن الوصي يحاسب على ما في يده. وفيه وعيد لولي اليتيم وإعلام ~~له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره. لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا ~~يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله. # وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر ~~إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال ~~يتيم. «1» # ثم ذكر تعالى أحكام المواريث بقول سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms1037 [سورة النساء (4) : آية # 7] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) # للرجال أي الأولاد والأقرباء نصيب أي حظ مما ترك الوالدان والأقربون أي ~~المتوفون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أي المال أو ~~كثر نصيبا مفروضا أي مقطوعا واجبا لهم. وإيراد حكم النساء على الاستقلال ~~دون الدرج في تضاعيف أحكام الرجال، بأن يقال للرجال والنساء إلخ للاعتناء ~~بأمرهن، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة ~~في إبطال حكم الجاهلية. فإنهم كانوا لا يورثون النساء والأطفال. ويقولون، ~~لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة. وقد استدل ~~بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا ~~حجة لمن حاول دفعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 8] # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) # وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ذوو القرابة ممن لا ~~PageV03P032 # يرث، قدمهم لأن إعطاءهم صدقة وصلة واليتامى الضعفاء بفقد الآباء ~~والمساكين الضعفاء بفقد ما يكفيهم من المال فارزقوهم منه أي أعطوهم من ~~الميراث شيئا وقولوا لهم قولا معروفا بتلطيف القول لهم والدعاء لهم بمثل: ~~بارك الله عليكم. # قال ابن كثير في هذه الآية: المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة ~~الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين، قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتشوق إلى ~~شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا يعطون شيئا. فأمر ~~الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط، يكون برا بهم ~~وصدقة عليهم وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم كما قال الله تعالى: كلوا من ثمره ~~إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده [الأنعام: 141] . وذم الذين ينقلون المال ~~خفية، خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر به عن أصحاب ~~الجنة: إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين [القلم: 17] . فانطلقوا وهم يتخافتون أن ~~لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ms1038 [القلم: 23- 24] . دمر الله عليهم وللكافرين ~~أمثالها [محمد صلى الله عليه وسلم: 10] . فمن جحد حق الله عليه عاقبه في ~~أعز ما يملكه. ولهذا جاء في الحديث: ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته. أي ~~منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية. انتهى. # وقد روى البخاري «1» عن ابن عباس، في الآية قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. ~~وفي لفظ عنه: هي قائمة يعمل بها. وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، في ~~هذه الآية: أنها واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وروى عبد الرزاق ~~في (مصنفه) أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد ~~الرحمن، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ~~ميراث أبيه. وتلا: وإذا حضر القسمة أولوا القربى الآية. وأخرج سعيد بن ~~منصور عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس: # وإذا حضر القسمة، وآية الاستئذان: والذين لم يبلغوا الحلم منكم، وقوله: # إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، الآية. وقد ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا ~~عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ~~ولقد PageV03P033 # أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة ~~الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن ~~تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة ~~بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 9] # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا في الآية وجوه: # الأول- أنها أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى ~~فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم. # الثاني: أنها أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ms1039 ربهم ~~أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم. فلا يتركوه أن ~~يضر بهم بصرف المال عنهم: # الثالث: أنها أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب ~~واليتامى والمساكين، متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا ~~مثلهم. # هل يجوزون حرمانهم؟ # الرابع: أنها أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية. كما # ثبت في الصحيحين «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: ~~يا رسول الله! إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة. أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ~~لا. قال: # فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث. قال: الثلث. والثلث كثير. ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: PageV03P034 # إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. # وفي الصحيح «1» عن ابن عباس قال: لو غض الناس إلى الربع؟ لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال الثلث: والثلث كثير (أو كبير) . # والوجه الأول حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس. قال ابن كثير: # وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما. # ونقل الرازي عن القاضي: إن هذا الوجه أليق بما تقدم وتأخر من الآيات ~~الواردة في باب الأيتام. فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ~~ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها. ولا شك أنه من أقوى الدواعي ~~والبواعث في هذا المقصود. # قال الزمخشري: والقول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى. ويكلموهم ~~كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب. ويدعوهم ب (يا بني) ويا ولدي. # ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له، إذا أراد الوصية: لا تسرف في ~~وصيتك فتجحف بأولادك. مثل # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: إنك أن تترك ولدك أغنياء خير من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس. # ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين. ### | لطيفة: # لا بد من حمل قوله تعالى: (تركوا) على المشارفة: ليصح وقوع (خافوا) خيرا ~~له. ضرورة أنه ms1040 لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة. ونظيره: فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف [البقرة: 231] . أي شارفن بلوغ الأجل. ~~ولهذا المجاز، في التعبير عن المشارفة على الترك، بالترك، سر بديع. # وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع في الحياة، ولا في الذب عن ~~الذرية الضعاف. وهي الحالة التي، وإن كانت من الدنيا، إلا أنها لقربها من ~~الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيزها، ومعبرا عنها بما يعبر به عن ~~الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك. كذا في الانتصاف. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: إنه يجب أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه. ~~PageV03P035 # ويحب لذرية غيره من المؤمنين ما يحب لذريته. وأن على ولي اليتيم أن لا ~~يؤذي اليتيم. بل يكلمه كما يكلم أولاده بالأدب الحسن والترحيب. ويدعوا ~~اليتيم: يا بني، يا ولدي. وقد جاء في الرقة على الأيتام آثار كثيرة. # وفي الآية إشارة إلى إرشاد الآباء، الذي يخشون ترك ذرية ضعاف، بالتقوى في ~~سائر شؤونهم حتى تحفظ أبناؤهم وتغاث بالعناية منه تعالى. ويكون في إشعارها ~~تهديد بضياع أولادهم إن فقدوا تقوى الله تعالى. وإشارة إلى أن تقوى الأصول ~~تحفظ الفروع. وأن الرجال الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف. كما في آية: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا [الكهف: 82] ، إلى آخرها. فإن الغلامين حفظا، ببركة صلاح ~~أبيهما، في أنفسهما ومالهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 10] # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما أي على وجه الظلم من الورثة، أو ~~أولياء السوء وقضاته، بخلاف أكل الفقير الناظر في أموالهم بقدر أجرته، كما ~~تقدم إنما يأكلون في بطونهم نارا أي ما يجر إلى النار ويؤدي إليها وسيصلون ~~أي في القيامة سعيرا أي نارا مستعرة. # روى ابن حبان في (صحيحه) وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي برزة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم ms1041 تأجج أفواههم ~~نارا. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما، الآية. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: في بطونهم، أي ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه وفي بعض ~~بطنه. قال الشاعر: # كلوا في بعض بطنكمو تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص # قال الناصر: ومثله: قد بدت البغضاء من أفواههم أي شرقوا بها وقالوها بملء ~~أفواههم. ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى يتأكد عنده ~~بشاعة # PageV03P036 # هذا الجرم بمزيد تصوير. ولأجل تأكيد التشنيع على الظالم لليتيم في ماله، ~~خص الأكل. لأنه أبشع الأحوال التي يتناول مال اليتيم فيها. والله أعلم. ### | ### | تنبيه: # # روى أبو داود «1» والنسائي والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق ~~من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشيء ~~من طعامه، فيحبس له حتى أكله أو يفسد. فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: يسئلونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير [البقرة: 220] . # الآية. فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه. وقد مضى ذلك في سورة ~~البقرة. # قال الرازي رحمه الله: ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك. # وهو بعيد. لأن هذه الآية في المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل ~~المقصود أن مخالطة أموال اليتامى، إن كان على سبيل الظلم، فهو من أعظم ~~أبواب الإثم. كما في هذه الآية. وإن كان على سبيل التربية والإحسان، فهو من ~~أعظم أبواب البر، كما في قوله: وإن تخالطوهم فإخوانكم. # وقال رحمه الله قبل ذلك: ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى ~~وكثرة عفوه وفضله. لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت ~~عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 11] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ms1042 منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) # يوصيكم الله في أولادكم شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في ~~PageV03P037 # قوله تعالى للرجال نصيب إلخ. قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة ~~والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض. وهو ~~مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير ~~لذلك. انتهى. # والمعنى: يأمركم الله ويعهد إليكم في شأن ميراث أولادكم بعد موتكم للذكر ~~أي منهم مثل حظ الأنثيين أي نصيبهما اجتماعا وانفرادا. أما الأول فإنه يعد ~~كل ذكر بأنثيين. في مثل ابن مع بنتين. وابن ابن مع بنتي ابن. وهكذا في ~~السافلين. # فيضعف نصيبه ويأخذ سهمين. كما أن لهما سهمين. وأما الثاني فإن له الكل ~~وهو ضعف نصيب البنت الواحدة. لأنه جعل لها في حال انفرادها النصف. فاقتضى ~~ذلك أن للذكر، عند انفراده، مثلي نصيبها عند انفرادها، وذلك الكامل. ~~فالمذكور هنا ميراث الذكر مطلقا. مجتمعا مع الإناث ومنفردا. كما حققه صاحب ~~(الانتصاف) . ### | ### | تنبيه: # # قال السيوطي: استدل بالآية من قال بدخول أولاد الابن في لفظ (الأولاد) ~~للإجماع على إرثهم، دون أولاد البنت. ### | لطائف: # الأولى: وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إلى مؤنة النفقة ~~ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق. فهو إلى المال أحوج. ولأنه لو كمل ~~نصيبها، مع أنها قليلة العقل، كثيرة الشهوة لأتلفته في الشهوات إسرافا. ~~ولأنها قد تنفق على نفسها فقط، وهو على نفسه وزوجته. # الثانية: لم يقل: للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف يصدق على المثلين ~~فصاعدا. فلا يكون نصا. ولم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، ولا للأنثى نصف حظ ~~الذكر، تقديما للذكر بإظهار مزيته على الأنثى، ولم يقل: للذكر مثلا نصيب ~~الأنثى، لأنه المثل في المقدار لا يتعدد إلا ms1043 بتعدد الأشخاص. ولم يعتبر ~~هاهنا. # الثالثة: إيثار اسمي (الذكر والأنثى) على ما ذكر أولا من الرجال والنساء، ~~للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دخل ~~للبلوغ والكبر في ذلك أصلا. كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون ~~الأطفال، كالنساء. # الرابعة: استنبط بعضهم من هذه الآية أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة # PageV03P038 # بولدها. حيث أوصى الوالدين بأولادهم. فعلم أنه أرحم بهم منهم. كما جاء # في الحديث الصحيح «1» # وقد رأى امرأة من السبي، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها. ~~فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ ~~قالوا: لا. # يا رسول الله. قال: فو الله! لله أرحم بعباده من هذه بولدها # . فإن كن أي الأولاد. # والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى: نساء يعني بنات خلصا ليس معهن ~~ذكر فوق اثنتين خبر ثان أو صفة لنساء. أي نساء زائدات على اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك أي المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام. ### | تنبيه: # ظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا حيث لا ذكر ~~معهن ولم يسم للبنتين فريضة. وقد اختلف أهل العلم في فريضتهما. فذهب ~~الجمهور إلى أن لهما، إذا انفردتا عن البنين، الثلثين. وذهب ابن عباس إلى ~~أن فريضتهما النصف. احتج الجمهور بالقياس على الأختين. فإن الله سبحانه قال ~~في شأنهما: فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان. فألحقوا البنتين بالأختين في ~~استحقاقهما الثلثين. كما ألحقوا الأخوات، إذا زدن على اثنتين، بالبنات، في ~~الاشتراك في الثلثين. وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين. وذلك ~~أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث، كان للابنتين، إذا انفردتا، الثلثان. ~~هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج ~~عند أهل النظر غلط. لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضا ~~للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن ms1044 ~~هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت ~~الواحدة النصف إذا انفردت، بقوله: وإن كانت واحدة فلها النصف، كان فرض ~~البنتين، إذا انفردتا، فوق فرض الواحدة. وأوجب القياس على الأختين الاقتصار ~~للبنتين على الثلثين. وقيل إن (فوق) زائدة. والمعنى: إن كن نساء اثنتين. ~~كقوله تعالى: فاضربوا فوق الأعناق [الأنفال: 12] ، أي الأعناق. ورد هذا ~~النحاس وابن عطية. فقالا: هو خطأ. # لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ~~ابن عطية: ولأن قوله (فوق الأعناق) هو الفصيح وليست (فوق) زائدة بل هي ~~محكمة PageV03P039 # المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون ~~الدماغ. # كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم. فهكذا كنت أضرب ~~أعناق الأبطال. انتهى. وأيضا لو كان لفظ (فوق) زائدا كما قالوا، لقال: ~~فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل: فلهن ثلثا ما ترك. وأوضح ما يحتج به للجمهور ~~ما # أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي «1» وابن ماجة وأبو يعلى ~~وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في (سننه) عن جابر قال: جاءت ~~امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم (أحد) ~~شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان إلا ولهما مال. ~~فقال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو ~~لك. # أخرجوه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر # . قال الترمذي: هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن ~~عقيل. وقد رواه شريك أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل من حديثه. # كذا في (فتح البيان) وإن كانت أي المولودة واحدة أي امرأة واحدة ليس معها ~~أخ ms1045 ولا أخت فلها النصف أي نصف ما ترك. ولم يكمل لها لأنها ناقصة. ولذلك لم ~~يجعل لها الثلثان اللذان هما نصيب الابن معها. ثم ذكر، بعد ميراث الأولاد، ~~ميراث الوالدين فقال: ولأبويه أي الميت. وهو كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك ~~لدلالة الكلام عليه. والمراد بالأبوين الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب ~~للتغليب لكل واحد منهما السدس مما ترك من المال إن كان له ولد ذكر أو أنثى ~~فإن لم يكن له للميت ولد ذكر أو أنثى وورثه أبواه فلأمه الثلث PageV03P040 # أي ثلث المال مما ترك. والباقي للأب. للذكر مثل حظ الأنثيين. لكن قرر لها ~~الثلث تنزيلا لها منزلة البنت مع الابن، لا منفردة، حطا لها عن درجتها، ~~لقيام البنت مقام الميت في الجملة. قاله المهايمي فإن كان له أي للميت إخوة ~~من الأب والأم. أو من الأب أو من الأم، ذكورا أو إناثا فلأمه السدس يعني ~~لأم الميت سدس التركة من بعد وصية يوصي بها أو دين خبر مبتدأ محذوف. أي هذه ~~الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصي بها الميت إلى ~~الثلث. ومن بعد قضاء دين على الميت. وقرئ في (السبع) : يوصي مبنيا للمفعول ~~وللفاعل. # قال الحافظ ابن كثير: أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم ~~على الوصية. # وروى أحمد والترمذي «1» وابن ماجة وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن ~~الحارث بن عبد الله الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنكم ~~تقرؤون هذه الآية: من بعد وصية يوصي بها أو دين. وإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني ~~العلات. الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. # ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث. وقد تكلم فيه بعض أهل ~~العلم. لكن كان حافظا للفرائض، معتنيا بها وبالحساب. فالله أعلم. # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية أن الميراث إنما يقسم بعد قضاء ~~الدين وتنفيذ الوصايا. وفيها مشروعية ms1046 الوصية. واستدل بتقديمها في الذكر من ~~قال بتقديمها على الدين في التركة. وأجاب من أخرها بأنها قدمت لئلا يتهاون ~~بها. # واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل أو كثر، ولو استغرق المال. ومن ~~أجازها للوارث والكافر، حربيا أو ذميا. واستدل بها من قال: إن الدين يمنع ~~انتقال التركة إلى ملك الوارث. ومن قال إن دين الحج والزكاة مقدم على ~~الميراث، لعموم قوله: أو دين. انتهى. # وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة «2» بسند صحيح عن سعد بن الأطول إن أخاه ~~مات وترك ثلاثمائة درهم. وترك عيالا فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه. فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه. إلا ~~دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: فأعطها فإنها محقة. PageV03P041 ### | ### | لطيفة: # # (فائدة) وصف الوصية بقوله: يوصي بها، هو الترغيب في الوصية والندب إليها. ~~وإيثار (أو) المفيدة للإباحة في قوله: أو دين، على (الواو) للدلالة على ~~تساويهما في الوجوب. وتقدمهما على القسمة مجموعين أو منفردين. وتقديم ~~الوصية على الدين، ذكرا مع تأخرها عنه حكما، ما قدمنا من إظهار كمال ~~العناية بتنفيذها، لكونها مظنة التفريط في أدائها، ولاطرادها. بخلاف الدين- ~~أفاده أبو السعود آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا أي لا ~~تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم. ~~والمعنى: فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم ~~تعلموا أيهم أنفع لكم. # فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع. ~~وأنتم لا تدرون تفاوتها. فتولى الله ذلك فضلا منه. ولم يكلها إلى اجتهادكم ~~لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لأمر القسمة، ورد ~~لما كان في الجاهلية. # قال السمرقندي: ويقال: معنى الآية أن الله تعالى علمكم قسمة المواريث. # وأنكم لا تدرون أيهم أقرب موتا فيرث منه الآخر. انتهى. فريضة من الله ~~نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف. أي فرض الله ذلك فرضا. أو لقوله تعالى: # يوصيكم الله. ms1047 فإنه في معنى: يأمركم ويفرض عليكم إن الله كان عليما أي ~~بالمصالح والرتب حكيما أي في كل ما قضى وقدر. فيدخل فيه بيان أنصباء الذكر ~~والأنثى، دخولا أوليا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # ولكم نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهن ولد ذكر أو أنثى، # PageV03P042 # منكم أو من غيركم فإن كان لهن ولد على نحو ما فصل فلكم الربع مما تركن من ~~المال. والباقي لباقي الورثة من بعد وصية يوصين بها أو دين أي من بعد ~~استخراج وصيتهن وقضاء دينهن ولهن الربع مما تركتم من المال إن لم يكن لكم ~~ولد ذكر أو أنثى، منهن أو من غيرهن فإن كان لكم ولد على النحو الذي فصل ~~فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين الكلام فيه كما تقدم. ~~وفي تكرير ذكر الوصية والدين، من الاعتناء بشأنهما، ما لا يخفى. ### | لطيفة: # في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء، لأنه تعالى حيث ذكر الرجال، ~~في هذه الآية، ذكرهم على سبيل المخاطبة. وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل ~~المغايبة. وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات. وذكر النساء فيها ~~على سبيل الغيبة أقل من ذلك. وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، كما ~~فضلوا عليهن في النصيب. كذا يستفاد من الرازي. وإن كان رجل يورث كلالة أو ~~امرأة أي تورث كذلك وله ms1048 أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أي ~~الإخوة والأخوات من الأم أكثر من ذلك أي من واحد فهم شركاء في الثلث يستوي ~~فيه ذكرهم وأنثاهم. قال المجد في (القاموس) : الكلالة: من لا ولد له ولا ~~والد. أو ما لم يكن من النسب لحا. أو من تكلل نسبه بنسبك. كابن العم، وشبهه ~~أو هي الإخوة للأم. أو بنو العلم الأباعد. أو ما خلا الوالد والوالد. أو ~~هي، من العصبة، من ورث منه الإخوة للأم. فهذه سبعة أقوال محكية عن أئمة ~~اللغة. وقال ابن بري: اعلم أن الكلالة في الأصل هي مصدر (كل الميت يكل كلا، ~~وكلالة) فهو كل إذا لم يخلف ولدا ولا والدا يرثانه. هذا أصلها. قال: ثم قد ~~تقع الكلالة على العين دون الحدث. فتكون اسما للميت الموروث وإن كانت في ~~الأصل اسما للحدث. على حد قولهم: هذا خلق الله. أي مخلوق الله قال: وجاز أن ~~تكون اسما للوارث على حد قولهم: رجل عدل أي عادل. وماء غور أي غائر. قال: ~~والأول هو اختيار البصريين من أن الكلالة اسم للموروث. قال: وعليه جاء ~~التفسير في الآية، أن الكلالة الذي لم يخلف ولدا ولا والدا. فإذا جعلتها ~~للميت، كان انتصابها في الآية على وجهين: # أحدهما- أن تكون خبر (كان) تقديره: وإن كان الموروث كلالة، أي كلا ليس له ~~ولد ولا والد. # PageV03P043 # والوجه الثاني- أن يكون انتصابها على الحال من الضمير في (يورث) أي يورث ~~وهو كلالة. وتكون (كان) هي التامة التي ليست مفتقرة إلى خبر. قال: ولا يصح ~~أن تكون الناقصة، كما ذكره الحوفي، لأن خبرها لا يكون إلا الكلالة. ولا ~~فائدة في قوله (يورث) . والتقدير: إن وقع أو حضر رجل يموت كلالة، أي يورث ~~وهو كلالة، أي كل. وإن جعلتها للحدث دون العين، جاز انتصابها. على ثلاثة ~~أوجه: # أحدها- أن يكون انتصابها على المصدر، على تقدير حذف مضاف، تقديره: يورث ~~وراثة كلالة. كما قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة. أي ورثتموها ~~وراثة قرب، لا وراثة بعد، وقال ms1049 عامر بن الطفيل: # وما سودتني عامر عن كلالة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ومنه قولهم: هو ابن عم كلالة، أي بعيد النسب. فإذا أرادوا القرب قالوا هو ~~ابن عم دنية. # والوجه الثاني- أن تكون الكلالة مصدرا واقعا موقع الحال. على حد قولهم: # جاء زيد ركضا، أي راكضا. وهو ابن عمي دنية، أي دانيا. وابن عمي كلالة أي ~~بعيدا في النسب. # والوجه الثالث- أن تكون خبر (كان) على تقدير حذف مضاف. تقديره: # وإن كان الموروث ذا كلالة. قال: فهذه خمسة أوجه في نصب الكلالة. أحدها- ~~أن تكون خبر (كان) والثاني- أن تكون حالا. الثالث- أن تكون مصدرا، على ~~تقدير حذف مضاف. الرابع- أن تكون مصدرا في موضع الحال. الخامس- أن تكون خبر ~~(كان) على تقدير حذف مضاف. فهذا هو الوجه الذي عليه أهل البصرة والعلماء ~~باللغة. أعني أن الكلالة اسم للموروث دون الوارث. قال: وقد أجاز قوم من أهل ~~اللغة، وهم أهل الكوفة، أن تكون الكلالة اسما للوارث. واحتجوا في ذلك ~~بأشياء: # منها قراءة الحسن: وإن كان رجل يورث كلالة. (بكسر الراء) . فالكلالة، على ~~ظاهر هذه القراءة، هي ورثة الميت. وهم الإخوة للأم. واحتجوا أيضا بقول جابر ~~أنه قال: يا رسول الله! إنما يرثني كلالة. فإذا ثبت حجة هذا الوجه، كان ~~انتصاب كلالة أيضا على مثل ما انتصبت في الوجه الخامس من الوجه الأول، وهو ~~أن تكون خبر (كان) ويقدر حذف مضاف، ليكون الثاني هو الأول، تقديره: وإن كان ~~رجل يورث ذا كلالة، كما تقول ذا قرابة، ليس فيهم ولد ولا والد. قال: وكذلك ~~إذا جعلته حالا من # PageV03P044 # الضمير في (يورث) تقديره: ذا كلالة. قال: وذهب ابن جني، في قراءة من قرأ ~~يورث كلالة ويورث كلالة، أن مفعولي (يورث ويورث) محذوفان أي يورث وارثه ~~ماله. قال: فعلى هذا يبقى (كلالة) على حاله الأولى التي ذكرتها. فيكون نصبه ~~على خبر (كان) أو على المصدر. وتكون (الكلالة) للموروث لا للوارث. قال: ~~والظاهر أن الكلالة مصدر يقع على الوارث وعلى الموروث. والمصدر قد يقع ~~للفاعل تارة وللمفعول أخرى. والله ms1050 أعلم. # وقال ابن الأثير: الأب والابن طرفان للرجل. فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات ~~عن ذهاب طرفيه. فسمى ذهاب الطرفين كلالة. # وفي الأساس: ومن المجاز كل فلان كلالة، إذا لم يكن ولدا ولا والدا. أي كل ~~عن بلوغ القرابة المماسة. # وقال الأزهري: ذكر الله الكلالة في سورة النساء في موضعين: أحدهما- قوله: ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس. # والموضع الثاني قوله تعالى: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك [النساء: 176] . فجعل الكلالة هنا ~~الأخت للأب والأم، والإخوة للأب والأم. فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك ~~الميت وللأختين الثلثين. وللإخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # وجعل للأخ والأخت من الأم، وفي الآية الأولى، الثلث. لكل واحد منهما ~~السدس. # فبين بسياق الآيتين أن الكلالة تشتمل على الإخوة للأم مرة، ومرة على ~~الإخوة والأخوات للأم والأب. ودل قول الشاعر. أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر ~~الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله: # فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب # أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة، وهم الإخوة والأعمام ~~وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. انتهى. # وروى ابن جرير وغيره عن الشعبي قال: قال أبو بكر رحمة الله عليه: إني قد ~~رأيت في الكلالة رأيا. فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له. وإن يك خطأ ~~فمني ومن الشيطان. والله بريء منه. أنت الكلالة ما خلا الولد والوالد. ### | تنبيه: # اتفق العلماء على المراد من قوله تعالى: وله أخ أو أخت- الأخ والأخت # PageV03P045 # من الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف: وله أخ أو أخت من أم. ~~وكذا فسرها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه قتادة عنه. قال الكرخي: ~~القراءة الشاذة كخبر الآحاد. لأنها ليست من قبل الرأي. وأطلق الشافعي ~~الاحتجاج بها، فيما حكاه البويطي عنه، في باب (الرضاع) ms1051 وباب (تحريم الجمع) ~~وعليه جمهور أصحابه. لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يلزم ~~من انتفاء خصوص قرآنيتها، انتفاء خصوص خبريتها. وقال القرطبي: أجمع العلماء ~~على أن الإخوة هاهنا هم الإخوة لأم. # قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب، ليس ميراثهم ~~هكذا. # فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى: وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين- هم الإخوة لأبوين، أو لأب. ### | لطيفة: # إفراد الضمير في قوله تعالى: وله أخ. إما لعوده على الميت المفهوم من ~~المقام، أم على واحد منهما، والتذكير للتغليب. أو على الرجل، واكتفى بحكمه ~~عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه من بعد وصية يوصى بها أو دين ~~غير مضار حال من ضمير يوصى (على قراءته مبنيا للفاعل) أي غير مدخل الضرر ~~على الورثة. كأن يوصي بأكثر من الثلث. ومن فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور ~~(على قراءته مبنيا للمجهول) وتخصيص هذا القيد بهذا المقام، لما أن الورثة ~~مظنة لتفريط الميت في حقهم. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس ~~مرفوعا: الضرار في الوصية من الكبائر. ورواه النسائي في (سننه) عن ابن عباس ~~موقوفا. وهو الصحيح كما قال ابن جرير وصية من الله مصدر مؤكد لفعل محذوف. ~~وتنوينه للتفخيم. كقوله: فريضة من الله. أو منصوب ب (غير مضار) على أنه ~~مفعول به. فإنه اسم فاعل معتمد على ذي الحال. أو منفي معنى. # فيعمل في المفعول الصريح. ويعضده القراءة بالإضافة. أي غير مضار لوصية ~~الله وعهده في شأن الورثة والله عليم بالمضار وغيره حليم لا يعاجل ~~بالعقوبة، فلا يغتر بالإمهال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 13] # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) # تلك الأحكام حدود الله أحكامه وفرائضه المحدودة التي لا تجوز # PageV03P046 # مجاوزتها. ومن يطع الله ورسوله في قسمة المواريث وغيرها يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار أي من ms1052 تحت شجرها ومساكنها خالدين فيها لا يموتون ولا ~~يخرجون وذلك الفوز العظيم النجاة الوافرة بالجنة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 14] # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ~~(14) # ومن يعص الله ورسوله في قسمة المواريث وغيرها ويتعد حدوده بتجاوز أحكامه ~~وفرائضه بالميل والجور يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين أي لكونه غير ~~ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم ~~الله وحكم به. ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم. # وقد روى أبو داود «1» في باب (الإضرار في الوصية) من (سننه) عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل، أو المرأة، بطاعة ~~الله ستين سنة. ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية. فتجب لهما النار # . وقرأ أبو هريرة: من بعد وصية ... حتى بلغ، ذلك الفوز العظيم. ورواه ~~الترمذي وابن ماجة. ورواه الإمام أحمد «2» بسياق أتم ولفظه: إن الرجل ليعمل ~~بعمل أهل الخير سبعين سنة. فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله، ~~فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة. # فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنة. قال ثم يقول أبو ~~هريرة: # واقرءوا إن شتم: تلك حدود الله. إلى قوله: عذاب مهين. # ثم بين تعالى بعضا من الأحكام المتعلقة بالنساء، إثر بيان أحكام المواريث ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 15] # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) ~~PageV03P047 # واللاتي يأتين الفاحشة أي الخصلة البليغة في القبح، وهي الزنى، حال كونهن ~~من نسائكم فاستشهدوا عليهن أي فاطلبوا من القاذفين لهن أربعة منكم أي من ~~المسلمين فإن شهدوا عليهن بها فأمسكوهن في البيوت أي احبسوهن فيها. ولا ~~تمكنوهن من الخروج، صونا لهن عن التعرض بسببه للفاحشة حتى يتوفاهن الموت أي ~~يستوفي أرواحهن. وفيه تهويل للموت وإبراز له ms1053 في صورة من يتولى قبض الأرواح ~~وتوفيها. أو يتوفاهن ملائكة الموت أو يجعل الله لهن سبيلا أي يشرع لهن حكما ~~خاصا بهن. ولعل التعبير عنه ب (السبيل) للإيذان بكونه طريقا مسكوكا. قاله ~~أبو السعود. # وقد بينت السنة أن الله تعالى أنجز وعده، وجعل لهن سبيلا. وذلك فيما # رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربد وجهه. وإذا سري عنه ~~قال: خذوا عني خذوا عني (ثلاث مرار) قد جعل الله لهن سبيلا. الثيب بالثيب، ~~والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة والرجم. والبكر جلد مائة ونفي سنة # . هذا لفظ الإمام أحمد «1» وكذا # رواه أبو داود الطيالسي «2» ولفظه عن عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كان إذا نزل عليه الوحي، عرف ذلك فيه. فلما نزلت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا وارتفع الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا حذركم قد جعل ~~الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة. # والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 16] # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) # والذان: بتخفيف النون وتشديدها يأتيانها أي الفاحشة منكم أي الرجال ~~فآذوهما بالسب والتعيير، ليندما على ما فعلا فإن تابا وأصلحا أي أعمالهما ~~فأعرضوا عنهما بقطع الأذية والتوبيخ، وبالإغماض والستر. فإن التوبة والصلاح ~~مما يمنع استحقاق الذم والعقاب إن الله كان توابا أي على من تاب رحيما واسع ~~الرحمة. وهو تعليل للأمر بالإعراض. PageV03P048 ### | تنبيه: # هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة. قال ~~الإمام الشافعي في الرسالة في (أبواب الناسخ والمنسوخ) بعد ذكره هاتين ~~الآيتين [376] : ثم نسخ الله الحبس والأذى في كتابه فقال: الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. # [377] فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين (لحديث عبادة بن ~~الصامت المتقدم) . # ثم قال: [380] فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ms1054 جلد المائة ثابت ~~على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين. وأن الرجم ثابت على الثيبين ~~الحرين. ثم قال: # [381] لأن # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: ~~البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم- أول ما ~~نزل. # فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين. # [382] فلما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عزا ولم يجلده، وأمر ~~أنيسا أن يغدو على امرأة الأسلمي، فإن اعترفت رجمها- دل على نسخ الجلد عن ~~الزانيين الحرين الثيبين. وثبت الرجم عليهما. لأن كل شيء أبدا بعد أول فهو ~~آخر. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 17] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) # إنما التوبة على الله استئناف مسوق لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ~~ليس على إطلاقه، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه توابا رحيما. بل هو مقيد ~~بما سينطق به النص الكريم. قوله تعالى التوبة مبتدأ وقوله تعالى: للذين ~~يعملون السوء خبره. وقوله تعالى: على الله متعلق بما تعلق به الخبر من ~~الاستقرار. ومعنى كون التوبة عليه سبحانه، صدور القبول عنه تعالى. وكلمة ~~على للدلالة على التحقق البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات عليه ~~سبحانه. والمراد بالسوء المعصية، صغيرة أو كبيرة- كذا في أبي السعود. ~~بجهالة متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يعملون أي متلبسين بها. أي جاهلين ~~سفهاء. أو ب يعملون # PageV03P049 # على أن الباء سببية. أي يعملونه بسبب الجهالة. والمراد بالجهل السفه ~~بارتكاب ما لا يليق بالعاقل. لا عدم العلم. فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى ~~التوبة: والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب. كقوله: فنجهل فوق ~~جهل الجاهلينا. ثم يتوبون من قريب أي من زمان قريب. وظاهر الآية اشتراط ~~وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ. وإنها بذلك تنال درجة قبولها المحتم ~~تفضلا. إذ بتأخيرها وتسويفها يدخل في زمرة المصرين. فيكون في الآية إرشاد ~~إلى ms1055 المبادرة بالتوبة عقب الذنب. والإنابة إلى المولى بعده فورا. ووجوب ~~التوبة على الفور مما لا يستراب فيه. # إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان. وهو واجب على الفور. وتتمته ~~في (الإحياء) . # إذا عرفت هذا، فما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى من ~~قريب ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه. أعني ~~البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان، عياذا بالله ~~تعالى. (فإن قيل) : من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت؟ (قلنا) ~~يستفاد من الآية التي بعدها، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك. لا من قوله ~~تعالى من قريب بما أولوه. # وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن- صريحة في أن وقت ~~الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. فبقي ما وراءه في حيز القبول. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. ورواه ابن ماجة والترمذي # وقال: حسن غريب. # وروى أبو داود «2» الطيالسي عن عبد الله بن عمرو قال: من تاب قبل موته ~~بعام تيب عليه. ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه. ومن تاب قبل موته بساعة ~~تيب عليه. (قال أيوب) . فقلت له إنما قال الله عز وجل: إنما التوبة على ~~الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب. فقال: إنما أحدثك ما ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى نحوه الإمام أحمد وسعيد بن ~~منصور وابن مردويه. # وروى مسلم «3» عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب PageV03P050 # الله عليه. # وروى الحاكم مرفوعا: من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه. # وروى ابن ماجة عن ابن مسعود بإسناد حسن «1» : التائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له: وقوله تعالى: فأولئك يتوب الله عليهم ms1056 أي يقبل توبتهم وكان الله عليما ~~حكيما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 18] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت عند النزاع ~~قال عند مشاهدة ما هو فيه إني تبت الآن فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه ولا ~~الذين يموتون وهم كفار فلا ينفعهم ندمهم ولا توبتهم لأنهم بمجرد الموت ~~يعاينون العذاب. # روى الإمام أحمد «2» عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~الله يقبل توبة عبده ويغفر لعبده ما لم يقع الحجاب. قيل: يا رسول الله! وما ~~الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهي مشركة # . ولهذا قال تعالى: أولئك أعتدنا أي أعددنا لهم عذابا أليما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 19] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها نهي ~~عما كان يفعله أهل الجاهلية بالنساء من الإيذاء والظلم. روى البخاري عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما «3» قال: كانوا، إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق ~~بامرأته. إن شاء PageV03P051 # بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من ~~أهلها. # فنزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم. الآية. ورواه أبو داود ~~والنسائي وغيرهم، ولفظ أبي داود عن ابن عباس: أن الرجل كان يرث امرأة ذي ~~قرابته. فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها: فأحكم الله عن ذلك. أي نهى ~~عنه. # قال السيوطي: ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد. ولا يجري ~~مجرى الأموال بوجه. وكرها (بفتح الكاف وضمها) قراءتان. أي حال كونهن كارهات ~~لذلك! أو مكرهات عليه. ms1057 والتقييد (بالكره) لا يدل على الجواز عند عدمه. لأن ~~تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. كما في قوله: ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] . ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~الخطاب للأزواج. كما عليه أكثر المفسرين. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~أن الآية في الرجل تكون له المرأة. وهو كاره لصحبتها. ولها عليه مهر. ~~فيضرها لتفتدي به. والعضل الحبس والتضييق. أي: ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. أي من الصداق. بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا ~~فتأخذوه منهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي زنى. كما قاله جماعة من الصحابة ~~والتابعين. يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها ~~حتى تتركه لك، وتخالعها. كما قال تعالى في سورة البقرة: ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [البقرة: 229] ~~. الآية. # وروي عن ابن عباس أيضا وغيره: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان. واختار ~~ابن جرير أنه يعم ذلك كله: الزنى والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك. ~~يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه، ويفارقها. قال ~~ابن كثير: # وهذا جيد، والله أعلم. قال أبو السعود: (مبينة) على صيغة الفاعل من (بين) ~~بمعنى تبين وقرئ على صيغة المفعول. وعلى صيغة الفاعل من (أبان) بمعنى تبين ~~أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء ~~والسلاطة. # ويعضده قراءة أبي: إلا أن يفحشن عليكم. انتهى. وفي (الإكليل) استدل قوم ~~بقوله: ببعض ما آتيتموهن- على منع الخلق بأكثر مما أعطاها انتهى. # ثم بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله: وعاشروهن أي صاحبوهن بالمعروف ~~أي بالإنصاف في الفعل والإجمال في القول حتى لا تكونوا سبب الزنى بتركهن. ~~أو سبب النشوز أو سوء الخلق. فلا يحل لكم حينئذ. # PageV03P052 # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية وجوب المعروف من توفية المهر ~~والنفقة والقسم واللين في القول وترك الضرب والإغلاظ بلا ذنب. واستدل ~~بعمومها من أوجب لها الخدمة ms1058 إذا كانت ممن لا تخدم نفسها فإن كرهتموهن يعني ~~كرهتم الصحبة معهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا أي ولعله ~~يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا يكون فيه خير كثير. وبأن ينيلكم ~~الثواب الجزيل في العقبى بالإنفاق عليهن والإحسان إليهن، على خلاف الطبع. ~~وفي (الإكليل) قال الكيا الهراسي: في هذه الآية استحباب الإمساك بالمعروف ~~وإن كان على خلاف هوى النفس. وفيها دليل على أن الطلاق مكروه. # وقد روى مسلم «1» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة. إن كره منها خلقا رضي منها آخر. # (يفرك) بفتح الياء والراء، معناه بغض. ### | لطيفة: # قال أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه، وانحصار العلية في ~~الثاني، للتوسل إلى تعميم مفعوله- ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله ~~تعالى ليس مخصوصا بمكروه دون مكروه. بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق، ~~حسب اقتضاء الحكمة. وإن ما نحن فيه مادة من موادها. وفيه من المبالغة في ~~الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد، ما لا يخفى. ### | تنبيه جليل في الوصية بالنساء والإحسان إليهن: # كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة. وهي قوله تعالى: وعاشروهن ~~بالمعروف. قال ابن كثير: أي طيبوا أقوالكم لهن. وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم ~~بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله. كما قال تعالى: # ولهن مثل الذي عليهن [البقرة: 228] . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. ~~رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجة «2» عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية. # وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم للنساء. رواه الحاكم عن ابن عباس. # وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم ~~النساء إلا PageV03P053 # كريم، ولا أهانهن إلا لئيم. رواه ابن عساكر عن علي عليه السلام. # وعن عمر بن الأحوص رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع يقول، بعد أن ms1059 حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا ~~واستوصوا بالنساء خيرا. فإنما هن عوان عندكم. ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا ~~غير مبرح. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقا. ~~ولنسائكم عليكم حقا. فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون. ولا يأذن في ~~بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» . ~~رواه الترمذي «1» # وقال: # حديث حسن صحيح. # وقوله (عوان) أي أسيرات. جمع عانية. # وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة ~~أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ~~ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت. رواه أبو داود «2» . # وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» : «ليس من ~~اللهو إلا ثلاث: # تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله» . رواه أبو داود. # وفي رواية له: كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه ورميه عن قوسه ~~ومداعبته أهله. # قال ابن كثير: وكان من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، ~~دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه. حتى إنه ~~كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد إليها بذلك. قالت: ~~سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم ~~سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني. PageV03P054 # فقال: هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي ~~يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى ~~منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء ~~وينام بالإزار. وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ~~ينام. يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: لقد كان لكم ~~في رسول ms1060 الله أسوة حسنة. انتهى. # وقال الغزالي في (الإحياء) في (آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح) : # الأدب الثاني- حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور ~~عقلهن. قال الله تعالى: وعاشروهن بالمعروف: وقال في تعظيم حقهن: # وأخذن منكم ميثاقا غليظا [النساء: 21] . وقال تعالى: والصاحب بالجنب ~~[النساء: 36] . قيل: هي المرأة. # ثم قال: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى ~~منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد ~~كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل. وراجعت ~~امرأة عمر عمر رضي الله عنه فقال: أتراجعيني؟ فقالت: إن أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وهو خير منك. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة «1» : «إني لأعلم إذا كنت ~~عني راضية وإذا كنت علي غضبى. قالت. فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا ~~كنت عني راضية فإنك تقولين: لا. ورب محمد! وإذا كنت غضبى قلت: لا. ورب ~~إبراهيم! قالت. قلت: أجل. والله! يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك» . # ثم قال الغزالي: الثالث- أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح ~~والملاعبة. فهي التي تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال. حتى # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها ~~في بعض الأيام. فقال صلى الله عليه وسلم: هذه بتلك. # قال العراقي: رواه أبو داود «2» ، والنسائي في (الكبرى) وابن ماجة في ~~حديث عائشة بسند صحيح. # وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم ~~PageV03P055 # يلعبون في يوم عيد. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحبين أن ~~تري لعبهم؟ قالت. # قلت: نعم. فأرسل إليهم فجاؤوا. وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين ~~البابين. فوضع كفه على الباب ووضعت رأسي على منكبه. وجعلوا يلعبون وأنظر. ~~وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسبك! وأقول: لا تعجل. ms1061 (مرتين أو ~~ثلاثا) ثم قال: يا عائشة! حسبك. # فقلت نعم» . # وفي رواية للبخاري «1» قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني ~~بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. حتى أكون أنا الذي أسأم. ~~فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو # . وقال عمر رضي الله عنه: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي. فإذا ~~التمسوا ما عنده وجد رجلا. # وقال لقمان رحمه الله تعالى: ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي. وإذا ~~كان في القوم وجد رجلا. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» لجابر: «هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟» رواه ~~الشيخان # . ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله! لقد كان ضحوكا إذا ولج، ~~سكوتا إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائل عما فقد. انتهى بتصرف. # ثم نهى تعالى عن أخذ شيء من صداق النساء من أراد فراقهن، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 20] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) # وإن أردتم استبدال زوج أي تزوج امرأة ترغبون فيها مكان زوج ترغبون ~~PageV03P056 # عنها بأن تطلقوها وآتيتم إحداهن أي إحدى الزوجات. فإن المراد بالزوج ~~الجنس. قنطارا أي مالا كثيرا مهرا فلا تأخذوا منه شيئا أي يسيرا، فضلا عن ~~الكثير أتأخذونه بهتانا أي باطلا وإثما مبينا بينا. والاستفهام للإنكار ~~والتوبيخ. أي أتأخذونه باهتين وآثمين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 21] # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) # وكيف تأخذونه إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل ~~التعجب. أي بأي وجه تستحلون المهر وقد أفضى أي وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا أي عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. ~~كالثوب الغليظ يعسر شقه. # قال الزمخشري: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ لقوته ~~وعظمه. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من ~~الاتحاد والامتزاج؟ انتهى. # قال الشهاب الخفاجي: ms1062 قلت بل قالوا: # صحبة يوم نسب قريب ... وذمة يعرفها اللبيب # أو الميثاق الغليظ ما أوثق الله تعالى عليهم في شأنهم بقوله تعالى: ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. أو قول الولي عند العقد: أنكحتك على ما في ~~كتاب الله: من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ### | تنبيه في فوائد: # الأولى- في قوله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا دليل على جواز الإصداق ~~بالمال الجزيل. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن كثرته ثم رجع عن ~~ذلك: كما روى الإمام أحمد «1» عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن ~~الخطاب يقول: ألا لا تغلوا صدق النساء. ألا لا تغلوا صدق النساء. فإنها لو ~~كانت PageV03P057 # مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدق ~~امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية. وإن الرجل ليبتلى بصدقة امرأته ~~(وقال مرة: وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته) حتى تكون لها عداوة في نفسه. ~~وحتى يقول: كلفت إليك عرق القربة. ورواه أهل السنن. وقال الترمذي: هذا حديث ~~صحيح. # وروى أبو يعلى عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: أيها الناس! ما إكثاركم في صدق النساء! وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما ~~دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. ~~فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال ثم نزل. فاعترضته ~~امرأة من قريش. فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مهر ~~النساء على أربعمائة درهم. قال: نعم. فقالت أما سمعت ما أنزل الله في ~~القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ قالت: أما سمعت الله يقول: # وآتيتم إحداهن قنطارا. الآية. قال فقال: اللهم! غفرا. كل الناس أفقه من ~~عمر. # ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس! إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء ~~في ms1063 صدقاتهن على أربعمائة درهم. فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. # قال أبو يعلي: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي. قاله ~~ابن كثير. # وفي (الحجة البالغة) ما نصه: لم يضبط النبي صلى الله عليه وسلم المهر بحد ~~لا يزيد ولا ينقص. إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة. والرغبات لها ~~مراتب شتى. ولهم في المشاحة طبقات. فلا يمكن تحديده عليهم. كما لا يمكن أن ~~يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص. ولذلك قال: التمس ولو خاتما من حديد ~~«1» . غير أنه سن في صداق أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا. أي نصفا، انتهى. ~~PageV03P058 # وقد ورد ما يفيد الندب إلى تخفيفه وكراهة المغالاة فيه. # أخرج أبو داود والحاكم، وصححه، من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «1» : «خير الصداق أيسره» . # وفي صحيح مسلم «2» عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا. قال: قد نظرت إليها. قال: ~~على كم تزوجتها؟ قال على أربع أواق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على ~~أربع أواق! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. ما عندنا ما نعطيك. ولكن ~~عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال فبعث بعثا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل ~~فيهم # . الثانية: خص تعالى ذكر من آتى القنطار من المال بالنهي، تنبيها بالأعلى ~~على الأدنى. لأنه إذا كان هذا، على كثير ما بذل لامرأته من الأموال، منهيا ~~عن استعادة شيء يسير حقير منها، على هذا الوجه، كان من لم يبذل إلا الحقير ~~منهيا عن استعادته بطريق الأولى. ومعنى قوله وآتيتم والله أعلم: وكنتم ~~آتيتم. إذ إرادة الاستبدال، في ظاهر الأحمر، واقعة بعد إيتاء المال ~~واستقرار الزوجية- كذا في الانتصاف. # الثالثة: اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا في استقراره ~~بالخلوة المجردة. ومنشأ ذلك: أن (أفضى) في قوله تعالى: وقد أفضى ms1064 بعضكم إلى ~~بعض. # يجوز حملها على الجماع كناية، جريا على قانون التنزيل من استعمال الكناية ~~فيما يستحيي من ذكره. والخلوة لا يستحيي من ذكرها فلا تحتاج إلى كناية: ~~ويجوز إبقاؤها على ظاهرها. # قال ابن الأعرابي: الإفضاء في الحقيقة الانتهاء. ومنه: وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض. أي انتهى وآوى. هذا، والكناية أبلغ وأقرب في هذا المقام. ومما ~~يرجحها أنه تعالى ذكر ذلك في معرض التعجب فقال: وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض. والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول ~~الألفة والمحبة، وهو الجماع، لا مجرد الخلوة. فوجب حمل الإفضاء إليه- ذكره ~~الرازي من PageV03P059 # وجوه. ثم قال: وقوله تعالى وكيف تأخذونه كلمة تعجب. أي لأي وجه ولأي معنى ~~تفعلون هذا؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة ~~التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله ~~لها بطيبة نفسه؟ إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم. # الرابعة: في (الإكليل) استدل بهذه الآية من منع الخلع مطلقا. وقال: إنها ~~ناسخة لآية البقرة. وقال غيره: إن هذه الآية منسوخة بها. وقال آخرون: لا ~~ناسخ ولا منسوخ بل هي في الأخذ بغير طيب نفسها انتهى. # أقول: إن القول الثالث متعين. لأن كلا من آيتي البقرة وهذه في مورد خاص ~~يعلم من مساق النظم الكريم. وذلك لأن قوله في البقرة: فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229]- صريح في أن الزوجة ~~إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها ~~أن تفتدي منه وحل له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثم: ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ~~[البقرة: 229] إلخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة. وهي جبر الزوج مما لحقه من ~~ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في ~~صورة المظلوم. لأنه لم يجنح ms1065 للفراق ولا رغب فيه. فكان من العدل الإلهي أن ~~لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. ~~وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، ~~أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها ~~وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد ~~الإفضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة ~~منها. فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض ~~عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر ~~الحكمين. وليت شعري ماذا يقول # في الحديث المروي في البخاري «1» وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~لامرأة ثابت: «أتردين عليه حديقته! PageV03P060 # فقالت: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها: اقبل الحديقة وطلقها» . # ولا يقال: لعل القائل بنسخ الخلع اعتمد فيه قوله تعالى: وكيف تأخذونه. ~~إلخ. وفيه ما فيه من تهويل الأخذ والتنفير عنه كما أسلفنا. لأنا نقول إن ~~دلائل الأحكام الناسخة أو المنسوخة إنما تؤخذ من الجمل التامة في الأصلين. ~~فلا تؤخذ من شرط بلا جوابه مثلا. وبالعكس. # ولا من مبتدأ بدون خبره وبالعكس. ولا من مؤكد بدون مؤكدة. وهكذا. وما نحن ~~فيه لو أخذ عموم تحريم الأخذ من قوله: وكيف تأخذونه- لكان كالاستدلال من ~~المؤكد بدون ملاحظة مؤكدة. وهذا ساقط. لأن قوله: وكيف- تنفير عما تقدم، ~~متعلق به. وما قبله خاص. ولو زعم القائل بالنسخ أن قوله: وإن أردتم استبدال ~~زوج، عام في المخلوعة ومن أريد طلاقها- نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد ~~الآية في إرادته، هو فراقها مبتدئا. فلا يصدق على المختلعة. لأنه لا يراد ~~الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين ~~على أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يصار إليه ~~بالرأي. وقد كثر في المتأخرين دعوى النسخ في ms1066 الآيات هكذا بلا استناد قوي. ~~بل لما يتراءى ظاهرا بلا إمعان. فتثبت هذا. # وفي الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين، بعد ~~فراغهما من تلاعنهما: «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟ قالها ~~ثلاثا. فقال الرجل: يا رسول الله: مالي؟ يعني ما أصدقها. قال: لا مال لك. ~~إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها. وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك ~~منها» . # وفي سنن أبي داود» وغيره، عن بصرة بن أكثم أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها. ~~فإذا هي PageV03P061 # حامل من الزنى. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها ~~بالصداق وفرق بينهما. وأمر بجلدها. وقال: الولد عبد لك، والصداق في مقابلة ~~البضع. # ثم بين تعالى من يحرم نكاحهن من النساء، ومن لا يحرم. فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 22] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بنكاح أو ملك يمين. وإن لم يكن ~~أمهاتكم إلا ما قد سلف أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فإنه معفو لكم ولا ~~تؤاخذون به إنه كان فاحشة أي خصلة قبيحة جدا، لأنه يشبه نكاح الأمهات ومقتا ~~أي بغضا عند الله وعند ذوي المروآت. ولذا كانت العرب تسمي هذا النكاح: نكاح ~~المقت. وتسمي ذلك المتزوج، مقتيا. قاله ابن سيده. وقال الزجاج: # المقت أشد البغض. ولما علموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له المقت، ~~أعلموا أنه لم يزل منكرا ممقوتا. وساء سبيلا أي بئس مسلكا. إذ فيه هتك حرمة ~~الأب. # وقد روى ابن أبي حاتم أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت، وكان من صالحي ~~الأنصار، فخطب ابنه، قيس، امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدا، وأنت من صالحي ~~قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: إن أبا قيس توفي. ~~فقال: خيرا. ثم قالت: إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي ms1067 قومه، وإنما كنت ~~أعده ولدا. فما ترى؟ # فقال لها: ارجعي إلى بيتك. فنزلت: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم # . الآية. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ~~يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فأنزل الله: ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف. وأن تجمعوا بين الأختين [النساء: 23] . ### | لطيفة: # قال الرازي: مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول وفي الشرائع وفي ~~العادات. # فقوله تعالى: إنه كان فاحشة، إشارة إلى القبح العقلي. وقوله: ومقتا، ~~إشارة إلى القبح الشرعي. وقوله. وساء سبيلا، إشارة إلى القبح في العرف ~~والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه، فقد بلغ الغاية في القبح. والله ~~أعلم. # قال ابن كثير: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله ~~فيئا # PageV03P062 # لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد «1» وأهل السنن، من طرق، عن البراء بن ~~عازب. # وفي رواية عن عمه أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج ~~امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # حرمت عليكم أمهاتكم من النسب أن تنكحوهن. وشملت الجدات من قبل الأب أو ~~الأم وبناتكم من النسب. وشملت بنات الأولاد وإن سفلن وأخواتكم من أم أو أب ~~أو منهما وعماتكم أي أخوات آبائكم وأجدادكم وخالاتكم أي أخوات أمهاتكم ~~وجداتكم وبنات الأخ من النسب، من أي وجه يكن وبنات الأخت من النسب من أي ~~وجه يكن. ويدخل في البنات أولادهن وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم قال المهايمي: ~~لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها فأشبهت أصله. ~~انتهى. # ويعتبر في ms1068 الإرضاع أمران: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى. وقد ~~ورد تقييد مطلقه وبيان مجمله في السنة بخمس رضعات. لحديث عائشة «2» عند ~~PageV03P063 # مسلم وغيره: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن ~~بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من ~~القرآن. والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد. وذلك ~~قبل الفطام. وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام ~~الهيكل. كالشاب يأكل الخبز. # عن أم سلمة «1» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من ~~الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» . رواه الترمذي وصححه. والحاكم ~~أيضا. # وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا: لا رضاع ~~إلا ما كان في الحولين. # وصحح البيهقي وقفه. قال السيوطي في (الإكليل) : واستدل بعموم الآية من ~~حرم برضاع الكبير. انتهى. وقد ورد الرخصة فيه لحاجة تعرض. # روى مسلم «2» وغيره عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه ~~يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. فقالت عائشة: أما لك في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ # وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إن سالما يدخل علي وهو ~~رجل. # وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه ~~حتى يدخل عليك. # وأخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضا. # وقد روى هذا الحديث، من الصحابة: أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب ~~بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة. ثم رواه عنهم الجمع الجم. # وقد ذهب إلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن ~~سعد وابن علية وداود الظاهري وابن حزم. وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك. # قال ابن القيم: أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى. منهم عائشة. ولم يأخذ به ~~أكثر أهل العلم. وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم، بما قبل الفطام، ~~وبالصغر، وبالحولين. لوجوه: أحدها- كثرتها وانفراد ms1069 حديث سالم. الثاني- أن ~~جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة في شق المنع. الثالث- أنه ~~أحوط. الرابع- أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما. فلا يحصل به ~~البعضية التي هي سبب التحريم. الخامس- أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم ~~وحده. ولهذا لم يجئ PageV03P064 # ذلك إلا في قصته. السادس- # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» دخل على عائشة وعندها رجل قاعد. ~~فاشتد ذلك عليه وغضب. فقالت: إنه أخي من الرضاعة. فقال: انظرن إخوتكن من ~~الرضاعة. فإنما الرضاعة من المجاعة. متفق عليه. واللفظ لمسلم. # وفي قصة سالم مسلك. وهو أن هذا كان موضع حاجة. فإن سالما كان قد تبناه ~~أبو حذيفة ورباه. ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد. فإذا دعت الحاجة ~~إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى ~~المسالك. # وإليه كان شيخنا يجنح. انتهى. يعني تقي الدين بن تيمية رضي الله عنهما. # وأخواتكم من الرضاعة. قال الرازي: إنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة ~~الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة. إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن. # لأنه صلى الله عليه وسلم قال «2» : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» # . وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات. وذلك لأنه تعالى لما سمى ~~المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى ~~النسب. وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان ~~بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات. وخمس منها بطريق الأخوة، وهن الأخوات ~~والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ثم إنه تعالى لما شرع بعد ذلك في ~~أحوال الرضاع، ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي. فذكر ~~من قسم قرابة الولادة، الأمهات. ومن قسم قرابة الأخوة، الأخوات. ونبه بذكر ~~هذين المثالين، من هذين القسمين، على أن الحال في باب الرضاع كالحال في ~~النسب. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح # قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. # فصار صريح ms1070 الحديث مطابقا لمفهوم الآية. وهذا بيان لطيف. # انتهى. ### | لطيفة: # تعرض بعض المفسرين في هذا المقام لفروع فقهية مسندها مجرد الأقيسة. ~~PageV03P065 # قال الرازي: من تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من ~~الآية. # فأما ما سوى ذلك فإنما يليق بكتب الفقه وأمهات نسائكم أي أصول أزواجكم ~~وربائبكم جمع ربيبة، بمعنى مربوبة. قال الأزهري: ربيبة الرجل بنت امرأته من ~~غيره. انتهى. سميت بذلك لأنه يربها غالبا، كما يرب ولده اللاتي في حجوركم ~~جمع حجر (بفتح أوله وكسره) أي في تربيتكم. يقال فلان في حجر فلان، إذا كان ~~في تربيته. والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربي طفلا أجلسه في حجره، فصار ~~الحجر عبارة عن التربية. وسر تحريمهن كونهن حينئذ يشبهن البنات إلا أنه ~~إنما يتحقق الشبه إذا كن من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لأنهن حينئذ بنات ~~موطوءاتكم، كبنات الصلب. والدخول بهن كناية عن الجماع. كقولهم: بنى عليها، ~~وضرب عليها الحجاب. أي أدخلتموهن الستر. والباء للتعدية فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا ~~فارقتموهن أو متن. ### | تنبيهات: # (الأول) ذهب بعض السلف إلى أن قيد الدخول في قوله تعالى: اللاتي دخلتم ~~بهن- راجع إلى الأمهات والربائب. فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت ~~بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها. لقوله: فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم. # وروى ابن جرير عن علي رضي الله في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل ~~بها: أيتزوج بأمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة # . وروي أيضا عن زيد بن ثابت وعبد الله ابن الزبير ومجاهد وابن جبير وابن ~~عباس. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد ابن محمد بن الصابوني، فيما ~~نقله الرافعي عن العبادي. وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه. وتوقف ~~فيه معاوية. وذلك فيما رواه ابن المنذر عن بكر بن كنانة أن أباه أنكحه ~~امرأة بالطائف. قال: فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها. وأمها ذات مال ms1071 ~~كثير. فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال فسألت ابن عباس وأخبرته. فقال: # انكح أمها. قال وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قالا، ~~فكتب إلى معاوية. فأخبره بما قالا. فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله. ~~ولا أحرم ما أحل الله. وأنت وذاك. والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن ~~لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحنيها. # PageV03P066 # وذهب الجمهور إلى أن الأم تحرم بالعقد على البنت ولا تحرم البنت إلا ~~بالدخول بالأم، قالوا: الاشتراط إنما هو في أمهات الربائب. # وروي في ذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. وإن لم يكن دخل بها ~~فلينكح ابنتها. وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها. دخل بها أو ~~لم يدخل. أخرجه الترمذي «1» . # قال الحافظ ابن كثير: هذا الخبر غريب، وفي إسناده نظر. وقال الزجاج: قد ~~جعل بعض العلماء اللاتي دخلتم بهن وصفا للنساء المتقدمة والمتأخرة. وليس ~~كذلك. لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل. وهذا، لأن ~~النساء الأولى مجرورة بالإضافة. والثانية ب (من) ولا يجوز أن تقول: مررت ~~بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء ~~النساء ولهؤلاء النساء. # قال الناصر في (الانتصاف) : والقول المشهور عن الجمهور، إبهام تحريم أم ~~المرأة، وتقييد تحريم الربيبة بدخول الأم. كما هو ظاهر الآية. ولهذا الفرق ~~سر وحكمة. وذلك لأن المتزوج بابنة المرأة لا يخلو بعد العقد وقبل الدخول من ~~محاورة بينه وبين أمها، ومخاطبات ومسارات. فكانت الحاجة داعية إلى تنجيز ~~التحريم ليقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة ذوات المحارم. ولا كذلك العاقد ~~على الأم فإنه بعيد عن مخاطبة بنتها قبل الدخول بالأم. فلم تدع الحاجة إلى ~~تعجيل نشر الحرمة. # وأما إذا وقع الدخول بالأم فقد وجدت مظنة خلطة الربيبة. فحينئذ تدعو ~~الحاجة إلى نشر الحرمة بينهما. والله أعلم. # الثاني- استدل بقوله تعالى: اللاتي في حجوركم ms1072 من لم يحرم نكاح الربيبة ~~الكبيرة والتي لم يربها. # روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت ~~وقد ولدت لي. فوجدت عليها. فلقيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ~~مالك:؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال: لها ابنة؟ قلت: نعم. PageV03P067 # وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا. هي بالطائف. قال: فانكحها. # قلت: فأين قول الله وربائبكم اللاتي في حجوركم قال: إنها لم تكن في حجرك. # إنما ذلك إذا كانت في حجرك؟. # قال الحافظ ابن كثير: إسناده قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط ~~مسلم. وإلى هذا ذهب الأمام داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم ~~الرافعي عن مالك رحمه الله تعالى. واختاره ابن حزم. والجمهور على تحريم ~~الربيبة مطلقا. سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن. قالوا: والخطاب في قوله ~~اللاتي في حجوركم خرج مخرج الغالب. فإن شأنهن الغالب المعتاد أن يكن في ~~حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن. ولم يرد كونهن كذلك بالفعل. وفائدة وصفهن ~~بذلك تقوية علة الحرمة وتكميلها. كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب ~~دون بنات النساء. فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن، وفي شرف التقلب في حجورهم، ~~وتحت حمايتهم وتربيتهم، مما يقوي الملابسة والشبه بينهن وبين أولادهم. # ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم. لا تقييد الحرمة بكونهن في حجورهم بالفعل- ~~كذا قرره أبو السعود-. # وفي (الانتصاف) : إن فائدة وصفهن بذلك، هو تخصيص أعلى صور المنهي عنه، ~~بالنهي. فإن النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام. في جميع الصور. # سواء كانت في حجر الزوج أو بائنة عنه في البلاد القاصية. ولكن نكاحه لها ~~وهي في حجره أقبح الصور. والطبع عنها أنفر. فخصت بالنهي لتساعد الجبلة على ~~الانقياد لأحكام الملة. ثم يكون ذلك تدريبا وتدريجا إلى استقباح المحرم في ~~جميع صوره. # والله أعلم. # وفي الصحيحين «1» أن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! انكح ~~أختي بنت أبي سفيان (وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان) فقال: أو تحبين ms1073 ~~ذلك؟ قالت: نعم. لست لك بمخلية. وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا يحل لي. قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح ~~بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لو لم تكن ربيبتي ~~في حجري، ما حلت لي. إنها لابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة. ~~فلا تعرضن PageV03P068 # علي بناتكن ولا أخواتكن. (وفي رواية للبخاري: لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت ~~لي) . # قال ابن كثير: فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة. وحكم بالتحريم ~~بذلك. # الثالث- اشتهر أن المراد من الدخول في قوله تعالى دخلتم بهن معناه ~~الكنائي. وهو الجماع، لأنه أسلوب الكتاب العزيز في نظائره بلاغة وأدبا. ~~ولذا فسره به ابن عباس وغير واحد. فمدلول الآية صريح حينئذ في كون الحرمة ~~مشروطة بالجماع. فلا تتناول غيره من اللمس والتقبيل والنظر لمتاعها. ومن ~~أثبت تحريم الربيبة بذلك لحظ أن معنى الدخول أوسع من الجماع. لأنه يقال: ~~دخل بها، إذا أمسكها وأدخلها البيت. وفي (فتح البيان) : الذي ينبغي التعويل ~~عليه في مثل هذا الخلاف، هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة. فإن كان ~~خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به، من لمس أو نظر أو غيرهما. وإن كان ~~معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كل مناط ~~التحريم هو ذلك. انتهى. # و (في شرح القاموس للزبيدي) : ودخل بامرأته كناية عن الجماع. وغلب ~~استعماله في الوطء الحلال. والمرأة مدخول بها. قلت: ومنه الدخلة، لليلة ~~الزفاف. # انتهى. # وحلائل أبنائكم أي موطوآت فروعكم بنكاح أو ملك يمين. جمع حليلة. # سميت بذلك لحلها للزوج. وقوله تعالى: الذين من أصلابكم لإخراج الأدعياء ~~الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [الأحزاب: 37] . # وقال تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم [الأحزاب: 4] . فالسر في التقييد ~~هو إحلال حليلة المتبنى، ردا لمزاعم الجاهلية، لا إحلال ms1074 حليلة الابن من ~~الرضاع وأبناء الأبناء. كأنه قيل: بخلاف من تبنيتموهم، فلكم نكاح حلائلهم. ~~وأن تجمعوا بين الأختين في حيز الرفع، عطفا على ما قبله من المحرمات. أي ~~وحرم عليكم الجمع بين الأختين في الوطء بنكاح أو ملك يمين من نسب أو رضاع، ~~لما فيه من قطيعة الرحم إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه إن الله ~~كان غفورا رحيما تعليل لما أفاده الاستثناء. # PageV03P069 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # والمحصنات أي وحرمت عليكم المزوجات من النساء حرائم وإماء، مسلمات، أو ~~لا. لئلا تختلط المياه فيضيع النسب إلا ما ملكت أيمانكم أي من اللائي سبين ~~ولهن أزواج في دار الكفر. فهن حلال لغزاة المسلمين، وإن كن محصنات. لأن ~~السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. # روى الإمام أحمد ومسلم «1» وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي ~~سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس. ولهن أزواج. فكرهنا أن نقع ~~عليهن ولهن أزواج. # فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم فاستحللنا فروجهن. ### | تنبيه: # استدل بعموم الآية من قال: إن انتقال الملك ببيع أو إرث أو غير ذلك يقطع ~~النكاح. عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. ~~وعنه: # بيع الأمة طلاقها. وروي ذلك أيضا عن أبي بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله ~~عنهم قالوا: بيعها طلاقها. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: # بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق ~~زوجها طلاقها. # كذا قرأته في تفسير ابن كثير. ولا يخفى أن المعدود خمسة. ولعل السادس ~~PageV03P070 # بيع زوجها. حيث قال بعد ذلك: وروى عوف عن ms1075 الحسن بيع الأمة طلاقها وبيعه ~~طلاقها. فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى: ~~إلا ما ملكت أيمانكم والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقها لها. واحتجوا ~~بحديث بريرة المخرج في الصحيحين «1» وغيرهما. فإن عائشة أم المؤمنين ~~اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث. بل خيرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة. فلو كان ~~بيع الأمة طلاقها لما خيرت. وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات ~~فقط. وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه. # قال الرازي: وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. أي وهو مقبول ~~ومعمول به في غير ما موضع. كنصاب السرقة. وفي ال ### | تنبيه # الآتي زيادة لهذا فتأثره. ### | فائدة: # اتفق القراء على فتح الصاد في المحصنات هنا. ويقرأ بالفتح والكسر في غير ~~هذا الموضع. وكلاهما مشهور. فالفتح على أنهن أحصن بالأزواج أو بالإسلام. # والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن. واشتقاق الكلمة من الإحصان وهو ~~المنع كتاب الله مصدر مؤكد. أي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا وفرضه ~~فرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه وأحل لكم عطف على حرمت ~~عليكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة. أي أحل لكم ~~نكاح ما سواهن أن تبتغوا مفعول له. أي أحل لكم إرادة أن تبتغوا. # أو بدل من (ما) أي ابتغاء النساء بأموالكم أي يصرفها إلى مهورهن محصنين ~~حال من فاعل (تبتغوا) والإحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب ~~اللوم غير مسافحين غير زانين، والسفاح الزنى والفجور. من السفح وهو الصب. # لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة. وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل ~~المرأة، قال: انكحيني. فإذا أراد الزنى قال: سافحيني. قال الزجاج: المسافحة ~~أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح. PageV03P071 ### | ### | تنبيه: # # قوله تعالى: وأحل لكم ما وراء ذلكم- عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها ~~دلائل أخر. فمن ذلك، ما صح عن النبي ms1076 صلى الله عليه وسلم من النهي عن الجمع ~~بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل ~~العلم. وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة. ومن ~~ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على ~~الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح ~~خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبدا. فالآية مما نزل ~~عاما ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها. # قال الإمام الشافعي في الرسالة: # [244] فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. # [245] فقال في كتابه: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم. # [250] وقال: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان ~~فضل الله عليك عظيما. # في آيات نظائرها. # قال الشافعي: # [252] فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن: وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى ~~من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # [253] وهذا يشبه ما قال. والله أعلم. # [254] لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منه على خلقه ~~بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز، والله أعلم، أن يقال: الحكمة هاهنا إلا ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # [255] وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وحتم على الناس اتباع أمره- فلا يجوز أن يقال لقول: فرض، ~~إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # [256] لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله صلى الله ~~عليه وسلم مقرونا بالإيمان به. # PageV03P072 # [257] وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة عن الله عز وجل معنى ما ~~أراد- دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها إياه. ولم ~~يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله صلى الله عليه وسلم. ms1077 انتهى. # وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن # حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) «1» # المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ~~لا يجوز. كما نقله عنهم الرازي. وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ~~ظاهر الدلالة. وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة. فكان خبر الواحد أضعف ~~من عموم القرآن. فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى. وأنه لا ~~يجوز. انتهى. # وقد توسع الرازي هنا في الجواب عن شبهتهم. ومما قيل فيه: إن تحريم الجمع ~~بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين. # قال العلامة أبو السعود: ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ~~ونظائرها. فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله ~~بوصله. # وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء. بل أولى. فإن العمة والخالة بمنزلة الأم. # فقوله صلى الله عليه وسلم: لا تنكح المرأة. # إلخ، من قبيل بيان التفسير. لا بيان التغيير. وقيل: هو مشهور يجوز به ~~الزيادة على الكتاب. وقال أيضا: ولعل إيثار اسم الإشارة (يعني في قوله: # ما وراء ذلكم) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض ~~للذات فقط- لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم ~~الحرمة. فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة. فإن حرمة الجمع ~~بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق ~~الدلالة، كما سلف. انتهى. # وفي (تنوير الاقتباس) : ويقال في قوله تعالى: أن تبتغوا بأموالكم أن ~~تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة. وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام ~~على ذلك. PageV03P073 # فما استمتعتم به منهن أي من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع فآتوهن ~~فأعطوهن أجورهن مهورهن كاملة فريضة أي من الله عليكم أن تعطوا المهر تاما. ~~وفريضة حال من الأجور. بمعنى مفروضة. أو نعت لمصدر محذوف. أي إيتاء مفروضا. ~~أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة ولا جناح عليكم لا حرج عليكم فيما تراضيتم ~~به أنتم وهن من ms1078 بعد الفريضة أي من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي ~~إن الله كان عليما حكيما فيما شرع من الأحكام. ### | تنبيه: # حمل قوم الآية على نكاح المتعة. قالوا: معنى وقوله تعالى: فما استمتعتم ~~به منهن أي فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة، فآتوهن أجورهن. # قال الحافظ ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة. ولا شك ~~أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس ~~وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وكان ~~ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرءون: فما استمتعتم به منهن ~~إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن ~~الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما # ثبت في الصحيحين «1» عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. # وفي صحيح مسلم «2» عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في ~~الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده ~~منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» # . انتهى. # وفي (الكشاف) : قيل نزلت هذه الآية في المتعة. كان الرجل نكح المرأة وقتا ~~معلوما. ليلة أو ليلتين أو أسبوعا. بثبوت أو غير ذلك. ويقضي منها وطره ثم ~~يسرحها. وسميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها. # وقال الخفاجي: روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما: # أتدري ما صنعت بفتواك؟ قال سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر. كقوله: ~~PageV03P074 # قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟ # هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس؟ # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله! ما بهذا أفتيت ولا أحللت، إلا ~~مثل ما أحل ms1079 الله الميتة والدم. # وقال الإمام شمس الدين بن القيم رضوان الله عليه في (زاد المعاد) في ~~الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه: ومما وقع في هذه الغزوة ~~إباحة متعة النساء. ثم حرمها صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من مكة. واختلف ~~في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال: أحدها- إنه يوم خيبر. وهذا ~~قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره. والثاني- إنه عام فتح مكة. وهذا ~~قول ابن عيينة وطائفة. والثالث- إنه عام حنين. وهذا في الحقيقة هو القول ~~الثاني- لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع- إنه عام حجة الوداع. وهو وهم من ~~بعض الرواة. سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع. وسفر الوهم من زمان ~~إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن ~~دونهم. والصحيح أن المتعة إنما حرمت عام الفتح. لأنه قد ثبت في صحيح مسلم ~~«1» أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه. ولو كان ~~التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين. وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة. ~~ولا يقع مثله فيها. وأيضا، فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات. وإنما كن يهوديات. ~~وإباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد. إنما أبحن بعد ذلك في سورة ~~المائدة بقوله: اليوم أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم [المائدة: 5] . وهذا متصل بقوله: اليوم أكملت لكم دينكم. # [المائدة: 3] . وبقوله: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم. وهذا كان في آخر ~~الأمر بعد حجة الوداع، أو فيها. فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة من ~~خيبر. ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع. ونساء عدوهم قبل الفتح وبعد ~~الفتح، استرق من استرق منهم وصرن إماء المسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ~~ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن متعة النساء. PageV03P075 # يوم خيبر وعن أكل لحوم ms1080 الحمر الإنسية؟ وهذا صحيح صريح. قيل: هذا الحديث ~~قد صحت روايته بلفظين: هذا أحدهما. والثاني الاقتصار على نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، هذه # رواية ابن عيينة عن الزهري. قال: قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: ~~يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة. ذكره أبو ~~عمر في (التمهيد) # ثم قال: على هذا أكثر الناس. انتهى، فتوهم بعض الرواة أن (يوم خيبر) ظرف ~~لتحريمهن فرواه: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة زمن خيبر والحمر ~~الأهلية. واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المتعة زمن خيبر. فجاء بالغلط البين. فإن قيل: فأي فائدة في ~~الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد؟ وأين المتعة من ~~تحريم الخمر؟ قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه محتجا به ~~على ابن عمه، عبد الله بن عباس في المسألتين. فإنه كان يبيح المتعة ولحوم ~~الحمر. # فناظره علي بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين. وقيد تحريم ~~الحمر زمن خيبر. وأطلق تحريم المتعة وقال: إنك امرؤ تائه. إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. كما قاله ~~سفيان بن عيينة. وعليه أكثر الناس. # فروى الأمرين محتجا عليه بهما، لا مقيدا لهما بيوم خيبر. والله الموفق. # ولكن هاهنا نظر آخر. وهو إنه هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال، ~~أو حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس ~~وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم. فلما توسع فيها من توسع ولم يقف ~~عند الضرورة، أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلها ورجع عنه: وقد كان ابن مسعود ~~يرى إباحتها ويقرأ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [المائدة: 87] . # ففي الصحيحين «1» عنه: كنا ms1081 نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم. وليس لنا ~~نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة ~~بالثوب ثم قرأ عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [المائدة: 87] # . وقراءة عبد الله الآية عقيب هذا الحديث تحتمل أمرين: أحدهما- الرد على ~~من يحرمها وأنها لو لم PageV03P076 # تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني- أن ~~يكون أراد آخر هذه الآية وهو الرد على من أباحها مطلقا، وأنه معتد. فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص فيها للضرورة عند الحاجة في الغزو، ~~وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة ~~النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين. فإن قيل: ~~فما تصنعون بما # روى مسلم في صحيحه من حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أذن لكم أن تستمتعوا (يعني متعة النساء) # قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم ثم حرمها بعد ذلك بدليل ما # رواه مسلم «1» في صحيحه عن سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عام أوطاس، في المتعة ثلاثا. ثم نهى عنها # . وعام أوطاس هو وعام الفتح واحد. لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة. فإن ~~قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه «2» عن جابر بن عبد الله قال: كنا ~~نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر. حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث. وفيما ثبت عن عمر أنه ~~قال «3» : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أنهي ~~عنهما: متعة النساء ومتعة الحج؟ قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إن ~~عمر هو الذي حرمها ونهى عنها. وقد أمر رسول الله ms1082 صلى الله عليه وسلم باتباع ~~ما سنه الخلفاء الراشدون. ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في ~~تحريم المتعة عام الفتح. فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن ~~أبيه عن جده. وقد تكلم فيه ابن معين. ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه ~~مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلا من أصول الإسلام. ولو صح عنده لم يصبر عن ~~إخراجه أو الاحتجاج به. قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتى ~~يروي أنهم فعلوها ويحتج بالآية. قالوا أيضا: ولو صح لم يقل عمر: إنها كانت ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها. بل كان ~~يقول: إنه صلى الله عليه وسلم حرمها ونهى عنها. PageV03P077 # قالوا: ولو صح لم يفعل على عهد الصديق، وهو عهد خلافة النبوة حقا. ~~والطائفة الثانية رأت صحة حديث سبرة. ولو لم يصح فقد صح حديث علي رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء. فوجب حمل حديث جابر ~~على أن الذي أخبر عنه بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان ~~زمن عمر رضي الله عنه. # فلما وقع فيها ظهر واشتهر. وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها، وبالله ~~التوفيق. # انتهى. # هذا، والذين حملوا الآية على بيان حكم النكاح قالوا: المراد من قوله ~~تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به إلخ أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار ~~معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر، أو تبرئه عنه بالكلية، ~~بالتراضي، كما تقدم. وهو كقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا وقوله إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح. # وقد روى ابن جرير عن حضرمي أن رجلا كانوا يقرضون المهر. ثم عسى أن تدرك ~~أحدهم العسرة. فقال الله ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ~~إلخ. يعني إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ. وأما الذين حملوا الآية ms1083 على ~~بيان المتعة، قالوا: المراد من نفي الجناح أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق ~~للرجل على المرأة سبيل البتة. فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في ~~الأجرة- كانت المرأة بالخيار. إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل. فهذا هو ~~المراد من قوله: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. أي من بعد ~~المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل. أفاده الرازي. # قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى. يعني الأحر الذي أعطاها ~~على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما. فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا. ~~فإن شاء زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة. وهو قوله تعالى ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له ~~عليها سبيل. وهي منه بريئة. وعليها أن تستبرئ ما في رحمها. وليس بينهما ~~ميراث. فلا يرث واحد منهما صاحبه. # قال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الأول. ~~لقيام الحجة بتحريم الله تعالى متعة النساء على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. انتهى. # قال المهايمي: ثم أشار تعالى إلى نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة. # PageV03P078 # لكنها ضرورة مستمرة لا تنقطع بكثرة الإسلام فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # ومن لم يستطع أي لم يقدر منكم أيها الأحرار، بخلاف العبيد، أن يحصل طولا ~~أي غنى يمكنه به أن ينكح المحصنات أي الحرائر المتعففات، بخلاف الزواني إذ ~~لا عبرة بهن المؤمنات إذ لا عبرة بالكوافر فمن ما ملكت أيمانكم أي فله أن ~~ينكح بعض ما يملكه أيمان إخوانكم من فتياتكم أي ms1084 إمائكم حال الرق المؤمنات ~~لا الكتابية. لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر. # وقد استفيد من سياق هذه الآية أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ~~ثلاثة: # اثنان منها في الناكح والثالث في المنكوحة. أما اللذان في الناكح فأحدهما ~~أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. وهو معنى قوله ومن ~~لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فعدم استطاعة الطول عبارة عن ~~عدم ما ينكح به الحرة. فإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة، يقدر ~~على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في ~~الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات. وعلى هذا التقدير ~~يظهر التفاوت. وأما الشرط الثاني فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله ذلك ~~لمن خشي العنت منكم أي الزنى بأن بلغ الشدة في العزوبة. وأما الشرط الثالث ~~المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة. فإن الأمة إذا كانت ~~كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر. ولا شك أن الولد تابع للأم في ~~الحرية والرق. وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر. # فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر. وما ذكرناه هو المطابق ~~لمعنى الآية. ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت: # PageV03P079 # لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي ~~استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة. وذلك كله نقصان راجع إلى ~~الناكح، ومهانة. والعزة من صفات المؤمنين. وسيأتي مزيد لهذا عند قوله تعالى ~~وأن تصبروا خير لكم وقوله تعالى والله أعلم بإيمانكم إشارة إلى أنه لا ~~يشترط الاطلاع على بواطنهن. بل يكتفي بظاهر إيمانهن. أي فاكتفوا بظاهر ~~الإيمان. فإنه تعالى العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإيمان. فرب أمة ~~تفضل الحرة فيه. وقوله تعالى بعضكم من بعض اعتراض آخر جيء به لتأنيسهم ~~بنكاح الإماء حالتئذ. أي أنتم وأرقاؤكم متناسبون، نسبكم من آدم ms1085 ودينكم ~~الإسلام فانكحوهن بإذن أهلهن أي مواليهن لا استقلالا. وذلك لآن منافعهن لهم ~~لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له وآتوهن أعطوهن أجورهن ~~أي مهورهن بالمعروف أي بلا مطل وضرار وإلجاء إلى الاقتضاء. واستدل الإمام ~~مالك بهذا على أنهن أحق بمهورهن. وأنه لا حق فيه للسيد. وذهب الجمهور إلى ~~أن المهر للسيد. وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن، تأدية إلى سيدهن ~~لكونهن ماله محصنات حال من مفعول فانكحوهن أي حال كونهن عفائف عن الزنى غير ~~مسافحات حال مؤكدة. أي غير زانيات بكل من دعاهن ولا متخذات أخدان أي أخلة ~~يتخصصن بهم في الزنى. قال أبو زيد: الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. والواحد ~~خدن وخدين. وقال الراغب: أكثر ذلك يستعمل فيمن يصاحب بشهوة نفسانية. ومن ~~لطائف وقوع قوله تعالى محصنات إلخ إثر قوله: وآتوهن أجورهن- الإشعار بأنهن ~~لو كن إحدى هاتين، فلكم المناقشة في أداء مهورهن ليفتدين نفوسهن فإذا أحصن ~~أي بالتزويج. وقرئ على البناء للفاعل أي أحصن فروجهن أو أزواجهن فإن أتين ~~بفاحشة أي فعلن فاحشة وهي الزنى فعليهن أي فثابت عليهن شرعا نصف ما على ~~المحصنات أي الحرائر من العذاب أي من الحد الذي هو جلد مائة فنصفه خمسون ~~جلدة. لا الرجم. قال المهايمي: لأنهن من أهل المهانة. فلا يفيد فيهن ~~المبالغة في الزجر. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: مذهب الجمهور أن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة. سواء ~~كانت مسلمة أو كافرة. مزوجة أو بكرا. مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد ~~على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. فأما ~~الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة ~~في إقامة # PageV03P080 # الحد على الإماء. فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما # رواه مسلم «1» في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس ~~أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن: فإن أمة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زنت. فأمرني ms1086 أن أجلدها. فإذا هي حديث عهد بنفاس. فخشيت، إن ~~أنا جلدتها، أن أقتلها. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنت: ~~اتركها حتى تماثل. # وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه (فإذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين) ~~. # وعن أبي هريرة «2» قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا زنت ~~أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثانية ~~فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو ~~بحبل من شعر. # ولمسلم «3» : إذا زنت ثلاثا. ثم ليبعها في الرابعة. # وروى مالك «4» عن عبد الله بن عياش المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في ~~فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين، في الزنى. # الجواب الثاني- جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها. ~~وإنما تضرب تأديبا. وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنه. وإليه ذهب طاوس ~~وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري (في رواية ~~عنه) وعمدتهم مفهوم الآية. وهو من مفاهيم الشرط. وهو حجة عند أكثرهم. فقدم ~~على العموم عندهم. # وحديث «5» أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ~~عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «إن زنت فاجلدوها. ثم إن زنت فاجلدوها. ثم ~~إن زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير» . # قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة، أخرجاه في الصحيحين. # وعند مسلم، قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا فلم يؤقت فيه عدد كما أقت ~~في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات. فوجب الجمع بين ~~الآية والحديث بذلك. والله أعلم. PageV03P081 # وأصرح من ذلك ما # رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس مرفوعا: ليس على أمة حد حتى تحصن. يعني ~~تزوج. فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات. # ورواه ابن خزيمة مرفوعا أيضا. وقال: رفعه خطأ. إنما هو من قول ابن عباس. # وكذا رواه البيهقي، وقال ms1087 مثل قول ابن خزيمة. # قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان. وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: أحدها- ~~إن ذلك محمول على الأمة المزوجة، جمعا بينه وبين هذا الحديث. الثاني- أن ~~لفظة الحد في قوله: فليقم عليها الحد، مقحمة من بعض الرواة. بدليل. # الجواب الثالث- وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط. ~~وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد. وأيضا # فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه، وكان ~~قد شهد بدرا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا زنت الأمة ~~فاجلدوها. ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها. ثم إذا زنت فبيعوها ~~ولو بضفير. # الرابع- أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ (الحد) في الحديث على ~~(الجلد) . لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد. أو أنه أطلق لفظ (الحد) على ~~التأديب. كما أطلق (الحد) على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة ~~شمراخ. وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها، مائة. وإنما ذلك ~~تعزير وتأديب عند من يراه. كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو ~~جلد البكر مائة ورجم الثيب، انتهى. وله تتمة سابغة. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن ~~بالحد. وأما قوله تعالى في الإماء: فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب # ، فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد. وأما قبل ~~التزويج فأمر بجلدها. وفي هذا الحد قولان: # أحدهما- أنه الحد. ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده. فإن للسيد إقامته ~~قبله. وأما بعده فلا يقيمه إلا الإمام. # والقول الثاني- إن جلدها قبل الإحصان تعزير لا حد. ولا يبطل هذا ما # رواه مسلم «1» في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه: إذا زنت ~~أمة PageV03P082 # أحدكم فليجلدها ولا يعيرها، ثلاث مرات. فإن عادت في الرابعة فليجلدها ~~وليبعها ولو بضفير (وفي لفظ فليضربها بكتاب الله) ms1088 # وفي صحيحه أيضا من حديث علي كرم الله وجهه إنه قال: أيها الناس! أقيموا ~~على أرقائكم الحد. من أحصن منهن ومن لم يحصن. فإن أمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها. الحديث. # فإن التعزير يدخل فيه لفظ (الحد) في لسان الشارع. كما في # قوله صلى الله عليه وسلم: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ~~تعالى # . وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا، في مواضع عديدة لم ~~يثبت نسخها ولم تجتمع الأمة على خلافها. وعلى كل حال، فلا بد أن يخالف ~~حالها بعد الإحصان حالها قبله. وإلا لم يكن للتقييد فائدة. فإما أن يقال ~~قبل الإحصان: لا حد عليها، والسنة الصحيحة تبطل ذلك. وإما أن يقال: حدها ~~قبل الإحصان حد الحرة، وبعده نصفه، وهذا باطل قطعا، مخالف لقواعد الشرع ~~وأصوله. وإما أن يقال: حدها قبل الإحصان تعزير، وبعده حد، وهذا أقوى. وإما ~~أن يقال: الافتراق بين الحالين في إقامة الحد لا في قدره وإنه في إحدى ~~الحالتين للسيد وفي الأخرى للإمام. وهذا أقرب ما يقال. # وقد يقال: إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن ~~بالإحصان يزول التنصيف ويصير حدها حد الحرة. كما أن الجلد عن البكر يزال ~~بالإحصان وانتقل إلى الرجم، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها وهي الإحصان، ~~تنبيها على أنه إذا اكتفى به فيها ففي ما قبل الإحصان أولى وأحرى. والله ~~أعلم ذلك أي إباحة نكاح الإماء لمن خشي العنت أي المشقة في التحفظ من الزنى ~~منكم أيها الأحرار وأن تصبروا على تحمل تلك المشقة متعففين عن نكاحهن خير ~~لكم من نكاحهن، وإن سبقت كلمة الرخصة، لما فيه من تعريض الولد للرق. قال ~~عمر رضي الله عنه: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه. ولأن حق المولى فيها ~~أقوى فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر، ولأن المولى يقدر على استخدامها كيفما ~~يريد في السفر والحضر، وعلى بيعها للحاضر والبادي. وفيه من اختلال حال ~~الزوج وأولاده ما لا ms1089 مزيد عليه. ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة. # وذلك كله ذل ومهانة سارية إلى الناكح. والعزة هي اللائقة بالمؤمنين. ولأن ~~مهرها لمولاها. فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج. فلا ينتظم أمر ~~المنزل. كذا حرره أبو السعود. وقد قيل: # إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبره ضاعت مصالح داره # PageV03P083 # قال في (الإكليل) : في الآية كراهة نكاح الأمة عند اجتماع الشروط. بقوله ~~تعالى: وأن تصبروا خير لكم. والله غفور رحيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 26] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) # يريد الله أي في تحريم ما حرم من النساء وتحليل ما أحل بالشرائط ليبين ~~لكم أي شرائعه ويهديكم سنن الذين من قبلكم أي يرشدكم إلى طرائق من تقدم من ~~أهل الكتاب في تحريم ما حرمه، لتتأسوا بهم في اتباع شرائعه التي يحبها ~~ويرضاها. وفي الآية دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا من النساء، في الآيات ~~المتقدمة، فقد كان الحكم كذلك في الملة السابقة. # وقد قرأت في سفر الأحبار اللاويين، من التوراة، في (الفصل الثامن عشر) ما ~~يؤيد ذلك. عدا ما رفعه تعالى عنا من ذلك مما فيه حرج ويتوب عليكم أي يتجاوز ~~عنكم ما كان منكم في الجاهلية، أو يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى ~~طاعته والله عليم أي فيما شرع لكم من الأحكام حكيم مراع في جميع قضائه ~~الحكمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 27] # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) # والله يريد أن يتوب عليكم أي من المآثم والمحارم. أي يخرجكم من كل ما ~~يكره إلى ما يحب ويرضى. وفيه بيان كمال منفعة ما أراده الله تعالى، وكمال ~~مضرة ما يريده الفجرة. كما قال سبحانه ويريد الذين يتبعون الشهوات أي ما ~~حرمه الشرع، وهم الزناة أن تميلوا عن الحق بالمعصية ميلا عظيما يعني ~~بإتيانكم ما حرم الله عليكم. ### | القول في تأويل ms1090 قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 28] # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) # يريد الله أن يخفف عنكم أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم. # PageV03P084 # ولهذا أباح نكاح الإماء بشروطه. ونظير هذا قوله تعالى: يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185] . وقوله: ما جعل عليكم في الدين من ~~حرج [الحج: 78] . وخلق الإنسان ضعيفا أي عاجزا عن دفع دواعي شهواته. فناسبه ~~التخفيف لضعف عزمه وهمته وضعفه في نفسه. فالجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ~~ما قبله من التخفيف في أحكام الشرع. # وفي (الإكليل) : قال طاوس: ضعيفا أي في أمر الناس لا يصبر عنهن. وقال ~~وكيع: يذهب عقله عندهن. أخرجهما ابن أبي حاتم. ففيه أصل لما يذكره الأطباء ~~من منافع الجماع ومن مضار تركه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 29] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم أي لا يأكل بعضكم أموال بعض ~~بالباطل أي ما لم تبحه الشريعة كالربا والقمار والرشوة، والغصب والسرقة ~~والخيانة، وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل إلا أن تكون تجارة أي معاوضة ~~محضة كالبيع عن تراض منكم في المحاباة من جانب الآخذ والمأخوذ منه. وقرئ ~~(تجارة) بالرفع على أن (كان) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة. والتقدير: إلا ~~أن تكون المعاملة أو التجارة أو الأموال، تجارة. # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تحريم أكل المال الباطل بغير وجه ~~شرعي. وإباحة التجارة والربح فيها. وأن شرطها التراضي. ومن هاهنا أخذ ~~الشافعي رحمه الله اعتبار الإيجاب والقبول لفظا. لأن التراضي أمر قلبي فلا ~~بد من دليل عليه. # وقد يستدل بها من لم يشترطهما إذا حصل الرضا. انتهى. # أي لأن الأقوال، كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال ~~قطعا. فصح بيع المعاطاة مطلقا. # وفي (الروضة الندية) : حقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى: والمراد ~~هاهنا أمارته. كالإيجاب ms1091 والقبول، وكالتعاطي عند القائل به، وعلى هذا أهل ~~العلم. لكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعضهم من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا ~~يجوز البيع بغيرها. ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: (بعت منك وبعتك) ~~فإنا لا ننكر # PageV03P085 # أن البيع يصح بذلك. وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها. ولم يرد في ذلك ~~شيء. # وقد قال الله تعالى: تجارة عن تراض. فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو ~~المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، بأي لفظ وقع، وعلى ~~أي صفة كان وبأي إشارة مفيدة، حصل. انتهى. # وقوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فيه وجهان: الأول- ~~أن المعنى لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين. فإن كلهم كنفس واحدة. # والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم، بتصويره بصورة ما لا ~~يكاد يفعله عاقل. والثاني- النهي عن قتل الإنسان نفسه. وقد احتج بهذه الآية ~~عمرو بن العاص على مسألة التيمم للبرد. وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ~~احتجاجه. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود. # ولفظ أحمد» عن عمرو بن العاص أنه قال: «لما بعثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد. فأشفقت، إن ~~اغتسلت، أن أهلك. فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال فلما قدمنا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك ~~وأنت جنب؟ # قال قلت: نعم يا رسول الله! إني احتلمت في ليلة باردة، شديدة البرد. ~~فأشفقت، إن اغتسلت، أن أهلك. وذكرت قول الله عز وجل: ولا تقتلوا أنفسكم إن ~~الله كان بكم رحيما. فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقل شيئا» . # وهكذا أورده أبو داود «2» . قال ابن كثير وهذا، أي المعنى الثاني، والله ~~أعلم، أشبه بالصواب. وقد توافرت الأخبار في النهي عن قتل الإنسان نفسه ~~والوعيد عليه. # روى الشيخان «3» وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة ms1092 رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم ~~يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده ~~يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في ~~يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» . PageV03P086 # وأخرج الشيخان «1» عنه رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لرجل ممن معه يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار» . # فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة. فكاد بعض ~~الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم الجراحة. فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها ~~أسهما فنحر بها نفسه. # فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله! صدق الله حديثك. انتحر ~~فلان فقتل نفسه. فقال: قم، يا فلان، فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. إن ~~الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر. وهذا لفظ البخاري. # وروى أبو داود «2» عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم برجل قتل نفسه فقال: لا أصلي عليه. # وفي الصحيحين «3» من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح. فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده. ~~فما رقأ الدم حتى مات. قال الله عز وجل: «بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه ~~الجنة» . # ولهذا قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 30] # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) # ومن يفعل ذلك أي القتل عدوانا وظلما أي متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي ~~عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه فسوف نصليه أي ندخله PageV03P087 # نارا أي هائلة شديدة العذاب وكان ذلك أي إصلاؤه النار على الله يسيرا ~~هينا عليه، لا عسر فيه ولا صارف عنه. لأنه تعالى: لا يعجزه شيء. # قال النسفي: وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد. ms1093 وفي حق غيره، لبيان ~~استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 31] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) # إن تجتنبوا أي تتركوا كبائر ما تنهون عنه أي كبائر الذنوب التي نهاكم ~~الشرع عنها، مما ذكر هاهنا ومما لم يذكر نكفر عنكم سيئاتكم أي صغائر ~~ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة. كما قال تعالى وندخلكم في الآخرة ~~مدخلا كريما أي حسنا وهي الجنة. و (مدخلا) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ~~ميمي. أي إدخالا مع كرامة. وبفتح الميم، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر. ~~وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر. ورد على من قال: # إن المعاصي كلها كبائر، وإنه لا صغيرة. # قال الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي) : قد دل القرآن والسنة وإجماع ~~الصحابة، والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب كبائر وصغائر. قال ~~الله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم # . وقال تعالى: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [النجم: 32] ~~. # وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة ~~إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر # . وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها أن تقصر عن تكفير الصغائر ~~لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها. بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص ~~عن مقاومة الداء كمية وكيفية. الثانية- أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى ~~تكفير شيء من الكبائر. الثالثة- أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقي فيها قوة ~~تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة. PageV03P088 # وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. ~~وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور (ثلاثا) . # وروي في الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات» ~~قالوا: وما هن؟ يا رسول الله! قال: الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ms1094 وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات» . # وفي الصحيح «3» عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قلت: ثم أي؟ # قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني ~~بحليلة جارك» # . قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون [الفرقان: 68] الآية. # ثم ساق الخلاف في تعدادها. # وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعدادها على ما صحت به الأحاديث. فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مبين لكتاب الله عز وجل، أمين على تأويله. والمرجع ~~في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة. كما أن المرجع في تعريف ~~الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت ~~المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. ~~فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك. # وقد ساق الحافظ ابن كثير هاهنا جملة وافرة منها وجود النقل عن الصحابة ~~PageV03P089 # والسلف والتابعين. فانظره فإنه نفيس. # ثم نهى تعالى عن الحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من ~~المال ونحوه، مما يجري فيه التنافس بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 32] # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا أي ~~أصابوا وأحرزوا وللنساء نصيب مما اكتسبن أي أصبن وأحرزن. أي لكل فريق نصيب ~~مما اكتسب في نعيم الدنيا قبضا أو بسطا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له. # وقد روى الإمام أحمد عن مجاهد ms1095 أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ~~ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى: ولا تتمنوا ~~الآية. ورواه الترمذي «1» وقال: غريب. ورواه الحاكم في مستدركه وزاد: ثم ~~أنزل الله: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى [آل عمران: 195] . ~~الآية فإن صح هذا فالمعنى: لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه. ~~فلا تتمنوا خلاف ذلك. ولا مانع من شمول الآية لما يتعلق بأحوال الدنيا ~~والآخرة. فإن اللفظ محتمل. # ولا منافاة. والله أعلم وسئلوا الله من فضله أي من خزائن نعمه التي لا ~~نفاد لها. # وقد روي الترمذي «2» وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله من فضله. فإن الله عز وجل يحب يسأل» . ~~وأفضل العبادة انتظار الفرج. # إن الله كان بكل شيء عليما ولذلك جعل الناس على طبقات رفع بعضهم على بعض ~~درجات حسب مراتب استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على ~~الحكم الأبية. قاله أبو السعود. PageV03P090 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 33] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون أي: ولكل شيء مما ترك ~~الوالدان والأقربون من المال جعلنا ورثة وعصبة يلونه ويحرزونه. وهم يرثونه. ~~دون سائر الناس. كما # ثبت في الصحيحين «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . # أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض. ~~فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. ف (فما) تبيين (كل) . # قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى. كما قال الفضل بن العباس: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا # وفي (القاموس) و (شرحه تاج العروس) : والمولى: القريب كابن العم ونحوه. # قال ابن الأعرابي: ابن العم مولى. وابن الأخت مولى. وقول ms1096 الشاعر: # هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور # قال أبو عبيدة: يعني الموالي، أي بني العلم. وقال اللهبي يخاطب بني أمية: # مهلا بني عمنا، مهلا موالينا ... امشوا رويدا كما كنتم تكونونا # وقوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع ~~الفاء وهو قوله فآتوهم نصيبهم ويقرأ (عاقدت) بالألف. والمفعول محذوف أي ~~عاقدتهم. ويقرأ بغير ألف والمفعول محذوف أيضا هو والعائد. تقديره عقدت ~~حلفهم أيمانكم. والعقد الشد والربط والتوكيد والتغليظ. ومنه: عقد العهد ~~يعقده: # شده. والأيمان جمع يمين إما بمعنى اليد اليمنى لوضعهم الأيدي في العهود، ~~أو بمعنى القسم وهو الأظهر، لأن العقد خلاف النقض. وقد جاء مقرونا بالحلف ~~في قوله تعالى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91] وفي قوله: لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [المائدة: ~~89] . وفي PageV03P091 # هذه الآية محامل كثيرة ووجوه للسلف والخلف. أظهرها السلف المفسرين رضوان ~~الله عليهم. وهو أن المعني بالموصول، الحلفاء. وهو المروي عن ابن عباس في ~~البخاري كما سيأتي: قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء ~~والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي ~~والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء. انتهى. # ويزاد أيضا: علي بن أبي طلحة. # وكان الحلفاء يرثون السدس من محالفيهم. وروى الطبري من طريق قتادة: # كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك. وترثني وأرثك. وتطلب ~~بي وأطلب بك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس. فأمروا بأن يؤتوهم نصيبهم من ~~الميراث وهو السدس. ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض. # ولذا قال سعيد بن جبير: فآتوهم نصيبهم من الميراث. قال: وعاقد أبو بكر ~~مولى فورثه. # قال الزمخشري: والمراد. ب (الذين عاقدت أيمانكم) موالي الموالاة. كان ~~الرجل يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك. وهدمي هدمك. وثأري ثأرك. وحربي حربك. ~~وسلمي سلمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. وتعقل عني وأعقل عنك. فيكون ~~للحليف السدس من ميراث الحليف. انتهى. # وعلى هذا، ms1097 فمعنى الآية: والذين عاقدتموهم على المؤاخاة والموالاة، ~~وتحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم على النصر والإرث، قبل نزول هذه الآية، ~~فآتوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود. إذ وعدتموهم ذلك في ~~الأيمان المغلظة. # وروى ابن أبي حاتم: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول. وترثني ~~وأرثك. وكان الأحياء يتحالفون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل حلف ~~في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ~~ولا حلف في الإسلام» . # وروى الإمام أحمد ومسلم «1» والنسائي عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال ~~PageV03P092 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. # وروى الإمام أحمد «1» عن قيس بن عاصم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الحلف؟ قال فقال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به. ولا حلف في ~~الإسلام. ورواه أيضا «2» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، قام خطيبا في الناس، فقال: يا أيها ~~الناس! ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. ولا حلف في ~~الإسلام. # قال ابن الأثير: الحلف في الأصل المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد ~~والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذلك الذي ~~ورد النهي عنه في الإسلام # بقوله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام. # وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما ~~جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: وأيما حلف كان في ~~الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. ~~وبذلك يجتمع الحديثان. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام. والممنوع منه ما ~~خالف حكم الإسلام. انتهى. # قال الحافظ ابن كثير: كان هذا، أي التوارث بالحلف، في ابتداء الإسلام. ثم ~~نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد هذه ms1098 الآية معاقدة. # روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: وترثني وأرثك. كان ~~الأحياء يتحالفون # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه ~~الإسلام، فلا يزيده إلا شدة # . ولا عقد ولا حلف في الإسلام. فنسختها هذه الآية: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [الأنفال: 75] . # وروى أبو داود «3» عن ابن عباس في هذه الآية: كان الرجل يحالف الرجل وليس ~~PageV03P093 # بينهما نسب. فيرث أحدهما الآخر. فنسخ ذلك في الأنفال فقال: وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض الآية. # وروى ابن جرير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد ~~الرجل أيهما مات ورثه الآخر. فأنزل الله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا # . يقول: # إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا، وصية. فهو لهم جائز من ثلث مال ~~الميت. # ذلك هو المعروف. # وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقول: وأولوا الأرحام، الآية. # أقول: على ما ذكر، تكون الآية محكمة في صدر الإسلام، منسوخة بعده: # وثمة وجه آخر فيها. وهو أنها ناسخة لميراث الحليف بتأويل آخر. وهو ما ~~رواه البخاري «1» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ولكل جعلنا موالي ورثة ~~والذين عقدت أيمانكم. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري ~~الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. ~~فلما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت: ثم قال: والذين عقدت أيمانكم. من النصر ~~والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث ويوصى له. # وقد فهم بعضهم من هذا الأثر أن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم ~~الحلف الماضي أيضا. وأنه لا توارث به. والصحيح ما أسلفناه من ثبوت التوارث ~~بالحلف السابق على نزول الآية في ابتداء الإسلام، كما حكاه غير واحد من ~~السلف. وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون ذوي رحمه ms1099 حتى نسخ ~~ذلك. # وقد حاول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) الجمع بين الروايات المتقدمة ~~ورواية البخاري باحتمال أن يكون النسخ وقع مرتين: الأولى- حيث كان المعاقد ~~يرث وحده دون العصبة، فنزلت: ولكل جعلنا. فصاروا جميعا يرثون. ثم نسخ ذلك ~~آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما. # والله أعلم. PageV03P094 # هذا وثمة روايات أخر في سبب نزولها. منها ما روى أبو داود «1» وابن أبي ~~حاتم عن داود بن الحصين. قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع. وكانت يتيمة ~~في حجر أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقرأت: (والذين عاقدت أيمانكم) . # فقالت: لا تقرأ هكذا ولكن: والذين عقدت أيمانكم إنما أنزلت في أبي بكر ~~وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما حين أبى الإسلام. فحلف أبو بكر لا يورثه. ~~فلما أسلم أمره الله تعالى أن يورثه نصيبه. # ومنها ما روى ابن جرير عن الزهري عن ابن المسيب قال: نزلت هذه الآية في ~~الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم يورثونهم. فأنزل الله فيهم. فجعل لهم ~~نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة. وأبى الله ~~أن يكون للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم. ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية. # واعلم أن هذه الوجوه السلفية المروية في نزول الآية، كلها مما تصدق عليها ~~الآية وتشملها وينطبق حكمها عليها: ولا تنافي بينها. لما أسلفناه في مقدمة ~~التفسير. فراجعها ولا تغفل عنها. # هذا ولأبي علي الجبائي تأويل آخر في الآية. قال: تقدير الآية: ولكن شيء ~~مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، فآتوهم ~~نصيبهم. أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: والذين عقدت أيمانكم. ~~معطوف على قوله: الوالدان والأقربون. والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت ~~أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى: لا ~~تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: المراد ب الذين عقدت أيمانكم الزوج والزوجة. # والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى: ولا تعزموا عقدة النكاح [البقرة: 235] . # فذكر تعالى الوالدين والأقربين ms1100 وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية ~~المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج ~~والزوجة. # أقول: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية ~~في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر ~~في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو ~~موقوفا، وإن PageV03P095 # صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ~~ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض. # ومذهبنا أن لا غنى عن الرجوع إلى تفسير الصحابة رضي الله عنهم. لما ثبت ~~من الثناء عليهم في الكتاب والسنة. ولأن القرآن أنزل على لغتهم. فالغلط ~~أبعد عنهم من غيرهم. لا سيما تفسير حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما. # فمتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من ~~الأئمة الجماهير. لوجوه متعددة: منها أنه رضي الله عنه ثبت عنه أنه كان لا ~~يستحل التأويل بالرأي. # روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي ~~رواية (بغير علم) رواه أبو داود في العلم، والنسائي والترمذي «1» # . فإذا جزم رضي الله عنه بأمر كان دليلا على رفعه. كما أسلفنا في ~~المقدمة. إن الله كان على كل شيء من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع ~~شهيدا أي عالما. ففيه وعد ووعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 34] # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) # الرجال قوامون على النساء جمع قوام، وهو القائم بالمصالح والتدبير ~~والتأديب. أي مسلطون على أدب النساء يقومون عليهن، آمرين ناهين، قيام ~~الولاة على الرعية. وذلك لأمرين: وهبي وكسبي. أشار للأول بقوله تعالى: بما ~~فضل الله بعضهم على ms1101 بعض والضمير للرجال والنساء جميعا. يعني إنما كانوا ~~مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم، وهم الرجال، على بعض، وهم النساء. ~~وقد ذكروا، في فضل الرجال، العقل والحزم والعزم والقوة والفروسية والرمي. ~~وإن منهم الأنبياء وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة ~~والشهادة في مجامع القضايا والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد ~~الأزواج وزيادة السهم والتعصيب. وهم أصحاب اللحى والعمائم. والكامل بنفسه ~~له حق الولاية على PageV03P096 # الناقص. وأشار الثاني بقوله سبحانه وبما أنفقوا من أموالهم في مهورهن ~~ونفقاتهن فصرن كالأرقاء. ولكون القوامين في معنى السادات وجبت عليهن ~~طاعتهم. كما يجب على العبيد طاعة السادات، # وروى ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال. أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل من الأنصار بامرأة. فقالت: يا رسول الله! إن زوجها فلان بن فلان ~~الأنصاري. وإنه ضربها فأثر في وجهها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ليس له ذلك. # فأنزل الله تعالى: الرجال قوامون على النساء في الأدب. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أردت أمرا وأراد الله غيره» . ورواه ~~ابن جرير وابن أبي حاتم مرسلا من طرق. # قال السيوطي: وشواهده يقوي بعضها بعضا. وقال علي بن أبي طلحة في هذه ~~الآية عن ابن عباس: يعني أمراء عليهن. أي تطيعه فيما أمرها الله به من ~~طاعة. # وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. # وروى الترمذي «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو ~~كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» # . فالصالحات أي من النساء قانتات أي مطيعات لله في أزواجهن حافظات للغيب ~~قال الزمخشري: الغيب خلاف الشهادة. أي حافظات لمواجب الغيب. إذا كان ~~الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج ~~والأموال والبيوت بما حفظ الله أي بحفظ الله إياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ ~~الغيب. فالمحفوظ من حفظه الله. أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله. أو ~~المعنى: بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على ms1102 الرجال. أي عليهن أن يحفظن ~~حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن. حيث أمرهم بالعدل ~~عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن. فقوله: بما حفظ الله، يجري مجرى ~~ما يقال: هذا بذاك. أي في مقابلته. وجعل المهايمي الباء للاستعانة حيث قال: ~~مستعينات بحفظه مخافة أن يغلب عليهن نفوسهن وإن بلغن من الصلاح ما بلغن. ~~انتهى. # وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها ~~سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: الرجال قوامون على النساء، إلى ~~آخرها. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: PageV03P097 # «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: # ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» . ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) في قوله تعالى: الرجال قوامون على النساء: إن ~~الزوج يقوم بتربية زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج وإن عليها طاعته إلا في ~~معصية. # وإن ذلك لأجل ما يجب لها عليه من النفقة. ففهم العلماء من هذا أنه متى ~~عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وسقط ما له من منعها من الخروج. واستدل ~~بذلك من أجاز لها الفسخ حينئذ. ولأنه إذا خرج من كونه قواما عليها فقد خرج ~~عن الغرض المقصود بالنكاح. واستدل بالآية من جعل للزوج الحجر على زوجته في ~~نفسها ومالها. فلا تتصرف فيه إلا بإذنه. لأنه جعله (قواما) بصيغة المبالغة. ~~وهو الناظر في الشيء الحافظ له. واستدل بها على أن المرأة لا تجوز أن تلي ~~القضاء كالإمامة العظمى. لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يقمن ~~على الرجال. انتهى. # واللاتي تخافون نشوزهن أي عصيانهن وسوء عشرتهن وترفعهن عن مطاوعتكم، من ~~(النشز) وهو ما ارتفع من الأرض يقال: نشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها: ~~استعصت عليه، وارتفعت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته فعظوهن أي خوفوهن ~~بالقول. كاتقي الله، واعلمي أن طاعتك لي فرض ms1103 عليك، واحذري عقاب الله في ~~عصياني. وذلك لأن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته. وحرم عليها معصيته، ~~لما له عليها من الفضل والإفضال. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد ~~لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . رواه الترمذي «1» عن أبي هريرة والإمام ~~أحمد عن معاذ، والحاكم عن بريدة. # وروى البخاري «2» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت فبات غضبان عليها، ~~لعنتها الملائكة حتى تصبح» . # ورواه مسلم، ولفظه: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة ~~حتى تصبح واهجروهن بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة في المضاجع أي ~~المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف. PageV03P098 # ولا تباشروهن. فيكون كناية عن الجماع. قال حماد بن سلمة البصري: يعني ~~النكاح. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ~~ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم ~~السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس (في رواية) : ولا يكلمها مع ذلك ولا ~~يحدثها. وقيل: المضاجع المبايت. أي لا تبايتوهن. وفي السنن والمسند «1» عن ~~معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ ~~قال. أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح. ~~ولا تهجر إلا في البيت واضربوهن إن لم ينجع ما فعلتم من العظمة والهجران، ~~ضربا غير مبرح، أي شديد ولا شاق. كما # ثبت في صحيح مسلم «2» عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء. فإنهن عوان عندكم. ولكم عليهن أن لا ~~يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح» . # قال الفقهاء: هو أن لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شينا ويجتنب ~~الوجه لأنه مجمع المحاسن. ويكون مفرقا على بدنها. ولا يوالي به في موضع ~~واحد لئلا يعظم ضرره. ومنهم من قال: ينبغي أن يكون ms1104 الضرب بمنديل ملفوف. أو ~~بيده! لا بسوط ولا عصا. قال عطاء: ضرب بالسواك. # قال الرازي: وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه. # والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الهجران في ~~المضاجع. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما ~~حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق ~~الأشق. وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. فإن ظاهر ~~اللفظ، وإن دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب. # قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع. فإن أقبلت وإلا فقد ~~أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. ولا تكسر لها عظما. فإن أقبلت وإلا ~~فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف ~~النشوز. # أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل. PageV03P099 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه آدب ~~لهم. رواه عبد ابن حميد والطبراني عن ابن عباس، وأبو نعيم في الحلية عن ابن ~~عمر # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا أي إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب ~~إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله منهن، فلا سبيل للرجال ~~عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران إن الله كان عليا كبيرا ~~فاحذروه. تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب. فإنهن، وإن ضعفن عن ~~دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، ~~ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة ~~منهن. فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن. فختم الآية بهذين الاسمين، فيه ~~تمام المناسبة. ولما ذكر تعالى حكم النفور والنشوز من الزوجة، ذكر ما إذا ~~كان النفور من الزوجين بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ms1105 ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # وإن خفتم شقاق بينهما أصله شقاقا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف. # إما على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا. كقوله: بل مكر الليل والنهار ~~[سبأ: 33] . أصله بل مكر في الليل والنهار. أو مجرى الفاعل بجعل البين ~~مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما في قولك: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ~~ولم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. أي إن علمتم ~~مخالفة مفرقة بينهما، واشتبه عليكم أنه من جهته أو من جهتها، ولا يفعل ~~الزوج الصالح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية ~~فابعثوا أي إلى الزوجين لإصلاح ذات البين وتبين الأمر حكما رجلا صالحا ~~للحكومة، والإصلاح ومنع الظالم من الظلم من أهله أي أقارب الزوج وحكما من ~~أهلها على صفة الأول. # فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال. وأطلب للإصلاح. فيلزمها أن يخلوا ~~ويستكشفا حقيقة الحال فيعرفا أن رغبتهما في الإقامة أو الفرقة إن يريدا أي ~~الحكمان إصلاحا يوفق الله بينهما أي يوقع بينهما الموافقة فيتفقان على ~~الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. أو ~~الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين. أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت ~~نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن ~~سعيهما بين # PageV03P100 # الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة إن الله كان ~~عليما خبيرا بظواهر الحكمين وبواطنهما. إن قصدا إفسادا يجازيهما عليه. وإلا ~~يجازيهما على الإصلاح. روى ابن أبي حاتم وابن جرير «1» عن علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ومثله من ~~أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء. فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه ~~امرأته وقصروه على النفقة. وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ~~ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز. فإن ~~رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي ~~يرث الذي لم ms1106 يرض. ولا يرث الكاره الراضي. # وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. # قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. ~~وإن رأيتهما أن تفرقا ففرقا. (وأسند) عن ابن أبي مليكة «2» أن عقيل بن أبي ~~طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك. فكان إذا ~~دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في ~~النار إذا دخلت. # فشدت عليها ثيابها. فجاءت عثمان فذكرت له ذلك. فضحك. فأرسل ابن عباس ~~ومعاوية. فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين ~~شخصين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما. ~~فرجعا. # وأسند عن عبيدة قال: شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها. مع كل واحد منهما ~~فئام من الناس. فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما. فقال علي للحكمين: أتدريان ~~ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة. رضيت الله ~~لي وعلي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت. والله! لا تبرح حتى ~~ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير. # قال الحافظ ابن كثير: وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع ~~والتفرقة. حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة ~~أو PageV03P101 # بطلقتين أو ثلاثا، فعلا. وهو رواية عن مالك. وقال الحسن البصري: الحكمان ~~يحكمان في الجمع لا في التفرقة. وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم. وبه قال أحمد ~~بن حنبل وأبو ثور وداود. ومأخذهم قوله تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما ولم يذكر التفريق. وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ ~~حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. انتهى. وفي (الإكليل) : أخرج ابن منصور ~~أن المأمور بالبعث الحكام. وعن السدي: إنه الزوجان. فعلى الأول استدل به من ~~قال: إنهما موليان من الحاكم. فلا يشترط رضا الزوجين عما يفعلانه من طلاق ~~وغيره. وعلى الثاني استدل من قال: إنهما ms1107 وكيلان من الزوجين. فيشترط. # وقال ابن كثير: الجمهور على الأول. أعني أنهما منصوبان من جهة الحاكم. # لقوله تعالى. فابعثوا حكما إلخ، فسماهما حكمين: ومن شأن الحكم أن يحكم ~~بغير رضا المحكوم عليه. وهذا ظاهر الآية. # وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى الثاني. # لقول علي رضي الله عنه للزوج، (حين قال: أما الفرقة فلا) - فقال: كذبت. ~~حتى تقر بما أقرت به. # قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج. والله أعلم. # وفي الآية تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه، وفقه الله تعالى ~~لمبتغاه. ### | تنبيه: # قال الحاكم: في الآية دلالة على أن كل من خاف فرقة وفتنة جاز له بعث ~~الحكمين. وقد استدل بها أمير المؤمنين على الخوارج فيما فعل من التحكيم. ~~قال مشايخ المعتزلة: لأن المصاحف لما رفعت، فظهرت الفرقة في عسكره، وخاف ~~على نفسه، جازت المحاكمة، بل وجبت. ولهذا صالح صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية. وعلى هذا يحمل صلح الحسن عليه السلام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 36] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) # PageV03P102 # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا يأمر تعالى بعبادته وحده وبالإخلاص فيها ~~بقوله ولا تشركوا به شيئا كما قال تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين [البينة: 5] . لأنه تعالى هو الخالق الرازق المنعم المتفضل ~~على خلقه في جميع الأوقات والحالات. فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا ~~به شيئا من الشرك. الجلي والخفي. للنفس وشهواتها. وما يتوصل به إليها من ~~المال والجاه. # وهذه العبادة حق الله علينا. كما # في الصحيحين «1» عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ~~«يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: # الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا. وحق ms1108 العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» . # ثم أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز ~~وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمها في ~~سلكها بقول وبالوالدين إحسانا وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز ~~كقوله: أن اشكر لي ولوالديك [لقمان: 14] . وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا [الإسراء: 23] . أي أحسنوا بهما إحسانا يفي بحق ~~تربيتهما. # فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه. مع ما فيه من صلة أقرب ~~الأقارب الموجب لوصلة الله، وقطعها لقطعه. ثم عطف، على الإحسان إليهما، ~~الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، بقوله وبذي القربى أي الأقارب. # وقد جاء في الحديث الصحيح عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الصدقة على المسكين صدقة. وهي على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة. ~~رواه الإمام أحمد «2» والترمذي والنسائي والحاكم وابن ماجة. # ثم قال تعالى واليتامى وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم ~~فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، تنزلا لرحمته عز وجل والمساكين وهم ~~المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم PageV03P103 # بكفايتهم. فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ~~ضرورتهم والجار ذي القربى أي الذي قرب جواره. أو الذي له مع الجوار قرب ~~واتصال بنسب أو دين والجار الجنب أي الذي جواره بعيد. أو الأجنبي. وقال نوف ~~البكالي: الجار ذي القربى. يعني الجار المسلم. والجار الجنب يعني اليهودي ~~والنصراني. # وقد ورد في الوصية بالجار أحاديث كثيرة. منها # قوله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه» . أخرجاه في الصحيحين «1» عن ابن عمر. # ومنها ما # رواه الإمام أحمد «2» والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران ~~عند الله خيرهم لجاره» . # وروى الإمام أحمد «3» عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يشبع ms1109 الرجل دون جاره» . # قال ابن كثير: تفرد به أحمد. # وعن المقدار بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ~~«ما تقولون في الزنى؟ قالوا: حرمه الله ورسوله. فهو حرام إلى يوم القيامة. ~~قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة ~~أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال فقال: # ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله. فهي حرام. قال: لأن يسرق ~~الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره» . # قال ابن كثير: تفرد به أحمد «4» . وله شاهد # في الصحيحين «5» من حديث ابن مسعود. قال: سألت (أو سئل) رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن PageV03P104 # تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم ~~معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك. # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي العالية عن رجل من الأنصار قال: «خرجت من ~~أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا أنا به قائم ورجل معه مقبل عليه. ~~فظننت أن لهما حاجة. # قال فقال الأنصاري: والله! لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام. فلما انصرف قلت: ~~يا رسول الله! لقد قام بك الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: ولقد ~~رأيته؟ قلت: نعم. قال: أتدري من هو؟ # قلت: لا. قال: ذاك جبريل. ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ثم ~~قال: # أما إنك لو سلمت عليه رد عليك السلام» . # ورواه عبد بن حميد عن جابر عن عبد الله قال: جاء رجل من العوالي ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام يصليان حيث يصلي على الجنائز. ~~فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله! من هذا الرجل الذي رأيت يصلي معك؟ ~~قال: وقد رأيته؟ قال: # نعم. قال: لقد رأيت خيرا كثيرا. هذا جبريل ما زال يوصيني ms1110 بالجار حتى رأيت ~~إنه سيورثه. # قال ابن كثير: تفرد به من هذا الوجه. وهو شاهد للذي قبله. # وروى البزار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الجيران ثلاثة: # جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا. وجار له حقان. وجار له ثلاثة حقوق ~~وهو أفضل الجيران حقا. فأما الجار الذي له حق واحد فجار مشرك، لا رحم له، ~~له حق. # وأما الجار الذي له حقان، فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار. وأما الذي ~~له ثلاثة حقوق. فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم» . # وروى الإمام أحمد والبخاري «2» عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: # إن لي جارين. فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا. # وروى الإمام مسلم «3» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. PageV03P105 # وفي رواية قال: إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك ~~فأصبهم منها بمعروف. # وروى الشيخان «1» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله! ~~لا يؤمن. والله! لا يؤمن. والله! لا يؤمن. قيل: ومن؟ يا رسول الله! قال: ~~الذي لا يأمن جاره بوائقه» . # ولمسلم «2» : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. # والبوائق: الغوائل والشرور. # ورويا عنه «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نساء ~~المؤمنات! لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» # . معناه: ولو أن تهدي لها فرسن شاة. وهو الظلف المحرق. وأراد به الشيء ~~الحقير. # ورويا عنه «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يؤذ جاره # . وقوله تعالى والصاحب بالجنب قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. # وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر. أي فإنه كالجار. # وأوضحه الزمخشري بقوله: هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك. إما رفيقا في سفر. # وإما جارا ملاصقا. ms1111 وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة. وإما قاعدا إلى جنبك ~~في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن ~~تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. # وروي عن علي وابن مسعود قالا: # هي المرأة # . أي لأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك وابن السبيل أي ابن الطريق. # أي المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله، وهو يريد الرجوع إلى بلده ~~ولا يجد ما يتبلغ به. نسب إلى السبيل الذي هو الطريق لمروره عليه وملابسته ~~له. أو الذي PageV03P106 # يريد البلد غير بلده، لأمر يلزمه. وقال ابن عرفة: هو الضيف المنقطع به، ~~يعطى قدر ما يتبلغ به إلى وطنه. وقال ابن بري: هو الذي أتى به الطريق. كذا ~~في (تاج العروس) . ولم يذكر السلف من المفسرين وأهل اللغة (السائل) في معنى ~~ابن السبيل. لأنه جاء تابعا لابن السبيل في البقرة، في قوله تعالى: ليس ~~البر- إلى قوله- وابن السبيل والسائلين. # قال بعضهم في (ابن السبيل) : # ومنسوب إلى ما لم يلده ... كذاك الله نزل في الكتاب # وما ملكت أيمانكم يعني المماليك. فإنهم ضعفاء الحيلة. أسرى في أيدي الناس ~~كالمساكين. لا يملكون شيئا. # وقد ثبت عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي ~~أمته في مرض الموت، يقول: الصلاة. الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. ~~رواه أبو داود وابن ماجة «1» وهذا لفظ أبي داود. # وروى الإمام «2» أحمد عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. ~~ما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة. ورواه النسائي. # قال الحافظ ابن كثير. وإسناده صحيح ولله الحمد. # وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: # لا. قال: فانطلق فأعطهم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفى ~~بالمرء إثما أن يحبس، عمن يملك قوته» . رواه مسلم «3» . # وعن أبي هريرة ms1112 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه وكسوته. ~~ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» . رواه مسلم «4» أيضا. # وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم بطعامه، فإن ~~لم يجلسه معه، فليناوله أكلة أو لقمة أو لقمتين. فإنه ولي حره وعلاجه. ~~أخرجاه «5» . ولفظه للبخاري. PageV03P107 # وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هم إخوانكم ~~خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ~~وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم. أخرجاه ~~«1» # إن الله لا يحب من كان مختالا أي متكبرا عن الإحسان إلى من أمر ببره ~~فخورا يعدد مناقبه كبرا. وإنما خص تعالى هذين الوصفين بالذم، في هذا ~~الموضع، لأن المختال هو المتكبر. وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية ~~الحقوق. ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل ~~الرياء والسمعة. بل لمحض أمر الله تعالى. # روى أبو داود «2» والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الكبر من بطر الحق وغمط الناس» . # وروى ابن جرير عن أبي رجاء الهروي قال. لا تجد سيئ الملكة (الملكة) إلا ~~وجدته مختالا فخورا. وتلا وما ملكت أيمانكم ... الآية ولا عاقا إلا وجدته ~~جبارا شقيا. وتلا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا [مريم: 32] وقد ورد ~~في ذم الخيلاء والفخر ما هو معروف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 37] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) # الذين يبخلون أي بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به فيما تقدم ~~PageV03P108 # ويأمرون الناس بالبخل أي ولا يكونون سبب الإحسان. بل يبخلون بذات أيديهم ~~وبما في أيدي غيرهم. # فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب: أبخل من ~~الضنين بنائل غيره. قال: # وإن امرءا ضنت يداه على امرئ ... بنيل يد من غيره، لبخيل # قال الزمخشري بعد حكاية ms1113 ما تقدم: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل، من إذا ~~طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد، شخص به، وحل حبوته واضطرب، ودارت عيناه في ~~رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته، ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده. # انتهى ويكتمون ما آتاهم الله من فضله أي من المال والغنى. فيوهمون الفقر ~~مع الغنى والإعسار مع اليسار والعجز مع الإمكان وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله ~~تعالى. ومن كان كافرا بنعمة الله تعالى فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة ~~بالبخل والإخفاء. ### | فائدة: # قال أبو البقاء: في قوله تعالى: الذين يبخلون وجهان: أحدهما- هو منصوب ~~بدل من من في قوله من كان مختالا فخورا وجمع على معنى من ويجوز أن يكون ~~محمولا على قوله مختالا فخورا وهو خبر كان وجمع على المعنى أيضا، أو على ~~إضمار: أذم. والثاني- أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: مبغضون. ودل عليه ~~ما تقدم من قوله لا يحب ويجوز أن يكون الخبر: معذبون. لقوله وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين. ويجوز أن يكون ~~مبتدأ والذين ينفقون معطوف عليه، والخبر إن الله لا يظلم أي يظلمهم. # ثم قال: والبخل والبخل لغتان. وقد قرئ بهما. وفيه لغتان أخريان البخل بضم ~~الخاء والباء، والبخل بفتح وسكون الخاء. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 38] # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أي قصد رؤية الخلق إياه، غفلة عن ~~الخالق # PageV03P109 # تقدس، وعماية عنه، ليقال: ما أسخاهم وما أجودهم ولا يؤمنون بالله أي الذي ~~يتقرب إليه وحده ويتحرى بالاتفاق رضاه ولا باليوم الآخر الذي هو يوم الجزاء ~~ومن يكن الشيطان له قرينا معينا في الدنيا فساء قرينا فبئس القرين والصاحب ~~الشيطان. لأنه يضله عن الهدى ويحجبه عن الحق. وإنما اتصل الكلام هنا بذكر ~~الشيطان، تقريعا لهم على طاعته. والمعنى: من يكن عمله ms1114 بما سول له الشيطان ~~فبئس العمل عمله. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار. ### | لطيفة: # قوله تعالى والذين عطف على الذين يبخلون أو على للكافرين وإنما شاركوهم ~~في الذم والوعيد لأن البخل كالإنفاق رياء، سواء في القبح واستتباع اللائمة ~~والذم. ويجوز أن يكون العطف بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير ~~الذاتي. كما في قوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # أو مبتدأ خبره محذوف. يدل عليه قوله تعالى ومن يكن إلخ أي: فقرينهم ~~الشيطان. وإنما حذف للإيذان بظهوره واستغنائه عن التصريح به. أو التقدير: ~~فلا يقبل إحسانهم لأن رياءهم يدل على تفضيلهم الخلق على الله، ورؤيتهم على ~~ثوابه. # وقد روى مسلم «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. ~~من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه. # وروى ابن أبي حاتم، في سبب نزول الآية، عن سعيد بن جبير قال: كان علماء ~~بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم. فأنزل الله: الذين يبخلون الآية. # وأخرج ابن جرير «2» من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس، أن رجالا من اليهود ~~PageV03P110 # كانوا يأتون رجالا من الأنصار ينتصحون لهم. فيقولون: لا تنفقوا أموالكم. ~~فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها. ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ~~ما يكون. # فأنزل الله فيهم: الذين يبخلون. الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 39] # وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) # وماذا عليهم لو آمنوا بالله أي فلم يرجحوا الخلق عليه واليوم الآخر ~~بالبعث والجزاء فلم يرجحوا تعظيمهم وحطامهم على ثوابه وأنفقوا مما رزقهم ~~الله أعطاهم الله من المال، أي طلبا لرضاه وأجر آخرته. # قال العلامة أبو السعود: وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل السابق، ~~واكتفاء بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر. فإنه يقتضي أن يكون الإنفاق ~~لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه ms1115 البتة. أي: وما الذي عليهم. أو: وأي تبعة ~~ووبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله؟ وهو توبيخ لهم على الجهل ~~بمكان المنفعة، والاعتقاد في الشيء بخلاف ما هو عليه، وتحريض على التفكر ~~لطلب الجواب. لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والعوائد ~~الجميلة. وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه يجيب إليه احتياطا. فكيف ~~إذا كان فيه منافع لا تحصى. # وتقديم الإيمان بهما، لأهميته في نفسه، ولعدم الاعتداد بالإنفاق بدونه. ~~وأما تقديم (إنفاقهم رئاء الناس) على عدم إيمانهم بهما، مع كون المؤخر أقبح ~~من المقدم، فلرعاية المناسبة بين إنفاقهم ذلك وبين ما قبله من بخلهم وأمرهم ~~للناس به. انتهى وكان الله بهم عليما وعيد لهم بالعقاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 40] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) # إن الله لا يظلم مثقال ذرة أي لا يبخس أحدا من ثواب عمله ولا يزيد في ~~PageV03P111 # عقابه شيئا مقدار ذرة، وهي النملة الصغيرة، في قول أهل اللغة. قال ثعلب: ~~مائة من الذر زنة حبة شعير. وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء. ~~والمعنى: إن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا، قليلا ولا كثيرا. فخرج الكلام ~~على أصغر شيء يعرفه الناس وإن تك حسنة يضاعفها أي وإن تك مثقال ذرة حسنة ~~يضاعف ثوابها. وإنما أنث ضمير المثقال لتأنيث الخبر. أو لإضافته إلى الذرة ~~ويؤت أي زيادة على الأضعاف من لدنه مما يناسب عظمته على نهج التفضل أجرا ~~عظيما أي عطاء جزيلا. وقد ورد في معنى هذه الآية أحاديث كثيرة. منها ما # في الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الشفاعة الطويل: وفيه: فيقول الله عز وجل: # ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. # وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار. فيخرجون ~~خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرؤا ms1116 إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة. # وقد روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: فأما المشرك ~~فيخفف عنه العذاب يوم القيامة. أي بحسنته. ولا يخرج من النار أبدا. # قال الحافظ ابن كثير: وقد يستدل له # بالحديث الصحيح «2» # إن العباس قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ~~ويغضب لك؟ قال: نعم. # هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. # وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار. بدليل ما # رواه أبو داود «3» الطيالسي في مسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق في ~~الدنيا. ويجزي بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا. فإذا كان ~~يوم القيامة لم يكن له حسنة. # انتهى. # ورواه مسلم «4» أيضا عن أنس أيضا مرفوعا. ولفظه: إن الله لا يظلم مؤمنا ~~حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ~~ما PageV03P112 # عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى ~~بها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 41] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال الرازي: # وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم وأنه تعالى ~~يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبين تعالى في هذه الآية أن ~~ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على ~~المسيء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل ذلك من ~~الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة ووعدا للمطيعين الذين قال الله فيهم وإن تك حسنة ~~يضاعفها. # ثمن قال: من عادة ms1117 العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا ~~كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، أو إذا جاء وقت كذا؟ فمعنى هذا الكلام: # كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها. واستشهدك على ~~هؤلاء. يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن أهل ~~كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم. وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه ~~السلام: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [المائدة: 117] ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى: ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم [النحل: 89] . إلخ. # وروى الشيخان «1» وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي. فقلت: يا رسول الله؟ أقرأ عليك وعليك أنزل؟ ~~قال: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء. حتى أتيت إلى ~~هذه الآية: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا. فقال: ~~حسبك الآن. فإذا عيناه تذرفان. PageV03P113 # زاد مسلم: شهيدا ما دمت فيهم. أو قال ما كنت فيهم # . شك أحد رواته. # وروى ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: شهيد عليهم ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 42] # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا (42) # يومئذ أي يوم القيامة يود أي يتمنى الذين كفروا بالله وعصوا الرسول ~~بالإجابة لو تسوى بهم الأرض أي يهلكون فيها. أي يدفنون. فتسوى بهم الأرض ~~كما تسوى بالموتى. إذ هو أعز لهم من الهوان الذي يلحقهم من فضائحهم. كقوله: ~~وم ينظر المرء ما قدمت يداه ... # الآية. ف (تسوى) بمعنى: تجعل مستوية. والباء للملابسة. أي تسوى الأرض ~~متلبسة بهم. وقيل: الباء بمعنى (على) وفي (الدر المصون) : وتسوية الأرض بهم ~~أو عليهم: دفنهم. أو أن تنشق وتبلعهم. أو أنهم يبقون ترابا على أصلهم من ~~غير خلق. وقوله ms1118 تعالى ولا يكتمون الله حديثا عطف على (يود) أي ويعترفون ~~بجميع ما فعلوه لا يقدرون على كتمانه. لأن جوارحهم تشهد عليهم. أو (الواو) ~~للحال. أي يودون أن يدفنوا في الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثا. ~~ولا يكذبونه بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين. كما روى ابن جرير «1» عن ~~الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس! قول الله تعالى. ~~ولا يكتمون الله حديثا. وقوله: والله ربنا ما كنا مشركين. فقال له ابن ~~عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: # ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى ~~يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من ~~أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون (تعالوا نقل) . فيسألهم فيقولون: والله ~~ربنا ما كنا مشركين. قال فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم- ~~جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا ~~يكتمون الله حديثا. # وروى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير نحو ما تقدم. واعتمده الإمام أحمد في ~~PageV03P114 # كتاب (الرد على الجهمية) في باب (بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه ~~القرآن) وساق مثل ما تقدم عن ابن عباس. ثم قال: فهذا تفسير ما شكت فيه ~~الزنادقة. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر في جماعة كانوا يشربونها ثم يصلون. أي من ~~مقتضى إيمانكم الحياء من الله. ومن الحياء منه أن لا تقوموا إلى الصلاة ~~وأنتم سكارى لا تعلمون ما تخاطبونه. فالحياء ms1119 من الله يوجب ذلك. وتصدير ~~الكلام بحرفي النداء والتنبيه، للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي. ~~وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة، مع أن المراد هو النهي عن إقامتها، ~~للمبالغة في ذلك. # قال الحافظ ابن كثير: كان هذا النهي قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث ~~الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر ~~[البقرة: 219] . الآية. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر. ~~فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها ~~عليه. فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر ~~في أوقات الصلوات. حتى نزلت: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إلى قوله ~~تعالى: فهل أنتم منتهون [المائدة: ### | 90- 91 # ] . فقال عمر: انتهينا. انتهينا. # ولفظ أبي داود «1» عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر فذكر الحديث. # وفيه: نزلت الآية التي في النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. فكان منادي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قامت الصلاة، ينادي: لا يقربن الصلاة سكران. PageV03P115 # وروى ابن أبي شيبة وابن حاتم عن سعد رضي الله عنه قال: نزلت في أربع ~~آيات: # صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار. ~~فأكلنا وشربنا حتى سكرنا. ثم افتخرنا. فرفع رجل لحى بعير فغرز بها أنف سعد ~~فكان سعد مغروز الأنف وذلك قبل تحريم الخمر. فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى. الآية. والحديث بطوله عند مسلم «1» ورواه أهل ~~السنن إلا ابن ماجة. # وروى أبو داود «2» والنسائي عن علي رضي الله عنه، أنه كان هو وعبد الرحمن ~~ورجل آخر شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: قل يا أيها الكافرون. # فخلط فيها. فنزلت: لا تقربوا. الآية. # وروى ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه: قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف ~~طعاما فدعانا وسقانا من ms1120 الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا ~~فلانا. قال: فقرأ قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما ~~تعبدون. فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا. الآية. وكذا رواه ~~الترمذي «3» وقال: حسن صحيح ولا جنبا عطف على قوله وأنتم سكارى إذ الجملة ~~في موضع النصب على الحال. والجنب الذي أصابته الجنابة. يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث، والواحد والجمع. لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب إلا ~~عابري سبيل أي مارين بلا لبث حتى تغتسلوا من الجنابة: أي لا تقربوا موضع ~~الصلاة، وهو المسجد، وأنتم جنب، إلا مجتازين فيه. إما للخروج منه أو للدخول ~~فيه. # روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم ~~جنب إلا عابري سبيل. قال: تمر به مرا، ولا تجلس. ثم رواه عن كثير من ~~الصحابة. # منهم ابن مسعود وثلة من التابعين. # وروى ابن جرير «4» عن الليث قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن قول الله عز ~~وجل: ولا جنبا إلا عابري سبيل. أن رجالا من المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء ~~عنهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا في المسجد. فأنزل الله تعالى: ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل. PageV03P116 # قال الحافظ ابن كثير: ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله، ما # ثبت في صحيح البخاري «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سدوا كل ~~خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر # . وهذا قاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته. علما منه أن أبا بكر. رضي ~~الله عنه سيلبي الأمر بعده ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور ~~المهمة فيما يصلح للمسلمين. فأمر بسد الأبواب الشارعة. إلى المسجد إلا بابه ~~رضي الله عنه ومن روى: إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ والصواب ~~ما ثبت في الصحيح. # ومن هذا التأويل احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في ~~المسجد. ويجوز له المرور. وثمة تأويل آخر في قوله تعالى ms1121 إلا عابري سبيل وهو ~~أن المراد منه المسافرون. أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا ~~حال كونكم مسافرين. فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام ~~على الصلاة عند العجز عن الماء. # وقد روى ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش عن علي في هذه الآية، قال: لا يقرب ~~الصلاة لا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد ~~الماء. # ثم # رواه من وجه آخر عن علي: ورواه عن جماعة من السلف أيضا: أنه في السفر. # قال ابن كثير: ويستشهد لهذا القول # بالحديث الذي رواه الإمام أحمد «2» وأهل PageV03P117 # السنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصعيد الطيب ~~طهور المسلم. وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ~~ذلك خير لك. # وفي هذا التأويل بقاء لفظ الصلاة على معناه الحقيقي في الجملتين ~~المتعاطفتين. وفي التأويل السابق تكون الصلاة، في الجملة الثانية محمولة ~~على مواضعها. # قال في (فتح البيان) : وبالجملة، فالحال الأولى أعني قوله وأنتم سكارى ~~تقوي بقاء الصلاة على معناه الحقيقي، من دون تقدير مضاف. وسبب نزول الآية ~~السابق يقوي ذلك. وقوله إلا عابري سبيل يقوي تقدير المضاف. أي لا تقربوا ~~مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي (أعني لا تقربوا وهو قوله: # وأنتم سكارى) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي. وبعض قيود النهي ~~(وهو قوله: إلا عابري سبيل) يدل على أن المراد مواضع الصلاة. ولا مانع من ~~اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل ~~واحد منهما بقيد. وهما: لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان ~~وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم ~~المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا إنه من الجمع بين الحقيقة ~~والمجاز. وهو جائز بتأويل مشهور. # وقال ابن جرير «1» (بعد حكايته للتأويلين) : وأولى القولين بالتأويل ~~لذلك، تأويل من تأوله ولا جنبا إلا ms1122 عابري سبيل، إلا مجتازي طريق فيه. وذلك ~~أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء. وهو جنب، في قوله وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر إلى آخره. فكان معلوما بذلك أن قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر معنى مفهوم. وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. # وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد ~~PageV03P118 # للصلاة، مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا ~~جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. # قال: و (العابر السبيل) المجتازه مرا وقطعا. يقال منه: عبرت هذا الطريق ~~فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه. ومنه ~~قيل، للناقة القوية على الأسفار: هي عبر أسفار. وعبر أسفار، لقوتها على ~~الأسفار. # قال ابن كثير: وهذا الذي نصره (يعني ابن جرير) هو قول الجمهور وهو الظاهر ~~من الآية. وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها. ~~وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها ~~أيضا، والله أعلم. # وقوله تعالى حتى تغتسلوا غاية للنهي عن قربان الصلاة ومواضعها، حال ~~الجنابة. والمعنى: لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا. إلا حال عبوركم ~~السبيل. ### | تنبيهات: # الأول- في الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو. # وبطلانها وبطلان الاقتداء به. وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا. ~~فيباح له التيمم. # الثاني- تمسك بالآية من قال: إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما ~~يقوله انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم ~~وربيعة والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور والمزني واختاره الطحاوي. والمسألة ~~مبسوطة في (زاد المعاد) للإمام ابن القيم. # الثالث- في الآية دليل على أن ردة السكران ليست بردة: لأن قراءة سورة ~~الكافرين، بطرح اللاءات، كفر. ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان. وما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق ms1123 بينه وبين امرأته. ولا بتجديد ~~الإيمان. ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئا، لا ~~يحكم بكفره. قاله النسفي. # الرابع- استدل بأحد التأويلين السابقين على تحريم دخول المسجد على ~~السكران. لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول. فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى ~~منها التلويث والسباب ونحوه. كذا في (الإكليل) . # الخامس- استدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية على تكليف # PageV03P119 # السكران ودخوله تحت الخطاب. وفيه نظر. لأن الخطاب عام لكل مؤمن. وعلى ~~تقدير أنه قصد به الذين صلوا في حال السكر، فإنما نزل بعد صحوهم. كذا في ~~(الإكليل) . # السادس- في قوله تعالى حتى تغتسلوا رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا ~~توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. # كذا في (الإكليل) . # أقول: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصا في تأويل واحد. وحيث تطرق ~~الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا. # وقد تمسك المبيح، وهو الإمام أحمد، بما روى هو وسعيد بن منصور في (سننه) ~~بسند صحيح، أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. # قال سعيد بن منصور في (سننه) : حدثنا عبد العزيز بن محمد، هو الدراوردي، ~~عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا ~~وضوء الصلاة. # قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. # السابع- قال العلامة أبو السعود: لعل تقديم الاستثناء على قوله حتى ~~تغتسلوا للإيذان، من أول الأمر، بأن حكم النهي في هذه الصورة ليس على ~~الإطلاق، كما في صورة السكر، تشويقا إلى البيان، وروما لزيادة تقرره في ~~الأذهان. # الثامن- قال أيضا: في الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلي حقه أن يتحرز ~~عما يليه ويشغل قلبه، وأن يزكي نفسه عما يدنسها، ولا يكتفي بأدنى مراتب ~~التزكية، عند إمكان أعاليها. # التاسع- أشعر قوله تعالى حتى تعلموا ما تقولون بالنهي عن الصلاة حال ~~النعاس. كما # روى الإمام أحمد والبخاري «1» والنسائي عن أنس قال: ms1124 قال رسول الله ~~PageV03P120 # صلى الله عليه وسلم: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما ~~يقول» . # وفي رواية: فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. # وقد روى ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: لم يعن بها سكر الخمر. وإنما ~~عنى بها سكر النوم. # قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب. # قال الرازي: ويدل عليه وجهان: # الأول- أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر. والأصل في الكلام ~~الحقيقة. # والثاني- أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب ~~الخمر. وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة، ولأجل سبب ~~معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية. # العاشر- قال الحافظ ابن كثير: قد يحتمل أن يكون المراد من الآية التعريض ~~بالنهي عن السكر بالكلية. لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات، من ~~الليل والنهار. فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما. ~~والله أعلم. # وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] . وهو الأمر لهم بالتأهب للموت ~~على الإسلام، والمداومة على الطاعة لأجل ذلك. انتهى. # الحادي عشر- قال الرازي: قال بعضهم: هذه الآية، أي لا تقربوا إلخ منسوخة ~~بآية المائدة. وأقول: الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أن يقال: نهى عن قربان ~~الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول. والحكم ~~الممدود إلى غاية، يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية. فهذا يقتضي جواز ~~قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول. ومعلوم أن الله تعالى ~~لما حرم الخمر بآية المائدة، فقد رفع هذا الجواز. فثبت أن آية المائدة ~~ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية. هذا ما حضر ببالي في تقرير هذا النسخ. # والجواب عنه: أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب ~~للسكر عند القرب من الصلاة. وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما ~~عداه إلا على سبيل ms1125 الظن الضعيف. ومثل هذا لا يكون نسخا. انتهى. # PageV03P121 # وإن كنتم مرضى أي ولم تجدوا بقربكم ماء تستعملونه. ومنه فقد من يناوله ~~إياه، أو خشيته الضرر به أو على سفر لا تجدونه فيه أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أي أو كنتم محدثين. والغائط هو المكان المنخفض. فالمجيء منه كناية ~~عن الحدث. # لأن المعتاد أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس. # قال الخازن: كانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث. فكنوا به عن الحدث. # وذلك أن الرجل منهم، كان إذا أراد قضاء الحاجة، طلب غائطا من الأرض، يعني ~~مكانا منخفضا منها يحجبه عن أعين الناس. فسمي الحدث بهذا الاسم. فهو من باب ~~تسمية الشيء باسم مكانه. انتهى. وإسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين ~~دونهم، للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح ~~به. كذا قاله أبو السعود. ثم قال: وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من ~~قوله عز وجل أو لامستم النساء على التصريح بالجماع. قال الشهاب: وفي ذكر ~~(أحد) دون غيره إشارة إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء الحاجة كما هو دأبه ~~وأدبه فلم تجدوا ماء قال المهايمي: أي فلا تستحيوا من الله، بل اعتذروا ~~إليه فتيمموا أي اقصدوا صعيدا أي ترابا أو وجه الأرض طيبا أي طاهرا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا تعليل للترخيص والتيسير، وتقرير ~~لهما. فإن من عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين، لا بد أن ~~يكون ميسرا لا معسرا. وفي هذه الآية مسائل: # الأول- الظاهر أن قوله تعالى فلم تجدوا راجع إلى جميع ما قبلها وحينئذ لا ~~يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء. وأما ما قيل أنه راجع إلى قوله ~~تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء لأنه قد وجد المانع ~~هاهنا من تقييد السفر والمرض، بعدم الوجود للماء، وهو أن كل واحد منهما عذر ~~مستقل في غير هذا الموضع كالصوم- فلا يفيد. لأن عدم الوجود معتبر فيهما ~~لإباحة التيمم قطعا. إذ ms1126 ليس السفر بمجرده مبيحا. وكذلك المرض. وأما ما يقال ~~من أنه قد يباح للمريض التيمم مع وجود الماء إذا خشي الضرر به، فعدم الوجود ~~في حقه إذن غير قيد. # فالجواب: أن هذا داخل تحت عدم الماء لأن من تعذر عليه استعماله هو، عادم ~~له، إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع. فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر، ~~يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه، فهو عادم له. وهكذا خوف السبيل ~~الذي يسلك إلى الماء. وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو عادم له. ولئن سلمنا، ~~تنزلا، أن المراد مطلق الوجود فنقول: المدعي أنه تعالى جوز التيمم للمريض ~~إذا لم يجد الماء. # PageV03P122 # وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده لعارض يمنعه من الماء. فإن ~~قيل: # من أين تستدلون حينئذ على إباحة تيممه؟ قلنا: من التحقيق الذي ذكرناه وهو ~~أن المتعذر استعماله معدوم شرعا وكذا من قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ~~[النساء: 29] وقوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] وقوله وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] ، ومما # أخرجه أبو داود «1» وابن ماجة والدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه قال: ~~خرجنا في سفر. فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه ~~فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على ~~الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك. ~~فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ # فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر (ويعصب) على ~~جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده. # ومما # رواه أحمد وأبو داود «2» وابن حبان والحاكم والدارقطني عن عمرو بن العاص ~~قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت، أن أهلك. ~~فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. # فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت ~~جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول ولا تقتلوا ms1127 ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل ~~شيئا # . فهذا وما قبله يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر. # قال مجد الدين ابن تيمية: في حديث عمرو، من العلم، أن التمسك بالعمومات ~~حجة صحيحة. انتهى. # وقد روى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى وإن كنتم مرضى قال: # نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ. ولم يكن له ~~خادم فيناوله. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه ~~الآية. # قال ابن كثير: هذا مرسل. # الثانية- ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة، هو ~~المعتبر في تسويغ التيمم. كما هو الظاهر من الآية. لا عدم الوجود مع طلب ~~PageV03P123 # مخصوص، كما قيل: إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتظر ~~إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم. إذ لا دليل على ~~ذلك. فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد ~~حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله أو مسجده، أو ما يقرب منهما، كان ذلك ~~عذرا مسوغا للتيمم. # فليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء ~~السؤال. # بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم يتمكن في ~~تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه. فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند ~~أهل اللغة. والواجب حمل كلام الله تعالى على ذلك، مع عدم وجود عرف شرعي. ~~وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم ما يشعر بما ذكرناه. فإنه تيمم في المدينة ~~من جدار. كما ثبت ذلك في الصحيحين «1» من دون أن يسأل ويطلب. ولم يصح عنه ~~في الطلب شيء تقوم به الحجة. فهذا، كما يدل على وجوب الطلب، يدل على عدم ~~وجوب انتظار آخر الوقت، ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم ~~وجدا الماء. فأعاد ms1128 أحدهما ولم يعد الآخر: # فقال صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد: أصبت السنة. أخرجه أبو داود «2» ~~والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد. # فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم. سواء كان ~~مسافرا أو مقيما. كذا في (الروضة الندية) . # الثالثة- دلت الآية على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم. طال سفره أو ~~قصر. # الرابعة- قرئ في السبع (لامستم ولمستم) والملامسة واللمس يردان، لغة، ~~بمعنى الجس باليد، وبمعنى الجماع. قال المجد في (القاموس) لمسه يلمسه ~~PageV03P124 # ويلمسه: مسه بيده. والجارية جامعها. ثم قال: والملامسة المماسة ~~والمجامعة. # ومن ثمة اختلف المفسرون والأئمة في المعني بذلك هنا. فمن قائل بأن اللمس ~~حقيقة في الجس باليد، مجاز في غيره. والأصل حمل الكلام على حقيقته لأنه ~~الراجح، لا سيما على قراءة (لمستم) إذ لم يشتهر في الوقاع كالملامسة. وروي ~~عن ابن مسعود من طرق متعددة أنه قال «1» : الملامسة ما دون الجماع. وعنه ~~«2» : القبلة من المس وفيها الوضوء. رواهما ابن جرير. # وروى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من ~~المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة. وكان يقول في هذه الآية أو لامستم ~~النساء: هو الغمز. # وروى ابن جرير «3» عن نافع أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة. ويرى ~~فيها الوضوء. ويقول: هي من اللماس. وذكر ابن أبي حاتم أنه روي عن كثير من ~~التابعين نحو ذلك. قالوا: ومما يؤيد بقاء اللمس على معناه الحقيقي قوله ~~تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم [الأنعام: 7] أي جسوه. # وقال صلى الله عليه وسلم «4» # لماعز، حين أقر بالزنى، يعرض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلك قبلت أو لمست» ~~؟ # وفي الحديث الصحيح «5» : واليد زناها اللمس. # وقالت عائشة «6» : قل يوم إلا ورسول PageV03P125 # الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا. فيقبل ويلمس. # ومنه ما # ثبت في الصحيحين «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الملامسة. # وهو يرجع إلى الجس باليد. واستأنسوا أيضا # بالحديث الذي رواه أحمد «2» عن معاذ أن رسول الله ms1129 صلى الله عليه وسلم ~~أتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس ~~يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا أتاه منها غير أنه لم يجامعها. قال فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل [هود: 114] ~~الآية. قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: توضأ ثم صل. قال معاذ: فقلت: ~~يا رسول الله! أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: بل للمؤمنين عامة. # ورواه الترمذي «3» # وقال: ليس بمتصل. والنسائي مرسلا. قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ~~ولم يجامعها. ### | ### | فصل # # ومن قائل: إن المعني باللمس هنا الجماع. وذلك لوروده في غير هذه الآية ~~بمعناه. فدل على أنه من كنايات التنزيل. قال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن [البقرة: 237] . وقال تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن [الأحزاب: 49] . وقال في آية الظهار فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا [المجادلة: 3] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أو ~~لامستم النساء قال: الجماع. وروى ابن جرير» # عنه. قال: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع. ولكن الله يكني ما يشاء بما ~~شاء. وقد صح من غير وجه عن ابن عباس أنه قال ذلك. وقد تقرر أن تفسيره أرجح ~~من تفسير غيره، لاستجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بتعليمه تأويل ~~الكتاب «5» . كما أسلفنا بيان ذلك في مقدمة التفسير. ويؤيد عدم النقض بالمس ~~ما # رواه مسلم «6» والترمذي وصححه عن عائشة PageV03P126 # قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت ~~يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان. وهو يقول: «اللهم! إني ~~أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، ~~أنت كما أثنيت على نفسك» . # وروى «1» النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضته بين يديه اعتراض الجنازة. حتى إذا أراد ~~أن يوتر مسني برجله. # قال الحافظ ابن ms1130 حجر في (التلخيص) : إسناده صحيح. وقوله في (الفتح) : # يحتمل أنه كان بحائل أو أنه خاص به صلى الله عليه وسلم، تكلف، ومخالفة ~~للظاهر. # وعن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها. أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود «2» والنسائي # : قال أبو داود: هو مرسل. # إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. وقال النسائي: ليس في هذا الباب أحسن ~~من هذا الحديث، وإن كان مرسلا. وصححه ابن عبد البر وجماعة. وشهد له ما تقدم ~~وما # رواه الطبراني في المعجم الصغير من حديث عمرة عن عائشة قالت: فقدت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية. فقمت ~~ألتمس الجدار فوجدته قائما يصلي. فأدخلت يدي في شعره لأنظر: أغتسل أم لا؟ ~~فلما انصرف قال: أخذك شيطانك يا عائشة # . وفيه محمد بن إبراهيم عن عائشة. قال ابن أبي حاتم: ولم يسمع منها. # قال ابن جرير «3» : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله ~~بقوله أو لامستم النساء الجماع دون غيره من معاني اللمس. لصحة الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. ثم ~~أسنده من طرق. وبه يعلم أن حديث عائشة قرينة صرفت إرادة المعنى الحقيقي من ~~اللمس، وأوجبت المصير إلى معناه المجازي. وأما ما روي عن ابن عمر وابن ~~مسعود، فنحن لا ننكر صحة إطلاق PageV03P127 # اللمس على الجس باليد. بل هو المعنى الحقيقي. ولكنا ندعي أن المقام محفوف ~~بقرائن توجب المصير إلى المجاز. وأما قولهم: بأن القبلة فيها الوضوء، فلا ~~حجة في قول الصحابي. لا سيما إذا وقع معارضا لما ورد عن الشارع. ويؤيد ذلك ~~قول اللغويين. أن المراد بقول بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~امرأته لا ترد يد لامس، الكناية عن كونها زانية. ولهذا قال له صلى الله ~~عليه وسلم: طلقها. # وأما حديث معاذ الذي استأنسوا به فلا دلالة فيه على النقض. لأنه لم ms1131 يثبت ~~أنه كان متوضئا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء. ولا ثبت ~~أنه كان متوضئا عند اللمس، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد انتقض ~~وضوؤه كذا في (نيل الأوطار) . # وقال ابن كثير: هو منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ. فإنه لم يلقه. ثم يحتمل ~~أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة المكتوبة، كما تقدم في حديث الصديق «1» : ما ~~من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا ~~غفر الله له. وهو مذكور في سورة آل عمران عند قوله ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم [آل عمران: 135] الآية. # الخامسة- التيمم، لغة، القصد. يقال: تيممته وتأممته ويممته وآممته أي ~~قصدته. وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد. قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، ~~ترابا كان أو غيره. لا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك. وفي (المصباح) ~~الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض وعلى ~~وجه الأرض. وعلى الطريق وفي (القاموس) : الصعيد التراب أو وجه الأرض. # قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد من قوله تعالى صعيدا طيبا هو ~~التراب. انتهى. # واحتجوا بما # في صحيح مسلم «2» عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض ~~كلها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء. # وفي لفظ: وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء # . قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان. # فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه. قالوا: وحديث جابر «3» المتفق عليه: ~~جعلت PageV03P128 # لي الأرض مسجدا وطهورا، خصصه ما قبله لأن الخاص يحمل عليه العام. واحتجوا ~~أيضا بأن الطيب لا يكون إلا ترابا. قال الواحدي: إنه تعالى أوجب في هذه ~~الآية كون الصعيد طيبا. والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله تعالى ~~والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه [الأعراف: 58] فوجب في التي لا تنبت أن ~~لا تكون طيبة. # فكان قوله فتيمموا صعيدا طيبا أمرا بالتيمم بالتراب فقط. ms1132 وظاهر الأمر ~~للوجوب. # واحتجوا أيضا بآية المائدة. قالوا: الآية هاهنا مطلقة ولكنها في سورة ~~المائدة مقيدة وهي قوله سبحانه وتعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ~~[المائدة: 6] وكلمة (من) للتبعيض وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب ~~عليه. # قال الزمخشري: وقولهم إن (من) لابتداء الغاية، قول متعسف. ولا يفهم أحد ~~من العرب، من قول القائل: (مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب) إلا ~~معنى التبعيض. ثم قال: والإذعان للحق أحق من المراء. انتهى. # وأجاب القائلون، بجواز التيمم بالأرض وما عليها، عن هذه الحجج- بأن ~~الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض لأنه ما صعد أي علا وارتفع على وجه الأرض. # وهذه الصفة لا تختص بالتراب. ويؤيد ذلك # حديث: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. # وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره. وما # ثبت في رواية بلفظ (وتربتها طهورا) كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة # - فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء. لأن غاية ذلك أن ~~لفظ التراب دل بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية. ~~وهذا مفهوم لقب لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة. ولهذا لم يعمل به من ~~يعتد به من أئمة الأصول. فيكون ذكر التراب، في تلك الرواية من باب التنصيص ~~على بعض أفراد العام. وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث. ~~ووجه ذكره أنه الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة. ويؤيد هذا ما ثبت من ~~تيممه صلى الله عليه وسلم من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب، ~~ودعوى أن الطيب لا يكون إلا ترابا طاهرا منبتا لقوله تعالى PageV03P129 # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا [الأعراف: ~~58]- فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيب بما ذكر. والضرورة ~~تدفعه. فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجا للنبات. كذا في (الروضة ~~الندية) . # وأما الاستدلال بآية المائدة وظهور التبعيض في (من) فذاك إذا كان الضمير ~~عائدا إلى الصعيد. # قال الناصر في (الانتصاف) : وثمة وجه آخر وهو عود الضمير على الحدث ms1133 ~~المدلول عليه بقوله وإن كنتم مرضى إلى آخرها فإن المفهوم منه: وإن كنتم على ~~حدث في حال من هذه الأحوال: سفر أو مرض، أو مجيء من الغائط، أو ملامسة ~~النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث، فتيمموا منه. يقال: تيممت من ~~الجنابة. قال: وموقع (من) على هذا مستعمل متداول. وهي على هذا الإعراب إما ~~للتعليل أو الغاية. وكلاهما فيها متمكن. والله أعلم. # السادسة- أفاد قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم أن الواجب في التيمم ~~عن وضوء أو غسل هو مسح الوجه واليدين فقط. وهذا إجماع. إلا أن في اليدين ~~مذاهب للأئمة. فمن قائل بأنهما يمسحان إلى المرفقين، لأن لفظ اليدين يصدق ~~في إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين. كما في آية ~~الوضوء. وعلى ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة فاقطعوا أيديهما. وقالوا: # وحمل ما أطلق هاهنا، على ما قيد في آية الوضوء، أولى لجامع الطهورية. # وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة ~~قال: مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول. فسلمت عليه فلم يرد علي. ~~حتى قام إلى الجدار فحته بعصا كانت معه. ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه ~~وذراعيه. # ثم رد علي. # وهذا الحديث منقطع. لأن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، لم يسمع هذا من ~~ابن الصمة. وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة. وكذا هو مخرج ~~في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس قال: دخلنا على أبي جهيم بن الحارث. ~~فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل. فلقيه ~~رجل فسلم عليه. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار. ~~فوضع يده على الحائط. فمسح بوجهه ويديه. ثم رد عليه السلام. # PageV03P130 # ولأبي داود «1» عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس. # فقضى ابن عمر حاجته. فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ~~صلى الله ms1134 عليه وسلم في سكة من السكك. وقد خرج من غائط أو بول. فسلم عليه ~~فلم يرد عليه. حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط ~~ومسح بهما وجهه. ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه. ثم رد على الرجل السلام. ~~وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام، إلا أني لم أكن على طهر. وفي ~~رواية: فمسح ذراعيه إلى المرفقين # . فهذا أجود ما في الباب. فإن البيهقي أشار إلى صحته. كذا في (لباب ~~التأويل) . # قال ابن كثير في حديث أبي داود ما نصه: ولكن في إسناده محمد بن ثابت ~~العبدي. وقد ضعفه بعض الحفاظ. ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن ~~عمر. # قال البخاري، وأبو زرعة وابن عدي: هو الصحيح. # وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر. # قال ابن كثير: وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المرفقين. # ولكن لا يصح. لأن في إسناده ضعفا لا يثبت الحديث به. انتهى. # وذلك لأن فيه علي بن ظبيان. قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف، ضعفه القطان ~~وابن معين وغير واحد. وبه يعلم أن ما استدل به على إيجاب الضربتين، مما ~~ذكر، ففيه نظر. لأن طرقها جميعها لا تخلو من مقال. ولو صحت لكان الأخذ بها ~~متعينا لما فيها من الزيادة. ### | ### | فصل # # ذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين. ويدل على ذلك ما روي عن ~~عمار بن ياسر قال: تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد ~~لصلاة الفجر. # فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة. ثم عادوا فضربوا ~~بأكفهم الصعيد مرة أخرى. فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون ~~أيديهم. # أخرجه أبو داود «2» . PageV03P131 # قال الحافظ في (الفتح) : وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ~~ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعده فهو ناسخ له. وإن كان ms1135 وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ### | فصل # والحق الوقوف في صفة التيمم على ما ثبت في الصحيحين «1» من حديث عمار، من ~~الاقتصار على ضربة واحدة للوجه والكفين. # قال عمار: أجنبت فلم أصب الماء. فتمعكت في الصعيد وصليت. فذكرت ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه # . متفق عليه. # وفي لفظ: إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح ~~بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين. رواه الدارقطني. # وروى الإمام أحمد وأبو داود «2» عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في التيمم ضربة للوجه واليدين. # وفي لفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين. رواه ~~الترمذي «3» # وصححه. # قال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة. وما روي عنه ~~من ضربتين فكلها مضطربة. وأما الجواب عن المتفق عليه من حديث عمار بأن ~~المراد منه بيان صورة الضرب، وليس المراد منه جميع ما يحصل به التيمم- ~~فتكلف واضح، ومخالفة للظاهر. # وقد سرى هذا إلى العلامة السندي في (حواشي البخاري) حيث كتب على ~~PageV03P132 # حديث عمار ما نصه: قد استدل المصنف (يعني البخاري) بهذا الحديث على عدم ~~لزوم الذراعين في التيمم في موضع. وعلى عدم وجوب الضربة الثانية في موضع ~~آخر، وكذا سيجيء في الروايات هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قدم في هذه ~~الواقعة الكفين على الوجه. فاستدل به القائل لعدم لزوم الترتيب. فلعل ~~القائل بخلاف ذلك يقول: إن هذا الحديث ليس مسوقا لبيان عدد الضربات ولا ~~لبيان تحديد اليد في التيمم ولا لبيان عدم لزوم الترتيب. بل ذلك أمر مفوض ~~إلى أدلة خارجة، وإنما هو مسوق لرد ما زعمه عمار من أن الجنب يستوعب البدن ~~كله، والقصر في قوله: (إنما كان يكفيك) معتبر بالنسبة إليه. كما هو القاعدة ~~أن القصر يعتبر بالنظر إلى زعم المخاطب. # فالمعنى: إنما يكفيك استعمال الصعيد في ms1136 عضوين: وهما الوجه واليد. وأشار ~~إلى اليد ب (الكف) . ولا حاجة إلى استعماله في تمام البدن. وعلى هذا يستدل ~~على عدد الضربات وتحديد اليد ولزوم الترتيب أو عدمه بأدلة أخر. كحديث: ~~التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين. وغير ذلك. فإنه صحيح كما ~~نص عليه بعض الحفاظ. وهو مسوق لمعرفة عدد الضربات وتحديد اليد، فيقدم على ~~غير المسوق لذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه. # وقوله: فإنه حديث صحيح، فيه ما تقدم. # وقد قال الإمام ابن القيم في (زاد العماد) في (فصل هديه صلى الله عليه ~~وسلم بالتيمم) ما نصه: كان صلى الله عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه ~~والكفين. ولم يصح عنه أنه تيمم بضربتين ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: ~~من قال: إن التيمم إلى المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده. وكذلك كان ~~يتيمم بالأرض التي يصلي عليها. ترابا كانت أو سبخة أو رملا. وصح عنه أنه # قال: حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره # . وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طهور. ولما ~~سافر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في ~~طريقهم، وماؤهم في غاية القلة. ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر ~~به، ولا فعله أحد من أصحابه. مع القطع بأن في المفاوز، الرمال أكثر من ~~التراب. وكذلك أرض الحجاز وغيره. ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل. ~~والله أعلم. وهذا قول الجمهور. # وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور ~~اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع، وإقامة ~~إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى، فيطبقها عليها- فهذا ~~مما يعلم # PageV03P133 # قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. ولا علمه أحدا من أصحابه. ~~ولا أمر به ولا استحسنه. # وهذا هديه. إليه التحاكم. وكذلك لم يصح عنه التيمم لكل صلاة. ولا أمر به. ~~بل أطلق وجعله قائما ms1137 مقام الوضوء. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما ~~اقتضى الدليل خلافه. انتهى. # السابعة- ذكر هنا الحافظ ابن كثير سبب مشروعية التيمم قال: وإنما ذكرنا ~~ذلك هاهنا، لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة. ~~وبيانه: أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر. والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير. في ~~محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير. وأما المائدة فإنها من آخر ~~ما نزل. ولا سيما صدرها. فناسب أن يذكر السبب هنا. وبالله الثقة. # قال الإمام أحمد «1» حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة. أنها ~~استعارت من أسماء قلادة. فهلكت. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ~~في طلبها. # فوجدوها. فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء. فصلوا بغير وضوء. فشكوا ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل التيمم. فقال أسيد بن ~~الحضير، لعائشة: جزاك الله خيرا. فو الله! ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل ~~الله لك وللمسلمين فيه خيرا. # (طريق أخرى) # قال البخاري «2» : حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أنبأنا مالك عن عبد ~~الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره: حتى إذا كنا ~~بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على التماسه. وأقام الناس معه. وليسوا على ماء. # وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت ~~عائشة؟ # أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ~~ماء. فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي، قد ~~نام. فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس ~~معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول. فجعل ~~يطعنني بيده في خاصرتي. فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى ~~الله ms1138 عليه وسلم على فخذي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على ~~غير ماء. # فأنزل الله آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم ~~يا آل أبي بكر. PageV03P134 # قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. # وقد رواه البخاري «1» أيضا عن قتيبة بن سعيد عن مالك. # ورواه مسلم «2» عن يحيى بن يحيى عن مالك. # انتهى كلام ابن كثير. # وأورد الواحدي في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا. # وقال ابن العربي: لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال: هي آية ~~النساء أو آية المائدة. وقال القرطبي: هي آية النساء. ووجهه بأن آية ~~المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها ~~بآية التيمم. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري «3» من ~~أن المراد بها آية المائدة بغير تردد. لرواية عمرو بن الحارث. إذ صرح فيها ~~بقوله: # فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية. # وقال الحافظ قبل: استدل به (أي بحديث عائشة) على أن الوضوء كان واجبا ~~عليهم قبل نزول آية الوضوء. ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء. ووقع من ~~أبي بكر في حق عائشة ما وقع. وقال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل ~~المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء. ~~ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: # وفي قوله في هذا الحديث (آية التيمم) إشارة إلى أن الذي طرأ عليهم من ~~العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ~~تقدم العمل به، ليكون فرضه متلوا بالتنزيل. # قال السيوطي في (لباب النقول) بعد تصويب هذا الكلام: فإن فرض الوضوء كان ~~مع فرض الصلاة بمكة. والآية مدنية. انتهى. PageV03P135 # وقال الحافظ ابن حجر أيضا في قول أسيد (ما هي بأول بركتكم) : يشعر بأن ~~هذه القصة كانت بعد قصة الإفك. فيقوي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد. ms1139 # وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات ~~الرقاع وفي غزوة بني المصطلق. # وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر ~~كيف أصنع ... الحديث. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق. لأن إسلام ~~أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف قال: وسيأتي في ~~المغازي أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه ~~كان في وقت إسلام أبي هريرة. ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك، ~~ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: لما ~~كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه. ~~فقال لي أبو بكر: يا بنية! في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس؟ فأنزل ~~الله عز وجل الرخصة في التيمم. فقال أبو بكر: إنك لمباركة (ثلاثا) . وفي ~~إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال. وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي ~~بكر الذي أبهم في حديث الباب، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في ~~غزوتين. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ. # وقال الإمام شمس الدين ابن القيم في (زاد المعاد) في (غزوة المريسيع، وهي ~~غزوة بني المصطلق) : إنها كانت في شعبان سنة خمس. وبعد ذكرها قال: قال ابن ~~سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم. ~~ثم ساق حديث الطبراني المتقدم وقال: هذا يدل على أن قصة العقد التي نزل ~~التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة. وهو الظاهر. ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب ~~فقد العقد والتماسه. فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى. انتهى. # وقد روي سبب نزول الآية المذكورة أيضا عن عمار بن ياسر رضي الله عنه «1» ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ms1140 فانقطع ~~عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع ~~الناس ماء. فتغيظ عليها أبو بكر. وقال: حبست الناس وليس معهم ماء! فأنزل ~~الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب. فقام ~~المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا PageV03P136 # بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا. فمسحوا ~~بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط. # ورواه أيضا ابن جرير عن أبي اليقظان رضي الله عنه «1» قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة فأقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أضاء الصبح. فتغيظ أبو بكر على عائشة. فنزلت عليه الرخصة، المسح ~~بالصعيد. فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة. نزل فيك رخصة. # فضربنا بأيدينا: ضربة لوجوهنا وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط. # وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في سبب نزولها وجها آخر عن الأسلع بن شريك ~~رضي الله عنه قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأصابتني ~~جنابة في ليلة باردة. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة فكرهت أن ~~أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب. # وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض. فأمرت رجلا من الأنصار ~~فرحلها ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء واغتسلت. ثم لحقت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه فقال: يا أسلع! مالي أرى رحلتك قد تغيرت؟ قلت: يا رسول ~~الله! لم أرحلها رحلها رجل من الأنصار. قال: ولم؟ قلت: إني أصابتني جنابة ~~فخشيت القر على نفسي، فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء ~~فاغتسلت به. فأنزل الله عز وجل لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى قوله إن ~~الله كان عفوا غفورا. # قال ابن كثير: وقد روي من وجه آخر، عنه. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 44] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ms1141 ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) # ألم تر من رؤية القلب. وضمن معنى الانتهاء. أي: ألم ينته علمك إليهم. # أو من رؤية البصر. أو: ألم تنظر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أي حظا ~~من علم التوراة. وهم أحبار اليهود. قال العلامة أبو السعود: المراد بالذي ~~أوتوه، ما بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من ~~نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقية الإسلام. والتعبير عنه بالنصيب، ~~المنبئ عن كونه حقا من حقوقهم، التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان ~~بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا. PageV03P137 # وتنوينه تفخيمي مؤيد للتشنيع عليهم، والتعجيب من حالهم. فالتعبير عنهم ~~بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم، والإشعار بمكان ما ~~طوي ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد العوضين يشترون ~~الضلالة وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي المبشر به في التوراة والإنجيل. أي ~~يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهدى ليشتروا ثمنا قليلا من حطام ~~الدنيا. # وإنما طوى ذكر المتروك لغاية ظهور الأمر. لا سيما بعد الإشعار المذكور. # والتعبير عن ذلك بالاشتراء، الذي هو عبارة عن استبدال السلعة بالثمن، أي ~~أخذها بدلا منه، أخذا ناشئا عن الرغبة فيها والإعراض عنه- للإيذان بكمال ~~رغبتهم في الضلالة، التي حقها أن يعرض عنها كل الإعراض. وإعراضهم عن ~~الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون. وفيه من التسجيل على نهاية سخافة ~~عقولهم، وغاية ركاكة آرائهم- ما لا يخفى. حيث صورت حالهم بصورة ما لا يكاد ~~يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز. قاله أبو السعود ويريدون أن تضلوا السبيل ~~أي لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا، من كتمان نعوته صلى الله ~~عليه وسلم، أن تضلوا أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوا، ويودون لو تكفرون ~~بما أنزل عليكم من الهدى والعلم النافع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 45] # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) # والله أعلم أي منكم ms1142 بأعدائكم أي وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون ~~بكم، فاحذروهم. ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم وكفى بالله وليا ~~يلي أموركم وكفى بالله نصيرا ينصركم. أي: فثقوا بولايته ونصرته دونهم. ولا ~~تتولوا غيره. أو: ولا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء. فإنه تعالى ~~يكفيكم مكرهم وشرهم. ففيه وعد ووعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 46] # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) # PageV03P138 # من الذين هادوا بيان للموصول وهو الذين أوتوا نصيبا من الكتاب فإن متناول ~~لأهل الكتابين. وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع ~~والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم، وتحذيرهم عن مخالطتهم، ~~والاهتمام بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاء بولايته ونصرته. وقوله ~~تعالى يحرفون الكلم عن مواضعه هو وما عطف عليه بيان لاشترائهم المذكور، ~~وتفصيل لفنون ضلالهم. فقد روعيت في النظم الكريم طريقة التفسير بعد ~~الإبهام، والتفصيل إثر الإجمال. روما لزيادة تقرير يقتضيه الحال. أفاده أبو ~~السعود. # قال الإمام ابن كثير: قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه أي يتناولونه على غير ~~تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصدا منهم وافتراء. # وقال العلامة الرازي: في كيفية التحريف وجوه: أحدها- إنهم كانوا يبدلون ~~اللفظ بلفظ آخر. ثم قال: والثاني- أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة ~~والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل ~~اللفظية. كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا، بالآيات المخالفة لمذاهبهم، ~~وهذا هو الأصح. والثالث- أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به. فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. ~~انتهى. # وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (إغاثة اللهفان) : قد اختلف في ~~التوراة التي بأيديهم. هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل؟ ~~على ثلاثة أقوال: قالت طائفة: كلها أو ms1143 أكثرها مبدل. وغلا بعضهم حتى قال: ~~يجوز الاستجمار بها. وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه الكلام: إنما وقع ~~التبديل في التأويل. قال البخاري «1» في (صحيحه) : يحرفون يزيلون. وليس أحد ~~يزيل لفظ كتاب من كتب الله. ولكنهم يتأولونه على غير تأويله. وهو اختيار ~~الرازي أيضا. # وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع بين الفضلاء. فأجاز هذا المذهب ووهى غيره. ~~فأنكر عليه. فأظهر خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء، أن التوراة قد طبقت ~~مشارق الأرض ومغاربها. وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله. # فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ، حتى لا تبقى في ~~الأرض PageV03P139 # نسخة إلا مبدلة. وهذا مما يحيله العقل. قالوا: وقد قال الله لنبيه قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة ~~الرجم. ولم يمكنهم تغييرها من التوراة. ولذا لما قرءوها على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. # فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفعها فإذا هي تلوح تحتها. وتوسطت ~~طائفة فقالوا: قد زيد فيها وغير أشياء يسيرة جدا. واختاره شيخنا في (الجواب ~~الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: وهذا كما في التوراة عندهم: إن الله ~~سبحانه قال لإبراهيم: اذبح ابنك بكرك أو وحيدك، إسحاق. ثم قال: قلت ~~والزيادة باطلة من وجوه عشرة. ثم ساقها فارجع إليه. وقد نقلها عنه هنا ~~الإمام صديق خان. فانظره في تفسيره (فتح الرحمن) . ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف قيل هاهنا عن مواضعه وفي المائدة من بعد ~~مواضعه؟ قلت: أما عن مواضعه فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت ~~حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأما من بعد ~~مواضعه فالمعنى أنه كانت له مواضع، هو قمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه ~~كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره. والمعنيان متقاربان. # وقال الرازي: ذكر الله تعالى هاهنا عن مواضعه وفي المائدة من بعد مواضعه ~~والفرق: أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات ms1144 الباطلة، فههنا قوله يحرفون ~~الكلم عن مواضعه معناه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص. وليس ~~فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة ~~المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين. فكانوا يذكرون التأويلات ~~الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب. فقوله يحرفون الكلم إشارة إلى ~~التأويل الباطل. # وقوله من بعد مواضعه إشارة إلى إخراجه عن الكتاب. # وقال الناصر في (الانتصاف) : الظاهر أن الكلم المحرف إنما أريد به، في ~~هذه الصورة مثل غير مسمع وراعنا ولم يقصد هاهنا تبديل الأحكام. وتوسطها بين ~~الكلمتين، بين قوله يحرفون وبين قوله ليا بألسنتهم والمراد أيضا تحريف ~~مشاهد بين على أن المحرف هما وأمثالهما. وأما في سورة المائدة فالظاهر، ~~والله أعلم، أن المراد فيها ب الكلم الأحكام. وتحريفها تبديلها. كتبديلهم ~~الرجم بالجلد. ألا تراه عقبه بقوله يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا؟ # PageV03P140 # ولاختلاف المراد بالكلم في السورتين. قيل في سورة المائدة: يحرفون الكلم ~~من بعد مواضعه. أي ينقلونه عن الموضع الذي وضعه الله فيه، فصار وطنه ~~ومستقره، إلى غير الموضع. فبقي كالغريب المتأسف عليه الذي يقال فيه هذا ~~غريب من بعد مواضعه ومقاره. ولا يوجد هذا المعنى في مثل راعنا وغير مسمع ~~وإن وجد على بعد فليس الوضع اللغوي مما يعبأ بانتقاله عن موضعه كالوضع ~~الشرعي. ولولا اشتمال هذا النقل على الهزء والسخرية لما عظم أمره. فلذلك ~~جاء هنا يحرفون الكلم عن مواضعه غير مقرون بما قرن به الأول من صورة ~~التأسف. والله أعلم. # انتهى. # وقال العلامة أبو السعود: والمراد بالتحريف هاهنا، إما ما في التوراة ~~خاصة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة ~~عنهم في أثناء المحاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا مساغ لإرادة ~~تلك الكلمات خاصة بأن يجعل عطف قوله تعالى ويقولون سمعنا وعصينا وما بعده، ~~على ما قبله عطفا تفسيريا. لأنه يستدعي اختصاص حكم الشرطية الآتية وما ~~بعدها بهن من غير تعرض لتحريفهم التوراة. مع ms1145 أنه معظم جناياتهم المعدودة ~~فقولهم سمعنا وعصينا ينبغي أن يجري على إطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ~~ولا تخصيص بمادة دون مادة. بل وأن يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقي ~~ومما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم. أي يقول في كل أمر مخالف لأهوائهم ~~الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، بلسان المقال أو ~~الحال: سمعنا وعصينا عنادا أو تحقيقا للمخالفة. انتهى. # قال ابن كثير: ويقولون سمعنا أي: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه. # هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد. وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم ~~يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم ~~والعقوبة. واسمع غير مسمع عطف على سمعنا وعصينا داخل تحت القول أي: ويقولون ~~ذلك في أثناء مخاطبته عليه الصلاة والسلام خاصة. وهو كلام ذو وجهين محتمل ~~للشر. بأن يحمل على معنى اسمع، حال كونك غير مسمع كلاما أصلا. بصمم أو موت. ~~أي مدعوا عليك بلا سمعت. أو غير مسمع كلاما ترضاه. وللخير بأن يحمل على: ~~اسمع منا غير مسمع مكروها. كانوا يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم ~~استهزاء به (عليهم اللعنة) مظهرين له إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون ~~المعنى الأول مطمئنون به وراعنا عطف على ما قبله. أي ويقولون في أثناء ~~خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا أيضا. وهي كلمة ذات وجهين أيضا محتملة ~~للخير بحملها # PageV03P141 # على معنى ارقبنا وانظرنا نكلمك. وللشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا ~~يتسابون بها. أو على السب بالرعونة أي الحمق. وبالجملة فكانوا، سخرية ~~بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلمونه بكلام محتمل ينوون به ~~الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام ليا بألسنتهم أي فتلا بها ~~وصرفا للكلام من وجه إلى وجه وتحريفا. أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل ~~حيث يضعون راعنا موضع انظرنا وغير مسمع موضع (لا أسمعت مكروها) أو يفتلون ~~بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير ms1146 نفاقا. فإن قلت: ~~كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا؟ ~~قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء ~~السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم ~~يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. كذا في الكشاف. # وأصل ليا لويا لأنه من لويت أدغمت الواو في الياء لسبقها بالسكون. # ومثله (الطي) وطعنا في الدين أي قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وانتصابهما ~~على العلية ل يقولون باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين. أي يقولون ذلك لصرف ~~الكلام عن وجهه إلى السب والطعن في الدين. أو على الحالية. أي: لاوين ~~وطاعنين في الدين. أفاده أبو السعود. # ولو أنهم قالوا أي عند ما سمعوا ما يتلى عليهم من أوامره تعالى: سمعنا ~~وأطعنا أي بدل قولهم سمعنا وعصينا والقول هنا كسابقه أعم من أن يكون بلسان ~~المقال أو بلسان الحال واسمع أي لو قالوا عند مخاطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بدل قولهم اسمع فقط بلا زيادة غير مسمع المحتمل للشر وانظرنا يعني بدل ~~قولهم راعنا المحتمل للمعنى الفاسد كما سلف لكان خيرا لهم وأقوم في الدنيا ~~بحقن دمائهم وأموالهم وعلو رتبتهم بإحاطة الكتب السماوية. وفي الآخرة بضعف ~~الثواب. أفاده المهايمي. # قال أبو السعود: وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفضل في ~~المفضل عليه بناء على اعتقادهم. أو بطريق التهكم. وإما بمعنى اسم الفاعل ~~ولكن لعنهم الله بكفرهم أي: ولكن لم يقولوا ذلك واستمروا على كفرهم فطردهم ~~الله عن رحمته وأبعدهم عن الهدى، بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا منصوب ~~على الاستثناء من لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم. آمنوا # PageV03P142 # فلم يلعنوا. أو على الوصفية لمصدر محذوف. أي: إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ~~ركيكا لا يعبأ به. فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ويكفرونه ~~ببقية المرسلين وكتبهم المنزلة. ورجح أبو علي الفارسي هذا. قال: لأن قليلا ~~لفظ مفرد: ولو أريد به (ناس) لجمع نحو قوله: إن هؤلاء لشرذمة قليلون ~~[الشعراء: 54] . # ويمكن أن ms1147 يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا. والمراد به الجمع قال تعالى: # وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] . وقال: ولا يسئل حميم حميما [المعارج: ~~10] يبصرونهم. أفاده الرازي. وقد جوز على هذا أن يراد بالقلة العدم ~~بالكلية. كقوله: # قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك # أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فن واحد بل يتجاوزه ~~إلى فنون مختلفة. صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها. فاستعمل لفظ (قليل) ~~وأراد به نفي الكل. أو منصوب على الاستثناء من فاعل (لا يؤمنون) أي: # فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل. وأما قول الخفاجي: كان الوجه فيه الرفع على ~~البدل لأنه من كلام غير موجب. وأبي السعود: بأنه فيه نسبة القراء إلى ~~الاتفاق على غير المختار- فمردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ به في السبع ~~في (قليل) من قوله تعالى: ما فعلوه إلا قليل منهم [النساء: 66] وفي ~~(امرأتك) من قوله تعالى: # ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك [هود: 81] كما قاله ابن هشام في التوضيح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 47] # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا يعني القرآن مصدقا لما معكم ~~أي موافقا للتوراة من قبل أن نطمس وجوها أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب ~~وأنف وفم. وقال العوفي عن ابن عباس: طمسها أن تعمى فنردها على أدبارها أي ~~فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها جزاء على الكفر. # فالفاء للتسبيب. أو ننكسها بعد الطمس فنردها إلى موضع الأقفاء والأقفاء ~~إلى موضعها. وقد اكتفى بذكر أشدهما. فالفاء للتعقيب. # PageV03P143 # قال الرازي: وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في ~~الخلقة والمثلة والفضيحة. لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة أو نلعنهم كما ~~لعنا أصحاب السبت أي: أو نفعل بهم أبلغ من ذلك. وهو أن ms1148 نطردهم عن الإنسانية ~~بالمسخ الكلي جزاء على اعتدائهم بترك الإيمان. كما أخزينا به أوائلهم أصحاب ~~السبت جزاء على اعتدائهم على السبت بالحيلة على الاصطياد. فمسخناهم قردة ~~وكان أمر الله أي ما أمر به مفعولا أي نافذا كائنا لا محالة. هذا وفي الآية ~~تأويل آخر. # وهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه. وهو صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ~~ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة. يهرعون ويمشون القهقرى على ~~أدبارهم. # قال ابن كثير: وهذا كما قال بعضهم في قوله تعالى: إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون [يس: 8- 9] : أي هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ~~ضلالهم ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوها، يقول: عن صراط ~~الحق. فنردها على أدبارها أي في الضلال. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن ~~عباس والحسن نحو هذا. قال السدي: فنردها على أدبارها: فنمنعها عن الحق، ~~نرجعها كفارا. # قال الرازي: والمقصود على هذا بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات ~~الضلالات. ونظيره قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون [الأنفال: 24] . تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا ~~العالم المحسوس. ثم إنه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات ~~إلى عالم المعقولات. فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات. ~~فالمخذول هو الذي يرد عن قدامه إلى خلفه. كما قال تعالى في صفتهم: ناكسوا ~~رؤسهم [السجدة: 12] . # ثم قال الرازي: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. # وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام. فرد الله وجوههم على ~~أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء، من أرض الشام. كما جاءوا منها و ~~(طمس الوجوه) على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما- تقبيح صورتهم. يقال: ~~طمس الله صورته، # PageV03P144 # كقوله: قبح الله وجهه. والثاني- إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم ms1149 ~~عنها. # وثمة تأويل آخر. وهو: أن المراد بالوجوه الوجهاء. على أن الطمس بمعنى ~~مطلق التغيير. أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلب إقبالهم ووجاهتهم، ~~ونكسوهم صغارا وإدبارا. # وقال بعضهم: الأظهر حمل قوله أو نلعنهم إلخ على اللعن المتعارف. قال: # ألا ترى إلى قوله تعالى: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير [المائدة: 60] . ففصل تعالى بين ~~اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير. # وأقول: لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول، لا يساعده مقام ~~تشديد الوعيد، وتعميم التهديد. فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار ~~إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، ~~المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه ~~الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ ~~الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من ~~النظم الكريم هو الأول لأنه أدخل في الزجر. ويؤيده ما روي، أن كعب الأحبار ~~أسلم حين سمع هذه الآية. # رواه ابن جرير «1» وابن أبي حاتم ولفظه بعد إسناده: عن أبي إدريس عائذ ~~الله الخولاني قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب. وكان يلومه في إبطائه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال فبعثه إليه ينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة. فإذا تال ~~يقرأ القرآن، يقول: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما ~~معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها. فاغتسلت، وإني لأمس وجهي ~~مخافة أن أطمس. # ثم أسلمت. # وروى، من غير طريق، نحوه أيضا. # فإن قيل: قرينة المجاز عدم وقوع المتوعد به. فالجواب: أن عدم وقوعه لا ~~يعين إرادة المجاز. إذ ليس في الآية دلالة على تحتم وقوعه إن لم يؤمنوا. ~~ولو فهم منها هذا فهما أوليا لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار. وهو ~~ينافي التكليف الشرعي. إذ لم تجر سنته تعالى ms1150 بهذا. بل النظم الكريم في هذا ~~المقام محتمل ابتداء PageV03P145 # للقطع بوقوع المتوعد به. ولوقوعه معلقا بأمره تعالى ومشيئته بذلك، وهو ~~المراد. # كما ينبئ عنه قوله تعالى: وكان أمر الله مفعولا [الأحزاب: 37] : أي ما ~~يأمر به، ويريد وقوعه. وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه ~~على حقيقته وله أن يصرفه لما هو أعلم به. إلا أن ورود نظم الآية بهذا ~~الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن ~~مخالفة الأمر. هكذا ظهر لنا الآن. # وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو، أنه مشروط بعدم ~~الإيمان. إلى غير ذلك. فقد زيفها جميعها العلامة أبو السعود. ثم اختار أن ~~المراد من الوعيد الأخروي. قال: لأنه لم يتضح وقوعه. وهذا فيه بعد أيضا، ~~لنبو مثل هذا الخطاب عن إرادة الوعيد الأخروي. لا سيما والجملة الثانية ~~التي هددوا بها، أعني لعنهم كأصحاب السبت، كان عقابها دنيويا. فالوجه ما ~~قررناه. وما أشبه هذه الآية، في وعيديها، بآية يس. أعني قوله تعالى: ولو ~~نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون [يس: 66- 67] . بل هذه عندي تفسير ~~لتلك. والقرآن يفسر بعضه بعضا. فبرح الخفاء والحمد لله. ### | ### | لطيفة: # # الضمير في (نلعنهم) لأصحاب الوجوه. أو (للذين) على طريقة الالتفات أو ~~(للوجوه) إن أريد بها الوجهاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 48] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) # إن الله لا يغفر أن يشرك به قال أبو السعود: كلام مستأنف مسوق لتقرير ما ~~قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان، ببيان استحالة ~~المغفرة بدونه. فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في ~~المغفرة. كما في قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب [الأعراف: ~~169] . # يأخذون عرض هذا الأدنى (أي على التحريف) ويقولون سيغفر لنا. والمراد ~~بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما ms1151 أوليا. فإن الشرع قد نص على ~~إشراك أهل الكتاب قاطبة. وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار. ونزوله في حق ~~اليهود، # PageV03P146 # كما قال مقاتل، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم، وسياقه لا يقتضي اختصاصه ~~بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا. بل لا وجه له أصلا. لاقتضائه جواز مغفرة ~~ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر. أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا ~~توبة وإيمان. لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر. وجواز مغفرته بلا ~~إيمان مما يؤدي إلى فتحه. ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور ~~الإيمان. فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى. # قال الشهاب: الشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، ~~وهو المراد هنا. وقد صرح به في قوله تعالى في سورة (البينة) بقوله: إن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها [البينة: 6] ~~. # فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى. # وقال الرازي: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا، في عرف الشرع. # ويدل عليه وجهان: الأول- أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور. فلو ~~كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية. وبالإجماع ~~هي غير مغفورة. فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك. الثاني- إن اتصال هذه ~~الآية بما قبلها، إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود. فلولا أن اليهودية ~~داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك. فإن قيل: قوله تعالى: إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا ... إلى قوله: والذين أشركوا [الحج: 17] . فعطف ~~المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة- قلنا المغايرة حاصلة بسبب ~~المفهوم اللغوي. # والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي. ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه، ~~دفعا للتناقض. انتهى. ### | لطيفة: # قال أبو البقاء: الشرك أنواع: شرك الاستقلال وهو إثبات إلهين مستقلين. # كشرك المجوس. وشرك التبعيض، وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك ~~التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية. ~~وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا ms1152 للغير. كشرك متأخري الجاهلية. وشرك ~~الأسباب. # وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم ~~على ذلك. وشرك الأغراض، وهو العمل لغير الله. فحكم الأربعة الأولى الكفر ~~بإجماع. # وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع. وحكم الخامس التفصيل. فمن قال في ~~الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حكى الإجماع على كفره. ومن قال إنها # PageV03P147 # تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. انتهى. ويغفر ما دون ذلك أي ما دون ~~الشرك من المعاصي، صغيرة كانت أو كبيرة لمن يشاء تفضلا منه وإحسانا. قال ~~ابن جرير: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل. إن ~~شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه. ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل. ~~وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة. وإن ~~لم يقع من ذلك المذنب توبة. وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله ~~تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31] . ~~وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر. فيكون مجتنب ~~الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. ولذا قال الرازي: هذه الآية من أقوى ~~الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر. ثم جود وجوه الاستدلال. ومنها: أن ~~ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة. ومنها أن غفران الكبيرة بعد ~~التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة. فوجب أن يكون ~~الغفران المذكور، في هذه الآية، هو غفران الكبيرة قبل التوبة. وهو المطلوب. # وأول الزمخشري هذه الآية على مذهبه: بأن الفعل المنفي والمثبت جميعا، ~~موجهان إلى قوله تعالى لمن يشاء على قاعدة التنازع. كأنه قيل: إن الله لا ~~يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول ~~من لم يتب وبالثاني من تاب. قال: ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ~~ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل ~~القنطار لمن يستأهله. انتهى. # قال ناصر الدين ms1153 في (الانتصاف) : عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور ~~البتة. وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له. هذا مع عدم ~~التوبة. وأما مع التوبة فكلاهما مغفور. والآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم ~~يذكر فيها توبة كما ترى. فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت ~~مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة، كما ترى. فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة ~~أهل السنة. وأما القدرية فإنهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من ~~الكبائر. في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا شاء الله أن ~~يغفرهما إلا للتائبين. فإذا عرض الزمخشري هذا المعتقد على هذه الآية ردته ~~ونبت عنه. إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة ~~فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب، فلا وجه للتفصيل بينهما بتعليق ~~المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا. # إذ هما سيان في استحالة المغفرة. وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد ~~قال في # PageV03P148 # الشرك إنه لا يغفر والتائب من الشرك مغفور له. وعند ذلك أخذ الزمخشري ~~يقطع أحدهما عن الآخر. فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر ~~التوبة. حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحد منهما: ~~أحدهما- إضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر. ~~وأيضا لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلا. ولا ~~يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل. فكيف يليق السكوت عن ذكر ما ~~هو العمدة والموجب، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء؟ الثاني- ~~أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر. وما هذا ~~إلا من جعل القرآن تبعا للرأي. نعوذ بالله من ذلك. # وأما القدرية فهم بهذا المعتقد يقع عليه بهم المثل السائر (السيد يعطي ~~والعبد يمنع) . لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر، إن ~~شاء. # وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح ms1154 ~~والصلاح، التي هي بالفساد أجدر وأحق. انتهى. ### | فائدة: # وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة: # الأول- # عن عائشة «1» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدواوين عند ~~الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا. وديوان لا يترك الله منه ~~شيئا. وديوان لا يغفره الله. # فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله. قال الله عز وجل: إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به الآية. وقال: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة [المائدة: 72] . وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد ~~نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها. فإن الله عز وجل ~~يغفر ذلك ويتجاوز، إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم ~~العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة» . رواه الإمام أحمد. وقد تفرد به. # الثاني- # عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ثلاثة فظلم لا ~~يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يترك الله منه شيئا. فأما الظلم الذي ~~لا يغفره الله فالشرك. وقال: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] . وأما الظلم ~~الذي يغفره PageV03P149 # الله، فظلم العباد لأنفسهم، فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا ~~يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض» . رواه أبو بكر ~~البزار في مسنده. # الثالث- # عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى ~~الله أن يغفره. إلا الرجل يموت كافرا. أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» . رواه ~~الإمام أحمد «1» والنسائي. # الرابع- # عن أبي ذر «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد قال: ~~لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ ~~قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (ثلاثا) ~~ثم قال في الرابعة: # على رغم أنف أبي ذر. # قال فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر. ms1155 # وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجه الإمام أحمد ~~والشيخان. # وفي رواية لهما عن أبي ذر: قال صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: بشر ~~أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل! وإن سرق وإن ~~زنى؟ قال: نعم. # قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن ~~شرب الخمر» . # الخامس- # عن جابر قال: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات ~~يشرك به دخل النار» . أخرجه مسلم «3» وعبد بن حميد في مسنده. # السادس- # عن أبي سعيد الخدري «4» قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ~~لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» . رواه الإمام أحمد. PageV03P150 # السابع- # عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: من علم ~~أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي» . رواه الطبراني. # الثامن- # عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وعده الله على عمل ~~ثوابا فهو منجزه له. ومن توعده على عمل عقابا، فهو فيه بالخيار. رواه ~~البزار وأبو يعلى. # التاسع- عن ابن عمر، قال: كنا، معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا ~~نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت ~~هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأمسكنا ~~عن الشهادة. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير «1» . # وفي رواية لابن أبي حاتم: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور ~~إلى الله عز وجل. # العاشر- # عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية: ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. رواه الترمذي «2» # وقال: حديث حسن غريب. # الحادي عشر- # عن أنس «3» رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ms1156 الله عليه وسلم يقول: ~~«قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان ~~فيك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت ~~لك ولا أبالي. يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا ~~تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة» . رواه الترمذي # وقال: حديث حسن غريب. لا نعرفه إلا من هذا الوجه. # وروى نحوه الإمام أحمد عن أبي ذر «4» ولفظه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، «قال: إن الله عز وجل يقول: يا عبدي! ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك ~~على ما كان فيك. # ويا عبدي! إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها ~~مغفرة» . PageV03P151 # والأحاديث في ذلك متوافرة. ويكفي هذا المقدار. # ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما أي افترى واختلق، مرتكبا إثما لا ~~يقادر قدره. ويستحقر دونه جميع الآثام. فلا تتعلق به المغفرة قطعا. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الجواب الكافي) : الشرك بالرب ~~تعالى نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى معه. وشرك به في ~~معاملته. وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه ~~مع الله غيره. وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا ~~علم، في خلقه وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب، فقد نازع الله، سبحانه ~~وتعالى، ربوبيته وملكه. وجعل له ندا. وهذا أعظم الذنوب عند الله. ولا ينفع ~~معه عمل. # وقال بعد ذلك: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل ~~رسله وأنزل كتبه وخلق السموات والأرض، ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله ~~له، والطاعة كلها له، والدعوة له. كما قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون [الذاريات: 56] . وقال تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق [الحجر: 85] . وقال تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء ms1157 قدير وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: 12] . وقال تعالى: جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97] . ~~فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده ~~لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط. وهو العدل الذي قامت به السموات ~~والأرض. كما قال تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] . فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله ~~وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل. ومن أعظم القسط التوحيد. بل هو ~~رأس العدل وقوامه. وإن الشرك ظلم عظيم. كما قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم ~~[لقمان: 13] . فالشرك أظلم الظلم. والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة ~~لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر. # وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشد موافقة لهذا المقصود، ~~فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به ~~تفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، فيما فرض على عباده وحرمه ~~عليهم. # PageV03P152 # وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا ~~المقصود، وكان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، ~~وأباح دمه وماله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام ~~بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو ~~يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة- فإن المشرك أجهل الجاهلين ~~بالله حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به. كما أنه غاية الظلم ~~منه. وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه. ووقعت مسألة: وهي أن ~~المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى. وأنه لعظمته لا ينبغي ~~الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء. كحال الملوك. فالمشرك لم يقصد ~~الاستهانة بجناب الربوبية. وإنما قصد تعظيمه. # وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني وتدخلني عليه. فهو المقصود. وهذه ~~وسائل وشفعاء. فلم كان هذا ms1158 القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في ~~النار وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟ وترتب على هذا ~~سؤال آخر: وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقريب إليه ~~بالشفعاء والوسائط؟ فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في ~~الفطر والعقول، يمتنع أن تأتي به شريعة، بل جاءت بتقرير ما في الفطر ~~والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في كونه لا يغفره من ~~دون سائر الذنوب؟ # كما قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ~~فتأمل هذا السؤال. واجمع قلبك وذهنك على جوابه. ولا تستهونه فإن به يحصل ~~الفرق بين المشركين والموحدين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة ~~وأهل النار. فنقول (وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد. ~~فإنه من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له. ولا مانع لما أعطى ولا ~~معطي لما منع) : الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك ~~له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والشرك الأول نوعان: أحدهما- شرك ~~التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك. # كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين [الشعراء: 23] ؟ وقال تعالى مخبرا عنه ~~أنه قال: وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36- 37] . فالشرك ~~والتعطيل متلازمان. فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك. لكن الشرك لا يستلزم أصل ~~التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته. ولكن عطل حق # PageV03P153 # التوحيد. وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل. وهو ثلاثة ~~أقسام: # تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس ~~بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة ~~التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: ما ثم خالق ~~ومخلوق، ولا هاهنا شيئان. بل الحق المنزه هو ms1159 عين الخلق المشبه. ومنه شرك ~~الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وإنه لم يكن معدوما أصلا. بل لم يزل ~~ولا يزال. والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها. # يسمونها العقول والنفوس. ومن هذا أشرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه ~~وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة. فلم يثبتوا له اسما ولا صفة. بل جعلوا ~~المخلوق أكمل منه. إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. ### | ### | فصل # # النوع الثاني. شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته. # كشرك النصارى الذي جعلوه ثالث ثلاثة. فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها. ومن ~~هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى ~~الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال ~~نفسه، وإنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته. ولهذا كانوا من أشباه ~~المجوس. ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت [البقرة: 258] . فهذا جعل نفسه ندا لله، ~~يحيي ويميت بزعمه. كما يحيي الله ويميت. فألزمه إبراهيم، عليه السلام ورحمة ~~الله وبركاته، أن طرد قولك، أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي ~~يأتي الله بها منها. وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزاما ~~على طرد الدليل إن كان حقا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ~~ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم. كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ~~ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده ~~هو الإله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه ~~إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه، ~~أقبل إليه واغتنى به. ومنهم من يزعم أنه معبودهم الأدنى يقربه إلى المعبود ~~الذي هو فوقه. والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه. حتى تقربه تلك الآلهة. # إلى الله سبحانه. فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل. # PageV03P154 ### | ### | فصل # # وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من ms1160 هذا الشرك وأخف أمرا. فإنه يصدر ممن ~~يعتقد أنه لا إله إلا الله. وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا ~~الله. وأنه لا إله غيره ولا رب سواه. ولكن لا يخلص لله في معاملته ~~وعبوديته. بل يعمل لحظ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة. ولطلب الرفعة والمنزلة ~~والجاه عند الخلق تارة. فلله من عمله وسعيه نصيب. ولنفسه وحظه وهواه نصيب. ~~وللشيطان نصيب. وللخلق نصيب. # هذا حال أكثر الناس. وهو الشرك الذي # قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه «1» : ~~«الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجو منه؟ # يا رسول الله! قال: قل: اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم» . # فالرياء كله شرك. قال تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله واحد، فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا [الكهف: 110] . # أي كما أنه إله واحد، لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده. # فكما تفرد بالإلهية، يجب أن يفرد بالعبودية. فالعمل الصالح هو الخالي من ~~الرياء، المقيد بالسنة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم! ~~اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا. ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وهذا ~~الشرك في العبادة يبطل العمل. وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا. فإنه ~~ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر. فإن الله سبحانه إنما أمر ~~بعبادته خالصة. قال تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء [البينة: 5] . # فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به. بل الذي أتى به، شيء غير ~~المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول الله تعالى «2» : أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه. وهذا الشرك ~~ينقسم إلى مغفور وغير مغفور. وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير ~~وأكبر. وليس شيء منه مغفورا. ms1161 فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب ~~المخلوق كما يحب PageV03P155 # الله. فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا [البقرة: 165] الآية. # وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم: تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97- 98] . ومعلوم أنهم ما سووهم به ~~سبحانه في الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة. وإنما سووهم ~~به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل والظلم. # فكيف يسوى من خلق من التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب؟ ~~وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، ~~الذي ليس له من ذاته إلا العدم- بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه ~~وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ~~ذاته؟ # فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه، ~~كما قال تعالى: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [الأنعام: 1] . فعدل المشرك من خلق السموات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض. فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه!! ### | ### | فصل # # ويتبع هذا الشرك، الشرك به سبحانه في الأقوال والأفعال والإرادات ~~والنيات. # فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية ~~وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار، غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في ~~الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها. فكيف بمن ~~اتخذ القبور أوثانا يعبدوها من دون الله. # وفي الصحيحين «1» عنه أنه قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى. اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد» . # وفي الصحيح «2» عنه: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة PageV03P156 # وهم أحياء. ومن يتخذ القبور مساجد» . # وفي الصحيح «1» «أيضا عنه: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون ms1162 القبور مساجد. ~~ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك» . # وفي مسند الإمام أحمد «2» رضي الله عنه وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه ~~وسلم: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج. وقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ~~. # وقال «3» : «إن من كان قبلكم، إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره ~~مسجدا وصوروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» . # فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر. فكيف حال من سجد للقبر بنفسه؟ # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «4» : «اللهم! لا تجعل قبري وثنا يعبد» # . وقد حمى النبي جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى «5» عن صلاة التطوع لله ~~سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها. لئلا يكون ذريعة إلى التشبيه بعباد ~~الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد ~~العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما ~~للشمس. وأما السجود لغير الله # فقال «6» : «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله» # . و (لا ينبغي) في كلام الله PageV03P157 # ورسوله صلى الله عليه وسلم- للذي هو في غاية الامتناع شرعا. كقوله تعالى: ~~وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا [مريم: 92] . وقوله: وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له [يس: 69] . # وقوله: وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم [الشعراء: 210- 211] . وقوله ~~عن الملائكة: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء [الفرقان: 18] . ### | ### | فصل # # ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ. كالحلف بغيره. كما # رواه أحمد «1» وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من حلف بشيء ~~دون الله فقد أشرك» . # وصححه الحاكم وابن حبان. ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت. ~~كما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «2» # «أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندا؟ قل: # ما شاء الله وحده» # . وهذا، مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: لمن شاء ms1163 منكم أن يستقيم ~~[التكوير: 28]- فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك؟ وأنا في حسب الله ~~وحسبك؟ وما لي إلا الله وأنت؟ وهذا من الله ومنك؟ # وهذا من بركات الله وبركاتك؟ والله لي في السماء وأنت لي في الأرض؟ أو ~~يقول: # والله! وحياة فلان. أو يقول: نذرا لله ولفلان. وأنا تائب لله ولفلان. ~~وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما ~~شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة. # وأنه إذا كان قد جعله ندا لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه، ندا لرب ~~العالمين. فالسجود والعبادة، والتوكل والإنابة، والتقوى والخشية، والتحسب ~~والتوبة، والنذر والحلف، والتسبيح والتكبير، والتهليل والتحميد، والاستغفار ~~وحلق الرأس، خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت، والدعاء- كل ذلك محض حق الله. ~~لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. # وفي مسند الإمام أحمد «3» # أن رجلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنبا. فلما وقف بين ~~يديه قال: اللهم! إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. # قال: قد عرف الحق لأهله. PageV03P158 ### | ### | فصل # # وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ~~ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب ~~الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أقواله ~~وأفعاله وإرادته ونيته. # وهذه هي الحنيفية، ملة إبراهيم، التي أمر الله بها عباده كلهم. ولا يقبل ~~من أحد غيرها. وهي حقيقة الإسلام. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين [آل عمران: 85] . وهي ملة إبراهيم عليه السلام، ~~التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. # فصل # وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور. فنقول ~~(ومن الله وحده ms1164 نستمد الصواب) : حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه ~~للمخلوق به. وهذا هو التشبيه في الحقيقة. لا إثبات صفات الكمال التي وصف ~~الله بها نفسه ووصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعكس من نكس الله ~~قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه ~~تعظيما وطاعة. فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من ~~خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق ~~الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه ~~بالخالق. وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ~~أفضل من غيره. تشبيها بمن له الأمر كله. فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها ~~إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. ~~بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد. وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه ~~أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني ~~بالذات. ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه ~~بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده. والتعظيم ~~والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل ~~مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده. ويمنع عقلا ~~وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير ~~بمن لا شبيه له ولا ند له. وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولشدة قبحه وتضمنه ~~غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره. مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ~~ومن خصائص # PageV03P159 # الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع ~~غاية الذل. هذا تمام العبودية. وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في ~~هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص ~~حقه. # وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع. وقبحه مستقر في كل فطرة ms1165 ~~وعقل. # ولكن غيرت الشيطان فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم ~~عنها. # ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى. فأرسل إليهم رسله ~~وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم. فازدادوا بذلك نورا على نور. ~~يهدي الله لنوره من يشاء. # إذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود. فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق ~~به. ومنها التوكل. فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها التوبة. فمن تاب ~~لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا. فمن حلف بغيره فقد ~~شبهه به. هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ~~ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم، والخضوع والرجاء، وتعليق القلب ~~به خوفا ورجاء، والتجاء واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته ~~وإلهيته. وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان. ويذله غاية الذل ويجعله تحت ~~أقدام خلقه. # وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: العظمة ~~إزاري والكبرياء ردائي. فمن نازعني واحدا منهما عذبته» # . وإذا كان المصور، الذي يصنع الصورة بيده، من أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة، لتشبهه بالله في مجرد الصنعة- فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية ~~والإلهية، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «2» : «أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون» # . يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. # وفي الصحيح «3» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله عز وجل: ومن ~~أظلم ممن PageV03P160 # ذهب يخلق خلقا كخلقي؟ فليخلقوا ذرة. فليخلقوا شعيرة» # . فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر. والمقصود أن هذا حال ~~من تشبه به في صنعة صورة. # فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم ~~الذي لا ينبغي إلا لله وحده. كملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه. # وقد ثبت في الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخنع الأسماء ~~عند الله رجل يتسمى بشاهان شاه ملك الملوك. ولا ملك إلا الله» . # وفي لفظ: أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك. ms1166 # فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له. فهو ~~سبحانه ملك الملوك وحده. وهو حاكم الحكام وحده. فهو الذي يحكم على الحكام ~~كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره. ### | تنبيه: # حيثما وقع في حديث: من فعل كذا فقد أشرك. أو فقد كفر- لا يراد به الكفر ~~المخرج من الملة، والشرك الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام ~~الردة، والعياذ بالله تعالى. وقد قال البخاري «2» : باب كفران العشير وكفر ~~دون كفر. # قال القاضي أبو بكر ابن العربي في (شرحه) : مراده أن يبين أن الطاعات، ~~كما تسمى إيمانا، كذلك المعاصي تسمى كفرا. لكن حيث يطلق عليها الكفر لا ~~يراد عليه الكفر المخرج عن الملة. فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل ~~من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافرا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ، ~~حتى تتبين له الحجة، الذي يكفر تاركها، بيانا واضحا ما يلتبس على مثله. ~~وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا جليا ~~قطعيا. يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل. كما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع. قال الشيخ تقي الدين في (كتاب ~~الإيمان) : لم يكفر الإمام أحمد الخوارج ولا المرجئة ولا القدرية. وإنما ~~المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهمية. مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية. ~~ولا كل من قال: أنا جهمي- كفره. بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، ~~وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم PageV03P161 # بالعقوبات الغليظة. ولم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم ~~وإمامتهم ويدعو لهم ويرى لهم الائتمام بالصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، ~~والمنع من الخروج عليهم بما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوا من ~~القول الباطل الذي هو كفر عظيم. وإن لم يعلموا هم أنه كفر. كان ينكره ~~ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان. فيجمع بين طاعة الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق ms1167 ~~المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين. وظلمة فاسقين. انتهى ~~كلام الشيخ. فتأمله تأملا خاليا عن الميل والحيف. # وقال الشيخ تقي الدين أيضا: من كان في قلبه الإيمان بالرسول وبما جاء به، ~~وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع ولو دعا إليها، فهذا ليس بكافر أصلا. ~~والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها. ولم يكن في ~~الصحابة من يكفرهم، لا علي ولا غيره. بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين ~~الظالمين المعتدين. كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع. وكذلك ~~سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن. من ~~كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن. وإن كان أخطأ في ~~التأويل كائنا ما كان خطؤه. # وقد يكون في بعضهم شعبة من النفاق. ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه ~~في الدرك الأسفل من النار. ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة، كل واحد ~~منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. بل ~~وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة. فليس فيهم من كفر كل واحد من الثنتين ~~والسبعين فرقة. انتهى. # وقال ابن القيم في طرق أهل البدع: الموافقون على أصل الإسلام ولكنهم ~~مختلفون في بعض الأصول، كالخوارج والمعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية ~~وغلاة المرجئة- فهؤلاء أقسام: أحدها- الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له. فهذا ~~لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى. وحكمه ~~حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. # القسم الثاني- متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق. ولكن يترك ذلك ~~اشتغالا بدنياه ورئاسته ولذاته ومعاشه. فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ~~ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته. فهذا، إن غلب ما فيه من البدعة ~~والهوى، على ما فيه من السنة والهدى، ردت شهادته. وإن غلب ما فيه من السنة # PageV03P162 # والهدى، على ما فيه من البدعة والهوى، قبلت شهادته. # الثالث- أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويترك، تعصبا أو معاداة لأصحابه. # فهذا ms1168 أقل درجاته أن يكون فاسقا. وتكفيره محل اجتهاد. انتهى كلامه. فانظره ~~وتأمله. فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه. وذكر أن الأئمة وأهل السنة لا ~~يكفرونهم. هذا مع ما وصفهم به من الشرك الأكبر، والكفر الأكبر. وبين في ~~غالب كتبه مخازيهم. ولنذكر من كلامه طرفا تصديقا لما ذكرنا عنه. قال رحمه ~~الله في (المدارج) : المثبتون للصانع نوعان: أحدهما- أهل الإشراك به في ~~ربوبيته وإلهيته. # كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية. فإنهم يثبتون مع الله إلها آخر. ~~والمجوسية القدرية تثبت مع الله خالقا للأفعال. ليست أفعالهم مخلوقة لله ~~ولا مقدورة له. وهي صادرة بغير مشيئته تعالى وقدرته. ولا قدرة له عليها. بل ~~هم الذين جعلوا أنفسهم فاعلين مريدين شيائين. وحقيقة قول هؤلاء: إن الله ~~ليس ربا خالقا لأفعال الحيوان. # انتهى كلامه. وقد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه. وشبههم بالمجوس الذين ~~يقولون: إن للعالم خالقين. وانظر لما تكلم على التكفير هو وشيخه، كيف حكيا ~~عدم تكفيرهم عن جميع أهل السنة. حتى مع معرفة الحق والمعاندة. قال: كفره ~~محل اجتهاد. كما تقدم كلامه قريبا. # وقال ابن تيمية، وقد سئل عن رجلين تكلما في مسألة التكفير. فأجاب وأطال. ~~وقال في آخر الجواب: لو فرض أن رجلا دفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر، ~~حماية له ونصرا لأخيه المسلم، لكان هذا غرضا شرعيا حسنا. وهو إذا اجتهد في ~~ذلك فأصاب فله أجران. وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر. وقال رحمه الله: ~~التكفير إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة. أو بإنكار الأحكام ~~المتواترة المجمع عليها. وسئل أيضا، قدس الله روحه، عن التكفير الواقع في ~~هذه الأمة، من أول من أحدثه وابتدعه؟ فأجاب: أول من أحدثه في الإسلام ~~المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه. وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب ~~الناس في ذلك. فمن الناس من يحكي عن مالك فيه قولين. وعن الشافعي كذلك. وعن ~~أحمد روايتان. وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم قولان. وحقيقة الأمر في ذلك ~~أن القول قد يكون كفرا. فيطلق القول بتكفير قائله. ms1169 ويقال: من قال كذا فهو ~~كافر. لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر ~~تاركها، من تعريف الحكم الشرعي، من سلطان، أو أمير مطاع. كما هو المنصوص ~~عليه في كتب الأحكام. فإذا عرفه الحكم وزالت عنه الجهالة قامت عليه الحجة. ~~وهذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب # PageV03P163 # والسنة. وهي كثيرة جدا. والقول بموجبها واجب على وجه العموم. والإطلاق، ~~من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا كافر أو فاسق أو ملعون أو مغضوب ~~عليه أو مستحق للنار، لا سيما إن كان للشخص فضائل وحسنات- فإن ما سوى ~~الأنبياء يجوز عليهم الصغائر والكبائر. مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا ~~أو شهيدا أو صالحا. كما قد بسط في غير هذا الموضع. من أن موجب الذنوب تتخلف ~~عنه بتوبة أو باستغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة أو ~~لمحض مشيئة الله ورحمته. فإذا قلنا بموجب قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا [النساء: 93] الآية، وقوله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا [النساء: 10] . وقوله: ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده [النساء: 14] الآية. وقوله: ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل- إلى قوله- ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما [النساء: 30] الآية. ~~إلى غير ذلك من آيات الوعيد، وقلنا بموجب # قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من شرب الخمر «1» # أو من عق والديه «2» أو من غير منار الأرض «3» أو من ذبح لغير الله أو ~~لعن الله السارق أو لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه أو لعن الله ~~لاوي الصدقة والمتعدي فيها أو من أحدث «4» في المدينة حدثا أو آوى محدثا ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد- ~~لم يجز أن تعين شخصا، ممن فعل بعض هذه الأفعال، وتقول: هذا المعين قد أصاب ~~هذا الوعيد. لإمكان التوبة وغيرها PageV03P164 # من مسقطات العقوبة. إلى أن قال: ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة ~~باجتهاد أو تقليد ونحو ذلك، وغايته أنه معذور من ms1170 لحوق الوعيد به لمانع، كما ~~امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك. ~~وهذه السبيل هي التي يجب اتباعها. فإن ما سواها طريقان خبيثان: أحدهما- ~~القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه. ودعوى أنها عمل بموجب ~~النصوص. وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب، والمعتزلة وغيرهم. ~~وفساده معلوم بالاضطرار. وأدلته معلومة في غير هذا الموضع. فهذا ونحوه من ~~نصوص الوعيد حق. # لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد. فلا يشهد على معين من ~~أهل القبلة بالنار، لفوات شرط أو لحصول مانع. وهكذا الأقوال الذي يكفر ~~قائلها. قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق. وقد تكون ~~بلغته ولم تثبت عنده. أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها. أو قد عرضت له شبهات ~~يعذره الله بها. # فمن كان مؤمنا بالله وبرسوله، مظهرا للإسلام، محبا لله ورسوله، فإن الله ~~يغفر له لو قارف بعض الذنوب القولية أو العملية. سواء أطلق عليه لفظ الشرك ~~أو لفظ المعاصي. هذا الذي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماهير ~~أئمة الإسلام. لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل، بالفرق ~~بين النوع والعين. بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام ~~كمالك وأبي حنيفة والشافعي، أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون: الإيمان ~~قول بلا عمل. ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. ~~وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية لأنه ابتلي بهم حتى عرف ~~حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل. # وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم. ~~فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه. والذي يعاقب ~~مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط. والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقب. ومع ~~هذا فالذين من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق. وإن الله ~~لا يرى في الآخرة. وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة الله، ولا الأحاديث ~~الصحيحة. وإن الدين ms1171 لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء والخيالات الباطلة ~~والعقول الفاسدة. وأن خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين الله من كتاب الله ~~وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ~~وإن أقوال الجهمية والمعطلة من النفي والإثبات أحكم في دين الله. بسبب ذلك ~~امتحنوا المسلمين وسجنوا الإمام أحمد وجلدوه وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين. ~~ومع ذلك لا يطلقون أسيرا ولا يعطون من بيت المال إلا من وافقهم ويقر ~~بقولهم. وجرى على الإسلام منهم أمور مبسوطة في غير هذا # PageV03P165 # الموضع. ومع هذا التعطيل الذي هو شر من الشرك، فالإمام أحمد ترحم عليهم ~~واستغفر لهم، وقال: ما علمت أنهم مكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا ~~جاحدون لما جاء به. # لكنهم تأولوا فأخطأوا. وقلدوا من قال ذلك. والإمام الشافعي لما ناظر حفص ~~الفرد، من أئمة المعطلة، في مسألة (القرآن مخلوق) قال له الإمام الشافعي: ~~كفرت بالله العظيم. فكفره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك. ولو اعتقد ردته وكفره ~~لسعى في قتله. # وأفتى العلماء بقتل دعاتهم مثل غيلان القدري والجعد بن درهم وجهم بن ~~صفوان إمام الجهمية وغيرهم. وصلى الناس عليهم ودفنوهم مع المسلمين. وصار ~~قتلهم من باب قتل الصائل. لكف ضررهم، لا لردتهم. ولو كانوا كفارا لرءاهم ~~المسلمون كغيرهم. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. وقال ابن القيم في ~~(شرح المنازل) : أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله ~~وعداوة، من وجهين مختلفين. ويكون محبوبا لله ومبغوضا من وجهين. بل يكون فيه ~~إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب من الآخر. فيكون إلى أهله ~~كما قال تعالى: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان [آل عمران: 167] . وقال: ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. فأثبت لهم، تبارك وتعالى، الإيمان ~~مع مقارنة الشرك. فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من ~~الإيمان. وإن كان تصديق برسله وهم يرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن ~~الإيمان بالرسل واليوم الآخر- فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أهل ms1172 ~~الكبائر. وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم ~~منها ودخولهم الجنة، لما قام بهم من السببين. قال: وقال ابن عباس، في قوله ~~تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44] قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بكفر ينقل عن الملة. إذا فعله فهو به كفر. ~~وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. # وكذلك قال طاوس وعطاء. انتهى كلامه. # وقال الشيخ تقي الدين: كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد ~~إيمان ونفاق. وهذا يدل عليه قوله عز وجل: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~[آل عمران: 167] . وهذا كثير في كلام السلف. يبينون أن القلب يكون فيه ~~إيمان ونفاق. والكتاب والسنة يدل على ذلك. ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «يخرج PageV03P166 # من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» # . فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار. وإن كان معه ~~كثير من النفاق، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج. إلى أن قال: ~~وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر ~~وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن ~~الإسلام بالكلية. كما قال الصحابة، ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا عامة ~~قول السلف انتهى. # فتأمل هذا الفصل وانظر حكايتهم الإجماع من السلف. ولا تظن أن هذا في ~~المخطئ. فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه كما تقدم مرارا عديدة. # وقال الشيخ تقي الدين في كتاب (الإيمان) : الإيمان الظاهر الذي تجري عليه ~~الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن. وإن المنافقين الذين ~~قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 8] ، هم في ~~الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين ويناكحونهم ويوارثونهم. كما كان المنافقون ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا ~~في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا ms1173 نحو ذلك. بل لما مات عبد الله بن أبي، وهو ~~من أشهر الناس في النفاق، ورثه عبد الله ابنه، وهو من خيار المؤمنين. وكذلك ~~سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون. وإذا مات لهم وارث ورثوه مع ~~المسلمين وإن علم أنه منافق في الباطن. وكذلك كانوا في الحدود والحقوق ~~كسائر المسلمين. وكانوا يغزون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من هم ~~بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. ومع هذا، ففي الظاهر، تجرى ~~عليهم أحكام أهل الإيمان. إلى أن قال: ودماؤهم وأموالهم معصومة ولا يستحل ~~منهم ما يستحل من الكفار. والذين يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون ~~الإيمان، فإنه # صلى الله عليه وسلم قال «1» : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأني رسول الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها. وحسابهم على الله. # وكما # قال لأسامة «2» : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: فقلت: إنما ~~قالها PageV03P167 # تعوذا. قال: هل شققت عن قلبه؟ # وقال «1» : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. وكان إذا ~~استؤذن في قتل رجل يقول: أليس يصلي؟ أليس يشهد؟ فإذا قيل له: إنه منافق، ~~قال ذلك. فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم ولا يستحل منها ~~شيئا مع أنه يعلم نفاق كثير منهم # . انتهى كلام الشيخ. # وقد أوضح حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه في (فيصل التفرقة بين الإسلام ~~والزندقة) الكفر المخرج عن الملة، والعياذ بالله تعالى، بعد مقدمته المدهشة ~~بقوله: # لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين. # فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض. ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها ~~وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في ~~أهل الإسلام. وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول (لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله) صادقين بها غير مناقضين لها. فأقول: الكفر هو تكذيب الرسول ~~عليه السلام في شيء مما جاء ms1174 به. والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به. ~~فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول عليه السلام. والبرهمي كافر ~~بالطريق الأولى لأنه أنكر، مع رسولنا، سائر المرسلين. والدهري كافر بالطريق ~~الأولى، لأنه أنكر، مع PageV03P168 # رسولنا المرسل، سائر الرسل. وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا. # إذ معناه. إباحة الدم والحكم بالخلود في النار. ومدركه شرعي فيدرك إما ~~بنص وإما بقياس على منصوص. وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى. والتحق بهم ~~بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية. وكلهم مشركون. فإنهم ~~مكذبون للرسول. فكل كافر مكذب للرسول، وكل مكذب فهو كافر. فهذه هي العلامة ~~المطردة المنعكسة. # وتتمة هذا البحث في هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه فاضل. فارجع إليه. # وعض بنواجذك عليه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 49] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي ~~التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا، المنافية لما هم عليه من الطغيان ~~والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل. فالمراد بهم اليهود. وقد حكى تعالى عنهم ~~أنهم يقولون: # نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] . وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا: لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] . وأنهم قالوا: لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~قال: كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا ~~خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له. ~~وأنزل الله: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم. أي انظر إليهم فتعجب من ~~ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم فيه من الكفر والإثم العظيم. ~~أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو ~~معاصيه. وقوله تعالى بل الله يزكي من يشاء تنبيه على أن تزكيته هي المعتد ~~بها دون تزكية ms1175 غيره. فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح. وقد ~~ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين. ### | تنبيه: # قال الزمخشري: يدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة ~~الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فإن قلت: أما # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله! إني لأمين في السماء، أمين في ~~الأرض؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: # PageV03P169 # اعدل في القسمة، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد ~~الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم. # وقد ورد في ذم التمادح والتزكية أحاديث كثيرة. منها # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال «1» : سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح فقال: # أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» # . متفق عليه. # وعن أبي بكرة رضي الله عنه «2» أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك! قطعت عنق صاحبك ~~(يقوله مرارا) إن كان أحدكم مادحا، لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان ~~يرى أنه كذلك. وحسيبه الله. # ولا يزكي على الله أحدا» . متفق عليه. وعن همام بن الحارث عن المقداد رضي ~~الله عنه «3» أن رجلا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه. فعمد المقداد فجثا على ~~ركبتيه. # فجعل يحثو في وجهه الحصاء. فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. رواه ~~مسلم. # وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ~~ابن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر. ومن قال: هو عالم، فهو جاهل. ومن ~~قال: # هو في الجنة فهو في النار. ورواه ابن مردويه عن طريق موسى بن عبيدة عن ~~طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب ~~المرء برأيه. # فمن قال إنه مؤمن ms1176 فهو كافر. ومن قال هو عالم فهو جاهل. ومن قال هو في ~~الجنة فهو في النار. # وروى الإمام أحمد عن معبد الجهني قال: كان معاوية قلما كان يحدث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قال: وكان قلما يدع، يوم الجمعة، هؤلاء الكلمات أن ~~يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين. وإن هذا المال حلو خضر فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه. وإياكم ~~والتمادح فإنه الذبح. # وروى ابن ماجة عنه «4» : إياكم والتمادح فإنه الذبح. PageV03P170 # وروى ابن جرير بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال «1» : إن الرجل ليغدو ~~بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء. يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرا فيقول ~~له: والله! إنك لذيت وذيت فلعله أن يرجع ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط ~~الله عليه، ثم قرأ: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ... الآية ولا يظلمون ~~فتيلا عطف على جملة قد حذفت، تعويلا على دلالة الحال عليها وإيذانا بأنها ~~غنية عن الذكر. أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك العقاب ~~فتيلا، أي أدنى ظلم وأصغره. والفتيل الخيط الذي في شق النواة أو ما يفتل ~~بين الأصابع من الوسخ. # يضرب به المثل في القلة والحقارة. وقيل: التقدير، يثاب المزكون ولا ينقص ~~من ثوابهم شيء أصلا. ولا يساعده مقام الوعيد. قاله أبو السعود. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 50] # انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # انظر كيف يفترون على الله الكذب أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء ~~الله وأحباؤه، وقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: ~~111] وقولهم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] واتكالهم على ~~أعمال آبائهم الصالحة. وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء ~~شيئا، في قوله: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم [البقرة: 134] . ~~الآية. # قال العلامة أبو السعود: (كيف) نصب إما على التشبيه بالظرف ms1177 أو بالحال. # والعامل (يفترون) وبه تتعلق (على) أي: في أي حال أو على أي حال يفترون ~~عليه تعالى الكذب. والمراد بيان شناعة تلك الحال وكمال فظاعتها. والجملة في ~~محل النصب بعد نزع الخافض و (النظر) متعلق بهما. وهو تعجيب إثر تعجيب. ~~وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجيب: ادعاؤهم ~~الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه. وافتراؤهم على الله سبحانه. فإن ادعاءهم ~~الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه إياهم. تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا. # ولكون هذا أشنع من الأول جرما، وأعظم قبحا لما فيه من نسبته سبحانه ~~وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده، ومغفرة ~~كفر الكافر وسائر معاصيه- وجه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع وتأكيدا ~~للتعجيب. والتصريح PageV03P171 # بالكذب، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا، للمبالغة في تقبيح حالهم وكفى ~~به أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع قطع النظر عن مقارنته ~~لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام إثما مبينا ظاهرا بينا كونه إثما. ~~والمعنى: كفى ذلك وحده في كونهم أشد إثما من كل كفار أثيم. أو في استحقاقهم ~~لأشد العقوبات. ثم حكى تعالى عن اليهود نوعا آخر من المكر. وهو أنهم كانوا ~~يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، تعصبا وعنادا، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 51] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أي علما بالتوراة الداعية إلى ~~التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء ~~النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~الجبت يطلق، لغة، على الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ~~ما عبد من دون الله تعالى. وكذا الطاغوت. فيطلق على الكاهن والشيطان وكل ~~رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب. كما في ~~القاموس. ويقولون للذين ms1178 كفروا أي أشركوا بالله، وهم كفار مكة، أي لأجلهم ~~وفي حقهم هؤلاء يعنونهم أهدى من الذين آمنوا بالله وحده سبيلا أي أرشد ~~طريقة. وإيرادهم بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله ~~تعالى، تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح ~~القبائح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 52] # أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) # أولئك الذين لعنهم الله أي أبعدهم عن رحمته وطردهم ومن يلعن الله أي ~~يبعده عن رحمته فلن تجد له نصيرا يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا. # لا بشفاعة ولا بغيرها. # قال الرازي: إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة ~~الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة. فمن ~~يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله؟ ومن كان ~~دينه الإقبال # PageV03P172 # بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف ~~يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال؟ # وقد روى الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف ~~مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن ~~أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، قال: أنتم خير. قال فنزلت فيهم: # إن شانئك هو الأبتر [الكوثر: 3] . ونزل: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب- إلى- نصيرا. # وقال الإمام ابن إسحاق رضي الله عنه: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان ~~وبني قريظة، حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي ~~الحقيق وأبو عامر ووحوح بن عامر وهودة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهودة ~~فمن بني وائل وكان سائرهم من بني النضير. فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء ~~أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول. فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ ms1179 ~~فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله ~~عز وجل: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ... إلى قوله عز وجل: ~~وآتيناهم ملكا عظيما. وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا ~~في الآخرة. لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين. وإنما قالوا لهم ذلك ~~ليستميلوهم إلى نصرتهم وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق (فكفى الله شرهم) . (ورد ~~الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) ، وكفى الله المؤمنين القتال وكان ~~الله قويا عزيزا [الأحزاب: 25] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 53] # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا. لما ذم سبحانه اليهود ~~بتزكيتهم أنفسهم وتفضيلهم المشركين على الموحدين، شرع في تفصيل بعض آخر من ~~مثالبهم. وهو وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. و (أم) منقطعة. ~~والهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، والفاء للسببية الجزائية لشرط ~~محذوف. أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير # PageV03P173 # لفرط بخلهم. و (النقير) النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة والحقارة. ~~كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك إما ملك أهل الدنيا وإما ملك الله. كقوله ~~تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ~~[الإسراء: 100] . # وقال أبو السعود: وهذا هو البيان الكاشف عن كنه حالهم. وإذا كان شأنهم ~~كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهم أذلاء متفاقرون؟ ويجوز أن لا تكون الهمزة ~~لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ عليه. أي لعده منكرا غير لائق ~~بالوقوع. على أن الفاء للعطف والإنكار متوجه إلى مجموع المعطوفين على معنى: ~~ألهم نصيب وافر من الملك حيث كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة ~~كالملوك فلا يؤتون الناس مع ذلك نقيرا؟ كما تقول لغني لا يراعي أباه: ألك ~~هذا القدر من المال فلا تنفق على أبيك شيئا؟ وفائدة ms1180 (إذن) تأكيد الإنكار ~~والتوبيخ. حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا للمنع مع كونه سببا للإعطاء. وهي ~~ملغاة عن العمل. كأنه قيل: فلا يؤتون الناس إذن: وقرئ: (فإذن لا يؤتوا) ~~بالنصب على إعمالها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 54] # أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) # أم يحسدون الناس منقطعة أيضا مفيدة للانتقال من توبيخهم بما سبق، أعني ~~البخل، إلى توبيخهم بالحسد. وهما شر الرذائل كما قدمنا. وكأن بينهما تلازما ~~وتجاذبا. واللام في (الناس) للعهد والإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين. # وروى الطبراني بسنده عن ابن عباس في هذه الآية قال: نحن الناس دون الناس. # والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه. # قال الرازي: وإنما حسن ذكر الناس لإرادة طائفة معينة من الناس. لأن ~~المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية كما قال تعالى: وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] فما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه- كان هو وأصحابه كأنهم كل ~~الناس. فلهذا حسن إطلاق لفظ (الناس) وإرادتهم على التعيين على ما آتاهم ~~الله من فضله وهو النبوة والكتاب والرشد وازدياد العز والنصر يوما فيوما. ~~وقوله تعالى فقد آتينا تعليل للإنكار والاستقباح وإلزام لهم بما هو مسلم ~~عندهم. وحسم لمادة حسدهم واستبعادهم، # PageV03P174 # المبنيين على توهم عدم استحقاق المحسود لما أوتي من الفضل ببيان استحقاقه ~~له بطريق الوراثة كابرا عن كابر. وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق ~~الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر. والمعنى: أن حسدهم المذكور في غاية ~~القبح والبطلان. فإنا قد آتينا من قبل هذا آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأبناء أعمامه الكتاب والحكمة النبوة وآتيناهم ملكا ~~عظيما لا يقادر قدره. فكيف يستبعدون نبوته ويحسدونه على إيتائها؟ أفاده أبو ~~السعود. # قال الرازي: إن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة. فكلما كانت فضيلة الإنسان ~~أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم. ومعلوم أن النبوة ms1181 أعظم المناصب في ~~الدين. ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم وضم إليها أنه جعله ~~كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا. فلما كانت هذه النعم ~~سببا لحسد هؤلاء، بين تعالى ما يدفع ذلك فقال: فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. والمعنى: أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة ~~كثيرون جمعوا بين النبوة والملك وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونهم. فلم ~~تتعجبون من حال محمد صلى الله عليه وسلم ولم تحسدونه؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 55] # فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه حكاية لما صدر عن أسلافهم. أي: # فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم. ومنهم من ~~كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه. وهو منهم ومن جنسهم. أي من بني ~~إسرائيل. # وقد اختلفوا عليهم. فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ فالكفرة منهم ~~أشد تكذيبا لك وأبعد عما جئتهم به من الهدى والحق المبين. وفيه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك ديدنهم المستمر وكفى بجهنم سعيرا أي نارا ~~مسعرة يعذبون بها على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. ثم أخبر ~~تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 56] # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا أي عظيمة هائلة كلما نضجت # PageV03P175 # جلودهم # أي احترقت احتراقا تاما بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب أي ليدوم ~~لهم. وذلك أبلغ في العذاب للشخص. لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم ~~يحترق، أبلغ من إحساسه لعملها في المحترق. ### | تنبيه: # لهم في التبديل وجهان: الأول- أنه تبديل حقيقي مادي. فيخلق مكانها جلود ~~أخر جديدة مغايرة للمحترقة. الثاني- أنه تبديل وصفي: ms1182 أي أعدنا الجلود جديدة ~~مغايرة للمحترقة صورة. وإن كانت عينها مادة. بأن يزال عنها الاحتراق ليعود ~~إحساسها للعذاب. فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية. وفيه بعد. إذ ~~يأباه معنى التبديل. # وقال الرازي: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما ~~يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ~~ابتدأ. من أوله. فكذا قوله كلما نضجت جلودهم الآية. يعني: كلما ظنوا أنهم ~~نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. بحيث ~~ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم ~~انقطاعه. انتهى. # وهذا أبعد مما قبله. إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة ~~إلى المجاز، إلا عند الضرورة. لا سيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، ~~أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. كما رواه ابن جرير وغيره ~~مفصلا. إن الله كان عزيزا لا يمتنع عليه ما يريد حكيما فيما يقضيه. ومنه ~~هذا التبديل. إذ لا يتم تخليد العذاب الموعود، على الكفر الذي لا ينزجرون ~~عنه، بالعذاب المنقطع. # وعدا لا بد من إيفائه. ثم بين مآل أهل السعادة فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 57] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # والذين آمنوا أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وجملة الكتب والرسل ~~وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم بالإخلاص سندخلهم أي في ~~الآخرة جنات # أي بساتين تجري من تحتها أي من تحت شجرها وقصورها الأنهار أي أنهار الخمر ~~واللبن والعسل والماء خالدين فيها أبدا أي مقيمين في # PageV03P176 # الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها لهم فيها أي الجنة أزواج مطهرة أي من ~~الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة وندخلهم ظلا ظليلا ~~أي كنا كنينا لا تنسخه الشمس، ولا حر فيه ولا برد. و (ظليل) صفة مشتقة من ~~لفظ (الظل) لتأكيد معناه، كما يقال: ms1183 ليل أليل، ويوم أيوم. # وفي الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير، الراكب الجواد المضمر السريع، ~~مائه عام ما يقطعها» . # وفيهما «2» أيضا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: «يسير الراكب في ~~ظلها مائة سنة ما يقطعها» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 58] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها هذه الآية من أمهات الآيات ~~المشتملة على كثير من أحكام الشرع. # قال أبو السعود: في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل ~~وإيراد الأمر على صورة الإخبار، من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به ~~والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه. وهو خطاب يعم حكمه المكلفين ~~قاطبة. كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم: من حقوق الله ~~تعالى وحقوق العباد. سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية. وإن ورد في شأن ~~عثمان بن طلحة. انتهى. # أي لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كما تقرر في الأصول. # وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها. الأبرار منهم والفجار، كما ~~قال ابن المنذر. # وفي حديث سمرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك ولا تخن من خانك» . رواه الإمام أحمد وأهل السنن. # قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن ~~عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان ~~بن PageV03P177 # عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن ~~عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. أسلم ~~عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو ~~بن العاص. # وأما عمه عثمان بن ms1184 طلحة بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل ~~يومئذ كافرا. وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه ~~عليه هذا بهذا. وسبب نزولها فيه: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه. قال محمد بن إسحاق (في غزوة الفتح) : ~~حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية ~~بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج ~~حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. فلما ~~قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له. فدخلها فوجد ~~فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف ~~له الناس في المسجد. # قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر ~~عبده. وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي ~~هاتين: إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ. إلى أن قال: # ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. فقام إليه علي بن أبي ~~طالب ومفتاح الكعبة في يده. فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع ~~السقاية. صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن ~~طلحة؟ فدعي له. فقال هاك مفتاحك، يا عثمان! اليوم يوم بر ووفاء. # وروى ابن جرير «1» عن ابن جريج، في الآية قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن ~~أبي طلحة. قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة. ودخل به البيت ~~يوم الفتح. فخرج وهو يتلو هذه الآية: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها فدعا عثمان إليه. # فدفع إليه ms1185 المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب (لما خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها: فداه أبي وأمي. ما سمعته يتلوها قبل ذلك. PageV03P178 # قال السيوطي: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. انتهى. # وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أن هذه الآية نزلت في ~~الأمراء. يعني الحكام بين الناس. # وقال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية وجوب رد كل أمانة من وديعة ~~وقراض وقرض وغير ذلك. واستدل المالكية، بعموم الآية، على أن الحربي إذا دخل ~~دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل، إنه يجب رد وديعته إلى أهله. وأن ~~المسلم إذا استدان من الحربي بدار الحرب ثم خرج، يجب وفاؤه. وأن الأسير إذا ~~ائتمنه الحربي على شيء لا يجوز له أن يخونه. وعلى أن من أودع مالا وكان ~~المودع خانه قبل ذلك، فليس له أن يجحده كما جحده. ويوافق هذه المسألة حديث: ~~أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في هذه الآية قال: مبهمة للبر والفاجر. # يعني عامة. # وقد أخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة. لما أخذه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من عثمان بن طلحة. واختار ما رواه علي وغيره أنها خطاب ~~لولاة المسلمين. # أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه. فيستدل بالآية على أن على الحكام ~~والأئمة ونظار الأوقاف أداء الحقوق المتعلقة بذممهم من توليه المناصب ~~وغيرها إلى من يستحقها. # كما أن قوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. أمر لهم ~~بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها. وحيث كان المأمور به ههنا ~~مختصا بوقت المرافعة، قيد به. بخلاف المأمور به أولا. فإنه لما لم يتعلق ~~بوقت دون وقت أطلق إطلاقا. وأصل العدل هو المساواة في الأشياء. فكل ما خرج ~~من الظلم والاعتداء سمي عدلا. # روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص «1» قال: ms1186 قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن. وكلتا يديه يمين. # الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» . # وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أحب PageV03P179 # الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا: إمام عادل. وأبغض الناس ~~إلى الله وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر» . # وروى الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن أبي أوفي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر. فإذا جار تبرأ الله منه ~~وألزمه الشيطان» . # قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالته (السياسة الشرعية) بعد ~~الخطبة: # هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله تعالى. وهي قوله تعالى: ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... الآية. قال العلماء: نزلت ~~في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس ~~أن يحكموا بالعدل. ثم قال: وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى ~~أهلها: والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة. ثم ~~قال: أما أداء الأمانات ففيه نوعان: # أحدهما- الولايات وهو كان سبب نزول الآية. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة وطلبها العباس ليجمع له بين ~~سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية. فرد مفاتيح الكعبة إلى بني ~~شيبة. فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من ~~يجده لذلك العمل. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا ~~وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» . رواه ~~الحاكم في صحيحه. # وفي رواية: من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى ~~منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين # . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى ~~رجلا لمودة أو قرابة بينهما، ms1187 فقد خان الله ورسوله والمسلمين. فيجب عليه ~~البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم ~~نواب ذي السلطان والقضاة. ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الكبار والصغار ~~وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات ~~وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ~~ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين ~~والمعلمين وأمراء الحاج والبرد وخزان الأموال ونقباء العساكر الكبار ~~والصغار وعرفاء القبائل والأسواق. # على كل من ولي شيئا من أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم أن يستعمل فيما ~~تحت يده، في كل موضع، أصلح من يقدر عليه. ولا يقدم الرجل لكونه طلب أو # PageV03P180 # سبق في الطلب. بل ذلك سبب المنع. فإن # في الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن قوما دخلوا عليه فسألوه ~~ولاية فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه» . # وقال «2» لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة. فإنك إن ~~أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها» . ~~أخرجاه في الصحيحين. # وقال «3» : «من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه. ومن لم يطلبه ولم ~~يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده» . رواه أهل السنن # . فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاه عتاقة ~~أو صداقة أو موافقة في مذهب أو بلد أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية ~~والتركية والرومية. أو لرشوة يأخذها منه من ماله أو منفعة. أو غير ذلك من ~~الأسباب. أو لضغن في قلبه على الأحق. أو عداوة بينهما- فقد خان الله ورسوله ~~والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون [الأنفال: 27] . # ثم قال الله تعالى: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده ~~أجر عظيم # [الأنفال: 28] . فإن الرجل لحبه لولده أو عتيقه قد يؤثره في بعض الولايات ~~أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثر زيادة ms1188 حفظه أو ~~ماله بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان ~~الله ورسوله وخان أمانته. ثم إن المؤدي الأمانة، مع مخالفة هواه، يثيبه ~~الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه بنقيض قصده. فيذل ~~أهله ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة: إن بعض خلفاء بني العباس سأل ~~بعض العلماء أن يحدث PageV03P181 # بما أدرك. فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ~~أفقرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم. وكان في مرض ~~موته، فقال: # أدخلوهم علي. فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرا. ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت ~~عيناه ثم قال: والله! يا بني! ما منعتكم حقا هو لكم. ولم أكن بالذي آخذ ~~أموال الناس فأدفعها إليكم. وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى ~~الصالحين. وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله. قوموا ~~عني. # قال: ولقد رأيت بعض ولده حمل على مائة في سبيل الله. يعني أعطاها لمن ~~يغرو عليها. # قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى ~~المغرب بالأندلس وغيرها من جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، ~~إلى أقصى اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا، يقال ~~أقل من عشرين درهما. # قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه. فأخذ كل واحد ستمائة ألف ~~دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس، أي يسألهم بكفه. وفي هذا الباب من ~~الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، عبرة لكل ذي ~~لب. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب ~~أداؤها، في موضع مثل ما تقدم. ومثل # قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة وإنها يوم القيامة ~~حسرة وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه» . فيما رواه مسلم «1» . # وروى البخاري «2» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms1189 قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قيل: يا رسول الله! وما ~~إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» . PageV03P182 # وقد أجمع المسلمون على هذا. # ثم قال ابن تيمية رحمه الله: القسم الثاني- أمانات الأموال كما قال الله ~~تعالى في الديون: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ~~ربه [البقرة: 283] . ويدخل في هذا القسم الأعيان والديون الخاصة والعامة. ~~مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل ~~الوقف ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات ~~النساء وأجور المنافع ونحو ذلك. وقد قال الله تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا ~~إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم ~~دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم- إلى قوله- والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون [المعارج: 19- 32] . وقال تعالى: إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ~~[النساء: 105] . أي لا تخاصم عنهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم ~~وأموالهم. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هاجر ما نهى ~~الله عنه. والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» . # وهو حديث صحيح، بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذي. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «2» : من أخذ أموال الناس يريد أداءها ~~أداها الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله. رواه البخاري. # وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه ~~على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم. وكذلك أداء ~~العارية. PageV03P183 # ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة. فإن الوقوف عليها من ~~المهمات. إن الله نعما يعظكم به أي نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات ~~والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة. و ~~(ما) إما منصوبة موصوفة ب (يعظكم) أو مرفوعة موصولة. كأنه قيل نعم شيئا ~~يعظكم به. أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والجملة ms1190 مستأنفة مقررة لما قبلها ~~متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر إن الله ~~كان سميعا لأقوالكم في الأمانات والأحكام بصيرا بأفعالكم فيهما. فإن سمع ~~ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء. # وإن سمع ورأى شرا جازاكم عليه. فهو وعد ووعيد. وروى ابن أبي حاتم بسنده ~~عن أبي يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها إلى قوله- سميعا بصيرا. ويضع إبهامه على أذنه، والتي ~~تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع ~~إصبعه. # وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه ~~اليمنى. والتي تليها على الأذن اليمنى. وأرانا، فقال: هكذا. وهكذا رواه أبو ~~داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره. # وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة. واسمه سليم بن جبير. أفاده ابن كثير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 59] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم اعلم ~~أنه تعالى، لما أمر الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم ~~بالعدل، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في ~~قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك. إلا أن يأمروا بمعصية الله فلا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق. # قال الرازي: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم ~~بما أنزل الله ويؤدي الأمانة. فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ~~ويطيعوا # . وقد روى الطبري «1» بسند صحيح عن أبي هريرة: إن أولي الأمر هم الأمراء. ~~واحتج له PageV03P184 # الشافعي بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ~~ينقادون إلى أمير. # فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا، وإذا ~~ولاهم البلاد. فلا يخرجوا ms1191 عليهم ولا يمتنعوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة. ~~ولذلك # قال «1» صلى الله عليه وسلم: «من أطاع أميري فقد أطاعني» . # متفق عليه. وفي البخاري «2» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في ~~عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سرية. # قال ابن كثير: وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذي: حديث ~~حسن غريب. ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. # وروى الطبري «3» عن السدي أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد ~~ابن الوليد. وكان خالد أميرا. فأجار عمار رجلا بغير أمره. فتخاصما وارتفعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على ~~أمير. PageV03P185 # قال ابن كثير: وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا. ورواه ~~ابن مردويه عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس. فذكره بنحوه. # ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب ~~النزول. # فتذكر. # وقال الزمخشري: المراد بأولي الأمر منكم، أمراء الحق. لأن أمراء الجور، ~~الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، ~~وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل ~~واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما. كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم ~~بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي ~~عليكم. # وفي الصحيحين «1» عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنما الطاعة في المعروف» . # وروى الإمام أحمد «2» عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا طاعة في معصية الله» . ### | لطيفة: # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : النكتة في إعادة العامل في الرسول دون ~~أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى- كون الذي يعرف به ما ~~يقع به التكليف هما القرآن والسنة. فكان التقدير: وأطيعوا الله فيما قضى ~~عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن ms1192 وما ينصه عليكم من ~~السنة. # والمعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته. وأطيعوا ~~الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن. # ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية. لما قال له: # أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: وأولي الأمر منكم؟ فقال له: أليس قد ~~نزعت PageV03P186 # عنكم، يعني الطاعة، إذا خالفتم الحق بقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله؟ # قال الطيبي: أعاد الفعل في قوله وأطيعوا الرسول إشارة إلى استقلال الرسول ~~بالطاعة. ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ~~ثم بين ذلك بقوله: فإن تنازعتم في شيء. كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا ~~تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. انتهى. ### | تنبيه: # يشمل عموم وقوله وأولي الأمر العلماء. كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس أنه يعني أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو ~~العالية. وهذا ليس قولا ثانيا في الآية بل هو مما يشمله لفظها. فهي عامة في ~~أولي الأمر من الأمراء والعلماء وإن نزلت على سبب خاص. وقد كثرت الأوامر ~~بطاعة العلماء كالأمراء. قال تعالى: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت [المائدة: 63] . وقال تعالى: فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون [النحل: 43] ، وقال تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء: 83] . # وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال «1» : «من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى ~~الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني» . # وروى أبو داود «2» عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية. ~~فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . # وروى البخاري «3» عن أنس بن مالك ms1193 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه ~~زبيبة» # . والأحاديث في هذا كثيرة. PageV03P187 # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في الإسلام) ~~: # وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من ~~المؤمنين. # وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه ~~أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام. فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء ~~والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس. كما قال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه «1» (للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر) ~~قال: ما استقامت لكم أئمتكم. # ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من أولي ~~الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهي عما نهى عنه. ~~وعلى كل واحد ممن له عليه طاعة أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية ~~الله. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، ~~فقال في خطبته: أيها الناس! القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، ~~والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق. أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت ~~الله فلا طاعة لي عليكم فإن تنازعتم أي اختلفتم أنتم وأولو الأمر في شيء من ~~الأحكام فردوه إلى الله أي فارجعوا فيه إلى كتابه والرسول بالسؤال منه في ~~زمانه صلى الله عليه وسلم والرجوع إلى سننه بعده لا إلى ما تهوون ولا إلى ~~ما يهواه الحكام إن كنتم تؤمنون بالله الواضع لشرائع العدل واليوم الآخر ~~الذي يجازى فيه الموافق والمخالف لتلك الشرائع ذلك أي الرد إلى كتاب الله ~~وسنة الرسول، والرجوع إليهما فصل النزاع خير أي لكم ولحكامكم وأصلح وأحسن ~~تأويلا أي عاقبة ومآلا، كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. ~~وهو قريب. PageV03P188 # قال الحافظ ابن كثير: هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء ms1194 تنازع فيه الناس ~~من أصول الدين وفروعه، أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة. كما قال ~~تعالى: # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله [الشورى: 10] . فما حكم به الكتاب ~~والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال ~~تعالى: # إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب ~~الله وسنة رسوله. فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر، فدل على أن من لم يتحاكم، في محل النزاع، إلى الكتاب والسنة، ~~ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. انتهى. ### | تنبيهات # الأول- قال البيضاوي: إن قوله تعالى: فإن تنازعتم، يؤيد أن المراد بأولي ~~الأمر الأمراء لا العلماء. قال: إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه ~~بخلاف المرؤوس. ثم قال: إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر، على طريقة ~~الالتفات. وتابعه أبو السعود. # قال الخفاجي: وجه التأييد أن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور ~~وليس لهم منازعة العلماء. إذ المراد بهم المجتهدون. والناس ممن سواهم لا ~~ينازعونهم في أحكامهم. والمراد بالمرؤوس (على وزن المفعول) العامة التابعة ~~للرائس والرئيس. فإذا كان الخطاب في (تنازعتم) لأولي الأمر على الالتفات صح ~~إرادة العلماء. لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة. فيكون ~~المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. انتهى. وفي وقوله: (إذ ليس للمقلد ~~إلخ) ما ستراه. # الثاني- فيهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، ~~تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) ~~في: ### | فصل # في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان. # قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما ~~يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم # PageV03P189 # يكن هناك طاعة تختص بهم. قال: وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء. ~~وقيل: # هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول ~~الطائفتين. ms1195 # وطاعتهم من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن خفي على المقلدين أنهم ~~يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ~~فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإيثار التقليد عليها؟ ثم قال ابن القيم: إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم ~~وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه: أحدها- الأمر بطاعة الله التي هي ~~امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني- طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا ~~يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما ~~من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم البتة. الثالث- أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ ~~بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من ~~الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم. # وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد. وإن لم تكن واجبة ~~الاستدلال. الرابع- أنه سبحانه وتعالى، قال في الآية نفسها: فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وهذا صريح ~~في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن ~~قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؟ # فإن كانت الطاعة فيما يخبرون به عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم، كانت الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لهم. قيل: هذا هو ~~الحق. وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال. ولهذا قرنها بطاعة الرسول. وأعاد ~~العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا. وليس ~~كذلك. بل طاعته واجبة استقلالا. كان، ما أمر به أو نهى عنه في القرآن، أو ~~لم يكن. انتهى. # وقال رحمه الله تعالى قبل ذلك: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر ~~الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم. ~~وسلكوا ضد طريق أهل العلم. ms1196 أما أمر الله تعالى، فإنه أمر أن يرد ما تنازع ~~فيه المسلمون إليه وإلى رسوله. # والمقلدون قالوا: إنما نرده إلى من قلدناه. وأما أمر رسوله فإنه صلى الله ~~عليه وسلم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، ~~وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ. وقال المقلدون: بل عند الاختلاف ~~نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه. وأما هدي الصحابة رضي الله ~~عنهم فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن # PageV03P190 # شخص واحد يقلد رجلا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا ~~يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا. وهذا من أعظم البدع وأقبح ~~الحوادث. وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه. ~~كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن ~~الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه الراشدين. فما وافق ~~ذلك منها قبلوه ودانوا الله تعالى به. وقبضوا به وأفتوا به. وما خالف ذلك ~~منها لم يلتفتوا إليه وردوه. وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد ~~التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع. من غير أن يلزموا بها ~~أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها. هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا. ~~وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين. فزيفوا كتاب الله ~~سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، وعرضوها ~~على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا: لنا وانقادوا له مذعنين. وما ~~خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا. ولم يقبلوه ولم ~~يدينوا به. واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن. وتطلبوا لها وجوه الحيل التي ~~يرونها. حتى إذا كانت موافقة لمذهبهم، وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها، ~~شنعوا على منازعهم وأنكروا عليهم ردها بمثل تلك الوجوه بعينها. وقالوا: لا ~~ترد النصوص بهذا. ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته، ونصر الحق الذي بعث به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين ms1197 كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا ~~المسلك الوخيم والخلق الذميم. انتهى. # الثالث- إن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله فردوه إلى الله والرسول ~~أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟ وأيضا، لم لا يجوز أن ~~يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟ قلنا: أما الأول ~~فمدفوع. وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين: منها ما ~~يكون حكمها منصوصا عليه. ومنها ما لا يكون كذلك. ثم أمر في القسم الأول ~~بالطاعة والانقياد. وأمر في القسم الثاني بالاجتهاد فيه، وهو الرد إلى الله ~~وإلى الرسول. ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت، لأن الواقعة ربما ~~كانت لا تحتمل ذلك. بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها، بنفي أو إثبات. ~~وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله، على السكوت عن تلك الواقعة. وأما ~~السؤال الثاني- فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل. فلا يكون رد ~~الواقعة إليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه. أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى ~~الأحكام المنصوص عليها، كان هذا ردا للواقعة على أحكام # PageV03P191 # الله تعالى. فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى: أفاده الرازي. # الرابع- استدل مثبتو القياس بقوله تعالى فردوه إلى الله إلخ قالوا: معنى ~~الآية: فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردوا حكمه ~~إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له. وذلك هو القياس. قالوا: ولو ~~كان المراد من قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول طلب حكمه من نصوص الكتاب ~~والسنة- لكان داخلا تحت قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وهو إعادة لعين ~~ماضي (كذا) وهو غير جائز. وقد توسع الرازي في تقرير ذلك هاهنا، كما توسع في ~~أن قوله تعالى (وأولي الأمر) إشارة إلى الإجماع. فتكون الآية، بزعمه، دلت ~~على الأصول الأربع. # ولا يخفى ما في هذا التعمق من دقيق الاستنباط. # الخامس- قدمنا رواية البخاري في سبب نزول هذه الآية. وأن ابن عباس قال: # نزلت في عبد الله بن حذافة. # قال الداودي ms1198 (شارح الصحيح) : هذا وهم على ابن عباس. فإن عبد الله بن ~~حذافة خرج على جيش فغضب عليهم. فأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها. فامتنع ~~بعض وهم بعض أن يفعل. # قال: فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون ~~غيره؟ وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل ~~لهم: # لم لم تطيعوه؟ انتهى. # وأجاب الحافظ ابن حجر: أي المقصود في قصته قوله فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به. وسببه أن الذين هموا أن ~~يعطوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة. والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار ~~من النار. فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع. وهو ~~الرد إلى الله وإلى رسوله. أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه ~~فارجعوا إلى الكتاب والسنة. # والله أعلم. # ولما أوجب تعالى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ورسوله، آثرها بأن ~~المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما ~~يريدون حكم غيره، فقال: # PageV03P192 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 60] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يعني القرآن وما أنزل ~~من قبلك يعني التوراة. ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله، ~~لتأكيد العجيب من حالهم وتشديد التوبيخ والاستقباح، ببيان كمال المباينة ~~بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول، وبين ما صدر عنهم من مخالفة ~~الأمر المحتوم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الداعي إلى الطغيان بالحكم ~~على خلاف المنزل إليك والمنزل على من قبلك. وتقدم قريبا معاني الطاغوت. ~~والمراد به هاهنا ما سوى كتاب الله وسنة رسوله، من الباطل وقد أمروا في ~~جميع تلك الكتب أن يكفروا به أي يتبرؤوا منه. لأنه تحاكم على خلاف ما ms1199 أنزل ~~الله في كتبه فيعصونه ويطيعون الشيطان ويريد الشيطان أي من الجن والإنس أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا عن الحق والهدى. وقوله ويريد إلخ عطف على (يريدون) داخل ~~في حكم التعجيب. فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم وإعراضهم عمن يريد هدايتهم، ~~أعجب من كل عجيب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 61] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله أي: إلى حكم ما أنزل الله في ~~القرآن الذي تدعون الإيمان به وإلى الرسول أي: حكمه رأيت المنافقين يصدون ~~أي يمنعون خصومهم فيبعدونهم عنك صدودا بليغا ليتمكنوا مما يريدونه بالرشوة. # وقوله تعالى: وإذا قيل إلخ تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن ~~التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله، إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن ~~التحاكم إلى الطاغوت. وإظهار (المنافقين) في مقام الإضمار للتسجيل عليهم ~~بالنفاق. # وذمهم به. والإشعار بعلة الحكم. ### | تنبيه- في سبب نزولها # أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة # PageV03P193 # الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه. فتنافر إليه ناس من ~~المسلمين. # فأنزل الله ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا. إلى قوله- إلا إحسانا ~~وتوفيقا. # أقول: ثم أسلم أبو برزة وصحب النبي صلى الله عليه وسلم. واسمه نضلة بن ~~عبيد. # قال الحافظ ابن حجر في (التقريب) : صحابي مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح. ~~وغزا سبع غزوات. ثم نزل البصرة. وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على ~~الصحيح. انتهى. # وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال: كان الجلاس ~~بن الصامت ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدعون الإسلام. فدعاهم رجال ~~من قومهم من المسلمين، في خصومة كانت بينهم، إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. فدعوهم إلى الكهان، حكام الجاهلية. فأنزل الله فيهم ألم تر إلى الذين ~~يزعمون ... الآية. # وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من ms1200 المنافقين ~~خصومة. فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # لأنه قد علم أن لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا. واتفقا على أن يأتيا ~~كاهنا في جهينة. فنزلت. ولا تعارض. لما أسلفناه في المقدمة في بحث سبب ~~النزول. فتذكر. # قال أبو مسلم الأصفهاني: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل ~~الكتاب. مثل: إنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق. لأن قوله ~~تعالى يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك إنما يليق بمثل ~~هذا المنافق. انتهى. # أقول: ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها. على أن توصيفهم ~~بالإيمان ب (ما أنزل من قبل) لا يؤيد ما ذكره. لأن هذا كثيرا ما يذكر ~~تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له. كما لا يخفى على من سبر ~~قاعدة التنزيل في أمثاله. فاعرفه. ### | مباحث # الأول- قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله عز وجل على من يدعي ~~الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين. وهو مع ذلك، يريد ~~أن يتحاكم، في فصل الخصومات، إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. كما ذكر في سبب # PageV03P194 # نزول هذه الآية. ثم ساق ما قدمناه وقال: الآية أعم من ذلك كله. فإنها ~~ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل. وهو ~~المراد ب (الطاغوت) هاهنا، وأعرضوا كالمستكبرين كما قال تعالى عن المشركين ~~وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~[البقرة: 170] ، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ... ~~[النور: 51] ، الآية. # الثاني- قال القاضي: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. # وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر. ويدل عليه وجوه: الأول- ~~أنه تعالى قال يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به فجعل ~~التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإيمان ms1201 بالطاغوت كفر ~~بالله. كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله. الثاني- قوله تعالى: فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... إلى قوله: ويسلموا تسليما ~~[النساء: 65] ، وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # الثالث- قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم [النور: 63] ، وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. # وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة ~~التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة ~~وقتلهم وسبي ذراريهم. نقله الرازي. # الرابع- قال بعض المفسرين: في هذه الآية وجوب الرضا بقضاء الله سبحانه. # والرضا بما شرعه. وتدل على أنه لا يجوز التحاكم إلى غير شريعة الإسلام. # قال الحاكم: وتدل على أن من لم يرض بحكمه كفر. وما ورد من فعل عمر وقتله ~~المنافق يدل على أن دمه هدر. لا قصاص فيه ولا دية. # وهاهنا فرع. وهو أن يقال: إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم ~~المسلمين وأبى الثاني. وطلب المحاكمة إلى حاكم الملاحدة. فإنه يكفر. لأن في ~~ذلك رضا بشعار الكفرة. انتهى. # الخامس- في قوله تعالى: يريدون أن يتحاكموا دقيقة بديعة. قال أبو السعود: ~~الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم، دون # PageV03P195 # نفسه، مع وقوعه أيضا- للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب ولا ~~ينبغي أن يدخل تحت الوقوع، فما ظنك بنفسه؟ # السادس- قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنهم كانوا ظالمين. وعلموا أنه لا يأخذ الرشا. وأنه لا يحكم إلا بمر ~~الحكم. وقيل: كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 62] # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم متصل بما ms1202 قبله، مبين غائلة ~~جناياتهم المحكية ووخامة عاقبتها. أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير ~~إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت ~~والكراهة لحكمك، واحتاجوا إليك في ذلك ثم جاؤك للاعتذار عما صنعوا من ~~القبائح يحلفون بالله كذبا إن أردنا أي ما أردنا بذلك التحاكم إلا إحسانا ~~أي فصلا بالوجه الحسن وتوفيقا بالصلح بين الخصمين. ولم نرد مخالفة لك ولا ~~تسخطا لحكمك. فلا تؤاخذنا بما فعلنا. وهذا وعيد لهم على ما فعلوا. وأنهم ~~سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار. # قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله تعالى أصابتهم مصيبة وجوها: الأول- إن ~~المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام. # فهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ~~ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة. وهذا اختيار الزجاج. # قلت: واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. ~~فهي ساقطة عند المحققين. واستدلال الحاكم، الذي قدمناه، مسلم. لو صحت. ~~الثاني- قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى ~~الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات. وأنه يخصهم ~~بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته. وهو قوله تعالى: لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا [الأحزاب: 60- ~~61] وقوله فقل لن # PageV03P196 # تخرجوا معي أبدا # [التوبة: 83] وبالجملة، فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم. فكانت ~~معدودة في مصائبهم. وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم. # الثالث- قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم ~~رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا له الإيمان به، وإلى أن ~~يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق. قال: ومن عادة العرب عند التبشير ~~والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا؟ ms1203 ومثاله. قوله تعالى فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد [النساء: 41] ، وقوله فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ~~ريب فيه [آل عمران: 25] . # ثم أمره تعالى، إذا كان منهم ذلك، أن يعرض عنهم ويعظهم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 63] # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) # أولئك إشارة إلى المنافقين الذين يعلم الله ما في قلوبهم من النفاق ~~والميل إلى الباطل وإن أظهروا إسلامهم وعذرهم بحلفهم فأعرض عنهم أي لا ~~تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا تزد على كفهم، بالموعظة والنصيحة عما هم ~~عليه وعظهم أي ازجرهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا أي مؤثرا وأصلا إلى كنه المراد. فإن قيل: بم تعلق قوله ~~تعالى في أنفسهم؟ فالجواب: بقوله بليغا على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة ~~على الموصوف. أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به ~~اغتماما. # ويستشعرون منه الخوف استشعارا. وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم ~~النفاق وأطلع قرنه. وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق، معلوم عند ~~الله. # وإنه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان ~~وإسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. ~~أو يتعلق بقوله قل لهم أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية ~~على النفاق، قولا بليغا. وإن الله يعلم ما في قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا ~~يغني عنكم إبطانه فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. ~~وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك، من انتقامه، وشرا من ذلك ~~وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارا لهم ~~بالنصيحة، لأنها في السر أنجع وفي الإمحاض # PageV03P197 # أدخل قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم. كذا يستفاد من الكشاف. # قال الناصر في (الانتصاف) ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة. أما ~~الأول. فلأن حاصله أمره بتهديدهم على ms1204 وجه مبلغ صميم قلوبهم. وسياق التهديد ~~في قوله فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يشهد له. فإنه ~~أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد. وأما الثاني- فيلائمه من السياق قوله: ~~أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر ~~والحيل. ثم أمره بوعظهم والإعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها ~~مانعة من نصحهم ووعظهم. ثم جاء قوله وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا كالشرح ~~للوعظ ولذكر أهم ما يعظهم فيه. وتلك نفوسهم التي علم الله ما انطوت عليه من ~~المذام. وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به. وأما الثالث- فيشهد له ~~سيرته عليه الصلاة والسلام في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم ~~والستر عليهم، حتى عد حذيفة رضي الله عنه، صاحب سره عليه الصلاة والسلام. ~~لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم وتسميتهم له بأسمائهم. وأخباره في هذا ~~المعنى كثيرة. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: وثمرة الآية قبح الرياء والنفاق واليمين الكاذبة ~~والعذر الكاذب. لأنهم اعتذروا بإرادتهم الإحسان. وذلك كذب. ثم قال: ودلت ~~الآية على لزوم الوعظ والمبالغة فيه. انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 64] # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله كلام مبتدأ. جيء به تمهيدا لبيان ~~خطئهم في ترك طاعة الرسول، والاشتغال بسر جنايتهم بالاعتذار بالأباطيل وعدم ~~تلافيها بالتوبة. أي: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع فيما حكم، لا ليطلب الحكم ~~من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر. # وقوله بإذن الله أي: بسبب إذنه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن ~~يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله. فطاعته طاعة الله. ومعصيته معصية الله ~~من # PageV03P198 # يطع الرسول فقد أطاع الله # ويجوز أن يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب، على ms1205 عذاب النفاق، بترك ~~طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت جاؤك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا ~~فاستغفروا الله من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم واستغفر لهم الرسول أي ~~دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم لوجدوا الله توابا ~~أي قابلا لتوبتهم رحيما أي متفضلا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، ~~تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على ~~أن شفاعة من اسمه الرسول، من الله بمكان. قال في (الانتصاف) : وفي هذا ~~النوع من الالتفات خصوصية. وهي اشتماله على ذكر صفة مناسبة لما أضيف إليه. ~~وذلك زائد على الالتفات بذكر الأعلام الجامدة. ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقا. وأما ~~الظاهر فظاهر الآية قبولها. لأنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم مستغفرا لهم ~~وشافعا. وعن الراضي بالله في (الباطنية) : إن أظهروا شبههم وما يعتادون ~~كتمه، دل ذلك على صدق توبتهم. # فيقبل وإلا فلا. ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت ~~توبته لقوله تعالى: توابا وذلك ينبئ عن التكرار. كذا في بعض التفاسير. # الثاني- قال الرازي: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على ~~وجه صحيح، لكانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى ~~استغفارهم: # قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول- أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة ~~لحكم الله. وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن كان ذنبه ~~كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن ~~يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني- إن القوم لما لم يرضوا بحكم ~~الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ~~ذلك التمرد. وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا ~~منه الاستغفار. # الثالث- لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها ~~استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. انتهى. # PageV03P199 # أقول: وثمة وجه رابع- وهو التنويه ms1206 بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ~~طاعته طاعته تعالى، فرضاه رضاه وسخطه سخطه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 65] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) # فلا وربك لا يؤمنون في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر حتى يحكموك ~~يجعلوك حاكما ويترافعوا إليك فيما شجر بينهم أي فيما اختلف بينهم من الأمور ~~والتبس ثم لا يجدوا في أنفسهم في قلوبهم حرجا أي ضيقا مما قضيت بينهم ~~ويسلموا أي: ينقادوا لأمر ويذعنوا لحكمك تسليما تأكيد للفعل. بمنزلة ~~تكريره. أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا ~~منازعة. كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه ~~تبعا لما جئت به. ### | تنبيهات: # الأول- # روى البخاري «1» عن الزهري عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال ~~الأنصاري: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: # اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. ثم أرسل الماء إلى جارك» ~~. # واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه ~~الأنصاري. وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. # قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم. # قال ابن كثير: هكذا رواه البخاري في (كتاب التفسير) في (صحيحه) من حديث ~~معمر. وفي كتاب (المساقاة) من حديث ابن جريج «2» ومعمر «3» أيضا. وفي ~~PageV03P200 # كتاب (الصلح) من حديث شعيب بن أبي حمزة «1» . ثلاثتهم عن الزهري عن عروة ~~فذكره. وصورته الإرسال وهو متصل في المعنى. # وقد رواه الإمام أحمد «2» من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال: حدثنا أبو ~~اليمان. أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث ~~أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار ms1207 قد شهد بدرا، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~في شراج الحرة. كان يستقيان بها كلاهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للزبير: # «اسق: ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله! أن كان ~~ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال للزبير: اسق يا ~~زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» . فاستوعى النبي صلى الله عليه ~~وسلم للزبير حقه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قبل ذلك، أشار على الزبير ~~برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري. فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم. # قال عروة: فقال الزبير: والله! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما. # (هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فإنه لم ~~يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله. فإن أبا محمد عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في (تفسيره) . فقال: حدثنا يونس بن عبد ~~الأعلى. حدثنا ابن وهب. أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير ~~حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلا ... ~~الحديث) . قال ابن كثير: # وهكذا رواه النسائي «3» من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من ~~حديث الليث به. وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وهكذا ~~ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. # وروى ابن أبي حاتم عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: نزلت ~~في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء. فقضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يسقى الأعلى ثم الأسفل. PageV03P201 # قال ابن كثير: هذا مرسل. لكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. انتهى. # قال الحافظ ابن حجر في ms1208 (فتح الباري) : وحكى الواحدي وشيخه الثعلبي ~~والمهدوي أنه حاطب بن أبي بلتعة. وتعقب بأن حاطبا، وإن كان بدريا، لكنه من ~~المهاجرين. لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد ~~العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ... الآية. قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن ~~أبي بلتعة. # اختصما في ماء ... الحديث. وإسناده قوي مع إرساله. فإن كان سعيد بن ~~المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولا. وعلى هذا فيؤول قوله (من الأنصار) ~~على إرادة المعنى الأعم. كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. ~~وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار- ففيه نظر. # وأما قوله (من بني أمية بن زيد) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر. ثم قال: # ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان ~~مجاورا للزبير. والله أعلم. # أقول: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة ~~وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى رأيت المنافقين. وفي صحة هذا عن ~~ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين. وقد انتفى النفاق ~~عمن شهدها. # قال التوربشتي: يحتمل أنه أصدر ذلك منه بادرة النفس. كما وقع لغيره ممن ~~صحت توبته. إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ~~ولو شاركهم في النسب. قال: بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، ~~وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى. # ولما هم عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة «1» ، قال حاطب: لا ~~PageV03P202 # تعجل علي يا رسول الله! والله! إني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا ~~بدلت. # فأقره صلى الله عليه وسلم، وكف عمر عنه. # وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: إنه قد شهد بدرا. وما يدريك، يا عمر؟ # لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ms1209 لكم. فذرفت ~~عينا عمر ... الحديث. # ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا ~~يغض من مقامه. وهكذا ليكن الأدب. وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب إبهام ~~التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة. فهو ينبوع المعارف والآداب على ~~مرور السنين والأحقاب. هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. ~~وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والراجح رواية الأكثر. وأن الزبير كان لا ~~يجزم بذلك. # ثم قال الحافظ ابن حجر: وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن ~~نزلت فيه الآية التي قبلها وهي قوله تعالى ألم تر إلخ فروى إسحاق بن راهويه ~~في (تفسيره) بإسناد صحيح عن الشعبي. قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من ~~المنافقين خصومة. فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لأنه ~~علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم. لأنه علم أنهم ~~يأخذونها. فأنزل الله هذه الآيات، إلى ... ويسلموا تسليما. # وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، نحوه. # وروى الطبري «1» بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا ~~برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب. # وروي «2» بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد أنه كعب بن الأشرف. انتهى. # وقال ابن كثير: ذكر سبب آخر غريب جدا. # قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس PageV03P203 # ابن عبد الأعلى قراءة. أخبرنا ابن وهب. أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي ~~الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما. ~~فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نعم. انطلقا إليه. فلما أتيا إليه، فقال الرجل: # يا ابن الخطاب! قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا ~~إلى عمر بن الخطاب فردنا إليك. فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما ~~حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ~~ردنا إلى عمر. فقتله. # وأدبر الآخر. ms1210 فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ~~قتل عمر، والله! صاحبي. # ولولا أني أعجزته لقتلني. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل ~~مؤمن. فأنزل الله فلا وربك لا يؤمنون ... الآية فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر ~~من قتله. فكره الله أن يسن ذلك بعد. فأنزل: لو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم الآية وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به # ، وهو أثر غريب مرسل. وابن لهيعة ضعيف. والله أعلم. # طريق أخرى: قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن ~~دحيم في (تفسيره) : حدثنا شعيب بن شعيب. حدثنا أبو المغيرة. حدثنا عتبة بن ~~حمزة. حدثني أبي. أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق ~~على المبطل. # فقال المقضي عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي ~~بكر الصديق. فذهبا إليه. فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقضى لي. # فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى ~~صاحبه أن يرضى. فقال: # نأتي عمر بن الخطاب. فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقضى لي عليه. فأبى أن يرضى. فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك. فدخل ~~عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله. فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى. ~~فقتله. فأنزل الله فلا وربك لا يؤمنون ... الآية انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : روى الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ~~ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي ~~خصومة. فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد. وقال المنافق: بل نأتي كعب بن ~~الأشرف. فذكر القصة. وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات ~~وتسمية عمر الفاروق. وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد. # PageV03P204 # ولا ms1211 يضره الاختلاف. لإمكان التعدد. وأفاد الواحدي بإسناد صحيح عن سعيد عن ~~قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في (تفسيره) وعزاه إلى أهل ~~التأويل في (تهذيبه) أن سبب نزولها هذه القصة. ليتسق نظام الآيات كلها في ~~سبب واحد. قال: ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك. # ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها ~~عموم الآية. والله أعلم. انتهى. # قال الرازي: اعلم أن قوله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون قسم من الله تعالى ~~على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط: أولها- قوله ~~تعالى حتى يحكموك فيما شجر بينهم وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا ~~يكون مؤمنا. الشرط الثاني- قوله ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت. ~~واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في ~~الظاهر دون القلب. فبين، في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في ~~القلب. # واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر. فليس المراد من الآية ~~ذلك. # بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول ~~هو الحق والصدق. الشرط الثالث- قوله ويسلموا تسليما. واعلم أن من عرف بقلبه ~~كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ~~ذلك القبول. فبين تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في ~~القلب، فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر. فقوله ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت المراد به الانقياد في الباطن. وقوله ويسلموا تسليما المراد ~~منه الانقياد في الظاهر. والله أعلم. # الثالث- قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس. ~~لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق. وأنه لا يجوز العدول ~~منه إلى غيره. ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء ~~من التكاليف. وذلك يوجب تقديم عموم القرآن ms1212 والخبر على حكم القياس. وقوله ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت مشعر بذلك. لأنه متى خطر بباله قياس يفضي ~~إلى نقيض مدلول النص، فهناك يحصل الحرج في النفس. فبين تعالى أنه لا يكمل ~~إيمانه، إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا. # وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف. # PageV03P205 # الرابع- (لا) في قوله تعالى فلا وربك قيل إنها رد لمقدر. أي: تفيد نفي ~~أمر سبق. والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك. ثم ~~استأنف القسم بقوله وربك لا يؤمنون حتى يحكموك وقيل: مزيدة لتأكيد النفي ~~الذي جاء فيما بعد أعني الجواب. لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان ~~أوكد وأحسن. وقيل: إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم. وارتضاه الزمخشري. قال: ~~كما زيدت في لئلا يعلم [الحديد: 29] ، لتأكيد وجوب العلم. قال في ~~(الانتصاف) يشير إلى أن (لا) لما زيدت مع القسم، وإن لم يكن المقسم به، دل ~~ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم. فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه ~~نفيا، تعين جعلها لتأكيد القسم، طردا للباب. أو الظاهر عنده، والله أعلم، ~~أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه. والزمخشري لم يذكر مانعا من ذلك. وحاصل ~~ما ذكره مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات. وذلك لا يأبى مجيئها في النفي ~~على الوجه الآخر من التوطئة. على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا. وذلك ~~أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل. مثل لا أقسم ~~بهذا البلد [البلد: 1] ، لا أقسم بيوم القيامة [القيامة: 1] ، فلا أقسم ~~بالخنس [التكوير: 15] ، فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة: 75] ، فلا أقسم ~~بما تبصرون وما لا تبصرون [الحاقة: 38- 39] ، ولم تدخل أيضا إلا على القسم ~~بغير الله تعالى. # ولذلك شر يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم. ويعين كونها للتوطئة: ~~وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به. إذ ~~لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له. فكأنه بدخولها يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء ~~بالقسم ms1213 بها، كلا إعظام. يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك. وهذا التأكيد ~~إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام ~~بها. فيزاح هذا الوهم بالتأكيد، في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي المذكور. ~~وقد قرر الزمخشري هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله (لا) عند قوله لا أقسم ~~بيوم القيامة على وجه مجمل، هذا بسطه وإيضاحه. فإذا بين ذلك، فهذا الوهم ~~الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله، مندفع في الإقسام بالله. فلا يحتاج ~~إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم. فيتعين حملها على الموطئة. ولا تكاد تجدها، في ~~غير الكتاب العزيز، داخلة على قسم مثبت. وأما دخولها في القسم، وجوابه نفي، ~~فكثير مثل: # فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # وكقوله: # PageV03P206 # ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني، فلا بك ما أبالي # وقوله: # رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما # وقوله: # فحالف فلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف # وهو أكثر من أن يحصى. فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل. انتهى. # الخامس- اعلم أن كل حديث صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن رواه ~~جامعو الصحاح، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما ~~تشمله هذه الآية. أعني قوله تعالى مما قضيت فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ~~ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرا وباطنا. وإلا بأن التمس مخارج لرده أو ~~تأويله، بخلاف ظاهره، لتمذهب تقلده وعصبية ربي عليها، كما هو شأن المقلدة ~~أعداء الحديث وأهله- فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية. ~~الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة. # قال الإمام الشافعي في الرسالة التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي: ~~أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا. فذهبت معه إلى عمر. ~~فسأل عن وليدة من ولائد الجاهلية. فقال: أما الفراش فلفلان. وأما النطفة ~~فلفلان. ms1214 فقال: # صدقت. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش. # قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن ~~خفاف قال: ابتعت غلاما فاستغللته. ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر ~~بن عبد العزيز. فقضى لي برده. وقضى علي برد غلته. فأتيت عروة فأخبرته فقال: ~~أرواح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى في مثل هذا، أن الخراج بالضمان. فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني ~~به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر بن عبد ~~العزيز: فما أيسر علي من قضاء قضيته، والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق- ~~فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج الذي ~~قضى به علي له. # PageV03P207 # قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: # قضى سعيد بن إبراهيم على رجل. بقضية، برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن. ~~فأخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به. فقال سعد لربيعة: ~~هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ~~ما قضيت به. فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك. فقال سعد: وا عجبا. أنفذ ~~قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! بل أرد قضاء ~~سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعى سعد بكتاب ~~القضية فشقه، فقضى للمقضي عليه. # قال الشافعي: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي. قال. حدثني ابن ~~أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم «1» ~~قال عام الفتح: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن ~~أحب فله القود» . # قال أبو حنيفة: فقلت لابن ms1215 أبي ذئب: أتأخذ بهذا، يا أبا الحارث؟ فضرب صدري ~~وصاح علي صياحا كثيرا، ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقول أتأخذ به؟ # نعم. آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه. إن الله تبارك وتعالى اختار ~~محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما ~~اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين داخرين. لا مخرج لمسلم ~~من ذلك. # وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. انتهى. # قال الإمام الفلاني في (إيقاظ الهمم) بعد نقل ما مر: تأمل فعل عمر بن ~~الخطاب وفعل عمر بن عبد العزيز وفعل سعد بن إبراهيم، يظهر لك أن المعروف ~~عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء ~~المسلمين، PageV03P208 # أن حكم الحاكم المجتهد، إذا خالف نص كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجب نقضه ومنع نفوذه. ولا يعارض نص الكتاب والسنة ~~بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية، بأن يقال: ~~لعل هذا المجتهد قد اطلع على هذا النص وتركه لعلة ظهرت له. أو أنه اطلع على ~~دليل آخر. ونحو هذا، مما لهج به فرق الفقهاء المتعصبين، وأطبق عليه جهلة ~~المقلدين فافهم. انتهى. # وقال ولي الدين التبريزي في (مشكاة المصابيح) في (الفصل الثالث عشر) من ~~(باب الجماعة وفضلها) : # وعن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه «1» قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم» . فقال ~~بلال: والله! لنمنعهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وتقول أنت: # لنمنعهن؟ (وفي رواية سالم عن أبيه) قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما ~~سمعت سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: ~~والله! لنمنعهن. رواه مسلم. # وعن مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم «2» قال: لا ~~يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد. فقال ابن لعبد الله بن عمر: ms1216 فإنا نمنعهن. ~~فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا؟ قال فما ~~كلمه عبد الله حتى مات. رواه الإمام أحمد. # وقال الطيبي شارح (المشكاة) : عجبت ممن سمي بالسني، إذا سمع من سنة رسول ~~الله وله رأي، رجح رأيه عليها. وأي فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع (لا ~~يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) ؟ وها هو ابن عمر، وهو من أكابر ~~الصحابة وفقهائها، كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة كبده لتلك الهنة، عبرة ~~لأولي الألباب. # وروى الإمام مسلم في «3» (صحيحه) في (كراهة الخذف) قبيل (كتاب الأضاحي) ، ~~عن سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن مغفل خذف. قال فنهاه وقال: ~~PageV03P209 # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وقال: إنها لا تصيد صيدا ~~ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين. فقال فعاد. فقال: أحدثك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم تخذف. لا أكلمك أبدا. # قال النووي: فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق. وأنه يجوز هجرانهم دائما. # فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هو في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا. وأما ~~هجر أهل البدع، فيجوز على الدوام. كما يدل عليه هذا مع نظائر له، لحديث كعب ~~بن مالك. # قال السيوطي: وقد ألفت مؤلفا سميته (الزجر بالهجر) لأني كثير الملازمة ~~لهذه السنة. # أقول: حديث الخذف ساقه الحافظ الدارمي «1» في (سننه) تحت باب (تعجيل ~~عقوبة من بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره) ~~ورواه من طرق متنوعة. وفي بعضها: أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينهى عن الخذف ثم تخذف؟ والله! لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا ~~أكلمك أبدا. وأسند الدارمي في هذا الباب عن قتادة عن ابن سيرين أنه حدث ~~رجلا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال رجل: قال فلان وفلان: كذا ~~وكذا! فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: قال ms1217 فلان ~~وفلان؟ لا أكلمك أبدا. # وأسند أيضا فيه عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب ~~يودعه بحج أو عمرة. فقال له: لا تبرح حتى تصلي. فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق. إلا رجل أخرجته ~~حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد. فقال: إن أصحابي بالحرة. قال فخرج. # قال فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. # وذكر الدارمي رضي الله عنه قبل هذا الباب (باب ما يتقى من تفسير حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم) وأسند ~~«2» عن معتمر عن أبيه عن ابن عباس أنه قال: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف ~~بكم أن تقولوا: قال رسول الله، وقال فلان. # قال الإمام شمس الدين بن القيم في (أعلام الموقعين) : ترى كثيرا من الناس ~~PageV03P210 # إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده، وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى ~~لا في قوله. فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده، والحديث يخالفه قال: ~~لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخه. وإلا كان قدحا في ~~عدالته. فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا. بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد. ~~وهذا من أقبح التناقض، والذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره، أن الحديث إذا ~~صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض ~~علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من ~~الناس كائنا من كان. لا راوية ولا غيره: إذ من الممكن أن ينسى الراوي ~~الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو ~~يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس ~~الأمر. أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما ~~خالفه لما هو أقوى منه. ms1218 ولو قدر انتقاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم ~~بانتقائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصوما. ولم توجب مخالفته، لما رواه، سقوط ~~عدالته. حتى تغلب سيئآته حسناته. وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. # وقال الفلاني رحمه الله تعالى في (الإيقاظ) قال عثمان بن عمر: جاء رجل ~~إلى مالك بن أنس فسأله عن مسألة فقال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كذا وكذا. فقال الرجل: # أرأيت؟ فقال مالك: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم قال مالك: لم تكن من فتيا الناس أن يقال لهم: لم قلت هذا؟ ~~كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها. # قال الجنيد رضي الله عنه: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (فتوى له) قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ~~أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله. ولم يوجب على هذه الأمة ~~طاعة أحد بعينه، في كل ما أمر به ونهى عنه، إلا رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ورضي عنه يقول: ~~أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. واتفقوا كلهم على ~~أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم ~~في كل ما يقولونه. وذلك هو الواجب. وقال أبو حنيفة: هذا رأيي. وهذا أحسن ما ~~رأيت. فمن # PageV03P211 # جاء برأي خير منه قبلناه. ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه، أبو يوسف بإمام ~~دار الهجرة، مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضراوات، ومسألة ~~الأحباس، فأخبره مالك رضي الله عنه بما دلت عليه السنة في ذلك. فقال: رجعت ~~لقولك يا أبا عبد الله. ولو رأى صاحبي ما ms1219 رأيت لرجع كما رجعت. # ومالك رحمه الله كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على ~~الكتاب والسنة. أو كلام هذا معناه. # والشافعي رحمه الله كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي ~~الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. # ثم قال ابن تيمية: وإذا قيل لهذا المستفني المسترشد: أنت أعلم أم الإمام ~~الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة. لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه ~~المسألة من هو نظيره من الأئمة. ولست من هذا ولا من هذا. ولكن نسبه هؤلاء ~~الأئمة إلي نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم ~~إلى الأئمة وغيرهم. # فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا ~~في شيء ردوه إلى الله وإلى رسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع ~~أخر. وكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود رضي ~~الله عنهما في مسألة تيمم الجنب. وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه وغيره، لما احتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر رضي الله عنه في دية ~~الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان، لما كان من السنة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: هذه وهذه سواء، وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس رضي ~~الله عنهما في المتعة. فقال له: قال أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: يوشك أن ~~ينزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما، لما سألوه عنها، ~~فأمر بها فعارضوه بقول عمر. فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه. فألحوا ~~عليه فقال لهم. أرسول الله أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس بأن أبا بكر ~~وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. ولو فتح هذا الباب لأوجب أن ~~يعرض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته. ~~وهذا ms1220 تبديل للدين وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله: اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [التوبة: 31] . والله سبحانه أعلم. ~~انتهى. # PageV03P212 # وقال الإمام ابن القيم في خطبة (زاد المعاد) : فالله سبحانه علق سعادة ~~الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته. ~~فلاتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد ~~وطيب العيش في الدنيا والآخرة. # ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا ~~والآخرة. # وقد أقسم صلى الله عليه وسلم «1» بأن لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحب إليه ~~من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم ~~يحكمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجا ~~مما حكم به، ثم يسلم له تسليما، وينقاد له انقيادا. وقال تعالى: وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~[الأحزاب: 36] . فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله. فليس ~~لمؤمن أن يختار شيئا بعد أمره صلى الله عليه وسلم. بل إذا أمر فأمره حتم. ~~وإنما الخيرة في قول غيره، إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به ~~وبسنته. فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع. فلا ~~يجب على أحد اتباع قول أحد سواه. بل غايته أنه يسوغ له اتباعه. ولو ترك ~~الأخذ بقول غيره، لم يكن عاصيا لله ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع ~~المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله. فلا ~~حكم لأحد معه. ولا قول لأحد معه. كما لا تشريع لأحد معه. وكل حي سواه، ~~فإنما يجب اتباعه على قوله، إذا أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه. فكان ~~مبلغا محضا ومخبرا، لا منشئا ومؤسسا. فمن أنشأ أقوالا وأسس قواعد، بحسب ~~فهمه وتأويله، لم يجب على الأمة اتباعها ولا ms1221 التحاكم إليها، حتى تعرض على ~~ما جاء به. فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قبلت حينئذ. وإن خالفته ~~وجب ردها واطراحها. وإن لم يتبين فيها أحد PageV03P213 # الأمرين، جعلت موقوفة. وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها. ~~وأما أنه يجب ويتعين، فكلا. انتهى. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 66] # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم. قال الرازي: اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين ~~وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق. والمعنى: إنا لو شددنا التكليف على ~~الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان، لصعب ذلك عليهم، ولما ~~فعله إلا الأقلون. # وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم. فلما لم نفعل ذلك، رحمة منا على عبادنا، بل ~~اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص، وليتركوا التمرد ~~والعناد، حتى ينالوا خير الدارين. انتهى. # ونقله فيما بعد عن ابن عباس. وعليه فمرجع الضمير في (عليهم) إلى ~~المنافقين. وثمة وجه آخر. وهو عوده إلى الناس كافة. ويكون المراد ب ~~(القليل) المؤمنين. وأما الضمير في قوله: ولو أنهم فعلوا فهو مختص ~~بالمنافقين. ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا. قرره الرازي. # روى ابن جريج بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت: ولو أنا كتبنا ~~عليهم ... الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن من أمتي لرجالا، الإيمان أثبت في ~~قلوبهم من الجبال الرواسي» . ورواه ابن أبي حاتم نحوه. # وأسند عن السدي قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود. فقال ~~اليهودي: والله! لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: ~~والله! لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا. فنزلت الآية. # وأسند أيضا عن عامر بن عبد الله ms1222 بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم. # وأسند أيضا عن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، ~~لكان هذا من أولئك القليل. # PageV03P214 ### | تنبيهات: # الأول- قال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار. وقيل: # أراد التعرض للقتل بالجهاد. وأراد الهجرة بالخروج من الديار. والمعنى: لو ~~أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه. انتهى. والقول الثاني بعيد. ~~لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة. ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في ~~الأول. # الثاني- الضمير في (فعلوه) للمكتوب الشامل للقتل والخروج. لدلالة (كتبنا) ~~عليه. أو هو عائد على أحد مصدري الفعلين. قال الخفاجي: وللعطف ب (أو) لزم ~~توحيد الضمير. انتهى. # أقول: ذكر الشيخ خالد في (التصريح) أن إفراد الضمير في العطف ب (أو) رأي ~~البصريين. والتثنية رأي الكوفيين. فأفاد جواز الوجهين. قال محشيه العلامة ~~يس: الذي نص عليه ابن مالك أن (أو) التي للشك والإبهام يفرد بعدها الضمير. # والتي للتنويع يطابق. نحو قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما [النساء: 135] . ونص على ذلك ابن هشام في (المغني) في (بحث الجملة ~~المعترضة) فقال (في قوله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) : # الظاهر أن الجواب: فالله أولى بهما. ولا يرد ذلك تثنية للضمير كما قد ~~توهموا. لأن (أو) هنا للتنويع. حكمها حكم (الواو) في وجوب المطابقة. نص ~~عليه الأبدي. # وهو الحق. انتهى. وبه يعلم أن ما اشتهر من أنه إذا ذكر متعاطفان ب (أو) ~~فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما- ليس على عمومه. # الثالث- قرأ ابن عامر (قليلا) بالنصب على الاستثناء. والباقون بالرفع ~~بدلا من الضمير المرفوع ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به أي: من متابعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يحكم به ظاهرا وباطنا. وسميت ~~أوامر الله ونواهيه مواعظ، لاقترانها بالوعد والوعيد لكان أي: فعلهم ذلك ~~خيرا ms1223 لهم في عاجلهم وأشد تثبيتا أي لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 67] # وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) # وإذا لآتيناهم من لدنا أي: من عندنا أجرا أي ثوابا عظيما يعني الجنة. # PageV03P215 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 68] # ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # ولهديناهم صراطا مستقيما أي لثبتناهم في الدنيا على دين قويم نرتضيه، وهو ~~الإسلام. ثم بين تعالى فضل الطاعة وأن ثمرتها مرافقة أقرب عباد الله إلى ~~الله وأرفعهم درجات عنده. فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 69] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ولم يذكر المنعم ~~به إشعارا بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه من النبيين الذين أنبأهم الله ~~أكمل الاعتقادات والأحكام. وأمرهم بإنبائها الخلق، كلا بمقدار استعداده ~~والصديقين (جمع صديق) وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه ~~بالمراقبة. أو الذي يصدق قوله بفعله. كذا في (المدارك) . # قال الرازي: للمفسرين (في الصديق) وجوه: الأول- أن كل من صدق بكل الدين ~~لا يتخالجه فيه شك فهو صديق. والدليل عليه قوله تعالى: والذين آمنوا بالله ~~ورسله أولئك هم الصديقون [الحديد: 19] . الثاني- قال قوم: الصديقون أفاضل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث- أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق ~~الرسول عليه الصلاة والسلام. # فصار في ذلك قدوة لسائر الناس. وإذا كان الأمر كذلك، كان أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه أولى الخلق بهذا الوصف. ثم جود الرازي الكلام في سبقه رضي ~~الله عنه إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك. فانظره. والشهداء ~~الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى والصالحين الذين صلحت أحوالهم وحسنت ~~أعمالهم وحسن أولئك إشارة إلى النبيين والصديقين وما بعدهما رفيقا يعني في ~~الجنة. والرفيق الصاحب. سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته. وإنما وحد (الرفيق) ~~وهو صفة الجمع، لأن العرب تعبر به عن الواحد والجمع. كالصديق والخليط. ~~والجملة تذييل مقرر لما ms1224 قبله، مؤكد للترغيب والتشويق. # PageV03P216 # قال الزمخشري: فيه معنى التعجب. كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! ~~ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ (وحسن) بسكون السين. ### | تنبيهات # الأول- قال الرازي: ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع ~~النبيين والصديقين ... إلخ- كون الكل في درجة واحدة. لأن هذا يقتضي التسوية ~~في الدرجة بين الفاضل والمفضول. وأنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة ~~بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان. لأن الحجاب إذا ~~زال شاهد بعضهم بعضا. وإذا أرادوا الزيارة قدروا عليه. فهذا هو المراد من ~~هذه المعية. # الثاني- دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا ~~الوصف، وهو كون الإنسان صديقا. ولذا أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم ~~يجعل بينهما واسطة. # كما قال تعالى في وصف إسماعيل: إنه كان صادق الوعد [مريم: 54] . # وفي صفة إدريس: إنه كان صديقا نبيا [مريم: 56] . وقال في هذه الآية: من ~~النبيين والصديقين. يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة. وإن ~~نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية. ولا متوسط بينهما. وقال في آية أخرى: ~~والذي جاء بالصدق وصدق به [الزمر: 33] . فلم يجعل بينهما واسطة. وكما دلت ~~هذه الدلائل على نفي الواسطة، فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير ~~أمة، حتى جعلوا الإمام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر، على سبيل ~~الإجماع. ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه ~~الآية. فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها. أفاده ~~الرازي. # الثالث- # روى الطبري في سبب نزولها عن سعيد بن جبير قال: جاء» # رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون. فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان! مالي أراك محزونا! فقال: يا نبي الله! ~~شيء فكرت فيه. فقال: ما هو! قال نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ~~ونجالسك. غدا ترفع مع ms1225 النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية: ومن يطع الله والرسول إلخ. فبعث النبي ~~PageV03P217 # صلى الله عليه وسلم فبشره. # وقد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن ~~الربيع بن أنس. وهو من أحسنها سندا: قال الطبري «1» : حدثني المثنى قال: # حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال (في هذه ~~الآية) : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم له فضله على من آمن به في درجات الجنة. ممن اتبعه وصدقه. ~~فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ # فأنزل الله في ذلك هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل. منهم فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم ~~الله عليهم ويثنون عليه. وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون ~~وما يدعون به. فهم في روضة يحبرون، ويتنعمون فيه» . # ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا عن عائشة. قالت: جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من ~~أهلي وأحب إلي من ولدي. وإني لأكون في البيت فأذكرك. فما أصبر حتى آتيك، ~~فأنظر إليك. وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك، إذا دخلت الجنة، رفعت مع ~~النبيين. وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى نزلت عليه: ومن يطع الله ... الآية. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد ~~الله المقدسي في كتابه في (صفة الجنة) # بإسناد قال فيه: لا أرى به بأسا. # الرابع- روي في السنة في معنى هذه الآية أخبار وافرة. منها: # في صحيح مسلم «2» عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته بوضوء وحاجته فقال لي: سل: فقلت: أسألك ~~مرافقتك في الجنة فقال: أو غير ذلك؟ # قلت: هو ذاك. قال: ms1226 فأعني على نفسك بكثرة السجود # . ومنها # في مسند الإمام أحمد «3» عن عمرو بن مرة الجهني: قال: جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله. وصليت الخمس وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من مات على ذلك كان من النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا ~~(ونصب إصبعيه) ما لم يعق والديه. # قال ابن كثير: تفرد به أحمد. ومنها ما # رواه الإمام أحمد «4» أيضا عن سهل بن PageV03P218 # معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ألف ~~آية في سبيل الله تبارك وتعالى كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» # . إن شاء الله تعالى. ومنها ما # رواه الترمذي «1» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~التاجر الصديق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء. # قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت في الصحيح والمسانيد ~~وغيرهما # من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» ~~سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب. # قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. # وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحب ~~أبا بكر وعمر وأرجو أن يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم. # وعن أبي سعيد الخدري «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل ~~الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من ~~الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله! تلك ~~منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. # قال: بلى. والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» . أخرجاه ~~في الصحيحين من حديث الإمام مالك. واللفظ لمسلم # . وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 70] # ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) # ذلك ms1227 مبتدأ. إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة ~~PageV03P219 # المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. فالمشار إليه إما ~~جميع ما قبله أو ما يليه. الفضل صفة من الله خبره. أي: ذلك الفضل العظيم من ~~الله تعالى لا من غيره. أو الفضل خبر، ومن الله حال. والعامل فيه معنى ~~الإشارة. # أي: ذلك الثواب، لكمال درجته، كأنه هو الفضل. وإن ما سواه ليس بشيء ~~موجودا وكائنا من الله تعالى. لا أن أعمال المكلفين توجبه. # قال الناصر في (الانتصاف) : معتقدنا، معاشر أهل السنة، أن الطاعات ~~والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص، خلق الله تعالى وفعله. وإن قدرهم لا ~~تأثير لها في أعمالهم. بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم ~~عليها. # فالطاعة إذا من فضله. فله الفضل على كل حال. والمنة في الفاتحة والمآل. ~~وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة. # فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام «1» : «لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. ~~قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة» ~~. # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا. اللهم! اختم لنا باقتفاء السنة. ~~وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. انتهى كلام الناصر. # والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. وكفى بالله عليما بجزاء من ~~أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله. # قال الرازي: وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله. ~~لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل. ~~وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه. ثم أعاد ~~تعالى، بعد الترغيب في طاعته وطاعة رسوله، الأمر بالجهاد الذي تقدم، لأنه ~~أشق الطاعات وأعظم الأمور التي يحصل بها تقوية الدين، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 71] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم أي تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه ~~PageV03P220 # من أنفسكم. يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من ms1228 المخوف. كأنه جعل الحذر ~~آلته التي يقي بها نفسه. ويطلق الحذر على ما يحذر به ويصون. كالسلاح ~~والحزم. أي: # استعدوا للعدو. والحذر على هذا حقيقة. وعلى الأول من الكناية والتخييل. ~~بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية. قال في (الإكليل) : فيه الأمر باتخاذ ~~السلاح. وأنه لا ينافي التوكل. قال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب ~~الجهاد وعلى استعمال الحذر، وهو الحزم، من العدو، وترك التفريط. وكذلك ما ~~يحذرونه وهو استعمال السلاح على أحد التفسيرين. فتكون الرياضة بالمسابقة ~~والرهان في الخيل، من أعمال الجهاد فانفروا أي اخرجوا إلى الجهاد ثبات جمع ~~(ثبة) بمعنى الجماعة. كما في القاموس. أي جماعات متفرقين، سرية بعد سرية، ~~وفرقة بعد فرقة إظهارا للجرأة أو انفروا جميعا أي مجتمعين كلكم كوكبة ~~واحدة. إيقاعا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر. قال ~~الحاكم: اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 72] # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا (72) # وإن منكم لمن ليبطئن أي: ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد والخروج مع الجماعة ~~لنفاق. أو معناه: ليثبطن غيره. كما كان المنافقون يثبطون غيرهم. وكان هذا ~~ديدن المنافق عبد الله بن أبي. وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. وقد روي عن ~~كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين. فإن ما حكي عنهم هو دأبهم. ~~وقيل: # الخطاب للمؤمنين وقوفا مع صدر الآية. فإن قال: يا أيها الذين آمنوا. ثم ~~قال: # وإن منكم. وقد قال تعالى في المنافقين: ما هم منكم. # قال الحاكم: والتقدير على القول الأول: وإن منكم، على زعمه، في الظاهر أو ~~في حكم الشرع فإن أصابتكم مصيبة كهزيمة، وشهادة، وغلب العدو لكم، لما لله ~~في ذلك من الحكمة قال أي: المبطئ فرحا بصنعه، ومعجبا برأيه قد أنعم الله ~~علي بالقعود إذ لم أكن معهم شهيدا أي حاضرا في المعركة. فيصيبني ما أصابهم. ~~يعد ذلك من نعم الله عليه. ولم يدر ما ms1229 فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة ~~إن قتل. # PageV03P221 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 73] # ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني ~~كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) # ولئن أصابكم فضل من الله كفتح، وغنيمة، ونصر، وظفر. ونسبة إصابة الفضل ~~إلى جنابه تعالى، دون إصابة المصيبة، من العادات الشريفة التنزيلية. كما في ~~قوله تعالى: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 80] . ليقولن ندامة على تثبطه ~~وقعوده، وتهالكا على حطام الدنيا، وتحسرا على فواته كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ~~فأصيب غنائم كثيرة، وحظا وافرا. وقوله تعالى: كأن لم. إلخ، اعتراض بين ~~الفعل وهو ليقولن ومفعوله وهو يا ليتني إلخ للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن ~~قولهم هذا قول من لم تتقدم له معكم موادة. لأن المنافقين كانوا يوادون ~~المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر. وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. # وفيه تعجيب أيضا من قولهم المذكور. قال بعض المفسرين: ثمرة ذلك تأكيد ~~وجوب الجهاد وتحريم التثبيط عنه. انتهى. # ولما ذم تعالى المبطئين عن الجهاد. رغب المؤمنين فيه بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 74] # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي: يبيعونها ~~بها. # وهم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها. ~~والمعنى: إن صد الذين في قلوبهم مرض، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في ~~طلب الآخرة. # ويقال: عني بالموصول المنافقين المبطئين. أي الذين يشترونها ويختارونها ~~على الآخرة. فيكون وعظا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد ومن يقاتل في سبيل ~~الله فيقتل أي يستشهد أو يغلب أي: يظفر على العدو فسوف نؤتيه نعطيه أجرا ~~عظيما ثوابا وافرا. # روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضمن ~~الله لمن خرج في سبيله. لا ms1230 يخرجه إلا جهادا في سبيلي. وإيمانا بي. وتصديقا ~~برسلي. فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه. ~~نائلا # PageV03P222 # ما نال من أجر أو غنيمة (لفظ مسلم) «1» . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 75] # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله خطاب للمأمورين بالقتال، على طريقة ~~الالتفات، مبالغة في التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه. وقوله تعالى ~~والمستضعفين مجرور، عطفا على اسم الله. أي: في سبيل المستضعفين الذين هم ~~كأنفسكم. وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو. أو على السبيل، بحذف ~~المضاف. أي في خلاص المستضعفين. أو منصوب على الاختصاص. يعني: وأختص من ~~سبيل الله خلاص المستضعفين. لأن سبيل الله عام في كل خير. وخلاص المستضعفين ~~من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. # قال في (الانتصاف) : وفي النصب مبالغة في الحث على خلاصهم من جهتين: ~~إحداهما- التخصيص بعد التعميم. فإنه يقتضي إضمار الناصب الذي هو أختص. ~~ولولا النصب لكان التخصيص معلوما من إفراده بالذكر. ولكن أكد هذا المعلوم ~~بطريق اللزوم، بأن أخرجه إلى النطق. من الرجال والنساء والولدان بيان ~~للمستضعفين. أو حال منهم. وهم المسلمون الذين صدهم المشركون عن الهجرة. # فبقوا بمكة مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول «2» : اللهم! أنج الوليد ~~بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. كما ~~في الصحيح. PageV03P223 # وإنما ذكر (الولدان) معهم، تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة، وتنبيها ~~على تناهي ظلم المشركين. بحيث بلغ أذاهم الصبيان. وإيذانا بإجابة الدعاء ~~الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء الذين يقولون من إيذاء أهل مكة وإذلالهم ~~إياهم، متبرئين من المقام بها ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها أي: ~~بالشرك الذي هو ظلم عظيم. وبأذية المسلمين. وهي مكة. و (الظالم) صفتها. ~~وتذكيره لتذكير ما ms1231 أسند إليه. فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من ~~هو له، كان كالفعل في التذكير والتأنيث، بحسب ما عمل فيه. قاله أبو السعود. ~~واجعل لنا من لدنك وليا أي: سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا واجعل ~~لنا من لدنك نصيرا ناصرا يدفع عنا أذيات أعدائنا. أو المعنى: واجعل لنا من ~~لدنك ولاية ونصرة. أي: لتكن أنت ولينا وناصرنا. وقد استجاب الله عز وجل ~~دعاءهم حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة. وجعل لمن بقي منهم خير ولي وأعز ~~ناصر. ففتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم. فتولاهم أي تول، ونصرهم أية ~~نصرة، حتى صاروا أعز أهلها. # وروى البخاري «1» بالسند إلى ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # وبه إليه قال «2» : كانت أمي ممن عذر الله. # قال الرازي: معنى الآية: لا عذر لكم في ترك المقاتلة. وقد بلغ حال ~~المستضعفين من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف. فهذا حث شديد على القتال، ~~وبيان العلة التي صار لها القتال واجبا. وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء ~~المؤمنين من أيدي الكفرة. لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير. ~~انتهى. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد. لأنه تعالى وبخ على ~~تركه. وتدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار. ويأتي مثل هذا ~~استنقاذه من كل مضرة، من ظالم أو لص وغير ذلك. ووجه مأخذ ذلك، أنه تعالى ~~جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه. وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء، لأن ~~الظاهر أنه أراد الصغار. PageV03P224 # قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء، الأحرار والحرائر. ~~وبالولدان، العبيد والإماء. لأن العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة. ~~وقيل (للولدان والولائد) : الولدان. لتغليب الذكور على الإناث. كما يقال: ~~الآباء والإخوة. وتدل الآية على أن للداعي حقا عند الله. لأنه جعل ذلك ~~اختصاصا لنصرته. وتدل على لزوم الهجرة من ديار الكفر. وأن المؤمن لا يذل ~~نفسه بجعله مستضعفا. لأنه تعالى أوجب المقاتلة لزوال الغلبة عليهم. وفي ~~الآيات ms1232 هذه تأكيدات متتابعة على لزوم الجهاد. ### | لطيفة: # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة. وهي أن ~~كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز. كقوله: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة- إلى قوله- فكفرت بأنعم الله ~~[النحل: 112] . وقوله: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها [القصص: 58] . # وأما هذه القرية (في سورة النساء) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة. ~~لأن المراد بها مكة. فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله ~~تعالى. ثم شجع تعالى المؤمنين ورغبهم في الجهاد بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 76] # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله يعني في طاعته لإعلاء كلمته. فهو وليهم ~~وناصرهم والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت في طاعة الشيطان الآمر بغاية ~~الطغيان. كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم فقاتلوا أولياء ~~الشيطان أي: جنده. قال أبو السعود: وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك ~~نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى ~~لما أن قتالهم في سبيله. وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية ~~عزائمهم عليه. فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة. كما أن ولاية ~~الشيطان مثل في الذلة والضعف. كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فقاتلوا، يا ~~أولياء الله! أولياء الشيطان. ثم صرح في التعليل فقيل إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا أي: في حد ذاته. فكيف بالقياس إلى # PageV03P225 # قدرة الله تعالى. ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى، إيذانا بظهورها. ~~قالوا: فائدة إدخال (كان) في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان، ~~كان كذلك. # فالمعنى: إن كيد الشيطان منذ كان، كان موصوفا بالضعف. انتهى. (والكيد) : # السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه. يقال: كاده يكيده، إذا سعى ~~في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. أفاده الرازي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية ms1233 # 77] # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # ألم تر إلى الذين قيل لهم وهم المؤمنون عند استئذانهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القتال، قبل أن يؤمروا به كفوا أيديكم أي: عن القتال. فإنكم ~~لم تؤمروا به وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي: أتموا الصلوات الخمس بوضوئها ~~وركوعها وسجودها، وما يجب فيها من مواقيتها. وأعطوا زكاة أموالكم فلما كتب ~~أي فرض عليهم القتال أي الجهاد في سبيل الله حين قوي حالهم إذا فريق منهم ~~أي طائفة منهم وهم المنافقون. وإدخالهم مع المؤمنين لما كانوا يظهرونه من ~~أنفسهم أنهم منهم يخشون الناس أي: يخافون أهل مكة الكفار أن يقتلوهم كخشية ~~الله أي كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه أو أشد خشية أي: أكثر خوفا منه. # فإن قيل: ظاهر قوله أو أشد خشية يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. ~~(أجيب) بأن (أو) إما بمعنى (بل) أو هي للتنويع على أن معنى: أن خشية بعضهم ~~كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها. أو للإبهام على السامع. بمعنى أنهم على ~~إحدى الصفتين من المساواة والشدة. وهو قريب مما في قوله تعالى: # أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 147] ، يعني أن من يبصرهم ~~يقول: # إنهم مائة ألف أو يزيدون. ### | تنبيه: # حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من # PageV03P226 # الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى ~~شديدا. # فيشكون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم. # فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم. فإني لم أومر بقتالهم. ~~واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة. # ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، ~~فنزلت ms1234 الآية. # وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا ~~للمخلصين، من شاكلتهم. والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه: منها- ~~أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح ومنها- أن طلبهم للجهاد ~~وهم في مكة، مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية ~~البعد. ومنها- أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله ~~تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت- إلى قوله تعالى الآتي- فلا تتخذوا منهم ~~أولياء ... الآية. كما يظهر من التدبر الصادق. ومنها- أن هذا السياق اشتمل ~~على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم: يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى ~~تعالى عنهم أنهم قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال ولم يعهد هذا عن ~~المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق ~~فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو ~~فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! امض لما أراك الله. فنحن معك. ~~والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~هاهنا قاعدون [المائدة: 24] . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما ~~مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من ~~دونه حتى تبلغه. # ثم قال سعد بن معاذ: امض، يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك ~~بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد. ~~وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. ومنها- ~~أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك [النساء: 78] . ولا ms1235 شك أن هذا من كلام ~~المنافقين. ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله: فما لكم في المنافقين ~~فئتين. فزال اللبس وبرح الخفاء. # PageV03P227 # وما أشبه هذه الآيات بقوله تعالى في (سورة محمد) ويقول الذين آمنوا لولا ~~نزلت سورة. أي: تأمرنا بالجهاد، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ... إلى قوله تعالى: أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم [محمد: 20- 29] وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال أي الجهاد في سبيلك لولا أخرتنا إلى أجل قريب أي: هلا عافيتنا ~~وتركتنا حتى نموت بآجالنا قل أي: تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من ~~المتاع الفاني، وترغيبا فيما ينالونه بالجهاد من النعيم الباقي متاع الدنيا ~~أي ما يتمتع وينتفع به في الدنيا قليل سريع التقضي، وشيك الانصرام. وإن ~~أخرتم إلى ذلك الأجل والآخرة أي: ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط ~~بالجهاد خير أي: لكم من ذلك المتاع الفاني، لكثرته وعدم انقطاعه، وصفائه عن ~~الكدورات. # وإنما قيل لمن اتقى حثا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بموجب التكليف. # ولا تظلمون فتيلا عطف على مقدر. ينسحب عليه الكلام. أي: تجزون فيها ولا ~~تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم، التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال. # فلا ترغبوا عنه. (والفتيل) ما في شق النواة من الخيط. يضرب به المثل في ~~القلة والحقارة. وقرئ (يظلمون) بالياء، إعادة للضمير إلى ظاهر (من) . أفاده ~~أبو السعود. # روى ابن أبي حاتم قال: قرأ الحسن: قل متاع الدنيا قليل. قال: رحم الله ~~عبدا صحبها على حسب ذلك. وما الدنيا كلها، أولها وآخرها، إلا كرجل نام نومة ~~فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد: # ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب # فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها ... متاع قليل والزوال قريب # ثم بين تعالى أنه لا ينفعهم الفرار من الموت. لأنه لا خلاص لهم منه، ~~بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله ms1236 تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 78] # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) # أينما تكونوا أي: في أي مكان تكونوا عند الأجل يدرككم الموت أي: # PageV03P228 # الذي لأجله تكرهون القتال، زعما منكم أنه من مظانه. وتحبون القعود عنه، ~~على زعم أنه منجاة منه. أي: وإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه ~~يكون مستعقبا للسعادة الأبدية، كان أولى من أن لا يكون كذلك. ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى: قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا [الأحزاب: 16] . ولو كنتم في بروج أي حصون مشيدة أي: ~~مرفوعة مستحكمة. لا يصل إليها القاتل الإنساني. لكنها لا تمنع القاتل ~~الإلهي. كما قال زهير بن أبي سلمى: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم # وقد ذكر ابن جرير «1» وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد. والشاهد ~~منها هنا أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت. فاتخذ لها زوجها قصرا ~~منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك. فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف. ~~فأراها إياها فقالت: أهذه التي تحذرها علي؟ والله! لا يقتلها إلا أنا. ~~فأنزلوها من السقف. # فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها. فطار من سمها شيء فوقع بين ~~ظفرها ولحمها. واسودت رجلها. فكان في ذلك أجلها. فماتت. # ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد. خائفين من الموت، ~~غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلة لهم أشنع، بقوله سبحانه وإن ~~تصبهم حسنة كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها يقولوا هذه من عند الله ~~أي من قبله، لما علم فينا الخير وإن تصبهم سيئة كقحط وجدب، وغلاء السعر، ~~ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك يقولوا هذه من عندك ~~يعنون: من شؤمك. كما قال تعالى عن قوم فرعون: فإذا جاءتهم الحسنة ms1237 قالوا لنا ~~هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف: 131] . # وعن قوم صالح: قالوا اطيرنا بك وبمن معك [النمل: 47] . # قال أبو السعود: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ~~ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر، ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال. ~~إذ لا يجترءون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل قل كل من عند الله أي كل ~~واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقا وإيجادا، من غير أن يكون ~~لي مدخل في وقوع شيء PageV03P229 # منها بوجه من الوجوه كما تزعمون. بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا. ~~ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة. كما سيأتي بيانه. فهذا ~~الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردا على أسلافهم من قوله تعالى: ألا إنما ~~طائرهم عند الله، أي إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ~~ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره. حتى يسندوها إليه ويطيروا به فمال ~~هؤلاء القوم يعني المنافقين لا يكادون يفقهون حديثا أي قولا. والجملة ~~اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم. إذ ~~لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط. وأن النعمة ~~منه تعالى بطريق التفضل والإحسان. والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 79] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # ما أصابك من حسنة أي: نعمة فمن الله أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء وما ~~أصابك من سيئة أي: بلية فمن نفسك أي من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي ~~الموجبة لها. وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده ~~عقوبة، كقوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ~~[الشورى: 30] . # روى ابن عساكر عن البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا ms1238 بما قدمت أيديكم. وما يغفر ~~الله أكثر» . # روى الترمذي «1» عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها، إلا بذنب. وما يعفو الله عنه أكثر. ~~قال وقرأ: PageV03P230 # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير. ### | لطيفة: # الخطاب في أصابك عام لكل من يقف عليه. لا للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~كقوله: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته # ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا. وجوز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه ~~وسلم، كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله صلى الله عليه وسلم، بل لبيان ~~حال الكفرة بطريق التصوير. ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، ~~والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب. لا سيما بمثل ~~هذه الحكمة الأنيقة. قرره أبو السعود. # قال بعض المفسرين: وثمرة الآية رد التطير والتشاؤم. # وأرسلناك للناس رسولا بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم ومكانته عند ~~الله عز وجل. # بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه عليه الصلاة والسلام. بناء على جهلهم ~~بشأنه الجليل. وتعريف (الناس) للاستغراق. أفاده أبو السعود. أي: فمن أين ~~يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيا العموم إلى الخيرات؟ فأنت منشأ كل خير ~~ورحمة وكفى بالله شهيدا أي: على رسالتك وصدقك، بإظهار المعجزات على يديك. # أي: وإذا ثبتت رسالتك، فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 80] # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) # من يطع الرسول فقد أطاع الله لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغ لأمره ونهيه. # مرجع الطاعة وعدمها هو الله سبحانه وتعالى ومن تولى عن طاعته فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا أي كفيلا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها. ~~فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [الرعد: 40] . # ولما بين تعالى وجوب طاعة الرسول، تأثره بذكر معاملتهم معه. فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 81] # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ms1239 تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) # ويقولون أي: المنافقون، إذا أمرتهم بشيء، وهم عندك طاعة بالرفع. # PageV03P231 # أي: أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعة. كما يقول ~~المنقاد: # سمعا وطاعة، وسمع وطاعة. قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال ~~له: # كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه. كأنه قال: أمري وشأني حمد الله ~~وثناء عليه. ولو نصب (حمد الله) كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة ~~واستقرارها. فإذا برزوا أي خرجوا من عندك أي: من مجلسك بيت أي: # دبر ليلا طائفة منهم أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤهم غير الذي تقول ~~أي: خلاف ما قالت لك، من القبول وضمان الطاعة. لأنهم مصرون على الرد ~~والعصيان. وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه النفاق. ### | تنبيهان: # الأول- في (القاموس وشرحه) وبيت الأمر: عمله أو دبره ليلا. وقال الزجاج: # كل ما فكر فيه، أو خيض بليل، فقد بيت. ويقال: بيت بليل ودبر بليل بمعنى ~~واحد. # وفي الحديث: أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يبيت مالا ولا يقيله # . أي: إذا جاءه مال لا يمسكه إلى الليل ولا إلى القائلة. بل يعجل قسمته. ~~انتهى. # ونقل الرازي عن الزجاج أيضا: أن كل أمر تفكر فيه وتأمل في مصالحه ومفاسده ~~كثيرا، يقال فيه مبيت. وفي اشتقاقه وجهان: الأول- من البيتوتة لأن أصلح ~~الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل. فهناك تكون الخواطر أخلى، ~~والشواغل أقل. فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، ~~والغالب أنه يستقصي الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا. ~~الثاني- اشتقاقه من أبيات الشعر. لأن الشاعر يدبرها ويسويها. قال الأخفش: ~~العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه. فسموا المتفكر فيه، ~~المستقصى، مبيتا. تشبيها له ببيت الشعر. من حيث إنه يسوى ويدبر. # الثاني- تذكير الفعل. لأن تأنيث (طائفة) غير حقيقي. ولأنها في معنى الفوج ~~والفريق. وإسناده إلى طائفة منهم، لبيان أنهم المتصدون له بالذات. والباقون ~~أتباع لهم في ذلك. لا لأن الباقين ms1240 ثابتون على الطاعة. والله يكتب ما يبيتون ~~أي: # يثبته في صحائف أعمالهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الموكلين بالعباد ~~فيجازيهم عليه. # قال ابن كثير: والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما ~~يضمرونه ويسرونه فيما بينهم. وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وعصيانه. وإن # PageV03P232 # كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة. وسيجزيهم على ذلك. انتهى. # وجوز أن يكون المعنى: والله يكتبه في جملة ما يوحي إليك في كتابه، فيطلعك ~~على أسرارهم. فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. فالقصد لتهديدهم على الأول. ~~وتحذيرهم من النفاق لأن الله يظهره، على الثاني. فأعرض عنهم أي تجاف عنهم ~~ولا تعاقبهم وتوكل على الله أي ثق بالله في شأنهم. فإن الله يكفيك شرهم ~~وينتقم منهم وكفى بالله وكيلا كفيلا بالنصرة والدولة لك عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 82] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) # أفلا يتدبرون القرآن إنكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن وإعراضهم عن ~~التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان، ليعلموا كونه من عنده تعالى، بمشاهدة ~~ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم ~~المحكي على ما هو عليه. وأصل التدبر التأمل والنظر في أدبار الأمر وعواقبه ~~خاصة. ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو ~~سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه ولو كان أي القرآن من عند غير الله ~~تعالى كما يزعمون لوجدوا فيه اختلافا كثيرا بأن يكون بعض أخباره غير مطابق ~~للواقع. إذ لا علم بالأمور الغيبية، ماضية، كانت أو مستقبلة، لغيره سبحانه. ~~وحيث كانت كلها مطابقة للواقع، تعين كونه من عنده تعالى. قال الزجاج: ولولا ~~أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب، مما يسره المنافقون ~~وما يبيتونه، مختلفا: بعضه حق وبعضه باطل. لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. # وقال أبو بكر الأصم: إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على ~~أنواع ms1241 كثيرة من الكيد والمكر. وكان الله تعالى يطلع الرسول عليه الصلاة ~~والسلام على ذلك. ويخبره بها مفصلة. فقيل لهم إن ذلك، لو لم يحصل بإخبار ~~الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولوقع فيه الاختلاف. فلما لم يقع ذلك قط، ~~علم أنه بإعلامه تعالى. وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في ~~البلاغة، فمما لا يساعده السباق ولا السياق. أفاده أبو السعود. ### | تنبيه: # دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال. وعلى القول بفساد التقليد. لأنه # PageV03P233 # تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته. أفاده ~~الرازي. # وفي الآية، أيضا، الحث على تدبر القرآن ليعرف إعجازه من موافقته للعلوم ~~واشتماله على فوائد منها. وكمال حججه وبلاغته العليا. وموافقة أحكامه ~~للحكمة. # وأخباره الماضية لكتب الأولين، والمستقبلة للواقع. # قال الحافظ ابن حجر: من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما ~~جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا ~~التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنة ~~وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع ~~به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. انتهى. # وقد روى البخاري «1» في صحيحه تعليقا عن ابن عون (وهو عبد الله البصري، ~~من صغار التابعين) ، أنه قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن ~~يتعلموها ويسألوا عنها. والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه. ويدعوا ~~الناس إلا من خير. وفي رواية (فيتدبروه) بدل (يتفهموه) . # قال الكرماني: قال في القرآن: يتفهموه، وفي السنة: يتعلموها. لأن الغالب ~~أن المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه. فلهذا ~~أوصى بتفهم معناه وإدراك منطوقه. انتهى. وفي بقية الآية العذر للمصنفين ~~فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض. لأن السلامة عن ذلك من خصائص القرآن. ~~ثم ذكر تعالى عن المنافقين نوعا آخر من مفاسدهم. وهو إظهارهم أسرار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومبادرتهم بأخبار السرايا وإذاعتها، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله ms1242 تعالى: [سورة النساء (4) : آية 83] # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أي: مما يوجب أحدهما أذاعوا به ~~PageV03P234 # أي: أفشوه. فتعود إذاعتهم مفسدة من وجوه: الأول- أن هذه الإرجافات لا ~~تنفك عن الكذب الكثير. والثاني- أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن، زادوا ~~فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في ~~صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. لأن المنافقين كانوا يروون تلك الإرجافات ~~عن الرسول. وإن كان ذلك في جانب الخوف، تشوش الأمر بسببه على ضعفاء ~~المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا ~~للفتنة من هذا الوجه. والثالث- أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث ~~الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق مصلحة ~~المدينة. والرابع- أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. ~~فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن ~~للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم، أرجف المنافقون بذلك. فوصل الخبر ~~في أسرع مدة إلى الكفار. فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن ~~استيلائهم عليهم. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه، ~~وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين. فظهر من هذا أن ذلك الإرجاف كان ~~منشئا للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله تعالى تلك ~~الإذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه. أفاده الرازي. ولو ردوه أي ذلك الأمر ~~الذي جاءهم إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم وهم كبراء الصحابة البصراء في ~~الأمور رضي الله عنهم، أو الذين يؤمرون منهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه ~~أي: الأمر الذين يستنبطونه أي يستعلمونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون ~~منهم أي من الرسول وأولي الأمر. يعني لو أنهم قالوا: نسكت حتى نسمعه من جهة ~~الرسول ومن ذكر معه، ونعرف الحال فيه من جهتهم، ms1243 لعلموا صحته وأنه هل هو مما ~~يذاع أو لا؟ وإنما وضع الموصول موضع الضمير، يعني لم يقل (لعلموه) لزيادة ~~تقرير الغرض المسوق له الكلام. أو لذمهم أو للتنبيه على خطئهم في الفحص عن ~~استخراج وإظهار خفي ذلك الأمر. # قال الناصر في (الانتصاف) : في هذه الآية تأديب لكل من يحدث بكل ما يسمع. ~~وكفى به كذبا. وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر ~~العدو. وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو ~~غيره. انتهى. # وقد روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«كفى بالمرء كذبا # PageV03P235 # أن يحدث بكل ما يسمع» . # وعند أبي داود «1» والحاكم عنه: كفى بالمرء إثما. ورواه الحاكم أيضا عن ~~أبي أمامة. # هذا، ونقل الرازي وجها آخر في الموصول. وهو أن المعني به طائفة من أولي ~~الأمر. قال: والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر. وذلك لأن أولي ~~الأمر فريقان: # بعضهم من يكون مستنبطا وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله (منهم) يعني لعلمه ~~الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر. فإن قيل: إذا كان الذين ~~أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف ~~جعل أولي الأمر منهم في قوله وإلى أولي الأمر منهم؟ قلنا: إنما جعل أولي ~~الأمر منهم على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ~~ونظيره قوله تعالى: # وإن منكم لمن ليبطئن [النساء: 72] . وقوله: ما فعلوه إلا قليل منهم. # انتهى. # وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطي في (الإكليل) : قوله تعالى: ولو ردوه ~~... الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد. وقول المهايمي: فلو وجدوا ~~في القرآن ما يوهم الاختلاف، لوجب عليهم استفسار الرسول والعلماء الذين هم ~~أولو الأمر، ليعلمهم منهم المجتهدون في استنباط وجوه التوفيق. وقال بعض ~~الإمامية: ثمرة الآية أنه يجب كتم ما يضر إظهاره المسلمين. وأن إذاعته ~~قبيحة. وأنه لا يخبر ms1244 بما لم يعرف صحته. وتدل على تحريم الإرجاف على ~~المسلمين. وعلى أنه يلزم الرجوع إلى العلماء في الفتيا. وتدل على صحة ~~القياس والاجتهاد. لأنه استنباط. # انتهى. ### | تنبيه: # ما نقله الزمخشري وتبعه البيضاوي وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى ~~وإذا جاءهم عنى به طائفة من ضعفة المسلمين- فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، ~~فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها. وكذا ما ~~نوعوه من الأقوال في معناه. فكله لم يصب المرمى. والذي يعطيه الذوق السليم ~~في الآية هو الوجه الأول. ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه. فتبصر ولا ~~تكن أسير التقليد. PageV03P236 # ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لاتبعتم ~~الشيطان بالكفر والضلال إلا قليلا أي: إلا قليلا منكم ممن تفضل الله عليه ~~بعقل صائب فاهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان. كمن اهتدى ~~إلى الحق في زمن الفترة. كقس بن ساعدة وأضرابه. وهم عشرة. وقد أوضحت شأنهم ~~في كتابي (إيضاح الفطرة في أهل الفترة) في (الفصل الرابع عشر) فانظره. ونقل ~~الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني، أن المراد بفضل الله ورحمته، هنا، هو نصرته ~~تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: فأفوز فوزا عظيما. أي: لولا ~~تتابع النصرة والظفر لاتبعتم الشيطان وتوليتم إلا القليل منكم من المؤمنين ~~من أهل البصيرة الذين يعلمون أنه ليس مدار الحقية على النصر في كل حين. ~~واستحسن هذا الوجه الرازي وقال: هو الأقرب إلى التحقيق. قال الخفاجي: ~~لارتباطه بما بعده. هذا، وزعم بعضهم أن قوله تعالى: إلا قليلا مستثنى من ~~قوله (أذاعوه) أو (لعلمه) واستدل به على أن الاستثناء لا يتعين صرفه لما ~~قبله. قال: لأنه لو كان مستثنى من جملة (اتبعتم) فسد المعنى لأنه يصير عدم ~~اتباع القليل للشيطان ليس بفضل الله. وهو لا يستقيم. وبيان لزومه أن (لولا) ~~حرف امتناع لوجود. وقد أبانت امتناع اتباع المؤمنين للشيطان. فإذا جعلت ~~الاستثناء من الجملة الأخيرة فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الاتباع عن ~~البعض المستثنى، ضرورة. وجعلت هؤلاء المستثنين مستبدين بالإيمان ms1245 وعصيان ~~الشيطان بأنفسهم. ألا تراك إذا قلت (لمن تذكره بحقك عليه) : لولا مساعدتي ~~لك لسلبت أموالك إلا قليلا، كيف لم تجعل لمساعدتك أثرا في بقاء القليل ~~للمخاطب. # وإنما مننت عليه بتأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله، لا في كله. ومن ~~المحال أن يعتقد مسلم أنه عصم في شيء من اتباع الشيطان، إلا بفضله تعالى ~~عليه. هذا ملخص ما قرره صاحب الانتصاف، وهول فيه. ولا يخفى أن صرف ~~الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به لتبادره فيه، أولى من صرفه إلى الشيء ~~البعيد عنه. واللازم ممنوع. # لأن المراد بالفضل والرحمة معنى مخصوص. وهو ما بيناه. فإن عدم الاتباع، ~~إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص، لا ينافي أن يكون بفضل آخر. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 84] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) # فقاتل في سبيل الله تلوين للخطاب، وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطريق # PageV03P237 # الالتفات. وهو جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم. أي: إذا كان ~~الأمر، كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم، فقاتل أنت وحدك غير مكترث ~~بما فعلوا. قاله أبو السعود. لا تكلف إلا نفسك أي: إلا فعل نفسك. بالتقدم ~~إلى الجهاد. فإن الله هو ناصرك، لا الجنود. فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك ~~وحولك الألوف. أي: ومن نكل، فلا عليك منه ولا تؤاخذ به. # قال الرازي: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق ~~وأعرفهم بكيفية القتال. # لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه ~~الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر «1» رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى ~~قتال مانعي الزكاة. ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من ~~الأمور إلا بقضاء الله، سهل ذلك عليه. # وروى ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب عن ms1246 الرجل يلقى ~~المائة من العدو فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك. # ورواه الإمام أحمد «2» أيضا عنه قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على ~~المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا. إن الله بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك. إنما ذلك ~~في النفقة. وحرض المؤمنين أي على الخروج معك وعلى القتال. ورغبهم فيه ~~وشجعهم عليه. كما # قال لهم «3» صلى الله عليه وسلم، يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: قوموا إلى ~~جنة عرضها السماوات والأرض # . وقد وردت PageV03P238 # أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك. منها: ما # رواه البخاري «1» عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيل الله. # بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» # عسى الله أن يكف أي: يمنع بأس أي: قتال الذين كفروا وهم كفار مكة. أي: ~~بتحريضك إياهم على القتال، تبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن ~~حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم. # قال أبو السعود: وقوله تعالى: عسى ... إلخ عدة منه سبحانه وتعالى محققة ~~الإنجاز بكف شدة الكفرة ومكروههم. فإن ما صدر ب (لعل وعسى) مقرر الوقوع من ~~جهته عز وجل. وقد كان كذلك. حيث روي في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واعد أبا سفيان، بعد حرب أحد، موسم بدر الصغرى في ذي القعدة. فلما بلغ ~~الميعاد دعا الناس إلى الخروج. وخرج في شعبان سنة أربع في سبعين راكبا. ~~ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب. فرجعوا من مر ~~الظهران. انتهى، بزيادة. # وقال في ذلك عبد الله بن رواحة (وقيل كعب بن مالك) : PageV03P239 # وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا # فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما، وافتقدت المواليا # تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا، أبا جهل، تركناه ثاويا ms1247 # عصيتم رسول الله، أف لدينكم ... وأمركم السيئ، الذي كان غاويا # فإني، وإن عنفتموني، لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا # أطعناه، لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا # والله أشد بأسا أي: شدة وقوة من قريش وأشد تنكيلا أي تعذيبا وعقوبة. # قال ابن كثير: أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ذلك ~~ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض [محمد صلى الله عليه ~~وسلم: 4] . انتهى. # قال الخفاجي: والقصد التهديد أو التشجيع. ثم أشار تعالى إلى أن التحريض ~~على القتال شفاعة في تكفير الكبائر ورفع الدرجات فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 85] # من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) # من يشفع شفاعة أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ~~ابتغاء لوجه الله تعالى. ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار يكن له نصيب ~~منها وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~وهي ما كانت بخلاف الحسنة، بأن كانت في أمر غير مشروع يكن له كفل منها أي: ~~نصيب من وزرها الذي ترتب على سعيه، مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه ~~شيء. ### | فوائد: # الأولى- قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية مدح الشفاعة وذم السعاية. # وهي الشفاعة السيئة، وذكر الناس عند السلطان بالسوء. وهي معدودة من ~~الكبائر # PageV03P240 # الثانية- روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة. منها ما # أخرجه الشيخان «1» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا ~~ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب. # وعن ابن عباس «2» رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لو راجعته! قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أنا ~~أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاري. # الثالثة- قال ms1248 مجاهد والحسن والكلبي وابن زيد: نزلت هذه الآية في شفاعات ~~الناس بعضهم لبعض. فما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة. وما لا ~~يجوز أن يشفع فيه، فهو شفاعة سيئة. ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان ~~له فيها أجر، وإن لم يشفع. لأن الله يقول: من يشفع. ولم يقل: من يشفع. ~~ويتأيد هذا # بقوله عليه الصلاة والسلام «3» : اشفعوا تؤجروا. نقله الرازي. # الرابعة- قال الزمخشري: الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع ~~بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، ~~وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. يعني ~~الواجبة عليه. # والسيئة ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق: أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع ~~جارية. فغضب وردها. وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك. ولا ~~أتكلم فيما بقي منها. انتهى. PageV03P241 # وروى أبو داود «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شفع لأخيه ~~بشفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب ~~الكبائر» # . وهذا # الحديث أورده أيضا المنذري في (كتاب الترغيب والترهيب) في ترجمة (الترغيب ~~في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه) ~~ثم ساق حديث الشيخين «2» وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه ~~كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا ~~يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . # وروى الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل ~~من حوائج الناس إليه فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال» . وروي نحوه عن ~~عائشة وابن عمر وابن عمرو. # وروى الطبراني وابن حبان في (صحيحه) عن ms1249 عائشة رضي الله عنها قالت: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي ~~سلطان في مبلغ بر أو تيسير عسير، أعانه الله إجازة الصراط يوم القيامة عند ~~دحض الأقدام» . # وفي رواية للطبراني عن أبي الدرداء: رفعه الله في الدرجات العلا من ~~الجنة. # وروى الطبراني عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم» . # ورواه عن عمر مرفوعا بلفظ: أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن. ورواه ~~بنحو ذلك أيضا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. # انظر الترغيب. # الخامسة- نكتة اختيار النصيب في (الحسنة) والكفل في (السيئة) ما أشرنا ~~إليه. وذلك أن النصيب يشمل الزيادة. لأن جزاء الحسنات يضاعف. وأما الكفل ~~فأصله المركب الصعب. ثم استعير للمثل المساوي. فلذا اختير، إشارة إلى لطفه ~~بعباده. إذ لم يضاعف السيئات كالحسنات. ويقال: إنه وإن كان معناه المثل ~~لكنه غلب في الشر وندر في غيره. كقوله تعالى: يؤتكم كفلين من رحمته ~~[الحديد: 28] ، فلذا خص به السيئة تطرية وهربا من التكرار. و (من) بيانية ~~أو ابتدائية. أفاده الخفاجي وكان الله على كل شيء مقيتا أي: مقتدرا. من ~~(أقات على الشيء) إذا اقتدر عليه كما قال: PageV03P242 # وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا # أي رب ذي حقد علي كففت السوء عنه مع القدرة عليه. أو شهيدا حافظا. # واشتقاقه من (القوت) فإنه يقوي البدن ويحفظه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 86] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) # وإذا حييتم بتحية أي إذا سلم عليكم فدعى لسلامة حياتكم وصفاتكم التي بها ~~كمال الحياة بتحية، فقيل: السلام عليكم فحيوا أي: أداء لحق المسلم عليكم ~~بأحسن منها أي: بتحية أحسن منها. بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله. ~~ولو قالها المسلم، زيد: وبركاته. قال الراغب: أصل التحية الدعاء بالحياة ~~وطولها. ثم استعملت في كل دعاء. وكانت العرب، إذا ms1250 لقي بعضهم بعضا، يقول: # حياك الله. ثم استعملها الشرع في السلام، وهي تحية الإسلام. قال الله ~~تعالى: # تحيتهم فيها سلام [إبراهيم: 23] . وقال: تحيتهم يوم يلقونه سلام ~~[الأحزاب: 44] ، وقال: فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله [النور: 61] . # قالوا: في السلام مزية على (حياك) لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات ~~الدينية والدنيوية، وهي مستلزمة لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ~~ذلك. ولأن السلام من أسمائه تعالى. فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ~~ومزيته أو ردوها أي: أجيبوها بمثلها. ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله. لأن ~~المجيب يرد قول المسلم ويكرره إن الله كان على كل شيء حسيبا أي: فيحاسبكم ~~على كل شيء من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية. فحافظوا على ~~مراعاتها حسبما أمرتم به. وفي الآية فوائد شتى: # الأولى- نكتة نظمها مع آيات الجهاد هو التمهيد لمنع المؤمنين من قتل من ~~ألقى إليهم السلام في الحرب الآتي قريبا، ببيان أن لكل مسلم حقا يؤدى إليه. ~~وذلك لأن السلام نوع من الإكرام. والمكرم يقابل بمثل إكرامه أو أزيد. قال ~~الرازي: إن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها ~~فيسلم عليه. فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله. وربما ظهر أنه كان مسلما. ~~فمنع الله المؤمنين عنه. # وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك ~~الإكرام # PageV03P243 # أو أزيد. فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم، إن قابل إكرام ذلك الكافر ~~بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما، وقتله، ففيه أعظم المضار والمفاسد. ~~ولذا قال: إن الله كان على كل شيء حسيبا. أي هو محاسبكم على كل أعمالكم. ~~وكاف في إيصال جزاء أعمالكم إليكم. فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. ~~فهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء. والمنع من إهدارها. وقد روى ابن أبي ~~حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن ~~كان مجوسيا. ذلك بأن الله يقول: فحيوا بأحسن منها أو ms1251 ردوها. وقال قتادة: ~~فحيوا بأحسن منها، يعني للمسلمين. أو ردوها، يعني لأهل الذمة. ومن هنا حكى ~~الماوردي وجها: إنه يقول في الرد على أهل الذمة، إذا ابتدءوا: وعليكم ~~السلام. ولا يقول: ورحمة الله. # نقله عنه النووي. وروى الزمخشري عن الحسن أنه يجوز أن يقال للكافر: وعليك ~~السلام. ولا تقل: ورحمة الله. فإنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني ~~سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله. فقيل له في ذلك. فقال: أليس في رحمة ~~الله يعيش؟ انتهى. والظاهر أنه لحظ الأخبار بذلك ولم يرد مضمون التحية. ومع ~~هذا فالثابت # في الصحيحين «1» عن أنس مرفوعا: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: # وعليكم. # كما يأتي. قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية مشروعية السلام ووجوب ~~رده. واستدل بها الجمهور على رد السلام على كل مسلم، مسلما كان أو كافرا. ~~لكن مختلفان في صيغة الرد. # الثانية- ورد في إفشاء السلام أحاديث كثيرة. منها # قول البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسبع، منها: وإفشاء السلام. رواه الشيخان «2» . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا ~~فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . رواه مسلم «3» . # وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا ~~والناس PageV03P244 # نيام، تدخلوا الجنة بسلام» . # قال الترمذي «1» : حديث صحيح. # الثالثة- في كيفية السلام. قال الرازي: إن شاء قال: سلام عليكم. وإن شاء ~~قال: السلام عليكم. قال تعالى في حق نوح: يا نوح اهبط بسلام منا [هود: 48] ~~. وقال عن الخليل: قال سلام عليك سأستغفر لك ربي [مريم: 47] . # وقال في قصة لوط: قالوا سلاما قال سلام [هود: 69] . وقال عن يحيى وسلام ~~عليه # [مريم: 15] . وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: قل الحمد لله وسلام على ~~عباده الذين اصطفى [النمل: 59] . وقال عن الملائكة: والملائكة يدخلون عليهم ~~من ms1252 كل باب سلام عليكم [الرعد: 23- 24] . وقال عن نفسه المقدسة: سلام قولا ~~من رب رحيم [يس: 58] . وقال فقل سلام عليكم [الأنعام: 54] . وأما بالألف ~~واللام فقوله عن موسى عليه السلام: فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد ~~جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى [طه: 47] . وقال عن عيسى عليه ~~السلام: والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا [مريم: 33] ، فثبت ~~أن الكل جائز. انتهى. # قال الإمام أبو الحسن الواحدي: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار. # انتهى. ولكثرة ورود التنكير في القرآن، على ما بيناه، فضله بعضهم على ~~التعريف. # الرابعة- في فضله. # روى الإمام أحمد «2» وأبو داود والترمذي والدارمي عن عمران بن الحصين رضي ~~الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم. ~~فرد عليه ثم جلس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر. ثم جاء آخر فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله. فرد عليه فجلس فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فجلس فقال: ثلاثون. # قال الترمذي حديث حسن. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف. وقال ~~البزار: قد روي هذا PageV03P245 # عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، هذا أحسنها إسنادا. وفي رواية لأبي ~~داود «1» ، من رواية معاذ ابن أنس رضي الله عنه زيادة على هذا. قال: ثم أتى ~~آخر. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: أربعون. وقال: ~~هكذا تكون الفضائل. وفيه رد على من زعم أنه لا يزاد على (وبركاته) . لا ~~يقال رواية (ومغفرته) عند أبي داود، هي من طريق أبي مرحوم واسمه عبد الرحيم ~~بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه. # وأبو مرحوم ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به- لأنا ~~نقول: # قد حسن الترمذي روايته عن سهل بن معاذ. وصححها أيضا هو وابن خزيمة ~~والحاكم وغيرهم. قال النسائي لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ~~تركه. ### | عود: # وروى الطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال ms1253 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ~~ورحمة الله. كتبت عشرون حسنة، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~كتبت له ثلاثون حسنة» . # وروى ابن حيان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا مر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: سلام عليكم. فقال: عشر حسنات. ~~ثم مر آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون حسنة. ثم مر آخر فقال: ~~سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال: ثلاثون حسنة. فقام رجل من المجلس ولم ~~يسلم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أوشك ما نسي صاحبكم. إذا جاء أحدكم ~~إلى المجلس فليسلم. # فإن بدا له أن يجلس فليجلس. وإن قام فليسلم. فليست الأولى بأحق من ~~الآخرة. # وروى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أبخل الناس من بخل بالسلام. ورواه أيضا عن أبي هريرة. ~~ولأحمد «2» والبزار نحوه عن جابر. # وروى الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ~~المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما تتناثر ورق ~~الشجر # . قال المنذري: # ورواته لا أعلم فيهم مجروحا. # وروى البزار عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول الله PageV03P246 # صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه، ~~فإن أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه. فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة ~~رحمة: للبادئ منهما تسعون، وللمصافح عشرة» . # وروى أبو داود «1» عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام. # الخامسة- في بعض أحكامه المأثورة. # روى أبو داود «2» عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم. ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم» . # وفي الموطأ «3» عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا ms1254 ~~سلم واحد من القوم أجزأ عنهم. # قال النووي: هذا مرسل صحيح الإسناد. # وفي الصحيحين «4» عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت قلت: وعليه ~~السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى # (تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال النووي: ووقع # في بعض روايات الصحيحين (وبركاته) ، # ولم يقع في بعضها. وزيادة الثقة مقبولة. # وفي سنن أبي داود «5» عن غالب القطان عن رجل قال: حدثني أبي عن جدي قال: ~~بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائته فأقرئه السلام. ~~فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام. فقال: عليك وعلى أبيك السلام # . قال النووي: هذا وإن كان رواية عن مجهول، فأحاديث الفضائل يتسامح فيها ~~عند أهل العلم. فيستفاد منه الرد على المبلغ كالمسلم. # وروى أبو داود «6» عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه. فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم ~~لقيه فليسلم عليه. # ففيه أن من سلم عليه إنسان، ثم لقيه على قرب، ندب التسليم عليه ثانيا ~~وثالثا. # وروى الشيخان «7» عن أبي هريرة أن الرسول PageV03P247 # صلى الله عليه وسلم قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد ~~والقليل على الكثير. # وروى الشيخان «1» عن أنس: أنه مر على صبيان فسلم عليهم. وقال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعله. # ولفظ أبي داود «2» # أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على غلمان يلعبون فسلم عليهم. # وعند ابن السني فيه، فقال: السلام عليكم يا صبيان. # وروى أبو داود «3» عن أسماء بنت يزيد قالت: مر علينا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في نسوة فسلم علينا. وروى الترمذي نحوه. # وروى الشيخان «4» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم. # ورويا «5» عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط ~~من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ms1255 فسلم عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال «6» رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~تبدءوا اليهود ولا النصارى PageV03P248 # بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه # . قال النووي: روينا في موطأ مالك أنه سئل عمن سلم على اليهودي أو ~~النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا. قال أبو سعد المتولي الشافعي: لو أراد ~~تحية ذمي، فعلها بغير السلام. بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك. قال ~~النووي. هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به. إذا احتاج إليه فيقول: صبحت ~~بالخير أو بالسعادة أو بالعافية. أو صبحك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة ~~أو بالمسرة أو ما أشبه ذلك. # السادسة- قال الحسن البصري: السلام تطوع والرد فريضة. قال ابن كثير: # وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: أن الرد واجب على من سلم عليه. ~~فيأثم إن لم يفعل لأنه خالف أمر الله في قوله: فحيوا بأحسن منها أو ردوها. ~~انتهى. وفي ترك الرد إهانة وازدراء وهو حرام. ولذا ندب للجمع المسلم عليهم ~~أن يجيبوا كلهم إظهارا للإكرام ومبالغة فيه. وإن كان الفرض يسقط ببعضهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 87] # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي: ليبعثنكم من قبوركم ~~ويحشرنكم إلى حساب يوم القيامة في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. قال ~~الزمخشري: القيامة والقيام كالطلابة والطلاب. وهي قيامهم من القبور أو ~~قيامهم للحساب. قال الله تعالى: يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6] ~~. لا ريب فيه أي لا شك في يوم القيامة أو في الجمع ومن أصدق من الله حديثا ~~إنكار لأن يكون أحد أصدق منه تعالى في حديثه وخبره ووعده ووعيده، وبيان ~~لاستحالته. # لأنه نقص وقبيح. إذ من كذب، لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يجر منفعة ~~بكذبه أو يدفع مضرة، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه ms1256 لا يفرق بين الصدق ~~والكذب في أخباره، ولا يبالي بأيهما نطق. فظهر استحالة الكذب عليه جل شأنه. ~~والغير، وإن دلت الدلائل على صدقه، فكذبه ممكن إذا لم ينظر إليها. ### | فوائد: # الأولى- قال الرازي: في كيفية النظم وجهان: أحدهما إنا بينا أن المقصود ~~من قوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، أن لا يصير الرجل # PageV03P249 # المسلم مقتولا. ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: إن الله كان على ~~كل شيء حسيبا. ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية. فبين في هذه الآية ~~أن التوحيد والعدل متلازمان. فقوله: لا إله إلا هو. إشارة إلى التوحيد. ~~وقوله: # ليجمعنكم إلى يوم القيامة. إشارة إلى العد. وهو كقوله: شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط [آل عمران: 18] ، وكقوله، ~~في طه: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] ، وهو ~~إشارة إلى التوحيد. ثم قال: إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما ~~تسعى [طه: 15] . وهو إشارة إلى العدل. فكذا في هذه الآية، بين أنه يجب في ~~حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة. فينتصف للمظلومين ~~من الظالمين. ولا شك أنه تهديد شديد. الوجه الثاني- كأنه تعالى يقول: من ~~سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر. فإن ~~البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو. إنما تنكشف بواطن الخلق ~~للخلق في يوم القيامة. # الثانية- قوله لا إله إلا هو إما خبر للمبتدأ و (ليجمعنكم إلخ) . جواب ~~قسم محذوف، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها. أو خبر ثان. وإما اعتراض، ~~والجملة القسمية خبر. # الثالثة- تعدية (ليجمعنكم) ب (إلى) لكونه بمعنى الحشر كما بينا. أو لكون ~~(إلى) بمعنى (في) كما أثبته أهل العربية. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # فما لكم في المنافقين أي: فما ms1257 لكم تفرقتم في أمر المنافقين فئتين أي: # فرقتين ولم تتفقوا على التبرؤ منهم. والاستفهام للإنكار. والنفي والخطاب ~~لجميع المؤمنين. لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم. وذلك أن فرقة ~~من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم. وفرقة منهم تباينهم ~~وتعاديهم. فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ ~~منهم. لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم. ~~وقد قيل: إن المراد بهم هنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم، # PageV03P250 # بعد أن خرجوا. كما تقدم في آل عمران. كما أوضحه الشيخان «1» والإمام أحمد ~~والترمذي عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد. ~~فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: ~~فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول: # لا. هم المؤمنون. فأنزل الله: فما لكم في المنافقين فئتين. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد. هذا لفظ أحمد. # وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي، ابن سلول ~~رجع يومئذ بثلث الجيش: رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سبعمائة. # وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد «2» في مسنده عن عبد ~~الرحمن بن عوف: أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها. فأركسوا. فخرجوا من ~~المدينة. فاستقبلهم نفر من أصحابه. # يعني النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا ~~وباء المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ ~~فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا. فأنزل الله: فما لكم في ~~المنافقين فئتين ... الآية. وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه ~~في التنبيه الثاني والله أركسهم أي نكسهم وردهم إلى الكفر بما ms1258 كسبوا أي: ~~بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار أتريدون أن تهدوا من أضل الله أي: تعدوهم ~~من جملة المهتدين. قال أبو السعود: تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين ~~بإيمانهم من الفئتين، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك، وإشعار بأنه يؤدي إلى ~~محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى. وذلك لأن الحكم بإيمانهم ~~وادعاء اهتدائهم، وهم بمعزل عن ذلك، سعي في هدايتهم وإرادة لها. # ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية ~~بما PageV03P251 # ذكر في حيز الصلة، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها. بأن يقال: ~~أتهدون إلخ للمبالغة في إنكاره بيان أنه مما لا يمكن إرادته، فضلا عن إمكان ~~نفسه ومن يضلل الله عن دينه فلن تجد له سبيلا أي: طريقا إلى الهدى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 89] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) # ودوا لو تكفرون كما كفروا كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في ~~الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم، إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم. أي: # تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان فتكونون سواء أي: في الكفر والضلال ~~فلا تتخذوا منهم أولياء في العون والنصرة لئلا يفضي إلى كفركم، وإن أظهروا ~~لكم الإيمان طلبا لموالاتكم حتى يهاجروا من دار الكفر في سبيل الله ~~فتتحققوا إيمانهم فإن تولوا أي عن الهجرة. فهم، وإن أظهروا لكم الإسلام مع ~~قدرتهم على الهجرة، فافعلوا بهم ما تفعلون بالكفار. لأنه زال عنهم حكم ~~النفاق بلحوق دار الكفر فخذوهم أي: أسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل ~~والحرم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم ~~على أعداء الله ما داموا كذلك. ### | تنبيهان: # الأول- قال الرازي: دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين ~~والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد. وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [الممتحنة: 1] . والسبب فيه ms1259 ~~أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين. لأن ذلك هو الأمر الذي ~~يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة. وإذا كان ~~كذلك، كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة. وإذا كان كذلك، ~~امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا ~~فيه. والله أعلم. # الثاني- يظهر لي أن الأقرب في سبب نزول هذه الآيات أعني قوله تعالى: # فما لكم في المنافقين. إلخ، رواية عبد الرحمن بن عوف. كما يدل عليه سبر # PageV03P252 # هذه الآيات وتدبرها بصادق النظر والإمعان. وقد اهتدى إلى ذلك الفاضل ~~المهايمي في تفسيره. فاقتصر على هذا الوجه فقال: وهم الذين استأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة. فلم يزالوا ~~يرتحلون مرحلة بعد أخرى حتى لحقوا المشركين. انتهى. وقول السيوطي: في إسناد ~~رواية عبد الرحمن بن عوف عند أحمد تدليس وانقطاع. لا يقدح في إصابتها كبد ~~الحقيقة. لأنها وجدت فيها قرينة تلحقها بالمقبول وهو موافقتها لألفاظ الآية ~~بلا تكلف. وحينئذ فقول زيد بن ثابت: # فنزلت فيما تقدم بمعنى أنها تشمل ما وقع من المنخزلين عن أحد وما جرى من ~~اختلاف المؤمنين في شأنهم. لا أن ما وقع كان سببا لنزولها. واستعمال النزول ~~بذلك معروف كما بيناه في المقدمة. وإلا لأشكل قوله تعالى: (إلا أن يهاجروا) ~~. إذ لم تطلب المهاجرة إلا من النائين عن المدينة. وأولئك، أعني الذين ~~انخزلوا عن المسلمين في أحد، كانوا بها. فيحتاج إلى جعل المهاجرة بمعنى ~~خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، صابرين محتسبين مخلصين. ~~كما قاله بعض المفسرين. # وهذا المعنى لم يشع في المهاجرة. ولأشكل أيضا قوله تعالى: فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم. فإنه يفيد بأنهم ليسوا من منافقي أهل المدينة. وإنه ~~يتوقع الظفر بهم. وإلا فمنافقوها بين ظهرانيهم ليلا ونهارا. فالظاهر في هذا ~~المقام رواية ابن عوف. وفي آخر رواية زيد ما يشعر بها حيث قال: إنها طيبة ~~وإنها تنفي الخبث. # إشارة إلى أن المدينة نفت هؤلاء ms1260 الذين نزحوا عنها بعد إسلامهم. والله ~~أعلم. ثم استثنى عن أسر المرتدين وقتلهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 90] # إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~(90) # إلا الذين يصلون يلجئون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أي: عهد بهدنة أو ~~أمان فاجعلوا حكمهم كحكمهم لئلا يفضي إلى قتال من وصلوا إليهم فيفضي إلى ~~نقض الميثاق أو جاؤكم # عطف على الصلة أي: والذين جاءوكم حصرت صدورهم حال بإضمار (قد) أي: ضاقت ~~وانقبضت نفوسهم أن يقاتلوكم # PageV03P253 # لإرادتهم المسالمة أو يقاتلوا قومهم أي: معكم من أجلكم لمكان القرابة ~~منهم. # فهم لا لكم ولا عليكم. قال أبو السعود: استثني من المأمور بأخذهم وقتلهم ~~فريقان: أحدهما- من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين. والآخر: من أتى ~~المؤمنين وكف عن قتال الفريقين. # وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن. أن سراقة ابن مالك المدلجي ~~حدثهم قال: لما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من ~~حولهم، قال: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج. ~~فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي. وأنا أريد أن ~~توادعهم. # فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام. وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب ~~قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال: اذهب معه ~~فافعل ما يريد. فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وإن أسلمت قريش أسلموا معهم. وأنزل الله: إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق # . فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وفي قوله تعالى: ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم فلقاتلوكم إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن في التعرض لقتلهم ~~إظهارا لقوتهم الخفية فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ ~~والقتل فإن اعتزلوكم أي ms1261 تركوكم فلم يقاتلوكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك ~~بمشيئة الله عز وجل وألقوا إليكم السلم أي الانقياد والاستسلام فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا أي طريقا بالأسر أو القتل. إذ لا ضرر منهم في ~~الإسلام. وقتالهم يظهر كمال قوتهم. ### | لطيفة: # قال الخفاجي (السلم) بفتحتين: الانقياد. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين ~~وكسرها. وكأن إلقاء السلم استعارة. لأن من سلم شيئا ألقاه وطرحه عند المسلم ~~له. # وعدم جعل السبيل مبالغة في عدم التعرض لهم، لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض ~~له؟ ### | تنبيه: # ظاهر النظم الكريم أن الفريقين المستثنيين من الكفار. وحاول أبو مسلم ~~الأصفهاني كونهما من المسلمين حيث قال: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل ~~من أسلم، استثنى من له عذر. فقال: إلا الذين يصلون، وهم قوم من المؤمنين ~~قصدوا الرسول للهجرة والنصرة. إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم ~~يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار. فصاروا إلى قوم بين المسلمين ~~وبينهم عهد. # وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص. واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول، ~~ولا # PageV03P254 # يقاتل الرسول ولا أصحابه. لأنه يخاف الله تعالى فيه. ولا يقاتل الكفار ~~أيضا، لأنهم أقاربه. أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم. فيخاف، لو قاتلهم، ~~أن يقتلوا أولادهم وأصحابه. فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم. وإن ~~كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # ستجدون أقواما آخرين يريدون بإظهار الإسلام لكم أن يأمنوكم أي: على ~~أنفسهم ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر كلما ردوا إلى الفتنة أي: دعوا إلى ~~الارتداد والشرك أركسوا فيها أي: رجعوا إليها منكوسين على رؤوسهم فإن لم ~~يعتزلوكم أي يتنحوا عنكم جانبا، بأن لم يكونوا معكم ولا عليكم. ويلقوا ~~إليكم السلم أي: ولم يلقوا ms1262 الانقياد ويكفوا أيديهم أي: عن قتالكم فخذوهم ~~أي: اتسروهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم أي: وجدتموهم في داركم أو دارهم وأولئكم ~~جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا أي: حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلا وسبيا. ~~لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام. # أو تسلطا ظاهرا، حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم. ### | تنبيهان: # الأول- قال ابن كثير: هؤلاء الآخرون، في الصورة الظاهرة، كمن تقدمهم. # ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك. فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم ~~وذراريهم. ويصانعون الكفار في الباطن. فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا ~~بذلك عندهم. وهم في الباطن مع أولئك. # كما قال تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [البقرة: 14] ~~الآية. # وحكى ابن جرير «1» عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة. كانوا يأتون ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء. ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في ~~الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا. فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ~~ويصلحوا. PageV03P255 # الثاني- قال الرازي: قال الأكثرون: في الآية دلالة على أنهم إذا اعتزلوا ~~قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا، لم يجز لنا قتالهم ولا ~~قتلهم. ونظيره قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم [الممتحنة: 8] . وقوله تعالى: وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم [البقرة: 190] . فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا ~~دون من لم يقاتلنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ أي ما جاز ولا صح ولا لاق ms1263 لمؤمن قتل ~~أخيه المؤمن. فإن الإيمان زاجر عن ذلك. إلا على وجه الخطأ. فإنه ربما يقع ~~لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية. قال الزمخشري: فإن ~~قلت: بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له. أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من ~~العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا. بمعنى لا يقتله في حال من ~~الأحوال إلا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر: إلا قتلا خطأ. والمعنى: إن ~~من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء، البتة. إلا إذا وجد ~~منه خطأ من غير قصد. بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما. أو يرمي شخصا على أنه ~~كافر فإذا هو مسلم. انتهى. # ومن قتل مؤمنا خطأ أي: بما ذكرنا. فهو، وإن عفي عنه، لكنه لا يخلو عن ~~تقصير في حق الله، ولا يهدر دم المؤمن بالكلية فتحرير رقبة مؤمنة أي: ~~فالواجب عليه، لحق الله، إعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان، ولو صغيرة. ليعتق ~~الله عنه بكل جزء منها جزءا منه من النار. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن عبد الرزاق، عن معمر، عن PageV03P256 # الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء. ~~فقال: يا رسول الله! إن علي عتق رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة ~~أعتقتها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا ~~الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين ~~بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها # . وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره. # وفي موطأ مالك «1» ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود ~~والنسائي عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ ~~قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # أعتقها فإنها مؤمنة # . أفاده ابن كثير. ### | لطيفتان: # الأولى- قال الزمخشري: التحرير: الإعتاق. والحر والعتيق: الكريم. لأن ~~الكرم في الأحرار، كما أن ms1264 اللؤم في العبيد. ومنه عتاق الخليل وعتاق الطير ~~لكرامها. وحر الوجه أكرم موضع منه. وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل، ~~أي: لئيم الفعل. # والرقبة عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا ~~رأسا من الرقيق. # الثانية- قيل في حكمة الإعتاق: إنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، ~~لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار. لأن إطلاقها من قيد الرق ~~كإحيائها. من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات. إذ الرق من آثار الكفر. والكفر ~~موت حكما: أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 122] . ولهذا منع من تصرف ~~الأحرار. وهذا مشكل. # إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا. لكن يحتمل أن يقال: إنما وجب عليه ~~ذلك، لأن الله تعالى أبقى للقتال نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص. فأوجب ~~PageV03P257 # عليه مثلها رقبة مؤمنة. أفاده النسفي. ودية مسلمة إلى أهله أي: والواجب ~~عليه أيضا، لحق ورثة المقتول، عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، دية مؤداة إلى ~~ورثته. # يقتسمونها اقتسام الميراث. وقد بينت السنة مقدارها. وذلك فيما # رواه النسائي «1» وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي بكر بن ~~محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ~~إلى أهل اليمن كتابا. وفيه: إن في النفس الدية، مائة من الإبل. وفيه: وعلى ~~أهل الذهب ألف دينار. # وروى أبو داود «2» عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض في الدية ~~على أهل الإبل مائة من الإبل. وعلى أهل البقر مائتي بقرة. وعلى أهل الشاء ~~ألفي شاة. وعلى أهل الحلل مائتي حلة # . وفي الموطأ «3» أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على ~~أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وهذه الدية إنما ~~تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله. # قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضى بالدية على العاقلة. # وفي الصحيحين «4» عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل. ms1265 فرمت ~~إحداهما الأخرى بحجر. فقتلتها، وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # فقضى أن دية جنينها غرة: عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. # ورواه أبو داود «5» عن جابر بلفظ: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما ~~الأخرى. ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~المقتولة على عاقلة القاتلة. وبرأ زوجها وولدها، قال فقال عاقلة القاتلة: ~~ميراثها لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ميراثها لزوجها ~~وولدها # . و (العاقلة) القرابات من قبل الأب وهم عصبته. وهم الذين كانوا يعقلون ~~الإبل على باب ولي المقتول. وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر. لأن الإبل ~~كانت تعقل بفناء ولي المقتول. ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، ~~ولو لم تكن إبلا. وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى: ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى [فاطر: 18] . فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم ~~الآية. لما PageV03P258 # في ذلك من المصلحة. لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ~~ماله. لأن تتابع الخطأ لا يؤمن. ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. كذا ~~في (نيل الأوطار) . # قال المهايمي: تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول ~~والفروع. لأنه لما عفي عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه. # فالأخذ منهم أخذ منه. ولا وجه لإهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين ~~يرثونه بأقوى الجهات وهي العصبية. لأن الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة، ~~أو كانوا فقراء، فعلى بيت المال. انتهى. # وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على ~~عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي. هنا. وكلها مما لا ~~يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض. # اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة ~~التي بيناها. # دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر ### | ### | تنبيه: # # يشتمل قوله تعالى فدية مسلمة تسليمها حالة ms1266 ومؤجلة. إلا أن الإجماع قد وقع ~~على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة. ولكن اختلفوا في مقدار الأجل. فذهب ~~الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين. وقال ربيعة: إلى خمس. وحكى في (البحر) عن ~~بعض الناس بعد حكايته للإجماع السابق: أنها تكون حالة. إذ لم يرو عنه صلى ~~الله عليه وسلم تأجيلها. قال في (البحر) قلنا: # روي عن علي رضي الله عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين # . وقاله عمر وابن عباس. ولم ينكر. انتهى. # قال الشافعي في (المختصر) : لا أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. # قال الرافعي: تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك. فمنهم من قال: ورد. # ونسبه إلى رواية علي عليه السلام. ومنهم من قال: ورد أنه صلى الله عليه ~~وسلم قضى بالدية على العاقلة. وأما التأجيل فلم يرد به الخبر. وأخذ ذلك من ~~إجماع الصحابة. # وقال ابن المنذر: ما ذكره الشافعي لا نعرفه أصلا من كتاب ولا سنة. وقد ~~سئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال: لا نعرف فيه شيئا. فقيل: إن أبا عبد الله، ~~يعني # PageV03P259 # الشافعي، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: لعله سمعه من ذلك ~~المدني. فإنه كان حسن الظن به. يعني إبراهيم بن أبي يحيى. وتعقبه ابن ~~الرفعة: بأن من عرف حجة على من لم يعرف. وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن ~~يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: من السنة أن تنجم الدية في ثلاث ~~سنين. وقد وافق الشافعي، على نقل الإجماع، الترمذي في (جامعه) وابن المنذر. ~~فحكى كل واحد منهما الإجماع. # كذا في (نيل الأوطار) . وقوله تعالى: إلا أن يصدقوا أي: إلا أن يتصدق ~~أولياء المقتول بالدية على القاتل فلا تجب عليه. وسمي العفو عنها صدقة حثا ~~عليه وتنبيها على فضله. قال السيوطي في (الإكليل) : فيها (أي: هذه الآية) ~~تعظيم قتل المؤمن والإثم فيه، ونفيه عن الخطأ، وأن في قتل الخطأ كفارة ~~ودية. لا قصاص. وأن الدية ms1267 مسلمة إلى أهل المقتول. إلا أن يصدقوا بها، أي: ~~يبرءوا منها. ففيه جواز الإبراء من أهل الدية. مع أنها مجهولة. وفي قوله ~~(مسلمة) دون (يسلمها) إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل. ذكره سعيد بن جبير. ~~أخرجه ابن أبي حاتم واستدل بقوله: إلى أهله، على أن الزوجة ترث منها. لأنها ~~من جملة الأهل خلافا للظاهرية. واحتج بها من أجاز إرث القاتل منها. لأنه من ~~أهله. واحتج الظاهرية بقوله: إلا أن يصدقوا. # على أن المقتول ليس له العفو عن الدية. لأن الله جعل ذلك لأهله خاصة. ~~وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ. خلافا لمن قال: لا شيء عليه ولا على ~~عاقلته. # واستدل بعمومها أيضا من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة. وإن على ~~الصبي والمجنون، إذا قتلا، الكفارة. وإن المشارك في القتل عليه كفارة ~~كاملة. انتهى. # فإن كان أي: المقتول خطأ من قوم عدو لكم أي: محاربين وهو مؤمن فلم يعلم ~~به القاتل لكونه بين أظهر قومه، بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن ~~أتاهم بعد ما فارقهم لمهم من المهمات فتحرير رقبة مؤمنة أي: فعلى قاتله ~~الكفارة، لحق الله دون الدية. فإنها ساقطة. إذ لا إرث بينه وبين أهله. ~~لأنهم محاربون. وقال الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام: لا تؤدى ~~الدية إليهم لأنهم يتقوون بها. ومعلوم أن سقوط الدية لمن هذه حاله أخذا من ~~إيجاب الله تعالى على قاتله الكفارة، ولم يذكر الدية كما ذكرها في أول ~~الآية وآخرها، وقد روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان ~~الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون: فيصيبه ~~المسلمون في سرية أو غزاة. فيعتق الذي يصيبه رقبة وإن كان أي: المقتول خطأ ~~من قوم أي: كفرة بينكم وبينهم ميثاق أي: عهد من هدنة أو أمان. أي: كان على ~~دينهم ومذهبهم فدية أي: فعلى قاتله دية مسلمة # PageV03P260 # إلى أهله # إذ هم كالمسلمين في الحقوق وتحرير رقبة مؤمنة لحق الله تعالى. ms1268 # وتقديم الدية هاهنا مع تأخيرها فيما سلف، للإشعار بالمسارعة إلى تسليم ~~الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق. # قال السيوطي: روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: وإن كان من ~~قوم بينكم إلخ: هو الرجل يكون معاهدا. ويكون قومه أهل عهد. فتسلم إليهم ~~الدية ويعتق الذي أصابه رقبة. # قال السيوطي: ففيه أن المقتول إذا كان من أهل الذمة والعهد ففيه دية ~~مسلمة إلى أهله مع الكفارة. وفيه رد على من قال: لا كفارة في قتل الذمي. ~~والذين قالوا ذلك قالوا: إن الآية في المؤمن الذي أهله أهل عهد. وقالوا: ~~إنهم أحق بديته لأجل عهدهم. ويرده تفسير ابن عباس المذكور، وأنه تعالى لم ~~يقل فيه: وهو مؤمن، كما قال في الذي قبله. انتهى. ### | تنبيه: # استدل بالآية من قال: إن دية المعاهد حربيا أو كتابيا، كالمسلم. لأنه ~~تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدية. فوجب أن تكون ديتهما سواء كما أن ~~الكفارة عنهما سواء. إذ إطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة. وهي دية ~~المسلم. وقد أخرج الترمذي «1» عن ابن عباس وقال: غريب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان لهما عهد ~~من النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، بدية المسلمين، وأخرج ~~البيهقي عن الزهري أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل دية المسلم. وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان. فلما كان معاوية، ~~أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال. قال: ثم قضى عمر بن عبد ~~العزيز بالنصف وألقى ما كان جعل معاوية. وأخرج أيضا عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ودى ذميا دية مسلم. وفي أثري البيهقي المذكورين مقال. ~~إذ علل الأول بالإرسال. والثاني بأن في إسناده أبا كرز. وهو متروك. # وروى أحمد «2» والنسائي والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال: عقل الكافر نصف دية المسلم. # وأخرج أبو داود «3» عنه ms1269 بلفظ: دية المعاهد نصف دية الحر. # وفي PageV03P261 # لفظ: قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين: وهم اليهود والنصارى. # رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. # وعندي: لا تنافي بين هذه الروايات المذكورة. لأن الظاهر أن الفرض في دية ~~الكافر إنما هو النصف. ولا حرج في الزيادة عليه، إلى أن يبلغ دية المسلم ~~تبرعا وتفضلا. وبه يحصل الجمع بين الروايات. والاستدلال بالآية على تماثل ~~ديتي المسلم والكافر المتقدم- غير ظاهر. لما في الدية من الإجمال المرجوع ~~في بيانه إلى السنة، وقد بينته وصح فيها أنه النصف فرضا. والله أعلم فمن لم ~~يجد أي: رقبة ليحررها. بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فصيام شهرين ~~متتابعين أي: # فعليه صيام شهرين متواصلين لا إفطار بينهما. بحيث لو صام تسعة وخمسين، ~~وتعمد بإفطار يوم، استأنف الجميع. لأن الخطأ إنما نشأ من كدورة النفس. وهذا ~~القدر يزيلها ويفيد التزكية. قاله المهايمي. توبة من الله أي: قبولا من ~~الله ورحمة منه. من (تاب عليه) : إذا قبل توبته. (فتوبة) منصوب على أنه ~~مفعول له. # أي: شرع لكم ذلك توبة منه. أو مصدر مؤكد لمحذوف. أي: تاب عليكم توبة منه ~~وكان الله عليما بجميع الأشياء التي منها مقدار كدورة هذا الخطأ العظيم ~~حكيما في دواء إزالتها. قال المهايمي: وإذا كان للخطأ هذه الكدورة مع العفو ~~عنه، فأين كدورة العمد؟ أي: وهي التي ذكرت في قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # ومن يقتل مؤمنا متعمدا لقتله فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه إذ ~~قتل وليه عمدا ولعنه أي أبعده عن الرحمة وأعد له وراء ذلك عذابا عظيما أي: ~~فوق عذاب سائر الكبائر، سوى الشرك. # قال الإمام ابن كثير: هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب ~~العظيم. الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله. حيث يقول ~~سبحانه في سورة (الفرقان) : والذين لا يدعون ms1270 مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ... [الفرقان: 68] الآية. وقال تعالى: قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ... [الأنعام: 151] ~~الآية. والآيات # PageV03P262 # والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما # ثبت في الصحيحين «1» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. # وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود «2» عن عبادة بن الصامت قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما ~~حراما. فإذا أصاب دما حراما بلح. # وفي حديث «3» آخر: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم. قلت: ~~رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو. # وفي الحديث الآخر: لو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم ~~لكبهم الله في النار # . قلت: # رواه الترمذي «4» عن أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ: لو أن أهل السماء والأرض ~~اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله عز وجل في النار. # وفي الحديث الآخر «5» : من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم ~~القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله. قلت: رواه ابن ماجة عن أبي ~~هريرة. # وقد كان ابن عباس يرى أن لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. # وقال البخاري «6» : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال: # سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس ~~فسألته عنها. فقال: نزلت هذه الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم. هي ~~آخر ما نزل وما نسخها شيء. وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن ~~شعبة، به. # ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهدي عن سفيان الثوري عن مغيرة بن ~~النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم فقال: ما نسخها شيء. وقال ابن جرير «7» : حدثنا ابن بشار، قال ~~حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد عن أبي ms1271 بشر عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد ~~الرحمن بن PageV03P263 # أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... الآية. فقال: لم ~~ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى ~~آخرها قال: نزلت في أهل الشرك. # وروى ابن جرير «1» أيضا عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله ~~تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم. قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، ~~وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. # فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم. وروى الإمام أحمد «2» عن سالم بن أبي ~~الجعد عن ابن عباس أن رجلا أتى إليه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا عمدا؟ فقال: # فجزاؤه جهنم خالدا فيها ... الآية. قال: لقد نزلت من آخر ما نزل. ما ~~نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما نزل وحي بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ ~~قال: وأنى له بالتوبة؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته ~~أمه. رجل قتل رجلا متعمدا يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره، ~~أو آخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دما قبل العرش يقول: يا رب! سل ~~عبدك فيم قتلني! ورواه النسائي وابن ماجة. # وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة. وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من ~~السلف، زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن ~~وعبيد ابن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم. نقله ابن أبي حاتم. وفي ~~الباب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما # رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة، آخذا رأسه بيده الأخرى، ~~فيقول: # يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال فيقول: قتلته لتكون العزة لك. قال: فإنها ~~لي. قال ويجيء آخر متعلقا بقاتله ms1272 فيقول: رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال فيقول: ~~قتلته لتكون العزة لفلان. قال: فإنها ليست له. بوء بإثمه. قال، فيهوي به في ~~النار سبعين خريفا. # ورواه النسائي «3» . وأخرج الإمام أحمد والنسائي «4» عن معاوية قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل ~~يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا. # وقال الإمام أحمد «5» : حدثنا النضر. حدثنا سليمان بن المغيرة. ~~PageV03P264 # حدثنا حميد قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي: فقال لنا: هلما فأنتما ~~أشب سنا مني، وأوعى للحديث مني. فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم. فقال له أبو ~~العالية: حدث هؤلاء حديثك. فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي، قال: بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم. فشد مع القوم رجل فاتبعه ~~رجل من السرية شاهرا سيفه. فقال الشاد من القوم: إني مسلم. فلم ينظر فيما ~~قال. فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله. فقال فيه قولا شديدا. فبلغ ~~القاتل. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل: والله! ما ~~قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. قال فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عنه وعمن قبله من الناس. وأخذ في خطبته. ثم قال أيضا: يا رسول الله! ما قال ~~الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته. ~~ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله! يا رسول الله ما قال الذي قال إلا ~~تعوذا من القتل. فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرف المساءة في ~~وجهه فقال: إن الله أبى على من قتل مؤمنا. # (ثلاث مرات) ورواه النسائي. # ثم قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له ~~توبة فيما بينه وبين الله عز وجل. فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا ~~صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. ~~قال الله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى ms1273 قوله إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا [الفرقان: 68- 70] الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه. ~~وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين- خلاف الظاهر. ويحتاج حمله ~~إلى دليل. والله أعلم. # وقال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~[الزمر: 53] الآية. وهذا عام في جميع الذنوب: من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل ~~وفسق وغير ذلك. كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه. قال الله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48- 116] ~~. # فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهي مذكورة في هذه السورة ~~الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء. والله أعلم. # وثبت في الصحيحين «1» خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما هل ~~لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله ~~PageV03P265 # فيه. فهاجر إليه فمات في الطريق. فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في ~~بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة، التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى. ~~لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم. وبعث نبينا بالحنيفية ~~السمحة. فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... ~~الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وقد رواه ~~ابن مردويه بإسناده مرفوعا. # ولكن لا يصح. ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه. وكذا كل وعيد ~~على ذنب. لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء ~~إليه، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد. # والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل في النار، إما على قول ابن عباس ~~ومن وافقه، أنه لا توبة له. أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو ~~به- فليس بمخلد فيها أبدا. بل الخلود هو المكث الطويل. # وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» # أنه يخرج من النار من كان في ms1274 قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان # . ثم قال ابن كثير: وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه من حقوق ~~الآدميين. وهي لا تسقط بالتوبة. ولكن لا بد من ردها إليهم. ولا فرق بين ~~المقتول والمسروق منه والمغضوب منه والمغبون والمقذوف وسائر حقوق الآدميين. ~~فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة. ولكن لا بد من ردها إليهم في ~~صحة التوبة. فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة. لكن لا يلزم من ~~وقوع المطالبة وقوع المجازاة. # إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول، أو بعضها. ثم يفضل له ~~أجر يدخل به الجنة. أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ~~ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى. # وقال النووي في (شرح مسلم) في شرح حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس: ~~استدل به على قبول توبة القاتل عمدا. وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم. ولم ~~يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد ~~قائله الزجر والتوبة. لا أنه يعتقد بطلان توبته. وهذا الحديث وإن كان شرع ~~من قبلنا، PageV03P266 # وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع الخلاف. وإنما موضعه إذا لم يرد ~~شرعنا بموافقته وتقريره. فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك. وهذا قد ورد شرعنا ~~به. وذلك قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~إلى قوله: إلا من تاب ... [الفرقان: 68] ، الآية. وأما قوله تعالى: ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا ... # الآية. فالصواب في معناها: أن جزاءه جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى ~~بغيره. # وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو ~~كافر مرتد. يخلد في جهنم بالإجماع. وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو ~~فاسق عاص. مرتكب كبيرة، جزاؤها جهنم خالدا فيها. لكن تفضل الله تعالى وأخبر ~~أنه لا يخلد من مات موحدا فيها. فلا يخلد هذا. ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل ~~النار أصلا. ms1275 وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين. ثم يخرج معهم ~~إلى الجنة ولا يخلد في النار. قال: فهذا هو الصواب في معنى الآية. ولا يلزم ~~من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة، أن يتحتم ذلك الجزاء. وليس في الآية ~~إخبار بأنه يخلد في جهنم. وإنما فيها أنها جزاؤه. أي: يستحق أن يجازى بذلك. ~~وقيل: # وردت الآية في رجل بعينه. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا الدوام. ~~وقيل: # معناها: هذا جزاؤه، إن جازاه. وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة. ~~لمخالفتها حقيقة لفظ الآية. فالصواب ما قدمناه. انتهى. # وقال علاء الدين الخازن: اختلف العلماء في حكم هذه الآية. هل هي منسوخة ~~أم لا؟ وهل لمن قتل متعمدا توبة أم لا؟ فروي «1» عن سعيد بن جبير قال: # قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. فتلوت عليه ~~الآية التي في الفرقان: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق [الفرقان: 68] . إلى آخر الآية. قال: هذه آية ~~مكية. نسختها آية مدنية: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم. وفي رواية، قال: اختلف أهل الكوفة في ~~قتل المؤمن. فرحلت إلى ابن عباس. فقال: نزلت في آخر ما نزل. ولم ينسخها ~~شيء. # وفي رواية أخرى «2» ، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة: والذين لا ~~يدعون PageV03P267 # مع الله إلها آخر ... إلى قوله: مهانا. فقال المشركون: وما يغني عنا ~~الإسلام، وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش؟ ~~فأنزل الله تعالى: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ... [الفرقان: 70] ، إلى آخر الآية. زاد ~~في رواية: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له. أخرجاه في ~~الصحيحين. # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه ~~الآية فقال: من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس: تكاثف الوعيد فيها. # وقال ابن مسعود: إنها محكمة، وما تزداد إلا شدة. وعن خارجة بن زيد قال: # سمعت زيد ms1276 بن ثابت يقول: أنزلت هذه الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها، بعد التي في الفرقان: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، بستة أشهر. أخرجه أبو داود ~~والنسائي، وزاد النسائي في رواية: بثمانية أشهر. # وقال زيد بن ثابت: لما نزلت هذه الآية في الفرقان: والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر، عجبنا من لينها. فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد ~~اللينة. # فنسخت اللينة. وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء. وباللينة ~~آية الفرقان. # وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة. واختلفوا ~~في ناسخها. فقال بعضهم: نسختها التي في الفرقان. وليس هذا بالقوي. لأن آية ~~الفرقان نزلت قبل آية النساء. والمتقدم لا ينسخ المتأخر. وذهب جمهور من قال ~~بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا. وهي قوله تعالى: إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] ، وأجاب، من ~~ذهب إلى أنها منسوخة، عن حديث ابن عباس المتقدم المخرج في الصحيحين: بأن ~~هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية. والنسخ ~~لا يدخل الأخبار. ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن ~~بحيث لا يكون بينهما تعارض. وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية ~~الفرقان. فيكون المعنى: # فجزاؤه جهنم إلا من تاب. وقال بعضهم: ما ورد عن ابن عباس إنما هو على ~~سبيل PageV03P268 # التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل. فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه ~~قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك. وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له: ~~لك توبة. # وقيل: إنه قد روي عن ابن عباس مثله. وروي عنه أيضا أن توبته تقبل. وهو ~~قول أهل السنة. ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: وإني ~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82] . وقوله: إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا ms1277 [الزمر: 53] . وأما السنة فما # روي عن جابر بن عبد الله قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل ~~الجنة. ومن مات يشرك به شيئا دخل النار. أخرجه مسلم «1» . # وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال «2» : كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مجلس فقال: # تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق. وفي رواية: ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ~~ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم ~~فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء ~~عفا عنه وإن شاء عذبه. فبايعناه على ذلك. # انتهى. # وقال العلامة أبو السعود: تمسكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل ~~المؤمن عمدا في النار. ولا متمسك لهم فيها. لا لما قيل من أنها في حق ~~المستحل، كما هو رأي عكرمة وأضرابه. بدليل أنها نزلت في مقيس بن صبابة ~~الكناني المرتد. # فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بل لأن المراد بالخلود هو المكث ~~الطويل لا الدوام. لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم ~~عذابهم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لا توبة لقاتل ~~المؤمن عمدا. وكذا ما روي عن سفيان: أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا: ~~لا توبة له- محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ. ~~وعليه يحمل ما # روي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أبى ~~الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة. # وقال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح: المعنى هو جزاؤه إن ~~PageV03P269 # جازاه. قالوا: قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل ~~والضرب. # ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا. # قال الواحدي: والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز ms1278 أن يخلف الوعيد، وأن ~~امتنع أن يخلف الوعد. والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على ~~الأصل المذكور. لأنه إخبار منه تعالى أن جزاءه ذلك. لا بأنه يجزيه بذلك. ~~كيف لا؟ وقد قال الله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] . ولو كان ~~هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها، لعارضه قوله تعالى: ويعفوا عن ~~كثير [الشورى: 30] . # انتهى. # وقال العلامة الشوكاني في (نيل الأوطار) : وأما بيان الجمع بين هذه الآية ~~وما خالفها فنقول: لا نزاع أن قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا من صيغ العموم ~~الشاملة للتائب وغير التائب. بل للمسلم والكافر. والاستثناء لمذكور في آية ~~الفرقان. أعني قوله تعالى: إلا من تاب [الفرقان: 70] . بعد قوله تعالى: ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق [الفرقان: 68]- مختص بالتائبين فيكون ~~مخصصا لعموم قوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا. أما على ما هو المذهب الحق من أنه ~~ينبني العام على الخاص مطلقا، تقدم أو تأخر أو قارن- فظاهر، وأما على مذهب ~~من قال: إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فإذا سلمنا تأخر قوله تعالى: ~~ومن يقتل مؤمنا، على آية الفرقان، فلا نسلم تأخرها من العمومات القاضية بأن ~~القتل مع التوبة من جملة ما يغفره الله. كقوله تعالى: قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~[الزمر: 53] . وقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء [النساء: 116] . ومن ذلك ما # أخرجه مسلم «1» عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تاب ~~قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه. # وما # أخرجه الترمذي «2» وصححه من حديث صفوان بن عسال. PageV03P270 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: باب من قبل المغرب يسير الراكب ~~في عرضه أربعين أو سبعين سنة. خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض. ~~مفتوح للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها. # وأخرج الترمذي أيضا عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه ms1279 وسلم. قال: ~~إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. # وأخرج مسلم «1» من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار. ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. # ونحو هذه الأحاديث مما يطول تعداده- لا يقال: إن هذه العمومات مخصصة ~~بقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... الآية. لأنا نقول: الآية أعم من ~~وجه، وهو شمولها للتائب وغيره. وأخص من وجه، وهو كونها في القاتل. وهذه ~~العمومات أعم من وجه، وهو شمولها لمن كان ذنبه القتل ولمن كان ذنبه غير ~~القتل. وأخص من وجه، وهو كونها في التائب. وإذا تعارض عمومان لم يبق إلا ~~الرجوع إلى الترجيح. ولا شك أن الأدلة القاضية بقبول التوبة مطلقا أرجح ~~لكثرتها وهكذا أيضا يقال: إن الأحاديث بخروج الموحدين من النار وهي متواترة ~~المعنى، كما يعرف ذلك من له إلمام بكتب الحديث، تدل على خروج كل موحد. سواء ~~كان ذنبه القتل أو غيره. # والآية القاضية بخروج من قتل نفسا هي أعم من أن يكون القاتل موحدا أو غير ~~موحد. فيتعارض عمومان. وكلاهما ظني الدلالة. ولكن عموم آية القتل قد عورض ~~بما سمعته. بخلاف أحاديث خروج الموحدين، فإنها إنما عورضت بما هو أعم منها ~~مطلقا. كآيات الوعيد للعصاة الدالة على الخلود الشاملة للكافر والمسلم. ولا ~~حكم لهذه المعارضة، أو بما هو أخص منها مطلقا. كالأحاديث القاضية بتخليد ~~PageV03P271 # بعض أهل المعاصي. نحو: من قتل نفسه. وهو يبني العام على الخاص. وبما ~~قررناه يلوح لك انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب، وعدم خلوده في ~~النار إذا لم يتب. # ويتبين لك أيضا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان مكية ~~منسوخة بقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... الآية. # كما أخرج ذلك عنه البخاري ومسلم وغيرهما. وكذلك لا حجة له فيما # أخرجه النسائي «1» والترمذي «2» عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: يجيء المقتول متعلقا ms1280 بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، ~~وأوداجه تشخب دما. يقول: يا رب! قتلني هذا. حتى يدنيه من العرش. # وفي رواية للنسائي «3» # فيقول: أي رب! سل هذا فيم قتلني؟ # لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز وجل. وذلك لا يستلزم أخذ ~~التائب بذلك الذنب. ولا تخليده في النار، على فرض عدم التوبة. والتوبة ~~النافعة، هاهنا، هي الاعتراف بالقتل عند الوارث، إن كان له وارث. أو ~~السلطان، إن لم يكن له وارث. والندم على ذلك الفعل، والعزم على ترك العود ~~إلى مثله. لا مجرد الندم والعزم، بدون اعتراف. وتسليم للنفس أو الدية إن ~~اختارها مستحقها. لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله. وهو ~~تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به. فإن قلت: فعلى ما تحمل حديث أبي ~~هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو ~~المعين على القتل يلقى الله مكتوبا بين عينيه: الإياس من الرحمة. والثاني ~~يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله- قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من ~~القاتل. والدليل على هذا التأويل، ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول ~~عموما وخصوصا. ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة، الذي ~~تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. # وحديث عبادة بن الصامت المذكور قبله. فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك ~~التأويل. ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة. ومع كون الحديثين ~~في الصحيحين. بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية. وأيضا في حديث معاوية نفسه ما ~~يرشد إلى هذا التأويل. فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت ~~كافرا. ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرا على ذنبه غير تائب منه، من المخلدين ~~في PageV03P272 # النار. فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر. فيكون ذلك ~~القرين الذي هو القتل أولى بقبولها. # وقد قال العلامة الزمخشري في (الكشاف) : إن هذه الآية فيها من التهديد ~~والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ. قال: ومن ثم ms1281 روي عن ابن ~~عباس ما روي، من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة. وعن سفيان: كان أهل ~~العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له. وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة ~~الله في التغليظ والتشديد: وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة. وناهيك بمحو الشرك ~~دليلا. # ثم ذكر # حديث: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، وهو عند النسائي «1» ~~من حديث بريدة، وعند ابن ماجة «2» من حديث البراء. وعند النسائي «3» أيضا ~~من حديث ابن عمرو. أخرجه أيضا الترمذي «4» # انتهى. كلام الشوكاني. # وقال الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي) : لما كان الظلم والعدوان ~~منافيين للعدل الذي قامت به السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله عليهم ~~الصلاة والسلام وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط- كان (أي الظلم) من أكبر ~~الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه: وكان قتل ~~الإنسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده. ثم قال: ولما كانت مفسدة القتل هذه ~~المفسدة- قال الله تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا [المائدة: 32] . # ثم قال: وفي صحيح البخاري «5» عن سمرة بن جندب قال: أول ما ينتن من ~~الإنسان بطنه. فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل. ومن استطاع أن ~~لا يحول بينه وبن الجنة ملء كف من دم أهرقه فليفعل. وفي جامع الترمذي «6» ~~عن نافع PageV03P273 # قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك ~~والمؤمن أعظم حرمة منك. قال الترمذي هذا حديث حسن. # وفي صحيح البخاري «1» أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما. # وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن ~~أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله. # وفي الصحيحين «2» عن أبي هريرة يرفعه: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر. # وفيهما ms1282 أيضا عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض. # وفي صحيح البخاري «4» عنه صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهدا لم يرح ~~رائحة الجنة. وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما. # هذه عقوبة قاتل عدو الله، إذا كان معاهدا في عهده وأمانه. فكيف بعقوبة ~~قاتل عبده المؤمن؟. # وإذا كانت امرأة قد دخلت النار، في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، ~~فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، ~~فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ # وفي بعض السنن عن صلى الله عليه وسلم «5» : لزوال الدنيا أهون على الله ~~من قتل مؤمن بغير حق. # وقال ابن القيم أيضا قبل ذلك: وقد جعل الله سبحانه وتعالى جزاء قتل النفس ~~المؤمنة عمدا، الخلود في النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم ~~له. هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أن الإسلام ~~الواقع بعد القتل، طوعا واختيارا، مانع من نفوذ ذلك الجزاء. وهل تمنع توبة ~~المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف. وهما روايتان عن أحمد. ~~والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار ~~الدنيا وخرج منه بظلامته فلا بد PageV03P274 # أن يستوفى له في دار العدل. قالوا: فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض ~~حقه الذي خيره الله، من استيفائه والعفو عنه. وما ينفع المقتول من استيفاء ~~وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ وهذا أصح القولين في ~~المسألة. إن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث. وهي وجهان لأصحاب الشافعي ~~وأحمد وغيرهما. ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث. فإن التوبة ~~تهدم ما قبلها. # والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر ~~الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد ~~قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءهم، وجعلهم من خيار عباده. ودعا ~~الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن ms1283 دينهم ودعاهم إلى التوبة. # وقال تعالى: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا. وهذا في حق القاتل. وهي تتناول الكفر فيما دونه. # قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم ~~انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن ~~تسليمها إلى المقتول. فأقام الشارع وليه مقامه. وجعل تسليم النفس إليه ~~كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه. فإنه يقوم ~~مقام تسليمه للموروث. والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: ~~حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي. فإذا سلم القاتل نفسه طوعا ~~واختيارا إلى الولي، ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا- فقطع حق ~~الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول ~~يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا ~~يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا. ### | ### | فصل # # ومن العلماء من اختار التوقف في هذا المقام. منهم الإمام أبو عبد الله ~~محمد بن المرتضى اليماني. فإنه قال في كتابه (إيثار الحق) في (بحث الوعد ~~والوعيد) . ما نصه: لا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد، وتخصيص العمومات ~~بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول. إما على جهة الجمع، ولا شك في جوازه ~~وصحته وحسنه، والإجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الأمة وخلفها. بل لا شك ~~في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح. فإن تعذر الجمع فالترجيح. ~~فإن وضح عمل به. # فإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم # PageV03P275 # [الإسراء: 36] . ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن. بعد الانتصاف منه ~~للمظلوم والقطع على أنه فاسق ملعون، واجب قتله والبراءة منه. والقطع أن ~~جزاءه جهنم خالدا فيها، كما قال تعالى على ما أراد. وإنما وقفت في محل ~~التعارض الذي أوضحته في (العواصم) لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في ~~هذه الآية، هل بين جزاءه ms1284 الذي له أن يفعله إن شاء؟ أو بين جزاءه الذي تخير ~~له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول؟ والله ~~سبحانه أعلم. # فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى: ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء [النساء: 48] ، وسائر آيات الرجاء وأحاديثه- قال بالأول. ومن رجح وعيد ~~القاتل في هذه الآية، وفي الأحاديث المخصصة لقتل المؤمن، بقطع الرجاء، كما ~~أوضحته في (العواصم) - رجح وعيد القاتل. ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز ~~الاعتقاد مصلحة ولا له موجبا ولا إليه ضرورة- رجح الوقف. والله عند لسان كل ~~قائل ونيته. # ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه. وعليه عمل علماء الإسلام ~~في أدلة الشريعة. ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل ~~موضع. واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من ~~المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي، متى ~~كان أهل الصغائر من المسلمين. ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ~~ولا تكذيب لشيء منها. فكذلك سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة ~~لعمومات آيات الوعيد، ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى. وذلك باب ~~واحد. # ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين. ولم ينكرها أحد. ~~بل رواتها أكابرهم وأئمتهم. وفي (العواصم) من ذلك عن علي عليه السلام بضعة ~~عشر أثرا. بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية. وعمومات الوعد مانعة قبل ~~تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد. على أن الخلف عند ~~جماعات كثيرة لا يكون إلا في عدم الوفاء بالوعد بالخير. وأما الوعيد بالشر ~~فقد اختلف في تركه. وأجمعوا على أنه يسمى عفوا. كما قال كعب بن زهير: # أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # وإنما اختلفوا، مع تسميته عفوا، هل يسمى خلفا أم لا؟ ومن منع من ذلك، منع ~~صحة النقل له لغة. واحتج على امتناعه بأنه لا يصح ms1285 اجتماع اسم مدح واسم ذم ~~على مسمى واحد. انتهى. # PageV03P276 ### | فصل # تشرع الكفارة في قتل العمد. لما رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع ~~قال: # أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد ~~أوجب. قال: فليعتق رقبة. # يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه في النار. ورواه أيضا بسند آخر عنه. ~~قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، قال: أعتقوا ~~عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار. وهذا رواه أبو داود «1» ~~والنسائي. ولفظ أبي داود: قد أوجب (يعني النار) بالقتل. # قال الشوكاني في (نيل الأوطار) : في حديث واثلة دليل على ثبوت الكفارة في ~~قتل العمد. وهذا إذا عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية. وأما إذا اقتص ~~منه فلا كفارة عليه بل القتل كفارته. لحديث عبادة المذكور في الباب. ولما # أخرجه أبو نعيم في (المعرفة) : أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: القتل ~~كفارة # . وهو من حديث خزيمة بن ثابت. وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ: لكنه من ~~حديث ابن وهب عنه فيكون حسنا. ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي ~~موقوفا عليه. # ثم حذر تعالى عما يؤدي إلى القتل العمد من قلة المبالاة في الأمور بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(94) # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم أي: ذهبتم في سبيل الله إلى أرض العدو ~~للغزو فتبينوا أي: اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون. ولا تعجلوا فيه بغير ~~تدبر PageV03P277 # وروية ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا نهي عما هو نتيجة لترك ~~المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين. أي: لا ~~تقولوا (لمن أظهر الانقياد ms1286 لدعوتكم فقال: لا إله إلا الله، أو سلم عليكم ~~فحياكم بتحية الإسلام) : لست مؤمنا في الباطن. وإنما قلته باللسان لطلب ~~الأمان. بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه تبتغون أي: تطلبون بقتله ~~عرض الحياة الدنيا أي: ماله الذي هو سريع النفاد. والجملة حال من فاعل (لا ~~تقولوا) منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأني. وقوله تعالى فعند الله ~~مغانم كثيرة تعليل للنهي عن ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمني. كأنه ~~قيل: لا تبتغوا ماله، فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها، فيغنيكم عن ارتكاب ~~ما ارتكبتموه. أفاده أبو السعود. ثم قال: وقوله تعالى كذلك كنتم من قبل فمن ~~الله عليكم. تعليل للنهي عن القول المذكور. أي: # مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام، كنتم أنتم أيضا. في مبادئ إسلامكم. لا ~~يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم، من تحية الإسلام ونحوها. فمن الله ~~عليكم، بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر ~~بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله تعالى فتبينوا فصيحة. أي: إذا كان ~~الأمر كذلك، فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم. وافعلوا به ~~ما فعل بكم. في أوائل أموركم. من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على تواطؤ ~~الظاهر والباطن إن الله كان بما تعملون خبيرا فلا تتهافتوا في القتل وكونوا ~~محترزين محتاطين في ذلك. # قال ابن كثير (في سبب نزولها) : أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنما ~~له. فسلم عليهم. # فقالوا: ما يسلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه. وأتوا بغنمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # فنزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا ... إلى آخرها. ورواه الترمذي «1» ~~ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أسامة بن زيد. # ورواه الحاكم وصححه. وروى البخاري «2» عن عطاء عن ابن عباس في هذه ~~PageV03P278 # الآية قال: كان رجل في غنيمة له. فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم. ~~فقتلوه، وأخذوا غنيمته. ms1287 فأنزل الله في ذلك ... إلى قوله: عرض الحياة ~~الدنيا: (تلك الغنيمة) . # وقال البخاري «1» : قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع ~~قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل. ~~هكذا رواه البخاري # معلقا مختصرا. # ورواه الحافظ أبو بكر البزار مطولا موصولا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود. فلما ~~أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا. وبقي رجل له مال كثير لم يبرح. فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله. وأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من أصحابه: أقتلت ~~رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله! لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إن رجلا ~~شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد. يا مقداد! ~~أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله! فكيف لك ب (لا إله إلا الله) غدا؟ قال: ~~فأنزل الله: # يا أيها الذين آمنوا- إلى قوله- كذلك كنتم من قبل ... الآية. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار. ~~فأظهر إيمانه فقتلته. # وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل. # قال ابن كثير: فقوله تعالى: كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، أي: قد ~~كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه. كما تقدم في ~~الحديث المرفوع، وكما قال تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~... [الأنفال: 26] الآية. وهذا وجه آخر في مرجع الإشارة، غير ما سلف، وهو ~~الأدق. وبالقبول أحق. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : يستفاد من هذه الرواية (أي: رواية ~~البزار) تسمية القاتل. وأما المقتول، فروي الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق ms1288 قتادة نحوه. واللفظ للكلبي: ~~أن اسم المقتول مرداس بن نهيك. من أهل فدك. وأن اسم القاتل أسامة بن زيد. ~~وأن اسم PageV03P279 # أمير السرية غالب بن فضالة الليثي. وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو ~~وحده. وكان ألجأ غنمه بجبل. فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله، السلام عليكم. # فقتله أسامة بن زيد. فلما رجعوا نزلت الآية. # وكذا أخرج الطبري «1» من طريق السدي نحوه. وفي آخر رواية قتادة: لأن تحية ~~المسلمين السلام، بها يتعارفون. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن ~~أبي الزبير عن جابر قال: أنزلت هذه الآية في مرداس. وهذا شاهد حسن. وأسند ~~ابن أبي حاتم أن أسامة حلف لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك ~~الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه. # قال بعض المفسرين من أئمة الزيدية: وبهذا اعتذر إلى علي عليه السلام حتى ~~تخلف عنه، وإن كان عذرا غير مقبول. لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج ~~البغاة ويكفر يمينه. # قال الحاكم: إلا أن أمير المؤمنين أذن له. انتهى. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم. فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو ~~قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم ~~مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له. معه متيع له (تصغير متاع. وهو ~~السلعة) ووطب من لبن. فلما مر بنا سلم علينا. فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم ~~بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه. وأخذ بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله إلى قوله تعالى خبيرا. # ورواه ابن جرير «3» عن ابن عمر وزاد: فجاء محلم في بردين. فجلس بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى ms1289 الله عليه وسلم: ~~لا غفر الله لك. فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت له سابعة حتى مات. ~~ودفنوه في الأرض. فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكروا ذلك له. فقال إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن ~~يعظكم. ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة، ونزلت. PageV03P280 # وروى أئمة السير أنه لما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر ~~وهو سيد قيس. وكان الأقرع بن حابس يرد عن محلم وهو سيد خندف فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقوم عامر: هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، ~~وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فقال عيينة بن بدر: والله! لا أدعه حتى أذيق ~~نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي. فلم يزل به حتى رضي بالدية. # قال ابن إسحاق: حدثني سالم بن النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع ~~بن حابس فخلا بهم. فقال: يا معشر قيس! سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه. أفأمنتم أن يغضب عليكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب عليكم الله لغضبه؟ أو يلعنكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فيلعنكم الله بلعنته؟ والله! لتسلمنه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن ~~القتيل ما صلى قط. فلأبطلن دمه. فلما قال ذلك أخذوا الدية. # وأخرج ابن مندة عن جزء بن الحدرجان قال: وفد أخي، قداد إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من اليمن. فلقيته سرية النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: ~~أنا مؤمن. فلم يقبلوا منه وقتلوه. فبلغني ذلك. فخرجت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم ... الآية. # فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم دية أخي. # قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات. فلعلها نزلت عند وقوعها ~~بأسرها. # فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته. انتهى. ms1290 # وتقدم لنا في مقدمة التفسير في سبب النزول ما يدفع التنافي في نحو هذا. # فارجع إليه. ### | تنبيه: # قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل ~~المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف. ~~وفي (الإكليل) : استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الاستسلام. ~~وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده، على قراءة ~~(السلام) وفي الآية وجوب التثبت في الأمور، خصوصا القتل ووجوب الدعوة قبل ~~القتال. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : في الآية دليل على أن من أظهر شيئا من ~~علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره. لأن السلام تحية المسلمين. وكان # PageV03P281 # تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك. فكانت هذه علامة. وأما على قراءة (السلم) ~~بفتحتين، أو بكسر فسكون، فالمراد به الانقياد. وهو علامة الإسلام. انتهى. # وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما ~~يحتمل الحظر والإباحة. لقوله: فتبينوا (بالنون) وهذا قراءة الأكثر. وحمزة ~~والكسائي قراءتهما: (فتثبتوا) من (الثبات) . ويدخل في هذا أحكام كثيرة من ~~الاعتقادات والأخبار والأفعال من الأحكام وسائر الأعمال، فهذا حكم. والحكم ~~الثاني أنه يجب الأخذ بالظاهر. فمن أظهر الإسلام أو شيئا من شعائر الإسلام، ~~لا يكذب بل يقبل منه. ويدخل، في هذا، الملحد والمنافق. وهذا هو مذهبنا ~~والأكثر. ويدخل في هذا قبول توبة المرتد، خلافا لأحمد. وقبول توبة الزنديق. ~~وهذا قول عامة الأئمة. # وقال مالك: لا تقبل، لأن هذا عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون. # قال الراضي بالله والإمام يحيى: إن أظهروا ما يعتادون إخفاءه قبلت ~~توبتهم. # وإلا فلا. قال علي خليل: تقبل توبتهم، ولو عرفنا من باطنهم خلاف ما ~~أظهروا. كما قبل النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، وقد أخبر الله ~~تعالى بكفرهم. # وقال أبو مضر: تقبل ما لم يعرف كذبهم. وهذا الخلاف في الظاهر. وأما عند ~~الله، إذا صدق، فهي مقبولة وفاقا. قال الحاكم: وتدل على أن التوصل بالسبب ~~المحرم إلى المال لا يجوز. وقد ذكر ms1291 العلماء صورا في التوصل إلى المباح ~~بالمحظور، مختلفة. ذكرت في غير هذا الموضع. والحجة هنا من قوله تعالى ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا. لأن الذي قصد هنا أخذه، محظور. لأن إظهار ~~الإسلام يحقن النفس والمال. فذلك توصل بمحظور إلى محظور. وقوله تعالى: لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا. قرئ (السلم) وهذه قراءة نافع وحمزة وابن عامر ~~بغير ألف وهو الاستسلام. وقيل: إظهار الإسلام. وقرأ الباقون: (السلام) بألف ~~وهو التحية. انتهى. # وقال أبو منصور في (التأويلات) : فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة، والنهي ~~عن الإقدام عندها. وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل ~~فعل وكل خبر. لأن الله تعالى أمر بالتثبت في الأعمال بقوله: فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا. وقال في الخبر: إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] . أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة، كما أمر ~~في الأفعال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] . وفي الآية دليل فساد قول ~~المعتزلة. # لأنه نهاهم أن يقولوا (لمن قال: إني مسلم) لست مؤمنا. وهم يقولون: صاحب # PageV03P282 # الكبيرة ليس بمؤمن. وهو يقول ألف مرة (على المثل) أني مسلم. فإذا نهى أن ~~يقولوا: ليس بمؤمن. أمرهم أن يقولوا: هو مؤمن. فيقال لهم: أنتم أعلم أم ~~الله؟ على ما قيل لأولئك. انتهى. # وقال الرازي: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي والنصراني: أنا مؤمن، أو ~~قال: # أنا مسلم، لا يحكم بهذا القدر بإسلامه. لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو ~~الإسلام. # وهو الإيمان. ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فعند قوم لا يحكم ~~بإسلامه، لأن فيهم من يقول: إنه رسول الله إلى العرب، لا إلى الكل. ومنهم ~~من يقول: إن محمدا الذي هو الرسول الحق، بعد ما جاء، وسيجيء بعد ذلك. بل لا ~~بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الموجود فيما بين ~~المسلمين هو الحق والله أعلم. انتهى. # أقول: كل من قال: أنا مؤمن أو أنا مسلم، من ms1292 المحاربين، مظهرا الانقياد ~~لنا، وأنه من ملتنا، فإنه يحكم بإسلامه، ويكف عن قتله وأخذ ماله. كتابيا ~~كان أو مشركا. وهذا هو المقصود من الآية. وأما مسألة من أراد الدخول في ~~الإسلام وهو على عقيدة فاسدة، وأنه لا بد في صحة إسلامه من تبرئه عنها، ~~ونبذها ظهريا، وأنه لا يكتفى بقوله: أنا مسلم- فذاك بحث آخر مسلم. لكن ليس ~~مما تشمله الآية. كما أن من أظهر الإسلام وأتى بالشهادتين ولم يدن بشرائع ~~الإسلام وإقامة شعائره، كبعض القبائل البادية الجافية، فإن يجب على الإمام ~~قتالهم. ولا يقال: إن الآية تشملهم لما ذكرنا. وظاهر أن مدار النهي في ~~الآية إنما هو على سفك الدماء ابتغاء عرض الدنيا. # لقوله (تبتغون) . وهو حال كما أسلفنا. والحال قيد لعاملها. فما ذكره ~~الرازي عن الفقهاء ليس مما تشمله الآية. لأن البحث ليس في القدر الذي يصير ~~به الكافر مسلما، بل في الكف عن قتل المنقاد لنا. فافهم. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 95] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب تفاوت درجات مساعيهم في الجهاد، بعد ما # PageV03P283 # مر من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه، ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه عن ~~انحطاط رتبته، فيهتز له رغبة في ارتفاع طبقته. قاله أبو السعود. وأصله ~~للزمخشري حيث قال: فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان. ~~فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم ~~والبون البعيد. ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ~~ويرغب فيه، وفي ارتفاع طبقته. ونحوه: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون [الزمر: 9] . أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى ~~التعلم ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف ms1293 العلم. انتهى. # والمراد بهم، وقت النزول، القاعدون عن غزوة بدر والخارجون إليها. كما ~~رواه البخاري «1» والترمذي عن ابن عباس. وقوله: غير أولي الضرر، مخرج لذوي ~~الأعذار المبيحة لترك الجهاد: من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم ~~للقاعدين. # فإنهم مساوون المجاهدين بالنية. ولا يعتد بزيادة أجر العمل لهم لعظم أمر ~~النية. # كما # روى الإمام أحمد والبخاري «2» وأبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا ~~وهم معكم فيه. قالوا: وهم بالمدينة؟ يا رسول الله! قال: نعم. حبسهم العذر. # وفي هذا المعنى قال الشاعر: # يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا # إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا # وروى البخاري «3» عن البراء قال: لما نزلت: لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. فجاء ابن أم ~~مكتوم فشكا ضرارته. # فأنزل الله: غير أولي الضرر # وفي رواية للبخاري «4» عن زيد: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي. قال: ~~يا رسول الله! والله! لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان PageV03P284 # أعمى. فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فخذه على فخذي، ~~فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي. ثم سرى عنه فأنزل الله: غير أولي الضرر ~~وقوله تعالى بأموالهم أي: التي ينفقونها على أنفسهم في الجهاد أو على مجاهد ~~آخر وأنفسهم أي: التي هي أعز عليهم من كل شيء. وإن أنفق عليهم غيرهم إذا لم ~~يكن عندهم مال. # قال أبو السعود: وإيرادهم، يعني الغزاة، بعنوان المجاهدين، دون الخروج ~~المقابل لوصف المعطوف عليه، كما وقع في عبارة ابن عباس رضي الله عنهما، ~~وكذا تقييد المجاهدة بكونها في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، - لمدحهم بذلك ~~والإشعار بعلة استحقاقهم لعلو المرتبة، مع ما فيه من حسن موقع السبيل في ~~مقابلة القعود. انتهى. # وظاهر أن نفي المساواة يستلزم التفضيل. إلا أنه للاعتناء به، وليتمكن أشد ~~تمكن، لم يكتف بما ms1294 فهم ضمنا، بل صرح به فقال فضل الله المجاهدين. # لأنهم رجحوا جانبه بأموالهم وأنفسهم على القاعدين أي: غير أولي الضرر ~~درجة في القرب ممن رجحوا جانبه وكلا أي: كل واحد من القاعدين والمجاهدين ~~وعد الله الحسنى أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم. ~~والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر ~~من حرمان المفضول وفضل الله المجاهدين بالجهاد على القاعدين أي بغير عذر ~~أجرا عظيما. أي: ثوابا وافرا في الجنة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 96] # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # درجات منه بدل من (أجرا) بدل الكل. مبين لكمية التفضيل و (منه) متعلق ~~بمحذوف وقع صفة ل (درجات) دالة على فخامتها وجلالة قدرها. قاله أبو السعود. # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن PageV03P285 # في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. ما بين كل درجتين كما ~~بين السماء، والأرض. # وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: # قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رمى بسهم فله أجره درجة. فقال ~~رجل: يا رسول الله! وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك: ما بين ~~الدرجتين مائه عام ومغفرة أي: # لذنوبهم ورحمة فوق الأجر ودرجاته وكان الله غفورا رحيما تذييل مقرر لما ~~وعد من المغفرة والرحمة # . وهاهنا فوائد: # الأولى- دلت الآية على أن الجهاد ليس بفرض عين. إذ لو كان فرضا من فروض ~~الأعيان لم يكن للقاعد فضل، ولكن تفاوت الفضل بينه وبين المجاهد. وقال: ~~وكلا وعد الله الحسنى. # الثانية- دلت أيضا على أن الجهاد أفضل من القرب التي يفعلها القاعد. لأنه ~~فضله على القاعد مطلقا. ويؤيد هذا # قوله صلى الله عليه وسلم: الجهاد سنام الدين. # وقد فرع العلماء على هذا أن رجلا لو وقف ما له على أحسن وجوه البر، أو ~~أوصى أن يصرف في أحسن وجوه البر، فإنه ms1295 يصرف في الجهاد. خلاف ما ذكره أبو ~~علي أنه يصرف في طلب العلم. كذا في بعض التفاسير. # الثالثة- قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تفضيل المجاهدين على ~~غيرهم. وأن المعذورين في درجة المجاهدين، واستدل بقوله (بأموالهم) على ~~تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديون أو نحوه. # الرابعة- قال الرازي: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم. فقدم ذكر النفس على المال. وفي الآية التي نحن ~~فيها وهي قوله: والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم قدم ذكر المال ~~على النفس، فما السبب؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال. فالمشتري قدم ذكر ~~النفس تنبيها على PageV03P286 # أن الرغبة فيها أشد. والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد. ~~فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب. # الخامسة- قال أبو السعود: لعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن ~~المغايرة، وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات، مع اتحاد المفضل والمفضل عليه، ~~حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن النظام- إما لتنزيل الاختلاف العنواني ~~بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك ~~طريق الإبهام، ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير. كما في قوله تعالى: ~~ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ [هود: 58] . كأنه قيل: فضل المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر ~~قدرها، ولا يبلغ كنهها. وحيث كان تحقيق هذا البون البعيد بينهما موهما ~~لحرمان القاعدين، قيل: وكلا وعد الله الحسنى، ثم أريد تفسير ما أفاده ~~التنكير بطريق الإبهام، بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقيل ما قيل. ولله ~~در شأن التنزيل. وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، ~~على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من ~~الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ~~ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر، كما ينبئ عن تقديم ~~الأول وتأخير الثاني، وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل: وفضلهم عليهم. ~~في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى. ms1296 وقد وسط بينهما في الذكر ~~ما هو متوسط بينهما في الوجود، أعني الوعد بالجنة، توضيحا لحالهما ومسارعة ~~إلى تسلية المفضول. والله سبحانه أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 97] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم روى البخاري «1» عن ابن عباس أن ~~PageV03P287 # ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ويكثرون سواد المشركين على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب ~~فيقتل. فأنزل الله: # إن الذين توفاهم ... الآية. وأخرجه ابن مردويه، وسمى منهم (في روايته) ~~قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عتبة ~~بن ربيعة، وعمرو ابن أمية بن سفيان، وعلي بن أمية بن خلف. وذكر في شأنهم ~~أنهم خرجوا إلى بدر. # فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا: غر هؤلاء دينهم. فقتلوا ببدر. ~~وأخرجه ابن أبي حاتم، وزاد: منهم الحارث بن زمعة بن الأسود، والعاص بن منبه ~~بن الحجاج. # وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا، وخافوا. فأنزل الله: إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله: إلا المستضعفين. وأخرج ابن المنذر ~~وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا. وكانوا يخفون ~~الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال المسلمون: ~~هؤلاء كانوا مسلمين، فأكرهوا فاستغفروا لهم. فنزلت: إن الذين توفاهم ~~الملائكة ... الآية. فكتبوا بها إلى من بقي منهم، وإنه لا عذر لهم، فخرجوا. ~~فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا. # فنزلت: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله [العنكبوت: 10] . فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا. فنزلت: ثم ~~إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ... [النحل: 110] الآية. فكتبوا إليهم ~~بذلك فخرجوا. ms1297 فلحقوهم. فنجا وقتل من قتل. # وأخرج ابن جرير «1» من طرق كثيرة نحوه. كذا في (لباب النقول) . قال ~~المهايمي: ولما أوهم ما فهم مما تقدم، من تساوي القاعدين أولي الضرر ~~والمجاهدين، أن من قعد عن الجهاد لكونه في دار الكفر محسوب منهم، وإن عجز ~~عن إظهار دينه، فإن لم يحسب فلا أقل من أن يحسب من القاعدين غير أولي ~~الضرر، الموعود لهم الحسنى- أزيل ذلك الوهم بأنهم بترك الهجرة من مكان لا ~~يمكنهم فيه إظهار دينهم، مع إمكان الخروج عنه، صاروا ظالمين مستحقين لتوبيخ ~~الملائكة، بل لعذاب جهنم، فقال: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم أي: ~~في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة عن مكان لا يمكنهم فيه إظهار دينهم مع ~~القدرة عليها وبموافقة الكفار. و (توفاهم) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من ~~قرأ: (توفتهم) PageV03P288 # ومضارعا بمعنى تتوفاهم. بمعنى أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها. ~~أي: # يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. كذا في (الكشاف) . و (الظلم) قد يراد به ~~الكفر كقوله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] . وقد يراد به المعصية ~~كقوله: فمنهم ظالم لنفسه [فاطر: 32] . ويصح إرادة المعنيين هنا كما أشرنا. # روى أبو داود «1» عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله # . قالوا أي: الملائكة للمتوفين، تقريرا لهم بتقصيرهم وتوبيخا لهم فيم ~~كنتم أي: في أي شيء كنتم من أمور دينكم قالوا كنا مستضعفين في الأرض أي: ~~أرض الأعداء. قال الزمخشري: كيف صح وقوع قوله كنا مستضعفين في الأرض جوابا ~~عن قولهم فيم كنتم وكان حق الجواب: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟ قلت معنى ~~فيم كنتم التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ~~ولم يهاجروا. فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا ~~بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء. فبكتتهم ~~الملائكة بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أرادوا: إنكم كنتم ~~قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد ms1298 التي لا تمنعون فيها من إظهار ~~دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى ~~أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة ~~أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم ~~أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة. ~~انتهى. # فأولئك أي: النفر المذكور مأواهم أي: مصيرهم جهنم لأنهم الذين ضعفوا ~~أنفسهم إذ لم يلجئهم الأعداء إلى مساكنة ديارهم وساءت مصيرا أي: # جهنم. بدل المصير إلى دار الهجرة. ثم استثنى سبحانه من أهل الوعيد ما ~~بينه بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 98] # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) # إلا المستضعفين من الرجال لعمى أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر PageV03P289 # والنساء والولدان أي: الصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة لأنهم لا ~~يستطيعون حيلة في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة ولا يهتدون ~~سبيلا أي: لا يعرفون طريقا إلى دار الهجرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 99] # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم أي يتجاوز عنهم بترك الهجرة. قال الرازي: # هاهنا سؤال. وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء ~~غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة- فلم قال: ~~عسى الله أن يعفو عنهم؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب. وأيضا (عسى) كلمة ~~الإطماع. وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم. والجواب عن الأول: أن ~~المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة. وتمييز الضعف الذي ~~يحصل عنده الرخصة، عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة، شاق ومشتبه. فربما ظن ~~الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة، ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن ~~الوطن. فإنها شاقة في ms1299 النفس. وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا. ~~مع أنه لا يكون كذلك. فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا ~~المقام. # والجواب عن الثاني- بأن الفائدة في (عسى) الدلالة على أن ترك الهجرة أمر ~~مضيق لا توسعة فيه. حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله ~~أن يعفو عني. فكيف الحال في غيره؟ هذا ما ذكره صاحب (الكشاف) . # والأولى في الجواب ما قدمناه. وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة ~~الوطن، ربما ظن نفسه عاجزا عنها. مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة. فلهذا ~~المعنى ذكر العفو بكلمة (عسى) لا بالكلمة الدالة على القطع. انتهى. وقال ~~أبو السعود: جيء بكلمة (الإطماع) ولفظ (العفو) إيذانا بأن الهجرة من تأكيد ~~الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها، ممن تحقق عدم وجوبها عليه، ذنبا يجب طلب ~~العفو عنه، رجاء وطمعا. لا جزما وقطعا. وقال المهايمي: فيه إشعار بأن ترك ~~الهجرة أمر خطير. حتى إن المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلق قلبه بها. وإن ~~الصبي إذا قدر فلا محيص له عنه. وإن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم. ثم ~~أكد الإطماع لئلا ييأسوا فقال وكان الله عفوا غفورا وفي إقحام (كان) إشارة ~~إلى اتصافه تعالى بهذه الصفة قبل خلق الخلق. أو أن هذه عادته تعالى، أجراها ~~في حق خلقه. ووعده بالعفو والمغفرة # PageV03P290 # مطلقا مما يدل على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بالآية على وجوب الهجرة من دار الكفر، ~~إلا على من لم يطقها. وعن مالك: الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيه ~~السنن، فينبغي أن يخرج منه. انتهى. # وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر. ولا خلاف ~~أنها كانت واجبة قبل الفتح. ولذلك قال الله تعالى في سورة الأنفال: # والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء [الأنفال: 72] . قيل: # ونسخت بعد الفتح. والصحيح عدم النسخ. # وقوله صلى الله عليه وسلم «1» : لا هجرة ms1300 بعد الفتح، # معناه من مكة. # قال جار الله: وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من ~~إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق ~~الله، حقت عليه الهجرة. ثم قال رحمه الله: قال في التهذيب: وعن القاسم بن ~~إبراهيم: إذا ظهر الفسق في دار، ولا يمكنه الأمر بالمعروف، فالهجرة واجبة. ~~وهذا بناء على أن الدور ثلاث: دار إسلام، ودار فسق، ودار حرب. وهذا التقسيم ~~هو مذهب الهادي والقاسم، وابن أبي النجم في كتاب (الهجرة والدور) عن الراضي ~~بالله وجعفر بن مبشر وأبي علي. وذهب الإخوان وعامة الفقهاء وأكثر المعتزلة ~~إلى النفي لدار الفسق. واعلم أن من حمل على معصية أو ترك واجب أو طالبه ~~الإمام بذلك، فالمذهب وجوب الهجرة مع حصول الشروط المعتبرة. وقد قال الراضي ~~بالله: إن من سكن دار الحرب مستحلا، كفر. لأن ذلك رد لصريح القرآن. واحتج ~~بهذه. وقد حكى الفقيه حسام الدين حميد بن أحمد عن القاسم والهادي والراضي ~~بالله: التكفير لمن ساكن الكفار في ديارهم. وفي (مذهب الراضي بالله) : يكفر ~~إذا جاورهم سنة. قال الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى، حاكيا عن الراضي ~~بالله: إنه يكفر بسكنى دار الحرب وإن لم يستحل لأن ذلك منه إظهار الكفر على ~~نفسه. والحكم بالتكفير محتمل هنا. ثم قال: وإنما استثنى تعالى الولدان، وإن ~~كانوا غير داخلين في التكليف، بيانا لعدم PageV03P291 # حيلتهم. والهجرة إنما تجب على من له حيلة. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : الهجرة الترك. والهجرة إلى الشيء ~~الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه. وقد وقعت في ~~الإسلام على وجهين: # الأول- الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما في هجرتي الحبشة ~~وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني- الهجرة من دار الكفر إلى دار ~~الإيمان. وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وهاجر إليه ~~من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة، إذ ذاك، تختص بالانتقال إلى ~~المدينة. إلى ms1301 أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار ~~الكفر، لمن قدر عليه، باقيا. انتهى. # وقد أفصح ابن عمر بالمراد. فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ: انقطعت الهجرة ~~بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تنقطع الهجرة ما قوتل ~~الكفار. أي: ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم ~~وخشي أن يفتن على دينه. وقد روي في معنى الآية أحاديث كثيرة. أخرجها مجد ~~الدين بن تيمية في (منتقى الأخبار) في ترجمة (باب بقاء الهجرة من دار الحرب ~~إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها) ثم قال: # عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : من جامع ~~المشرك وسكن معه فهو مثله. رواه أبو داود. # وعن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» بعث سرية إلى ~~خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل. فبلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر ~~المشركين. قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: لا تراءى ناراهما. رواه أبو داود ~~والترمذي. # وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنقطع ~~الهجرة حتى تنقطع التوبة. # ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه أحمد «3» وأبو داود «4» ~~. # وعن عبد الله بن السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «5» : لا ~~تنقطع الهجرة ما قوتل العدو. رواه PageV03P292 # أحمد والنسائي. # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : لا هجرة بعد الفتح ~~ولكن جهاد ونية. رواه الجماعة إلا ابن ماجة # . وعن عائشة، وسئلت عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم. كان المؤمن يفر ~~بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن. فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام. ~~والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. رواه «2» البخاري. # وعن مجاشع بن مسعود أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: هذا مجالد. جاء يبايعك على ms1302 الهجرة. فقال: لا هجرة بعد فتح ~~مكة. ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد. # متفق عليه «3» . ولما تضمنت ترجمة المجد، رحمه الله، شقين، أورد لكل ~~أحاديث، فمن قوله: لا هجرة بعد الفتح. إلخ، جميعه للشق الثاني. وهو قوله: ~~وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها، إشارة للجمع بين هذه الأحاديث. وهو ظاهر. # ثم رغب تعالى في المهاجرة بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 100] # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما (100) # ومن يهاجر في سبيل الله في طاعته يجد في الأرض مراغما أي: طريقا يراغم ~~فيه أنوف أعدائه القاصدين إدراكه كثيرا وسعة أي: في الرزق، أو في إظهار ~~الدين، أو في الصدر، لتبدل الخوف بالأمن ومن يخرج من بيته بمكة PageV03P293 # مهاجرا إلى الله إلى طاعته، أو إلى مكان أمر الله وإلى رسوله بالمدينة ثم ~~يدركه الموت أي: في الطريق قبل أن يصل إلى المقصد فقد وقع أي ثبت أجره على ~~الله أي: فلا يخاف فوات أجره الكامل، لأنه نوى مع الشروع في العمل. ولا ~~تقصير منه في عدم إتمامه وكان الله غفورا رحيما فيغفر له ما فرط منه من ~~الذنوب التي جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج. ويرحمه بإكمال ثواب ~~هجرته. ### | تنبيهات: # الأول- فيما روي في نزول الآية. أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ~~ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا. فقال لأهله: احملوني ~~فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمات في ~~الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل الوحي: ومن يخرج من ~~بيته ... الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة الزرقي، ~~الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة. فلما نزلت: إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة، فقال: # إني لغني وإني لذو حيلة. ms1303 فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم. فأدركه ~~الموت بالتنعيم. فنزلت هذه الآية: ومن يخرج من بيته ... إلى آخرها. وأخرج ~~ابن جرير «1» نحو ذلك من طرق، عن سعيد بن جرير وعكرمة وقتادة والسدي ~~والضحاك وغيرهم. وسمي في بعضها ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة. وفي بعضها ~~جندب بن ضمرة الجندعي. وفي بعضها الضمري. وفي بعضها رجل من بني ضمرة. وفي ~~بعضها رجل من خزاعة. وفي بعضها رجل من بني ليث. وفي بعضها من بني كنانة. ~~وفي بعضها من بني بكر. # وأخرج ابن سعد في الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن جندع بن ضمرة ~~الضمري كان بمكة. فمرض. فقال لبنيه: أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها. # فقالوا: إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة. يريد الهجرة. فخرجوا به. فلما ~~بلغوا أضاة بني غفار، مات. فأنزل الله فيه: ومن يخرج ... الآية. ~~PageV03P294 # وأخرج الأموي في (مغازيه) عن عبد الملك بن عمير قال: لما بلغ أكثم بن ~~صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يأتيه. فأبى قومه أن يدعوه. ~~قال: فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب له رجلان. فأتيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي وهو يسألك: من أنت؟ وما أنت؟ ~~وبم جئت؟ قال أنا محمد بن عبد الله. وأنا عبد الله ورسوله. ثم تلا عليهم: ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... [النحل: 90] الآية. فأتيا أكثم فقالا له ~~ذلك. قال: أي قوم! إنه يأمر بمكارم الأخلاق. وينهى عن ملائمها. فكونوا في ~~هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا. فركب بعيره متوجها إلى المدنة، ~~فمات في الطريق. فنزلت فيه: ومن يخرج من بيته ... الآية # . قال السيوطي: مرسل. إسناده ضعيف. # وأخرج أبو حاتم في كتاب (المعمرين) من طريقين من ابن عباس أنه سئل عن هذه ~~الآية؟ فقال: نزلت في أكثم بن صيفي. قيل: فأين الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي ~~بزمان. وهي خاصة عامة. # وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مندة والباوردي في (الصحابة) عن هشام بن عروة، ms1304 ~~عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حرام إلى أرض الحبشة. ~~فنهشته حية في الطريق فمات. فنزلت فيه: ومن يخرج ... الآية. # قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنظر قدومه وأنا بأرض الحبشة. فما أحزنني شيء ~~حزن وفاته حين بلغتني. لأن قل أحد هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي ~~رحمه. ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره. # قال الحافظ ابن كثير: وهذا الأثر غريب جدا. فإن هذه القصة مكية. ونزول ~~الآية مدني. فلعله أراد أنها تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول. # والله أعلم. # الثاني- ثمرة الآية، أن من خرج للهجرة، ومات في الطريق فقد وجب أجره على ~~الله. قال الحاكم: لكن اختلف العلماء. فقيل: أجر قصده. وقيل: أجر عمله دون ~~أجر الهجرة. وقيل: بل له أجر المهاجرة، وهو ظاهر في سبب نزول الآية. # قال الحاكم: وقد استدل بعض العلماء أن الغازي يستحق السهم وإن مات في ~~الطريق قال: وهو بعيد. لأن المراد بالآية أجر الثواب. # قال الزمخشري، حكاية عن المفسرين: إن كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج ~~أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة، أو زهدا في الدنيا، # PageV03P295 # وابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في طريقه ~~فأجره واقع على الله. # ووقع في كلام الزمخشري على الآية السابقة هذا الدعاء. وهو: اللهم! إن كنت ~~تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ~~ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، ~~بجوارك في دار كرامتك، يا واسع المغفرة. # وكلامه، رحمة الله، بناه على أنه يستحب للإنسان أن يدعو الله بصالح عمله. # وقد ذكر البخاري «1» ومسلم حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانسد عليهم ~~بصخرة. وصوبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا كل واحد منهم بصالح ~~عمله. وانفرجت عنهم الصخرة. # وقد اقتضت الآية لزوم الهجرة ولو ببذل ms1305 مال كالحج. وفيما سبق من حديث ~~PageV03P296 # الذي حمل من مكة وقد قال: احملوني فإني لست من المستضعفين- إشارة إلى ~~أنها تجب الهجرة إذا تمكن من الركوب ولو مضطجعا في المحمل. لأنه حمل على ~~سرير. وقد ذكر المتأخرون (في الحج) أن الصحيح الذي يلزمه أن يمكنه الثبات ~~على المحمل، قاعدا لا مضطجعا، لأن أحدا لا يعجز عن ذلك. فيحتمل أن يسوى بين ~~المسألتين. وأنه يجب الحج ولو مضطجعا. وأنهما لا يجبان مع الاضطجاع. # وفعل ضمرة على سبيل الشذوذ. ويحتمل أن يفرق بينهما وتجعل الهجرة أغلظ. ~~لأن فعل المحظور، وهو الإقامة، أغلظ من ترك الواجب. وهذا يحتاج إلى تحقيق. ~~كذا في تفسير بعض الزيدية. # الثالث- # روي في معنى هذه الآية أحاديث وافرة. منها ما في الصحيحين «1» والسنن ~~والمسانيد: عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى # . فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت ~~هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. # قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. # ومنه الحديث الثابت في الصحيحين «2» في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ~~ثم أكمل، بذلك العابد، المائة. ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال له: ومن ~~يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد ~~الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في ~~أثناء الطريق. # فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا. ~~وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد. فأمروا إن يقيسوا ما بين الأرضين. فإلى أيهما ~~كان أقرب فهو PageV03P297 # منها. فأمر الله هذه أن تقترب من هذه وهذه أن تبعد. فوجدوه أقرب إلى ~~الأرض التي هاجر إليها بشبر. فقبضته ملائكة الرحمة. # وفي رواية: أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها. # وروى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه ms1306 قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله، فخر عن ~~دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على ~~الله. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 101] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # وإذا ضربتم في الأرض أي: سافرتم فليس عليكم جناح أي: إثم أن تقصروا أي: ~~تنقصوا شيئا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم أي: يقاتلكم الذين كفروا في ~~الصلاة إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة ~~الصلاة لعداوتهم. ### | تنبيه: في مسائل تتعلق بالآية: # الأولى- ذهب الجمهور إلى أن الآية عني بها تشريع صلاة السفر. وإن معنى ~~قوله تعالى أن تقصروا من الصلاة هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ~~ثنائية. قالوا: وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر ~~السنن على مشروعيتها مطلقا. روى الترمذي «2» والنسائي وابن أبي شيبة عن ابن ~~عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم: خرج من المدينة لا يخاف إلا الله رب ~~العالمين. فصلى ركعتين. # وروى البخاري «3» وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم آمن ما كان، بمنى، ركعتين. # وروى البخاري «4» والبقية عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المدينة إلى مكة. فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى PageV03P298 # رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا. # وحينئذ فقوله تعالى: إن خفتم خرج مخرج الغالب، حال نزول الآية. إذ كانت ~~أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، ~~أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق، إذا خرج مخرج ~~الغالب فلا مفهوم له. كقوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ~~[النور: 33] . وكقوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ... # [النساء: ms1307 23] الآية. # قالوا: ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما # رواه الإمام أحمد «1» ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن ~~الخطاب. قلت له: قوله تعالى: # فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... ~~وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا ~~صدقته. # وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة ~~السفر؟ فقال: ركعتان. فقلت: أين قوله: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا- ونحن ~~آمنون؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ # فقال: هي رخصة نزلت من السماء. فإن شئتم فردوها. # قالوا: فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات. # وإن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية. قالوا: ومما يدل على أن لفظ ~~(القصر) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات. ولهذا المعنى، لما صلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم ~~نسيت؟ «2» . # هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسدي، إلى أن هذه ~~PageV03P299 # الآية نزلت في صلاة الخوف. وأن المعني بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية. ~~لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان. فهي تمام غير قصر. كما قاله عمر وابن ~~عباس وعائشة رضي الله عنهم. قالوا: ولهذا قال تعالى: إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا وقال تعالى بعدها وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ... الآية. ~~فبين المقصود من القصر هاهنا. وذكر صفته وكيفيته. ولهذا لما عقد البخاري ~~(كتاب صلاة الخوف) صدره بقوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة ... إلى قوله: إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا. ~~وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: فليس عليكم جناح أن تقصروا ms1308 من الصلاة، ~~قال: ذاك عند القتال. # يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وقال أسباط عن السدي، في هذه ~~الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير. لا يحل إلا ~~أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة. # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، يوم ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان. والمشركون بضجنان فتوافقوا. ~~فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات. بركوعهم ~~وسجودهم وقيامهم معا جميعا. فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ~~وأثقالهم. روى ذلك ابن أبي حاتم. ورواه بن جرير «1» عن مجاهد والسدي، وعن ~~جابر وابن عمر # . واختار ذلك أيضا. فإنه قال، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو ~~الصواب. ثم # روي عن أمية أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة ~~الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر. فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم يعمل عملا عملنا به. # فقد سمى صلاة الخوف مقصورة. وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر. ~~وأقره ابن عمر على ذلك. واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع. لا بنص ~~القرآن. وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن ~~صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر. # إنما القصر في صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال. يصلي الإمام ~~بطائفة ركعة. ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. ~~فيصلي بهم ركعة. فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. PageV03P300 # هذا ما نقله ابن كثير. وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية ~~والقاسمة أن الآية واردة في صلاة الخوف، وأن المراد بالقصر في الآية قصر ~~الصفة. # بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتم بركعة. ويصلي منفردا في ركعة. ~~انتهى. # قال العلامة أبو السعود: إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر ~~وكيفيته. وفي حق ms1309 ما يتعلق به من الصلوات. وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به ~~القصر. فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن، وتخصيصه ~~بالرباعيات على وجه التنصيف، وبالضرب في المدة المعينة- بيان لإجمال ~~الكتاب. # المسألة الثانية- إذا حمل القصر على قصر العدد، وأن الرباعية تكون ~~ركعتين، فما حكم هذا القصر؟ قلنا: في هذا مذاهب أربعة: الأول- أن القصر ~~رخصة والإتمام أفضل. الثاني- أنه حتم، الثالثة- أنه سنة غير حتم. الرابع- ~~أنه مخير كما يخير في الكفارات. وأنهما، أعني القصر والإتمام، واجبان. وهاك ~~بيان متعلق هذه المذاهب. # تعلق أهل القوم الأول بقوله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة. # وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز، لا فيما هو فرض. نحو: فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا [البقرة: 230] ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء [البقرة: ~~236] . فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: 229] . إن قيل: قد يستعمل ~~ذلك في الواجب مثل: فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~[البقرة: 178] . أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز. ومن جهة السنة، ما # روي عن عائشة قالت: اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ~~مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي أنت! قصرت وأتممت. وصمت ~~وأفطرت. # فقال: أحسنت، يا عائشة! وما عاب علي. # وكان عثمان يقصر ويتم. # ومن جهة المعنى، أو المعقول والمفهوم من لفظ (القصر) إنما هو الرخصة لأجل ~~مشقة المسافر. كما خص له في الإفطار. وفي الحديث: تلك صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقبلوا صدقته. تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا: حملنا لفظ الجناح ~~على الفرض، وإن كان مجازا، لما روي عن ابن عباس «1» قال: فرضت الصلاة في ~~الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. وعن عمر «2» : صلاة الجمعة ركعتان وصلاة ~~PageV03P301 # السفر ركعتان. تمام غير قصر. على لسان نبيكم. وكانت صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أسفاره ركعتين. وأقام بمكة ثمانية عشر يوما يقصر ويقول: ~~أتموا، يا أهل مكة! فإنا قوم سفر. وعن الشعبي: من ms1310 أتم في السفر فقد رغب عن ~~ملة إبراهيم. # وروي أن عثمان أتم الصلاة بمنى. فأنكر عليه عبد الله بن مسعود. وقال: ~~صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين # . وخلف أبي بكر ركعتين. منفصلتين. فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار. منها ~~أنه قد تأهل. وقيل: أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة. ~~وهو مذهب سعد بن أبي وقاص. فيكون قولنا: قصرت الصلاة، مجازا، لأنها تامة ~~إذا نقص من الأربع. ويقولون: هذه الأخبار تعارض ما يفهم من معقولية ~~التسهيل. ومتعلق أهل القول الثالث والرابع بالجمع بين الروايات، وسائر ~~الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين. فكان واجبا مخيرا. ومن قال: إنه ~~سنة، فلأن المشهور عنه صلى الله عليه وسلم القصر في الأسفار، كذا في تفسير ~~بعض الزيدية. # أقول: حديث عائشة المذكور. رواه النسائي والدارقطني والبيهقي. واختلف قول ~~الدارقطني فيه، فقال في (السنن) : إسناده حسن. وقال في (العلل) : المرسل ~~أشبه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه. وطعن فيه. وقال ابن النحوي (في ~~البدر المنير) : في متن هذا الحديث نكارة. وهو كون عائشة خرجت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عمرة رمضان. والمشهور أن عمره كلهن في ذي القعدة. وأطال ~~في ذلك. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وكان صلى الله عليه وسلم يقصر ~~الرباعية. فيصليها ركعتين من حين خرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم ~~يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة. وأما حديث عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم فلا يصح. وسمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. # وقد روي (كان يقصر وتتم) الأول بالياء آخر الحروف. والثاني بالتاء ~~المثناة من فوق. وكذلك (يفطر وتصوم) أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. # قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل. ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه. فتصلي خلاف صلاتهم. ms1311 كيف؟ والصحيح عنها ~~«1» أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة زيدت في PageV03P302 # صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها، مع ذلك، أن تصلي بخلاف صلاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه؟. # ثم قال ابن القيم: قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم. قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان. وإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقصر دائما. فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال: كان ~~يقصر ويتم. أي: هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه. فقيل: # ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر. فإذا زال سبب الخوف زال سبب القصر. # وهذا التأويل غير صحيح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم سافر آمنا. وكان ~~يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره. فسأل عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء. # وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة. وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير ~~مراد. # وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص ~~للمفهوم، أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرا يتناول الأركان ~~بالتخفيف. # وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا ~~وجد الأمران، أبيح القصر. فيصلون صلاة تامة كاملة. وإن وجد أحد السببين ~~ترتب عليه قصره وحده. فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد. ~~وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية. فإن وجد السفر والأمن قصر العدد ~~واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد ~~تسمى هذه الصلاة مقصورة، باعتبار نقصان العدد. وقد تسمى تامة، باعتبار ~~إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول اصطلاح كثير من الفقهاء ~~المتأخرين. والثاني يدل عليه كلام الصحابة. كعائشة وابن عباس وغيرهما. # قالت عائشة: فرضت الصلاة ركعتين. فلما هاجر ms1312 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر # . فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع. وإنما هي مفروضة ~~كذلك. وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان ~~نبيكم في الحضر أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة. متفق على حديث ~~عائشة. وانفرد مسلم «1» بحديث ابن عباس. # وقال عمر بن الخطاب «2» : صلاة السفر ركعتان. والجمعة ركعتان. والعيد ~~PageV03P303 # ركعتان. تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وقد خاب من ~~افترى. وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه. وهو الذي سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقة تصدق الله بها عليكم. ~~فاقبلوا صدقته # . ولا تناقض بين حديثيه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه ~~صدقة الله عليكم، ودينه اليسر السمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر ~~العدد، كما فهمه كثير من الناس، # فقال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر # . وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح، منفي عنه الجناح. ~~فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب ~~في سفره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف. ~~كما سنذكره هناك، ونبين ما فيه إن شاء الله تعالى. # وقال أنس «1» : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ~~مكة. وكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. # متفق عليه. # ولما بلغ «2» عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، ~~قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ~~ركعتين # . وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر ركعتين. فليت حظي من أربع ~~ركعات ركعتان متقبلتان. متفق عليه. ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان ~~أحد الجائزين المخير ms1313 بينهما. بلى الأولى على قول وإنما استرجع لما شاهده من ~~مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على ركعتين. # وفي صحيح البخاري «3» عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فكان في السفر لا يزيد على ركعتين. # وأبا بكر وعمر وعثمان (يعني في صدر خلافة عثمان) . وإلا فعثمان قد أتم في ~~آخر خلافته. وكان ذلك أحد الأسباب التي نكرت عليه. وقد خرج لفعله تأويلات: ~~أحدها- أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة. فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة ~~أربع، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر. ورد هذا التأويل بأنهم ~~كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم. فكانوا حديثي عهد ~~بالإسلام، والعهد بالصلاة قريب. ومع هذا فلم يربع بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. الثاني- أنه كان إماما للناس. والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته. ~~PageV03P304 # فكأنه وطنه، ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كان هو أولى بذلك. وكان هو الإمام المطلق ولم يربع، ~~التأويل الثالث- أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده. ~~ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل كانت فضاء. ولهذا قيل ~~له: يا رسول الله! ألا تبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر؟ فقال: لا. منى مناخ ~~من سبق. فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويل بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة. التأويل الرابع- أنه ~~أقام بها ثلاثا. # وقد قال «1» النبي صلى الله عليه وسلم: يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثا. ~~فسماه مقيما # . والمقيم غير مسافر. ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء ~~السفر، ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد أقام صلى الله عليه وسلم ~~بمكة عشرا يقصر الصلاة. وأقام بمنى بعد نسكه، أيام الجمار الثلاث، يقصر ~~الصلاة. التأويل الخامس- أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى، ~~واتخاذها دار الخلافة. فلهذا أتم. ms1314 ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة. وهذا ~~التأويل أيضا مما لا يقوى. فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين. ~~وقد منع صلى الله عليه وسلم المهاجر من الإقامة بمكة بعد نسكه. ورخص له ~~ثلاثة أيام فقط. فلم يكن عثمان ليقيم بها وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك. وإنما رخص فيها ثلاثا. وذلك لأنهم تركوها لله. وما ترك الله فإنه ~~لا يعاد فيه ولا يسترجع. ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من شراء ~~المتصدق لصدقته. وقال لعمر «2» : لا تشترها ولا تعد في صدقتك. فجعله عائدا ~~في صدقته مع أخذها بالثمن. التأويل السادس- أنه كان قد تأهل بمنى. والمسافر ~~إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة، أتم. ويروى في ذلك حديث ~~مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. # فروى عكرمة عن إبراهيم الأزدي عن أبي ذياب عن أبيه قال: صلى عثمان بأهل ~~منى أربعا وقال: يا أيها الناس! لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم ~~رواه الإمام أحمد «3» في (مسنده) وعبد الله بن الزبير الحميدي في (مسنده) # أيضا. وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيف عكرمة. PageV03P305 # قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف. فإن البخاري ذكره ~~في تاريخه ولم يطعن فيه. وعادته ذكر الجرح والمجروحين. وقد نص أحمد، وابن ~~عباس قبله، أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام. وهذا قول أبي حنيفة ومالك ~~وأصحابهما. وهذا أحسن من اعتذر به عن عثمان. وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت ~~أم المؤمنين. فحيث نزلت فكان وطنها. وهو أيضا اعتذار ضعيف. فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبو المؤمنين. وأمومة أزواجه فرع على أبوته. ولم يكن يتم ~~لهذا السبب. وقد روى هشام ابن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا. ~~فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ # فقالت: يا ابن أختي! لا يشق علي. # قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرض المسافر ركعتين، ms1315 لما أتمها عثمان ولا ~~عائشة ولا ابن مسعود. ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم. وقد قالت عائشة: كل ~~ذلك قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. أتم وقصر. ثم روي عن إبراهيم عن ~~محمد عن طلحة ابن عمر عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: كل ذلك فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قصر الصلاة في السفر، وأتم. # قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء. وأصح إسناد فيه ما # أخبرنا أبو بكر الحازمي عن الدارقطني عن المحاملي: حدثنا سعيد بن محمد بن ~~أيوب. حدثنا أبو عاصم. حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء، عن عائشة، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في السفر ويتم. ويفطر ويصوم # . قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح. ثم ساق # من طريق أبي بكر النيسابوري عن عباس الدوري: أنا أبو نعيم. # حدثنا العلاء بن زهير. حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة، أنها اعتمرت ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. حتى إذا قدمت مكة قالت: ~~يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! قصرت وأتممت وصمت وأفطرت. قال: أحسنت، يا ~~عائشة! # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة ولم تكن ~~عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة. وهي ~~تشاهدهم يقصرون ثم تتم وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ~~ركعتين. # فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض ~~الله؟ # وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ PageV03P306 # قال الزهري لعروة، (لما حدثه عن أبيه عنها بذلك) : فما شأنها؟ كانت تتم ~~الصلاة. فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~حسن فعلها وأقرها، فما للتأويل حينئذ وجه. ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى ~~التأويل على هذا التقدير. # وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر ~~على ركعتين ولا أبو بكر ms1316 ولا عمر. أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي ~~تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت. كما أتم ~~عثمان. وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم. ~~مع مخالفة غيره له. والله أعلم. # وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف ~~في القرآن. ولا نجد صلاة السفر في القرآن. فقال له ابن عمر: يا أخي! إن ~~الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا. فإنما نفعل كما رأينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. # وقد قال أنس «1» : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. فكان ~~يصلي ركعتين ركعتين. حتى رجعنا إلى المدينة. # وقال ابن عمر: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان لا يزيد في السفر ~~على ركعتين. # وأبا بكر وعمر وعثمان رضي عنهم. وهذه كلها أحاديث صحيحة. # انتهى كلام ابن القيم. # قال الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار) : وقد استدل، بحديثي عائشة، ~~القائلون بأن القصر رخصة. ويحاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة لهم فيه. ~~لما تقدم من أن لفظ (تتم وتصوم) بالفوقانية. لأن فعلها، على فرض عدم ~~معارضته لقوله وفعله صلى الله عليه وسلم، لا حجة فيه. فكيف إذا كان معارضا ~~للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة؟ وأما الحديث الأول، فلو كان ~~صحيحا، لكان حجة. # لقوله صلى الله عليه وسلم في الجواب عنها: أحسنت # . ولكنه لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من ~~الصحابة. وهذا بعد تسليم أنه حسن، كما قال الدارقطني. فكيف؟ وقد طعن فيه ~~بتلك المطاعن المتقدمة. فإنها بمجردها توجب سقوط الاستدلال به عند عدم ~~المعارض. انتهى. # المسألة الثالثة- استدل بعموم الآية من جوز القصر في كل سفر طويلا أو ~~قصيرا. ووجهه أن قوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض يصدق على كل ضرب. ~~PageV03P307 # ولكنه خرج الضرب أي: المشي لغير السفر، لما كان يقع منه صلى الله عليه ~~وسلم من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه، ms1317 ولا يقصر. ولم يأت في تعيين قدر ~~السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء. فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا. ~~ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل، يعد في مسيره إليه مسافرا، قصر الصلاة. وإن ~~كان ذلك المحل دون البريد. ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين ~~والثلاث وما زاد على ذلك، بحجة نيرة. وغاية ما جاءوا به # حديث «1» : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام ~~بغير ذي محرم. وفي رواية: يوما وليلة. وفي رواية: بريدا # . وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه. والاحتجاج به مجرد ~~تخمين. وأحسن ما # ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائي قال: سألت أنسا عن ~~قصر الصلاة؟ # فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ~~ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين. والشك من شعبة. أخرجه مسلم وغيره # . فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم، هو ~~كونه صلى الله عليه وسلم سمى ذلك سفرا. قلت: # تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا. فقد سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم مسافة الثلاث سفرا. كما سمى مسافة البريد سفرا، في ذلك الحديث باعتبار ~~اختلاف الرواية. # وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا. فإن قلت: # أخرج الدارقطني والبيهقي والطبراني من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد # . من مكة إلى عسفان- قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة. فإن في إسناده عبد ~~الوهاب بن مجاهد بن جبر. وهو متروك. وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها. والحاصل ~~أن الواجب هو الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة. كذا في ~~(الروضة الندية) . (وفي المصباح) : سفر الرجل سفرا مثل طلب، خرج للارتحال. ~~وفي (القاموس) : قوم سفر وسافرة وأسفار وسفار: ذوو سفر، لضد الحضر. # هذا وللقصر مباحث مقررة في شروح السنة. # ولما كان النص السابق ms1318 الوارد في مشروعية القصر مجملا بين كيفيته بصورة في ~~مزيد الحاجة إليها، ويكتفي فيما عداها ببيان السنة، فقال تعالى: ~~PageV03P308 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 102] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # وإذا كنت فيهم أي: مع أصحابك شهيدا وأنتم تخافون العدو فأقمت لهم الصلاة ~~أي: أردت أن تقيم بهم الصلاة بالجماعة التي، لوفور أجرها، بتحمل مشاقها ~~فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة. أي بعد أن جعلتم طائفتين. ولتقف الطائفة ~~الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم. وإنما لم يصرح به لظهوره وليأخذوا أي ~~الطائفة التي قامت معك أسلحتهم معهم لأنه أقرب للاحتياط فإذا سجدوا أي: ~~القائمون معك، سجدتي الركعة الأولى وأتموا الركعة، فارقوك وأتموا صلاتهم. # وتقوم إلى الثانية منتظرا. فإذا فرغوا فليكونوا من ورائكم أي: فلينصرفوا ~~إلى مقابلة العدو للحراسة ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا وهي الطائفة الواقعة ~~تجاه العدو فليصلوا ركعتهم الأولى معك وأنت في الثانية. فإذا جلست منتظرا، ~~قاموا إلى ثانيتهم وأتموها ثم جلسوا ليسلموا معك. ولم يبين في الآية ~~الكريمة حال الركعة الرابعة الباقية لكل من الطائفتين اكتفاء ببيانه صلى ~~الله عليه وسلم لهم. كما يأتي وليأخذوا حذرهم أي: تيقظهم. لأن العدو ~~يتوهمون في الأولى كون المسلمين قائمين في الحرب. فإذا قاموا إلى الثانية ~~ظهر لهم أنهم في الصلاة فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم. فلذا خص هذا ~~الموضع بزيادة تحذير فقال: وليأخذوا حذرهم وجعله كالآلة، فأمر بأخذه وعطف ~~عليه وأسلحتهم قال الواحدي: فيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره ~~في غير الصلاة. قال أبو السعود: وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر، لما أن ~~الاشتغال بالصلاة مظنة لإلقاء ms1319 السلاح والإعراض عن غيرها، ومئنة لهجوم ~~العدو. كما ينطق به قوله تعالى ود الذين كفروا أي تمنوا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم فتضعونها وأمتعتكم أي: حوائجكم التي بها بلاغكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة أي يحملون حملة واحدة فيقتلونكم. فهذا علة الأمر # PageV03P309 # بأخذ السلاح. والأمر بذلك للوجوب. لقوله تعالى: ولا جناح عليكم أي لا حرج ~~ولا إثم عليكم إن كان بكم أذى من مطر يثقل معه حمل السلاح أو كنتم مرضى ~~يثقل عليكم حمله أن تضعوا أسلحتكم أخرج البخاري «1» عن ابن عباس قال: نزلت: ~~إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى، في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا. ثم ~~أمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط. فقيل وخذوا حذركم لئلا يهجم عليكم العدو ~~غيلة إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا أي: يهانون به. ويقال: # شديدا. قال أبو السعود: هذا تعليل الأمر بأخذ الحذر. أي: أعد لهم عذابا ~~مهينا. # بأن يخذلهم وينصركم عليهم. فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة ~~الأسباب. كي يحل بهم عذابه بأيديكم. وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو ~~موهما لتوقع غلبته واعتزازه، نفي ذلك الإيهام بأنه الله تعالى ينصرهم ويهين ~~عدوهم لتقوى قلوبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 103] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # فإذا قضيتم أي: أتممتم الصلاة أي: صلاة الخوف، على ما ### | فصل # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم أي: فداوموا على ذكره تعالى في ~~جميع الأحوال. فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة ~~على ذكر الله والتضرع إليه. قاله الرازي. وقال ابن كثير: أمر تعالى بكثرة ~~الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها. ولكن هنا ~~آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها ~~والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها كما قال تعالى (في الأشهر الحرم) ~~: فلا تظلموا فيهن أنفسكم [التوبة: 36] . وإن كان هذا ms1320 منهيا عنه في غيرها، ~~ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها. فإذا اطمأننتم أي: سكنت قلوبكم بالأمن ~~فأقيموا الصلاة أي: # على الحالة التي كنتم تعرفونها. فلا تغيروا شيئا من هيئاتها إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي: فرضا موقتا، لا يجوز إخراجها عن ~~أوقاتها وإن لزمها نقائص في رعايتها. PageV03P310 ### | فصل # في أحكام تتعلق بهذه الآية. الأول- في هذه الآية مشروعية صلاة الخوف ~~وصفتها. وأنه لا يجب قضاؤها. وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر. الثاني- ~~تعلق بظاهر قوله تعالى: وإذا كنت فيهم من لم ير صلاة الخوف بعده صلى الله ~~عليه وسلم. # زاعما أنها خاصة بعهده صلى الله عليه وسلم. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى ~~أن الأئمة بعده نوابه قوام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد ~~له صلى الله عليه وسلم. كما في قوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة [التوبة: 103] . # وقد قال صلى الله عليه وسلم «1» : صلوا كما رأيتموني أصلي. # وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد روى أبو داود «2» ~~والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم، عن سعيد بن العاص أنه قال (في غزوة ~~ومعه حذيفة) : أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال ~~حذيفة: أنا. # فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ثم قال: إن هاجمكم هيج فقد حل لكم القتال. # فصلى بإحدى الطائفتين ركعة. والأخرى مواجهة العدو ثم انصرف هؤلاء. فقاموا ~~مقام أولئك. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى. ثم سلم عليهم. وكانت الغزوة ~~بطبرستان. قال بعضهم: وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. فلم ينكره ~~أحد. فحل محل الإجماع. وروى أبو داود «3» أن عبد الرحمن بن سمرة صلى، ~~بكابل، صلاة الخوف. الثالث- # روى الإمام احمد «4» وابن أبي شيبة وسعيد بن PageV03P311 # منصور وأبو داود والنسائي وغيرهم (في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله ~~عنه) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان. فاستقبلنا ~~المشركون، عليهم خالد بن الوليد. # وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر. ~~فقالوا: قد كانوا ms1321 على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة ~~هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. # فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة ... فحضرت الصلاة. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا ~~السلاح. فصفنا خلفه صفين. ثم ركع فركعنا جميعا. ثم رفع فرفعنا جميعا. ثم ~~سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. ~~فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون. فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف ~~هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع فركعوا جميعا. ثم رفع فرفعوا ~~جميعا. ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام ~~يحرسونهم. فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا. ثم سلم عليهم. # وروى عبد الرزاق عن الثوري عن هشام، مثل هذا، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. إلا أنه قال: نكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤسهم من السجود. ~~ويتقدم الصف المؤخر فيسجدون في مصاف الأولين. # وروى عبد الرازق وابن المنذر وابن جرير «1» عن ابن أبي نجيح قال: قال ~~مجاهد (في قوله تعالى: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) : نزلت يوم كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان فتواقفوا. فصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعا. ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا ~~جميعهم، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ويقاتلوهم، فأنزل الله ~~عليهم: فلتقم طائفة. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر وصف أصحابه صفين ~~وكبر بهم جميعا. فسجد الأولون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا. حتى قام ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصف الأول. ثم كبر بهم وركعوا جميعا. فقدموا ~~الصف الآخر واستأخروا. فتعاقبوا السجود كما فعلوه أول مرة. وقصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلاة العصر ركعتين # . وفي هذه الأحاديث أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعا. واشتراكهم في ~~الحراسة. ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود. فتسجد معه طائفة ~~وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الطائفة الأولى. ثم تسجد وإذا فرغوا من الركعة ~~الأولى تقدمت الطائفة ms1322 المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة. # وتأخرت المتقدمة. (فإن قلت) : لا ينطبق ما في الآية على هذه الروايات ~~التي حكت سبب نزولها. وذلك لأن قيل في الآية: فلتقم طائفة منهم معك ~~PageV03P312 # ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ... الآية. وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا ~~معه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وإنما ينطبق ما فيها على ما # رواه «1» الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة # ، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم ~~مقبلين على العدو. وجاء أولئك. ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ~~ثم سلم. ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وما روياه عن صالح بن خوات عمن صلى ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع أن الطائفة صف معه وطائفة وجاه ~~العدو. فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما. فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه ~~العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. فأتموا ~~لأنفسهم فسلم بهم- (قلت) : بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب ~~النزول يندفع الإشكال. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~ضجنان وعسفان فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. # وهي العصر. فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وأن جبريل عليه ~~السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه، شطرين. فيصلي ~~بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم. # وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فتكون لهم ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ~~ركعتان. أخرجه أصحاب السنن «2» . # ثم رأيت القرطبي بحث في (تفسيره) نحو ما سبق لي حيث قال: وما ذكرناه من ~~سبب النزول في قصة خالد بن الوليد. لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين. ثم ~~قال (بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور) قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات. ~~فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة أخرى مفترقين. انتهى. الرابع- ظاهر ~~الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة. ms1323 لأنه لم يبين فيها حال ~~الركعة الباقية. # وقد روى النسائي «3» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ~~بذي قرد فصف الناس خلفه صفين: صفا خلفه وصفا موازي العدو. فصلى بالذين خلفه ~~ركعة. ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء. # وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة. # وكذا روى أبو داود والنسائي «4» أيضا عن حذيفة أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ~~ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. وروى PageV03P313 # أحمد ومسلم «1» وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض ~~الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم، في الحضر، أربعا. وفي السفر ~~ركعتين. وفي الخوف ركعة. # فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل ~~طائفة. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، ~~يقول الثوري وإسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير ~~واحد من التابعين. ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور: قصر الخوف قصر ~~هيئة لا قصر عدد. وتأولوا هذه الأحاديث بأن المراد بها ركعة من الإمام وليس ~~فيها نفي الثانية. ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة: (ولم يقضوا ~~ركعة) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني: (وفي الخوف ركعة) وأما تأويلهم ~~قوله (لم يقضوا) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن- بعيد جدا. كذا ~~في (نيل الأوطار) نعم. # وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه: ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ~~ركعة. وعند أبي داود من حديث ابن مسعود: ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ~~ركعة. ثم سلموا ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم ~~سلموا. وبالتحقيق، كل ما روي هو من صورها الجائزة. ولما ذكر الإمام ابن ~~القيم في (زاد المعاد) هديه صلى الله عليه وسلم في أدائها، قال في آخر ~~صورة: وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا. وتجيء ~~الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا. فيكون له صلى الله عليه وسلم ms1324 ركعتان. ~~ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها. # قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. # انتهى. # وقال ابن كثير: صلاة الخوف أنواع كثيرة. فإن العدو تارة يكون تجاه ~~القبلة. # وتارة يكون في غير صوبها. ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا ~~يقدرون على الجماعة. بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ورجالا ~~وركبانا. # ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن ~~العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه ~~قال أحمد ابن حنبل. PageV03P314 # قال المنذري: وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد. # وإليه ذهب طاوس والضحاك. وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصير ~~المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف. وإليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال ~~إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء. فإن ~~لم تقدر فسجدة واحدة. لأنها ذكر الله. وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. ~~فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه. وبه قال ~~جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي. ~~ورواه ابن جرير. ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة ~~واحدة. كما هو مذهب إسحاق بن راهويه: وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت ~~المكي حتى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا يتركها في نفسه. يعني بالنية. ~~رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن إسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه. ~~فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة. كما ~~أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد ~~الغروب. ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال بعدها، يوم بني قريظة ~~حين جهز إليهم الجيش: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. فأدركتهم ~~الصلاة في أثناء الطريق. فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول ms1325 الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا تعجيل المسير. ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها. فصلوا ~~الصلاة لوقتها في الطريق. وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة ~~بعد الغروب. ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين. ~~فاحتج في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين ~~للعهد من الطائفة الملعونة، اليهود. وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ ~~بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد. فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. وهذا ~~أبين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي رحمه الله وأهل السنن. ~~ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري «1» في (صحيحه) حيث قال (باب الصلاة عند ~~مناهضة الحصون ولقاء العدو) وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا ~~على الصلاة صلوا إيماء. كل امرئ لنفسه. # فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا ~~فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فإن لم يقدروا فلا يجزئهم ~~التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت عند ~~مناهضة PageV03P315 # حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة. ~~فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار. فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. وقال ~~أنس: وما يسرني، بتلك الصلاة، الدنيا وما فيها. انتهى. ثم أتبعه بحديث ~~تأخير الصلاة يوم الأحزاب ثم بحديث «1» أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا ~~في بني قريظة وكأنه كالمختار لذلك. والله أعلم. ولمن جنح له أن يحتج بصنيع ~~أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا. وكان ذلك في إمارة عمر بن ~~الخطاب. ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة. والله أعلم. قال ~~هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل ~~الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي. وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق ~~وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد، كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم. وقال ~~البخاري «2» وغيره: كانت ms1326 ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى. وما قدم ~~إلا في خيبر. والله أعلم. # الحكم الخامس- استدل بقوله تعالى طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين ~~في العدد. لكن لا بد أن تكون التي تحرس تحصل الثقة به في ذلك. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى ~~على الواحد. فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف. جاز لأحدهم أن يصلي بواحد. # ويحرس واحد. ثم يصلي الآخر. وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة. # السادس- استدل بالآية على عظم أمر الجماعة بل على ترجيح القول بموجبها. ~~لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها. ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع ~~الاحتياج إلى معظم ذلك. أفاده الحافظ ابن حجر في (الفتح) . # قال ابن كثير: وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه ~~الآية الكريمة. حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها واجبة ما ~~ساغ ذلك. PageV03P316 # السابع- قال بعض المفسرين: اختلف في المأمور بأخذ السلاح في قوله تعالى ~~وليأخذوا أسلحتهم فقيل: هم الطائفة الذين يواجهون العدو. وهذا ظاهر. # وقيل: بل هم الطائفة المصلون. وأراد ما لا يشغل عن الصلاة من الدرع ~~والخنجر والسيف ونحو ذلك. وقيل: للطائفتين. وهو قول القاسم. انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) : والظاهر أن المخاطب بأخذ الأسلحة المصلون. # إذ من لم يصل إنما أعد للحرس. فالظاهر الاستغناء عن أمرهم بذلك وتنبيههم ~~عليه. # وهم إنما أخروا الصلاة لذلك. أما المصلون فهم في مظنة طرح الأسلحة لأنهم ~~لم يعتادوا حملها في الصلاة. فنبهوا على أنهم لا ينبغي لهم طرح الأسلحة وإن ~~كانوا في الصلاة. لضرورة الخوف وخشية الغرة. وأيضا فصنيع الآية يعطي ذلك. ~~لأنه قال فلتقم طائفة منهم معك وعقب ذلك بقوله وليأخذوا أسلحتهم فالظاهر ~~رجوع الضمير إليهم. وحيث يعاد إلى غير المصلين يحتاج إلى تكلف في صحة العود ~~إليهم، بدلالة قوة الكلام عليهم، وإن لم يذكروا. وناقش الناصر أيضا، ~~الزمخشري في جعله المراد بقوله تعالى فإذا سجدوا فليكونوا غير المصلين. # فقال: الظاهر أن معنى ms1327 السجود هاهنا الصلاة، وقد عبر عنها بالسجود كثيرا. ~~والمراد: # فإذا صلت الطائفة، (أي أتمت صلاتها) فليكونوا من ورائكم. انتهى. # الثامن- قال أبو علي الجرجاني صاحب النظم: قوله تعالى: وخذوا حذركم يدل ~~على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة ~~يكون بها حاذرا، غير غافل من كيد العدو. والذي نزل به القرآن في هذا الموضع ~~هو وجه الحذر. لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة. فالمسلمون ~~كانوا مستدبرين القبلة. ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم. فلا ~~جرم، أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم مستقبل القبلة. # وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل، فإنه لم يفرق ~~أصحابه طائفتين. وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة. والمسلمون كانوا ~~مستقبلين لها. فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة. فلم يحتاجوا إلى ~~الاحتراس إلا عند السجود. فلا جرم، لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني ~~يحرسونهم. فلما فرغوا من السجود. وقاموا، تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا. ~~وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني. فثبت بما ذكرنا أن قوله ~~تعالى: خذوا حذركم يدل على جواز كل هذه الوجوه. والذي يدل على أن المراد من ~~هذه الآية ما ذكرناه، أنا لو لم نحملها # PageV03P317 # على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة. ولوقع فعل الرسول بعسفان ~~وببطن نخل على خلاف نص القرآن. وإنه غير جائز. نقله الرازي. # وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام ~~مختلفة وأشكال متباينة. يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في ~~الحراسة. فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى. وأنواعها مبينة في شروح ~~السنة. ثم حثهم تعالى على الجهاد بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 104] # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # ولا تهنوا في ابتغاء القوم ms1328 أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم بالقتال بل جدوا ~~فيهم واقعدوا لهم كل مرصد. ثم ألزمهم الحجة بقوله سبحانه إن تكونوا تألمون ~~فإنهم يألمون كما تألمون أي: ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا ~~بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم. كما قال تعالى: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم ~~قرح مثله [آل عمران: 140] . ثم زاد في تقرير الحجة، وبين أن المؤمنين أولى ~~بالمصابرة على القتال من المشركين بقوله تعالى: وترجون من الله ما لا يرجون ~~يعني وتأملون من القرب من الله واستحقاق الدرجات من جناته وإظهار دينه، كما ~~وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ما لا يأملونه، ~~فأنتم أولى بالجهاد منهم وأجدر بإقامة كلمة الله وكان الله عليما حكيما أي: ~~فلا يكلفكم إلا بما يعلم أنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم. فجدوا في ~~الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة. # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة وجوب الجهاد وأنه لا يسقط لما يحصل من ~~المضرة بالجراح ونحوه. وأن التجلد وطلب ما يقوى لازم، وما يحصل به الوهن لا ~~يجوز فعله. وتدل على جواز المعارضة والحجاج لقوله فإنهم يألمون وتدل على أن ~~للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب لقوله وترجون من الله ما لا يرجون فجعل هذا ~~سببا باعثا على الجهاد. هذا معنى كلام الحاكم. ونظير هذا: لو صلى لطلب ~~الثواب أو السلامة من العقاب. وقد ذكر في ذلك خلاف. فعن الراضي بالله: يجزي ~~ذلك. وقواه الفقيه يحيى بن أحمد. وعن أبي مضر: لا يجزي. لأنه لم ينو الوجه ~~الذي شرع الواجب له. انتهى. # PageV03P318 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 109] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) ~~يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله ms1329 بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ~~(109) # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن ~~للخائنين خصيما. # واستغفر الله إن الله، كان غفورا رحيما. # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول، وكان الله بما يعملون محيطا. # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا. # روى الحافظ ابن مردويه في سبب نزولها من طريق العوفي عن ابن عباس «1» : ~~أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. ~~فسرقت درع لأحدهم. # فأظن (أي: اتهم) بها رجلا من الأنصار. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: # إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في ~~بيت رجل بريء. وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان ~~وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا ~~نبي الله! إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علما. فاعذر ~~صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه. PageV03P319 # فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه ~~وعذره على رؤوس الناس. فأنزل الله: إنا أنزلنا ... الآية # . ثم قال تعالى- للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين ~~بالكذب-: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله # . يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن ~~الخائنين. ثم قال عز وجل: ومن يعمل سوءا ... # الآية. يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب. ثم ~~قال: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا # . يعني السارق ms1330 والذين جادلوا عن السارق. # قال ابن كثير: وهذا سياق غريب. وقد ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن ~~زيد وغيرهم (في هذه الآية) أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف ~~سياقاتهم، وهي متقاربة. # وقد روى هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق مطولة. ورواها عنه، من طريقه، ~~أبو عيسى الترمذي في (جامعه) في كتاب التفسير، عن قتادة بن النعمان رضي ~~الله عنه، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير (قال أبو ذر ~~الخشني: # بشير بن أبيرق. كذا وقع هنا: بشير بفتح الباء. وقال الدارقطني: إنما هو ~~بشير بضم الباء) ومبشر. وكان بشير رجلا منافقا. وكان يقول الشعر يهجو به ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ينحله إلى بعض العرب. ثم يقول: قال ~~فلان كذا أو قال فلان كذا. فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك الشعر قالوا: والله! ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث. فقال: # أو كلما قال الرجال قصيدة ... أضموا وقالوا: ابن الأبيرق قالها! # قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام. وكان الناس إنما ~~طعامهم بالمدينة، التمر والشعير. وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة ~~من الشام بالدرمك، ابتاع الرجل منها فخص به نفسه. فأما العيال، فإنما ~~طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا ~~من الدرمك فجعله في مشربة له. وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفاهما وما ~~يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما ~~أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا ~~هذه فنقبت مشربتنا فذهب بسلاحنا وطعامنا. # PageV03P320 # قال: فتحسست في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في ~~هذه الليلة، ولا نرى، فيما نراه، إلا على بعض طعامكم. # قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا: ونحن نسأل في الدار: والله! ما نرى صاحبكم ~~إلا لبيد بن سهل. رجلا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه ms1331 ~~ثم أتى بني أبيرق فقال: والله! ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن السرقة. ~~قالوا: إليك عنا أيها الرجل. فو الله! ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى ~~لم نشك أنهم أصحابها. فقال عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فذكرت ذلك له. # قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقلت: يا ~~رسول الله! إن أهل بيت منا أهل جفاء. عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له، ~~وأخذوا سلاحه وطعامه. فليردوا علينا سلاحنا. وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. فلما سمع بذلك بنو ~~أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة. فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ~~ناس من أهل الدار. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول ~~الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح ~~يرمونهم بالسرقة في غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكلمته. فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم ~~بالسرقة على غير بينة ولا ثبت؟ قال فرجعت. ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم ~~أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن ~~أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~الله المستعان. # فلم نلبث أن نزل القرآن إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما يعني: بني أبيرق. واستغفر الله أي: ~~مما قلت لقتادة إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ~~أي: بني أبيرق إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس # إلى قوله ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # أي: إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ~~وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة ms1332 أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا # قولهم للبيد ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك # يعني: أسيرا وأصحابه وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله ~~عليك الكتاب والحكمة # إلى قوله فسوف نؤتيه أجرا عظيما. # PageV03P321 # فلما نزل القرآن: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى ~~رفاعة. # قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، وكنت ~~أرى إسلامه مدخولا، فلما أتيته بالسلاح، قال: يا ابن أخي! هو في سبيل الله. ~~قال فعرفت أن إسلامه صحيحا. # فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين. فنزل على سلافة ابنة سعد بن شهيد. # فأنزل الله فيه ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين إلى قوله ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا. # فلما نزل على سلافة، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر. فأخذت رحله ~~فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت إلي شعر ~~حسان! ما كنت تأتيني بخير «1» . # وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة ~~الحراني. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم ~~بن عمر بن قتادة مرسلا. لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده «2» . # ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني عن محمد بن سلمة به، ~~ببعضه. ورواه ابن المنذر في (تفسيره) بسنده عن محمد بن سلمة. فذكره بطوله. # ورواه أبو الشيخ الأصفهاني في (تفسيره) بسنده عن محمد بن سلمة به. ثم قال ~~في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق بن إسرائيل. ورواه الحاكم في كتابه (المستدرك) بسنده عن يونس بن ~~بكير عن محمد بن إسحاق بمعناه، أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث ~~صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. كذا نقله ابن كثير. قال السيوطي في (اللباب) ~~: وأخرج ابن ms1333 سعد في الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال: عدا بشير ابن ~~الحارث على علية رفاعة بن زيد، عم قتادة بن النعمان. فنقبها من ظهرها وأخذ ~~طعاما له ودرعين بأداتهما. فأتى قتادة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~بذلك. فدعا بشيرا فسأله فأنكر. ورمى بذلك لبيد بن سهل، رجلا من أهل الدار ~~ذا حسب ونسب. فنزل القرآن PageV03P322 # بتكذيب بشير وبراءة لبيد: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... الآيات. فلما ~~نزل القرآن في بشير وعثر عليه، هرب إلى مكة مرتدا. فنزل على سلافة بنت سعد. ~~فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين. فنزل فيه: ومن يشاقق ~~الرسول ... [النساء: # 115] الآية. وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع. وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع ~~من الهجرة. انتهى. # وأما إيضاح ألفاظ الآيات وثمراتها فنقول: قوله تعالى: لتحكم بين الناس ~~بما أراك الله. أي: بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك. سمي ذلك العلم بالرؤية. ~~لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية، في القوة ~~والظهور. # قال الزمخشري: وعن عمر رضي الله عنه: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني ~~الله. فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم. ولكن ليجتهد ~~رأيه. لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا. لأن الله كان ~~يريه إياه. وهو منا الظن والتكلف. # قلت: روى هذا الأثر البيهقي في (المدخل) وابن عبد البر، بنحو ما ذكر. # قال ابن الفرس: في هذه الآية إثبات الرأي والقياس. وتعقبه السيوطي بما ~~أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: إياكم والرأي. فإن الله تعالى قال ~~لنبيه: # لتحكم بين الناس بما أراك الله. ولم يقل: بما رأيت. ثم قال السيوطي: وقال ~~غيره: # يحتمل قوله بما أراك الله. الوحي والاجتهاد معا. انتهى. # وقال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه ~~وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية. وبما # ثبت في الصحيحين «1» عن أم سلمة أن رسول الله ms1334 صلى الله عليه وسلم سمع ~~جلبة خصم بباب حجرته. فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضي بنحو ~~مما أسمع. ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له. # فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار. فليحملها أو ليذرها. # ورواه الإمام أحمد «2» عنها أيضا بلفظ: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارث بينهما قد درست. ليس بينهما بينة. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إنكم تختصمون إلي. وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته (أو قد قال: ~~PageV03P323 # لحجته) من بعض. فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه ~~شيئا فلا يأخذه. فإنما أقطع له قطعة من النار. يأتي بها إسطاما في عنقه يوم ~~القيامة. فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما إذ قلتما، فاذهبا فاقتسما. ثم توخيا الحق بينكما. ثم ~~استهما. ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه. # وقد رواه أبو داود «1» وزاد: إني إنما أقضي بينكما برأيي. فيما لم ينزل ~~علي فيه. # انتهى. # قال السيوطي: وفي الآية الرد على من أجاز أن يكون الحاكم غير عالم. لأن ~~الله تعالى فوض الحكم إلى الاجتهاد. ومن لا علم عنده كيف يجتهد؟ انتهى. ~~وقوله تعالى: ولا تكن للخائنين. أي: لأجلهم والذب عنهم. وهم طعمة ومن يعينه ~~من قومه على ما تقدم خصيما أي مخاصما. وفيه أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن ~~أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وقوله تعالى: واستغفر الله. أي مما قلت ~~لقتادة، كما تقدم مفسرا. # قال الرازي: تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء. ~~وقالوا: # لو لم يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار. ثم أجاب ~~عن ذلك بوجوه. وقال القاضي عياض في (الشفا) : إن تصرف الأنبياء عليهم ~~السلام بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، أو أتوها على ~~وجه التأويل- إنما هي ms1335 ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم وإلى كمال طاعتهم. لا ~~أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم. وأطال في هذا المقام وأطاب. ثم قال: وأيضا، فإن ~~في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء. وهو استدعاء ~~محبة الله. قال الله تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [البقرة: ~~222] . انتهى. وقوله تعالى: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # أي: يخونونها بالمعصية. جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم. كما جعلت ~~ظلما لها لرجوع ضررها إليهم. # قال الرازي: واعلم أن في الآية تهديدا شديدا. وذلك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة، وكان في علم الله أن طعمة كان ~~فاسقا، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب. فكيف حال من ~~يعلم من الظالم PageV03P324 # كونه ظالما، ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد ~~الترغيب؟ # وإنما قيل للخائنين (ويختانون) مع أن الخائن واحد، لأن المراد به هو ومن ~~عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق. أو ذكر بلفظ الجمع ليتناوله وكل من ~~خان خيانته. # كما أنه إنما ذكر بلفظ المبالغة في قوله تعالى إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما # لأنه تعالى علم منه أنه مفرط في الخيانة وركوب المآثم. ويدل له أنه هرب ~~إلى مكة وارتد. كما أسلفنا. قيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها ~~أخوات. وعن عمر رضي الله عنه، أنه أمر بقطع يد سارق. فجاءت أمه تبكي وتقول: ~~هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده في أول ~~مرة. # وقوله تعالى يستخفون من الناس # أي: يستترون حياء منهم وخوفا من ضررهم ولا يستخفون من الله # فلا يستحيون منه وهو معهم # أي: وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خاف من سرهم. # قال الزمخشري: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء ~~والخشية من ربهم، مع علمهم، إن كانوا مؤمنين، أنهم في حضرته لا سترة ولا ~~غفلة ولا ms1336 غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. # وقوله تعالى: إذ يبيتون ما لا يرضى من القول # أي: يدبرون ويزورون الحلف الكاذب ورمي البريء وشهادة الزور. وقوله تعالى ~~ها أنتم هؤلاء # ... الآية. # المجادلة: أشد المخاصمة. والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن السارق وقومه في ~~الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ وقوله تعالى أم ~~من يكون عليهم وكيلا # حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وانتقامه. # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآيات وجوب الحكم من غير محاباة ولا ~~ميل، والنهي عن التعصب والمجادلة عن كل خائن وعاص. ويدل تقييد النهي عن ~~الجدل بالذين يختانون أنفسهم، على إباحة المجادلة. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب، أتبعه بالدعوة إلى التوبة ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 110] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) # ومن يعمل سوءا # أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة أو # PageV03P325 # يظلم نفسه # فيخصها بالمعصية ثم يستغفر الله # بالتوبة الصادقة يجد الله غفورا # لذنوبه كائنة ما كانت رحيما # أي متفضلا عليه. # قال أبو السعود: وفيه مزيد ترغيب لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار. لما ~~أن مشاهدة التائب لآثار المغفرة والرحمة نعمة زائدة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 111] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه # أي فليتحرز عن تعريضها للعقاب. # وكان الله عليما حكيما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 112] # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~(112) # ومن يكسب خطيئة أو إثما # الخطيئة الذنب، أو ما تعمد منه. والإثم الذنب أيضا. وأن يعلم ما لا يحل ~~له (كذا في القاموس) . قال الراغب: الإثم أعم من العدوان. وقال غيره: هو ~~فعل مبطئ عن الثواب ثم يرم به # أي: يقذف به بريئا # أي: مما رماه به، كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح، ms1337 ذلك الرجل الصالح، ~~وهو لبيد بن سهل. كما تقدم. وقد كان بريئا فقد احتمل بهتانا # وهو الكذب على الغير بما يبهت منه وإثما مبينا # أي بينا فاحشا. لأنه بكسب الإثم، آثم. وبرمي البريء، باهت. فهو جامع بين ~~الأمرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 113] # ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) # ولولا فضل الله عليك ورحمته # بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق لهمت طائفة منهم أن يضلوك # برمي البريء والمجادلة عن الخائنين. يعني أسير ابن عروة وأصحابه. يعني ~~بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم ~~صلحاء برءاء. ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وما # PageV03P326 # يضلون إلا أنفسهم # لأن وباله عليهم وما يضرونك من شيء # لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك. ~~ولما أنزل تعالى فصل القضية وجلاها لرسوله صلى الله عليه وسلم، امتن عليه ~~بتأييده إياه في جميع الأحوال بقوله وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # أي: القرآن والسنة وعلمك # من أمور الدين والشرائع ما لم تكن تعلم # أي: قبل نزول ذلك عليك. كقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت ~~تدري ما الكتاب ... [الشورى: 52] الآية. وقال تعالى: وما كنت ترجوا أن يلقى ~~إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86] . ولهذا قال تعالى: وكان فضل الله ~~عليك عظيما # أي: فيما علمك وأنعم عليك. # قال الرازي: هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب. # ثم أشار تعالى إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضى من القول. ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 114] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ms1338 ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) # لا خير في كثير من نجواهم أي: مساررتهم. والسياق، وإن دل على مناجاة بعض ~~قوم ذلك السارق مع بعض، إلا أنها في المعنى عامة. والمراد: لا خير فيما ~~يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث. ثم استثنى النجوى في أعمال الخير ~~بقوله سبحانه إلا من أمر بصدقة أي: إلا في نجوى من أمر، بخفية عن الحاضرين، ~~بصدقة ليعطيها سرا، يستر به عار المتصدق عليه أو معروف أي: بطاعة الله. # وأعمال البر كلها معروف. وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو ~~جهر به أو إصلاح بين الناس يعني الإصلاح بين المتخاصمين ليتراجعا إلى ما ~~كانا فيه من الألفة والاجتماع. على ما أذن الله فيه وأمر به. وسر النجوى ~~فيه أنه لو ظهر أولا ربما لم يتم. # قال المهايمي: قيل في الحصر: الخير إما نفع جسماني وهو في الأمر بالصدقة. # أو روحاني وهو في الأمر بالمعروف. وإما دفع وهو في الإصلاح ويمكن أن ~~يقال: # الخير إما نفع متعد من المأمور وهو الصدقة. أو لازم له وهو المعروف. أو ~~دفع ضرر # PageV03P327 # متعد أو لازم له، وهو الإصلاح. وإنما تتم خيريتها إذا ابتغى بها رضاء ~~الله تعالى كما قال ومن يفعل ذلك ابتغاء أي: طلب مرضات الله فسوف نؤتيه ~~يعني في الآخرة أجرا عظيما يساوي أجر الفاعل أو يفوقه. وقد دلت الآية على ~~الترغيب في الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس. وقد أكد تعالى الترغيب ~~بقوله عظيما وأن النية فيها شرط لنيل الثواب. لقوله تعالى ابتغاء مرضات ~~الله وعلى أن كلام الإنسان عليه لا له. إلا ما كان في هذا ونحوه. كما جاء # في الحديث الذي رواه ابن مردويه بسنده إلى محمد بن يزيد بن حنيش قال: ~~دخلنا على سفيان الثوري نعوده. # فدخل علينا سعيد بن حسان، فقال له الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم ~~صالح اردده علي. فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: # قال رسول الله صلى ms1339 الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه لا له. إلا ذكر ~~الله عز وجل. أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر # . فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس؟ فهو هذا بعينه. أو ما سمعت ~~الله يقول: يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا؟ [النبأ: 38] ، فهو هذا بعينه. أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر [العصر: 1- 2] إلخ. فهو هذا بعينه. # وقد روى هذا الحديث الترمذي «1» وابن ماجة «2» من حديث ابن حنيش عن سعيد ~~بن حسان به. ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها. # ثم قال الترمذي: حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن حنيش. قلت: هو مقبول، ~~كما في (التقريب) لابن حجر. فحسن حديثه. # وروى الجماعة «3» عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا. ~~وقالت: لم أسمعه PageV03P328 # يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب. والإصلاح بين الناس. # وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. # وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» والترمذي «3» عن أبي الدرداء قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام ~~والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين. قال: ~~وفساد ذات البين هي الحالقة. # قال الترمذي: حسن صحيح. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 115] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) # ومن يشاقق الرسول أي يخالفه ويعاديه من بعد ما تبين له الهدى أي اتضح له ~~الحق ويتبع غير سبيل المؤمنين أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل، وهو ~~الدين القيم نوله ما تولى أي. نجعله واليا مرجحا ما تولاه من المشاقة ms1340 ~~ومتابعة غير سبيلهم فنزينه له تزين الكفر على الكفرة، استدراجا له ليكون ~~دليلا على شدة العقوبة في الآخرة. كما قال تعالى: فذرني ومن يكذب بهذا ~~الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [القلم: 44] . وقال تعالى: فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] . وقال سبحانه: ونذرهم في طغيانهم يعمهون ~~[الأنعام: 110] ونصله جهنم أي: ندخله إياها وساءت مصيرا وجعل النار مصيره ~~في الآخرة. لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة. ~~كما قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] . # الآية. وقال تعالى: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا ~~عنها مصرفا [الكهف: 53] . # قال الإمام ابن كثير: قوله تعالى: ويتبع غير سبيل المؤمنين هذا ملازم ~~للصفة الأولى. ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه ~~الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا. فإنه قد ضمنت لهم العصمة، في ~~PageV03P329 # اجتماعهم، من الخطأ، تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم. وقد وردت أحاديث كثيرة ~~في ذلك. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها. والذي عول عليه الشافعي رحمه ~~الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته، هذه الآية الكريمة. ~~بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها. وإن كان بعضهم ~~قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك. انتهى. # وقال بعض مفسري الزيدية: الآية دلت على أن مشاقة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كبيرة. وقد تبلغ إلى الكفر. ودلت على أن الجهل عذر. لقوله: من بعد ما ~~تبين له الهدى. # ودلت على أن مخالفة الإجماع كبيرة. وأنه دليل كالكتاب والسنة لكن إنما ~~يكون كبيرة إذا كان نقله قطعيا، لا آحاديا. انتهى. # وقال المهايمي: في الآية دليل على حرمة مخالفة الإجماع. لأنه عز وجل رتب ~~الوعيد الشديد على مشاقة الرسول ومخالفة الإجماع، فهو إما لحرمة أحدهما وهو ~~باطل. إذ يقبح أن يقال من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد، إذ لا دخل ~~لأكل الخبز فيه. أو لحرمة الجمع بينهما وهو أيضا باطل. لأن مشاقة الرسول ~~حرام وإن لم يضم إليها ms1341 غيرها. أو لحرمة كل واحد منهما وهو المطلوب. انتهى. # ونقل الخفاجي قصة استدلال الشافعي من هذه الآية عن الإمام المزني قال: # كنت عند الشافعي يوما. فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا. فلما رآه ذا ~~مهابة استوى جالسا، وكان مستندا لأسطوانة، فاستوى وسوى ثيابه. فقال له: ما ~~الحجة في دين الله؟ قال: كتابه قال: وماذا؟ قال: سنة نبيه. قال وماذا؟ قال: ~~اتفاق الأمة. قال: # من أين هذا الأخير؟ أهو في كتاب الله؟ فتدبر ساعة ساكتا. فقال له الشيخ: ~~أجلتك ثلاثة أيام بلياليهن. فإن جئت بآية، وإلا فاعتزل الناس. # فمكث ثلاثة أيام لا يخرج وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد ~~تغير لونه. فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس. وقال: حاجتي. فقال: نعم. أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله عز وجل: ومن ~~يشاقق الرسول- إلى آخر الآية. لم يصله جهنم، على خلاف المؤمنين، إلا ~~واتباعهم فرض. قال: صدقت. وقام وذهب. # وروي عنه أنه قال: قرأت القرآن في يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات. حتى ظفرت ~~بها. # وأورد الراغب عليه، أنه لا حجة فيها على ما ذكره. بأن كل موصوف علق به # PageV03P330 # حكم فالأمر باتباعه يكون في مأخذ ذلك الوصف. فإذا قيل اقتد بالمصلي ~~فالمراد في صلاته. فكذا سبيل المؤمنين، يعني به سبيلهم في الإيمان، لا غير. ~~فلا دلالة في الآية على اتباعهم في غيره. ورد بأنه تخصيص بما يأباه الشرط ~~الأول. ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف، تناول الأمر باتباعهم ذلك ~~أيضا. فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه. فسبيل المؤمنين، وإن ~~فسر بما هم عليه من الدين، يعم الأصول والفروع، الكل والبعض. على أن الجزاء ~~مرتب على كل من الأمرين المذكورين في الشرط، لا على المجموع. للقطع بأن ~~مجرد مشاقة الرسول كافية في استحقاق الوعيد، معنى على أن ترك اتباع سبيل ~~المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين. لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل، ~~البتة. انتهى. # ورأيت للإمام تقي الدين بن تيمية في كتابه ms1342 (الفرقان بين الحق والباطل) ~~مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع. أجال فيها جواد قلمه وأجاد. وأطال ~~وأطاب. قال رحمه الله: ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه، فهذا قد بينه ~~الرسول أحسن بيان. # فما بقي مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك. وقد ~~قاله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] . # وقال تعالى: ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [يوسف: 111] . وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [النحل: 89] . # وقال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي عليه ~~توكلت وإليه أنيب [الشورى: 10] . وقال تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] . فقد بين للمسلمين جميع ما ~~يتقونه. كما قال: وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه [الأنعام: ~~119] . وقال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: ~~59] . وهو الرد إلى كتاب الله، أو إلى سنة الرسول، بعد موته. وقوله فإن ~~تنازعتم شرط. والفعل نكرة في سياق الشرط. فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى ~~الله والرسول. ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد ~~إليه. # وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : تركتكم على البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا PageV03P331 # هالك. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نحو هذا. والحاصل أن الكتاب والسنة ~~وافيان بجميع أمور الدين. وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق. لا تجتمع الأمة ~~على ضلالة. وكذلك القياس الصحيح حق. فإن الله بعث رسله بالعدل وأنزل ~~الميزان مع الكتاب. والميزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل. وقد فسروا ~~إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك. والله ورسوله يسوي بين المتماثلين ~~ويفرق بين المختلفين وهذا هو القياس الصحيح، وقد ضرب الله في القرآن من كل ~~مثل. وبين بالقياس الصحيح وهي الأمثال المضروبة، ما بينه من ms1343 الحق. لكن ~~القياس الصحيح يطابق النص. فإن الميزان يطابق الكتاب. والله أمر نبيه أن ~~يحكم بالعدل. فهو أنزل الكتاب. وإنما أنزل الكتاب بالعدل. قال تعالى: وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله [المائدة: 49] . وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ~~[المائدة: 42] . # وأما إجماع الأمة فهو حق. لا تجتمع الأمة، ولله الحمد، على ضلالة، كما ~~وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة. فقال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [آل عمران: 110] . وهذا ~~وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. فلو قالت الأمة في ~~الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. # وقال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] . والوسط العدل الخيار وقد جعلهم الله ~~شهداء على الناس وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. # وقد ثبت في الصحيح «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال: ~~وجبت. ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا. فقال: وجبت. قالوا: يا رسول ~~الله! ما قولك وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا. فقلت: وجبت لها ~~الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا. # فقلت: وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض. PageV03P332 # فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل. فإذا شهدوا أن الله أمر ~~بشيء فقد أمر به. وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه. ولو كان ~~يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. وقال تعالى: واتبع ~~سبيل من أناب إلي [لقمان: 15] . والأمة منيبة إلى ربها فيجب اتباع سبيلها ~~وقال تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه [التوبة: 100] . فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة. ~~فدل على أن متابعهم عامل بما يرضي الله. والله لا يرضى إلا بالحق لا ~~بالباطل. وقال تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما ms1344 تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، والشافعي، رضي الله ~~عنه، لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع. كما كان ~~يسمع هو وغيره من مالك. # ذكر ذلك عن عمر بن عبد العزيز. والآية دلت على أن متبع غير سبيل ~~المؤمنين، مستحق للوعيد كما أن مشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، مستحق ~~للوعيد. # ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده. فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ~~ذلك لكان لا فائدة في ذكره. وهنا للناس ثلاثة أقوال: قيل: اتباع غير سبيل ~~المؤمنين هو بمجرده مخالفة الرسول المذكورة في الآية. وقيل بل مخالفة ~~الرسول مستقلة بالذم. فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم. وقيل: بل اتباع ~~غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية. لكن هذا لا يقتضي مفارقته ~~للأول بل قد يكون مستلزما له. فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر ~~مشاق للرسول. # وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين. وهذا كما في طاعة الله ~~والرسول. # فإن طاعة الله واجبة وطاعة الرسول واجبة. وكل واحد من معصية الله ومعصية ~~الرسول موجب للذم. وهما متلازمان. فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. # وفي الحديث الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد ~~أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى ~~أميري فقد عصاني. # ثم قال تقي الدين رحمه الله (بعد ثلاثة أوراق) : ومن الناس من يقول: إنها ~~لا تدل على مورد النزاع. فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين. وهذا لا نزاع فيه. ~~أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين. وهي متابعة الرسول. ~~وهذا لا نزاع PageV03P333 # فيه. أو إن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة. وهذا لا نزاع ~~فيه. فهذا ونحوه قول من يقول: لا تدل على محل النزاع. وآخرون يقولون: بل ~~تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا. وتكلفوا لذلك ما تكلفوه. كما قد عرف ~~كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك بأجوبة شافية. والقول الثالث ms1345 الوسط: إنها ~~تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم. ولكن مع تحريم ~~مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى. وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا. كما ~~تقدم. لكن لا ينفي تلازمهما. كما ذكر في طاعة الله والرسول. وحينئذ يقول: ~~الذم إما أن يكون حقا لمشاقة الرسول فقط، أو باتباع غير سبيلهم فقط، أو أن ~~يكون الذم لا يلحق بواحد منهما. بل بهما إذا اجتمعا. أو لحق الذم بكل منهما ~~وإن انفرد عن الآخر، أو بكل منهما لكونه مستلزما للآخر. والأولان باطلان. ~~لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط، كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه. وكون ~~الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا. فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع ~~النظر عمن اتبعه. ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه ~~الآية. فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع. بقي القسم الآخر وهو أن كلا ~~من الوصفين يقتضي الوعيد. لأنه مستلزم للآخر. كما يقال مثل ذلك في معصية ~~الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام. فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو ~~من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار. ومثله قوله: ومن يكفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا. فإن الكفر بكل واحد ~~من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع. ومن كفر ~~بالملائكة كفر بالكتب والرسل، فكان كافرا بالله. إذ كذب رسله وكتبه. وكذلك ~~إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل. فكان كافرا. وكذلك قوله: يا أهل ~~الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [آل عمران: 71] ~~ذمهم على الوصفين. وكل منهما مقتض للذم. وهما متلازمان. ولهذا نهى عنهما ~~جميعا في قوله ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون فإن من ~~لبس الحق بالباطل فغطاه به، فغلط به، لزم أن يكتم الحق الذي تبين أن هذا ~~باطل، إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق. فهكذا مشاقة الرسول واتباع ~~غير سبيل المؤمنين. ms1346 من شاقه، فقد اتبع غير سبيلهم. وهذا ظاهر. ومن اتبع غير ~~سبيلهم فقد شاقه أيضا فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد. فدل على أنه وصف ~~مؤثر في الذم. # فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم ذلك. وإذا ~~قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول. قلنا: لأنهما متلازمان. وذلك لأن كل ما ~~أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول. فالمخالف لهم مخالف ~~للرسول. # PageV03P334 # كما أن المخالف للرسول مخالف لله. ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه ~~الرسول قد بينه الرسول. وهذا هو الصواب. فلا يوجد مسألة قط مجمع عليها إلا ~~وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس. ويعلم الإجماع ~~فيستدل به. كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص. وهو دليل ثان مع ~~النص، كالأمثال المضروبة في القرآن. وكذلك الإجماع دليل آخر. كما يقال: قد ~~دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع ~~تلازمها. فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة. وما دل عليه ~~القرآن فعن الرسول أخذ. فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه. ولا توجد مسألة ~~يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص. وقد كان بعض الناس يذكر فيها الإجماع بلا ~~نص كالمضاربة. وليس كذلك. بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية، لا ~~سيما قريش. فإن الأغلب كان عليهم التجارة. وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى ~~العمال. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما ~~سافر بمال خديجة. والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي ~~سفيان وغيره. فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة. ولم ينه عن ذلك. والسنة قوله ~~وفعله وإقراره. فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة. والأثر المشهور فيها عن عمر ~~الذي رواه مالك في الموطأ «1» ، ويعتمد عليه الفقهاء، لما أرسل أبو موسى ~~بمال أقرضه لا بنيه واتجرا فيه وربحا. وطلب عمر ms1347 أن يأخذ الربح كله للمسلمين ~~لكونه خصهما بذلك دون سائر الجيش. فقال له أحدهما: لو خسر المال لكان ~~علينا. فكيف يكون الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة. ~~فجعله مضاربة. PageV03P335 # وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم. والعهد بالرسول قريب. لم ~~يحدث بعده. فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول. كما كانت الفلاحة ~~وغيرها من الصناعات كالخياطة والخرازة. وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد ~~تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي ~~الموافق للنص. لكن كان النص عند غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد ~~الإجماع إلا من نص نقلوه عن الرسول. مع قولهم بصحة القياس. ونحن لا نشترط ~~أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى، كما نقل الأخبار، ولكن استقرينا ~~موارد الإجماع فوجدنا كلها منصوصة. وكثر من العلماء لم يعلم النص وقد وافق ~~الجماعة. كما أنه قد يحتج بقياس، وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع. كما ~~يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعموم. كاستدلال ابن مسعود وغيره ~~بقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] . وقال ابن ~~مسعود «1» : سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى. أي: بعد البقرة. وقوله: ~~أجلهن أن يضعن حملهن، يقتضي انحصار الأجل في ذلك. فلو أوجب عليها أن تعتد ~~بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها. وعلي وابن عباس وغيرهما أدخلوها ~~في عموم الآيتين. وجاء النص الخاص في قصة «2» سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ~~ابن مسعود. وكذلك. لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها هل لها مهر المثل، ~~أفتى PageV03P336 # ابن مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل. ثم رووا حديث بروع بنت واشق بما ~~يوافق ذلك. وقد خالفه علي وزيد وغيرهما. فقالوا: لا مهر لها. فثبت أن بعض ~~المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس، ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه ~~فيوافقه. ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على أنه لا نص فيها. بل عامة ما ~~تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص وأولئك يحتجون ms1348 بنص. كالمتوفى عنها ~~الحامل. هؤلاء احتجوا بشمول الآيتين لها. والآخرون قالوا: إنما تدخل في آية ~~الحمل فقط، وإن آية الشهور في غير الحامل. كما أن آية القروء في غير ~~الحامل. وكذلك لما تنازعوا في الحرام احتج من جعله يمينا بقوله: لم تحرم ما ~~أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم [التحريم: 1- 2] . # وكذلك تنازعوا في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى. احتج هؤلاء بحديث فاطمة ~~«1» وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية. وأولئك قالوا: بل هي لهما. # ودلالات النصوص قد تكون خفية. فخص الله بفهمها بعض الناس. كما # قال علي «2» : إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه # . وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه، كتيمم الجنب. فإنه بين في ~~القرآن في آيتين. ولما «3» احتج أبو موسى على ابن PageV03P337 # مسعود بذلك قال الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول، إلا أنه قال: لو أرخصنا ~~لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد البرد أن يتيمم. وقد قال ابن عباس وفاطمة ~~بنت قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله: لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟ وقد احتج ~~طائفة على وجوب العمرة بقوله: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] . ~~واحتج بهذه الآية من منع الفسخ. وآخرون يقولون: إنما أمر بالإتمام فقط. ~~وكذلك أمر الشارع أن يتم. وكذلك في الفسخ قالوا: من فسخ العمرة إلى غير حج ~~فلم يتمها. أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه ~~فإنه شرع صلى الله عليه وسلم أصحابه عام حجة الوداع. وتنازعوا في الذي بيده ~~عقدة النكاح وفي قوله: أو لامستم النساء [النساء: 43] . ونحو ذلك مما ليس ~~هذا موضع استقصائه. وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلي ~~ولا خفي، فهذا ما أعرفه. والجد، لما قال أكثرهم: إنه أب، واستدلوا على ذلك ~~بالقرآن بقوله: كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] ، وقال ابن عباس: ~~لو ms1349 كانت الجن تظن أن الإنس تسمى أبا الأب جدا لما قالت: وأنه تعالى جد ربنا ~~[الجن: 3] . نقول: إنما هو أب، لكن أب أبعد من أب. وقد روي عن علي وزيد ~~أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا ~~فقد غلط. ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم أحد منهم إلا بالرأي والقياس ~~فقد غلط. بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم. فمن رأى دلالة ~~الكتاب ذكرها. ومن رأى دلالة الميزان ذكرها. # والدلائل الصحيحة لا تتناقض. لكن قد يخفى وجه اتفاقهما أو ضعف أحدهما على ~~بعض العلماء. وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين. كما أن لهم ~~معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين. فإنهم شهدوا ~~التنزيل وعاينوا الرسول. وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به ~~على مرادهم، ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم ~~مما اعتقدوه من إجماع أو قياس. ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند ~~معظم الشريعة، فقد أخبر عن حاله. فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج ~~إلى ذلك. # وهذا كقولهم: إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص ~~عليها. # فإنما هذا من قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام ~~وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه: إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها ~~الصحابة أو في نظيرها. فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام، حدثت جميع ~~أجناس الأعمال. # PageV03P338 # فتكلموا فيها بالكتاب والسنة. وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة. # والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه. إذ هم أهل الإجماع، ~~فلا إجماع قبلهم. لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب ~~الله. # فإن لم تجد، فبما في سنة رسول الله. فإن لم تجد، فبما قضى به الصالحون ~~قبلك. # وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس. فقدم عمر الكتاب ثم السنة: وكذلك ابن ~~مسعود قال مثل ما قال عمر. قدم الكتاب ms1350 ثم السنة، ثم الإجماع. وكذلك ابن ~~عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر. # لقوله «1» : اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر. # وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وهم من أشهر الصحابة ~~بالفتيا والقضاء. وهذا هو الصواب. ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ ~~المجتهد ينظر أولا في الإجماع. فإن وجده لم يلتفت إلى غيره. وإن وجد نصا ~~خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه. وقال بعضهم: الإجماع نسخه. # والصواب طريقة السلف. وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع ~~الإجماع نص معروف به أن ذاك منسوخ. فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته ~~الأمة، وحفظت النص المنسوخ، فهذا لا يوجد قط. وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما ~~نهيت عن اتباعه. وإضاعة ما أمرت باتباعه. وهي معصومة عن ذلك. ومعرفة ~~الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا. فمن الذي يحيط بأقوال المجتهدين؟ بخلاف ~~النصوص، فإن معرفتها ممكنة متيسرة. وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أولا. لأن ~~السنة لا تنسخ الكتاب. فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة. بل إن كان فيه ~~منسوخ، كان في القرآن ناسخه. فلا يقدم غير القرآن عليه. ثم إذا لم يجد ذلك ~~طلبه في السنة. ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته. لا ينسخ ~~السنة إجماع ولا غيره. ولا تعارض السنة بإجماع. وأكثر ألفاظ الآثار. فإن لم ~~يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة. مع أنها فيها. وكذلك في القرآن. ~~فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة. وإذا كان في السنة لم ~~يكن ما فيه السنة معارضا لما في القرآن. # وكذلك الإجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة. انتهى كلامه قدس الله ~~روحه. PageV03P339 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 116] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا (116) # إن الله لا يغفر أن يشرك به ms1351 ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قد مر الكلام على ~~هذه الآية الكريمة في أوائل هذه السورة مطولا. قالوا: تكريرها إما تأكيدا ~~وتشديدا أو لتكميل قصة طعمة، وقد مر موته كافرا. أو إن لها سببا آخر في ~~النزول. على ما # رواه الثعلبي عن ابن عباس قال: جاء شيخ، إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال: إني شيخ منهمك في الذنوب. إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته ~~وآمنت به. ولم أتخذ من دونه وليا. ولم أوقع المعاصي جراءة. وما توهمت طرفة ~~عين أني أعجز الله هربا. وإني لنادم تائب. فما ترى حالي عند الله سبحانه ~~وتعالى؟ فنزلت. # واستظهر بعضهم الوجه الأخير قال: لأن التأكيد، مع بعد عهده، لا يقتضي ~~تخصص هذا الموضع، فلا بد له من مخصص. وأغرب المهايمي حيث جعلها مشيرة إلى ~~شقي الآية الكريمة، حيث قال: ثم أشار إلى أن وعيد مشاقة الرسول جازم دون ~~مخالفة الإجماع. لأن مشاقة الرسول دليل تكذيبه. وهو مستلزم للشرك بالله. إذ ~~خلق المعجزات لا يكون إلا لكامل القدرة. ولا يكون إلا لإله. فإذا نفاها عن ~~الله فقد أثبت له شريكا وأن الله لا يغفر أن يشرك به. ومخالفة الإجماع يجوز ~~أن تكون مغفورة. لأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، إذ لا تنتهي إلى الشرك. ~~وكل هذه المناسبات دالة دون ذلك قطعا على دلالة هذه الآية، على أن ما سوى ~~الشرك مغفور قطعا. سواء حصلت التوبة أو لم تحصل. # وقد روى الترمذي «1» عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب ~~إلي من هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به # - الآية ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا. أي: عن الحق. فإن الشرك أعظم ~~أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة. وإنما ذكر في الآية الأولى ~~فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب. ومنشأ شركهم كان نوع افتراء. وهو ~~دعوى التبني على الله تعالى بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه قاله القاضي. # وفي (السمين) : ختمت الآية المتقدمة ms1352 بقوله فقد افترى وهذه بقوله ~~PageV03P340 # فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته، وأن ~~شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله. ~~وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم علم. فناسب وصفهم بالضلال. # وأيضا قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 117] # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) # إن يدعون من دونه ما يعبد مشركو مكة ونحوهم من دون الله إلا إناثا قال ~~الرازي: (يدعون) بمعنى (يعبدون) لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه ~~إليه. انتهى. # وقد روى الإمام أحمد «1» وابن أبي شيبة وأصحاب السنن وغيرهم، عن النعمان ~~ابن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء هو العبادة. ورواه ~~أبو يعلى عن البراء. # ورواه الترمذي «2» عن أنس بلفظ: الدعاء مخ العبادة. # وفي قوله تعالى إلا إناثا وجوه: # الأول- ما رواه ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: يعني أوثانا. وعليه فمرجع ~~التسمية بالإناث كون أسماء غالبها مؤنثة. كمناة والعزى واللات ونحوها. ~~ولأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحلي ويزينونها على هيئات النسوان. وروي عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل ~~نحو ما لعائشة. # الوجه الثاني- أنه عنى الملائكة. لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون ~~عنها: بنات الله. روى ابن جرير «3» عن الضحاك في الآية: قال المشركون، ~~للملائكة: # بنات الله. وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. قال: فاتخذوهن أربابا ~~وصوروهن جواري فحكوا وقلدوا وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده. ~~يعنون الملائكة. PageV03P341 # قال ابن كثير: وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى أفرأيتم اللات والعزى ~~[النجم: 27] الآيات وقال تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا [الزخرف: 19] ... الآية. وقال وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا [الصافات: ~~137] انتهى. # وقال تعالى: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى. # الوجه الثالث- ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في ms1353 الآية قال: مع كل ~~صنم جنية. # الرابع- قال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس والحسن: إناثا يعني ~~موتى. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح. إما خشبة يابسة وإما حجر ~~يابس. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير «1» . وفي (القاموس. وشرحه) : الإناث ~~جمع الأنثى. وهو خلاف الذكر من كل شيء. والموات الذي هو خلاف الحيوان. # كالشجر والحجر والخشب، عن اللحياني. وعن الفراء: تقول العرب اللات والعزى ~~وأشباههما من الآلهة المؤنثة. انتهى. # وقال الإمام أبو البقاء: قوله تعالى إلا إناثا هو جمع أنثى على (فعال) ~~ويراد به كل ما لا روح فيه من صخرة وشمس ونحوهما. ويقرأ (أنثى) على ~~الإفراد. ودل الواحد على الجمع. ويقرأ (أنثا) مثل رسل فيجوز أن تكون صفة ~~مفردة مثل امرأة جنب، ويجوز أن يكون جمع أنيث كقليب وقلب. وقد قالوا: حديد ~~أنيث، من هذا المعنى. ويقرأ اثنا والواحد وثن وهو الصنم وأصله وثن، في ~~الجمع كما في الواحد إلا أن الواو قلبت همزة لما انضمت ضما لازما وهو مثل ~~أسد. وأسد. ويقرأ بالواو على الأصل جمعا. ويقرأ بسكون الثاء مع الهمزة ~~والواو. انتهى. # قال البيضاوي: ولعله تعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيها على أنهم يعبدون ما ~~يسمونه إناثا. لأنه ينفعل ولا يفعل. ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير ~~منفعل، ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم وإن يدعون أي: ما يعبدون ~~من دون الله إلا شيطانا مريدا وهو إبليس لعنه الله لطاعتهم له في عبادتها. ~~وإذا PageV03P342 # أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه. كما قال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان [يس: 60] وقال تعالى بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون [سبأ: 41] والمريد المتمرد العاتي الطاغي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 118] # لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) # لعنه الله صفة ثانية ل (شيطانا) أي: أبعده الله عن رحمته. فأراد إبعاد من ~~أبعد بسببه وقال حين أبعد لأتخذن من عبادك أي: الذي أبعدتني بسببهم أي: ms1354 ~~لأجعلن لي منهم نصيبا أي: حظا مفروضا أي: مقطوعا ومقدرا من عبادتهم بأن ~~يعبدوا غيرك، أو يراءوا فيها، أو يعجبوا بها، أو يتلفوها في المظالم، أو ~~يحبطوها بالكفر بعدها. # قال العلامة أبو السعود. قوله تعالى وقال إلخ عطف على الجملة المتقدمة ~~أي: شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله، وهذا القول الشنيع الصادر عنه عند ~~اللعن. # ولقد برهن على أن عبادة الأصنام غاية الضلال بطريق التعليل بأن ما ~~يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلا اختياريا. وذلك ينافي الألوهية غاية ~~المنافاة. ثم استدل عليه بأن ذلك عبادة للشيطان وهو أفظع الضلال من وجوه ~~ثلاثة: الأول- أنه منهمك في الغي لا يكاد يعلق بشيء من الخير والهدى. فتكون ~~طاعته ضلالا بعيدا عن الحق. والثاني- أنه ملعون لضلاله. فلا تستتبع مطاوعته ~~سوى اللعن والضلال. والثالث- أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالهم. ~~فموالاة من هذا شأنه غاية الضلال، فضلا عن عبادته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 119] # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) # ولأضلنهم أي: عن الهدى ولأمنينهم أي: الأماني الباطلة من طول الأعمار ~~وبلوغ الآمال. قال الرازي: إن الشيطان لما ادعى أنه يضل الخلق قال ~~ولأمنينهم وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأماني في ~~قلوب الخلق. وطلب ما يورث شيئين: الحرص والأمل. والحرص والأمل يستلزم أكثر # PageV03P343 # الأخلاق الذميمة. وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان. # قال «1» صلى الله عليه وسلم: يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص ~~والأمل. # والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين. فإنه إذا اشتد حرصه على ~~الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق. وإذا طال أمله ~~نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا. فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر ~~فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة ولآمرنهم أي على خلاف أمرك ~~إضلالا لهم فليبتكن آذان الأنعام أي: فليقطعنها ويشقنها سمة وعلامة للبحائر ~~والسوائب ليحرموها، بعد ما أحللتها. ms1355 قال الواحدي رحمه الله: # التبتيك، هاهنا، هو قطع آذان البحيرة، بإجماع المفسرين. وذلك أنهم كانوا ~~يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرا ثم تسيب وحرموا ~~على أنفسهم الانتفاع بها. فأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح. ولا ~~يردونها عن ماء ولا مرعى. وإذا لقيها المعيى المنقطع به لم يركبها. وسول ~~لهم إبليس أن هذا قربة، وهي البحيرة. قال ابن سيده: بحر الناقة والشاة ~~يبحرها: شق أذنها بنصفين. وقل بنصفين طولا ولآمرنهم فليغيرن خلق الله أي: ~~دين الله عز وجل. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وكثيرين. وهذا كقوله تعالى ~~فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ~~[الروم: 30] على قول من جعل ذلك أمرا. أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا ~~الناس على فطرتهم، كما # ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال «2» رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه # . كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟ # وفي صحيح مسلم «3» عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: قال PageV03P344 # الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. # وحرمت عليهم ما أحللت لهم. # وروى الإمام أحمد «1» والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. وكان أول من سيب ~~السوائب وبحر البحيرة. # وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي ~~ابن قمعة بن خندف، أبو خزاعة. # وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: أنه عنى بالآية خصي الدواب. وقال أنس: ~~منه الخصا. # وقد روى ابن عساكر عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإخصاء. # ورواه الإمام أحمد «2» أيضا عنه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن خصاء الخيل والبهائم. # وروى الطبراني عن ابن مسعود: نهى النبي صلى ms1356 الله عليه وسلم أن يخصى أحد ~~من ولد آدم. # وروى البيهقي عن ابن عباس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح ~~وخصاء البهائم # . وقال الحسن: عنى بالآية الوشم (بالشين المعجمة) أخرجه ابن أبي حاتم. # روى الإمام أحمد «3» عن أبي هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوشم. # وفي الصحيح «4» PageV03P345 # عن ابن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات ~~المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجل. ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله عز وجل؟ # يعني قوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. # قال السيوطي في (الإكليل) : فيستدل بالآية على تحريم الخصاء والوشم وما ~~يجري مجراه، من الوصل في الشعر. والتفلج، وهو تفريق الأسنان، والتنميص، وهو ~~نتف الشعر في الوجه. انتهى. # قال بعض الزيدية: ويلحق بالوشر ما يفعل في الخد من الشرط للزينة. وحكى ~~الزجاج عن بعضهم، في معنى الآية: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ~~ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل. وخلق الشمس ~~والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون فغيروا خلق الله. ~~ولا يخفى أن عموم الآية يصدق على جميع المعاني. إذ كلها من تغيير خلق الله. ~~فلا مانع من حمل الآية عليها. قال البيضاوي: قوله فليغيرن خلق الله أي: عن ~~وجهه وصورته، أو صفته. ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي، وخصاء العبيد، ~~والوشم والوشر، واللواط، والسحق، ونحو ذلك. وعبادة الشمس والقمر، وتغيير ~~فطرة الله تعالى التي هي الإسلام. واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود ~~على النفس كمالا، ولا يوجب لها من الله سبحانه وتعالى زلفى. انتهى. # وهذه الجمل المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا. وما فيها ~~من (اللامات) كلها للقسم. والمأمور به في الموضعين محذوف، ثقة بدلالة النظم ~~عليه. ثم حذر تعالى عن متابعته فقال ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ~~بإيثار ما يدعو إليه، مجاوزا ولاية الله، بترك ما يدعو إليه فقد خسر ms1357 خسرانا ~~مبينا أي: بينا لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 120] # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) # يعدهم بأنهم الفائزون ويمنيهم أي: ما لا ينالونه وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا باطلا وضلالا، وإيهام نفع مما ليس فيه إلا الضرر. # PageV03P346 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 121] # أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) # أولئك أي: أولياء الشيطان مأواهم مصيرهم ومآلهم يوم القيامة جهنم ولا ~~يجدون عنها محيصا معدلا ومفرا. ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومآلهم ~~من الكرامة فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 122] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # والذين آمنوا أي: صدقت قلوبهم وعملوا الصالحات أي: عملت جوارحهم بما ~~أمروا به من الخيرات سندخلهم جنات تجري من تحتها أي: من تحت غرفها ومساكنها ~~الأنهار أنهار الخمر والماء واللبن والعسل خالدين فيها مقيمين في الجنة. لا ~~يموتون ولا يخرجون منها أبدا وعد الله حقا صدقا واقعا لا محالة. وكيف لا ~~يكون وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا وعدا وخبرا. وهو استفهام بمعنى ~~النفي. أي: لا أحد أصدق منه قيلا. لا إله إلا هو ولا رب سواه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «1» في خطبته: إن أصدق الحديث ~~كلام الله. وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها. ~~وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار # والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله ~~الصادق لأوليائه. والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله. و (القيل) ~~مصدر، كالقال والقول. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 123] # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (123) # ليس بأمانيكم أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن ~~تنفعكم الأصنام ولا ms1358 أماني أهل الكتاب ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث ~~PageV03P347 # قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة [البقرة: 80] من يعمل سوءا يجز به. أي: من المشركين وأهل الكتاب ~~بدليل قوله ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا وهذا وعيد للكفار لأنه ~~قال بعده: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 124] # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن جملة حالية. و (من) الأولى ~~زائدة عند الأخفش. وصفة عند سيبويه. أي: شيئا من الصالحات فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا # أي: لا ينقص من حسناتهم قدر نقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا ~~على سبيل المبالغة في نفي الظلم. ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان. ~~والراجع في ولا يظلمون لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. وجاز أن يكون ~~ذكره عند أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر. وقوله تعالى من يعمل سوءا ~~يجز به وقوله ومن يعمل من الصالحات بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله سبحانه ~~بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته [البقرة: 81] وقوله والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات عقيب قوله وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. ### | تنبيه: # ما قدمناه من أن الخطاب في قوله تعالى ليس بأمانيكم للمشركين وأن قوله ~~تعالى: من يعمل سوءا أي: من أهل الكتاب والمشركين- هو الذي يدل عليه سياق ~~الآية ونظمها الكريم كما بينا. ورواه الطبري «1» عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والحسن. قال الأولان رضي الله عنهما: (السوء) هاهنا هو الشرك. وقال الحسن: ~~من يعمل سوءا هو الكافر. ثم قرأ وهل نجازي إلا الكفور. # ولما كان لعموم هذا الخطاب روعة، وأي روعة، أشفق كثير من الصحابة لأجله. ~~قال ابن كثير: وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من ~~PageV03P348 # الصحابة. # قال الإمام أحمد «1» : حدثنا عبد الله بن نمير. حدثنا إسماعيل عن أبي بكر ~~بن ms1359 أبي زهير قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! كيف ~~الفلاح بعد هذه الآية ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز ~~به فكل سوء عملنا جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك، ~~يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: ~~بلى. قال: هو مما تجزون به. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت من يعمل سوءا يجز به شق ذلك ~~على المسلمين. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا. فإن ~~في كل ما يصاب به المسلم كفارة. حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها. رواه ~~سعيد بن منصور وأحمد «2» ومسلم «3» والترمذي والنسائي. # وقال عطاء بن يسار عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن، حتى ~~الهم يهمه إلا كفر الله عن سيئاته. أخرجاه. «4» # وروى ابن مردويه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قيل: يا رسول ~~الله! من يعمل سوءا يجز به؟ قال: نعم. ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا. فهلك من ~~غلب واحدته عشراته ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 125] # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله أي: أخلص نفسه له تعالى فلم يتخذ ربا ~~سواه. وهو محسن أي آت بالحسنات تارك للسيئات. أو آت بالأعمال الصالحة على ~~الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي. وقد فسر ~~PageV03P349 # النبي «1» صلى الله عليه وسلم الإحسان # بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك # واتبع ملة إبراهيم الموافقة لدين الإسلام، المتفق على صحتها وقبولها ~~حنيفا أي: مائلا عن الشرك قصدا. أي: تاركا له عن بصيرة، ومقبل على الحق ~~بكليته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد. ms1360 # قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون ~~الإنسان مؤمنا، شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: أحدهما- أنه الدين المشتمل ~~على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى. والثاني- أنه الدين ~~الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام. وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل ~~بالترغيب في دين الإسلام. أما الوجه الأول فاعلم أن دين الإسلام مبني على ~~أمرين: # الاعتقاد والعمل. أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أسلم وجهه لله وذلك ~~لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع. والوجه أحسن أعضاء الإنسان. فالإنسان إذا ~~عرف بقلبه ربه، وأقر بربوبيته وعبودية نفسه، فقد أسلم وجهه لله. وأما العمل ~~فإليه الإشارة بقوله وهو محسن ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات. فتأمل ~~في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض. وأيضا فقوله ~~أسلم وجهه لله يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله. ~~وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى ~~الخالق، وإظهار التبرئ من الحول والقوة. وأيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة ~~من استعان بغير الله. فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله. والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب ~~والطبائع وغيرها. واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: إنهم من ~~أولاد الأنبياء. والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة. فجميع الفرق استعانوا ~~بغير الله. وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام فهو أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقد اشتهر ~~عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال وإنني ~~بريء مما تشركون [الأنعام: 19] ، وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ~~ولا سجدة لصنم ولا استعانة بطبيعة. بل كان ديدنه الدعوة إلى الله والإعراض ~~عن كل ما سوى الله. # وهكذا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل. ~~وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم. وأما ~~اليهود والنصارى فلا ms1361 شك PageV03P350 # في كونهم مفتخرين به. وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولا عند الكل ~~واتخذ الله إبراهيم خليلا أي: صفيا خالص المحبة له. وإظهاره، عليه السلام، ~~في موضع الإضمار، لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه الممدوح. وسر هذه الجملة ~~الترغيب في اتباع ملته عليه الصلاة والسلام. فإن من بلغ من الزلفى عند الله ~~تعالى مبلغا مصححا لتسميته خليلا، حقيق بأن يكون اتباع طريقته أهم ما يمتد ~~إليه أعناق الهمم، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم. فإن درجة الخلة أرفع ~~مقامات المحبة. # وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه. كما صفه به في قوله: وإبراهيم الذي وفى ~~[النجم: 37] قال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به، وفي كل ~~مقام من مقامات العبادة. فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير. ولا كبير عن ~~صغير. وقال تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ... [البقرة: 124] ~~الآية. وقال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ~~... # [النحل: 120] الآية. والخليل، لغة، الصديق المختص. وقال ابن الأعرابي: ~~الخليل الصادق. وقال الزجاج: هو المحب الذي لا خلل في محبته. وبه فسر ~~الآية. أي: # أحبه محبة تامة لا خلل فيها. وقال ابن دريد: الخليل من أصفى المودة ~~وأصحها. # قال: ولا أزيد فيه شيئا لأنها في القرآن. انتهى. # قال الرازي: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها: منها أن خليل الإنسان هو الذي ~~يدخل في خلال أموره وأسراره. والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه. ولا شك أن ~~ذلك هو الغاية في المحبة. قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على ~~الملكوت الأعلى والأسفل، ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم ~~عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان، ثم سلم للنيران، ~~وولده للقربان، وماله للضيفان، جعله الله إماما للخلق ورسولا إليهم، وبشره ~~بأن الملك والنبوة في ذريته. # فلهذه الاختصاصات سماه خليلا، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته ~~لإيصال الخيرات والمنافع إليه. انتهى. # وقوله: (لأن محبة الله لعبده إلخ منزع كلامي ms1362 لا سلفي) . # ثم قال الرازي: وعندي وجه آخر. وهو أن جوهر الروح، إذا كان مضيئا مشرقا ~~علويا قليل التعلق بالذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل ~~هذا الجوهر المقدس الشريف، أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسماني، أفكار ~~تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان ~~متوغلا في عالم القدس والطهارة، متبرئا عن علائق الجسم والحس. ثم لا يزال ~~هذا الإنسان # PageV03P351 # يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله، ولا ~~يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا بالله، ولا يسكن إلا بالله، ولا يمشي إلا ~~بالله فكأن نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية. وتخلل فيها وغاص ~~في جواهرها. وتوغل في ماهياتها. فمثل هذا الإنسان هو الموصوف، حقا، بأنه ~~خليل. لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه. وإليه الإشارة # بقول «1» النبي صلى الله عليه وسلم، في دعائه: اللهم! اجعل في قلبي نورا ~~وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي عصبي نورا # . انتهى. # قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه (الجواب الكافي) : الخلة ~~تتضمن كمال المحبة ونهايتها. بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه. وهي ~~منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما. وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله ~~وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد. كما # قال صلى الله عليه وسلم: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. # وفي الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن صاحبكم خليل الله. # وفي حديث «3» آخر: إني أبرأ إلى كل خليل من خلته. # ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد، فأعطيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه ~~شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره. فأمر بذبحه. وكان ~~الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا. ولم يكن ~~PageV03P352 # المقصود ذبح الولد. ولكن المقصود ذبحه من قلبه. ليخلص القلب للرب. فلما ~~بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ms1363 ~~ولده، حصل المقصود. فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم. فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ~~ثم أبطله رأسا. بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله. كما أبقى شريعة الفداء. ~~وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة. وكما أبقى الخمس الصلوات بعد ~~رفع الخمسين، وأبقى ثوابها. وقال: ما يبدل القول لدي [ق: 29] . هي خمس في ~~الفعل وخمسون في الأجر. ثم قال ابن القيم قدس سره: وأما ما يظنه بعض ~~الظانين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم حبيب الله، فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة. والخلة نهاية ~~المحبة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذ إبراهيم خليلا. ~~ونفى أن يكون له خليل غير ربه. مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن ~~الخطاب وغيرهم. وأيضا فإن الله سبحانه يحب التوابين [البقرة: 222] ، ويحب ~~المتطهرين [البقرة: 222] ، ويحب الصابرين [آل عمران: 146] ، ويحب المحسنين ~~[البقرة: 195] ، ويحب المتقين [آل عمران: 76] ، ويحب المقسطين [الممتحنة: ~~8] . وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام. والشاب التائب حبيب ~~الله. وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ~~انتهى. # وقد تمسك من زعم أن المحبة أصفى من الخلة بما # رواه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه. # فخرج، حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون. فسمع حديثهم. وإذا بعضهم يقول: # عجبا إن الله اتخذ من خلقه خليلا. فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب ~~من أن الله كلم موسى تكليما. وقال الآخر: فعيسى روح الله وكلمته. وقال آخر: ~~آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وتعجبكم. أن ~~إبراهيم خليل الله وهو كذلك. وموسى كليمه. وعيسى روحه وكلمته. وآدم اصطفاه ~~الله. # وهو كذلك. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإني حبيب الله. ولا ~~فخر. وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر. وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح ~~الله لي ويدخلنيها ومعي فقراء ms1364 المؤمنين ولا فخر. وأنا أكرم الأولين ~~والآخرين يوم القيامة ولا فخر. # قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ولبعضه شواهد في الصحاح ~~وغيرها. انتهى. # PageV03P353 # قلت: ورواه الترمذي «1» أيضا في جامعه في فضائله صلى الله عليه وسلم. ثم ~~قال: هذا حديث غريب. # وظاهر أن # قوله صلى الله عليه وسلم: ألا وإني حبيب الله، # لا يدل على أن درجة المحبة أرفع. # لأنه لم يورد للتفاضل بينهما. وإنما سيقت هذه الجملة مع ما بعدها للتعريف ~~بقدره الجسيم، وفضله العظيم. وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق. وما ~~يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق. ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا [المدثر: 31] ، وروى ابن أبي حاتم عن ~~إسحاق بن يسار قال: # لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل. حتى إن خفقان قلبه ~~ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، إذا اشتد ~~غليانها، من البكاء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 126] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) # ولله ما في السماوات وما في الأرض جملة مبتدأة. سبقت لتقرير وجوب طاعة ~~الله تعالى على أهل السموات والأرض، ببيان أن جميع ما فيهما من الموجودات، ~~له تعالى خلقا وملكا. لا يخرج عن ملكوته شيء منها. فيجازي كلا بموجب أعماله ~~خيرا وشرا. وقيل: لبيان أن اتخاذه عز وجل لإبراهيم عليه السلام خليلا ليس ~~لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين. فإن مدار ~~خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم. بل لمجرد تكرمته وتشريفه عليه ~~السلام. وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية. وقيل: لبيان أن ~~اصطفاءه عليه السلام للخلة، بمحض مشيئته تعالى. أي: له تعالى ما فيهما ~~جميعا. يختار منهما ما يشاء لمن يشاء. أفاده أبو السعود. # وكان الله بكل شيء محيطا يعني ms1365 عالما علم إحاطة. لا تخفى عليه خافية من ~~عباده، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر [يونس: 61] . PageV03P354 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 127] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # ويستفتونك في النساء أي: ويسألونك الإفتاء في النساء. والإفتاء تبيين ~~المبهم، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ذكروا في (ما) ~~وجوها: # المختار منها أنها في موضع رفع بالعطف على المبتدأ، وهو لفظ الجلالة. أي: # والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا. أو بالعطف على ضميره في يفتيكم ~~وساغ، لمكان الفصل بالمفعول والجار والمجرور. وذلك المتلو في الكتاب هو ~~قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~قال الرازي: وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال ~~النساء. # فما كان منها غير مبين الحكم، ذكر أن الله يفتيهم فيها. وما كان منها ~~مبين الحكم في الآيات المتقدمة، ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها. ~~وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب. ألا ترى أنه يقال في ~~المشهور: إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم. وكما جاز هذا، جاز أيضا أن يقال: ~~إن كتاب الله أفتى بكذا. قال أبو السعود: وإيثار صيغة المضارع للإيذان ~~باستمرار التلاوة ودوامها و (في الكتاب) إما متعلق ب (يتلى) أو بمحذوف وقع ~~حالا من المستكن فيه. أي يتلى كائنا فيه في يتامى النساء متعلق ب (يتلى) ~~أي: ما يتلى عليكم في شأنهن. وهذه الإضافة بمعنى (من) لأنها إضافة الشيء ~~إلى جنسه. وقيل: من إضافة الصفة إلى الموصوف. # أي: النساء اليتامى اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن أي: ما وجب لهن من ~~الميراث وغيره وترغبون أن تنكحوهن روى البخاري «1» ومسلم عن ms1366 عائشة رضي الله ~~عنها قالت، في هذه الآية: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها. ~~فأشركته في ماله حتى في العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا ~~فيشركه في ماله بما PageV03P355 # شركته. فيعضلها. فنزلت هذه الآية. وعنها «1» أيضا قالت: وقول الله عز وجل ~~وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره. حين تكون ~~قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى ~~النساء إلا بالقسط. من أجل رغبتهم عنهن. وهذا المروي عن عائشة يدل على أن ~~الآية نزلت في المعدمة. وأن الجار المقدر مع (أن) هنا هو (عن) . وقد تأولها ~~سعيد بن جبير على المعنيين. أي تقدير (عن) و (في) فقال نزلت في المعدمة ~~والغنية. # قال الحافظ ابن حجر: والمروي عن عائشة أوضح، في أن الآية الأولى، أي: # التي في أول السورة، نزلت في الغنية. وهذه الآية نزلت في المعدمة. قال ~~ابن كثير: # والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب في ~~أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها، أسوة أمثالها من النساء. فإن لم يفعل ~~فليعدل إلى غيرها من النساء. فقد وسع الله عز وجل. وهذا المعنى في الآية ~~الأولى التي في أول السورة. وتارة لا يكون له فيها رغبة، لدمامتها عنده، أو ~~في نفس الأمر. فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ~~ماله الذي بينه وبينها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي ~~قوله في يتامى النساء الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة ~~فيلقي عليها ثوبه. فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا. فإن كانت ~~جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى ~~تموت. فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه. PageV03P356 ### | ### | تنبيه: # # ما ذكرناه عن ابن جبير من حمل الآية على المعنيين، أي: أن حرف الجر ~~المقدر مع (أن) هو (عن) و (في) ، وأن كلا ms1367 منهما مراد منها على سبيل البدل ~~لصلاحيتها لهما بالاعتبارين المتقدمين. قال الخفاجي: مثله لا يعد لبسا بل ~~إجمالا. # كما ذكره بعض المحققين. انتهى. # قلت: وهذا بناء على أن اللبس هو أن يدل اللفظ على غير المراد. والإجمال ~~أن لا تتضح الدلالة. وبعبارة أخرى: إيراد الكلام على وجه يحتمل أمورا ~~متعددة. وقد نظم بعضهم الفرق بينهما فقال: # والفرق بين اللبس والإجمال ... مما به يهتم في الأقوال # فاللفظ، إن أفهم غير القصد، ... فاحكم على استعماله بالرد # لأنه اللبس. وأما المجمل ... فربما يفهمه من يعقل # وذاك أن لا تفهم المخالفا ... ولا سواه بل تصير واقفا # وحكمه القبول في الموارد ... فاحفظه نظما أعظم الفوائد # والمستضعفين من الولدان عطف (على يتامى النساء) . وما يتلى في حقهم: قوله ~~تعالى يوصيكم الله ... إلخ. وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا ~~يورثون النساء. وإنما يورثون الرجال القوام. قال ابن عباس، في الآية: كانوا ~~في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات. وذلك قوله لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~فنهى الله عن ذلك. وبين لكل ذي سهم سهمه. # فقال للذكر مثل حظ الأنثيين صغيرا أو كبيرا. وكذا قال سعيد بن جبير وأن ~~تقوموا لليتامى بالقسط بالجر، عطف على ما قبله. وما يتلى في حقهم: قوله ~~تعالى ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: ~~2] ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر. قال سعيد بن جبير: المعنى: كما أنها إذا ~~كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال وجمال، ~~فانكحها واستأثر بها. والخطاب للولاة، أو للأولياء والأوصياء. # تنبيه: # استنبط من الآية أحكام: الأول- جواز نكاح الصغيرة. لأن اليتيم: الصغير # PageV03P357 # الذي لم يبلغ. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يتم بعد احتلام. رواه أبو ~~داود «1» . # وعن الأصم: أراد البوالغ قبل التزوج. وسماهن باليتم لقرب عهدهن باليتم. ~~والأول أظهر. لأنه الحقيقة. قالوا: قد يطلق اليتيم على البالغة. وبدليل # قوله «2» صلى الله عليه وسلم: تستأمر اليتيمة في نفسها. فإن سكتت فهو ~~إذنها. وإن أبت ms1368 فلا جواز عليها. رواه أهل السنن # . والاستئمار لا يكون إلا من البالغة. وقد ورد قول الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # فسمى البالغات يتامى، لانفرادهن عن الأزواج. وكل شيء منفرد لا نظير له ~~يقال له يتيم. كقولهم: درة يتيمة. وهذه المسألة فيها أقوال للعلماء: ~~الأولى- جواز نكاح الصغيرة لجميع الأولياء. وهذا مذهب الهادوية ومالك وأبي ~~حنيفة وصاحبيه. # الثاني- للناصر والشافعي: لا يجوز ذلك إلا للأب والجد. والثالث- لا يجوز ~~ذلك إلا للأب فقط. وهذا قول الأوزاعي. ومروي عن القاسم. دليل الأولين، ما ~~اقتضاه قوله تعالى وترغبون أن تنكحوهن وهي نزلت في شأن اليتيمة ينكحها ~~وليها ولا يقسط لها في المهر. فنهوا عن ذلك وأمروا أن يقسطوا في المهر ~~بقوله في سورة النساء وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء واليتم الحقيقي مع الصغر. وغيره مجاز. وأدنى الأولياء الذي يجوز ~~له النكاح، ابن العم. # فإذا صح فيه صح. وحجة القول الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: تستأمر ~~اليتيمة. الحديث المتقدم. # والإذن لا يكون إلا بعد البلوغ. # وروى الإمام أحمد والدارقطني: أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه، وكان ~~وصيها، ممن أبته. فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: هي يتيمة ~~ولا تنكح إلا بإذنها # . كذا ذكره بعض مفسري الزيدية. # وتخريج الأحاديث من زيادتي. وما نقله من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ ~~يحتاج إلى دليل. إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وفي حديث: لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا ~~تنكح البكر حتى تستأذن: ظاهر الحديث اشتراط رضاء المزوجة. بكرا كانت أو ~~ثيبا. صغيرة أو كبيرة. انتهى. PageV03P358 # قال الترمذي «1» في (جامعه) : قال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ. # وقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت اليتيمة سبع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز. # ولا خيار لها إذا أدركت. واحتجا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بنى بها وهي بنت تسع سنين. وقد قالت عائشة: إذا بلغت الجارية ms1369 تسع سنين فهي ~~امرأة. انتهى. # الحكم الثاني- أنه يجوز أن يتولى طرفي العقد واحد في النكاح. لقوله ~~وترغبون أن تنكحوهن وقد روى ابن سعد من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد، ~~أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه قد خطبني غير واحد. ~~فزوجني أيهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إلي؟ فقالت: نعم. قال: قد تزوجتك. قال ~~ابن أبي ذئب: فجاز نكاحه. وروى عبد الرزاق ووكيع والبيهقي أن المغيرة بن ~~شعبة أراد أن يتزوج امرأة وهو وليها. فأمر أبعد منه، فزوجه. # وروى عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: امرأة خطبها ابن عم ~~لها، لا رجل لها غيره. قال: فلتشهد أن فلانا خطبها، وإني أشهدكم أني قد ~~نكحته. # ولتأمر رجلا من عشيرتها. # أخرج هذه الآثار الثلاثة البخاري في (صحيحه) تعليقا في (باب إذا كان ~~الولي هو الخاطب) أي: هل يزوج نفسه أو يحتاج إلى ولي آخر. # قال ابن المنير: ذكر في الترجمة ما يدل على الجواز والمنع معا، ليكل ~~الأمر في ذلك إلى نظر المجتهد. # قال الحافظ ابن حجر: لكن الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز. فإن الآثار ~~التي فيها أسر الولي غيره أن يزوجه- ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه ~~نفسه. PageV03P359 # ثم قال: وقد اختلف السلف في ذلك. فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك ~~وأبو حنيفة وأكثر أصحابه: يزوج الولي نفسه. ووافقهم أبو ثور. وعن مالك: لو ~~قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه، أو ممن اختار، لزمها ~~ذلك. ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان أو ولي آخر ~~مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحجتهم أن الولاية شرط في العقد. فلا ~~يكون الناكح منكحا، كما لا يبيع من نفسه. انتهى. # الحكم الثالث- أنه يجوز للأولياء التصرف في المال. لأن القيام بالقسط لا ~~يتم إلا بذلك وما تفعلوا من خير لا سيما في حق الضعفاء من حفظ أموالهم ~~والقيام بتدبيرهم والإقساط لهم فإن الله كان به عليما فيجزيكم به. ### | القول في ms1370 تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 128] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) # وإن امرأة خافت من بعلها أي: زوجها نشوزا أي: تجافيا عنها وترفعا عن ~~صحبتها، بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها أو إعراضا أي: تطليقا. أو أن يقل ~~محادثتها ومجالستها. كراهة لها أو لطموح عينه إلى أجمل منها فلا جناح أي لا ~~إثم عليهما حينئذ أن يصلحا بينهما صلحا بحط شيء من المهر أو النفقة. أو هبة ~~شيء من مالها أو قسمها، طلبا لبقاء الصحبة إن رضيت بذلك. وإلا فعلى الزوج ~~أن يوفيها حقها أو يفارقها. قال في (الإكليل) : الآية أصل في هبة الزوجة ~~حقها من القسم وغيره. استدل به من أجاز لها بيع ذلك والصلح خير أي من ~~الفرقة والنشوز والإعراض. قال ابن كثير: بل الطلاق بغيض إليه سبحانه ~~وتعالى. # ولهذا جاء # في الحديث الذي رواه أبو داود «1» وابن ماجة «2» عن عبد الله بن عمر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. # قال بعض مفسري الزيدية: وفي هذه الآية حث على الصبر على نفس الصحبة. ~~لقوله تعالى: والصلح خير أي: PageV03P360 # من الفرقة وسوء العشرة. أو خير من الخصومة. أو خير من الخيور. كما أن ~~الخصومة شر من الشرور. وقد كان من كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم «1» أنه ~~كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها. # وعنه صلى الله عليه وسلم «2» : إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه # . وهذا فيه صبر. وفي الصبر ما لا يحصر من المحاسن والفضائل. والصلح فيه ~~من أنواع الترغيب. # روى عنه صلى الله عليه وسلم: من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد. # وعن أنس: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. # انتهى. # وفي (الإكليل) : قوله تعالى: والصلح خير عام في كل صلح، أصل فيه. # وفي الحديث «3» : الصلح جائز بين المسلمين. إلا ms1371 صلحا أحل حراما أو حرم ~~حلالا. # واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار والمجهول وأحضرت الأنفس ~~الشح بيان لما جبل عليه الإنسان. أي: جعلت حاضرة له مطبوعة عليه، لا تنفك ~~عنه أبدا. فلا تكاد المرأة تسمح بالنشوز، والإعراض، وحقوقها من الرجل. ولا ~~الرجل في إمساكها مع القيام بحقوقها على ما ينبغي، إذا كرهها أو أحب غيرها. ~~والجملة PageV03P361 # الأولى للترغيب في المصالحة. والثانية لتمهيد العذر في المشاحة وللحث على ~~الصلح. فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة، مما ~~يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته. وكذا شح نفسها بحقوقها مما ~~يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير، ولا يكلفها بذل الكثير، ~~فيتحقق بذلك الصلح وإن تحسنوا في العشرة وتتقوا النشوز والإعراض ونقص الحق ~~فإن الله كان بما تعملون من تحمل المشاق في ذلك خبيرا فيجازيكم ويثيبكم. ~~قال أبو السعود: وفي خطاب الأزواج بطريق الالتفات، والتعبير عن رعاية ~~حقوقهن بالإحسان، ولفظ (التقوى) المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى ~~منه، وترتيب الوعد الكريم عليه- من لطف الاستمالة والترغيب في حسن ~~المعاملة، ما لا يخفى. # وما قدمنا في تفسير الآية هو زبدة ما نقل عن السلف، صحابة وتابعين في ~~معناها. # قال ابن كثير: ولا أعلم في ذلك خلافا. وفي البخاري «1» عن عائشة، في هذه ~~الآية قالت: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها. يريد أن ~~يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل. فنزلت هذه الآية. # وروى ابن أبي حاتم عن خالد ابن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ~~عليه السلام فسأله عن قول الله عز وجل: وإن امرأة ... الآية، قال علي: يكون ~~الرجل عنده المرأة. فتنبو عينه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، ~~أو قذذها، فتكره فراقه. فإن وضعت له من مهرها شيئا، حل له. وإن جعلت له من ~~أيامها، فلا حرج. وكذا رواه أبو داود الطيالسي «2» وابن جرير # . وروى ابن جرير «3» أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه سئل ms1372 عن هذه الآية ~~فقال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها. فيتزوج المرأة الشابة ~~يلتمس ولدها. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وروى سعيد بن منصور عن ~~PageV03P362 # عروة قال: أنزل في سودة وأشباهها: وإن امرأة الآية وذلك أن سودة كانت ~~امرأة قد أسنت. ففرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وضنت ~~بمكانها منه وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه. ~~فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. فقبل ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وروى نحوه أبو داود «1» الطيالسي والترمذي عن ابن ~~عباس. # وروى الحاكم عن عروة عن عائشة أنها قالت له: يا ابن اختي! كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا. وكان قل ~~يوم إلا وهو يطوف علينا. فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من ~~هو يومها. فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة، حين أسنت وفرقت أن ~~يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # يا رسول الله! يومي هذا لعائشة. فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها. # قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى، وفي أشباهها، أراه قال: وإن امرأة ~~خافت من بعلها نشوزا ... # الآية. وكذلك رواه أبو داود «2» . وفي الصحيحين «3» عن عائشة قالت: لما ~~كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقسم لها بيوم سودة. ولا يخفى أن قبوله صلى الله عليه وسلم ذلك من سودة، ~~إنما هو لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه. فهو أفضل في حقه عليه ~~الصلاة والسلام. # وقول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عزم ~~على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد. غاية ما روي في السنن ~~أن سودة خشيت الفراق ms1373 لكبرها. # وتوهمته. وجلي أن للنساء في باب الغيرة أوهاما منوعة. فتقدمت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بقبول ليلتها لعائشة. فقبل منها. وما رواه ابن كثير عن بعض ~~المعاجم من كونه صلى الله عليه وسلم بعث إليها بطلاقها، ثم ناشدته فراجعها- ~~فهو (زيادة عن إرساله وغرابته، كما قاله) فيه نكارة لا تخفى. ### | لطيفة: # حكى الزمخشري هنا أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم. # وامرأته من أجملهم. فأجالت في وجهه نظرها يوما. ثم تابعت الحمد لله. ~~فقال: PageV03P363 # مالك؟ قالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك ~~رزقت مثلي فشكرت. ورزقت مثلك فصبرت. وقد وعد الله الجنة، عباده الشاكرين ~~والصابرين. انتهى. # قلت: عمران المذكور ممن خرج له البخاري في صحيحه. ولما مات سئلت زوجته عن ~~ترجمته؟ فقالت: أوجز أم أطنب؟ فقيل: أوجزي. فقالت: ما قدمت له طعاما ~~بالنهار، وما مهدت له فراشا بالليل. تعني أنه كان صواما قواما رحمه الله ~~تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 129] # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء أي: تساووا بينهن في جميع الوجوه، ~~بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن، في شأن من الشؤون. فإنه وإن وقع القسم ~~الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع. كما قاله ~~ابن عباس وغيره ولو حرصتم أي على إقامة العدل، وبالغتم في ذلك. لأن الميل ~~يقع بلا اختيار في القلب. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ~~بين نسائه، فيعدل. ثم يقول: اللهم! هذا قسمي فيما أملك. فلا تلمني فيما ~~تملك ولا أملك. يعني القلب. رواه الإمام أحمد «1» وأهل السنن # فلا تميلوا كل الميل أي: إذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل ~~إليها. وقال المهايمي: فلا تميلوا، أي عن امرأة كل الميل فتتركوا المستطاع ~~من ms1374 القسط فتذروها أي: التي ملتم عنها كالمعلقة بين السماء والأرض. لا تكون ~~في إحدى الجهتين. لا ذات زوج ولا مطلقة. # وروى أبو داود «2» الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد ~~شدقيه ساقط. PageV03P364 # كذا رأيته في (ابن كثير) شدقيه، بشين معجمة ثم دال. # ورواية أصحاب السنن المنقولة: وشقه (بمعجمة ثم قاف) ساقط. وفي رواية: # مائل وإن تصلحوا أي نفوسكم بالتسوية والقسمة والعدل فيما تملكون وتتقوا ~~الحيف والجور فإن الله كان غفورا رحيما فيغفر لكم ما سلف من ميلكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 130] # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) # وإن يتفرقا أي الزوج والمرأة بالطلاق، بأن لم يتفق الصلح بينهما، فاختارا ~~الفرقة يغن الله كلا أي: منهما. أي يجعله مستغنيا عن الآخر من سعته أي: # غناه وجوده وقدرته. وفيه زجر لهما عن المفارقة رغما لصاحبه، وتسلية لهما ~~بعد الطلاق وكان الله واسعا أي: واسع الفضل حكيما في جميع أفعاله وأقداره ~~وشرعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 131] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) # ولله ما في السماوات وما في الأرض جملة مستأنفة منبهة على كمال سعته وعظم ~~قدرته أي: كيف لا يكون واسعا وله ما فيهما من الخلائق والأرزاق وغيرهما؟ # فله أن يعطي ما شاء منهما لمن شاء من عبيده. وعلى هذا، فهي متعلقة بما ~~قبلها. أو أتى بها تمهيدا لما بعدها من العمل بوصيته، إعلاما بأنه مالك ما ~~في السموات والأرض والحاكم فيهما. ولهذا قال ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم أي: # من الأمم السابقة. والكتاب اسم جنس يتناول الكتب السماوية وإياكم معطوف ~~على (الذين) أن اتقوا الله أي: وصينا كلا منكم ومنهم بالتقوى. وهي عبادته ms1375 ~~وحده. لا شريك له. والمعنى: أن وصيته قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، ~~ولستم بها مخصوصين. لأنهم بالتقوى يسعدون عنده وإن تكفروا أي: بالله فإن ~~لله ما في السماوات وما في الأرض أي: فهو مالك الملك كله. لا يضره كفركم. # PageV03P365 # لغناه المطلق. فما الوصية إلا لفلاحكم رحمة بكم. كما في الآية الأخرى إن ~~تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد [إبراهيم: 8] ، وقال ~~تعالى: فكفروا وتولوا واستغنى الله [التغابن: 6] وكان الله غنيا عن عباده ~~حميدا أي: محمودا في ذاته، حمدوه أو لم يحمدوه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 132] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) # ولله ما في السماوات وما في الأرض ذكره ثالثا، إما لتقرير كونه تعالى ~~غنيا حميدا فإن جميع المخلوقات تدل، بحاجتها على غناه. وبما أفاض عليها من ~~الوجود وأنواع الخصائص والكمالات، على كونه حميدا. وإما تمهيدا للاحقه من ~~الشرطية. # وهو بيان كونه تعالى قادرا على جميع المقدورات. أي: له سبحانه ما فيهما ~~من الخلائق خلقا وملكا. فهو قادر على الإفناء والإيجاد. فإن عصيتموه، أيها ~~الناس، فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية. وعلى أن يوجد قوما آخرين ~~يشتغلون بعبادته وتعظيمه. فذكر هذه الكلمات في هذا المقام ثلاث مرات لتقرير ~~ثلاثة أمور في سياقها. كما بينا. قال الرازي: إذا كان الدليل الواحد دليلا ~~على مدلولات كثيرة، فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك ~~المدلولات. ثم يذكر مرة أخرى ليستدل به على الثاني. ثم ثالثا ليستدل له على ~~المدلول الثالث. وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة ~~واحدة. لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول. ~~فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى. فظهر أن هذا التكرير في غاية ~~الحسن والكمال. وأيضا، فإذا أعدته ثلاث مرات، وفرعت عليه في كل مرة إثبات ~~صفة أخرى من صفات جلال الله، تنبه الذهن حينئذ لكون تخليق السموات والأرض ~~دالا على أسرار شريفة ومطالبه ms1376 جليلة. فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر ~~فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى. ولما كان ~~الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام، عن الاشتغال بغير ~~الله، إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا ~~المطلوب ويؤكده. لا جرم كان في غاية الحسن والكمال. انتهى. # وكفى بالله وكيلا أي: ربا حافظا توكل بالقيام بجميع ما خلق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 133] # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) # PageV03P366 # إن يشأ يذهبكم أي: يفنكم ويستأصلكم بالمرة أيها الناس ويأت بآخرين أي: ~~ويوجد، دفعة مكانكم، قوما آخرين من البشر. أو خلقا آخرين مكان الإنس يعني ~~أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ~~ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحكم بالبالغة بإفنائكم. لا لعجزه سبحانه ~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وكان الله على ذلك أي: إهلاككم بالمرة وتخليق ~~غيركم قديرا بليغ القدرة، كما قال تعالى وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم [محمد صلى الله عليه وسلم: 38] . وقال تعالى: إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز [إبراهيم: 19] . ففيه تقرير ~~لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر به. قال بعض السلف، ما أهون العباد على الله ~~إذا أضاعوا أمره! ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 134] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) # من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يجاهد للغنيمة فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة أي: فما له يطلب أخسهما. فليطلبهما، أو الأشرف منهما. كما قال ~~تعالى: فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ~~ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب [البقرة: 200- 202] . وقال ~~تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ... [الشورى: 20] الآية. ~~وقال تعالى: ms1377 # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ... [الإسراء: 18] ~~الآية. # قال بعضهم: عني بالآية مشركو العرب. فإنهم كانوا يقرون بالله تعالى، ~~خالقهم، ولا يقرون بالبعث يوم القيامة. وكانوا يتقربون إلى الله تعالى ~~ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها وكان الله سميعا بصيرا فلا يخفى ~~عليه خافية. ويجازي كلا بحسب قصده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 135] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) # PageV03P367 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط أي مقتضى إيمانكم المبالغة ~~والاجتهاد في القيام بالعدل والاستقامة. إذ به انتظام أمر الدارين الموجب ~~لثوابهما. # ومن أشده القيام بالشهادة على وجهها. فكونوا شهداء لله أي: مقيمين ~~للشهادة بالحق، مؤدين لها لوجهه تعالى، ولو كانت الشهادة على أنفسكم ~~فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق عليها ولا تكتموه أو على الوالدين أي الأصول ~~والأقربين أي الأولاد والإخوة وغيرهم. فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن ~~عاد ضررها عليهم. # فإن الحق حاكم على كل أحد إن يكن أي: من تشهدون عليه غنيا يبتغي في ~~العادة رضاه ويتقي سخطه أو فقيرا يترحم عليه غالبا. أو يخاف من الشهادة ~~عليه أن يلجئ الأمر إلى أن يعطي ما يكفيه فالله أولى بهما أي: من المشهود ~~عليه، واعلم بما فيه صلاحهما. فلولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما ~~شرعها. لأن أنظر لعباده من كل ناظر فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا أي: إرادة ~~العدول عن أمر الله الذي هو مصلح أموركم، وأمور المشهود عليهم، لو نظرتم ~~ونظروا إليه. # قال ابن كثير: أي: لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم، على ترك ~~العدل في شؤونكم. بل الزموا العدل على أي حال كان. كما قال تعالى: ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] ومن ~~هذا قول عبد الله ms1378 بن رواحة «1» ، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص ~~على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله! ~~لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي. ولأنتم أبغض إلي من أعدائكم من القردة ~~والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: ~~بهذا قامت السموات والأرض وإن تلووا أي: تحرفوا ألسنتكم عن الشهادة على ~~وجهها أو تعرضوا أي: عنها بكتمها فإن الله كان بما تعملون خبيرا فيجازيكم ~~على ذلك. قال تعالى: ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [البقرة: 283] . PageV03P368 ### | تنبيه: # قال بعض مفسري الزيدية: لهذه الآية ثمرات. هي أحكام: الأول- وجوب العدل ~~على القضاة والولاة. وأن لا يعدل عن القسط لأمر تميل إليه النفوس وشهوات ~~القلوب من غنى أو فقر أو قرابة. بل يستوي عنده الدنيء والشريف والقريب ~~والبعيد. ويروى أن عمر أقام حدا على ولد له. فذاكره في حق القرابة. فقال: ~~إذا كان يوم القيامة شهدت عند الله أن أباك كان يقيم عليك الحدود. الحكم ~~الثاني- أنه يجب الإقرار على من عليه الحق ولا يكتمه. لقوله تعالى: ولو على ~~أنفسكم والمراد بالشهادة على النفس الإقرار. وهذا ظاهر. وقيل المعنى: ولو ~~كانت الشهادة وبالا ومضرة على أنفسكم وآبائكم. بأن تكون الشهادة على سلطان ~~ظالم. وهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء إذا خشي مضرة دون القتل، هل يجب ~~عليه الشهادة أم لا؟ فقيل: يجب لأنه لا يحفظ ماله بتلف مال غيره. وعن ~~الشافعية والمتكلمين، وصحح للمذهب، أنه لا يجب. لأن الشهادة أمر بمعروف، ~~وشرطه أن لا يؤدي إلى منكر. ولكن إنما يسقط عنه أداء الشهادة بحصول الظن ~~لمضرته، لا بمجرد الخشية. وقد قال المؤيد بالله في (الإفادة) : على الشاهد ~~أن يشهد وإن خشي على نفسه وماله. لأن الذي يخشاه مظنون. ولعله غير كائن. ~~يؤول على أن مراده مجوز لا أنه قد ظن حصول المضرة. وهذا يجوز له الشهادة مع ~~الخشية على نفسه، قال في (شرح الإبانة) : # يجوز إذا كان قتله إعزازا للدين. كالنهي عن المنكر. أما لو كتم ms1379 لغير عذر ~~فلا إشكال في عصيانه. وعن ابن عباس: ذلك من الكبائر. الحكم الثالث- يتعلق ~~بقوله تعالى شهداء لله أي: تشهدون لوجه الله كما أمركم. وفي هذا دلالة على ~~أن أخذ الأجرة على تأدية الشهادة لا يجوز. لأنه لم يقمها لله. وقد استثنى ~~أهل الفقه صورا جوزوا أخذ الأجرة على تأدية الشهادة. منها: إذا طلب إلى ~~موضع. لأن الخروج غير واجب عليه. ومنها: إذا كان غيره يشهد ويحصل به الحق، ~~فإن شهادته غير لازمة. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 136] # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # يا أيها الذين آمنوا آمنوا أي: اثبتوا على إيمانكم بالله ورسوله والكتاب ~~الذي نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. يعني القرآن والكتاب الذي ~~أنزل من قبل على # PageV03P369 # الرسل، بمعنى الكتب ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا أي: خرج عن الهدى وبعد عن القصد كل البعد. ما الكفر ~~بالله فظاهر. # وأما بالملائكة فلأنهم المقربون إليه. وأما بالكتب فلأنها الهادية إليه. ~~وأما بالرسل فلأنهم الداعون إليه. وأما باليوم الآخر فلأن فيه نفع إقامته ~~وضرر تركه. فإذا أنكر لزم إنكار النفع الحقيقي والضرر الحقيقي فهو الضلال ~~البعيد. ثم الكفر بالملائكة كفر بمظاهر باطنة. وبالكتب كفر بمظاهر صفة ~~كلامه. وبالرسل كفر بأتم مظاهره. وباليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله. ~~ثم الكفر بالملائكة يدعو إلى الإيمان بالشياطين. # وبكتب الله إلى الإيمان بكتب الكفرة. وبالرسل إلى تقليد الآباء، وباليوم ~~الآخر إلى الاجتراء على القبائح. وكل ذلك ضلال بعيد. أفاده المهايمي. ولما ~~أمر تعالى بالإيمان ورغب فيه، بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 137] # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) # إن الذين آمنوا ثم ms1380 كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا في الآية وجوه: الأول- أن المراد الذين تكرر ~~منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن ~~يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه ~~الله. لأن قول أولئك، الذين هذا ديدنهم، قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على ~~الردة. وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى. ~~وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة، ونصحت توبتهم، لم ~~يقبل منهم ولم يغفر لهم. لأن ذلك مقبول. حيث هو بذل للطاقة واستفراغ الوسع. ~~ولكنه استبعاد له واستغراب. وإنه أمر لا يكاد يكون. وهكذا نرى الفاسق الذي ~~يتوب ثم يرجع، ثم يتوب ثم يرجع، فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه ~~يموت على الفسق. فكذا هنا. الثاني- قال بعضهم: هم اليهود. آمنوا بالتوراة ~~وبموسى ثم كفروا حين عبدوا العجل. ثم آمنوا بعد عوده إليهم ثم كفروا بعيسى ~~والإنجيل. ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد أورد على هذا ~~الوجه أن الذين ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ليسوا مؤمنين بموسى. ~~ثم كافرين بالعجل، ثم مؤمنين بالعود، ثم كافرين بعيسى. بل هم إما مؤمنون ~~بموسى وغيره، أو كفار لكفرهم بعيسى والإنجيل. والجواب: أن هذا إنما يرد لو ~~أريد قوم بأعيانهم: # PageV03P370 # الموجودين وقت البعثة. أما لو أريد جنس ونوع، باعتبار عد ما صدر من بعضهم ~~كأنه صدر من كلهم، فلا إيراد. والمقصود حينئذ استبعاد إيمانهم لما استقر ~~منهم ومن أسلافهم. الثالث- قال آخرون: المراد المنافقون. فالإيمان الأول ~~إظهارهم الإسلام. # وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم. وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإيمان الثاني ~~هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا إنا مؤمنون. والكفر الثاني هو ~~أنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن [البقرة: 14] ~~. وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في ~~حق المسلمين. # وإظهار الإيمان قد يسمى إيمانا. ms1381 قال تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~[البقرة: 221] : قال القفال رحمه الله: وليس المراد بيان هذا العدد. بل ~~المراد ترددهم. كما قال: مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قال: ~~والذي يدل عليه، قوله تعالى بعد هذه الآية: بشر المنافقين. الرابع- قال ~~قوم: المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون ~~الإيمان تارة والكفر أخرى. على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون [آل ~~عمران: 72] ، وقوله ثم ازدادوا كفرا معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد ~~الاستهزاء والسخرية بالإسلام. # نقل هذه الوجوه الزمخشري والرازي وغيرهما. وكلها مما يشمله لفظ الآية. ### | تنبيه: # في الآية مسائل: # الأولى- قال في (الإكليل) : استدل بها من قال: تقبل توبة المرتد ثلاثا. ~~ولا تقبل في الرابعة. # وقال بعض الزيدية (تفسيره) : دلت على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى ~~أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان. # وأقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا ~~يخفى. # ثم قال: وعن إسحاق: إذا ارتد في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته، وهي رواية ~~الشعبي عن علي عليه السلام. انتهى. # وذهبت الحنابلة إلى أن من تكررت ردته لم تقبل توبته. كما أسلفنا ذلك في ~~آل عمران في قوله تعالى: كيف يهدي الله قوما ... [آل عمران: 86] ، الآية. # PageV03P371 # وقوله بعدها: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ... [آل عمران: ~~90] ، وذكرنا، ثمة، أن هذه الآية كتلك الآية. وأن ظاهرهما يشهد لما ذهب ~~إليه إسحاق وأحمد. وأما الوجوه المسوقة هنا فهي من تأويل أكثر العلماء ~~القائلين بقبول توبة المرتد، وإن تكررت. وبعد. فالمقام دقيق. والله أعلم. # الثانية- دلت على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان. فوجب أن يكون الإيمان ~~نصا كذلك. لأنهما ضدان متنافيان. فإذا قبل أحدهما التفاوت، قبله الآخر. ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 138] # بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) # بشر المنافقين من باب التهكم بأن لهم عذابا أليما فإنهم آمنوا بالظاهر ms1382 ~~وكفروا بالباطن. ويدل على مقارنة إيمانهم للكفر ترجيحهم جانب الكفرة في ~~المحبة إذ هم: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 139] # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أي: يتخذونهم أنصارا ~~مجاوزين موالاة المؤمنين أيبتغون عندهم العزة أي: أيطلبون بموالاتهم القوة ~~والغلبة. وهذا إنكار لرأيهم وإبطال له. وبيان لخيبة رجائهم. ولذا علله ~~بقوله: فإن العزة لله جميعا أي: له الغلبة والقوة. فلا نصرة لهم من الكفار. ~~والنصرة والظفر كله من الله تعالى. وهذا كما قال تعالى في آية أخرى: ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] . # قال ابن كثير: والمقصود، من هذا، التهييج على طلب العزة من جناب الله، ~~والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة ~~في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر # الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي ريحانة. أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وكرما، فهو عاشرهم في ~~النار. تفرد به أحمد «1» . PageV03P372 # وأبو ريحانة هذا هو أزدي واسمه (شمعون) بالمعجمة فيما قاله البخاري. # وقال غيره: بالمهملة والله أعلم. ### | ### | تنبيه: # # قال الحاكم: دلت الآية على وجوب مولاة المؤمنين، والنهي عن موالاة ~~الكفار. # قال: والمنهي عن موالاتهم في الدين فقط. وقد ذكر المؤيد بالله، قدس الله ~~روحه، معنى هذا. وهي: أن تحبه لما هي عليه. وهذا ظاهر. وهو يرجع إلى الرضا ~~بالكفر، وما أحبه لأجله. # فأما الخلطة فليست موالاة. وقد جوز العلماء رحمه الله نكاح الفاسقة. # وكذلك الإحسان. فقد مدح الله من أطعم الأسارى. وجوز كثير منهم الوصية ~~لأهل الذمة. وكذلك الاغتمام بغمه في أمر، كاغتمام المسلمين لغلب فارس ~~للروم. كذا في تفسير بعض الزيدية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 140] # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ms1383 إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) # وقد نزل عليكم في الكتاب قال المفسرون: إن المشركين بمكة كانوا في ~~مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزئون به. فنهى الله تعالى المسلمين عن ~~القعود معهم بقوله: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره [الأنعام: 68] . وهذه الآية من سورة الأنعام. وهي ~~مكية. # فامتنع المسلمون عن القعود معهم. ولما قدموا المدينة كانوا يجلسون مع ~~اليهود والمنافقين. وكان اليهود يستهزئون بالقرآن. فنزلت هذه الآية وقد نزل ~~عليكم في الكتاب. يعني في سورة الأنعام أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~يعني يجحد بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وفيها ~~دلالة على أن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن خوطب به خاصة، منزل ~~على الأمة وأن مدار الإعراض عنهم، هو العلم بخوضهم في الآيات. ولذلك عبر عن ~~ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع. وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة ~~بالقيام عن مجالسهم. لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط إنكم إذا مثلهم أي: ~~إذا قعدتم معهم دل على رضاكم # PageV03P373 # بالكفر بالآيات والاستهزاء بها. فتكونون مثلهم في الكفر واستتباع العذاب. # فاجتماعكم بهم هاهنا سبب اجتماعكم في جهنم. كما قال إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا لأنهم لما شاركوهم في الكفر، واجتمعوا ~~على الاستهزاء بالآيات في الدنيا، جمعهم الله في عذاب جهنم يوم القيامة. ### | تنبيه: # قال بعض مفسري الزيدية: اعلم أنه لا خلاف في تحريم القعود والمخالطة، إذا ~~كان ذلك يوهم بأن القاعد راض. ولا خلاف أنه يحرم إذا خشي الافتتان. ولا ~~خلاف أنه يجوز القعود للتنكير عليهم والدفع لهم. # قال الحاكم: ولذلك يحضر العلماء مع أهل الضلالة يناظرونهم. ولهم بذلك ~~الثواب العظيم. وأما إذا خلا عما ذكرنا، وكان لا يوهم بالرضا ولا يفتتن ولا ~~ينكر عليهم، فاختلف العلماء في ذلك. فمنهم من أوجب المثل. لظاهر الآية. # قال الحاكم: روي «1» أن قوما أخذوا على شراب في عهد عمر بن عبد العزيز. # فأمر بضربهم الحد. فقيل: ms1384 فيهم صائم. فتلا قوله تعالى: فلا تقعدوا معهم ~~إلى قوله إنكم إذا مثلهم. وهذا أيضا ظاهر حديث: لا يحل لعين ترى الله يعصى، ~~فتطرف حتى تغير وتنتقل. # وقال أبو علي وأبو هاشم: إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له ~~القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك. # أقول: ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به. # وقال القاضي والحاكم: أما لو كان له حق في تلك البقعة، فله أن لا يفارق. # كمن يحضر الجنائز مع النوح، أو الولائم. فيسمع المنكر فيسعه أن يقعد. ~~والنكير على قدر الإمكان واجب عليه. وعن الحسن: لو تركنا الحق للباطل لبطل ~~الشرع. # وقد كان خرج إلى جنازة، خرجت النساء فيها فلم يرجع. ورجع ابن سيرين. ~~انتهى. # أقول: من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره. إذ ليس في مفارقته ضياع ~~حقه. وعموم الآية يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والمسألة المقيس عليها غير ~~ما نحن فيه. على ما فيها من الخلاف. كما حكى. ولا قياس مع النص. وقد حكى ~~PageV03P374 # الحاكم أقوالا كلها ترجع إلى تخصيص الآية. ولا مستند فيها إلا الرأي، ~~والاحتمال. # فلذا أعرضنا عنها. # قال أبو علي: تحريم القعود في المجلس لما فيه من الإبهام. فإذا أظهر ~~الكراهة جاز القعود في مكان آخر، وإن قرب. وأما إذا خاضوا في حديث غيره، ~~جاز القعود. # بمفهوم الآية. ثم إن الآية محكمة عند الجمهور. وروي عن الكلبي، أنها ~~منسوخة بقوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء [الأنعام: 69] . ~~وهو مردود. فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ~~ويستهزئون بها. # قال الحاكم: دلت الآية على أن الراضي بالاستهزاء بالرسول والدين، كافر. ~~لأنه تعالى قال إنكم إذا مثلهم ودلت على أن الرضا بالكفر كفر. # وقال السمرقندي: في هذه الآية دليل على أن من جلس في مجلس معصية، ولم ~~ينكر عليهم، فيكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم، إذا تكلموا ~~بالمعصية أو عملوا بها. فإن ms1385 لم يقدر أن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى ~~لا يكون من أهل هذه الآية. # وروى ابن جرير عن الضحاك أنه قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، ~~وكل مبتدع إلى يوم القيامة. # وقال في (فتح البيان) : وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو ~~المعتبر دون خصوص السبب، دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد ~~التنقيص والاستهزاء، للدلالة الشرعية. كما يقع كثيرا من أسراء التقليد ~~الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة. ولم يبق في أيديهم سوى (قال ~~إمام مذهبنا: # كذا) و (قال فلان من أتباعه بكذا) أو إذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة ~~بآية قرآنية أو بحديث نبوي، سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا ~~بالوا به بالة. # وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع. وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه ~~منزلة معلم الشرائع. مع أن الأئمة، الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم، برءاء ~~من فعلهم. # فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم. انتهى. # وفي (الإكليل) : قال ابن الفرس. واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب ~~اجتناب أهل المعاصي والأهواء. وفي هذه الآية أصل لما يفعله المصنفون من ~~الإحالة على ما ذكر في مكان آخر، والتنبيه عليه. انتهى. وقوله تعالى. # PageV03P375 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 141] # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # الذين يتربصون بكم إما بدل من الذين يتخذون وإما صفة للمنافقين: # أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو هزيمة فإن كان لكم فتح من الله ~~أي: # نصر وتأييد وظفر وغنيمة قالوا لكم ألم نكن معكم أي: مظاهرين لكم، فلنا ~~دخل في فتحكم، فليكن لنا شركة في غنيمتكم وإن كان للكافرين نصيب أي: # إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل ms1386 تبتلي ثم ~~تكون لها العاقبة قالوا أي: الكفرة توددا إليهم، ومصانعة لهم، ليحظوا عندهم ~~ويأمنوا كيدهم لضعف إيمانهم ألم نستحوذ عليكم أي: ألم نغلبكم ونتمكن من ~~قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم، ~~وتوانينا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم. وإلا لكنتم نهبة للنوائب. وتسمية ~~(ظفر المسلمين) فتحا، و (ما للكافرين) نصيبا لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ ~~الكافرين. # قال في (الانتصاف) : وهذا من محاسن نكت القرآن. فإن الذي كان يتفق ~~للمسلمين فيه، استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم ~~وأرض لم يطؤها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ ~~شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع. والله أعلم. # قال بعض الزيدية: في الآية دلالة على وجوب محبة نصرة المؤمنين وكراهة أن ~~تكون اليد عليهم. وتحريم خذلانهم. وإن المنافق لا سهم له. لأن في الآية ~~إشارة إلى أنهم طلبوا لما منعوا، فقالوا: ألم نكن معكم؟ ثم قال. يجوز ~~التأليف من الغنيمة للمنافقين، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم ~~حنين. حتى أعطى الواحد منهم مائة ناقة، والواحد من المسلمين الشاة أو ~~البعير. فالله يحكم بينكم يوم القيامة أي حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب ~~والعقاب. أي: فلا يغتر المنافقون بحقن دمائهم في الدنيا لتلفظهم بالشهادة. ~~لما له تعالى في ذلك من الحكمة. فيوم القيامة لا ينفعهم ظواهرهم. وقوله ~~تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا رد على المنافقين فيما ~~أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين. وفيما سلكوه من # PageV03P376 # مصانعتهم الكافرين خوفا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين ~~فاستأصلوهم. كما قال تعالى: فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم إلى ~~قوله نادمين [المائدة: 52] . أي: لن يسلط الله الكافرين على المؤمنين ~~فيستأصلوهم بالكلية. وإن حصل لهم ظفر حينا ما. أفاده ابن كثير وهذا التأويل ~~روعي فيه سابق الآية ولا حقها، وأن السياق في (المنافقين) وهو جيد. ويقرب ~~منه ما في تفسير ابن عباس من حمل (الكافرين) على يهود ms1387 المدينة. ومن وقف مع ~~عمومها، قال: المراد بالسبيل الحجة. وتسميتها (سبيلا) لكونها موصلا للغلبة. ~~أو المراد: ما دام المؤمنون عاملين بالحق غير راضين بالباطل ولا تاركين ~~للنهي عن المنكر. كما قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~[الشورى: 30] . قال: فلا يراد أنه قد يدال للكافرين. ### | تنبيه: # قد يستدل بهذه الآية على أن الكافر لا ينكح مؤمنة. وأنه لا يلي على مؤمنة ~~في نكاح ولا سفر. وأن الكافر لا يشفع المؤمن. وهذا قول الهادي في (الأحكام) ~~والنفس الزكية والراضي بالله. وروي مثله عن الحسن الشعبي وأحمد. وقال في ~~(المنتخب) والمؤيد بالله والحنفية والشافعية: له الشفعة. لعموم أدلة ~~الشفعة. # وبالقياس على رد المعيب فيما شرى من مسلم. ويستدل بأن المرتد تبين منه ~~امرأته المسلمة. والخلاف: هل بنفس الردة كما يقول الحنفية، أو بانقضاء ~~العدة كما يقول المؤيد بالله والشافعية؟ وكذلك بيع العبد المسلم من الذمي. ~~أجازه الحنفية ومنعه المؤيد والشافعية. لكن على الأول، يجبر على بيعه، فلا ~~يستخدمه. قيل: والأمة مجمع على تحريم بيعها من الكافر إذا كانت مسلمة. ولا ~~خلاف أن الآية مخصوصة بأمور. منها: الدين يثبت للكافر على المؤمن. ومنها: ~~أنه ينفق المؤمن على أبويه الكافرين ونحو ذلك. وإذا خص العموم فقد اختلف ~~الأصوليون: هل تبقى دلالته على الباقي حقيقة أم مجازا؟ انتهى. وزاد بعض ~~المفسرين: إن الكافر لا يرث المسلم. وإن المسلم لا يقتل بالذمي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 142] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # أي: يفعلون ما يفعل المخادع من # PageV03P377 # إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والله يفعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع. ~~حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من ~~النار في الآخرة وإذا قاموا إلى الصلاة # أي: أتوها قاموا كسالى # أي: متثاقلين كالمكر على الفعل. قال ابن كثير: هذه صفة المنافقين في أشرف ~~الأعمال وأفضلها وخيرها. # وهي ms1388 الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها. لأنهم لا نية لهم ~~فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. كما روى ابن مردويه ~~عن عطاء عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان. ولكن ~~يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح. فإنه يناجي الله، وإن الله ~~تجاهه، يغفر له ويجيبه إذا دعاه. # ثم يتلو هذه الآية: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى # انتهى. # قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أن من علامات المنافق الكسل في الصلاة. # والكسل: التثاقل عن الشيء لمشقته. فهذه الآية في صفة ظواهرهم كما قال ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى [التوبة: 54] ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم ~~الفاسدة فقال يراؤن الناس # أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين. لا لإخلاص ومطاوعة ~~أمر الله. ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا. # كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. كما # ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أثقل ~~الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيهما ~~لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلا فيصلي ~~بالناس. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، ~~فأحرق عليهم بيوتهم بالنار. # وفي رواية «2» : والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو ~~مرماتين حسنتين لشهد العشاء. ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت ~~عليهم بيوتهم. # وروى الحافظ وأبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. ~~استهان بها ربه عز وجل # . وقوله ولا يذكرون الله إلا قليلا # فيه وجوه: الأول- معناه ولا يصلون إلا قليلا لأنهم إنما يصلون رياء ما ~~دام من يرقبهم. فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. وتأويل (الذكر) بالصلاة، روي ~~في غير ما آية عن السلف. الثاني- ولا يذكرون الله في PageV03P378 # صلاتهم إلا ms1389 قليلا. لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون. بل هم في صلاتهم ~~ساهون لا هون. # وقد روى الإمام مالك «1» عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك صلاة المنافق. تلك صلاة المنافق. ~~تلك صلاة المنافق. # يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فقر أربعا، لا يذكر ~~الله فيها إلا قليلا. وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي # . الثالث- معناه: ولا يذكرون الله بالتهليل والتسبيح إلا ذكرا قليلا في ~~الندرة. على أن الذكر بمعناه المتبادر منه. # وعليه، فمن علامات النفاق استغراق الأوقات بحديث الدنيا، وقلة ذكره تعالى ~~بتحميد أو تهليل أو تسبيح. كما أن من صفات المؤمنين ذكر الله تعالى كثيرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 143] # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا (143) # مذبذبين بين ذلك حال من فاعل (يراؤن) أو منصوب على الذم و (ذلك) إشارة ~~إلى الإيمان والكفر. المدلول عليهما بمعونة المقام. أو إلى (المؤمنين ~~والكافرين) ، فيكون ما بعده تفسيرا له. أي: مرددين بينهما متحيرين قد ~~ذبذبهم الشيطان والهوى. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين. أي: يذاد ~~ويدفع، فلا يقر في جانب واحد. إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب. كأن ~~المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أي: لا منضمين ~~إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين. ~~وقال مجاهد: # لا إلى هؤلاء، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ولا إلى هؤلاء، يعني ~~اليهود. ومن يضلل الله عن دينه وحجته فلن تجد له سبيلا أي: طريقا إلى ~~الصواب والهدى. # روى الشيخان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : مثل ~~المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة: ~~«العائرة المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع» . PageV03P379 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 144] # يا ms1390 أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا هذا نهي عن موالاة الكفرة. يعني ~~مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال ~~المؤمنين الباطنة إليهم. كما قال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28] . أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ~~ولهذا قال هاهنا أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا أي: حجة عليكم ~~في عقابكم بموالاتكم إياهم. وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين ~~للكافرين. قال الحاكم: وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه. لا المخالقة ~~والإحسان. قال الزمخشري: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له: خالص ~~المؤمن وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق ~~عليك أن تخالص المؤمن. قال أبو السعود: وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون ~~متعلقها بأن يقال: أتجعلون ... إلخ، للمبالغة في إنكار ذلك، وتهويل أمره ~~ببيان أنه مما لا يصدر على العاقل إرادته، فضلا عن صدور نفسه. كما في قوله ~~عز وجل: أم تريدون أن تسئلوا رسولكم [البقرة: 108] . ### | لطيفة: # روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كل سلطان في القرآن حجة. وكذا قال ~~غيره من أئمة التابعين. قال محمد بن يزيد: هو من (السليط) . وهو دهن الزيت ~~لإضاءته. أي: فإن الحجة من شأنها أن تكون نيرة. وفي (البصائر) إنما سمى ~~الحجة سلطانا لما يلحق من الهجوم على القلوب. لكن أكثر تسلطه على أهل العلم ~~والحكمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 145] # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) # إن المنافقين في الدرك قرئ بسكون الراء وفتحها الأسفل من النار أي الطبق ~~الذي في قعر جهنم. والدرك كالدرج. إلا أنه يقال باعتبار الهبوط. والدرج # PageV03P380 # باعتبار الصعود. وإنما عوقبوا ms1391 بذلك لأنهم أخبث الكفرة. إذ ضموا إلى الكفر ~~استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين. # قال الرازي: وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام، يمكنهم الاطلاع على ~~أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك. فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء ~~المنافقين. فلهذه الأسباب عوقبوا بذلك. ونقل عن ابن الأنباري أنه قال: إنه ~~تعالى أخبر عن آل فرعون بقوله: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] ، ~~وعن المنافقين بما في هذه الآية. فأيهما أشد عذابا؟ فأجاب: بأنه يحتمل أن ~~أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل. وقد اجتمع فيه الفريقان. والله ~~أعلم. # روى الترمذي «1» عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان على منبر البصرة، إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي ~~فيها سبعين عاما، وما تفضي إلى قرارها # . وكان عمر رضي الله عنه يقول: أكثروا ذكر النار. فإن حرها شديد وإن ~~قعرها بعيد وإن مقامعها حديد. # وروى الترمذي «2» عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره # ولن تجد لهم نصيرا أي: ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 146] # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) # إلا الذين تابوا أي: عن النفاق وأصلحوا أي: أعمالهم واعتصموا بالله أي: ~~وثقوا به بترك موالاة الكفار وأخلصوا دينهم لله فلم يبق لهم فيه تردد. # ولم يريدوا بطاعتهم إلا وجهه سبحانه، لا رياء الناس كما كانوا قبل. ~~فأولئك مع المؤمنين إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة. ~~وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة. أي: لعلو رتبتهم ~~بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الأسفل، بل مع المؤمنين ~~المستمرين على الإيمان بلا نفاق. أي: معهم في درجات الجنان. وقد بين ذلك ~~بقوله سبحانه وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ثوابا ms1392 وافرا في الجنة. ~~فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. وحذفت PageV03P381 # (الياء) في الخط هنا اتباعا للفظ. لسكونها وسكون اللام بعدها. ومثله: يوم ~~يدع الداع [القمر: 6] ، و: سندع الزبانية [العلق: 18] ، و: يوم يناد المناد ~~[ق: 41] ونحوها. فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. فجاء الرسم تابعا ~~للفظ. والقراء يقفون عليه دون ياء، اتباعا للخط الكريم. إلا يعقوب والكسائي ~~وحمزة. فإنهم يقفون بالياء، نظرا إلى الأصل. كذا في (الفتح) . ### | تنبيه: # قال الزمخشري: فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان ~~وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ب (المنافق) فللتغليظ، # كقوله «1» : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا. # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «2» : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام ~~وإن صلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان # . وقيل لحذيفة رضي الله عنه: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا ~~يعمل به. وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا ~~بخلافه. فقال: كنا نعده من النفاق: # انتهى كلامه. # أقول: قول الزمخشري (فللتغليظ) يوجد مثله لثلة من شراح الحديث وغيرهم. ~~وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا ~~يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه. وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. ~~انتهى. وقال بعض المحققين: عليك أن تقر الأحاديث كما وردت، لتنجو من معرة ~~الخطر. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 147] # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم قال أبو السعود: هو استئناف مسوق ~~لبيان أن مدار تعذيبهم، وجودا وعدما، إنما هو كفرهم. لا شيء آخر. فيكون ~~مقررا PageV03P382 # لما قبله من إثابتهم عند توبتهم. و (ما) استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ ~~وجه وآكده. أي: أي شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم؟ أيتشفى به من الغيظ؟ أم ~~يدرك به ms1393 الثار؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك. ~~وهو الغني المتعالي عن أمثال ذلك. وإنما هو أمر يقتضيه كفركم. فإذا زال ذلك ~~بالإيمان والشكر، انتفى التعذيب لا محالة. وتقديم (الشكر) على (الإيمان) ~~لما أنه طريق موصل إليه. فإن الناظر يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية ~~والآفاقية فيشكر شكرا مبهما. ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به. وجواب ~~الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وكان الله شاكرا عليما الشكر منه تعالى ~~المجازاة والثناء الجميل. كما في (القاموس) . ويرحم الله ابن القيم حيث ~~يقول في (الكافية الشافية) : # وهو الشكور فلن يضيع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان # ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان # كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان # إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله، والحمد للرحمن ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 148] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد ~~بالقبيح من القول إلا من ظلم إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم ~~منه ويذكره بما فيه من السوء. فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه، حتى إنه يجيب ~~دعاءه. ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة. فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه، ~~فليس المراد حصر معنى الآية فيه. بل القصد تنبيه المستمع على النوع. فمن ~~ذلك ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس «1» في الآية، يقول: لا يحب الله أن ~~يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما. فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ~~ظلمه. وذلك قوله إلا من ظلم وإن صبر فهو خير له. ومن ذلك ما رواه عبد ~~الرزاق وابن إسحاق وهناد بن السري عن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلا فأساء ~~قراه، فتحول عنه. # فجعل يثني عليه بما أولاه. فرخص له أن يثني عليه بما أولاه. ms1394 وفي رواية ~~عنه: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم ~~يحسن. وفي PageV03P383 # رواية: هو الضيف المحول رحله. فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول. # قال ابن كثير: وقد روى الجماعة (سوى النسائي والترمذي) عن عقبة بن عامر ~~«1» قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ ~~فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ~~ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. # وروى الإمام أحمد «2» عن المقدام أبي كريمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره ~~حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله. # وروى هو وأبو داود «3» عنه أيضا. سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~ليلة الضيف واجبة على كل مسلم. # فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه. فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه # . ومن هذا القبيل # الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارا يؤذيني. فقال له: أخرج متاعك فضعه على ~~الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق. فكل من مر به قال: ما لك؟ قال ~~جاري يؤذيني. # فيقول: اللهم! العنه. اللهم! أخزه. قال فقال الرجل: ارجع إلى منزلك. ~~والله! لا أوذيك أبدا. ورواه أبو داود «4» في كتاب الأدب. # وقال عبد الكريم بن مالك الجزري، في هذه الآية. هو الرجل يشتمك فتشتمه. ~~ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه. لقوله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل [الشورى: 41] . وقال قطرب: معنى الآية: إلا من أكره على ~~أن يجهر بسوء من القول، من كفر أو نحوه. فهو مباح له. وسئل المرتضى عنها ~~فقال: لا يحب الله ذلك ولا يجيزه لفاعله. إلا من ظلم. وذلك مثل ما كان من ~~مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1395 من العقاب والضرب، ~~ليشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبرءوا منه. ففعل ذلك عمار. فخلوه ~~وصلبوا صاحبه. فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه. وفي عمار ~~وصاحبه نزل قول الله في سورة النحل: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم [النحل: 106] . فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من ~~شحنه بالإيمان. انتهى. PageV03P384 # وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها. وما نقله السمرقندي وغيره عن الفراء في ~~قوله تعالى: إلا من ظلم أن إلا بمعنى (لا) يعني: ولا من ظلم- فهذا من تحريف ~~الكلم عن مواضعه: فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام ~~الذي هو من السوء في جانب من ظلمه. ويؤيده # الحديث الذي رواه الإمام أحمد «1» وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، ~~عن الشريد بن سويد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «2» : لي ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته. # وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة. ### | فوائد: # قال بعض مفسري الزيدية: أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم ~~والجهر بمساويه. ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها، لم يكفر. لأنه ~~مظلوم. وإذا ثبت بطلان حكم لفظ (الكفر) مع الظلم، فكذا يلزم في سائر ~~الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال: والمحبة هاهنا بمعنى ~~الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى. # أقول: هذه نزغة اعتزالية. # ثم قال: وتسميته سوءا، لكونه يسوء المقول فيه. وإلا فليس بقبيح في هذه ~~الحال. # ثم قال: وقول من قال (إلا) هنا بمعنى (الواو) أي: ومن ظلم، مثل: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # فخلاف الظاهر. انتهى. # وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة. قال الشعبي: يعجبني الرجل ~~إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبلغ ~~كلامه الحجاج فقال: لله دره! أي رجل بين جنبيه! وتمثل: # ولا خير في ms1396 عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه # وقال أعرابي لابن عباس رضي الله عنهما: أتخاف علي جناحا إن ظلمني رجل ~~PageV03P385 # فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى. فقال: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل. # وقال المتنبي: # من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم ### | لطيفة: # الاستثناء في قوله تعالى إلا من ظلم إما متصل أو منقطع. فعلى الأول فيه ~~وجهان: الأول- قول أبي عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظلم. ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني- قول الزجاج: المصدر هاهنا ~~بمعنى الفاعل. أي: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى أنه منقطع، ~~فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. # وقوله تعالى: وكان الله سميعا عليما فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع ~~شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه. كما قال تعالى: ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون [إبراهيم: 42] . ووعيد له أيضا بأن يتعدى في الجهر المأذون ~~فيه. # بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك. ثم حث ~~سبحانه على العفو بعد ما جوز الجهر بالسوء وجعله محبوبا، حثا على الأحب ~~إليه والأفضل عنده. وإلا دخل في الكرم والتخشع والعبودية، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 149] # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) # إن تبدوا خيرا أي: طاعة وبرا أو تخفوه أي: تعملوه سرا أو تعفوا أي: ~~تتجاوزوا عن سوء أي: ظلم فإن الله كان عفوا قديرا أي: يعفو عن الجانين مع ~~قدرته على الانتقام. فعليكم أن تقتدوا بسنة الله بالعفو مع القدرة. فثمرة ~~هذه الآية الحث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء، وإن كان على وجه ~~الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق. وإنما كان المقصود العفو لأن ما قبلها ~~في ذكر السوء والجهر به. فمقتضى السياق: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ~~ظلم. فإن عفا المظلوم عنه، ولم ms1397 يدع على ظالمه ويتظلم منه، فإن الله عفو ~~قدير. وإنما ذكر قبله إبداء الخير وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء. لأنه يعلم ~~من مدح حالي الخير: السر والعلانية، أن السوء ليس كذلك جهرا وإخفاء. فينبغي ~~العفو عنه وتركه. وإنما عطف # PageV03P386 # (العفو) ب (أو) مع دخوله في الخير بقسميه، للاعتداد به، والتنبيه على ~~منزلته، وكونه من الخير بمكان مرتفع. وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود ~~وأنه من قبيل: # وملائكته ورسله وجبريل [البقرة: 98] . لأن مثله يعطف بالواو لا ب (أو) ~~ولذا حمل الخير على الطاعة والبر مما هو عبادة وقربة فعلية. لتغاير العفو. ~~فالمراد بالتوطئة ذكر ما هو مناسب وقدم عليه. كذا في (العناية) . # قال ابن كثير. # ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله. فيقول بعضهم: # سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. # وفي الحديث الصحيح «1» : ما نقصت صدقة من مال. وما زاد الله عبدا يعفو ~~إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. # وقال الرازي: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع ~~الحق وخلق مع الخلق والذي يتعلق مع الخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم. # ودفع ضرر عنهم. فقوله: إن تبدوا خيرا أو تخفوه إشارة إلى إيصال النفع ~~إليهم. # وقوله أو تعفوا إشارة إلى دفع الضرر عنهم. فدخل في هاتين الكلمتين جميع ~~أنواع الخير وأعمال البر. # ثم نزل في اليهود إلى أواخر السورة قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 150] # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) # إن الذين يكفرون بالله ورسله قال ابن عباس: يعني كعبا وأصحابه ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله أي في الإيمان ويقولون نؤمن ببعض من الرسل ونكفر ~~ببعض منهم. كما قالوا: نؤمن بموسى والتوراة، ونكفر بما وراء ذلك. وما ذاك ~~إلا كفر بالله تعالى ورسله، وتفريق بين الله تعالى ورسله في الإيمان. # لأنه تعالى قد ms1398 أمرهم بالإيمان بكل نبي يأتي مصدقا لما معهم، ونصره. ومن ~~كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل، وبالله تعالى من حيث لا يحتسب. لأنهم لما ~~تساووا PageV03P387 # في المعجزات والدعوة إلى الحق، والقيام بالخيرات في أنفسهم، كان الكفر ~~بواحد منهم كفرا بالكل. بل وبالله. إذ يعتقدون فيه أنه صدق الكاذب بخلق ~~المعجزات. # كذا في (التبصير) ويريدون أي: بقولهم ذلك أن يتخذوا بين ذلك أي بين ~~الإيمان ببعض، والكفر ببعض سبيلا دينا يسلكونه. مع أنه لا واسطة بينهما ~~قطعا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 151] # أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # أولئك هم الكافرون حقا أي الذين كفروا كفرا ثابتا لا ريب فيه. فلا عبرة ~~بمن ادعوا الإيمان به. لأنه ليس شرعيا. إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول ~~الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا يهانون به. وهو عذاب جهنم. أي: كما استهانوا بمن ~~كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه، وإقبالهم ~~على جمع حطام الدنيا. وإما بكفرهم به، بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله ~~كثير من أحبارهم في عهده صلى الله عليه وسلم. # حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة. وخالفوه وكذبوه وعادوه ~~وقاتلوه. # فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي. وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وباءوا بغضب من الله في الدنيا والآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 152] # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) # والذين آمنوا بالله ورسله كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم يعني بهم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فإنهم يؤمنون بكل نبي بعثه الله. ولا يفرقون بين ~~أحد منهم، بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين. كما فعله الكفرة أولئك سوف ~~يؤتيهم أي: يعطيهم أجورهم ثواب إيمانهم بالله ورسله في الآخرة وكان الله ~~غفورا أي: لما فرط منهم رحيما مبالغا في الرحمة عليهم، بتضعيف حسناتهم. # ثم ms1399 بين تعالى ما جبل عليه اليهود من اللجاج والعناد، والبعد عن طريق ~~الحق، بقوله: # PageV03P388 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 153] # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) # يسئلك أهل الكتاب قال ابن عباس: كعب وأصحابه أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء أي: كما نزلت التوراة على موسى جملة في الألواح. مع أنه لا حاجة لهم ~~إلى طلب ذلك بعد ما وضحت البراهين على نبوتك، لا سيما بإعجاز ما نزل عليك ~~من الفرقان. إلا أن الذي حملهم على سؤالهم هو التعنت والكفر. كما قال قبلهم ~~كفار قريش نظير ذلك: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ... # [الإسراء: 90] الآيات. ولهذا قال تعالى: فقد سألوا موسى أكبر من ذلك أي: ~~مما سألوك فقالوا أرنا الله جهرة أي: رؤية ظاهرة فأخذتهم الصاعقة أي النار ~~النازلة من السماء بظلمهم أي: جراءتهم على الله وعتوهم وعنادهم. إذ لا يرون ~~آية إلا يطلبون أكبر منها. حتى يروا آية ملجئة إلى الإيمان. بحيث لا يفيد ~~الإيمان معها. # فلا يكادون يؤمنون إيمانا يفيدهم أصلا، ولا يبعد منهم الكفر، بعد رؤية ~~الآيات. # فإنهم رأوا آيات موسى ثم اتخذوا العجل أي: إلها وعبدوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات أي: الدلائل القاطعة على نفي الشرك. ثم تابوا عنه فعفونا عن ذلك ~~أي: # تركناهم ولم نستأصلهم وآتينا موسى سلطانا مبينا أي: حجة بينة وتسلطا ~~ظاهرا على إهلاك من خالفه. وفي ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بنصره، ~~وإن بالغوا في العناد والإلحاد. ثم أشار إلى أنهم مع رؤيتهم الآيات، لم ~~ينقادوا لأوامر موسى. كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 154] # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) # ورفعنا فوقهم الطور ms1400 أي: الجبل ليتحملوا التكليف بميثاقهم أي: # بسبب أخذ ميثاقهم. ليخافوا فلا ينقضوه. # قال ابن كثير: وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم ~~إباء على ما جاءهم به موسى عليه السلام، رفع الله على رؤوسهم جبلا. ثم ~~ألزموا # PageV03P389 # وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم. كما قال ~~تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم ~~بقوة ... [الأعراف: 171] الآية، وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا أي: ادخلوا ~~باب إيلياء مطأطئين، عند الدخول، رؤوسكم. فخالفوا ما أمروا به. وقد تقدم في ~~سورة البقرة إيضاح هذه الآيات مفصلا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت أي: ~~وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعا لهم وأخذنا ~~منهم ميثاقا غليظا أي: عهدا شديدا. فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما ~~حرم الله عز وجل. كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: وسئلهم عن القرية ~~التي كانت حاضرة البحر ... [الأعراف: 163] . ثم بين تعالى ما أوجب لعنهم ~~وطردهم ومسخهم من مخالفتهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 155] # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # فبما نقضهم ميثاقهم (ما) مزيدة للتأكيد، أو نكرة تامة. و (نقضهم) بدل ~~منها. والباء متعلقة بفعل محذوف. أي فبسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم، ~~فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم، أو ~~على أعقابهم وكفرهم بآيات الله أي: حججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها ~~على يد الأنبياء عليهم السلام وقتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى عليهما السلام. # قال العلامة البقاعي: وهو أعظم من مطلق كفرهم. لأن ذلك سد لباب الإيمان ~~عنهم وعن غيرهم. لأن الأنبياء سبب الإيمان. ولما كان الأنبياء معصومين من ~~كل نقيصة، ومبرأين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه، قال تعالى ~~بغير حق أي: كبير ولا صغير أصلا. وهذا الحرف لكونه في سياق طعنهم ms1401 في ~~القرآن، الذي هو أعظم الآيات، وقع التعبير فيه بأبلغ مما في آل عمران. لأن ~~هذا مع جمع الكثرة. وتنكير الحق، عبر فيه بالمصدر، المفهم لأن الاجتراء على ~~القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة. بخلاف ما مضى. فإنه بالمضارع الذي ربما دل ~~على العروض. # ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال وقولهم ~~قلوبنا غلف جمع (أغلف) أي: هي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه ... # PageV03P390 # [فصلت: 5] . أي: فلا ذنب لنا: لأن قلوبنا خلقت بعيدة عن فهم ما يقول ~~الأنبياء. وذلك سبب قتلهم ورد قولهم. وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي ~~الكريم ويشهدون له بالرسالة، وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفونه بأشهر صفاته ~~ويترقبون إتيانه. لا جرم رد الله عليهم بقوله، عطفا على ما تقديره (وقد ~~كذبوا) لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان. فلم تكن قلوبهم في الأصل ~~غلفا بل طبع الله عليها بكفرهم أي: # ليس كفرهم، وعدم وصول الحق إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة. بل الأمر ~~بالعكس. حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم. لأنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة ~~من اختيار الخير والشر. فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقص عن ~~الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وتركوا ما تدعو ~~إليه عقولهم، طبع سبحانه عليهم فجعلها قاسية محجوبة. ولذا سبب عنه قوله فلا ~~يؤمنون إلا قليلا منهم. كعبد الله بن سلام وأضرابه. أو: إلا إيمانا قليلا ~~لا يعبأ به لتمرن قلوبهم على الكفر والطغيان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 156] # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) # وبكفرهم أي: بعيسى عليه السلام. وهو عطف على (قولهم) وإعادة الجار لطول ~~ما بينهما. وقد جوز عطفه على (بكفرهم) فيكون هو وما عطف عليه من أسباب ~~الطبع. وقيل هذا المجموع معطوف على مجموع ما قبله. تكرير الكفر للإيذان ~~بتكرر كفرهم. حيث كفروا بموسى ثم ms1402 بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام. كذا ~~في أبي السعود وقولهم على مريم بهتانا عظيما أي: مع قولهم الذي يجترءون به ~~على مريم عليها السلام، بعد ظهور كراماتها وإرهاصات ولدها ومعجزاته، ~~يبهتونها به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 157] # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا (157) # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. # قال أبو السعود: نظم قولهم هذا في سلك سائر جناياتهم التي نعيت عليهم # PageV03P391 # ليس لمجرد كونه كذبا، بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبي عليه السلام ~~والاستهزاء به. فإن وصفهم له عليه السلام بعنوان الرسالة إنما هو بطريق ~~التهكم به عليه السلام. # كما في قوله تعالى: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر [الحجر: 6] . ~~ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبيح، على ما قيل من أن ذلك وضع ~~للذكر الجميل من جهته تعالى، مكان ذكرهم القبيح. وقيل: هو نعت له عليه ~~الصلاة والسلام من جهته تعالى. مدحا له، ورفعا لمحله، وإظهارا لغاية ~~جراءتهم، في تصديهم لقتله، ونهاية وقاحتهم في افتخارهم بذلك. ### | لطيفة: # قال الراغب: سمي عيسى بالمسيح لأنه مسحت عنه القوة الذميمة، من الجهل ~~والشره والحرص وسائر الأخلاق الذميمة. كما أن الدجال مسحت عنه القوة ~~المحمودة من العلم والعقل والحلم والأخلاق الحميدة. وقال شمر: لأنه مسح ~~بالبركة. وهو قوله تعالى: وجعلني مباركا أين ما كنت [مريم: 31] . أو لأن ~~الله مسح عنه الذنوب. # وذكر المجد في كتابه (البصائر) في اشتقاقه ستة وخمسين قولا. وتطرق شارح ~~القاموس لبعضها. فانظره وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم أي: لا يصح لهم ~~الفخر بقتله. لأنهم ما قتلوه. ولا متمسك لهم فيما يزعمونه من صلبهم إياه. ~~لأنهم ما صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من ألقى عليه شبهه وإن الذين اختلفوا فيه ~~أي: في شأن عيسى لفي شك منه أي: من قتله. وسنبينه بعد ms1403 ما لهم به أي: بقتله ~~من علم إلا اتباع الظن استثناء منقطع. أي: لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه ~~وما قتلوه يقينا أي: قتلا يقينا بمعنى متيقنين أنه عيسى عليه السلام، بل ~~فعلوه شاكين فيه. أو المعنى: انتفى قتله انتفاء يقينا بمعنى انتفائه على ~~سبيل القطع. # قال البرهان البقاعي: وهو أولى لقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 158] # بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) # بل رفعه الله إليه رد وإنكار لقتله. وإثبات لرفعه. أي: اليقين إنما هو في ~~رفعه إليه وكان الله عزيزا حكيما أي: لا يبعد رفعه على الله. لأنه عزيز لا ~~يغلب على ما يريده. وحكيم اقتضت حكمته رفعه. فلا بد أن يرفعه. وهي حفظه ~~لتقوية دين محمد صلى الله عليه وسلم، حين انتهائه إلى غاية الضعف بظهور ~~الدجال، فيقتله. أفاده المهايمي. # PageV03P392 ### | تنبيه: # لا خفاء في أن هذه الآية الكريمة لتكذيب اليهود في دعوى الصلب التي ~~تابعهم عليها أكثر النصارى، ولتبرئة ساحة مقام عيسى عليه السلام مما توهموه ~~في ذلك. ولما كانت هذه الآية من مباحث الأمتين، ومعارك الفرقتين- أردت بسط ~~الكلام في هذا المقام. انتهاجا للحق. وأخذا بناصر الصدق. ورد أباطيل ~~المكذبين. # وتزييف أقوال الملحدين. نورد أولا ما زعموه ورووه. مما نفاه التنزيل ~~الكريم. ثم بطلان المروي عندهم وتهافته بالحجج الدامغة. ثم ما رواه أئمة ~~سلفنا رضي الله عنهم في هذه القصة. ثم رد زعمهم أن إلقاء الشبه سفسطة. ثم ~~سقوط دعواهم التواتر في الصلب. ثم تزييف تفسير بعض النصارى لهذه الآية، ~~وأنها مطابقة لمعتقدهم على زعمه. مع ذكر من رفض عقيدة الصلب من فرق ~~النصارى. وذكر ما روي في إنجيل خامس يوافق عقيدة المسلمين، ويطابق هذه ~~الآية. ونختم هذه المباحث بما قاله شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي ~~الله عنه في هذه الآية، وأبدع، على عادته قدس سره. فهذا المطالب ينبغي ~~معرفتها لكل طالب. إذ تفرعت إلى مباحث فائقة. وفوائد شائقة. فنقول وبالله ~~التوفيق: ### | ذكر ما زعموه ورووه مما نفاه التنزيل الكريم ms1404 # جاء في الفصل الثاني والعشرين من ### | إنجيل لوقا # ما نصه: ### | 2- # كان رؤساء الكهنة والكتبة يلتمسون كيف يقتلون يسوع لكنهم كانوا يخافون من ~~الشعب. ### | 38- # أي لأن الشعب كلهم كانوا يبكرون إليه في الهيكل (وهو الكنيسة) ليستمعوه. # إنجيل لوقا ### | الأصحاح الحادي والعشرون # (37) وكان في النهار يعلم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل الذي ~~يدعى جبل الزيتون. # (38) وكان كل الشعب يبكرون إليه في الهيكل ليسمعوه. ### | 37- # وكان في النهار يعلم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل المسمى # PageV03P393 # جبل الزيتون. كما ذكر لوقا قبل الفصل. ### | 3- # فدخل الشيطان في يهوذا الملقب بالأسخريوطي وهو أحد الاثني عشر. ### | 4- # فمضى وفاوض رؤساء الكهنة والولاة كيف يسلمه إليهم. ### | 5- # ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. ### | 6- # فواعدهم وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم بمعزل عن الجمع. ### | 7- # وبلغ يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح. ### | 8- # فأرسل بطرس ويوحنا قائلا: امضيا فأعدا لنا الفصح لنأكل. ### | 9- # فقالا له: أين تريد أن نعد. ### | 10- # فقال لهما: إذا دخلتما المدينة يلقاكما رجل حامل جرة ماء. فاتبعاه إلى ~~البيت الذي يدخله. ### | الأصحاح الثاني والعشرون ### | 1- # وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح. ### | 2- # وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه. لأنهم خافوا الشعب. ### | 3- # فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر. ### | 4- # فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقواد الجند كيف يسلمه إليهم. ### | 5- # ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. ### | 6- # فواعدهم. وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم خلوا من جمع. ### | 7- # وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح. ### | 8- # فأرسل بطرس ويوحنا قائلا اذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل. ### | 9- # فقالا له أين تريد أن نعد. ### | 10- # فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء. اتبعاه إلى ~~البيت حيث يدخل. ### | 11- # وقولا لرب البيت: المعلم يقول لك أين يكون المنزل الذي آكل فيه الفصح مع ~~تلاميذي. ### | 12- # فهو يريكما غرفة كبيرة مفروشة. فأعدا هناك. ### | 13- # فانطلقا فوجدا كما قال لهما وأعدا الفصح. # PageV03P394 ### | 14- # ولما كانت الساعة اتكأ هو والرسل الاثنا عشر معه. ### | 15- # فقال لهم: لقد اشتهيت شهوة أن آكل هذا الفصح معكم ms1405 قبل أن أتألم. ### | 16- # فإني أقول لكم: إني لا آكله بعد حتى يتم في ملكوت الله. ### | 17- # ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم. ### | 18- # فإني أقول لكم: إني لا أشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. ### | 19- # وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا: هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلهم. # اصنعوا هذا لذكري. ### | 20- # وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا: هذه هي الكأس العهد الجديد بدمي الذي ~~يسفك من أجلكم. ### | 21- # ومع ذلك فها إن يد الذي يسلمني معي على المائدة. ### | 22- # وابن البشر ماض كما هو محدود ولكن الويل لذلك الرجل الذي يسلمه. ### | 23- # فطفقوا يسألون بعضهم بعضا: من كان منهم مزمعا أن يفعل ذلك. ### | 24- # ووقعت بينهم مجادلة في أيهم يحسب الأكبر. ### | 25- # فقال لهم: إن ملوك الأمم يسودونهم والمسلطين عليهم يدعون محسنين. ### | 26- # وأما أنتم فلستم كذلك. ولكن ليكن الأكبر فيكم كالأصغر. والذي يتقدم كالذي ~~يخدم. ### | 28- # وأنتم الذين ثبتم معي في تجاربي. ### | 29- # فأنا أعد لكم الملكوت كما أعده لي أبي. ### | 30- # لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط ~~بني إسرائيل الاثني عشر. ### | 31- # وقال يسوع: سمعان سمعان هو ذا الشيطان سأل أن يغربلكم مثل الحنطة. ### | 32- # لكني صليت من أجلك لئلا ينقص إيمانك وأنت متى رجعت فثبت إخوتك. ### | 33- # فقال له: أنا مستعد أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت. ### | 34- # قال: إني أقول لك يا بطرس إنه لا يصيح الديك اليوم حتى تنكر ثلاث مرات ~~أنك تعرفني. ### | 39- # ثم خرج ومضى على عادته إلى جبل الزيتون وتبعه التلاميذ. ### | 40- # فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا في تجربة. # PageV03P395 ### | 41- # ثم فصل عنهم نحو رمية حجر وخر على ركبتيه وصلى. ### | 42- # قائلا: يا رب إن شئت فأجز عني هذه الكأس لكي لا تكن مشيئتي بل مشيئتك. ### | 43- # وتراءى له ملاك من السماء يشدده. ### | 44- # ولما أخذ في النزاع أطال في الصلاة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض. ### | 45- # ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن. ### | 46- # فقال لهم: ما بالكم نائمين. قوموا فصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. ### | 47- # وفيما ms1406 هو يتكلم وإذا بجمع يتقدمهم المسمى يهوذا أحد الاثني عشر فدنا من ~~يسوع ليقبله. ### | 48- # فقال له يسوع: يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن البشر. ### | 49- # فما رأى الذي حوله ما سيحدث قالوا له: أنضرب بالسيف. ### | 50- # وضرب أحدهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى. ### | 51- # فأجاب يسوع وقال: قفوا لا تزيدوا. ثم لمس أذنه فأبرأه. ### | 52- # ثم قال يسوع للذين جاءوا إليه من رؤساء الكهنة وولاة الهيكل والشيوخ: # كأنما خرجتم إلى لص بسيوف وعصي. ### | 53- # إني كل يوم كنت معكم في الهيكل ولم تمدوا علي أيديكم ولكن هذه ساعتكم ~~وهذا سلطان الظلمة. # حينئذ تركه تلاميذه وهربوا. ### | 54- # فارتموا على يسوع قبضوا عليه وقادوه إلى بيت رئيس الكهنة. # وكان الكتبة والرؤساء مجتمعين. وهناك أعطى يهوذا الحواري الثلاثين درهما ~~التي أخذها رشوة على تسليم المسيح. # وكان بطرس يتبعه من بعيد ... ### | 54- # فجلس داخلا مع الخدام لينظر الغاية. ### | 55- # وأضرموا نارا في وسط الدار وجلسوا حولها فجلس بطرس بينهم. ### | 56- # فرأته جارية جالسا عند الضوء فتفرست فيه ثم قالت: إن هذا أيضا كان معه. ### | 57- # فكفر أمام الجمع وأنكره قائلا: إني لست أعرفه. # PageV03P396 ### | 58- # وبعد قليل رآه آخر فقال: أنت أيضا منهم. فأخذ بطرس يحلف لا أعرف هذا ~~الرجل ولست منهم. ### | 59- # وبعد نحو ساعة أكد عليه آخر قائلا: في الحقيقة هذا أيضا كان معه فإنه ~~جليلي. ### | 60- # فقال بطرس: يا رجل لا أدري ما تقول. # قال مفسروهم: إن خطأ بطرس هذا كان ثقيلا: لأن المسيح قال: من ينكرني أمام ~~الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات. ### | 60- # وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك. ### | 61- # فالتفت يسوع ونظر إلى بطرس فتذكر كلامه إذ قال: إنك قبل أن يصيح الديك. ~~تنكرني ثلاث مرات. ### | 62- # فخرج بطرس وبكى بكاء مرا. ### | 63- # وكان الرجال الذين قبضوا عليه يهزئون به ويضربونه. ### | 64- # وغطوه وطفقوا يلطمونه ويسألونه قائلين: تنبأ من الذي ضربك. ### | 65- # وأشياء آخر كانوا يقولونها عليه مجدفين. ### | 66- # ولما كان النهار اجتمع شيوخ الشعب ورؤساء الكهنة عليه ليميتوه وأحضروه ~~إلى محفلهم. ### | 67- # وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تؤمنون. ### | 68- # وإن ms1407 سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. ### | 69- # ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. ### | 70- # فقال الجميع: أفأنت ابن الله. فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو. ### | 71- # فقالوا ما حاجتنا إلى شهادة إنا قد سمعنا من فمه. # فأوثقوه. وأما يهوذا الأسخريوطي الدافع، لما رأى يسوع قد دين ندم ومضى ~~فأعاد الثلاثين الفضة إلى رؤساء الكهنة قائلا: لقد أخطأت بتسليمي دما زكيا. ~~فقالوا له: ما علينا أنت أخبر. فطرح الفضة في الهيكل وذهب فخنق نفسه، وأما ~~رؤساء الكهنة فأخذوا الفضة وقالوا لا يحل لنا أن نضعها في بيت التقدمة ~~لأنها ثمن دم. ### | 1- # ثم ذهب جميع جمهورهم ومضوا بيسوع إلى بيلاطس. ### | 2- # وطفقوا يشكونه قائلين: إنا وجدنا هذا يفسد أمتنا ويمنع من أداء الجزية ~~لقيصر # PageV03P397 # ويدعي أنه هو المسيح الملك. ### | 3- # فسأله بيلاطس قائلا: هل أنت ملك اليهود؟ فأجابه قائلا: أنت قلت. ### | 4- # فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة وللجموع: إني لم أجد على هذا الرجل علة. ### | 5- # فلجوا وقالوا: إنه يهيج الشعب إذ يعلم في اليهودية كلها مبتدئا من الجليل ~~إلى هاهنا. ### | 6- # فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليلي. ### | 7- # ولما علم أنه من إيالة هيرودس أرسله إلى هيرودس وكان في تلك الأيام في ~~أورشليم. ### | 8- # فلما رأى هيرودس يسوع فرح جدا لأنه من زمان طويل كان يشتهي أن يراه ~~لسماعه عنه أشياء كثيرة ويرجو أن يعاين آية يصنعها. ### | 9- # فسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء. ### | 10- # وكان رؤساء الكهنة والكتبة واقفين يشكونه بلجاجة. ### | 11- # فازدراه هيرودس مع جنوده وهزأ به وألبسه ثوبا لا معا ورده إلى بيلاطس. ### | 12- # وتصادق هيرودس وبيلاطس في ذلك اليوم وقد كانا من قبل متعاديين. ### | 13- # فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب. ### | 14- # وقال لهم: قد قدمتم إلي هذا الرجل كأنه يفتن الشعب. وها أنا قد فحصته ~~أمامكم فلم أجد على هذا الرجل علة مما تشكونه به. ### | 15- # ولا هيرودس أيضا لأني أرسلتكم إليه وهو ذا لم يصنع به شيء من حكم الموت. ### | 16- # فأنا أؤدبه وأطلقه. ### | 17- # وكان لا بد له أن يطلق لهم في كل عيد رجلا. ### | 18- # فصاحوا ms1408 كلهم جملة قائلين: ارفع هذا وأطلق لنا برأبا. ### | 19- # كان ذاك قد ألقي في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل. ### | 20- # فناداهم بيلاطس مرة أخرى وهو يريد أن يطلق يسوع. ### | 21- # فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه. ### | 22- # فقال لهم مرة ثالثة: وأي شر صنع هذا؟ إني لم أجد عليه علة للموت فأنا ~~أؤدبه وأطلقه. ### | 23- # فألحوا عليه بأصوات عالية طالبين أن يصلب واشتدت أصواتهم. # PageV03P398 ### | 24- # فحكم بيلاطس أن يجرى مطلبهم. ### | 25- # فأطلق لهم الذي طلبوه ذاك الذي ألقي في السجن لأجل فتنة. وجلد يسوع ~~بالسياط وأسلمه ليصلب. # قال مفسروهم: ولذا يظهر أن اللصين اللذين صلبا معه جلدا أيضا والجلادون ~~كانوا ستين نفرا. وأرشاهم اليهود ليميتوه بالجلد خشية أن يطلقه بيلاطس ~~ونزعوا ثيابه وألبسوه لباسا قرمزيا وضفروا إكليلا من شوك العوسج ووضعوه على ~~رأسه، وأنشبوا في رأسه عنفا أشواكه الحادة. ومن هنا أخذت الكنيسة العادة ~~على إبقاء إكليلا من شعر في رأس الكهنة تذكارا لإكليل المسيح الشوكي. ثم ~~جثوا على ركبهم مستهزئين به وقائلين: السلام يا ملك اليهود وتناولوا قصبة ~~يضربون بها رأسه. # ولما هزؤا به نزعوا عنه ذلك اللباس وألبسوه ثيابه واستاقوه ليصلب. وكان ~~يتقدمه مبوق يدعو الشعب إلى هذا المنظر بحسب عادة اليهود. وخشبة الصلب على ~~منكبيه. ### | 32- # وانطلق معه بآخرين مجرمين ليقتلا. # ولما بلغوا إلى المكان المسمى الجمجمة صلبوه هناك هو والمجرمين، أحدهما ~~عن اليمين والآخر عن اليسار ... # وناولوه خلا بمرارة أو خمرا ممزوجا بعلقم بعد أن طلب الماء فذاقه ولم ~~يشرب. # ولما صلبوه بالمسامير وبالحبال معها. وكانت المسامير في راحة اليدين ~~والرجلين، ضربوا جنبه بالحربة فنفذت من صدره. وفي الصليب محل يسند إليه ~~رجليه. واقتسموا ثيابه بالقرعة وهي ثلاثة: القميص والرداء والجبة. ولم يكن ~~يلبس السروال كعادة تلك البلاد. وجلسوا هناك يحرسونه لئلا يسرقه أحد. # وكان الشعب واقفين ينظرون. والرؤساء يسخرون منه معهم قائلين: قد خلص ~~آخرين فليخلص نفسه إن كان هو مسيح الله المختار. ### | 36- # وكان الجند أيضا يهزئون به. ### | 37- # وقائلين: إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك. ### | 38- # وكان عنوان فوقه مكتوبا بالحروف اليونانية واللاتينية ms1409 والعبرانية: هذا هو ~~ملك اليهود. # PageV03P399 ### | 44- # ولما كان نحو الساعة السادسة حدثت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة ~~التاسعة. ### | 45- # وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه. ### | 46- # ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا: إيل إيل لم شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لم ذا ~~تركتني؟ فكان أناس من القائمين يقولون: دعوا ننظر هل يأتي إيليا فيخلصه. # ثم صرخ أيضا بصوت عال وأسلم الروح. ### | 47- # فلما رأى قائد المائة ما حدث مجد الله قائلا: في الحقيقة كان هذا الرجل ~~صديقا. ### | 48- # وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين على هذا المنظر، لما عاينوا ما حدث، ~~رجعوا وهم يقرعون صدورهم. ### | 49- # وكان جميع معارفه والنساء اللواتي تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرون ~~ذلك. ### | 50- # وإذا برجل اسمه يوسف وهو صالح صديق. ### | 51- # ولم يكن موافقا لرأيهم وعملهم. ### | 52- # فدنا إلى بيلاطس وسأله جسد يسوع فأعطاه إياه. ### | 53- # فأنزله ولفه في كتان ووضعه في قرب منحوت لم يكن وضع فيه أحد. ### | 54- # وكان يوم التهيئة أي: الجمعة وقد أخذ السبت يلوح ... # وفي يوم السبت اجتمع عظماء الكهنة عند بيلاطس قائلين له: قد تذكرنا أن ~~ذاك المضل كان يقول وهو حي: إني أقوم بعد ثلاثة أيام. فمر أن يحرسوا القبر ~~حتى اليوم الثالث. لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ليلا ويقولوا للشعب: إنه قام ~~من بين الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة شرا من الأولى. فأمر لهم بجنود ~~يحرسون وحصنوا القبر وختموا الحجر مع الجنود. وفي عشية السبت المسفر صباحه ~~عن الأحد أتت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر. # قال مفسروهم: إن هذه الآية أتعبت العلماء في تفسيرها والتوفيق بين ~~أجزائها وبين أقوال باقي الإنجيليين. انتهى. # وإذا بزلزلة عظيمة قد ضارت لأن ملك الرب انحدر من السماء. وكان الملك ~~جبريل ظهر بهيئة شاب وجاء فدحرج الحجر عن باب القبر وجلس فوقه. وكان منظره ~~كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. ومن الخوف منه اضطرب الحراس وصاروا كالأموات. # PageV03P400 # فقال للنسوة: لا تخفن. فقد عرفت أنكن تطلبن يسوع المصلوب. إنه ليس هاهنا. # فإنه قد قام. ### | وقال لوقا: ### | 55- # كانت النساء اللواتي أتين معه من الجليل. يتبعن. فأبصرن القبر ms1410 وكيف وضع ~~فيه جسده. ### | 56- # ثم رجعن وأعددن حنوطا وأطيابا. وفي السبت قررن على حسب الوصية. ### | 1- # وفي أول الأسبوع باكرا جدا أتين إلى القبر وهن يحملن الحنوط الذي ~~أعددناه. ### | 2- # فوجدن الحجر قد دحرج عن القبر. ### | 3- # فدخلن فلم يجدن جسد يسوع. ### | 4- # وبينما هن متحيرات في ذلك إذا برجلين قد وقفا عندهن بلباس براق. ### | 5- # وإذ كن خائفات ونكسن وجوههن إلى الأرض قالا لهن: لماذا تطلبن الحي بين ~~الأموات. ### | 6- # إنه ليس هاهنا لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو في الجليل. ### | 7- # إذ قال إنه ينبغي لابن البشر أن يسلم إلى أيدي أناس خطأة ويصلب ويقوم في ~~اليوم الثالث. # فذكرن كلامه. # ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. # وقلن لهم: قد أخذوا يسوع من القبر ولا نعلم أين وضعوه. ### | 10- # ومريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب وأخر معهن هن اللواتي أخبرن الرسل ~~بهذا. # فكان عندهم عند الكلام كالهذيان ولم يصدقوهن. ### | 12- # فقام بطرس وأسرع إلى القبر وتطلع فرأى الأكفان موضوعة على حدة فانصرف ~~متعجبا في نفسه مما كان. ### | 13- # وإن اثنين منهم كانا سائرين في ذلك اليوم إلى قرية اسمها عماوس بعيدة عن ~~أورشليم ستين غلوة. ### | 14- # وكانا يتحادثان عن تلك الحوادث كلها. ### | 15- # وفيما هما يتحادثان ويتساءلان دنا منهما يسوع نفسه وكان يسير معهما. # PageV03P401 ### | 16- # ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته. ### | 17- # فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتحاوران فيه وأنتما سائران مكتئبين. ### | 18- # فأجاب أحدهما: أفأنت غريب في أورشليم ولم تعلم ما حدث بها في هذه الأيام. ### | 19- # فقال لهما: وما هو؟ قالا له ما يخص يسوع الناصري الذي كان رجلا نبيا ذا ~~قوة في العمل والقول أمام الله والشعب كله. ### | 20- # وكيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ### | 21- # واليوم هو اليوم الثالث لحدوث ذلك. ### | 22- # إلا أن نساء منا أدهشننا لأنهن بكرن إلى القبر. ### | 23- # فلم يجدن جسده فأتين وقلن: إنهن رأين مظهر ملائكة قالوا إنه حي. ### | 24- # فمضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا كما قالت النساء لكنهم لم يروه. ### | 25- # فقال لهما: يا قليلي الفهم وبطيئي القلب في الإيمان بكل ما ms1411 نطقت به ~~الأنبياء. ### | 26- # أما كان ينبغي للمسيح أن يتألم هذه الآلام ثم يدخل إلى مجده. ### | 27- # ثم أخذ يفسر لهما، من موسى ومن جميع الأنبياء، ما يختص به في الأسفار ~~كلها. ### | 28- # فلما اقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها تظاهر بأنه منطلق إلى مكان ~~أبعد. ### | 29- # فألزماه قائلين: امكث معنا لأن المساء مقبل وقد مال النهار. فدخل ليمكث ~~معهما. ### | 30- # ولما اتكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما. ### | 31- # فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما. ### | 32- # فقال أحدهما للآخر: أما كانت قلوبنا مضطرمة فينا حين كان يخاطبنا في ~~الطريق ويشرح لنا الكتب. ### | 34- # وقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم فوجدا الأحد عشر والذين معهم ~~مجتمعين. # وهم يقولون: لقد قام يسوع في الحقيقة وتراءى لسمعان. ### | 35- # فأخذا يخبران بما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز. ### | 36- # وبينما هم يتحدثون بهذه وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم. أنا هو ~~لا تخافوا. # PageV03P402 ### | 37- # فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم يرون روحا. ### | 38- # فقال لهم: ما بالكم مرتعدين ولماذا ثارت الأوهام في قلوبكم. ### | 39- # انظروا يدي ورجلي إني أنا هو جسوني وانظروا فإن الروح لا لحم له ولا عظام ~~كما ترون لي. ### | 40- # ثم أراهم يديه ورجليه. ### | 41- # وإذ كانوا غير مصدقين بعد من الفرح ومتعجبين قال: أعندكم هاهنا طعام. ### | 42- # فأعطوه قطعة من سمك مشوي وشهد عسل. ### | 43- # فأخذ وأكل أمامهم. # ثم أخذ الباقي وأعطاهم ... # وبعد مفاوضته معهم. ### | 50- # خرج بهم إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم. ### | 51- # وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء. # هذا ما جاء في إنجيل لوقا ممزوجا ببعض تفاسيرهم. وإنما آثرت النقل عنه ~~لزعمهم أن كلامه أصح وأفصح، وأشد انسجاما من كلام باقي مؤلفي العهد الجديد. # كما في (ذخيرة الألباب) من كتبهم. ### | فصل في بطلان ما رووه وتهافته بالحجج الدامغة # اعلم أن في كتبهم الموجودة من التضارب في هذه القصة ما يقضي بالعجب ~~ويبرهن على عدم الوثوق بها. كما قال تعالى: ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن [النساء: 157] . # قال البرهان البقاعي رحمه الله في (تفسيره) بعد (أن ساق أزيد مما سقناه ms1412 ~~عن أناجيلهم، وقال: أحسن ما رد على الإنسان بما يعتقده) ما نصه: فقد بان لك ~~أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد. وهو ~~الأسخريوطي. # وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه. وإنه إنما وضع يده عليه ولم يقل ~~بلسانه إنه هو. وأن الوقت كان ليلا. وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكون ~~في هذه الليلة. وأن تلاميذه كلهم هربوا فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق ~~في أمره. وإن # PageV03P403 # بطس إنما تبعه من بعيد. وإن الذي دل عليه خنق نفسه. وإن الناقل لأن الملك ~~قال إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد. وما يدري ~~النسوة الملك من غيره. ونحو ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن. وأما ~~الآيات التي وقعت على تقدير تسليمها لا يضرنا التصديق بها.. وتكون لجراءتهم ~~على الله بصلب من يظنونه المسيح. وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه. ~~ويدل على أن المصلوب، إن صح أنهم صلبوه، من ظنوه إياه، هو الذي دل عليه. # قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه. ويؤيد ذلك قولهم إنه خنق نفسه. # فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه: فجزموا به. والله ~~أعلم. # انتهى. # وقال العلامة خير الدين الآلوسي في (الجواب الفسيح) : اعلم أن ما ذكره ~~هذا النصراني من أن المسيح عليه السلام مات بجسده، وأقام على الصليب إلى ~~وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن، وأقام في القبر إلى صبيحة يوم ~~الأحد، ثم انبعث حيا بلاهوته وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، ~~وظهر بعد لحوارييه ... إلى آخر ما قاله- هو ما أجمع عليه النصارى. ويرد ذلك ~~العقل والنقل. # وإن صدقتهم اليهود في قتله. فاستمع من المنقول ما يتلى عليك بأذن واعية. ~~وخذ ما يأتيك من المعقول بالدلائل الهادية. على أن المقتول هو الشبه. وأن ~~الحال عند صالبيه اشتبه. وأن المسيح رفعه الله تعالى، قبل القتل، إليه. ~~لشرفه عنده ومكانته. # لديه. قال ms1413 الله تعالى في بيان حال اليهود: وما قتلوه وما صلبوه ... ~~الآية. وفي الإنجيل أن رئيس الكهنة أقسم على المأخوذ بالله أأنت المسيح بن ~~الله؟ فقال له: # أنت قلت. ولم يجبه بأنه المسيح. فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: ~~نعم. # ولم يور ولم يتلعثم. وهو محلف بالله. لا سيما وهو بزعمهم الإله. الذي نزل ~~لخلاص عباده بإفداء نفسه ودخول الجحيم ولأواه. # وقال لوقا في الفصل التاسع من إنجيله. ### | 28- # إن المسيح صعد قبل الصلب إلى جبل الخليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا. ### | 29- # فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه وصارت تلمع ~~كالبرق. ### | 30- # وإذا موسى بن عمران وإيليا. ### | 31- # قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم. # PageV03P404 ### | 32- # وأما الذين كانوا مع المسيح فوقع عليهم النوم فناموا. # وهذا من أوضح الدلالات على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى ~~لظهور موسى وإيليا ووقوع النوم على أصحابه إلا رفعه. ألا ترى أن اليهود ~~كانوا يسمعون منه، عليه السلام أن إيليا يأتي. فلما رفعوه على الخشبة، كما ~~في الأناجيل، قالوا: دعوه حتى نرى أن إيليا يأتي فيخلصه. فصاروا في شك ~~يريدون تحقيقه. فإن أتى إيليا فما رفعوه هو المسيح. وإن لم يأت فهو غيره ~~كما في ظنهم. # فلما لم يأت ازدادوا ريبة في أمره. ومن رآه الحواريون بعد يقظتهم، يجوز ~~أن يكون طورا من أطوار روحه. لأنه عليه السلام لا يبعد أن يكون له قوة ~~التطور. وتشكل الروح بعد الموت أمر ممكن. لا سيما وقد صدرت على يديه معجزات ~~أعظم من ذلك. كإحياء الموتى وكثرة الخبز والحيتان وإبراء الأكمه والأبرص. ### | وقال يوحنا التلميذ: ### | 1- # كان يسوع مع تلاميذه بالبستان فجاء اليهودي في طلبه. ### | 4- # فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟ # قالوا: يسوع. (وقد خفي شخصه عنهم) . فقال: أنا يسوع. وفعل ذلك مرتين وقد ~~أنكروا صورته. # فانظر أيها العاقل كيف اعترف هنا أنه يسوع لما علم أن الله تعالى تولى ~~حراسته منهم، وأنهم لا يقدرون أن ينالوه بسوء. وكيف لم يعترف بأنه المسيح ms1414 ~~لما سأله رئيس الكهنة عن نفسه. فعدم اعترافه هناك واعترافه هنا دليل واضح ~~أيضا على أن ما قاله الله سبحانه في القرآن العظيم هو الحق. # ثم من الأدلة على عدم قتله ما اشتملت عليه الأناجيل من اختلاف المباني ~~والمعاني والمقاصد والاضطراب في حكاية هذه الواقعة والتناقص في ألفاظها. # كدعواهم الألوهية مع قوله عليه الصلاة والسلام (عند صلبه بزعمهم) : إلهي! ~~إلهي! لم تركتني. وقوله كما في ال ### | فصل # السادس والعشرين من إنجيل متى: # يا أبتاه إن كان لا يمكنك أن تفوتني هذه الكأس أي: الموت ولا بد لي أن ~~أشربها فلتكن مشيئتك. وقام يصلي. وقوله لرئيس الكهنة: إنكم من الآن لا ترون ~~ابن الإنسان حتى ترونه جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء. يريد ~~بالقوة البارئ تعالى شأنه. وفي الفصل السابع من إنجيل يوحنا: إن المريسيين ~~ورؤساء الكهنة # PageV03P405 # أرسلوا شرطا ليقبضوا على المسيح (يعني ليقتلوه كما قال مفسروهم) قال أنا ~~ماكث أيضا معكم زمانا. ثم أنطلق إلى من أرسلني وتطلبونني فلا تجدونني. ~~وحيثما أكن فلا تستطيعون إليه سبيلا. قال اليهود في ذواتهم: فإلى أين؟ هذا ~~عتيد أن ينطلق حتى لا نجده نحن، قال مفسروهم أي: يصعد إلى السماء. وغير ذلك ~~مما لو أردنا ذكره والتنقير عنه لطال البحث. # ثم نقل خير الدين نحوا مما أسلفناه عن أناجيلهم وقال بعض ذلك: فأجل في ~~تناقضها قداح فكرك. وفي تهافتها خيول ذهنك. لترى في هذه القصة ما يدلك على ~~وقوع الشبه ونجاة المسيح عقلا ونقلا. كما قال تعالى: ولكن شبه لهم. # وليتبين لك عبوديته ورسالته عليه السلام. فإن ذلك ظاهر من العبارات. ~~ولنزدك في البيان وضوحا بما ننبهك عليه بكلمات يسيرة مقدوحا ومشروحا. # منها: قولهم إنه صلب قبل غروب يوم الجمعة ودفن مساءها. ولما جاءت النسوة ~~عشية السبت المفسر صباحه عن الأحد، وجدنه فارغا، وقد قام منه المدفون. # مع أن النصارى يزعمون، كما في أناجيلهم، أنه يبقى في قبره ثلاثة أيام. ~~كما بقي يونان، أي: يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها، فما ms1415 هذا إلا ~~دليل على الاختلاف والتهافت في هذا الأمر. # ومنها: سؤالة اليهود مرتين من تطلبون؟ وهم يقولون: يسوع الناصري. فلم ~~يعرفوه وهو يقول لهم: أنا. # ومنها: أن يهوذا ارتشى ليدلهم عليه. وجعل العلامة على تعيينه لهم تقبيل ~~يده. فلو كان معلوما لهم لعرفوه بلا دلالة وبلا سؤال. مع أنه كان بين ~~أظهرهم وفي غالب الأيام في هيكلهم. # ومنها: أنه لما أقسم عليه رئيس الكهنة أنه هو المسيح لم يقل له: أنا ~~المسيح. بل قال له: أنت قلت. # ومنها: إنكار بطرس له وهو من أعظم رسله. وإنكاره كفر. # ومنها: أنه لما سأله الوالي: أنت هو؟ لم يرد له جوابا. فلو كان هو لاعترف ~~وأقر. # ومنها: أنه لما كان أخذه ليلا، وقد شوهت صورته وتغيرت محاسنه بالضرب ~~والنكال، فهي حالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟ # PageV03P406 # فمن أين يحصل القطع بأنه هو؟ لا سيما والنصارى قد حكموا أن المسيح عليه ~~السلام قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة. ويحتمل أن المسيح ذهب في ~~الجماعة الذين أطلقهم الأعوان، وكان المتكلم معهم تلميذ أراد أن يبيع نفسه ~~من الله تعالى وقاية للمسيح. فألقى الله تعالى عليه الشبه. وأتباع الأنبياء ~~يفدون أنفسهم لأنبيائهم. وهذا فدى نفسه لإلهه، بزعم النصارى. # ومنها: أنه يحتمل أن الأعوان ارتشوا على إطلاقه كما ارتشى يهوذا على ~~الدلالة عليه. وأخذوا غيره ممن يريد أن يفدي نفسه للمسيح. والدليل عليه عدم ~~اعترافه بأنه المسيح. # ومنها: قوله عليه السلام الذي تقدم آنفا: أنا ماكث معكم زمانا. ثم أنطلق ~~إلى من أرسلني. فتطلبوني فلا تجدوني. وحيثما أكن فلا تستطيعون إلي سبيلا، ~~فهذا صريح في الثاني عشر من (إنجيل يوحنا) ما لفظه: قال له الجموع: نحن ~~سمعنا من الناموس أن المسيح يمكث إلى الأبد. فكيف تقول أنت أن ابن البشر ~~سوف يرتفع. # من هو هذا ابن البشر؟ قال لهم يسوع: إن النور معكم زمانا آخر يسيرا. ~~امشوا ما دام لكم النور. لئلا يدرككم الظلام. ومن يمش في الظلام فلا يدري ~~أين ms1416 يذهب. آمنوا بالنور ما دام لكم النور. قال يسوع هذا وذهب متواريا عنهم. ~~انتهى. # ففي هذا الكلام أدلة كثيرة مؤيدة لقوله تعالى: بل رفعه الله إليه ~~[النساء: 158] . # منها: أن اليهود قالوا لعيسى: إن المسيح المذكور في العهد القديم يمكث ~~إلى الأبد. # أي: فإن كنت أنت المسيح فأنت لا تموت في هذا الزمان. بل تبقى إلى قيام ~~الساعة. ولم يكذبهم في نقلهم ذلك. والمسلمون يقولون: إنه رفع حيا إلى ~~السماء وهو الآن حي فيها. وسينزل آخر الزمان عند قرب الساعة. ويقتل الدجال ~~ويحكم بالشريعة المحمدية. ويتوفى ويدفن عند النبي صلى الله عليه وسلم. فهو ~~حي إلى الأبد، يعني إلى قرب قيام الساعة ونزوله وموته من أمارات الساعة ~~الكبرى. وفي هذا القول دلالات ظاهرات أيضا على أنه ليس بإله: أحدها- أنه ~~قال: ابن البشر. يعني لا تظنوا أني أدعي الألوهية وإن أحييت الموتى. لأن ~~ذلك معجزة خلقها الله تعالى على يده للإيمان بنبوته. # ثانيها: لو كان إلها لما توارى منهم خائفا من قتلهم له. لأن الإله هو ~~خالق لهم ولعملهم. وعالم بزمن قدرتهم عليه. فكيف يفر وهو يعلم وقت موته؟ ~~وهو خالق # PageV03P407 # الموت والحياة؟ ثم إنه يحتمل أن الله تعالى ألقى شبهه على شيطان أو مارد ~~من مردة الجن ليخلص نبيه ورسوله من أيدي أعدائه، ويرفعه إليه محفوظا مكرما. ~~كما أجرى عليه يديه إحياء الموتى، وخلقه من غير أب، وأبرأ الأكمه والأبرص. ~~لا سيما وهو بزعمهم إله العالم وخالق الإنس والجن وبني آدم. فأي ضرورة تدعو ~~لإثبات أنواع الإهانة والعذاب، على ما زعموا، لرب الأرباب. مع وجود التناقض ~~فيما نقلته أناجيلهم في هذا الفصل والباب. # عجبا للمسيح بين النصارى ... وإلى أي والد نسبوه # أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنهم بعد ضربه صلبوه # فإذا كان ما يقولون حقا ... وصحيحا، فأين كان أبوه؟ # حين خلى ابنه رهين الأعادي ... أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟ # فلئن كان راضيا بأذاهم ... فاحمدوهم لأنهم عذبوه # ولئن كان ساخطا فاتركوه ... واعبدوهم لأنهم غلبوه # وفي كتاب (الفاصل بين الحق والباطل) ما نصه: وفي الذي ms1417 اتخذتموه شهيدا على ~~صلبه من كلام عاموص النبي. أن الله تعالى قال على لسانه: ثلاثة ذنوب أقبل ~~لبني إسرائيل. والرابعة لا أقبلها. بيعهم الرجل الصالح- حجة عليكم لا لكم. ~~لأنه لم يقل بيعهم إياي. ولا قال بيعهم إلها متساويا معي. # ويجزي تأويل ذلك على وجهين: إما أن يكون عنى بالمبيع عيسى كما تزعمون ~~فقولوا حينئذ إنه (الرجل الصالح) كما قال عاموص، وليس بالإله المعبود. # وإما أن يريد بالمبيع غيره وهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه. ويلزمكم ~~وقتئذ إنكار مصلوبية عيسى عليه السلام. كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب ~~النصرانية متضافرة دالة على عدم الصلب لعيسى عليه السلام. ووقوع الشبه على ~~غيره. وذلك من وجوه: أحدها- يوجد في الإنجيل أن عيسى عليه السلام صعد إلى ~~جبل الجليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا. فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما ~~كان عليه وابيضت ثيابه فصارت تلمع كالبرق. وإذا بموسى بن عمران وإيليا قد ~~ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم. فوقع النوم على الذين معه. فأي مانع يمنع من ~~أن يكون ذلك قد وقع في اليوم الذي طلبته فيه اليهود. وإنما قد اختلفتم في ~~نقلها كما اختلفتم وتناقضتم في غير ذلك. وغيرتم الكلم عن مواضعه. وظهور ~~الأنبياء عليهم السلام وتظليل السحابة ووقوع النوم على التلاميذ، يكون ~~حينئذ دليلا ظاهرا على الرفع إلى # PageV03P408 # السماء وعدم الصلب. وإلا فلا معنى لظهور هذه الآيات. وثانيها- ما في ~~الإنجيل أيضا أن المصلوب قد استسقى اليهود فأعطوه خلا مضافا بمر. فذاقه ولم ~~يشربه. # فنادى: إلهي إلهي لم خذلتني؟ والأناجيل كلها مصرحة بأنه عليه السلام كان ~~يطوي أربعين يوما وأربعين ليلة. ويقول للتلاميذ: إن لي طعاما لستم تعرفونه. ~~ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يوما وليلة كيف يظهر الحاجة والمذلة ~~لأعدائه بسبب عطش يوم واحد؟ هذا لا يفعله أدنى الناس، فكيف بخواص الأنبياء؟ ~~أو كيف بالرب على ما تدعونه؟ فيكون حينئذ المدعى للعطش غيره. وهو الذي شبه ~~لكم. وثالثها- قوله: إلهي إلهي لم خذلتني وتركتني؟ هو كلام يقتضى عدم الرضا ~~بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الله ms1418 تعالى. وعيسى عليه السلام منزه عن ذلك. ~~فيكون المصلوب غيره. # لا سيما وأنتم تقولون: إن المسيح عليه السلام إنما نزل ليؤثر العالم على ~~نفسه، ويخلصه من الشيطان ورجسه. فكيف تروون عنه ما يؤدي إلى خلاف ذلك، مع ~~روايتكم في توراتكم أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون، عليهم السلام، ~~لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم، فرحين بانقلابهم إلى سعيهم، لم ~~يجزعوا من الموت ولم يستقيلوا منه. ولم يهابوا مذاقه. مع أنهم عبيده. ~~والمسيح بزعمكم ولد ورب. فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم. ولما لم يكن كذلك ~~دل على أن المصلوب غيره، وهو الذي شبه لكم. ### | فصل # فيما روي عن سلفنا الكرام رضي الله عنهم في تفسير هذه الآية. # قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى في (تفسيره) هنا ما ~~نصه: وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما ~~بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من ~~النبوة والمعجزات. التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن ~~الله. ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن ~~الله عز وجل. إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على ~~يديه. ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم. حتى جعل نبي ~~الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة. بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما ~~السلام. ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا ~~مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في ~~بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد # PageV03P409 # على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على ~~هذا المذكور. وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه. ويكف أذاه عن الناس. فلما وصل ~~الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل ~~الذي فيه عيسى عليه السلام. وهو في جماعة من أصحابه ms1419 اثني عشر أو ثلاثة عشر ~~وقيل سبعة عشر نفرا. وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت. فحصروه ~~هنالك. فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال ~~لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم. # فكأنه استصغره عن ذلك. فأعادها ثانية وثالثة. وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك ~~الشاب. # فقال: أنت هو. وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف ~~البيت وأخذت عيسى سنة من النوم فرفع إلى السماء. وهو كذلك كما قال الله: إذ ~~قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ... الآية. # فلما رفع، خرج أولئك النفر. فلما رأى أولئك النفر ذلك الشاب ظنوا أنه ~~عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه. وأظهر اليهود أنهم ~~سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة ~~عقلهم. ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون ~~فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم. حتى ذكروا أن ~~مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت. ويقال إنه خاطبها. والله أعلم. وهذا كله ~~من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وقد أوضح الله ~~الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، ~~المؤيد بالمعجزات والبينات، والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق ~~القائلين: ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في ~~السموات والأرض، العالم بما كان ويكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون: وما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [النساء: 157] . أي: رأوا شبهه فظنوا أنه ~~إياه. ولهذا قال: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن [النساء: 157] . يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه ~~إليهم من جهال النصارى. كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر. ولهذا قال: ~~وما قتلوه يقينا [النساء: 157] . أي: وما قتلوه متيقنين ms1420 أنه هو بل شاكين ~~متوهمين: بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا، أي: # منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه. حكيما أي: في جميع ما ~~يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها. وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ~~والسلطان # PageV03P410 # العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان. حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما ~~أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا ~~من الحواريين. يعنى فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء. فقال: إن ~~منكم من يكفر بي اثني عشر مرة بعد أن آمن بي. قال ثم قال: أيكم يلقى عليه ~~شبهي فيقتل مكاني ويكن معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: ~~اجلس. # ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب ~~فقال: أنا فقال: هو أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في ~~البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه. ~~فكفر به بعضهم اثني عشر مرة بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: ~~كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: ~~كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه إليه. وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان ~~فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون. ~~فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ورواه ~~النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية نحوه. وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه ~~قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟ # وقال ابن جرير «1» حدثنا ابن حميد. حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة ~~عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر ms1421 من الحواريين في بيت. فأحاطوا ~~بهم. فلما دخلوا عليه صورهم الله عز وجل كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم: # سحرتمونا. لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من ~~يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا ~~عيسى. وقد صوره الله على صورة عيسى. فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم ~~فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى. وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى. ورفع الله عيسى ~~من يومه ذلك. قال ابن كثير: وهذا سياق غريب جدا. ثم قال ابن جرير: وقد روي ~~عن وهب نحو هذا القول وهو «2» ما حدثني المثنى. حدثنا إسحاق. حدثنا إسماعيل ~~عن عبد الكريم. حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن ~~مريم لما PageV03P411 # أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه. فدعا الحواريين ~~فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه ~~من الليل عشاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم ~~بيده ويمسح أيديهم بثيابه. فتعاظموا ذلك وتكارهوه. فقال: ألا من رد علي ~~الليلة شيئا مما أصنع فليس مني ولا أنا منه. فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك ~~قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، ~~فليكن لكم بي أسوة. # فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه ~~كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها، فتدعون الله لي ~~وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن ~~يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان ~~الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها. فقالوا: والله! ما ندري ما ~~لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا. وما نريد دعاء إلا ~~حيل بيننا وبينه. فقال: # يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى نفسه. ثم قال: # الحق، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح ms1422 الديك ثلاث مرات. وليبيعني أحدكم ~~بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه. وأخذوا ~~شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه. # فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح ~~أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ # فجعلوا له ثلاثين درهما. فأخذها ودلهم عليه. وكان شبه عليهم قبل ذلك. ~~فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل. فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت ~~تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ~~ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك. حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه ~~عليها. فرفعه الله إليه. وصلبوا ما شبه لهم. فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة ~~التي كان يداويها عيسى عليه السلام فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان ~~حيث المصلوب. فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد ~~رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير. وإن هذا شيء شبه لهم. فأمرا الحواريين ~~أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقد الذي كان ~~باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق ~~وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له ~~يحنى. فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه يصبح كل # PageV03P412 # إنسان يحدث بلغة قوم. فلينذرهم وليدعهم. # قال ابن كثير: سياق غريب جدا. وقال ابن جريج عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه ~~بعيسى. ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء حيا. ### | فصل في رد زعم النصارى أن إلقاء الشبه يفضي إلى السفسطة # قال خير الدين في (الجواب الفسيح) قال النصارى: القول بإلقاء الشبه على ~~عيسى عليه السلام قول يفضي إلى السفسطة، والدخول في الجهالات، وما لا يليق ~~بالعقلاء. لأنا إذا جوزنا ذلك فينبغي إذا رأى الإنسان ولده أو زوجته لم يثق ~~بأنه ولده أو زوجته. وكذلك سائر المعارف. لا يثق الإنسان بأحد منهم ولا ~~يسكن إليه. ms1423 ونحن نعلم بالضرورة أن الإنسان يقطع بأن ولده هو ولده. وإن كل ~~واحد من معارفه هو، من غير شك ولا ريبة. بل القول بالشبه يمنع من الوثوق ~~بمدينة الإنسان ووطنه إذا دخله. # ولعله مكان آخر ألقي عليه الشبه. بل إذا غمض الإنسان عينه عن صديقه بين ~~يديه لحظة، ثم فتحها، ينبغي أن لا يقطع بأنه صديقه. لجواز إلقاء الشبه على ~~غيره. وكل ذلك خلاف الضرورة. فالقول بإلقاء الشبه على غير عيسى خلاف ~~الضرورة. كالقول بأن الواحد نصف العشرة مثلا، فلا يسمع. # والجواب عنه من وجوه: أحدها- أن هذا تهويل ليس عليه تعويل. بل البراهين ~~القاطعة، والأدلة الساطعة قائمة على أن الله تعالى خلق الإنسان وجملة أجزاء ~~العالم. وإن حكم الشيء حكم مثله: فما من شيء خلقه الله تعالى في العالم إلا ~~هو قادر على خلق مثله. لتعذر خلقه في نفسه. فيلزم أن يكون خلق الإنسان ~~مستحيلا. # بل جملة العالم، وهو محال بالضرورة. وإذا ثبت أن الله تعالى قادر على خلق ~~مثل لكل شيء في العالم، فجميع صفات جسد عيسى عليه السلام لها أمثال في حيز ~~الإمكان في العدم، يمكن خلقها في محل آخر غير جسد المسيح. فيحصل الشبه ~~قطعا. فالقول بالشبه قول بأمر ممكن. لا بما هو خلاف الضرورة. ويؤنس ذلك أن ~~التوراة مصرحة بأن الله تعالى خلق جميع ما للحية في عصا موسى عليه السلام. ~~وهو أعظم من الشبه. فإن جعل حيوان يشبه حيوانا، وإنسان يشبه إنسانا- أقرب ~~من جعل نبات يشبه حيوانا. وقلب العصا مما أجمع عليه اليهود والنصارى. كما ~~أجمعوا على قلب النار بردا وسلاما. وعلى قلب لون يد موسى عليه السلام. وعلى ~~انقلاب الماء # PageV03P413 # خمرا وزيتا للأنبياء عليهم السلام. وإذا جوزوا مثل هذا فيجوز إلقاء الشبه ~~من غير استحالة. على أن عيسى عليه السلام قد خولفت عادة الله تعالى ~~الأغلبية في خلقه من ماء واحد. ونفخ جبريل في جيب مريم. فجعل شبهه على غيره ~~ليس بأبعد من العادة، من خلقه. على أن إحياءه للموتى وإبراءه للأبرص ~~والأكمه أعظم ms1424 من إلقاء شبهه على غيره. على أن عروجه إلى السماء بناسوته ~~وخرق السماء والتئامها، ليس بأهون من ذلك. على أن رد الشمس ليوشع بن نون، ~~ومشي عيسى وحواريه على الماء، وسائر معجزات أنبياء بني إسرائيل، ليس بأهون ~~مما هنالك. وإذا صح عند النصارى انقلاب الخبز إلى جسد المسيح، والخمر إلى ~~دمه في العشاء السري، لم لا يمكن أن يوقع شبهه على أحدهم؟ كما لا يخفى. # وثانيها- أن الإنجيل ناطق بأن المسيح عليه السلام نشأ بين ظهراني اليهود. # وحضر مرارا عديدة في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم. يعظهم ويعلمهم ويناظرهم. # ويتعجبون من براعته وكثرة تحصيله. حتى إنهم (كما في الإنجيل) يقولون: ~~أليس هذا ابن يوسف؟ أليست أمه مريم؟ أليس إخوته عندنا؟ فمن أين له هذه ~~الحكمة؟ # وإذا، كان في غاية الشهرة والمعرفة عندهم. وقد نص الإنجيل على أنهم عند ~~إرادة الصلب لم يحققوه، حتى دفعوا لتلميذه ثلاثين درهما ليدلهم عليه. فما ~~حاجتهم حينئذ أن يكتروا رجلا من تلاميذه ليعرفهم شخصه؟ لولا وقوع الشبه ~~الذي نقول به. # وثالثها- أنه كما تقدم في الأناجيل، أخذ في حندس من الليل المظلم في حالة ~~شوهت صورته وغيرت محاسنه وهيئته، بالضرب والسحب وأنواع النكال الموجبة ~~لتغير الحال. ومثل ذلك يوجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟ ~~حتى إن رئيس الكهنة عند إحضاره أقسم عليه هل هو يسوع المسيح ابن الله؟ فلم ~~يجبه. ولو كان هو لأجابه. فمن أين للنصارى واليهود القطع بأن المصلوب هو ~~عين عيسى عليه السلام دون شبهه؟ بل إنما يحصل الظن والتخمين كما قال تعالى ~~في كتابه المبين: وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه. # رابعها- قد تقدم في الأناجيل أنه لما جاء اليهود إلى محله خرج إليهم ~~وقال: # من تريدون؟ قالوا: يسوع. وقد خفى شخصه عليهم. ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون ~~صورته. وهذا دليل الشبهة، ورفع عيسى عليه السلام. ولا سيما وقد نقل غير ~~واحد من العلماء عن بعض النصارى القول بأن المسيح عليه السلام كان قد أعطي ~~قوة التحول من صورة إلى صورة. # خامسها- قول ms1425 متى في (الفصل الخامس والعشرين) من (إنجيله) ما لفظه: # PageV03P414 # حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة. لأنه مكتوب أني أضرب ~~الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل. فأجاب بطرس ~~وقال له: # وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدا. قال له يسوع: الحق أقول لك. إنك هذه ~~الليلة، قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. انتهى. # فقد شهد عليهم بالشك. بل خيرهم بطرس الذي هو خليفة عليهم، شك. # فقد انخرمت الثقة بأقوالهم. وصح قوله تعالى: وإن الذين اختلفوا فيه لفي ~~شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن. # سادسها- إن في (الفصل السابع والعشرين) من (إنجيل متى) ما لفظه: # حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة ~~إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا. فقالوا: ما ~~علمنا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. انتهى. # فهذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه. بل فيها اختلافات. فيحتمل أن يهوذا ~~كذب عليهم في قوله (هو هذا) ويدل على وقوع ذلك، ويقربه ظهور ندمه بعد هذا. # ولا سيما وهو من جملة الاثني عشر الذين شهد لهم المسيح بالسعادة الأبدية. # والسعيد لا يتم منه مثل هذا الفساد العظيم. فيلزم إما أن يهوذا ما دل ~~عليه، أو كون المسيح ما شهد لهم بالسعادة الدائمة. أو إن أناجيلهم محرفة ~~مبدلة. ويحتمل أن أحد أتباع المسيح باع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح ~~عليه السلام. وادعى أنه هو. ومثل هذا كثير في أتباع الأنبياء. حيث يريدون ~~أن يفدوا أنفسهم بدل أنبيائه. # ويحتمل أن الأعوان أخذوا عليه رشوة وأطلقوه، وأخذوا بدله. كما أن يهوذا، ~~مع أنه صديقه ورسوله، أخذ رشوة ودلهم عليه. ويحتمل أن الله تعالى أرسل ~~شيطانا على صورته وصلبوه. ويحتمل أن الملك الذي نزل عليه ليقويه، كما تقدم ~~في إنجيل لوقا بزعمهم، صار فداء له. ويحتمل أن هذا الذي نزل إنما نزل ~~لرفعه. لأنه لو كان نازلا ms1426 لتقويته لقواه. فلما لم نر أنه قواه فيقتضي أنه ~~رفعه إلى السماء، أو فدى نفسه له. # وقال بعض الأفاضل: ومن الأدلة على رفعه وصلب شبهه ما في الفصل التاسع من ~~(إنجيل لوقا) ما لفظه: أن المسيح صعد إلى جبل ليصلي وأخذ بطرس ويوحنا ~~ويعقوب معه. وفيما هو يصلي صارت هيئته ووجهه متغيرة، ولباسه مضيئا لامعا. ~~إلخ. # فهذا فيه دلالة على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور ~~موسى وإيلياء، ووقوع النوم على أصحابه، وتغير وجهه وإضاءة لباسه، إلا ~~رفعه.. # PageV03P415 # ورؤيتهم له بعد ذلك، إنما هو من تطور روحه. لأنه عليه السلام كان له قوة ~~التطور: # وهذا من أحكام الروح والنفس. # ولئن قلنا إنه لا يدل على الرفع بالوجه التام، غير أنا نتنزل ونقول: ما ~~دام في هذه المرة تغيرت هيئته ووجهه ولباسه، واجتمع بالأنبياء وسمع من ~~الغمامة هذا الصوت، فلا أقل من أن يكون ذلك مقدمة لرفعه ومقياسا، ومبدأ ~~لتقويته وإيناسا. # واليهود لم يتحققوا من أنفسهم أنه هو المسيح. بل اعتمدوا على قول يهوذا ~~كما تقدم لك. ويهوذا قوله قول فرد، وغير صالح للاحتجاج. للاحتمالات والأدلة ~~التي ذكرناها لك. فلم يبق في قول الفرقتين حجة أن المصلوب هو المسيح عليه ~~السلام، لا شبهه. وأنا جيلهم حالها معلوم لديك. وبيان اشتباههم المحكي لك ~~في القرآن، لا يخفى عليك. انتهى. # وهنا سؤال يورده بعض النصارى وهو: أن عيسى عليه السلام إذا كان لم يصلب ~~حقيقة، وإنما صلب رجل ألقي عليه شبهه، ورفع هو إلى السماء، فلم لم يخبر ~~الحواريين بذلك قبل رفعه أو بعده؟ # والجواب: أن عيسى عليه السلام لم يخبر بذلك لعلمه بأن أناسا سيفترون عليه ~~ويقولون بألوهيته. فأبهم الأمر ليكون ذلك أدل على كونه عبدا من عبيد الله. ~~لا يقدر على جلب نفع ولا دفع ضر. بخلاف ما لو أخير بأنه لا يصلب، أو لم ~~يصلب، وأن المصلوب شبهه، فإنه ربما كان ذلك مقويا لشبهة أولئك الجماعة. ~~ولعدم كون هذه المسألة من المسائل الاعتقادية في الأصل. إذ ms1427 لو اعتقد أحد، ~~قبل إرسال نبينا عليه الصلاة والسلام، بصلب عيسى، لم يضره ذلك. لكن لما ورد ~~نبينا الذي لا ينطق عن الهوى، أبان خطأ النصارى في الوجهين: أحدهما- اعتقاد ~~أن عيسى إله- والآخر اعتقاد أنه قد قتل وصلب. وأبان أنه عبد من عبيد الله ~~تعالى تولاه بالرسالة. # واصطفاه وحفظه من أيدي أعدائه وحماه، كذا في (منية الاذكاء في قصص ~~الأنبياء) . ### | فصل في سقوط دعواهم التواتر في أمر الصلب # قال القرافي: اعلم أن النصارى قالوا: إنهم واليهود أمتان عظيمتان طبقوا ~~مشارق الأرض ومغاربها. وكلهم يخبر أن المسيح عليه السلام صلب. وهم عدد # PageV03P416 # يستحيل تواطؤهم على الكذب. والإنجيل أيضا مخبر عن الصلب. فإن جوزتم ~~كذبهم، وكذب ما يدعي أنه الإنجيل، وإن مثل هؤلاء ممكن تواطؤهم على الكذب- ~~لزم المحال من وجوه: أحدها- أنه يتعذر عليكم أيها المسلمون، جعل القرآن ~~متواترا. وثانيها- أن قاعدة التواتر تبطل بالكلية. # فإن غاية خبر التواتر يصل إلى مثل هذا. وثالثها- أن إنكار الأمور ~~المتواترة. # جحد للضرورة، فلا يسمع. فلو قال إنسان: الخبر عن وجود بغداد ودمشق كذب، ~~لم يسمع ذلك منه، وعد خارجا عن دائرة العقلاء. وحينئذ يتعين أن القول ~~بالصلب حق وأن إخبار المسلمين والقرآن عن عدم ذلك، مشكل. # والجواب من وجوه: أحدها- أن جميع النصارى واليهود يوردون هذا السؤال ولا ~~يعلمون حقيقة التواتر ولا شروطه. وإنما فهم ذلك وغيره هذه الأمة المحمدية ~~والملة الإسلامية! لعلو قدرها وشرفها واختصاصها بمعاقد العلوم وأزمتها. دون ~~غيرها. كما هو مسلم عند كل دري (كذا) منصف. وها نحن نوضح ذلك إن شاء الله ~~تعالى فنقول: إن التواتر له شروط: الشرط الأول- أن يكون المخبر عنه أمرا ~~محسوسا. ويدل على اعتبار هذا الشرط، أن الأمة العظيمة قد تخبر عن القضايا ~~الجسيمة وهي باطلة. كإخبار المعطلة عن عدم الصانع والفلاسفة عن قدم العالم. ~~مع بطلان ذلك عند أمم كثيرة. وسببه أن مجال النظر يكثر فيه وقوع الخطأ. فلا ~~يثق الإنسان بالخبر عن العقليات، حتى ينظر فيجد البرهان العقلي يعضد ذلك ~~الخبر. # فحينئذ يقطع بصحة ذلك الخبر. أما الأمور المحسوسة، ms1428 مثل المبصرات ونحوها ~~فشديدة البعد على الخطأ. وإنما يقع الخلل من التواطؤ على الكذب. فإذا كان ~~المخبرون يستحيل تواطؤهم على الكذب حصل القطع بصحة الخبر. الشرط الثاني- ~~استواء الطرفين والواسطة. وتحرير هذا الشرط أن المخبرين لنا، إذا كانوا ~~يستحيل تواطؤهم على الكذب وكانوا هم المباشرين لذلك الأمر المحسوس، المخبر ~~عنه، حصل العلم بخبرهم. وإن لم يكن المخبر لنا هو المباشر لذلك الأمور ~~المحسوس، بل ينقلون عن غيرهم أنه أخبرهم بذلك، فلا بد أن يكون الغير ~~المباشر عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإنه إن جاز الكذب عليه، وهو أصل ~~هؤلاء المخبرين لنا، فإذا لم يبق الأصل لم يبق المفرع عليه. فلا يلزم من ~~كون المخبر لنا يستحيل تواطؤهم على الكذب حصول العلم بخبرهم. لجواز فساد ~~أصلهم المعتمدين عليه. فيتعين أن يكون الأصل عددا يستحيل توطؤهم على الكذب. # فهذا معنى قولنا: (استواء الطرفين) في كونهما عددا يستحيل تواطؤهما على # PageV03P417 # يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأصلهم الذي ينقلون عنه كذلك، لكن أصلهم لم ~~يباشر ذلك الأمر المحسوس، بل ينقل عن غيره أيضا، فأصل ذلك الأصل يجب أن ~~يكون عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب أيضا. لما تقدم. وفي هذه الصورة حصل ~~طرفان وواسطة. فالطرفان المخبر لنا. والمباشر الأول الواسطة الذي بينهما. # فيجب استواء الطرفين والواسطة. والوسائط تكثرت في كونهم عددا يستحيل ~~تواطؤهم على الكذب. فينقسم، بهذا التحرير، التواتر إلى طرف فقط، وإلى طرفين ~~بلا وساطة، وإلى طرفين وواسطة. والثلاثة أقسام مشتركة في هذا الشرط. فإذا ~~تقرر حقيقة التواتر فنقول: الحس إنما يتعلق بأن هذا مصلوب على هذه الخشبة. ~~وأما أنه عيسى عليه السلام نفسه أو غيره، فهذا لا يفيده الحس البتة. بل ~~إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت، أو بأخبار الأنبياء عليهم السلام عن ~~الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما. # وأحصى كل شيء عددا. والذي يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات، أنا ~~لو وضعنا في إناء رطلا من الماء مثلا. وأريناه لإنسان، ثم رفعنا ذلك الماء ~~ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك الماء ms1429 ثم أريناه ذلك الإنسان. وقلنا له: هذا ~~الماء هو عين الماء الأول أو مثله؟ فإنه إذا أنصف يقول: الذي أدركه بحسي أن ~~هذا ماء بالضرورة. أما أنه عين الأول أو غيره مماثلا له، فلا أعلم. لكون ~~الحس لا يحيط بذلك. هذا في المائعات. وكذلك كف من تراب أو أوراق الأشجار أو ~~أنواع الحبوب. كالحنطة مثلا. إذا أخذ منها حفنتان ونحو ذلك. وكذلك ~~الحيوانات الوحشية والطيور شديدة الالتباس على الحس. إذا اتحد النوع في ~~اللون والسن والغلظ. وإنما كثرت الفروق في الحيوانات الإنسية كالفرس ~~ونحوها. ### | مطلب: # وسر ذلك أن أسباب النشأة في الوحشية مشتركة بالمياه والمراعي والبراري. # والحيوان الإنسي يختلف ذلك فيه، بحسب مقتنيه، اختلافا كثيرا. فينشأ بحسب ~~دواعي بني آدم في السعة والضيق، وإيثار نوع من العلف على غيره، ومكان مخصوص ~~على غيره، وإلزام الحيوان أنواعا من الأعمال والرياضة دون غيرها، فيختلف ~~الحيوان الإنسي بحسب ذلك. ثم يتصل ذلك بالنطف في التوليد، مضافا إلى ما ~~يحصل للولد من داعية مريبة فيعظم الاختلاف. والحيوان الوحشي سلم عن جميع ~~ذلك. # فتشابهت أفراد نوعه. ولا يكاد الحس يفرق بين اثنين منه البتة. فإذا تقرر ~~أن الحس لا سلطان له على الفرق بين المثلين، ولا التمييز بين الشيئين، فيجب ~~القطع أن كون المصلوب هو خصوص عيسى عليه السلام دون شبهه أو مثله- ليس ~~مدركا بالحس. # PageV03P418 # وإذا لم يكن مدركا بالحس، جاز أن يخرق الله تعالى العادة لعيسى عليه ~~السلام شبهه في غيره. كما خرق له العادة في إحيائه الموتى وغيره. ثم يرفعه ~~ويصونه عن إهانة أعدائه. وهو اللائق بكريم آلائه. في إحسانه لخاصة أنبيائه ~~وأوليائه وإذا جوز العقل مثل هذا مع أن الحس لا مدخل له في ذلك، بقي إخبار ~~القرآن الكريم عن عدم الصلب سالما عن المعارض. مؤيدا بكل حجة. وسقط السؤال ~~بالكلية. وثانيها- سلمنا أن الحس يتعلق بالتفرقة بين المثلين. والتمييز بين ~~الشبهين. لكن لا نسلم أن العدد المباشر للصلب كانوا بحيث يستحيل تواطؤهم ~~على الكذب. ويدل على أنهم ليسوا كذلك، أن الحواريين فروا ms1430 عنه. لأنه لو وجد ~~أحد منهم لقتله اليهود. فحينئذ عدد التواتر متعذر من جهة شيعة النصارى عن ~~أسلافهم. لا يفيد علما بل هو ظن وتخمين لا عبرة به. لذلك قال الله سبحانه ~~في قرآنه المبين: وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه. أي: هم لا يتيقنون ~~ذلك. بل يحزرون بالظن والتخمين. وأما من جهة الملة اليهودية، فلأن المباشر ~~منهم للصلب إنما هو الوزعة وأعوان الولاة. وذلك في مجرى العادة يكون نفرا ~~قليلا. كالاثنين أو الثلاثة ونحوها. يجوز عليهم الكذب ولا يفيد خبرهم العلم ~~بكون العادة وخرج الصلب عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب يفتقر إلى نقل ~~متواتر. فإنه لو وقع ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب. فإن ~~المتواترات إذا نقلت بأخبار الآحاد، سقط اعتبارها في إفادة العلم. # لجواز كذب الناقل. فلا يكون عدد التواتر حاصلا في نفس الأمر. والنصارى ~~واليهود إنما يعتمدون على التوراة والإنجيل. ولا يوجد يهودي ولا نصراني على ~~وجه الأرض يروي التوراة والإنجيل، عدلا عن عدل، إلى موسى وعيسى عليهما ~~السلام. وإذا تعذرت عليهم رواية العدل عن العدل، فأولى أن يتعذر التواتر. ~~ولم يبق في الكتابين إلا أخبار وتواريخ بعيدة الزمان جدا. بحيث إن التواريخ ~~الإسلامية أصح منها، لقرب عهدها. مع أنه لا يجوز الاعتقاد في فروع الديانات ~~على شيء من التواريخ. فضلا عن أصول الأديان. وإذا ظهر أن مستند هاتين ~~الأمتين العظيمتين في العدد، في غاية الضعف- كانت أخبارها في نفسها في غاية ~~الضعف. لأن الفرع لا يزيد على أصله. # وثالثها- أن نصوص الإنجيل مشعرة بعدم صلب عيسى عليه السلام بخصوصه. كما ~~نقلنا بعضها آنفا. # وقال في (تخجيل الأناجيل) : فيقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح ~~وصلبه، أتنقلونه تواترا أم آحادا؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حجة، ولم ~~يثبت العلم الضروري. إذ الآحاد لم يأمن عليهم فيها السهو والغفلة والتواطؤ ~~على الكذب. # PageV03P419 # وإذا كان الآحاد يعرض عليهم ذلك، فلا يحتج بهم في القطعيات. وإن عزوا ذلك ~~إلى التواتر قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه ms1431 والوسط. وهو أن ينقل ~~الجم الغفير عن الجم الغفير الذين شاهدوا المشهود به، وهو المصلوب. وعلموا ~~أنه هو ضرورة. # فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر. فإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح ~~وصلبه بهذه الصفة، أكذبتم نصوص أناجيلهم التي بأيديهم. إذ قال لهم نقلتها ~~الذين دونوها لهم وعليها معولهم: إنه لما أخذ فقتل كان في شرذمة يسيرة من ~~تلاميذه. # فلما أقبل عليه هربوا بأسرهم. ولم يتبعه إلا بطرس من بعيد. ولما دخل ~~الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته. فقالت: هذا كان مع ~~يسوع. فحلف أنه لا يعرف يسوع بقوله. وخادعهم حتى تركوه. وذهب ولم يكد يذهب. ~~وأن شابا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به. فترك إزاره بأيديهم وذهب عريانا. ~~فهؤلاء أصحابه وأتباعه، لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة أناجيلهم. وأما ~~أعداؤه اليهود، الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر، فلم يبلغوا عدد ~~التواتر. بل كانوا آحادا وأفرادا. لأن عموم الناس الذين حضروا لا يرون إلا ~~شخصا على خشبة ومعه لصان مصلوبان. ولا شك أن هيئتهم وصفتهم متغيرة عن ~~الحالة التي قبل أخذهم. وأما المشايخ ونحوهم فلم يعرفوه أيضا. ففي الأصحاح ~~الثاني والعشرين من (إنجيل لوقا) ما لفظه: فلما كان النهار اجتمع مشايخ ~~الشعب ورؤساء الكهنة وأدخلوه إلى مجمعهم. وقالوا له: # إن كنت أنت المسيح فقل لنا. قال لهم: إن قلت لكم لم تؤمنوا لي. وإن ~~سألتكم لم تجيبوني ولم تخلوني. انتهى. # وهذا يحتمل أنهم يسألونه عن ذاته أو عن رسالته. على أنا لو سلمنا كثرة ~~عددهم وصدق معرفتهم فيمكن تواطؤهم على الكذب. لأنهم لما لم يجدوه هو، ولم ~~يعلموا محل المسيح، وكان ذلك من تلاميذه، واستحلوا قتله أيضا، أشاعوا أنه ~~هو المسيح ليترك الناس متابعته، ولئلا يتخذوا المسيح نبيا. وصمموا، أنهم ~~إذا وجدوا المسيح بعد هذا أيضا، يعملون به كما عملوا بصاحبه. ويؤيد هذا ~~أنهم جعلوا على القبر حراسا لئلا ينبش القبر ويرى أنه غير المسيح. ومما ~~يزيد الأمر وضوحا قول (إنجيل متى) في (الأصحاح ms1432 الثامن والعشرين) : أن مريم ~~لما جاءت لزيارة القبر رأت ملكا قد نزل من السماء برجة عظيمة. فدحرج الحجر ~~عن فم القبر. # وجلس عنده. فكاد الحراس أن يموتوا من هيبته. وبادروا من فورهم إلى ~~المشايخ فأعلموهم بالقصة. فأرشاهم المشايخ برشوة أن يستروا القصة وأن ~~يشيعوا أن التلاميذ سرقوه ونحن نيام. فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من ~~اليهود. كما أنهم # PageV03P420 # ستروا الآية التي ذكرتم، صلبوا شخصا من أتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح. ~~فإذا تبين عدم الاحتجاج بإجماع اليهود والنصارى الآن على صلبه، فنرجع إلى ~~القرائن العقلية والنقلية. فأما العقل فلا يجوز أن الإله القادر على كل شيء ~~يقتله أذل عباده، وهم اليهود. ويضربونه ويعملون به ما هو محرر في أناجيل ~~النصارى المضطربة المحرفة المكتوبة بعد رفعه بسنين عديدة وأعوام مديدة. مع ~~أنه يفر منهم مرات كثيرة ويستغيث ويطلب من الله تعالى تأخير أجله بقوله: ~~أجز عني هذه الكأس. # ويصرخ ويقول: إلهي! إلهي! لم تركتني؟ ويسلم روحه. وعند الصلب يطلب منهم ~~الماء لكثرة عطشه. فيعطوه خلا بدله. وأي خلاص لعباده في هذه الحالة، وهو ~~بزعمهم أتى ليخلص العالم من الخطيئة. بل صار موقعا لهم في الإثم بسبب عدم ~~إيمانهم به. فكيف يكون مخلصا بنفسه؟ وأما النقل، فقد تبين لك تهافت ~~أناجيلهم واضطرابها، والدلالة على عدم المعرفة به، وعدم وجوده في قبره. ~~والأعظم من ذلك عند كل ذي عقل سليم قوله تعالى: وما قتلوه وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم. وأما قول متى في (الأصحاح السابع والعشرين) : فصرخ يسوع أيضا بصوت ~~عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، ~~والأرض تزلزلت، والصخور تشققت والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين ~~الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا ~~للكثيرين- فهو قول بهت ومحال. لا يخفى بطلانه على ذوي العقول من النساء ~~والرجال. لأنه لو كان صحيحا لأطبق الناس على نقله. ولم يتفق إخفاء مثله. ~~ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع. فحيث داموا على الجحد له ms1433 والتكذيب، ~~دل على كذب ما نقله عباد الصليب. وإذا كان اليهود أعطوا دراهم رشوة، كما ~~علمت سابقا، لحراس القبر حتى لا يخبروا القائد وسائر الناس بملك نزل من ~~السماء على قبر يسوع، كي لا يظن براءته مما نسب إليه أعداؤه، فكيف تكون هذه ~~الآيات العظيمة؟ وتقوم الأموات من قبورها؟ ويدخلون المدينة؟ ولا يكون ذلك ~~حجة على من لا يؤمن به إذ ذاك؟ وأيضا، ما معنى تفتح القبور وقيام القديسين ~~من قبورهم؟ فهل كان استبشارا بمصابه؟ فهم إذا ذاك ليسوا من أحبابه. أو كان ~~جزعا على مماته؟ وخرجوا إعانة له قبل فواته؟ فوا عجبا لرب أحياهم بعد أن ~~كانوا رفات. ولم يعينوه حتى قضى ومات. وأحيي الرمم، وصرخ عند تسليم الروح. ~~ولم يقدر على إبراء ما فيه من جروح. وليت شعري ما عمل هؤلاء القديسون؟ ~~أبقوا في المدينة المقدسة؟ أم كروا إلى قبورهم فهم راجعون؟ وهل التأم ~~الهيكل والصخور؟ أم دامت على انشقاقها إلى كثير من الدهور؟ # PageV03P421 # فإن قيل: إنما لم يشتهر ذلك، لأن أصحاب المسيح لم يحضر منهم أحد خوفا من ~~اليهود، والذين شاهدوا هذه الآيات من اليهود تواطؤوا على الكتمان حسدا ~~وبغيا. # قلنا: مثل هذه الآيات العظيمة إذا وقعت، علمها من حضر ومن غاب، من ~~الأعداء والأحباب. لأنها آيات نهارية. ومعجزات تشتهر في البرية. ويتناقلها ~~أهل البلدان. # وتبقى مؤرخة بكل لسان. في سائر الملل بكل أرض وزمان. فعلم بالضرورة أن ~~هذه الأقوال. مما اخترعها وحررها أئمة الضلال. ليخدعوا بها ضعفاء العقول. ~~ويتوصلوا إلى جذب الدنيا بالكذب على هذا الرسول. انتهى. # وقال الإمام ابن حزم رحمه الله في كتابه (الملل) عند الكلام على النصارى: # ومما يعترض به علينا اليهود والنصارى، ومن ذهب إلى إسقاط الكواف (جمع ~~كافة) من سائر الملحدين، أن قال قائلهم: قد نقلت اليهود والنصارى أن المسيح ~~عليه السلام قد صلب وقتل. وجاء القرآن بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل ولم ~~يصلب. فقولوا لنا: كيف كان هذا؟ فإن جوزتم على هذه الكواف العظام المختلفة ~~الأهواء والأديان والأزمان ms1434 والبلدان والأجناس، نقل الباطل فليست بذلك أولى ~~من كافتكم التي نقلت أعلام نبيكم وشرائعه وكتابه. فإن قلتم: اشتبه عليهم ~~فلم يتعمدوا نقل الباطل، فقد جوزتم التلبيس على الكواف. فلعل كافتكم أيضا ~~ملتبس عليها. فليس سائر الكواف أولى بذلك من كافتكم، وقولوا لنا: كيف فرض ~~الإقرار بصلب المسيح عندكم قبل ورود الخبر عليكم ببطلان صلبه وقتله؟ فإن ~~قلتم: كان الفرض على الناس الإقرار بصلبه، وجب من قولكم الإقرار أن الله ~~فرض على الناس الإقرار بالباطل. وأن الله تعالى فرض على الناس تصديق الباطل ~~والتدين به. وفي هذا ما فيه. وإن قلتم: كان الفرض عليكم الإنكار لصلبه، فقد ~~أوجبتم أن الله تعالى فرض على الناس تكذيب الكواف. # وفي هذا إبطال قول كافتكم. بل إبطال جميع الشرائع. بل إبطال كل خبر كان ~~في العالم، عن كل بلد وملك، ونبي وفيلسوف وعالم، ووقعتم. وفي هذا ما فيه. # قال أبو محمد رضي الله عنه: هذه الإلزامات كلها فاسدة في غاية الحوالة ~~والاضمحلال بحمد الله تعالى. ونحن مبينون ذلك بالبراهين الضرورية بيانا لا ~~يخفى على من له أدنى فهم. بحول الله تعالى وقوته فنقول وبالله التوفيق: إن ~~صلب المسيح لم يقله قط كافة. ولا صح بالخبر قط. لأن الكافة التي يلزم قبول ~~نقلها هي إما الجماعة التي يوقن أنها لم تتواطأ، لتنابذ طرقهم، وعدم ~~التقائهم، وامتناع اتفاق خواطرهم، على الخبر الذي نقلوه عن مشاهدة، أو رجع ~~إلى مشاهدة، ولو كانوا اثنين فصاعدا. وإما أن يكون عدد كثير يمتنع منه ~~الاتفاق في الطبيعة على التمادي على # PageV03P422 # سنن ما تواطؤوا عليه، فأخبروا بخبر شاهدوه، ولم يختلفوا فيه، فما نقلوه ~~أحد أهل هاتين الصفتين على مثل إحداهما. وهكذا حتى يبلغ إلى مشاهدة. فهذه ~~صفة الكافة التي يلزم قبول نقلها، ويضطر خبرها سامعها إلى تصديقه. وسواء ~~كانوا عدولا أو فساقا أو كفارا. ولا يقطع على صحته إلا ببرهان. فلما صح ذلك ~~نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام، فوجدناه كواف عظيمة. صادقة بلا ~~شك في نقلها جيلا بعد جيل. ms1435 إلى الذين ادعوا مشاهدة صلبه. فإن هناك تبدلت ~~الصفة ورجعت إلى شرط مأمورين مجتمعين. مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على ~~قول الباطل. # والنصارى مقرون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة. وأنهم أخذوه ~~ليلا عند افتراق الناس عن الفصح. وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من ~~النهار. وأنه أنزل أثر ذلك. وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة. في ~~بستان فخار متملك للفخار. ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب. ولا موقوفا لذلك. ~~وأنه بعد هذا كله رشي الشرط على أن يقولوا إن أصحابه سرقوه. ففعلوا ذلك. ~~وإن مريم المجدلانية، وهي امرأة من العامة، لم تقدم على حضور موضع صلبه. بل ~~كانت واقفة على بعد تنظر. هذا كله في نص الإنجيل عندهم. فبطل أن يكون صلبه ~~منقولا بكافة. بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه. وما كان ~~الحواريون ليلتئذ، بنص الإنجيل، إلا خائفين على أنفسهم، غيبا عن ذلك ~~المشهد. هاربين بأرواحهم مستترين. وإن شمعون الصفا غرر ودخل دار قيقان ~~الكاهن أيضا بضوء النهار. فقال له: أنت من أصحابه؟ فانتفى وجحد وخرج هاربا ~~عن الدار. فبطل أن ينقل خبر صلبه أحد تطيب النفس عليه. على أن نظن به ~~الصدق. فكيف أن ينقله كافة. وهذا معنى قوله تعالى: ولكن شبه لهم. إنما عنى ~~تعالى أن أولئك الفساق، الذين دبروا هذا الباطل، وتواطؤوا عليه، هم شبهوا ~~على من قلدهم. # فأخبروهم أنهم صلبوه وقتلوه. وهم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة. ولو ~~أمكن أن يشبه ذلك على ذي حاسة سليمة، لبطلت النبوات كلها. إذ لعلها شبهت ~~على الحواس السليمة. ولو أمكن ذلك لبطلت الحقائق كلها. لأمكن أن يكون كل ~~واحد منا يشبه عليه فيما يأكل ويلبس. وفيمن يجالس. وفي حيث هو فلعله نائم، ~~أو مشبه على حواسه. وفي هذا خروج إلى السخف وقول السفسطائية والحماقة. وقد ~~شاهدنا نحن مثل ذلك. وذلك أننا أنذرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام بن ~~الحكم المستنصر. فرأيت أنا وغيري نعشا فيه شخص مكفن. ms1436 وقد شاهد غسله شيخان ~~جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة، في بيت. وخارج البيت # PageV03P423 # أبي رحمه الله وجماعة عظماء البلد. ثم صلينا في ألوف من الناس عليه. ثم ~~لم يلبث شهورا نحو السبعة حتى ظهر حيا. وبويع بعد ذلك بالخلافة. ودخلت عليه ~~أنا وغيري وجلست بين يديه. ورأيته. وبقي ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام. # قال أبو محمد رضي الله عنه: وأما قوله: قد جوزتم التمويه على الكافة، فقد ~~بينا أنها لم تكن كافة قط. وحتى لو صح أنها كافة فكيف لا يجوز ذلك في كل ~~آية تحيل الطبائع والحواس؟ فهو ضرورة لا يحمل على الممكنات. فلو صح أنها ~~كانت كافة، لكان خبر الله تعالى أنه شبه لهم، حاكما على حواسهم ومحيلا لها. ~~كخروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة هاجر بحضرة مائة رجل من قريش. وقد حجب ~~الله سبحانه أبصارهم عنه فلم يروه. وأما ما لم يأت خبر عن الله عز وجل بأنه ~~شبه على الكافة، فلا يجوز أن يقال ذلك. لأنه قطع على المحال وإحالة طبيعة. ~~وإحالة الطبائع لا تدخل في الممكن. إلا أن يأتي بذلك يقين عن الله عز وجل، ~~فيلزم قبوله. وأما التشبيه على الواحد والاثنين ونحو ذلك فإنه جائز. وكذلك ~~فقد العقل والسخافة يجوز ذلك على الواحد والاثنين ونحو ذلك. ولا يجوز على ~~الجماعة كلها. وقوله تعالى: وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، إنما هو ~~إخبار عن الذين يقولون تقليدا لأسلافهم من النصارى واليهود أنه عليه السلام ~~قتل وصلب. فهؤلاء شبه لهم القول. أي: أدخلوا في شبهة منه. وكان المشبهون ~~لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت. وشرطهم المدعون أنهم قتلوه. وهم يعلمون أنه ~~لم يكن ذلك. وإنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه وصلبوه في استتار ومنع من حضور ~~الناس. ثم أنزلوه ودفنوه تمويها على العامة التي شبه الخبر لها. # ثم نقول لليهود والنصارى، بعد أن بينا بحول الله وقوته بيان ما شنعوه في ~~هذه المسألة: إن كوافكم قد نقلت عن بعض أنبياءكم فسوقا ووطء ms1437 إماء. وهو حرام ~~عندكم. وعن هارون عليه السلام أنه هو الذي عمل العجل لبني إسرائيل وأمرهم ~~بعبادته والرقص أمامه. وقد نزه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام عن عبادة ~~غيره. وعن الأمر بذلك، وعن كل معصية ورذيلة. فإذا جوزوا كلهم هذا على ~~أنبياء، منهم موسى عليه السلام وسائر أنبيائهم- كان كل ما أمروهم به، مع ~~جنس عمل العجل والرقص والأمر بعبادته. ومن جنس وطء الإماء وسائر ما نسبوه ~~إلى داود وسليمان عليهما السلام وسائر أنبيائهم. لا سيما وهم يقرون بأن ~~العجل كان يحور بطبعه. وأما نحن فجوابنا في هذا كله بأن ليس شيء منه نقل ~~كافة. ولكن نقل آحاد كذبوا فيه. وأما خوار العجل فإنما هو على ما روينا عن ~~ابن عباس رضي الله عنه، من أنه إنما كان # PageV03P424 # صفير الريح تدخل من فيه وتخرج من دبره. لا أنه خار بطبعه قط. وحتى لو صح ~~أنه خار بطبعه، لكان ذلك من أجل القوة التي كانت في القبضة التي قبضها ~~السامري من أثر جبريل عليه السلام. والذي يعتمد عليه فهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنه الذي ذكرناه. وبالله تعالى التوفيق. # وأما قوله: كيف كان الفرض قبل ورود النص ببطلان صلبه؟ الإقرار بصلبه أم ~~الإنكار له؟ فهذه قسمة فاسدة شغبية. قد حذر منها الأوائل كثيرا. ونبه عليها ~~أهل المعرفة بحدود الكلام. وذلك أنهم أوجبوا فرضا ثم قسموه على قسمين: إما ~~فرض بإنكار، وإما فرض بإقرار. وأضربوا عن القسم الصحيح فلم يذكروه. وهذا لا ~~يرضى به لنفسه إلا جاهل أو سخيف مغابط غابن لنفسه، غاش لمن اغتر به. وإنما ~~الحقيقة هاهنا أن يقول. هل يلزم الناس، قبل ورود القرآن، فرض بالإقرار بصلب ~~المسيح، أو بإنكار صلبه، أولم يلزمهم فرض بشيء من ذلك؟ فهذه هي القسمة ~~الصحيحة والسؤال الصحيح. وحق الجواب أنه لم يلزم الناس قط، قبل ورود ~~القرآن، فرض بشيء من ذلك. لا بإقرار ولا بإنكار. وإنما كان خبرا لا يقطع ~~العذر ولا يوجب العلم الضروري. ممكن صدق قائله. فقد قتل أنبياء كثيرة وممكن ms1438 ~~أن يكون ناقله كذب في ذلك. وهو بمنزلة شيء مغيب في دار. فيقال لهذا المعرض ~~بهذا السؤال الفاسد: # ما الفرض على الناس فيما في هذه الدار؟ الإقرار بأن فيها رجلا أم الإنكار ~~لذلك؟ فهذا كله لا يلزم منه شيء. ولم ينزل الله عز وجل كتابا قبل القرآن ~~بفرض إقرار بصلب المسيح صلى الله عليه وسلم ولا بإنكاره. وإنما ألزم الفرض ~~بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه. # فإن قالوا: قد نقل الحواريون صلبه وهم أنبياء وعدول. قيل لهم وبالله ~~التوفيق: # الناقلون لنبوتهم وأعلامهم ولقولهم بصلبه عليه السلام، هم الناقلون عنهم ~~الكذب في نسبه والقول بالتثليث الذي من قال به فهو كاذب على الله تعالى، ~~مفتر عليه، كافر به. فإن كان الناقل لذلك عنهم صادقا أو كانوا كافة، فما ~~كان يوحنا ومتى وبولس إلا كفارا كاذبين. وما كانوا قط من صالحي الحواريين. ~~وإن كان ناقل ما ذكرنا عنهم كاذبا، فالكاذب لا يقوم بنقله حجة. فبطل ~~التمويه المتقدم. والحمد لله رب العالمين. ### | ### | فصل # # أخذ بعض نصارى هذا العصر يتذبذب في الاعتقاد. فطفق يرد على المسيحيين ~~قولهم بتثليث الآلهة. وأنه مضاد لصريح نصوص الوحي. أخذ يسلم بحقية القرآن # PageV03P425 # وكذا التوراة والإنجيل الموجودين وأنهما لم يحرفا تحريفا جوهريا. واعتقد ~~بصلب المسيح يقينا. وصار يناقش المفسرين فيما فسروا به الآية المذكورة، ~~أعني آية الصلب. زاعما أن المنفي عن اليهود فيها هو نسبه الفعل لهم توبيخا ~~لتهكمهم وازدرائهم. ورد فعل الصلب إليه تعالى. وقد توسع في هذا الموضوع ~~وألف كتابا سماه (المعتقد الصحيح في صلب السيد المسيح) ولما كان مبحثه ~~غريبا جدا، أردت أن أورد هنا بعض تمويهاته في رسالته. وأعقبها بما فوق عليه ~~من سهام ردود تهافته. # قال في أول رسالته: إن التباس فهم آية الصلب هو غالبا في تقدير نائب ~~الفاعل لفعل (شبه لهم) فإنا إن قدرنا نائب الفاعل مصدرا مأخوذا من الفعل ~~السابق المذكور في الآية (وما قتلوه وما صلبوه) وكان التقدير شبه لهم أنهم ~~قتلوه وأنهم صلبوه. أو شبه لهم قتلهم له ms1439 وصلبهم إياه. والمعنى أنه مثل أو ~~خيل لهم أنهم كانوا هم القاتلين وهم الصالبين- انحلت المسألة تقريبا. وزالت ~~كل صعوبة تأويل. حيث إن السيد المسيح لم يقتل أصلا. ولا صلب قهرا. أو مات ~~جبرا. أو اضطرارا. بل هو من نفسه (على زعمه) قدم ذاته للصلب عن رغبته ~~واختياره ورضاه. فكأن اليهود لم يفعلوا شيئا بقدرتهم ومجرد إرادتهم. حتى ~~يحق لهم الافتخار بأنهم قتلوه. وأما إن قدر المسيح نائب الفاعل ل (شبه) ~~تعقدت المسألة وضاع السياق اللغوي. لأنه لا وجه، لغويا، في الآية يثبت وقوع ~~الصلب على رجل آخر غيره. إذ لم يذكر صريحا ولا إشارة. # ثم ذكر في الفصل السادس أن القرآن العزيز لم يؤنب النصارى، ولا مرة، على ~~ضلال اعتقادهم بصلب المسيح وموته وقيامته. ولا كذب الإنجيل أو الحواريين. ~~ولا لام الذين آمنوا بصلب المسيح. حال كونه نبههم مرارا على غير ضلالات ~~عندهم. # وذكر فيه أيضا: لم ترد أحاديث صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفي ~~صلبه. وفيه أيضا: أن هذه الآية يصح تأويلها إيجابيا طبقا لما في الإنجيل. ~~بما أن عدة آيات أخرى قرآنية مجانسة لها أولت بخلاف ظاهرها اللفظي. كأفعال ~~المبايعة والرمي والموت والحياة وما أشبه ذلك. التي نسبت صريحا لغير فاعلها ~~الظاهر. # وقال في الفصل العاشر: أما قولنا إن القرآن العزيز قصد نفي نسبة فعل ~~الصلب لليهود وإسناده لله حقيقة، فهو استناد على قوله: فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] ، وقوله: إن ~~الذين يبايعونك # PageV03P426 # إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] ، فهنا الفاعل الظاهر حسا وفعلا إنما هو الرسول محمد عليه ~~الصلاة والسلام. ولكن الفاعل الحقيقي إنما هو الله الفاعل كل شيء في الكل. # ثم قال: وربما يعترض أنه ذكر في الآية نفسها أن الله رمى، وإنه تعالى هو ~~المبايع، فنقول: كذلك في آي الصلب وإخباره مرارا عديدة صرح في الإنجيل أن ~~الفاعل والمسلم والبازل والحاكم والآذن في أمر الصلب إنما هو الله جل ~~جلاله. # ثم قال: نقول ms1440 أخيرا: إن آية الصلب القرآنية هي صحيحة في ذاتها تماما ~~وكمالا. ومطابقة أشد المطابقة لما ورد في نفس القرآن بهذا الشأن. ولكل فحوى ~~أسفار الميثاقين أو العهدين. بكل بيان. إنما تفسيرها بمطلق النفي كان وما ~~زال غلطا وضد الحقيقة والذوق اللغوي. وضد ما جانسها في الآي الأخرى من نفس ~~القرآن. ومن نصوص سائر الكتب المنزلة. ولا سيما الإنجيل، الذي زبدته وروحه ~~وقوامه وخلاصته هي كون المسيح صلب ومات وقام وعرج إلى السماء. وأرسل ~~البارقليط الآخر الرسول محمدا مبلغ القرآن العظيم، الحاوي روح الصدق والحق، ~~والمذكر بكل ما قال المسيح في الإنجيل الشريف. # ثم قال: إن إنكار أمر الصلب أو إثباته ليس من الأركان في الدين عند ~~المحمديين. ولا هو محرم قطعا الاختلاف في تفسير بعض آيات. وقد وجد ويوجد ~~عدة اختلافات عند اليهود والنصارى والمسلمين. وليس ذلك محرما إلا إذا آل ~~لإنكار أو لإفساد نفس الآيات. أو إيقاع الشبهة على ذات نصوص الوحي. ففي آية ~~الصلب ليس شيء من ذلك. بل بالعكس تأييد كل النصوص الإلهية. # هذا خلاصة ما أورده في رسالته. وقد رد عليه من الفضلاء المسلمين عدد ~~وافر، في تآليف بديعة. منها كتاب (السيوف البتارة) اعتمد مؤلفها في إيراد ~~حججها على التواريخ الإفرنجية المعول عليها. فإن الإفرنج أعرف من غيرهم ~~بحقيقة ما يهمهم، وأبعد من مظنة التشيع في شهادتهم على أنفسهم، في أمر ~~دينهم. # قال رعاه الله: يعلم الواقف على حقائق التاريخ أن مسألة الصلب من أهم ~~المسائل التي ولدت الشقاق والنفرة فيما بين النصارى عموما ونصارى مصر ~~والشام في الأجيال الأولى خصوصا. فإنهم كانوا غالبا يرفضون حصول الصلب رفضا ~~باتا. # لأن بعضهم كان يعتبره إهانة لشرف المسيح، ونقصا فاضحا. والبعض الآخر كان ~~يجحده ارتكانا على الأدلة التاريخية. وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة. ~~منها: # PageV03P427 # الساطر نيوسيون والمركيونيون والبارديسيانيون والتاتيانيسيون ~~والكاربوكراتيون والمانيسيون والبارسكاليونيون والبوليسيون. إذ كلهم ~~اعتقدوا، مع كثيرين غيرهم، بأنه لا يمكنهم أن يسلموا بنوع من الأنواع، أن ~~المسيح سمر فعلا، أو مات على الصليب حقيقة. حتى استخفوا ms1441 بالصليب والصلب. ~~وقال بعض المؤرخين الأفاضل: # إن الخلاف الذي وقع بين النصارى في مبدأ الأمر كان سببا في انسلاخ جملة ~~طوائف وتشتتها واعتبارها في رأي آخرين مارقة من الدين. ولكن هذه الطوائف ~~المضطهدة المهضومة كانت أفكارها منطبقة على الأصول النصرانية عقلا ونقلا. ~~بخلاف أفكار مضطهديهم، فإن هذه الطوائف بنت على ألوهية عيسى عليه الصلاة ~~والسلام أنه لا يجوز أن يمتهن. واستنتجت من هذا أنه لم يصلب قطعا. وأن ~~ألفاظ التوجع والتضجر، التي نسبتها إليه كتب النصارى المتأخرين، لم يتفوه ~~بها ولا تصح نسبتها إليه. وبالجملة إن الشخص المصلوب غير عيسى قطعا. وأنه ~~عليه الصلاة والسلام لم تسلط عليه أيدي مضطهديه. بل رفع إلى السماء. ومن ~~القائلين. بهذه الأفكار الدوسيتية والمرسيونية والفلنطانيائية. وغير خاف ~~أنه حتى على فرض البنوة فقط، لا يمكن عقلا أن يتصور صلبه. انتهى. # ويؤيد هذا ما قاله الباحث الشهير الموسيو إدوار سيوس، أحد أعضاء ~~(الانستيتو دي فرنس) في باريس. المشهور بمعارضته المسلمين في كتابه (عقيدة ~~المسلمين في بعض المسائل النصرانية) صحيفة (49) : إن القرآن ينفي قتل عيسى ~~وصلبه. ويقول بأنه ألقي شبهه على غيره فغلط اليهود فيه وظنوا أنهم قتلوه. ~~وإن ما قاله القرآن موجود عند طوائف النصرانية منه الباسيليديون. كانوا ~~يعتقدون، بغاية السخافة، أن عيسى وهو ذاهب لمحل الصلب، ألقي شبهه على سيمون ~~السيرناي تماما، وألقي شبه سيمون عليه. ثم أخفى نفسه ليضحك استهزاء على ~~مضطهديه الغالطين. ومنهم السيرنتيون، فإنهم قرروا أن أحد الحواريين صلب بدل ~~عيسى. وقد عثر على فصل من كتب الحواريين. وإذا كلامه نفس كلام ~~الباسيليديين. وقد صرح (إنجيل القديس برنابا) باسم الذي صلب بدل عيسى قال: ~~إنه يهوذا. انتهى. # ولم يرد المؤرخ، المترجم كلامه، على هذا الإنجيل، إلا بدعوى أنه كلام لا ~~يعول عليه. وهذا الرد من رجل صدر نفسه للرد على المسلمين غير كاف. فيستفاد ~~من جميع ما ذكر أن جما غفيرا من طوائف النصارى ذوات البال والأهمية، كانت ~~تنبذ عقيدة صلب المسيح نبذا، وتفندها تفنيدا وما زالوا كذلك حتى جاء ~~الإسلام ms1442 فدخلوا فيه أفواجا. لإنكار القرآن. وما أنكروه من الصلب وغيره. ~~وبالجملة فإن أغلب # PageV03P428 # الشعوب الشرقية، قبل الفتح الإسلامي، رفضت القتل والصلب. حتى قال ~~ياسيليوس الباسليدي: إن نفس حادثة القيامة، المدعى بها بعد الصلب الموهوم، ~~هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب. ومن المعلوم أن نصارى الشام ~~هم الذين وقعت هذه الحادثة بينهم. فهم أقرب الناس إلى العمل بحقيقتها. ~~وكذلك من جاورهم من نصارى المصريين وغيرهم. لحصول الجوار وقرب المسافة. ~~فكيف لا تكون شهادتهم هي عين الصواب؟ وبذلك يتبين أن دعوى (صاحب جريدة ~~شهادة الحق) الإجماع على الصلب وانفراد القرآن الشريف بنفيه- غير مسلمة، مع ~~وجود هذه الطوائف المنازعة في الصلب. وقد صرح القرآن بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما بعث لتصديق ما بين يديه من الحق وتبيين ما اختلف فيه ~~طوائف النصارى مع اليهود، والنصارى مع بعضهم بعضا. ولو حكمنا التاريخ لشهد ~~لهؤلاء الناس وبرز أقوالهم. # وذلك أن أهل فلسطين كانوا يعبدون الأوثان ويخالفون بني إسرائيل في ~~ديانتهم. # فكان من مبادئهم، العاملين عليها في سياستهم العمومية، بذل المجهود ~~وإفراغ الوسع في معاكسة عقائد اليهود. لإدخالهم في الديانة الوثنية وتقويض ~~دعائم الشريعة الموسوية. والضغط على شعائرهم الملية. يشهد لهذا أقوال ~~الكاتب الشهير (أرنست رنان) العضو في (الأكاديمية الفرنساوية) المنفرد ~~بالإجادة والشهرة، في رسالة نشرت في جريدة العالمين في 15 مارس 1893. ~~معنونة ب (اليهود تحت حكم الرومان) حيث قال: إن كل المناصب ذوات المرتب ~~الباهظ كانت تعطى غنيمة باردة لليهود الذين يطرحون دينهم ظهريا. ويجعلون ~~شعائرهم الملية شينا. # ويعتنقون ديانة الرومان الوثنية. فكان من ضغط الرومان ومن تزلف اليهود ~~إليهم، ومن أطماعهم إلى الرتب والألقاب، أن ارتد غالب سواد اليهود وعبدوا ~~جوبيتر الألومبي. وكان الواحد منهم يخفي الاختتان بعملية شاقة جدا (ذكرها ~~سلس المؤرخ الروماني الشهير) ثم يتزيى بزي الرومان ويسحب ذيوله تيها ~~وإعجابا بنفسه وبعوائد الرومان. وازدراء واحتقارا لبني جلدته وذوي ملته. ~~فرحا بلقمة يلتقمها. أو مرتبة يتربع في دستها. وما زالت اليهود تترومن حتى ~~أن الأحبار غادروا ms1443 الهيكل والمجامع. # واشتغلوا بملاعب الرومان الرياضية. وأخيرا آل الأمر، قبل وجود عيسى عليه ~~السلام، إلى إدخال صنمهم الأكبر ووضعه في محل تقريب القربان نفسه. بحيث أن ~~القربانات كانت تعمل أمامه. حتى كادت معالم اليهودية أن تنمحي من صحيفة ~~الوجود. ووقع ذلك سيء الوقع وأثر أردأ تأثير في نفوس البقية القليلة من ~~اليهود التي اعتصمت بدينها. انتهى. # PageV03P429 # وبهذا يعلم مقدار ضغط الرومان على اليهود لمحو آثار دينهم من الوجود. # فليس من المعقول أن الحكومة، وهي ما ترى من الكراهة الدينية لليهود، ~~تجيبهم إلى ما طلبوا من تنفيذ أمر الصلب. أو تعيره أدنى ذرة من الأهمية. ~~خصوصا والحاكم الروماني على فلسطين في ذلك الوقت، كان يكره اليهود كما يكره ~~أن يلقى في النار. # وهم يكرهونه أشد من ذلك. دليلنا على ذلك ما كتبه المسيو رنان المذكور في ~~كتابه المشهور المسمى (حياة المسيح) حينما تكلم على شكاية اليهود من عيسى ~~بدعوى أنه غير التوراة. وكان ذلك على زعمهم ليستوجب قتله. حيث قال: إن حاكم ~~فلسطين المسمى (بونسيوس) الملقب (بيلاطس) - أظهر عدم عنايته بمنازعات ~~اليهود الداخلية وشكاويهم وخصوماتهم. بل كان يعتبر أن هذه الأعمال صادرة عن ~~عقول مختلفة وأفكار معتلة. وبالإجمال، كان يكره اليهود وهم يكرهونه أشد من ~~كراهته لهم. لأنهم كانوا يجدونه قاسيا ذا أنفة وكبر. غير مكترث بهم. ولقد ~~رموه وعابوه بجنايات لا يسعها عقل عاقل. والمتمسكون بدينهم منهم رأوا أن ~~غرض بيلاطس هذا، سحق أثر الشريعة الموسوية سحقا ومحوها محوا. وتعصبهم ~~الأعمى وكراهتهم الدينية له جعلاه يأنف من أفكارهم. فإنه كان يميل كل الميل ~~إلى الأحكام الوضعية الرومانية. التي كانت نهاية فخر كل روماني في ذلك ~~الحين. وكان يرى أفكار اليهود سخيفة تقهقرية. لأنه كلما هم بجلب النافع ~~العام، وسن مشروع يضمن الراحة والرفاهية، قام الأحبار عن آخرهم وعارضوه ~~بتفسير التوراة التي كانت تسد في وجهه أبواب التحسين والتغيير. فلم يعتن ~~بجرح حواسهم ومس شرفهم ومعالمهم الدينية. # وعاملهم بالقسوة والكبر وعدم تنفيذ رغباتهم. فانشعب الأمر ودام الفشل. ~~وأخيرا اضطرت الحكومة إلى ms1444 إقالته من منصبه بسبب قيامة اليهود عليه. ولقد ~~كانت نفس بيلاطس تضيق، وصدره يحرج عند مجيء شكوى ضد عيسى عليه الصلاة ~~والسلام. # حيث كان لا يسمح بتنفيذ أمر القتل عليه. وعيسى ضد اليهود، ويعيب التوراة ~~كما يقولون. فكان ذلك عن رغبة الحاكم. وجل ما يتمنى. فكيف يكون هو الآمر ~~والمنفذ لقتله؟ مع أنه كان قادرا على تنفيذ رغباته المضادة لليهود على خط ~~مستقيم. والحقيقة أن بيلاطس كان ميالا كل الميل لخلاص السيد المسيح من ~~هؤلاء الظلمة. ولعله رأى ما فيه من جميل الشيم والأخلاق الكريمة الطاهرة. ~~فراقه ذلك، زيادة عن كراهته لليهود. فعمل على خلاصه من الصلب. كما يتضح من ~~إنجيل متى 27 و 24. ولوقا 23 و 12. ويوحنا 13- 23 وفي بعض آيات الإنجيلين ~~أن عيسى سوعد من زوجة بيلاطس الحاكم القائلة (كما هو مذكور في إنجيل متى # PageV03P430 # 27 و 19) : إياك وهذا البار. لأني تألمت اليوم كثيرا في حلم من أجله. ~~ولعلها رأته فبهرها كماله ووقاره وحشمته وبلوغه الغاية في الأدب والشمائل ~~الطاهرة. والظاهر أنها رأت هذا الشاب البريء المبجل من إحدى نوافذ قصرها ~~المطلة على أفنية هيكل سليمان عليه السلام. فظهر لها بكماله الحقيقي ~~فاستفظعت إهدار دم هذا البريء الوقور. وكيفما كان السبب، فالذي لا يشك فيه ~~أحد، أن بيلاطس كان محبا لعيسى عليه السلام حبا شديدا. ولذلك سأله بكمال ~~اللطف والأدب ليفرغ ما في وسعه لتبرئته. انتهى. # فيؤخذ من كلام (رنان) أن الحاكم المنوط به الأمر والتنفيذ، كان مضادا ~~للصلب. فلا غرابة في عدم حصوله للمسيح عليه السلام، وتبديله بآخر. وكراهة ~~هذا الحاكم لليهود مشهورة لا تحتاج لزيادة إيضاح. حتى إن ترتوليانوس، أحد ~~آباء الكنيسة النصرانية، جزم بأن بيلاطس الحاكم كان نصرانيا في الباطن. وفي ~~الجزء الأول من تاريخ الديانة النصرانية لمؤلفه (ملمن) : إن تنفيذ الحكم ~~كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام. فيستنتج من ذلك أيضا إمكان استبدال ~~السيد المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس، منتظرين تنفيذ حكم ~~القتل عليهم. # كما اعتقد بعض الطوائف. وصدقهم القرآن. ms1445 ولقد جرى على هذا الرأي جماعة من ~~المؤرخين المهمين (كالمسيوشارل بيكار) و (أرنست دي بونس) وغيرهما. فإن ~~الأول قال: إن مسألة صلب المسيح كلها مبتكرة مخترعة لا غير. لتوافق ~~اعتقادات قديمة. مآلها أن الله لا يسكن غضبه إلا بسفك دم القربان من بني ~~آدم. وكانت اليهود تقدم أولادها قربانا للذبح استجلابا لإسكان غضب الخالق ~~وجلب رضاه. # ويقول: إنهم ربما أكلوا لحوم القربان الآدمي وشربوا دمه. ولما قامت ~~الأنبياء في بني إسرائيل واضطهدت هذه العادة الشنعاء، بدل ذبح الآدمي ~~قربانا بذبح الحيوان. وأطال المسيو (بيكار) في شرح ارتباط تضحية سيدنا عيسى ~~عليه الصلاة والسلام مع هذه العوائد القديمة. فأفاد أن نفس الصليب كان ~~مستعملا رمزا عن شيء عندهم اسمه (اللنجام) وهو عبارة عن خشبتين متصلبتين ~~متداخلتين في بعضهما. # وأما المسيو (أرنست دي بونس الألماني) فإنه قال في كتابه المسمى ب ~~(النصرانية الحقة) صحيفة 142 ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب ~~والفداء، هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه، من الذين لم يروا المسيح ~~عليه الصلاة والسلام. لا من أصول النصرانية الأصلية. # فوضح وضوح الشمس لذي عينين أن التاريخ، فضلا عن كونه لم يثبت مسألة # PageV03P431 # الصلب والقتل، يرجح نفي حصوله رجحانا لا يكاد يفارق اليقين الحقيقي. ~~ومعلوم أن أخذ الأمور التاريخية في هذا الصدد عن طوائف مصر والشام أولى، ~~لأنهم أبناء جلدتها، وأدرى بحوادث بلادهم الحقيقية. فيؤخذ من كل ذلك: أولا- ~~أن كافة الظروف التي حصل فيها تنفيذ الحكم كانت مساعدة لتخليص المسيح عليه ~~الصلاة والسلام. وبالأخص اضطهاد الحكومة الرومانية للعقائد الموسوية. وعدم ~~الاعتناء بها لا يسهل تنفيذها. ثانيا- وقت الغلس الذي حصل فيه ذلك الصلب ~~الموهوم. # وكان يمكننا لدرس هذا الموضوع التكلم على جملة مسائل تفند دعوى الصلب ~~تفنيدا لا مزيد عليه. ومن ضمنها، أن نصارى اليوم تدعي أن سيدنا عيسى عليه ~~الصلاة والسلام حكم عليه من مجمع اليهود بالقتل بسبب تغييره لأحكام ~~التوراة. ومن المعلوم أن الحكم، في ذلك الموضوع، الرجم لا الصلب. فهذا مما ~~يرتكن عليه مثل الموسيو (شارل ms1446 بيكار) في ادعائه أن النصارى الحديثين ~~احتاجوا لعلامة الصليب رمزا لبعض عقائد كانوا يريدون إدخالها في الديانة. ~~وهي مسألة الفدا. انتهى كلام صاحب السيوف البتارة. # ولما اطلع عليها ذلك النصراني المذبذب المردود عليه، أعياه الرد من ~~الطريقة التاريخية، فأخذ يرد عليها تشبثا بأسباب واهية. فعد، كل من رفض ~~الصلب من نصارى الأيام الأول، هرطوقيا. أي: مارقا من الدين. ورمى أصحاب ~~التواريخ من أهل أوروبا الذين وافقوا المسلمين في عدم حصول الصلب بأنهم ~~كفرة الإفرنج. ثم تمسك بالأناجيل الأربعة الرسمية وقال: أنه لا يمكنه أن ~~يزيف شيئا منها ما دامت شاهدة من أولها إلى آخرها بحصول الصلب حقيقة. وأنه ~~يلزم حينئذ تأويل ما جاء في القرآن المجيد حتى يصل للوفاق. # فعاد صاحب (السيوف البتارة) وألف رسالة ثانية في شهادة علماء الإفرنج ~~بحفظ القرآن وتحريف ما سواه. تكملة للأول. فتوسع جزاه الله خيرا في هذا ~~الموضوع ثم قال (في الكلام على الإنجيل) ما لفظه: أما الإنجيل فإنه أبعد عن ~~الصحة من التوراة بكثير. إذ لا يفهم أحد للآن كيف تعدد الإنجيل الأصلي إلى ~~نسخ شتى متباينة. ولأي مرجح استحسنت منها النصارى الحاليون أربعة أناجيل، ~~مختلفة كل الاختلاف، متضاربة كل التضارب. ولا يدري لماذا عدلوا عن (إنجيل ~~برنابا) مثلا الذي وافق القرآن قبل ظهوره في المسائل التي أبتها الكتب ~~الحالية. فإنا نجد هذا الإنجيل يخبر أن السيد المسيح نبي، عبد، مخلوق. ليس ~~بإله. وأنه لم يصلب. # وفيه البشارة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مذكورا بلفظه (كذا) . وهاك ~~ما قاله السيد المسيح # PageV03P432 # في الإنجيل المذكور (وإني وإن كنت بريا، لكن بعض الناس لما قالوا في حقي ~~إنه الله وابن الله، كره الله هذا القول واقتضت مشيئته بأن لا تضحك ~~الشياطين يوم القيامة علي ولا يستهزءون. فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن ~~يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا. ويظن كل شخص أني صلبت. ~~لكن هذه الإهانة والاستهزاء تبقيان إلى أن يجيء محمد رسول الله. فإذا جاء ~~في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا ms1447 الغلط. وترتفع هذه الشبهة من قلوب الناس) . # وقد استشهد العلامة (سيل) الإنكليزي، المشهور في أوروبا بترجمة المصحف ~~الشريف، بهذه الآية الإنجيلية، تفسيرا لقوله تعالى في سورة آل عمران: # ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين [آل عمران: 54] وإنجيل برنابا ~~أثبته العلماء قبل الإسلام بنحو ثلاثمائة سنة. حتى أن العالم الإنكليزي ~~(تولاند) قال: # وعلى النصرانية السلام، بمجرد رؤيته هذا الإنجيل. ثم قال: قال العلامة ~~(هيردر) وجماعة آخرون: إن الإنجيل الأصلي كان واحدا. إلا أنه لم يكتب. بل ~~قاله المسيح مشافهة. ورواه الحواريون عنه للناس شفاهيا أيضا. فحفظ الخلق ~~منه بعض أقوال أضافوا إليها ما استحسنوه من السير والقصص. ونقصوا منها ما ~~لم يوافق أذواقهم. وما زالت تنتقل الروايات المختلفة من شخص إلى آخر، ومن ~~زمن إلى غيره حتى تشعبت، وكتب أخيرا منها أناجيل شتى، فاختارت الكنائس منها ~~أربعة جعلتها الرسمية. # ثم قال مؤلف (السيوف البتارة) : فوضح وضوحا تاما لذي بصيرة، أن الحجة على ~~دعوى صلب المسيح قد سقطت سقوطا لا تقوم بعده أبدا. سواء من جهة التاريخ ~~الصحيح الذي دحضها وخذل مدعيها بأجلى برهان، أو من جهة الأناجيل المعتبرة ~~عندهم. لذهاب أصلها أدراج الرياح، بثبوت التحريف والتغيير لها. # ثم قال: وأما قوله (يعني المذبذب) . بأن طوائف النصارى الرافضة للصلب ~~هراقطة- فغريب. لأنهم مثله في العقيدة لا يمتازون إلا بإنكارهم الصلب ~~الحقيقي للمسيح. وهل الاقتصار، في الرد من باحث، على قوله (كفرة) يعد من ~~باب نقض الدليل بالدليل وتزييف الحجة بالحجة؟ أو من باب المكابرة في ~~المحسوس والانقطاع عن المناظرة للعجز الواضح. وإذا جاز إطلاق (كفرة) على ~~هؤلاء وهم أمناء النصرانية واليهودية- جاز أن تصف بهذه الصفة كل يهودي ~~ونصراني. وحينئذ لا يصح احتجاجك بإجماعهم ولا بشيء من آرائهم. وتكون في ردك ~~بكلمة (هراقطة. كفرة) أشبه بمن اقتصر في مناظرة خصمه على كلمة (لا) فقط. ~~فهو يكررها ولا يسأم من الرد بها. # PageV03P433 # ثم قال: فقد برح الخفاء وانكشف الغطاء وبان للقراء أن لا إجماع بين ~~النصارى أنفسهم على حصول الصلب منذ تكلم الناس فيه حتى ms1448 الآن. وتفرقت فيه ~~آراؤهم أيدي سبا. وذهبوا فيه كل مذهب. فلا تكاد تجد قولا لأحدهم في أي عصر ~~إلا وهو مضاد لأقوال آخرين منهم على خط مستقيم. حتى لا ترى إلا غوغاء وجلبة ~~المناقضات. فلم يتفقوا على كيفية الصلب ولا على معناه ولا على المراد منه. ~~ولا اجتمع فيه رأيان. كان ذلك من باب التقليد والتسليم، الذي لا يقام عليه ~~دليل أعظم من أن يقال: إن الدين ينبغي أن لا يفهم ولا يدخل معناه السري تحت ~~تصور. هذا مع أن الصلب عند النصارى هو قلب دينهم (كما يقولون) وأساس ~~معتقدهم. حتى كأنه بمنزلة التوحيد عند المسلمين. ومع أن نفي الصلب عندنا ~~ليس من الأصول التي انبنى عليها ديننا في شيء، بل لا تخرج مسألته عن كونها ~~من قصص الأولين، كالإخبار عن نوح وإبراهيم وموسى، مما سيق لنحو الوعظ ~~والاعتبار- فلم يهجس بخلد مسلم منذ وجد الإسلام إلى يومنا هذا أن عيسى صلى ~~الله عليه وسلم صلب أو قتل. ولم يخرق إجماع المسلمين على ذلك واحد منهم في ~~كل عصر ومكان. وما ذلك إلا لضبط القرآن الكريم وصيانته. ولو حكمنا غير ~~متدين في هذه المسألة، ونظر لأهميتها عند النصارى، مع عدم قدرتهم على ~~إثباتها، ولفرعيتها عند المسلمين، مع إجماعهم على نفيها إجماعا لا مثيل له ~~في العالم- لا نبهر من همة المسلمين في ضبط وحفظ كتابهم، وثباتهم في صغير ~~الأمر وكبيره. وتمنى أن تتدلى الأنجم الزهر ليصوغ منها عقود ثناء ومدح لهم، ~~على عنايتهم بدينهم إلى هذا الحد الذي لا نظير له. ولم يسعه إلا أن يقلب ~~أكف الأسف، ويعض بنان الندم على تزعزع دين غيرهم. لدرجة أن أعظم أصل فيه لا ~~يثبت إلا في مخيلات بعض المقلدين. من غير استناد على دليل نقلي صحيح. أو ~~عقلي مسلم، حتى قام عقلاؤهم نافضين غبار التقليد، ناشدين الحقيقة. فانجلت، ~~لكثير منهم، عن تدمير هذا البناء التقليدي. والرجوع إلى ما ثبت بالدليل في ~~ديانة غيرهم. ومما هو جدير بالتنبه له أن بولس الذي عزا إليه كل ms1449 محققي ~~التاريخ من الإفرنج وغيرهم، أنه وحده المخترع لمسائل الصلب والفداء، ~~وألوهية عيسى إلى غير ذلك- قد أبان أن الصلب والقتل ليسا حقيقيين. كما جاء ~~في رسالته لأهل غلاطية. حيث قال: أنتم الذين رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا. # وقال في رسالته لأهل رومية: نحن نقوم بشبه موته. إلى أن قال: فدفنا معه ~~بالمعمودية، لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضا ~~بارتفاعه، عالمين أن إنساننا العتيق قد صلب معه إلخ. فيستفاد من مجموع ~~أقوال بولس هذه أن المسيح لم يصلب ولم يقتل حقيقة. وإنما ذلك مجاز عن الشبه ~~المقتول المصلوب. # PageV03P434 # كما جاء في إنجيل برنابا. وقد يدعوك حب التمسك بهذه المسألة إلى أن تؤول ~~كلام بولس بما لا يحتمله اللفظ والسياق. وأنت لاه عن أنه متى وقع الاحتمال ~~سقط الاستدلال. وإنما أتينا بكلامه تنزلا معك على التسليم الجدلي بصحة ما ~~روي عنه في رسالته لأهل غلاطية. فنقول: حتى على فرض صحة ما روي عن بولس ~~نفسه، فإنه يشهد لنفي الصلب والقتل. لا لحصولهما حقيقة. هذا ولو قارنت دعوى ~~الصلب والفداء بما جاء في التوراة من قولها (الشرير فدية الصديق) لكان ~~معناه، على مقتضى زعمك، أن عيسى شر بالإضافة لكل أحد. وهذا لا يجوز لا عقلا ~~ولا شرعا. # فوجب، أخذا من عبارة التوراة، أن يكون المصلوب شريرا فداء لصديق، هو عيسى ~~عليه الصلاة والسلام. كما جاء في إنجيل برنابا انتهى ملخصا. # ولن يعدم الحق أنصارا، والباطل خزيا وانكسارا. ### | فصل # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في كتابه (الفرقان) وهو من آخر ~~مصنفاته. صنفه بقلعة دمشق، ما لفظه: (فإن قيل) فإذا كان في كتب الأناجيل ~~التي عندهم أن المسيح صلب وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم، وقال لهم: أنا ~~المسيح. # ولا يقولون إن الشيطان تمثل على صورته- فالشيطان ليس هو لحم وعظم. وهذه ~~أثر المسامير. أو نحو هذا الكلام- فأين الإنجيل الذي قال الله عز وجل فيه: # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله [المائدة: 47] . وقال قبل هذا: وقفينا ~~على آثارهم ms1450 بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيل ~~فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم ~~أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون [المائدة: 46- 47] وقال قبل هذا: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة ~~فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~[المائدة: 43- 44] . وقال أيضا: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم [المائدة: 66] . وقال أيضا: ~~قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم ~~من ربكم، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، فلا تأس ~~على القوم الكافرين [المائدة: 68] . وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم # PageV03P435 # بأن يقول لأهل الكتاب، الذين بعث إليهم، وهو من كان في وقتهم ومن يأتي من ~~بعدهم إلى يوم القيامة. لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم. وكذلك قوله: # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله [المائدة: 43] ، إخبار عن ~~اليهود الموجودين وأن عندهم التوراة فيها حكم الله. وكذلك قوله: وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه [المائدة: 47] ، هو أمر من الله على لسان محمد ~~لأهل الإنجيل. ومن لا يؤمر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، قيل قبل هذا: ~~إنه قد قيل ليس في العالم نسخة بنفس ما أنزل الله في التوراة والإنجيل بل ~~ذلك مبدل. فإن التوراة انقطع تواترها. والإنجيل إنما أخذ عن أربعة. ثم من ~~هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام الله. ~~ومنهم من قال: بل ذلك قليل. وقيل: لم يحرف أحد شيئا من حروف الكتب وإنما ~~حرفوا معانيها بالتأويل. وهذان القولان، قال كلا منهما كثير من المسلمين. ~~والصحيح القول الثالث، وهو أن في الأرض نسخا صحيحة وبقيت ms1451 إلى عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ونسخا كثيرة محرفة. ومن قال: إنه لا يحرف شيء من النسخ فقد ~~قال ما لا يمكنه نفيه. # ومن قال: جميع النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم حرفت فقد قال ما يعلم ~~أنه خطأ. # والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن ~~فيهما حكمه. # وليس في القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ. وإذا كان كذلك فنقول: هو ~~سبحانه قال: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه [المائدة: 47] . وما ~~أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح. فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها ~~في التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام. ومعلوم أن هذا الذي في التوراة ~~والإنجيل، من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما، ليس هو مما أنزله الله ومما ~~تلقوه عن موسى وعيسى. بل هو مما كبتوه مع ذلك للتعريف بحال توفيهما. وهذا ~~خبر محض من الموجودين بعدهما عن حالهما، ليس هو مما أنزله الله عليهما، ولا ~~هو مما أمرا به في حياتهما، ولا مما أخبرا به الناس وكذلك: لستم على شيء ~~حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم [المائدة: 68] . ~~وقوله: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم [المائدة: 66] . فإن إقامة الكتاب، العمل بما أمر ~~الله به في الكتاب، ومن التصديق بما أخبر به على لسان الرسول. # وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك، ليس هو ~~مما أنزله الله على الرسول، ولا مما أمر به، ولا أخبر به. وقد يقع مثل هذا ~~في الكتب المصنفة. يصنف الشخص كتابا فيذكر ناسخه، في آخره، عمر المصنف ~~ونسبه # PageV03P436 # وسنه. ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف. ولهذا أمر الصحابة والعلماء ~~بتجريد القرآن. وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن. فلا يكتب أسماء السور ~~ولا التخميس والتعشير ولا (آمين) . ولا غير ذلك. والمصاحف القديمة والتي ~~كتبها أهل العلم، على هذه الصفة. وفي المصاحف من قد ms1452 كتب ناسخها أسماء السور ~~والتخميس والتعشير والوقف والابتداء. وكتب في آخر المصحف تصديقه. ودعا وكتب ~~اسمه ونحو ذلك. وليس هذا من القرآن. فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب ~~المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلي الحواريين، ليس هو مما قاله المسيح، ~~وإنما هو مما رآه من بعده. والذي أنزله الله هو ما سمع من المسيح المبلغ عن ~~الله. # فإن قيل: فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا أن المسيح صلب، وأنه أتاهم بعد ~~أيام، وهم الذين نقلوا عن المسيح الإنجيل والدين، فقد دخلت الشبهة. # قيل: الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء، إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه ~~عن الأنبياء، فإن الحجة في كلام الأنبياء. وما سوى ذلك فموقوف على الحجة. ~~إن كان حقا قبل وإلا رد. ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من القرآن والحديث يجب قبوله. لا سيما المتواتر، كالقرآن وكثير من ~~السنن. وأما ما قالوه، فما أجمعوا عليه فإجماعهم معصوم. وما تنازعوا فيه، ~~رد إلى الله والرسول. وعمر قد كان أولا أنكر موت النبي صلى الله عليه وسلم. ~~حتى رد ذلك عليه أبو بكر. وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث «1» ~~الذي رواه. وتنازعوا في تجهيز جيش أسامة. وتنازعوا في قتال «2» مانعي ~~الزكاة. فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والنصارى PageV03P437 # ليسوا متفقين على صلب المسيح. ولم يشهد أحد منهم صلبه. فإن الذي صلب إنما ~~صلبه اليهود. ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضرا. وأولئك اليهود الذين ~~صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح. وقد قيل إنهم عرفوا أنه ليس هو ~~المسيح. ولكن هم كذبوا وشبهوا على الناس. والأول هو المشهور وعليه جمهور ~~الناس. وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب. لكن عمدتهم على ~~ذلك، الشخص الذي جاء الشيطان بعد أيام وقال. أنا المسيح. وذاك شيطان. # وهم يعترفون بأن الشياطين كثيرا ما تجيء ويدعي (كذا) إنه نبي أو صالح. ~~ويقول. # أنا فلان النبي والصالح. ويكون ms1453 شيطانا. وفي ذلك حكايات متعددة مثل حكاية ~~الراهب الذي جاءه جاء وقال: أنا المسيح. جئت لأهديك. فعرف أنه الشيطان. # فقال. أنت قد بلغت الرسالة ونحن نعمل بها. فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك ~~لم نقبل منك. فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب. كما قال تعالى: # وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ~~[النساء: # 157] . وأضاف الخبر عن قتله، إلى اليهود بقوله: وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله [النساء: 157] ، فإنهم بهذا الكلام يستحقون ~~العقوبة. إذ كانوا يعتقدون جواز قتل المسيح. ومن جوز قتله فهو كمن قتله. ~~فهم في هذا القول كاذبون. وهم آثمون. وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر. ~~لأنهم لم يقتلوه. وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه. # وقد قال النبي «1» صلى الله عليه وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول! فما بال المقتول؟ قال: إنه كان ~~حريصا على قتل صاحبه. # وقوله: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه: قيل هم اليهود والنصارى. # والآية تعم الطائفتين. وقوله: لفي شك منه. من قتله. وقيل: منه، أي: في شك ~~منه. هل صلب أم لا؟ كما اختلفوا فيه. فقالت اليهود: هو ساحر. وقالت ~~النصارى: # إنه إله. فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا؟ وهم في شك من ذلك ما ~~لهم به من علم. فإذا كان هذا في الصلب فكيف في الذي جاء بعد الرفع وقال إنه ~~هو المسيح؟ PageV03P438 # فإن قيل: كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا في إيمانهم، فأين ~~المؤمنون به الذين قال فيهم: وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا [آل ~~عمران: 55] . وقوله: فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [الصف: ~~14] . (قيل) ظن من ظن منهم أنه صلب لا يقدح في إيمانه. إذا كان لم يحرف ما ~~جاء به المسيح. بل هو مقر بأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه- فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح في إيمانه. فإن هذا اعتقاد ~~موته ms1454 على وجه معين. وغاية الصلب أن يكون قتلا له. وقتل النبي لا يقدح في ~~نبوته. وقد قتل بنو إسرائيل كثيرا من الأنبياء. وقال تعالى: وكأين من نبي ~~قاتل معه ربيون كثير [آل عمران: 146] الآية. وقال تعالى: وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم # [آل عمران: 143] . وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم. ~~هو مثل اعتقاد كثير من مشايخ المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم ~~في اليقظة. فإنهم لا يكفرون بذلك. بل هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس ~~اتباعا للسنة وأتباعا لها. وكان في الزهد والعبادة أعظم من غيره. وكان ~~يأتيه من يظن أنه رسول الله فهذا غلط منه لا يوجب كفره. فكذلك ظن من ظن من ~~الحواريين أن ذلك هو المسيح، لا يوجب خروجهم عن الإيمان بالمسيح، ولا يقدح ~~فيما نقلوه عنه. وعمر- لما كان يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت ~~«1» ، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه- لم ~~يكن هذا قادحا في إيمانه. وإنما كان غلطا ورجع عنه. وقوله تعالى: ~~PageV03P439 # ما لهم به من علم هو ذم لهم على اتباع الظن بلا علم. انتهى كلام ابن ~~تيمية رضي الله عنه. # ولإمام الأدباء، شرف الدين البوصيري رحمه الله، قصيدة في هذا المقام. # نظمها في سلك ما تقدم تكملة للمرام. قال قدس سره: # جاء المسيح من الإله رسولا ... فأبى أقل العالمين عقولا # قوم رأوا بشرا كريما فادعوا ... من جهلهم لله فيه حلولا # وعصابة ما صدقته وأكثرت، ... بالإفك والبهتان، فيه القيلا # لم يأت فيه مفرط ومفرط ... بالحق تجريحا ولا تعديلا # فكأنما جاء المسيح إليهم ... ليكذبوا التوراة والإنجيلا # فاعجب لأمته التي قد صيرت ... تنزيهها لإلهها التنكيلا # وإذا أراد الله فتنة معشر ... وأضلهم، رأوا القبيح جميلا # هم بجلوه بباطل فابتزه ... أعداؤه بالباطل التبجيلا # وتقطعوا أمر العقائد بينهم ... زمرا. ألم تر عقدها محلولا # هو آدم في الفضل إلا أنه ... لمن يعط حال ms1455 النفخة التكميلا # أسمعتموا أنه الإله لحاجة ... يتناول المشروب والمأكولا؟ # وينام من تعب ويدعو ربه ... ويروم من حر الهجير مقيلا # ويمسه الألم الذي لم يستطع ... صرفا له عنه ولا تحويلا # يا ليت شعري، حين مات بزعمهم ... من كان بالتدبير عنه كفيلا؟ # هل كان هذا الكون دبر نفسه ... من بعده أم آثر التعطيلا؟ # زعموا الإله فدى العبيد بنفسه ... وأراه كان القاتل المقتولا # اجزوا اليهود بصلبه خيرا. ولا ... تجزوا (يهوذا) الآخذ البرطيلا # أيكون قوم في الجحيم ويصطفى ... منهم كليما ربنا، وخليلا # وإذا فرضتم أن عيسى ربكم، ... أفلم يكن لفدائكم مبذولا؟ # وأجل روحا قامت الموتى به ... عن أن يرى بيد اليهود قتيلا # فدعوا حديث الصلب عنه ودونكم ... من كتبكم ما وافق التنزيلا # شهد الزبور بحفظه ونجاته ... افتجعلون دليله مدخولا؟ # أيكون من حفظ الإله مضيعا ... أو من أشيد بنصره مخذولا؟ # أيجوز قول منزه لإلهه: ... سبحان قاتل نفسه مقتولا؟ # أو جل من جعل اليهود بزعمكم ... شوك القتاد لرأسه إكليلا # ومضى لحبل صليبه مستسلما ... للموت مكتوف اليدين ذليلا # كم ذا أبكتكم ولم تستنكفوا ... أن تسمعوا التبكيت والتخجيلا # ضل النصارى في المسيح وأقسموا ... لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا # PageV03P440 # وهي سابغة الذيل، كلها من هذا النفس البديع. # واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم. وشرح أنهم قصدوا ~~قتل عيسى عليه السلام، وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود، وأنه حصل لعيسى ~~أعظم المناصب وأجل المراتب- بين تعالى تحقيق ما أثبته في الآية السابقة، من ~~القطع بكذبهم. مثبتا أنهم في مبالغتهم في عداوته، سيكونون من أتباعه ~~المصدقين بجميع أمره، الذي منه التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم. مؤكدا له ~~أشد تأكيد لما عندهم من الإنكار له، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 159] # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(159) # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته أي: ما أحد من أهل الكتاب يدرك ~~نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، إلا ليؤمنن به قبل موته. أي: ms1456 موت ~~عيسى عليه السلام. أي: لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان يؤيد الله به دين ~~الإسلام. حتى يدخل فيه جميع أهل الملل. إشارة إلى أن موسى عليه السلام، إن ~~كان قد أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زمانا طويلا، فالنبي ~~الذي ينسخ شريعة موسى، وهو عيسى عليهما السلام، هو الذي يؤيد الله به هذا ~~النبي العربي، في تجديد شريعته، وتمهيد أمره، والذود عن دينه. ويكون من ~~أمته بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة، وأتباع مستكثرة. أمر قضاه الله تعالى ~~في الأزل. فاقصروا أيها اليهود. فمعنى الآية إذن، والله أعلم: إنه ما من ~~أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه السلام على شك، إلا وهو يوقن ~~بعيسى عليه السلام قبل موته، بعد نزوله من السماء، أنه ما قتل وما صلب. ~~ويؤمن به عند زوال الشبهة أفاده البقاعي. # روى البخاري «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة ~~الواحدة خيرا له من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ~~PageV03P441 # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا. وأخرجه مسلم «1» أيضا وابن مردويه وزاد بعد قوله (قبل موته) : موت ~~عيسى ابن مريم. ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات. # ورواه الإمام أحمد «2» عن حنظلة عن أبي هريرة أيضا مرفوعا ولفظه: ينزل ~~عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطى المال حتى ~~لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما. # قال وتلا أبو هريرة: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ### | .... # فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى. فلا أدري هذا كله ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة. # ورواه حامد «3» أيضا عن عبد الرحمن عن أبي ms1457 هريرة وفيه: ويهلك الله في ~~زمانه الملل كلها غير الإسلام. ويمكث أربعين ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. # وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم «4» : فينزل عند المنارة شرقي دمشق. # وقد ذكر الحافظ ابن كثير، هنا، الأحاديث المتواترة في نزوله عليه السلام، ~~من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن ~~سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وأبي سريحة حذيفة بن أسيد ~~رضي الله عنهم. وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنه بالشام بل بدمشق ~~عند المنارة الشرقية. وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح. # قال ابن كثير: وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ~~منارة للجامع الأموي، بيضاء من حجارة منحوتة، عوضا عن المنارة التي هدمت ~~PageV03P442 # بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى ~~يوم القيامة. وكان أكثر عمارتها من أموالهم. وقويت الظنون أنها هي التي ~~ينزل عليها المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام. وهذا من إخبار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك. انتهى. # قلت: وقد اشتهرت هذه المنارة بمئذنة عيسى. # وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في (تاريخه) عن بعض السلف أن عيسى عليه ~~السلام، بعد نزوله، يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته. فالله ~~أعلم. # والتأويل المذكور في الآية رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير «1» والعوفي ~~«2» ، كلاهما عن ابن عباس. # وروى ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك عن ابن عباس في الآية قال: يعني ~~اليهود خاصة. وبه إلى الحسن: يعني النجاشي أصحابه. # وبه إليه قال: إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة، مقاما ~~يؤمن به البر والفاجر. # وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. # قال ابن كثير: وهذا القول هو الحق. وروي عن ابن عباس أيضا ومحمد بن ~~الحنفية ومجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين والضحاك وجويبر أن المعنى: وإن من ~~أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة. حين ms1458 لا ~~ينفعه الإيمان. ذهابا إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل. لأن كل من نزل ~~به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه. # قال عكرمة: قال ابن عباس: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ~~ورسوله. ولو عجل بالسلاح. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ # قلت: فائدته الوعيد. وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن ~~قريب، عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم- بعثا لهم وتنبيها على معاجلة ~~الإيمان به في أوان الانتفاع به. وليكون إلزاما للحجة لهم. انتهى. ~~PageV03P443 # قال الأصبهاني: ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ~~(إلا ليؤمنن به قبل موتهم) بضم النون وإلحاق ميم الجمع. # والأسانيد إلى ابن عباس في هذا التأويل كلهم صحيحة. كما قاله ابن كثير. # وثمة وجه آخر وهو أن الضمير الأول للنبي صلى الله عليه وسلم. والثاني ~~للكتابي. رواه ابن جرير «1» : عن عكرمة قال: لا يموت النصراني ولا اليهودي ~~حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتلا الآية. قال ابن جرير: وأولى هذه ~~الأقوال بالصحة القول الأول. وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب، بعد نزول ~~عيسى عليه السلام، إلا آمن به قبل موته أي: قبل موت عيسى عليه السلام. # قال ابن كثير: ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح. لأنه المقصود من ~~سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من ~~سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك. فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك. ~~وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه. وهم لا يتبينون ذلك. ثم إنه رفعه إليه. وإنه ~~باق حي. وإنه سينزل قبل يوم القيامة. كما دلت عليه الأحاديث المتواترة. ~~فيقتل مسح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (يعني لا ~~يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف) . # فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب ms1459 حينئذ. ولا يتخلف ~~عن التصديق به واحد منهم. # ثم قال: فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن ~~بعيسى أو بمحمد عليهما السلام- فهذا هو الواقع. وذلك أن كل أحد عند احتضاره ~~ينجلي له ما كان جاهلا به فيؤمن به. ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا ~~كان قد شاهد الملك. كما قال تعالى: في أول هذه السورة: وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ... [النساء: 18] ~~. وقال تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ... الآية ويوم ~~القيامة يكون أي: # عيسى عليه السلام عليهم أي: على أهل الكتاب شهيدا أي بأعمالهم التي ~~شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء. # وبعد نزوله إلى الأرض. قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من ~~الله، وأقر بعبوديته لله عز وجل. وهكذا كقوله تعالى: PageV03P444 # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ... إلى قوله العزيز ~~الحكيم [المائدة: 116] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 160] # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) # فبظلم أي: بسبب ظلم عظيم فالتنوين للتفخيم. وهو جامع لتفصيل نقض الميثاق ~~وما عطف عليه مما استحلوه، بعد أن حرمته التوراة من الذين هادوا أي تلبسوا ~~باليهودية. وفيه تعظيم ظلمهم أيضا. إذ صدر عنهم بعد ما ادعوا أنهم من أهل ~~التوراة والرجوع إلى الحق حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم قال ابن كثير: هذا ~~التحريم قد يكون قدريا. بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم وحرفوا ~~وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم. فحرموها على أنفسهم تضييقا وتنطعا. ويحتمل أن ~~يكون شرعيا. بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم ~~قبل ذلك. كما قال تعالى: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة [آل عمران: 93] . أي: ما عدا ما ~~كان حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، ms1460 من لحوم الإبل وألبانها. ~~ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة. كما قال في سورة الأنعام: وعلى ~~الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم، وإنا ~~لصادقون [الأنعام: 146] . أي: إنما حرمنا عليهم ذلك، لطغيانهم ومخالفتهم ~~رسولهم واختلافهم عليه. # ولما ذكر ظلمهم ذكر مجامع من جزئياته بقوله تعالى وبصدهم عن سبيل الله ~~أي: الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا أعظم كثيرا أي: ناسا كثيرا. أو صدا ~~كثيرا. فهم صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق. وهذه سجية لهم متصفون ~~بها من قديم الدهر وحديثه. ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقا من ~~الأنبياء. # وكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 161] # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه أي: في التوراة وأكلهم أموال الناس بالباطل # PageV03P445 # بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة وأعتدنا للكافرين منهم أي: من اليهود ~~المصرين على الكفر. لا لمن تاب وآمن من بينهم عذابا أليما وجيعا يخلص إلى ~~قلوبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 162] # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # لكن الراسخون في العلم منهم أي: الثابتون في العلم المستبصرون فيه. # كعبد الله بن سلام. # قال الرازي: الراسخون في العلم: الثابتون فيه. وهم في الحقيقة المستدلون. # لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك. وأما المستدل فإنه لا يتشكك، البتة. # فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون أي: من الأميين اللاحقين بهم في ~~الرسوخ، بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنون بما أنزل إليك من ~~القرآن وما أنزل من قبلك على سائر الأنبياء لاطلاعهم على كمالات المنزل ~~عليك وأنه صدق ما أنزل من قبلك. # فلا بد من الإيمان به أيضا والمقيمين الصلاة قال ms1461 ابن كثير: هكذا هو في ~~مصاحف الأئمة. وكذا هو في مصحف أبي بن كعب. # قال الزمخشري: ارتفاع (الراسخون) على الابتداء. و (يؤمنون) خبره و ~~(المقيمين) نصب على المدح. لبيان فضل الصلاة. وهو باب واسع قد كسره سيبويه ~~على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف. ~~وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في ~~النصب على الاختصاص من الافتنان. وغبي عليه أن السابقين الأولين، الذين ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على ~~الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من ~~بعدهم. وخرقا يرفوه من يلحق بهم. # وقيل: هو عطف على (بما أنزل إليك) أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة ~~وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد الله (والمقيمون) بالواو. وهي قراءة مالك بن ~~دينار والجحدري وعيسى الثقفي. انتهى. # وجوز عطف (المقيمين) على الضمير في (منهم) وعطفه على الضمير في # PageV03P446 # (إليك) . والكتاب أنزل للنبي ولأتباعه. قال تعالى: يا أيها الناس قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم [يونس: 57] كذا في حواشي الشذور. وقد أشار الزمخشري ~~بقوله (كانوا أبعد همة) إلى رد ما نقل، أن عثمان رضي الله عنه، لما فرغ من ~~المصحف أتى به إليه. فقال: قد أحسنتم وأجملتم. أرى شيئا من لحن ستقيمه ~~العرب بألسنتها. ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش، لم يوجد فيه هذا. # قال الحافظ السخاوي: هذا الأثر ضعيف. والإسناد فيه اضطراب وانقطاع. لأن ~~عثمان رضي الله عنه جعل للناس إماما يقتدون به. فكيف يرى فيه لحنا ويتركه ~~لتقيمه العرب بألسنتها؟ وقد كتب مصاحف سبعة وليس فيها اختلاف قط، إلا فيما ~~هو من وجوه القراءات. وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع، كيف يقيمه غيرهم؟ # وتأول قوم اللحن في كلامه (على تقدير صحته عنه) بأن المراد الرمز ~~والإيماء كما في قوله: # منطق رائع وتلحن أحيا ... نا. وخير الكلام ما كان لحنا # أي: المراد به الرمز. بحذف بعض الحروف خطا. ms1462 كألف (الصابرين) مما يعرفه ~~القراء إذا رأوه. وكذا زيادة بعض الحروف. كذا في (عناية الراضي) والمؤتون ~~الزكاة رفعه بالعطف على الراسخون أو على الضمير في يؤمنون أو على أنه ~~مبتدأ، والخبر أولئك سنؤتيهم. والوجوه المذكورة تجري في المقيمين على قراءة ~~الرفع والمؤمنون بالله واليوم الآخر يعني: والمصدقون بوحدانية الله تعالى ~~وبالبعث بعد الموت وبالثواب والعقاب. وإنما قدم الإيمان بالأنبياء والكتب ~~وما يصدقه من اتباع الشرائع، لأنه المقصود في هذا المقام. لأنه لبيان حال ~~أهل الكتاب وإرشادهم. وهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك ويتركون بعضه. فبين لهم ما ~~يلزمهم ويجب عليهم أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما يعني الجنة. لجمعهم بين ~~الإيمان الصحيح والعمل الصالح. ### | لطيفة: # في الآية وجوه من الإعراب. أحسنها ما اعتمده أبو السعود، من أن جملة ~~أولئك سنؤتيهم إلخ خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه. وأن جملة ~~يؤمنون بما أنزل إلخ حال من المؤمنون مبينة لكيفية إيمانهم. أو اعتراض مؤكد ~~لما قبله. قال: وهذا أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث أوعد الأولون بالعذاب ~~الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم. كأنه قيل إثر قوله تعالى # PageV03P447 # وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما لكن المؤمنون منهم سنؤتيهم أجرا ~~عظيما. # وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله تعالى يؤمنون بما أنزل إلخ خبرا ~~للمبتدأ، ففي كمال السداد، خلا أنه غير متعرض لتقابل الطرفين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 163] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده اعلم أنه تعالى لما ~~حكى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من ~~السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يسألون استرشادا، ولكن للتعنت واللجاج، ~~وبين أنواعا من فضائحهم- أشار إلى رد شبهتهم. فاحتج عليهم بأنه ليس بدعا من ~~الرسل. وأمره في الوحي كسائر الأنبياء الذين يوافقون على نبوتهم. ولم ينزل ~~على كل واحد منهم ms1463 كتاب بتمامه مثل ما أنزل على موسى. وإذ لم يكن هذا من شرط ~~النبوة، وضح أن سؤالهم محض تعنت. ### | ### | تنبيه: # # قيل: بدأ بنوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام، والحلال ~~والحرام. وفي (العناية) بدأ به تهديدا لهم. لأنه أول نبي عوقب قومه. لا أنه ~~أول مشرع، كما توهم. وظاهر الآية يدل على أن من قبل نوح لم يكن يوحى له كما ~~أوحي لنبينا صلى الله عليه وسلم. لا أنه غير موحى إليه أصلا، كما قيل. ~~انتهى. وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وهم أولاد ~~يعقوب عليهم السلام وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 164] # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل أي: في السور المكية ورسلا لم نقصصهم عليك ~~أي: لم نسمهم لك في القرآن. وقد أحصى بعض المدققين أنبياء # PageV03P448 # اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين. روى في عدتهم ~~أحاديث تكلم في أسانيدها. منها # حديث أبي ذر: إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. والرسل ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر # . صححه ابن حبان. وخالفه ابن الجوزي فذكره في (موضوعاته) واتهم به ~~إبراهيم بن هاشم. وقد تكلم فيه غير واحد وكلم الله موسى تكليما يعني خاطبه ~~مخاطبة من غير واسطة. لأن تأكيد (كلم) بالمصدر يدل على تحقيق الكلام. وأن ~~موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك. # لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر. فلا يقال: أراد الحائط يسقط إرادة. ~~وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلاما في محل. فسمع موسى ذلك الكلام. قال ~~الفراء: # العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل. لكن لا تحققه ~~بالمصدر. وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. فدل قوله تعالى تكليما ~~على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم: كما أن الله ~~تعالى خص موسى عليه السلام ms1464 بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة ~~غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في ~~نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء. كذا في (اللباب) . ### | تنبيه: # يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام. فإنها من ~~أعظم مسائل الدين. وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين ~~والمتأخرين. # واضطربت فيها الأقوال. وكثرت بسببها الأهوال. وأثارت فتنا وجلبت محنا. ~~وكم سجنت إماما. وبكت أقواما. وتشعبت فيها المذاهب. واختلفت فيها المشارب. # ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة. المقتفين لأثر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم. فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين ~~بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ~~ما نصه: ### | ### | فصل # # ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان. مثل ~~الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن ~~كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود. هكذا قال غير واحد من ~~السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان ~~قال: ما زلت أسمع # PageV03P449 # الناس يقولون ذلك. القرآن الذي أنزله الله على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم. وهو كلام ~~الله لا كلام غيره. وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام ~~لمن قاله مبتدئا، لا لمن قاله مبلغا مؤديا. قال الله تعالى: وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6] . وهذا القرآن في ~~المصاحف كما قال تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ [البروج: 21- 22] . ~~وقال تعالى: يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة [البينة: 2- 3] . وقال: إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون [الواقعة: ### | 77- 78 # ] . والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه. كل ذلك يدخل في القرآن وفي ~~كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms1465 من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر ~~حسنات # . وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ ~~بعض حروفه. # ثم قال رحمه الله: والتصديق بما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله يتكلم بصوت # وينادي آدم عليه السلام بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة ~~كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى ~~غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة. ~~لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل. ولا يقال غير مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه ~~أفعال العباد. ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن ~~قديمة. بل أنكروا على من قال (لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق) وأما من قال: ~~إن المداد قديم- فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى: قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا [الكهف: 109] ، فأخبر أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال ~~(ليس القرآن في المصحف. وإنما في المصحف مداد وورق وحكاية وعبارة) فهو ~~مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو ما ~~بين الدفتين. والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز ~~بها عن سائر الأشياء. وكذلك من زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد ~~وأصواتهم قديمة، مبتدع ضال. كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت- فإنه ~~أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم- فهو ضال. كمن ~~قال: ليس في المصاحف كلام الله. وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين ~~يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط، كلام الله- فهو بمنزلة من ~~يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل # PageV03P450 # التكذيب من جانب النفي. وكلاهما خارج عن السنة والجماعة. وكذلك إفراد ~~الكلام في النقطة والشكلة بدعة، نفيا وإثباتا. وإنما حدثت ms1466 هذه البدعة من ~~مائة سنة أو أكثر بقليل. فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل ~~به قديم، فهو ضال جاهل. ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن- فهو ~~ضال مبتدع. # بل الواجب أن يقال. هذا القرآن العربي هو كلام الله. وقد دخل في ذلك ~~حروفه بإعرابها. كما دخلت معانيه. ويقال: وما بين اللوحين جميعه كلام الله. ~~فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام ~~الله. وإن كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، ~~كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام الله. فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين ~~المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له. ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ~~ليس منه. # وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت. # وقال الآخر: ليس هو بحرف ولا صوت. وقال أحدهما: النقط التي في المصحف ~~والشكل من القرآن. وقال الآخر: ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك؟ # فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة يتنازع فيها ~~كثير من الناس. ويخلطون الحق بالباطل. فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت، إن ~~أراد بذلك أن هذا القرآن الذي يقرأ للمسلمين هو كلام الله، الذي نزل به ~~الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرئيل سمعه من الله، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبرئيل، والمسلمون سمعوه من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، كما قال تعالى: قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل: ~~102] . وقال: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~[الأنعام: 114]- فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب من سلف الأمة وأئمتها. ~~والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. # ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرئيل أو ~~غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ~~ومن وافقهما- فهو قول باطل من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يقولون: ms1467 إنه معنى واحد ~~قائم بالذات. وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد. وإنه لا يتعدد ولا ~~يتبعض. وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وبالعبرانية كان توراة. ~~وبالسريانية كان إنجيلا. فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، وقل هو الله ~~أحد، وتبت يدا أبي لهب، والتوراة والإنجيل وغيرهما- معنى واحدا. وهذا قول ~~فاسد بالعقل والشرع. وهو قول أحدثه ابن كلاب. لم يسبقه إليه غيره من السلف. ~~وإن أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات # PageV03P451 # المسموعة من القراء، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي- أخطأ وابتدع، ~~وقال ما يخالف العقل والشرع. فإن # النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : زينوا القرآن بأصواتكم # . فبين أن الصوت صوت القارئ. والكلام كلام الباري. كما قال تعالى: وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6] . فالقرآن ~~الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره. كما ذكر الله ذلك. # وفي السنن «2» عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض ~~نفسه على الناس في الموقف فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد ~~منعوني أن أبلغ كلام ربي # . قالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم الم غلبت الروم: هذا كلامك أم ~~كلام صاحبك؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي. ولكنه كلام الله تعالى. # والناس إذا بلغوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم «3» # كقوله: إنما الأعمال بالنيات # - يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي صلى الله عليه وسلم. تكلم به ~~بصوته وبحروفه ومعانيه. # والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي صلى الله عليه وسلم. فالقرآن ~~أولى أن يكون كلام الله، إذا بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم. والله ~~تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه. ونادى موسى بصوت نفسه. كما ثبت ~~بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وصوت العبد ليس هو صوت الرب. ولا مثل صورته. ~~فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص ~~أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة: من أن ms1468 ~~الله ينادي بصوت. وإن القرآن كلامه تكلم بحروف وصوت. ليس منه شيء كلاما ~~لغيره. لا جبرئيل ولا غيره. وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم. ~~فالصوت المسموع من العبد صوت PageV03P452 # القارئ. والكلام كلام الباري. وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز ~~بين صوت العبد وصوت الرب. بل يجعل هذا هو هذا. فينفيهما جميعا. ويثبتهما ~~جميعا. فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن ~~يكون مناديا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله. ~~كما نفى أن يكون صوت العبد صفة لله. ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا. ~~لا فرق بين القديم والحادث. وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني، الذي ~~فيه نوع من الإلحاد والتعطيل. حيث جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا ~~حقيقة له عند التحقيق. وإذا أثبت، جعل صوت الرب هو صوت العبد، أو سكت عن ~~التمييز بينهما، مع قوله: إن الحروف متعاقبة في الوجود، مقترنة في الذات، ~~قديمة أزلية الأعيان، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته، فقال ~~في نوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل. وقد علم أن نفي الفرق ~~والمباينة، بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، خطأ وضلال. لم يذهب إليه ~~أحد من سلف الأمة وأئمتها. بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت ~~العبد. ومتفقون أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم. حروفه ومعانيه. وأنه ينادي عباده بصوته. ومتفقون على أن الأصوات ~~المسموعة من القراء أصوات العباد. وعلى أنه ليس بشيء من أصوات العباد، ولا ~~مداد المصاحف، قديما. بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين. مقروء بألسنتهم. ~~محفوظ بقلوبهم. وهو كلام الله. # والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط. لأنهم كانوا عربا ~~لا يلحنون. ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها. فإن كتبت بلا شكل ~~ولا نقط جاز. وإن كتبت بنقط وشكل جاز. ولم يكره، في أظهر قولي العلماء. وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد. ms1469 وحكم النقط والشكل حكم الحروف فإن الشكل يبين ~~إعراب القرآن، كما يبين النقط الحروف. والمداد الذي يكتب به الحروف ويكتب ~~به الشكل والنقط، مخلوق. وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف ~~بالشكل والنقط، وبغير شكل ونقط، ليس بمخلوق. وحكم الإعراب حكم الحروف. لكن ~~الإعراب لا يستقل بنفسه. بل هو تابع للحروف المنقوطة. والشكل والنقط لا ~~يستقل بنفسه. بل هو تابع للحروف المرسومة. فلهذا لا يحتاج لتجريدهما ~~وإفرادهما بالكلام. بل القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله: معانيه ~~وحروفه وإعرابه. والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم. والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم، والمكتوب في مصاحف المسلمين ~~هو كلام الله. وهو القرآن العربي # PageV03P453 # الذي أنزل على نبيه. سواء كتب بشكل ونقط، أو بغير شكل ونقط. والمداد الذي ~~كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق. والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد ~~هو كلام الله منزل، غير مخلوق. والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين. لأن ~~كلام الله مكتوب فيها. واحترام النقط والشكل، إذا كتب المصحف مشكلا منقوطا، ~~كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين. كما أن حرمة إعراب القرآن كحرمة ~~حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين. ولهذا قال أبو بكر وعمر: حفظ إعراب القرآن ~~أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه. فجميعه ~~كلام الله. فلا يقال: بعضه كلام الله وبعضه ليس بكلام الله. وهو سبحانه ~~نادى موسى. بصوت سمعه موسى. فإنه قد أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من ~~القرآن. كما قال تعالى: هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ~~[النازعات: ### | 15- 16 # ] .. والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق أهل اللغة. وقد قال تعالى: إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان، وآتينا ~~داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله ~~موسى تكليما [النساء: 163- 164] . فقد فرق الله بين إيحائه إلى النبيين ~~وبين تكليمه لموسى. فمن قال: ms1470 إن موسى لم يسمع صوتا، بل ألهم معناه- لم يفرق ~~بين موسى وغيره. وقد قال تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض. منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات [البقرة: 253] ، وقال تعالى: وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~[الشورى: 51] . # فقد فرق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب. كما كلم الله موسى. فمن سوى ~~بين هذا وهذا، كان ضالا. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره: لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء. وهو يتكلم بمشيئته وقدرته. يتكلم بشيء بعد شيء. كما قال ~~تعالى: فلما أتاها نودي يا موسى [طه: 11] فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ~~ذلك. وقال تعالى: # فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين [الأعراف: 22] . فهو سبحانه ناداهما حين ذاقا ~~الشجرة. ولم ينادهما قبل ذلك. وكذلك قال تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [الأعراف: 11] . بعد أن خلق آدم وصوره. ولم ~~يأمرهم قبل ذلك. وكذا قوله: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ~~ثم قال له # PageV03P454 # كن فيكون # [آل عمران: 59] . فأخبر أنه قال له: كن فيكون. بعد أن خلقه من تراب. ومثل ~~هذا الخبر في القرآن كثير. يخبر أنه تكلم في وقت معين. ونادى في وقت معين. # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج إلى ~~الصفا قرأ قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة: 158] . ~~قال: نبدأ بما بدأ الله به. # فأخبر أن الله بدأ بالصفا قبل المروة. # والسلف اتفقوا على أن كلام الله منزل غير مخلوق. منه بدأ وإليه يعود. فظن ~~بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين. ثم قالت طائفة: هو معنى واحد. وهو ~~الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهي والخبر بكل مخبر. إن عبر عنه بالعربية ~~كان قرآنا، وإن عبر ms1471 عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان ~~إنجيلا. وهذا القول مخالف للشرع والعقل. وقالت طائفة: هو حروف وأصوات قديمة ~~الأعيان، لازمة لذات الله، لم تزل لازمة لذاته. وأن الباء والسين والميم ~~موجودة مقترنة بعضها ببعض معا. أزلا وأبدا. لم تزل ولا تزال. لم يسبق منها ~~شيء شيئا. وهذا أيضا مخالف للشرع والعقل. وقالت طائفة: إن الله لا يتكلم ~~بمشيئته وقدرته. وإنه في الأزل كان متكلما بالنداء الذي سمعه موسى. وإنما ~~تجدد استماع موسى. لا أنه ناداه حين أتى الوادي المقدس، بل ناداه قبل ذلك ~~بما لا يتناهى. ولكن تلك الساعة سمع النداء. # وهؤلاء وافقوا الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، في أصل قولهم. فإن أصل ~~قولهم: إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية. فلا يقوم به كلام ولا فعل ~~باختياره ومشيئته. وقالوا: # هذه حوادث. والرب لا تقوم به الحوادث. فخالفوا صحيح المنقول وصريح ~~المعقول. # واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم. وأخطئوا في ~~ذلك. فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا. وادعوا أن الرب لم يكن قادرا ~~في الأزل على كلام يتكلم به، ولا فعل يفعله. وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن ~~قادرا. بغير أمر حدث. أو يغيرون العبارة فيقولون: لم يزل قادرا. لكن ~~يقولون: إن المقدور كان ممتنعا. وإن الفعل صار ممكنا له، بعد أن صار ممتنعا ~~عليه. من غير تجدد شيء. # وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا: كان قادرا في الأزل على ما يمكن، فيما لا ~~يزال على ما لا يمكن في الأزل. فيجمعون بين النقيضين. حيث يثبتونه قادرا في ~~حال كونه المقدور عليه ممتنعا عندهم. ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل، ~~وبين عينه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا. بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله ~~المعين قديم PageV03P455 # بقدمه. فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول. فإن الأدلة لا ~~تدل على قدم شيء بعينه من العالم. بل تدل على أن ما سوى الله مخلوق حادث. ~~بعد أن لم يكن. إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته. ms1472 كما تدل على ذلك الدلائل ~~القطعية. والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما، بصريح العقل واتفاق ~~عامة العقلاء. بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته. ولا يتصور ~~مقارنة مفعوله المعين، له. ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة. فكيف بالفاعل ~~بالإرادة؟ وما يذكر بأن المعلول يقارن علته، إنما يصح فيما كان من العلل ~~يجري مجرى الشروط. فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط. بل قد يقارنه. ~~كما تقارن الحياة العلم. وأما ما كان فاعلا، سواء سمي علة أو لم يسم، فلا ~~بد أن يتقدم على الفعل المعين. والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من ~~مفعولاته. ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلتزمه مفعول معين. وقول القائل (حركت ~~يدي فتحرك الخاتم) هو من باب الشروط لا من باب الفاعلين. ولأنه لو كان ~~العالم قديما لكان فاعله موجبا بذاته في الأزل. ولم يتأخر عنه موجبه ~~ومقتضاه. ولو كان كذلك لم يحدث شيئا من الحوادث. وهذا خلاف المشاهدة. وإن ~~كان هو سبحانه لم يزل قادرا على الكلام والفعل. بل لم يزل متكلما إذ شاء، ~~فاعلا لما يشاء، ولم يزل موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال ~~والإكرام. والعالم فيه من الإحكام والإتقان ما دل على علم الرب. وفيه من ~~الاختصاص ما دل على مشيئته. وفيه من الإحسان ما دل على رحمته. وفيه من ~~العواقب الحميدة ما دل على حكمته. وفيه من الحوادث ما دل على قدرة الرب ~~تعالى. مع أن الرب مستحق لصفات الكمال لذاته، فإنه مستحق لكل كمال ممكن ~~للوجود. لا نقص فيه. منزه عن كل نقص. وهو سبحانه ليس له كفؤ في شيء من ~~أموره. فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل. منزه فيها عن التشبيه ~~والتمثيل. ومنزه عن النقائص مطلقا. فإن وصفه بها من أعظم الأباطيل. وكماله ~~من لوازم ذاته المقدسة. لا يستفيده من غيره. بل هو المنعم على خلقه بالخلق ~~والإنشاء. وما جعله فيهم من صفات الأحياء. وخالق صفات الكمال أحق بها من لا ~~كفؤ له ms1473 فيها وأصل اضطراب الناس في مسألة كلام الله، أن الجهمية والمعتزلة، ~~لما ناظرت الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات ~~والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا. بناء على أن ما لا يتناهى لا يمكن ~~وجوده. # والتزموا أن الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام. بل كان ذلك ~~ممتنعا عليه. وكان معطلا عن ذلك. وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرا في ~~الأزل على # PageV03P456 # الفعل فيما لا يزال، مع امتناع الفعل عليه في الأزل. فيجمعون بين ~~النقيضين. حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته. إذ كان الفعل ~~يستلزم أن يكون له أولا. والأزل لا أول له. والجمع بين إثبات الأولية ~~ونفيها جمع بين النقيضين. ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية ~~والحدوث. وهو الفعل المعين والمفعول المعين. وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع ~~الفعل والكلام. بل هذا يكون دائما. وإن كان كل من آحاده حادثا. كما يكون ~~دائما في المستقبل، وإن كان كل من آحاده فانيا. بخلاف خالق يلزمه مخلوقه ~~المعين دائما، فإن هذا هو الباطل في صريح العقل وصحيح النقل. ولهذا اتفقت ~~فطر العقلاء على إنكار ذلك. لم ينازع فيه إلا شرذمة من المتفلسفة، كابن ~~سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول قد يكون قديما واجب الوجود ~~بغيره. فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء. مع مخالفتهم لسلفهم، أرسطو وأتباعه، ~~فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك. وإن قالوا بقدم الأفلاك. وأرسطو أول من قال ~~بقدمها من الفلاسفة المشائين. بناء على إثبات علة غاية لحركة الفلك. # بتحرك الفلك للنسبة بها. لم يثبتوا له فاعلا مبتدعا. ولم يثبتوا ممكنا ~~قديما واجبا بغيره. وهم، وإن كانوا أجهل بالله وأكفر من متأخريهم، فهم ~~يسلمون لجمهور العقلاء، أن ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا محدثا مسبوقا ~~بالعدم. فاحتاجوا أن يقولوا: كلامه مخلوق منفصل عنه. وطائفة وافقتهم على ~~امتناع وجود ما لا نهاية له. # لكن قالوا: تقوم به الأمور الاختيارية. فقالوا: إنه في الأزل لم يكن ~~متكلما، بل ms1474 ولا كان الكلام مقدورا له. ثم صار متكلما بلا حدوث حادث، بكلام ~~يقوم به. وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم. وطائفة قالت: إذا كان القرآن ~~غير مخلوق، فلا يكون إلا قديم العين، لازما لذات الرب. فلا يتكلم بمشيئته ~~وقدرته. ثم منهم من قال: هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض. ومنهم من قال: ~~إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات. وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة ~~في أصل قولهم أنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته. وأنه لا تقوم ~~به الأمور الاختيارية. وأنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض. ~~ولن يأتي يوم القيامة. ولم يناد موسى حين ناداه. ولا تغضبه المعاصي ولا ~~ترضيه الطاعات. ولا تفرحه توبة التائبين. وقالوا في قوله: وقل اعملوا فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون [التوبة: 105] ، ونحو ذلك، أنه لا يراها إذا ~~وجدت. بل إما أنه لم يزل رائيا لها. وإما أنه لم يتجدد شيء موجود، بل تعلق ~~معدوم. إلي أمثال هذه المقالات التي خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة. مع ~~مخالفة صريح العقل. والذي ألجأهم لذلك، موافقتهم للجهمية على # PageV03P457 # أصل قولهم: في أنه سبحانه لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام. وخالفوا ~~السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله متكلما إذا شاء. ثم افترقوا أحزابا ~~أربعة كما تقدم: # الخلقية. والحدوثية. والاتحادية. والاقترانية. وشر من هؤلاء الصائبة ~~والفلاسفة. # الذين يقولون: إن الله لم يتكلم لا بكلام قائم بذاته، ولا بكلام يتكلم به ~~بمشيئته وقدرته. لا قديم النوع ولا قديم العين. ولا حادث ولا مخلوق. بل ~~كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء. ويقولون: إنه كلم موسى من سماء ~~عقله. وقد يقولون إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات. فإنه إنما يعلمها ~~على وجه كلي. ويقولون، مع ذلك: إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله. وقولهم (يعلم ~~نفسه ومفعولاته) حق، كما قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~[الملك: 14] . لكن قولهم، مع ذلك (إنه لا يعلم الأعيان المعينة) جهل ~~وتناقض. فإن نفسه المقدسة معينة. # والأفلاك معينة. وكل موجود ms1475 معين. فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئا من ~~الموجودات. إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان. فمن لم ~~يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات: تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. # وهم، إنما ألجأهم إلى هذا الإلحاد فرارهم من تجدد الأحوال للباري تعالى. ~~إن هؤلاء يقولون: إن الحوادث تقوم بالقديم. وإن الحوادث لا أول لها. لكن ~~نفوا ذلك عن الباري. لاعتقادهم أنه لا صفة له. بل هو وجود مطلق. وقالوا: إن ~~العلم نفس عين العالم. والقدرة نفس عين القادر. والعلم والعالم شيء واحد. ~~والمريد والإرادة شيء واحد. فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى. وجعلوا الصفات هي ~~الموصوف. ومنهم من يقول: بل العلم كل المعلوم. كما يقوله الطوسي صاحب (شرح ~~الإشارات) فإنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه. ~~وابن سينا أقرب إلى الصواب. # لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به، وجعل الصفة عين الموصوف، وكل ~~صفة هي الأخرى. ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول: # معاني الكلام شيء واحد. لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا: إذا جاز أن ~~تكون المعاني المتعددة شيئا واحدا، جاز أن يكون العلم هو القدرة، والقدرة ~~على الإرادة. # فاعترف حذاق أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه. ثم قالوا: وإذا جاز أن ~~تكون هذه الصفة هي الأخرى، جاز أن تكون الصفة هي الموصوف. فجاء ابن عربي ~~وابن سبعين والقونوي ونحوهم، فقالوا: إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى ~~والصفة هي الموصوف، جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق، هو الموجود ~~الممكن المحدث المخلوق. فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو عين وجود الخالق. ~~وقالوا: # PageV03P458 # الوجود واحد. ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين. كما لم يفرق ~~أولئك بين الكلام الواحد بالعين، والكلام الواحد بالنوع. وكان منتهى أمر ~~أهل الإلحاد في الكلام، إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد. الذي قاله أهل ~~الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات. كما أن الذين لم يفرقوا بين ~~نوع الكلام ms1476 وعينه، وقالوا: هو يتكلم بحرف وصوت قديم، قالوا: أولا إنه لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا تسبق الباء السين، بل لما نادى موسى فقال: إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. إني أنا الله رب العالمين، كانت الهمزة ~~والنون وما بينهما موجودا في الأزل، يقارن بعضها بعضا، لم تزل ولا تزال ~~لازمة لذات الله. ثم قال فريق منهم: إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة ~~من القراء. وقال بعضهم: بل المسموع صوتان: قديم ومحدث. # وقال بعضهم: أشكال المداد قديمة أزلية. وقال بعضهم: محل المداد قديم ~~أزلي. # وحكي عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ~~ولا يفهمون معناه. بل منهم من يظن أنه قديم في علمه. ومنهم من يظن أن معناه ~~متقدم على غيره. ومنهم من يظن أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق. ومنهم من لا ~~يميز بين ما يقول. فصار هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات. ومنهم من يقول ~~بالحلول والاتحاد في الذات والصفات. وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى ~~التعطيل. والصواب في هذا الباب وغيره، مذهب سلف الأمة وأئمتها: أنه سبحانه ~~لم يزل متكلما إذا شاء. وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته. وأن كلماته لا نهاية ~~لها. وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى. وإنما ناداه حين أتى. لم يناده قبل ~~ذلك. وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم. ~~وقدرته لا تماثل قدرتهم. وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته. ليس ~~في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته القائمة بذاته. # ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وأن أقوال أهل التعطيل والاتحاد الذين ~~عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال- باطلة. وأقوال أهل الحلول ~~الذين يقولون بالحلول في الذات والصفات- باطلة. وهذه الأمور مبسوطة في غير ~~هذا الموضع. وقد بسطناها في (الواجب الكبير) . والله أعلم بالصواب. (وقال ~~تقي الدين أيضا في مقالة له في هذا البحث) : أول من أظهر إنكار التكليم ~~والمخالة الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية. وأمر علماء الإسلام، ~~كالحسن البصري وغيره، بقتله. ms1477 فضحى به خالد بن عبد الله القسري، أمير العراق ~~بواسط. فقال: أيها الناس ضحوا. تقبل الله ضحاياكم. فإني مضح بالجعد بن ~~درهم. إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا. # ولم يكلم موسى تكليما. تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. # PageV03P459 # ثم نزل فذبحه. وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان. فأنكر أن يكون الله يتكلم. # ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام وقال: كلامه يخلق في محل كالهواء وورق ~~الشجر. ودخل بعض أهل الكلام أو الجدل، من المنتسبين إلى الإسلام، من ~~المعتزلة ونحوهم، في بعض مقالة الصابئة والمشركين. متعاقبة للجعد والجهم. ~~وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في الخلق على قولين: منهم من يقول: إن السموات ~~مخلوقة بعد أن لم تكن. كما أخبرت بذلك الرسل وكتب الله تعالى. ومنهم من ~~ابتدع فقال: بل هي قديمة أزلية. لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود ~~بنفسه. ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية. ولهم مقالات كثيرة الاضطراب، في ~~الخلق والبعث والمبدأ والمعاد. # لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل من الله تعالى يجمعهم. والظنون لا تجمع ~~الناس في مثل هذه الأمور. التي تعجز الآراء عن درك حقائقها إلا بوحي من ~~الله تعالى. وهم إنما يناظر بعضهم بعضا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور ~~الطبيعية السفلية. وقوى الطبائع الموجودة في التراب والماء والهواء. ~~والحيوان والمعدن والنبات. ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة ~~الله، وعلم ما فوق السموات. وأول الأمر وآخره. وهذا غلط بين. اعترف ~~أساطينهم بأن هذا غير ممكن. وأنهم لا سبيل لهم إلى إدراك اليقين. وأنهم إن ~~يتبعون إلا الظن. فلما كان حال هذه الصائبة المبتدعة الضالة ومن أضلوه من ~~اليهود والنصارى، وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهتد بهدى الله الذي بعث ~~به رسله، من أهل الكلام والجدل- صاروا يريدون أن يأخذوا مآخذهم. كما # أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «1» : لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع. قالوا يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا ~~فارس والروم؟ # فاحتجوا على حدوث العالم بنحو ms1478 من مسالك هذه الصابئة. وهو الكلام في ~~الأجسام والأعراض. بأن تثبت الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام. ثم حدوثها. ثم ~~يقال ما لا يسبق الحوادث فهو حادث. واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في ~~إثبات حدوث العالم. فلما رأوا أن الأعراض، التي هي الصفات، تدل عندهم على ~~حدوث الموصوف الحامل للأعراض- التزموا نفيها عن الله. لأن ثبوتها مستلزم ~~حدوثه. # وبطلان دليل حدوث العالم الذي اعتقدوا أن لا دليل سواه بل ربما اعتقدوا ~~أنه لا PageV03P460 # يصح إيمان أحد إلا به معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. وهؤلاء يخالفون ~~الصابئة الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وبأن النبوة كمال يفيض على نفس ~~النبي. لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا وأتبع للأدلة العقلية والسمعية، لما ~~تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن. وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما ~~جاء به الرسل. لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها. فوافقوا ~~أولئك على أن الله لم يتكلم. كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا ~~صفة من الصفات. ورأوا أن إثباته متكلما يقتضي أن يكون جسما. والجسم حادث. ~~لأنه من الصفات الدالة على حدوث الموصوف. بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم ~~من غيره. لأنه يفتقر من المخارج إلى ما لا يفتقر إليه غيره. ولأن فيه من ~~الترتيب والتقديم والتأخير ما ليس في غيره. ولما رأوا أن الرسل اتفقت على ~~أنه متكلم، والقرآن مملوء من إثبات ذلك- صاروا تارة يقولون: متكلم مجازا لا ~~حقيقة. وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم على الفطرة. قبل أن يدخلوا في ~~المعاندة والجحود. ثم إنهم رأوا هذا شنيعا فقالوا: # بل هو متكلم حقيقة. وربما حكى بعض متكلميهم الإجماع. وليس عندهم كذلك. # بل حقيقة قولهم وأصله، عند من عرفه وابتدعه: إن الله ليس بمتكلم. وقالوا: # المتكلم من فعل الكلام، ولو في محل منفصل عنه. ففسروا المتكلم في اللغة ~~بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم، لا حقيقة ولا مجازا. وهذا قول من ~~يقول: القرآن مخلوق. وهو أحد قولي ms1479 الصابئة الذين يوافقون الرسل في حدوث ~~العالم. وهو وإن كفر بما جاءت به الرسل، فليس هو في الكفر مثل القول الأول. ~~لأن هؤلاء لا يقولون: # إن الله أراد أن يبعث رسولا معينا، وأن ينزل عليه هذا الكلام الذي خلقه. ~~وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية، واتفقت ~~عليه أهل الفطرة السليمة. ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة، وبينا ~~لمؤمنين أتباع الرسل، الخلاف. فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف ~~الله بالكلام والتكليم. # واختلفوا في كتاب الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. واتبع المؤمنون ما أنزل ~~إليهم من ربهم من أن الله تكلم بالقرآن. وأنه كلم موسى تكليما. وأنه يتكلم. ~~ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون. بل ردوا تحريف أولئك ببصائر ~~الإيمان، الذي علموا به مراد الرسل من أخبارهم برسالة الله وكلامه. وتبعوا ~~هذا القرآن والحديث وإجماع السلف من الصحابة والتابعين وسائر أتباع ~~الأنبياء. وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصارى. حتى كان ابن ~~المبارك إمام المسلمين يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع ~~أن نحكي كلام الجهمية. وكان قد كثر # PageV03P461 # ظهور هؤلاء، الذين هم فروع المشركين، ومن اتبعهم، من مبدلة الصابئين ثم ~~مبدلة اليهود والنصارى في أوائل المائة الثانية وأوائل الثالثة، في إمارة ~~أبي العباس الملقب بالمأمون، بسبب تعريب كتب الروم المشركين الصابئين. ~~الذين كانوا قبل النصارى، ومن أشبههم من فارس والهند. وظهرت علوم الصابئين ~~المنجمين ونحوهم. وقد تقدم أن أهل الكلام المبتدع في الإسلام هم من فروع ~~الصابئين. كما يقال: المعتزلة مخانيث الفلاسفة. فظهرت هذه المقالة في أهل ~~العلم والكلام. وفي أهل السيف والإمارة. وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء ~~والوزراء والقضاة والفقهاء، ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات والمسلمين ~~والمسلمات. الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم. # ولم يبدلوا ويبتدعوا. وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم، في معرفة حقيقة ما ~~جاء به الرسول وأتباعه. ### | فصل # فجاء قوم من متكلمي الصفاتية الذين نصروا أن الله له علم وقدرة وبصر ~~وحياة، ms1480 بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية. وفرقوا بين الصفات ~~القائمة بالجواهر فجعلوها أعراضا وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها ~~أعراضا. لأن العرض ما لا يدوم وما لا يبقى. أو ما يقوم بمتحيز أو جسم. ~~وصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام. وهؤلاء أهل ~~الكلام القياسي من الصفاتية، فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في ~~كثير من أمورهم. وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي عليها. ~~كالصفات السبع. وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. ~~ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام. هل هو من الصفات العقلية أو الصفات ~~النبوية الخبرية السمعية؟ ولهم اختلاف في البقاء والقدم. وفي الإدراك الذي ~~هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات. ولهم أيضا اختلاف في الصفات ~~السمعية القرآنية الخبرية. كالوجه واليد. فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها. ~~وكثير من متأخريهم لا يثبتها. وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا ~~يثبتها. ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس ~~العقلي عنده. ومنهم من يفوض معناها. وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس ~~فيما يتعلق بسائر الصفات. وإنما المقصود القول في رسالة الله وكلامه الذي ~~بلغته رسله. فكان هؤلاء، بينهم وبين أهل الوراثة النبوية، قدر مشترك بما ~~ملكوه من الطرق الصائبة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته. فصار في مذهبهم في # PageV03P462 # الرسالة تركيب من الوراثتين. لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع ~~الصابئة. كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة، تركيب. وليس ~~بين الأثارة النبوية وبين الأثارة الصابئة. لكن أولئك أشد اتباعا للأثارة ~~النبوية، وأقرب إلى مذاهب أهل السنة، من المعتزلة ونحوهم، من وجوه كثيرة. ~~ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه والحديث والتصوف، لوجوه: ~~أحدها- كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الأثارة النبوية عندهم. الثاني- لبسهم ~~ذلك بمقاييس عقلية بعضهما موروث عن الصابئة وبعضها مما ابتدع في الإسلام. ~~واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم. وظنهم أنه لم يكن التمسك بالأثارة ~~النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه. الثالث- ضعف الأثارة ms1481 ~~النبوية الدافعة لهذه الشبهات والموضحة لسبيل الهدى عندهم. الرابع- العجز ~~والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث. تارة يرون ما يعلمون ~~صحته. وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن ~~بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور. فلما كان هذا منهاجهم، وقالوا: ~~إن القرآن غير مخلوق، لما دل على ذلك من النصوص وإجماع السلف. ولما رأوا ~~أنه مستقيم على الأصل الذي قرروه في الصفات، ورأوا أن التوفيق بين النصوص ~~النبوية السمعية، وبين القياس العقلي، لا يستقيم إلا أن يجعلوا القرآن معنى ~~قائما بنفس الله تعالى كسائر الصفات. كما جعله الأولون من باب المصنوعات ~~المخلوقات، لا قديما كسائر الصفات. ورأوا أنه ليس إلا مخلوقا أو قديما، فإن ~~إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضي حلول الحوادث بذاته، وهو دليل على حدوث ~~الموصوف، ويبطل لدلالة حدوث العالم، ثم رأوا أنه لا يجوز أن يكون معاني ~~كثيرة، بل إما معنى واحدا عند طائفة، أو معاني أربعة عند طائفة، ولتزموا ~~على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم بالنفس، وأن الحروف والأصوات ~~ليست من حقيقة الكلام، بل دالة عليه. فتسمى باسمه إما مجازا عند طائفة أو ~~حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة. وإما مجازا في كلام الله، حقيقة في غيره ~~عند طائفة. وخالفهم الأولون وبعض من يستنن أيضا، وقالوا: لا حقيقة للكلام ~~إلا الحروف والأصوات، وليس وراء ذلك معنى إلا العلم ونوعه، أو الإرادة ~~ونوعها. فصار النزاع بين الطائفتين. # وادعى هؤلاء أن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام إضافية. ليست أنواعا له ~~وأقساما. # وأن كلام الله معنى واحد. إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن. وبالعبرية فهو ~~توراة. # وبالسريانية فهو إنجيل. وقال لهم أكثر الناس: هذا معلوم الفساد بالضرورة. ~~كما قال الأولون: إنه خلق الكلام في الهواء فصار متكلما به. وإن المتكلم من ~~أحدث الكلام # PageV03P463 # ولو في ذات غير ذاته. وقال لهم أكثر الناس: إن هذا معلوم الفساد ~~بالضرورة. وقال الجمهور من جميع الطوائف: إن الكلام اسم للفظ والمعنى ~~جميعا. كما أن الإنسان المتكلم اسم للروح ms1482 والجسم جميعا. وإنه إذا أطلق على ~~أحدهما فبقرينة. وإن معاني الكلام متنوعة ليست منحصرة في العلم والإرادة، ~~كتنوع ألفاظه. وإن كانت المعاني أقرب إلى الاتحاد والاجتماع. والألفاظ أقرب ~~إلى التعدد والتفرق. والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة. وإن لم يكن عندهم ~~المعنى الذي هو كلام الله مخلوقا. # وفرقوا بين كتاب الله وكلامه. فقالوا: كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق. ~~وكلام الله هو معناها غير مخلوق. وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن ~~الذي قال الأولون: # إنه مخلوق. واختلف هؤلاء أين خلقت هذه الحروف؟ هل خلقت في الهواء أو في ~~نفس جبرئيل أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد؟ وأما جمهور الأمة وأهل ~~الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب ~~والأثارة من العلم. وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا، لم يشوبوه بما ~~يخالفه من مقالة الصابئين. وهو أن القرآن كله كلام الله. لا يجعلون بعضه ~~كلام الله وبعضه ليس كلام الله. والقرآن هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنه ~~القرآن. حروفه ومعانيه. والأمر والنهي. هو اللفظ والمعنى جميعا. ولهذا كان ~~الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف: الحنفيه والمالكية ~~والشافعية والحنبلية، إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء، إذا تكلموا ~~في الأمر والنهي، ذكروا ذلك، وخالفوا من قال: إن الأمر هو المعنى المجرد. ~~ويعلمون أهل الأثارة النبوية أهل السنة والحديث وعامة المسلمين الذين هم ~~جماهير أهل القبلة أن قوله تعالى: الم ذلك الكتاب لا ريب فيه [البقرة: 1- ~~2] . ونحو ذلك هو كلام الله لا كلام غيره. وكلام الله هو ما تكلم به، لا ما ~~خلقه في غيره ولم يتكلم هو به. # (وسئل تقي الدين أيضا) ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين رضي ~~الله عنهم أجمعين، فيمن يقول: الكلام غير المتكلم والقول غير القائل. ~~والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له معنى. بينوا لنا ذلك بيانا شافيا ~~ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد. أثابكم الله بمنه. # (فأجاب رحمه الله) : الحمد لله. من قال: إن الكلام غير المتكلم، والقول ms1483 ~~غير القائل، وأراد أنه مبائن له ومنفصل عنه، فهذا خطأ وضلال. وهو من يقول: ~~إن القرآن مخلوق. فإنهم يزعمون أن الله لا تقوم به صفة من الصفات لا القرآن ~~ولا غيره. # ويهمون الناس بقولهم: العلم غير العالم، والقدرة غير القادر، والكلام غير ~~المتكلم. # PageV03P464 # ثم يقولون: وما كان غير الله فهو مخلوق. وهذا تلبيس منهم. فإن لفظ ~~(الغير) يراد به ما يجوز مبائنته للآخر ومفارقته له. وعلى هذا فلا يجوز أن ~~يقال: علم الله غيره ولا كلامه غيره. ولا يقال: إن الواحد من العشرة غيرها. ~~وأمثال ذلك. وقد يقال بلفظ (الغير) ما ليس هو الآخر. وعلى هذا فتكون الصفة ~~غير الموصوف. ولكن على هذا المعنى، لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة ~~بصفاته- مخلوقا. لأن صفاته ليست هي الذات. لكن قائمة بالذات. والله سبحانه ~~وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله. وليس الاسم اسما لذات لا ~~صفات لها. بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها. والصواب في مثل هذا أن يقال: ~~الكلام صفة المتكلم. # والقول صفة القائل. وكلام الله ليس مبائنا منه. بل أسمعه لجبرئيل ونزله ~~به على محمد صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك بالحق. ولا يجوز أن يقال: إن كلام الله فارق ذاته ~~وانتقل إلى غيره. # بل يقال كما قال السلف: إنه كلام الله غير مخلوق. منه بدا وإليه يعود. # فقولهم (منه بدا) رد على من قال (إنه مخلوق في بعض الأجسام، ومن ذلك ~~المخلوق ابتدأ) فبينوا أنه الله هو المتكلم به. ومنه بدا، لا من بعض ~~المخلوقات. # (وإليه يعود) أي: فلا يبقى في الصدور منه آية، ولا في المصاحف حرف. وأما ~~القرآن فهو كلام الله. فمن قال: إن القرآن، الذي هو كلام الله، غير الله- ~~فخطؤه وتلبيسه كخطإ من قال: إن الكلام غير المتكلم. وكذلك من قال: إن الله ~~له مقروء غير القرآن الذي تكلم به، فخطؤه ظاهر. وكذلك: أن القرآن الذي ~~يقرؤه المسلمون غير المقروء الذي يقرؤه المسلمون- فقد أخطأ. ms1484 وإن أراد ~~بالقرآن مصدر (قرأ يقرأ قراءة وقرآنا) وقال: أردت القراءة غير المقروء، ~~فلفظ القراءة مجمل قد يراد بالقراءة القرآن، وقد يراد بالقراءة المصدر، فمن ~~جعل القراءة التي هي المصدر، قال: القارئ غير المقروء. كما يجعل التكلم ~~الذي فعله غير الكلام الذي هو يقول، وأراد ب (الغير) أنه ليس هو إياه- فقد ~~صدق. فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلا كالحركة، ويتضمن ما ~~يقترن بالفعل من الحروف والمعاني. ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة، ~~وقسيما منه أخرى. فالأول كما يقال: الإيمان قول وعمل. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به ~~أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم. # ومنه قوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه PageV03P465 # [فاطر: 10] . ومنه قوله تعالى: وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ~~ولا تعملون من عمل [يونس: 61] . وأمثال ذلك فيما يفرق فيه بين القول ~~والعمل. # وأما دخول القول في العمل ففي مثل قوله تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون [الحجر: 92- 93] . وقد فسروه بقوله: لا إله إلا الله. # ولما سئل «1» : # أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله. # مع # قوله «2» : الإيمان بضع وسبعون. والحياء شعبة من الإيمان. أفضلها وأعلاها ~~قول: لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق # . ونظائر ذلك متعددة. وقد تنوزع فيمن حلف لا يعمل عملا، إذا قال قولا ~~كالقراءة، هل يحنث؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. بناء على هذا. فهذه ~~الألفاظ التي فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها، وإلا وقع فيها نزاع ~~واضطراب، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى. كلام تقي الدين رحمه الله ~~تعالى. # وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (الرد على الجهمية) : سألت أبي عن ~~قوم يقولون (لما كلم الله موسى) : لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى. تكلم جل ~~ثناؤه بصوت. هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود «3» : ~~PageV03P466 # إذا تكلم الله تعالى سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان. قال: وهذه ~~الجهمية تنكره. وهؤلاء ms1485 كفار يريدون أن يموهوا على الناس. ثم قال: حدثنا ~~المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبيد الله قال: إذا تكلم الله ~~تبارك وتعالى بالوحي، سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا. # وقال السفاريني في (شرح العقيدة) : روى في إثبات الحرف والصوت أحاديث ~~تزيد على أربعين حديثا. وأخرج الإمام أحمد غالبها، واحتج به. وأخرج الحافظ ~~ابن حجر أيضا في (شرح البخاري) واحتج بها البخاري وغيره من أئمة الحديث. ~~على أن الحق سبحانه يتكلم بحرف وصوت. وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه، ~~واعتمدوا على ذلك، منزهين الله تعالى عما لا يليق بجلاله. من شبهات الحدوث ~~وسمات النقص. كما قالوا في سائر الصفات، معتمدين على ما صح عندهم من صاحب ~~الشريعة المعصوم في أقواله، الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. # وقال الإمام الواسطي ابن شيخ الحرمين الشافعي في (عقيدته) : إنني: كنت ~~برهة من الدهر متحيرا في ثلاث مسائل: مسألة الصفات، ومسألة الفوقية، ومسألة ~~الحرف والصوت في القرآن المجيد. وكنت متحيرا في الأقوال المختلفة الموجودة ~~في كتب أهل العصر في جميع ذلك. من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها ~~والوقوف فيها. أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل. فأجد ~~النصوص في كتاب الله وسنة رسوله ناطقة مبينة لحقائق هذه الصفات. وكذلك في ~~إثبات العلو والفوقية، وكذلك في الحرف والصوت. ثم أجد المتأخرين من ~~المتكلمين في كتبهم، منهم من تأول الاستواء بالقهر والاستيلاء. وتأول ~~النزول بنزول الأمر. وتأول اليدين بالنعمتين والقدرتين. وتأول القدم بقدم ~~صدق عند ربهم. وأمثال ذلك. ثم أحدهم مع ذلك يجلون كلام الله معنى قائما ~~بالذات، بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم. ~~ومعنى ذلك إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة. مثل بعض فقهاء ~~الأشعرية الشافعيين. لأني على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، عرفت فرائض ~~ديني وأحكامه. فأجد مثل هؤلاء الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال. وهم ~~شيوخي. ولي فيهم الاعتقاد التام. لعلمهم وفضلهم. ثم إنني مع ذلك ms1486 أجد في ~~قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها. وأجد الكدر والظلمة ~~منها. وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها. # فكنت كالمتحير. المضطرب في تحيره. المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره. # وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول، مخافة الحصر # PageV03P467 # والتشبيه. ومع ذلك، فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ~~أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني. وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قد صرح بها مخبرا عن ربه، واصفا له بها. ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص ~~ويؤولها كما تأولها هؤلاء الفقهاء المتكلمون. ثم قال: والذين أولوا ما ~~أولوا، هو أنهم ما فهموا في صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين. فلذلك حرفوا ~~الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصفه الحق به نفسه. ولو علموا أن هذه الصفات هي ~~كلها ثابتة له، كما يليق بجلاله وعظمته، لا على ما نعقل من صفات المخلوقين، ~~لسلموا من التشبيه والتأويل المؤدي إلى التعطيل. # ثم قال: ومسألة الحرف والصوت تساق هذا المساق. فإن الله تعالى قد تكلم ~~بالقرآن المجيد بجميع حروفه. فقال تعالى: المص [الأعراف: 1] . وقال: ق، ~~والقرآن المجيد [ق: 1] . وكذلك جاء في # الحديث «1» : فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب # . وفي # الحديث: لا أقول (آلم) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف. # فهؤلاء ما فهموا من كلام الله إلا ما فهموه من كلام المخلوقين. قالوا: ~~إذا قلنا بالحرف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات. وكذلك إذا قلنا ~~بالصوت أدى ذلك إلى الحلق والحنجرة. فعملوا بهذا من التخبيط كما عملوا فيما ~~تقدم من الصفات. والتحقيق هو أن الله تعالى تكلم بالحروف كما يليق بجلاله ~~وعظمته فإنه قادر- والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات. وكذلك له صوت ~~يليق به يسمع. ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة. فكلام الله ~~كما يليق به، وصوته كما يليق به. ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه، ~~لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات. فإنهما في جناب ms1487 الحق لا يفتقران إلى ~~ذلك. وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله: هذا ~~عبارة عن ذلك. فإن قيل: هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة الله وعين ~~تكلمه هو؟ قلنا: لا. بل القارئ يؤدي كلام الله. والكلام إنما ينسب إلى من ~~قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مؤديا مبلغا. ولفظ القارئ في غير القرآن ~~مخلوق، وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدي عن الكلام المؤدى عنه. ولهذا منع ~~السلف من قول PageV03P468 # (لفظي بالقرآن مخلوق) لأنه لا يتميز. كما منعوا عن قول (لفظي بالقرآن غير ~~مخلوق) فإن لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه. كيلا ~~يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن. وما أمر السلف بالسكوت عنه، يجب ~~السكوت عنه. والله الموفق والمعين. ### | ### | تنبيه: # # قال في (العناية) : القراءة المشهورة في الآية رفع الجلالة الشريفة. وقرئ ~~بنصبها في الشواذ. انتهى. # قال الحافظ ابن كثير: روى الحافظ أبو بكر بن مردويه أن رجلا جاء إلى أبي ~~بكر بن عياش فقال: سمعت رجلا يقرأ: وكلم الله موسى تكليما. فقال أبو بكر: ~~ما قرأ هذا إلا كافر. قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ ~~يحيى ابن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على ~~علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وكلم الله موسى تكليما. # وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش، رحمه الله، على من قرأ كذلك، لأنه حرف ~~لفظ القرآن ومعناه. وكأن هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن الله كلم موسى ~~عليه السلام، أو يكلم أحدا من خلقه. كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ ~~على بعض المشايخ: وكلم الله موسى تكليما. فقال له: يا ابن الخنا! كيف تصنع ~~بقوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف: 143] يعني أن هذا ~~لا يحتمل التحريف ولا التأويل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 165] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ms1488 للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) # رسلا أي: كل هؤلاء النبيين أرسلناهم رسلا مبشرين بالجنة لمن آمن ومنذرين ~~من النار لمن كفر لئلا لكيلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة أي: ~~معذرة يعتذرون بها قائلين: لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ~~ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك، لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات ~~المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها. كما في قوله عز وجل: ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~... # PageV03P469 # [طه: 134] الآية. وإنما سميت حجة، مع استحالة أن يكون لأحد عليه، سبحانه، ~~حجة في فعل من أفعاله، بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء- للتنبيه على أن ~~المعذرة في القبول عنده تعالى، بمقتضى كرمه ورحمته لعباده، بمنزلة الحجة ~~القاطعة التي لا مرد لها. ولذلك قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~[الإسراء: 15] . # أفاده أبو السعود. # وفي الصحيحين «1» عن المغيرة: لا أحد أحب إليه العذر من الله. ومن أجل ~~ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين. وقوله تعالى: بعد الرسل أي: بعد إرسال ~~الرسل وإنزال الكتب. # متعلق ب (حجة) أو بمحذوف وقع صفة لها. وفيه دليل على أن الله تعالى لا ~~يعذب الخلق قبل بعثه الرسل. كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~[الإسراء: 15] . وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن معرفة الله تعالى، لا ~~تثبت إلا بالسمع وكان الله عزيزا يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله ~~حكيما في بعث الرسل للإنذار. ### | تنبيه: # أشارت الآية إلى بيان حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وإلى وظيفتهم عليهم ~~السلام. قال العلامة السيد محمد عبده، مفتى مصر في (رسالة التوحيد) في هذا ~~المبحث: أفليس من حكمة الصانع الحكيم الذي أقام أمر الإنسان على قاعدة ~~الإرشاد والتعليم، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، علمه الكلام للتفاهم ~~والكتاب PageV03P470 # للتراسل- أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يعد لها، بمحض فضله، بعض ~~من يصطفيه من خلقه؟ وهو أعلم حيث يجعل رسالته. ms1489 يميزهم بالفطر السليمة ويبلغ ~~بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه. والأمانة على ~~مكنون سره. مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم، لفاضت له نفسه أو ذهبت بعقله ~~جلالته وعظمه. فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس ~~فيه، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العاملين. نهاية الشاهد ~~وبداية الغائب. # فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة في لباس من ليس من ~~سكانها ثم يتلقون من أمره أن يحدثوا عن جلاله، وما خفي على العقول من شؤون ~~حضرته الرفيعة، بما يشاء أن يعتقده العباد فيه، وما قدر أن يكون له مدخل في ~~سعادتهم الأخروية، وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بد لهم من علمه. ~~معبرين عنه بما تحتمله طاقة عقولهم، ولا يبعد عن متناول أفهامهم. وأن ~~يبلغوا عنه شرائع عامة. # تحدد لهم سيرهم في تقويم نفوسهم، وكبح شهواتهم، وتعلمهم من الأعمال ما هو ~~مناط سعادتهم وشقائهم، في ذلك الكون المغيب عن مشاعرهم بتفصيله، اللاصق ~~علمه بأعماق ضمائرهم في إجماله. ويدخل في ذلك جميع الأحكام المتعلقة بكليات ~~الأعمال ظاهرة وباطنة. ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى البشر من الآيات. حتى ~~تقوم بهم الحجة ويتم الإقناع بصدق الرسالة. فيكونون بذلك رسلا من لدنه إلى ~~خلقه، مبشرين ومنذرين. # لا ريب أن الذي أحسن كل شيء خلقه، وأبدع في كل كائن صنعه، وجاد على كل حي ~~بما إليه حاجته، ولم يحرم من رحمته حقيرا ولا جليلا من خلقه- يكون من رأفته ~~بالنوع الذي أجاد صنعه، وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التي ~~اختص بها غيره- أن ينقذه من حيرته، ويخلصه من التخبط في أهم حياتيه والضلال ~~في أفضل حاليه. # يقول قائل: ولم لم يودع في الغرائز ما تحتاج إليه من العلم، ولم يضع فيها ~~الانقياد إلى العمل، وسلوك الطريق المؤدية إلى الغاية في الحياة الآخرة؟ ~~وما هذا النحو من عجائب الرحمة في الهداية والتعليم؟ وهو قول يصدر عن شطط ~~العقل، والغفلة عن موضوع البحث ms1490 وهو النوع الإنساني. ذلك النوع، على ما به، ~~وما دخل في تقويم جوهره من الروح المفكر، وما اقتضاه ذلك من الاختلاف في ~~مراتب الاستعداد باختلاف أفراده، وأن لا يكون كل فرد منه مستعدا لكل حال ~~بطبعه، وأن يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال. فلو ألهم حاجاته كما ~~تلهم الحيوانات، لم # PageV03P471 # يكن هو ذلك النوع، بل كان إما حيوانا آخر، كالنحل والنمل، أو ملكا من ~~الملائكة. # ليس من سكان هذه الأرض. # ثم قال: إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة، ولم يمنح مع تلك ~~الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل مثلا من الإلهام الهادي إلى ما يلزم ~~ذلك، وإنما ترك إلى فكره يتصرف فيه، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه ~~بالرغم عنها إلى معرفته، ولم يفض عليه، مع ذلك الشعور، عرفانه بذات ذلك ~~القاهر ولا صفاته، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار في مجاريها. ~~وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري. وفي كل ذلك الويل على جامعته، والخطر على ~~وجوده. أفهل مني هذا النوع بالنقص، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف ~~الحيوانات وأحطها في منازل الوجود؟ نعم، هو كذلك. لولا ما أتاه الصانع ~~الحكيم من ناحية ضعفه. # الإنسان عجيب في شأنه: يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت، ويطاول ~~بفكره أرفع معالم الجبروت. ويسامي بقوته ما يعظم عن أن يسامي من قوى الكون ~~الأعظم. ثم يصغر ويتضاءل وينحط إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع، متى عرض ~~له أمر ما، لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه. ذلك لسر عرفه المستبصرون. ~~واستشعرته نفوس الناس أجمعين. # من ذلك الضعف قيد إلى هواه. ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته. # أكمل الواهب الجواد لجملته، ما اقتضته حكمته في تخصيص نوعه، بما يميزه عن ~~غيره، أن ينقص من أفراده. وكما جاد على كل شخص بالعقل المصرف للحواس، لينظر ~~في طلب اللقمة، وستر العورة والتوقي من الحر والبرد- جاد على الجملة بما هو ~~أمس بالحاجة في البقاء، وآثر ms1491 في الوقاية من غوائل الشقاء. وأحفظ لنظام ~~الاجتماع الذي هو عماد كونه بالإجماع. من عليه بالنائب الحقيقي عن المحبة، ~~بل الراجع بها إلى النفوس التي أقفرت منها. لم يخالف سنته فيه، من بناء ~~كونه على قاعدة التعليم والإرشاد. غير أنه أتاه مع ذلك من أضعف الجهات فيه، ~~وهي جهة الخضوع والاستكانة. فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين. وميزهم ~~من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم. وأيد ذلك، زيادة في ~~الإقناع، بآيات باهرات تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق العقول. ~~فيستخذي الطامح. ويذل الجامح. # ويصطدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده. وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن ~~غيه. # يطرقون القلوب بقوارع من أمر الله. ويدهشون المدارك ببواهر من آياته. ~~فيحيطون العقول بما لا مندوحة من الإذعان له. ويستوي في الركون لما يجيئون ~~به المالك # PageV03P472 # والمملوك، والسلطان والصعلوك، والعاقل والجاهل، والمفضول والفاضل. فيكون ~~الإذعان لهم أشبه بالاضطراري منه بالاختياري النظري. يعلمونهم ما شاء الله ~~أن يصلح به معاشهم ومعادهم. وما أراد أن يعلموه من شؤون ذاته وكمال صفاته. # وأولئك هم الأنبياء والمرسلون. فبعثه الأنبياء، صلوات الله عليهم، من ~~متممات كون الإنسان. ومن أهم حاجاته في بقائه. ومنزلتها من النوع منزلة ~~العقل من الشخص. # نعمة أتمها الله: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. # ثم قال، في الكلام على وظيفة الرسل عليهم السلام: تبين مما تقدم في حاجة ~~العالم الإنساني إلى الرسل، أنهم من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص، وأن ~~بعثتهم حاجة من حاجات العقول البشرية، قضت رحمة المبدع الحكيم بسدادها، ~~ونعمة من واهب الوجود ميز بها الإنسان عن بقية الكائنات من جنسه. ولكنها ~~حاجة روحية وكل ما لامس الحس منها، فالقصد فيه إلى الروح وتطهيرها من دنس ~~الأهواء الضالة وتقديم ملكاتها. أو إيداعها ما فيه سعادتها في الحياتين. ~~أما تفصيل طرق المعيشة، والحذق في وجوه الكسب، وتطاول شهوات العقل إلى درك ~~ما أعد للوصول إليه، من أسرار العلم- فذلك مما لا دخل للرسالات فيه. إلا من ~~وجه العظة العامة، ms1492 والإرشاد إلى الاعتدال فيه، وتقرير أن شرط ذلك كله أن لا ~~يحدث ريبا في الاعتقاد بأن للكون إلها واحدا قادرا عالما حكيما متصفا بما ~~أوجب الدليل أن يتصف به، وباستواء نسبة الكائنات إليه في أنها مخلوقة له ~~وصنع قدرته. وإنما تفاوتها فيما اختص به بعضها من الكمال. وشرطه أن لا ينال ~~شيء من تلك الأعمال السابقة أحدا من الناس بشر في نفسه أو عرضه أو ماله، ~~بغير حق يقتضيه نظام عامة الأمة، على ما حدد في شريعتها. # يرشدون العقل إلى معرفة الله وما يجب أن يعرف من صفاته. ويبينون الحد ~~الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان. على وجه لا يشق عليه الاطمئنان ~~إليه، ولا يرفع ثقته بما آتاه الله من القوة. يجمعون كلمة الخلق على إله ~~واحد لا فرقة معه، ويخلون السبيل بينهم وبينه وحده. وينهضون نفوسهم إلى ~~التعلق به في جميع الأعمال والمعاملات ويذكرونهم بعظمته بفرض ضروب من ~~العبادات، فيما اختلف من الأوقات. تذكرة لمن ينسى. وتزكية مستمرة لمن يخشى. ~~تقوي ما ضعف منهم. وتزيد المستيقن يقينا. # يبينون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم وتنازعته مصالحهم ولذاتهم. # فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر الله الصادع. ويؤيدون، بما يبلغون عنه، ما ~~تقوم # PageV03P473 # به المصالح العامة. ولا تفوت به المنافع الخاصة. يعودون بالناس إلى ~~الألفة. # ويكشفون لهم سر المحبة. ويستلفتونهم إلى أن فيها انتظام شمل الجماعة. # ويفرضون عليهم مجاهدة أنفسهم، ليستوطنوها قلوبهم، ويشعروها أفئدتهم. # يعلمونهم لذلك أن يرعى كل حق الآخر، وإن كان لا يغفل حقه. وأن لا يتجاوز ~~في الطلب حده. وأن يعين قويهم ضعيفهم. ويمد غنيهم فقيرهم. ويهدي راشدهم ~~ضالهم. ويعلم عالمهم جاهلهم: # يضعون لهم بأمر الله حدودا عامة. يسهل عليهم أن يردوا إليها أعمالهم. # كاحترام الدماء البشرية إلا بحق. مع بيان الحق الذي تهدر له. وحظر تناول ~~شيء مما كسبه الغير إلا بحق. مع بيان الحق الذي يبيح تناوله. واحترام ~~الأعراض. مع بيان ما يباح وما يحرم من الأبضاع، ويشرعون لهم مع ذلك أن ~~يقوموا أنفسهم ms1493 بالملكات الفاضلة كالصدق والأمانة والوفاء بالعقود والمحافظة ~~على العهود والرحمة بالضعفاء والإقدام على نصيحة الأقوياء والاعتراف لكل ~~مخلوق بحقه بلا استثناء. # يحملونهم على تحويل أهوائهم عن اللذائذ الفانية، إلى طلب الرغائب ~~السامية، آخذين في ذلك كله بطرف من الترغيب والترهيب والإنذار والتبشير ~~حسبما أمرهم الله جل شأنه. # يفضلون في جميع ذلك للناس ما يؤهلهم لرضا الله عنهم، وما يعرضهم لسخطه ~~عليهم. # ثم يحيطون بيانهم بنبإ الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب وحسن ~~العقبى. لمن وقف عند حدوده، وأخذ بأوامره، وتجنب الوقوع في محظوراته. # يعلمونهم من أنباء الغيب ما أذن الله لعباده في العلم به مما لو صعب على ~~العقل اكتناهه، لم يشق عليه الاعتراف بوجوده. # بهذا تطمئن النفوس وتثلج الصدور، ويعتصم المرزوء بالصبر، انتظارا لجزيل ~~الأجر. أو إرضاء لمن بيده الأمر. وبهذا ينحل أعظم مشكل في الاجتماع ~~الإنساني. # لا يزال العقلاء يجهدون أنفسهم في حله إلى اليوم. # ليس من وظائف الرسل ما هو من عمل المدرسين ومعلمي الصناعات. فليس مما ~~جاءوا له تعليم التاريخ، ولا تفصيل ما يحويه عالم الكواكب، ولا بيان ما ~~اختلف من حركاتها، ولا ما استكن من طبقات الأرض ولا مقادير الطول فيها ~~والعرض. ولا ما تحتاج إليه النباتات في نموها. ولا ما تفتقر إليه الحيوانات ~~في إبقاء # PageV03P474 # أشخاصها وأنواعها ... وغير ذلك مما وضعت له العلوم. وتسابقت في الوصل إلى ~~دقائقه الفهوم. فإن ذلك كله من وسائل الكسب وتحصيل طرق الراحة. هدى الله ~~إليه البشر بما أودع فيهم من الإدراك. يزيد في سعادة المخلصين، ويقضي فيه ~~بالنكد على المقصرين. ولكن كانت سنة الله في ذلك، أن يتبع طريقة التدرج في ~~الكمال. وقد جاءت شرائع الأنبياء بما يحمل على الإجماع بالسعي فيه، وما ~~يكفل التزامه بالوصول إلى ما أعد الله له الفطر الإنسانية من مراتب ~~الارتقاء. # أما ما ورد في كلام الأنبياء من الإشارة إلى شيء مما ذكرنا في أحوال ~~الأفلاك أو هيئة الأرض- فإنما يقصد منه، النظر إلى ما فيه من الدلالة على ~~حكمة مبدعه، أو ms1494 توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك أسراره وبدائعه. وحالهم، ~~عليهم الصلاة والسلام، في مخاطبة أممهم، لا يجوز أن تكون فوق ما يفهمون. ~~وإلا ضاعت الحكمة في إرسالهم. ولهذا قد يأتي التعبير الذي سيق إلى العامة، ~~بما يحتاج إلى التأويل والتفسير عند الخاصة. وكذلك ما وجه إلى الخاصة، ~~يحتاج إلى الزمان الطويل حتى يفهمه العامة. وهذا القسم أقل ما ورد في ~~كلامهم. على كل حال، لا يجوز أن يقام الدين حاجزا بين الأرواح، وبين ما ~~ميزها الله به من الاستعداد للعلم بحقائق الكائنات الممكنة بقدر الإمكان. ~~بل يجب أن يكون الدين باعثا لها على طلب العرفان. مطالبا لها باحترام ~~البرهان. فارضا عليها أن تبذل ما تستطيع من الجهد في معرفة ما بين يديه من ~~العوالم. ولكن مع التزام القصد، والوقوف في سلامة الاعتقاد عند الحد. # ومن قال غير ذلك فقد جهل الدين، وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب الدين. # انتهى. # ولما تضمن قوله تعالى: إنا أوحينا إليك ... الآية، إثبات نبوته والاحتجاج ~~على تعنتهم عليه، بسؤال كتاب نزل عليهم من السماء، كأنه قيل: إنهم لا ~~يشهدون بذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 166] # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) # لكن الله يشهد بما أنزل إليك من القرآن المعجز الناطق بنبوتك. قال ~~الزمخشري: معنى شهادة الله بما أنزل إليه، إثباته لصحته، بإظهار المعجزات. ~~كما # PageV03P475 # تثبت الدعاوي بالبينات. إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب، بالمعجزة أنزله بعلمه ~~أي: # وهو عالم به، رقيب عليه. فالظرف حال من الفاعل. والجملة كالتفسير لما ~~قبلها والملائكة يشهدون أي: بذلك وكفى بالله شهيدا على صحة نبوتك وإن لم ~~يشهد غيره. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 167] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) # إن الذين كفروا أي بما شهد الله بإنزاله، مع اطلاعهم على إعجازه وصدوا عن ~~سبيل الله وهو دين الإسلام، من أراد سلوكه قد ms1495 ضلوا أي بما فعلوا ضلالا ~~بعيدا لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 168] # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) # إن الذين كفروا وظلموا أي الخلائق بإضلالهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم طريقا لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال الصالحة. التي هي ~~طريق الجنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 169] # إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) # إلا طريق جهنم أي: المؤدي إليها. وهو اكتسابهم الأعمال السيئة خالدين ~~فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا أي: هينا لا يعسر عليه ولا يستعظمه. ~~ولما قرر أمر النبوة، وبين الطريق الموصل إلى العلم بها، ووعيد من أنكرها، ~~خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعيد على الرد، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 170] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم أي: بالهدى ودين الحق ~~والبيان الشافي الذي يجب قبوله فآمنوا خيرا لكم أي: إيمانا خيرا لكم. أو ~~ائتوا # PageV03P476 # أمرا خيرا لكم من تقليد المعاندين وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~والأرض أي: # فهو قادر على تعذيبكم لعظم ملكوته، أو فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما ~~لا ينتفع بإيمانكم. كما قال تعالى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن ~~الله لغني حميد [إبراهيم: 8] ، وكان الله عليما حكيما في صنعه. ولما أجاب ~~تعالى عن شبهات اليهود وألزمهم الحجة، جرد الخطاب للنصارى، زجرا لهم عما هم ~~عليه من الكفر والضلال. فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 171] # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا ms1496 خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم أي: بالإفراط في رفع شأن عيسى عليه ~~السلام وادعاء ألوهيته. فإنه تجاوز فوق المنزلة التي أوتيها. وهي الرسالة. ~~واستفيد حرمة الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد. # وفي الصحيح «1» عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: # عبد الله ورسوله. # وقال الإمام أحمد «2» : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد! يا سيدنا وابن سيدنا! ~~وخيرنا وابن خيرنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس! عليكم ~~بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله. ~~والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل. # قال ابن كثير: تفرد به من هذا الوجه. ولا تقولوا على الله إلا الحق أي: ~~لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد. ~~بل نزهوه عن جميع ذلك إنما المسيح عيسى ابن مريم صفة له مفيدة لبطلان ما ~~وصفوه به من كونه ابنا لله تعالى رسول الله خبر المبتدأ أعني المسيح. أي: ~~مقصود على PageV03P477 # مقام الرسالة لا يتخطاه وكلمته أي: مكون بكلمته وأمره الذي هو (كن) من ~~غير واسطة أب ولا نطفة ألقاها إلى مريم أي: أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ ~~جبريل عليه السلام وروح منه أي بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة. ~~وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم كما يقال: بيت الله، وناقة ~~الله. # وقيل: الروح هو نفخ جبريل عليه السلام في جيب درع مريم. فحملت بإذن الله. # سمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح. وإنما أضافه إلى نفسه لأنه وجد ~~بأمره تعالى وإذنه. # قال أبو السعود: (من) لابتداء الغاية مجازا، لا تبعيضية، كما زعمت ~~النصارى. ms1497 يحكى أن طبيبا نصرانيا للرشيد، ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ~~ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه ~~تعالى. # وتلا هذه الآية. فقرأ الواقدي: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه [الجاثية: 13] . فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا ~~منه، تعالى علوا كبيرا. فانقطع النصراني وأسلم. وفرح الرشيد فرحا شديدا، ~~ووصل الواقدي بصلة فاخرة. وقيل: سمي روحا، لإحيائه الموتى بإذن الله. وقيل: ~~لإحيائه القلوب. # كما سمى به القرآن لذلك، في قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] . وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحي إلى مريم بالبشارة. ~~وقيل: # جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة، قالوا: إنه ~~روح. فلما كان عيسى عليه السلام متكونا من النفخ، لا من النطفة، وصف ~~بالروح. وتقديم كونه عليه السلام رسول الله في الذكر، مع تأخره عن كونه ~~كلمته تعالى وروحا منه، في الوجود- لتحقيق الحق من أول الأمر بما هو نص فيه ~~غير محتمل للتأويل، وتعيين مآل ما يحتمله، وسد باب التأويل الزائغ. انتهى. # فآمنوا بالله وخصوه بالألوهية ورسله أي: جميعهم وصفوهم بالرسالة ولا ~~تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية ولا تقولوا ثلاثة أي: الآلهة ثلاثة: ~~الله، والمسيح، ومريم. كما ينبئ عنه قوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله [المائدة: 116] . # وقد ذكر السيد عبد الله الهندي في مناظرته مع قسيس الهند حكاية عن مناظره ~~أنه حكى أن فرقة من النصارى تسمى (كولى ري دينس) كانت تقول: # الآلهة ثلاثة: الأب والابن ومريم. قال: ولعل هذا الأمر كان مكتوبا في ~~نسخهم، لأن القرآن كذبهم. انتهى. # PageV03P478 # أو التقدير: ولا تقولوا: الله ثلاثة. أي ثلاثة أقانيم. وفي تعاليمهم ~~المدرسية المطبوعة الآن ما نصه: أخص أسرار المسيحية سر الثالوث. وهو إله ~~واحد في ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس. والأب هو الله والابن هو ~~الله وروح القدس هو الله. وليسوا ثلاثة آلهة. بل إله واحد موجود في ثلاثة ms1498 ~~أقانيم متساوين في الجوهر ومتميزين فيما بينهم بالأقنومية. وذلك لأن لهم ~~جوهرا واحدا ولاهوتا واحدا وذاتا واحدة. وليس أحد هذه الأقانيم الثلاثة ~~أعظم أو أقدم أو أقدر من الآخرين. لكون الثلاثة متساوية في العظمة والأزلية ~~والقدرة وفي كل شيء. ما عدا الأقنومية. ولا نقدر أن نفهم جيدا هذه الحقائق ~~لأنها أسرار فائقة العقل والإدراك البشري. انتهى كلامهم في تعليمهم المدرسي ~~المطبوع في بيروت سنة (1876) مسيحية. فانظر إلى هذا التناقض والتمويه. ~~يعترفون بأن الثلاثة آلهة. ثم يناقضون قولهم وينكرون ذلك. # ونقل العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه (إظهار الحق) عن صاحب ~~(ميزان الحق) النصراني أنه قال: نحن لا نقول: إن الله ثلاثة أشخاص أو شخص ~~واحد. بل نقول بثلاثة أقانيم في الوحدة. وبين الأقانيم الثلاثة وثلاثة ~~أشخاص بعد السماء والأرض انتهى. # قال رحمة الله: وهذه مغالطة صرفة. لأن الموجود لا يمكن أن يوجد بدون ~~التشخص. فإذا فرض أن الأقانيم موجودون وممتازون بالامتياز الحقيقي، كما صرح ~~هو بنفسه في كتبه، فالقول بوجود الأقانيم الثلاثة هو بعينه القول بوجود ~~الأشخاص الثلاثة. على أنه وقع في الصحيفة التاسعة والعشرين من كتاب الصلاة، ~~الرائج في كنيسة انكلترة، المطبوع سنة (1818) ما ترجمته: أيها الثلاثة ~~المقدسون والمباركون والعالون منزلة، الذين هم واحد. يعني ثلاثة أشخاص ~~وإلها واحدا. فوقع فيه ثلاثة أشخاص صريحا. وكذلك مملوءة بعبارات مصرحة بأن ~~عيسى ابن الله، وأنه الله، وأن مريم أم الله وزوجه الله. ويسجدون لها ~~ولصورتها السجود المحرم في كتبهم لغير الله، كما يسجدون لله. نسأله سبحانه ~~وتعالى الحفظ. ونعوذ به من الخذلان وتسويلات الشيطان. # ولقد شفى الغليل الأستاذ الجليل الشيخ رحمه الله في (إظهار الحق) فساق، ~~في الباب الرابع منه، إبطال التثليث بالبراهين الدامغة والحجج البالغة. كما ~~رد عليهم من المسلمين وممن أسلم منهم عدد وافر يفوت الحصر. وقد انتشر، ~~والله الحمد، # PageV03P479 # في ذلك مؤلفات نافعة. بل رد عليهم فرق كثيرة منهم فقد جاء في كتاب (الرأي ~~الصواب وفصل الخطاب) للقس جبارة ما صورته: إن المسيحيين الموحدين الذي ~~ظهروا منذ ms1499 (80) سنة في أميركا ولهم الآن ثلاثمائة كنيسة والدرجة الأولى في ~~المعارف والمدارس والاجتماعات الأدبية، وكذلك لهم في انكلترا ثلاثمائة ~~كنيسة وتآليف عديدة معتبرة، ويعتبرون القرآن كما يعتبرون الإنجيل والتوراة ~~كتبا إلهية- لا يؤمنون بتثليث الآلهة. أي إنهم لا يعتقدون بكون السيد ~~المسيح أو الروح القدس هو إله حقيقي. كالله الواجب الوجود. بل يعتقدون أن ~~الله وحده هو الإله الحق. انتهى. # وفيه أيضا ما لفظه: كل الكتب المنزلة تعلم بالوحدانية وتنفي تثليث ~~الآلهة. # أو كون الله ثلاثة. وتعلن صريحا بأوضح العبارة أن الله واحد أحد. وأنه لا ~~إله حقا سواه. انتهى. # وفي كتاب (سوسنة سليمان) ذكر فرق منهم متعددة صارت إلى إنكار ألوهية ~~المسيح والروح القدس. وهذا الكتاب ساق من فرقهم العتيقة والحديثة واختلافهم ~~ما يقضي بالعجب. مما يؤيد ما قاله الحافظ ابن كثير، من أن لهم آراء مختلفة ~~وأقوالا غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من ~~النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولا. انتهى. # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في (الرسالة القبرصية) : فتفرق ~~النصارى في التثليث والاتحاد تفرقا وتشتتوا تشتيتا لا يقر به عاقل ولم يجئ ~~نقل. إلا كلمات متشابهات في الإنجيل وما قبله من الكتب. قد بينتها كلمات ~~محكمات في الإنجيل وما قبله. كلها تنطق بعبودية المسيح وعبادته لله وحده. ~~ودعائه وتضرعه. ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسله، كان أمر الدين ~~توحيد الله والإقرار برسله. فأرباب التثليث في الوحدانية، والاتحاد في ~~الرسالة، قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بين بفطرة الله التي فطر ~~الناس عليها، وبكتب الله التي أنزلها. انتهى. # وقد اجتمع لدي، بحمده تعالى، حين كتابة هذه السطور عشرون مؤلفا في الرد ~~عليهم. وكلها، ولله الحمد، مطبوعة منتشرة. فلا حاجة للإطالة بالنقل عنها. # لسهولة الوقوف عليها. # قال الماوردي في (أعلام النبوة) : فأما النصارى فقد كانوا، قبل أن تنصر ~~قسطنطين الملك، على دين صحيح في توحيد الله تعالى ونبوة عيسى عليه السلام. # ثم اختلفوا في عيسى بعد تنصر قسطنطين. ms1500 وهو أول من تنصر من ملوك الروم. أي # PageV03P480 # لأن الروم كانوا صابئة. ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم. فقال ~~أوائل النسطورية: إن عيسى هو الله. وقال أوائل اليعاقبة: إنه ابن الله. ~~وقال أوائل الملكانية: إن الآلهة ثلاثة. أحدهم عيسى. ثم عدل أواخرهم عن ~~التصريح بهذا القول المستنكر، حين استنكرته النفوس، ودفعته العقول، فقالوا: ~~إن الله تعالى جوهر واحد. هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب. وأقنوم الابن. ~~وأقنوم روح القدس. وأنها واحدة في الجوهرية. وأن أقنوم الأب هو الذات. ~~وأقنوم الابن هو الكلمة. وأقنوم روح القدس هو الحياة. واختلفوا في ~~الأقانيم. فقال بعضهم: هي خواص. وقال بعضهم: هي أشخاص. وقال بعضهم: هي ~~صفات. وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى. واختلفوا في الاتحاد. # ثم قال: وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول. وفسادها ظاهر في المعقول. ~~وقوله تعالى انتهوا أي: عن التثليث خيرا لكم أي: انتهاء خيرا. أو اقصدوا ~~خيرا من التثليث وهو التوحيد إنما الله إله واحد أي: بالذات. لا تعدد فيه ~~بوجه ما. وبقوله: سبحانه أن يكون له ولد تنزيه لمقامه جل شأنه، عما زعموه ~~من نبوة عيسى. حيث قالوا: إنه الله وابن الله. والذي أوقعهم في هذه المهلكة ~~الوخيمة، والورطة الجسيمة، ما ورد موهما من ألفاظ الإنجيل كالأب والابن. ~~فلم يحملوها على ما أريد منها. وحملوها على ظاهرها. فضلوا وأضلوا. وفي ~~(منية الأذكياء) ما نصه: وأما ما ورد في الإنجيل الموجود الآن، من إطلاق ~~ابن الله على عيسى عليه السلام، فهو- إن لم يكن مما حرف. يكون مجازا، بمعنى ~~ابن المحبة. كما يقال: فلان من أبناء الدنيا. ونظير ذلك قول عيسى عليه ~~السلام لليهود، حين ادعوا أن لهم أبا واحدا هو الله: (لو كان الله أباكم ~~لكنتم تحبونني) . ثم قال لهم. (أنتم من أب هو إبليس. وشهوات أبيكم تريدون ~~أن تعملوا) ادعت اليهود أن الله تعالى أبوهم. أي أنهم مطيعون له إطاعة ~~الابن للأب. فكذبهم عيسى عليه السلام وجعلهم أبناء الشيطان. أي أنهم مطيعون ~~له. ولا يخفي أن الابن والأب هنا مجازان. ms1501 # وقد كثر إطلاق اسم الأب على الله تعالى. واسم الابن على العبد الصالح، في ~~الكتب السالفة. فهو إما من الخبط في الترجمة. وإما مؤول بما ذكرنا، فلا ~~تغفل. لكن قد منع من هذا الإطلاق في الملة المحمدية بالكلية، تحرزا من ~~الإيهام والوقوع في شرك الأوهام. وهذا هو الطريق الرشد. وقوله تعالى له ما ~~في السماوات وما في الأرض تعالى للتنزهه مما نسب إليه. بمعنى أن كل ما ~~فيهما خلقه وملكه. فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه؟ إذ البنوة والملك لا ~~يجتمعان وكفى بالله وكيلا أي: إليه # PageV03P481 # يكل كل الخلق أمورهم. وهو غني عنهم. فإنى يتصور في حقه اتخاذ الولد، الذي ~~هو شأن العجزة المحتاجين في تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم مقامهم. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 172] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) # يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله # جملة مستأنفة لتقرير ما سبق من التنزيه. أي: لن يأنف من أن يكون عبدا ~~لله. فإن عبوديته شرف يتباهى به لا الملائكة المقربون # من أن يكونوا عبيدا له تعالى. واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على ~~الأنبياء. # قال الزمخشري: أي: ولا من هو أعلى منه قدرا وأعظم منه خطرا. وهم الملائكة ~~الكروبيون. الذين حول العرش. كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. # ثم قال: فإن قلت: من أين دل قوله لا الملائكة المقربون # على أن المعنى: # ولا من فوقه؟ قلت: من حيث إن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك. وذلك أن ~~الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية. ~~فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية. ولا من هو أرفع منه درجة. ~~كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية. فكيف بالمسيح؟ ويدل ~~عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقربين. لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم ~~منزلة. ومثاله قول القائل. # وما مثله ممن يجاود حاتم ... ولا البحر ذو الأمواج ms1502 يلتج زاخره # لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج، ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان ~~له ذوق فليذق، مع هذه الآية قوله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~[البقرة: 120] ، حتى يعترف بالفرق البين. انتهى. # قال البيضاوي: وجوابه أن الآية: للرد على عبدة المسيح والملائكة. فلا ~~يتجه ذلك. وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار ~~التكثير دون التكبير. كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس. وإن ~~أراد به التكبير # PageV03P482 # فغايته تفضيل المقربين من الملائكة، وهم الكروبيون، الذين هم حول العرش، ~~أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة، على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. # وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا والنزاع فيه. انتهى. # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : وقد كثر الاختلاف في تفضيل الأنبياء على ~~الملائكة. فذهب جمهور الأشعرية إلى تفضيل الأنبياء. وذهب القاضي أبو بكر، ~~منا، والحليمي وجماعة المعتزلة إلى تفضيل الملائكة. واتخذ المعتزلة هذه ~~الآية عمدتهم في تفضيل الملائكة. من حيث الوجه الذي استدل به الزمخشري. ~~ونحن بعون الله نشبع القول في المسألة من حيث الآية. فنقول: أورد الأشعرية ~~على الاستدلال بها أسئلة. أحدها- أن سيدنا محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام ~~أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام. فلا يلزم من كون الملائكة أفضل من ~~المسيح، أن تكون أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام. وهذا السؤال إنما يتوجه ~~إذ لم يدع مورده أن كل واحد من آحاد الأنبياء، أفضل من كل واحد من آحاد ~~الملائكة. وبين طائفتنا في هذه الطرف خلاف (السؤال الثاني) أن قوله لا ~~الملائكة المقربون # صيغة جمع. تتناول مجموع الملائكة. فهذا يقتضي كونه مجموع الملائكة أفضل ~~من المسيح. # ولا يلزم أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح. وفي هذا السؤال أيضا نظر. ~~لأن مورده إذا بنى على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة، فقد ~~يقال يلزمه القول بأنه أفضل من الكل. كما أن النبي عليه الصلاة والسلام، ~~لما كان أفضل من كل واحد من آحاد ms1503 الأنبياء، كان أفضل من كلهم. ولم يفرق بين ~~التفضيل على التفصيل، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى. وقد ~~كان بعض المعاصرين يفصل بين التفضيلين، وادعى أنه لا يلزم منه، على ~~التفصيل، تفضيل على الجملة. ولم يثبت عنه هذا القول. ولو قاله أحد فهو ~~مردود بوجه لطيف. وهو: أن التفضيل المراد، جل أماراته رفع درجة الأفضل في ~~الجنة. # والأحاديث متوافرة بذلك. وحينئذ لا يخلوا إما أن ترفع درجة واحد من ~~المفضولين على من اتفق على أنه أفضل من كل واحد منهم، أو لا ترفع درجة أحد ~~منهم عليه. # لا سبيل إلى الأول. لأنه يلزم منه رفع المفضول على الأفضل. فتعين الثاني ~~وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع، ضرورة. فيلزم ثبوت أفضليته على ~~المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم، قطعا. الثالث أنه عطف الملائكة ~~على المسيح بالواو. وهي لا تقتضي ترتيبا. وأما الاستشهاد بالمثال المذكور ~~على أن # PageV03P483 # الثاني أبدا يكون أعلى رتبة، فمعارض بأمثلة لا تقتضي ذلك. كقول القائل: ~~ما عابني على هذا الأمر زيد ولا عمرو. قلت: وكقولك لا تؤذ مسلما ولا ذميا. ~~فإن هذا الترتيب وجه الكلام. والثاني أدنى وأخفض درجة. ولو ذهبت تعكس هذا، ~~فقلت: # لا تؤذ ذميا ولا مسلما، ليجعل الأعلى ثانيا، لخرجت عن حد الكلام وقانون ~~البلاغة. # وهذا المثال بين ما يورد في نقض القانون المقرر. ولكن الحق أولى من ~~المراء. وليس بين المثالين تعارض. ونحن نمهد تمهيدا يرفع اللبس ويكشف ~~الغطاء. فنقول: # النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة. وهي توجب في ~~مواضع تقديم الأعلى، وفي مواضع تأخيره. وتلك النكتة مقتضى البلاغة التنائي ~~عن التكرار والسلامة عن النزول. فإذا اعتمدت ذلك فمهما أدى إلى أن يكون آخر ~~كلامك نزولا بالنسبة إلى أوله، أو يكون الآخر مندرجا في الأول، قد أفاده. ~~وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، ~~واستئنافا لفائدة لم يشتمل عليها الأول. مثاله الآية المذكورة. فإنك لو ~~ذهبت فيها إلى ms1504 أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة، لكان ذكر ~~الملائكة بعده كالمستغنى عنه. لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح، على هذا ~~التقدير، عبدا لله غير مستنكف من العبودية- لزم من ذلك أن من دونه في ~~الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبدا لله، وهم الملائكة على هذا ~~التقدير. فلم يتجدد إذا بقوله لا الملائكة المقربون # إلا ما سلف أول الكلام. وإذا قدرت المسيح مفضولا بالنسبة إلى الملائكة، ~~فإنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبدا له، ~~إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك. وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم ~~استنكاف الأفضل. فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة. إذ لم يستلزم الأول ~~الآخر. فصار الكلام على هذا التقدير تتجدد فوائده وتتزايد. وما كان كذلك ~~تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز. لأنه الغاية في البلاغة. وبهذه النكتة ~~يجب أن نقول: لا تؤذ مسلما ولا ذميا. فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في ~~الآية. لأنك إذا نهيته عن إيذاء المسلم، فقد يقال ذاك من خواصه احتراما ~~للإسلام. فلا يلزم من ذلك نهيه عن الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية. فإذا ~~قلت: ولا ذميا- فقد جددت فائدة لم تكن في الأول. وترقيت من النهي عن بعض ~~أنواع الأذى، إلى النهي عن أكثر منه. ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية، ~~فقلت: لا تؤذ ذميا، فهم المنهي أن أذى المسلم أدخل في النهي. إذ يساوي ~~الذمي في سبب الاحترام وهو الإنسانية مثلا، ويمتاز عنه بسبب أجل وأعظم وهو ~~الإسلام. فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم. # PageV03P484 # فإن قلت: ولا مسلما، لم تجدد له فائدة. ولم تعلمه غير ما علمه أولا. فقد ~~علمت أنها نكتة واحدة، توجب أحيانا تقديم الأعلى، وأحيانا تأخيره. ولا يميز ~~لك ذلك إلا السياق. وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير ~~الأعلى. ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى: فلا تقل لهما أف ~~[الإسراء: 23] . استغناء عن نهيه عن ضربهما فما فوقه. بتقدير الأدنى. ولم ms1505 ~~يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن تريد نهيا عن أعلى من التأفيف والإنهار (كذا) ~~. لأنه مستغنى عنه. وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهدا سواها ~~ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] ولما اقتضى الإنصاف تسليم مقتضى ~~الآية لتفضيل الملائكة، وكانت الأدلة على تفضيل الأنبياء عتيدة عند المعتقد ~~لذلك، جمع بين الآية وتلك الأدلة بحمل التفضيل في الآية على غير محل ~~الخلاف. وذاك أن تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن ~~والاقتدار. قال: وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية. لأن ~~المقصود الرد على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام. مستندين ~~إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص. وصدرت على يديه آثار عظيمة ~~خارقة. فناسب ذلك أن يقال: هذا الذي صدرت على يديه الخوارق، لا يستنكف عن ~~عبادة الله. بل من هو أكثر خوارق وأظهر آثارا. كالملائكة المقربين الذين من ~~جملتهم جبريل عليه السلام. وقد بلغ من قوته وإقدار الله له أن اقتلع ~~المدائن واحتملها على ريشة من جناحه. فقلب عاليها سافلها. فيكون تفضيل ~~الملائكة، إذا، بهذا الاعتبار. لا خلاف أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر. ~~وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في ~~دار الجزاء. # وليس في الآية عليه دليل. ولما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية ~~عيسى كونه مخلوقا، أي: موجودا من غير أب، أنبأنا الله تعالى أن هذا الموجود ~~من غير أب، لا يستنكف من عبادة الله. بل ولا الملائكة المخلوقون من غير أب ~~ولا أم. # فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى. ويشهد لذلك أن الله تعالى ~~نظر عيسى بآدم عليهما السلام. فنظر الغريب بالأغرب. وشبه العجيب من قدرته ~~بالأعجب. إذ عيسى مخلوق من أم. وآدم من غير أم ولا أب. ولذلك قال: خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون [آل عمران: 59] . ومدار هذا البحث على النكتة التي ~~نبهت عليها. فمتى استقام اشتمال المذكور أياما على فائدة، لم يشتمل عليها ~~الأول بأي طريق كان، من ms1506 تفضيل أو غيره، من الفوائد- فقد استد النظر وطابق ~~صيغة الآية والله أعلم. وعلى الجملة فالمسألة سمعية. والقطع فيها # PageV03P485 # معروف بالنص الذي لا يحتمل تأويلا. ووجوده عسر، صلوات الله وسلامه عليهم ~~أجمعين. انتهى. # من يستنكف عن عبادته # أي: يأنف منها ويمتنع يستكبر # أي: يتعظم عنها ويترفع سيحشرهم إليه جميعا # أي: فيجمعهم يوم القيامة لموعدهم الذي وعدهم، ويفصل بينهم بحكمه العدل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية # 173] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (173) # فأما الذين آمنوا فلم يستكبروا عن عبوديته وعملوا الصالحات فلم يستنكفوا ~~عن عبادته فيوفيهم أجورهم أي ثواب أعمالهم من غير أن ينقص منها شيء ويزيدهم ~~أي: على أجورهم شيئا عظيما: من فضله بتضعيفها أضعافا مضاعفة، مبالغة في ~~إعزازهم وأما الذين استنكفوا واستكبروا أي عن عبادة الله عز وجل فيعذبهم ~~عذابا أليما هو عذاب النار ولا يجدون لهم من دون الله وليا يواليهم ليعزهم ~~ولا نصيرا ينصرهم ويدفع عنهم العذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 174] # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم لما بين تعالى بطلان ما عليه ~~الكفرة على طبقاتهم من فنون الكفر والضلال، عمم الخطاب ودعا جميع الناس إلى ~~الاعتراف برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وسماه برهانا لما أوتيه من ~~البراهين القاطعة التي شهدت بصدقه. ففيه تنبيه لهم على أن الحجة قد تمت ~~ببعثته. فلم يبق بعد ذلك علة لمتعلل. قال أبو السعود: التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين، لإظهار اللطف بهم والإيذان بأن ~~مجيئه إليهم لتربيتهم وتكميلهم وأنزلنا إليكم نورا مبينا أي: ضياء واضحا ~~على الحق. يهتدى به من ظلمات الضلال. وهو القرآن. # PageV03P486 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 175] # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما ms1507 (175) # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به أي: عصموا به أنفسهم مما يرديها من ~~زيغ الشيطان فسيدخلهم في رحمة منه وهي الجنة وفضل يتفضل به عليهم بعد ~~إدخالهم الجنة. كالنظر إلى وجهه الكريم وغيره من مواهبه الجليلة ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما فيسلكهم، بتمسكهم بالبرهان والنور المبين، الطريق ~~الواضح القصد. وهو الإسلام. وتقديم ذكر الوعد بإدخال الجنة، على الوعد ~~بالهداية إليها، على خلاف الترتيب في الوجود بين الموعودين- للمسارعة إلى ~~التبشير بما هو المقصد الأصلي. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # يستفتونك أي: في ميراث الكلالة. استغنى عن ذكره لوروده في قوله سبحانه قل ~~الله يفتيكم في الكلالة وقد مر تفسيرها في مطلع السورة الكريمة. # والمستفتي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. # روى الشيخان «1» وغيرهما عن جابر ابن عبد الله قال: دخل علي النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنا مريض. فتوضأ فصب علي. أو قال: صبوا عليه. فعقلت فقلت: ~~لا يرثني إلا كلالة. فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض إن امرؤ هلك # أي: مات. واختصاص الهلاك بميتة السوء عرف طارئ لا يعتد به. بدليل ما لا ~~يحصى من الآي والأحاديث. ولطرو هذا العرف قال الشهاب في (شرح الشفاء) : إنه ~~يمنع إطلاقه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولا يعتد بأصل اللغة ~~القديمة، كما لا يخفى عمن له مساس بالقواعد الشرعية والله أعلم. كذا في ~~(تاج العروس) . ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك أي: الميت، من المال. ~~PageV03P487 # قال ابن كثير: تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، ~~بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد. وهو رواية عن عمر بن الخطاب رواها ~~ابن ms1508 جرير «1» عنه بإسناد صحيح. ولكن الذي يرجع إليه، قول الجمهور. وقضى ~~الصديق رضي الله عنه أنه الذي لا ولد له ولا والد. ويدل على ذلك قوله (وله ~~أخت) ولو كان معها أب لم ترث شيئا، لأنه يحجبها بالإجماع. فدل على أنه من ~~لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص أيضا، عند التأمل أيضا. لأن الأخت لا ~~يفرض لها النصف مع الوالد. بل ليس لها ميراث بالكلية. وروى الإمام أحمد «2» ~~عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم؟ فأعطى الزوج النصف والأخت ~~النصف. فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك. وقد ~~نقل ابن جرير «3» وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان (في ~~الميت ترك بنتا وأختا) : أنه لا شيء للأخت لقوله إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك قال: فإذا ترك بنتا فقد ترك ولدا. فلا شيء للأخت. ~~وخالفهما الجمهور فقالوا (في المسألة) : للبنت النصف بالفرض. وللأخت النصف ~~الآخر بالتعصيب. بدليل غير هذه الآية. وهذه نقصت أن يفرض لها في هذه الآية. ~~وأما وراثتها بالتعصيب. فما رواه البخاري «4» من طريق سليمان عن إبراهيم ~~الأسود قال: قضى فينا معاذ بن جبل، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~النصف للبنت والنصف للأخت. ثم قال سليمان (قضى فينا) ولم يذكر (على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي صحيح البخاري «5» أيضا عن هزيل بن ~~شرحبيل قال: سئل أبو موسى الأشعري عن بنت، وبنت ابن، وأخت؟ فقال. للبنت ~~النصف وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني. فسأل ابن مسعود فأخبره ~~بقوله أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. أقضي فيها بما قضى ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # النصف للبنت. ولبنت الابن السدس، تكملة للثلثين. وما بقي فللأخت. فأتينا ~~أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. ~~قوله تعالى وهو يرثها إن لم يكن لها ولد أي: والأخ ms1509 يرث جميع مالها إذا ماتت ~~كلالة، PageV03P488 # وليس لها ولد أي: ولا والد. لأنها لو كان لها ولد لم يرث الأخ شيئا. فإن ~~فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه. كزوج أو أخ من أم. وصرف الباقي إلى ~~الأخ. لما # ثبت في الصحيحين «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~ألحقوا الفرائض بأهلها. فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر. # وقوله تعالى: فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك أي: فإن كان، لمن ~~يموت كلالة، أختان- فرض لهما الثلثان. وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما. ~~ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين. كما استفيد حكم الأخوات من البنات في ~~قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك [النساء: 11] . وقوله تعالى ~~وإن كانوا أي: من يرث بطريق الأخوة إخوة أي مختلطة رجالا ونساء فللذكر أي ~~منهم مثل حظ الأنثيين أي مثل نصيب اثنتين من أخواته الإناث يبين الله لكم ~~أن تضلوا أي: كراهة أن تضلوا في ذلك. أو على تقدير (اللام ولا) في طرفي ~~(أن) أي لئلا تضلوا. وقيل: ليس هناك حذف ولا تقدير. وإنما هو مفعول (يبين) ~~أي: يبين لكم ضلالكم الذي هو من شأنكم إذا خليتم وطباعكم. لتحترزوا عنه ~~وتتحروا خلافه. ورجحه بعضهم بأنه من حسن الختام، والالتفات إلى أول السورة ~~وهو يا أيها الناس اتقوا ربكم [النساء: 1] فإنه أمرهم بالتقوى. وبين لهم ما ~~كانوا عليه في الجاهلية. ولما تم تفصيله قال لهم: إني بينت لكم ضلالكم ~~فاتقوني كما أمرتكم. فإن الشر إذا عرف اجتنب. والخير إذا عرف ارتكب. # قال العلامة أبو السعود: وأنت خبير بأن ذلك إنما يليق بما إذا كان بيانه ~~تعالى على طريقة تعيين مواقع الخطأ والضلال، من غير تصريح بما هو الحق ~~والصواب. # وليس كذلك. والله بكل شيء من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة ~~بمحياكم ومماتكم عليم مبالغ في العلم. فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم. ### | تنبيهات: # الأول- اعلم أنه تعالى لما بين في أول السورة أحكام الأموال، ختم آخرها ms1510 ~~بذلك أيضا ليكون الآخر مشاكلا للأول. وأما وسط السورة فقد اشتمل على ~~المناظرة مع الفرق المخالفة للدين. PageV03P489 # الثاني- أنزل في الكلالة آيتان: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول هذه ~~السورة. والأخرى في الصيف وهي هذه الآية. ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف. # الثالث- روى البخاري «1» ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: # آخر سورة نزلت براءة. وآخر آية نزلت: يستفتونك. والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. وهو الموفق والمعين. # وقد تم بحمده تعالى ما تيسر من (محاسن تأويل) هذه السورة الكريمة ضحوة ~~الجمعة، غرة صفر الخير عام (1320) في السدة اليمنى العليا من جامع ~~السنانية. على يد كاتبه وجامع العبد الضعيف الذليل الجهول، محمد جمال الدين ~~القاسمي، غفر المولى له وأعانه على الإتمام. # بمنه وكرمه ويليه الجزء الرابع. وأوله: (سورة المائدة) PageV03P490 ### | فهرس الجزء الثالث # سورة النساء الآية 1 5 الآية 2 9 الآية 3 12 الآية 4 26 الآية 5 27 الآية ~~6 29 الآية 7 32 الآية 8 32 الآية 9 34 الآية 10 36 الآية 11 37 الآية 12 ~~42 الآية 13 46 الآية 14 47 الآية 15 47 الآية 16 48 الآية 17 49 الآية 18 ~~51 الآية 19 51 الآية 20 56 الآية 21 57 الآية 22 62 الآية 23 63 الآية 24 ~~70 الآية 25 79 الآية 26 84 الآية 27 84 الآية 28 84 الآية 29 85 الآية 30 ~~87 الآية 31 88 الآية 32 90 الآية 33 91 الآية 34 96 # PageV03P491 # الآية 35 100 الآية 36 102 الآية 37 108 الآية 38 109 الآية 39 111 الآية ~~40 111 الآية 41 113 الآية 42 114 الآية 43 115 الآية 44 137 الآية 45 138 ~~الآية 46 138 الآية 47 143 الآية 48 146 الآية 49 169 الآية 50 171 الآية ~~51 172 الآية 52 172 الآية 53 173 الآية 54 174 الآية 55 175 الآية 56 175 ~~الآية 57 176 الآية 58 177 الآية 59 ms1511 184 الآية 60 193 الآية 61 193 الآية ~~62 196 الآية 63 197 الآية 64 198 الآية 65 200 الآية 66 214 الآية 67 215 ~~الآية 68 216 الآية 69 216 الآية 70 219 الآية 71 220 الآية 72 221 الآية ~~73 222 الآية 74 222 # PageV03P492 # الآية 75 223 الآية 76 225 الآية 77 226 الآية 78 228 الآية 79 230 الآية ~~80 231 الآية 81 231 الآية 82 233 الآية 83 234 الآية 84 237 الآية 85 240 ~~الآية 86 243 الآية 87 249 الآية 88 250 الآية 89 252 الآية 90 253 الآية ~~91 255 الآية 92 256 الآية 93 262 الآية 94 277 الآية 95 283 الآية 96 285 ~~الآية 97 287 الآية 98 289 الآية 99 290 الآية 100 293 الآية 101 298 الآية ~~102 309 الآية 103 310 الآية 104 318 الآية 105 319 الآية 106 319 الآية ~~107 319 الآية 108 319 الآية 109 319 الآية 110 325 الآية 111 326 الآية ~~112 326 الآية 113 326 الآية 114 327 # PageV03P493 # الآية 115 329 الآية 116 340 الآية 117 341 الآية 118 343 الآية 119 343 ~~الآية 120 346 الآية 121 347 الآية 122 347 الآية 123 347 الآية 124 348 ~~الآية 125 349 الآية 126 354 الآية 127 355 الآية 128 360 الآية 129 364 ~~الآية 130 365 الآية 131 365 الآية 132 366 الآية 133 366 الآية 134 367 ~~الآية 135 367 الآية 136 369 الآية 137 370 الآية 138 372 الآية 139 372 ~~الآية 140 373 الآية 141 376 الآية 142 377 الآية 143 379 الآية 144 380 ~~الآية 145 380 الآية 146 381 الآية 147 382 الآية 148 383 الآية 149 386 ~~الآية 150 387 الآية 151 388 الآية 152 388 الآية 153 389 الآية 154 389 # PageV03P494 # الآية 155 390 الآية 156 391 الآية 157 391 الآية 158 392 الآية 159 ms1512 441 ~~الآية 160 445 الآية 161 445 الآية 162 446 الآية 163 448 الآية 164 448 ~~الآية 165 469 الآية 166 475 الآية 167 476 الآية 168 476 الآية 169 476 ~~الآية 170 476 الآية 171 477 الآية 172 482 الآية 173 486 الآية 174 486 ~~الآية 175 487 الآية 176 487 # PageV03P495 ### | المجلد الرابع # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المائدة # سميت بها لأن قصتها أعجب ما ذكر فيها. لاشتمالها على آيات كثيرة ولطف ~~عظيم على من آمن. وعنف شديد على من كفر. فهو أعظم دواعي قبول التكاليف، ~~المفيدة عقدة المحبة من الاتصال الإيماني بين الله وبين عبيده. أفاده ~~المهايمي. # وهذه السورة مدنية. وآياتها مائة وعشرون. # قال الشهاب الخفاجي: السورة مدنية، إلا قوله تعالى: اليوم أكملت لكم ~~دينكم ... إلخ، فإنها نزلت بمكة. انتهى. # أقول: في كلامه نظران: # الأول- إن هذا بناء على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة. والمدني ما ~~نزل بالمدينة، وهو اصطلاح لبعض السلف. ولكن الأشهر كما في (الإتقان) أن ~~المكي ما نزل قبل الهجرة. والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم ~~بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار. # الثاني- بقي عليه، لو مشي على ذاك الاصطلاح، آيات آخر. # قال السيوطي في (الإتقان) : في (النوع الثاني معرفة الحضري والسفري) ~~للسفري أمثلة. # منها: أول المائدة. أخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن أسماء بنت يزيد ~~أنها نزلت بمنى. وأخرج في (الدلائل) عن أم عمرو، عن عمها أنها نزلت في مسير ~~له، وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب قال: نزلت سورة المائدة في حجة الوداع، ~~فيما بين مكة والمدينة. # ومنها: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] في الصحيح عن عمر: # PageV04P003 # أنها نزلت عشية عرفة، يوم الجمعة، عام حجة الوداع، وله طرق كثيرة. لكن ~~أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري، أنها نزلت يوم غدير خم. وأخرج مثله من ~~حديث أبي هريرة، وفيه: إنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، مرجعه من حجة ~~الوداع، وكلاهما لا يصح. # ومنها: ms1513 آية التيمم فيها. في الصحيح «1» عن عائشة أنها نزلت بالبيداء وهم ~~داخلون المدينة. # ومنها: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم ... # [المائدة: 11] الآية. نزلت ببطن نخل. # ومنها: والله يعصمك من الناس ... [المائدة: 67] نزلت في ذات الرقاع. ~~انتهى. # وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه الروايات، عند هذه الآيات. # قال ابن كثير: روى الإمام أحمد «2» عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة ~~بزمام العضباء- ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذ نزلت عليه المائدة ~~كلها. فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. # وروى الإمام أحمد «3» أيضا عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته، لم تستطع أن تحمله، ~~فنزل عنها. تفرد به أحمد # وروى الحاكم عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا ~~جبير! تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت. فما وجدتم ~~فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على ~~شرط الشيخين، ولم يخرجاه. PageV04P004 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود روى ابن أبي حاتم أن رجلا أتى عبد ~~الله ابن مسعود فقال: اعهد إلي! فقال: إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين ~~آمنوا فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه و (الوفاء) ضد الغدر، ~~كما في (القاموس) وقال غيره: هو ملازمة طريق المواساة ومحافظة عهود ~~الخلطاء. يقال: وفي بالعهد وأوفى به. # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : ورد في الكتاب العزيز (وفى) بالتضعيف في ~~قوله تعالى: وإبراهيم الذي وفى [النجم: 37] ، وورد (أوفى) كثيرا. ومنه: ~~أوفوا بالعقود. وأما (وفى) ثلاثيا، فلم يرد إلا في قوله تعالى: ومن أوفى ~~بعهده من الله [التوبة: 111] ، لأنه بنى أفعل ms1514 التفضيل من (وفى) إذ لا يبنى ~~إلا من ثلاثي. # و (العقود) جمع عقد وهو العهد الموثق. شبه بعقد الحبل ونحوه، وهي عقود ~~الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. قال علي بن ~~طلحة: # قال ابن عباس: يعني بالعهود ما أحل الله وما حرم، وما فرض، وما حد في ~~القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا. وقال زيد بن أسلم: العقود ستة: عهد ~~الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين. قال ~~الزمخشري: والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه، من تحليل حلاله وتحريم ~~حرامه. وأنه كلام قديم مجملا. ثم عقب بالتفصيل. وهو قوله: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام البهيمة ما لا عقل له مطلقا، من ذوات الأرواح أو ذوات الأربع. # قال الراغب: خص في المتعارف بما عدا السباع والطير. وإضافتها للأنعام، ~~للبيان كثوب الخز. وإفرادها لإرادة الجنس. أي: أحل لكم أكل البهيمة من ~~الأنعام. # PageV04P005 # جمع (نعم) محركة وقد تسكن عينه. وهي الإبل والبقر والشاء والمعز إلا ما ~~يتلى عليكم يعني: رخصت لكم الأنعام كلها. إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، ~~وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك. وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة ~~والبحيرة. # فأخبر الله تعالى أنهما حلالان، إلا ما بين في هذه السورة، ثم قال غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم يعني: أحلت لكم هذه الأشياء. من غير أن تستحلوا الصيد ~~وأنتم محرمون. ف (غير) نصب على الحالية من ضمير (لكم) . قال في (العناية) : ~~ولا يرد ما قيل: إنه يلزم تقيد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد ~~وهم حرم. وهي قد أحلت لهم مطلقا. ولا يظهر له فائدة، إلا إذا عنى بالبهيمة ~~الظباء وحمر الوحش وبقره، لأنه- مع عدم اطراد اعتبار المفهوم- يعلم منه ~~غيره بالطريق الأولى. لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها، وهم محرمون ~~لدفع الحرج عنهم، فكيف في غير هذه الحال؟ فيكون بيانا لإنعام الله عليهم ~~بما رخص لهم من ذلك. وبيانا لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم. ~~وفي (الإكليل) : في ms1515 الآية تحريم الصيد في الإحرام والحرم. لأن «حرما» بمعنى ~~محرمين، ويقال: أحرم أي: بحج وعمرة. وأحرم: دخل في الحرم. انتهى. # قال بعض الزيدية: والمراد بالصيد المحرم على المحرم. هو صيد البر. لقوله ~~في هذه السورة: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما [المائدة: 96] ، هذا إذا جعل (حرم) جمع (محرم) وهو ~~الفاعل للإحرام، وإن جعل للداخل في الحرم، استوى تحريم البحري والبري. وذلك ~~حيث يكون في الحرم نهر فيه صيد فيحرم، لقوله تعالى: ومن دخله كان آمنا [آل ~~عمران: 97] . لأنه يقال لمن دخل الحرم، أنه محرم. كما يقال: أعرق وأنجد: ~~إذا دخل العراق ونجدا. ويكون التحريم في مكة وحرم المدينة لما ورد من ~~الأخبار في النهي عن صيد المدينة وأخذ شجرها. نحو: المدينة «1» حرم من عير ~~إلى ثور. انتهى. PageV04P006 # إن الله يحكم ما يريد من تحليل وتحريم. وهو الحكيم في جميع ما يأمر به ~~وينهى عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 2] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله أي: معالم دينه. وهي المناسك. # وإحلالها أن يتهاون بحرمتها، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها. # وقد روى ابن جرير «1» عن عكرمة والسدي قالا: نزلت في الحطم، واسمه شريح ~~بن هند البكري. # أتى المدينة وحده. وخلف خيله خارج المدينة. ودخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: إلام تدعو الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فقال: # حسن. إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم. ولعلي أسلم وآتي بهم. فخرج من ~~عنده، وقد كان رسول الله صلى ms1516 الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل ~~من ربيعة يتكلم بلسان شيطان. فلما خرج شريح قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لقد دخل بوجه كافر، وخرج بقفا غادر، وما الرجل بمسلم. فمر بسرح من سراح ~~المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز ويقول: # قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر الوضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين ممسوح القدم # فتبعوه فلم يدركوه. فلما كان العام القابل، خرج شريح حاجا مع حجاج بكر ~~ابن وائل، من اليمامة. ومعه تجارة عظيمة. وقد قلد الهدي. فقال المسلمون: يا ~~رسول الله! هذا الحطم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إنه قد قلد الهدي. فقالوا: يا رسول الله! هذا شيء كنا نفعله في ~~الجاهلية. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم. PageV04P007 # فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله # . قال ابن عباس: هي المناسك. كان المشركون يحجون ويهدون. فأراد المسلمون ~~أن يغيروا عليهم. # فنهاهم الله عن ذلك. وعن ابن عباس أيضا: لا تحلوا شعائر الله: هي أن تصيد ~~وأنت محرم. ويقال: شعائر الله، شرائع دينه التي حدها لعباده. وإحلالها ~~الإخلال بها. # وظاهر أن عموم اللفظ يشمل الجميع. # ولا الشهر الحرام المراد به الجنس. فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم. # وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. أي لا تحلوها بالقتال ~~فيها. # وقد كانت العرب تحرم القتال فيها في الجاهلية. فلما جاء الإسلام لم ينقض ~~هذا الحكم. بل أكده. كذا في (لباب التأويل) . # قال ابن كثير: يعني بقوله: ولا الشهر الحرام، تحريمه والاعتراف بتعظيمه، ~~وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال. كما قال تعالى: ~~يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير [البقرة: 217] . وقال ~~تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا [التوبة: 36] . # وفي صحيح البخاري «1» عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، ~~في ms1517 حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. ~~السنة اثنا عشر شهرا. منها أربعة حرم ... » الحديث، # وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت. كما هو مذهب طائفة من السلف. # وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه، في قوله تعالى ولا ~~الشهر الحرام: يعني لا تستحلوا القتال فيه. وكذا قال مقاتل وعبد الكريم بن ~~مالك الجزري. واختاره ابن جرير أيضا. وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ. وأنه ~~يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم. واحتجوا بقوله تعالى: فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] . والمراد أشهر ~~التسيير الأربعة. # قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره. انتهى. وفي كتاب (الناسخ والمنسوخ) ~~لابن حزم: إن الآية نسخت بآية السيف. ونقل بعض الزيدية في (تفسيره) عن ~~الحسن أنه PageV04P008 # ليس في هذه السورة منسوخ. وعن أبي ميسرة: فيها ثماني عشرة فريضة. وليس ~~فيها منسوخ. (انتهى) . # وروى ابن أبي حاتم عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ # قال: لا. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في (فصل سرية الخبط) كان أميرها ~~أبا عبيدة بن الجراح، وكانت في رجب، فيما ذكره الحافظ بن سيد الناس في ~~(عيون الأثر) . # ثم قال، في فقه هذه القصة: إن فيها جواز القتال في الشهر الحرام. إن كان ~~ذكر التاريخ فيها برجب، محفوظا. والظاهر، والله أعلم، أنه وهم غير محفوظ. ~~إذ لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار ~~فيه، ولا بعث فيه سرية. وقد عير المشركون المسلمين لقتالهم فيه في أول رجب، ~~في قصة العلاء بن الحضرمي، فقالوا: استحل محمد الشهر الحرام. وأنزل الله في ~~ذلك: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير [البقرة: 217] . ~~ولم يثبت ما ينسخ هذا بنص يجب المصير إليه، ولا اجتمعت الأمة على نسخه. وقد ~~استدل على تحريم القتال في الأشهر الحرام بقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: ms1518 5] . ولا حجة في هذا. لأن ~~الأشهر الحرم هاهنا هي أشهر التسيير التي سير الله فيها المشركون في الأرض ~~يأمنون فيها. وكان أولها يوم الحج الأكبر، عاشر ذي الحجة. وآخرها عاشر ربيع ~~الآخر. هذا هو الصحيح في الآية لوجوه عديدة، ليس هذا موضعها. انتهى. وقوله ~~تعالى: ولا الهدي أي: لا تحلوه بأن يتعرض له بالغصب أو بالمنع عن بلوغ ~~محله. والهدي: ما أهدي إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاء. وفي (الإكليل) : ~~هذا أصل في مشروعية الإهداء إلى البيت. وتحريم الإغارة عليه. وذبحه قبل ~~بلوغ محله. واستدل بالآية أيضا على منع الأكل منه. # ولا القلائد جمع قلادة. وهي ما يقلد به الهدي. من نعل أو لحاء شجر، ليعلم ~~أنه هدي، فلا يتعرض له. والمراد النهي عن التعرض لذوات القلائد من الهدي. # وهي البدن. وعطفها على (الهدي) مع دخولها فيه، لمزيد التوصية بها، ~~لمزيتها على ما عداها. إذ هي أشرف الهدي. كقوله تعالى: وجبريل وميكال ~~[البقرة: # 98] ، عطفا على الملائكة. كأنه قيل: والقلائد منه، خصوصا. أو النهي عن ~~التعرض لنفس القلائد، مبالغة في النهي عن التعرض لأصحابها. على معنى: لا ~~تحلوا قلائدها # PageV04P009 # فضلا عن أن تحلوها. كما نهى عن إبداء الزينة بقوله تعالى: ولا يبدين ~~زينتهن [النور: 31] . مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها. كذا لأبي السعود. # وقال الحافظ ابن كثير: يعني لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام. فإن فيه ~~تعظيم شعائر الله. ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من ~~الأنعام. # وليعلم أنه هدي إلى الكعبة. فيجتنبها من يريدها بسوء. وتبعث من يراها على ~~الإتيان بمثلها. فإن من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء. ولهذا لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات ~~بذي الحليفة. وهو وادي العقيق. فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا. ثم ~~اغتسل وتطيب وصلى ركعتين. ثم أشعر هديه وقلده. وأهل للحج والعمرة، وكان ~~هديه إبلا كثيرة تنيف على الستين، من أحسن الأشكال ms1519 والألوان كما قال تعالى: ~~ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب [الحج: 32] . # قال بعض السلف: إعظامها استحسانها واستسمانها. قال علي بن أبي طالب «1» : ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل ~~السنن. وقال مقاتل: ولا القلائد، فلا تستحلوه. وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا ~~من أوطانهم في غير الأشهر الحرم. قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر. وتقلد مشركو ~~الحرم من لحاء شجره، فيأمنون به. رواه ابن أبي حاتم. # وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون. فنهى الله عن قطع شجره ~~وكذا قال مطرف بن عبد الله. وأمانهم بذلك منسوخ. كما روى ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد وقوله: فإن جاؤك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم [المائدة: 42] وبسنده إلى ابن عوف قال: قلت للحسن: # نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا. ولا آمين البيت الحرام أي: لا تحلوا قوما ~~قاصدين زيارة المسجد الحرام بأن تصدوهم أو تقاتلوهم أو تؤذوهم، لأنه من ~~دخله PageV04P010 # كان آمنا. وقوله تعالى: يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا حال من المستكن في ~~(ءامين) أي: قاصدين زيارته حال كونهم طالبين التجارة ورضوان الله بحجهم. ~~ونقل ابن كثير عن ثمانية من سلف المفسرين أنه عنى بالفضل طلب الرزق ~~بالتجارة. قال: # كما تقدم في قوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [البقرة: # 198] . وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جرير أن الآية نزلت في الحطم بن هند ~~البكري. # وتقدمت قصته. وقال ابن طلحة عن ابن عباس: كان المؤمنون والمشركون يحجون، ~~فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا من مؤمن أو كافر. ثم أنزل الله بعده: ~~إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] ~~الآية. # وقال تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [التوبة: 17] . وقال: # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر [التوبة: 18] . فنفى ~~المشركين من المسجد الحرام. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله ~~ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام # قال: ms1520 منسوخ. كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من ~~الشجر، فلم يعرض له أحد. فإذا رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، ~~وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ~~ولا عند البيت. فنسخها قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] . ~~وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ولا القلائد يعني أن من تقلد قلادة من ~~الحرم، فأمنوه. قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك. قال الشاعر: # ألم تقتلا الحرجين إذ أعورا كما ... يمران بالأيدي اللحاء المضفرا # أفاده ابن كثير. وهذه الروايات توضح أنه عنى: (الآمين) : المشركين خاصة. ~~إذ هم المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم وما يفيده التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم. وكذا الرضوان من تشريفهم، والإشعار بحصول ~~مبتغاهم. فالسر فيه تأكيد النهي والمبالغة في استنكار المنهي عنه. قال ~~الزمخشري وأبو السعود: قد كانوا يزعمون أنهم على سداد من دينهم، وأن الحج ~~يقربهم إلى الله تعالى. فوصفهم الله تعالى بظنهم. وذلك الظن الفاسد، وإن ~~كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى، لكن لا بعد في كونه مدارا لحصول بعض ~~مقاصدهم الدنيوية، وخلاصهم عن المكاره العاجلة. لا سيما في ضمن مراعاة حقوق ~~الله تعالى وتعظيم شعائره. ونقل الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني، أن المراد ~~بالآية، الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فلما زال ~~العهد بسورة براءة، زال ذلك الخطر، ولزم المراد بقوله تعالى: فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا. انتهى. # PageV04P011 # وإذا حللتم أي خرجتم من الإحرام، أو خرجتم من الحرم إلى الحل فاصطادوا ~~أي: فلا جناح عليكم في الاصطياد ولا يجرمنكم شنآن قوم أي: لا يحملنكم على ~~الجريمة، شدة بغض قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام. أي لأن صدوكم عن زيارته ~~والطواف به للعمرة. وقرئ بكسر الهمزة من (إن) على أنها شرطية أن تعتدوا أي: ~~عليهم. قال أبو السعود: وإنما حذف، تعويلا على ظهوره، وإيماء إلى أن المقصد ~~الأصلي من النهي، منع ms1521 صدور الاعتداء عن المخاطبين، محافظة على تعظيم ~~الشعائر. لا منع وقوعه على القوم، مراعاة لجانبهم، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم ~~أي: لا يكسبنكم شدة بغضكم لهم، لصدهم إياكم عن المسجد الحرام، اعتداءكم ~~عليهم وانتقامكم منهم للتشفي. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: أي: لا يحملنكم بغض قوم، قد كانوا صدوكم عن الوصول ~~إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا حكم الله فيهم، ~~فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل ~~أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] . أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك ~~العدل. فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد، في كل حال. وقال بعض السلف: ~~ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل، به قامت السموات ~~والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله ~~بن جعفر عن زيد بن أسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت. وقد اشتد ذلك عليهم. فمر بهم ناس من ~~المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة. فقال أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل إليه هذه الآية. # الثاني: قوله: ولا يجرمنكم نهي عن إحلال قوم من الآمين، خصوا به مع ~~اندراجهم في النهي عن إحلال الكل كافة، لاستقلالهم بأمور ربما يتوهم كونها ~~مصححة لإحلالهم، داعية إليه. # الثالث- لعل تأخير هذا النهي عن قوله تعالى: وإذا حللتم فاصطادوا، مع ~~ظهور تعلقه بما قبله، للإيذان بأن حرمة الاعتداد لا تنتهي بالخروج عن ~~الإحرام، كانتهاء حرمة الاصطياد به، بل هي باقية ما لم تنقطع علامتهم عن ~~الشعائر بالكلية. # PageV04P012 # وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرض بسائر الآمين، بالطريق الأولى. أفاده أبو ~~السعود. # الرابع- دلت الآية على أن المضارة ممنوعة. ومثله # قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» . «1» . # وقوله عليه الصلاة والسلام: «أد الأمانة ms1522 إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» ~~«2» # . ذكره بعض الزيدية. وفي (الإكليل) : في الآية النهي عن الاعتداء وأنه لا ~~يؤخذ أحد بذنب أحد. # الخامس- (جرم) جار مجرى (كسب) في المعنى وفي التعدي إلى مفعول واحد، وإلى ~~اثنين، يقال: جرم ذنبا، نحو كسبه. وجرمته ذنبا، نحو كسبته إياه، خلا أن ~~(جرم) يستعمل غالبا في كسب ما لا خير فيه. وهو السبب في إيثاره هاهنا على ~~الثاني. وقد ينقل الأول من كل منهما بالهمزة إلى معنى الثاني. فيقال: ~~أجرمته ذنبا وأكسبته إياه. وعليه قراءة من قرأ يجرمنكم بضم الياء. أفاده ~~أبو السعود. # وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان لما كان ~~الاعتداء غالبا بطريق التظاهر والتعاون، أمروا، إثر ما نهوا عنه، بأن ~~يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى. ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى. ~~فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والإغضاء عما وقع منهم، دخولا ~~أوليا. ثم نهوا عن التعاون في كل ما هو من مقولة الظلم والمعاصي. فاندرج ~~فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني: أفاده أبو ~~السعود. # قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله. والعدوان: جواز ما حد الله ~~في الدين، ومجاوزة ما فرض الله في النفس والغير. وفي معنى الآية أحاديث ~~كثيرة. # منها، # عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدال على الخير ~~كفاعله» . رواه البزار. # وعن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» : «من ~~دل على خير فله مثل أجر فاعله» . رواه مسلم. # وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» : «من دعا إلى ~~هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه. لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن ~~دعا إلى PageV04P013 # ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه. لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» ~~. رواه مسلم. # وعن سهل بن سعد «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي عليه ~~السلام، يوم خيبر: «فو الله! ms1523 لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر ~~النعم» # ، متفق عليه. # وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما. قيل: يا رسول الله هذا! نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ~~ظالما؟ قال: تحجزه وتمنعه من الظلم. فذاك نصرك إياه» «2» . رواه الإمام ~~أحمد والشيخان. # وعن يحيى بن وثاب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن ~~الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا ~~يصبر على أذاهم» ، رواه الإمام أحمد «3» . # وروى الطبراني والضياء المقدسي عن أوس بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من ~~الإسلام» # وعن النواس «4» ابن سمعان قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البر والإثم؟ فقال: البر حسن الخلق. # والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» . رواه مسلم. ### | تنبيه: في فروع مهمة. # قال بعض الزيدية: من ثمرات الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وأنه لا يجوز إعانة متعد ولا عاص، فيدخل في ذلك تكثير سواد الظلمة بوجه، ~~من قول أو فعل أو أخذ ولاية أو مساكنة. وفي (الإكليل) : استدل المالكية ~~بالآية على بطلان إجارة الإنسان نفسه، لحمل خمر ونحوه، وبيع العنب لعاصره ~~خمرا والسلاح لمن يعصي به، وأشباه ذلك. انتهى. وهو متجه. PageV04P014 # وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) : ولا ~~يحل للرجل أن يكون عونا على ظلم. فإن التعاون نوعان: نوع على البر والتقوى، ~~من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين، فهذا ما أمر ~~الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة، فقد ترك فرضا ~~على الأعيان أو على الكفاية، متوهما أنه متورع. وما أكثر ما يشتبه الجبن ~~والفشل بالورع، إذ كان كل منهما كف وإمساك. # والثاني- تعاون على الإثم والعدوان، كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال ~~معصوم، وضرب ms1524 من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك. فهذا الذي حرمه الله ورسوله. # نعم، إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق، وتعذر ردها إلى أصحابها، ككثير ~~من الأموال السلطانية، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين، ~~كسداد الثغور ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك، من الإعانة على البر والتقوى، إذ ~~الواجب على السلطان في هذه الأموال، إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ~~ولا على ورثتهم- أن يصرفها مع التوبة، إن كان هو الظالم، إلى مصالح ~~المسلمين. وإن كان غيره قد أخذها فعليه أن يفعل بها ذلك. وكذلك لو امتنع ~~السلطان من ردها، كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها، أولى من تركها ~~بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين. فإن مدار الشريعة على قوله ~~تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] . المفسر لقوله: اتقوا الله ~~حق تقاته [آل عمران: 102] . وعلى # قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . ~~أخرجاه في الصحيحين «1» . # وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها، فإذا ~~تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع ~~احتمال أدناهما- هو المشروع، والمعين على الإثم والعدوان من أعان ظالما على ~~ظلمه. أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو ~~وكيل المظلوم لا وكيل الظالم. بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل ~~المال له إلى الظالم. مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف، إذا طلب ظالم منه مالا، ~~فاجتهد في دفع PageV04P015 # ذلك، بدفع ما هو أقل منه إليه أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع- ~~فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل. وكذلك، وكيل المالك من المتأديين ~~والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يطلب منهم، لا ~~يتوكل للظالمين في الأخذ. وكذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق ~~أو مدينة، فتوسط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقسطها بينهم على ~~قدر طاقتهم، من غير محاباة لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في ~~الدفع ms1525 عنهم والإعطاء- كان محسنا. لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل ~~الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد، وآخذا ممن يريد وهذا من أكبر ~~الظلمة الذين يحشرون في توابيت من نار هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يقذفون في ~~النار، انتهى. # واتقوا الله أي: اخشوه فيما أمركم ونهاكم إن الله شديد العقاب. يعني لمن ~~خالف أمره. ففيه وعيد وتهديد عظيم. ثم بين تعالى المحرمات التي أشير إليها ~~بقوله تعالى: إلا ما يتلى عليكم فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # حرمت عليكم الميتة وهي ما فارقه الروح بغير سبب خارجي. لأنها تنجست ~~بمفارقته من غير مطهر، من ذكر اسم الله تحقيقا أو تقديرا، كإسلام الذابح. ~~كذا في (التبصير) . وقد خص من (الميتة) السمك بالسنة: فإنه حلال. # مات بتذكية أو غيرها. لما # رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن ماجة في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، عن أبي ~~هريرة «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر؟ فقال: هو PageV04P016 # الطهور ماؤه، الحل ميتته» # . وهكذا الجراد. لما سيأتي. قال الرازي: تحريم الميتة موافق لما في ~~العقول. لأن الدم جوهر لطيف جدا. فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في ~~عروقه، وتعفن وفسد، وحصل من أكله مضار عظيمة. انتهى. # أخرج ابن مندة في كتاب (الصحابة) من طريق عبد الله بن جبلة بن حبان بن ~~حجر عن أبيه عن جده حبان قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ~~أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة. فأنزل تحريم الميتة فاكفأت القدر ms1526 والدم أي: ~~المسفوح منه. لقوله تعالى في الأنعام: أو دما مسفوحا [الأنعام: 145] . وقد ~~روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال؟ فقال: كلوه. ~~فقالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. وكذا رواه حماد بن ~~سلمة عن يحيي بن سعيد بن القاسم عن عائشة قالت: إنما نهى عن الدم السافح. # قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد ~~ابن أسلم عن أبيه عن بن عمر مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«1» : «أحل لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان فالسمك والجراد. وأما الدمان ~~فالكبد والطحال» . وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والدارقطني والبيهقي ~~من حديث عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم # . وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس، عن أسامة، ~~وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، مرفوعا. قال الحافظ ابن ~~كثير: وثلاثتهم كلهم ضعفاء. ولكن بعضهم أصلح من بعض. وقد رواه سليمان ابن ~~بلال، أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم عن ابن عمر، فوقفه بعضهم عليه، قال ~~الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح. نقله ابن كثير. # أقول: أقوى مما ذكر في الحجة، ما # في الصحيحين «2» وغيرهما من حديث ابن أبي أوفي قال: غزونا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد. # وفيهما أيضا من حديث «3» جابر، إن البحر ألقى حوتا ميتا فأكل منه الجيش. ~~فلما قدموا قالوا للنبي PageV04P017 # صلى الله عليه وسلم. فقال: كلوا رزقا أخرج الله لكم. أطعمونا منه إن كان ~~معكم. فأتاه بعضهم بشيء # . وفي البخاري «1» عن عمر في قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~[المائدة: 96] . قال: صيده ما اصطيد. وطعامه ما رمي به. وفيه عن ابن عباس ~~قال: # طعامه ميتته. # قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة وهو صدي بن عجلان قال: ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، ~~وأعرض عليهم شرائع ms1527 الإسلام، فأتيتهم. فبينما نحن كذلك، إذ جاءوا بقصعة من ~~دم فاجتمعوا عليها يأكلونها. فقالوا: هلم، يا صدي! فكل. قال، قلت: ويحكم، ~~إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ ~~فتلوت عليهم هذه الآية: # حرمت عليكم الميتة والدم ... الآية. ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه # . وزاد بعد هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون علي. فقلت: ~~ويحكم! اسقوني شربة من ماء فإني شديد العطش. قال، وعلي عباءتي. فقالوا: لا. ~~ولكن ندعك حتى تموت عطشا. قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء. ونمت على ~~الرمضاء في حر شديد. قال، فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج. لم ير الناس ~~أحسن منه. وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه. فأمكنني منه فشربته. فلما فرغت ~~من شرابي استيقظت، فلا، والله! ما عطشت ولا عربت (عرب كفرح فسدت معدته. ~~قاموس) بعد تيك الشربة. # ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن أحمد بن حنبل بسنده إلى أبي ~~أمامة. وزاد بعد قوله (بعد تيك الشربة) : فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من ~~سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة؟ فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها. إن الله ~~أطعمني وسقاني. وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم. انتهى. # قال الزمخشري: كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت ~~حتف أنفها. والفصيد، وهو الدم في المباعر، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد ~~له. وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم.. [البقرة: 173] الآية. # قال المهايمي: حرم الدم لأنه متعلق الروح بلا واسطة. فأشبه النجس بالذات، ~~PageV04P018 # لا يؤثر فيه المطهر. ولحم الخنزير لأنه نجس في حياته بصفاته الذميمة وهي، ~~وإن زالت بالموت، فهو منجس ولم يقبل التطهير. لأنه لما كان نجسا حال الحياة ~~والموت، أشبه النجس بالذات، فكأنه زيد تنجيسه بالموت. وإنما ذكر اللحم ~~إشارة إلى أنه، وإن لم يكن موصوفا في الحياة بالصفات المنجسة لروحه، كان ~~متنجسا بنجاسة روحه، ثم بزوال الروح. انتهى. # قال ابن كثير: وقوله تعالى: ولحم ms1528 الخنزير يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم ~~جميع أجزائه حتى الشحم، كما هو المفهوم من لغة العرب ومن العرف المطرد. # وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال «1» : «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم ~~الخنزير ودمه» # ، فإذا كان هذا التنفير لمجرد اللمس، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد ~~على أكله والتغذي به؟ وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم ~~وغيره. # وفي الصحيحين «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم ~~بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام: فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم ~~الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا ~~هو حرام» # وما أهل لغير الله به أي: # نودي عليه بغير اسم الله، كما في (الصحاح) وأصل الإهلال رفع الصوت، وكان ~~العرب في الجاهلية، يذكرون أسماء أصنامهم عند الذبح، فحرم الله ذلك بهذه ~~الآية. # وبقوله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [الأنعام: 121] . # قال ابن كثير في الآية: أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام. لأن ~~الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم. فمن عدل بها عن ذلك، ~~وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، ~~فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية، إما عمدا أو ~~نسيانا، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى. PageV04P019 # وروى ابن أبي حاتم عن الجارود بن أبي سبرة قال: كان رجل من بني رياح يقال ~~له: ابن نائل. وكان شاعرا. نافر غالبا، جد الفرزدق بماء بظهر الكوفة. على ~~أن يعقر هذا مائة من إبله، إذا وردت الماء. فلما وردت الماء. قاما بسيفيهما ~~فجعلا يكشفان عراقيبها. قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم. ~~وعلي بالكوفة. # قال: فخرج علي. على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وهو ~~ينادي: يا أيها الناس! لا تأكلوا من لحومها. ms1529 فإنما أهل بها لغير الله. هذا ~~أثر غريب. يشهد له بالصحة ما # رواه أبو داود عن ابن عباس «1» قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن معاقرة الأعراب» # . ثم # أسند عن عكرمة «2» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل. # أفاده ابن كثير. # وفي (القاموس وشرحه) : وعاقره: فاخره وكارمه في عقر الإبل. ويقال: تعاقرا ~~إذا عقرا إبلهما، يتباريان بذلك، ليرى أيهما أعقر لها. ومن ذلك معاقرة غالب ~~بن صعصعة. أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوأر. فعقر سحيم ~~خمسا ثم بدا له. وعقر غالب مائة. # وفي حديث ابن عباس: لا تأكلوا من تعاقر الأعراب. فإني لا آمن أن يكون مما ~~أهل به لغير الله. # قال ابن الأثير: هو عقرهم الإبل، كان الرجلان يتباريان في الجود والسخاء. # فيعقر هذا وهذا. حتى يعجز أحدهما الآخر. وكانوا يفعلونه رياء وسمعة ~~وتفاخرا. # ولا يقصدون به وجه الله تعالى. فشبهه بما ذبح لغير الله تعالى. انتهى. # وروى الإمام مسلم عن علي «3» رضي الله عنه قال: «حدثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله. لعن الله من لعن ~~والديه. لعن الله من آوى محدثا. لعن الله من غير منار الأرض» . # وروى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؟ يا رسول ~~الله! قال: # مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا. فقالوا ~~لأحدهما: # قرب قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فخلوا ~~PageV04P020 # سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون ~~الله عز وجل. فضربوا عنقه. فدخل الجنة» . # وفي هذه القصة ترهيب من وجوه: منها كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي ~~لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم. # ومنها معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ms1530 ذلك على القتل ولم ~~يوافقهم على طلبتهم. مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر. ومنها أن في هذا ~~شاهدا # للحديث الصحيح: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك» «1» ~~. # كذا في كتاب (التوحيد) . # والمنخنقة وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما اتفاقا. بأن تتخبل في ~~وثاقها فتموت به. قال الحسن وغيره: هي التي تختنق بحبل الصائد أو غيره. ~~وبأي وجه اختنقت فهي حرام. وقال ابن عباس: كانت الجاهلية يخنقون الشاة. حتى ~~إذا ماتت أكلوها. والمنخنقة من جنس الميتة، لأنها لما ماتت، وما سال دمها، ~~كانت كالميت حتف أنفه. إلا أنها فارقت الميتة بكونها تموت بسبب انعصار ~~الحلق بالخنق، بخلاف الميتة فإنها بلا سبب. # قال المهايمي: المنخنقة، وإن ذكر اسم الله عليها فقد عارضه سريان خباثة ~~الخانق إليها، مع تنجسها بالموت والموقوذة يعني المقتولة بالخشب. وكان أهل ~~الجاهلية يضربون الشاة بالعصي. حتى إذا ماتت أكلوها. وفي (القاموس وشرحه) ~~الوقذ شدة الضرب. وقذه يقذه وقذا: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. وشاة ~~وقيذ وموقوذة قتلت بالخشب. وقال أبو سعيد: الوقذ الضرب على فأس القفا. # فيصير هدتها إلى الدماغ، فيذهب العقل. فيقال: رجل موقوذ. # وفي الصحيح أن عدي ابن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله! إني أرى بالمعراض ~~الصيد، فأصيب. قال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكله. وإن أصاب بعرضه فإنما هو ~~وقيذ. فلا تأكله» «2» . # والمتردية هي الساقطة من جبل أو في بئر، فتموت. والتردي السقوط فهي ~~مهواة. # وهذه الثلاثة في معنى الميتة. فإنها ماتت ولم يسل دمها. والنطيحة هي التي ~~نطحتها أخرى فماتت. فهي حرام. وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من ~~PageV04P021 # مذبحها. وإن أرسل إنسان الناطح بذكر اسم الله. لأنه لما لم يكن بطريق ~~الصيد المشروع، ولم تخل من خباثة. ### | فائدة: # قال التبريزي في (تهذيبه) وابن قتيبة في (أدب الكاتب) : ما كان على فعيل، ~~نعتا للمؤنث وهو في تأويل مفعول، كان بغير هاء. نحو كف خضيب وملحفة غسيل. ~~وربما جاءت بالهاء يذهب بها مذهب الأسماء. نحو النطيحة والذبيحة والفريسة ms1531 ~~وأكيلة السبع ... وقالوا: ملحفة جديد. لأنها في تأويل مجدودة أي مقطوعة. ~~وإذا لم يجز فيه مفعول فهو بالهاء. نحو مريضة وظريفة وكبيرة وصغيرة. # وجاءت أشياء شاذة. فقالوا: ريح خريق وناقة سديس وكتيبة خصيف. # وقال ابن السكيت: قد تأتي فعيله بالهاء وهي في تأويل مفعول بها. تخرج ~~مخرج الأسماء ولا يذهب بها مذهب النعوت. نحو النطيحة والذبيحة والفريسة ~~وأكيلة السبع، ومررت بقتيلة بني فلان. # وقال الجوهري: إنما جاءت النطيحة بالهاء، لغلبة الاسم عليها. وكذلك ~~الفريسة والأكيلة والرمية. لأنه ليس هو (نطحتها، فهي منطوحة) وإنما هو ~~الشيء في نفسه مما ينطح والشيء مما يفرس ويؤكل. # وما أكل السبع أي ما عدا عليها فأكل بعضها. قال قتادة: كان أهل الجاهلية، ~~إذا جرح السبع شيئا فقتله أو أكل منه، أكلوا ما بقي منه. فحرمه الله تعالى. # قال المهايمي: هو، وإن أشبه الصيد، لكنه لما أكله قصد بذلك نفسه، فسرت ~~خباثته فيها. انتهى. و (السبع) بضم الباء وفتحها وسكونها: المفترس من ~~الحيوان. # مثل الأسد والذئب والنمر والفهد. وما أشبهها مما له ناب، ويعدو على الناس ~~والدواب فيفترسها. وسمي ذلك لتمام قوته. وذلك أن (السبع) من الأعداد ~~التامة، وفي الآية محذوف تقديره: وما أكل السبع بعضه. كما ذكرنا. لأن ما ~~أكله فقد فقد. # فلا حكم له، إنما الحكم للباقي منه. وقوله تعالى: إلا ما ذكيتم أي ما ~~أدركتم ذكاته من هذه المذكورات المنخنقة فما بعدها. بحيث ينسب موتها إلى ~~الذبح دون غيره، فإنه يتحقق فيه المطهر، ولا يؤثر فيه السابق. لأن اللاحق ~~ينسخه. بل هو واقع قبل تأثير السابق. إذ لا يتم التأثير إلا بالموت. أفاده ~~المهايمي. # PageV04P022 # قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، ~~فكلوه فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن والسدي. # وروى ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، في الآية قال: إن ~~مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، فكل. # وروى ابن جرير «1» عن الحارث عن علي ms1532 أيضا قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة ~~والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها # . وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد أن ~~المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال. ~~وهذا مذهب جمهور الفقهاء. أفاده ابن كثير. # وفي الموطأ «2» : سئل مالك عن شاة تردت فتكسرت، فأدركها صاحبها فذبحها، ~~فسال الدم منها ولم تتحرك؟ فقال مالك: إذا كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف، ~~فليأكلها. # والتذكية الذبح، كالذكا والذكاة. قال الراغب: حقيقة التذكية إخراج ~~الحرارة الغريزية. لكن خص في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه. أي وهو ~~قطع الحلقوم والمريء. بمنهر للدم: من سكين وسيف وزجاج وحجر وقصب، له حد ~~يقطع كما السلاح المحدد. ما لم يكن سنا أو ظفرا. # لحديث رافع بن خديج في الصحيحين «3» وغيرهما قال: «قلت يا رسول الله! إنا ~~لاقو العدو غدا. وليس معنا مدى. أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم وذكر ~~اسم الله عليه، فكلوه. ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم. ~~وأما الظفر فمدى الحبشة» . # وأما حديث أبي العشراء عن أبيه: قلت: «يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا ~~PageV04P023 # في الحلق واللبة؟ قال: لو طعنت في فخذها لأجزاك» ، أخرجه أحمد وأهل ~~السنن- # ففي إسناده مجهولون. وأبو العشراء لا يعرف من أبوه. ولم يرو عنه غير حماد ~~بن سلمة. فهو مجهول. كذا في (الروضة) . # وقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) : أبو العشراء مختلف في اسمه وفي اسم ~~أبيه. وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه على الصحيح. ولا يعرف حاله. # وقال في (التقريب) : أعرابي مجهول. # قال الترمذي في جامعه، بعد سوقه لهذا الحديث: قال أحمد بن منيع: قال يزيد ~~بن هارون: هذا في الضرورة. وفي الباب عن رافع بن خديج. انتهى. # وقال ابن كثير: وهذا الحديث صحيح. ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه ~~في الحلق واللبة. انتهى. # وتصحيحه له، مع جهالة راوية المذكور، فيه نظر. فإن حد الصحيح كما في ~~(التقريب) ما اتصل ms1533 إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. قال ~~(شارحه السيوطي) : فخرج بقيد (العدول) ما نقله مجهول عينا أو حالا. أي: ~~فليس بصحيح بل ضعيف. # وفي (النخبة) أن خبر الآحاد مقبول ومردود، والثاني إما لسقط من إسناد أو ~~طعن في راو. والطعن إما لكذب أو تهمته بذلك. إلى أن قال: أو جهالته بأن لا ~~يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. فتبصر. # وما ذبح على النصب قال الزمخشري: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت. ~~يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها. يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها. # تسمى الأنصاب. # قال ابن كثير: فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع وحرم عليهم أكل هذه ~~الذبائح، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله. لما في الذبح عند النصب من ~~الشرك الذي حرمه الله ورسوله. انتهى. # وقد ورد النهي عن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغيره تعالى. # فروى أبو داود «1» PageV04P024 # بإسناد على شرط الشيخين، عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: «نذر رجل ~~أن ينحر إبلا ببوانة. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل كان فيها وثن ~~من أوثان الجاهلية يعبد؟ # قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك. فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله. ولا فيما ~~لا يملك ابن آدم» . # ففيه، أن المعصية قد تؤثر في الأرض. وكذلك الطاعة. وفيه المنع من النذر ~~إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله. أو عيد من أعيادهم، ولو ~~بعد زواله أيضا. وأنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة لأنه نذر معصية ~~وفيه الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم، ولو لم يقصده. كذا في (كتاب ~~التوحيد) . ### | لطيفة: # (النصب) بضمتين، وضم فسكون، إما جمع، واحده نصاب. ككتاب وكتب. أو مفرد ~~جمعه أنصاب كعنق وأعناق. وقفل وأقفال. وفي (القاموس وشرحه) : النصب: كل ما ~~نصب وجعل علما. وكل ما نصب فعبد من دون الله تعالى. والأنصاب حجارة كانت ~~حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح ms1534 لغير الله تعالى. وقال القتيبي: النصب ~~صنم أو حجر. وكانت الجاهلية تنصبه تذبح عنده، فيحمر بالدم. ومنه حديث «1» ~~أبي ذر في إسلامه قال: فخرجت مغشيا علي ثم ارتفعت كأني نصب أحمر. يريد أنهم ~~ضربوه حتى أدموه. فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح. انتهى. # قال ابن جريح: كانت النصب ثلاثمائة وستين نصبا. وكانوا يذبحون عندها ~~وينضحون ما أقبل منها إلى البيت، بدماء تلك الذبائح. ويشرحون اللحم ويضعونه ~~على النصب. # وأن تستقسموا بالأزلام أي: وحرم عليكم، أيها المؤمنون، الاستقسام ~~بالأزلام، أي: طلب القسم والحكم بها. والأزلام جمع زلم (محركة) . و (كصرد) ~~وهي: قداح ثلاثة كانوا يستقسمون به في الجاهلية. مكتوب على أحدها: (افعل) ~~وعلى الآخر (لا تفعل) والثالث غفل، ليس عليه شيء. وقد زلمت وسويت ووضعت ~~PageV04P025 # في الكعبة. يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا. أتى ~~السادن وقال: # أخرج لي زلما. فيجيلها ثم يخرج زلما منها. فإذا خرج قدح الأمر، مضى على ~~ما عزم عليه. أو النهي قعد عما أراده. أو الفارغ أعاد. # قال الأزهري (في معنى الآية) : أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قسم لكم من ~~أحد الأمرين. فمعنى الاستقسام هو طلب معرفة ما قسم له من الخير والشر، مما ~~لم يقسم له بواسطة ضرب القداح. وذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أعظم أصنام ~~قريش، صنم كان يقال له هبل. منصوب على بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، ~~وأموال الكعبة فيه. وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما ~~أشكل عليهم. فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه. وفي (اللباب) : ~~كانت أزلامهم سبع قداح مستوية مكتوب على واحد منها: (أمرني ربي) وعلى واحد: # (نهاني) وعلى واحد (منكم) وعلى واحد (من غيركم) وعلى واحد: (ملصق) وعلي ~~واحد (العقل) وعلى واحد غفل. أي ليس عليه شيء. وكانت العرب، في الجاهلية، ~~إذا أرادوا سفرا أو تجارة أو نكاحا، أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل، أو ~~تحمل عقل، أو غير ذلك من الأمور العظام- جاءوا إلى هبل. وكانت أعظم ms1535 صنم ~~لقريش بمكة. وجاءوا بمائة درهم. وأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم. فإن ~~فرج (أمرني ربي) فعلوا ذلك الأمر. وإن خرج (نهاني ربي) لم يفعلوه. وإن ~~أجالوا على نسب، فإن خرج (منكم) كان وسطا منهم. وإن خرج (من غيركم) كان ~~حلفا فيهم. وإن خرج (ملصق) كان على حاله. وإن اختلفوا في العقل. وهو الدين، ~~فمن خرج عليه قدح العقل تحمله. وإن خرج غفل أجالوا ثانيا. حتى يخرج المكتوب ~~عليه. فنهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقا. كما يأتي: # وثبت في الصحيحين «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل ~~مصورين فيها. وفي أيديهما الأزلام. فقال: «قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم ~~يستقسما بها أبدا» # . وفي الصحيح «2» أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة. مهاجرين، قال: فاستقسمت ~~بالأزلام: هل أضرهم أم لا؟ # فخرج الذي أكره: لا تضرهم. قال فعصيت الأزلام واتبعتهم. ثم استقسم بها ~~ثانية PageV04P026 # وثالثة. كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم. وكان كذلك. وكان سراقة لم يسلم ~~إذ ذاك. ثم أسلم بعد ذلك. # وروى ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرا» # ذلكم فسق أي خروج عن الأخذ بالطريق المشروع. والإشارة إلى الاستقسام. أو ~~إلى تناول ما حرم عليهم. لأن المعنى: # حرم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا. فإن قلت: لم كان استقسام المسافر ~~وغيره بالأزلام، لتعرف الحال- فسقا؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي ~~استأثر به علام الغيوب. وقال: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله [النمل: 65] . واعتقاد أن إليه طريقا وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي ~~ونهاني ربي- افتراء على الله. وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ والكهنة ~~والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا ~~يجيلونها عند أصنامهم- فأمره ظاهر. # كذا في الكشاف. ### | تنبيه: # في (الإكليل) استدل بهذه ms1536 الآية على تحريم القمار والتنجيم والرمل وكل ما ~~شاكل ذلك. وعداه بعضهم إلى منع القرعة في الأحكام، وهو مردود. انتهى. أي ~~لتباين القصد فيهما. فإن القرعة في قسمة الغنائم وإخراج النساء ونحوها، ~~لتطيب نفوسهم والبراءة من التهمة في إيثار البعض. ولو اصطلحوا على ذلك جاز ~~من غير قرعة. كما (في العناية) . # قال الحاكم: وتدل على تحريم التمسك بالفأل والزجر والتطير والنجوم. فأما ~~التفاؤل بالخير فمباح. قال الأصم: ومن هذا قول المنجم: إذا طلع نجم كذا ~~فاخرج، وإن لم يطلع فلا تخرج. # قال الراضي بالله: ومن عمل بالأيام في السعد والنحس، معتقدا أن لها ~~تأثيرا، كفر. وإن لم يعتقد أثم. # وقد روى أبو داود «1» والنسائي وابن حبان عن قطن بن قبيصة، عن أبيه، أنه ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» ~~. # قال عوف أحد رواته: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط بالأرض. وفي ~~PageV04P027 # (القاموس) عفت الطير عيافة: زجرتها. وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها، ~~فتتسعد أو تتشأم، وهو من عادة العرب كثيرا. # وقال أبو زيد: الطرق أن يخط الرجل في الأرض بإصبعين ثم بإصبع. # وقال ابن الأثير: الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء. وقيل: هو الخط ~~بالرمل. والجبت: كل ما عبد من دون الله تعالى. # وقد روى مسلم في صحيحه «1» ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل ~~له صلاة أربعين يوما» . # وروى الإمام أحمد «2» وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم» . # وعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن ~~له، أو سحر أو سحر له. ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم الله» . رواه البزار بإسناد جيد. ورواه ms1537 الطبراني ~~في (الأوسط) بإسناد حسن من حديث ابن عباس. دون قوله: ومن أتى إلخ. # قال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على ~~المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن ~~المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس بن ~~تيمية: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ممن يتكلم في معرفة ~~الأمور بهذه الطرق. وقال ابن عباس (في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في ~~النجوم) : ما أرى من فعل ذلك، له عند الله من خلاق. وفي الأحاديث السابقة ~~من الترهيب ما فهيا من التصريح بأنه لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان ~~بالقرآن، والتصريح بأنه كفر. # وعن ابن مسعود مرفوعا «3» . الطيرة شرك. الطيرة شرك. وما منا إلا ... ~~ولكن الله يذهبه بالتوكل. رواه أبو داود والترمذي # وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعود. # ولأحمد «4» من حديث ابن عمرو: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. # قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم! لا خير إلا خيرك، ولا طير ~~إلا طيرك، ولا إله غيرك. PageV04P028 # وعن أنس قال «1» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عدوى ولا طيرة ~~ويعجبني الفأل. # قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة. رواه الشيخان. # ولأبي داود «2» بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل ولا ترد مسلما. فإذا رأى ~~أحدكم ما يكره فليقل: # اللهم! لا يأتي بالحسنات إلا أنت. ولا يدفع السيئات إلا أنت. ولا حول ولا ~~قوة إلا بك» . ### | فائدة: # قال الحافظ ابن كثير: قد أمر الله المؤمنين، إذا ترددوا في أمورهم، أن ~~يستخيروه، بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما # رواه الإمام أحمد والبخاري «3» وأهل السنن من طرق عن جابر بن عبد الله ~~قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما ~~يعلمنا السورة من القرآن: ويقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير ~~الفريضة ثم ms1538 ليقل: اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من ~~فضلك العظيم. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. ~~اللهم! إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه باسمه) خير لي في ديني ودنياي ~~ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال عاجل أمري) وآجله فأقدره لي، ويسره لي ثم بارك ~~لي فيه. وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي، ومعاشي، وعاقبة أمري، ~~فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به» . هذا لفظ ~~الإمام أحمد. # اليوم يئس أي: قنط الذين كفروا من دينكم روي علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم. # وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان. وعلى هذا المعنى ~~يرد # الحديث الثابت في الصحيح «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم» . ~~نقله ابن كثير # . وعليه ف (من) تعليلية. أي: يئسوا من مراجعة دينهم لأجل دينكم الذي ضم ~~إليه جمهور الأمة العربية من أدناها إلى أقصاها. ودخلوا فيه أفواجا. ~~PageV04P029 # وللزمخشري تأويل بديع، تابعه عليه من بعده، ونحن نسوقه أيضا. قال رحمه ~~الله: لم يرد بقوله تعالى: اليوم يوم بعينه. وإنما أريد به الزمان الحاضر، ~~وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية. كقولك: كنت بالأمس شابا ~~وأنت اليوم أشيب. فلا تريد (بالأمس) اليوم الذي قبل يومك ولا (باليوم) ~~يومك. وقيل: أريد يوم نزولها. وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة، بعد ~~العصر في حجة الوداع. # وقوله تعالى: يئس. إلخ. أي يئسوا منه أن يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه ~~الخبائث، بعد ما حرمت عليكم. وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه. لأن الله عز ~~وجل وفى بوعده من إظهاره على الدين كله. # فلا تخشوهم بعد إظهار الدين، وزوال الخوف من الكفار، وانقلابهم مغلوبين ~~مقهورين، بعد ما كانوا غالبين واخشون وأخلصوا لي الخشية. انتهى كلامه. # وأوضح الوجه الأول، الرازي فقال: ليس المراد باليوم هو ذلك ms1539 اليوم بعينه، ~~حتى يقال: إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين، وإنما هو كلام خارج على عادة ~~أهل اللسان معناه: لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار، لأنكم الآن ~~صرتم حيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم. # ثم بين تعالى أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة وهو: إكماله لهم دينهم، ~~فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه. ~~ولهذا جعله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما ~~أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه. فلما أكمل لهم الدين تمت ~~عليهم النعمة. ولهذا قال اليوم أكملت لكم دينكم يعني أحكامه وفرائضه، فلا ~~زيادة بعده، ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام. هذا ما روي عن ابن ~~عباس. وقال سعيد بن جبير وقتادة: # معنى (الإكمال) أنه لم يحج معهم مشرك. وخلا الموسم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وللمسلمين. وقيل: معناه كفايتهم أمر العدو، وجعل اليد العليا ~~لهم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ~~ينازعهم. وبما ذكرنا أولا- من أن المراد بالإكمال عدم الزيادة- يندفع ما ~~يتوهم من ثبوت النقص أولا. ولذا قال ابن الأنباري (في الآية) : اليوم أكملت ~~لكم شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت. وذلك أن الله تعالى ~~كان يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر. فيكون الوقت الأول ~~تاما في وقته. وكذلك الوقت الثاني تاما في وقته. فهو كما يقول القائل: عندي ~~عشرة كاملة، ومعلوم أن العشرين أكمل منها. # PageV04P030 # والشرائع التي تعبد الله عز وجل بها عباده، في الأوقات المختلفة، مختلفة. # وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها. فكمل الله عز وجل الشرائع في ~~اليوم الذي ذكره- وهو يوم عرفة- ولم يوجب ذلك، أن الدين كان ناقصا في وقت ~~من الأوقات. # وللإمام القفال نحو ذلك، نقله عنه الرازي واختاره. قال: إن الدين ما كان ~~ناقصا البتة، بل كان ms1540 أبدا كاملا. يعني: كانت الشرائع النازلة من عند الله ~~في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث ~~بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه. فلا جرم كان ~~ينسخ بعد الثبوت. وكان يزيد بعد العدم. وأما في آخر زمان المبعث فأنزل الله ~~شريعة كاملة، وحكم ببقائها إلى يوم القيامة. فالشرع أبدا كان كاملا. إلا أن ~~الأول كمال إلى زمان مخصوص. والثاني كمال إلى يوم القيامة. فلأجل هذا قال: ~~اليوم أكملت لكم دينكم. وأتممت عليكم نعمتي يعني بإكمال الدين والشريعة. ~~لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. أو بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين. وهدم ~~منار الجاهلية ومناسكهم، وأن لم يحج معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو ~~بإنجاز ما وعدهم بقوله: ولأتم نعمتي عليكم. فكان من تمام النعمة فتح مكة ~~وما ذكرنا. # ورضيت لكم الإسلام دينا يعني: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه ~~هو الدين المرضي وحده. ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: # 85] ، أو معناه: الانقياد لأمري فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام ~~والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم. ومعلوم أن الإسلام لم يزل مرضيا ~~للحق تعالى منذ القدم، إلا أن المعني به، في الآية، الصفة التي هو اليوم ~~بها. وهي نهاية الكمال والبلوغ به أقصى درجاته. أي: فالزموه ولا تفارقوه: ~~إن الدين عند الله الإسلام. # [آل عمران: 19] ..! # روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: قال جبريل: قال الله عز وجل: هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه ~~إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه. ### | فوائد: # الأولى: روى الإمام أحمد والشيخان «1» وغيرهم عن طارق بن شهاب قال: جاء ~~PageV04P031 # رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إنكم تقرؤون ~~آية في كتابكم، لو علينا، معشر اليهود، نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: ~~وأي آية؟ قال: # قوله: اليوم أكملت لكم دينكم ms1541 وأتممت عليكم نعمتي. فقال عمر: والله! إني ~~لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة التي ~~نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة. # قال ابن كثير: وقد روي هذا من غير وجه عن عمر. وروى ابن جرير «1» عن ~~قبيصة بن أبي ذئب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية ~~لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال عمر: أي ~~آية يا كعب؟ فقال: اليوم أكملت لكم دينكم. فقال عمر: قد علمت اليوم الذي ~~أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه. نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة. وكلاهما بحمد ~~الله لنا عيد. وروى ابن جرير «2» القصة أيضا عن ابن عباس، وأنه قال: نزلت ~~يوم عيدين إثنين. يوم عيد ويوم جمعة.. وروى ابن مردويه عن ابن الحنفية عن ~~علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم عشية ~~عرفة: اليوم أكملت لكم دينكم. ورواه أيضا عن سمرة. وروى ابن جرير نحوه عن ~~معاوية. «3» . وروي عن السدي «4» قال: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل ~~بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. فقالت «5» ~~أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة. فبينما ~~نحن نسير إذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الراحلة. فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن. فنزلت. فأتيته فسجيت ~~عليه بردا كان علي. # وقال ابن جرير «6» وغيره: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم ~~عرفة بأحد وثمانين يوما. # وقال ابن جرير «7» : حدثنا سفيان بن وكيع: حدثنا ابن فضيل عن هارون بن ~~PageV04P032 # عنترة عن أبيه قال: لما نزلت: اليوم أكملت لكم دينكم- وذلك يوم الحج ~~الأكبر- بكى عمر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني ~~أنا كنا في زيادة من ديننا. # فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء ms1542 إلا نقص. فقال صدقت. # قال ابن كثير: ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: إن الإسلام بدأ غريبا ~~وسيعود غريبا فطوبى للغرباء. انتهى. # قلت: والحديث المذكور رواه مسلم «1» عن أبي هريرة. والترمذي عن ابن ~~مسعود. وابن ماجة عنهما أيضا وعن أنس، والطبراني عن سلمان وسهل وابن عباس. # هذا، وروى ابن جرير «2» من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: ليس، ~~ذلك بيوم معلوم عند الناس. ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: # نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى حجة الوداع. # وروى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم. # حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه # . ثم رواه عن أبي هريرة وفيه: إنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة- يعني ~~مرجعه صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع. # قال ابن كثير: ولا يصح لا هذا ولا هذا. بل الصواب الذي لا شك فيه ولا ~~مرية، أنها نزلت يوم عرفة وكان يوم جمعة، كما قدمنا عن عمر وعلي ومعاوية ~~وابن عباس وسمرة رضي الله عنهم، وعن ثلة من التابعين، الثانية: استدل نفاة ~~القياس بهذه الآية، على أن القياس باطل. وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى ~~قد نص على الحكم في جميع الوقائع، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن ~~الدين كاملا، وإذا حصل النص في جميع الوقائع، فالقياس- إن كان على وفق ذلك ~~النص- كان عبثا وإن كان على خلافه كان باطلا. # وأجاب عنه مثبتو القياس بما بسطه الرازي. فانظره. # الثالثة: قال صاحب (فتح البيان) : لا معنى للإكمال في الآية إلا وفاء ~~النصوص بما يحتاج إليه الشرع. إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما ~~يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء PageV04P033 # [الأنعام: 38] . وقوله: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [الأنعام: 59] ~~. # وقد صح عنه صلى الله ms1543 عليه وسلم أنه قال «1» : «تركتكم على الواضحة، ليلها ~~كنهارها» # . وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين. وبما يفيد هذا المعنى، ويصحح ~~دلالته، ويؤيد برهانه، ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين- قول الله ~~تعالى هذا. فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه لأنه إن ~~كان من الدين- في اعتقادهم- فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد ~~للقرآن. وإن لم يكن من الدين، فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس ~~منه فهو رد بنص السنة المطهرة. كما ثبت في (الصحيح) - وهذه حجة قاهرة ودليل ~~باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدا. فاجعل هذه الآية الشريفة أول ~~ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به آنافهم، وتدحض به حجتهم. فقد أخبرنا ~~الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه. ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله عز وجل. فمن جاء بشيء من عند نفسه ~~وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك: ومن أصدق من الله قيلا ~~[النساء: 122] . اذهب لا حاجة لنا في رأيك. وليت المقلدة فهموا هذه الآية ~~حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا. وقد أخبرنا الله في محكم كتابه أن القرآن ~~أحاط بكل شيء فقال: ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] . وقال: ~~تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة [النحل: 89] . ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال: ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم [المائدة: 49] . وقال: ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] . وقال: إن الحكم إلا لله يقص ~~الحق وهو خير الفاصلين [الأنعام: 57] . وقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44] . وفي آية ... هم الظالمون [المائدة: 45] ~~. وفي أخرى.. هم الفاسقون [المائدة: 47] . وأمر عباده أيضا في محكم كتابه ~~باتباع ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه ms1544 فانتهوا [الحشر: # 7] . وهذه أعم آية في القرآن، وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة، وقال: ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول [النساء: 59] . وقد تكرر هذا في مواضع من ~~الكتاب العزيز. PageV04P034 # وقال: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا [النور: 51] . وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة [الأحزاب: 21] . والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله وطاعة ~~رسوله لا يأتي بعائدة. ولا فائدة زائدة، فليس أحد من المسلمين يخالف في ~~ذلك. ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين. وإنما أوردنا هذه الآيات ~~الكريمة، والبينات العظيمة تليينا لقلب المقلد الذي قد جمد، وصار كالجلمد. ~~فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية، ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، طاعة لأوامره. فإن هذه الطاعة، وإن ~~كانت معلومة لكل مسلم، لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر ~~المحمدية، فإذا ذكر بها ذكر. ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ~~ثابتين عليه غير متزحزحين عنه. فإنه يقع في قلبه، أن دين الإسلام هو هذا ~~الذي هو عليه. وما كان مخالفا له فليس من الإسلام في شيء. فإذا راجع نفسه ~~رجع. # ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب، ثم سمع- قبل أن يتمرد ~~بالعلم ويعرف ما قاله الناس- خلاف ذلك المألوف، استنكره وأباه قلبه، ونفر ~~عنه طبعه. وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر. ولكن إذا ~~وازن العاقل بعقله، بين من اتبع أحد ائمة المذاهب في مسألة من مسائله التي ~~رواها عنه المقلد- ولا مستند لذلك العالم فيها، بل قالها بمحض الرأي لعدم ~~وقوفه على الدليل- وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في ~~القرآن والسنة أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل، لا ~~جامع بينهما، لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به، واتبع ~~ما شرعه الشارع لجميع الأمة: أولها وآخرها، وحيها وميتها ... ! والعالم ~~يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع ms1545 إلى غيره. والجاهل يمكنه الوقوف ~~على الدليل بسؤال علماء الشريعة، واسترواء النص، وكيف حكم الله في محكم ~~كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة. فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل ~~الحجة إذا دل عليها، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها. ~~فهم رواة وهو مسترو، وهذا عامل بالرواية لا بالرأي والمقلد عامل بالرأي لا ~~بالرواية. لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة. وذلك في سؤاله يطالب ~~بالحجة لا بالرأي، فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه. وهما من هذه الحيثية ~~متقابلان، فانظر كم الفرق بين المنزلتين؟ والكلام في ذلك يطول ويستدعي ~~استغراق الأوراق الكثيرة. وهو مبسوط في مواطنه، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ، ~~وبالله التوفيق. انتهى كلامه. # PageV04P035 # الرابعة: قال بعض الزيدية: ثمرة الآية تعظيم هذا اليوم المذكور، وأنه ~~يلزم الشكر لله تعالى على التمسك بملة الإسلام. # وقوله تعالى فمن اضطر متصل بذكر المحرمات. وما بينهما اعتراض بما يوجب أن ~~يجتنب عنه. وهو أن تناولها فسوق، وحرمتها من جملة الدين الكامل، والنعمة ~~التامة، والإسلام المرضي. ومعناه: فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات: ~~الميتة وما بعدها، أي: أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة ~~وما بعدها في مخمصة أي: مجاعة يخاف معها الموت أو مبادئه- و (المخمصة) : ~~مصدر مثل المغضبة والمعتبة. يقال: خمصه الجوع خمصا ومخمصة، وخمص البطن ~~(مثلثة الميم) خلا. غير متجانف لإثم أي: غير منحرف إليه بالأكل فوق ~~الضرورة، أو العصيان بالسفر. كقوله تعالى: غير باغ ولا عاد [البقرة: # 173] . فإن الله غفور لتناوله الحرام- فلا يؤاخذه به رحيم أي: بإعطائه ~~الرخصة فيه لعلمه بحاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر ~~له. # وفي (المسند) «1» و (صحيح) ابن حبان عن ابن عمر- مرفوعا- قال: قال: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى ~~معصيته» . لفظ ابن حيان. # وفي لفظ لأحمد «2» : «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال ~~عرفة» # . ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا ms1546 في بعض الأحيان، وهو ما ~~إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها. وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا، بحسب ~~الأحوال. واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع ~~ويتزود؟ # على أقوال. وليس من شرط تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد ~~طعاما- كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم- بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. # وقد روى الإمام أحمد «3» عن أبي واقد الليثي أنهم قالوا: «يا رسول الله! ~~إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة. فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: إذا لم ~~تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا، فشأنكم بها. # إسناده صحيح على شرط الشيخين، والاصطباح: شرب اللبن بالغداة فما دون ~~القائلة، وما كان منه بالعشي فهو الاغتباق، ومعنى لم تحتفئوا: # أي تقتلعوا. وفي اللفظة عدة روايات # وروى أبو داود عن الفجيع العامري: «4» # أنه أتى PageV04P036 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما يحل لنا من الميتة؟ قال: «ما ~~طعامكم؟» قلنا: نصطبح ونغتبق! قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة وقدح ~~عشية، قال: ذاك، وأبي! الجوع. فأحل لهم الميتة على هذه الحال» . تفرد به ~~أبو داود. # وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئا لا يكفيهم. فأحل لهم الميتة لتمام ~~كفايتهم. وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ~~ذلك بسد الرمق. والله أعلم. # وروى أبو داود «1» عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده. # «فقال رجل: إن ناقة لي ضلت. فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها ~~فمرضت. فقالت له امرأته: أنحرها! فأبى، فنفقت، فقالت اسلخها حتى نقدد شحمها ~~ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتاه، ~~فسأله، فقال له: # هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا! قال: فكلوها! قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر ~~فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك!» تفرد به. # وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة، يغلب على ظنه ~~الاحتياج إليها. والله أعلم. أفاده ابن كثير. وقوله: ms1547 (فنفقت) . أي ماتت. ~~(من باب نصر وفرح) قال ابن بري: أنشد ثعلب: # فما أشياء نشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون؟ ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: ليس في هذه الآية بيان لتقديم أحدها. والفقهاء يقولون: ~~يقدم الأخف تحريما، فميته المأكول على ميتة غيره. انتهى. # وفي (رحمة الأمة) أن المضطر إذا وجد ميتة وطعام الغير، ومالكه غائب، أن ~~له أكله بشرط الضمان، دون الميتة. عند مالك وأكثر أصحاب الشافعي وجماعة من ~~الحنفية. وعند أحمد وآخرين: يأكل الميتة. # قال ابن كثير: قد استدل بقوله تعالى: غير متجانف لإثم من يقول بأن العاصي ~~بسفره لا بترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي. # والله أعلم. PageV04P037 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 4] # يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) # يسئلونك ماذا أحل لهم أي: من المطاعم قل أحل لكم الطيبات أي: # ما ليس بخبيث منها. وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة. و (الطيب) ~~في اللغة هو المستلذ. و (الحلال) المأذون فيه، يسمى طيبا تشبيها بما هو ~~مستلذ. # لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة وما علمتم من الجوارح عطف على (الطيبات) ~~بتقدير مضاف. أي: وصيد ما علمتموه. أو مبتدأ، على أن (ما) شرطية وجوابها ~~(فكلوا) . و (الجوارح) : الكواسب من سباع البهائم والطير- كالكلب والفهد ~~والعقاب والصقر والبازي والشاهين- لأنها تجرح لأهلها أي تكسب لهم. الواحدة ~~جارحة. تقول العرب: فلان جرح أهله خيرا، أي: كسبهم خيرا. وفلان لا جارح له. # أي: لا كاسب. ومنه قوله تعالى: ويعلم ما جرحتم بالنهار [الأنعام: 60] . ~~أي: # كسبتم. وقيل: سميت (جوارح) لأنها تجرح الصيد عند إمساكه. وقوله تعالى: # مكلبين أي: معلمين لها أن تستشلي إذا أشليت، وتنزجر إذا زجرت، وتجتنب عند ~~الدعوة، ولا تنفر عند الإرادة، فتصير كأنها وكلاؤكم لتعلمهن. إلا إذا قتلت ~~بأنفسها من غير تعليم، فلا يحل صيدها. # قال الزمخشري: (المكلب) ms1548 مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها ~~لذلك، بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من (الكلب) لأن ~~التأديب أكثر ما يكون في الكلاب. فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه. أو لأن ~~السبع يسمى كلبا. ومنه # قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فأكله الأسد» ~~. (الحديث حسن، أخرجه الحاكم # ) ، أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضاريا ~~به. وانتصاب (مكلبين) على الحال من (علمتم) . فإن قلت: ما فائدة هذه الحال ~~وقد استغنى عنها ب (علمتم) ؟ # قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه، مدريا فيه، موصوفا ~~بالتكليب. وقوله تعالى: تعلمونهن حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة. # وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علما، وأنحرهم ~~دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه. وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد ~~الإبل. فكم من # PageV04P038 # آخذ، عن غير متقن، قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله مما علمكم ~~الله أي: من علم التكليب، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل. أو مما عرفكم ~~أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه. وانزجاره بزجره. وانصرافه بدعائه. ~~وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. انتهى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : وفي الآية دليل على أن البهائم لها علم. لأن ~~تعليمها، معناه لغة تحصيل العلم له بطرقه. خلافا لمنكري ذلك. # فكلوا مما أمسكن عليكم أي: صدن لكم وإن قتلنه بأن لم يأكلن منه واذكروا ~~اسم الله عليه الضمير يرجع إلى (ما علمتم من الجوارح) أي: سموا عليه عند ~~إرساله، كما بينه حديث أبي ثعلبة وعدي الآتي. وجوز رجوعه إلى (ما أمسكن) ~~على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته واتقوا الله أي بالأكل مما فقد فيه ~~شرط من هذه الشرائط استعجالا إليها إن الله سريع الحساب أي: المجازاة على ~~كل ما جل ودق. ### | تنبيهات: # الأول: # روى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل ~~الطائيين. سألا رسول ms1549 الله صلى الله عليه وسلم فقالا: «يا رسول الله! قد حرم ~~الله الميتة فماذا يحل لنا منها» ؟ فنزلت: يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات قال سعيد: # يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم وقال مقاتل: ما أحل لهم من كل شيء أن ~~يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي؟ فقال: ~~ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم. # وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؟ فقال: ليس هو من ~~الطيبات. وروى ابن أبي حاتم في سبب نزولها أثرا آخر، # عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمر بقتل الكلاب فقتلت، فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله! ما يحل ~~لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها، فسكت. فأنزل الله: يسئلونك الآية. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرسل الرجل كلبه وسمى فأمسك عليه، فليأكل ~~مما لم يأكل. # وعند ابن جرير «1» عن أبي رافع قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليستأذن PageV04P039 # عليه، فأذن له. فقال: قد أذنا لك يا رسول الله! قال: أجل. ولكنا لا ندخل ~~بيتا فيه كلب. قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة. حتى انتهيت ~~إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته رحمة لها. ثم جئت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته. # فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله! ما يحل لنا ~~من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال: فأنزل الله عز وجل: # يسئلونك» . ورواه الحاكم في (مستدركه) # وقال: صحيح ولم يخرجاه. # وروى ابن جرير «1» أيضا عن عكرمة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي. فجاء عاصم بن عدي وسعيد بن خيثمة ~~وعويمر بن ساعدة فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله» ؟ فنزلت الآية: ورواه ~~الحاكم أيضا عن عكرمة. # وكذا قال محمد ms1550 بن كعب القرظي في سبب نزولها: أنه في قتل الكلاب- أفاده ~~ابن كثير. # قال بعض المفسرين: لما نزلت الآية، أذن صلى الله عليه وسلم في اقتناء ~~الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها. وأمر بقتل ~~العقور وما يضر. انتهى. # أقول: # روى الإمام أحمد ومسلم «2» عن جابر قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الكلاب. حتى أن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي ~~النقطتين فإنه شيطان» . # وروى الشيخان «3» عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ~~الكلاب، إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية» . # وعن عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن ~~الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها. فاقتلوا منها كل أسود بهيم» . رواه ~~أبو داود «4» والدارمي # وزاد الترمذي «5» والنسائي «6» : «وما من أهل بيت يرتبطون كلبا إلا نقص ~~من عملهم كل يوم قيراط. إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم» . PageV04P040 # وظاهر هذه الأحاديث، أنه صلى الله عليه وسلم كان أمر بقتلها كلها. ثم رخص ~~في استبقائها. # إلا الأسود فإنه مستحق القتل. # وقول إمام الحرمين: ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب حيث لا ~~ضرر فيها حتى الأسود البهيم- يحتاج إلى برهان. # قال ابن عبد البر: في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية. # وكذلك للزرع. لأنها زيادة حافظ. وكراهة اتخاذها لغير ذلك. إلا أنه يدخل ~~في معنى الصيد وغيره مما ذكر، اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسا، ~~فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة، لما فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول ~~الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه. # ثم قال: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب. من غسل ~~الإناء سبعا، لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها، فربما دخل عليه ~~باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك. # وروي أن المنصور بالله سأل عمرو بن عبيد عن ms1551 سبب هذا الحديث؟ فلم يعرفه. ~~فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروع السائل. انتهى. # وقال الخطابي: معنى ( # قوله صلى الله عليه وسلم: لولا أن الكلاب أمة من الأمم ... # إلخ) . أنه صلى الله عليه وسلم كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من ~~الخلق، لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة. ~~يقول: إذا كان الأمر على هذا، ولا سبيل إلى قتلهن، فاقتلوا أشرارهن وهي ~~السود البهم. وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة» . # وقال الطيبي: # قوله «أمة من الأمم» # إشارة إلى قوله تعالى. وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم [الأنعام: 38] . أي: أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة ~~له. قال تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] . أي: يسبح بلسان ~~القال أو الحال. حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عما لا يجوز ~~عليه، فبالنظر إلى هذا المعنى، لا يجوز التعرض لها بالقتل والإفناء. ولكن ~~إذا كان لدفع مضرة- كقتل الفواسق الخمس- أو جلب منفعة- كذبح الحيوانات ~~المأكولة- جاز ذلك. # الثاني: ذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة إلى أن الجوارح التي يحل # PageV04P041 # صيدها، ما قبل التعليم من ذي ناب (كالكلب والفهد والنمر) أو ذي مخلب ~~(كالطيور المذكورة قبل) . قال في (النهاية) : حتى الهر إن تعلم، واحتجوا ~~بعموم الآية. # وروى أحمد «1» وأبو داود عن مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله ~~عليه، فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل ولم يأكل منه شيئا. ~~فإنما أمسكه عليك» . # قال البيهقي: تفرد مجالد بذكر الباز فيه # ، وخالف الحفاظ. # أقول: # روى ابن جرير بالمسند المذكور إلى عدي قال: «سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صيد البازي؟ فقال: ما أمسك عليك فكل» . # وعن ابن عمر ومجاهد: «لا يحل إلا صيد الكلب فقط» . # وروى ابن جرير «2» بسنده، أن ابن عمر قال: أما ما صاد من ms1552 الطير (والبراة ~~من الطير) فما أدركت فهو لك. وإلا فلا تطعمه وقال ابن أبي حاتم: كره مجاهد ~~صيد الطير كله، وقرأ قوله: وما علمتم من الجوارح مكلبين. أي: فإن قوله ~~تعالى: مكلبين يشير إلى قصر ذلك على الكلب. وقال الحسن البصري والنخعي ~~وأحمد وإسحاق: يحل من كل شيء إلا الكلب الأسود البهيم. لأنه قد أمر بقتله. # الثالث: قدمنا أن انتصاب مكلبين على الحال من (علمتم) . قال ابن ~~PageV04P042 # كثير: ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو (الجوارح) أي: وما علمتم من ~~الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد. وذلك أن تصيد بمخالبها وأظفارها. # فيستدل بذلك، والحالة هذه، على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه ~~وظفره، أنه لا يحل. كما هو أحد قول الشافعي وطائفة من العلماء. ولهذا قال ~~تعلمونهن مما علمكم الله وهو أنه إذا أرسله استرسل، وإذا استشلاه استشلي، ~~وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه. ولهذا قال ~~تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه. فمتى كان الجارح ~~معلما وأمسك على صاحبه- وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله- حل الصيد ~~وإن قتله، بالإجماع. # وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. كما # ثبت في (الصحيحين) «1» عن عدي بن حاتم قال: قلت: «يا رسول الله! إني أرسل ~~الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله؟ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم ~~الله، فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ~~ليس منها. فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره. قلت له: فإني أرمي ~~بالمعراض الصيد؟ # فقال: إذا رميت بالمعراض الصيد فخرق فكله فإن أصابه بعرض، فإنه وقيذ، فلا ~~تأكله» . # وفي لفظ لهما: إذا أرسلت كلبك فاذكر الله. فإن أمسك عليك فأدركته حيا. # فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه، فكله، وإن أخذ الكلب ذكاته. # وفي رواية لها: فإن أكل فلا تأكله. فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه # . فهذا دليل للجمهور أنه إذا أكل الكلب ms1553 من الصيد يحرم مطلقا. ولم ~~يستفصلوا. كما ورد بذلك الحديث. وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا ~~يحرم مطلقا. أكل أو لم يأكل. # روى ابن جرير «2» عن سلمان الفارسي وأبي هريرة قالا: كل وإن أكل ثلثيه. ~~PageV04P043 # وعن سعد بن أبي وقاص: ... وإن أكل ثلثيه. وعنه: ... وإن لم يبق إلا بضعة. ~~وعن ابن عمر: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك. أكل ~~أو لم يأكل. وحكاه عن علي وابن عباس وغير واحد من التابعين. # وروي ذلك مرفوعا أيضا. أخرج أبو داود «1» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أن أعرابيا، يقال له أبو ثعلبة، «قال: يا رسول الله! إن لي كلابا مكلبة ~~فأفتني في صيدها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان لك كلاب مكلبة، فكل ~~مما أمسكن عليك. فقال: # ذكي وغير ذكي، وإن أكل منه؟ قال: نعم وإن أكل منه. فقال: يا رسول الله! ~~أفتني في قوسي! فقال: كل ما ردت عليك قوسك. قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: وإن ~~تغيب عنك ما لم يضل أو تجد فيه أثرا غير سهمك. قال: أفتني في آنية المجوس ~~إذا اضطررنا إليها. قال: اغسلها وكل فيها» . هكذا رواه أبو داود وقد أخرجه ~~النسائي. # وكذا رواه أبو داود «2» عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة قال: «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل ~~منه، وكل ما ردت عليك يدك» . # وقد احتج بما ذكرنا من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، وقد توسط ~~آخرون فقالوا: إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم. لحديث عدي، وللعلة التي أشار ~~إليها النبي صلى الله عليه وسلم. وأما إن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال ~~عليه، وجاع فأكل منه لجوعه، فإنه لا يؤثر في التحريم. وحملوا على ذلك حديث ~~أبي ثعلبة. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين، صحيح. # وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه (النهاية) : أن لو فصل ~~مفصل هذا التفصيل. وقد ms1554 حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من ~~الأصحاب. # أفاده ابن كثير. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وسلك الناس في الجمع بين حديث عدي وأبي ~~ثعلبة طرقا منها للقائلين بالتحريم (الأولى) حمل حديث أبي ثعلبة الأعرابي ~~على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه، و (الثانية) الترجيح، فرواية عدي ~~في الصحيحين ورواية الأعرابي في غيرهما. ومختلف في تضعيفها. وأيضا، فرواية ~~عدي PageV04P044 # صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم. وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيد ~~بأن الأصل في الميتة التحريم. فإذا شككنا في السبب المبيح، رجعنا إلى الأصل ~~ولظاهر الآية المذكورة. فإن مقتضاها أن الذي تمسكه من غير إرسال لا يباح، ~~ويتقوى أيضا بالشواهد من حديث ابن عباس عند أحمد «1» : إذا أرسلت الكلب ~~فأكل الصيد، فلا تأكل. فإنما أمسك على نفسه. فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل، ~~فكل. # فإنما أمسك على صاحبه. وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس. وابن أبي ~~شيبة من حديث أبي رافع، نحوه بمعناه. ولو كان مجرد الإمساك كافيا لما احتيج ~~إلى زيادة (عليكم) في الآية. وأما القائلون بالإباحة، فحملوا حديث عدي على ~~كراهة التنزيه، وحديث الأعرابي على بيان الجواز. قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن ~~عديا كان موسرا. # فاختير له الحمل على الأولى. بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان بعكسه. ولا يخفى ~~ضعف هذا التمسك، مع التصريح بالتعليل في الحديث لخوف الإمساك على نفسه. وقد ~~وقع في رواية لابن أبي شيبة: إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يعلم ما ~~علمته. وفي هذا إشارة إلى أنه إذا شرع في أكله، دل على أنه ليس يعلم ~~التعليم المشترط. # الرابع: في الآية مشروعية التسمية. قال ابن كثير: قوله تعالى: اذكروا اسم ~~الله عليه أي عند إرساله له، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم ~~وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك» . # وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في (الصحيحين) «2» أيضا: «إذا أرسلت كلبك ~~فاذكر اسم الله. وإذا رميت بسهمك» . # ولهذا اشترط من ms1555 اشترط من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله، في المشهور ~~عنه، التسمية عند إرسال الكلب والرمي بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث. وهذا ~~القول هو المشهور عند الجمهور أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند ~~الإرسال. كما قال PageV04P045 # السدي وغيره. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في هذه الآية: «إذا ~~أرسلت جارحك فقل: بسم الله. وإن نسيت فلا حرج» . انتهى. # قال بعض الزيدية: والتسمية هنا كالتسمية على الذبيحة. فمن قائل بوجوبها ~~على الذاكر لا الناسي. # لحديث «1» : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» # . ومن قائل بأنها مستحبة. ومن قائل بأنها شرط مطلقا. المشهور عن أحمد ~~التفرقة بين الصيد والذبيحة. فذهب في الذبيحة إلى هذا القول الثالث. ثم ~~قال: لقائل أن يقول: # يحتمل أن يرجع قوله تعالى: واذكروا اسم الله عليه إلى الأكل. أي: فسموا ~~عند الأكل. فدلالة الآية محتملة في وجوب التسمية. انتهى. وهذا الاحتمال ~~حكاه ابن كثير ونصه: # وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل. كما # ثبت في (الصحيحين) «2» # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ربيبه، عمر بن أبي سلمة، فقال: سم ~~الله وكل بيمينك وكل مما يليك» . # وفي (صحيح البخاري) «3» عن عائشة أنهم قالوا: # «يا رسول الله! إن قوما يأتوننا، حديث عهد بكفر، بلحمان، لا ندري أذكر ~~اسم الله عليها أم لا؟ فقال: سموا الله أنتم وكلوا أنتم» # . وقال الترمذي: حسن صحيح. # الخامس: في الآية جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة. لأن التعليم قد ~~يحتاج إلى ذلك. كذا في (الإكليل) . وتقدم عن الزمخشري والناصر ما في الآية ~~أيضا من الأخذ عن النحرير، وأن البهائم لها علم. واستدل بالآية على إباحة ~~اتخاذ الكلب للصيد وللحراسة، بالسنة: كما تقدم. PageV04P046 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة ms1556 من الخاسرين (5) # وقوله تعالى: اليوم أحل لكم الطيبات أي: من الذبائح والصيد. تكريره تأكيد ~~للمنة. قال أبو السعود: قيل المراد بالأيام الثلاثة وقت واحد. وإنما كرر ~~للتأكيد. ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره. والمراد بالطيبات ما ~~مر. ### | تنبيه: # قال بعض مفسري الزيدية: دلت الآية على جواز أكل العالي من الأطعمة ~~والأصباغ. قال في (الروضة والغدير) : وإن كان التقنع بالأدون هو الأولى، ~~كما فعله علي عليه السلام وغيره من الفضلاء. فقد روي أن عليا عليه السلام ~~كان يطعم الناس أطيب الطعام. فرأى بعض أصحابه طعامه. وهو خبر شعير غير ~~منخول، وملح جريش، وهو مختوم عليه لئلا يبدل. ومن كلامه عليه السلام: ~~والله! لأروضن نفسي رياضة تهش إلى القرص إن وجدته مطعوما، وإلى الملح إن ~~وجدته مأدوما. ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كراهة الإدامين ~~مجتمعين. انتهى. # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد ~~ابن جبير وغيرهم: يعني ذبائحهم. # قال ابن كثير: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين. ~~لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، ~~وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه، تعالى وتقدس. انتهى. # قال المهايمي: وإن لم يعتد بذكرهم اسم الله، لكنهم لما ذكروه، أشبه ما ~~يعتد بذكره، فأشبه طعامهم الطيبات. ### | مباحث: # الأول: ما ذكرناه من أن المعني بالطعام الذبائح، هو الذي قاله أئمة ~~السلف: # صحابة كابن عباس وأبي أمامة، وأتباعا كمجاهد وثمانية غيره، كما في ابن ~~جرير «1» وابن كثير. PageV04P047 # وفي (اللباب) : أجمعوا على أن المراد طعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم ~~خاصة. لأن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت ~~لهم. فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. ولأن ما قبل هذه الآية في بيان ~~حكم الصيد والذبائح. فحمل هذه الآية عليه أولى. لأن سائر الطعام لا يختلف، ~~من تولاه من كتابي أو غيره. وإنما تختلف الذكاة. فلما خص أهل الكتاب ~~بالذكر، دل على أن المراد ms1557 بطعامهم ذبائحهم. انتهى. # الثاني: استدل بالآية على جميع أجزاء ذبائحهم. وهو قول الجمهور. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وعن مالك وأحمد، تحريم ما حرم الله على ~~أهل الكتاب كالشحوم. قال ابن القاسم: لأن الذي أباحه الله طعامهم. وليس ~~الشحوم من طعامهم. ولا يقصدونها عند الذكاة. وتعقب بأن ابن عباس فسر ~~(طعامهم) بذبائحهم، وإذا أبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح. ~~والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض. وإن كانت التذكية شائعة في ~~جميعها دخل الشحم لا محالة. وأيضا فإن الله تعالى نص بأنه حرم عليهم كل ذي ~~ظفر. فكان يلزم، على قول هذا القائل، إن اليهودي، إذا ذبح ماله ظفر، لا يحل ~~للمسلم أكله. ثم قال ابن حجر: وقوله تعالى: أحل لكم الطيبات يستدل به على ~~الحل، لأنه لم يخص لحما من شحم، وكون الشحوم محرمة على أهل الكتاب لا يضر، ~~لأنها محرمة عليهم لا علينا. وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال، أن ~~الذي حرم عليهم منها مسكوت في شرعنا عن تحريمه علينا. فيكون على أصل ~~الإباحة. انتهى. # وفي (الصحيح) «1» عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: «كنا محاصرين ~~قصر خيبر. فرمى إنسان بجراب فيه شحم. فنزوت لآخذه. فالتفت فإذا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستحييت منه» . # وفي رواية: «أدلي بجراب من شحم يوم خيبر. فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من ~~هذا أحدا. والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم» . # قال الحافظ ابن حجر: فيه حجة على من منع ما حرم عليهم كالشحوم. لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أقر ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور. وفيه جواز ~~أكل الشحم، مما ذبحه أهل الكتاب، ولو كانوا أهل حرب. انتهى. PageV04P048 # وقال الحافظ ابن كثير: استدل على المالكية الجمهور بهذا الحديث. وفي ذلك ~~نظر. لأنه قضية عين. ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ~~ونحوهما. والله أعلم. # وأجود منه في الدلالة ما ثبت في (الصحيح) «1» أن أهل خيبر أهدوا لرسول ~~الله ms1558 صلى الله عليه وسلم شاة مصلية. وقد سموا ذراعها- وكان يعجبه الذراع- ~~فتناوله فنهش منه نهشة. فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه وأثر ذلك في ثنايا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبهره. وأكل معه منها بشر بن البراء بن ~~معرور، فمات. فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب. ووجه الدلالة منه ~~أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من ~~شحمها أم لا؟ # وفي الحديث الآخر: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز ~~شعير وإهالة سنخة. يعني ودكا زنخا» . # الثالث: تمسك ابن العربي- من أئمة المالكية- بهذه الآية على حل ما يقتله ~~الفرنج، وإن رأينا ذلك، لأنه من طعامهم. نقله عنه الشيخ خليل في (توضيحه) ~~واستبعده. وقال الإمام ابن زكري: صنف ابن العربي في إباحة مذكى النصراني ~~بغير وجه ذكاتنا. والمحققون على تحريمه. وقد أوضح ذلك الفقيه محمد الدليمي ~~السوسي المالكي في (فتاويه) ، وقد سئل عن ذبيحه الكتابي: هل تحل المذكى كيف ~~كانت. سواء وافقت ذكاتنا أم لا؟ بقوله مجيبا: قال الإمام ابن العربي: إذا ~~سل النصراني عنق دجاجة حل للمسلم أكلها. لأن الله تعالى أحل لنا أكل طعامهم ~~الذي يستحلونه في دينهم. وكل ما ذكوه على مقتضى دينهم، حل لنا أكله. ولا ~~يشترط PageV04P049 # أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا. وذلك رخصة من الله تعالى وتيسير منه ~~علينا. ولا يستثنى من ذلك إلا ما حرم الله تعالى على الخصوص. فإنه، وإن كان ~~طعامهم الذي يستحلونه، فلا يحل لنا أكله. انتهى. # الرابع: قال الرازي: نقل عن بعض أئمة الزيدية أن المراد ب (الطعام) في ~~الآية الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة. انتهى. # وقد اطلعت على قطعة من تفسير بديع لبعض الزيدية قال فيه: اختلف العلماء ~~من الأئمة والفقهاء: ما أريد ب (الطعام) ؟ فقال القاسم والهادي ومحمد بن ~~عبد الله، ورواية عن زيد: إن ذبائح أهل الكتاب وجميع الكفار لا تجوز. لقوله ~~تعالى: إلا ما ذكيتم وهذا خطاب للمسلمين، والرواية الثانية عن زيد وعامة ms1559 ~~الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والجعفرية والإمامية. واختاره ~~الأمير ح والأمير يحيى: جواز ذبائح أهل الكتاب. ويفسرون (الطعام) بالذبائح ~~وغيرها. وهذا مروي عن الحسن والزهري والشعبي وعطاء وقتادة وأكثر المفسرين. ~~وأخذوا بالعموم في إطلاق (الطعام) . فأجاب الأولون بأن (الطعام) يطلق على ~~الحبوب يقال: سوق الطعام. قال القاضي: الأقرب الحل. لأن ذلك بفعلهم يصير ~~طعاما. ولأنه خص أهل الكتاب. # أجيب: بأنه خصهم لئلا يظن أن طعامهم الذي لم يذكوه محرم. ثم عند الهادي ~~والقاسم، عليهما السلام، تنجس رطوباتهم. لقوله تعالى: إنما المشركون نجس ~~[التوبة: 28] . فيحرم ما حصل فيه رطوبتهم، إلا ما أخذناه قهرا. وعند المؤيد ~~بالله ومن معه: إن رطوبتهم طاهرة. والخلاف في الرطوبة عامة في الكفار. ~~انتهى. # وفي (الروضة الندية) ما نصه: وأما ذبيحة أهل الذمة، فقد دل على حلها ~~القرآن الكريم بهذه الآية. ومن قال: إن اللحم لا يتناوله (الطعام) فقد قصر ~~في البحث، ولم ينظر في كتب اللغة، ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أكل ذبائح أهل الكتاب. كما في أكله صلى الله عليه ~~وسلم للشاة التي طبختها يهودية وجعلت فيها سما، والقصة أشهر من أن تحتاج ~~إلى التنبيه عليها. ولا مستند للقول بتحريم ذبائحهم إلا مجرد الشكوك ~~والأوهام التي يبتلى بها من لم يرسخ قدمه في علم الشرع. فإن قلت: قد ~~يذبحونه لغير الله، أو بغير تسمية، أو على غير الصفة المشروعة في الذبح. ~~قلت: إن صح شيء من هذا، فالكلام في ذبيحته، كالكلام في ذبيحة المسلم إذا ~~وقعت على أحد هذه الوجوه. وليس النزاع إلا في مجرد كون كفر الكتابي مانعا، ~~لا كونه أخذ بشرط معتبر. انتهى. # PageV04P050 # الخامس: أريد ب (أهل الكتاب) اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر ~~الأمم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وأما من دخل في دينهم بعد مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم- وهم متنصرو العرب من بني تغلب- فلا تحل ذبيحته. ~~روي عن علي بن أبي طالب قال: لا تأكل من ذبائح نصارى بني ms1560 تغلب. فإنهم لم ~~يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر. وبه قال ابن مسعود. وسئل ابن ~~عباس عن ذبائح نصارى العرب؟ # فقال لا بأس به. ثم قرأ: ومن يتولهم منكم فإنه منهم [المائدة: 51] . وهذا ~~قول الحسن وعطاء والشعبي وعكرمة وقتادة والزهري والحكم وحماد- كذا في ~~(اللباب) . # قال ابن كثير: وأما المجوس فإنهم- وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا ~~لأهل الكتاب- فإنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. خلافا لأبي ثور، ~~إبراهيم بن خالد الكلبي (أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل) ~~ولما قال ذلك، واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك. حتى قال عنه الإمام ~~أحمد: أبو ثور كاسمه- يعني في هذه المسألة- وكأنه تمسك بعموم # حديث روي مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب. # ولكن لم يثبت بهذا اللفظ. وإنما الذي في (صحيح) البخاري «2» عن عبد ~~الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. ~~ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم فدل بمفهومه مفهوم المخالفة، على أن طعام من عداهم من أهل ~~الأديان لا يحل ... ! # السادس: قيل: هذه الآية تقتضي إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقا، وإن ذكروا ~~غير اسم الله تعالى. وعن ابن عمر: لو ذبح يهودي أو نصراني على غير اسم الله ~~تعالى، لا يحل ذلك. وهو قول ربيعة. وسئل الشعبي وعطاء، عن النصراني يذبح ~~باسم المسيح؟ فقال: يحل. فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما ~~يقولون. # وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني وذكر غير اسم الله، وأنت تسمع، ~~فلا PageV04P051 # تأكل. وإذا غاب عنك فكل. فقد أحله الله لك. كذا في (اللباب) . وقول ~~الحسن- في هذا البحث- هو الحسن. # وفي (النهاية) من كتب الزيدية: أما إذا ذبح أهل الذمة لأعيادهم وكنائسهم. # فكرهه مالك، وأباحه أشهب، وحرمه الشافعي. وذلك لتعارض عموم قوله تعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب وعموم قوله تعالى: وما أهل به لغير الله ~~[البقرة: # 173] ، فتخصيص كل واحد للآخر ms1561 محتمل. ثم قال: والجمهور على تحريم ذبيحة ~~المرتد. وأجازها إسحاق، وكرهها الثوري. وسبت الخلاف: هل المرتد يتناول اسم ~~(الكتاب) أم لا؟ قال: وهكذا منشأ الخلاف في ذبائح بني تغلب، هل اسم ~~(الكتاب) يتناول المتنصر والمتهود من العرب، كما روي عن ابن عباس؟ أو لا ~~يتناول، كما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام. انتهى. # وقوله تعالى: وطعامكم حل لهم يعني: ذبائحكم حلال لهم. فتأكل اليهود ~~والنصارى ذبيحة المسلمين. كذا في (التفسير) المنسوب لابن عباس. # ونقل بعض مفسري الزيدية عن ابن عباس وأبي الدرداء، وبقية التابعين السالف ~~ذكرهم، وأكثر المفسرين والفقهاء، أن المراد ذبائح المسلمين. # وقال الزجاج: تأويله: حل لكم أن تطعموهم. لأن الحلال والحرام والفرائض ~~إنما تعقد على أهل الشريعة. # وقال ابن كثير: أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم. وليس إخبارا عن الحكم ~~عندهم. اللهم! إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم ~~الله عليه. سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها. والأول أظهر في المعنى. أي: # ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب المكافأة ~~والمجازاة. كما ألبس «1» النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله بن أبي، ~~ابن سلول حين مات ودفنه PageV04P052 # فيه. قالوا: لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه. فجازاه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ذلك بذلك» . فأما # الحديث «1» الذي فيه (لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) # فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم. انتهى. # وقال الرازي: أي: ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم. لأنه لا يمتنع أن يحرم ~~الله أن نطعمهم من ذبائحنا. وأيضا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة ~~غير حاصلة في الجانبين، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين، لا جرم ذكر ~~الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين. انتهى. # وقال البرهان البقاعي في (تفسيره) : وقوله تعالى وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم أي: تناوله لحاجتكم إلى مخالطتهم، للإذن في إقرارهم على ~~دينهم بالجزية. # ولما كان ms1562 هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختاروا لأنفسهم. زاده تأكيدا بقوله ~~وطعامكم حل لهم أي: فلا عليكم في بذله لهم، ولا عليهم في تناوله. انتهى. # وفي (أمالي) الإمام السهيلي رحمه الله تعالى: قيل: ما الحكمة في هذه ~~الجملة وهم كفار لا يحتاجون إلى بياننا؟ فعنه جوابان: أحدهما أن المعنى: ~~انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم، فإن أطعموكموه فكلوه، ولا تنظروا إلى ما ~~كان محرما عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم. ثم نسخ ذلك في ~~شرعنا. # والآية بيان لنا لا لهم، أي: اعلموا أن ما كان محرما عليهم، مما هو حلال ~~لكم قد أحل لهم أيضا. ولذلك لو أطعمونا خنزيرا أو نحوه وقالوا: هو حلال في ~~شريعتنا، وقد أباح الله لكم طعامنا- كذبناهم وقلنا: إن الطعام الذي يحل لكم ~~هو الذي يحل لنا، لا غيره. فالمعنى- طعامهم حل لكم، إذا كان الطعام الذي ~~أحللته لكم. وهذا التفسير معنى قول السدي وغيره. # الثاني: للنحاس والزجاج والنقاش وكثير من المتأخرين، أن المعنى: جائز لكم ~~أن تطعموهم من طعامكم. لا أن يبين لهم ما يحل لهم في دينهم. لأن دينهم ~~باطل. إلا أنه لم يقل: وإطعامكم، بل (طعامكم) - والطعام المأكول- وأما ~~الفعل فهو الإطعام. فإن زعموا أن (الطعام) يقوم مقام (الإطعام) توسعا، ~~قلنا: بقي اعتراض آخر. وهو الفصل بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ. وهو ممتنع ~~بالإجماع. لا PageV04P053 # يجيزون (إطعام زيد حسن للمساكين) ولا (ضربك شديد زيدا) فكيف جاز (وطعامكم ~~حل لهم) ؟ انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) : وقد يستدل بهذه الآية من يرى الكفار مخاطبين ~~بفروع الشريعة. لأن التحليل حكم وقد علقه بهم في قوله وطعامكم حل لهم كما ~~علق الحكم بالمؤمنين. وهذه الآية أبين في الاستدلال بها من قوله: لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن [الممتحنة: 10] ، فإن لقائل أن يقول: في تلك الآية ~~نفي الحكم ليس بحكم. ولا يستطيع ذلك في آية (المائدة) هذه. لأن الحكم فيها ~~مثبت، والله أعلم. # ثم قال: ولما استشعر الزمخشري دلالتها على ذلك، وهو من القائلين بأن ~~الكفار ms1563 يستحيل خطابهم بفروع الشريعة- أسلف تأويلها بصرف الخطاب إلى ~~المؤمنين، أي: لا جناح عليكم- أيها المسلمون! - أن تطعموا أهل الكتاب. ~~انتهى. # والمحصنات من المؤمنات عطف على (الطيبات) أو مبتدأ حذف خبره لدلالة ما ~~قبله عليه. أي: حل لكم. والمراد ب (المحصنات) العفيفات عن الزنى. # كما قال تعالى في الآية الأخرى: محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ~~[النساء: 25] . وهو المروي عن الحسن والشعبي وسفيان وإبراهيم ومجاهد. وحكى ~~ابن جرير رواية أخرى عن مجاهد أنه قال: المحصنات الحرائر. فقيل: عني بهن ~~غير الإماء. وقيل: أراد بهن العفيفات، كقول الجمهور. وذلك لأن الحر يطلق ~~على خلاف العبد، وعلى خيار كل شيء، كما في (القاموس) . # قال الزمخشري: وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم. والإماء من ~~المسلمات يصح نكاحهن بالاتفاق. وكذلك نكاح غير العفائف منهن. انتهى. # أقول: جواز نكاح الأمة موقوف على خوف العنت وعدم طول الحرة، لآية: # ومن لم يستطع منكم طولا.. [النساء: 25] إلخ. وأما نكاح غير العفيفة ~~فأجازه الأكثرون. وذهب الإمام أحمد إلى تحريم نكاح الزانية على زان وغيره، ~~حتى تتوب وتنقضي عدتها. لقوله تعالى: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين [النور: 3] . ولما # أخرجه أحمد «1» بإسناد رجاله ثقات، والطبراني في (الكبير) و (الأوسط) من ~~حديث عبد الله بن عمرو: أن رجلا من المسلمين PageV04P054 # استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت ~~تسافح وتشترط له أن تنفق عليه. فقرأ عليه صلى الله عليه وسلم: والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك. # وأخرج أبو داود «1» والنسائي والترمذي وحسنه، من حديث ابن عمر: أن مرثد ~~بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة. وكان بمكة بغي يقال لها عناق. ~~وكانت صديقته. قال: # فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقا؟ قال، ~~فسكت عني. فنزلت الآية: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك [النور: 3] . ~~فدعاني فقرأها علي وقال: لا تنكحها. # وأخرج أحمد وأبو داود «2» بإسناد رجاله ثقات، من حديث أبي هريرة قال: قال ~~رسول ms1564 الله صلى الله عليه وسلم: «الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله» # . قال ابن القيم: # أخذ بهذه الفتاوى- التي لا معارض لها- الإمام أحمد ومن وافقه- وهي من ~~محاسن مذهبه- فإنه لم يجوز أن ينكح الرجل زوجا تحبه. ويعضد مذهبه بضعة ~~وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر. # وأخرج ابن ماجة «3» والترمذي وصحة، من حديث عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة ~~الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم. فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم ~~قال: # «استوصوا في النساء خيرا. فإنما هن عندكم عوان. ليس تملكون منهن شيئا غير ~~ذلك. إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن، فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ~~ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا» . # وأخرج أبو داود «4» والنسائي، من حديث ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: غربها، قال: ~~أخاف أن تتبعها نفسي. قال: فاستمتع بها» # . قال المنذري: ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين. # قال ابن القيم: عورض بهذا الحديث المتشابه، الأحاديث المحكمة الصريحة في ~~المنع من تجويز البغايا. واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه، فقالت طائفة: ~~PageV04P055 # المراد ب (اللامس) ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة. وقالت طائفة: بل هذا ~~في الدوام غير موثر. وإنما المانع ورود العقد على الزانية فهذا هو الحرام، ~~وقالت طائفة: # بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. فإنه لما أمر بمفارقتها ~~خاف من أن لا يصبر عنها فيواقعها حراما، فأمره حينئذ بإمساكها. إذ مواقعتها ~~بعقد النكاح أقل فسادا من مواقعتها بالسفاح. وقالت طائفة: بل الحديث ضعيف ~~لا يثبت. وقالت طائفة: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانية. وإنما فيه ~~أنها لا تمنع ممن يمسها أو يضع يده عليها أو نحو ذلك، فهي تعطي الليان ~~لذلك. ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى. ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها ~~الداعي إلى الفاحشة. فأمره بفراقها، تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه. فلما ~~أخبره بأن نفسه تتبعها، وأنه لا صبر له عنها، رأى مصلحة إمساكها ms1565 أرجح ~~المسالك. والله تعالى أعلم. وتتمة البحث في ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في ~~سورة النور. ### | فائدة: # أفتى جابر بن عبد الله وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري بأن ~~الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها، أنه يفرق بينهما وترد عليه ما بذل ~~لها من المهر. رواه ابن جرير عنهم. # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي: هن أيضا حل لكم. # والجمهور: على أن المراد ب (المحصنات) العفائف عن الزنى، كما قدمنا. # قال ابن كثير: وهو الأشبه. لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير ~~عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل، حشفا وسوء كيلة. # وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف- ممن فسر (المحصنات) بالعفيفات أن الآية ~~تعم كل كتابية عفيفة. سواء كانت حرة أو أمة. ومن فسرها ب (الحرائر) قال: # لا يصح نكاح الأمة الكتابية بحال، إذ لا يحتمل عار الكفر مع عار الرق، ~~على أنه يؤدي إلى استرقاق الكافر ولد المسلم. ### | تنبيهات # الأول: ظاهر الآية جواز نكاح الكتابية. وهذا مذهب أكثر الفقهاء ~~والمفسرين. # ورواية عن زيد والصادق والباقر، واختاره الإمام يحيى وقال: إنه إجماع ~~الصدر الأول من الصحابة، وأن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة على ~~نسائه، وهي نصرانية. وأن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية. كذا نقله ~~المفسرون. # PageV04P056 # وروى البيهقي وعبد الرزاق وابن جرير عن عمر أنه قال: المسلم يتزوج ~~النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة. وروى عبد الرزاق أيضا عن سعيد بن ~~المسيب، أن عمر بن الخطاب كتب إلى حذيفة بن اليمان وهو بالكوفة، ونكح امرأة ~~من أهل الكتاب، فكتب: أن فارقها فإنك بأرض المجوس، فإني أخشى أن يقول ~~الجاهل: قد تزوج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرة! ويحلل الرخصة ~~التي كانت من الله عز وجل فيتزوجوا نساء المجوس ... ففارقها. # وروى عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة: أن حذيفة نكح يهودية. فقال عمر: # طلقها فإنها جمرة. فقال: أحرام هي؟ قال: لا، ولكني أخاف أن تعاطوا ~~المومسات منهن ... # وروى ms1566 عبد الرزاق عن زيد بن وهب قال: كتب عمر بن الخطاب: إن المسلم ينكح ~~النصرانية، والنصراني لا ينكح المسلمة. وروي أيضا عن جابر قال: نساء أهل ~~الكتاب لنا حل، ونساؤنا عليهم حرام. وروي أيضا عن معمر عن الزهري قال: نكح ~~رجل من قومي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من أهل الكتاب. وروي عن ~~ابن عمر كراهية ذلك. ويحتج بقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~[البقرة: 221] وكان يقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن ربها عيسى. وأجاب ~~الجمهور بأنه عام خص بهذه الآية، إن قيل بدخول الكتابيات في عموم المشركات، ~~وإلا، فلا معارضة بين الآيتين. لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن ~~المشركين في غير موضع. # كقوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة [البينة: 1] . وكقوله: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم [آل عمران: 20] . # الثاني: استدل بعموم الآية من جوز نكاح الحربيات الكتابيات. وروي عن ابن ~~عباس: أن الإذن في الذميات خاصة، ويقرأ: قاتلوا الذين- إلى قوله- حتى يعطوا ~~الجزية. قال: فمن أعطى، حل. ومن لا، فلا. وهذا الاستدلال دقيق جدا. ~~فليتأمل!. # الثالث: قال المهايمي: لما اعتبر في طعام أهل الكتاب شبهة بالطيب- كما ~~قدمنا- اعتبر في باب النكاح، فأحل المحصنات منهم، واحتمل كفرهن لأنه إنما ~~لم يحتمل كفر غيرهم لأنهم يدعون إلى النار. وهؤلاء لما اعترفوا بأصل ~~النبوة، ولا شبهة لهم في نفي أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن ~~حجة، ضعفت دعوتهم إليها، فلم يعتد بها. على أن الرجل مستول على المرأة. فلا ~~تؤثر فيه تأثير الرجل، فلذلك لم يصح # PageV04P057 # تزويج المسلمة بالكتابي. على أن فيه إذلالا للمسلمة فلا تحتمل. # الرابع: ذهب ثلة من العترة الطاهرة إلى أن المراد من (المحصنات) المؤمنات ~~منهن. ذهابا إلى تحريم نكاح الكافرة. قال بعض مفسري الزيدية، بعد أن ساق ~~مذهب الأكثرين المتقدم: وقال القاسم والهادي والنفس الزكية ومحمد بن عبد ~~الله وعامة القاسمية- وهو مروي عن ابن عمر: إنه لا يجوز لمسلم نكاح كافرة، ms1567 ~~كتابية كانت أو غيرها. واحتجوا بقوله في سورة البقرة: ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن [البقرة: 221] . قالوا- يعني الأكثرين-: هذا في المشركات لا في ~~الكتابيات، قلنا: اسم الشرك ينطلق على أهل الكتاب بدليل قوله تعالى: اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم. إلى قوله: سبحانه عما يشركون [التوبة: 31] . وعن ابن ~~عمر: لا أعلم شركا أعظم من قول النصرانية: إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد كثر ~~الله المسلمات. وإنما رخص لهم يومئذ. قالوا: إنه تعالى عطف أحدهما على ~~الآخر فدل على أنهما غيرين، حيث قال تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين # [البينة: 1] . قلنا: هذا كقوله تعالى: الوصية للوالدين والأقربين ~~[البقرة: 180] . قالوا: الآية مصرحة بالجواز في قوله: والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب قلنا: في سورة النور: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين [النور: 26] . وقوله في سورة النساء: ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم [النساء: 25] . فشرط ~~الإيمان في هذا يقضي بالتحريم. فتتأول هذه الآية: أنه أراد المحصنات من أهل ~~الكتاب اللاتي قد أسلمن، لأنهم كانوا يتكرهون ذلك، فسماهن باسم ما كن عليه. ~~وقد ورد مثل هذا في كتاب الله تعالى. قال الله: الذين آتيناهم الكتاب ~~يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به [البقرة: 121] . وقوله تعالى: الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] . وقوله تعالى: ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله [آل عمران: 199] . قالوا: سبب النزول ~~وفعل الصحابة يدل على الجواز. وإنا نجمع بين الآيات الكريمة فنقول: قوله ~~ولا تنكحوا المشركات [البقرة: 221] . عام نخصه بقوله تعالى والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب أو نقول: أراد ب المشركات الوثنيات وب المحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب، ما أفاده الظاهر. أو يكون قوله والمحصنات ناسخا لتحريم ~~الكتابيات بقوله: ولا تنكحوا المشركات. قلنا: نقابل ما ذكرتم بما # روي، أن كعب بن مالك أراد أن # PageV04P058 # يتزوج بيهودية أو نصرانية. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: ~~إنها لا تحصن ماءك # وروي أنه نهاه عن ذلك. وبأنا نتأول قوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا ms1568 ~~الكتاب فنجمع ونقول: تخصيص المشركات ب المحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~متراخ، والبيان لا يجوز أن يتراخى! قالوا: # روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحل لنا ذبائح ~~أهل الكتاب وأحل لنا نساؤهم وحرم عليهم أن يتزوجوا نساءنا» . # قال في (الشفا) : قال علماؤنا: هذا حديث ضعيف النقل. قالوا: # قوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» # الخبر أفاد جواز ذبائحهم ونكاح نسائهم. # قلنا: الجواز منسوخ بأدلة التحريم. ثم إنا نقوي أدلتنا بالقياس فنقول: ~~كافرة فأشبهت الحربية، أو لما حرمت الموارثة حرمت المناكحة. أو لما حرم ~~نكاح الكافر للمسلمة حرم العكس. قالوا: لا حكم للاعتبار مع الأدلة. انتهى ~~بحروفه. وهو فقه غريب. # وقوله تعالى: إذا آتيتموهن أجورهن أي: أعطيتموهن مهورهن. وتقييد الحل ~~بإيتائها، لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى، مبادرة لفراغ الذمة. فإن ~~شغل الذمة بحق الآدمي أشد من شغلها بحق الله تعالى: محصنين متعففين غير ~~مسافحين أي: غير مجاهرين بالزنى: ولا متخذي أخدان مسرين به، و (الخدن) ~~الصديق، يقع على الذكر والأنثى. وحمل المسافحة على إظهار الزنى لظهور ~~مقابله في الإسرار، لتبادره من الخدن وهو الصديق. وقيل: الأول نهي عن ~~الزنى، والثاني نهي عن مخالطتهن. كذا في (العناية) . # قال ابن كثير: كما شرط الإحصان في النساء- وهي العفة عن الزنى- كذلك ~~شرطها في الرجال. وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا. ولهذا قال: غير ~~مسافحين وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ~~ولا متخذي أخدان أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، كما تقدم في ~~سورة النساء، سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- إلى أنه لا ~~يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل ~~عفيف. وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو ~~فيه من الزنى، لهذه الآية # وللحديث: «لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله» # . وروى ابن جرير «1» : أن عمر بن الخطاب قال: ms1569 لقد هممت أن لا أدع أحدا ~~PageV04P059 # أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير ~~المؤمنين! الشرك أعظم من ذلك. وقد يقبل منه إذا تاب. # وقوله تعالى: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ~~يريد ب (الإيمان) شرائع الإسلام. على أنه مصدر أريد به المؤمن به، ك (درهم ~~ضرب الأمير) . (الكفر) الإباء عنه وجحوده. والآية تذييل لقوله: اليوم أحل ~~لكم الطيبات ... تعظيما لشأن ما أحله الله وما حرمه، وتغليظا على من خالف ~~ذلك. # كذلك في (العناية) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين لما كان من جملة الإيفاء ~~بالعقود التي افتتحت به هذه السورة إقامة الصلاة، وكانت مشروطة بالطهارة، ~~بين سبحانه في هذه الآية كيفيتها. # قال بعض المفسرين: نزلت في عبد الرحمن وكان جريحا: وقيل: لما احتبس صلى ~~الله عليه وسلم في سفر ليلا- بسبب عقد ضاع لعائشة، وأصبحوا على غير ماء. ~~انتهى. # والثاني رواه البخاري- كما في- (أسباب النزول) للسيوطي- وقد قدمنا الكلام ~~على ذلك في سورة النساء في (آية التيمم) ثمة. فانظره. # ولهذه الآية ثمرات هي أحكام شرعية. # الأولى: وجوب الوضوء وقت القيام إلى الصلاة أي إرادته. فقوله تعالى: إذا ~~قمتم إلى الصلاة. كقوله: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله [النحل: 98] . # وكقولك: إذا ضربت غلامك فهون عليه: في أن المراد إرادة الفعل. قال ~~الزمخشري: # PageV04P060 # فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد ~~بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، ms1570 وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه. فكما عبر ~~عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، ~~أي: لا يقدران على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى: نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين يعني إنا كنا قادرين على الإعادة- كذلك عبر عن إرادة الفعل ~~بالفعل، وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة. فأقيم المسبب مقام السبب ~~للملابسة بينهما. ولإيجاز الكلام ونحوه، من إقامة المسبب مقام السبب، ~~قولهم: كما تدين تدان. عبر عن الفعل المتبدأ- الذي هو سبب الجزاء- بلفظ ~~الجزاء الذي هو مسبب عنه. # الثانية: ظاهر الآية وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن ~~محدثا. نظرا إلى عموم الذين آمنوا من غير اختصاص بالمحدثين. والجمهور على ~~خلافه لما # روى الإمام أحمد «1» ومسلم وأهل السنن عن بريدة قال: «كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة. فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى ~~الصلوات بوضوء واحد، فقال: له عمر: يا رسول الله! إنك فعلت شيئا لم تكن ~~تفعله. قال: إني عمدا فعلته يا عمر» . # وروى البخاري «2» عن سويد بن النعمان قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، عام خيبر. حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العصر. فلما صلى دعا بالأطعمة. فلم يؤت إلا بالسويق. فأكلنا ~~وشربنا. ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب. فمضمض ثم صلى لنا ~~المغرب ولم يتوضأ. # وروى الإمام أحمد «3» وأبو داود عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد ~~سئل عن وضوء أبيه عبد الله، لكل صلاة، طاهرا أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: ~~حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب؟ إن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل حدثها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر. ~~فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. # فكان عبد الله يرى أنه به قوة على ذلك. كان ms1571 يفعله حتى مات. قال ابن كثير: ~~وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على ~~استحباب ذلك. كما هو مذهب الجمهور. PageV04P061 # وقد روى ابن جرير «1» عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة. # وعن عكرمة: أن عليا- رضي الله عنه- كان يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ: يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية # وعن النزال بن سبرة قال: رأيت عليا صلى الظهر. ثم قعد للناس في الرحبة. ~~ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه. ثم مسح برأسه ورجليه وقال: هذا وضوء من لم ~~يحدث # وفي رواية: إنه توضأ وضوءا فيه تجوز فقال: هذا وضوء من لم يحدث # وكذا حكى أنس عن عمر انه فعله، والطرق كلها جيدة. وأما ما رواه أبو داود ~~الطيالسي عن سعيد بن المسيب أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء- فهو غريب ~~عنه. ثم هو محمول على من اعتقد وجوبه، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت ~~السنة على ذلك. روى الإمام أحمد عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ عند كل صلاة. قيل له: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها ~~بوضوء واحد ما لم نحدث! ورواه البخاري «2» وأهل السنن أيضا. # وروى أبو داود «3» والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن ابن عمر مرفوعا: من ~~توضأ على طهر كتب له عشر حسنات # . وضعفه الترمذي. # وإذا دلت هذه الأحاديث على أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، فالوجه في ~~الخروج من ظاهر الآية، أن الخطاب فيه خاص بالمحدثين. # وفي (العناية) : الإجماع صرفها عن ظاهرها. فأما أن تكون مقيدة- أي وأنتم ~~محدثون- بقرينة دلالة الحال، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم- فلو ~~لم يكن له مدخل في الوضوء، مع المدخلية في التيمم، لم يكن البدل بدلا. ~~وقوله فلم تجدوا ماء صريح في البدلية. وقيل: في الكلام شرط مقدر. أي: إذا ~~قمتم إلى الصلاة. إن كنتم محدثين. وإن كنتم جنبا فاطهروا. وهو قريب جدا. ~~انتهى. # وزعم بعضهم أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول ms1572 الأمر ثم نسخ. # واستدل على ذلك بحديث عبد الله بن حنظلة المتقدم. ونظر فيه بحديث: ~~(المائدة من آخر القرآن نزولا) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال: لم أجده ~~مرفوعا. هذا، وقال PageV04P062 # الزمخشري: لا يجوز أن يكون الأمر في الآية شاملا للمحدثين وغيرهم- لهؤلاء ~~على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب- لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين ~~من باب الإلغاز والتعمية. وفي (الانتصاف) : من جوز أن يراد بالمشترك كل ~~واحد من معانيه على الجمع، أجاز ذلك في الآية. ومن المجوزين لذلك الشافعي- ~~رحمه الله تعالى- وناهيك بإمام الفن وقدوته. وإذا وقع البناء على أن صيغة ~~(أفعل) مشتركة بين الوجوب والندب، صح تناولها في الآية للفريقين المحدثين ~~والمتطهرين. # وتناولها للمتطهرين من حيث الندب، والله أعلم. # الثالثة: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : تمسك بهذه الآية من قال: إن ~~الوضوء أول ما فرض بالمدينة، فأما ما قبل ذلك، فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل ~~السير على أن غسل غسل الجنابة إنما فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~بمكة. كما فرضت الصلاة. وأنه لم يصل قط إلا بوضوء قال: وهذا مما لا يجهله ~~عالم. # وقال الحاكم في (المستدرك) : وأهل السنة بهم حاجة إلى دليل الرد على من ~~زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة. ثم ساق # حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، ~~فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك! فقال: ائتوني بوضوء فتوضأ ~~... الحديث. # قال ابن حجر: وهذا يصلح ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على ~~من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم ابن الحكم المالكي بأنه كان قبل الهجرة ~~مندوبا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، ورد عليهما بما أخرجه ابن ~~لهيعة في (المغازي) التي يرويها عن أبي الأسود- يتيم عروة- عنه أن جبريل ~~علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو مرسل ~~ووصله أحمد «1» من طريق ابن لهيعة أيضا. لكن قال: عن الزهري عن عروة عن ~~أسامة بن زيد عن ms1573 أبيه، وأخرجه ابن ماجة «2» من رواية رشدين بن سعد، عن ~~عقيل، عن الزهري، نحوه. لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه ~~الطبراني في (الأوسط) من طريق الليث عن عقيل موصولا، ولو ثبت لكان على شرط ~~الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. انتهى. # أي: وابن لهيعة يضعف في الحديث. PageV04P063 # الرابعة: قيل: في الآية دلالة على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة. وأيد ~~بما # رواه أبو داود والنسائي «1» والترمذي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ ~~فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. # قال الترمذي: حديث حسن. # وروى مسلم «2» عن ابن عباس قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم. فأتى ~~الخلاء. ثم إنه رجع فأتي بطعام، فقيل: يا رسول الله! ألا تتوضأ؟ فقال: لم ~~أصل فأتوضأ. # وأما اشتراط الوضوء لطواف وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة ومس المصحف- عند ~~من أوجبه- فمن أدلة أخر مقررة في فقه الحديث. # الخامسة: (وجوب غسل الوجه) والغسل إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه، ~~هذا هو المحكي عن أكثر الأئمة. زاد بعضهم: مع الدلك. وعن النفس الزكية: # أن مجرد الإمساس يكفي وإن لم يجر. وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى ~~منتهى الذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. وقد ساق بعض المفسرين هنا ~~مذاهب، فيما يشمله الوجه وما لا يشمله، ومحلها كتب الخلاف. # السادسة: (وجوب غسل اليدين) : وهذا مجمع عليه وأما المرفقان، تثنية مرفق ~~(كمنبر ومجلس) موصل الذراع في العضد، فالجمهور على دخولهما في المغسول وحكي ~~عن زفر وبعض المالكية وأهل الظاهر عدم دخولهما. وسبب الخلاف أن المغيا ب ~~(إلى) تارة يتضح دخوله في الغاية، وطورا لا، وآونة يحتمل. # قال الزمخشري: (إلى) تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم ~~وخروجها فأمر يدور مع الدليل فمما فيه دليل على الخروج قوله: فنظرة إلى ~~ميسرة [البقرة: 280] ، لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول ~~العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في ms1574 كلتا الحالتين، معسرا وموسرا، ~~وكذلك: ثم أتموا الصيام إلى الليل [البقرة: 187] . لو دخل الليل لوجب ~~الوصال ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، لأن ~~الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى: من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى [الإسراء: 1] . لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس ~~من غير أن يدخله PageV04P064 # وقوله إلى المرافق وإلى الكعبين لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة ~~العلماء بالاحتياط. فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن، فلم ~~يدخلاها. انتهى. # قال الرضي: الأكثر عدم دخول حدي الابتداء والانتهاء في المحدود. فإذا ~~قلت: اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضعان لا يدخلان ظاهرا في ~~الشراء. ويجوز دخولهما فيه مع القرينة وقال بعضهم: ما بعد (إلى) ظاهر ~~الدخول فيما قبلها. فلا تستعمل في غيره إلا مجازا. وقيل: إن كان ما بعدها ~~من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة إلى رأسها، فالظاهر الدخول وإلا فلا، ~~نحو: أتموا الصيام إلى الليل. والمذهب هو الأول. ثم قيل: بأنها في الآية ~~بمعنى (مع) كقوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: 2] . قال الرضي: والتحقيق أنها ~~بمعنى الانتهاء. أي تضيفوها إلى أموالكم، ومضافة إلى المرافق. انتهى. # قال صاحب (النهاية) : وقول من لم يدخل المرافق من جهة الدلالة اللفظية ~~أرجح، وقول من أدخلها من جهة الأثر أبين، لأن # في حديث مسلم «1» مما رواه أبو هريرة: أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في ~~العضد. ثم اليسرى، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق. ثم اليسرى كذلك # . واحتج أهل المذهب # بحديث جابر: أنه صلى الله عليه وسلم كان يدير الماء على مرفقيه # . قالوا: ودلالة الآية مجملة. وهذا بيان للمجمل. وبيان المجمل الواجب ~~يكون واجبا. انتهى. # وقال المجد ابن تيمية في (المنتقى) : يتوجه من حديث أبي هريرة وجوب غسل ~~المرفقين لأن نص الكتاب يحتمله، وهو مجمل فيه، وفعله صلى الله عليه وسلم ~~بيان لمجمل الكتاب، ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال، ليجب بذلك. انتهى. # وأجابوا بأن ms1575 حديث جابر رواه الدارقطني والبيهقي. وفي إسناده متروك. وقد ~~صرح بضعفه غير واحد من الحفاظ. وحديث أبي هريرة فعل لا ينتهض بمجرده على ~~الوجوب. وقولهم (هو بيان للمجمل) فيه نظر. لأن (إلى) حقيقة في انتهاء ~~الغاية- كما قدمنا- فلا إجمال. والله أعلم. # السابعة: قال الرازي: يقتضي قوله تعالى: إلى المرافق تحديد الأمر، لا ~~تحديد المأمور به. يعني أن قوله: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق أمر ~~PageV04P065 # بغسل اليدين إلى المرفقين فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد فبقي الواجب هو ~~هذا القدر فقط، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد، لأنه ثبت بالأخبار أن ~~تطويل الغرة سنة مؤكدة. انتهى. # الثامنة: أشعر أيضا قوله تعالى: إلى المرافق أن ينتهي في غسل اليدين بها، ~~ويبتدأ بالأصابع. قال الحاكم: وقد وردت السنة بذلك، وهو الذي عليه الفقهاء، ~~ولدلالة لفظ (إلى) لأنها للغاية، وغاية الشيء آخره. وقالت الإمامية: السنة ~~أن يبتدئ بالمرفق. وقالوا: إن (إلى) هنا بمعنى (من) قال الحاكم: هذا تقدير ~~فاسد. # التاسعة: ذهب الجمهور إلى أن تقديم اليمين على الشمال سنة، من خالفها ~~فاته الفضل وتم وضوؤه. وذهب العترة والإمامية- كما في (البحر) للمهدي- إلى ~~وجوبه. واحتج عليهم بأن الآية لا تفيد ذلك، فمتى غسلهما مرتبا أو غير مرتب- ~~قدم اليمنى أو اليسرى- فقد امتثل الأمر. وأجابوا بأن الدلالة على الوجوب من ~~السنة، # فقد روى أحمد وأبو داود «1» عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم» ! # وأجيب: بأن الأمر للندب # لقوله: إذا لبستم وإذا توضأتم # ، فقرن بينه وبين اللبس. فإذن يدل على وجوب التيامن في اللبس كما يدل ~~عليه في الوضوء، وهم لا يقولون به. وأيضا # فقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: ما أبالي بدأت بيميني أو بشمالي إذا ~~أكملت الوضوء. رواه الدارقطني # . وروى نحوه البيهقي وابن أبي شيبة. # وروى أبو عبيد في الطهور: أن أبا هريرة كان يبدأ بميامنه، فبلغ ذلك عليا ~~فبدأ بمياسره. ورواه أحمد بن حنبل عن علي # قال الحافظ ابن حجر: # وفيه انقطاع. وهذه الطرق يقوي بعضها ms1576 بعضا. وكذلك الحديث المقترن بالتيامن ~~في اللبس، المجمع على عدم وجوبه، صالح لجعله قرينة تصرف الأمر إلى الندب. ~~ودلالة الاقتران- وإن كانت ضعيفة- لكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف لا سيما ~~مع اعتضادها بقول علي عليه السلام وفعله. # العاشرة: ذهب بعض العترة إلى أنه لا مسح على الجبائر. ففي (الأحكام) من ~~كتبهم: إذا جبر على جرح أو كسر وخشي نزع الجبائر ضررا، لا يشرع المسح. قال: # لأن الآية تقتضي غسل اليد دون ما عليها. والجمهور منهم ومن غيرهم: أنه ~~يمسح، # لحديث جابر: إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ~~PageV04P066 # ويغسل سائر جسده. رواه أبو داود «1» والدارقطني # . وصححه ابن السكن. # الحادية عشرة: (وجوب مسح الرأس) : # والمسح إمساس المحل الماء بحيث لا يسيل، والباء في قوله تعالى: # برؤسكم تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح ~~برءوسكم قال الزمخشري: وماسح بعض الرأس ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح ~~برأسه. أي: فيكون الواجب مطلق المسح كلا أو بعضا- وأيا ما كان- وقع به ~~الامتثال. والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على ~~مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم «2» وغيره من حديث المغيرة، أنه ~~صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض ~~العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة «3» ، أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. ~~وهذه هي الهيئة التي استمر عليها صلى الله عليه وسلم. فاقتضى هذا أفضلية ~~الهيئة التي كان صلى الله عليه وسلم يداوم عليها. وهي: مسح الرأس مقبلا ~~ومدبرا. وإجزاء غيرها في بعض الأحوال. ولا يخفى أن الآية لا تفيد إيقاع ~~المسح على جميع الرأس. كما في نظائره من الأفعال. نحو: ضربت رأس زيد، ~~PageV04P067 # وبرأسه. وضربت زيدا وضربت يد زيد. فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك، ~~بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة. وهكذا ما في الآية. وليس النزاع ~~في مسمى الرأس لغة، حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه. بل النزاع في إيقاع ~~المسح عليه. وعلى فرض الإجمال، فقد بينه ms1577 الشارع تارة بمسح الجميع، وتارة ~~بمسح البعض، بخلاف الوجه. فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال، ~~بل غسله جميعا. وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية. فإن قلت: إن ~~المسح ليس كالضرب الذي مثلت به. قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق ~~قول من قال (مسحت الثوب أو بالثوب. أو مسحت الحائط أو بالحائط) على مسح جزء ~~من أجزاء الثوب أو الحائط. وإنكار مثل هذا مكابرة. كذا في (الروضة) . # قال شمس الدين بن القيم في (الهدى) : ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم في ~~حديث واحد، أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة. ولكن كان إذا مسح بناصيته ~~كمل على العمامة. فأما # حديث أنس الذي رواه أبو داود «1» : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ~~ينقض العمامة- # فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى ~~يستوعب مسح الرأس الشعر كله. ولم ينف التكميل على العمامة. وقد أثبته ~~المغيرة بن شعبة وغيره. # فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه. انتهى. # قال الشوكاني: ليس النزاع إلا في الوجوب. وأحاديث التعميم، وإن كانت أصح، ~~وفيها زيادة وهي مقبولة- لكن أين دليل الوجوب؟ وليس إلا مجرد الفعل. # وهو لا يدل على الوجوب. ثم قال: وبعد هذا، فلا شك في أولوية استيعاب ~~المسح لجميع الرأس وصحة أحاديثه. ولكن دون الجزم بالوجوب، مفاوز وعقاب. ### | ### | فصل # # وأما قوله تعالى: وأرجلكم إلى الكعبين. فقرأه بالنصب نافع وابن عامر وحفص ~~والكسائي ويعقوب. وبالجر الباقون، ومن هاتين القراءتين تشعبت المذاهب في ~~صفة طهارة الرجلين. فمن ذاهب إلى أن طهارتهما الغسل. ومن ذاهب إلى أنها ~~المسح. ومن مخير بينهما. ولكل من هذه المذاهب حجج وتأويلات وأجوبة ومناقشات ~~نسوق شذرة منها. PageV04P068 # فنقول: قال الأولون: قراءة النصب ظاهرها يفيد الغسل. وقراءة الجر ظاهرها ~~يفيد المسح. إلا أنه لما وجد ما يرجح الغسل تأولنا ما أفادته قراءة الجر في ~~الظاهر. # والمرجح ms1578 للغسل أمور. # منها: ما في (الصحيحين) «1» و (السنن) عن عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية ~~وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة وإما مرتين أو ثلاثا. على اختلاف ~~رواياتهم. # وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~توضأ فغسل قدميه ثم قال: # هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. # وفي (الصحيحين) «2» عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفره. فأدركنا وقد أرهقنا العصر. فجعلنا نتوضأ ونمسح على ~~أرجلنا. قال، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار. مرتين أو ثلاثا. ~~وكذلك هو في (الصحيحين) «3» عن أبي هريرة. # وفي (صحيح مسلم) «4» عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«أسبغوا الوضوء. ويل للأعقاب من النار» # وروى البيهقي والحاكم، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن الحارث بن جزء أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للأعقاب وبطون الأقدام من ~~النار. # وروى الإمام أحمد «5» وابن ماجة «6» وابن جرير «7» عن جابر بن عبد الله ~~قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال: ~~ويل للأعقاب من النار. PageV04P069 # قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض ~~الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك، لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب ~~جميع الرجل. بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف. # وروى الإمام أحمد «1» عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها ~~الماء. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء» . زاد أبو ~~داود: والصلاة. # وروى الإمام أحمد «2» عن أبي أمامة قال: حدثنا عمرو بن عبسة قال: «قلت: ~~يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، قال: ما منكم من أحد ms1579 يقرب وضوءه ثم يتمضمض ~~ويستنشق وينتثر، إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر. ثم ~~يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. ثم ~~يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله. ثم يمسح رأسه ~~إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما ~~أمر الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء. ثم يقوم فيحمد ~~الله ويثني بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه» . # قال أبو أمامة: يا عمرو! انظر ما تقول. سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ # أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ قال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة! لقد كبر ~~سني ورق عظمي واقترب أجلي. وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا. ~~لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك.. # قال ابن كثير: وإسناده صحيح وهو # في (صحيح مسلم) «3» من وجه آخر، وفيه: ثم يغسل قدميه كما أمره الله. # فدل على أن القرآن يأمر بالغسل. وهكذا # روى أبو إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي رضي الله عنه أنه قال: اغسلوا ~~القدمين إلى الكعبين كما أمرتم # . ومن هاهنا يتضح لك المراد من # حديث عبد خير عن علي، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قدميه ~~الماء وهما في النعلين فدلكهما. إنما أراد غسلا خفيفا وهما في النعلين» # . ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها. ويكون في PageV04P070 # هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا ما # رواه ابن جرير «1» عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة ~~قوم فبال قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه # . وهو حديث صحيح. وقد أجاب ابن جرير عنه: بأن الثقات الحفاظ رووه عن ms1580 ~~حذيفة: فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه. قال ابن كثير: ويحتمل الجمع ~~بينهما. بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان. # وهكذا # الحديث الذي رواه الإمام أحمد «2» عن أوس بن أبي أوس قال: «رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ثم قام إلى الصلاة» . # ورواه أبو داود «3» عنه بلفظ: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى ~~سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه» . # ثم قال الجمهور: إن قراءة الجر محمولة على الجو الجواري. ونظيره كثير في ~~القرآن والشعر. كقوله تعالى: عذاب يوم أليم [هود: 26] و: حور عين [الواقعة: ~~22] بالجر في قراءة حمزة والكسائي عطفا على بأكواب وأباريق [الواقعة: 18] ~~والمعنى مختلف. إذ ليس المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين. وكقولهم: ~~جحر ضب خرب، وللنحاة باب في ذلك. حتى تعدوا، من اعتباره في الإعراب، إلى ~~التثنية والتأنيث وغير ذلك. وقد ساق شذرة من أشباهه ونظائره أبو البقاء ~~هنا. فانظره. وما قيل بأن حرف العطف مانع من الجوار (زعما بأنه خاص بالنعت ~~والتأكيد) مردود بأنه ورد في العطف كثيرا في كلام العرب. قال الشاعر: # لم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في عقال الأسر مكبول # فخفض (موثقا) بالمجاورة للمنفلت. وحقه الرفع عطفا على (أسير) . وقال: # فهل أنت- إن ماتت أتانك- راحل ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب # فجر (فخاطب) للمجاورة. وحقه الرفع عطفا على (راحل) . وكفى في الرد قراءة ~~(وحور) بالجر كما قدمنا. قالوا: وشرط حسن الجر الجواري عدم الإلباس مع تضمن ~~نكتة. وهنا كذلك. فإن الغاية دلت أنه ليس بممسوح. إذ المسح لم تضرب له غاية ~~في الشريعة. والنكتة فيه الإشارة إلى تخفيفه حتى كأنه مسح. PageV04P071 # قال الناصر في (الانتصاف) : والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان، من حيث ~~إن كل واحد منهما إمساس بالعضو. فيسهل عطف المغسول على المسوح من ثم- ~~كقوله: متقلدا سيفا ورمحا. وعلفتها تبنا وماء باردا- ونظائره كثيرة. وبهذا ~~وجه الحذاق. ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟ وهلا أسند إلى كل ~~واحد منهما الفعل ms1581 الخاص به على الحقيقة؟ فيقال: فائدته الإيجاز والاختصار ~~وتوكيد الفائدة- بما ذكره الزمخشري- أي: من أن الأرجل لما كانت مظنة ~~للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطف على الرابع المسوح، لا لتمسح ولكن لينبه ~~على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها. ثم قال الناصر: وتحقيقه أن الأصل أن ~~يقال مثلا: واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، ~~فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح. ونبه بهذا التشريك، الذي ~~لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدا، على أن الغسل ~~المطلوب في الأرجل، غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة. ~~انتهى. # وأما من أوجب الجمع بين المسح والغسل فأخذا بالجمع بين القراءتين. ومراد ~~من ذهب إلى وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما. فحكاه من حكاه كذلك. ولهذا ~~يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور. فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل ~~سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه. وإنما أراد ما ذكرته والله أعلم. ثم ~~تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: # وأرجلكم خفضا على المسح وهو الدلك، ونصبا على الغسل، فأوجبهما أخذا ~~بالجمع بين هذه وهذه. انتهى. # وأما من قال: الوجب هو المسح، فتمسك بقراءة الجر، وهو مذهب الإمامية. # وأجابوا عن قراء النصب بأنها مقتضية للمسح أيضا. وقد وقفت على كتاب (شرح ~~المقنعة) من كتبهم فوجدته أطنب في هذا البحث، ووجه اقتضاء النصب للمسح بأن ~~موضع الرؤوس موضع نصب لوقوع الفعل، الذي هو المسح عليه. قال: وعلى هذا لا ~~ينكر أن يعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فينصب، والعطف على الموضع ~~جائز مشهور في لغة العرب. ثم ساق الشواهد في ذلك وقال بعد: فإن قيل: # ما أنكرتم أن تكون القراءة بالنصب لا تقتضي الغسل، فلا تحتمل المسح. لأن ~~عطف الأرجل على مواضع الرؤوس في الإيجاب توسع وتجوز. والظاهر والحقيقة ~~يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع، قلنا: ليس الأمر على ما توهمتم، بل ~~العطف على الموضع مستحسن في لغة العرب، وجائز لا على ms1582 سبيل الاتساع والعدول ~~عن # PageV04P072 # الحقيقة. فالمتكلم مخير بين حمل الإعراب على اللفظ تارة، وبين حمله على ~~الموضع أخرى. قال: وهذا ظاهر في العربية مشهور عند أهلها، وفي القرآن ~~والشعر له نظائر كثيرة. ثم قال: على أنا لو سلمنا أن العطف على اللفظ أقوى، ~~لكان عطف الأرجل على موضع الرؤوس أولى، مع القراءة بالنصب، لأن نصب الأرجل ~~لا يكون إلا على أحد وجهين: إما بأن يعطف على الأيدي والوجوه في الغسل، أو ~~يعطف على موضع الرؤوس فينصب، ويكون حكمها المسح. وعطفها على موضع الرؤوس ~~أولى. # وذلك أن الكلام إذا حصل فيه عاملان، أحدهما قريب والآخر بعيد، فإعمال ~~الأقرب أولى من إعمال الأبعد. وقد نص أهل العربية على هذا في باب التنازع. ~~انتهى. فتأمل جدلهم. # قال الحافظ ابن كثير: وقد روي عن طائفة من السلف القول بالمسح: فروى ابن ~~جرير «1» عن حميد قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة! إن الحجاج ~~خطبنا بالأهواز، ونحن معه. فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم. وإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه. # فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. ~~قال الله تعالى: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم. # قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما. # قال ابن كثير: إسناده صحيح إليه. # وروى ابن جرير «2» أيضا عن عاصم عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنة ~~بالغسل. وإسناده صحيح أيضا. # وأسند «3» أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. # وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ~~وامسحوا برؤسكم وأرجلكم، قال: هو المسح. ثم قال: وروى ابن عمر وعلقمة وأبي ~~جعفر محمد بن علي والحسن (في إحدى الروايات) وجابر بن يزيد ومجاهد (في إحدى ~~الروايتين) نحوه. PageV04P073 # وروى ابن جرير «1» عن أيوب قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه. وعن الشعبي ~~«2» قال: نزل جبريل بالمسح. ألا ترى أن التيمم، أن يسمح ما كان غسلا ويلغي ~~ما كان مسحا؟ # وأما من ms1583 ذهب إلى التخيير، فقال: لما جاءت القراءة بما يوجب الغسل وبما ~~يوجب المسح، دل على أنه مخير. قال في (الشفا) : القراءتان لا توجبان الجمع، ~~بل تثبتان التخيير. # ولا يخفى أن ظاهر الآية صريح في أن واجبهما المسح. كما قال ابن عباس ~~وغيره. وإيثار غسلهما في المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، إنما هو للتزيد ~~في الفرض والتوسع فيه حسب عادته صلى الله عليه وسلم، فإنه سن في كل فرض ~~سننا تدعمه وتقويه. في الصلاة والزكاة والصوم والحج. وكذا في الطهارات كما ~~لا يخفى، ومما يدل على أن واجبهما المسح، تشريع المسح على الخفين ~~والجوربين. ولا سند له إلا هذه الآية. فإن كل سنة أصلها في كتاب الله، ~~منطوقا أو مفهوما، فاعرف ذلك واحتفظ به، والله الهادي. ### | فصل # فيما قاله الصوفية- قدس الله سرهم- من أسرار طهارة هذه الأعضاء: # فأما الوجه، فإنما وجب غسله لأن فيه أكثر الحواس الظاهرة التي ينتفع ~~بالمحسوسات بواسطتها، فلا بد من تطهيره عن ظهور آثار حدثت عنها، ولسبق ~~الإحساس على العمل، قدم ما فيه أكثر الحواس الظاهرة أي غير السمع. ثم أمر ~~بتطهير الآلة الفاعلية للأفعال التي منها تلك الآثار- وهي الأيدي إلى ~~المرافق- لأن العمل بالأصابع يحتاج إلى تحريك الكف التي لا تتحرك غالبا إلا ~~بتحريك المرافق، ثم أمر بمسح الرأس لأنه جامع للحواس الباطنة، فأشبه جامع ~~الحواس الظاهرة، وأخره عن غسل اليدين لأنه مخزن الصور المدركة بالحواس ~~الظاهرة من أعماله وغيرها. ولم يأمر بغسله لأنه يضر بصاحب الشعر، ولا بد ~~منه في الزينة، لا سيما للمرأة، فخفف بالمسح. ثم أوجب غسل آلة السعي ~~لمشابهة آلة العمل وهي الأرجل، ولما كانت حركتها توجب حركة جميع البدن، ~~اقتصر على أدنى الغايات، أعني: الكعبين، لئلا PageV04P074 # تبطل فائدة تخصيص الأعضاء، وفي الفصل بين المغسولات بالممسوح إيماء إلى ~~وجوب الترتيب، والسر فيه ما أشرنا إليه. كذا في تفسير (المهايمي) . # وذكر الشعراني- قدس سره- في سر ذلك، أن الوجه به حصول المواجهة في حضرة ~~الله تعالى عند خطابه، والشرع قد تبع العرف في ذلك، وإلا فكل ms1584 جزء من بدن ~~العبد- ظاهرا وباطنا- ظاهر للحق تعالى من العبد. أمر الله تعالى العبد ~~بالتوبة فورا. # مسارعة للتطهير من النجاسة المعنوية. لأن الماء لا يصل إلى القلب. فافهم. ~~ثم وجه قول الجمهور بدخول المرفقين في اليدين بأنهما محل الارتفاق. وتكمل ~~الحركة بهما في فعل المخالفات. ووجه قول زفر وداود، بأنهما لم يتمحضا ~~للذراعين، لأنهما مجموع شيئين: إبرة الذراع ورأس العظمين، ثم وجه مسح جميع ~~الرأس، بالأخذ بالاحتياط. فيمسح جميع محل الرياسة التي عند المتوضئ ليخرج ~~عن الكبر الذي في ضمنها، ويمكن من دخول حضرة الله تعالى في الصلاة. فإن من ~~كان عنده مثقال ذرة من كبر لا يمكن من دخوله الجنة يوم القيامة، كما ورد، ~~إذ هي الحضرة الخاصة، وكذلك القول في حضرة الصلاة. ثم وجه غسل القدمين ~~بمؤاخذة العبد بالمشي بهما في غير طاعة الله عز وجل، وكونهما حاملين للجسم ~~كله. وممدين له بالقوة على المشي، فإذا ضعفا بالمخالفة أو الغفلة سرى ذلك ~~فيما حملاه، كما يسري منهما القوة إلى ما فوقهما إذا غسل، فإنهما كعروق ~~الشجرة التي تشرب الماء وتمد الأغصان بالأوراق والثمار. فتعين فيهما الغسل ~~دون المسح، ثم ذكر سر من ذهب إلى وجوب الموالاة في طهارة أعضاء الوضوء، بأن ~~الغالب على المتطهرين ضعف أبدانهم من كثرة المعاصي، أو الغفلات، أو أكل ~~الشهوات، وإذا لم يكن موالاة جفت الأعضاء كلها قبل القيام إلى الصلاة، ~~مثلا. وإذا جفت فكأنها لم تغسل ولم تكتسب بالماء انتعاشا. ولا حياة تقف بها ~~بين يدي ربها. فخاطبت ربها بلا كمال لحضور ولا إقبال على مناجاته. هذا حكم ~~غالب الأبدان، أما أبدان العلماء العاملين وغيرهم من الصالحين، فلا يحتاجون ~~إلى تشديد في أمر الموالاة لحياة أبدانهم بالماء. ولو طال الفصل بين غسل ~~أعضائهم. فيحمل قول من قال بوجوب الموالاة على طهارة عوام الناس. ويحمل قول ~~من قال بالاستحباب على طهارة علمائهم وصالحيهم. # وسمعت سيدي عليا الخواص، رحمه الله تعالى، يقول: نعم قول من قال بوجوب ~~الموالاة في هذا الزمان. فإن من لم يوجبها يؤدي ms1585 قوله إلى جواز طول الفصل ~~جدا. وزيادة البطء في زمن الطهارة، وفوات أول الوقت، كأن يغسل وجهه في # PageV04P075 # الوضوء للظهر بعد صلاة الصبح. ثم يغسل يديه ربع النهار. ثم يمسح رأسه بعد ~~زوال الشمس. ثم يغسل رجليه قبيل العصر. مع وقوع ذلك المتوضئ مثلا، في ~~الغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية والضحك والغفلة. وغير ذلك من المعاصي ~~والمكروهات. أو خلاف الأولى إن كان ممن يؤاخذ به كما يؤاخذ بأكل الشهوات. # فمثل هذا الوضوء، وإن كان صحيحا في ظاهر الشرع- من حيث إنه يصدق عليه إنه ~~وضوء كامل- فهو قليل النفع لعدم حصول حياة الأعضاء به بعد موتها أو ضعفها ~~أو فتورها. ففات بذلك حكمة الأمر بالموالاة في الوضوء- وجوبا أو استحبابا- ~~وهي إنعاش البدن وحياته قبل الوقوف بين يدي الله تعالى للمناجاة. ثم لو قدر ~~عدم وقوع ذلك المتوضئ، الذي لم يوال، في معصية أو غفلة في الزمن المتخلل ~~بين غسل الأعضاء. فالبدن ناشف كالأعضاء التي عمتها الغفلة والسهو والملل ~~والسآمة. فلم يصر لها داعية إلى كمال الإقبال على الله تعالى حال مناجاته. # وقد كمل أسرار السنن بما يبهج، فلينظر في (ميزانه) رحمه الله تعالى. # وفي كلام الله تعالى من الفوائد والأسرار واللطائف، ما تضيق عنه الأسفار. # وقوله تعالى: وإن كنتم جنبا أي: بخروج مني أو التقاء ختانين فاطهروا أي: # بالماء، أي: اغتسلوا به. قال المهايمي: أي: بالغوا في تطهير البدن لأنه ~~يتلذذ به الجميع تلذذا أغرقه في غير الله، فأثر فيه بالحدث وإن كنتم جنبا ~~مرضى تخافون من استعمال الماء أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أي رجع ~~من مكان البراز أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا أي: اقصدوا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه تذليلا للعضوين الشريفين. وقد مر تفسير ~~هذا وأحكامه في سورة النساء. ما يريد الله أي ما يريد بالأمر بالطهارة ~~للصلاة. أو بالأمر بالتيمم ليجعل عليكم من حرج أي ضيق في الامتثال أو في ~~تحصيل الماء ولكن يريد ليطهركم أي عن الذنوب، أو ليجعلكم في حكم الطاهرين ms1586 ~~بالتذلل بالتراب. فإنه لما رفع التكبر فكأنما رفع الحدث الذي ينشأ عن ~~أمثاله وليتم نعمته عليكم أي: بشرعه ما هو مطهر لأبدانكم ومنعش لها مما ~~لحقها، ومكفر لذنوبكم، أو ليتم برخصه إنعامه عليكم بتمكينكم من عبادته بكل ~~حال، حتى حال الحدث لعلكم تشكرون نعمته ورخصته فيثيبكم. # وقد روى ابن جرير «1» عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من توضأ PageV04P076 # فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه» ~~. # ورواه مسلم «1» وأصحاب السنن عن أبي هريرة مفصلا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 7] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) # واذكروا نعمة الله عليكم بالهداية لهذا الدين القويم لتذكركم المنعم ~~وترغبكم في شكره وميثاقه أي عهده الوثيق الذي واثقكم به أي: أكد عليكم ~~بقوله إذ قلتم أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا وأطعنا حين ~~بايعتموه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره واتقوا الله ~~أي: في نقض شيء من عهوده ولو بالقلب إن الله عليم بذات الصدور أي: ~~بخفياتها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 8] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله أي: مقتضى إيمانكم الاستقامة، ~~فكونوا مبالغين في الاستقامة باذلين جهدكم فيها لله. وهي إنما تتم بالنظر ~~في حقوق الله وحقوق خلقه فكونوا شهداء بالقسط أي: العدل. لا تتركوه لمحبة ~~أحد ولا لعداوة أحد ولا يجرمنكم أي: لا يحملنكم شنآن أي: شدة عداوة قوم على ~~ألا تعدلوا في حقهم. قال المهايمي: أي: فإنا لا نأمركم به من حيث ما فيه من ~~توفية حقوق الأعداء. بل من حيث ما فيه من توفية حقوق أنفسكم في الاستقامة ~~اعدلوا هو أي: العدل- أقرب للتقوى أي: لحفظ الأنفس أن تتجاوز ms1587 حد ~~PageV04P077 # استقامتها واتقوا الله أي: أن تبطلوا حقوقه أو حقوق عباده ولو بطريق ~~توهمون فيه العدل إن الله خبير بما تعملون من الأعمال فيجازيكم بذلك. # وقد ثبت في (الصحيحين) «1» عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نحلا. ~~فقالت أمي: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه ~~ليشهده على صدقتي فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. فقال: اتقوا الله ~~واعدلوا بين أولادكم، وقال: إني لا أشهد على جور. قال، فرجع أبي فرد تلك ~~الصدقة. # قال بعض المفسرين: ثمرة الآية الدلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والقيام بالقسط. يدخل فيه الشهادة بالعدل والحكم به. وكذلك الفتوى. ~~وأن قول الحق لا يترك وجوبه بعدو ولا صديق. ولا يجوز اتباع الهوى. # قال الزمخشري وفي هذا تنبيه عظيم على أن العدل إذا كان واجبا مع الكفار ~~الذين هم أعداء الله، إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع ~~المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 9] # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات التي من جملتها العدل والتقوى لهم ~~مغفرة وأجر عظيم يعني ثوابا وافرا في الجنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 10] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي منها ما تلى من الأمر بالعدل والتقوى. # أولئك أصحاب الجحيم أهل النار. ثم بين تعالى أن من مقتضى الإيمان ملازمة ~~شكره على ذكر نعمه، فقال سبحانه: PageV04P078 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم أي: في حفظه إياكم عن ~~أعدائكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم أي: بأن يبطشوا بكم بالقتل ~~والإهلاك فكف أيديهم عنكم أي: منعها أن تمد ms1588 إليكم، ورد مضرتها عنكم. # قيل: الآية إشارة إلى ما # روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها. وعلق النبي ~~صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة. فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذه فسله. ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من ~~يمنعك مني؟ قال: الله عز وجل. قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا: من يمنعك مني؟ ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله. قال: فشام الأعرابي السيف. فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي. وهو جالس إلى جنبه، ~~ولم يعاقبه» . # وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوما من العرب أرادوا أن ~~يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فأرسلوا هذا الأعرابي. وتأول هذه ~~الآية. # وأخرج أبو نعيم في (دلائل النبوة) من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله، ~~«أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمدا. ~~فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال: يا ~~محمد! أأنظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم. فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم به ~~فيكبته الله تعالى. فقال يا محمد! أما تخافني؟ قال: لا. قال: أما تخافني ~~والسيف في يدي؟ قال: لا. يمنعني الله منك. ثم غمد السيف ورده إلى رسول ~~الله» . فأنزل الله الآية. # وقصة هذا الأعرابي ثابتة في (الصحيح) «1» . PageV04P079 # وأخرج ابن جرير «1» عن عكرمة ويزيد بن أبي زيادة واللفظ له: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن ~~عوف حتى دخلوا على كعب بن الأشرف ويهود بني النضير، يستعينهم في عقل أصابه. ~~فقالوا: نعم. # اجلس حتى نطعمك أو نعطيك الذي تسألنا، فجلس. فقال حيي بن أخطب لأصحابه: ~~لا ترونه أقرب منه الآن. اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه. ولا ترون شرا أبدا، ~~فجاؤوا إلى رحى عظيمة ms1589 ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم. حتى جاء ~~جبريل فأقامه من ثمت. فأنزل الله الآية. وروى نحوه ابن أبي حاتم. # قال ابن كثير: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم، ~~فحاصرهم حتى أنزلهم فأجلاهم # . انتهى. # وعلى هذه الروايات، فالمراد من قوله تعالى اذكروا نعمت الله عليكم تذكير ~~نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيهم، فإنه لو حصل ذلك لكان من ~~أعظم المحن. # وذكر الزمخشري، ومن بعده، من وجوه إشارات الآية، ما كان بعسفان من حفظه ~~تعالى لهم من أعدائهم، لما هموا بقتلهم عند اشتغالهم بصلاة العصر، بعد ما ~~رأوهم يصلون الظهر. فندموا على أن لا أكبوا عليهم. فرد كيد أعدائهم إذ أنزل ~~عليهم صلاة الخوف. انتهى. # ولفظ الآية محتمل لذلك، بيد أني لم أره الآن مسندا عن أئمة الأثر. # واتقوا الله أي في رعاية حقوق نعمته ولا تخلوا بشكرها وعلى الله خاصة دون ~~غيره فليتوكل المؤمنون فإنه الكافي في إيصال الخير ودفع الشر لمن توكل ~~عليه. # قال أبو السعود: والجملة تذييل مقرر لما قبله. وإيثار صيغة أمر الغائب. ~~PageV04P080 # وإسنادها إلى المؤمنين، لإيجاب التوكل على المخاطبين بالطريق البرهاني، ~~وللإيذان بأن ما وصفوا به عند الخطاب من وصف الإيمان، داع إلى ما أمروا به ~~من التوكل والتقوى، وازع عن الإخلال بهما. ### | بحث جليل في التوكل # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية- قدس الله سره- في بعض مصنفاته: # قد ظن طائفة ممن تكلم في أعمال القلوب، أن التوكل لا يحصل به جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة. بل ما كان مقدرا بدون التوكل، فهو مقدر مع التوكل. ولكن ~~التوكل عبادة يثاب عليها من جنس الرضا بالقضا. وذكر ذلك أبو عبد الله بن ~~بطة فيما صنفه في هذا الباب. وقول هؤلاء يشبه قول من قال: إن الدعاء لا ~~يحصل به جلب منفعة ولا دفع مضرة. بل هو عبادة يثاب عليها كرمي الجمار، ~~وآخرون يقولون: بل الدعاء علامة وأمارة. ويقولون ذلك في جميع العبادات، ~~وهذا قول من ينفي الأسباب في الخلق والأمر، ms1590 ويقول: إن الله يفعل عندها، لا ~~بها. وهو قول طائفة من متكلمي أهل الإثبات للقدر- كالأشعري وغيره، وهو قول ~~طائفة من الفقهاء والصوفية. وأصل هذه البدعة من قول جهم. فإنه كان غاليا في ~~نفي الصفات وفي الجبر، فجعل من تمام توحيد الذات نفي الصفات، ففي تمام ~~توحيد الأفعال نفي الأسباب. حتى أنكر تأثير قدرة العبد، بل نفى كونه قادرا، ~~وأنكر الحكمة في التوكل والرحمة. وكان يخرج إلى الجذمي فيقول: أرحم ~~الراحمين يفعل مثل هذا؟ يعني أنه يفعل بمحض المشيئة بلا رحمة. وقوله في ~~القدر، قد تقرب إليه الأشعري ومن وافقه من الطوائف. والذي عليه السلف ~~والأئمة والفقهاء والجمهور وكثير من أهل الكلام إثبات الأسباب. كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة، مع دلالة الحس والعقل. والكلام على هؤلاء مبسوط في ~~مواضع أخر. والمقصود هنا الكلام على التوكل. فإن الذي عليه الجمهور أن ~~المتوكل يحصل له بتوكله، من جلب المنفعة ودفع المضرة، ما لا يحصل لغيره. ~~وكذلك الدعاء. والقرآن يدل على ذلك في مواضع كثيرة. ثم هو سبب عند ~~الأكثرين، وعلامة عند من ينفي الأسباب: قال الله تعالى: ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2- ~~3] . والحسب: # الكافي. فبين أنه كاف من توكل عليه. وفي الدعاء: يا حسيب المتوكلين! فلا ~~يقال: هو حسب غير المتوكل كما هو حسب المتوكل، لأنه علق هذه الجملة على ~~الأولى تعليق الجزاء على الشرط، فيمتنع في مثل ذلك أن يكون وجود الشرط # PageV04P081 # كعدمه. ولأنه رتب الحكم على الوصف المناسب له. فعلم أن توكله هو سبب كونه ~~حسيبا له، ولأنه ذكر ذلك في سياق الترغيب في التوكل، كما رغب في التقوى. ~~فلو لم يحصل للمتوكل من الكفاية ما لا يحصل لغيره، لم يكن ذلك مرغبا في ~~التوكل. # كما جعل التقوى سببا للخروج من الشدة وحصول الرزق من حيث لا يحتسب. # وقال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ms1591 [آل عمران: 173] فمدحوه سبحانه بأنه ~~نعم الوكيل، والوكيل لا يستحق المدح إذا لم يجلب لمن توكل عليه منفعة ولم ~~يدفع عنه مضرة. والله خير من توكل العباد عليه، فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل ~~خير ويدفع عنهم كل شر. وقال تعالى: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 8- 9] . وقال: وآتينا ~~موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا [الإسراء: ~~2] . فأمر أن يتخذ وكيلا ونهى أن يتخذ من دونه وكيلا، لأن المخلوق لا يستقل ~~بجميع حاجات العبد، والوكالة الجائزة أن يتوكل الإنسان في فعل يقدر عليه، ~~فيحصل للموكل بذلك بعض مطلوبه. فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله. ~~وذاك الذي يوكله لا يفعل شيئا إلا بمشيئة الله وقدرته. فليس له أن يتوكل ~~عليه، وإن وكله. بل يعتمد على الله في تيسير ما وكله فيه، فلو كان الذي ~~يحصل للمتوكل على الله، يحصل وإن توكل على غيره، ويحصل بلا توكل، لكان ~~اتخاذ بعض المخلوقين وكيلا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلا. وهذا من أقبح لوازم ~~هذا القول الفاسد. لأن التوكل على الخلق يشهد نفعه. وقال تعالى: يا أيها ~~النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [الأنفال: 64] أي: الله كافيك وكافي ~~من اتبعك من المؤمنين. فلو كانت كفايته للمؤمنين المتبعين للرسول- سواء ~~اتبعوه أو لم يتبعوه- لم يكن للإيمان واتباع الرسول أثر في هذه الكفاية. ~~ولا كان لتخصيصهم بذلك معنى. وكان هذا نظير أن يقال: هو خالقك وخالق من ~~اتبعك. ومعلوم أن المراد خلاف ذلك. وإذا كان الحسب معنى يختص بعض الناس، ~~علم أن قول المتوكل: (حسبي الله) وقوله: ومن يتوكل على الله فهو حسبه أمر ~~مختص لا مشترك. وأن التوكل سبب ذلك الإختصاص، والله تعالى إذا وعد على ~~العمل بوعد أو خص أهله بكرامة، فلا بد أن يكون بين وجود ذلك العمل وعدمه ~~فرق في حصول تلك الكرامة. وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر. فقد يكفي الله ~~بعض من لم يتوكل ms1592 عليه كالأطفال. لكن لا بد أن يكون للمتوكل أثر في حصول ~~الكفاية الحاصلة للمتوكلين، فلا يكون # PageV04P082 # ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا، وإن عدم التوكل. وقد قال تعالى: ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم [آل عمران: 173- 174] ، فعقب هذا ~~الجزاء والحكم لذلك الوصف والعمل، بحرف (الفاء) وهي تفيد السبب، فدل ذلك ~~على أن ذلك التوكل هو سبب هذا الانقلاب بنعمة من الله وفضل. وأن هذا الجزاء ~~جزاء على ذلك العمل. وفي الأثر: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على ~~الله. فلو كان التوكل لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة، لم يكن المتوكل أقوى من ~~غيره. وقال تعالى: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن ~~الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا [الأحزاب: 1- 3] . وقال في أثناء ~~السورة: ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله ~~وكيلا [الأحزاب: # 48] . فأمره سبحانه بتقواه واتباع ما يوحى إليه وأمره بالتوكل. كما جمع ~~بين هذين الأصلين في غير موضع. كقوله: فاعبده وتوكل عليه [الأحزاب: 48] . ~~وقوله: # وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ~~[المزمل: ### | 8- 9 # ] . وقوله: عليه توكلت وإليه أنيب [الشورى: 10] . وقوله: ربنا عليك ~~توكلنا وإليك أنبنا [الممتحنة: 4] . وقوله: هو ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب [الرعد: 30] وقوله: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 2- 3] . وقوله في ~~الفاتحة: # إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] . وعلم القرآن مجتمع في الفاتحة في ~~هذين الأصلين: عبادة الله والتوكل عليه. وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه ~~التوكل. فإنه من عبادة الله. كقوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة: ~~21] وقوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] . وإذا قرن به ~~التوكل كان مأمورا به بخصوصه. وهذا كلفظ الإسلام والإيمان. ms1593 والإيمان ~~والعمل، ولفظ الصلاة مع العبادة ومع اتباع الكتاب. ولفظ الفحشاء والبغي مع ~~المنكر. ونظائر ذلك متعددة، يكون اللفظ عند تجرده وإفراده يتناول أنواعا. ~~وقد يعطف بعض تلك الأنواع عليه فيكون مأمورا به لخصوصه. ثم قد يقال: إذا ~~عطف لم يدخل في المعطوف عليه. وقد يقال: بل الأمر به خاص وعام، كما في ~~قوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] . وإذا كان الله أمره ~~بالتوكل على الله، ثم قال: وكفى بالله وكيلا علم أن الله وكيل كاف لمن توكل ~~عليه. كما يقال في الخطب # PageV04P083 # والدعاء: الحمد لله كافي من توكل عليه. وإذا كان (كفى به وكيلا) فهذا ~~مختص به سبحانه ليس غيره من الموجودات (كفى به وكيلا) فإن من يتخذ وكيلا من ~~المخلوقين غايته أن يفعل بعض الأمور، وهو لا يفعلها إلا بإعانة الله، وهو ~~عاجز عن أكثر المطالب. فإذا كان سبحانه وصف نفسه بأنه (كفى به وكيلا) علم ~~أنه يفعل بالمتوكل عليه ما لا يحتاج معه إلى غيره من جلب المنافع ودفع ~~المضار. إذ لو بقي شيء لم يكن (كفى به وكيلا) وهذا نقيض قول من ظن أن ~~المتوكل عليه لا يحصل له بتوكله جلب منفعة ولا دفع مضرة، بل يجري عليه من ~~القضاء ما كان يجري لو لم يتوكل عليه. والذين ظنوا، أصل شبهتهم أنهم لما ~~أثبتوا أن الله إذا قضى شيئا فلا بد أن يكون، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن، وأن ما سبق علمه فهو كائن لا محالة- صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد ~~بدونه، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع. وهذا غلط عظيم ضل فيه ~~طوائف: طائفة قالت: لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها. بل من خلق للجنة فهو ~~يدخلها وإن لم يؤمن. ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن ولم يكفر. وهذه ~~الشبهة سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم «1» لما # قال: ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة والنار قالوا: أفلا ندع ~~العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: ms1594 لا! اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. أما من ~~كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء ~~فسييسر لعمل أهل الشقاء # . وهذا المعنى قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في (الصحيح) في مواضع ~~تبين أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تقضي إليه، فالسعادة سبقت بأن ~~صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدا، والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما ~~يصير به شقيا. فالقدر تضمن الغاية وسببها. لم يتضمن غاية بلا سبب. كما تضمن ~~أن هذا يولد له بأن يتزوج ويطأ المرأة، وهذا تنبت أرضه بأن يزرع ويسقي ~~الزرع. وأمثال ذلك. وكذلك # في (السنن) «2» # أنه قيل له: يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقي نسترقي بها، ~~وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر PageV04P084 # الله» # . فبين أن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من القدر، ليس القدر مجرد ~~دفع المكروه بلا سبب. وكذلك قول من قال: (إن الدعاء لا يؤثر شيئا والتوكل ~~لا يؤثر شيئا) هو من هذا الجنس، لكن إنكار ما أمر به من الأعمال أمر ظاهر، ~~بخلاف تأثير التوكل. لكن الأصل واحد. وهو النظر إلى المقدور مجردا عن ~~أسبابه ولوازمه. ومن هذا الباب: (أن المقتول يموت بأجله) عند عامة ~~المسلمين. إلا فرقة من القدرية قالوا: إن القاتل قطع أجله. ثم تكلم ~~الجمهور: لو لم يقتل؟ قال بعضهم: كان يموت لأن الأجل قد فرغ، وقال بعضهم: ~~لا يموت لانتفاء السبب. وكلا القولين قد قال به من ينسب إلى السنة، وكلاهما ~~خطأ. فإن القدر سبق بأنه يموت بهذا السبب لا بغيره. فإذا قدر انتفاء هذا ~~السبب كان فرض خلاف ما في المقدور، ولو كان المقدور أنه لا يموت بهذا ~~السبب، أمكن أن يكون المقدور أنه يموت بغيره، وأمكن أن يكون القدر أنه لا ~~يموت. فالجزم بأحدهما جهل فيما تعددت أسبابه، لم يجزم بعدمه عند عدم بعضها، ~~ولم يجزم بثبوته إن لم يعرف له سبب آخر. بخلاف ما ليس ms1595 له إلا سبب واحد. مثل ~~دخول النار، فإنه لا يدخلها إلا من عصى. فإذا قدر أنه لم يعص لم يدخلها. ~~وقال تعالى: فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 159- 160] ~~فأمره إذا عزم، أن يتوكل على الله فلو كان التوكل لا يعينه على نيل ما عزم ~~عليه، لم يكن لأمره به عند العزم فائدة، بين أنه هو سبحانه الناصر دون غيره ~~وقال: وعلى الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 160] فنهى عن التوكل على ~~غيره، وأمر بالتوكل عليه ليحصل للمتوكل عليه النصر الذي لا يقدر عليه غيره. ~~وإلا فالمتوكل على غيره يطلب منه النصر، فإن كان ذلك المطلوب لا يحصل منه ~~لم يكن لذكر انفراده بالنصر معنى فإنه على هذا القول: نصره لمن توكل عليه ~~كنصره لمن لم يتوكل عليه. وهذا يناقض مقصود الآية. بل عند هؤلاء: # قد ينصر من يتوكل على غيره ولا ينصر من يتوكل عليه، فكيف يأمر بالتوكل ~~عليه دون غيره مقرونا بقوله: إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون وكذلك قوله تعالى: # أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من ~~هاد ... - إلى قوله- قل حسبي الله، عليه يتوكل المتوكلون. [الزمر: 36- 39] ~~فبين أن الله يكفي عبده الذي يعبده، الذي هو من عباده الذين ليس للشيطان # PageV04P085 # عليهم سلطان، الذي هو من عباده المخلصين، الذي هو من عباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا [الفرقان: 63] . ومثل هذا قوله: سبحان الذي أسرى ~~بعبده [الإسراء: 1] . وقوله: وأنه لما قام عبد الله يدعوه [الجن: 19] . # وقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] . ونظائر ~~متعددة. # ثم أمره بقوله: قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون [الزمر: 38] . وقال ~~تعالى: واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر ms1596 عليكم مقامي ~~وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون [يونس: 71] وكذلك قال عن هود لما ~~قال قومه: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال: إني أشهد الله واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~[هود: 54- 56] . فهذا من كلام المرسلين، مما يبين أنه بتوكله على الله يدفع ~~شرهم عنه. # فنوح يقول: إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ~~... الآية، فدعاهم، إذا استعظموا ما يفعله كارهين له، أن يجتمعوا ثم يفعلون ~~به ما يريدونه من الإهلاك. وقال: فعلى الله توكلت فلولا أنه بحقيقة هذه ~~الكلمة- وهو توكله على الله- يعجزهم عما تحداهم به من مناجزته، لكان قد طلب ~~منهم أن يهلكوه. وهذا لا يجوز، وهذا طلب تعجيز لهم. فدل على أنه- بتوكله ~~على الله- يعجزهم عما تحداهم به، وكذلك هود، يشهد الله تعالى وإياهم أنه ~~بريء مما يشركون بالله. ثم يتحداهم ويعجزهم بقوله: فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها يبين ~~أنه توكل على من أخذ بنواصي الإنس وسائر الدواب. فهو يدفعكم عني لأني متوكل ~~عليه، ولو كان وجود التوكل كعدمه في هذا، لكان قد أغراهم بالإيقاع به، ولم ~~يكن لذكر توكله فائدة، إذ كان حقيقة الأمر عند هؤلاء أنه لا فرق بين من ~~توكل ومن لم يتوكل في وصول العذاب إليه. وهم كانوا أكثر وأقوى منه. فكانوا ~~يهلكونه. وهو لو قال: فإن الله مولاي وناصري- ونحو ذلك- لعلم أنه مخبر أن ~~الله تعالى يدفعهم، وإنما يدفعهم لإيمانه وتقواه، ولأنه عبده ورسوله. فالله ~~مع رسله وأوليائه، فإذا كان بسبب الإيمان والتقوى يدفع الله عن المؤمنين ~~المتقين، علم أن العبد تقوم به أعمال باطنة وظاهرة، تجلب بها المنفعة وتدفع ~~بها المضرة. والتوكل من أعظم ذلك. وعلم أن ms1597 من ظن أن المقدور من المنافع ~~والمضار، ليس معلقا بالأسباب، بل يحصل بدونها، # PageV04P086 # فهو غالط. وكذلك من جعل ذلك مجرد أمارة وعلامة، لاقتران هذا بهذا، فقد ~~أخطأ، فإن الله أخبر أنه فعل هذا بهذا في غير موضع من القرآن، في خلقه ~~وأمره. كقوله: # فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات [الأعراف: 57] . وقوله: كلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية [الحاقة: 24] . وقوله: بما ~~كنتم تعملون [الزخرف: 72] ، وأنكر على من ظن وجود الأسباب كعدمها في مثل ~~قوله: أفنجعل المسلمين كالمجرمين [القلم: 35] . وقوله: أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ص: # 28] ، وأمثال ذلك. وهؤلاء يقولون بالجبر. قالوا: والأمر والنهي حقيقته ~~أنه إعلام بوقوع العذاب بالعاصي بمحض المشيئة لا لسبب ونحوه، ولا بحكمة. ~~فقلبوا حقيقة الأمر والنهي إلى الجبر. كما أبطلوا الأسباب والحكمة. وأبطلوا ~~قدرة العباد. وهم، وإن كانوا يردون على القدرية ويذكرون من تناقضهم ما يبين ~~فساد قول القدرية، فقد ردوا باطلا بباطل،. وقاتلوا بدعة ببدعة. كرد اليهود ~~على النصارى والنصارى على اليهود مقالتهم في المسيح، وكلتا المقالتين ~~باطلة، وكذلك تقابل الخوارج والشيعة في علي باطل، ونظائره متعددة. انتهى. ~~فاحفظه ينفعك في مواضع كثيرة. وقوله تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل كلام مستأنف مشتمل على ذكر بعض ما صدر ~~عن بني إسرائيل- من الخيانة ونقض الميثاق- وما أدى إليه ذلك من التبعات، ~~مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق الذي ~~واثقهم به. وتحذيرهم من نقضه. أو لتقرير ما ذكر من هم بني قريظة بالبطش ~~وتحقيقه حسبما مر من الرواية ببيان أن الغدر والخيانة عادة لهم قديمة ~~توارثوها من ms1598 أسلافهم- أفاده أبو السعود. # زاد الرازي: تقرير الإلزام بالتكليف بأنه سنة الله في الذين خلوا. # وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا رئيسا. سمي بذلك لأنه يفتش حال القوم # PageV04P087 # ويعلم دخيلة أمرهم وقال الله أي: لهم. وفي الالتفات تربية المهابة وتأكيد ~~ما يتضمنه الكلام من الوعد إني معكم أي: بالعلم والقدرة والنصرة لئن أقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي أي: الذين يجيئون إليكم وعزرتموهم أي: # أعنتموهم ونصرتموهم بالسيف على الأعداء وأقرضتم الله أي بالإنفاق في سبيل ~~الخير قرضا حسنا بلا من ولا طلب ربح دنيوي، من رياء وسمعة لأكفرن أي: # لأمحون عنكم سيئاتكم ذنوبكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها أي: تطرد من ~~تحت شجرها ومساكنها الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر والعسل فمن كفر بعد ~~ذلك أي: بعد أخذ الميثاق والإقرار به منكم فقد ضل سواء السبيل أي واضح ~~السبيل، الموصل إلى كل مطلب عال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 13] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # فبما نقضهم ميثاقهم (الباء) سببية و (ما) مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه في ~~النفس. أي: بسبب نقضهم ميثاقهم. أو نكرة. أي: بشيء عظيم صدر منهم من نقضهم ~~ميثاقهم المؤكد، الموعود عليه النصر والمغفرة والأجر العظيم لعناهم أي ~~أبعدناهم عن رحمتنا وجعلنا قلوبهم قاسية بحيث لا تلين لرؤية الآيات والنذر، ~~ولا تتعظ بموعظة، لغلظها وقساوتها لغضب الله عليهم، وبقيت تلك القساوة ~~واللعنة في ذريتهم يحرفون الكلم أي: كلم الله في التوراة، بصرف ألفاظه أو ~~معانيه عن مواضعه التي أنزلت. # قال ابن كثير: أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه ~~على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل. عياذا ~~بالله من ذلك. # قال أبو السعود: والجملة استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم. فإنه لا ~~مرتبة أعظم مما يصحح الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل، ms1599 والافتراء عليه. ~~وقيل: حال من مفعول (لعناهم) . # ونسوا حظا مما ذكروا به أي: تركوا نصيبا وافرا مما أمروا به في التوراة، ~~ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته بحيث لم يكن لهم رجوع عليه. أو من اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا تزال تطلع على خائنة منهم أي: خيانة. على أنها ~~مصدر ك (لاغية وكاذبة) . # PageV04P088 # أو طائفة خائنة. يعني: أن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم، ~~بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها. فلا تزال ترى ذلك منهم. # قال مجاهد. وغيره بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم. # إلا قليلا منهم وهم المؤمنون منهم فاعف عنهم واصفح أي لا تعاقبهم. # قال ابن كثير: هذا موجب النصر والظفر. كما قال عمر: ما عاملت من عصى الله ~~فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا، يحصل لهم تأليف وجمع على الحق. ولعل ~~الله يهديهم. # ولهذا قال تعالى: إن الله يحب المحسنين يعني به الصفح عمن أساء، فإنه من ~~باب الإحسان. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين: في هذا دلالة على جواز التحليف على الأمور المستقبلة. # وأخذ الكفيل على الحق الذي يفعل في المستقبل. وفي قوله تعالى: فبما نقضهم ~~ميثاقهم ... إلخ، دليل على تأكيد الميثاق، وقبح نقضه، وأنه قد يسلب اللطف ~~المبعد من المعاصي. ويورث النسيان، ولهذا قال تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا ~~به وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 14] # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14) # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم بعبادة الله وحده، وأن لا ~~يشركوا به شيئا، وحفظ شرعة عيسى عليه السلام. وإنما نسب تسميتهم نصارى إلى ~~أنفسهم- دون أن يقال (ومن النصارى) - إيذانا بأنهم في قولهم نحن أنصار الله ~~[آل عمران: 52] بمعزل من الصدق. وإنما هو تقول محض منهم. وليسوا من نصرة ~~الله تعالى في شيء. أو إظهارا لكمال سوء ms1600 صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم ~~وأفعالهم. فإن ادعاءهم لنصرته تعالى يستدعي ثباتهم على طاعته تعالى ومراعاة ~~ميثاقه. أفاده أبو السعود. # PageV04P089 # قال الناصر في (الانتصاف) : وبقيت نكتة في تخصيص هذا الموضع بإسناد ~~النصرانية إلى دعواهم. ولم يتفق ذلك في غيره. ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] . فالوجه في ~~ذلك- والله أعلم- أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق ~~المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى، ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على ~~أنهم لم ينصروا الله ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة. وما كان حاصل ~~أمرهم إلا التفوه بدعوى النصرة وقولها دون فعلها. والله أعلم. # قال الشهاب الخفاجي: الموجود في كتب اللغة والتاريخ أن النصارى نسبت إلى ~~بلدة (ناصرة) أي التي حبل فيه المسيح وتربى فيها. ولذلك كان يدعى عليه ~~السلام (ناصريا) . ثم قال: فلو قيل في الآية: إنهم على دين النصرانية ~~وليسوا عليها لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير ~~بنبينا صلى الله عليه وسلم- لكان أقرب من وجه التسمية الذي ذكروه. # فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا أي ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة أي: يتعادون ويتباغضون إلى قيام الساعة حسبما تقتضيه أهواؤهم ~~المختلفة، وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق فرقا متباينة، يلعن بعضها ~~بعضا، ويكفر بعضها بعضا وسوف ينبئهم الله يخبرهم الله في الآخرة بما كانوا ~~يصنعون من المخالفة وكتمان الحق والعداوة والبغضاء. ونسيان الحظ الوافر مما ~~ذكروا به. وهذا وعيد شديد بالجزاء والعذاب. ### | لطيفة: # تطرف البقاعي- رحمه الله تعالى- في (تفسيره) هنا إلى ذكر نقباء بني ~~إسرائيل بأسمائهم، وأن عدتهم طابقت عدة نقباء النصارى- وهم الحواريون- كما ~~طابقت عدة نقباء الأنصار ليلة العقبة الأخيرة، حين بايع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأنصار على الحرب، وأن يمنعوه إذا وصل إليهم، وقال لهم: أخرجوا ~~إلي منكم اثني عشر نقيبا- كما اختار موسى من قومه- فأخرجوا منهم اثني عشر ~~نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وذكر البقاعي: أن بعث النقباء من ~~بني إسرائيل كان مرتين: ms1601 الأول لما كلم تعالى موسى في برية سيناء في اليوم ~~الأول من الشهر الثاني من السنة لخروجهم من أرض مصر. وقد فصلت في الفصل ~~الأول من سفر (العدد) . والمرة الثانية: بعثوا لجس أرض كنعان. وفصلت أيضا ~~في الفصل الثالث عشر من سفر # PageV04P090 # (العدد) ثم ذكر البقاعي: أن نقباء اليهود في جس الأرض لم يوف منهم إلا ~~يوشع بن نون وكالب بن يفنا، وأما نقباء النصارى، فخان منهم واحد- وهو ~~يهوذا- كما مضى عند قوله تعالى: وما قتلوه وما صلبوه. وأما نقباء الأنصار ~~فكلهم وفى وبر بتوفيق الله تعالى. # وقد اقتص البقاعي أسماء نقباء الفرق الثلاث، ولمعة من نبئهم. فانظره، ~~والله أعلم. # ثم خاطب تعالى الفريقين من أهل الكتاب إثر تشديد النكير عليهم بتحريف ~~كتبهم ونبذهم الميثاق، ودعاهم إلى الحنيفية حتى يكونوا على نور من ربهم. ~~فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 15] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~أي: من نحو بعثته صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم في التوراة، وبشارة عيسى ~~به، إظهارا للحق ويعفوا عن كثير أي: مما تخفونه. لا يبينه. مما لا ضرورة في ~~بيانه، صيانة لكم عن زيادة الافتضاح. أو يعفو فلا يؤاخذ. وفي هذه الآية ~~بيان معجزة له صلى الله عليه وسلم. فإنه لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من ~~أحد، فإخباره بأسرار ما في كتابهم إخبار عن الغيب، فيكون معجزا قد جاءكم من ~~الله نور وكتاب مبين يريد القرآن. لكشفه ظلمات الشرك والشك. ولإبانته ما ~~كان خافيا على الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز. أو النور، محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه يهتدى به، كما سمي سراجا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 16] # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ms1602 ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) # يهدي به الله من اتبع رضوانه أي رضاه بالإيمان به سبل السلام أي: طرق ~~السلامة والنجاة من عذاب الله ويخرجهم من الظلمات إلى النور أي: ظلمات ~~الكفر # PageV04P091 # والشبه إلى نور الإيمان والدلائل القطعية بإذنه أي: بتوفيقه وإرادته ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم وهو الدين الحق السوي في الاعتقادات والأعمال، ~~العري عن الإفراط والتفريط فيها. ثم أشار إلى إفراط بعض النصارى في حق ~~عيسى، وتفريطهم في حق الله جل شأنه فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 17] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم في هذه الآية وجهان: # الوجه الأول: إن ما أفادته من الحصر- وإن لم يصرحوا به- إلا أنه نسب ~~إليهم لأنه لازم مذهبهم لأن معتقدهم مؤد إليه. # قال الرازي: لأنهم يقولون: إن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام. ~~فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة. فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد ~~حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول. وإن قلنا: إن ~~الأقنوم عبارة عن الصفة، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول. ثم ~~بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى، يلزم خلو ذات الله ~~عن العلم. ومن لم يكن عالما لم يكن إلها. فحينئذ يكون الإله هو عيسى. على ~~قولهم. فثبت أن النصارى- وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول- إلا حاصل مذهبهم ~~ليس إلا ذلك. # انتهى. # وبطلان الاتحاد معلوم بالبداهة. # قال العلامة العضد في (الموقف الثاني) : المقصد الثامن: الاثنان لا ~~يتحدان. # وهذا حكم ضروري. فإن الاختلاف بين الماهيتين والهويتين اختلاف بالذات فلا ~~يعقل زواله. وهذا ربما يزاد توضيحه فيقال: إن عدم الهويتان فلا اتحاد، بل ~~وحدث أمر ثالث غيرهما- وإن ms1603 عدم أحدهما- فلا يتحد المعدوم بالموجود، وإن ~~وجدا فهما اثنان كما كانا، فلا اتحاد أيضا. انتهى. # PageV04P092 # الوجه الثاني: إنه عني بهذه الآية قوم يقولون بأن حقيقة الله هو المسيح ~~لا غير. # قال الزمخشري: قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك. انتهى. # قال الإمام الشهرستاني في (الملل والنحل) عند ذكر فرق النصارى: # ومنهم اليعقوبية أصحاب يعقوب. قالوا بالأقانيم الثلاثة- كما ذكرنا- إلا ~~أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر ~~بجسده بل هو هو. وعنهم أخبرنا بالقرآن الكريم: لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم. فمنهم من قال: المسيح هو الله. ومنهم من قال: ظهر ~~اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الحق. لا على طريق حلول جزء فيه. ~~ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو. وهذا كما ~~يقال: ظهر الملك بصورة الإنسان. أو ظهر الشيطان بصورة حيوان.. إلخ. # وذكر الإمام الماوردي في (أعلام النبوة) : إن أوائل النسطورية قالوا: إن ~~عيسى هو الله. انتهى. # وذكر الأمام ابن إسحاق في (السيرة) : إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، كانوا من النصرانية على دين ملكهم، مع اختلاف من ~~أمرهم. يقولون هو الله: ويقولون هو ولد الله. ويقولون هو ثالث ثلاثة- يعني ~~هو تعالى وعيسى ومريم- وكذلك قول النصرانية. ثم قال: ففي كل ذلك من قولهم ~~قد نزل القرآن. # قل- أي: تبكيتا لهم، وإظهارا لفساد قولهم- فمن يملك من الله شيئا أي: من ~~يستطيع إمساك شيء من قدرته تعالى إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم أي: ~~يميته وأمه ومن في الأرض جميعا أي: فضلا عن آحادهم. احتج بذلك على فساد ~~قولهم. وتقريره: أن المسيح حادث بلا شبهة. لأنه تولد من أم. ولذا ذكرت الأم ~~للتنبيه على هذا. ومقهور قابل للفناء أيضا كسائر الممكنات. ومن كان كذلك ~~كيف يكون إلها؟ # قال أبو السعود: وتعميم إرادة الإهلاك للكل- مع حصول المطلوب يقصرها على ~~المسيح- لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز، ببيان أن الكل تحت قهره تعالى ~~وملكوته. ms1604 لا يقدر أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما أريد بغيره. ~~وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك. كما أنه ~~أسوة لها فيما ذكر من العجز وعدم استحقاق الألوهية. # PageV04P093 # ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق والعجائب- وهذا تحقيق ~~لاختصاص الألوهية به تعالى. إثر بيان انتفائها عن غيره يخلق ما يشاء جملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من ~~الشبهة في أمر المسيح- لولادته من غير أب، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص- أي: يخلق ما يشاء من أنواع الخلق كما شاء بأب أو بغير أب ... ! # قال السمرقندي: وإنما قال يخلق ما يشاء لأن النصارى أهل نجران كانوا ~~يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب. فأخبرهم الله تعالى أنه قادر على أن ~~يخلق خلقا بغير أب. # والله على كل شيء من خلق الخلق، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه- ~~قدير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 18] # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه حكاية لما صدر عن الفريقين ~~من الدعوى الباطلة. وبيان لبطلانها بعد بطلان ما صدر عن أحدهما. أي قالوا: ~~نحن من الله بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة. ونحن أحباؤه ~~لأننا على دينه. # قال ابن كثير: ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده إسرائيل: أنت ابني ~~بكري. # فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليه غير واحد ممن أسلم من ~~عقلائهم. وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل النصارى عن ~~كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم. ومعلوم ~~أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما ~~أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده..! انتهى. # وقال الجلال الدواني في (شرح عقائد العضد) : وما نقل عن الإنجيل- فعلى ms1605 ~~فرض صحته وعدم التحريف- يكون إطلاق الأب عليه بمعنى المبدأ. فإن القدماء ~~كانوا يسمون المبادئ بالآباء. وأنت تعلم أن المتشابهات في القرآن وغيره من ~~الكتب الإلهية كثيرة. ويردها العلماء بالتأويل إلى ما علم بالدليل. فلو ثبت ~~ذلك لكان من هذا القبيل. انتهى. # PageV04P094 # وقال الدهلوي في (الفوز الكبير) : إن الله عز وجل شرف الأنبياء وتابعيهم ~~في كل ملة بلقب المقرب والمحبوب. وذم الذين ينكرون الملة بصفة المبغوضية. ~~وقد وقع التكلم في هذا الباب بلفظ شائع في كل قوم، فلا عجب أن يكون قد ذكر ~~الأبناء مقام المحبوبين، فظن اليهود أن ذلك التشريف دائر مع اسم اليهودى ~~والعبري والإسرائيلي. ولم يعلموا أنه دائر على صفة الانقياد والخضوع وتمشية ~~ما أراد الحق سبحانه ببعثة الأنبياء لا غير. وكان ارتكز من هذا القبيل في ~~خاطرهم كثير من التأويلات الفاسدة المأخوذة من آبائهم وأجدادهم، فأزال ~~القرآن هذه الشبهات على وجه أتم. انتهى. # قل فلم يعذبكم بذنوبكم أي: لو كنتم أبناءه وأحباءه لما عذبكم، لكن اللازم ~~منتف إذ عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، واعترفتم بأنه سيعذبكم ~~بالنار أياما معدودة. ### | لطيفة: # قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب ~~حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: قل فلم يعذبكم بذنوبكم. ~~وهذا الذي قاله حسن. وله شاهد # في (المسند) للإمام أحمد «1» حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي. عن حميد، عن ~~أنس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق. ~~فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! ~~وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار، ~~قال: فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا، ولا يلقي الله حبيبه في ~~النار» # . قال ابن كثير: تفرد به أحمد. انتهى. # وقال السمرقندي: في الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه ~~ولا يعذبه بذنوبه. لأنه تعالى احتج عليهم فقال: فلم يعذبكم لو كنتم ms1606 أحباء ~~إليه؟ # وقد قال في آية أخرى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. [البقرة: # 222] ، ففيها دليل أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين ~~يجاهدون في سبيل الله: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص [الصف: 4] . # وقوله تعالى: بل أنتم بشر عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي: ~~PageV04P095 # لستم كذلك بل أنتم بشر ممن خلق أي: من جنس من خلقه من غير مزية لكم عليهم ~~يغفر لمن يشاء لمن تاب من اليهودية والنصرانية ويعذب من يشاء من مات على ~~اليهودية والنصرانية ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير أي: ~~المرجع، مصير من آمن ومن لم يؤمن. فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 19] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم أي: ما أمرتم به وما نهيتم عنه ~~على فترة من الرسل متعلق ب (جاءكم) أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل، ~~وانقطاع من الوحي. إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول. ومدة الفترة بينهما ~~خمسمائة وتسع وستون سنة. أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير تعليل لمجيء ~~الرسول بالبيان على حذف المضاف. أي: كراهة أن تعتذروا بذلك يوم القيامة، ~~وتقولوا: ما جاءنا من رسول- بعد ما درس الدين- يبشرنا لنرغب فنعمل بما ~~يسعدنا فنفوز. وينذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم. وقد كان اختلط في تلك ~~الفترة الحق بالباطل- كما سنبينه- فقد جاءكم بشير ونذير متعلق بمحذوف تنبئ ~~عنه الفاء الفصيحة وتبين أنه معلل به. أي: لا تعتذروا (بما جاءنا) فقد ~~جاءكم بشير أي بشير، ونذير أي نذير. والله على كل شيء قدير من إرسال الرسل، ~~والصواب لمن أجاب الرسل، والعقاب لمن لم يجبهم. # قال البقاعي: وفي الختم بوصف القدرة، وإتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من ~~العز بالنبوة والملك، بعد ما ms1607 كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل، إشارة ~~إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي، يلزم منه إنكارهم ~~للقدرة. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: كانت الفترة بين عيسى ابن مريم- آخر أنبياء بني إسرائيل- ~~وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق. كما # ثبت في (صحيح البخاري) «1» PageV04P096 # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى الناس بابن ~~مريم ليس بيني وبينه نبي» # . وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث عيسى نبي يقال له خالد بن سنان. كما ~~حكاه القضاعي وغيره. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : استدل به- يعني بحديث أبي هريرة- ~~على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم. وفيه نظر لأنه ~~ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية- المذكورة قصتهم في ~~سورة «يس» - كانوا من أتباع عيسى. وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين، ~~وكانا بعد عيسى. # والجواب: أن هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك. فإنه صحيح بلا تردد. وفي ~~غيره مقال. أو المراد: إنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة. وإنما بعث ~~بعده، من بعث، بتقرير شريعة عيسى. وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في ~~(المستدرك) من حديث ابن عباس، ولها طرق جمعتها في ترجمته في كتابي في ~~(الصحابة) . # انتهى. # وقد ذكرت في كتابي (إيضاح الفطرة في أهل الفترة) في الباب الحادي عشر من ~~كان في الفترة من الأنبياء على ما روي. فارجع إليه. # قال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية، أن الله بعث محمدا صلى الله عليه ~~وسلم على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عباد ~~الأوثان والنيران والصلبان. # فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عام، فإن الفساد كان قد عم ~~جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد. إلا قليلا من ~~المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين. كما # روى أحمد «1» عن عياض المجاشعي- رضي الله عنه- PageV04P097 # أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال ms1608 في خطبته: «وإن ربي، أمرني ~~أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا. كل مال نحلته عبادي حلال. وإني ~~خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم. وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ثم إن الله ~~عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم. عجميهم وعربيهم. إلا بقايا من أهل ~~الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله ~~الماء. تقرؤه نائما ويقظانا..» # انتهى. # وقال الأستاذ النحرير الشيخ محمد عبده مفتي مصر في (رسالة التوحيد) في ~~بحث رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ما نصه: ليس من غرضنا في هذه الوريقات ~~أن نلم بتاريخ الأمم عامة، وتاريخ العرب خاصة، في زمن البعثة المحمدية، ~~لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك، وتزلزل ~~قواعد سلطانهم الغاشم، وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان السماء، إلى من ~~دونهم من رعاياهم الضعفاء. # وإلى نار تنقض من سماء الحق على أدم الأنفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به ~~من الأباطيل القاتلة للعقول. وصيحة فصحى تزعج الغافلين، وترجع بألباب ~~الذاهلين، وتنبه المرؤوسين إلى أنهم ليسوا بأبعد عن البشرية من الرؤساء ~~الظالمين، والهداة الضالين، والقادة الغارين، وبالجملة تؤوب بهم إلى رشد ~~يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الإله إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا [الإنسان: 3] . ليبلغ بسلوكها كماله، ويصل على نهجها إلى ما أعد في ~~الداريين له. ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق عليه ~~مؤرخو ذلك العهد، نظر إمعان وإنصاف. # كانت دولتا العالم (دولة الفرس في الشرق، ودولة الرومان في الغرب) في ~~PageV04P098 # تنازع وتجالد مستمر دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال ~~هالكة، وظلم من الإحن حالكة. ومع ذلك، فقد كان الزهو والترف والإسراف ~~والفخفخة والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين ~~والأمراء، والقواد ورؤساء الأديان من كل أمة، وكان شره هذه الطبقة من الأمم ~~لا يقف عند حد. فزادوا في الضرائب، وبالغوا ms1609 في فرض الإتاوات، حتى أثقلوا ~~ظهور الرعية بمطالبهم. وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر ~~سلطان القوي في اختطاف ما بيد الضعيف. وفكر العاقل، في الاحتيال لسلب ~~الغافل وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة ~~والخوف والاضطراب، لفقد الأمن على الأرواح والأموال. غمرت مشيئة الرؤساء ~~إرادة من دونهم. فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب. يديرها من وراء حجاب، ويظنها ~~الناظر إليها من ذوي الألباب، ففقد بذلك الاستقلال الشخصي، وظن أفراد ~~الرعايا أنهم لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم، كما هو الشأن في ~~العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها، وغلبتها على ~~الحق والعدل شهواتها. ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها. فلم يفارقها ~~الحذر من أن بصيص النور الإلهي، الذي يخالط الفطر الإنسانية، قد يفتق الغلف ~~التي أحاطت بالقلوب، ويمزق الحجب التي أسدلت على العقول. # فتهتدي العامة إلى السبيل، ويثور الجم الغفير على العدد القليل، ولذلك لم ~~يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام. ويهيئوا كسفا من الأباطيل ~~والخرافات، ليقذفوا بها في عقول العامة. فيغلظ الحجاب، ويعظم الرين، ويختنق ~~بذلك نور الفطرة. ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم. # وصرح الدين، بلسان رؤسائه، أنه عدو العقل وعدو كل ما يثمره النظر. إلا ما ~~كان تفسيرا لكتاب مقدس. وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد ~~لا ينفد. # هذه حالة الأقوام كانت في معارفهم، وذلك كان شأنهم في معايشهم. عبيد ~~أذلاء، حيارى في جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة ~~الماضية، والشرائع السابقة، آوت إلى بعض الأذهان، ومعها مقت الحاضر، ونقص ~~العلم بالغابر، ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها، بما انقلب من ~~الوضع، وانعكس من الطبع، فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر ~~القناعة، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام. مع قصور النظر عن معرفة ~~السبب، وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب ~~على المدارك. وذهب بالناس # PageV04P099 # مذهب الفوضى في العقل والشريعة ms1610 معا. وظهرت مذاهب الإباحيين والدهريين في ~~شعوب متعددة، وكان ذلك ويلا عليها، فوق ما رزئت به من سائر الخطوب. وكانت ~~الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات، خاضعة للشهوات، فخر كل قبيلة في ~~قتال أختها. وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها. وسلب أموالها. تسوقها ~~المطامع، إلى المعامع. ويزين لها السيئات، فساد الاعتقادات. وقد بلغ العرب ~~من سخافة العقل حدا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها. فلما جاعوا أكلوها. ~~وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن. أو ~~تنصلا من نفقات معيشتهن. وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة. # وبالجملة: فكانت ربط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة. # وانفصمت عراها عند كل طائفة. # أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم رجل منهم يوحي إليه ~~رسالته؟ ويمنحه عنايته؟ ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم. # التي أظلت رؤوس جميع الأمم؟ نعم، كان ذلك، وله الأمر من قبل ومن بعد. ~~انتهى. # ثم أشار إلى تفريطهم في أمر الله الوارد على لسان موسى، وتفريطهم في حقه ~~مع حثه إياهم على شكر الله. ليسارعوا إلى امتثال أمره، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 20] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم أي: التي هي فوق نعمه ~~على من سواكم، فلا تفرطوا في أمره إذ لم يفرط في حقكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~أي: وهم أكمل الخلائق ومكملوهم، ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من ~~الأنبياء وجعلكم ملوكا يعني: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في ~~أيدي القبط مملوكين، فأنقذكم الله. فسمى إنقاذهم ملكا وآتاكم أعطاكم ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين من أنواع الإكرام التي خصكم بها- كفلق البحر لهم، ~~وإهلاك عدوهم، وتوريثهم أموالهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، وإخراج المياه ~~العذبة من ms1611 الحجر، وإظلال الغمام فوقهم ... - فمقتضى هذه النعم المبادرة إلى ~~امتثال أوامر المنعم، شكرا له. # PageV04P100 # ثم أخبر تعالى عن تحريض موسى عليه السلام لقومه على الجهاد والدخول إلى ~~بيت المقدس الذي استحوذ عليه الجبابرة، وأنهم نكلوا وعصوا أمره، فعوقبوا ~~بالتيه لتفريطهم، فقال سبحانه مخبرا عن موسى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 21] # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة يعني: أرض بيت المقدس التي كانت مقدسة ~~بمساكنة من مضى من الأنبياء. ثم تلوثت بمساكنة الأعداء من جبابرة ~~الكنعانيين. # فأراد تطهيرها بإخراجهم وإسكان قومه التي كتب الله لكم أي: التي وعدكموها ~~على لسان أبيكم إبراهيم، بأن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجره ولا ~~ترتدوا على أدباركم أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا ~~وهلعا فتنقلبوا خاسرين أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 22] # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين أي: متغلبين ليس لنا مقاومتهم وإنا لن ~~ندخلها حتى يخرجوا منها أي: من غير صنع من قبلنا فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم ~~منها فإن يخرجوا منها أي: بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فإنا ~~داخلون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 23] # قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) # قال رجلان هما يوشع بن نون وكالب بن يفنا من الذين يخافون أي: # يخافون الله تعالى دون العدو، ويتقونه في مخالفة أمره ونهيه. # وقال العلامة البقاعي: أي من الذين يوجد منهم الخوف من الجبارين. ومع ذلك ~~لم يخافا. أنعم الله عليهما أي: بالتثبيت والثقة بوعده تعالى ومعرفة مقام ~~أوامره تعالى ادخلوا عليهم الباب أي: باب بلدهم، أي: باغتوهم وامنعوهم من # PageV04P101 # البروز إلى الصحراء، ms1612 لئلا يجدوا للحرب مجالا فإذا دخلتموه- أي: باب ~~بلدهم- فإنكم غالبون عليهم وعلى الله فتوكلوا أي: لا على قوة أنفسكم إن ~~كنتم مؤمنين أي: بكمال قدرته ووعده النصر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 24] # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون (24) # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا- أي: الجبابرة- فيها فاذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 25] # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) # قال أى: موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد، على طريقة البث ~~والحزن والشكوى إلى الله تعالى: رب إني لا أملك أي: أحدا ألزمه قتالهم إلا ~~نفسي وأخي هارون. قال المهايمي: أي: ومن يؤاخيني ويوافقني كهارون ويوشع ~~وكالب. فافرق أي: فاحكم بما يميز بين المحق والمبطل لتفرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين أي: الخارجين عن أمرك، وهو في معنى الدعاء عليهم. وقد استجاب الله ~~دعاءه، وفرق بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا. كما بينه بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 26] # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # قال فإنها أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أي: بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم. ~~لا يدخلونها ولا يملكونها. ممن قال هذه المقالة أو رضيها أحد، فالتحريم ~~تحريم منع لا تحريم تعبد أربعين سنة يتيهون في الأرض أي: يترددون في البرية ~~متحيرين في الأرض حتى يهلكوا كلهم، و (التيه) المفازة التي يتيه فيها ~~سالكها فيضل عن وجه مقصده فلا تأس أي: تحزن على القوم الفاسقين أي: # الخارجين من قيد الطاعات. # PageV04P102 # قال العلامة البقاعي: ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين ولدوا في التيه. ~~وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء ~~بها، وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرائيل.. # [المائدة: 12] الآيات، وفي ذلك ms1613 تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم، ~~وترهيب لمن عصى. ومات في تلك الأربعين، كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى ~~النقباء العشرة. وكان الغمام يظلهم من حر الشمس. ويكون لهم عمود من نور ~~بالليل يضيء عليهم. وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم. ~~لا غضب. إذ أنهم تابوا. ثم ساق البقاعي- رحمه الله- شرح هذه القصة من ~~التوراة التي بين أيديهم بالحرف. ونحن نأتي على ملخصها تأثرا له، فنقول: # جاء في سفر (العدد) في الفصل الثالث عشر: إن شعب بني إسرائيل لما ارتحلوا ~~من حصيروت ونزلوا ببرية فاران، كلم الرب موسى بأن يبعث رجالا يجسون أرض ~~كنعان. من كل سبط رجلا واحدا، وكلهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل، فأرسلهم ~~موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض. أجيدة أم رديئة؟ وإلى أهلها، أشديدون أم ~~ضعفاء؟ قليلون أم كثيرون؟ وأن يوافوه بشيء من ثمرها. فساروا واجتسوا الأرض ~~من برية صين إلى رحوب عند مدخل حماة، ثم رجعوا بعد أربعين يوما. وكان موسى ~~وقومه في برية فاران في قادش، فأروهم ثمر الأرض، وقصوا عليهم ما شاهدوه من ~~جودة الأرض، وأنها تدر لبنا وعسلا. ومن شدة أهلها وقوتهم وتحصن مدنهم ~~فاضطرب قوم موسى. فأخذ كالب- أحد النقباء- يسكتهم عن موسى ويقول: نصعد ونرث ~~الأرض فإنا قادرون عليها. وخالفه بقية النقباء وقالوا: لا نقدر أن نصعد ~~إليهم لأنهم أشد منا. وهولوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا: شاهدنا أناسا ~~طوال القامات، سيما بني عناق. فصرنا في عيوننا كالجراد. وكذلك كنا في ~~عيونهم. فعند ذلك ضج قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا وقالوا: ليتنا متنا في ~~أرض مصر أو في هذه البرية، ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة. وخير ~~لنا أن نرجع إلى مصر. # وقالوا: لنقم لنا رئيسا ونرجع إلى مصر. فلما شاهد موسى ذلك منهم وقع هو ~~وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليين. ومزق، من النقباء، يوشع بن نون ~~وكالب، ثيابهما. وكلما بني إسرائيل قائلين: ms1614 إن الأرض التي مررنا فيها جيدة، ~~وإذا كان ربنا راضيا عنا فإنه يدخلنا إياها. فلا تتمردوا ولا تخافوا أهلها ~~فسيكونون طعمة لنا. إذ الرب معنا فلما سمع بنو إسرائيل كلام يوشع وكالب ~~قالوا: ليرجما بالحجارة، وكاد # PageV04P103 # حينئذ أن يحيق ببني إسرائيل العذاب الإلهي، لولا تضرع موسى إلى ربه بأن ~~يعفو عنهم، كيلا يكونوا أحدوثة عند أعدائهم المصريين، فعفا تعالى عنهم. ~~وأعلم موسى أن قومه لن يروا الأرض التي أقسم عليها لآبائهم، وأنهم يموتون ~~جميعا في التيه. إلا كالبا. فإنه لحسن انقياده سيدخل الأرض، وكذلك يوشع، ~~وأعلمه تعالى أيضا بأن أطفال قومه الذين سيهلكون في التيه يكونون رعاة فيه ~~أربعين سنة بعدد الأيام التي تجس النقباء فيها أرض الكنعانيين. كل يوم وزره ~~سنة ليعرفوا انتقامه، عز سلطانه ثم هلك النقباء العشرة، الذين شنعوا لدى ~~قومهم تلك الأرض، بضربة عجلت لهم. ثم هم قوم موسى بالصعود إلى الكنعانيين ~~لما أخبرهم موسى بما أعلمه تعالى. فنهاهم موسى وقال لهم: لا فوز لكم الآن ~~بالنصر الرباني، وإن فعلتم فإن العدو يهزمكم وتسقطون تحت سيفه. فتجبروا ~~وصعدوا إلى رأس الجبل. فنزل العمالقة والكنعانيين عليهم فضربوهم وحطموهم، ~~ثم انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، كما شرح في (سفره) ~~، والله أعلم. ### | تنبيهات: # الأول: قوله تعالى: أربعين سنة ظرف متعلق ب (يتيهون) . واحتمال كونه ظرفا ~~ل (محرمة) كما ذكره غير واحد- لا يصح إلا بتكلف لما شرحناه من سياق القصة. # الثاني: قال الحاكم: دل قوله تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين على أن ~~من لحقه عذاب الله لا يجوز أن يحزن عليه لأن ذلك حكمه، بل يحمد الله إذا ~~أهلك عدوا من أعدائه. # الثالث: قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارا من وضع بني ~~إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه ~~السلام. وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع. وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ~~ذراع. # تحرير الحساب. وهذا شيء يستحيى من ذكره. ثم هو مخالف لما # ثبت في (الصحيحين) ms1615 : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق ~~آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. ثم ذكروا أن هذا ~~الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن ~~الطوفان لم يصل إلى ركبته # . وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من ~~الكافرين فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] . وقال ~~تعالى فأنجيناه ومن معه # PageV04P104 # في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين # [الشعراء: 119- 120] . وقال تعالى: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم [هود: 43] ، وإذا كان ابن نوح، ~~الكافر، غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ~~ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق، نظر. والله أعلم. # الرابع: قال ابن كثير: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ~~ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، ~~فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجادلتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو ~~يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. # هذا، مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم، فرعون، من العذاب والنكال والغرق ~~له ولجنوده في اليم وهم ينظرون، لتقر به أعينهم (وما بالعهد من قدم) . ثم ~~ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في ~~عدة أهلها وعددهم، وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا ~~يغطيها الليل ولا يسترها الذيل. وقال- رحمه الله- قبل ذلك: وما أحسن ما ~~أجاب به الصحابة «1» - رضي الله عنهم- يوم بدر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي ~~سفيان. فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين ~~التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض PageV04P105 # واليلب. فتكلم أبو بكر- رضي الله عنه- فأحسن، ثم تكلم، من الصحابة، من ms1616 ~~المهاجرين، # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أشيروا علي أيها المسلمون! # وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار. لأنهم كانوا جمهور الناس ~~يومئذ. فقال سعد بن معاذ: # كأنك تعرض بنا يا رسول الله؟ فهو الذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا ~~البحر، فخضته، لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا ~~عدونا غدا. # إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك. ~~فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ~~لذلك. # وروى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد ~~مشهدا، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلي مما عدل به. أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: والله! يا رسول الله! لا نقول كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن ~~يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. # فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك. وسره ذلك. وهكذا رواه ~~البخاري «2» في (المغازي) . # الخامس: استنبط العمرانيون من هذه الآية أن من عوائق الملك حصول المذلة ~~للقبيل، والانقياد لسواهم. # قال الحكيم ابن خلدون في (مقدمة العبر) في الفصل 19 تحت العنوان المذكور: ~~إن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها. فإن انقيادهم ومذلتهم ~~دليل على فقدانها، فما رئموا (ألفوا) للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن ~~عجز عن المدافعة، فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة، واعتبر ذلك ~~في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام، وأخبرهم أن الله ~~قد كتب لهم ملكها، كيف عجزوا عن ذلك، قالوا: إن فيها قوما جبارين وإنا لن ~~ندخلها حتى يخرجوا منها [المائدة: 22] . أي: يخرجهم الله منها بضرب من ~~قدرته غير عصبيتنا، وتكون من معجزاتك يا موسى، ولما عزم عليهم لجوا ~~وارتكبوا PageV04P106 # العصيان وقالوا له: فاذهب أنت وربك فقاتلا [المائدة: 24] وما ذلك إلا لما ~~آنسوا ms1617 من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة، كما تقتضيه الآية وما ~~يؤثر في تفسيرها، وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد، وما رئموا من الذل ~~للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة. مع أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان ~~بما أخبرهم به موسى، من أن الشام لهم، وأن العمالقة الذين كانوا بأريحاء ~~فريستهم، بحكم من الله قدره لهم. فأقصروا عن ذلك وعجزوا، تعويلا على ما ~~علموا من أنفسهم من العجز عن المطالبة، لما حصل لهم من خلق المذلة. وطعنوا ~~فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك وما أمرهم به. فعاقبهم الله بالتيه. وهو أنهم ~~تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة. لم يأووا فيها ~~لعمران، ولا نزلوا مصرا، ولا خالطوا بشرا، كما قصه القرآن، لغلظة العمالقة ~~بالشام والقبط بمصر عليهم، لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه. ويظهر من مساق ~~الآية ومفهومها: أن حكمة ذلك التيه مقصودة. وهي فناء الجيل الذين خرجوا من ~~قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به. وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك ~~التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر، ولا يسام بالمذلة. # فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ~~ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، سبحان ~~الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبية. وأنها هي التي تكون بها ~~المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة. وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله. # ثم بين تعالى وخيم عاقبة البغي والحسد، في جزاء ابني آدم لصلبه. تعريضا ~~باليهود. وأنهم إن أصروا على بغيهم وحسدهم فسيرجعون بالصفة الخاسرة في ~~الدارين، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 27] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) # واتل عليهم أي: على هؤلاء البغاة الحسدة من اليهود وأشباههم نبأ ابني آدم ~~هابيل وقابيل، ملتبسا بالحق أي: الصدق والصحة ms1618 موافقا لما في كتبهم إذ قربا ~~قربانا أي: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسيكة أو صدقة. وكان هابيل راعي ~~غنم، وقابيل يحرث الأرض. فقدم هابيل شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها. # وقدم قابيل شيئا رديئا من ثمر الأرض فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل ~~من # PageV04P107 # الآخر وهو قابيل قال قابيل لهابيل لأقتلنك على قبول قربانك قال إنما ~~يتقبل الله من المتقين أي: إنما أتيت من قبل نفسك، لانسلاخها من لباس ~~التقوى. # لا من قبلي. فلم تقتلني؟ ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله ~~التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان وفيه دليل ~~على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر ~~العاملين أعمالهم! وعن عامر بن عبد الله: أنه بكى حين حضرته الوفاة: فقيل ~~له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول: إنما يتقبل الله من ~~المتقين. كذا في (الكشاف) . # وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي ~~مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا ~~يستتر. # قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة. ~~فيمرون إلى الجنة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 28] # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين (28) # لئن بسطت أي: مددت إلي يدك لتقتلني أي: ظلما ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك أي: دفعا إني أخاف الله رب العالمين أي: من أن أصنع كما تريد أن ~~تصنع. # وفي (الصحيحين) «1» : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تواجه ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: يا رسول الله! هذا ~~القاتل. فما بال المقتول؟ قال: # إنه كان حريصا على قتل صاحبه» . PageV04P108 # وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود والترمذي في حديث سعد بن أبي وقاص قال: ~~«قلت: يا رسول الله! أرأيت إن دخل بيتي ms1619 وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: كن كابن آدم- وتلا-: لئن بسطت ... » الآية. # قال المهايمي في تفسير هذه الآية: أي: إني- وإن لم أكن في الدفع ظالما- ~~أخاف الله أن يكره مني هدم بنيانه الجامع ليظهر فيه من حيث كونه رب ~~العالمين. # انتهى. # وهو منزع صوفي لطيف. # وقال أبو السعود: فيه من إرشاد قابيل إلى خشية الله تعالى، على أبلغ وجه ~~وآكده، ما لا يخفى. كأنه قال: إني أخافه تعالى إن بسطت يدي إليك لأقتلك، أن ~~يعاقبني. وإن كان ذلك مني لدفع عداوتك عني. فما ظنك بحالك وأنت البادئ ~~العادي؟ وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيد للخوف. قيل: كان هابيل أقوى ~~منه. ولكن تحرج عن قتله واستسلم خوفا من الله تعالى. لأن القتل للدفع لم ~~يكن مباحا حينئذ. وقيل: تحريا لما هو الأفضل،. حسبما # قال صلى الله عليه وسلم: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل # . ويأباه التعليل بخوفه تعالى، إلا أن يدعي أن ترك الأولى عنده بمنزلة ~~المعصية في استتباع الغائلة، مبالغة في التنزه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 29] # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) # إني أريد أي: باستسلامي لك وامتناعي عن التعرض لك أن تبوء أي: # ترجع إلى الله ملتبسا بإثمي أي: بإثم قتلي وإثمك أي: الذي كان منك قبل ~~قتلي، أو الذي من أجله لم يتقبل قربانك فتكون أي: بالإثمين من أصحاب النار ~~وذلك جزاء الظالمين. PageV04P109 # قال الناصر في (الانتصاف) : فأما إرادته لإثم أخيه وعقوبته فمعناه: إني ~~لا أريد أن أقتلك فأعاقب. ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين، إما إثمه ~~بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه، وإما إثم أخيه بتقدير أن يستسلم- وكان ~~غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، فلم يرد إذا إثم أخيه لعينه، وإنما أراد ~~أن الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل- ولم تكن حينئذ مشروعة- فلزم من ~~ذلك إرادة إثم أخيه. وهذا، كما يتمنى الإنسان الشهادة. ومعناها أن ms1620 يبوء ~~الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر ~~لعينه، وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل الله رجاء إثم الكافر بقتله ضمنا ~~وتبعا. والذي يدل على ذلك أنه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن ~~يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان، فيحبط عنه إثم القتل الذي ~~به كان الشهيد شهيدا. أعني بقي الإثم على قاتله، أو حبط عنه، إذ ذلك لا ~~ينتقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا ~~لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه، فدل على أنه أمر لازم تبع، لا مقصود. ~~والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 30] # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) # فطوعت له نفسه قتل أخيه أي: رخصت وسهلت له نفسه. والتصريح بأخوته لكمال ~~تقبيح ما سولته نفسه. أي: الذي حقه أن يحفظه من كل من قصده بالسوء بالتحمل ~~على نفسه فقتله فأصبح من الخاسرين دينا، إذ صار كافرا حاملا للدماء إلى يوم ~~القيامة. ودنيا، إذ صار مطرودا مبغضا للخلائق. # وقد أخرجه الجماعة- غير أبي داود- عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «1» : «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل من دمها. لأنه كان أول من سن القتل» # . انتهى. # ولما قتله لم يدر ما يصنع به من إفراط حيرته. PageV04P110 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 31] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # فبعث أي: أرسل الله غرابا فجاء يبحث أي: يحفر بمنقاره ورجله متعمقا في ~~الأرض. # قال القتيبي: هذا من الاختصار. ومعناه: بعث غرابا يبحث التراب على غراب ~~ميت. وكذا رواه السدي عن الصحابة أنه تعالى بعث غرابين اقتتلا. فقتل أحدهما ~~الآخر. فحفر له. ثم حتى عليه حثيا. # ليريه الضمير المستكن إما لله ms1621 تعالى أو للغراب. والظاهر، للقاتل أخاه كيف ~~يواري أي: يستر في التراب سوأة أخيه أي: جسده الميت. وسمي سوأة لأنه مما ~~يسوء ناظره قال يا ويلتى كلمة جزع وتحسر، والألف فيها بدل من ياء المتكلم. ~~والويل والويلة الهلكة أعجزت أي: أضعفت عن الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب ~~أي: الذي هو من أخس الحيوانات. والاستفهام للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما ~~اهتدى إليه الغراب فأواري أي: أغطي سوأة أخي فأصبح أي: # صار من النادمين أي: على حيرته في مواراته حيث لم يدفنه حين قتله. فصار ~~أجهل من الحيوانات العجم وأضل منها وأدنى. # وفي (التنوير) : ولم يكن نادما على قتله. # وقال أبو الليث عن ابن عباس: لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة ~~منه. ### | تنبيهات: # الأول: ظاهر الآية أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، وأنه تعلم ذلك من ~~الغراب. ولا مانع من ذلك. إذ مثله مما يجوز خفاؤه. لا سيما والعالم، في أول ~~طور النشأة، وأنه أول قتيل، فيكون أول ميت. # ونقل الرازي احتمال أن يكون عالما بكيفية دفنه، قال: فإنه يبعد في ~~الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه ~~بالعراء استخفافا به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر، رق قلبه ولم يرض ~~أن يكون أقل شفقة منه. فواراه تحت الأرض، والله أعلم. # PageV04P111 # الثاني: في الآية دلالة على أن الندم، إذا لم يكن لقبح المعصية، لم يكن ~~توبة. # قال الرازي: ندم على قساوة قلبه وكونه دون الغراب في الرحمة. فكان ندمه ~~لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم. # الثالث: الآية أصل في دفن الميت. # الرابع: قال ابن جرير «1» زعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل، ~~قال له الله: يا قابيل! أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري. ما كنت عليه رقيبا. ~~فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرض ~~التي فتحت فاها فبلغت دم أخيك من يدك. فإذا أنت ms1622 عملت في الأرض فإنها لا ~~تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعا تائها في الأرض. انتهى. # الخامس: # روى ابن جرير «2» بسنده عن علي بن أبي طالب قال: لما قتل ابن آدم أخاه ~~بكى آدم فقال: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فلون الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح # فأجيب آدم عليه الصلاة والسلام: # أبا هابيل! قد قتلا جميعا ... وصار الحي كالميت الذبيح # وجاء بشرة قد كان منها ... على خوف، فجاء بها يصيح # أقول: قد اشتهر البيتان الأولان. وقد فند نسبتهما إلى آدم غير واحد. # قال الزمخشري: روي أن آدم رثاه بشعر. وهو كذب بحت. وما الشعر إلا منحول ~~ملحون. وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. انتهى. # قال الشراح: (المليح) في النظم المذكور، إن رفع فخطأ. لأنه صفة الوجه ~~المجرور، وإن خفض فإقواء وهو عيب قبيح، وإن كثر. وقول من قال (الوجه فاعل ~~قل. # وبشاشة منصوب على التمييز بحذف التنوين، إجراء للوصل مجرى الوقف) ألحن، ~~وقيل: إن آدم عليه الصلاة والسلام رثاه بكلام منثور بالسرياني. فلم يزل ~~ينقل إلى أن وصل إلى يعرب بن قحطان- وهو أول من خط بالعربية- فقدم وأخر ~~وجعله شعرا عربيا. انتهى. PageV04P112 # قال الخفاجي. لا شك أن لوائح الوضع عليه رائحة لركاكته، لكن ما استصعبوه ~~من الإقواء، وترك التنوين، ليس بصعب، لما في أشعار الجاهلية والشعراء من ~~أمثاله. # مع أنه قد يخرج بأنه نعت جرى على المحل. لأن الوجه فاعل المصدر، وهو ~~بشاشة. # السادس: حكمة تخصيص الغراب كون دأبه المواراة. # قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء. فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك ~~منه. انتهى. # والغراب هو الطائر الأسود المعروف. وقسموه إلى أنواع. وفي الحديث: أنه ~~صلى الله عليه وسلم غير اسم غراب لما فيه من البعد. ولأنه من أخبث الطيور. ~~والعرب تقول: أبصر من غراب، وأحذر من غراب، وأزهى من غراب، وأصفى عيشا من ~~غراب، وأشد سوادا من غراب، وهذا بأبيه أشبه من الغراب بالغراب. وإذا نعتوا ~~أرضا بالخصب قالوا: وقع في ms1623 أرض لا يطير غرابها. ويقولون وجد تمرة الغراب، ~~وذلك أنه يتبع أجود التمر فينتقيه. ويقولون: أشأم من غراب وأفسق من غراب. ~~ويقولون: طار غراب فلان، إذا شاب رأسه. وغراب غارب على المبالغة. كما ~~قالوا: شعر شاعر، وموت مائت. قال رؤية: # فازجر من الطير الغراب الغاربا # قالوا: وليس شيء في الأرض يتشاءم به إلا والغراب أشأم منه. وللبديع ~~الهمذاني فصل بديع في وصفه. ذكره في (المضاف والمنسوب) وأورد ما يضاف إليه ~~الغراب ويضاف إلى الغراب. والأبيات في غراب البين كثيرة، ملئت بها الدفاتر. # وحقق الإمام أبو عبد الله الشريف الغرناطي- قاضي غرناطة- في شرحه على ~~(مقصورة حازم) أن غراب البين في الحقيقة هو الإبل التي تنقلهم من بلاد إلى ~~بلاد. # وأنشد في ذلك مقاطيع. منها: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غرابا ينعق # ما الذنب إلا للأباعر إنها ... مما يشتت جمعهم ويفرق # إن الغراب بيمنه تدنو النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأينق # وأنشد ابن المسناوي لابن عبد ربه: # زعق الغراب فقلت: أكذب طائر ... إن لم يصدقه رغاء بعير # PageV04P113 # كذا في «تاج العروس» شرح القاموس. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # من أجل ذلك أي: بسبب قتل قابيل هابيل ظلما كتبنا أي فرضنا وأوحينا على ~~بني إسرائيل وإنما خصوا بالذكر لأنهم أول من تعبدوا بذلك. وقوله تعالى: أنه ~~من قتل نفسا بغير نفس أي: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص أو فساد في الأرض أي: ~~أو بغير فساد يوجب إهدار دمها- كالكفر مع الحراب، والارتداد، وقطع الطريق ~~الآتي بعد، وزنا المحصن- فكأنما قتل الناس جميعا أي: # من حيث إنه هتك حرمة الدماء، وسن القتل، وجرأ الناس عليه. أو من حيث إن ~~قتل الواحد وقتل الجميع سواء، في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب ms1624 ~~العظيم ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي: ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو ~~أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة. فكأنما فعل ذلك بالناس ~~جميعا. # والمقصود منه: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها، ~~وترغيبا في المحاماة عليها. أفاده البيضاوي. # وقال أبو مسلم في معنى الآية: من قتل وجب على المؤمنين معاداته. وأن ~~يكونوا خصومه، كما لو قتلهم جميعا. لأن المسلمين يد واحدة على من سواهم. # ومن أحيا وجب موالاته عليهم، كما لو أحياهم. انتهى. # وقيل للحسن البصري «1» : هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي ~~والذي لا إله غيره كما كانت لهم. وما جعل دماءهم أكرم من دمائنا. # أقول القاعدة في ذلك أن جميع ما يحكى في القرآن من شرائع الأولين ~~وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق. وقد أوضح ذلك ~~الإمام الشاطبي في (الموافقات) فانظره فإنه مهم. PageV04P114 # وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار ~~فقلت: جئت لأنصرك. وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين! فقال: يا أبا هريرة! ~~أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟ قلت: لا! قال: فإنك إن قتلت رجلا ~~واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا، فانصرف مأذونا لك، مأجورا غير مأزور. قال: # فانصرفت ولم أقاتل. # وروى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن عمرو قال: «جاء حمزة بن عبد المطلب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! اجعلني على شيء أعيش ~~به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حمزة! نفس تحييها أحب إليك أم ~~نفس تميتها؟ قال: بل نفس أحييها. قال: عليك بنفسك» . # ولقد جاءتهم يعني: بني إسرائيل رسلنا بالبينات أي: الآيات الواضحة ~~الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم، تأكيدا لوجوب مراعاته، وتأييدا لتحتم ~~المحافظة عليه، ثم إن كثيرا منهم أي: من بني إسرائيل بعد ذلك أي: بعد ما ~~كتبنا عليهم، وبعد مجيء الرسل بالآيات والزجر المسموع منهم لمسرفون يعني: # بالفساد والقتل. لا يبالون بعظمة ذلك. # قال ms1625 ابن كثير: هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها. # كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع، ممن حول المدينة من ~~اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في ~~الجاهلية، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه. وقد ~~أنكر الله تعالى عليهم ذلك في (سورة البقرة) حيث يقول: وإذ أخذنا ميثاقكم ~~لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم [البقرة: 84- 85] الآيات. # وقال الرازي: المقصود من شرح هذه المبالغة- يعني قوله تعالى: فكأنما قتل ~~الآية- أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء ~~والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى. ~~ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبأكابر أصحابه- كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة، في هذه المبالغة ~~العظيمة، مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود. PageV04P115 # ولما ذكر الله تعالى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير نفس ولا فساد- أتبعه ~~ببيان الفساد المبيح للقتل بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 33] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) # إنما جزاء أي مكافأة الذين يحاربون الله ورسوله أي: يخالفونهما ويعصون ~~أمرهما ويسعون في الأرض فسادا أي: يعملون في الأرض بالمعاصي وهو القتل وأخذ ~~المال ظلما أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. # أي: أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى أو ينفوا من الأرض أي: يطردوا منها ~~وينحوا عنها. وهو التغريب عن المدن، فلا يقرون فيها ذلك أي: الجزاء المذكور ~~لهم خزي ذل وفضيحة في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو عذاب النار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 34] # إلا الذين تابوا من ms1626 قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # إلا الذين تابوا أي من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم. # وفي هذه الآية مسائل: # الأولى- روى ابن جرير «1» وأبو داود والنسائي عن ابن عباس، أنها نزلت في ~~المشركين. وروى ابن جرير عن أبي، أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا ~~عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وظاهر أنها عامة في المشركين وغيرهم ~~ممن ارتكب هذه PageV04P116 # الصفات. كما روى الشيخان «1» وأهل السنن وابن مردويه وهذا لفظه: عن أنس ~~بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها. فبعثهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من أبوالها ففعلوا فصحوا، ~~فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي وساقوا الإبل. فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم ~~وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا، حتى ~~ماتوا. ونزلت: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله.. الآية. ولمسلم «2» عن ~~أنس قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين ~~الرعاء. وعند البخاري: قال أبو قلابة «3» : فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد ~~إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. # الثانية- زعم بعضهم أن الآية نزلت نسخا لعقوبة العرنيين المتقدمة. # قال ابن جرير «4» : حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت ~~الليث بن سعد: ما كان سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم وتركه حسمهم حتى ~~ماتوا. فقال: # سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معاتبة في ذلك. وعلمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي، ولم يسمل ~~بعدهم غيرهم. قال: # وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو- بعني الأوزاعي- فأنكر أن تكون نزلت ~~معاتبة، وقال: بلى. كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم. ثم نزلت هذه الآية في ~~عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم. فرفع عنهم السمل. # وروى «5» ابن جرير أيضا في القصة عن PageV04P117 # سعيد بن جبير قال: فما مثل ms1627 رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد، ~~قال: ونهى عن المثلة، قال «1» : لا تمثلوا بشيء. والنهي عن المثلة مروي في ~~الصحيح والسنن. # الثالثة- احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، في ذهابهم إلى أن المحاربة ~~في الأمصار وفي السبلات على السواء. لقوله: ويسعون في الأرض فسادا. وهذا ~~مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعيد والشافعي وأحمد. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء ~~لأخذ المال. فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المنتهب. لأن ~~المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال الأكثرون: إن حكم من في ~~البنيان والصحراء واحد، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء. ~~لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، ~~فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره ~~جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبا إلا بعض ماله وهذا هو الصواب. # حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ ما ~~معه: إن هذه محاربة. ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول. ولا اعتبار ~~بعفوه عنه في إنفاذ القتل. # وإنما كان ذلك محاربة، لأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن ~~الاحتزاز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد، لأنه لا يدري به. # وقيل: إن المحارب هو المجاهر بالقتال، وإن هذا المغتال يكون أمره إلى ولي ~~أمر الدم. والاول أشبه بأصول الشريعة. # الرابعة- ظاهر الآية: أن عقوبة المحاربين المفسدين أحد هذه الأنواع. ~~فيفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحا. PageV04P118 # قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس، في الآية «1» : من شهر السلاح في قبة ~~الإسلام، وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: ~~إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وكذا قال سعيد بن ~~المسيب «2» ومجاهد «3» وعطاء «4» والحسن البصري «5» وإبراهيم النخعي «6» ~~والضحاك. كما رواه ابن جرير، وحكي مثله عن أنس. # قال ابن كثير: ومستند هذا القول ظاهر. وللتخيير نظائر من القرآن. كقوله ~~في جزاء ms1628 الصيد: فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما [المائدة: 95] ، وقوله في ~~كفارة الترفه: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك [البقرة: 196] . وقوله في كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة [المائدة: 89] ، هذه كلها على ~~التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال. # أخرج الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيي، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن ~~عباس، في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ~~ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من ~~الأرض. وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية ~~عن ابن عباس بنحوه، وعن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن ~~وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف ~~والأئمة انتهى. # وفي (النهاية) من فقه الزيدية: يرجع في المحارب إلى رأي الإمام، فإن كان ~~له رأي قتله أو صلبه- لأن القطع لا يدفع المضرة- وإن كان لا رأي له لكنه ذو ~~قوة قطعه من خلاف، وإن عدم القوة والرأي ضرب ونفي وهذا معنى التخيير بين ~~هذه الأمور، أنه يرجع إلى اجتهاد الإمام، على ما ذكر. انتهى. PageV04P119 # ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية فصلا مهما في المحاربين في كتابه (السياسة ~~الشرعية) وقد مثلهم بقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ~~ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة، من الأعراب أو التركمان أو الأكراد أو ~~الفلاحين، أو فسقة الجند أو مردة الحاضرة أو غيرهم. ثم ساق رواية الشافعي ~~المتقدمة عن ابن عباس وقال: # هذا قول كثير من أهل العلم- كالشافعي وأحمد رضي الله عنهما- وهو قريب من ~~قول أبي حنيفة- رحمه الله- ومنهم من قال: للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من ~~رأى قتله ms1629 مصلحة فيهم وإن كان لم يقتل مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيهم. # ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم يأخذ المال. مثل أن يكون ذا جلد وقوة ~~في أخذ المال. كما أن منهم من يرى أنه إذا يرى أنه إذا أخذوا المال قتلوا ~~وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر. فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله ~~الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال، بإجماع العلماء. ذكره ابن المنذر. ولا ~~يكون أمره إلى ورثة المقتول. بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما، أو ~~لخصومة، أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة. فإن هذا دمه لأولياء المقتول. إن ~~أحبوا قتلوا. وإن أحبوا عفوا. وإن أحبو أخذوا الدية لأنه قتله لغرض خاص. ~~وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السراق. ~~فكان قتلهم حد الله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء. حتى لو كان المقتول غير ~~مكافئ للقاتل. مثل أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا، أو القاتل مسلما ~~والمقتول ذميا أو مستأمنا. فقد اختلف الفقهاء: # هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل للفساد العام حدا، كما يقطع إذا ~~أخذ أموالهم. وكما يحبس بحقوقهم. وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، ~~فالواحد منهم باشر القتل بنفسه والباقون له أعوان وردء له، فقد قيل: إنه ~~يقتل المباشر فقط. # والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مائة. والردء والمباشر سواء. ~~وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين. فإن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ~~قتل ربيئة المحاربين. والربيئة هو الناظور الذي يجلس على مكان عال ينظر منه ~~لهم من يجيء. # ولأن المباشر إنما يمكن من قتله بقوة الردء ومعونته. والطائفة إذا انتصر ~~بعضها ببعض، حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين. ~~فإن # النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ~~بذمتهم أدناهم، وهم يد PageV04P120 # على من سواهم، ويرد متسريهم على قاعدتهم» . # يعني: أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا، فإن الجيش يشاركها ~~فيما غنمت، لأنها بظهره وقوته تمكنت. لكن تنفل عنه نفلا. فإن ms1630 النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ينفل السرية، إذا كانوا في بدايتهم، الربع بعد الخمس. ~~فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية، نفلهم الثلث بعد الخمس. وكذلك لو غنم ~~الجيش غنيمة شاركته السرية، لأنها في مصلحة الجيش. كما قسم النبي صلى الله ~~عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر، لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش. ~~فأعوان الطائفة المتمنعة وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون ~~على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية. # كقيس ويمن ونحوهما، هما ظالمتان. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذ التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار» # . قيل: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل ~~صاحبه» . أخرجاه في (الصحيحين) وتضمن كل طائفة ما أتلفته الأخرى من نفس ~~ومال وإن لم يعرف عين القاتل. لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض ~~كالشخص الواحد. وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا- كما قد يفعله الأعراب ~~كثيرا- فإنه يقطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى عند أكثر العلماء. ~~كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قوله تعالى: # أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. تقطع اليد التي يبطش بها، والرجل التي ~~يمشي عليها، وتحسم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه، لينحسم الدم فلا يخرج ~~فيفضي إلى تلفه. وكذا تحسم يد السارق بالزيت. وهذا الفعل قد يكون أزجر من ~~القتل. فإن الأعراب وفسقة الجند وغيرهم، إذا رأوا دائما من هو بينهم مقطوع ~~اليد والرجل، ذكروا بذلك جرمه، فارتدعوا. بخلاف القتل، فإنه قد ينسى. وقد ~~يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على قطع يده ورجله من خلاف. فيكون هذا أشد ~~تنكيلا له ولأمثاله. وأما إذا شهروا السلاح ولم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا ~~مالا، ثم أغمدوه، أو هربوا، وتركوا الحراب، فإنهم ينفون. فقيل (نفيهم) ~~تشريدهم. فلا يتركون يأوون في بلد. وقيل هو حبسهم. وقيل: هو ما يراه الإمام ~~أصلح من نفي أو حبس أو نحو PageV04P121 # ذلك. والقتل المشروع هو ضرب الرقبة بالسيف ونحوه. لأن ذلك أوحى (أي: # أسرع) ms1631 أنواع القتل. وكذلك شرع الله قتل ما يباح قتله من الآدميين ~~والبهائم إذا قدر عليه على هذا الوجه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء. ~~فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته، ~~وليرح ذبيحته» . رواه مسلم. # وقال «2» : «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان» # . وأما الصلب المذكور فهو رفعهم على مكان عال ليراهم الناس ويشتهر أمرهم، ~~وهو بعد القتل، عند جمهور العلماء. ومنهم من قال: يصلبون ثم يقتلون وهم ~~مصلوبون. وقد جوز بعض الفقهاء قتلهم بغير السيف حتى قال: يتركون على المكان ~~العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل. # الخامسة: تتمة الآية. أعني قوله تعالى ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم تدل على أن المحاربين يعاقبون في الدنيا والآخرة مطلقا. ~~ولا يكون الحد المذكور طهرة لهم، ولو كانوا مسلمين. # قال السيوطي في (الإكليل) : قال ابن الفرس: ظاهره أن عقوبة المحارب لا ~~تكون كفارة له، كما تكون في سائر الحدود. # وقال العارف الشعراني في (ميزانه) : سمعت شيخنا، شيخ الإسلام زكريا رحمه ~~الله يقول: لم يرد لنا أن أحدا يؤخذ بذنبه في الدنيا والآخرة معا، إلا ~~المحاربين، لقوله تعالى فيهم: ذلك لهم خزي.. الآية. # وقال ابن كثير: هذا يرجح رواية نزولها في المشركين. فأما أهل الإسلام # ففي (صحيح مسلم) «3» عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «أخذ علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخذ على النساء، ألا نشرك بالله شيئا ~~ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا. فمن وفي منكم ~~فأجره على الله تعالى، ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن ستره ~~الله فأمره إلى الله. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» . # السادسة: # دل قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم على أن توبة ~~المحاربين، قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية. سواء ~~PageV04P122 # كانوا مشركين أو مسلمين. وهو مروي عن علي # وأبي هريرة ms1632 والسدي وغيره. وقد قال الهادي: إذا تاب المحارب قبل الظفر به، ~~سقط عنه كل تبعة من قتل أو دين، لعموم الآية. # قال ابن كثير: أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر. أي: فإنهم ~~إذا آمنوا قبل القدرة عليهم، سقط عنهم جميع الحدود المذكورة. فلا يطالبون ~~بشيء مما أصابوا من مال أو دم. قال أبو إسحاق: جعل الله التوبة للكفار تدرأ ~~عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم، ليكون ذلك داعيا لهم إلى الدخول في ~~الإسلام. وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط ~~عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد؟ فيه قولان للعلماء. ~~وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة. كما روى ابن أبي حاتم ~~عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة- وكان قد أفسد في ~~الأرض وحارب- فكلم رجالا من قريش منهم: الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله ~~بن جعفر. # فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره ثم ~~أتى عليا فقال: يا أمير المؤمنين! أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض ~~فسادا- فقرأ حتى بلغ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. فقال: اكتب ~~له أمانا. قال سعيد بن قيس: فإنه جارية بن بدر. وكذا رواه ابن جرير «1» من ~~غير وجه عن مجالد عن الشعبي، فقال حارثة بن بدر: # إلا أبلغا همدان إما لقيتها ... على النأي لا يسلم عدو يعيبها # لعمر أبيها إن همدان تتقي ... الإله ويقضي بالكتاب خطيبها # وروى ابن جرير «2» - من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق أشعث- ~~كلاهما. عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى- وهو على الكوفة ~~في إمرة عثمان رضي الله عنه- بعد ما صلى المكتوبة فقال: يا أبا موسى! هذا ~~مقام العائذ بك. أنا فلان بن فلان المرادي. كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت ~~في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي. فقام أبو موسى فقال: إن ~~هذا فلان بن فلان. ms1633 وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وإنه ~~تاب من قبل أن يقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، (فإن يك صادقا ~~فسبيل من صدق. PageV04P123 # وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه) . فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه ~~الله بذنوبه فقتله. ثم قال ابن جرير «1» : حدثني علي، حدثنا الوليد بن ~~مسلم، قال: قال الليث. # وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الآمر عندنا، أن عليا الأسدي حارب ~~وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدر ~~عليه حتى جاء تائبا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه ~~هو الغفور الرحيم [الزمر: 53] . فوقف عليه فقال: يا عبد الله! أعد قراءتها. ~~فأعادها عليه. # فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر. فاغتسل. ثم أتى مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار ~~أصحابه. فلما أسفر عرفه الناس فقاموا إليه. فقال: لا سبيل لكم علي. جئت ~~تائبا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى ~~أتى مروان بن الحكم- في إمرته على المدينة في زمن معاوية- فقال: هذا علي ~~جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال، فترك من ذلك كله. # قال: وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر. فلقوا الروم. فقربوا ~~سفينته إلى سفينة من سفنهم. فاقتحم على الروم في سفينتهم. فهزموا منه إلى ~~سفينتهم الأخرى. فمالت بهم وبه. فغرقوا جميعا. # هذا، وفي تفسير بعض الزيدية- نقلا عن زيد والنفس الزكية والمؤيد بالله ~~وأبى حنيفة ومالك والشافعي- أن توبة المحارب تسقط الحدود لله، دون حقوق بني ~~آدم من قتل أو مال، لقوله تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى [البقرة: 178] ~~. وقوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [المائدة: 45] . # وقوله تعالى: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [الإسراء: 33] . # وقوله صلى الله عليه وسلم: ms1634 «على اليد ما أخذت حتى ترد» «2» # وقوله عليه الصلاة والسلام «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» . # قال في (شرح الإبانة) : وروى زيد بن علي بإسناده إلى أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام أن قاطع الطريق، إذا تاب قبل أن يؤخذ وظفر به الإمام. ضمن ~~المال واقتص منه. ثم قال: أما الكافر فلا خلاف أن توبته تسقط عنه جميع ~~الحدود. # انتهى. PageV04P124 # وأخرج أبو داود «1» والنسائي عن ابن عباس قال: نزلت في المشركين، فمن تاب ~~منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل. # وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو ~~حارب الله ورسوله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 35] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا- أي اطلبوا- إليه الوسيلة أي: # القربة- كذا فسره ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وزيد وعطاء والثوري ~~وغير واحد. وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن ~~زيد: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة. قال ابن كثير: وهذا الذي ~~قاله هؤلاء الأئمة، لا خلاف بين المفسرين فيه. وفي (القاموس وشرحه) : ~~الوسيلة والواسلة، المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والوصلة. وقال ~~الجوهري: الوسيلة، ما يتقرب به إلى الغير. والتوسيل والتوسل واحد. يقال: ~~وسل إلى الله تعالى توسيلا، عمل عملا تقرب به إليه، كتوسل. و (إلى) يجوز أن ~~يتعلق ب (ابتغوا) وأن يتعلق ب (الوسيلة) . # قدم عليها للاهتمام به وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون أي: بسبب المجاهدة ~~في سبيله. وقد بين كثير من الآيات أن المجاهدة بالأموال والأنفس. ### | تنبيه: # ما ذكرناه في تفسير (الوسيلة) هو المعول عليه. وقد أوضح إيضاحا لا مزيد ~~عليه، تقي الدين بن تيمية عليه الرحمة في (كتاب الوسيلة) فرأينا نقل شذرة ~~منه، إذ لا غنى للمحقق في علم التفسير عنه. # قال رحمه الله بعد مقدمات: # إن لفظ الوسيلة والتوسل، فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه ms1635 ويعطى كل ~~ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به ~~الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ~~PageV04P125 # ومعناه. فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من ~~الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا ~~الباب فصل الخطاب. فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وفي قوله تعالى: قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا [الإسراء: 56- 57] . فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي ~~إليه، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه، هي ما يتقرب به إليه ~~من الواجبات والمستحبات، فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها ~~تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، سواء كان ~~محرما أو مكروها أو مباحا، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر ~~إيجاب واستحباب. وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول. فجماع الوسيلة التي ~~أمر الله الخلق بابتغائها، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا ~~وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك. # و (الثاني) لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة # كقوله صلى الله عليه وسلم «1» : «سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في ~~الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد. فمن ~~سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة» . # وقوله: «من قال حين يسمع النداء «2» : اللهم! رب هذه الدعوة التامة ~~والصلاة القائمة! آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي ~~وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» . # فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قد أمرنا أن نسأل الله له ~~هذه الوسيلة. # وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله. وهو يرجو أن يكون ذلك ~~العبد، ms1636 وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول صلى الله عليه وسلم. وأخبرنا ~~أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة. لأن الجزاء من جنس ~~العمل. فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم. فإن ~~الشفاعة نوع من الدعاء. كما قال «3» : إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه ~~بها عشرا. وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام ~~الصحابة، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته. والتوسل به في عرف كثير من ~~المتأخرين يراد به الإقسام به PageV04P126 # والسؤال به. كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين. ومن يعتقدون فيه ~~الصلاح. # وحينئذ، فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين. ويراد به ~~معنى ثالث لم ترد به سنة. فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء، ~~فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني ~~دعاؤه وشفاعته كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين. ومن هذا قول عمر بن ~~الخطاب «1» : اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. أى بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: وابتغوا ~~إليه الوسيلة أي: القربة إليه بطاعته. وطاعة رسوله طاعته قال تعالى: من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله [النساء: 81] ، فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا ~~لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته- كما قال عمر- فإنه ~~توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ~~ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس. فلما عدلوا عن ~~التوسل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته. ~~بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له، فإنه مشروع دائما. # فلفظ التوسل يراد به ثلاث معان: (أحدهما) التوسل بطاعته. فهذا فرض لا يتم ~~الإيمان إلا به. و (الثاني) التوسل بدعائه وشفاعته وهذا كان في حياته، ~~ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. و (الثالث) التوسل به. بمعنى الإقسام ~~على الله بذاته والسؤال بذاته. فهذا هو الذي لم تكن ms1637 الصحابة يفعلونه في ~~الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ~~ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. وإنما ينقل شيء من ذلك في ~~أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة. أو عن من ليس قوله حجة، وهذا هو الذي قال أبو ~~حنيفة وأصحابه، إنه لا يجوز. ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل بمخلوق، ولا ~~يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في ~~الفقه المسمى ب (شرح الكرخي) في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من ~~أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: ~~لا ينبغي لأحد أن يدعو إلا به. وأكره أن يقول: # بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك. وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: # بمعقد العز من عرشه هو الله. فلا أكره هذا. وأكره أن يقول: بحق فلان، أو ~~بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام. PageV04P127 # قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز. لأنه لا حق للخلق على الخالق. فلا ~~تجوز وفاقا. # وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه- من أن الله لا يسأل بمخلوق- له ~~معنيان: أحدهما هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، ~~فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فلأن يمنع أن يقسم على الخالق ~~بمخلوق، أولى وأحرى. وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته والليل إذا يغشى ~~والنهار إذا تجلى [الليل: 1- 2] ، والشمس وضحاها [الشمس: 1] . والنازعات ~~غرقا [النازعات: 1] ، والصافات صفا [الصافات: 1]- فإن إقسامه بمخلوقاته ~~يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته، ما يحسن معه ~~إقسامه. بخلاف المخلوق، فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها. كما # في (السنن) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : «من حلف بغير الله ~~فقد أشرك» . # وقد صححه الترمذي وغيره. # وفي لفظ: فقد كفر # . وقد صححه الحاكم. # وقد ثبت عنه في (الصحيحين) «2» أنه قال: من كان حالفا فليحلف بالله. ~~وقال: لا تحلفوا بآبائكم. فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. # وفي (الصحيحين) عنه ms1638 أنه قال «3» : من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله ~~إلا الله. # وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة، أو بما يعتقد هو ~~حرمته- كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب ~~الأنبياء والصالحين وسراويل الفتوة وغير ذلك ... - لا ينعقد يمينه، ولا ~~كفارة في الحنث بذلك. PageV04P128 # والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين ~~في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 36] # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض من الأموال وغيرها جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به أي ليفادوا به أنفسهم من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم ~~عذاب أليم. وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وإنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه ~~بوجه. # وقد روى البخاري عن أنس قال «1» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت ~~تفتدي به؟ فيقول: نعم. # فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي. فيؤمر به إلى ~~النار» . ورواه مسلم «2» وغيره بنحوه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 37] # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم دائم لا ~~ينقطع. وهذا كما قال تعالى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ... # [السجدة: 20] الآية. # روى ابن مردويه، عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله. أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» . قال، ~~فقلت لجابر بن عبد الله، يقول الله: يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين ms1639 منها قال: اتل أول الآية: # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ... ~~الآية، ألا إنهم الذين كفروا. PageV04P129 # وقد روى الإمام أحمد ومسلم «1» هذا الحديث من وجه آخر. عن يزيد الفقير، ~~عن جابر # وهذا أبسط سياقا. # زاد ابن أبي حاتم: قال جابر: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قد جمعته قال: # أليس الله يقول: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا [الإسراء: 79] ؟ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحبس أقواما ~~بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. # ولما أوجب تعالى- في الآية المتقدمة- قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال ~~على سبيل المحاربة- بين أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي ~~والأرجل أيضا، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 38] # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) # والسارق أي: من الرجال والسارقة أي من النساء فاقطعوا أيديهما يعني يمين ~~كل منهما، والمقطع الرسغ، كما بينته السنة جزاء بما كسبا أي: # يقطع الآلة الكاسبة نكالا أي: عقوبة من الله أي: على فعل السرقة المنهي ~~عنه من جهته تعالى، لا في مقابلة إتلاف المال، فإنه غير السرقة. فلذلك لا ~~يسقط بعفو المالك، بخلاف العفو عن المال. ولا يبالي فيه بعزة السارق، لأنه ~~تعالى غالب على أمره يمضيه كيف يشاء، كما قال: والله عزيز أي: فلا يبالي- ~~مع عزته الموجبة لامتثال أمره- عزة من دونه حكيم في شرائعه، فيختل أمر نظام ~~العالم بمخالفة أمره، إذ فيه نفع عام للخلائق. # وفي الآية مسائل: # الأولى- قال أبو السعود: لما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال، صرح ~~بالسارقة أيضا، مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام ~~الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة. لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في ~~الزجر. انتهى. # ولما كانت غلبة السرقة في الرجال، لقوتهم بدأ بالسارق. كما أن غلبة الزنى ~~PageV04P130 # لما كانت في النساء لفرط شهوتهن- قال في آية الزنى: الزانية والزاني. ms1640 # الثانية- قال ابن كثير: روى الثوري بسنده إلى ابن مسعود، أنه كان يقرؤها: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما. وهذه قراءة شاذة. وكان الحكم عند ~~جميع العلماء موافقا لها لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر وقد كان القطع ~~معمولا به في الجاهلية فقرر في الإسلام، وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء ~~الله تعالى. كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد ~~الشرع بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح، ويقال: إن ~~أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش، قطعوا رجلا يقال له (دويك) مولى لبني ~~مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه ~~عنده. # الثالثة: ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا ~~قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرا، لعموم هذه الآية: والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما. فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا. بل أخذوا بمجرد السرقة. # وقد روى ابن جرير «1» وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس ~~عن قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. أخاص أم عام؟ فقال: بل ~~عام.. وهذا يحتمل أن يكون موافقة لابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل ~~ذلك، فالله أعلم. # وتمسكوا بما # ثبت في (الصحيحين) «2» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. # وأما الجمهور فاعتبروا النصاب، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره. # فعند الإمام مالك «3» : النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة. فمتى سرقها أو ~~ما يبلغ ثمنها فما فوقه، وجب القطع. واحتج في ذلك بما # رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ~~ثمنه ثلاثة دراهم # . أخرجاه «4» في (الصحيحين) قال PageV04P131 # مالك رحمه الله: وقطع عثمان رضي الله عنه في أترجة قومت بثلاثة دراهم. ~~وهو أحب ما سمعت في ذلك. # قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر ولم ينكر. فمن مثله يحكي ms1641 الإجماع ~~السكوتي. وفيه دلالة على القطع في الثمار، خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ~~ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ~~ربع دينار، والله أعلم. وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الاعتبار في قطع يد ~~السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا، والحجة في ~~ذلك ما # أخرجه الشيخان «1» من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا. # ولمسلم «2» عنها أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقطع يد ~~السارق إلا في ربع دينار فصاعدا # . قال الشافعية: هذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار ~~لا ما سواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وإن كان ثلاثة دراهم، لا ينافي هذا، ~~لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما. فهي ثمن ربع دينار فأمكن الجمع ~~بهذا الطريق. ويروى هذا المذهب عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وبه يقول ~~عمر بن عبد العزيز والليث والأوزاعي وإسحاق (في رواية عنه) وأبو ثور وداود ~~الظاهري، رحمهم الله. # وذهب الإمام أحمد وإسحاق (في رواية) إلى أن كل واحد من ربع الدينار ~~والثلاثة دراهم مرد شرعي. فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع، عملا ~~بحديث ابن عمر وبحديث عائشة. ووقع # في لفظ عند الإمام أحمد «3» عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك. # وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. # وفي لفظ للنسائي «4» : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن. قيل ~~لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار # . فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم. # وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وكذا سفيان الثوري، فإنهم ذهبوا إلى أن ~~PageV04P132 # النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة. واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع ~~فيه السارق على عهد رسول الله ms1642 صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم، # وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى عن محمد بن ~~إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن. # وكان ثمن المجن عشرة دراهم. قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد ~~خالفا ابن عمر في ثمن المجن. فالاحتياط الأخذ بالأكثر، لأن الحدود تدرأ ~~بالشبهات. # وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما بلغ ~~قيمة واحد منهما. يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر ~~الباقر، رحمهم الله تعالى. # وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أي في خمسة دنانير أو خمسين ~~درهما. وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله. # وقد أجاب الجمهور- عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: يسرق البيضة ~~فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده- بأجوبة: (أحدها) أنه منسوخ بحديث عائشة. ~~وفي هذا نظر لأنه لا بد من بيان التاريخ. و (الثاني) أنه مؤول ببيضة الحديد ~~وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري «1» وغيره عنه. و (الثالث) أن ~~هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده. # ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث ~~كانوا يقطعون في الكثير والقليل. فلعن السارق يبذل يده الثمينة في الأشياء ~~المهينة. # وقد ذكروا أن أبا العلاء المعرى، لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد ~~إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرا ~~فقال: # يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟ # وقد أجابه الناس في ذلك فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله ~~أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة. ولما خانت هانت، ومنهم من قال: هذا ~~من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة. فإن في باب الجنايات، ~~ناسب ms1643 PageV04P133 # أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار، لئلا يجنى عليها. وفي باب السرقة ناسب ~~أن يكون القدر الذي تقطع ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا ~~هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس ~~بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك. كذا في تفسير ابن كثير. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره في كتابه (السياسة الشرعية) : وأما ~~السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: # والسارق والسارقة الآية. ولا يجوز، بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو ~~الإقرار، تأخيره. لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره. بل تقطع يده في ~~الأوقات المعظمة وغيرها. فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل ~~الله. وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده. فيكون الوالي ~~شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة ~~الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق. بل ~~بمنزلة الوالد إذا أدب ولده. فإنه لو كف عن تأديب ولده، كما تستر به الأم ~~رقة ورأفة، لفسد الولد. وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحا بحاله. # مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب. وبمنزلة الطبيب الذي يسقي ~~المريض الدواء الكريه. وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق ~~بالفصاد ونحو ذلك. بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله على ~~نفسه من المشقة لينال به الراحة. فكذلك شرعت الحدود. وهكذا ينبغي أن تكون ~~نية الوالي في إقامتها، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات، ~~بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغائه بذلك وجه الله تعالى وطاعة ~~أمره- ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير. وكفاه العقوبة اليسيرة. ~~وقد يرضى المحدود إذا قام عليه الحد. وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة ~~بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال- انعكس عليه مقصوده. # ويروى ms1644 أن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، قبل أن يلي الخلافة كان نائبا ~~للوليد ابن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساسهم ~~سياسة صالحة، فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل ~~المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة له! ~~قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: # هو أحب إلينا من أهلنا! قال: فكيف أدبه؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط ~~إلى العشرة ... قال: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه! هذا أمر من السماء. # PageV04P134 # وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق في عنقه. فإن سرق ثانيا قطعت رجله ~~اليسرى. فإن سرق ثالثا أو رابعا، ففيه قولان للصحابة ومن بعده من العلماء: # (أحدهما) تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر، وهو مذهب ~~الشافعي رضي الله عنه، والكوفيين وأحمد في إحدى الروايتين. و (الثاني) : ~~أنه يحبس. وهو قول علي رضي الله عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى. ~~وتتمة مباحث السرقة مقررة في كتب السنة. # الرابعة- قرأ الجمهور برفع (السارق والسارقة) على الابتداء، والخبر محذوف ~~تقديره: وفيما يتلى عليكم- أو وفيما فرض عليكم- السارق والسارقة، أي: # حكمها، أو الخبر قوله تعالى: فاقطعوا أيديهما والفاء لتضمن المبتدأ معنى ~~الشرط. إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها ~~سيبويه على قراءة الرفع، لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلا بتأويل وإضمار، كذا ~~اشتهر عن سيبويه. # قال الناصر في (الانتصاف) : المستقرأ من وجوه القراءات أن العامة لا تتفق ~~فيها أبدا على العدول عن الأفصح. وجدير بالقرآن أن يجري على أفصح الوجوه، ~~وأن لا يخلو من الأفصح، وما يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد إلى ~~ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها. وسيبويه يحاشي من اعتقاد عراء القرآن عن ~~الأفصح واشتماله على الشاذ الذي لا يعد من القرآن. ونحن نورد الفصل من كلام ~~سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل. قال ~~سيبويه في ترجمة (باب الأمر والنهي) بعد أن ذكر ms1645 المواضع التي يختار فيها ~~النصب: وملخصها أنه متى بني الاسم على فعل الأمر، فذاك موضع اختيار النصب. ~~ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيها النصب: وأما قوله عز وجل: ~~السارق والسارقة فاقطعوا الآية، وقوله: الزانية والزاني فاجلدوا [النور: 2] ~~. فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله: مثل الجنة التي وعد ~~المتقون [محمد صلى الله عليه وسلم: # 15] . ثم قال بعد: فيها كذا وكذا. يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع ~~التي بين اختيار النصب فيها. ووجه التمييز بأن الكلام حيث يختار النصب يكون ~~الاسم فيه مبنيا على الفعل. وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه. فلا يلزم ~~فيه اختيار النصب. # عاد كلامه قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكر بعده. فذكر أخبارا ~~وقصصا. فكأنه قال: ومن القصص: مثل الجنة. فهو محمول على هذا الإضمار. والله # PageV04P135 # أعلم. وكذلك الزانية والزاني لما قال جل ثناؤه: سورة أنزلناها وفرضناها ~~[النور: 1] . قال في جملة الفرائض: الزانية والزاني- ثم جاء- فاجلدوا. # بعد أن مضى فيهما الرفع، يريد سيبويه: لم يكن الاسم مبنيا على الفعل ~~المذكور بعد، بل بني على محذوف متقدم وجاء الفعل طارئا. # عاد كلامه قال كما جاء: وقائلة خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن ~~عمل فيه المضمر وكذلك والسارق والسارقة وفيما فرض عليكم السارقة والسارق. # فإنما دخلت هذه الأسماء بعد قصص وأحاديث. وقد قرأ ناس والسارق والسارقة. # بالنصب، وهو في العربية ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع. # يريد سيبويه أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنيا على الفعل غير معتمد ~~على متقدم، فكان النصب قويا بالنسبة إلى الرفع، حيث يبني الاسم على الفعل ~~لا على متقدم. وليس يعني أنه قوي بالنسبة إلى الرفع، حيث يعتمد الاسم على ~~المحذوف المتقدم، فإنه قد بين أن ذلك يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب، ~~فكيف يفهم عنه ترجيحه عليه، والباب مع القراءتين مختلف؟ وإنما يقع الترجيح ~~بعد التساوي في الباب. فالنصب أرجح من الرفع حيث ينبني الاسم على الفعل. ms1646 ~~والرفع متعين (لا أقول أرجح) حيث بنى الاسم على كلام متقدم. # ثم حقق سيبويه هذا المقدر بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار. ولو كان كما ~~ظنه الزمخشري، لم يحتج سيبويه إلى تقدير بل كان يرفعه على الابتداء، ويجعل ~~الأمر خبره. فالملخص على هذا: أن النصب على وجه واحد، وهو بناء الاسم على ~~فعل الأمر. والرفع على وجهين: أحدهما ضعيف وهو الابتداء وبناء الكلام على ~~الفعل. والآخر قوي بالغ كوجه النصب- وهو رفعه على خبر ابتداء محذوف دل عليه ~~السياق. وحيثما تعارض لنا وجهان في الرفع، أحدهما قوي والآخر ضعيف، تعين ~~حمل القراءة على القوي كما أعربه سيبويه رضي الله عنه. والله أعلم. انتهى. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 39] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) # فمن تاب أي: رجع من السراق إلى الله من بعد ظلمه أي: سرقته وأصلح أي: ~~عمله فإن الله يتوب عليه أي: يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة # PageV04P136 # إن الله غفور رحيم أي: مبالغ في المغفرة ولذلك يقبل توبته. وهو تعليل لما ~~قبله. # قال أبو السعود: وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم وتأييد استقلال ~~الجملة. # وكذا في قوله عز وجل: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 40] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ~~ملكوتهما. والاستفهام لتقرير العلم. والمراد به الاستشهاد بذلك على قدرته ~~تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه. أي: ألم تعلم ~~أن له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على ~~التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وتقديم ~~التعذيب لأن السياق للوعيد. فيناسب ذلك تقديم ما يليق به من الزواجر والله ~~على كل شيء قدير ومنه التعذيب والمغفرة. ### | تنبيه: # ذهب الجمهور إلى أن توبة السارق ms1647 تسقط عنه حدود الله. وأما حق الآدمي من ~~القطع ورد المال أو بدله فلا يسقط بتوبته. # وقال أبو حنيفة: متى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها. وقد بينت ~~السنة أنه إن عفي عنه قبل الرفع إلى الإمام، سقط القطع. # روى ابن ماجة «1» عن ثعلبة الأنصاري: أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني. ~~فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر ~~به فقطعت يده. # قال ثعلبة (أحد رجال السند) : أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: ~~الحمد لله الذي طهرني منك. # أردت أن تدخلي جسدي النار. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا. يا رسول الله! ~~PageV04P137 # إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها (يعني أهلها) فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # اقطعوا يدها. فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ يا رسول ~~الله! قال: نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك. فأنزل الله عز وجل في ~~سورة المائدة: فمن تاب من بعد ظلمه.. الآية. # قال ابن كثير: وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت. # وحديثها ثابت في الصحيحين «1» من رواية الزهري عن عائشة أن امرأة سرقت في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح. ففزع قومها إلى أسامة بن ~~زيد يستشفعونه. قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها، تلون وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أتكلمني في حد من حدود الله؟ قال أسامة: # استغفر لي، يا رسول الله؟ # فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله ~~بما هو أهله، ثم قال: أما بعد. فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق ~~فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد ~~بيده! لو ms1648 أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت ~~توبتها بعد ذلك. # وتزوجت. # قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا لفظ مسلم. # وفي لفظ له «2» عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. # وعن ابن عمر. قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة جاراتها ~~وتجحده. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه الإمام أحمد ~~«3» . وأبو داود والنسائي # ، وهذا لفظه. # وفي لفظ له «4» : إن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: قم يا بلال! فخذ بيدها فاقطعها. PageV04P138 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 41] # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # يا أيها الرسول لا يحزنك نهي. قال أبو البقاء: والجيد فتح الياء وضم ~~الزاي. # ويقرأ بضم الياء وكسر الزاي من (أحزنني) وهي لغة. الذين يسارعون في الكفر ~~أي: في إظهاره بما يلوح منهم آثار الكيد للإسلام ومن موالاة الكافرين من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم أي بألسنتهم. متعلق ب (قالوا) ولم تؤمن قلوبهم ~~وهم المنافقون، أي: لا تبال بهم فإني ناصرك عليهم ومن الذين هادوا عطف على ~~من الذين قالوا وهم يهود بني قريظة، كعب وأصحابه سماعون للكذب خبر لمحذوف، ~~أي: هم سماعون. واللام إما لتقوية العمل، وإما لتضمين السماع معنى القبول، ~~وإما لام كي، والمفعول محذوف والمعنى: هم مبالغون في سماع الكذب الذي ~~افترته أحبارهم أو في ms1649 قبوله. أو سماعون أخباركم ليكذبوا عليكم بالزيادة ~~والنقص إرجافا وتهويلا. # وفي (الإكليل) : أن قوله تعالى سماعون للكذب يدل على أن سامع المحظور ~~كقائله في الإثم. # سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي: لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنه إفراطا في ~~البغضاء. أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا ~~يقدرون أن ينظروا إليك. قيل: هم يهود خيبر. والسماعون، بنو قريظة يحرفون ~~الكلم أي: كلم التوراة في الأحكام من بعد مواضعه أي: التي وضعه الله عليها. # قال ابن كثير: أي يتناولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون. يقولون إن أوتيتم هذا أي: إن أوتيتم هذا المحرف المزال عن ~~مواضعه من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم فخذوه أي: اعملوا به فإنه الحق ~~وإن لم تؤتوه. بأن أفتاكم الرسول بخلافه فاحذروا أي: من قبوله، وإياكم ~~وإياه! فإنه الباطل والضلال. # PageV04P139 # قال ابن كثير: قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا تعالوا ~~نتحاكم إلى محمد. فإن حكم بالدية فاقبلوه. وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه. # والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وكانوا قد بدلوا كتاب الله ~~الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم. فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على ~~الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك ~~الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه. فإن حكم ~~بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله. ويكون نبيا من ~~أنبياء الله قد حكم بذلك. # وقد وردت الأحاديث بذلك: فروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال «1» : جاءت ~~اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة ~~زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن ~~الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن فيها ~~الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما ~~قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. ms1650 فرفع يده فإذا آية ~~الرجم. فقالوا: صدق، يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجما. فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة ~~يقيها الحجارة. # وأخرجاه في الصحيحين «2» # . وهذا لفظ الموطأ. # وروى الإمام أحمد «3» عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيهودي محمم مجلود. فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في ~~كتابكم؟ فقالوا: نعم. # فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى! هكذا ~~تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا، والله! ولولا أنك نشدتني بهذا لم ~~أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا ~~أخذنا الشريف تركناه. # وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه ~~على الشريف والوضيع. فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم قال: ~~فأنزل الله عز وجل: PageV04P140 # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله- يقولون إن ~~أوتيتم هذا فخذوه. أي يقولون: ائتوا محمدا. فإن أفتاكم بالتحميم والجلد ~~فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. قال الحافظ ابن كثير: انفرد بإخراجه ~~مسلم «1» دون البخاري. أبو داود «2» والنسائي وابن ماجة «3» . وكذا روى أبو ~~بكر الحميدي في (مسنده) نحوه في سبب نزولها عن جابر. وأبو داود أيضا، عن ~~ابن عمر. # ومن يرد الله فتنته أي: ضلالته فلن تملك له من الله شيئا أي: في دفع ~~ضلالته أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم أي: من دنس الفتنة ووضر ~~الكفر لانهماكهم فيهما. وإصرارهم عليهما، وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى ~~تحصيل الهداية لهم في الدنيا خزي أي: فضيحة وهتك ستر، بظهور نفاقهم بالنسبة ~~للمنافقين. وذل وجزية وافتضاح، بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة بالنسبة ~~لليهود. ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو النار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 42] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم ms1651 أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) # سماعون للكذب أي بالباطل. خبر لمحذوف. وكرر تأكيدا لما قبله وتمهيدا ~~لقوله أكالون للسحت أي: الحرام. وهو الرشوة كما قال ابن مسعود. # قال الزمخشري: السحت كل ما لا يحل كسبه. وهو من (سحته) إذا استأصله. لأنه ~~مسحوت البركة. كما قال تعالى: يمحق الله الربا [البقرة: # 276] . والربا باب منه. وقرئ (السحت) بالتخفيف والتثقيل، و (السحت) بفتح ~~السين على لفظ المصدر من (سحته) ، و (السحت) بفتحتين، و (السحت) بكسر ~~السين، وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. انتهى. # وفي (اللباب) : السحت كله حرام تحمل عليه شدة الشره. وهو يرجع إلى الحرام ~~الخسيس الذي لا تكون له بركة ولا لآخذه مروءة ويكون في حصوله عار ~~PageV04P141 # بحيث يخفيه لا محالة. ومعلوم أن حال الرشوة كذلك. فلذلك حرمت الرشوة على ~~الحاكم # عن أبي هريرة «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي ~~في الحكم. # أخرجه الترمذي. وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص. # قال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء. فمن شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع ~~بها ظلما. فأهدي بها إليه، فقبل، فهو سحت. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! ما ~~كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم؟ فقال: الأخذ على الحكم كفر! قال الله ~~تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. # فإن جاؤك يعني اليهود لتحكم بينهم فاحكم بينهم لأنهم اتخذوك حكما أو أعرض ~~عنهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم، أي: ~~فأنت بالخيار. وقد استدل بالآية من قال: إن الإمام مخير في الحكم بين أهل ~~الذمة أو الإعراض عنهم. وعن بعض السلف: إن التخيير المذكور نسخ بقوله ~~تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله. والتحقيق أنها محكمة، والتخيير باق. # وهو مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد. لأنه لا ~~منافاة بين الآيتين. فإن قوله تعالى: فاحكم بينهم أو ms1652 أعرض عنهم فيه ~~التخيير. وقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بما أنزل الله فيه كيفية الحكم، إذا حكم بينهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا أي: فلن يقدروا على الإضرار بك، لأن الله تعالى عاصمك ~~من الناس وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، أي: بالعدل الذي أمرت به، وإن كانوا ~~ظلمة خارجين عن طريق العدل إن الله يحب المقسطين أي: العادلين فيما ولوا ~~وحكموا. # روى مسلم «2» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا ~~يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 43] # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) PageV04P142 # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله تعجيب من تحكيمهم لمن لا ~~يؤمنون به وبكتابه. مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذين يدعون الإيمان به. # قال بعضهم: معنى فيها حكم الله أي: في المسألة التي تحاكموا فيها إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وهو حكم الله بحسب اعتقادهم أو بحسب الحقيقة. ~~قال: ووجود هذا الحكم الخاص فيها، لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة ~~فيها محرفة. وسماها التوراة: إما باعتبار عرفهم. أو باعتبار أصلها، أو ~~لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية. ولولا ذلك ما صح أن تسمى ~~بذلك، كالإنجيل، مع اعتقاد تحريفها وتبديلها وعدم صحة كثير من أجزائها ~~وكتبها ... # ثم يتولون من بعد ذلك أي: من بعد البيان في التوراة، وحكمك الموافق لما ~~في كتابهم وما أولئك بالمؤمنين أي: بالتوراة كما يزعمون. # قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز طلب الرخصة بترك ما يعتقده ~~حقا إلى ما يعتقده غير حق. وقوله تعالى ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين يدل على أن التولي عن حكم الله يخرجه عن الإيمان. # قال بعض الزيدية: إذا كره حكم الشرع وطلب حكم المنع، هل ذلك يخرجه ms1653 عن حكم ~~الإيمان؟ وهذا ينبغي أن يفصل فيه، فيقال: إن اعتقد صحته، أو رأى له مزية أو ~~تعظيما. أو استهان بحكم الإسلام، فلا إشكال في كفره. وإن لم يحصل ذلك منه، ~~بل اعتقد أنه باطل خسيس، وأنه يعظم شرع الإسلام، ولكن يميل إلى هوى نفسه، ~~فهذا لا يكفر على الظاهر. إذ الكفر يحتاج إلى دليل قاطع. # وفي كلام الحاكم ما تقدم: أنه يخرجه عن الإيمان. فإن أوهم أنه حق أو أنه ~~أصلح من شرع الإسلام، فهذا محتمل للكفر. لأنه كفر إبليس اللعين، بكونه ~~اعتقد أن أمر الله تعالى له بالسجود لآدم، غير صلاح. لكونه خلقه من طين، ~~وإبليس من النار. انتهى. # ثم أشار تعالى إلى حالة اليهود الذين كانوا لا يبالون بالتوراة ~~ويحرفونها، ويقتلون النبيين، بأنهم خالفوا ما أمرهم الله في شأنها من ~~الهداية بها وصونها عن التحريف، فقال: # PageV04P143 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 44] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى أي: إرشاد إلى الحق ونور أي: إظهار لما ~~أنبههم من الأحكام يحكم بها النبيون من بني إسرائيل الذين أسلموا أي: الذين ~~كانوا مسلمين من لدن موسى إلى عيسى عليهم السلام. وسنذكر سر هذه الصفة ~~للذين هادوا وهم اليهود. و (هاد) بمعنى تاب ورجع إلى الحق. # قال المهايمي: للذين هادوا أي: لا لمن يأتي بعدهم. ولم يختص بالحكم بها ~~الأنبياء بل يحكم بها الربانيون أي: الزهاد العباد والأحبار أي: العلماء ~~الفقهاء بما استحفظوا من كتاب الله أي: بسبب الذي استودعوه من كتاب الله أن ~~يحفظوه من التغيير والتبديل وأن يقضوا بأحكامه. والضمير في (استحفظوا) ~~للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا. ويكون الاستحفاظ من الله، أي: كلفهم ~~حفظه. أو للربانيين والأحبار، ويكون الاستحفاظ من الأنبياء وكانوا عليه ~~شهداء أي: رقباء يحمونه ms1654 من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه. ~~أو بأنه حق وصدق من عند الله. فمعلمو اليهود وعلماؤهم الصالحون لا يفتون ~~ولا يقضون إلا بما لم ينسخ من شريعتهم وما لم يحرف منها، لشيوعه وتداوله ~~وتواتر العمل به. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: قوله تعالى: الذين أسلموا صفة أجريت على النبيين على سبيل ~~المدح. كالصفات الجارية على القديم سبحانه. لا للتفصلة والتوضيح. وأريد ~~بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين ~~الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل منها. انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) : وإنما بعثه على حمل هذه الصفة على المدح دون ~~التفصلة والتوضيح، أن الأنبياء لا يكونون إلا متصفين بها. فذكر النبوة ~~يستلزم ذكرها. فمن ثم حملها على المدح، وفيه نظر. فإن المدح إنما يكون ~~غالبا بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه. والإسلام أمر عام ~~يتناول أمم الأنبياء # PageV04P144 # ومتبعيهم كما يتناولهم. ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقتصر على كونه رجلا مسلما؟ فإن أقل متبعيه كذلك. فالوجه- والله ~~أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر. ~~كما يكون ثبوتها بقدر موصوفها. فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة ~~العظيمة قد يراد إعظام الصفة بعظم موصوفها. وعلى هذا الوصف جرى وصف ~~الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ~~[الصافات: 112] وأمثاله. تنويها بمقدار الصلاح. إذ جعل صفة الأنبياء. وبعثا ~~لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته. وكذلك قيل في قوله تعالى: الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~[غافر: 7] فأخبر، عن الملائكة المقربين، بالإيمان. تعظيما لقدر الإيمان ~~وبعثا للبشر على الدخول فيه، ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة. وإلا ~~فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا. # ولهذا قال: ويستغفرون للذين آمنوا يعني من البشر لثبوت حق الأخوة في ~~الإيمان بين الطائفتين فكذلك- والله أعلم- جرى وصف الأنبياء في هذه الآية ~~بالإسلام تنويها به. لقد أحسن القائل ms1655 في أوصاف الأشراف، والناظم في مدحه ~~صلى الله عليه وسلم: # فلئن مدحت محمدا بقصيدتي ... فلقد مدحت قصيدتي بمحمد # والإسلام، وإن كان من أشرف الأوصاف، إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب ~~له ويستحيل عليه ويجوز في حقه، إلا أن النبوة أشرف وأجل، لاستعمالها على ~~عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة. فلو لم نذهب إلى ~~الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة، في سياق المدح، لخرجنا عن ~~قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز، وفي كلام العرب الفصيح، وهو ~~الترقي من الأدنى إلى الأعلى، لا النزول على العكس. ألا ترى أن أبا الطيب ~~كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله: # شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها! # فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد في سياق المدح. # فمضغت الألسن عرض بلاغته، ومزقت أديم صيغته. فعلينا أن نتدبر الآيات ~~المعجزات، حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوها في البلاغة المعهود لها. والله ~~الموفق. # وقوله تعالى فلا تخشوا الناس قال الزمخشري: نهي للحكام عن خشيتهم غير ~~الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل # PageV04P145 # لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء. # وقال أبو السعود: خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات. وأما حكام ~~المسلمين فيتناولهم النهي بطريق الدلالة دون العبارة. والفاء لترتيب النهى ~~على ما فصل من حال التوراة وكونها معتنى بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم ~~السلام، ومن يقتدي بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا. فإن ~~ذلك مما يوجب الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأي وجه ~~كان. فضلا عن التحريف والتغيير. ولما كان مدار جراءتهم علي ذلك، خشية ذي ~~سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية، نهوا عن كل منهما صريحا، أي إذا كان ~~شأنها كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كانوا، واقتدوا في مراعاة أحكامها ~~وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم واخشون في مخالفة أمري والإخلال ~~بحقوق مراعاتها ولا تشتروا أي تستبدلوا بآياتي أي التي فيها، بأن تتركوا ~~العمل بها ms1656 وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها ثمنا قليلا # من الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، فإنها- وإن جلت- قليلة مسترذلة في ~~نفسها، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله أي كائنا من كان، دون المخاطبين خاصة، فإنهم مندرجون فيه اندراجا ~~أوليا. أي: من لم يحكم بذلك مستهينا به، منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه ~~اقتضاء بينا فأولئك هم الكافرون لاستهانتهم به. والجملة تذييل مقرر لمضمون ~~ما قبلها أبلغ تقرير، وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير. حيث علق فيه الحكم ~~بالكفر بمجرد ترك الحكم بنا أنزل الله تعالى. فكيف وقد انضم إليه الحكم ~~بخلافه؟ لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضعه، وادعاء ~~أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. قاله أبو السعود. ### | تنبيهات: # الأول: في قوله تعالى فلا تخشوا الناس دلالة على أن على الحاكم أن لا ~~تأخذه في الله لومة لائم. # الثاني: في قوله تعالى ولا تشتروا ... إلخ دلالة على تحريم الرشا على ~~التبديل. وكتمان الحق، وأن فعل ذلك، لغرض دنيوي من طلب جاه، أو مال- محرم. # الثالث: في قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية، تغليظ في الحكم بخلاف ~~المنصوص عليه، حيث علق عليه الكفر هنا، والظلم والفسق بعد. # PageV04P146 # الرابع: ما أخرجه مسلم «1» عن البراء: أن قوله تعالى ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله. الثلاث الآيات في الكفار كلها. وكذا ما أخرجه أبو داود عن ابن ~~عباس: أنها في اليهود خاصة، قريظة والنضير- لا ينافي تناولها لغيرهم، لأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا يخصص السبب، وكلمة من وقعت في معرض الشرط فتكون ~~للعموم. # الخامس: كفر الحاكم بغير ما أنزل بقيد الاستهانة به والجحود له، هو الذي ~~نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة وابن عباس. # وروى الحاكم وابن أبي حاتم وعبد الرازق عن ابن عباس وطاوس: أن من لم يحكم ~~بما أنزل الله، هي به كفر، وليس بكفر ينقل عن الملة. كمن كفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ونحو هذا روى الثوري، ms1657 عن عطاء قال: هو ~~كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير «2» . # ونقل في (اللباب) عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث ~~عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم ~~الله، فقد كفر وظلم وفسق. وإليه ذهب السدي. لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: ~~وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا، وحكم بغيره. وأما من ~~خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل، فلا يدخل في هذا الوعيد.. انتهى. # وقال إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) : ظاهر الآيات يدل على أن من فعل ~~مثل ما فعلوا- يعني اليهود- واخترع حكما يخالف به حكم الله، وجعله دينا ~~يعمل به فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره. # السادس: روي سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات. # أخرج الإمام أحمد «3» عن ابن عباس قال: إن الله أنزل ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون وفأولئك هم الظالمون وفأولئك هم الفاسقون في ~~الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا ~~أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتله العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل ~~PageV04P147 # قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ويومئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح. فقتلت ~~الذليلة من العزيزة قتيلا. فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا ~~بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين قط، دينهما واحد ونسبهما واحد، ~~وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ~~وفرقا منكم. فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ~~ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. ثم ذكرت العزيزة ~~فقالت والله! ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منهم، ولقد صدقوا، ما ms1658 ~~أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. # إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافين ليخبروا لهم رأي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله تعالى: يا ~~أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر- إلى قوله- الفاسقون ثم قال: # فيهما، والله! نزلت، وإياهم عنى الله عز وجل. ورواه أبو داود بنحوه. # وروى ابن جرير «1» من طريق أخرى عن ابن عباس قال: إن الآيات في المائدة ~~قوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم- إلى- المقسطين إنما أنزلت في الدية في بني ~~النضير وبني قريظة. وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف يؤدي الدية ~~كاملة. وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله ذلك فيهم. فحملهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء. ورواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي بنحوه. # وروى ابن جرير «2» أيضا عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير. وكانت ~~النضير أشرف من قريظة. فكان إذا قتل القرظي رجلا من النضير قتل به. وإذا ~~قتل النضيري رجلا من قريظة، ودي بمائة وسق من تمر. فلما بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة. فقالوا: ادفعوه إليه، ~~فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت: وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في (المستدرك) ~~بنحوه. # وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد. PageV04P148 # وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت ~~في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان ~~السببان في وقت واحد. فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. ms1659 انتهى كلام ~~ابن كثير. # وقد أسلفنا في (المقدمة) في بحث سبب النزول، ما يزيل الإشكال في تعدد ~~السبب. فتذكر. ومما يقوي أن سبب النزول قضية القصاص- كما قال ابن كثير- ~~قوله تعالى بعد ذلك: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # وكتبنا عليهم فيها أي: فرضنا على اليهود في التوراة أن النفس بالنفس. # أي: مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق والعين مفقوءة بالعين والأنف مجدوع ~~بالأنف والأذن مقطوعة بالأذن والسن مقلوعة بالسن والجروح قصاص أي: # ذات قصاص، أي: يقتص فيها إذا أمكن. كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وإلا- ~~ككسر عظم وجرح لحم مما لا يمكن الوقوف على نهايته- فلا قصاص، بل فيه حكومة ~~عدل. ### | تنبيهات: # الأول: هذه الآية مما وبخت به اليهود أيضا وقرعت عليه. فإن عندهم في نص ~~التوراة أن النفس بالنفس، وقد خالفوا حكم ذلك عمدا وعنادا. فأقادوا النضري ~~من القرظي، ولم يقيدوا القرظي من النضري. وعدلوا إلى الدية كما خالفوا حكم ~~التوراة في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد ~~والتحميم والإشهار، ولهذا قال هناك: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون، لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا. وقال هاهنا- في ~~تتمة الآية فأولئك هم الظالمون لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر ~~الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه. فخالفوا وظلموا، وتعدوا على ~~بعضهم بعضا- أفاده ابن كثير. # PageV04P149 # الثاني- قوله تعالى: والعين بالعين والمعطوفات بعده، كلها قرئت منصوبة ~~ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس بالنفس لأن المعنى: وكتبنا عليهم ~~النفس بالنفس، إما لإجراء (كتبنا) مجرى (قلنا) وإما لأن معنى الجملة التي ~~هي قولك (النفس بالنفس) مما يقع عليه (الكتب) كما تقع عليه (القراءة) ، ~~تقول: # كتبت الحمد لله، وقرأت سورة أنزلناها. ولذلك قال الزجاج: لو قرئ أن النفس ~~بالنفس بالكسر لكان ms1660 صحيحا. كذا في (الكشاف) . وقد توسع الخفاجي في ~~(العناية) في بحث الرفع- هنا- على عادته في النحويات فانظره إن شئت. # روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي «1» والحاكم عن أنس بن مالك: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين نصب النفس ورفع العين، قال الترمذي: حسن غريب. وقال البخاري: تفرد ~~ابن المبارك بهذا الحديث. # الثالث: استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا ~~شرع لنا- إذا حكي مقررا ولم ينسخ كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه ~~الشيخ أبو إسحاق الأسفراييني عن نص الشافعي وأكثر أصحابه- بهذه الآية. حيث ~~كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة. وقال الحسن ~~البصري: هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم. وقد حكى الإمام أبو ~~منصور بن الصباغ في كتابه (الشامل) اجتماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية ~~على ما دلت عليه. # الرابع: قال ابن كثير: احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة. ~~بعموم هذه الآية الكريمة. وكذا # ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتب في كتاب عمرو بن حزم «2» : أن الرجل يقتل بالمرأة. # وفي الحديث الآخر «3» : المسلمون تتكافأ دماؤهم # . وهذا قول جمهور العلماء. PageV04P150 # وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وحكي عن الحسن وعثمان البستي، ورواية ~~عن أحمد، أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، بل يجب ديتها # . وهكذا احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على أن يقتل ~~المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد. وقد خالفه الجمهور فيهما. # ففي (الصحيحين) «1» عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مسلم بكافر. # وأما العبد، ففيه عن السلف آثار متعددة. إنهم لم يكونوا يقيدون العبد من ~~الحر، ولا يقتل حر بعبد. وجاء في ذلك أحاديث لا تصح. وحكى الشافعي الإجماع. ~~على خلاف قول الحنفية في ذلك. انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : في ms1661 هذه الآية مشروعية القصاص في النفس ~~والأعضاء والجروح بتقدير شرعنا. كما # قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس «2» : كتاب الله القصاص # واستدل بعموم (النفس بالنفس) من قال بقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، ~~والرجل بالمرأة. وأجاب ابن الفرس بأن الآية أريد بها الأحرار المسلمون، لأن ~~اليهود المكتوب ذلك عليهم في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى ~~مسلم وكافر، وكانوا أحرارا لا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما ~~أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم بين سائر الأنبياء. لأن الاستعباد من ~~الغنائم. ولم تحل لغيره. وعقد الذمة لبقاء الكفار. ولم يقع ذلك في عهد نبي. ~~بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب. # وأخر ذلك في هذه الأمة رحمة. وهذا جواب مبين. # وقوله والجروح قصاص استدل به في كل جرح قيل بالقصاص فيه- كاللسان والشفة ~~وشجاج الرأس والوجه وسائر الجسد- وعلى أن نتف الشعر والضرب لا قصاص فيه، إذ ~~ليس بجرح. انتهى. PageV04P151 # وقال بعض الزيدية في (تفسيره) : مذهب أئمة أهل البيت ومالك والشافعي أنه ~~لا يقتل المسلم بالكافر. وقال أبو حنيفة: يقتل به، لا بالحربي ولا ~~بالمستأمن من الحربيين أخذا بعموم الآية. قلنا: هي مخصصة بقوله في سورة ~~الحشر: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة. وهذا يقتضي نفي المساواة عموما. ~~قالوا: أراد (في الآخرة) . قلنا: قال الله: ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا [النساء: 141] . قالوا: ليس هذا على عمومه فإن له أخذ الدين ~~منه، وذلك سبيل. # قلنا: # قال صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر # . فعم. قالوا: أراد بكافر حربي. بدليل أن في آخر الخبر: ولا ذو عهد في ~~عهد. والمعنى: لا يقتل المؤمن ولا الكافر الذي عوهد، بالكافر الذي لا عهد ~~له. قلنا: قد تمت الجملة الأولى وهي قوله عليه السلام: لا يقتل المؤمن ~~بكافر. وأما قوله: ولا ذو عهد في عهده، فهذه جملة أخرى. يريد: لا يقتل ما ~~دام في العهد. مع أن الحديث إن احتمل أنها جملة واحدة فالمراد: لا يقتل ~~مؤمن بأحد من الكفار عموما. وكذلك المعاهد لا ms1662 يقتل بأحد من الكفار عموما. ~~فقامت الدلالة على أن المعاهد، يقتل ببعض الكفار. وبقي المؤمن على عمومه. ~~وما قلنا مروي عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وزيد بن ثابت. وقد رجع عمر ~~إلى هذا لما أنكر عليه علي عليه السلام وزيد. وهذه المخصصات تخصص ما ورد من ~~العمومات في هذه المسألة. انتهى. # الخامس: عموم قوله تعالى والعين بالعين كعموم قوله تعالى: النفس بالنفس. ~~فما خصص ذلك العام، خصصه هنا، لكن ننبه على أطراف: # منها-: أن اليسرى لا تؤخذ باليمنى، والوجه عدم المساواة. # ومنها-: عين الأعور تؤخذ بعين الصحيح على ما نصه في (الأحكام) ، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة والشافعي لعموم الآية. وقال في (المنتخب) ومالك: لا تؤخذ، ~~لأن نورها أكثر فتطلب المساواة. واحتجوا بأنه مروي عن علي عليه السلام وعمر ~~وابن عمر وعثمان قال في (الشرح) : وكان الإمام يحيى لا يصحح هذه الرواية عن ~~علي عليه السلام. # ومنها-: في كيفية القصاص. فإن قلعت العين ثبت القصاص بالقلع. وإن ضرب حتى ~~ذهب بصره ثبت القصاص. قال في (التهذيب) : فقيل: بالقلع. وقيل: # تحمى حديدة ثم تقرب من عينه. # وأما قوله تعالى: والأنف بالأنف فالكلام في عمومه كما تقدم. ويذكر هنا ~~تنبيه، وهو أن القصاص إنما يكون إذا استؤصلت. لأن ذلك كالمفصل، لا إذا قطع ~~بعضها. # PageV04P152 # والعموم في قوله تعالى: والأذن بالأذن أيضا كما تقدم. والقصاص: إذا قطعت ~~من أصلها لا إذا قطع البعض. ولا تؤخذ أذن الصحيح بأذن الأصم. # وكذا عموم قوله تعالى والسن بالسن والقصاص: إذا قلع من أصله. ولا بد من ~~المساواة. فلا يؤخذ الصحيح بالأسود ولا بالمكسور. ولا الثنية بالضرس. ونحو ~~ذلك. كما لا تؤخذ اليمنى باليسرى. # وأما قوله تعالى والجروح فهذا فيما تمكن فيه المساواة، ويؤمن على النفس ~~لتحرج الأمة. # كذا في (تفسير بعض الزيدية) . وتتمة فقه هذه الآية يرجع فيه إلى مطولات ~~كتب السنة وشروحها. # وقوله تعالى: فمن تصدق أي: من المستحقين به أي: بالقصاص. أي: # فمن عفا عن الجاني. والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الترغيب فهو أي: ms1663 # التصدق، كفارة له أي: للمتصدق يكفر الله بها ذنوبه. وقيل: فهو كفارة ~~للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه. وهذا التأويل الثاني روي ~~عن كثير من السلف. كما أخرجه أبن أبي حاتم. واللفظ محتمل. إلا أن الأخبار ~~الواردة في فضل العفو تشهد للأول. # روى الإمام أحمد «1» عن الشعبي أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر ~~الله عنه مثل ما تصدق به. ورواه النسائي أيضا. # وروى الإمام أحمد «2» عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~أصيب بشيء من جسده فتركه لله، كان كفارة له. # وروى الإمام ابن جرير «3» عن أبي السفر قال: دفع رجل من قريش رجلا من ~~الأنصار. فاندقت ثنيته. فرفعه الأنصاري إلى معاوية. فلما ألح عليه الرجل ~~قال معاوية: شأنك وصاحبك. قال، وأبو الدرداء عند معاوية. فقال أبو الدرداء: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، ~~فيهبه، إلا رفعه الله به PageV04P153 # درجة وحط عنه به خطيئة. فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال: # سمعته أذناي ووعاه قلبي. فخلى سبيل القرشي. فقال له معاوية: مروا له ~~بمال. # ورواه الإمام أحمد «1» أيضا عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من ~~الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال القرشي: إن هذا دق سني، فقال معاوية: # كلا. إنا سنرضيه. قال فلما ألح عليه الأنصاري. قال معاوية: شأنك بصاحبك- ~~وأبو الدرداء جالس- فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة وحط ~~عنه بها خطيئة. قال فقال الأنصاري: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: نعم. سمعته أذناي ووعاه قلبي. يعني فعفا عنه الأنصاري. ~~وهكذا رواه الترمذي # وقال: غريب، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء. # ومن ms1664 لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون لأنهم حكموا بخلاف حكم ~~الله العدل. وتقدم في أول التنبيهات الخمس، قريبا، سر التعبير هاهنا ب ~~(الظالمون) قبله ب (الكافرين) فتذكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 46] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) # وقفينا أي أتبعنا على آثارهم يعني أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم أي: ~~أرسلناه عقبهم مصدقا لما بين يديه من التوراة أي: مؤمنا بها حاكما بما فيها ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى أي إلى الحق ونور أي: بيان للأحكام ومصدقا لما بين ~~يديه من التوراة أي: لما فيها من الأحكام. وتكرير ذلك لزيادة التقرير. # قال ابن كثير: أي متبعا لها غير مخالف لما فيها، إلا في القليل. مما بين ~~لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارا عن المسيح. ~~أن قال لبني إسرائيل: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. ولهذا كان المشهور من ~~قول العلماء: إن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة. PageV04P154 # وهدى وموعظة أي: زاجر عن ارتكاب المحارم والمآثم للمتقين أي: # لمن اتقى الله وخاف وعيده وعقابه. وتخصيص كونه هدى وموعظة بالمتقين، ~~لأنهم المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 47] # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون (47) # وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه أمر مبتدأ لهم، بأن يحكموا ويعملوا ~~بما فيه من الأمور التي من جملتها: دلائل رسالته عليه الصلاة والسلام، ~~وشواهد نبوته. وقيل: هو حكاية للأمر الوارد عليهم. بتقدير فعل معطوف على ~~(ءاتيناه) : # وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وقرئ (وليحكم) بالنصب على أن اللام (لام كي) ~~أي: # آتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم. # قال بعض المحققين: وإنما خص أهل الإنجيل بالذكر، لبيان أن الإنجيل لم ~~ينزله الله للأمم كافة وأن شريعته ليست باقية لكل ms1665 زمان. لأن بعثة عيسى عليه ~~السلام كانت خاصة بالأمة اليهودية. # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون أي: الخارجون عن طاعة ~~ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. ### | تنبيه: # في هذه الآية والآيتين المتقدمتين، من الوعيد ما لا يقادر قدره. وقد تقدم ~~أن هذه الآيات، وإن نزلت في أهل الكتاب، فليست مختصة بهم، بل هي عامة لكل ~~من لم يحكم بما أنزل الله، اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويدخل فيه ~~السبب دخولا أوليا. # وفي (فتح البيان) في تفسير هذه الآيات، مباحث نادرة سابغة الذيل. ~~فلتراجع. # ولما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، وأثنى عليها وأمر ~~باتباعها، ثم ذكر الإنجيل ومدحه وأمر باتباعه- شرع في التنويه بالقرآن ~~العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، فقال: # PageV04P155 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 48] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) # وأنزلنا إليك الكتاب أي: الفرد الكامل الحقيق بأن يسمى كتابا على ~~الإطلاق. لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي، وتفوقه على ~~بقية أفراده، وهو القرآن الكريم. فاللام للعهد. أفاده أبو السعود. # بالحق أي الصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب بيان ل (ما) . و (اللام) للجنس. يعني: أنه يصدق جميع الكتب التي ~~أنزلها الله على أنبيائه من قبله. وإنما قيل (لما قبل الشيء) : هو بين ~~يديه، لأن ما تأخر عنه يكون وراءه وخلفه. فما تقدم عليه يكون قدامه وبين ~~يديه ومهيمنا عليه أي: مؤتمنا عليه وشهيدا وحاكما على ما قبله من الكتب. # قال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منا فهو ~~حق، وما خالفه منها فهو باطل. # فاحكم بينهم أي: بين أهل ms1666 الكتاب إذا ترافعوا إليك بما أنزل الله أي: # بما بين الله لك في القرآن. # قال في (الإكليل) : هذا ناسخ للحكم بكل شرع سابق. ففيه أن أهل الذمة إذا ~~ترافعوا إلينا يحكم بينهم بأحكام الإسلام. لا بمعتقدهم. ومن صور ذلك عدم ~~ضمان الخمر ونحوه. انتهى. # ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق نهى أن يحكم بما حرفوه أو بدلوه. # اعتمادا على قولهم. ضمن ولا تتبع معنى (ولا تنحرف) فلذا عدي ب (عن) فكأنه ~~قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم. أو التقدير: عادلا عما ~~جاءك. لكل جعلنا منكم شرعة أي: شريعة موصلة إلى الله ومنهاجا أي: # طريقا واضحا في الدين، تجرون عليه. # PageV04P156 # قال ابن كثير: هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله ~~به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد. كما # ثبت في (صحيح البخاري) «1» عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات. ديننا واحد # . يعني بذلك، التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب ~~أنزله. كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] . وقال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] الآية. # وقال أبو السعود: قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا كلام مستأنف ~~جيء به لحمل أهل الكتابين، من معاصريه صلى الله عليه وسلم، على الانقياد ~~لحكمه بما أنزل إليه من القرآن الكريم. ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به ~~دون غيره من الكتابين، وإنما الذي كلفوا العمل بهما من مضى قبل نسخهما من ~~الأمم السالفة. والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس قاطبة، لكن لا ~~للموجودين خاصة، بل للماضين أيضا بطريق التغليب. والمعنى: لكل أمة كائنة ~~منكم. أيها الأمم الباقية والخالية، جعلنا- أي عينا ووضعنا- شرعة ومنهاجا ~~خاصين بتلك الأمة. لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عينت لها. فالأمة التي ~~كانت من مبعث موسى إلى مبعث ms1667 عيسى عليهما السلام شرعتهم التوراة. والتي كانت ~~من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليهما الصلاة والسلام شرعتهم الإنجيل. وأما ~~أنتم أيها الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلا. فآمنوا به واعملوا بما فيه. # وفي (الإكليل) : استدل بهذه الآية من قال: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا. # وبقوله: وكتبنا عليهم ... الآية، من قال: إنه شرع لنا ما لم يرد ناسخ. ~~واستدل بالآية. أيضا من قال: إن الكفر ملل لا ملة واحدة، ولم يورث اليهود ~~من النصارى شيئا. انتهى. # قال النسفي: ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام. ثم إنزال ~~الإنجيل على عيسى عليه السلام. ثم إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وبين أنه ليس للسماع فحسب، بل للحكم به. فقال في الأول: يحكم بها ~~النبيون وفي الثاني. PageV04P157 # وليحكم أهل الإنجيل وفي الثالث: فاحكم بينهم بما أنزل الله. # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة أي: جماعة متفقة على شريعة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في ما آتاكم متعلق بمحذوف يستدعيه النظام. أي: ولكن جعلكم أمما ~~مختلفة ليختبركم فيما أعطاكم من الشرائع المختلفة. هل تتركون ما ألفتم منها ~~لما أحدث منها مذعنين له، معتقدين أن خلافه لها بمقتضى المشيئة الإلهية ~~المبنية على أساس الحكم البالغة، والمصالح النافعة لكم في المعاش والمعاد؟ ~~أو تزيغون عن الحق، وتتبعون الهوى، وتستبدلون المضرة بالجدوى، وتشترون ~~الضلالة بالهدى؟ # وبهذا اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء. بل العمدة ~~في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشا ومعادا، ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى: فاستبقوا الخيرات أي: إذا كان الأمر كما ذكر، ~~فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة ~~المندرجة في القرآن الكريم، وابتدروها انتهازا للفرصة وإحرازا لسابقة الفضل ~~والتقدم. ففيه من تأكيد الترغيب في الإذعان للحق، وتشديد التحذير عن الزيغ، ~~ما لا يخفى. أفاده أبو السعود. # وقوله: إلى الله مرجعكم جميعا استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات ~~بما فيه من الوعد والوعيد. أي: مصيركم، ومعادكم- أيها الناس- إليه ms1668 يوم ~~القيامة فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون أي: فيخبركم بما لا تشكون معه من ~~الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل. كذا في ~~(الكشاف) . # فالإنباء مجاز عن المجازاة، وإنما عبر عنها به، لوقوعه موقع إزالة ~~الاختلاف التي هي وظيفة الإنباء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 49] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) # وأن احكم بينهم بما أنزل الله عطف على (الكتاب) أي: أنزلنا إليك الكتاب ~~والحكم بما فيه. أو على (الحق) أي: أنزلناه بالحق وب (أن احكم) ويجوز أن ~~يكون جملة، بتقدير: وأمرنا أن احكم. وفي التعرض لعنوان إنزاله تعالى إياه، # PageV04P158 # تأكيد لوجوب الامتثال، وتمهيد لما يعقبه من قوله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك أي: يصرفوك عنه. وإظهار الاسم ~~الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب. كإعادة (ما أنزل الله) فإن تولوا أي: عن ~~الحكم المنزل وأرادوا غيره فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~يعني بذنب التولي عن حكم الله، وإرادة خلافه، فوضع (ببعض ذنوبهم) موضع ذلك. ~~وأراد: أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد. وأن هذا الذنب- مع عظمه- بعضها وواحد ~~منها.. وهذا الإبهام لتعظيم التولي، واستسرافهم في ارتكابه، ونحو (البعض) ~~في هذه الكلام ما في قول لبيد. (أو يرتبط بعض النفوس حمامها..!) أراد نفسه. ~~وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام. كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أي نفس. ~~فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح ~~بالبعض. كذا في (الكشاف) . # وفي (الحواشي) : ومثل هذا قوله تعالى: ورفع بعضكم فوق بعض درجات [البقرة: ~~253] . أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وقيل: ذلك من الخصوص الذي أريد به ~~العموم وقيل: أراد العذاب في الدنيا. وأما في الآخرة فإنه يعذب بجميع ~~الذنوب. ولقد تلطف القائل: # وأقول بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة، وأنت ms1669 كل الناس # وإن كثيرا من الناس لفاسقون أي: المتمردون في الكفر معتدون فيه وهذا ~~تسجيل عليهم بالمخالفة. يعني: إن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم ~~والاعتداء في الكفر. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. ونظيرها ~~قوله تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] . وقوله تعالى: ~~وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام: 116] . # روى ابن جرير «1» وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن ~~صلوما، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد ~~لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد! إنك قد عرفت أنا أحبار يهود ~~وأشرافهم وساداتهم. وأنا- إن اتبعناك- اتبعنا يهود، ولم يخالفونا. وأن ~~بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك. ~~فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل فيهم: وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم. الآية. PageV04P159 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 50] # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) # أفحكم الجاهلية يبغون أي: يريدون منك. # قال أبو السعود: إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم و (الفاء) للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام. أي: أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. وتقديم ~~المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجيب. لأن التولي عن حكمه صلى ~~الله عليه وسلم. # وطلب حكم آخر، منكر عجيب. وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد ب ~~(الجاهلية) إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى، الموجبة للميل ~~والمداهنة في الأحكام فيكون تعييرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، ~~يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي. ~~وإما أهل الجاهلية، وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى. ~~انتهى. # ومن أحسن من الله حكما أي: قضاء لقوم يوقنون أي: ينظرون بنظر اليقين إلى ~~العواقب. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساويا ~~له. # قال ابن ms1670 كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم- المشتمل على كل ~~خير، الناهي عن كل شر- وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ~~التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون ~~به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به ~~التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن جنكزخان الذي وضع لهم (الياسق) وهو ~~عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية ~~والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد ~~نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو. كافر يجب قتاله حتى يرجع ~~إلى حكم الله ورسوله. # فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال الله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون ~~أي: # يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ~~أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن ~~الله تعالى أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه تعالى هو ~~العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. روى ابن أبي حاتم عن ~~الحسن قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وكان طاوس إذا سأله رجل: # PageV04P160 # أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: أفحكم الجاهلية.. الآية. # وروى الطبراني: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض ~~الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ ~~بغير حق ليريق دمه. ورواه البخاري» # بزيادة. انتهى. كلام ابن كثير. # قال بعض مفسري الزيدية: اشتمل قوله تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق إلى ~~قوله تعالى: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون على عشرين وجها من التأكيد ~~في ملازمة شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم التي أنزلها الله تعالى، ~~واختارها لأمته، واستأثر بكثير من أسرارها فلم يطلع عليها، وما أشد امتثال ms1671 ~~ما تضمنته؟ وكيف الخروج عن عهدته خصوصا على الأئمة والحكام؟ ولن يحصل ذلك ~~حتى يلجم نفسه بلجام الحق، ويعزل عن نفسه مطالعة الخلق، لهذه الجملة. لا ~~يقال: إنه صلى الله عليه وسلم معصوم لا يتبع أهواءهم، فكيف نهى عما يعلم ~~الله أنه لا يفعله؟ قال الحاكم: ذلك مقدور له، فيصح النهي وإن علم أنه لا ~~يفعله. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. كذلك لا يقال: # قوله فاحكم بينهم بما أنزل الله يخرج من ذلك القياس. لأن ذلك- إن جعل ~~خطابا له عليه الصلاة والسلام- فلم يكن متعبدا بالقياس. وإن كان خطابا للكل ~~فالقياس ثابت بالدليل فهو بمثابة المنزل. هكذا ذكر الحاكم. والأكثر: أنه ~~يجوز منه عليه الصلاة والسلام الاجتهاد، ومنعه آخرون. وقوله تعالى: ~~فاستبقوا الخيرات قد يستدل به على أن الواجبات على الفور. وهو محتمل. لأن ~~المراد قبل أن يسبق عليكم الموت. انتهى. # وفي (الإكليل) : استدل به على أن تقديم العبادت أول وقتها أفضل من ~~تأخيرها. انتهى. # وقد روى مسلم «2» عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل ~~الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين. # وروى أبو داود «3» والترمذي والحاكم عن أم فروة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها. PageV04P161 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 51] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء أي: لا يتخذ أحد ~~منكم أحدا منهم وليا، بمعنى: لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الأحباب ~~ومعاشرتهم. # قال المهايمي: إذا كان تودد أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل الله مع غاية كماله، فكيف حال من يتودد إليهم ~~من المؤمنين؟ انتهى. # ووصفهم بعنوان (الإيمان) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه. # فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين، من أقوى الزواجر عن موالاتهما. # بعضهم أولياء بعض إيماء إلى علة النهي. ms1672 أي: فإنهم متفقون على خلافكم، ~~يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين. وإجماعهم على مضادتكم. فما لمن دينه ~~خلاف دينهم ولموالاتهم!! ومن يتولهم منكم فإنه منهم أي: من جملتهم. # وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم ~~لدلالتها على كمال الموافقة. # قال الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في ~~الدين واعتزاله. كما # قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تراءى ناراهما # . ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني لا تكرموهم إذ ~~أهانهم الله. ولا تأمنوهم إذ خونهم الله. ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله. وروي ~~أنه قال له أبو موسى: (لا قوام للبصرة إلا به) فقال: مات النصراني والسلام. ~~يعني: هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ، فاصنعه الساعة واستغن عنه ~~بغيره. # إن الله لا يهدي القوم الظالمين يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة ~~الكفرة. # روى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن ~~PageV04P162 # يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال. فظنناه يريد هذه الآية: يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا.. الآية. # ثم بين تعالى كيفية توليهم. وأشعر بسببه وبما يؤول إليه أمره. فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 52] # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~(52) # فترى الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق وشك في وعد الله لإظهار دينه يسارعون ~~فيهم أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في ~~دين الله، والفضيحة بالنفاق يقولون أي: في عذرهم نخشى أن تصيبنا دائرة أي: ~~من دوائر الزمان، وصرف من صروفه، فتكون الدولة لهم، فنحتاج إليهم، فنحن ~~نتحفظ عن شرهم. ولا يتفكرون في أن الدائرة ربما تصيب من يوالونهم. والدائرة ~~من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وأصلها: الخط المحيط ms1673 بالسطح. ~~استعيرت لنوائب الزمان، بملاحظة إحاطتها واستعمالها في المكروه. و (الدولة) ~~ضدها، وقد ترد بمعنى (الدائرة) أيضا، لكنه قليل. كذا في (العناية) . # ثم رد تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين بالظفر ~~بقوله سبحانه فعسى الله أن يأتي بالفتح أي: فتح مكة، عن السدي. أو فتح قرى ~~اليهود من خيبر وفدك، عن الضحاك. وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء الفصل بنصره ~~صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وإظهار المسلمين أو أمر من عنده يقطع شأفة ~~اليهود، ويجليهم عن بلادهم فيصبحوا أي: المنافقون على ما أسروا في أنفسهم ~~من الشك في ظهور الإسلام، أو من النفاق نادمين لافتضاحهم بالنفاق مع ~~الفريقين. وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه- لا بما كانوا يظهرونه من ~~موالاة الكفرة- لما أنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها. فدل ~~ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 53] # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) # ويقول الذين آمنوا قال الزمخشري: قرئ بالنصب عطفا على (أن يأتي) # PageV04P163 # وبالرفع على أنه كلام مبتدأ. أى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. وقرئ ~~(يقول) بغير (واو) وهي مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك. على أنه جواب قائل ~~يقول: # فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين ~~أقسموا؟ (فإن قلت) : لمن يقولون هذا القول؟ (قلت) : إما أن يقوله بعضهم ~~لبعض تعجبا من حالهم، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أي: حلفوا لكم بأغلاظ الأيمان إنهم ~~لمعكم أي: إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وإما أن يقولوه لليهود، ~~لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما حكى الله عنهم: وإن قوتلتم ~~لننصرنكم [الحشر: # 11] أي: فقد تباعدوا عنكم. فيظهر أنهم لم يكونوا مع المؤمنين ولا مع ~~اليهود حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين أي: في الدنيا، إذ ظهر نفاقهم عند ~~الكل. وفي الآخرة، إذ لم يبق لهم ثواب. # قال الزمخشري: هذه الجملة من قول المؤمنين. أي: بطلت أعمالهم ms1674 التي كانوا ~~يتكلفونها في رأي أعين الناس، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم ~~فما أخسرهم! أو من قول الله عز وجل، شهادة لهم بحبوط الأعمال، وتعجيبا من ~~سوء حالهم. انتهى. # وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين، ما لا يخفى. ### | تنبيهات: # الأول-: في سبب نزول هذه الآيات الكريمات. # روي عن السدي «1» ، أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: ~~أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع ~~أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام ~~فأواليه وأتنصر معه. فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى ... الآيات. # وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى ~~حلقه، أبي: إنه الذبح. رواه ابن جرير «2» . وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي، ~~ابن سلول. PageV04P164 # روى ابن جرير «1» عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث ~~بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي ~~موالي من يهود كثير عددهم. وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود. ~~وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر. لا أبرأ ~~من ولاية موالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: يا ~~أبا الحباب! ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه. ~~قال قد قبلت فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا ... الآيتين. # ثم # روى ابن جرير «2» عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون ~~لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر.. فقال مالك ~~بن صيف: غركم إن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال! أما لو أمررنا ~~العزيمة أن نستجمع عليكم. لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. ms1675 فقال عبادة بن ~~الصامت: يا رسول الله! إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرا ~~سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى ~~لي إلا الله ورسوله.. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود. ~~إني رجل لا بد لي منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا الحباب! ~~أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه. فقال ~~إذا أقبل! قال: فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ... - ~~إلى قوله- والله يعصمك من الناس. # وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي، ~~ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد! أحسن في موالي- وكانوا حلفاء ~~الخزرج- قال: # فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا محمد! أحسن في موالي. ~~قال: فأعرض عنه. # فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ~~ظللا، ثم قال: ويحك! أرسلني. قال: لا، والله! لا أرسلك حتى تحسن في موالي. ~~أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في ~~غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: هم لك. PageV04P165 # قال محمد بن إسحاق: فحدثني أبي، إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن ~~عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم- وكان أحد بني عوف من الخزرج، لهم من حلفه مثل ~~الذي لهم من عبد الله بن أبي- فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتبرأ إلى الله عز وجل، وإلى رسوله من حلفهم ms1676 وقال: يا رسول الله! أتولى ~~الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ... ففيه وفي ~~عبد الله بن أبي نزلت الآيات: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود- إلى ~~قوله فإن حزب الله هم الغالبون. # وروى الإمام أحمد «1» عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~قد كنت أنهاك عن حب يهود. فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات. ~~وكذا رواه أبو داود. # الثاني: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرات الآية أحكام. # (الأول) - أنه لا يجوز موالاة اليهود ولا النصارى. قال الحاكم: والمراد ~~موالاته في الدين. وجعل الزمخشري الموالاة في النصرة والمصافاة. وبين وجوب ~~المجانبة للمخالف في الدين، كما تقدم. والبعد والمجانبة استحباب، إذ قد ~~جازت المخالطة في مواضع بالإجماع، وذلك حيث لا يوهم محبتهم ولا بأنهم على ~~حق. # (الحكم الثاني) - أن للإمام أن يسقط الحد إذا خشي، أو يؤخره. وقد ذكر ~~هذا، الأمير يحيى والراضي بالله والحاكم، وهذا مأخوذ من سبب النزول، وترك ~~النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبي. # (الحكم الثالث) - صحة الموالاة منهم لبعضهم بعضا. وقد قال علي بن موسى ~~القمي: الآية تدل على أنهم ملة واحدة: فتصح المناكحة بينهم والموارثة. # والمذهب خلاف ذلك. والدلالة على ما ذكر محتملة. لأنها تحتمل أن المراد: # بعضهم أولياء بعض في معاداة المسلمين أو يعني: بعض اليهود وليا لبعض ~~اليهود. # (الحكم الرابع) - أن من تولاهم فهو منهم. ولا خلاف في أنه صار عاصيا لله ~~كما عصوه. ولكن أين تبلغ حد معصيته؟ وقد اختلف في ذلك، فقيل: معنى قوله ~~فإنه منهم أي: حكمه حكمهم في الكفر، وهذا حديث يقرهم على دينهم. ~~PageV04P166 # فكأنه قد رضيه. وقيل: من تولاهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: المراد أنه منهم في وجوب عداوته والبراءة منه. قال الحاكم: ودلالة ~~الآية مجملة. فهي لا تدل على أنه كافر إلا أن يحمل على ms1677 الموافقة في الدين. # (الحكم الخامس) - ذكره الحاكم، أنه لا يجوز الاستعانة بهم. قلنا: ذكر ~~الراضي بالله: أنه صلى الله عليه وسلم قد حالف اليهود على حرب قريش وغيرهما ~~إلى أن نقضوه يوم الأحزاب، وجدد صلى الله عليه وسلم الحلف بينه وبين خزاعة. ~~حتى كان ذلك سبب الفتح. وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. مسلمهم وكافرهم. قال الراضي بالله: وهو ظاهر قول آبائنا عليهم ~~السلام. وقد استعان علي عليه السلام بقتلة عثمان، واستعان صلى الله عليه ~~وسلم بالمنافقين. قال الراضي بالله: ويجوز الاستعانة بالفساق على حرب ~~المبطلين، فتكون هذه الاستعانة غير موالاة. # التنبيه الثالث- في التفسير المتقدم ما نصه: وفي الآية الكريمة زواجر عن ~~مولاة اليهود والنصارى من وجوه: (الأول) - النهي بقوله: لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء. وسائر الكفار لا حق بهم. (الثاني) - قوله تعالى: بعضهم ~~أولياء بعض. والمعنى: أن الموالاة من بعضهم لبعض لاتحادهم بالكفر، ~~والمؤمنون أعلى منهم. (الثالث) - قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم. ~~وهذا تغليظ وتشديد ومبالغة. مثل # قوله صلى الله عليه وسلم: لا تراءى ناراهما # . ومثل قوله عليه السلام «1» : لا تستضيئوا بنار المشركين. (الرابع) - ما ~~أخبر الله به أنه لا يهديهم. # (الخامس) - وصفهم بالظلم، والمراد: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار. # (السادس) - أنه تعالى أخبر أن الموالاة لهم من ديدن الذين في قلوبهم مرض، ~~أي: # شك ونفاق. (السابع) - ما أخبر الله تعالى به من علة الموالين، وأن ذلك ~~خشية الدوائر. لا أنه بإذن من الله ولا من رسوله. (الثامن) - قطع الله لما ~~زينه لهم الشيطان من خشية رجوع دولة الكفر فقال تعالى: فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح. # و (عسى) في حق الله تعالى لواجب الحصول بالفتح لمكة أو لبلاد الشرك- ~~(التاسع) - ما بشر الله تعالى به من إهانتهم بقوله: أو أمر من عنده. قيل: ~~إذلال PageV04P167 # الشرك بالجزية. وقيل: قتل قريظة وإجلاء النضير. وقيل: أن يورث المسلمين ~~أرضهم وديارهم. (العاشر) - ما ذكره الله تعالى من الأمر الذي يؤول إليه ~~حالهم. وأنهم يصبحون نادمين على ما أسروا ms1678 في أنفسهم من غشهم للمسلمين ~~ونصحهم للكافرين. وقيل: من نفاقهم. وقيل: من معاندتهم للكفار، وذلك حين ~~معاينتهم للعذاب. وقيل: في الدنيا، بما صاروا فيه من الذلة والصغار. ~~(الحادي عشر) - ما ذكره الله تعالى من تعجب المؤمنين من فضيحة أعداء الله ~~وخبثهم في إيمانهم بقوله تعالى: ويقول الذين آمنوا أهؤلاء.. الآية. (الثاني ~~عشر) - ما أخبر الله من حالهم بقوله تعالى: حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ~~قيل: خسروا حظهم من موالاتهم. وقيل: أهلكوا أنفسهم. وقيل: خسروا ثواب الله. ~~انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 54] # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم # لما نهى تعالى- فيما سلف- عن مولاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم ~~مستدعية للارتداد عن الدين بقوله: فإنه منهم وقوله: حبطت أعمالهم- شرع في ~~بيان حال المرتدين على الإطلاق. # ونوه بقدرته العظيمة. فأعلم أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن ~~الله سيستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة، وأقوم سبيلا. كما قال ~~تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد صلى الله ~~عليه وسلم: 38] . وقال تعالى: # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين [النساء: 133] . وقال تعالى: إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز [فاطر: 16- 17] . أي: # بممتنع ولا صعب. ### | وفي هذه الآية مسائل: # الأولى: قال المحققون: هذه الآية من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن ~~قبل كونها. وقد وقع المخبر به على وفقها. فيكون معجزا. فقد روي أنه ارتد عن ~~الإسلام إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه ms1679 وسلم. # PageV04P168 # (بنو مدلج) ورئيسهم ذو الحمار- بحاء مهملة وضبطه بعضهم بالمعجمة- وهو ~~الأسود العنسي- بالنون نسبة إلى عنس قبيلة باليمن- وكان كاهنا ثم تنبأ ~~باليمن، واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن. فأهلكه ~~الله على يدي فيروز الديلمي. بيته فقتله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقتله ليلة قتل. فسر المسلمون. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الغد في آخر شهر ربيع الأول. # و (بنو حنيفة) قوم مسيلمة: تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد فإن الأرض نصفها لي ~~ونصفها لك. فأجاب قرئ: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن ~~الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. فحاربه أبو بكر رضي ~~الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي، قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت ~~خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام. أراد: في جاهليتي وإسلامي. # و (بنو أسد) قوم طليحة بن خويلد: تنبأ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكثر جمعه، ومات صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك. فبعث إليه أبو بكر خالدا ~~رضي الله عنهما فقصده. فانهزم طليحة بعد القتال إلى الشام. ثم أسلم وحسن ~~إسلامه. # وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه: # (فزارة) قوم عيينة بن حصن و (غطفان) قوم قرة بن سلمة القشيري و (بنو ~~سليم) قوم الفجاءة بن عبد ياليل- بيائين ولامين كهابيل- صنم سمي هذا به. # و (بنو يربوع) قوم مالك بن نويرة. # و (بعض تميم) قوم سجاح بنت المنذر. كانت كاهنة ثم تنبأت وزوجت نفسها ~~مسيلمة الكذاب ثم أسلمت وحسن إسلامها. # و (كندة) قوم الأشعث بن قيس. # و (بنو بكر بن وائل) بالبحرين، قوم الحطم- كزفر- بن زيد. وكفى الله أمرهم ~~على يدي أبي بكر رضي الله عنه. # وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه: # PageV04P169 # (غسان) قوم جبلة بن ms1680 الأيهم، نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد ~~إسلامه والجمهور: على أنه مات على ردته وقيل: إنه أسلم. # وروى الواقدي: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أحبار الشام- لما لحق بهم- ~~كتابا فيه: أن جبلة ورد إلي في سراة قومه، فأسلم فأكرمته. ثم سار إلى مكة ~~فطاف فوطئ إزاره رجل من بني فزارة، فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه. ~~(وقيل: قلع عينه، ويدل له ما سيأتي) فاستعدى الفزاري على جبلة إلي. فحكمت ~~إما بالعفو أو بالقصاص. فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقلت: شملك ~~وإياه الإسلام. # فما تفضله إلا بالعافية. # فسأل جبلة التأخير إلى الغد. فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق ~~بالشام مرتدا. # وروي أنه ندم على ما فعل وأنشد: # تنصرت بعد الحق عارا للطمة ... ولم يك فيها، لو صبرت لها، ضرر # فأدركني فيها لجاج حمية ... فبعث لها العين الصحيحة بالعور # فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... صبرت على القول الذي قاله عمر # هذا ما في (الكشاف) و (العناية) . # وقال الخطابي أهل الردة كانوا صنفين: صنفا ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة ~~وعدلوا إلى الكفر. وهذه الفرقة طائفتان: (إحداهما) أصحاب مسيلمة الكذاب من ~~بني حنيفة وغيرهم الذي صدقوه على دعواه في النبوة، أصحاب الأسود العنسي ومن ~~استجابه من أهل اليمن. وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. مدعية النبوة لغيره. فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة، ~~والعنسي بصنعاء. # وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم. و (الطائفة الأخرى) ارتدوا عن الدين. فأنكروا ~~الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغير هما من أمور الدين، وعادوا إلى ما ~~كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: ~~مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس. # قال والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة، فأنكروا ~~وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء، على الحقيقة، أهل البغي وإنما لم ~~يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصا، لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف ~~الاسم في # PageV04P170 # الجملة إلى أهل ms1681 الردة، إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما. # انظر تتمة هذا المبحث في (نيل الأوطار) في كتاب الزكاة. # قال الشوكاني: فأما مانعوا الزكاة منهم، المقيمون على أصل الدين، فإنهم ~~أهل بغي. ولم يسموا على الانفراد كفارا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم ~~لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الردة اسم ~~لغوي. فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه، فقد ارتد عنه. وقد وجد من هؤلاء ~~القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق. وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح، وعلق ~~بهم الاسم القبيح، لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا. # الثانية: قوله تعالى: يحبهم ويحبونه. # مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى. أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا ~~تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها. كما تقدم في الفاتحة في ~~الرحمن الرحيم. # فتأويل مثل الزمخشري لها- بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم ~~والثناء عليهم والرضا عنهم- تفسير باللازم، منزع كلامي لا سلفي. وقد أنكر ~~الزمخشري أيضا كون محبة العباد لله حقيقية، وفسرها بالطاعة وابتغاء ~~المرضاة. فرده صاحب (الانتصاف) بأنه خلاف الظاهر. وهو من المجاز الذي يسمى ~~فيه المسبب باسم السبب، والمجاز الذي لا يعدل إليه عن الحقيقة، إلا بعد ~~تعذرها، فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد، لينظر: أهي ثابتة للعبد متعلقة ~~بالله تعالى أم لا؟ إذ المحبة، لغة، ميل المتصف بها إلى أمر ملذ. واللذات ~~الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك بالحسن: كلذة الذوق في المطعوم، ولذة ~~النظر واللمس في الصور المستحسنة، ولذة الشم في الروائح العطرة، ولذة السمع ~~في النغمات الحسنة، وإلى لذة تدرك بالعقل: كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما ~~يجري مجراها. فقد ثبت أن في اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا ~~العقل دون الحس، ثم تتفاوت المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها، وإذا ~~تفاوتت المحبة بحسب تفاوت البواعث. # فلذات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، فليس معلوم أكمل ولا ~~أجمل من المعبود الحق. فاللذة الحاصلة في معرفته تعالى، ومعرفة جلاله ~~وكماله، تكون أعظم. والمحبة المنبعثة عنها ms1682 تكون أمكن، وإذا حصلت هذه المحبة ~~بعثت على الطاعات والموافقات. فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد ممكنة، بل ~~واقعة من كل # PageV04P171 # مؤمن، فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت ~~إيمانهم، وإذا كان كذلك، وجب تفسير محبة العبد لله بمعناها الحقيقي لغة، ~~وكانت الطاعة والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها. ألا ترى إلى الأعرابي ~~الذي سأل عن الساعة؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير ~~عمل. # ولكن حب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: أنت مع من أحببت. # فهذا الحديث ناطق بأن المفهوم من المحبة لله غير الأعمال والتزام ~~الطاعات، لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب، وأقره عليه الصلاة والسلام على ~~ذلك. ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة، فالمحبة في ~~اللغة. إذا تأكدت سميت عشقا، فمن تأكدت محبته لله تعالى، وظهرت آثار تأكدها ~~عليه من استيعاب الأوقات في ذكره وطاعته- فلا تمنع أن تسمى محبته عشقا، إذ ~~العشق ليس إلا المحبة البالغة. # انتهى. # الثالث: قوله تعالى: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. # قال ابن كثير: هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ~~ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] . # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: أذلة للمؤمنين؟ قلت فيه وجهان: # (أحدهما) أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه ~~التذلل والتواضع. و (الثاني) أنهم- مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على ~~المؤمنين- خافضون لهم أجنحتهم. وقرئ (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال. # وفي (الحواشي) : أن قوله تعالى: أعزة على الكافرين تكميل. لأنه لما وصفهم ~~بالتذلل، ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة. فقال: ومع ذلك هم أعزة على ~~الكافرين، كقوله: # جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم بهم خفوف # واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين والشدة على الكفار. # الرابعة: قوله تعالى: ولا يخافون لومة لائم. # قال الزمخشري: يحتمل أن تكون (الواو) للحال على معنى: ms1683 أنهم يجاهدون، ~~وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود. فإذا ~~خرجوا # PageV04P172 # في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه ~~يلحقهم فيه لوم من جهتهم وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون ~~لومة لائم قط. وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله. ~~وأنهم صلاب في دينهم. إذا شرعوا في أمر من أمور الدين- إنكار منكر أو أمر ~~بمعروف- مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ~~ولا لومة لائم. # يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. و (اللومة) المرة من اللوم. ~~وفيها وفي التنكير مبالغتان. كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من ~~اللوام. انتهى. # وفيه وجوب التمسك بالحق وإن لامه لائم. وإنه مع تمسكه به صيره محلة أعلى ~~ممن تمسك به من غير لوم. لأنه تعالى مدح من هذا حاله. وفيه أيضا، أن خوف ~~الملامة ليس عذرا في ترك أمر شرعي. # روى الإمام أحمد «1» عن أبي ذر قال: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم ~~بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا ~~أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل ~~أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله ~~لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإنهن كنز من ~~تحت العرش. # وروى الإمام أحمد «2» أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ألا، لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو ~~شهده. فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم. # وروى أيضا عنه «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحقرن ~~أحدكم نفسه، أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه. فيقال له يوم القيامة: ~~ما منعك أن تكون قلت ms1684 في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن ~~تخاف. # وروى الشيخان «4» عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على PageV04P173 # السمع والطاعة في المنشط والمكره. وأن لا ننازع الأمر أهله. وأن نقول ~~بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. # الخامسة: قوله تعالى ذلك فضل الله. # الإشارة إلى ما ذكر من حب الله إياهم، وحبهم لله وذلتهم للمؤمنين، وعزتهم ~~على الكافرين، وجهادهم في سبيل الله، وعدم مبالاتهم للوم اللوام. فالمذكور ~~كله فضل الله الذي فضل به أولياءه. # قال المهايمي: أما المحبتان فظاهر. وكذا العزة على الكفار والجهاد. وأما ~~الذلة على المؤمنين فلأنه تواضع موجب للرفع. وأما عدم خوف الملامة فلما فيه ~~من تحقيق المودة مع الله. # وقوله تعالى: يؤتيه من يشاء أي: ممن يريد به مزيد إكرام من سعة جوده، ~~والله واسع أي: كثير الفواضل، جل جلاله. # ولما نهى عن موالاة اليهود والنصارى، أشار إلى من يتعين للموالاة، فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 55] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) # إنما وليكم الله المفيض عليكم كل خير ورسوله الذي هو واسطة الفيض والذين ~~آمنوا المعينون في موالاة الله ورسوله بأفعالهم، لأنهم الذين يقيمون الصلاة ~~التي هي أجمع العبادات البدنية ويؤتون الزكاة القاطعة محبة المال الجالب ~~للشهوات وهم راكعون حال من فاعل الفعلين، أي: يعملون ما ذكر- من إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة- وهم خاشعون ومتواضعون لله ومتذللون غير معجبين. فإن ~~رؤيتهم تؤثر فيمن يواليهم بالعون في موالاة الله ورسوله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 56] # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فيعينهم وينصرهم فإن حزب الله هم ~~الغالبون في العاقبة على أعدائه. # PageV04P174 ### | تنبيهات: # الأول: إنما أفرد (الولي) ولم يجمع، مع أنه متعدد، للإيذان بأن الولاية ~~لله أصل، ولغيره تبع لولايته عز وجل. فالتقدير: وكذلك رسوله والذين آمنوا. # الثاني: ثمرة هذه الآية تأكيد ms1685 موالاة المؤمنين والبعد عن موالاة الكفار. # الثالث: قال ابن كثير: توهم بعض الناس أن هذه الجملة- يعني قوله تعالى ~~وهم راكعون- في موضع الحال من قوله ويؤتون الزكاة أي في ركوعهم. # ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ~~ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمهم من أئمة الفتوى. ~~وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب، أن هذه الآية نزلت فيه: ~~إنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه. ثم روى ابن كثير الأثر المذكور ~~عن ابن أبي حاتم وابن جرير «1» وعبد الرزاق وابن مردويه، ثم قال: وليس يصح ~~شيء منها بالكلية. لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.. انتهى. # وقد اقتص ذلك الخفاجي في (حواشي البيضاوي) عن الحاكم وغيره بطول. # ثم أنشد أبياتا لحسان بن ثابت فيها. ولوائح الضعف بل الوضع لا تخفى ~~عليها. لا سيما ونفس حسان بن ثابت، العريق في العربية، بعيد مما نسب إليه. ~~وأي حاجة للتنويه بفضل علي عليه السلام بمثل هذه الواهيات. وفضله أشهر من ~~نار على علم. # قال البغوي «2» : روي عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر، محمد ~~ابن علي الباقر عن هذه الآية إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا من هم؟ ~~فقال: # المؤمنون. فقلت: إن ناسا يقولون هو علي. فقال: علي من الذين آمنوا. # قال ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها، أن هذه الآية كلها ~~نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه، حين تبرأ من حلف يهود، ورضي بولاية ~~الله ورسوله والمؤمنين، الرابع: ذهب من رأى أن هذه الآية نزلت في علي عليه ~~السلام وأنه تصدق بخاتمه وهو راكع- كما قدمنا- إلى أن العمل القليل في ~~الصلاة لا يبطلها، وإن صدقة النفل تسمى زكاة. نقله السيوطي في (الإكليل) عن ~~ابن الفرس. # وقال بعض الزيدية: ثمرة الآية تأكيد موالاة المؤمنين، وبيان فضل من نزلت ~~PageV04P175 # فيه، وأنه يجوز إخراج الزكاة في الصلاة، وتنوي. وكذا نية الصيام في ~~الصلاة تصح. # وإن الفعل ms1686 القليل لا يفسد الصلاة. قال: وهذا مأخوذ من سبب نزولها، لا من ~~لفظها. # ومتى قيل إن عليا عليه السلام لم تجب عليه زكاة؟ قلنا: إذا صح ما ذكر ~~أنها نزلت فيه، كان أولى بالصحة، وأنها قد وجبت عليه. # قال في (الغياضة) : إن قيل: قد روي أنه كان من ذهب، والذهب محرم على ~~الرجال أجيب بأن ذلك كان في صدر الإسلام ثم نسخ، أو أن هذا من خواص علي ~~عليه السلام. انتهى. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه، واللفظ لفظ ~~جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلا واحدا، ليرغب ~~الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه. ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن ~~تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء. حتى إن ~~لزهم أمر لا يقبل التأخير- وهم في الصلاة- لم يؤخروه إلى الفراغ منها. ~~انتهى. # وإنما أوردنا هذا، على علاته، تعجيبا من غرائب الاستنباط. وقد توسع ~~الرازي، عليه الرحمة، في المناقشة مع الشيعة هنا، فليراجع فإنه بحث بديع. # الخامس: قوله تعالى: فإن حزب الله هم الغالبون معناه: فإنهم هم الغالبون. # فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى (من) دلالة على علة الغلبة. وهو أنهم ~~حزب الله. فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله. وحزب الله هم الغالبون. ~~وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الاسم. وتعريضا لمن يوالي ~~غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل (الحزب) القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وقيل: ~~الحزب جماعة فيهم شدة. فهو أخص من الجماعة والقوم. # ثم أشار تعالى إلى أن موالاة غيرهم، إن كانت لجر نفع، فضررها أعظم. وإن ~~كانت لدفع ضرر، فالضرر الحاصل بها لا يفي بالمدفع، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 57] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) # يا أيها الذين آمنوا أي: مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم ms1687 لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم أي: الذي هو رأس مال كمالاتكم، الذي به انتظام معاشكم # PageV04P176 # ومعادكم، وهو مناط سعاداتكم الأبدية، وسبب قربكم من ربكم هزوا أي: شيئا ~~مستخفا ولعبا أي: سخرية وضحكا، مبالغة في الاستخفاف به حتى لعبوا بعقول ~~أهله. ثم بين المستهزئين وفصلهم بقوله تعالى: من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم والكفار قرئ بالنصب والجر، يعني المشركين كما في قراءة ابن مسعود ~~(ومن الذين أشركوا) أولياء في العون والنصرة. وإنما رتب النهي على وصف ~~اتخاذهم الدين هزوا ولعبا. تنبيها على العلة، وإيذانا بأن من هذا شأنه، ~~جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة. فكيف بالموالاة؟ واتقوا الله أي: في ذلك، ~~بترك موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق. فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا ~~أوليا إن كنتم مؤمنين أي: حقا، فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة. # ثم بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، بعد استهزائهم بالدين على ~~الإطلاق، إظهارا لكمال شقاوتهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 58] # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) # وإذا ناديتم إلى الصلاة أي: دعوتم إليها بالأذان اتخذوها أي: الصلاة أو ~~المناداة هزوا ولعبا بأن يستهزءوا بها ويتضاحكوا ذلك أي الاتخاذ بأنهم أي ~~بسبب أنهم قوم لا يعقلون أي: معاني عبادة الله، فإن السفه يؤدي إلى الجهل ~~بمحاسن الحق والهزء به، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترءوا على تلك ~~العظيمة. فإن الصلاة أكمل القربات، وفي النداء معان شريفة من تعظيم الله ~~باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته، ~~وباعتبار عدم مغايرة أسمائه وصفاته، ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح ~~المعاش والمعاد، ومن الصلاة من حيث هي وصلة ما بين العبد وبين الله، ومن ~~حيث إفادتها معالي الدرجات، ومن تعظيم مقصده وهو الفلاح في الظاهر والباطن، ~~وما هو غاية مقصده من القرب من الله باعتبار عظمة ظاهره وباطنه، ومن الوصول ~~إلى توحيده الحقيقي. # أفاده المهايمي. ### | تنبيهات: # الأول: في آثار رويت في هذه الآية: ms1688 # روى أبو الشيخ ابن حبان عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، ~~وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادهما. # PageV04P177 # فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا.. الآية. # وروى ابن جرير «1» وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قال: كان رجل من النصارى بالمدينة، إذا سمع ~~المنادي ينادي: # أشهد أن محمدا رسول الله. قال: حرق الكاذب. فدخلت خادمه ليلة من الليالي ~~بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. # وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في (السيرة) : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن. وأبو سفيان بن حرب ~~وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة. فقال عتاب بن أسيد: لقد ~~أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن ~~هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا. ~~لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~قد علمت الذي قلتم. ثم ذكر ذلك لهم. # فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله. والله! ما اطلع على هذا أحد كان ~~معنا، فنقول أخبرك. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الله بن محيريز- وكان يتيما في حجر أبي ~~محذورة- قال: قلت لأبي محذورة: يا عم! إني خارج إلى الشام. وأخشى أن أسأل ~~عن تأذينك. فأخبرني أن أبا محذور قال له: نعم! خرجت في نفر فكنا ببعض طريق ~~حنين، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فلقينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ببعض الطريق. فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن ~~متنكبون. فصرخنا نحكيه ونستهزئ به. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصوت فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه. فقال رسول ms1689 الله صلى الله عليه ~~وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ # فأشار القوم كلهم إلي. وصدقوا. فأرسل كلهم وحبسني فقال: قم فأذن. فقمت، ~~ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فألقى إلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم التأذين هو نفسه فقال: قل: الله أكبر، الله أكبر. # أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول ~~الله. أشهد أن محمدا رسول الله. ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك. ثم قال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول ~~الله، أشهد أن محمدا رسول PageV04P178 # الله. حي علي الصلاة، حي علي الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله ~~أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم عادني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة ~~فيها شيء من فضة. ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة. ثم أمرها على وجهه ~~مرتين. ثم مرتين على يديه. ثم على كبده. ثم بلغت يد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سرة أبي محذورة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله ~~فيك. فقلت: يا رسول الله! مرني بالتأذين بمكة. # فقال: قد أمرتك به. وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقدمت على عتاب ~~بن أسيد، عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثاني: دلت الآية على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار. والمراد به ~~في أمر الدين، كما تقدم. # الثالث: دلت على أن الهزء بالدين كفر، وأن هزله كجده. # قال في (الإكليل) : الآية أصل في تكفير المستهزئ بشيء من الشريعة. # الرابع: دلت على أن للصلاة نداء وهو الأذان، فهي أصل فيه. # قال الزمخشري: قيل: فيه دليل على ms1690 ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام ~~وحده. ولما نهى تعالى عن تولي المستهزئين، أمر أن يخاطبوا بأن الدين منزه ~~عما يصحح صدور ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويظهر لهم سبب ما ارتكبوا ويلقموا ~~الحجر، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 59] # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # قل يا أهل الكتاب وصفوا بذلك تمهيدا لتبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم، ~~أي: يا أصحاب الكتاب، العالمين بالنقائص والكمالات، التي يستحق على تحققها ~~وفقدها الاستهزاء هل تنقمون منا أي: ما تعيبون وتنكرون منا إلا أن آمنا ~~بالله وهو رأس الكمالات وما أنزل إلينا وهو أصل الاعتقادات والأعمال ~~والأخلاق وما أنزل من قبل وهو يشهد لما أنزل إلينا وأن أكثركم فاسقون أي: # متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر. ### | لطائف: # الأولى: إنما فسر (تنقمون) ب (تعيبون) و (تنكرون) لأن النقمة معناها # PageV04P179 # الإنكار باللسان أو بالعقوبة- كما قاله الراغب- لأنه لا يعاقب إلا على ~~المنكر فيكون على حد قوله: # ونشتم بالأفعال لا بالتكلم # فلذا حسن (انتقم منه) مطاوعه، بمعنى عاقبه وجازاه، وإلا فكيف يخالف ~~المطاوع أصله؟ فافهم. و (نقم) ورد كعلم يعلم وضرب يضرب، وهي الفصحى، ويعدى ~~ب (من) و (على) . وقال أبو حيان: أصله أن يتعدى ب (على) . ثم (افتعل) ~~المبني منه، يعدى ب (من) لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه، وهنا (فعل) بمعنى ~~(افتعل) . كذا في (العناية) . # الثانية: في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس، حيث ~~جعلوا الإيمان بما ذكر، موجبا لنقمه، مع كونه في نفسه موجبا لقبوله ~~وارتضائه. # فمعنى الآية: ليس شيء ينقم من المؤمنين. فلا موجب للاستهزاء. وهذا مما ~~تقصد العرب في مثله، تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء، وذلك الشيء لا ~~يقتضي إثباته، فهو منتف أبدا. ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح ~~بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأول نحو: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ومن الثاني هذه ms1691 الآية وشبهها. أي: ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلا هذا، ~~وهذا لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا، فليس شيء ينقمونه، فينبغي أن يؤمنوا به ~~ولا يكفروا. # وفيه أيضا التعريض بكفرهم، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. # الثالث: إسناد الفسق إلى أكثرهم، لأن من قال منهم ما قال، وحمل غيره على ~~العناد، طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة، إنما هو أكثرهم، ولئلا يظن أن من ~~آمن منهم داخل في ذلك. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 60] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) # قل هل أنبئكم بشر من ذلك المخاطب بكاف الجمع أهل الكتاب المتقدم ذكرهم، ~~أو الكفار مطلقا، أو المؤمنون. والمشار إليه الأكثر الفاسقون. وتوحيد اسم # PageV04P180 # الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. وفي ~~الكلام مقدر أي: بشر من حال هؤلاء. وقيل: المشار إليه المتقدمون الذين هم ~~أهل الكتاب، يعني أن السلف شر من الخلف. وجعله الزمخشري إشارة إلى المنقوم. # وقد جود في إيضاحه العلامة أبو السعود بقوله: لما أمر عليه الصلاة ~~والسلام بإلزامهم وتبكيتهم، ببيان أن مدار نقمهم للدين إنما هو اشتماله على ~~من يوجب ارتضاءه عنهم أيضا، وكفرهم بما هو مسلم لهم- أمر عليه الصلاة ~~والسلام عقيبه بأن يبكتهم ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة، ما هم عليه ~~من الدين المحرف. # وينعى عليهم في ضمن البيان جناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها، ~~على منهاج التعريض. لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة ~~والعناد. # ويخاطبهم قبل البيان بما ينبئ عن عظم شأن المبين، ويستدعي إقبالهم على ~~تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به، والتنبئة المشعرة ~~بكونه أمر خطيرا، لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر. وحيث كان مناط ~~النقم شرية المنقوم حقيقة أو اعتقادا، وكان مجرد النقم غير مقيد لشريته ~~البتة، قيل (بشر من ذلك) ولم ms1692 يقل: بأنقم من ذلك، تحقيقا لشرية ما سيذكر ~~وزيادة تقرير لها. وقيل: إنما قيل ذلك، لوقوعه في عبارة المخاطبين، حيث أتى ~~نفر من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه # فقال عليه الصلاة والسلام: «أومن بالله وما أنزل إلينا» ..- إلى قوله- ~~ونحن له مسلمون. # فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام، قالوا: لا نعلم شرا من دينكم. وإنما ~~اعتبر الشرية بالنسبة إلى الدين- وهو منزه عن شائبة الشرية بالكلية- مجاراة ~~معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شريته، ليثبت أن دينهم شر من كل ~~شر. أي: هل أخبركم بما هو شر في الحقيقة مما تعتقدونه شرا، وإن كان في نفسه ~~خيرا محضا؟ انتهى. # وقوله: مثوبة عند الله أي جزاء ثابتا عند الله. قال الراغب: الثواب ما ~~رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله. سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه، كقوله ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] ، ولم يقل: ير جزاءه. والثواب ~~يقال في الخير ولا شر، لكن الأكثر المتعارف في الخير. وكذا المثوبة، وهي ~~مصدر ميمي بمعناه. # وعلى اختصاصها بالخير استعملت هنا في العقوبة على طريقة: # تحية بينهم ضرب وجيع # في التهكم. ونصبها على التمييز من (بشر) وقوله تعالى: من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير بدل من # PageV04P181 # شر على حذف مضاف، أي: بشر من أهل ذلك من لعنه الله، أو بشر من ذلك دين من ~~لعنه الله، أو خبر محذوف. أي: هو من لعنه الله وهم اليهود، أبعدهم الله من ~~رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم ~~قردة وخنازير، وهم أصحاب السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة وعبد ~~الطاغوت عطف على صلة (من) والمراد من الطاغوت: العجل، أو الكهنة وكل من ~~أطاعوه في معصية الله تعالى أولئك أي: الملعونون الممسوخون شر مكانا إثبات ~~الشرارة للمكان كناية عن إثباتها لأهله، كقولهم: (سلام على المجلس العالي) ~~و (المجد بين برديه) كأن شرهم أثر في مكانهم أو عظم حتى صار متجسما! وقيل: ~~المراد ms1693 بالمكان محل الكون والقرار الذي يؤول أمرهم إلى التمكن فيه، كقوله: ~~شر مكانا [الفرقان: 34] ، وهو مصيرهم، يعني جهنم. # وأضل عن سواء السبيل أي: أكثر ضلالا عن الصراط المستقيم. # ثم بين تعالى علامات كمال شرهم وضلالهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 61] # وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون (61) # وإذا جاؤكم يعني سفلة اليهود، ويقال: المنافقون: قالوا آمنا أي: # بك ونعتك، أنه في كتابنا وقد دخلوا إليكم متلبسين بالكفر بكفر السر وهم ~~قد خرجوا أي: من عندكم متلبسين به أي: بكفر السر، فهم مستمرون عليه والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون أي من الكفر، وفيه وعيد لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 62] # وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون (62) # وترى كثيرا منهم أي اليهود يسارعون في الإثم أي: الحرام، كالكذب والعصيان ~~من غير مبالاة من الله ولا من الناس والعدوان أي: الظلم والاعتداء على ~~الناس وأكلهم السحت أي الحرام كالرشا. وخصه بالذكر مع اندراجه في الإثم ~~للمبالغة في التقبيح، وفيه دلالة على تحريم الرشا، لأن ذلك ورد في كبرائهم ~~أنهم يسترشون في تغيير الحكم لبئس ما كانوا يعملون مما ذكر. # PageV04P182 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 63] # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون (63) # لولا أي هلا ينهاهم الربانيون أي: الزهاد منهم والعباد والأحبار أي ~~العلماء عن قولهم الإثم أي الكذب وأكلهم السحت أي الرشوة، المفسدة أمر ~~العالم كله لبئس ما كانوا يصنعون من ترهبهم وتعلمهم لغير دين الله. أو من ~~تركهم نهيهم. وهذا الذم المقول فيهم، أبلغ مما قيل في حق عامتهم. أولا: ~~لأنه لما عبر عن الواقع المذموم من مرتكبي المناكير بالعمل في قوله: لبئس ~~ما كانوا يعملون، وعبر عن ترك الإنكار عليهم حيث ذمه بالصناعة في قوله: ~~لبئس ما كانوا يصنعون- كان هذا الذم أشد. لأنه جعل المذموم عليه صناعة ms1694 لهم ~~وللرؤساء، وحرفة لازمة، هم فيها أمكن من أصحاب المناكير في أعمالهم. # وهذا معنى قول الزمخشري: كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير، لأن كل ~~عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة، حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب ~~إليه. وكأن المعنى في ذلك، أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها ~~وتحمله على ارتكابها. وأما الذي ينهاه، فلا شهوة معه في فعل غيره. فإذا فرط ~~في الإنكار كان أشد حالا من المواقع. ثم قال الزمخشري: ولعمري! إن هذه ~~الآية مما يقذ السامع وينعى على العلماء توانيهم. انتهى: # وفي (الإكليل) : في هذه الآية وجوب النهى عن المنكر على العلماء، اختصاص ~~ذلك بهم. # وقال البيضاوي: فيها تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإن (لولا) إذا ~~دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض. # روى ابن جرير «1» عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه ~~الآية. # وقال الضحاك «2» : ما في القرآن آية أخوف عندي منها. PageV04P183 # وروى ابن أبي حاتم عن يحيي بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ~~ينههم الربانيون والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف ~~وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا. # وروى الإمام أحمد «1» عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع. ولم يغيروا، ~~إلا أصابهم الله منه بعذاب. # ولفظ أبي داود «2» عنه، مرفوعا: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم ~~بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا، إلا أصابهم الله بعذاب ~~قبل أن يموتوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 64] # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ms1695 ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) # وقالت اليهود يد الله مغلولة أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال: # قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فنزلت. # وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه: نزلت في فنحاص، رأس يهود قينقاع، وتقدم ~~أنه الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء. فضربه أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه. # فيكون أريد بالآية هنا، ما حكى عنه بقوله المذكور. والله أعلم. # ولما لم ينكر على القائل قومه ورضوا به، نسبت تلك العظيمة إلى الكل، كما ~~يقال: بنو فلان قتلوا فلانا. وإنما القاتل واحد منهم. و (غل اليد وبسطها) : ~~مجاز PageV04P184 # مشهور عن البخل والجود. ومنه قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29] ، قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر ~~الأعمال. # لا سيما لدفع المال ولإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب. وأسندوا ~~الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف. ~~مبسوط اليد، وسبط البنان نزه الأنامل. ويقال للبخيل: كز الأصابع، مقبوض ~~الكف، جعد الأنامل. # وقوله تعالى: غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل أو بالفقر والمسكنة، أو بغل ~~الأيدي حقيقة. يغلون أي: تشد أيديهم إلى أعناقهم أسارى في الدنيا ومسحوبين ~~إلى النار في الآخرة ولعنوا أي: أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة بما ~~قالوا من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق الله حقيقة ولا مجازا بل يداه ~~مبسوطتان أي: بأنواع العطايا المختلفة. وثنى (اليد) مبالغة في الرد ونفي ~~البخل عنه تعالى، وإثباتا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن ~~يعطيه بيديه ينفق كيف يشاء تأكيد لما قبله، منبه على أن إنفاقه تابع ~~لمشيئته، المبنية على الحكم، التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد. ### | وهاهنا مباحث # الأول: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه- من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة ms1696 له ~~تعالى- فإنه نزعة كلامية اعتزالية. # قال الإمام ابن عبد البر في (شرح الموطأ) : أهل السنة مجمعون على الإقرار ~~بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة ~~لا على المجاز. إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. ~~وأما أهل البدع، الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكروها ولا يحمل ~~شيئا منها على الحقيقة. ويزعم أن من أقر بها شبه. وهم عند من أقر بها نافون ~~للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله. وهم ~~أئمة الجماعة. # وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) : لا يجوز رد هذه الأخبار ~~ولا التشاغل بتأويلها. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه ~~بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها ثم قال: ويدل على ~~إبطال التأويل، أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها ولم ~~يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، ولو كان التأويل سائغا لكانوا إليه ~~أسبق. لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة. # PageV04P185 # وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في كتاب (الإبانة) في باب ~~(الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين) وذكر الآيات في ذلك. ورد على ~~المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته. مثل قوله: # فإن سئلنا: أتقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله يد الله ~~فوق أيديهم [الفتح: 10] وقوله تعالى: لما خلقت بيدي [ص: 75] # وروي «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ان الله مسح ظهر آدم بيده ~~فاستخرج منه ذرية # وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله خلق آدم ~~بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده. # وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت ~~كذا بيدي، ويعني به النعمة. وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري ~~في مفهومها في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل ms1697 اللسان ~~أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به النعمة- بطل أن يكون معنى قوله عز وجل ~~بيدي النعمة. وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه. # وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب (الإبانة) له: # فإن قال: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له: ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام [الرحمن: 27] ، وقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي فأثبت لنفسه وجها ويدا: فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة ~~إذ كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب- إذا ~~لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما- أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ~~سبحانه. # وقال الشيخ تقي الدين في (الرسالة المدنية) PageV04P186 # مذهب أهل الحديث- وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف- ~~أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن. بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى ~~تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف- ~~منهم الخطابي- مذهب السلف أنها تجري على ظاهره مع نفي الكيفية والتشبيه ~~عنها. وذلك، أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذي حذوه ويتبع ~~فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية. # فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.. انتهى. # ويرحم الله الإمام يحيى الصرصري الأنصاري حيث يقول من قصيدة: # إن المقال بالاعتزال لخطة ... عمياء حل بها الغواة المرد # هجموا على سبل الهدى بعقولهم ... ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا # صم، إذا ذكر الحديث لديهم ... نفروا، كأن لم يسمعوه، وغردوا # واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت ... أسد العرين فهن منهم شرد # إلى أن قال: # يدعو من اتبع الحديث مشبها ... هيهات ليس مشبها من يسند # لكنه يروي الحديث كما أتى ... من غير تأويل ولا يتأود # الثاني: # روى الإمام «1» أحمد والشيخان «2» في معنى الآية عن أبي هريرة قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة. ~~سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، ms1698 فإنه لم يغض ~~ما في يمينه. وكان عرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض- أو القبض- يرفع ~~ويخفض وقال: يقول الله تعالى: # أنفق أنفق عليك. # الثالث: في هذه الآية دلالة على جواز لعن اليهود، ولا إشكال أن ذلك جائز. # الرابع: هذه الآية أصل في تكفير من صدر منه، في جناب البارئ تعالى، ما ~~يؤذن بنقص. PageV04P187 # وقوله تعالى: وليزيدن كثيرا منهم أي من اليهود ما أنزل إليك من ربك من ~~جوامع الخيرات طغيانا أي: عدوانا على الناس، أو تماديا في الجحود وكفرا أي: ~~في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أولا. وهذا من إضافة ~~الفعل إلى السبب. أي: يزدادون طغيانا وكفرا بما أنزل، كما قال: # فزادتهم رجسا إلى رجسهم. [التوبة: 125] . # قال الحافظ ابن كثير: أي يكون ما آتاك الله، يا محمد، من النعمة نقمة في ~~حق أعدائك من اليهود وأشباههم. فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا ~~وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك، طغيانا- وهو المبالغة ~~والمجاوزة للحد في الأشياء- وكفرا أي تكذيبا. كما قال تعالى: قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى [فصلت: # 44] ، وقال تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا [الإسراء: 82] . # وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فكلمتهم أبدا مختلفة ~~وقلوبهم شتى، لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد. # وقد ذكر الشهرستاني أنهم افترقوا نيفا وسبعين فرقة. ولما قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة، كان اليهود ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع ~~وبني النضير وبني قريظة. وبسط ما جرياتهم، وهدية صلى الله عليه وسلم في ~~شأنهم، مبسوط في (زاد المعاد) لابن القيم. فراجعه. # قال الرازي: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه تعالى بين أنهم ~~إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد ولأجل حب الجاه ~~والتبع والمال والسيادة. ثم إنه تعالى بين أنهم، لما رجحوا الدنيا على ~~الآخرة، لا جرم أن الله تعالى، كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم ms1699 سعادة ~~الدنيا، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته. يبالغ في نصرته ~~ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات. تعظما لنفسه وترويجا لمذهبه. ~~فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه ~~إلى أن بعضهم يكفر بعضا، ويغزو بعضهم بعضا. # وفي الآية وجهان: (أحدهما) ما بين اليهود والنصارى، لأنه جرى ذكرهم في ~~قوله تعالى: لا تتخذوا اليهود والنصارى [المائدة: 51] . وهو قول الحسن # PageV04P188 # ومجاهد. لأنهم المحدث عنهم في قوله تعالى: وقالت اليهود. و (الثاني) ما ~~بين فرق اليهود خاصة. # أقول: وهو الظاهر. فإن قلت: فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين، ~~فكيف يكون ذلك عيبا على الكتابيين حتى يذموا به؟ قلت: بدعة التفرق التي ~~حصلت في المسلمين، إنما حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر ~~الصحابة والتابعين. # أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم فحسن جعل ذلك عيبا ~~على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن. # كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله أي: كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وإثارة شر عليه، ردهم الله سبحانه وتعالى، بأن أوقع بينهم ~~منازعة كف بها عنه شرهم، أو: كلما أرادوا حرب أحد، غلبوا وقهروا ولم يقم ~~لهم نصر من الله تعالى على أحد قط. فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب، ~~لأنه كان عادتهم ذلك. ونيران العرب مشهورة، منها هذه. وإطفاء النار على ~~الأول عبارة عن دفع شرهم، وعلى الثاني غلبتهم. و (للحرب) إما صلة ل ~~(أوقدوا) ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة (نارا) أي: # كائنة للحرب. وو يسعون في الأرض فسادا أي: للفساد أو مفسدين، أي: يجتهدون ~~في الكيد للإسلام وأهله وتعويق الناس عنه وإثارة الفتن والله لا يحب ~~المفسدين أي: من كان الإفساد صفته. و (اللام) إما للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا، أو للعهد، ووضع المظهر موضع المضمر للتعليل، وبيان كونهم ~~راسخين في الإفساد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 65] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا ms1700 واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) # ولو أن أهل الكتاب أي: مع ما عددنا من سيئاتهم آمنوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبما جاء به واتقوا مباشرة الكبائر لكفرنا عنهم سيئاتهم أي ~~ذنوبهم ولأدخلناهم جنات النعيم في الآخرة مع المسلمين. وفيه إعلام بعظم ~~معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى ~~وفتحه باب التوبة على كل عاص، وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود ~~والنصارى، وأن الإسلام يجب ما قبله وإن جل. وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما ~~لم يسلم. # قال الزمخشري: وفيه أن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعا بالتقوى، كما ~~قال الحسن: هذا العمود، فأين الأطناب؟ انتهى. # PageV04P189 # قال ناصر الدين في (الانتصاف) : هو ينتهز الفرصة من ظاهر هذه الآية ~~فيجعله دليلا على قاعدته، في أن مجرد الإيمان لا ينجي من الخلود في النار، ~~حتى ينضاف إليه التقوى. لأن الله تعالى جعل المجموع في هذه الآية شرطا ~~للتكفير ولإدخال الجنة. وظاهره أنهما ما لم يجتمعا لا يوجد تكفير ولا دخول ~~الجنة. وأنى له ذلك؟ # والإجماع والاتفاق من الفريقين- أهل السنة والجماعة، والمعتزلة- على أن ~~مجرد الإيمان يجب ما قبله ويمحوه كما ورد النص. فلو فرضنا موت الداخل في ~~الإيمان عقيب دخوله فيه، لكان كيوم ولدته أمه- باتفاق- مكفر الخطايا محكوما ~~له بالجنة. فدل ذلك على أن اجتماع الأمرين ليس بشرط، هذا إن كان المراد ~~بالتقوى الأعمال. وإن كانت التقوى- على أصل موضعها- الخوف من الله عز وجل، ~~فهذا المعنى ثابت لكل مؤمن وإن قارف الكبائر، وحينئذ لا يتم للزمخشري منه ~~غرض. # وما هذا إلا إلحاح ولجاج في مخالفة المعتقد المستفاد من # قوله «1» عليه الصلاة والسلام: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن ~~زنى أو سرق. كررها النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ثم قال: وإن رغم أنف ~~أبي ذر. لما راجعه رضي الله في ذلك، ونحن نقول: وإن رغم أنف القدرية # . انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 66] # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما ms1701 أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل أي: أقاموا أحكامهما وحدودهما وما ~~فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأصل الإقامة الثبات في ~~المكان. ثم استعير إقامة الشيء لتوفية حقه وما أنزل إليهم من ربهم أي: ~~بينوا ما بين لهم ربهم في التوراة والإنجيل. ويقال: أقروا بجملة الكتب ~~والرسل من ربهم، ويقال: هو القرآن: PageV04P190 # لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم لوسع عليهم أرزاقهم، بأن يفيض عليهم ~~بركات من السماء والأرض، ويكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع، أو يرزقهم الجنان ~~اليانعة الثمار، فيجتنونها من رأس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض. ~~وجعل (من فوقهم ومن تحت أرجلهم) بمعنى الأمطار والأنهار التي تحصل بها ~~أقواتهم- بعيد من الأكل. والأقرب الوجوه الثلاثة المتقدمة. ونبه تعالي بذلك ~~على أن ما أصابهم من الضنك والضيق، إنما هو بشؤم معاصيهم. وكفرهم، لا لقصور ~~في فيض الكريم، تعالى. ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة ~~الرزق، وهو كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات ~~من السماء والأرض [الأعراف: 96] . ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب [الطلاق: 2- 3] . فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا.. الآيات. ~~[نوح: 10] . # وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [الجن: 16] . # روى الإمام «1» أحمد عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا فقال: # وذاك عند ذهاب العلم قال، قلنا: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ ~~القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ~~ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة. أو ليس هذه ~~اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، لا ينتفعون مما فيهما بشيء. # وفي رواية ابن أبي حاتم: أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود ~~والنصارى؟ # فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله؟ ثم قرأ: لو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل.. الآية. # منهم أمة أي ms1702 طائفة مقتصدة أي: عادلة مستقيمة، وهم من آمن بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، كعبد الله بن سلام والنجاشي وسلمان وكثير منهم ساء أي: بئس ما ~~يعملون أي: من تحريف الحق والإعراض عنه والإفراط في العداوة. والآية كقوله ~~تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 159] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 67] # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) # يا أيها الرسول نودي صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة تشريفا له ~~وإيذانا بأنها من موجبات PageV04P191 # الإتيان بما أمر به من التبليغ بلغ ما أنزل إليك من ربك مما يفصل مساوئ ~~الكفار، ومن قتالهم، والدعوة إلى الإسلام، غير مراقب في التبليغ أحدا، ولا ~~خائف أن ينالك مكروه وإن لم تفعل أي: ما تؤمر به من تبليغ الجميع، سترا ~~لبعض مساوئهم فما بلغت رسالته أي: شيئا مما أرسلت به. لما أن بعضها ليس ~~أولى بالأداء من بعض. # فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا. كما أن من لم يؤمن ببعضها، ~~كان كمن لم يؤمن بكلها. # قال في (الانتصاف) : ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس، ~~مستقرا في الأفهام أنه عظيم شنيع، ينقم على مرتكبه، بل عدم نشر العلم من ~~العالم أمر فظيع، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول- استغنى عن ذكر الزيادات ~~التي يتفاوت بها الشرط والجزاء، للصوقها بالجزاء في الأفهام. وإن كل من سمع ~~عدم تبليغ الرسالة، فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد. وحسن هذا الأسلوب في ~~الكتاب العزيز بذكر الشرط عاما بقوله وإن لم تفعل ولم يقل: فإن لم تبلغ ~~الرسالة فما بلغت الرسالة. حتى يكون اللفظ متغايرا، وهذه المغايرة اللفظية- ~~وإن كان المعنى واحد- أحسن رونقا وأظهر طلاوة، من تكرار اللفظ الواحد في ~~الشرط والجزاء. وهذا الفصل كاللباب من علم البيان. # وقوله تعالى والله يعصمك من الناس عدة منه تعالى بحفظه من لحوق ضرر بروحه ~~الشريفة، باعث له ms1703 على الجد فيما أمر به من التبليغ وعدم الاكتراث بعداوتهم ~~وكيدهم إن الله لا يهدي القوم الكافرين تعليل لعصمته، أي: لا يهديهم طريق ~~الإساءة إليك، فما عذرك في مراقبتهم؟ ### | تنبيهات: # الأول: لا خفاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام، ~~وقام به أتم القيام، وثبت في الشدائد وهو مطلوب، وصبر على البأساء والضراء ~~وهو مكروب ومحروب، وقد لقى بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهد الصياصي. ~~وهو، مع الضعف، يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، ثم انتصب لجهاد ~~الأعداء وقد أحاطوا بجهاته، وأحدقوا بجنباته، وصار بإئثانه في الأعداء ~~محذورا، وبالرعب منه منصورا، حتى أصبح سراج الدين وهاجا، ودخل الناس في دين ~~الله أفواجا. # روى البخاري «1» ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت لمسروق: ~~PageV04P192 # من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ... الآية. # وفي (الصحيحين) «1» عنها أيضا أنها قالت: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى ~~الناس والله أحق أن تخشاه. # وروى البخاري «2» وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة! إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. ~~قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم ~~بكافر. # وقال البخاري «3» : قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، ~~وعلينا التسليم. # قال ابن كثير: وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة، ~~وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، ~~وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا. كما # ثبت في (صحيح مسلم) «4» عن جابر بن عبد PageV04P193 # الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: يا أيها ~~الناس! ms1704 إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ PageV04P194 # قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع رأسه ويرفع يده إلى السماء ~~وينكبها إليهم ويقولون: اللهم! هل بلغت؟. PageV04P195 # وروى الإمام أحمد «1» عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حجة الوداع: يا أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: أي بلد هذا؟ ~~قالوا: بلد حرام، قال فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن أموالكم ~~ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ~~ثم أعادها مرارا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال: اللهم! هل بلغت؟ مرارا ~~(قال ابن عباس: والله! إنها لوصية إلى ربه عز وجل) ثم قال: ألا فليبلغ ~~الشاهد الغائب. لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض..! وقد روى ~~البخاري «2» نحوه.. # الثاني: تضمن قوله تعالى: والله يعصمك من الناس معجزة كبرى لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال الإمام الماوردي في كتابه (أعلام النبوة) في الباب الثامن في ~~معجزاته، عصمته صلى الله عليه وسلم. ما نصه: # أظهر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته بعد ثبوتها ~~بمعجز القرآن، واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار يحج ~~به من قلت فطنته، ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركا ~~بالخواطر الثاقبة تفكرا واستدلالا وإعجاز العيان معلوما ببداية الحواس ~~احتياطا واستظهارا، فيكون البليد مقهورا بوهمه وعيانه، واللبيب محجوبا ~~بفهمه وبيانه، لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب، ولهم أجذب، فكان ~~ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا، وأعم دليلا. فمن معجزاته عصمته من أعدائه ~~وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على PageV04P196 # أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه. وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ~~ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه ~~حذرا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عنهم. سليما لم يكلم في ~~نفس ولا جسد. وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث ~~يقول: ms1705 # والله يعصمك من الناس فعصمه منهم. # ثم قال الماوردي رحمه الله تعالى: وإن قريشا اجتمعت في دار الندوة. وكان ~~فيهم النضر بن الحارث بن كنانة، وكان زعيم القوم. وساعده عبد الله بن ~~الزبعري وكان شاعر القوم. فحضهم على قتل محمد صلى الله عليه وسلم وقال لهم: ~~الموت خير لكم من الحياة. فقال بعضهم: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل: هل محمد إلا ~~رجل واحد؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟ فليس فيكم من يزهد في ~~الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه؟ وأطرق مليا. فقالوا: من فعل هذا ساد. فقال ~~أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا. وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر. فإن ~~قتلت أرحت قومي، وإن بقيت فذاك الذي أوثر. فخرجوا على ذلك. فلما اجتمعوا في ~~الحطيم، خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد جاء. فتقدم من ~~الركن فقام يصلي. فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل: فإني ~~أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراسا عظيما. ودنا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه، وهو يراه. فلما دنا منه ارتعد وأرسل ~~الحجر على رجله. فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد دوخت أوداجه. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم. ~~فالتزموه وقد غشي عليه ساعة. فلما آفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك؟ قال: ~~لما دنوت منه، أقبل علي من رأسه فحل فاغر فاه. فحمل علي أسنانه. فلم ~~أتمالك. وإني أرى محمدا محجوبا. فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم! رغبت ~~وأحببت الحياة ورجعت. قال: # ما تغروني عن نفسي. قال النضر بن الحارث: فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له: ~~يا أبا سهم! لئن فعلت هذا لتسودن. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم ~~منتظرين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم ~~فواثبوه. فأخذ حفنة من تراب وقال: شاهت الوجوه. وقال: حم لا ينصرون، ~~فتفرقوا عنه. # وهذا دفع إلهي وثق ms1706 به من الله تعالى. فصبر عليه حتى وقاه الله، وكان من ~~أقوى شاهد على صدقه. # (ومن أعلامه) : أن معمر بن يزيد، وكان أشجع قومه، استغاثت به قريش وشكوا ~~إليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه ~~وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه. وعندي ~~عشرون ألف مدجج # PageV04P197 # فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي. وإن سألوني الدية أعطيتهم ~~عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر. ~~وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس. فلبس، يوم وعده قريشا، سلاحه وظاهر ~~بين درعين. فوافقهم بالحطيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر يصلي. ~~وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في الصلاة. فقيل له: هذا محمد ~~ساجد. فأهوى إليه، وقد سل سيفه وأقبل نحوه. فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد. ~~فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام، وقد أدمى وجهه بالحجارة، ~~يعدو كأشد العدو. حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف. فاجتمعوا وغسلوا عن ~~وجهه الدم وقالوا: ما أصابك؟ # قال: ويحكم! المغرور من غررتموه. قالوا: ما شأنك؟ قال: ما رأيت كاليوم. ~~دعوني ترجع إلي نفسي. فتركوه ساعة وقالوا: ما أصابك؟ يا أبا الليث! قال: ~~إني لما دنوت من محمد، فأردت أن أهوى بسيفي إليه، أهوى إلي من عند رأسه ~~شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمع من أبصارهما. فعدوت. فما كنت لأعود ~~في شيء من مساءة محمد. # (ومن أعلامه) : أن كلدة بن أسد، أبا الأشد، وكان من القوة بمكان، خاطر ~~قريشا يوما في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأعظموا له الخطر إن هو ~~كفاهم. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق يريد المسجد ما بين ~~دار عقيل وعقال. فجاء كلدة ومعه المزراق. # فرجع المزراق في صدره. فرجع فزعا. فقالت له قريش: مالك؟ يا أبا الأشد! ~~فقال: # ويحكم! ما ترون الفحل خلفي؟ قالوا: ما نرى ms1707 شيئا. قال: ويحكم! فإني أراه. ~~فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف. فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، لو ~~رأيتم ما رأيت لهلكتم. # (ومن أعلامه) : أن أبا لهب خرج يوما، وقد اجتمعت قريش فقالوا له: يا أبا ~~عتبة! إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا. وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه. ~~ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا. وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن ~~الدية وتسود قومك. فقال: فإني أكفيكم! ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم. فلما ~~كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه، نزل أبو لهب، وهو يصلي. وتسلقت امرأته ~~أم جميل الحائط، حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ساجد. ~~فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه، وهما كانا لا ينقلان قدما ولا يقدران على ~~شيء حتى تفجر الصبح. وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو لهب: ~~يا محمدا أطلق عنا. فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا ~~تؤذياني، قالا: قد فعلنا. فدعا ربه فرجعا. # (ومن أعلامه) : أن قريشا اجتمعوا في الحطيم. فخطبهم. عتبة بن ربيعة # PageV04P198 # فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرق جماعتنا وبدد شملنا ~~وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا. وكان في القوم الوليد بن المغيرة ~~وأبو جهل ابن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث ومنبه ونبيه ابنا ~~الحجاج، وأمية وأبي ابنا خلف، في جماعة من صناديد قريش. فقالوا له: قل ما ~~شئت فإنا نطيعك. قال: # سأقوم فأكلمه. فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه. وإلا رأينا فيه ~~رأينا. فقالوا له: # شأنك يا أبا عبد شمس! فقام وتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس ~~وحده. فقال: أنعم صباحا يا محمد! قال: يا عبد شمس! إن الله قد أبدلنا بهذا، ~~السلام، تحية أهل الجنة. قال: يا ابن أخي! إني قد جئتك من عند صناديد قريش ~~لأعرض عليك أمورهم. إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا فيها الفسحة! ثم قال: ~~يا ms1708 ابن عبد المطلب! أنا زعيم قريش فيما قالت. قال: قل. قال: يا ابن عبد ~~المطلب! إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك. قال: قل. ~~قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملكك علينا من غير تعب ~~ونتوجك، فارجع عن ذلك. فسكت. # ثم قال له: وإن كان ما تدعوا إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك. ~~فقال: لا قوة إلا بالله! ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك ~~من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش. فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا ~~وتفريق جماعتنا. وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بن ~~ثعلبة مجنونهم. # فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! ما تقول؟ وبم أرجع إلى ~~قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ~~بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون- حتى بلغ إلى قوله فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت: 1- 13] . قال عتبة: فلما تكلم ~~بهذا الكلام، فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من أعجازها. وقام فزعا ~~يجر رداءه. فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور. وقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي. # فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: # ويحكم! دعوني. إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا. ولقد رعدت علي الرعدة ~~حتى خفت على نفسي، وقلت: الصاعقة قد أخذتني.. فندموا على ذلك. # (ومن أعلامه) : أنه لما أراد الهجرة، خرج من مكة ومعه أبو بكر. فدخل غارا ~~في جبل ثور ليستخفي من قريش. وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، ~~فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره. وأنبت على باب الغار ثمامة (وهي شجرة ~~صغيرة) . # وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفه عين. ولدغ أبو بكر # PageV04P199 # هذه الليلة غير لدغة. فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق. وسد ms1709 بعضها بقدمه ~~اتقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه. ~~فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم. # وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم! اكفنا سراقة. فأخذت الأرض قوائم فرسه ~~إلى إبطها. فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك علي أن أرد من جاء ~~يطلبك، ولا أعين عليك أبدا! فقال اللهم! إن كان صادقا فأطلق عن فرسه. فأطلق ~~الله عنه. ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه. # هذا ما أورده المارودي من الأعلام قبل الهجرة ثم أورد ما وقع بعدها ~~وسننقلها عن ابن كثير، فإنه قال في هذه الآية: # ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ~~ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه ~~الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة ~~بعمه أبي طالب. إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش. وخلق الله في قلبه محبة ~~طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شرعية. ولو كان أسلم لاجترأ عليه ~~كفارها وكبارها. # ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه. فلما مات ~~عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا. ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه ~~على الإسلام، وعلى أن يتحمل إلى دراهم، وهي المدينة. فلما صار إليها منعوه ~~من الأحمر والأسود. وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ~~ورد كيده عليه. كما كاده اليهود «1» بالسحر، فحماه الله منهم وأنزل عليه ~~سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء. ولما سمه «2» اليهود في ذراع تلك الشاة ~~بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه. ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. فمن ~~ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة: # فقال ابن جرير «3» : حدثنا الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا أبو معشر حدثنا ~~PageV04P200 # محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~نزل ms1710 منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط ~~سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: الله عز وجل. فرعدت يد الأعرابي وسقط ~~السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه فأنزل الله عز وجل: ~~والله يعصمك من الناس. # وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما غزا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينا هو جالس ~~على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمدا. فقال ~~له أصحابه: كيف تقتله؟ # قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال: يا ~~محمد! أعطني سيفك أشيمه. فأعطاه إياه. فرعدت يده حتى سقط السيف من يده. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ما تريد. فأنزل ~~الله عز وجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس. # قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ثم قال: وقصة غورث بن الحارث ~~مشهورة في الصحيح. يريد ما # أخرجه الشيخان «1» عن جابر قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل نجد. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركتهم القائلة في واد ~~كثير العضاه. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون ~~بالشجر. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة. فعلق بها سيفه ونمنا ~~معه نومة. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا. وإذا عنده أعرابي ~~فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم. فاستيقظت وهو في يده صلتا. # فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله. ثلاثا. ولم يعاقبه وجلس. # وفي رواية أخرى قال جابر: كنا مع رسول الله بذات الرقاع. فإذا أتينا على ~~شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء رجل من المشركين، ~~وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة. فاخترطه فقال: تخافني؟ ~~فقال: ms1711 لا! فقال: من يمنعك مني؟ # قال: الله. فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وزاد البخاري في رواية له: إن اسم ذلك الرجل غورث بن الحارث. PageV04P201 # وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنا إذا صحبنا رسول صلى الله عليه ~~وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها. فينزل تحتها. فنزل ذات يوم تحت ~~شجرة وعلق سيفه فيها. # فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد! من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: الله يمنعني منك. ضع السيف. فوضعه. فأنزل الله عز وجل: والله ~~يعصمك من الناس وكذا رواه ابن حبان. في (صحيحه) . # وروى الإمام أحمد «1» عن جعدة بن خالد بن الصمة قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ورأى رجلا سمينا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى بطنه ~~بيده ويقول: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك. قال: وأتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم برجل فقالوا: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لم ترع، لم ترع. ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي. # الثالث: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس، كما # روى الإمام أحمد «2» عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ~~ليلة وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: ليت رجلا صالحا ~~من أصحابي يحرسني الليلة! قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح ~~فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: # ما جاء بك؟ قال: جئت لأحرسك، يا رسول الله! قال: فسمعت غطيط رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في نومه. أخرجاه في (الصحيحين) «3» : # وفي لفظ: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمة المدينة، يعني ~~على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة، وكان ذلك في سنة ثنتين منها. # وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت ~~والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صلى ms1712 الله عليه وسلم رأسه من القبة ~~فقال لهم: أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله. أخرجه الترمذي «4» والحاكم ~~وابن أبي حاتم وابن جرير «5» . # وقد روى ابن جرير «6» عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحرس. فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه. حتى نزلت ~~عليه هذه PageV04P202 # الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس. قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: ~~إن الله قد عصمني من الجن والإنس. ورواه الطبراني أيضا. وروى ابن جرير نحوه ~~أيضا عن جابر. # قال ابن كثير: وهذا حديث غريب، وفيه نكارة. فإن هذا الآية مدنية، بل هي ~~من أواخر ما نزل بها، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، والله أعلم! انتهى. # أقول: بمراجعة ما أسلفنا في (المقدمة) من قاعدة أسباب النزول يرتفع ~~الإشكال، فتذكر. # الرابع: قال العلامة أبو السعود: إيراد هذه الآية الكريمة في تضاعيف ~~الآيات الواردة في حق أهل الكتاب، لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها. ~~ويشق على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها، وخصوصا ما يتلوها من ~~النص الناعي عليهم كمال ضلالتهم. ولذلك أعيد الأمر فقيل خطابا للفريقين: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 68] # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء أي: من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~أي: تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه. # قال بعض المحققين: # معنى قوله تعالى: حتى تقيموا التوراة والإنجيل أي: تعملوا طبق الواجب ~~بأحكامهما، وتحيوا شرائعهما، وتطيعوا أوامرهما، وتنتهوا بنواهيهما. فإن ~~الإقامة هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلا. أي فعلها ~~على الوجه اللائق بها. ولا ms1713 يدخل في ذلك القصص التي فيهما ولا العقائد ~~ونحوها فإنها ليست عملية. # والمراد أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علاته ~~وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة. فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها ~~هي أقل أقسامها تحريفا، وأكثر التحريف في القصص والأخبار والعقائد وما ~~ماثلها، وهي لا تدخل في الأمر بالإقامة. ولا شك أن أحكام التوراة والإنجيل ~~وما فيهما من شرائع ومواعظ # PageV04P203 # ونصائح ونحوها، لا تزال فيهما أشياء كثيرة لا عيب فيها، ونافعة للبشر ~~وفيها هداية عظمى للناس، فهي مما يدخل تحت قوله تعالى: وأنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل هدى للناس [آل عمران: 3- 4] ، فإذا أقام أهل الكتاب ~~أحكامهما على علاتها كانوا لا شك على شيء يعتد به ويصح أن يسمى دينا. وإذا ~~لم يقيموهما وجروا على خلافهما، كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى ~~دينا. وكانوا مشاغبين معاندين، وبدينهم غير مؤمنين إيمانا كاملا. وهذا معنى ~~صحيح، وهو المتبادر من الآية. فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف ~~التوراة والإنجيل وعلى وجودهما كاملين، كما يدعي ذلك المكابرون من أهلهما، ~~وخصوصا بعد قوله تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا به؟ [المائدة: 13] . # ثم قال: ولك أن تقول: معنى قوله تعالى: لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل. الحقيقيين. وذلك يستلزم البحث والتنقيب والجد والاجتهاد في نقد ~~ما عندهم منهما نقدا عقليا تاريخيا صحيحا، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما ~~بقدر الإمكان، ونتيجة ذلك العناء كله، أن يكونوا على شيء من الدين الحق، ~~وهذا أمر لا شبهة فيه. ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا. ولكنهم- كما ~~أخبر تعالى عنهم- لا يزيدهم القرآن إلا طغيانا وكفرا حسدا وعنادا فلا ~~يؤمنون به. ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم من المفاسد وتنقيته من الشوائب. ~~فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك. فكأن الآية تريهم أنهم إذا لم يتبعوا القرآن ~~يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدا من البحث والتمحيص، وبعد ذلك يكونون على ~~شيء من الحق لا على الحق كله ولو أقاموا التوراة والإنجيل الحقيقيين غاية ~~الإقامة، فما ms1714 بالك إذا كان ذلك مستحيلا لعدم وجودهما على حقيقتهما؟ فهم ~~ليسوا على شيء مطلقا. ولا يمكن أن يكونوا عليه. فإن كتبهم قد صارت خلقة ~~بالية. لذلك # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه، حينما رأى ورقة من ~~التوراة بيده: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا ~~اتباعي. # (فإن قيل) : وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم، ومنه ما جاء ~~القرآن ناسخا له؟ (قلت) : لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا ~~بشرائع دينهم الأصلية، فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى ~~والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى، وغير ذلك مما يعمله الناس. ~~فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم- إن أصروا على عدم الإيمان به- ~~على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبي وأتباعه من أكثر شرورهم ~~ورذائلهم. ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل بل # PageV04P204 # الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو- ولا شك- خير من ~~لا شيء. ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية ~~أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلا بالإسلام أفغير دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون [آل عمران: 83] . انتهى. # ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به ~~والتنويه باسمه ودينه. # فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق ... # وما أنزل إليكم من ربكم أي: القرآن المجيد بالإيمان به. وفي التعبير ~~بقوله تعالى لستم على شيء من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه. كما تقول: ~~هذا ليس بشيء! تريد غاية تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء. ~~أي: # لستم على دين يعتد به حتى يسمى شيئا، لفساده وبطلانه. # ثم بين تعالى غلوهم في العناد وعدم إفادة التبليغ فقال: وليزيدن كثيرا ~~منهم ما ms1715 أنزل إليك من ربك طغيانا. أي تماديا وكفرا أي ثباتا على الكفر فلا ~~تأس على القوم الكافرين أي: فإذا بالغت في تبليغ ما أنزل إليك، فرأيت مزيد ~~طغيانهم وكفرهم، فلا تحزن عليهم لغاية خبثهم في ذواتهم، فإن ضرر ذلك راجع ~~إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 69] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم فيما يستقبلهم من العذاب ولا هم يحزنون أي: # في الآخرة إذا خاف المقصرون وحزنوا على تضييع العمر.. ### | لطائف: # الأول: (الصابئون) رفع على الابتداء. وخبره محذوف. والنية به التأخير عما ~~في حيز (إن) من اسمها وخبرها. كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى حكمهم كذا. والصائبون كذلك، وأنشد سيبويه شاهدا له: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق # PageV04P205 # أي: فاعملوا أنا بغاة، وأنتم كذلك. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما التقديم ~~والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن ~~الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح. فما الظن بغيرهم؟ ~~وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما سموا صابئين ~~إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها. أي: خرجوا. كما أن الشاعر قدم قوله ~~(وأنتم) تنبيها على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه. حيث عاجل ~~به قبل الخبر الذي هو (بغاة) لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم، مع كونهم أوغل ~~فيه منهم وأثبت قدما. انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) : # ثمة سؤال، وهو أن يقال: لو عطف (الصابئين) ونصبه- كما قرأ ابن كثير- ~~لأفاد أيضا دخولهم في جملة المتوب عليهم، ولفهم من تقديم ذكرهم على ~~(النصارى) ما يفهم من الرفع من أن هؤلاء الصابئين- وهم أوغل الناس في ~~الكفر- يتاب عليهم، فما الظن بالنصارى؟ ولكان الكلام جملة واحدة بليغا ~~مختصرا، والعطف إفرادي. فلم ms1716 عدل إلى الرفع وجعل الكلام جملتين؟ وهو يمتاز ~~بفائدة على النصب والعطف الإفرادي؟ ويجاب عن هذا السؤال بأنه لو نصبه وعطفه ~~لم يكن فيه إفهام خصوصية لهذا الصنف. لأن الأصناف كلها معطوف بعضها على بعض ~~عطف المفردات. وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد. وأما مع الرفع ~~فينقطع عن العطف الإفرادي وتبقى بقية الأصناف مخصصة بالخبر المعطوف به. ~~ويكون خبر هذا الصنف المنفرد بمعزل. تقديره مثلا (والصابئون كذلك) فيجيء ~~كأنه مقيس على بقية الأصناف وملحق بها. وهو بهذه المثابة، لأنهم لما استقر ~~بعد الأصناف من قبول التوبة، فكانوا أحقاء بجعلهم تبعا وفرعا مشبهين بمن هم ~~أقعد منهم بهذا الخبر، وفائدة التقديم على الخبر أن يكون توسط هذا المبتدأ ~~المحذوف الخبر، بين الجزأين، أدل على الخبر المحذوف من ذكره، بعد تقضي ~~الكلام وتمامه، والله أعلم. # الثانية- فإن قلت: إن قوله تعالى: من آمن منهم كيف يقع خبرا عن الذين ~~آمنوا أو بدلا، وهو يقتضي انقسام المؤمنين إلى مؤمنين وغير مؤمنين؟ # أجيبك بأن المراد ب الذين آمنوا الذي آمنوا باللسان فقط. وهم المنافقون. # فالمعنى: الذين آمنوا باللسان ومن معهم، من أحدث منهم إيمانا خالصا. أو ~~يؤول من آمن بمن ثبت على الإيمان. فيصح في حق المؤمنين الخلص. وفي هذا شبه # PageV04P206 # جمع بين الحقيقة والمجاز، ودفع بأن الثبات على الإيمان ليس غير الإيمان، ~~بل هو وإحداثه فردان من مطلقه. والوجه الأول. إذ في ضم المؤمنين إلى الكفرة ~~إخلال بتكريمهم، قاله الخفاجي. # قال أبو السعود: أما على تقدير كون المراد ب الذين آمنوا مطلق المتدينين ~~بدين الإسلام، المخلصين منهم والمنافقين فالمراد ب من آمن من اتصف منهم ~~بالإيمان الخالص على الإطلاق، سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه- كما ~~هو شأن المخلصين. أو بطريق إحداثه وإنشائه- كما هو حال من عداهم من ~~المنافقين وسائر الطوائف. وفائدة التعميم للمخلصين المبالغة في ترغيب ~~الباقين في الإيمان، ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة ~~لأولئك الأقدمين الأعلام. # انتهى. # الثالثة: قال الرازي: لما بين تعالى أن أهل الكتاب ms1717 ليسوا على شيء ما لم ~~يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة ~~إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، وذلك لأن الإنسان له قوتان: ~~القوة النظرية والقوة العملية. أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف ~~الحق. وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير. وأعظم المعارف ~~شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى. وكمال معرفته إنما يحصل ~~بكونه قادرا على الحشر والنشر، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله ~~واليوم الآخر. وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال ~~المشعرة بتعظيم المعبود، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق. ثم بين تعالى أن ~~كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل، فإنه يرد يوم القيامة من غير خوف ولا ~~حزن. والفائدة في ذكرهما: أن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، فقال: ~~فلا خوف عليهم بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة ولا هم يحزنون بسبب ما ~~فاتهم من طيبات الدنيا، لأنهم وجدوا أمورا أعظم وأشرف وأطيب. (فإن قيل) : ~~كيف يمكن خلو المكلف، الذي لا يكون معصوما، عن أهوال يوم القيامة؟ فالجواب ~~من وجهين: الأول- أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح. ولا يكون آتيا بالعمل ~~الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي. والثاني- أنه إذا حصل خوف، فذلك ~~عارض قليل لا يعتد به. انتهى. # ثم بين تعالى بعضا آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم ~~بقوله: # PageV04P207 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 70] # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي: على الإيمان بالله ورسله وأرسلنا إليهم ~~رسلا ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم أي: بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من الأحكام الحقة. مع أن وضع ~~الرسالة، الدعوة إلى مخالفة الهوى فريقا منهم كذبوا مع ظهور دلائل صدقهم ~~وفريقا يقتلون بعد التكذيب. سدا لدعوتهم إلى ما ms1718 يخالف أهويتهم. ### | لطيفتان: # الأولى: قال الزمخشري: جواب الشرط محذوف يدل عليه قوله فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه. # قال الناصر في (الانتصاف) : ومما يدل على حذف الجواب أنه جاء ظاهرا في ~~الآية الأخرى، وهي توأمة هذه، قوله تعالى: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة: 87] . فأوقع قوله ~~استكبرتم جوابا. ثم فسر استكبارهم وصنيعهم بالأنبياء بقتل البعض وتكذيب ~~البعض. فلو قدر الزمخشري هاهنا الجواب المحذوف مثل المنطوق به في أخت الآية ~~فقال: وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، ~~لكان أولى، لدلالة مثله عليه. # الثانية: قال الزمخشري: فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا وبالآخر ~~مضارعا؟ قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا ~~لتلك الحال الشنيعة، للتعجيب منها. # قال في (الانتصاف) : أو يكون حالا على حقيقته. لأنهم داروا حول قتل محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وقد قيل هذا الوجه في أخت هذه الآية في (البقرة) وقد ~~مضى وجه اقتضاء صيغة الفعل المضارع لاستحضاره دون الماضي، وتمثيله بقوله ~~تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف ~~خبير [الحج: 63] . فعدل عن (فأصبحت) إلى (فتصبح) تصويرا للحال واستحضارا ~~لها في ذهن السامع، ومنه: # PageV04P208 # بأني قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصحيفة صحصحان # فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران # وأمثاله كثيرة. انتهى. # قال الخفاجي: اقتصر العلامة هنا على حكاية حال أسلافهم، لقرينة ضمائر ~~الغيبة، وترك تلك الآية- يعني آية البقرة- على الاحتمالين لقرينة ضمائر ~~المخاطبين. ليكون توبيخا وتعبيرا للحاضرين بفعل آبائهم. ولذا عقبت هذه ~~الآية بقصة عيسى عليه السلام. فتأمل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 71] # وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) # وحسبوا ألا تكون فتنة أي: ظن بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب ~~بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل فعموا وصموا عطف على (حسبوا) ، و ms1719 (الفاء) ~~للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي: آمنوا بأس الله تعالى، ~~فتمادوا في فنون الغي والفساد، وعموا عن الدين، بعد ما هداهم الرسل إلى ~~معالمه الظاهرة، وصموا عن استماع الحق الذي ألقوه عليهم، ولذلك فعلوا ما ~~فعلوا ثم تاب الله عليهم أي: مما كانوا فيه. # قال العلامة أبو السعود: لم يسند التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان ~~والعمى والصمم، تجافيا عن التصريح بنسبة الخير إليهم. وإنما أشير إليها في ~~ضمن بيان توبته تعالى عليهم، تمهيدا لبيان نقضهم إياهم بقوله تعالى: # ثم عموا وصموا كرة أخرى كثير منهم بدل من الضمير في الفعلين أو خبر ~~محذوف، أي: أولئك كثير منهم والله بصير بما يعملون أي: بما عملوا، وصيغة ~~المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة ورعاية للفواصل. ~~والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور. ووقوع العذاب من حيث لم ~~يحتسبوا، إشارة إجمالية، اكتفي بها تعويلا على ما فصل نوع تفصيل في سورة ~~(بني إسرائيل) [الإسراء] . أفاده أبو السعود. وهو مأخوذ من كلام القفال، ~~كما سيأتي: ### | تنبيه: # في هذه الآية إشارة إلى ما اكتنف بني إسرائيل من الفتنة وعذاب الله الذي ~~حاق # PageV04P209 # بهم قبل عيسى وبعده. وذلك أن أنبياءهم قبل عيسى كانوا يوبخون رؤساءهم ~~الأشرار وشعبهم على خطاياهم. ولا سيما في عبادتهم الأوثان. وينحصوهم أن ~~يرجعوا إلى الله. وينذرونهم بعقابه تعالى الشديد ودمارهم إن لم يتوبوا. كما ~~أنبأهم إرميا عليه السلام بخراب بلدهم، وقضائه تعالى الهائل عليهم، إن ~~أصروا على طغيانهم. فما استمعوا له. حتى روي أنه ختم له بالشهادة. إذ رجمته ~~اليهود بمصر عتوا واستكبارا. # ثم سلط الله عليهم بختنصر، ملك بابل، وسبى شعبهم وهدمت جنوده مدينتهم بيت ~~المقدس وهيكلها. وصار تلال خراب. وذلك لاستئصال كفرهم وشرورهم، وتطهير ~~هيكلهم من نجاسة أوثانهم. فحل عليهم من البابلية الشقاء والويل. وأخذوا ~~أسرى إلى ما وراء الفرات. ولم يترك منهم إلا الفقراء فقط، وبذلك انتهى ~~ملكهم، وكان ذلك قبل ولادة عيسى عليه السلام بنحو خمسمائة وثمان وثمانين ~~سنة. ثم تاب ms1720 الله عليهم ورحمهم من سبيهم، وأعادهم برحمته إلى مدينتهم بيت ~~المقدس. بعد أن أقاموا في بابل سبعين سنة. وابتدءوا ببناء هيكلهم ثانية. ~~وأرجعوا العبادة إليه. وقام حزقيال عليه السلام بوعظهم وتهذيبهم ودعوتهم ~~إلى التوبة وتذكيرهم بما مضى ليعتبروا. وهكذا كل نبي فيهم، لم يزل ينذرهم ~~ويدعوهم إلى الله إلى أن بعث الله عيسى عليه السلام. فعموا عن الاهتداء به ~~وصموا عن وعظه، وكان ما كان من همهم بقتله. فدمرهم الله بعد ذلك وأباد ~~مملكتهم. وطردوا من أرضهم بعد رفع عيسى عليه السلام بنحو أربعين سنة. وأخذ ~~الرومانيون مدينتهم وهدموها مع الهيكل. وحلت عليهم نقمة الله فتفرقوا شذر ~~مذر. # هذا، وما قيل بأن قوله تعالى فعموا وصموا إشارة إلى عبادتهم العجل- فإنه ~~بعيد. لأنها، وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم، لكنها في ~~عصر موسى عليه السلام. ولا تعلق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين ~~جاءوهم بعده عليه السلام بأعصار. وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ثم عموا ~~وصموا إشارة إلى طلبهم الرؤية- فبعيد أيضا، لما ذكرنا. وفنون الجنايات ~~الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى. خلا أن انحصار ما حكي عنهم هاهنا في المرتين، ~~وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام، يقضي بأن المراد ما ~~ذكرناه. والله عنده علم الكتاب. # كذا أفاده أبو السعود. # ونحن نوافقه على ما رآه. بيد أن ما سقناه في التنبيه أظهر في ما جرياتهم، ~~وأشد مطابقة لما في تواريخهم، مما ساقه هنا. فتثبت. # ويرحم الله الإمام القفال حيث قال: ذكر الله تعالى في سورة (بني إسرائيل) # PageV04P210 # ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال: وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ~~[الإسراء: 4- 6] فهذا في معنى (فعموا وصموا) ثم قال: فإذا جاء وعد الآخرة ~~ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول ms1721 مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا. ~~فهذا في معنى قوله ثم عموا وصموا كثير منهم انتهى. ثم بين تعالى كفر ~~النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد المباين لأصل دعوة عيسى عليه السلام، ~~من التوحيد الخالص، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 72] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. # قال الرازي: هذا قول اليعقوبية منهم. يقولون: إن مريم ولدت إلها. قال: ~~ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد ~~بها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقد سبق الكلام على مثل هذا الآية في هذه السورة مفصلا، فتذكر. # ثم بين تعالى أنهم صموا عن مقالات عيسى الداعية إلى التوحيد، كما عموا ~~عما فيه من أمارات الحدوث، بقوله سبحانه: وقال المسيح يا بني إسرائيل ~~اعبدوا الله ولم يقل اعبدوني. ثم صرح بقوله: ربي وربكم قلعا لمادة توهم ~~الاتحاد إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار كيف ~~والشرك أعظم وجوه الظلم وما للظالمين من أنصار أي: ما لهم من أحد ينصرهم ~~بإنقاذهم من النار، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة. والجمع لمراعاة ~~المقابلة ب (الظالمين) و (اللام) إما للعهد، والجمع باعتبار معنى من، كما ~~أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها. وما للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا. ووضعه على الأول موضع الضمير، للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا ~~بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق. والجملة تذييل مقرر لما قبله. وهو إما من ~~تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما وارد من جهته تعالى، # PageV04P211 # تأكيدا لمقالته عليه السلام، وتقريرا لمضمونها. أفاده أبو السعود. ثم بين ~~تعالى كفر طائفة أخرى منهم بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 73] # لقد كفر الذين قالوا ms1722 إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة أي: أحد ثلاثة آلهة، بمعنى واحد ~~منها، وهم الله ومريم وعيسى. # وقال بعضهم: كانت فرقة منهم تسمى (كولى ري دينس) تقول: الآلهة ثلاثة: ~~الأب والابن ومريم. # وجاء في كتاب (علم اليقين) : أن فرقة منهم تسمى (المريميين) قال: # يعتقدون أن المريم والمسيح إلهان. قال: وكذلك البربرانيون وغيرهم. انتهى. # وأسلفنا عن ابن إسحاق أن نصارى نجران، منهم من قال بهذا أيضا. # أو المعنى: أحد ثلاثة أقانيم كما اشتهر عنهم. أي هو جوهر واحد، ثلاثة ~~أقانيم: أب وابن وروح القدس. وزعموا، أن الأب إله والابن إله والروح إله ~~والكل إله واحد. كما قدمنا عنهم في قوله تعالى: ولا تقولوا ثلاثة. # قال الرازي رحمه الله: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. فإن ~~الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة. ولا يرى في الدنيا مقالة ~~أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى. انتهى. # وقد صنفت عدة مصنفات في تزييف معتقدهم هذا، وهي شهيرة متداولة، والحمد ~~لله. ### | لطيفة: # اتفق النحاة واللغويون على أن معنى قولهم (ثالث ثلاثة ورابع أربعة..) ~~ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا. لا الوصف بالثالث والرابع. # وفي (التوضيح وشرحه) : لك في اسم الفاعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما ~~بينهما أن تستعمله على سبعة أوجه: (أحدها) أن تستعمله مفردا عن الإضافة، ~~ليفيد الاتصاف بمعناه. فتقول: ثالث ورابع. ومعناه حينئذ واحد موصوف بهذه ~~الصفة وهي كونه ثالثا ورابعا. # PageV04P212 # (الوجه الثاني) أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه، ليفيد أن الموصوف به ~~بعض تلك العدة المعينة لا غير. فتقول: خامس خمسة أي: واحد من خمسة لا زائد ~~عليها، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله. كما يجب إضافة البعض إلى كله. ك: # يد زيد، قال تعالى: إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين [التوبة: 40] . وقال ~~تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. وزعم الأخفش ms1723 وقطرب ~~والكسائي وثعلب أنه يجوز إضافة الأول إلى الثاني، ونصبه إياه، فعلى هذا ~~يجوز ثالث ثلاثة بجر (ثلاثة) ونصبها. كما يجوز في (ضارب زيد) . # (الوجه الثالث) أن تستعمله مع ما دون أصله الذي صيغ منه بمرتبة واحدة، ~~ليفيد معنى التصيير، فتقول: هذا رابع ثلاثة أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة، ~~قال تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~[المجادلة: 7] . أي: إلا هو مصيرهم أربعة ومصيرهم ستة. ويجوز حينئذ إضافته ~~وإعماله، كما يجوز الوجهان في جاعل ومصير ونحوهما. # وانظر تتمة الأوجه. # وبما ذكرناه يعلم رد ما ذهب إليه الجامي في (شرح الكافية) من اعتبار ~~الصفة في نحو (ثالث ثالثة) حيث قال في شرح قول ابن الحاجب ثالث ثلاثة: أي ~~أحدها. لكن لا مطلقا. بل باعتبار وقوعه في المرتبة الثالثة. قال: وإلا يلزم ~~جواز إرادة الواحد الأول من عاشر العشرة وذلك مستبعد جدا. انتهى. # فكتب عليه بعض المحققين ما نصه: الظاهر من عبارة (التوضيح) ومن كلام ~~المصنف أنه لا يعتبر الوقوع في المرتبة الثانية أو الثالثة وهكذا.. إذ يبعد ~~في الآيتين كون المراد ب «ثاني اثنين وثالث ثلاثة» كونه في المرتبة الثانية ~~أو الثالثة بل المراد أنه بعض تلك العدة، بلا نظر لكونه في المرتبة الثانية ~~أو الثالثة. إلا أن يكون هذا باعتبار الوضع، وإن كان الاستعمال بخلافه. ~~ولذا كتب العلامة عبد الحكيم على قوله (وذلك مستبعد جدا) أي: عند العقل، ~~وإلا فالاستعمال بخلافه. انتهى. # وما من إله في نص الإنجيل والتوراة وجميع الكتب السماوية ودلائل العقل ~~إلا إله واحد لا يتعدد أفرادا ولا أجزاء وإن لم ينتهوا عما يقولون من هذا ~~الافتراء والكذب، بعد ظهور الدلالة القطعية، متمسكين بمتشابهات الإنجيل ~~التي أوضحتها محكماته ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم في الآخرة. من عذاب ~~الحريق والأغلال والنكال. # PageV04P213 # قال الزمخشري: ولم يقل (ليمسنهم) لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة. # وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله لقد كفر الذين قالوا وفي البيان ~~فائدة أخرى وهي الإعلام ms1724 في تفسير الذين كفروا منهم أنهم بمكان من الكفر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 74] # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من ~~الاتحاد والحلول، فيرجعوا عن التمسك بالمتشابهات إلى القطعيات، فالاستفهام ~~لإنكار الواقع واستبعاده، فيه تعجيب من إصرارهم. ومدار الإنكار والتعجيب ~~عدم الانتهاء والتوبة معا. أو معناه: ألا يتوبون- بعد هذه الشهادة المكررة ~~عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد- مما هم عليه. فمدارهما عدم التوبة عقب ~~تحقق ما يوجبها من سماع تلك القوارع الهائلة. # قال ابن كثير: هذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب ~~العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من ~~تاب إليه تاب عليه. كما قال والله غفور رحيم فيغفر لهؤلاء إن تابوا، ~~ولغيرهم. # قال أبو السعود: الجملة حالية من فاعل يستغفرونه مؤكدة للإنكار والتعجيب ~~من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار. أي: والحال أنه تعالى ~~مبالغ في المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم، ويمنحهم من فضله. # ثم أشار تعالى إلى بطلان التمسك بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما. ~~بأن غايتهما الدلالة على نبوته وولايتها، استنزالا لهم عن الإصرار على ما ~~تقولوا عليهما، وإرشادا لهم إلى التوبة والاستغفار فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 75] # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) # ما المسيح أي: المعلوم حدوثه من كونه ابن مريم بالخوارق الظاهرة على يديه ~~إلا رسول قد خلت أي: مضت من قبله الرسل أولو الخوارق الباهرة. # PageV04P214 # فله أسوة أمثاله. كما قال تعالى: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه [الزخرف: 59] ~~. # أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، جاء بآيات من الله كما ~~أتوا بأمثالها. إن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا ~~وجعلها حية تسعى وفلق بها البحر على يد موسى. وهو أعجب. ms1725 وإن خلقه من غير ~~أب، فقد خلق آدم من غير أب ولا أم. وهو أغرب منه، وفي الآية وجه آخر: أي ~~مضت من قبله الرسل، فهو يمضي مثلهم. فالجملة- على كل- منبئة عن اتصافه بما ~~ينافي الألوهية وأمه صديقة أي: مبالغة في الصدق. ووقع اسم الصديقة عليها ~~لقوله تعالى: وصدقت بكلمات ربها وكتبه. والوصف بذلك مشعر بالإغراق في ~~العبودية والقيام بمراسمها. فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها؟ ### | تنبيه: # قال ابن كثير: # دلت الآية على أن مريم ليست بنبيه. كما زعمه ابن حزم وغيره- ممن ذهب إلى ~~نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى- استدلالا منهم بخطاب ~~الملائكة لسارة ومريم وبقوله: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه. وهذا معنى ~~النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال. قال الله ~~تعالى: # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [يوسف: 109] . # وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، رحمه الله، الإجماع على ذلك. انتهى. ### | فائدة (في حقيقة الصديق والصدق) : # قال العارف القاشاني قدس الله سره في (لطائف الأعلام) : # الصديق الكثير الصدق. كما يقال: سكيت وصريع إذا كثر منه ذلك. # والصديق من الناس من كان كاملا في تصديقه لما جاءت به رسل الله علما ~~وعملا، قولا وفعلا وليس يعلو على مقام الصديقية إلا مقام النبوة. بحيث إن ~~من تخطى مقام الصديقية حصل في مقام النبوة. قال الله تعالى: أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم. # [مريم: 58] . الآية. فلم يجعل تعالى بين مرتبتي النبوة والصديقية مرتبة ~~أخرى تتخللهما. ثم بين قدس سره صدق الأقوال، وصدق الأفعال، وصدق الأحوال. # (فالأول) هو موافقة الضمير للنطق. قال الجنيد: حقيقة الصدق أن تصدق في ~~مواطن لا ينجيك فيه إلا الكذب. و (صدق الأفعال) هو الوفاء لله بالعمل من ~~غير مداهنة. قال المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في ~~قلوب # PageV04P215 # الخلق من أجل إصلاح قلبه. ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن ~~عمله. ولا يكره أن يطلع الناس ms1726 على السيء من حاله. لأن كراهته لذلك دليل على ~~أنه يحب الزيادة عندهم. وليس هذا من أخلاق الصديقين. و (صدق الأحوال) ~~اجتماع الهم على الحق، بحيث لا يختلج في القلب تفرقة عن الحق بوجه. # وقوله تعالى: كانا يأكلان الطعام استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر ~~البشر في الافتقار إلى الغذاء. وفيه تبعيد عما نسب إليهما. # قال الزمخشري: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم ~~والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة، مع ~~شهوة وقرم وغير ذلك ... مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام. ### | لطيفة: # إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى، حاجتهما للطعام عما قبله ~~من مساواتهما للرسل عليهم السلام، ترقيا في باب الاستدلال من الجلي للأجلى، ~~على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي ~~لغموضه عليه، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته. فيضطر للتسليم، إن لم يكن ~~معاندا ولا مكابرا. # هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير. # وأما قول الخفاجي- ملخصا كلام البيضاوي- في سر ذلك: أنه تعالى بين أولا ~~أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر ~~نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم. حيث قدم العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم انتهى- ~~فبعيد. # وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، ~~والله أعلم بأسرار كتابه. # انظر كيف نبين لهم الآيات أي: على توحيد الله، وبطلان الاتحاد وإلهية ~~عيسى وأمه، وبطلان شبهاتهم! ثم انظر أنى يؤفكون أي: كيف يصرفون عن التأمل ~~فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان.! # قال أبو السعود: وتكرير الأمر بالنظر، للمبالغة في التعجيب من حال الذين # PageV04P216 # يدعون لهما الربوبية، ولا يرعوون عن ذلك، بعد ما بين لهم حقيقة خالهما ~~بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب، وثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت. أي ~~إن بياننا للآيات أمر ms1727 بديع في بابه، بالغ لأقاصي الغايات القاصية من ~~التحقيق والإيضاح. وإعراضهم عنها- مع انتفاء ما يصححه بالمرة، وتعاضد ما ~~يوجب قبولها- أعجب وأبدع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 76] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا هذا دليل آخر على ~~فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه، أي: لا يستطيعان أن يضراكم ~~بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال. ولا أن ~~ينفعاكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب. ولأن كل ما ~~يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبإقدار الله وتمكينه، فكأنهما لا ~~يملكان منه شيئا. وإيثار (ما) على (من) لتحقيق ما هو المراد من كونهما ~~بمعزل من الألوهية رأسا. ببيان انتظامهما في سلك الأشياء التي لا قدرة لها ~~على شيء أصلا أي: وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن ~~قدرته. وإنما قدم (الضر) لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. والله هو ~~السميع العليم بالأقوال والعقائد. فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ~~فهو وعد ووعيد. ### | تنبيهات: # الأول. جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى أتعبدون عاما للنصارى وغيرهم، ~~أي قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم. # وفي (تنوير المقباس) أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة. # وكلاهما مما يأباه السباق والسياق. # الثاني: قال في (فتح البيان) : إذا كان هذا في حق عيسى النبي، فما ظنك ~~بولي من الأولياء؟ فإنه أولى بذلك. # الثالث: جعل أكثر المفسرين (ما) كناية عن عيسى عليه السلام فقط، والمقام ~~أنها كناية عنه وعن أمه عليهما السلام، كما أوضحه المهايمي واعتمدناه. # الرابع: دلت الآية على جواز الحجاج في الدين فإن كان مع الكفار وأهل # PageV04P217 # البدع، فذلك ظاهر الجواز وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى ~~الحق، لا إن قصد العلو فمحظور. وحكي عن الشافعي أنه كان ms1728 إذا جادل أحدا قال: # اللهم! ألق الحق على لسانه. أفاده بعض الزيدية. # ولما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى، أرشدهم إلى ~~اتباع الحق ومجانبة الغلو الباطل، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 77] # قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) # قل يا أهل الكتاب أي: الذي هو ميزان العدل لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه، وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما ~~تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقادا غير الحق بلا دليل ~~عليه، مع تظاهر الأدلة على خلافه. ونصب (غير) على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: ~~غلوا غير الحق. يعني غلوا باطلا. أو حال من ضمير الفاعل أي: مجاوزين الحق. ~~و (الغلو) نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد وذلك لأن الحق بين طرفي ~~الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير. ### | تنبيه: # دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان: (غلو حق) كأن يفحص عن حقائقه ~~ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه و (غلو باطل) وهو أن يتجاوز ~~الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه. # قال بعض الزيدية: دلت الآية على أن الغلو في الدين لا يجوز، وهو المجاوزة ~~للحق إلى الباطل. ومن هذا، الغلو في الطهارة مع كثير من الناس، بالزيادة ~~على ما ورد به الشرع لغير موجب. انتهى. # ومن هذا القبيل الغلو في تعظيم الصالحين وقبورهم حتى يصيرها كالأوثان ~~التي كانت تعبد. # وروى «1» الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس، أن النبي ~~PageV04P218 # صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والغلو في الدين. فإنما هلك من كان قبلكم ~~بالغلو في الدين. # وعن عمر «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أطرت ~~النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. أخرجاه. # ولمسلم «2» عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ms1729 وسلم قال: هلك ~~المتنطعون! قالها ثلاثا # . ثم نهاهم تعالى عن اتباع سلفهم وأئمتهم الضالين بقوله سبحانه: # ولا تتبعوا قال المهايمي: أي: تقليدا أهواء قوم تمسكوا بخوارقهما على ~~إلهيتهما. فإن نظروا إلى سبقهم فغايتهم أنهم قد ضلوا من قبل وإلى كثرة ~~أتباعهم فغايتهم أنهم أضلوا كثيرا ممن شايعهم على التثليث وإلى تمسكهم ~~بمتشابهات الإنجيل، فغايتهم أنهم ضلوا عن سواء السبيل إذ لم يردوها إلى ~~المحكمات. ### | تنبيهات: # الأول: قال الرازي: # الهواء- هاهنا- المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: # ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله [ص: 26] . واتبع هواه فتردى [طه: 16] . وما ينطق عن الهوى ~~[النجم: 3] . أرأيت من اتخذ إلهه هواه [الفرقان: 43] . قال أبو عبيدة: لم ~~نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال: فلان يهوى الخير. إنما يقال: ~~يريد الخير ويحبه. وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله. وقيل: سمي ~~الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وأنشد في ذم الهوى: # إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس: ~~كل هوى ضلالة. # الثاني: قال الرازي أيضا: PageV04P219 # إنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ~~ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى ~~إنهم الآن ضالون كما كانوا. ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من ~~عقاب الله تعالى، من هذه الحالة. نعوذ بالله منها. ويحتمل أن يكون المراد ~~أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم، في ذلك الإضلال، أنه إرشاد إلى ~~الحق. ويحتمل أن يكون المراد بالضلال عن الدين، وبالضلال عن طريق الجنة. ~~انتهى. # وهذه الوجوه- مع ما أسلفناه عن المهايمي- كلها مما يصح إرادتها من الآية ~~لتصادقها جميعا عليهم. # الثالث: دلت الآية على أن ما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل- مع مخالفتها ~~للعقول ومزاحمتها للأصول- لا مستند ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم ms1730 ~~الضالين، الذين أحدثوا القول بالتثليث بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح ~~عليه السلام. وقرروه في تعاليمهم بعد جدال واضطراب. وتمسكوا في ذلك، بظواهر ~~الألفاظ التي لا يحيطون بها علما، مما لا أصل له في شرع الإنجيل، ولا مأخوذ ~~من قول المسيح ولا من أقوال حوارييه. وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت، يكذب ~~بعضه بعضا، ويعارضه ويناقضه، كما تبين من الكتب المصنفة في الرد عليهم. # الرابع: جاء في (تنوير المقباس) : # إن المراد ب (أهل الكتاب) هنا: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وبقوله ولا تتبعوا أهواء قوم العاقب والسيد. والأول- ~~كما قال ابن إسحاق- كان أمير القوم وذا رأيهم. والثاني صاحب رحلهم ~~ومجتمعهم. # والأظهر أن المعني ب (أهل الكتاب) عموم النصارى. والمذكورون يدخلون فيه ~~دخولا أوليا. # الخامس: ذكر كثير من المفسرين: أن المراد ب (أهل الكتاب) هنا: اليهود ~~والنصارى. وأن كليهما غلا في عيسى عليه السلام: أما غلو اليهود فالتقصير في ~~حقه حتى نسبوه إلى غير رشدة. وأما غلو النصارى فمعلوم. وأن الخطاب في قوله ~~تعالى: # ولا تتبعوا أهواء قوم لليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم. ~~انتهى. # وظاهر أن ما نسب للفريقين- من الغلو والابتداع- مسلم. بيد أن الأقرب # PageV04P220 # للسباق الداحض لشبهات النصارى، أن تكون هذه الآية فيهم زجرا لهم عما ~~سلكوه، إثر إبطاله بالبراهين الدامغة. على أن الغلو ألصق بالنصارى منه ~~باليهود، كما لا يخفى. والله أعلم. # ثم أخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل فيما أنزله على داود ~~وعيسى عليهما السلام. بسبب عصيانهم وما عدد من كبائرهم. فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 78] # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (78) # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل أي: لعنهم الله عز وجل على لسان داود ~~وعيسى ابن مريم أي: لسانيهما. وأفرد لعدم اللبس، إن أريد باللسان الجارحة. ms1731 # وقيل: المراد به الكلام وما نزل عليهما. كذا في (العناية) . # ذلك أي: لعنهم الهائل بما عصوا وكانوا يعتدون بقتل الأنبياء واستحلال ~~المعاصي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 79] # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي: لا ينهى بعضهم بعضا عن ارتكاب المآثم ~~والمحارم. ثم ذمهم على ذلك ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه فقال: # لبئس ما كانوا يفعلون مؤكدا بلام القسم. تعجيبا من سوء فعلهم، كيف وقد ~~أداهم إلى ما شرح من اللعن الكبير. ### | تنبيهات: # الأول: دلت الآية على جواز لعنهم. # الثاني: دلت الآية أيضا على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع. لما ~~رواه أكثر المفسرين، أن الذين لعنهم داود عليه السلام أهل أيلة الذين ~~اعتدوا في السبت واصطادوا الحيتان فيه. وستأتي قصتهم في (الأعراف) . # الثالث: دلت أيضا على وجوب النهي عن المنكر. # قال الحاكم: وتدل على أن ترك النهي من الكبائر. # PageV04P221 # الرابع: # روى الإمام أحمد «1» في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم ~~فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، أو في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب ~~الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال: لا، ~~والذي نفسي بيده! حتى تأطروهم على الحق أطرا. أي: تعطفوهم عليه. ورواه ~~الترمذي # وقال: حسن غريب. # وأخرجه أبو داود عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما ~~دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا! اتق ~~الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن ~~يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم ~~قال: لعن الذين كفروا- إلى قوله- فاسقون. ثم قال: كلا والله! لتأمرن ~~بالمعروف. ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن ms1732 على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق ~~أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا. # زاد في رواية: أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم. # وكذا رواه الترمذي وحسنه. وابن ماجة. # والأحاديث في (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كثيرة، ومما يناسب منها ~~هذا المقام: # ما # رواه الإمام أحمد «2» والترمذي عن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ~~ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم. # وفي (الصحيحين) «3» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع ~~فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان. PageV04P222 # وروى الإمام أحمد «1» عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا ~~المنكر بين ظهرانيهم. وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه. فإذا فعلوا ذلك ~~عذب الله الخاصة والعامة. # وروى ابن ماجة «2» عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت ~~المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت الناس. # قال الحافظ ابن كثير: تفرد به ابن ماجة # . وإسناده لا بأس به. # وروى الإمام أحمد «3» والترمذي عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من ~~البلاء ما لا يطيق. # قال الترمذي: حسن غريب. # وروى ابن ماجة «4» عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله! متى نترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم ~~قبلكم. قلنا: # يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: الملك في صغاركم، الفاحشة في ~~كباركم، والعلم في رذالتكم. # قال زيد بن يحيى الخزاعي، أحد رواته: معنى ms1733 # قول النبي صلى الله عليه وسلم (والعلم في رذالتكم) # إذا كان العلم في الفساق. # تفرد به ابن ماجة. وله شاهد في حديث أبي ثعلبة يأتي إن شاء الله عند قوله ~~تعالى: لا يضركم من ضل- أفاده ابن كثير. # أقول: هذه الأحاديث إنما يتروح بها الضعفة، من نحو العلماء والقادة. وأما ~~PageV04P223 # من كان لهم الكلمة النافذة والوجاهة التامة فهيهات أن تغني عنهم، وهذه ~~المواعيد الهائلة تخفق فوق رؤوسهم.. ولذا قال العلامة الزمخشري: فيا حسرة ~~على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبئهم به. كأنه ~~ليس من ملة الإسلام في شيء. مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه من ~~المبالغات في هذا الباب. وقد مر عند قوله تعالى: لولا ينهاهم الربانيون ~~[المائدة: 63] ما يؤيد ما هنا، فتذكر. # الخامس: قال الزمخشري: فإن قلت: كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيرا ~~للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قبل أن الله تعالى أمر بالتناهي. فكان الإخلال ~~به معصية، وهو اعتداء. # ولما وصف تعالى أسلافهم بما مضى، وصف الحاضرين بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 80] # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) # ترى كثيرا منهم أي: من أهل الكتاب يتولون الذين كفروا أي: يوالون ~~المشركين، بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الرازي: والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه، حين استجاشوا المشركين ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم: وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. # لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي: لبئس شيئا قدموا لمعادهم. وقوله تعالى: # أن سخط الله عليهم هو المخصوص بالذم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه، تنبيها على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغة ~~في الذم. والمعنى: لبئس زادهم في الآخرة موجب سخطه تعالى عليهم وفي العذاب ~~أي: عذاب جهنم هم خالدون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 81] # ولو كانوا يؤمنون بالله ms1734 والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن ~~كثيرا منهم فاسقون (81) # ولو كانوا أي: هؤلاء الذين يتولون عبدة الأوثان من أهل الكتاب يؤمنون # PageV04P224 # بالله والنبي # أي نبيهم موسى عليه السلام وما أنزل إليه أي: من التوراة ما اتخذوهم ~~أولياء إذ الإيمان بالله يمنع من تولي من يعبد غيره ولكن كثيرا منهم فاسقون ~~خارجون عن دينهم، أو متمردون في نفاقهم. يعني: أن موالاتهم للمشركين كفى ~~بها دليلا على نفاقهم، وإن إيمانهم ليس بإيمان، لأن تحريم ذلك متأكد في ~~التوراة وفي شرع موسى عليه السلام. فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم ~~تقرير دين موسى عليه السلام، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيله ~~بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق. # وفي الآية وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: ولو كانوا- أي منافقوا أهل ~~الكتاب المدعون للإيمان- يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن حق ~~الإيمان، ما ارتكبوا ما ارتكبوه، من موالاة الكافرين في الباطن. # والوجه الأول أقوم، والله أعلم. # ثم أكد تعالى ما تقدم من مثالب اليهود بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 82] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا وإنما عاداهم ~~اليهود لإيمانهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعاداهم المشركون لتوحيدهم ~~وإقرارهم بنبوة الأنبياء- أشار إليه المهايمي. # وقال غيره: لشدة إبائهم، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، ~~وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء ~~على الأنبياء، والاجتراء على تكذيبهم، ومناصبتهم لهم. ولهذا قتلوا كثيرا ~~منهم حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسموه، وسحروه، ~~وألبوا عليه أشباههم من المشركين. وفي تقديم (اليهود) على (المشركين) ، بعد ~~لزهما في قرن واحد، إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة، كما أن في تقديمهم ~~عليهم في قوله تعالى: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا [البقرة: 96] إيذانا # PageV04P225 # بتقدمهم ms1735 عليهم في الحرص. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى للين جانبهم وقلة غل قلوبهم. # قال ابن كثير: وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح، من ~~الرقة والرأفة، كما قال تعالى: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية [الحديد: 27] . وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك ~~الأيسر. # وليس القتال مشروعا في ملتهم. انتهى. # ولأن من مذهب اليهود، أنه يجب إيصال الشر إلى من خالف دينهم بأي طريق ~~كان، من القتل ونهب المال ونحوهما، وهو عند النصارى حرام. فحصل الفرق. # وقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا: ما خلا يهودي بمسلم إلا هم ~~بقتله. # ولكثرة اهتمام النصارى بالعلم والترهب، مما يدعو إلى قلة البغضاء والحسد، ~~ولين العريكة، كما أشير إليه بقوله تعالى: ذلك أي: كونهم أقرب مودة ~~للمؤمنين بأن منهم أي: بسبب أن منهم قسيسين أي علماء ورهبانا أي عبادا ~~متجردين وأنهم لا يستكبرون أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود. # وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراءة ~~من الكبر- محمود. وإن كان ذلك من كافر. ### | لطيفة: # قال الناصر في (الانتصاف) : # إنما قال تعالى: الذين قالوا إنا نصارى ولم يقل (النصارى) تعريضا بصلابة ~~اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر، لأن اليهود قيل لهم: ادخلوا ~~الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم [المائدة: 21] ~~فقابلوا ذلك بأن قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [المائدة: ~~24] . والنصارى قالوا: نحن أنصار الله [آل عمران: 52] . ومن ثم سموا نصارى. ~~وكذلك أيضا ورد أول هذه السورة. ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به [المائدة: 14] . فأسند ذلك إلى قولهم، والإشارة به ~~إلى قولهم: نحن أنصار الله لكنه هاهنا ذكر تنبيها على أنهم لم يثبتوا على ~~الميثاق ولا على ما قالوه من أنهم أنصار الله. وفي الآية الثانية ذكر ~~تنبيها على أنهم أقرب حالا من اليهود. # لأنهم لما ورد عليهم الأمر لم يكافحوه بالرد مكافحة ms1736 اليهود. بل قالوا: ~~نحن أنصار # PageV04P226 # الله # . واليهود قالت: فاذهب أنت وربك ... الآية، فهذا سره. والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 83] # وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول عطف على (لا يستكبرون) . قال أبو البقاء: # ويجوز أن يكون مستأنفا في اللفظ وإن كان له تعلق بما قبله في المعنى. ~~يعني: وإذا سمعوا القرآن ترى أعينهم تفيض أي: تنصب من الدمع الحاصل من ~~اجتماع حرارة الحب والخوف، مع برد اليقين مما عرفوا من الحق أي من كتابهم، ~~فوجدوه أكمل منه وأفضل، أو من الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ~~الحق، أو من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم يقولون أي: من ~~عدم استكبارهم ربنا آمنا أي: بك وبما أنزلت وبرسولك محمد فاكتبنا مع ~~الشاهدين أي: الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوته. روى الحاكم، وصححه، ابن عباس ~~قال: أي مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته هم الشاهدون. يشهدون لنبيهم ~~أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 84] # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) # وما لنا لا نؤمن بالله إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه- وهو ~~الطمع- في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين وما جاءنا من الحق أي. وبما ~~جاءنا من القرآن. وفي إعرابه وجه آخر يأتي، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو المعنى: أن يدخلنا ربنا ~~الجنة مع الأنبياء والمؤمنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 85] # فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء المحسنين (85) # فأثابهم الله بما قالوا أي: بما تكلموا به من قولهم ربنا آمنا الصادر عن ~~اعتقاد وإخلاص واعتراف بالحق جنات تجري من ms1737 تحتها أي: من تحت شجرها # PageV04P227 # ومساكنها الأنهار يعني أنهار الماء واللبن والخمر والعسل خالدين فيها أي: # مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها وذلك جزاء المحسنين يعني ~~المؤمنين الموحدين المخلصين في إيمانهم. ### | تنبيهات: # الأول: اتفق المفسرون على أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه ~~رضوان الله عليهم. # أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة ابن ~~الزبير قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب ~~معه كتابا إلى النجاشي. فقدم على النجاشي. فقرأ كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل إلى الرهبان ~~والقسيسين. ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم. فآمنوا بالقرآن ~~وفاضت أعينهم من الدمع. فهم الذين أنزل الله فيهم: ولتجدن أقربهم مودة..- ~~إلى قوله- فاكتبنا مع الشاهدين. # وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلا من خيار ~~أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقرأ عليهم سورة (يس) فبكوا، ~~فنزلت فيهم الآية. # وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآيات في النجاشي ~~وأصحابه: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول. # وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه، بأبسط منه. # - كذا في (أسباب النزول للسيوطي) - وقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين، حين تلا عليهم ~~جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم. # قال ابن كثير: وهذا القول فيه نظر. لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع ~~النجاشي قبل الهجرة. انتهى. # أقول: إن نظره مدفوع، فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ~~ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه.. وظاهر أن المقصود بهذه الآية ~~التعريض بعناد اليهود الذين كانوا حول المدينة. وهم يهود بني قريظة ~~والنضير. وبعناد # PageV04P228 # المشركين أيضا، وقساوة قلوب الفريقين، وأنه كان الأجدر بهما أن يعترفوا ~~بالحق كما اعترف به النجاشي ms1738 وأصحابه. وقال ابن كثير: هذا الصنف من النصارى ~~هم المذكورون في قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل ~~إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [آل عمران: 199] . الآية، وهم الذين قال ~~الله فيهم: # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا ~~به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين..- إلى قوله- لا نبتغي ~~الجاهلين [القصص: 52- 55] . انتهى. # وكان سبب هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة أن قريشا ائتمرت أن يفتنوا ~~المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم، فافتتن ~~من افتتن منهم، وعصم الله من شاء منهم. # قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه ~~أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء- قال لهم: لو ~~خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى ~~يجعل الله لكم فرجا مما أنتم. # فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض ~~الحبشة مخافة الفتنة. وفروا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في ~~الإسلام. # فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين- سوى أبنائهم ~~الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها- ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار ~~بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه. # ثم روى ابن إسحاق بسنده إلى أم سلمة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم- ~~قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي. أمنا على ديننا، ~~وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ~~ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين. وأن يهدوا ~~للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم. ~~فجمعوا له أدما كثيرا. ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية. ثم ~~بعثوا بذلك عبد الله ms1739 بن أبي ربيعة وعمرو ابن العاص. وأمروهما بأمرهم، ~~وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم. ثم قدما ~~إلى النجاشي هداياه. ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. # PageV04P229 # قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي- ونحن عنده بخير دار، عند خير جار- فلم ~~يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل ~~بطريق منهم: إنه قد ضوى- أي لجأ- إلى بلد الملك منا، غلمان سفهاء، فارقوا ~~دين قومه، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، ~~وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم ~~فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فإن قومهم أعلى بهم عينا. (أي ~~أبصر بهم) وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدما ~~هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه بما كلما كل بطريق. # قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن ~~يسمع كلامهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا. أيها الملك! قومهم ~~أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم. فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم ~~وقومهم. فقالت: فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله! إذا لا أسلمهم إليهما. ولا ~~يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ~~عما يقول هذان في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى ~~قومهم. وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني. # قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما ~~جاءهم رسوله اجتمعوا. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ ~~قالوا: نقول والله! ما علمنا. وما أمرنا به نبينا، كائنا في ذلك ما هو ~~كائن. فلما جاءوا- وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم ~~فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ~~ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن ms1740 أبي طالب فقال ~~له: أيها الملك؟ كنا قوما أهل جاهلية. نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي ~~الفواحش، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار. ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك ~~حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعا إلى ~~الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة ~~والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف ~~عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف ~~المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة ~~والزكاة والصيام. - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به ~~واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، ~~وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما # PageV04P230 # أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة ~~الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما ~~قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ~~واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا مظلم عندك أيها ~~الملك! قال: فقال له النجاشي: # هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم! فقال له ~~النجاشي: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) قالت: فبكى، والله! ~~النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما ~~تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا، والذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة ~~واحدة. انطلقا، فلا، والله! لا أسلمهم إليكما ولا يكادون. # قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لآتينه غدا عنهم بما ~~أستأصل به خضراءهم (أي شجرتهم التي منها تفرعوا) . # قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة- وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل ~~فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله! لأخبرنه أنهم يزعمون أن ~~عيسى ابن مريم عبد. # قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى ابن ms1741 ~~مريم قولا عظيما. فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ~~ليسألهم عنه. # قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم. ثم قال بعضهم لبعض: ماذا ~~تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول، والله! ما قال الله ~~وما جاءنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. قال: فلما دخلوا عليه قال ~~لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال جعفر بن أبي طالب نقول فيه ~~الذي جاءنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ~~ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: # فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: والله! ما عدا عيسى ~~ابن مريم، مما قلت. هذا العود. قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. ~~فقال: # وإن نخرتم، والله! اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي- والشيوم الآمنون- من سبكم، ~~غرم. # قالها ثلاثا. # ثم قال: ما أحب أن لي دبرا- والدبر الجبل- من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. ~~ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها. # PageV04P231 # قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير ~~دار مع خير جار. # ثم روى ابن إسحاق في قصته: أن النجاشي عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ~~ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. انتهى. # وإسلام النجاشي معروف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما مات، صلى ~~عليه مع تباعد الديار. # وذكر شمس الدين بن القيم في (زاد المعاد) : أنه كان مخرجهم إلى الحبشة في ~~السنة الخامسة من المبعث. ### | التنبيه الثاني: # في الآية دليل على أن المشروع عند قراءة القرآن الخشوع والبكاء. وفي ~~الخبر: # ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا. أخرجه المنذري في (الترغيب والترهيب) ~~عن عبد الله بن عمرو. وقال: رواه الحاكم مرفوعا وصححه. والمراد إشراب القلب ~~والخوف المهابة لله تعالى. # الثالث: في قوله تعالى: يقولون ربنا آمنا وقوله فأثابهم الله بما قالوا ~~دليل على أن الإقرار ms1742 داخل في الإيمان كما هو مذهب الفقهاء. وتعلقت الكرامية ~~في أن الإيمان مجرد القول بقوله تعالى: بما قالوا، لكن الثناء بفيض الدمع ~~في السباق، وبالإحسان في السياق، يدفع ذلك وأنى يكون مجرد القول إيمانا وقد ~~قال الله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين؟ نفى الإيمان عنهم، مع قولهم آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب. # وقال أهل المعرفة: الموجود منهم ثلاثة أشياء: البكاء على الجفاء، والدعاء ~~على العطاء، والرضا بالقضاء. فمن ادعى المعرفة، ولم يكن فيه هذه الثلاثة، ~~فليس بصادق في دعواه..! أفاده النسفي. # وقال الخازن: إنما علق الثواب بمجرد القول، لأنه قد سبق وصفهم بما يدل ~~على إخلاصهم فيما قالوا. وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص ~~واستكانة القلب. لأن القول إذا اقترن بالمعرفة فهو الإيمان الحقيقي الموعود ~~عليه بالثواب. # وقال الرازي: لما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد، ثم انضاف إليه ~~القول، لا جرم كمل الإيمان. # PageV04P232 # الرابع: قوله تعالى: وما جاءنا يجوز أن يكون في موضع جر، أي: وبما جاءنا، ~~ومن الحق حال من الفاعل المستتر، أو لغو متعلق بجاء أي: وبما جاءنا من عند ~~الله. ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الحق الخبر، والجملة في موضع الحال. وقوله ~~تعالى: ونطمع يجوز أن يكون معطوفا على نؤمن أي: وما لنا لا نطمع. ويجوز أن ~~يكون التقدير: ونحن نطمع، فتكون الجملة حالا من ضمير الفاعل في نؤمن- أفاده ~~أبو البقاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 86] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم أي: الذين جحدوا الحق ~~الذي جاءهم وكذبوا بحجج الله وبراهينه أولئك أصحاب الجحيم، أي: النار ~~الشديدة الحرارة. جزاء وفاقا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 87] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم أي: ما طاب ولذ ~~منه. # كأنه- لما تضمن ما سلف مدح النصارى ms1743 على الترهب، والحث على كسر النفس. # ورفض الشهوات- عقبه النهي عن الإفراط في ذلك بتحريم اللذائذ من المباحات ~~الشرعية. ثم أشار إلى أنه اعتداء بقوله سبحانه ولا تعتدوا أي: عما حد الله ~~سبحانه وتعالى بجعل الحلال حراما. أو: ولا تعتدوا في تناول الحلال فتجاوزوا ~~الحد فيه إلى الإسراف كما قال تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: ~~31] . # وقال والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~[الفرقان: # 67] . أو: ولا تعتدوا على النفس والأهل بمنع الحقوق. أو: ولا تعتدوا حدود ~~ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم إن الله لا يحب المعتدين في كل ما ذكر، ~~وهو تعليل لما قبله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 88] # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا أي: كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم # PageV04P233 # الله. فيكون حلالا مفعول كلوا ومما حال منه، أو متعلقة ب كلوا، أو هو ~~المفعول وحلالا حال من ما أو من عائده المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف، أي: ~~أكلا حلالا. وقوله تعالى: واتقوا الله تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده ~~تأكيدا بقوله: الذي أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى، في ~~الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه. # قال المهايمي: مقتضى إيمانكم أن لا تغيروا شيئا من أحكام دينكم، وأن لا ~~تعارضوا في أحكامه ولو بكراهة من أنفسكم، وأن تتقوه في وضع قواعد تخالف ~~قواعد الشرع، بل غاية ما يجوز أخذ معان من علم الشريعة مؤكدة لمقتضاه. ### | تنبيهات. # الأول: فيما روي في سبب نزولها: # أخرج الترمذي «1» عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ~~فحرمت علي اللحم. # فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا.. الآية. # وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في ~~رهط من أصحاب النبي صلى ms1744 الله عليه وسلم، قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات ~~الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء. فمن أخذ بسنتي فهو مني ~~ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني. وروى ابن مردويه نحوه. # وفي (الصحيحين) «2» من حديث عائشة رضي الله عنها، أن ناسا من أصحاب ~~PageV04P234 # رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. ~~وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم. ~~وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني. # وروى ابن أبي حاتم، أن عبد الله بن مسعود جاءه معقل بن مقرن فقال: إني ~~حرمت فراشي. فتلا عليه هذه الآية. # وأخرج أيضا عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود. فجيء بضرع فتنحى ~~رجل. فقال عبد الله: ادن. فقال: إني حرمت أن آكله. فقال عبد الله: ادن ~~فاطعم وكفر عن يمينك. وتلا هذه الآية. ورواه الحاكم أيضا. # الثاني: قال بعض الزيدية: ثمرة الآية النهي عن تحريم الطيبات من الحلال. # وذكر الحاكم: أن هذا النهي يحتمل وجوها لا مانع من الحمل على جميعها: # أحدهما لا تعتقدوا التحريم. ومنها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى والحكم. ~~ومنها: # لا تجروه مجرى الحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: لا تلتزموا تحريمه بنذر ~~أو غيره. # وقال القاضي: لا تحرموا الحلال بفعل يصدر منكم.، كالبياعات الربوية وخلط ~~الحلال بالمغصوب والطاهر بالنجس. # ثم قال: ويتعلق بهذا أمرين: الأول إذا حرم الحلال، هل يجب عليه الحنث ~~والرجوع؟ قلنا: ظاهر الآية يدل على ذلك، ويلزم مع ذلك التوبة. الأمر ~~الثاني: هل يلزمه في ذلك كفارة؟ قلنا: هذه الآية قد يستدل بها على اللزوم، ~~لأن النهي يقتضي فساد ms1745 المنهي عنه. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. ~~انتهى. # وقال ابن كثير: ذهب الشافعي إلى أنه من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا، ما ~~عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا. لإطلاق هذه الآية. ~~ولأن الذي حرم اللحم على نفسه- كما في الحديث المتقدم- لم يأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكفارة. # وذهب آخرون- منهم الإمام أحمد- إلى أن من حرم شيئا- مما ذكر- فإنه يجب ~~عليه كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين. فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه ~~على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله ~~تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، تبتغي مرضات أزواجك، والله ~~غفور رحيم # PageV04P235 # [التحريم: 1] . ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] .. # الآية. وكذلك هنا. لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، ~~فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتصاء التكفير. والله أعلم. # وفي (زاد المعاد) لابن القيم فصل مهم في حكم من حرم أمته أو زوجته أو ~~متاعه. تنبغي مراجعته. # الثالث: هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدد في التعبد- كذا في ~~(الإكليل) . # قال ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء، مما أحل الله لعباده ~~المؤمنين، على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي ~~صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء ~~مما أحله الله لعباده. # وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده، وعمل به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون. ~~إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. فإذا كان ذلك كذلك ~~تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، إذا قدر على ~~لباس ذلك من حله. وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض ~~الحاجة إلى النساء.. قال: فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا- لما في ~~لباس ms1746 الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل منهما من القيمة إلى أهل ~~الحاجة- فقد ظن خطأ. وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ~~ربها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة. لأنها مفسدة لعقله ومضعفة ~~لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته.. انتهى. # وللرازي هنا مبحث جيد في حكمة هذا النهي. مؤيد لما ذكر. فليراجع فإنه ~~نفيس. # وقد أخرج الترمذي «1» عن عائشة قالت: كان رسول الله يحب الحلواء والعسل. # وله «2» عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع ~~إليه الذراع- وكانت تعجبه- فنهش منها. قالت «3» عائشة: ما كان الذراع أحب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، وكان ~~يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها نضجا. # أخرجه الترمذي. PageV04P236 # وحكى الزمخشري عن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه. ~~فقعدوا على المائدة- وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك- ~~فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذه ~~الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد! أترى لعاب النحل، بلباب البر، ~~بخالص السمن، يعيبه مسلم.؟ # وعنه: أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب ~~الماء البارد؟ قالوا نعم، قال: إنه جاهل. إن نعمة الله عليه في الماء ~~البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. # وعنه: أن الله تعالي أدب عباده فأحسن أدبهم قال الله تعالى: لينفق ذو سعة ~~من سعته [الطلاق: 7] . ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا. ~~ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه. # الرابع: قال الرازي: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، ولكن قال مما رزقكم ~~الله وكلمة من للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا ~~البقية إلى الصدقات والخيرات، لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال ولا ~~تسرفوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 89] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ms1747 تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم تقدم الكلام على اللغو في اليمين في ~~(سورة البقرة) وإنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، ~~والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم ~~في اللغو ولا كفارة ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أي: بتعقيدكم الأيمان ~~وتوثيقها عليه بأن حلفتم عن قصد منكم، أي: إذا حنثتم. أو بنكث ما عقدتم، ~~فحذف للعلم به. # وقرئ بالتخفيف، وقرئ (عاقدتم) بمعنى عقدتم فكفارته أي: فكفارة نكثه، أي ~~الخصلة الماحية لإثمه إطعام عشرة مساكين يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ~~ما يكفيه من أوسط ما تطعمون أهليكم أي: لا من أجوده فضلا عما تخصونه # PageV04P237 # بأنفسكم. ولا من أردأ ما تطعمونهم فضلا عن الذي تعطونه السائل أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة أي: عتقها فمن لم يجد أي: شيئا مما ذكر فصيام ثلاثة أيام ~~كفارته ذلك أي: المذكور كفارة أيمانكم أي: التي اجترأتم بها على الله تعالى ~~إذا حلفتم أي: وحنثتم واحفظوا أيمانكم أي: عن الإكثار منها- أو عن الحنث- ~~إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرا، لئلا يذهب تعظيم اسم الله عن قلوبكم كذلك ~~أي: مثل هذا البيان الكامل يبين الله لكم آياته أي: أعلام شرائعه لعلكم ~~تشكرون أي: نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج. # قال المهايمي: أي: تشكرون نعمه بصرفها إلى ما خلقت له، ومن جملتها صرف ~~اللسان، الذي خلق لذكر الله وتعظيمه، إلى ذلك. فإذا فات صرف بعض ما ملكه ~~إلى بعض ما يجبره ليقوم مقام الشكر باللسان، إذ به يتم تعظيمه. فإذا لم يجد ~~كسر هوى النفس من أجله فهو أيضا من تعظيمه. فافهم. ### | وفي هذه الآية مباحث: # الأول: معنى: (أو) التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث. فإذا لم يجد ~~انتقل إلى الصوم. # فأما الإطعام فليس فيه تحدي بقدر. لا في وجبة ولا وجبتين، ms1748 ولا في قدر من ~~الكيل. # ولذا روي عن الصحابة والتابعين فيه وجوه. جميعها مما يصدق عليه مسماه، ~~فبأيها أخذ أجزأه. فمنها ما # رواه ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: يغديهم ويعشيهم # . كأنه ذهب- رضي الله عنه- إلى المراد بالإطعام الكامل- أعني قوت اليوم ~~وهو وجبتان- وإلا فالإطعام يصدق على الوجبة الواحدة. # ولذا قال الحسن ومحمد بن الحنفية: يكفيه إطعامهم أكلة واحدة خبزا ولحما. ~~زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى ~~يشبعوا. # وعن عمر وعلي أيضا وعائشة وثلة من التابعين: يطعم كل واحد من العشرة نصف ~~صاع من بر أو تمر أو نحوهما. # وعن ابن عباس: لكل مسكين مد من بر ومعه إدامه. # وفي (فتح القدير) من كتب الحنفية: يجوز أن يغديهم ويعشيهم بخبز. إلا أنه ~~إن كان برا لا يشترط الإدام، وإن كان غيره فبإدام. # PageV04P238 # وحكي عن الهادي: اشتراط الأكل لإشعار (الإطعام) بذلك. # والأكثرون: أن الأكل غير شرط. لأنه ينطلق لفظ (الإطعام) على التمليك. # الثاني: إطلاق (المساكين) يشمل المؤمن والكافر الذمي والفاسق. فبعضهم أخذ ~~بعموم ذلك. ومذهب الشافعية والزيدية: خروج الكافر بالقياس على منع صرف ~~الزكاة إليه، وأما الفاسق فيجوز الصرف إليه مهما لم يكن في ذلك إعانة له ~~على المنكر. ولم يجوزه الهادي. وظاهر الآية اشتراط العدد في المساكين. وقول ~~بعضهم: # إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد ~~عشرة أيام- عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص. # الثالث: لم يبين في الآية حد الكسوة وصفتها فالواجب حينئذ الحمل على ما ~~ينطلق عليها اسمها. # قال الشافعي، رحمه الله: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم ~~الكسوة- من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة- أجزأه ذلك. # وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما ~~يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة، كل بحسبه. # وقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة. # وقال مجاهد: ms1749 أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. # وعن ابن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. # وعن الحسن وابن سيرين: ثوبان ثوبان. # وروى ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: أو كسوتهم قال: عباءة لكل مسكين # . قال ابن كثير: حديث غريب. # أقول: لا يخفى الاحتياط والأخذ بالأكل والأفضل في الإطعام والكسوة. # الرابع: قال الرازي: المراد ب (الرقبة) الجملة. قيل: الأصل في هذا المجاز ~~أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. ~~فسمي (الإطلاق من الرقبة) فك الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ ~~بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي ~~وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها من كفارة القتل لاتحاد الموجب، ~~وإن اختلف السبب. # PageV04P239 # ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي- الذي هو في (موطأ مالك) «1» و (مسند ~~الشافعي) و (صحيح مسلم) «2» # - أنه ذكر أنه عليه عتق رقبة. وجاء معه بجارية سوداء. فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: # أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة ... الحديث بطوله. # قال الشعراني، قدس سعره في (الميزان) : قال العلماء: عدم اعتبار الإيمان ~~في الرقبة مشكل. لأن العتق ثمرته تخليص رقبة لعبادة الله عز وجل. فإذا أعتق ~~رقبة كافرة فإنما خلصها لعبادة إبليس. وأيضا فإن العتق قربة، ولا يحسن ~~التقرب إلى الله تعالى بكافر. انتهى. # الخامس: للعلماء في حد الإعسار الذي يبيح الانتقال إلى الصوم أقوال. ~~وظاهر الآية هو أنه لا يملك قدر إحدى الكفارات الثلاثة- من الإطعام أو ~~الكسوة أو العتق- فإن وجد قدر إحداها كان ذلك مانعا من الصوم، اللهم إذا ~~فضل عن قومه وقوت عياله في يومه ذلك. # وقد روى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم ~~لزمه الإطعام، وإلا صام. PageV04P240 # السادس: إطلاق قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام صادق على المجموعة والمفرقة. ~~كما في قضاء رمضان، لقوله فعدة من ms1750 أيام أخر [البقرة: 184] . ومن أوجب ~~التتابع استدل بقراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقرءان ~~فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقراءتهما لا تتخلف عن روايتهما. # قال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك. # قال ابن كثير: وهذه، إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا. فلا أقل أن يكون ~~خبر واحد أو تفسير من الصحابة. وهو في حكم المرفوع. # وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا ~~رسول الله! نحن بالخيار؟ قال: أنت بالخيار، إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت. # وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. قال ابن كثير: ~~وهذا حديث غريب جدا. # ونقل بعض الزيدية، رواية عن ابن جبير، أنه كان يصلي تارة بقراءة ابن ~~مسعود وتارة بقراءة زيد. # السابع: قال الناصر في (الانتصاف) : في هذه الآية- يعني قوله تعالى ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم- وجه لطيف المأخذ في الدلالة على صحة وقوع الكفارة ~~بعد اليمين وقبل الحنث، وهو المشهور من مذهب مالك. وبيان الاستدلال بها أنه ~~جعل ما بعد الحلف ظرفا لوقوع الكفارة المعتبرة شرعا. حيث أضاف إذا إلى مجرد ~~الحلف وليس في الآية إيجاب الكفارة حتى يقال: قد اتفق على أنها إنما تجب ~~بالحنث. فتعين تقديره مضافا إلى الحلف. بل إنما نطقت بشرعية الكفارة ~~ووقوعها على وجه الاعتبار. إذ لا يعطي قوله ذلك كفارة أيمانكم إيجابا، إنما ~~يعطي صحة واعتبارا. والله أعلم. # وهذا انتصار على منع التكفير قبل الحنث مطلقا، وإن كانت اليمين على بر. # والأقوال الثلاثة في مذهب مالك، إلا أن القول المنصور هو المشهور. انتهى. # وقال الرازي: احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز. ~~لأنها ذلت على أن كل واحد من الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف. فإذا ~~أداها بعد الحلف، قبل الحنث، فقد أدى الكفارة. وقوله تعالى: إذا حلفتم فيه ~~دقيقة. وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز. انتهى. # PageV04P241 # وفي (الصحيحين) «1» من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي ms1751 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن ~~يمينك وأت الذي هو خير. # وعند أبي داود: فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير. # الثامن قال السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى واحفظوا أيمانكم ~~استحباب ترك الحنث إلا إذا كان خيرا، أي: لما تقدم من حديث ابن سمرة. وهذا ~~على أحد وجهين في الآية. والآخر النهي عن الإكثار من الحلف كما سبق. قال ~~كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت! # التاسع: حكمة تقديم الإطعام على العتق- مع أنه أفضل- من وجوه: # (أحدها) : التنبيه من أول الأمر على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا ~~على الترتيب. وإلا لبدئ بالأغلظ (ثانيها) : كون الطعام أسهل لأنه أعم ~~وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في ~~التكاليف و (ثالثها) : كون الإطعام أفضل، لأن الحر الفقير قد لا يجد ~~الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعان، فيقع في الضر. أما العبد فإنه يجب ~~على مولاه إطعامه وكسوته، أفاده الرازي. # العاشر: سر إطعام العشرة، أنه بمنزلة الإمساك عن الطعام عشرة أيام العدد ~~الكامل، الكاسرة للنفس المجترئة على الله تعالى. وسر الكسوة كونه يجزي بستر ~~العورة سر المعصية. وسر التحرير فك رقبة عن الإثم. وسر صوم الثلاثة، أن ~~الصيام لما كان ضيرا بنفسه اكتفى فيه بأقل الجمع. أفاده المهايمي، قدس سره. # الحادي عشر: قال شمس الدين بن القيم في (زاد المعاد) : # «كان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة، ويمضي فيها ~~تارة. والاستثناء PageV04P242 # يمنع عقد اليمين. والكفارة تحلها بعد عقدها. ولهذا سماها الله تحلة. # وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا. وأمره الله سبحانه ~~بالحلف في ثلاثة مواضع: # فقال تعالى: ويستنبئونك أحق هو، قل إي وربي إنه لحق [يونس: 53] وقال ~~تعالى: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة، قل بلى وربي لتأتينكم [سبأ: 3] ~~وقال تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن ~~بما عملتم، ms1752 وذلك على الله يسير [التغابن: 7] . وكان إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه. فتحاكم إليه يوما ~~هو وخصم له. # فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود. فتهيأ للحلف. فقال له القاضي ~~إسماعيل: # وتحلف، ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف؟ وقد أمر الله ~~تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه. قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، ~~فاستحسن ذلك منه جدا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 90] # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر أي: الشراب الذي خامر العقل، أي خالطه ~~فستره والميسر أي: القمار والأنصاب أي: الأصنام المنصوبة للعبادة والأزلام ~~أي: القداح رجس من عمل الشيطان أي: خبيث من تزيين الشيطان، وقذر تعاف عنه ~~القول. # قال المهايمي: لأن الخمر تضيع العقل، وما دون السكر داع إلى ما يستكمله، ~~فأقيم مقامه في الشرع الكامل. والميسر يضيع المال. والأنصاب تضيع عزة ~~الإنسان بتذلله لما هو أدنى منه. والأزلام تضيع العلم للجهل بالثمن ~~والمثمن. انتهى. # وما ذكره هو شذرة من مفاسدها فاجتنبوه أي: اتركوه، يعني: ما ذكر. أو ~~(الرجس) الواقع على الكل لعلكم تفلحون أي: رجاء أن تنالوا الفلاح فتنجوا من ~~السخط والعذاب وتأمنوا في الآخرة. # ثم أكد تعالى تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية. # فالأولى في قوله: # PageV04P243 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 91] # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة أي: المشاتمة والمضاربة ~~والمقاتلة والبغضاء القاطعة للتعاون الذي لا بد للإنسان منه في معيشته في ~~الخمر أي إذا صرتم نشاوى والميسر إذا ذهب مالكم. وقد حكى أنه ربما قامر ~~الرجل بأهله وولده فإذا أخذه الخصم وقعت العداوة بينهما أبدا. ثم أشار إلى ~~مفاسدهما الدينية ms1753 بقوله: ويصدكم عن ذكر الله إذ يغلب السرور والطرب على ~~النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية فيلهى عن ذكر الله. والميسر، إن كان ~~صاحبه غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلبة والقهر عن ذكر الله. وإن كان ~~مغلوبا، مما حصل من الانقباض أو الاحتيال إلى أن يصير غالبا، لا يخطر بباله ~~ذكر الله وعن الصلاة أي: ويصدكم عن مراعاة أوقاتها. وقوله تعالى: فهل أنتم ~~منتهون من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع ~~الصوارف والموانع. # فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ~~ولم تزجروا؟ أفاده الزمخشري. ### | تنبيهات: # الأول: سبق الكلام على الخمر والميسر في سورة البقرة في قوله تعالى: # يسئلونك عن الخمر والميسر وسلف أيضا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه ~~السورة عند قوله: وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام فتذكر. # الثاني: إنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا، ثم أفردا ~~آخرا، وخصصا بشرح ما فيهما من الوبال- للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما. ~~وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة. كأنه لا مباينة ~~بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر. # روى الحارث بن أبي أسلمة في (مسنده) عن ابن عمرو مرفوعا: شارب الخمر ~~كعابد وثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى. وإسناده حسن. # وتخصيص الصلاة بالإفراد، مع دخولها في الذكر، للتعظيم والإشعار بأن الصاد ~~عنها كالصاد عن الإيمان، لما أنها عماده. # PageV04P244 # الثالث: هذه الآية دالة على تأكيد تحريم الخمر والميسر من وجوه: # (منها) : تصدير الجملة ب (إما) وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى ~~قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا الخمر والميسر وما ذكر معهما. # و (منها) : أنه قرنهما بعبادة الأوثان. # و (منها) : أنه جعلهما رجسا كما قال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~[الحج: 30] . # و (منها) : أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر ~~البحث. # و (منها) أنه أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر ms1754 للوجوب. # و (منها) : أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان ~~الارتكاب خيبة ومحقة. # و (منها) : أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال- وهو وقوع التعادي والتباغض- ~~وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة. # و (منها) : إعادة الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم ~~من أصناف الصوارف بقوله سبحانه فهل أنتم منتهون فآذن بأن الأمر في الزجر ~~والتحذير، وكشف ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية. وأن الأعذار قد ~~انقطعت بالكلية- و (منها) : قوله تعالى بعد ذلك: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 92] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (92) # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي: في جميع ما أمرا به ونهيا عنه واحذروا ~~أي: مخالفتهما في ذلك. فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر ~~دخولا أوليا. # و (منها) : قوله تعالى: # فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين أي: إن أعرضتم عن ~~الامتثال بما أمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر، فقد قامت عليكم الحجة # PageV04P245 # وانتهت الأعذار. والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ إذ أداه بما لا مزيد ~~عليه. فما بقي بعد ذلك إلا العقاب. وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من ~~خالف وأعرض عن حكم الله وبيانه. # الرابع: قال الرازي: اعلم أن من أنصف وترك الاعتساف، علم أن هذه الآية نص ~~صريح في أن كل مسكر حرام. وذلك لأنه تعالى رتب النهي عن شرب الخمر على ~~كونها مشتملة على تلك المفاسد الدينية والدنيوية، ومن المعلوم في بدائه ~~العقول أن تلك المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر. وهذا يفيد ~~القطع بأن علة قوله فهل أنتم منتهون هي كون الخمر مؤثرا في الإسكار، وإذا ~~ثبت هذا وجب القطع بأن كل مسكر حرام. قال: ومن أحاط عقله بهذا التقرير، ~~وبقي مصرا على قوله، فليس لعناده علاج. انتهى. # ثم بين تعالى رفع الإثم عمن مات وهو يشرب الخمر قبل التحريم- كما سنفصله- ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول ms1755 في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 93] # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح أي إثم فيما طعموا مما حرم بعد ~~تناولهم إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين. # وهنا مسائل الأولى: قال بعض المفسرين: إن قيل: لم خص المؤمنين بنفي ~~الجناح في الطيبات إذا ما اتقوا، والكافر كذلك؟ قال الحاكم: لأنه لا يصح ~~نفي الجناح عن الكافر، وأما المؤمن فيصح أن يطلق عليه، ولأن الكافر سد على ~~نفسه طريق معرفة الحلال والحرام. انتهى. # وفي (العناية) : تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها، ~~فإن عدم الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يشترط بشرط. بل على سبيل ~~المدح والثناء والدلالة على أنهم بهذه الصفة. # قال الزمخشري: ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول # PageV04P246 # - وقد علمت أن ذلك أمر مباح- ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى ~~المحارم وكان مؤمنا محسنا، تريد: إن زيدا تقي مؤمن محسن، وإنه غير مؤاخذ ~~بما فعل. # وقال العلامة أبو السعود: ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة ~~المذكورة، لا دخل لها في انتفاء الجناح. وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة ~~باتصاف الذين سئل عن حالهم بها، ومدحا لهم بذلك، وحمدا لأحوالهم. وقد أشير ~~إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها وبين ما ~~له دخل في الحكم، فإن مساق النظم الكريم بطريق العبارة- وإن كان لبيان حال ~~المتصفين بما ذكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة (إذا ما) - لكنه قد أخرج ~~مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على ~~الوجه البرهاني بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، ~~فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى. مع ما لهم ms1756 ~~من الصفات الحميدة- بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال- وإنما كانوا ~~يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك. ولو حرما في عصرهم، ~~لاتقوهما بالمرة. # وقال الطيبي: المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات ~~وتحريم الطيبات. وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى ~~مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال. وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء ~~عن الشرك، وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به، وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل ~~الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج (أن ~~تعبد الله كأنك تراه) وهو المعني بقوله تعالى: وأحسنوا ... إلخ. وبه ينتهى ~~للزلفى عند الله ومحبته. # والله يحب المحسنين. # قال الخفاجي: وهذا دفع للتكرير وأنه ليس لمجرد التأكيد، لأنه يجوز فيه ~~العطف ب (ثم) كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا ~~سوف تعلمون [التكاثر: 3- 4] . بل به باعتبار تغاير ما علق به مرة بعد أخرى. # والله أعلم. # الثانية: الإحسان المذكور في الآية: إما إحسان العمل، أو الإحسان إلى ~~الخلق، أو إحسان المشاهدة المتقدم، ولا مانع من الحمل على الجميع. # PageV04P247 # الثالثة: # روي في سبب نزولها عن أنس قال «1» : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة. ~~فنزل تحريم الخمر. فأمر صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى. فقال أبو طلحة: ~~اخرج فانظر ما هذا الصوت. قال، فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر ~~قد حرمت. فقال لي: اذهب فأهرقها. قال، فجرت في سكك المدينة. # قال، وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ. فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم. ~~قال، فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا.. الآية. رواه البخاري «2» في ~~(التفسير) . # وروى الترمذي «3» عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال، فنزلت: ~~ليس على الذين.. الآية. # وقال: حسن صحيح. # وعن ابن عباس قال «4» : قالوا: يا رسول الله! أرأيت الذين ماتوا ms1757 وهم ~~يشربون الخمر؟ (لما نزل تحريم الخمر) ، فنزلت: ليس على الذين.. الآية. ~~أخرجه الترمذي # وقال: حديث حسن صحيح. PageV04P248 # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي هرير قال: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر. فسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟ فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ~~أكبر من نفعهما [البقرة: 219] ... إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم ~~علينا. إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من ~~الأيام، صلى رجل من المهاجرين. أم أصحابه في المغرب. خلط في قراءته فأنزل ~~الله آية أغلظ منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون [النساء: 43] . فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة ~~وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر ... - إلى قوله- فهل أنتم منتهون [المائدة: 90] . فقالوا: # «انتهينا. ربنا» ؟ فقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ~~ماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا ~~ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا.. الآية. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: لو حرمت عليهم، لتركوها كما تركتم. # قال ابن كثير: انفرد به أحمد. # وعن «2» أبي ميسرة قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم! بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في البقرة: يسئلونك عن الخمر ~~والميسر.. # الآية، فدعي عمر فقرأت عليه فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. ~~فنزلت الآية التي في سورة النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى. فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا قال: حي على ~~الصلاة- نادى: لا يقربن الصلاة سكران. # فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت ~~الآية التي في المائدة. فلما بلغ قول الله تعالى: فهل أنتم ms1758 منتهون قال عمر: ~~انتهينا! انتهينا! رواه الإمام أحمد. وأصحاب السنن. # وروى البيهقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في ~~PageV04P249 # قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض. فلما ~~أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي ~~فلان. # وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله! لو كان بي رؤوفا رحيما ~~ما صنع بي هذا. حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~إنما الخمر ... - إلى قوله- فهل أنتم منتهون. # فقال ناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد. # فأنزل الله تعالى: ليس على الذين ... الآية. ورواه النسائي في (التفسير) ~~. # وأخرج أبو بكر البزار عن جابر رضي الله عنه قال: أصطبح ناس الخمر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد ~~مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فنزلت: ليس على الذين.. الآية. قال ~~البزار. إسناده صحيح. # قال ابن كثير: هو كما قال. # وقد ساق ابن كثير- هنا- أحاديث كثيرة في تحريم الخمر مما رواه أصحاب ~~الصحاح والسنن والمسانيد، فمن شاء فليرجع إليه. ولا يخفى أن تحريمها معلوم ~~من الدين بالضرورة. # وقد روى السيوطي في (الجامع الكبير) عن ابن عساكر بسنده إلى سيف بن عمر ~~عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا: كتب أبو عبيدة إلى ~~عمر رضي الله عنهما: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب. منهم ضرار وأبو ~~جندل. # فسألناهم فتأولوا وقالوا: خيرنا فاخترنا. قال: فهل أنتم منتهون؟ ولم ~~يعزم. # فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم فهل أنتم منتهون يعني: فانتهوا. وجمع ~~الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة ويضمنوا النفس، ومن تأول ~~عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل. وقالوا: من تأول على ما فر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منه، يزجر بالفعل والقتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن ~~ادعهم. فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم. وإن زعموا أنها ms1759 حرام فاجلدهم ثمانين. ~~فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الأشهاد فقالوا: # حرام. فجلدهم ثمانين. وحد القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثن فيكم- ~~يا أهل الشام! - حادث، فحدث الرمادة. # ورواه سيف بن عمر أيضا عن الشعبي والحكم بن عيينة. # PageV04P250 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 94] # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد أي: يرسله إليكم وأنتم ~~محرمون تناله أيديكم لتأخذوه، وهو الضعيف من الصيد وصغيره ورماحكم لتطعنوه، ~~وهو كبار الصيد ليعلم الله من يخافه بالغيب فيمتنع عن الاصطياد لقوة ~~إيمانه. # قال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية. فكانت الوحش ~~والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن ~~قتله وهم محرمون. # قال ابن كثير: يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون ~~من أخذه بالأيدي والرماح سرا وجهرا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو ~~جهره، كما قال تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ~~[الملك: # 12] . # وقوله تعالى: فمن اعتدى أي: بالصيد بعد ذلك يعني بعد الإعلام والإنذار ~~فله عذاب أليم لمخالفته أمر الله وشرعه. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله بشيء من الصيد؟ ~~قلت: قلل وصغر أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام ~~الثابيتن- كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال- وإنما هو شبيه بما ابتلى به ~~أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو ~~أشد منه..؟ # قال الناصر في (الانتصاف) : قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة ~~في قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين [البقرة: 155] . فلا خفاء في عظم هذه البلايا ~~والمحن التي يستحق الصابر عليها أن يبشر، لأنه صبر عظيم. فقول الزمخشري: ~~إنه قلل وصغر تنبيها على أن هذه ms1760 الفتنة ليست من الفتن العظام- مدفوع ~~باستعمالها مع الفتن المتفق على عظمها. والظاهر- والله أعلم- أن المراد بما ~~أشعر به اللفظ من التقليل # PageV04P251 # والتصغير، التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء به من هذه البلايا بعض من ~~كل، بالنسبة إلى مقدور الله تعالى. وإنه تعالى قادر على أن يكون ما يبلوهم ~~به من ذلك أعظم مما يقع وأهول. وأنه مهما اندفع عنهم مما هو أعظم في ~~المقدور فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل، لطفا بهم ورحمة. ليكون هذا ~~التنبيه باعثا لهم على الصبر، وحاملا على الاحتمال. والذي يرشد إلى أن هذا ~~مراد، أن سبق التوعد بذلك لم يكن إلا ليكونوا متوطنين على ذلك عند وقوعه. ~~فيكون أيضا باعثا على تحمله. # لأن مفاجأة المكروه بغتة أصعب. والإنذار به قبل وقوعه مما يسهل موقعه. ~~وحاصل ذلك لطف في القضاء ... فسبحان اللطيف بعباده. وإذا فكر العاقل فيما ~~يبتلى به من أنواع البلايا، وجد المندفع عنه منها أكثر، إلى ما لا يقف عند ~~غاية. فنسأل الله العفو والعافية واللطف في المقدور ... انتهى. # وللزمخشري أن يجيب بأن آية ولنبلونكم شاهدة له لا عليه. لأنه المقصود فيه ~~أيضا بالنسبة إلى ما دفعه الله عنهم- كما صرح به الناصر- مع أنه لا يتم ~~دفعه بالآية إلا إذا كان ونقص معطوفا على مجرور (من) ، ولو عطف على (شيء) ~~لكان مثل هذه الآية بلا فرق.. كذا في (العناية) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 95] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أي: محرمون بحج أو عمرة. # قال المهايمي: لأن قتله تجبر. والمحرم في غاية التذلل. انتهى. # وذكر القتل، دون الذبح والذكاة، للتعميم. أو للإيذان بكونه في حكم ms1761 ~~الميتة. # و (الصيد) ما يصاد مأكولا أو غيره. ولا يستثنى إلا ما # ثبت في (الصحيحين) «1» عن PageV04P252 # عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خمس فواسق يقتلن في الحل ~~والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور. وفي رواية (الحية) ~~بدل (العقرب) . # قال زيد بن أسلم وابن عيينة: الكلب العقور يشمل السباع العادية كلها. # ويستأنس لهذا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة ~~بن أبي لهب قال: # اللهم! سلط عليه كلبك. فأكله السبع بالزرقاء. ومن قتله منكم أيها ~~المحرمون متعمدا ذاكرا لإحرامه فجزاء بالتنوين ورفع ما بعده، أي: فعليه ~~جزاء هو مثل ما قتل من النعم أي: شبهه في الخلقة. وفي قراءة بإضافة (جزاء) ~~يحكم به أي: بالمثل مجتهدان ذوا عدل منكم لهما فطنة يميزان بها أشبه ~~الأشياء به. وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنه. ~~وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة. وابن عمر وابن عوف في ~~الظبي بشاة. وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرها في الحمام، لأنه يشبهها في العب ~~هديا حال من (جزاء) بالغ الكعبة أي: يبلغ به الحرم. فيذبح فيه ويتصدق به ~~على مساكينه. فلا يجوز أن يذبح حيث كان أو عليه كفارة غير الجزاء. وإن ~~وجده. هي طعام مساكين من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء. لكل مسكين ~~مد. وفي قراءة بإضافة (كفارة) لما بعده، وهي للبيان أو عليه عدل مثل ذلك ~~الطعام صياما يصوم، عن كل مد، يوما ليذوق أي: هاتك حرمة الله وبال أمره أي: ~~شدة وثقل هتكه لحرمة الإحرام. و (ليذوق) متعلق بالاستقرار في الجار ~~والمجرور. أي: فعليه جزاء ليذوق. أو بفعل يدل عليه الكلام. أي: شرع ذلك ~~عليه ليذوق عفا الله عما سلف من قتل الصيد قبل تحريمه. ومن عاد إليه فينتقم ~~الله منه بطلب الجزاء في الدنيا والمعاقبة في الآخرة. وكيف يترك ذلك والله ~~عزيز غالب على أمره. ومقتضى عزته الانتقام من هاتك حرمته، فهو لا ms1762 محالة ذو ~~انتقام ممن عصاه. ### | تنبيهات: # الأول- روى ابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، ~~إنما يحكم على من أصابه متعمدا. # قال ابن كثير: وهذا مذهب غريب. وهو تمسك بظاهر الآية. # ورأيت في بعض تفاسير الزيدية نسبة هذا القول إلى ابن عباس وعطاء ومجاهد ~~وسالم وأبي ثور وابن جبير والحسن (في إحدى الروايتين) ، والقاسم والهادي ~~والناصر وغيرهم. انتهى. # PageV04P253 # والجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. # وقال الزهري: دل الكتاب على العابد. وجرت السنة على الناسي. # الثاني: إذا لم يكن الصيد مثليا حكم ابن عباس بثمنه يحمل إلى مكة. رواه ~~البيهقي. # الثالث: ذهب معظم الأئمة إلى التخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام ~~والصيام، لأنه جيء بلفظ (أو) وحقيقتها التخيير. # وعن بعض السلف أن ذلك على الترتيب. قالوا: إنما دخلت (أو) لبيان أن ~~الجزاء لا يعدو أحد هذه الأشياء، ولأنا وجدنا الكفارات من الظهار والقتل ~~على الترتيب. قلنا: هذا معارض بكفارة اليمين وبدم الأذى، فلا يخرج عن حقيقة ~~اللفظ وهو التخيير. # الرابع: تعلق بظاهر قوله تعالى: ومن عاد فينتقم الله منه من قال: لا ~~كفارة على العائد. لأنه تعالى لم يذكرها. وهو مروي عن ابن عباس وشريح. ~~والجمهور: # على وجوبها عليه. لأن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه. وإنما لم ~~يصرح به لعلمه فيما مضى. مع أن الآية يحتمل أن معناها: من عاد بعد التحريم ~~إلى ما كان قبله. # الخامس: قال الحاكم: كما دلت الآية على الرجوع إلى ذوي العدل في ~~المماثلة. ففي ذلك دلالة على جواز الاجتهاد وتصويب المجتهدين. وجواز تعليق ~~الأحكام بغالب الظن. وجواز رجوع العامي إلى العالم، وأن عند التنازع في ~~الأمور يجب الرجوع إلى أهل البصر.. انتهى. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 96] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) # أحل لكم خطاب للمحرمين صيد البحر وطعامه قال المهايمي: إذ ليس فيه ms1763 التجبر ~~المنافي للتذلل الإحرامي. وصيد البحر ما يصاد منه طريا، وطعامه ما يتزود ~~منه مملحا يابسا، كذا في رواية عن ابن عباس. والمشهور عنه أن صيده # PageV04P254 # ما أخذ منه حيا، وطعامه ما لفظه ميتا. قال ابن كثير: وهذا ما روي عن أبي ~~بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري رضي الله ~~عنهم، وعن غير واحد من التابعين. # روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر قال: طعامه كل ما فيه. # وعن ابن المسيب: طعامه ما لفظه حيا أو حسر عنه فمات. # متاعا لكم أي: تمتيعا للمقيمين منكم يأكلونه طريا وللسيارة منكم يتزودونه ~~قديدا. # و (السيارة) القوم يسيرون. أنث على معنى الرفقة والجماعة. ### | تنبيهان: # الأول: قال ابن كثير: استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية، وبما رواه ~~الإمام مالك «1» عن ابن وهب وابن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل. فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ~~ثلاثمائة- قال وأنا فيهم- قال: # فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك ~~الجيش. # فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى ~~فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها ~~حين فقدت. قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب. فأكل منه ذلك ~~الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا. ثم أمر ~~براحلة فرحلت، ثم مرت تحتها ولم تصبها. # وهذا الحديث مخرج من (الصحيحين) «2» وله طرق عن جابر. # وفي (صحيح مسلم) » عن جابر: وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة ~~أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله ~~لكم. هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منه فأكله. # وفي بعض روايات مسلم: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا ~~هذه السمكة. PageV04P255 # فقال ms1764 بعضهم: هي واقعة أخرى. وقال بعضهم: هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة. فوجدوا هذه في ~~سريتهم تلك مع أي عبيدة. والله أعلم؟ # وعن أبي هريرة «1» : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به ~~عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته. رواه مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن. وصححه البخاري ~~والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم. # وعن ابن عمر «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحلت لنا ميتتان ~~ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال. رواه ~~الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني، والبيهقي، وله شواهد. وروي موقوفا # . فهذه حجج الجمهور. # الثاني: احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل دواب ~~البحر، ولم يستثن من ذلك شيئا. وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما ~~فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها، لما # رواه الإمام أحمد «3» وأبو داود عن أبي عبد الرحمن التيمي، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع. # وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح. # وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أي: محرمين فإذا اصطاد المحرم الصيد ~~متعمدا أثم وغرم. أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله. لأنه في حقه كالميتة واتقوا ~~الله في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام، ثم حذرهم بقوله سبحانه: # الذي إليه تحشرون أي: تبعثون فيجازيكم على أعمالكم. PageV04P256 ### | لطيفة: # قال المهايمي: إنما حرم الصيد على المحرم، لأنه قصد الكعبة التي حرم صيد ~~حرمها، فجعل كالواصل إليه. وإنما حرم صيد حرمها لأنها مثال بيت الملك، لا ~~يتعرض لما فيه أو في حرمه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 97] # جعل الله الكعبة البيت ms1765 الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي: مدارا لقيام أمر دينهم ~~بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبى ثمرات كل شيء إليه. # قال المهايمي: جعله الله مقام التوجه إليه في عبادته للناس المتفرقين في ~~العالم، ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتألف، الذي يحتاجون إليه في تمدنهم، ~~الذي به كمال معاشهم ومعادهم، لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما. # والشهر الحرام بمعنى الأشهر الحرم- ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب- ~~قياما لهم بأمنهم من القتال فيها. لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها والهدي ~~وهو ما يهدى إلى مكة والقلائد جمع قلادة. وهي ما يجعل في عنق البدنة التي ~~تهدى وغيره. والمراد ب (القلائد) ذوات القلائد وهي البدن. خصت بالذكر لأن ~~الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. والمفعول الثاني محذوف، ثقة بما ~~مر، أي: جعل الهدي والقلائد أيضا قياما لهم. فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي ~~إلى البيت الحرام على أنفسهم. وفيه قوام لمعيشة الفقراء ثمت. وكذلك كانوا ~~يأمنون إذا قلدوها أو قلدوا أنفسهم، عند الإحرام، من لحاء شجر الحرم. فلا ~~يتعرض لهم أحد ذلك أي: الجعل المذكور لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع ~~المضار عنكم قبل وقوعها، دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن. # وقد جود الرازي تقرير هذا المقام فأبدع، فلينظر. # وقوله تعالى: وأن الله بكل شيء عليم تعميم إثر تخصيص للتأكيد. # PageV04P257 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 98] # اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # اعلموا أن الله شديد العقاب وعيد لمن انتهك محارمه أو أصر على ذلك وأن ~~الله غفور رحيم وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 99] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ms1766 ما تبدون وما تكتمون (99) # ما على الرسول إلا البلاغ يعني: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، إلا ~~تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. وفي الآية تشديد في إيجاب ~~القيام بما أمر به. وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. وقامت ~~عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط والله يعلم ما تبدون ~~وما تكتمون من الخير والشر، فيجازيكم بذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 100] # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) # قل لا يستوي الخبيث والطيب حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه ~~وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيدها. قصد به الترغيب ~~في صالح العمل وحلال المال ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة ~~والرداءة، دون القلة والكثرة. فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. ~~والخطاب عام لكل معتبر- أي: ناظر بعين الاعتبار- ولذلك قال فاتقوا الله يا ~~أولي الألباب أي: # فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر. وآثروا الطيب وإن قل لعلكم تفلحون أي: # بمنازل القرب عنده تعالى المعد للطيبين. ### | تنبيهان: # الأول- قال الرازي: أعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة ~~بقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب ... الآية ثم بما بعدها أيضا- أتبعه ~~بنوع آخر من الترغيب والترهيب بقوله: قل لا يستوي ... الآية. وذلك لأن ~~الخبيث # PageV04P258 # والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيا وهو ظاهر لكل أحد. والثاني الذي ~~يكون روحانيا. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات ~~الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من ~~النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة ~~بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة. # وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مشرقة ~~بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما ~~أن الخبيث والطيب في عامل الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات ~~لا يستويان. بل المباينة بينهما ms1767 في عالم الروحانيات أشد لأن مضرة خبث ~~الخبيث الجسماني شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأما خيث الخبيث الروحاني ~~فمضرته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. ~~وهو القرب من جوار رب العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، ~~والمرافقة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه ~~الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية. # الثاني: قال بعض المفسرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه ~~على الطالح. وأن الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميز المؤمن في ~~المجلس. # انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 101] # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا أي: نبيكم عن أشياء إن تبد أي: تظهر لكم ~~تسؤكم لما فيها من المشقة وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم أي: وإن ~~تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ ~~لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه ف (حين) ظرف ل (تسألوا) . # وثمة وجه آخر: وهو جعل (حين) ظرفا ل (تبد) ، والمعنى: وإن تسألوا عنها. # تبد لكم حين ينزل القرآن. # قال ابن القيم: والمراد ب (حين النزول) زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن # PageV04P259 # للنزول. وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد ~~إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا. ثم قال: وثمة ~~قول ثان في قوله تعالى: وإن تسئلوا عنها ... إلخ، وهو أنه من باب التهديد ~~والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه ~~بما يسوؤكم: والمعنى: # لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي ~~لكم. # انتهى. # وقال بعضهم: إنه تعالى، بين أولا أن تلك الأشياء- التي سألوا عنها- إن ~~أبديت لهم ساءتهم. ثم بين ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم. فكان حاصل ms1768 ~~الكلام إن سألوا عنا أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع ~~المقدمتين أنهم، إن سألوا عنها، ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم. # قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: إن تبد لكم تسؤكم صفة ل (أشياء) ~~داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية ~~معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال ~~عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا. فقيل: وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم. أي: # تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين ~~التنزيل. # والمراد به: ما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، ~~والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أن ~~السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف ~~مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على ~~المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز ~~وجل، من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم- إن ~~أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه- لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمور ~~مستورة تكرهون بروزها. # عفا الله عنها أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها ~~عليكم توسعة عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها. فالجملة في ~~موضع جر صفة أخرى ل أشياء. أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز ~~عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذ ~~مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة. بل لأنها ~~في # PageV04P260 # نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها. وفيه من حثهم على الجد في ~~الانتهاء عنها ما لا يخفى والله غفور حليم اعتراض تذييلي مقرر لعفوه تعالى، ~~أي: مبالغ في مغفرة الذنوب. ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 102] # قد سألها ms1769 قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # قد سألها قوم من قبلكم أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في ~~كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير ثم ~~أصبحوا بها كافرين أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد ~~كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. # والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له. ### | تنبيهات: # الأول: # روى البخاري «1» في سبب نزولها في (التفسير) عن أبي الجويرية عن ابن عباس ~~قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء. فيقول الرجل: ~~من أبي؟ # ويقول الرجل، تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسئلوا ... حتى فرغ من الآية كلها. # وأخرج «2» أيضا عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا ولبكيتم كثيرا ... قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجوههم، لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: لا ~~تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. # وروى البخاري «3» أيضا في كتاب (الفتن) عن قتادة: أن أنسا حدثهم قال: # سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة. فصعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم المنبر فقال: لا PageV04P261 # تسألوني عن شيء إلا بينت لكم. فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فإذا كل رجل، ~~رأسه في ثوبه يبكي. فأنشر رجل- كان إذ لا حي يدعى إلى غير أبيه- فقال: يا ~~نبي الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذاقة. ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا، ~~وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. نعوذ بالله من سوء الفتن. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط. إنه ~~صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط. # فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسئلوا عن أشياء. # وفي ms1770 رواية: قال قتادة يذكر- بالبناء للمجهول- هذا الحديث ... إلخ # وروى البخاري «1» أيضا في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) في باب ما يكره ~~من كثرة السؤال، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر. فلما سلم قام إلى ~~المنبر فذكر الساعة. # وذكر أن بين يديها أمورا عظاما. ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل ~~عنه، فو الله! لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. قال ~~أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ~~فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله! قال: النار. فقام ~~عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: أبوك حذافة. قال: ثم ~~أكثر أن يقول: سلوني. # فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم رسولا. # قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لقد عرضت علي ~~الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي. فلم أر كاليوم في الخير ~~والشر. # وعند مسلم «2» : قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~قال: # قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك. ~~PageV04P262 # أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على ~~أعين الناس؟ # قال عبد الله بن حذافة: والله! لو ألحقني بعبد أسود للحقته. # وروى ابن جرير «1» عن السدي قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~من الأيام فقام خطيبا فقال: سلوني. - نحو ما تقدم- وزاد: فقام إليه عمر ~~فقبل رجله وقال: رضينا بالله ربا ... إلخ. # وزاد: وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به حتى رضي. # وأخرج أيضا عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ms1771 وسلم وهو ~~غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: ~~في النار. - نحو ما مر- وفيه: فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا.. ~~الآية. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وبهذه الزيادة- أي على ما في البخاري من ~~قول رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أنا؟ قال: في النار # . - يتضح أن هذه القصة سبب نزول: # لا تسئلوا عن أشياء ... الآية، فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، ~~بخلافها في حق حدافة فإنه بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم ~~يكن لأبيه، فبين أباه الحقيقي، لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته ~~على هذا السؤال. # انتهى. # وروى الإمام أحمد «2» والترمذي «3» عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه ~~قال: لما نزلته هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~قالوا: # يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال ثم ~~قالوا: # أفي كل عام؟ فقال: لا. ولو قلت نعم لوجبت. ولو وجبت لما استطعتم. فأنزل ~~الله: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا ... الآية. # قال الترمذي: غريب وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليا. # وروى ابن جرير ونحوه عن أبي هريرة «4» وأبي أمامة «5» ، وكذا عن ابن عباس ~~«6» ، PageV04P263 # قال في الآية: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ~~ولكن انتظروا فإن نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل. # إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي ~~لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة. # الثاني- قال ابن كثير: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا ~~علم بها الشخص ساءته. فالأولى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن # الحديث الذي رواه الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا. فإني أحب ms1772 أن ~~أخرج إليكم وأنا سليم الصدر. ورواه أبو داود «2» والترمذي «3» . # الثالث- قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : # لم ينقطع حكم هذه الآية. بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا ~~له ساءه. بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن هاهنا قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا. لما سأله عن رفيقه عن ~~مائه: أطاهر أم لا؟ # وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه ~~عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه ~~الله. # فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها. # وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها. وأما المقصود أولا وبالذات- كما ~~يفيده تتمتها- فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي. # ويدل له، ما # رواه البخاري «4» عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته. # فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه. PageV04P264 # وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذروني ما تركتكم. فإنما ~~هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء ~~فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه رواه «1» الإمام أحمد ~~ومسلم والنسائي. # وعن أبي ثعلبة الخشني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى ~~فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا تعتدوها. وحرم أشياء فلا تقربوها. ~~وترك أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها ... رواه الدارقطني وأبو نعيم. # وعن سلمان الفارسي «2» : قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ~~فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه. والحرام ما حرم الله في كتابه. وما سكت ~~عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلفوا. رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة. # وأخرج الشيخان «3» عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء. # وكان يعجبنا أن يجيء ms1773 الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. # وفي قصة «4» اللعان من حديث ابن عمر: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسائل وعابها. PageV04P265 # ولمسلم «1» عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا، إذا هاجر، ~~لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم. # ومراده: أنه قدم وافدا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج ~~من صفة الوقد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرا، فيمتنع عليه السؤال. # وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودا كانوا أو ~~غيرهم. # وأخرج أحمد «2» عن أبي أمامة قال: لما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسئلوا عن أشياء.. الآية، كنا قد أتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم. ~~فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء وقلنا: سل النبيه صلى الله عليه وسلم. # ولأبي يعلى عن البراء: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب. وإن كنا لنتمنى الأعراب- أي قدومهم- ~~ليسألوا، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها. # وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول ~~الآية، ويحتمل أن النهي عن الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، ~~أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصب. والسؤال عن وجوب ~~طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة. والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما ~~قبلها من الملاحم والفتن. # والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في ~~الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك. # لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع، أخذوه بطريق ~~الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لما كانت سببا للتكليف بما يشق، فحقها أن ~~تجتنب. # وقد عقد الإمام الدارمي «3» في أوائل (مسنده) لذلك بابا. وأورد فيه عن ~~جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك، منها: PageV04P266 # عن ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن. فإني سمعت عمر يلعن السائل عما ms1774 لم ~~يكن. # وعن عمر: أحرج عليكم أن تسألوا عما لم يكن. فإن لنا فيما كان شغلا. # وعن زيد بن ثابت، أنه كان إذا سئل عن الشيء؟ يقول: كان هذا؟ فإن قيل: # لا! قال: دعوه حتى يكون. # وعن أبي بن كعب، وعن عمار نحو ذلك. # وأخرج أبو داود في (المراسيل) : عن أبي سلمة ومعاذ مرفوعا: لا تعجلوا ~~بالبلية قبل نزولها. فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد- ~~أو وفق- وإن عجلتم تشتتت بكم السبل. # وعن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا: لا يزال في أمتي من إذا سدد، حتى ~~يتساءلوا عما لم ينزل. # قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك، أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على ~~قسمين: # (أحدهما) أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب ~~لا مكروه. بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين. # (ثانيهما) - أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس ~~له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف ~~طردي مثلا. فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: هلك ~~المتنطعون ... أخرجه مسلم «1» ، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل ~~تحته. # ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا ~~الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى، ~~لا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك- ~~في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك ~~كيفيتها. ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس. كالسؤال عن وقت الساعة وعن ~~الروح وعن مدة هذه الأمة.. إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. ~~والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما ~~يوقع كثرة البحث عنه في PageV04P267 # الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى ms1775 ~~الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن- أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: # هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه ~~بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد ~~وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيد ذلك إن ثبت شيء ~~من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا ~~التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسد باب ~~المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه ~~وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها- ولا سيما فيما يقل وقوعه أو ~~يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، ~~وهو عين الذي كرهه السلف. # ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من ~~الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، ~~مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل ~~عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. - كذا في (فتح الباري) . # ثم رأيت في (موافقات) الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، في أواخرها- في ~~هذا الموضوع- مبحثا جليلا، قال في أوله: # الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة ~~وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى ... - وساق هذه الآية وما أسلفناه ~~من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا- ثم قال: ... والحاصل أن كثرة السؤال ~~ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا ~~منه. وكان يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه ~~العلم.. ثم قال: ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة ~~مواضع: # (أحدها) : السؤال عما لا ينفع ms1776 في الدين، كسؤال «1» عبد الله بن حذافة: من ~~أبي؟ # وروي في (التفسير) أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ~~PageV04P268 # ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: # يسئلونك عن الأهلة ... [البقرة: 189] الآية # ، فإنما أجيب بما فيه من منافع الدين. # و (ثانيها) : أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج ~~«1» : أكل عام؟ مع أن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت [آل عمران: 97] ، ~~قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: # إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ... [البقرة: 67] . # و (ثالثها) : السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا- والله أعلم- ~~خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: ذروني ما تركتكم. وقوله: وسكت عن ~~أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها. # و (رابعها) : أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي «2» عن ~~الأغلوطات. # و (خامسها) : أن يسأل عن علة الحكم- وهو من قبيل التعبدات، أو السائل ممن ~~لا يليق به ذلك السؤال- كما في حديث «3» قضاء الصوم دون الصلاة. # و (سادسها) أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله ~~تعالى: قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] ، ولما سئل ~~PageV04P269 # الرجل «1» : يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: # يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإن نرد على السباع وترد علينا. # و (سابعها) : أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال ~~سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل ~~عنها؟ # قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه، وإلا سكت. # و (ثامنها) : السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه.. [آل عمران: 7] الآية. وعن عمر بن عبد ~~العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكا ~~عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية ms1777 مجهول، والسؤال عنه بدعة. # و (تاسعها) : السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد ~~العزيز عن قتال أهل صفين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ~~ألطخ بها لساني. # و (عاشرها) : سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ~~ذم نحو هذا: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما ~~في قلبه وهو ألد الخصام.. [البقرة: 204] وقال: بل هم قوم خصمون [الزخرف: ~~58] وفي الحديث «2» : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. # هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس ~~النهي فيها واحدا، بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ~~ومنها يكون محل اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما ~~جاء: إن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم ... [الأنعام: 68] الآية. وأشباه ذلك من الآي والأحاديث ~~... فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه. انتهى كلامه. PageV04P270 ### | التنبيه الرابع: # قال بعض المفسرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه ~~حاجة) . لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله ~~بالسؤال عنه فقال: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [النحل: 43] . # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : «قاتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا. ~~فإنما شفاء العي السؤال ... » انتهى. # ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني إن تبد.. إلخ- غنية عن أن تقيد بقيد آخر ~~كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما ~~يفتضحون به- كما أسلفنا- مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه. # وفيه خطر المفسدة. والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب ~~على العاقل الاحتراز عنه. # وأما ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية- كما يتضح من نظمها الكريم- مع ~~ما بينته السنة في سبب النزول، وتحرج الصحابة عن المسائل المار بيانه- ~~معلوم أنه فيما لا ضرورة إليها. وإلا فمسائلهم ms1778 في الضروريات والحاجيات طفحت ~~بها كتب السنة، مما يبين أن هذه الآية في موضوع خاص. # وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى ~~حرج أو مسادة أو تعنت.. # روى الشيخان «2» عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان PageV04P271 # ينهى عن قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال. # وروى أحمد وأبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات # - وهي صعاب المسائل- والآثار في ذلك كثيرة. # ثم بين تعالى بطلان ما ابتدعه أهل الجاهلية- من تحريم بعض بهيمة الأنعام- ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 103] # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) # ما جعل الله من بحيرة أي ما شرع وما وضع. و (من) مزيدة لتأكيد النفي. # والبحيرة (كسفينة) فعيلة بمعنى المفعول من (البحر) وهو شق الأذن. يقال: ~~بحر الناقة والشاة، يبحرها: شق أذنها. وفي البحرة أقوال كثيرة ساقها صاحب ~~القاموس وغيره. # قال أبو إسحاق النحوي: أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحرة: أنها ~~الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، فكان أخرها ذكرا، بحروا أذنها (أي: شقوها) ~~وأغفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع من ماء ترده ولا من مرعى. ~~وإذا لقيها المعيى المنقطع به، لم يركبها ولا سائبة وهي الناقة كانت تسيب ~~في الجاهلية لنذر أو لطواغيتهم. أي تترك ولا تركب ولا يحمل عليها كالبحيرة. ~~أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم ~~يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف. أو كان الرجل إذا قدم من ~~سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: وهي (أي ~~ناقتي) سائبة ولا وصيلة كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطن عناقين عناقين. ~~وولدت في السابع عناقا وجديا، قالوا وصلت أخاها. فلا يذبحون أخاها من ~~أجلها. وأحلوا لبنها ms1779 للرجال وحرموه على النساء. والعناق (كسحاب) الأنثى من ~~أولاد المعز. وقيل: الوصيلة كانت في الشاة خاصة، إذا ولدت الأنثى فهي لهم، ~~وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم. # وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ولا حام ~~وهو الفحل من الإبل بضرب الضراب المعدود. فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش ~~الطواويس، وسيبوه للطواغيت. وقيل: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن. ثم هو # PageV04P272 # حام حمى حمى ظهره. فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. # وحكى أبو مسلم: إذا أنتجت الناقة عشرة أبطن، قالوا: حمت ظهرها. # وقد روي في تفسير هذه الأربعة، أقوال أخر. ولا تنافي في ذلك. لأن أهل ~~الجاهلية لهم في أضاليلهم تفننات غريبة. # هذا # وروى ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه مالك بن ~~نضلة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب. فقال لي: هل ~~لك من مال؟ فقلت: نعم. قال: من أي المال؟ قالت فقلت: من كل المال: الإبل ~~والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا أتاك الله مالا كثيرا فكثر عليك. ثم قال: ~~تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال قلت: نعم. قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: ~~فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم؟ قلت: نعم. قال: ~~فلا تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حل. ثم قال: ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام. # أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد ~~من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها. فإذا ماتت ~~اشتركوا فيها. وأما السائبة فهي التي يسيبون لآلهتهم يذهبون إلى آلهتهم ~~فيسيبونها، وأما الوصيلة فالشاة تلد ستة أبطن. فإذا ولدت السباع جدعت وقطعت ~~قرنها فيقولون: قد وصلت، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على ~~حوض. # قال ابن كثير: هكذا ذكر تفسير ذلك مدرجا في الحديث. وقد روي من وجه آخر ~~عن أبي الأحوص ms1780 من قوله، وهو أشبه. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد «1» عن ~~مالك بن نضلة. وليس فيه تفسير هذه. والله أعلم. # ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون أي: ما شرع ~~PageV04P273 # الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة. ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه ~~شرعا لهم وقربة يتقربون بها، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم. # وفي البخاري «1» أن التبحير والتسييب وما بعدهما، كله لأجل الطواغيت. # يعني أصنامهم، # وفي الصحيحين «2» عن أبي هريرة أن النبيه صلى الله عليه وسلم قال رأيت ~~عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. وكان أول من سيب السوائب وبحر ~~البحيرة وغير دين إسماعيل. لفظ مسلم. # زاد ابن جرير: وحمى الحامي. # وروى الإمام أحمد «3» عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني ~~رأيته يجر أمعاءه في النار» . # قال ابن كثير: عمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا ~~البيت بعد جرهم. وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل. فأدخل الأصنام إلى ~~الحجاز ودعا الرعاء من الناس إلى عبادتها والتقرب بها. وشرع لهم هذه ~~الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها. كما ذكره الله تعالى في (سورة ~~الأنعام) عند قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ... ~~الآيات. انتهى. PageV04P274 ### | لطيفة: # قال الرازي: فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء، فلم لا يجوز إعتاق ~~هذه البهائم من الذبح والإتعاب والإيلام؟ قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله ~~تعالى وعبوديته. فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادته تعالى، فكان ذلك قربة ~~مستحسنة. وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع الناس. فإهمالها يقتضي ~~فوات منفعة على مالكها وعلى غيره. أي وهو خلاف الحكمة التي خلقت هي لأجلها. ~~على أن الرقيق إذا أعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، بخلاف البهيمة. ففي ~~تسيبها إيقاع لها في أنواع من المحنة والمشقة. # قال المهايمي: قاسوه (يعني التبحير) على عتق الإنسان مع ظهور الفرق. لما ms1781 ~~في عتق الإنسان من تمليك التصرفات، ولا تصرف للحيوانات العجم. # ثم قال: الأول كالعتق بلا نذر. والثاني كالعتق بالنذر. والثالث مشبه بما ~~يشبه العتق. والرابع ملك النفس بلا تمليك. ولا معنى للتمليك في الحيوانات ~~العجم، فهذه الأمور غير معقولة ظاهرا وباطنا، فلا يفعلها الحكيم. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تحريم هذه الأمور. واستنبط منه ~~تحريم جميع تعطيل المنافع. ومن صور السائبة: إرسال الطائر ونحوه. واستدل ~~ابن الماجشون بالآية على منع أن يقول لعبده: أنت سائبة. وقال: لا يعتق. ~~انتهى. # وقال بعض مفسري الزيدية: قال الحاكم: استدل بعضهم على بطلان الوقف بالآية ~~الكريمة. لأن الملك لا يخرج عن ملك صاحبه إلا إلى مالك آخر. أو على وجه ~~القربة إلى الله. كتحرير الرقاب. # قال الحاكم: وليس بصحيح. لأن الوقف قربة كالعتق. ولقائل أن يقول: # يستدل بالآية على نظير ذلك. وهو ما يلقى في الأنهار والطريق وقرب ~~الأشجار، من طرح البيض والفراريج ونحو ذلك. فلا يجوز فعله، ولا يزول ملك ~~المالك. ويحتمل أن يقال: قد رغب عنه وصيره مباحا. وأما كسر البيض على ~~العمارة والطريق والأبواب، فالظاهر عدم الجواز. لأن في ذلك إضاعة مال، ولم ~~يرد بفعله دليل. انتهى. # ولما بين تعالى أن أكثرهم لا يعقلون أن تحريم هذه الأشياء افتراء باطل ~~حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق، وإنما يقلدون قدماءهم- أشار إلى عنادهم ~~واستعصائهم حينما هدوا إلى الحق، وإلى ضلالهم ببقائهم في أسر التقليد، ~~بقوله سبحانه: # PageV04P275 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 104] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله من الكتاب المبين للحلال والحرام ~~وإلى الرسول أي: الذين أنزل هو عليه، لتقفوا على حقيقة الحال، وتميزوا بين ~~الحرام والحلال، فترفضوا تقليد القدماء المفترين على الله الكذب بالضلال ~~قالوا أي: لإفراط جهلهم وانهماكهم في التقليد حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~أي كافينا ذلك. وحسبنا مبتدأ والخبر ms1782 ما وجدنا و (ما) بمعنى الذي. والواو في ~~قوله تعالى أولو كان آباؤهم للحال. دخلت عليها همزة الإنكار. أي: أحسبهم ~~ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أي لا يعرفون حقا ولا يفهمونه ولا ~~يهتدون أي: إليه. قال الزمخشري: والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم ~~المهتدي. وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. انتهى. # وقال الرازي: واعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي. وإنما يكون ~~عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل. فإذا لم يكن كذلك لم يكن ~~عالما مهتديا. # فوجب أن لا يجوز الاقتداء به. انتهى. # وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية قبح التقليد ووجوب النظر واتباع ~~الحجة. ثم قال: وقد فسر التقليد بأنه قبول قول الغير من غير حجة انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 105] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم أي الزموا أن تصلحوها باتباع كتاب الله ~~وسنة رسوله لا يضركم من ضل أي ممن قال حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو أخذ ~~بشبهة. أو عاند في قول أو فعل إذا اهتديتم أي إلى الإيمان. وكأن المؤمنين ~~كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما ~~كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى. لا يضركم ضلال الضالين وجهل ~~الجاهلين، إذا كنتم مهتدين. كما قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا ~~تذهب نفسك # PageV04P276 # عليهم حسرات # [فاطر: 8] . # قال الزمخشري: وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي ولا ~~يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم، فهو مخاطب بهذه الآية إلى الله مرجعكم بعد ~~الموت جميعا فينبئكم أي يخبركم بما كنتم تعملون أي في الدنيا من أعمال ~~الهداية والضلال. فهو وعد ووعيد للفريقين. وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ ~~بعمل غيره. ### | تنبيه: # لا يستدل بالآية على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لأن الظاهر ~~من الآية أن ضلال الغير لا يضر، وأن المطيع ms1783 لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب ~~العاصي. # وإلا فمن تركهما مع القدرة عليهما، فليس بمهتد. وإنما هو بعض الضلال الذي ~~فصلت الآية بينهم وبينه. # قال الحاكم: ولو استدل على وجوبهما بقوله تعالى عليكم أنفسكم كان أولى. ~~لأنه يدخل في ذلك كل ما لزم من الواجبات. أي كما فعل المهايمي في تفسيره ~~حيث قال عليكم أنفسكم. أي ألزموا أن تصلحوها باتباع الدلائل من كتاب الله ~~وسنة رسوله. والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإخوان إلى ذلك. بإقامة الحجج ~~ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل. ~~لا تقصروا في ذلك. إذ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، بدعوتهم إلى ما أنزل ~~وإلى الرسول وإقامة الحجج لهم، ودفع الشبه عنهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن ~~المنكر، بما أمكن من القول والفعل. ولا تقصروا في ذلك. إذ إلى الله مرجعكم ~~جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون، من التقصير أو الإيفاء قولا وفعلا، في حق ~~أنفسكم أو غيركم. انتهى. # ونقل الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنه قال عليكم أنفسكم يعني عليكم أهل دينكم. ~~ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله: فاقتلوا أنفسكم [البقرة: 54] يعني ~~أهل دينكم. فقوله عليكم أنفسكم يعني بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا ~~في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: ~~عليكم أنفسكم معناه: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. ~~فكان ذلك أمرا بأن نحفظ أنفسنا. فإذا لم يكن # PageV04P277 # ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك واجبا. انتهى. # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أنه قام فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى آخر الآية. وإنكم ~~تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ~~الناس، إذا رأوا المنكر، ولا ms1784 يغيرونه، يوشك أن يعمهم الله عز وجل بعقابه» . # ورواه أصحاب السنن وابن حبان في صحيحه وغيرهم. # وروى الترمذي «2» عن أبي أمية الشعباني. قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت ~~له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: آية آية؟ قلت: قوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال: أما والله! لقد سألت ~~عنها خبيرا. # سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف ~~وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام. إن من ورائكم أياما ~~الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون ~~مثل علمكم. # قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله! أجر خمسين ~~رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين منكم. # قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. # وكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير «3» وابن أبي حاتم. # وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أن ابن مسعود رضي الله عنه سأله رجل عن ~~قوله الله عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال: إن هذا ليس ~~بزمانها. إنها اليوم مقبولة. ولكنه قد يوشك أن يأتي زمانها. تأمرون فيصنع ~~بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يقبل منكم. فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. # ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية قال: كانوا عند عبد الله ~~بن مسعود جلوسا. فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس. حتى قام كل واحد ~~منهما إلى صاحبه. فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف ~~وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك. فإن الله يقول عليكم ~~أنفسكم PageV04P278 # الآية. قال، فسمعها ابن مسعود فقال: مه. لم يجئ تأويل هذه بعد. إن القرآن ~~أنزل حيث أنزل. ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن. ومنه آي قد وقع ~~تأويلهن على عهد رسول الله صلى ms1785 الله عليه وسلم. ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيسير. ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب، ما ذكر ~~من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا ~~شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا. وإذا اختلفت القلوب والأهواء ~~وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمر نفسك. وعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. ~~أخرجه ابن جرير. # وأخرج أيضا «1» # أنه قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا ~~لأصحابي. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب. ~~فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب. ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا. إن ~~قالوا لم يقبل منهم # . وقد ضعف الرازي ما روي عن ابن مسعود وابن عمر مما سقناه. قال: لأن قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا خطاب عام، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين. فكيف ~~يخرج الحاضر ويخص الغائب؟ انتهى. # أقول: ليس مراد ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، إخراج الحاضرين عن ~~الخطاب، وأنه لم يعن بها إلا الغيب. وإنما مرادهما الرد على من تأولها بترك ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأعلماه بأنه لا يسوغ الاستشهاد بها في ~~ترك ذلك. # والاسترواح لظاهرها، إلا في الزمن الذي بيناه. وحاصله: أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجبان ما قبلا، فإن ردا في مثل ذلك الزمن فليقرأ: عليكم ~~أنفسكم. # هذا مرادهما. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 106] # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) ~~PageV04P279 # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ms1786 أحدكم الموت أي: ظهرت أماراته ~~حين الوصية بدل من الظرف، لا ظرف (للموت) ولا لحضوره. فإن في الإبدال ~~تنبيها على أن الوصية من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها. وقوله تعالى: # اثنان خبر شهادة بتقدير مضاف. أي شهادة بينكم حينئذ، شهادة اثنين. أو ~~فاعل (شهادة) على أن خبرها محذوف. أي: فيما نزل عليكم، أن يشهد بينكم اثنان ~~ذوا عدل منكم أي من المسلمين: أو آخران من غيركم أي من أهل الذمة إن أنتم ~~ضربتم في الأرض أي سافرتم فيها فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما أي: ~~توقفونهما للتحليف من بعد الصلاة أي صلاة العصر. كما قاله ابن عباس وثلة من ~~التابعين. وعدم تعيينها، لتعيينها عندهم بالتحليف بعدها. لأنه وقت اجتماع ~~الناس ووقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. واجتماع طائفتي الملائكة، ~~فيه تكثير للشهود منهم على صدقه وكذبه. فيكون أقوى من غيره وأخوف. وعن ~~الزهري: بعد أي صلاة للمسلمين كانت. وذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق ~~بالصدق، وناهية عن الكذب والزور، كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر [العنكبوت: 45] . فالتعريف في الصلاة إما للعهد أو للجنس. فيقسمان ~~أي: يحلفان بالله إن ارتبتم أي: شككتم فيهما بخيانة وأخذ شيء من تركة ~~الميت. وقوله تعالى: لا نشتري به ثمنا جواب للقسم. أي يقولان: لا نأخذ ~~لأنفسنا بدلا من الله. أي: من حرمته عرضا من الدنيا بأن نهتكها ونزيلها ~~بالحلف الكاذب. أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان أي: من نقسم له ~~ونشهد عليه، المدلول عليه بفحوى الكلام ذا قربى أي: قريبا منا. # تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا. ومبالغة في التنزه عنه. كأنهما قالا: لا ~~نأخذ لأنفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا. ولو انضم إليه رعاية جانب ~~الأقرباء. فكيف إذا لم يكن كذلك؟ ولا نكتم شهادة الله أي: الشهادة التي ~~أمرنا الله تعالى بإقامتها. وإضافتها إلى الاسم الكريم تشريفا لها وتعظيما ~~لأمرها إنا إذا إن كتمناها لمن الآثمين أي: المعدودين من المستقرين في ~~الإثم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة ms1787 (5) : آية # 107] # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) # فإن عثر أي اطلع بعد التحليف على أنهما أي: الشاهدين الوصيين # PageV04P280 # استحقا إثما أي: فعلا ما يوجبه من خيانة أو غلول شيء من المال الموصى به ~~إليهما فآخران يقومان مقامهما أي: فرجلان آخران يقومان مقام اللذين عثر على ~~خيانتهما أي: في توجه اليمين عليهما لإظهار الحق وإبراز كذبهما فيما ادعيا ~~من استحقاقهما لما في أيديها من الذين استحق عليهم الأوليان أي: من ورثة ~~الميت الذين استحق من بينهم الأوليان، أي: الأقربان إلى الميت، الوارثان ~~له، الأحقان بالشهادة، أي: اليمين. ف (الأوليان) فاعل (استحق) . ومفعول ~~(استحق) محذوف، قدره بعضهم (وصيتهما) وقدره ابن عطية (مالهم وتركتهم) ، ~~وقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب ~~الكاذبين. وقرئ على البناء للمفعول أي: من الذين استحق عليهم الإثم. أي: ~~جنى عليهم. وهم هل الميت وعشيرته. ف (الأوليان) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف. كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هو بدل من الضمير في ~~(يقومان) أو من (آخران) وقد جوز ارتفاعه (استحق) على حذف المضاف. أي: استحق ~~عليهم ندب الأوليين منهم للشهادة. وقرئ الأولين جمع (أول) على أنه صفة ~~للذين، مجرور أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في ~~الشهادة لكونهم أحق بها. وقرئ الأوليين، علي التثنية. وانتصابه على المدح. ~~أفاده أبو السعود. # وقرئ الأولين تثنية (أول) نصبا على ما ذكر. كما في البيضاوي. # قال أبو البقاء: ويقرأ الأوليين وهو جمع (أولى) وإعرابه كاعراب الأولين. ~~ويقرأ الأولان، تثنية (الأول) وإعرابه كإعراب (الأوليان) فيقسمان بالله عطف ~~على (يقومان) لشهادتنا أحق أي: بالقبول من شهادتهما أي: لقولنا: إنهما خانا ~~وكذبا فيما ادعيا من الاستحقاق، أحق من شهادتهما المتقدمة. لما أنه قد ظهر ~~للناس استحقاقهما للإثم وما اعتدينا أي: ما تجاوزنا الحق فيها أو فيما قلنا ~~فيهما من الخيانة إنا إذا أي: إن اعتدينا ms1788 لمن الظالمين أي أنفسهم بتعريضها ~~لسخط الله تعالى وعذابه، بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى. أو من الواضعين ~~الحق في غير موضعه. # ومعنى الآية الكريمة أن الرجل إذا حضرته الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من ~~المسلمين. # فإن لم يجدهما، فرجلين من أهل الكتاب. يوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه. # فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة وعرفوا ما لصاحبهم قبل قولهما ~~وتركا. وإن # PageV04P281 # اتهموهما، رفعوهما إلى السلطان فحلفا بعد صلاة العصر بالله، ما كتمنا ولا ~~كذبنا ولا خنا ولا غيرنا، فإن اطلع الأوليان على أن الكافرين كذبا في ~~شهادتهما، قام رجلان من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، ~~وأنا لم نعتد. فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء، هكذا روى ابن ~~جرير «1» عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما. # قال الإمام ابن كثير: وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما، والحالة ~~هذه، كما يحلف أولياء المقتول، إذا ظهر لوث في جانب القاتل. فيقسم ~~المستحقون على القاتل. فيدفع برمته إليهم. كما هو مقرر في (باب القسامة) . ~~وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. # روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم.. إلى آخرها قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، ~~وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام. فأتيا الشام لتجارتهما. ~~وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل (بدال أو زاي مصغرا. وضبطه ~~بالثانية ابن ماكولا) ابن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد به الملك. ~~وهو أعظم تجارته. فمرض فأوصى إليهما. وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال ~~تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم. واقتسمناه أنا وعدي. ~~فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألونا عنه. ~~فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. # قال تميم: فلما أسلمت، بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~تأثمت من ذلك. # فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم. وأخبرتهم ms1789 أن عند ~~صاحبي مثلها. فوثبوا عليه. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه ~~بما يحكم به على أهل دينه. فحلف فنزلت: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم- ~~إلى قوله- فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما. فقام عمرو بن العاص ~~ورجل آخر منهم فحلفا. # فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء. # وهكذا رواه الترمذي «2» وابن جرير «3» عن محمد بن إسحاق به، فذكره. ~~PageV04P282 # وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا. ~~فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف. فأنزل الله هذه الآية. ~~فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء. # ثم تكلم الترمذي على إسناده. وأسند «1» بعد ذلك هذه القصة مختصرة # عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري ~~وعدي بن بداء. فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جاما ~~من فضة مخوصا بذهب. فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وجد الجام ~~بمكة. فقيل: # اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما. وأن الجام لصاحبهم. وفيهم نزلت هذه الآية. وكذا ~~رواه أبو داود. ثم قال الترمذي: حديث حسن غريب! وأقول: أخرجه البخاري «2» ~~أيضا في كتاب (الوصايا) تحت باب عقده لهذه الآية بخصوصها. # و (الجام) الإناء، وتخويصه أن يجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل. # قال ابن كثير: وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين. منهم عكرمة ~~ومحمد بن سيرين وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن ~~جرير. # وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف ~~وصحتها. # ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه ابن جرير «3» بإسنادين صحيحين، وأبو ~~داود بإسناد- رجاله ثقات- عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة ~~بدقوقاء، قال: فحضرته الوفاة- ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيته- ~~فأشهده رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري رضي ~~الله ms1790 عنه فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم ~~يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأحلفهما بعد ~~العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية ~~الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. PageV04P283 # وقوله (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم) الظاهر- والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 108] # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) # ثم بين وجه الحكمة والمصلحة المتقدم تفصيله بقوله: # ذلك أي: الحكم المذكور أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أي: أقرب إلى أن ~~يؤدي الشهود- أو الأوصياء- الشهادة في نحو تلك الحادثة على حقيقتها من غير ~~تغيير لها، خوفا من العذاب الأخروي. ف (الوجه) بمعنى الذات والحقيقة. # قال أبو السعود: وهذه- كما ترى- حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور! ~~وقوله تعالى: أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم بيان لحكمة شرعية رد ~~اليمين على الورثة، معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن ~~يأتوا بالشهادة على وجهها، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة. أو ~~يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة ~~واليمين الكاذبة، ويغرموا فيمتنعوا من ذلك. واتقوا الله أي: في مخالفة ~~أحكامه التي منها هذا الحكم، وهو ترك الخيانة والكذب واسمعوا أي: ما تؤمرون ~~به سماع قبول والله لا يهدي القوم الفاسقين أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة ~~شريعته، أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم. ### | وقد استفيد من الآية أحكام: # الأول- لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه. لأنه تعالى قال حين ~~الوصية أي: وقت أن تحق الوصية وتلزم. # الثاني- قال بعضهم: دل قوله تعالى: اثنان ذوا عدل منكم على أن الحكم شرطه ~~أن يشهد فيه اثنان عدلان. وهذا إطلاق لم يفصل فيه بين حق الله ms1791 وحق غيره، ~~ولا بين الحدود وغيرها، إلا شهادة الزنى. فلقوله تعالى في النور: ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء [النور: 4] ، وهذا مجمع عليه. # قال ابن القيم في (أعلام الموقعين) : إنه سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق ~~من # PageV04P284 # الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك. فليس في القرآن نفي الحكم ~~بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا بأيمان القسامة، ولا ~~بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه. والشارع- في جميع ~~المواضع- يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه ~~وشواهد له. # ولا يرد حقا قد ظهر بدليله أبدا. فيضيع حقوق الله وحقوق عباده ويعطلها. ~~ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غير في ~~ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه. وقد أطال في ذلك بما ~~لا يستغنى عن مراجعته. # الثالث- في قوله تعالى: أو آخران من غيركم دلالة على صحة شهادة الذمي على ~~المسلم عموما. لكن خرج جوازها فيما عدا وصية المسلم في السفر بالإجماع. # قال بعض المفسرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت. وعن الحسن ~~وابن أبي ليلى والأوزاعي وشريح والراضي بالله وجده الإمام عبد الله بن ~~الحسين: أنها صحيحة ثابتة. وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ. # وقال طاوس والحسن والهادي: إنه ثابت. انتهى. # أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها. # قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : # أمر تعالى في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو ~~آخرين من غيرهم. وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحة في قبول شهادة ~~الكافرين على وصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين. وقد حكم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن (المائدة) ~~من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتة. ولا ~~يصح أن يكون المراد بقوله من غيركم من غير قبيلتكم فإن الله ms1792 سبحانه خاطب ~~بها المؤمنين كافة بقوله يا أيها الذين آمنوا ... الآية. ولم يخاطب بذلك ~~قبيلة معينة حتى يكون قوله: # من غيركم أيتها القبيلة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم هذا من ~~الآية. بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : # PageV04P285 # واستدل بالآية على جواز شهادة الكفار بناء على المراد بال (غير) الكفار. # وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ. منهم: ابن ~~عباس وأبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، ~~وأبو عبيد، وأحمد- وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية- وقوى ذلك حديث الباب- يعني ~~حديث ابن عباس المتقدم- فإن سياقه مطابق لظاهر الآية. وقيل: المراد بال ~~(غير) العشيرة. والمعنى (منكم) أي: من عشيرتكم أو آخران من غيركم أي: من ~~غير عشيرتكم، وهو في قول الحسن واحتج له النحاس بأن لفظ (آخر) لا بد أن ~~يشارك الذي قبله في الصفة، حتى لا يسوغ أن تقول: مررت برجل كريم ولئيم آخر. ~~فعلى هذا فقد وصف (الاثنان) بالعدالة. فيتعين أن يكون (الآخران) كذلك. # وتعقب بأن هذا- وإن ساغ في الآية الكريمة- لكن الحديث دل على خلاف ذلك. # والصحابي إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا. # وأيضا، ففي ما قال رد المختلف فيه بالمختلف فيه. لأن اتصاف الكافر ~~بالعدالة مختلف فيه. وهو فرع قبول شهادته، فمن قبلها وصفه بها، ومن لا، ~~فلا. واعترض أبو حيان على المثال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق. فلو ~~قلت: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، صح. بخلاف ما لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر ~~آخر. والآية من قبيل الأول لا الثاني. لأن قوله أو آخران من جنس قوله ~~(اثنان) ، لأن كلاهما منهما صفة (رجلان) ، فكأنه قال: فرجلان اثنان ورجلان ~~آخران. وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة. وأن ناسخها قوله ~~تعالى: ممن ترضون من الشهداء واحتجوا بالإجماع على رد شهادة الفاسق. ~~والكافر شر من الفاسق. وأجاب الأولون: # بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأن الجمع بين الدليلين ms1793 أولى من إلغاء ~~أحدهما. وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. حتى صح عن ابن عباس ~~وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف، أن سورة المائدة محكمة. وعن ابن ~~عباس أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، فإن اتهما ~~استحلفا. أخرجه الطبري بإسناد رجاله ثقات. # وأنكر أحمد على من قال: إن هذه الآية منسوخة. # وصح عن أبي موسى الأشعري أن عمل بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما ~~تقدم. # ورجح الفخر الرازي- وسبقه الطبري- لذلك. أن قوله تعالى: يا أيها الذين ~~آمنوا خطاب للمؤمنين. فلما قال أو آخران وضح أنه أراد غير المخاطبين. # PageV04P286 # فتعين أنهما من غير المؤمنين. وأيضا: فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا ~~بالسفر. وأن أبا موسى حكم بذلك فلم ينكره أحد من الصحابة. فكان حجة. انتهى ~~كلام الحافظ. # وفي (فتح البيان) : الحق أن الآية محكمة لعدم وجود دليل صحيح يدل على ~~النسخ. وأما قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء وقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال. وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في ~~الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين. ولا تعارض بين خاص وعام. ~~انتهى. # وقد أطنب الرازي في (تفسيره) في الاحتجاج على عدم نسخها بوجوه عديدة، ~~وجود الكلام- في أن المراد من غيركم أي: من غير ملتكم- تجويدا فائقا. # الرابع: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : # ذهب الكرابيسي ثم الطبري وآخرون إلى أن المراد بالشهادة في الآية اليمين. # قال: # وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان. وأيدوا ذلك بالإجماع على أن ~~الشاهد لا يلزمه أن يقول: أشهد بالله. وأن الشاهد لا يمين عليه أنه شهد ~~بالحق. # قالوا: فالمراد بالشهادة اليمين لقوله فيقسمان بالله أي: يحلفان. فإن عرف ~~أنهما حلفا على الإثم رجعت اليمين على الأولياء. وتعقب بأن اليمين لا يشترط ~~فيها عدد ولا عدالة، بخلاف الشهادة. وقد اشترطا في هذه القصة، فقوي حملها ~~على أنها شهادة. وأما اعتلال من اعتل في ردها بأنها تخالف القياس والأصول- ~~لما فيها من قبول شهادة ms1794 الكافر وحبس الشاهد وتحليفه وشهادة المدعي لنفسه ~~واستحقاقه بمجرد اليمين- فقد أجاب من قال به بأنه حكم بنفسه مستغن عن ~~نظيره. وقد قبلت شهادة الكافر في بعض المواضع، كما في الطب. وليس المراد ~~بالحبس السجن. وإنما المراد: الإمساك لليمين ليحلف بعد الصلاة. وأما تحليف ~~الشاهد فهو مخصوص بهذه الصورة عند قيام الريبة. وأما شهادة المدعي لنفسه ~~واستحقاقه بمجرد اليمين، فإن الآية تضمنت نقل الأيمان إليهم عند ظهور اللوث ~~بخيانة الوصيين. فيشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما يشرع لمدعي الدم في ~~القسامة أن يحلف ويستحق فليس هو من شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له ~~بيمينه # PageV04P287 # القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه. وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى ~~بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وحكى الطبري: أن بعضهم قال: المراد ~~بقوله اثنان ذوا عدل منكم الوصيان. قال: والمراد بقوله شهادة بينكم معنى ~~الحضور لما يوصيهما به الموصي. ثم زيف ذلك. انتهى كلام (الفتح) . # ولا يخفاك أن الآية بنفسها- مع ما ورد في نزولها- غنية عن تكلف إدخالها ~~تحت القياس والقواعد والتمحل لتأويلها. # الخامس: في قوله تعالى من بعد الصلاة دلالة على تغليظ اليمين. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) وبعض المفسرين: # ذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ بالزمان والمكان. فأما في الزمان فبعد ~~العصر. وأما في المكان: ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، ~~وفي بيت المقدس عند الصخرة، وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أن ذلك ~~في الدماء والمال الكثير، لا في القليل. انتهى. # وذهبت الزيدية والحنفية والحنابلة إلى أن اليمين لا تغلظ بزمان ولا ~~بمكان. # وأخذوا بعموم # قوله «1» صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعى واليمين على من أنكر، ~~ولم يفصل. # قالوا: وقوله تعالى في هذه الآية من بعد الصلاة يحتمل أن ذكره لأنهم ~~كانوا لا يعتادون الحكم إلا في ذلك الوقت. # قال بعض الزيدية: وهل التغليظ في المكان والزمان على سبيل الوجوب أو ~~الاستحباب؟ قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة: المختار، التغليظ في ~~الأيمان لفساد أهل الزمان. وذلك مروي ms1795 عن أمير المؤمنين المرتضى وأبي بكر ~~وعمر وعثمان وابن عباس ومالك والشافعي. قال: والمختار أنه مستحب غير واجب. ~~انتهى. # وفي كتاب (الشهادات) من (صحيح البخاري) بابان في هذه المسألة. # فليراجع مع شروحه. # السادس: قال ابن أبي الفرس: في قوله تعالى: فيقسمان بالله دليل على أن ~~(أقسم بالله) يمين، لا (أقسم) فقط. # السابع: في قوله تعالى: ولا نكتم شهادة الله.. الآية دليل على تحريم ~~كتمان الشهادة. وذلك لا إشكال فيه. PageV04P288 # الثامن: قال السيوطي: تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة (يعني ~~على قراءة الأوليان) لخصوص الواقعة التي نزلت لها. ثم ساق رواية البخاري ~~السابقة. أي: وللإشارة إلى الاكتفاء باثنين من أقرب الورثة أيضا وإن كان ~~فيهم كثرة. ### | غريبة: # قال مكي في كتابه المسمى ب (الكشف) : # هذه الآيات الثلاث- عند أهل المعاني- من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى ~~وحكما وتفسيرا. ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها. # قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر. وقد ~~ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. # قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بين من ~~كتابه رحمه الله تعالى- يعني من كتاب مكي-. # قال القرطبي: ما ذكره مكي، ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا. # قال السعد في (حاشيته على الكشاف) : واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن ~~إعرابا ونظما وحكما.. انتهى. # أقول: هذه الآية الكريمة غنية بنفسها- مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله ~~حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها- عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها ~~تحت القواعد، والتمحل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من ~~الشاكرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 109] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) # يوم منصوب ب (اذكروا) أو (احذروا) يجمع الله الرسل وذلك يوم القيامة، ~~وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم. كيف لا؟ # وذلك يوم مجموع له الناس، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة ~~إلى التصريح بجمع ms1796 غيرهم. بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم فيقول أي: للرسل ~~ماذا أجبتم أي: ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن ~~عهدة الرسالة. إذا لم يقل: هل بلغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. ~~والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا- من الإنباء عن ~~شدة الغضب الإلهي ما لا يخفى. # PageV04P289 # وفي (الصحيح) «1» في حديث الشفاعة: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ~~مثله، ولن يغضب بعده مثله. # قالوا من هيبته تعالى، وتفويضا للأمر إلى علم سلطانه وتأديا بليغا في ذاك ~~الموقف الجلالي لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب أي: ومن علم الخفيات، لم ~~تخف عليه الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم. ### | تنبيهات: # الأول: قال الرازي: اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم ~~أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما ~~بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك ~~مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع. فلا جرم، لما ذكر- فيما تقدم- ~~أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة. # الثاني: قال الزمخشري فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم. كما ~~كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد ~~علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون ~~الأمر إلى علمه، وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا ~~للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في ~~أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم. إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي ~~أنبيائه عليهم. # ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان، خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها ~~السلطان واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول ~~له: ما فعل بك هذا الخارجي؟ (وهو عالم بما فعل به) يريد توبيخه وتبكيته، ~~فيقول له: # أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، ~~وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حل به منه. انتهى. # واستظهر الرازي أن ms1797 نفي العلم لهم على حقيقته عملا بما تقرر من أن العلم ~~غير الظن. قال: لأن الحاصل من حال الغير عن كل أحد إنما هو الظن لا العلم. # وفي PageV04P290 # الحديث: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر # وقال «1» صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة ~~من النار» # ، فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم. إنما الحاصل عندنا من ~~أحوالهم هو الظن. والظن كان معتبرا في الدنيا. # وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن. لأن الأحكام في الآخرة مبنية على ~~حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا. ولم يذكروا ~~ما معهم من الظن. لأن الظن لا عبرة به في القيامة. والله أعلم. # الثالث: دلت الآية عل جواز إطلاق لفظ (العلام) عليه. كما جاز إطلاق لفظ ~~(الخلاق) عليه. وأما العلامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقه في حقه. ~~ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث. أفاده الرازي. # على أن المختار أن أسماءه تعالى توقيفية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 110] # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد ~~من الرسل المجموعين، من المفاوضة، على التفصيل. إثر بيان ما جرى بينه تعالى ~~وبين الكل على وجه الإجمال، ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين. # وتخصيص شأن عيسى عليه السلام بالبيان، تفصيلا بين شؤون سائر الرسل عليهم ~~السلام، مع دلالتها على كمال هول ذلك اليوم ونهاية سوء حال ms1798 المكذبين ~~بالرسل- PageV04P291 # لما أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعيت ~~عليهم في السورة الكريمة جناياتهم. فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم ~~وندامتهم، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم. أفاده أبو السعود. # اذكر نعمتي عليك أي: منتي عليك وعلى والدتك بما طهرها واصطفاها على نساء ~~العالمين إذ أيدتك أي: قويتك بروح القدس أي: بجبريل عليه السلام لتثبيت ~~الحجة. أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية. بحيث يعلم أنه ليس بواسطة ~~البشر، فيشهد ببراءتك وبراءة أمك. ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة. لذلك ~~تكلم الناس في المهد وكهلا أي: في أضعف الأحوال وأقواها. # بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة. الذي هو وقت ~~كمال العقل وبلوغ الأشد. # قال ابن كثير: أي جعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في ~~المهد صغيرا. فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن ~~رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي. لهذا قال تكلم الناس في المهد وكهلا أي: # تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن تكلم تدعو، لأن كلامه الناس في ~~كهولته ليس بأمر عجيب. انتهى. # وإذ علمتك الكتاب أي: الخط وظاهر العلم الذي يكتب والحكمة أي: # الفهم وباطن العلم الذي لا يكتب. بل يخص به أهله والتوراة وهي المنزلة ~~على موسى الكليم عليه السلام والإنجيل وهو الذي أنزله عليه، صلى الله عليه ~~وسلم وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير أي: تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة ~~الطير بإذني أي: # لك في ذلك فتنفخ فيها أي: في تلك الهيئة المصورة فتكون أي: فتصير تلك ~~الهيئة طيرا لحصول الروح من نفختك فيها بإذني وتبرئ الأكمه أي: # الذي يولد أعمى مطموس البصر والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى أي: من القبور ~~أحياء بإذني فهذا مما فعل به من جر المنافع. ثم أشار إلى ما دفع عنه من ~~المضار، فقال سبحانه وإذ كففت بني إسرائيل عنك أي: منعت اليهود الذين ~~أرادوا بك السود وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ms1799 ورفعتك إلي وطهرتك من ~~دنسهم إذ جئتهم بالبينات أي: المعجزات التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن ~~قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~أي: ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر. # PageV04P292 ### | لطيفة: # إن قيل: إن السياق في تعديد نعمه تعالى على عيسى عليه السلام وقول الكفار ~~في حقه. إن هذا إلا سحر مبين، ليس من النعم بحسب الظاهر. فما السر في ذكره؟ # فالجواب: إن من الأمثال المشهورة: إن كل ذي نعمة محسود. فطعن اليهود فيه ~~بهذا الكلام يدل علي أن نعم الله في حقه كانت عظيمة. فحسن ذكره عند تعديد ~~النعم، للوجه الذي ذكرناه. أفاده الرازي. # ولما بين تعالى النعم اللازمة، تأثرها بنعمه عليه المتعدية، فقال سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 111] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) # وإذ أوحيت إلى الحواريين أي: بطريق الإلهام والإلفاء في القلب أن آمنوا ~~بي وبرسولي أي: عن دعوته قالوا آمنا وأكدوا إيمانهم بقولهم واشهد أي: # لتؤديها عند ربك بأننا مسلمون أي: منقادون لكل ما تدعونا إليه. ### | وهاهنا لطائف: # الأولى- إنما قدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب. والإسلام عبارة عن ~~الانقياد والخضوع في الظاهر. يعني آمنا بقلوبنا وانقدنا بظواهرنا. # الثانية- إنما ذكر تعالى هذا في معرض تعديد النعم. لأن صيرورة الإنسان ~~مقبول القول عند الناس. محبوبا في قلوبهم. من أعظم نعم الله تعالى على ~~الإنسان. # كذا قاله الرازي. # قال المهايمي: ليحصل له رتبة التكميل وثواب رشدهم. # الثالثة: قال الرازي: إن قيل: إنه تعالى قال في أول الآية اذكر نعمتي ~~عليك وعلى والدتك ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه ~~السلام، وليس لأمه تعلق بشيء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة ~~والدرجات العالية، فهو حاصل، على سبيل التضمن والتبع للأم. ولذلك قال ~~تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50] . فجعلهما معا آية واحدة ~~لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر. انتهى. # PageV04P293 # وقال ms1800 بعضهم: قيل: أريد بالذكر في قوله تعالى: اذكر نعمتي الشكر. ففي ذلك ~~دلالة على وجوب شكر النعمة. وإن النعمة على الأم نعمة على الولد. والشكر ~~يكون بالقول والفعل والاعتقاد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 112] # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه لئلا ~~يتوهم أنهم اعتقدوا إلهيته أو ولديته، ليستقل بإنزال المائدة هل يستطيع ربك ~~أن ينزل علينا مائدة من السماء هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال: ~~سورة المائدة. # وهاهنا قراءتان: الأولى يستطيع ربك بالياء على أنه فعل وفاعل وأن ينزل ~~المفعول. والثانية- بالتاء وربك نصب أي سؤال ربك. فحذف المضاف. # والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن ~~عباس ومعاذ رضي الله عنهم. وسعيد بن جبير والكسائي. في آخرين. # قال أكثر المفسرين: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز. إذ ~~لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى. لكنه ~~كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على ~~القيام، مبالغة في التقاضي. وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل ~~يخف أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية. لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين ~~بالله عز وجل، ومعترفين بكمال قدرته. وسؤالهم ليس لإزاحة شك. بل ليحصل لهم ~~مزيد الطمأنينة. كما قال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: ~~260] . # ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب. ولهذا ~~السبب قالوا: وتطمئن قلوبنا وحاصله أن هل يستطيع سؤال عن الفعل دون القدرة ~~عليه، تعبيرا عنه بلازمه. أو عن المسبب بسببه. وقيل المعنى: هل يطيع ربك؟ ~~أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع) وهما بمعنى واحد. ~~والسين زائدة. كاستجاب وأجاب واستجب وأجب و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن ~~المجيب مطيع. # وذكر أبو ms1801 شامة أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض. فقال ~~له: يا ابن أخي! ادع ربك أن يعافيني. فقال: اللهم! اشف عمي. فقام كأنما نشط ~~من عقال. فقال: يا # PageV04P294 # ابن أخي! إن ربك الذي تعبده ليطيعك. فقال: يا عم! وأنت لو أطعته لكان ~~يطيعك. # أي يجيبك لمقصودك. # وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى. # قال الخازن: وقال بعضهم: هو على ظاهره. وقال: غلط القوم وقالوا ذلك قبل ~~استحكام الإيمان والمعرفة في قلوبهم. وكانوا بشرا، فقالوا هذه المقالة. فرد ~~عليهم غلطهم بقوله قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله أن تشكوا ~~في قدرته. # والقول الأول أصح. انتهى. # وعليه فمعنى اتقوا الله من أمثال هذا السؤال، وأن توقفوا إيمانكم على ~~رؤية المائدة إن كنتم به وبرسالتي مؤمنين فإن الإيمان مما يوجب التقوى ~~والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات. ### | لطيفة: # في المائدة قولان: الأول- أنها الطعام نفسه، من (ماد) إذا أفضل. كما في ~~(اللسان) وهذا القول جزم به الأخفش وأبو حاتم. أي: وإن لم يكن معه خوان. ~~كما في (التقريب) و (اللسان) وصرح به ابن سيده في (المحكم) . # قال الفاسي: والآية صريحة فيه، قاله أرباب التفسير والغريب. والثاني- ~~أنها الخوان عليه الطعام. قال الفارسي: لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام، ~~وإلا فهي خوان، وصرح به فقهاء اللغة. وجزم به الثعالبي وابن فارس. واقتصر ~~عليه الحريري في (درة الغواص) وزعم أن غيره من أوهام الخواص. وذكر الفاسي ~~في (شرحها) أنه يجوز إطلاق (المائدة) على (الخوان) مجردا عن الطعام. ~~باعتبار أنه وضع أو سيوضع. وقال ابن ظفر: ثبت لها اسم المائدة بعد إزالة ~~الطعام عنها. كما قيل (لقحة) بعد الولادة. وقال أبو عبيد: المائدة في ~~المعنى مفعولة، ولفظها فاعلة. # وهي مثل عيشة راضية. وقيل: من (ماد) إذا أعطى. يقال: ماد زيدا عمرا، إذا ~~أعطاه. وقال أبو إسحاق: الأصل عندي في (مائدة) أنها فاعلة. من (ماد يميد) ~~إذا تحرك. فكأنها تميد بما عليها. أي: تتحرك. وقال أبو عبيدة: سميت (مائدة) ms1802 ~~لأنها ميد بها صاحبها. أي: أعطيها وتفضل عليه بها. وفي (العناية) : فكأنها ~~تعطي من حولها مما حضر عليها. وفي (المصباح) : لأن المالك مادها للناس. أي: ~~أعطاهم إياها. ومثله في كتاب (الأبنية لابن القطاع) : ويقال في المائدة ~~ميدة. قاله الجرمي وأنشد: # PageV04P295 # وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للإخوان والجيران # كذا في (القاموس وشرحه) . والخوان بضم الخاء وكسرها ما يؤكل عليه الطعام ~~كما في (القاموس) . معرب كما في (الصحاح) و (العين) . وقيل: إنه عربي مأخوذ ~~من (تخونه) أي نقص حقه. لأنه يؤكل عليه فينقص. كذا في (العناية) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 113] # قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) # قالوا نريد أن نأكل منها أي آمنا. لكنا نريد الأكل منها من غير مشقة ~~تشغلنا عن عبادة الله تعالى وتطمئن قلوبنا أي فلا تعتريها شبهة لا يؤمن من ~~ورودها، لولا مثل هذه الآية. فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي ~~مما يوجب قوة اليقين ونعلم أن قد صدقتنا أي في دعوى النبوة، وفيما تعدنا من ~~نعيم الجنة، مع أنها سماوية ونكون عليها من الشاهدين أي فنشهد عليها عند ~~الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ~~ويقينا. ويؤمن بسببها كفارهم. أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر. # ثم لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك. وأنهم لا يقلعون عنه، أزمع على ~~استدعائها واستنزالها. روى ابن أبي حاتم، أنه توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ~~ما شاء الله. فلما قضى صلاته قام مستقبل القبلة. وصف قدميه، ووضع يده ~~اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره وطأطأ برأسه، خشوعا. ثم أرسل عينيه ~~بالبكاء. فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت ~~الأرض حيال وجهه، من خشوعه. فعند ذلك دعا الله تعالى فقال: اللهم! ربنا. ~~كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 114] # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا ms1803 عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أي: يا الله المطلوب لكل مهم، الجامع ~~للكمالات، الذي ربانا بها. ناداه سبحانه وتعالى مرتين بوصف الألوهية ~~والربوبية، إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء أنزل علينا مائدة من ~~السماء. أي التي # PageV04P296 # فيها ما تعدنا من نعيم الجنة تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا أي يكون يوم ~~نزولها عيدا نعظمه ونسر به، نحن الذين يدركونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها ~~فيتقوون في دينهم. و (العيد) العائد. مشتق من (العود) لعوده في كل عام ~~بالفرح والسرور. # وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد، قال الأعشى: # فوا كبدي من لا عج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها # كذا في (العناية) . # وفي (القاموس) (العيد) بالكسر، ما اعتادك من هم أو مرض أو حزن ونحوه. # وكل يوم فيه جمع وآية منك أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي ~~وارزقنا أي: أعطنا ما سألناك وأنت خير الرازقين أي: خير من يرزق. لأنه خالق ~~الرزق ومعطيه بلا عوض. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 115] # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين (115) # قال الله إني منزلها عليكم إجابة لدعوتكم فمن يكفر أي: بي وبرسولي بعد أي ~~بعد تنزيلها، المفيد للعلم الضروري بي وبرسولي منكم أيها المنعمون بها فإني ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين أي من عالمي زمانهم. أو من العالمين ~~جميعا. # روى «1» ابن جرير بسنده إلى قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم فمن ~~يكفر بعد منكم إلخ قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. # روى «2» منصور بن زاذان عن الحسن أيضا. أنه قال، في المائدة: أنها لم ~~تنزل. # وروى» # ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه ~~الله ولم ينزل شيء. أي مثل ضربه الله لخلقه. نهيا لهم عن مسألة الآيات ~~لأنبيائه. PageV04P297 # قال الحافظ ابن كثير: ms1804 وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. وقد يتقوى ذلك ~~بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس هو في كتابهم. ولو كانت قد نزلت، ~~لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ~~ولا أقل من الآحاد والله أعلم. # ثم قال: ولكن الجمهور أنها نزلت. وهو الذي اختاره ابن جرير. قال: لأن ~~الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى إني منزلها عليكم ووعد الله ووعيده ~~حق وصدق. # وهذا القول هو، والله أعلم، الصواب. كما دلت عليه الأخبار والآثار عن ~~السلف وغيرهم. # ومن الآثار ما أخرجه الترمذي «1» عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ~~ولا يدخروا لغد. فخانوا وادخروا ورفعوا لغد. فمسخوا قردة وخنازير # . قال الترمذي: وقد روي عن عمار، من طريق، موقوفا وهو أصح. # وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم. قالوا ~~له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال فنزلت الملائكة بالمائدة ~~يحملونها. # عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. # وقد ساق ابن كثير آثار في نزولها لا تخلو عن غربة ونكارة في سياقها، كما ~~لا يخفى. # روى الإمام أحمد «2» عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: ~~نعم: قال فدعاه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن ~~شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا ~~من العالمين. وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة ~~والرحمة. # ورواه الحاكم في مستدركه وابن مردويه. PageV04P298 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية # 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ms1805 ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل ماذا أجبتم توبيخ من تمرد ~~من أممهم. وأشد الأمم افتقار إلى التوبيخ والملامة النصارى. الذي يزعمون ~~أنهم أتباع عيسى عليه السلام. لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء. ~~وطعن هؤلاء الملحدة تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق أن ~~يوصف مقامه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد. فلا جرم، ذكر تعالى أنه يعدد ~~أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة. إشعارا بعبوديته، فإن كل ~~واحدة من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله، ثم أتبع ذلك ~~باستفهامه لينطق بإقراره، عليه السلام، على رؤوس الأشهاد، بالعبودية، وأمره ~~لهم بعبادة الله عز وجل. # إكذابا لهم في افترائهم عليه، وتثبيتا للحجة على قومه فهذا سر سؤاله ~~تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك. وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في ~~وقت نزول الآية ومن تأثرهم، على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم. ### | تنبيهات: # الأول: روي عن قتادة: أن هذا القول يكون يوم القيامة لقوله تعالى: هذا ~~يوم ينفع الصادقين صدقهم. وقال السدي: هذا الخطاب والجواب. في الدنيا وصوبه ~~ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى السماء. واحتج ابن جرير على ذلك ~~بوجهين: أحدهما: أن الكلام بلفظ المضي. و (الثاني) قوله: إن تعذبهم. # وإن تغفر لهم. # قال الحافظ ابن كثير: وهذان الدليلان فيهما نظر. لأن كثيرا من أمور يوم ~~القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك الآية: التبرؤ منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله تعالى. وتعليق ~~ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه. كما في نظائر ذلك من الآيات. فالذي قاله ~~قتادة وغيره هو الأظهر. فالله أعلم أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على ms1806 ~~تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد. # PageV04P299 # وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله ~~مولى عمر بن عبد العزيز، وكان ثقة قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد ~~العزيز عن أبيه، أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم. ثم يدعى بعيسى فيذكره الله ~~نعمته عليه فيقر بها فيقول: # يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية، ثم يقول: أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى ~~بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك! قال: فيطول شعر عيسى عليه ~~السلام. فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين ~~يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب ~~وينطلق بهم إلى النار! # قال ابن كثير: وهذا حديث غريب عزيز! الثاني: إيثار قوله تعالى أمي على ~~مريم توبيخ للمتخذين، على توبيخ، أي مع أنك بشر تلد وتولد قبل هذا. # الثالث: توهم بعضهم أن كلمة (من دون الله) تفيد أن النصارى يعتقدون أن ~~عيسى وأمه، عليهما السلام. مستقلان باستحقاق العبادة، بدلا عن الله تعالى. ~~كما يقال: اتخذت فلانا صديقا دوني. فإن معناه أنه استبدله به، لا أنه جعله ~~صديقا معه. # وهم لم يقولوا بذلك. بل ثلثوا. فأجاب: بأن من أشرك مع الله غيره فقد نفاه ~~معنى. # لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون من ~~دون الله مجازا عن (مع الله) . ولا يخفى أن هذا تكلف. لأن توبيخهم إنما ~~يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل. ~~فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا [البقرة: 165] . وقوله عز وجل: ~~ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله- إلى قوله تعالى- سبحانه وتعالى ms1807 عما يشركون [يونس: 18] . إذ به يتأتى ~~التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت. هذا ما حققوه هنا. # وأقول: إن كلمة (دون) في هذه الآية وأمثالها بمعنى (غير) كما حققه ~~اللغويون. ولا تفيد، وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم وسر ذكرها إفهام ~~الشركة. # لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ~~ذلك. ولا # PageV04P300 # يفهم من نحو (اتخذت صديقا من دوني) الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. ~~وإلا فالمثال لا يعينه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفي. فتبصر قال ~~سبحانك أي أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يقال هذا وينطق به ما يكون لي أي ما ~~يتصور مني بعد إذ بعثتني لهداية الخلق أن أقول أي في حق نفسي ما ليس لي بحق ~~أي ما استقر في قلوب العقلاء عدم استحقاقي له مما يضلهم إن كنت قلته فقد ~~علمته استئناف مقرر لعدم صدور القول المذكور عنه عليه السلام، بالطريق ~~البرهاني. فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعا. فحيث انتفى علمه ~~تعالى به، انتفى صدره عنه حتما. ضرورة. أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم. ~~قاله أبو السعود تعلم ما في نفسي استئناف جار مجرى التعليل لما قبله. كأنه ~~قيل: لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي. فكيف بما أعلنه؟ وقوله تعالى: ولا أعلم ~~ما في نفسك بيان للواقع، وإظهار لقصوره. أي ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. ~~أفاده أبو السعود إنك أنت علام الغيوب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 117] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به. وإنما قيل: ~~ما قلت لهم نزولا على قضية حسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام. وقوله ~~تعالى: أن اعبدوا الله ربي وربكم تفسير للمأمور به وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم. أي: رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل ms1808 بموجب أمرك، ويتأتى لي ~~نهيهم عما أشاهده فيهم مما لا ينبغي فلما توفيتني أي: بالرفع إلى السماء. ~~كما في قوله تعالى: إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: 55] . والتوفي: أخذ ~~الشيء وافيا. والموت نوع منه. قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها [الزمر: 42] . وسبق في قوله تعالى: يا عيسى إني ~~متوفيك في (آل عمران) زيادة إيضاح على ما هنا. فتذكر كنت أنت الرقيب عليهم ~~أي: الناظر لأعمالهم. فمنعت من أردت عصمته من التفوه بذلك. وخذلت من خذلت ~~من الضالين، فقالوا ما قالوا: وأنت على كل شيء شهيد اعتراض تذييلي مقرر لما ~~قبله. # وفيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على الكل، حين كونه عليه السلام ~~فيما بينهم. # PageV04P301 ### | ### | تنبيه: # # دلت الآية على أن الأنبياء، بعد استيفاء أجلهم الدنيوي، ونقلهم إلى ~~البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم. # وقد روى البخاري «1» هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس! إنكم محشرون ~~إلى الله حفاة عراة غرلا. ثم قال: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم. ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! ~~أصيحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم فيقال: إن ~~هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 118] # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الحافظ ~~ابن كثير: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل. فإنه الفعال لما ~~يشاء لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23] . ويتضمن التبرؤ من ~~النصارى الذين كذبوا على الله ورسوله. وجعلوا لله ms1809 ندا وصاحبة وولدا. تعالى ~~الله عما يقولون علوا كبيرا. انتهى. # أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك. ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل ~~بملكه. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وإن ~~تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح. لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب. الذي ~~لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم. فإن ~~عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد. فلا امتناع فيه ~~لذاته، ليمتنع الترديد والتعليق ب (إن) . أفاده البيضاوي. # يعني أن المغفرة، وإن كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود، لكنها لما كانت ~~بحسب العقل، تحتمل الوقوع واللاوقوع، استعمل فيها كلمة (إن) فسقط ما يتوهم ~~PageV04P302 # أن تعذيبهم، مع أنه قطعي الوجود، كيف استعمل فيه (إن) وعدم وقوع العفو ~~بحكم النص والإجماع. # وفي كتب الكلام: إن غفران الشرك جائز عقلا عندنا وعند جمهور البصريين من ~~المعتزلة. لأن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة. # وبالجملة: فليس قوله تعالى إن تغفر لهم تعريضا بسؤاله العفو عنهم. وإنما ~~هو لإظهار قدرته على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته. ولذا قال: إنك أنت ~~العزيز الحكيم، تنبيها على أنه لا امتناع لأحد عن عزته، فلا اعتراض في حكمه ~~وحكمته. # قال الرازي: قال قوم: لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه ~~شفيعا لهم. فلما قال: فإنك أنت العزيز الحكيم، دل ذلك على أن غرضه تفويض ~~الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه. # وفي (العناية) ما ملخصه: أن ما ظنه بعضهم من أن مقتضى الظاهر الغفور ~~الرحيم بدل العزيز الحكيم كما وقع في مصحف عبد الله بن مسعود- فقد غاب عنه ~~سر المقام. لأنه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط، لكونه جوابه. وليس كما توهم. ~~بل هو متعلق بهما. ومن له الفعل والترك عزيز حكيم. فهذا أنسب وأدق وأليق ~~بالمقام، أو هو متعلق بالثاني، وإنه احتراس، لأن ترك عقاب الجاني قد يكون ~~لعجز ينافي القدرة، أو لإهمال ms1810 ينافي الحكمة. فبين أن ثوابه وعقابه مع ~~القدرة التامة والحكمة البالغة. ### | تنبيه: # قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب. وقد ورد في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة إلى الصباح يرددها. # روى الإمام «1» أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة. # فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت: يا رسول! لم تزل تقرأ هذه الآية ~~حتى أصبحت. تركع بها وتسجد بها؟ قال: إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي ~~فأعطانيها. وهي نائلة، إن شاء الله، لمن لا يشرك بالله شيئا. PageV04P303 # وأخرجه النسائي أيضا. # وروى الإمام أحمد «1» أيضا عن أبي ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء. فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون. ~~فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله. فلما رأى القوم قد أخلوا المكان ~~رجع إلى مكانه فصلى. فجئت فقمت خلفه فأومأ إلي بيمينه، فقمت عن يمينه. ثم ~~جاء ابن مسعود فقام خلفي. وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله. فقمنا ~~ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو. ~~وقام بآية من القرآن يرددها، حتى صلى الغداة. فلما أصبحنا اومأت إلى عبد ~~الله بن مسعود. أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود: لا ~~أسأله عن شيء حتى يحدث إلي، فقلت: بأبي وأمي! قمت بآية من القرآن ومعك ~~القرآن. لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه. قال: # دعوت لأمتي. قلت: فماذا أجبت؟ أو ماذا رد عليك؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع ~~عليه كثير منهم طلعة، تركوا الصلاة. قلت: أفلا أبشر الناس، قال: بلى. ~~فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر. فقال عمر: يا رسول الله؟ إنك إن تبعث ~~بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع. فرجع. # وتلك الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك ms1811 وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. # وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن ~~تبعني فإنه مني ... # الآية [إبراهيم: 36] . # وقول عيسى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. # فرفع يديه وقال: اللهم! أمتي أمتي. وبكى. فقال الله تعالى: يا جبريل! ~~اذهب إلى محمد. وربك أعلم، فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام ~~فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم. فقال الله: ~~يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: # إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. # ثم ختم تعالى حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل، عليهم الصلاة ~~والسلام، مع الإشارة إلى نتيجة ذلك ومآله بقوله تعالى: PageV04P304 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 119] # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) # قال الله هذا أي: يوم القيامة يوم ينفع الصادقين صدقهم لأنه يوم الجزاء. # والمراد ب (الصادقين) المستمرون على الصدق في الأمور الدينية، التي ~~معظمها التوحيد، الذي الآية في صدده. وفيه شهادة بصدق عيسى عليه السلام ~~فيما قاله، جوابا عن قوله: أأنت قلت للناس الآية. وقوله تعالى: لهم جنات ~~تفسير للنفع المذكور. ولذا لم يعطف عليه، أي: لهم بساتين من غرس صدقهم تجري ~~من تحتها أي: من تحت شجرها وسررها الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر ~~والعسل خالدين فيها مقيمين لا يموتون ولا يخرجون أبدا رضي الله عنهم لصدقهم ~~ورضوا عنه تحقيقا لصدقهم. فلم يسخطوا لقضائه في الدنيا ذلك أي: # الخلود والرضوان الفوز العظيم أي: الكبير الذي لا أعظم منه. كما قال ~~تعالى: # لمثل هذا فليعمل العاملون [الصافات: 61] . وكما قال تعالى: وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون [المطففين: 26] ، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 120] # لله ملك السماوات والأرض وما ms1812 فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # لله ملك السماوات والأرض وما فيهن تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى ~~وفساد ما زعموا في المسيح وأمه. وذلك من تقديم الظرف. لأنه المالك لا غيره. ~~فلا شريك له. وهو على كل شيء قدير أي: مبالغ في القدرة. فالجميع ملكه وتحت ~~قهره وقدرته ومشيئته. فلا نظير له ولا وزير. لا إله غيره ولا رب سواه. # روى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. # أخرجه الترمذي «1» والحاكم. وأخرجا أيضا عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت ~~المائدة والفتح- كذا في (الإتقان) -. # كمل ما قدره تعالى على عبيده من محاسن تأويل هذه السورة الشريفة بعد عصر ~~يوم الجمعة في 19 رمضان عام 1320 في السدة اليمنى العليا من جامع السنانية. # والحمد لله رب العالمين PageV04P305 ### | سورة الأنعام # وهي مكية. وهي مائة وخمس وستون آية. # روى العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الأنعام بمكة. # روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية، نزلت جملة واحدة، نزلت ليلا ~~وكتبوها من ليلتهم، غير ست آيات منها، فإنها مدنيات، وهي قوله تعالى: قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم [الأنعام: 151- 153] . إلى آخر الثلاث آيات. وقوله ~~تعالى: وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] . الآية. وقوله تعالى: ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا [الأنعام: 21- 22] إلى آخر الآيتين. # وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين، وهما قوله تعالى: والذين آتيناهم الكتاب ~~يعلمون أنه منزل من ربك [الأنعام: 114] . الآية. وقوله تعالى: الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه [الأنعام: 20] . الآية. # وروي عن ابن عباس أيضا وقتادة أنهما قالا: إنها مكية إلا آيتين نزلتا ~~بالمدينة، قوله: وما قدروا الله حق قدره [الأنعام: 91] . وقوله: وهو الذي ~~أنشأ جنات [الأنعام: 141] الآية. # قال البيهقي في (الدلائل) : في بعض السور التي نزلت بمكة آيات نزلت ~~بالمدينة، فألحقت بها. وكذا قال ابن الحصار: كل نوع من المكي والمدني، منه ~~آيات مستثناة. قالا: إلا أن من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد ~~دون النقل. ثم ناقش هذه ms1813 الآيات، قال: ولا يصح به نقل، خصوصا ما ورد أنها ~~نزلت جملة. # ورد عليه السيوطي بأنه صح النقل عن ابن عباس، باستثناء: قل تعالوا # PageV04P306 # [الأنعام: 151- 153] . الآيات الثلاث، والبواقي: وما قدروا الله حق قدره ~~[الأنعام: 91] ، لما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلت في مالك بن الصيف. وقوله ~~تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا [الأنعام: 21] . نزلتا في مسيلمة، ~~وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه [الأنعام: 20] . وقوله: والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام: 114] . # وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي قال: نزلت الأنعام كلها بمكة، إلا آيتين نزلتا ~~بالمدينة في رجل من اليهود، وهو الذي قال: ما أنزل الله على بشر من شيء ~~[الأنعام: 91]- كذا في (اللباب) و (الإتقان) . ومن خصائص هذه السورة ما ~~أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا، جملة واحدة، ~~حولها سبعون ألف ملك، يجأرون بالتسبيح. # وروى السدي عن ابن مسعود قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من ~~الملائكة. وروي نحوه من وجه آخر عنه أيضا. # روى الحاكم في (مستدركه) عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد ~~الأفق # . ثم قال: صحيح على شرط مسلم. # وأخرجه ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت ~~سورة الأنعام معها موكب الملائكة سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، ~~والأرض بهم ترتج، ورسول الله يقول: سبحان الله العظيم؟ سبحان الله العظيم! # وأخرج أيضا عن ابن عمر: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت علي ~~سورة الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح ~~والتحميد. # قال الرازي: قال الأصوليون: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة: # أحدهما- أنها نزلت دفعة واحدة. # والثاني- أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة. والسبب فيه أنها مشتملة على ~~دلائل التوحيد، والعدل، والنبوة، والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين ~~والملحدين، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة. وأيضا ms1814 ~~فإنزال ما يدل على الأحكام، قد تكون المصلحة أن ينزله الله تعالى قدر ~~حاجتهم، وبحسب الحوادث والنوازل. وأما ما يدل على علم الأصول، فقد أنزله ~~الله تعالى جملة واحدة، وذلك # PageV04P307 # يدل على أن تعلم علم الأصول واجب على الفور، لا على التراخي. # وأخرج «1» الدارمي في (مسنده) عن عمر رضي الله عنه قال: الأنعام من نواجب ~~القرآن. # وفي القاموس: نجائب القرآن أفضله ومحضه. ونواجبه لبابه. انتهى. # وسميت ب (سورة الأنعام) ، لأن أكثر أحكامها، وجهالات المشركين فيها، وفي ~~التقرب بها إلى أصنامهم- مذكورة فيها. PageV04P308 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) # الحمد لله أي جميع المحامد، بما حمد به نفسه أو خلقه، أو حمد به الخلق ~~ربهم، أو بعضهم، مخصوص به. ثم أخبر عن قدرته الكاملة، الواجبة لاستحقاقه ~~لجميع المحامد بقوله: الذي خلق السماوات والأرض خصهما بالذكر، لأنهما أعظم ~~المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع، لأن السموات بأوضاعها ~~وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية. # والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات. # وجعل الظلمات والنور أي: أوجدهما منفعة لعباده، في ليلهم. ونهارهم. # وهاهنا: ### | لطائف: # الأولى- أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو ~~الحقيق بالحمد والعبادة، دون ما سواه. # الثانية- لفظ (جعل) يتعدى إلى واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كما هنا ~~وإلى مفعولين إذا كان بمعنى (صير) كقوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا [الزخرف: 19] . والفرق بين (الخلق) و (الجعل) أن الخلق فيه ~~معنى التقدير، وفي (الجعل) معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء ~~شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. ومن ذلك: وجعل منها زوجها [الأعراف: 189] ~~. # أجعل الآلهة إلها واحدا [الزمر: 6] . وإنما حسن لفظ (الجعل) هاهنا، لأن ~~النور والظلمة لما تعاقبا، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر- قاله ~~الرازي- وسبقه إليه الزمخشري. # PageV04P309 # قال الناصر في (الانتصاف) : وقد وردت جعل وخلق موردا ms1815 واحدا. # فورد: وخلق منها زوجها [النساء: 1] . وورد: وجعل منها زوجها [الأعراف: # 189] . وذلك ظاهر في الترادف. إلا أن للخاطر ميلا إلى الفرق الذي أبداه ~~الزمخشري. ويؤيده أن جعل لم يصحب السموات والأرض، وإما لزمتهما خلق. وفي ~~إضافة (الخلق) في هذه الآية إلى السموات والأرض، و (الجعل) إلى الظلمات ~~والنور، مصداق للمميز بينهما- والله أعلم- الثالثة- إن قيل: لم جمعت ~~السموات دون الأرض مع أنها مثلهن لقوله تعالى: # ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12] . # وفي الحديث «1» : هل تدرون ما هذه؟ # قالوا: هذه أرض. هل تدرون ما تحتها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: أرض ~~أخرى، وبينهما مسير خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة ~~خمسمائة عام- أخرجه الترمذي، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه؟. # فالجواب: لأن السموات طبقات متفاضلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف ~~الأرضين- كما قاله البيضاوي-. # وقال الرازي: إن السماء جارية مجرى الفاعل. والأرض مجرى القابل. فلو كانت ~~السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم. أما لو كانت كثيرة ~~اختلفت الاتصالات الكوكبية، فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال ~~المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أما الأرض فهي قابلة ~~للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول. انتهى. # وقدم السموات لشرفها وعلو مكانها. # الرابعة- الظاهر في (الظلمات والنور) أن المراد منهما الأمران المحسوسان ~~بحس البصر. والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما. والأصل اللفظ على حقيقته. ~~ولأن (الظلمات والنور) إذا قرنا بالسموات والأرض، لم يفهم منهما إلا ~~الأمران المحسوسان، ونقل عن بعض السلف أنه عنى بهما الكفر والإيمان. # ورجح الرازي الأول لما ذكر. # ووجه بعضهم الثاني بأن المعنى: أنه لما خلق السموات والأرض، فقد نصب ~~PageV04P310 # الأدلة على معرفته وتوحيده. ثم بين طريق الضلال، وطريق الهدى، بإنزال ~~الشرائع والكتب السماوية. ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فناسب المقام (ثم) ~~الاستبعادية، إذ ببعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل، اختيار الباطل. ~~انتهى. # وعليه فجمع (الظلمات) وتوحيد (النور) ظاهر. لأن الهدى واحد، والضلال ~~متعدد، كما قال في آخر هذه السورة: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل ms1816 فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] . # وعلى الأول، فجمعها لظهور كثرة أسبابها ومحالها عند الناس، فإن لكل جرم ~~ظلمة، وليس لكل جرم نور. وأما تقديمها فلسبقها في التقدير والتحقق، على ~~النور. # وفي الأثر «1» : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. # وقوله تعالى: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون معطوف على الجملة السابقة ~~الناطقة بما مر من موجبات اختصاصه تعالى، بالحمد المستدعى لاقتصار العبادة ~~عليه. مسوق لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها، ~~واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة العقول. والمعنى أنه تعالى مختص ~~باستحقاق الحمد والعبادة، باعتبار ذاته، وباعتبار ما فصل من شؤونه العظيمة ~~الخاصة به، الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه، ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون ~~بموجبه، ويعدلون به سبحانه. أي: # يسؤون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر، الذي رأسه الحمد، مع ~~كون كل ما سواه مخلوقا له، غير متصف بشيء من مبادئ الحمد. PageV04P311 # وكلمة (ثم) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية، القاضية ~~ببطلانه. و (الباء) متعلقة ب (يعدلون) ووضع (الرب) موضع ضميره تعالى، ~~لزيادة التشنيع والتقبيح. والتقديم لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق ~~مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل، وترك المفعول لظهوره، أو ~~لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل، بتنزيله منزلة اللازم، إيذانا بأنه المدار ~~في الاستبعاد، لا خصوصية المفعول. هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل- أفاده أبو ~~السعود-. # ثم ناقش ما وقع للمفسرين هنا مما يخالفه. فانظره. # وأصل (العدل) مساواة الشيء بالشيء. والمعنى: أنهم يجعلون له عديلا من ~~خلقه، مما لا يقدر على شيء، فيعبدون الحجارة، مع إقرارهم بأن الله خلق ~~السموات والأرض. # وقال النضر بن شميل: (الباء) بمعنى (عن) أي: عن ربهم يعدلون وينحرفون، من ~~العدول عن الشيء. ### | لطيفة: # قال ابن عطية رحمه الله: (ثم) دالة على قبح فعل الذين كفروا، لأن المعنى ~~أن خلقه السموات قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ~~هذا كله قد عدلوا بربهم. فهذا كما تقول: أعطيتك وأحسنت إليك، ثم تشتمني؟ ~~ولو وقع ms1817 العطف في هذا ونحوه ب (الواو) لم يلزم التوبيخ كلزومه ب (ثم) . ~~انتهى. أي: # ففيها الدلالة على التوبيخ والإنكار، كالتعجيب أيضا. # قال أبو حيان: هذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن (ثم) للتوبيخ. # والزمخشري من أنها للاستبعاد- مفهوم من سياق الكلام، لا من مدلول (ثم) . ~~انتهى. # وإنما لم تحمل (ثم) على التراخي، مع استقامته، لكون الاستبعاد أوفق ~~بالمقام، لأن التراخي الزماني معلوم فيه، فلا فائدة في ذكره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 2] # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) # هو الذي خلقكم من طين استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث، مع # PageV04P312 # مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به، إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى، مع ~~معاينتهم لموجبات توحيده. وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة ~~البعث، مع أن ما ذكره من خلق السموات والأرض من أوضحها وأظهرها، كما ورد في ~~قوله تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [يس: ~~81] . لما أن محل النزاع بعثهم. فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشئون ~~أنفسهم أعرف، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح. والالتفات لمزيد التشنيع ~~والتوبيخ. أي: ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى للكل، لما أنه منشأ آدم ~~الذي هو أبو البشر. وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين، لا إلى آدم عليه ~~السلام، وهو المخلوق منه حقيقة. بأن يقال: هو الذي خلق أباكم.. إلخ مع ~~كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه، في إيجاب الإيمان بالبعث، وبطلان ~~الامتراء- لتوضيح منهاج القياس، وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس. مع ~~ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية: هي أن كل فرد من أفراد البشر ~~له حظ من إنشائه، عليه السلام، منه، حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على ~~نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد الجنس، انطواء إجماليا، ~~مستتبعا لجريان آثارها على الكل. # فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه. ولما كان ~~خلقه على هذا ms1818 النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته، أبدع من أن يكون ذلك ~~مقصورا على نفسه، كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه، وأدل على عظم ~~قدرة الخلاق العليم، وكمال علمه وحكمته، وكان ابتداء حال المخاطبين أولى ~~بأن يكون معيارا لانتهائها- فعل ما فعل. ولله در شأن التنزيل! وعلى هذا ~~السر مدار قوله تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم [الأعراف: 11] . إلخ. وقوله تعالى: وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا [مريم: 9] . كما سيأتي. # وقيل: المعنى خلق أباكم منه، على حذف المضاف. وقيل: معنى خلقهم منه، ~~خلقهم من النطفة الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض. وأيا ما كان، فيه ~~من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث، ما لا يخفى. فإن من قدر ~~على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط، كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر ~~قدرة- أفاده أبو السعود-. # وفي (العناية) : أن في الآية التفاتا، لأن الخطاب- وإن صح كونه عاما- ~~لكنه خاص بالذين كفروا، كما يقتضيه ثم أنتم تمترون. ونكتته أن دليل الأنفس ~~أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة، والشكر عليه أوجب. ~~وقد أشير في # PageV04P313 # كل من الدليلين إلى المبدأ والمعاد، وما بينهما. انتهى. # أخرج أبو داود «1» والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء ~~بنو آدم على قدر الأرض. جاء منهم. الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك. ~~والسهل والحزن، والخبيث والطيب. # وقوله تعالى: ثم قضى أجلا أي: كتب لموت كل واحد منكم أجلا خاصا به. أي ~~حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله. أو كتب، لما بين أن يولد كل منكم إلى ~~يوم أن يموت، أجلا. # وأجل مسمى عنده أي: وحد معين لبعثكم جميعا، مثبت معين في علمه، لا يقبل ~~التغيير، ولا يقف على وقت حلوله أحد. كقوله تعالى: إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو [الأعراف: 187] . فمعنى عنده أنه مستقل بعلمه. # وأجل مبتدأ لتخصيصه بالصفة، ولوقوعه في موقع ms1819 التفصيل. وتنوينه لتفخيم ~~شأنه، وتهويل أمره، ولذلك أوثر تقديمه على الخبر الذي هو عنده، مع أن ~~الشائع في مثله التأخير، كأنه قيل: وأي أجل معين في علمه لا يعلمه أحد لا ~~مجملا ولا مفصلا. أما أجل الموت فمعلوم إجمالا وتقريبا، بناء على ظهور ~~أماراته، أو على ما هو المعتاد في أعمار الإنسان. # ثم أنتم تمترون استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث، بعد معاينتهم لما ~~ذكر من الحجج الباهرة الدالة عليه. أي: تمترون في وقوعه وتحققه في نفسه، مع ~~مشاهدتكم في أنفسكم ما يقطع مادة الامتراء. فإن من قدر على خلق المواد ~~وجمعها وإيداع الحياة فيها، وإبقائها ما يشاء، كان أقدر على جمع تلك المواد ~~وإحيائها ثانيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 3] # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) # وهو الله في السماوات وفي الأرض أي المعبود فيهما، PageV04P314 # يعلم سركم وجهركم أي من الأقوال أو الدواعي والصوارف القلبية وأعمال ~~الجوارح، ويعلم ما تكسبون أي: ما تفعلونه من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب. ~~وتخصيصه بالذكر، مع اندراجه فيما سبق، على التفسير الثاني للسر والجهر- ~~لإظهار كمال الاعتناء به الذي يتعلق به الجزاء. وهو السر في إعادة (يعلم) . # قال الناصر في (الانتصاف) : وما هاتان الآيتان الكريمتان- يعني هذه الآية ~~وآية الزخرف، وهي قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~[الزخرف: 84]- إلا توأمتان. فإن التمدح في آية الزخرف، وقع بما وقع التمدح ~~به هاهنا من القدرة على الإعادة والاستئثار بعلم الساعة والتواجد في ~~الألوهية، وفي كونه تعالى المعبود في السموات والأرض. # وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: للمفسرين في هذه الآية أقوال، بعد ~~اتفاقهم على إنكار قول الجهمية، الأول القائلين- تعالى عن قولهم علوا ~~كبيرا- بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك. فالأصح من الأقوال أنه ~~المدعو في السموات والأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالآلهية من في ~~السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا [الأنبياء: 90] . ~~إلا من كفر من الجن والإنس. ms1820 وهذه الآية- على هذا القول- كقوله تعالى: وهو ~~الذي في السماء إله وفي الأرض إله. أي: هو إله من في السماء وإله من في ~~الأرض، وعلى هذا، فيكون قوله: يعلم سركم وجهركم خبرا أو حالا. # والقول الثاني- إن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض ~~من سر وجهر. فيكون قوله يعلم متعلقا بقوله في السماوات وفي الأرض تقديره: # وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات ... إلخ. # والقول الثالث- إن قوله: وهو الله في السماوات وقف تام، ثم استأنف الخبر ~~فقال: وفي الأرض يعلم سركم وجهركم وهذا اختيار ابن جرير. انتهى. # ورجح ابن عطية في الآية: أنه الذي يقال له الله فيهما. قال: وهذا عندي ~~أفضل الأقوال، وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى، وإيضاحه: أنه ~~أراد أن يدل على خلقه، وآيات قدرته، وإحاطته واستيلائه، ونحو هذه الصفات. ~~فجمع هذه كلها في قوله وهو الله- الذي له هذه كلها- في السماوات وفي الأرض ~~كأنه قال: وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما. # PageV04P315 ### | تنبيه: # قال الرازي: الآية تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل، والكسب هو الفعل ~~المفضي إلى اجتلاب نفع، أو دفع ضر. ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب، ~~لكونه تعالى منزها عن جلب النفع، ودفع الضر- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 4] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم يعني: ما يظهر لكفار مكة دليل من الأدلة ~~التي يجب فيها النظر والاعتبار، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات ~~القرآن، التي من جملتها الآيات السالفة، الناطقة ببدائع صنعه وقدرته على ~~البعث إلا كانوا عنها معرضين أي: على وجه التكذيب والاستهزاء، لقلة خوفهم ~~وتدبرهم، في العواقب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 5] # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم يعني: القرآن الذي تحدوا به، فعجزوا عنه فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن أي: مصداق أنباء ms1821 الحق الذي كانوا يكذبون ~~به على سبيل الاستهزاء. وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة. ~~فهو وعيد شديد لهم بأنه لا بد لهم أن يذوقوا وباله. وقد ذاقوه يوم بدر ~~وغيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 6] # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # ألم يروا أي: ألم يعلموا علما يشبه الرؤية بالبصر، لما سمعوا بالتواتر من ~~إتيان المستهزئين قبلهم. أنباءهم مرارا كثيرة كم أهلكنا من قبلهم من قرن أي ~~من أمة، فلم نبق منها أحدا، مثل قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم ~~الماضية، والقرون الخالية. مكناهم في الأرض أي: قررناهم وثبتناهم في الأرض، ~~ما لم # PageV04P316 # نمكن لكم # أي: ما لم نجعل لكم من السعة والرفاهية وطول الأعمار، يا أهل مكة! ~~وأرسلنا السماء أي المطر. قال المهايمي: هو أبلغ من أنزلنا في الدلالة على ~~الكثرة، عليهم مدرارا أي كثيرا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم أي من تحت ~~أشجارهم، فعاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار، وسقيا الغيث المدرار، ~~فأهلكناهم بذنوبهم أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم، وتكذيبهم رسلهم، وجعلناهم ~~أحاديث، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه. أي وسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من ~~العذاب. وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين أي: بدلا من الهالكين، يعني: فلا ~~يتعاظمه تعالى أن يهلك هؤلاء، ويخلي ديارهم منهم، وينشئ أمة سواهم، فما هم ~~بأعز على الله منهم. والرسول الذي كذبوه أكرم على الله من رسلهم. فهم أولى ~~بالعذاب، ومفاجأة العقوبة، لولا لطفه وإحسانه. # ثم بين تعالى شدة مكابرتهم، إثر إعراضهم، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 7] # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس أي: مكتوبا في ورق فلمسوه بأيديهم أي: ~~فمسوه، لقال الذين كفروا إن هذا أي: ليس هذا المعظم ms1822 بهذه الوجوه الدالة على ~~أنه لا يكون إلا من الله، إلا سحر مبين تعنتا وعنادا، وتخصيص (اللمس) لأن ~~التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه ~~الإبصار، حيث لا مانع. وتقييده ب (الأيدي) لرفع التجوز، فإنه قد يتجوز به ~~للفحص، كقوله: وأنا لمسنا السماء [الجن: 8]- أفاده البيضاوي. # قال الناصر في (الانتصاف) : والظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم، ~~تحقيق القراءة على قرب. أي: فقرؤوه وهو في أيديهم، لا بعيد عنهم، لما ~~آمنوا. # وقال ابن كثير: وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات: ولو ~~فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل ~~نحن قوم مسحورون [الحجر: 14- 15] . ولقوله تعالى: وإن يروا كسفا من السماء ~~ساقطا يقولوا سحاب مركوم [الطور: 44] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 8] # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) # وقالوا لولا أنزل عليه ملك أي: ليكون معه فيكلمنا أنه نبي، كقوله: لولا # PageV04P317 # أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7] . # ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر جواب لمقترحهم، وبيان لمانعه، وهو البقيا ~~عليهم، كيلا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه. والمعنى: أن الملك لو أنزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن، ~~ثم لم يؤمنوا، لحاق بهم العذاب، وفرغ الأمر. فإن سنة الله قد جرت في الكفار ~~أنهم متى اقترحوا آية. ثم لم يؤمنوا، استؤصلوا بالعذاب، كما قال تعالى: ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [الحجر: 8] . وقوله تعالى: ~~يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان: 22] . # ثم لا ينظرون أي: لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، فضلا عن أن ينذروا به. # ومعنى (ثم) بعد ما بين الأمرين، قضاء الأمر، وعدم الإنظار جعل عدم ~~الإنظار. أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة. ### | تنبيه: # ذكر الزمخشري وجها ثانيا في تعجيل عذابهم، عند نزول الملائكة، وهو أنه ~~يزول الاختيار الذي ms1823 هو قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وفي (الكشف) الاختيار ~~قاعدة التكليف، وهذه آية ملجئة. قال تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا [الفتح: 85] . فوجب إهلاكهم، لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة، إذ ~~ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف، وهو لا يبقى مع الإلجاء. هذا تقريره على ~~مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال. انتهى. وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد ~~السنة، وكأن وجه إشكاله أنه وقع في القرآن، والواقع ما ينافيه، كما في قوله ~~تعالى: أو كالذي مر على قرية ... [البقرة: 259] . - كذا في (العناية) - ~~وذكر أيضا وجها ثالثا. وهو أنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته، زهقت أرواحهم من ~~هول ما يشاهدون. # قال في (الانتصاف) : ويقوي هذا الوجه قوله: ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا. قال ابن عباس. ليتمكنوا من رؤيته، ولا يهلكوا من مشاهدة صورته، ~~انتهى. # وهذا الوجه آثره أبو السعود في التقديم حيث قال: أي لو أنزلنا ملكا على ~~هيئته حسبما اقترحوه، والحال أنه من هول المنظر، بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى ~~الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون ~~الملائكة ويفاوضونهم على الصورة البشرية؟ كضيف إبراهيم ولوط، وخصم داود ~~عليهم # PageV04P318 # السلام، وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك، وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ~~ظنك بمن عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية، ~~واستحال جعله نذيرا، وهو- مع كونه خلاف مطلوبهم- مستلزم لإخلاء العالم عما ~~عليه يدور نظام الدنيا والآخرة، من إرسال الرسل، وتأسيس الشرائع، وقد قال ~~سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] . انتهى. # وفي (العناية) أن الوجه الثالث لا يناسب قوله: ثم لا ينظرون، لأنه يدل ~~على إهلاكهم، لا على هلاكهم، برؤية الملك، إلا بتكلف. # هذا، وقال الناصر في (الانتصاف) : على الوجه الأول لا يحسن أن يجعل سبب ~~مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك. فإنه ربما يفهم هذا الكلام أن ~~الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح، وليس الأمر كذلك. # فالوجه- والله أعلم- أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم ~~إيمانهم، ms1824 أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه، إذ الذي يتوقف ~~الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزا، لا المعجز الخاص، فإذا أجيبوا على ~~وفق مقترحهم، فلم ينجع فيهم، كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد ~~المناسب لعدم النظرة- والله أعلم-. # قال المهايمي: لا دليل على النبوة سوى شهادة الملك، وتنزيل الملك بصورته ~~الملكوتية يقطع أمر التكليف، إذ لا ينفع الإيمان بعد انكشاف عالم الملكوت، ~~فلا يمهلون، لأن الإمهال للنظر. والمعجزة- وإن أفادت علما ضروريا- لا تخلو ~~عن خفاء يحتاج إلى أدنى نظر، ولا خفاء مع انكشاف عالم الملكوت، فلا وجه ~~للإمهال للنظر، فلا يقبل الإيمان معه، فلا بد من المؤاخذة عقيبه. انتهى- ~~فليتأمل-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 9] # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا جواب ثان. أي: ولو جعلنا النذير الذي ~~اقترحوه ملكا لمثلناه رجلا، لما مر من عدم استطاعة الآحاد، لمعاينة الملك ~~على صورته، من النور. وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية. ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون جواب محذوف. أي: ولو جعلناه رجلا لشبهنا عليهم ما ~~يشبهون على أنفسهم حينئذ، بأن يقولوا له: إنما أنت بشر، ولست بملك. ولو ~~استدل على # PageV04P319 # ملكيته بالقرآن المعجز، الناطق بها، أو بمعجزات أخر غير ملجئة إلى ~~التصديق- لكذبوه، كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام. ولو أظهر لهم صورته ~~الأصلية لزم ما تقدم من قضاء الأمر. ### | تنبيهات: # الأول: في إيثار (رجلا) على (بشرا) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل، لا ~~بطريق قلب الحقيقة، وتعيين لما يقع به التمثيل. # الثاني- في الآية بيان لرحمته تعالى بخلقه، وهو أنه يرسل إلى كل صنف من ~~الخلائق رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في ~~المخاطبة والسؤال. كما قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم [آل عمران: 164] . الآية. وقال ~~تعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا [الإسراء: 95] . # الثالث: التعبير عن ms1825 تمثيله تعالى (رجلا) باللبس إما لكونه في صورة اللبس، ~~أو لكونه سببا للبسهم، أو لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة. وفيه تأكيد ~~لاستحالة جعل النذير ملكا، كأنه قيل: لو فعلناه لفعلناه ما لا يليق بشأننا ~~من لبس الأمر عليهم- أفاده أبو السعود. # الرابع- جوز بعضهم وجها ثانيا في قوله تعالى: ولو جعلناه ملكا وهو أن ~~يكون جواب اقتراح ثان، على أن الضمير عائد للرسول، لا لمقترحهم السابق. ~~قال: # لأنهم تارة يقولون: لولا أنزل عليه ملك وتارة يقول: لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة [فصلت: 14] . والمعنى: ولو جعلنا الرسول ملكا لمثلناه رجلا. والظاهر ~~هو الوجه الأول. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 10] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) # وقوله تعالى: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزؤن تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، ووعد ~~له وللمؤمنين به بالنصر والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. و (حاق) بمعنى ~~نزل وحل، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. أي: فنزل بهم وبال استهزائهم، أو ~~العذاب الذي كانوا يسخرون من # PageV04P320 # التخويف به، إذ هلكوا في الدنيا على أقبح الوجوه، ثم ردوا إلى أفظع ~~العذاب أبد الآبدين. وجعل الرسل في أعلى منازل القرب من رب العالمين. # ثم أمر تعالى أن يصدعهم بالتجول في الأرض إن ارتابوا فيما تواتر، أو ~~تعاموا عما رأوا، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 11] # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي: سيروا في الأرض ~~لتعرف أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل ~~وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به. وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ~~ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها- تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار. # أي: فلا تغتروا بما أنتم عليه من التمتع بلذات الدنيا وشهواتها. # وفي هذه الآية تكملة للتسلية، بما في ضمنها من العدة ms1826 اللطيفة، بأنه سيحيق ~~بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين، وقد أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز. ### | لطيفة: # وقع هنا ثم انظروا. وفي النمل: قل سيروا في الأرض فانظروا [النمل: # 69] . وكذا في العنكبوت. فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا ب (ثم) ، كما هو ~~مبسوط في (العناية) ، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ~~ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخرة، وب (ثم) نظرا لأوله، ولا ~~فرق بينهما. # وفي (الانتصاف) : الأظهر أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ~~ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء، فلإظهار السببية. وحيث دخلت (ثم) ، ~~فلل ### | تنبيه # على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان ~~بين المقصود والوسيلة- والله أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 12] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) # قل لمن ما في السماوات والأرض أي: خلقا وملكا، وهو سؤال تبكيت # PageV04P321 # وتقريع، قل لله تقرير للجواب، نيابة عنهم. أي: هو الله، لا خلاف بيني ~~وبينكم، ولا تقدرون أن يضيفوا شيئا منه إلى غيره. ففيه تنبيه على تعينه ~~للجواب اتفاقا، كما في قوله تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله. ومن المقرر أن أمر السائل بالجواب إنما يحسن في موضع يكون فيه ~~الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا على دفعه ~~دافع، كما هنا. قيل: # وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب، مع تعينه، لكونهم محجوجين. # وقوله تعالى: كتب على نفسه الرحمة جملة مستقلة داخلة تحت الأمر، ناطقة ~~بشمول رحمته الواسعة لجميع الخلق، شمول ملكه وقدرته للكل، مسوقة لبيان أنه ~~تعالى رؤوف بعباده، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة والإنابة، ~~وأن ما سبق ذكره، وما لحق من أحكام الغضب، ليس من مقتضيات ذاته تعالى، بل ~~من جهة الخلق. كيف لا؟ ومن رحمته أن خلقهم على الفطرة ms1827 السليمة، وهداهم إلى ~~معرفته وتوحيده، بنصب الآيات الأنفسية والآفاقية، وإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب المشحونة بالدعوة إلى موجبات رضوانه، والتحذير عن مقتضيات سخطه. وقد ~~بدلوا فطرة الله تبديلا، وأعرضوا عن الآيات بالمرة، وكذبوا بالكتب، ~~واستهزءوا بالرسل، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: 76] . ~~ولولا شمول رحمته لسلك بهؤلاء أيضا مسلك الغابرين. ومعنى: (كتب الرحمة على ~~نفسه) أنه تعالى أوجبها وقضاها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة، ~~بالذات، لا بتوسط شيء أصلا. وفي التعبير عن (الذات) ب (النفس) حجة على من ~~ادعى أن لفظ (النفس) لا يطلق على الله تعالى. وإن أريد به الذات، إلا ~~مشاكلة، لما ترى من انتفاء المشاكلة هاهنا- أفاده أبو السعود-. # وقوله تعالى: ليجمعنكم إلى يوم القيامة جواب قسم محذوف. والجملة استئناف ~~مسوق للوعيد، على إشراكهم وإغفالهم النظر، لأنه لما بين كمال إلهيته، بقوله ~~قل لمن ما في السماوات والأرض، قل لله. ثم أخبر بأنه يرحمهم في الدنيا ~~بالإمهال، ودفع عذاب الاستئصال، أعلم أنه يجمعهم لذلك اليوم، ويحاسبهم على ~~كل ما فعلوا، لأن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته، ولا يسوغ في حكمته أن ~~يسوي بين المطيع والعاصي قيل: ليجمعنكم جواب لقوله: كتب، لأنه يجري مجرى ~~القسم. # وقيل: ليجمعنكم بدل من الرحمة، بدل البعض. # PageV04P322 # قال المهايمي: كمال الرحمة في الجزاء، إذ بدونه تضيع مشاق المعارف ~~الإلهية، والأعمال الصالحة، وتضيع المظالم، ولا جزاء في دار الدنيا، لأنه ~~فرع التكليف، ودار التكليف لا تكون دار الجزاء، لأن مشاهدته مانعة من ~~التكليف. # انتهى. # و (إلى) بمعنى اللام، كقوله: إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه [آل عمران: ~~9] ، أي في اليوم، أو في الجمع. # الذين خسروا أنفسهم أي: بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة الأصلية، والعقل ~~السليم، والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول عليه الصلاة والسلام، ~~واستماع الوحي، وغير ذلك من آثار الرحمة. # فهم لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. # قال أبو السعود: والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والإشعار بأن عدم ~~إيمانهم بسبب خسرانهم، فإن إبطال العقل باتباع الحواس، ms1828 والانهماك في ~~التقليد، وإغفال النظر، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من ~~الإيمان. والجملة تذييل مسوق من جهته تعالى، لتقبيح حالهم، غير داخل تحت ~~الأمر. ### | تنبيه: # روي في معنى هذه الآية عن أبي هريرة «1» : قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي ~~تغلب غضبي» - رواه الشيخان- # وفي البخاري: إن كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو ~~مكتوب عنده، فهو العرش. # وفي رواية لهما: أن الله لما خلق الخلق. # وعند مسلم: لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب كتبه على نفسه # ، فهو موضوع عنده. # زاد البخاري: على عرش. ثم اتفقا: إن رحمتي تغلب غضبي. # وسنذكر، إن شاء الله، شذرة من أحاديث الرحمة عند آية كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة قريبا. PageV04P323 # قال أبو السعود: ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقا بالخلق، وأكثر ~~وصولا إليهم، مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 13] # وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # وله أي: ولله عز وجل، ما سكن في الليل والنهار أي ما استقر وحل، من ~~(السكنى) بمعنى (الحلول) . كقوله تعالى: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم [إبراهيم: 45] . والمعنى: له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار، مما ~~طلعت عليه الشمس أو غربت. شبه الاستقرار بالزمان، بالاستقرار في المكان، ~~فاستعمل استعماله فيه. أو (سكن) من (السكون) ، مقابل الحركة. أي: ما سكن ~~فيهما وما تحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر، كما في قوله: سرابيل تقيكم ~~الحر [النحل: 81] . لأن ذلك يعرف بالقرينة. وعليه، فإنما اكتفى بالسكون عن ~~ضده دون العكس. لأن السكون أكثر وجودا، والنعمة فيه أكثر. # قال بعضهم: لا حاجة لدعوى الاكتفاء، فإن ما سكن يعم جميع المخلوقات، إذ ~~ليس شيء منها غير متصف بالسكون، حتى المتحرك، حال حركته، على ما حقق في ~~الكلام: من أن تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة ~~وكثرتها. ### | لطيفة: # قال أبو ms1829 مسلم الأصفهاني: ذكر تعالى في الآية الأولى السموات والأرض، إذ ~~لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما، ~~فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ~~ومالك للزمان والزمانيات. وهذا بيان في غاية الجلالة. # وقال الرازي: هاهنا دقيقة أخرى. وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان ~~والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات ~~أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات ~~الصرفة. # والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الأخفى ~~فالأخفى، وهذا من سر نظم الآية مع ما قبلها. # وهو السميع العليم يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما ~~يشتمل عليه الملوان. # PageV04P324 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 14] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) # قل أي لكفار مكة المبكتين بما تقدم: أغير الله أتخذ وليا أي معبودا. # كقوله تعالى: قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون. والمعنى: لا ~~أتخذ وليا إلا الله وحده. فاطر السماوات والأرض. أي: خالقهما ومبدعهما على ~~غير مثال سبق. بالجر، صفة للجلالة، موكدة للإنكار، وهو يطعم ولا يطعم أي: ~~يرزق ولا يرزق، أي: المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. أي: ~~فيجب اتخاذه وليا ليعبد شكرا على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض. ~~قيل: المراد بالطعم الرزق، بمعناه اللغوي. وهو كل ما ينتفع به، بدليل وقوعه ~~مقابلا له في قوله تعالى: # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون [الذاريات: 57] . فعبر بالخاص عن ~~العام مجازا، لأنه أعظمه وأكثره، لشدة الحاجة إليه. واكتفى به عن العام، ~~لأنه يعلم، من نفي ذلك، نفي ما سواه. # قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي: وجهه لله مخلصا له، لأصير متبوعا ~~للباقين. كقوله: وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام: 163] . وكقول ~~موسى: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ms1830 [الأعراف: 143] . # ولا تكونن من المشركين أي: وقيل لي: ولا تكونن. فهو معطوف على أمرت ~~بمعنى: أمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك صريحا مؤكدا، بعد النهي في ضمن ~~الأمر. ونهي المتبوع نهي التابعين. ويجوز عطفه على قل. وفي الآية إرشاد إلى ~~أن كل آمر ينبغي أن يكون عاملا بما أمر به. لأنه مقتداهم. قيل: هذه الآية ~~للتحريض، كما يأمر الملك رعيته بأمر، ثم يقول: وأنا أول من يفعل ذلك، ~~ليحملهم على الامتثال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 15] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # قل إني أخاف إن عصيت ربي أي: بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان. فيدخل فيه ما ~~ذكر دخولا أوليا. عذاب يوم عظيم يعني: عذاب يوم القيامة، الذي تظهر فيه ~~عظمة القهر الإلهي. وفي الآية مبالغة أخرى في قطع أطماعهم، وتعرض لهم # PageV04P325 # بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم. ووجه التعريض إسناد ما هو معلوم ~~الانتفاء، ب (إن) التي تفيد الشك تعريضا. وجيء بالماضي إبرازا له في صورة ~~الحاصل على سبيل الفرض، تعريضا بمن صدر عنهم ذلك. وحيث كان تعريضا لهم، ~~والمراد تخويفهم إذا صدر منهم ذلك- لم يكن فيه دلالة على أنه يخاف هو صلى ~~الله عليه وسلم على نفسه المعصية، مع أنه معصوم. كما لا يتوهم مثله في ~~قوله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] . وحينئذ فلا حاجة إلى ما أجيب عن ~~ظاهر دلالته على ما ذكر، بأن الخوف تعلق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعا ~~عاديا، فلا يدل إلا على أنه يخاف لو صدر عنه العصيان. وهذا لا يدل على حصول ~~الخوف. # قال بعضهم: لا يقال على تقدير العصيان، يكون الجواب هو استحقاق العذاب، ~~لا الخوف. لأنا نقول: لا منافاة بينهما. فالخوف إما على حقيقته، أو كناية ~~عن الاستحقاق. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 16] # من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # من يصرف بالبناء للمفعول، أي العذاب، عنه يومئذ فقد رحمه أي نجاه وأنعم ~~عليه، أو أدخله الجنة، لقوله: فمن زحزح ms1831 عن النار وأدخل الجنة [آل عمران: ~~185] . وقوله تعالى: يدخل من يشاء في رحمته [الشورى: 8] . # والجملة مستأنفة، مؤكدة لتهويل العذاب. # وذلك أي الصرف أو الرحمة، الفوز المبين أي: الظاهر. # ثم ذكر تعالى دليلا آخر، في أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ وليا غير الله ~~تعالى، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 17] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) # وإن يمسسك الله بضر أي ببلية، كفقر ومرض ونحوهما. و (الضر) : اسم جامع ~~لما ينال الإنسان من مكروه، فلا كاشف له إلا هو أي: فلا يقدر على دفعه إلا ~~هو وحده. وإن يمسسك بخير من عافية ورخاء ونحوهما: و (الخير) اسم جامع # PageV04P326 # لما ينال الإنسان من محبوب له، فهو على كل شيء قدير أي: ومن جملته ذلك، ~~فيقدر عليه، فيمسك به، ويحفظه عليك من غير أن يقدر على دفعه أو رفعه أحد. # كقوله تعالى: فلا راد لفضله [يونس: 107] ، وكقوله سبحانه: ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده [فاطر: 2] . # وفي الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم! لا ~~مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» . # وعن ابن عباس رضي الله عنه «2» قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، ~~إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت ~~على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى لك، ولو ~~اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليك. ~~رفعت الأقلام. وجفت الصحف» - رواه الترمذي- # وقال: حسن صحيح. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 18] # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير أي: هو الغالب بقدرته، المستعلي ~~فوق عباده، يدبر ms1832 أمرهم بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ~~ويحزن، فلا يستطيع أحد منهم رد تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره. # قال أبو البقاء: في (فوق) وجهان: # أحدهما- في موضع نصب على الحال من الضمير في (القاهر) أي: مستعليا ~~وغالبا. # والثاني- في موضع رفع على أنه بدل من (القاهر) أو خبر ثان. PageV04P327 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 19] # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) # قل أي شيء أكبر شهادة أي بحيث لا يمكن معارضته بما يساويه قل الله أي: ~~أكبر شهادة، إذ لا احتمال لطرو الكذب في خبره أصلا، جل شأنه. وأمره صلى ~~الله عليه وسلم بأن يتولى الجواب بنفسه، إما للإيذان بتعينه، وعدم قدرتهم ~~على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه، لا لترددهم في أنه تعالى ~~أكبر من كل شيء، بل في كونه شهيدا في هذا الشأن. # وقوله تعالى: شهيد بيني وبينكم خبر لمحذوف، أو خبر عن لفظ الجلالة. # ودل على جواب (أي) من طريق المعنى، لأنه إذا كان تعالى هو الشهيد بينه ~~وبينهم، كان أكبر شيء شهادة، شهيدا له. فيكون من الأسلوب الحكيم، لأنه عدل ~~عن الجواب المتبادر- إليه، ليدل على أن أكبر شهادة شهيد للرسول، فإن الله ~~أكبر شيء شهادة، والله شهيد له، فينتج الأكبر شهادة شهيد له. والقياس ~~المذكور من الشكل الثالث، لأن الحد الأوسط موضوع في المقدمتين، لا من ~~الثاني، كما وقع للشهاب في (العناية) وهو من بديهيات الميزان. # قال بعضهم: الغرض من السؤال ب أي شيء أكبر شهادة أن شاهدي أكبر شهادة. ~~فقوله شهيد ... إلخ تنصيص له، والسؤال المذكور لا يحتاج إلى جواب، لكونه ~~معلوما بينا عند الخصم، فحاصله أن الله الذي هو أكبر شهادة، شهد بذلك. # انتهى. # ومعنى (شهيد) مبالغ في الشهادة على نبوتي، بحيث يقطع النزاع بيني وبينكم، ms1833 ~~إذ شهد سبحانه بالقول في الكتب التي أنزلها على الأولين، وبالفعل فيما ظهر ~~على يدي من المعجزات، لا سيما معجزة القرآن، كما قال تعالى: # وأوحي إلي هذا القرآن أي: الجامع للعلوم التي يحتاج إليها في المعارف ~~والشرائع، في ألفاظ يسيرة، في أقصى مراتب الحسن والبلاغة، معجزة شاهدة بصحة ~~رسالتي، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء، وقد عجزتم عن معارضته لأنذركم به أي ~~بما فيه من الوعيد، ومن بلغ عطف على ضمير المخاطبين، أي: لأنذركم به، # PageV04P328 # يا أهل مكة! وسائر من بلغه من الناس كافة، فهو نذير لكل من بلغه، كقوله ~~تعالى: # ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده [هود: 17] . # أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. # قل لا أشهد بما تشهدون، قل إنما هو إله واحد أي: بل أشهد أن لا إله إلا ~~هو، لا يشارك في إلهيته، ولا في صفات كماله وإنني بريء مما تشركون يعني: ~~الأصنام. # وفي هذه الآية. ### | مسائل: # الأولى- استدل الجمهور بقوله تعالى قل الله في جواب أي شيء أكبر شهادة ~~على جواز إطلاق (الشيء) عليه تعالى. وكذا بقوله سبحانه وتعالى: كل شيء هالك ~~إلا وجهه [القصص: 88] . فإن المستثنى يجب أن يدخل تحت المستثنى منه، وذلك ~~لأن الشيء أعم العام- كما قال سيبويه- لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر ~~عنه، واختار الزمخشري شموله حتى للمستحيل. وصرح كثير من المحققين بأنه يختص ~~بالموجود، وضعفوا من أطلقه على المعدوم، بأنه محجوج بعدم استعمال العرب ~~ذلك، كما علم باستقراء كلامهم، وبنحو. كل شيء هالك إلا وجهه، إذ المعدوم لا ~~يتصف بالهلاك، وبنحو: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] . إذ ~~المعدوم لا يتصور منه التسبيح. # قال الناصر في (الانتصاف) : هذه المسألة معدودة من علم الكلام باعتبار ~~ما، وأما هذا البحث فلغوي، والتحاكم فيه لأهل اللغة. وظاهر قولهم: غضبت من ~~لا شيء. # إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # أن الشيء لا ينطلق إلا على الموجود، إذ لو كان الشيء كل ما يصح أن يعلم، ~~عدما كان أو وجودا، ms1834 أو ممكنا أو مستحيلا، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشيء، ~~والأمر في ذلك قريب. انتهى. # هذا، وتمسك من منع إطلاقه عليه تعالى قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها [الأعراف: 180] ، والاسم إنما يحسن لحسن مسماه، وهو أن يدل على ~~صفة من صفات الكمال، ونعت من نعوت الجلال. ولفظ (الشيء) أعم الأشياء، # PageV04P329 # فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها. ومتى كان كذلك، لم يكن ~~المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال، فوجب أن لا يجوز دعوة الله بهذا ~~الاسم، لأنه ليس من الأسماء الحسنى، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها. وأجيب: ~~بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى، لكونها توقيفية، وكونه لا يدعى به لعدم ~~وروده- لا ينافي شموله للذات العلية، شمول العام. والمراد بإطلاقه عليه ~~تعالى (فيما تقدم) شموله، لا تسميته به. وبالجملة، فلا يلزم أن كونه ليس من ~~الأسماء الحسنى، أن لا يشمل الذات المقدسة شمولا كليا، كيف؟ وهو الموضوعات ~~العامة. والتحاكم للغويين في ذلك- كما قدمنا-. # الثانية- ما أسلفناه من أن المعني بالشهادة هو شهادته تعالى في ثبوت ~~النبوة له صلى الله عليه وسلم، هو الذي جنح إليه الأكثر. وكأن مشركي مكة ~~طلبوا منه صلى الله عليه وسلم شاهدا على نبوته. فقيل لهم: أكبر شيء شهادة ~~هو الله تعالى، وقد شهد لي بالنبوة، لأنه أوحى إلي هذا القرآن، وتحداكم ~~بمعارضته، فعجزتم، وأنتم أنتم في مقام البلاغة. وإذ كان معجزا، كان إظهاره ~~تعالى إياه على وفق دعواي، شهادة منه على صدقي في النبوة. # ولبعضهم وجه آخر، وهو أن المعني، شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته، وتنزهه ~~عن الأنداد والأشباه. ويرشحه تتمة الآية، وهو قوله: أإنكم لتشهدون ... # إلخ، وقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو.. [آل عمران: 18] . وقوله تعالى: ~~فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام: 150] . مما يدل على أن الشهادة إنما عنى ~~بها، في موارد التنزيل، ثبوت الوحدانية، والقرآن يفسر بعضه بعضا- والله ~~أعلم-. # الثالثة- إنما اقتصر على الإنذار في قوله لأنذركم به لكون الخطاب مع كفار ~~مكة، وليس فيهم من يبشر. أو ms1835 اكتفى به عن ذكر البشارة على حد سرابيل تقيكم ~~الحر [النحل: 81] . # الرابعة- استدل بقوله تعالى: لأنذركم به ومن بلغ على أنه صلى الله عليه ~~وسلم مبعوث إلى الناس كافة، وإلى الجن. # الخامسة- استدل به أيضا على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ~~ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل- عند ~~الحنابلة- وبالإجماع عندنا في غير الموجودين، وفي غير المكلفين يومئذ- ~~أفاده أبو السعود-. # PageV04P330 # السادسة- روى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله ومن بلغ: من بلغه ~~القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه. ورواه ابن جرير «1» ~~عنه بلفظ: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم. # وروى «2» عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله. # وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ~~يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر. # السابعة- دل قوله تعالى: قل إنما هو إله واحد وقوله وإنني بريء مما ~~تشركون على إثبات التوحيد بأعظم طرق البيان، وأبلغ وجوه التأكيد، لأن ~~(إنما) تفيد الحصر، و (الواحد) صريح في نفي الشركاء. ثم صرح بالبراءة عن ~~إثبات الشركاء. وقد استحب الشافعي لمن أسلم بعد إتيانه بالشهادتين، أن ~~يتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، لقوله وإنني بريء مما تشركون عقب التصريح ~~بالتوحيد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 20] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون (20) # وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعني: اليهود والنصارى يعرفونه أي: ~~يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين كما ~~يعرفون أبناءهم بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم، ولا يلتبسون بغيرهم. # قال المهايمي: لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر في الكتاب نعته. وهو، وإن لم ~~يفد تعينه باللون والشكل والزمان والمكان، تعين بقرائن المعجزات. ms1836 فبقاء ~~الاحتمال البعيد فيه، كبقائه في الولد، بأنه يمكن أن يكون غير ما ولدته ~~امرأته، أو يكون من الفجور، مع دلالة القرائن على براءتها من التزوير ~~والفجور. فهو، كما يعرفون أبناءهم في ارتفاع الاحتمال البعيد بالقرائن على ~~براءتها. # قال الزمخشري: وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب، وبصحة نبوته. ~~PageV04P331 # ثم بين تعالى أن إنكاره خسران لما عرفوه، ولما أمروا بالتدين به بقوله ~~الذين خسروا أنفسهم أي: من المشركين فهم لا يؤمنون أي: بهذا الأمر الجلي ~~الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، وتوهت به، لأنه مطبوع على قلوبهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 21] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون ~~(21) # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا كقولهم: الملائكة بنات الله [الأنعام: # 100] ، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها [الأعراف: 28] . # أو كذب بآياته أي: القرآن والمعجزات، حيث سموها سحرا. وإنما ذكر أو مع ~~أنهم جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط ~~في الظلم على النفس. فكيف؟ وهم وقد جمعوا بينهما، فأثبتوا ما نفاه الله ~~تعالى، ونفوا ما أثبته. # إنه لا يفلح الظالمون أي: لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوب. وإذا ~~كان حال الظالمين هذا، فكيف بمن لا أحد أظلم منه؟ ### | تنبيه: # ما ذكرناه من كون الموصول كناية عن المشركين هو الظاهر، لأن السورة مكية، ~~والخطاب مع مشركي أهلها. وجعله البيضاوي لهم، ولأهل الكتاب، وقوفا مع عموم ~~اللفظ، والمهايمي لأهل الكتاب خاصة، ربطا للآية بما قبلها. والظاهر الأول، ~~لما قلنا. وعبارة المهايمي: الذين خسروا أنفسهم بتفويت ما أوتوا من الكتاب، ~~وما أمروا به، فهم لا يؤمنون. وكيف لا يخسرون، وهم ظالمون، وكل ظالم خاسر؟ # وإنما قلنا: إنهم ظالمون، لأنهم يحرفون كتاب الله لفظا أو معنى، فيفترون ~~على الله الكذب، ويكذبون آيات الله من كتابهم، ومعجزات محمد صلى الله عليه ~~وسلم وكتابه. وقد يسترون بعض ما في كتابهم، ms1837 وهو أيضا تكذيب. فعلوا جميع ذلك ~~لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بدون أحد هذه ~~الأمور. # وقال في قوله تعالى: ومن أظلم الآية: لأنهم بالتحريف يدعون إلهية أنفسهم، ~~وبالتكذيب يريدون تعجيز الله عن تصديقه الرسل، وينسبون إيجادها إلى غير ~~الله، مع افتقارها إلى القدرة الكاملة. وإنما قلنا: كل ظالم خاسر، لأن كل ~~ظالم # PageV04P332 # لا يفلح. كما قال تعالى: إنه لا يفلح الظالمون أي: لا يفلحون في الدنيا ~~بانقطاع الحجة عنهم، وظهور المسلمين عليهم، وفيه إشارة إلى أن مدعي ~~الرسالة، لو كان كاذبا كان مفتريا على الله، فلا يكون مفلحا، فلا يكون سببا ~~لصلاح العالم، ولا محلا لظهور المعجزات. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 22] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) # ويوم نحشرهم أي: الإنس والجن والشياطين. منصوب بمضمر تهويلا للأمر. جميعا ~~ليفتضح من لا يفلح من الظالمين مزيد افتضاح، ويظهر المفلحون بكمال الإعزاز. # ثم نقول للذين أشركوا أي مضوا على الشرك، بأن ماتوا عليه، وهم الشاهدون ~~أن مع الله آلهة أخرى أين شركاؤكم أي الذين جعلتموهم شركاءنا، وهم شركاؤكم ~~في العبودية- كذا قاله المهايمي- وعليه، فالإضافة على بابها. # وفي (العناية) : الإضافة فيه لأدنى ملابسه، كما شار إليه القاضي بقوله: ~~أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، لأنه لا شركة بينهم، وإنما سموهم ~~شركاء، فلهذه الملابسة أضيفوا إليهم. # قيل: قوله تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون يقتضي ~~حضورهم معهم في المحشر، و (أين) يسأل بها عن غير الحاضر؟ أجيب بأنه بتقدير ~~مضاف. أي: أين نفعهم وشفاعتهم، أو أنهم بمنزلة الغيب، لعدم ما رجوا منهم من ~~الشفاعة. وعلى كل، فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم ~~أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه. وذلك تنبيه لهم في دار الدنيا على فساد هذه ~~الطريقة. # وقوله تعالى: الذين كنتم تزعمون أي: تزعمونها شركاء من عند أنفسكم. # أي: فقصدتم بذلك فعل الفاتنين في المملكة بجعلها لغير من هي له. ### | القول ms1838 في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 23] # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) # ثم لم تكن فتنتهم أي: جواب ما اعترض به على فتنهم التي هي شهادة أن مع ~~الله آلهة أخرى. وعبر عن جوابهم بالفتنة، لأنه كذب إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا # PageV04P333 # مشركين # اعتذروا عن أصنامهم بنفيها مؤكدا بالقسم بالاسم الجامع، مع نسبة الربوبية ~~إليه تعالى، لا إلى ما سواه، مبالغة في التبرؤ من الإشراك. فكان هذا العذر ~~ذنبا آخر مؤكدا لافترائهم بالإشراك الذي نفوه. كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 24] # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # انظر كيف كذبوا على أنفسهم أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، ~~بحضرة من لا ينحصر من الشهود وضل أي: وكيف ضاع وغاب عنهم ما كانوا يفترون ~~أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها ~~لهم، كقوله تعالى: ثم قيل لهم أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا [الأعراف: 37] . ف (ما) موصولة، كناية عن الشركاء. وإيقاع الافتراء ~~عليها، مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من الإلهية، والشركة والشفاعة ~~ونحوها- للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفتري. ### | تنبيهات: # الأول- ما ذكرناه من أنه عبر عن جوابهم بالفتنة هو الأظهر. فالمراد: ~~الجواب بما هو كذب، لأنه سبب الفتنة، فتجوز بها إطلاقا للمسبب على السبب، ~~أو هو استعارة. وقيل: الفتنة بمعنى العذر، لأنها التخليص من الغش لغة، ~~والعذر يخلص من الذنب، فاستعيرت له. وقيل: بمعنى الكفر، لأن الفتنة ما ~~تفتتن به ويعجبك، وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به، ويظنونه شيئا، فلم ~~تكن عاقبته إلا الخسران، والتبرؤ منه، وليس هذا على تقدير مضاف، بل جعل ~~عاقبة الشيء عينه، ادعاء. # قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة، لا يعرفه إلا من عرف معاني ~~الكلام، وتصرف العرب في ذلك. وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين ~~بشركهم، متهالكين على حبه، فأعلم في ms1839 هذه الآية، أنه لم يكن افتتانهم ~~بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما ~~كانوا مشركين. # ومثاله: أن ترى إنسانا يحب غاويا مذموم الطريقة، فإذا وقع في محنة بسببه ~~تبرأ منه، فيقال له: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه. # قال الخفاجي- بعد نقله ما ذكر-: وليس هذا من قبيل عتابك السيف، ولا من ~~تقدير المضاف، وإن صح فاحفظه، فإنه من البدائع الروائع. # PageV04P334 # الثاني- ما بيناه من أن (ما) في قوله تعالى: وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~موصولة، كناية عن الشركاء، بمعنى عدم إغنائها عنهم- هو الموافق للآية ~~الثانية التي سقناها. وجوز كونها مصدرية. أي: انظر كيف ذهب وزال عنهم ~~افتراؤهم من الإشراك، حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرؤوا منه بالمرة. # هذا، وجعل الناصر في (الانتصاف) ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه ~~دهشا. وهو بعيد، لعدم ملاقاته للآية الأخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضا. ~~وعبارته: في الآية دليل بين على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، ~~وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره بمخبره. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم ~~كذبا، مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي: سلبوا علمه ~~حينئذ دهشا وحيرة. فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى. # الثالث- قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق ~~الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟. # قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما، حيرة ~~ودهشا، ألا تراهم يقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ~~[المؤمنون: # 107] ؟ وقد أيقنوا بالخلود، ولم يشكوا فيه. ونادوا يا مالك ليقض علينا ~~ربك [الزخرف: 107] . وقد علموا أنه لا يقضي عليهم. # وأما قول من يقول: معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على ~~خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: انظر كيف كذبوا على أنفسهم يعني في الدنيا- ~~فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عي وإفحام. لأن المعنى الذي ~~ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، ms1840 وهو ناب عنه أشد ~~النبو. # وما أدري ما يصنع، من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء، ألا إنهم هم الكاذبون ~~[المجادلة: # 18] . بعد قوله تعالى: ويحلفون على الكذب وهم يعلمون فشبه كذبهم في ~~الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى. # والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. # فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه ~~واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت، فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم ~~العقل على النقل. # ثم بين تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة، مما طبع على قلوبهم بسببه ~~فقال سبحانه: # PageV04P335 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 25] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) # ومنهم من يستمع إليك أي: يصغي حين تتلو القرآن، ولا يجزئ عنه شيئا، لأنه ~~لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه، ويؤثر فيه الإرشاد وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أي حجبا، جمع كنان، كغطاء وأغطية، لفظا ومعنى أن يفقهوه أي: كراهة أن ~~يفهموا، ببواطن قلوبهم، بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده، بإقامة الدلائل ~~ورفع الشبه. وفي آذانهم وقرا أي: وجعلنا في آذانهم، التي هي طريق الوصول ~~إلى بواطن القلوب، صمما مانعا من وصول السماع النافع. وقد مر في أول البقرة ~~تحقيق ذلك. فتذكر! وقوله تعالى: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها إشارة إلى ~~أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورا فيه، بل مهما يروا من ~~الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر. ~~لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله ~~تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [الأنفال: 23] . # حتى إذا جاؤك يجادلونك أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاءوك ~~يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ms1841 ثم فسر المجادلة بقوله يقول الذين ~~كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. ~~وعد أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه- رتبة من الكفر لا غاية وراءها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 26] # وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) # وهم ينهون عنه أي: لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه، بل ينهون الناس عن ~~استماعه. # قال المهايمي: وهم، لرؤيتهم حلاوة نظمه فوق نثرهم وشعرهم، مع متانة # PageV04P336 # معاينة، يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع على إعجازه. فيخافون تأثيره في ~~قلوب الخلائق. لذلك ينهون عنه. أي: عن قراءته واستماعه، لئلا يدعوهم إلى ~~التدبر فيه، فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة. # وينأون عنه أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، إظهارا لغاية نفورهم عنه، وتأكيدا ~~لنهيهم عنه. فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه، من متممات النهي. ولعل ذلك ~~هو السر في تأخير (النأي) عن (النهي) - أفاده أبو السعود-. # ولما أشعر ذلك بكونهم يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين، خوفا من قوة تأثير التنزيل في القلوب، أتبعه بأنه لا يحصل لهم ~~هذا المطلوب، لأن الله متم نوره، ومظهر دينه، وإن الدائرة عليهم بقوله: وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم بتعريضها لأشد العذاب عاجلا وآجلا وما يشعرون أي بذلك. ### | تنبيه: # روى الحاكم وغيره، عن ثلة من التابعين، أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، ~~كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، وينأي عنه فلا يؤمن به، ~~وجمعيته حينئذ، باعتبار استتباعه لأتباعه. # وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عمومة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا عشرة. فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشدهم عليه في ~~السر، ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يصدق على ما ذكر ولا ينافيه، وهو المراد ~~بالنزول- كما أسلفنا مرارا- وقد قال أبو طالب يخاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أو سد في ms1842 التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وفي (ينهون) و (ينأون) تجنيس بديع. # ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفيته مع بيان ما سيصدر عنهم ~~في الآخرة. من القول المناقض لعقدهم الدنيوي، بقوله سبحانه: # PageV04P337 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 27] # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) # ولو ترى إذ وقفوا على النار أي: اطلعوا عليها فعاينوها. يقال: وقف فلانا ~~على ذنبه: أطلعه عليه. أو أدخلوها فعرفوا ما فيها من العذاب. يقال: وقفت ~~على ما عند فلان، تريد: فهمته وتبينته. والوقف عليه مجازي، أو هو حقيقي ~~بمعنى القيام. # و (على) إما على حقيقتها. أي: أقيموا واقفين فوق النار على الصراط، وهو ~~جسر فوق جهنم. أو هي بمعنى (في) ، أي: أقيموا في جوف النار وغاصوا فيها، ~~وهي محيطة بهم. وصحح معنى الاستعلاء حينئذ كون النار دركات وطبقات، بعضها ~~فوق بعض. # فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين تمنوا الرجوع ~~إلى الدنيا، حين لا رجوع، واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم، وأن يكونوا من ~~المؤمنين، أي: بآياته، العاملين بمقتضاها، حتى لا نرى هذا الموقف الهائل. ~~أو من فريق المؤمنين الناجين من العذاب، الفائزين بحسن المآب. ### | تنبيه: # جواب (لو) محذوف، تفخيما للأمر، وتعظيما للشأن، وجاز حذفه لعلم المخاطب ~~به. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر. ولو قدرت الجواب. كان التقدير: # لرأيت سوء منقلبهم. وحذف الجواب في ذلك أبلغ في المعنى من إظهاره. ألا ~~ترى أنك لو قلت لغلامك: والله! لئن قمت إليك. وسكت عن الجواب، ذهب بفكره ~~إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر، وعظم الخوف، ولم يدر أي الأقسام ~~تبغي. # ولو قلت: لأضربنك، فأتيت بالجواب لأمن غير الضرب، ولم يخطر بباله نوع من ms1843 ~~المكروه سواه. فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيرا في حصول الخوف- أفاده ~~الرازي- وملخصه: أن حذف الجواب ثقة بظهوره، وإيذانا بقصور العبارة عن ~~تفصيله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 28] # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل إضراب عما يدل عليه تمنيهم الباطل من # PageV04P338 # الوعد، بالتصديق والإيمان، أي: ليس ذلك عن عزم صحيح، وخلوص اعتقاد، بل هو ~~بسبب آخر، وهو أنه ظهر لهم ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك، ~~بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا ~~لذلك. أو بشهادة جوارحهم عليهم، أو ما كانوا يكتمون في أنفسهم في الدنيا من ~~صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم ~~خلافه، كقوله تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون: قال لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر [الإسراء: 102] . الآية- وقوله تعالى ~~مخبرا عن فرعون وقومه: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: ~~14] . أو هذه الآية إخبار عن حال المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا ~~يسرونه. ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل ~~المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق ~~في سورة مكية وهي (العنكبوت) فقال: وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين [العنكبوت: 11] . هذا ما ذكروه مما يمكن تنزيل اللفظ الكريم عليه ~~لعمومه. وقد ناقش في ذلك كله العلامة أبو السعود، واعتمد أن المراد ب (ما ~~كانوا يخفونه في الدنيا) النار التي وقفوا عليها، إذ هي التي سيق الكلام ~~لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و (بإخفائها) ~~تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. وإيثاره على ~~صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ~~[الرحمن: 43] . وقوله تعالى: هذه النار التي كنتم بها تكذبون [الطور: 14] . # مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ms1844 ولا نكذب بآيات ربنا [الأنعام: 27] . # لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم ~~الكريم. # ثم قال في الوجوه المتقدمة: إنه بعد الإغضاء عما في كل منها من الاعتساف ~~والاختلال، لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا. لما عرفت من أن سوق النظم الشريف ~~لتهويل أمر النار، وتفظيع حال أهلها، وقد ذكر وقوفهم عليها، وأشير إلى أنه ~~اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا يحيط به الوصف. ~~ورتب عليه تمنيهم المذكور ب (الفاء) القاضية بسببية ما قبلها لما بعدها، ~~فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية، وهي نفسها أدهى الدواهي، وأزجر ~~الزواجر، وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر، ~~مع عدم جريان ذكرها، ثمة- أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله. وأما قيل ~~من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون، فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها، ~~وأبوابها مفتوحة. فتأمل. # PageV04P339 # أقول: لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ما ~~ذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته ~~حينئذ من قبل المعمى. وفي الوجوه الأول إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله ~~لها- غير بعيد. لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه. غاية الأمر أن ما قرره ~~وجه منها بديع. # وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد- والله أعلم بأسرار كتابه-. # ولو ردوا أي عن موقفهم ذلك إلى الدنيا كما تمنوه، وغاب عنهم ما شاهدوه من ~~الأهوال لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والشرك وإنهم لكاذبون في وعدهم ~~بالإيمان، أو ديدنهم الكذب في أحوالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 29] # وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # وقالوا عطف على (لعادوا) أو استئناف، إن هي أي ما الحياة، فالضمير لما ~~بعده، إلا حياتنا الدنيا أي: ليست الحياة التي يتوهم فيها البعث، والتي ~~يتوهم فيه الرد إلا، حياتنا الأولى وما نحن بمبعوثين أي: بعد مفارقتنا هذه ~~الحياة. ### | القول في تأويل قوله ms1845 تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 30] # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال الجلال: أي عرضوا عليه. وقال ابن كثير: # أي وقفوا بين يديه. قال أليس هذا أي المعاد بالحق تقريعا لهم، وردا لما ~~يتوهمون عند الرد قالوا بلى وربنا أي: إنه لحق، وليس بباطل، كما كنا نظن. # أكدوا اعترافهم باليمين إظهارا لكمال يقينهم بحقيته، وإيذانا بصدور ذلك ~~عنهم بالرغبة والنشاط، طمعا في نفعه. فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 31] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله أي: ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو # PageV04P340 # مجرى على ظاهره، لأن منكر البعث منكر للرؤية- قاله النسفي- والثاني هو ~~الصواب، وإن اقتصر كثيرون على الأول، وجعلوه استعارة تمثيلية لحالهم بحال ~~عبد قدم على سيده بعد مدة، وقد اطلع السيد على أحواله. فإما أن يلقاه ببشر ~~لما يرضى من أفعاله، أو بسخط لما يسخط منها- فإنه نزعة اعتزالية، ولا عدول ~~إلى المجاز ما أمكنت الحقيقة. # وفي كلام النسفي إشعار بأن اللقاء معناه الرؤية، وهو ما في القاموس. قال ~~شارحه الزبيدي: وهو مما نقدوه، وأطالوا فيه البحث، ومنعوه. وقالوا: لا يلزم ~~من الرؤية اللقي، كالعكس. # وقال الراغب: هو مقابلة الشيء ومصادفته معا، ويعبر به عن كل منهما. ويقال ~~ذلك في الإدراك بالحس والبصر. ### | لطيفة: # قال الخفاجي في (العناية) : قيل: # روي عن علي رضي الله عنه أنه نظم أبياتا على وفق هذه الآية، وفي معناها ~~وهي: # زعم المنجم والطبيب، كلاهما ... لا تحشر الأجساد. قلت: إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي، فالخسار عليكما # قال الخفاجي: لا أدري من أيهما أعجب؟ الرواية أم الدراية؟ فإن هذا الشعر ~~لأبي العلاء المعرى في ديوانه وهو: # قال المنجم والطبيب، كلاهما: ms1846 ... لا تحشر الأجساد. قلت: إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي، فالخسار عليكما # أحي التقى والشر يصطرعان في الد ... نيا. فأيهما أبر لديكما # طهرت ثوبي للصلاة وقبله ... جسدي. فأين الطهر من جسديكما # وذكرت ربي في الضمائر مؤنسا ... خلدي بذاك، فأوحشا خلديكما # وبكرت في البردين أبغي رحمة ... منه، ولا ترعان في برديكما # إن لم تعد بيدي منافع بالذي ... آتي، فهل من عائد بيديكما # برد التقي، وإن تهلهل نسجه، ... خير، بعلم الله، من برديكما # قال ابن السيد في (شرحه) . هذا منظوم مما روي عن علي رضي الله عنه، أنه # PageV04P341 # قال لبعض من تشكك في البعث والآخرة: إن كان الأمر كما تقول من أنه لا ~~قيامة، فقد تخلصنا جميعا، وإن لم يكن الأمر كما تقول، فقد تخلصنا وهلكت. ~~فذكروا أنه ألزمه فرجع عن اعتقاده. وهذا الكلام، وإن خرج مخرج الشك. فإنما ~~هو تقرير للمخاطب على خطابه، وقلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه. مع أن ~~المناظر علي ثقة من أمره، وهو نوع من أنواع الجدل. # وقوله: (إليكما) كلمة يراد بها الردع والزجر. ومعناها: كفا عما تقولان، ~~وحقيقته: قولكما مصروف لكما، لا حاجة لي به. انتهى. # ومن له معرفة بقرض الشعر، يعلم أنه شعر مولد. # ثم نبه الخفاجي على أن هذا النوع يسمى استدراجا. # قال في (المثل السائر) : الاستدراج نوع من البالغة استخرجته من كتاب الله ~~تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، يستدرج الخصم ~~حتى ينقاد ويذعن، وهو قريب من المغالطة، وليس منها. كقوله تعالى: أتقتلون ~~رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه ~~كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ~~[غافر: 28] . ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله: (إن يك كاذبا ~~فهذه عائد عليه، وإن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به) ، ففيه من الإنصاف والأدب ~~ما لا يخفى. فإنه نبي صادق، فلا بد أن يصيبهم كل ما وعد به، لا بعضه، لكنه ~~أتى بما ms1847 هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم، لما فيه من الملاطفة في النصح، بكلام ~~منصف غير مشتط مشدد. أراهم أنه لم يعطه حقه، ولم يتعصب له، ويحام عنه، حتى ~~لا ينفروا عنه. ولذا قدم قوله كاذبا، ثم ختم بقوله إن الله لا يهدي إلخ، ~~يعني: أنه نبي على الهدى، ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوة وعضده. وفيه ~~من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى. انتهى. # وقوله تعالى: حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة أي: جاءتهم القيامة فجأة. # وسميت القيامة (ساعة) . لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا ~~هو تعالى. والمعنى: جاءتهم منيتهم. على أن المراد بالساعة، الصغرى. قال ~~الراغب: # الساعة الكبرى بعث الناس للمحاسبة، والصغرى موت الإنسان، فساعة كل إنسان ~~موته، وهي المشار إليها بقوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى ~~إذا جاءتهم الساعة بغتة. ومعلوم أن الحشر ينال الإنسان عند موته. انتهى. # PageV04P342 # و (بغتة) مصدر في موضع الحال، لأي: مباغته، أو مصدر لمحذوف، أي تبغتهم. ~~أو للمذكور. فإن (جاءتهم) ، بمعنى (بغتتهم) . # قالوا يعني: منكري البعث، وهم كفار قريش، ومن سلك سبيلهم في الكفر ~~والاعتقاد. يا حسرتنا أي: يا ندامتنا! والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. ~~وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد: تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم ~~من الحسرة. على ما فرطنا أي: قصرنا فيها أي: في الحياة الدنيا. # أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها، أي: على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب ~~من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا، أو الضمير للساعة، أي: على ما ~~فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، وبالإيمان بها، واكتساب ~~الأعمال الصالحة. # وقال ابن جرير: الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله قد خسر.. # إلخ. إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال: والمعنى: قد وكس ~~الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانه ~~وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سخطه وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من ~~الخسران في ذلك. حتى تقوم الساعة. ms1848 فإذا جاءتهم الساعة بغتة، فرأوا ما لحقهم ~~من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ تندما: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها. # وقوله تعالى: وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم حال من فاعل قالوا، فائدته ~~الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة على ما فات وزال، بل ~~يقاسون، مع ذلك، تحمل الأوزار الثقال. والإيماء إلى أن تلك الحسرة من ~~الشدة، بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات- قاله أبو ~~السعود-. # والأوزار: جمع ورز، وهو في الأصل: الحمل الثقيل، سمي به الذنب لثقله على ~~صاحبه. قيل: جعلها محمولة على الظهور استعارة تمثيلية، مثل لزومها لهم، على ~~وجه لا يفارقهم، بذلك. وخص الظهر، لأنه المعهود حمل الأثقال عليه. كما عهد ~~الكسب بالأيدي. # وقيل: هو حقيقة، لما روي عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل ~~قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، ~~حتى يدخل معه قبره. فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك ~~قبيحا. قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنا. قال: ما أدنس ثيابك! ~~قال فيقول: إن عملك كان دنسا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. قال: فيكون معه ~~في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات # PageV04P343 # والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه، حتى يدخله ~~النار. فذلك قوله تعالى: وهم يحملون ... الآية. # قال الخفاجي: ولعل هذا تمثيل أيضا. وقريب منه ما قيل: من قال بالميزان، ~~واعتقد وزن الأعمال، لا يقول إنه تمثيل. انتهى. # ألا ساء ما يزرون أي: بئس ما يحملونه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 32] # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) # وما الحياة الدنيا إلا لعب أي: هزل، وعمل لا يجدي نفعا ولهو أي: # اشتغال بهوى وطرب، وما لا تقتضيه الحكمة، وما يشغل الإنسان عما يهمه مما ~~يلتذ به ثم ينقضي. # وللدار الآخرة خير ms1849 للذين يتقون لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن المضار ~~والآلام. # أفلا تعقلون ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثرون ~~الأدنى الفاني، على الأعلى الباقي. وهاهنا. ### | لطائف: # الأولى: قال الرازي: اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في ~~الدنيا، وتحصيل لذاتها. فذكر الله هذه الآية تنبيها على خساستها وركاكتها. # واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها. لأن هذه الحياة العاجلة، لا يصح ~~اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها. فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية ~~قولان: # الأول- أن المراد منه حياة الكافر. قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك ~~والنفاق. والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة، أن حياة المؤمن يحصل فيها ~~أعمال صالحة، فلا تكون لعبا ولهوا. # والقول الثاني- إن هذا عام في حياة المؤمن والكافر. والمراد منه: اللذات ~~الحاصلة في هذه الحياة، والطيبات المطلوبة في هذه الحياة، وإنما سماها ~~(اللعب واللهو) لأن الإنسان، حال اشتغاله باللعب واللهو، يلتذ به. ثم عند ~~انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة. فكذلك هذه الحياة، لا يبقي عند ~~انقراضها إلا الحسرة والندامة. # PageV04P344 # الثانية: قال الخفاجي: جمع اللهو واللعب في آيات. فتارة يقدم اللعب، كما ~~هنا. وتارة قدم اللهو كما في العنكبوت. ولهذا التفنن نكتة مذكورة في (درة ~~التأويل) ملخصها: أن الفرق بين اللهو واللعب، مع اشتراكهما في أنهما ~~الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى أو طرب، سواء كان حراما أم لا، ~~أن اللهو أعم من اللعب، فكل لعب لهو، ولا عكس. فاستماع الملاهي لهو، وليس ~~بلعب. وقد فرقوا بينهما أيضا بأن اللعب ما قصد به تعجيل المسرة، والاسترواح ~~به، واللهو كل ما شغل من هوى وطرب، وإن لم يقصد به ذلك، كما نقل عن أهل ~~اللغة، قالوا: واللهو، إذا أطلق، فهو اجتلاب المسرة بالنساء، كما قال امرؤ ~~القيس: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي # وقال قتادة: اللهو، في لغة اليمن (المرأة) . وقيل: اللعب طلب: المسرة ~~والفرح بما لا يحسن أن يطلب به. واللهو: صرف الهم ms1850 بما لا يصلح أن يصرف به. # ولما كانت الآية ردا على الكفرة في إنكار الآخرة، وحصر الحياة في الحياة ~~الدنيا، وليس في اعتقادهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية- قدم ~~اللعب الدال على ذلك، وتمم باللهو. وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة ~~الحياة وتحقيرها، بالقياس إلى الآخرة. ولذا ذكر باسم الإشارة المشعر ~~بالتحقير. والاشتغال باللهو، مما يقصر به الزمان، وهو أدخل من اللعب فيه. ~~وأيام السرور قصار، كما قال: # وليلة إحدى الليالي الزهر ... لم تك غير شفق وفجر # الثالثة: في قوله تعالى: للذين يتقون تنبيه على أن ما ليس من أعمال ~~المتقين، لعب ولهو. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 33] # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) # وقوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك قرئ بفتح الياء وضمها، الذي يقولون أي: ~~يقولون فيك، من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون. # قال أبو السعود: استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي ~~يعتريه، مما حكى عن الكفرة من الإصرار على التكذيب، والمبالغة فيه، ببيان ~~أنه عليه الصلاة # PageV04P345 # والسلام بمكانة من الله عز وجل، وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه ~~تعالى في الحقيقة، وأنه ينتقم منهم أشد انتقام. وكلمة (قد) لتأكيد العلم ~~بما ذكر، المفيد لتأكيد الوعيد. # وقوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون الفاء ~~للتعليل، لأن قوله تعالى: قد نعلم بمعنى لا تحزن، كما يقال في مقام المنع ~~والزجر: نعلم ما تفعل! ووجه التعليل في تسليته له صلى الله عليه وسلم بأن ~~التكذيب في الحقيقة لي، وأنا الحليم الصبور، فتخلق بأخلاقي. # قال أبو السعود: وهذا يفيد بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القدر، ~~ورفعة المحل، والزلفى من الله عز وجل، إلى حيث لا غاية وراءه، حيث لم يقتصر ~~على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيبا لآياته سبحانه، على طريقة قوله ~~تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80] ، بل نفي تكذيبهم ms1851 عنه، وأثبت ~~لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ~~[الفتح: 10] ، إيذانا بكمال القرب، واضمحلال شؤونه عليه الصلاة والسلام في ~~شأن الله عز وجل. وفيه استعظام لجنايتهم، منبئ عن عظم عقوبتهم. وقيل: ~~المعنى: # فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم، عنادا أو مكابرة. ~~ويعضده ما # روى سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية عن علي رضي الله عنه قال: قال ~~أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذب، ولكن نكذب بما جئت به، ~~فأنزل الله: فإنهم لا يكذبونك الآية- رواه الحاكم # وصححه. # وروى ابن جرير عن السدي قال: لما كان يوم بدر، خلا الأخنس بأبي جهل فقال: ~~يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش ~~غيري وغيرك يستمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمد لصادق، وما ~~كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، ~~فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون فآيات الله محمد صلى الله عليه وسلم. # قال الرازي: وهذا القول غير مستبعد، ونظيره قوله تعالى في قصة موسى: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] . وقيل: المعنى ~~فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات ~~الله، كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~نكذبك، وإنك عندنا # PageV04P346 # لصادق، ولكننا نكذب ما جئتنا به. # قال أبو السعود: وكأن صدق المخبر عند الخبيث، بمطابقة خبره لاعتقاده. # والأول هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية. وقرئ لا يكذبونك من (أكذبه) . # بمعنى وجده كاذبا، أو نسبه إلى الكذب، أو بين كذبه، وقال: أكذبه وكذبه ~~بمعنى- كذا في القاموس وشرحه-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 34] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) # ولقد كذبت رسل من قبلك افتنان في تسليته عليه الصلاة والسلام، ms1852 فإن عموم ~~البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين. وإرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى ~~الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام، في الصبر على ما أصابهم من أممهم، من ~~فنون الأذية. وعدة ضمنية له صلى الله عليه وسلم بمثل ما منحوه من النصر. ~~وتصدير الكلام بالقسم، لتأكيد التسلية. وتنوين (رسل) للتفخيم والتكثير- ~~أفاده أبو السعود-. # قال الزمخشري: في قوله تعالى: ولقد كذبت دليل على أن قوله: فإنهم لا ~~يكذبونك ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك، ولكنهم ~~أهانوني! انتهى. # وناقشه الناصر في (الانتصاف) بأنه لا دلالة فيه، لأنه مؤتلف مع نفي ~~التكذيب أيضا، وموقعه حينئذ من الفضيلة أبين. أي: هؤلاء لم يكذبوك، فحقك أن ~~تصبر عليهم، ولا يحزنك أمرهم. وإذا كان من قبلك من الأنبياء قد كذبهم ~~قومهم، فصبروا عليهم، وأنت إذ لم يكذبوك أجدر بالصبر. فقد ائتلف، كما ترى، ~~بالتفسيرين جميعا. ولكنه من غير الوجه الذي استدل به، فيه تقريب لما ~~اختاره، وذلك أن مثل هذه التسلية قد وردت مصرحا بها في نحو قوله تعالى: وإن ~~يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فسلاه عن تكذيبهم له، بتكذيب غيرهم من الأمم ~~لأنبيائهم. وما هو إلا تفسير حسن مطابق للواقع، مؤيد بالنظائر- والله ~~أعلم-. # فصبروا على ما كذبوا وأوذوا أي على تكذيبهم وإيذائهم، فتأس بهم حتى أتاهم ~~نصرنا ولا مبدل لكلمات الله أي: لمواعيده، من قوله: ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171- 172] ، وقوله # PageV04P347 # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 21] . # ولقد جاءك من نبإ المرسلين أي من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من ~~النصر، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان ~~سنته تعالى بتحقق صبر الرسل وشكرهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 35] # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) # وإن كان كبر أي: شق وثقل، عليك إعراضهم أي: ms1853 عن الإيمان بما جئت به من ~~القرآن، ونأيهم عنه، ونهيهم الناس عنه، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ~~أي سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض، حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، ~~أو سلما في السماء أي مصعدا تعرج به فيها، فتأتيهم بآية أي: مما اقترحوه، ~~فافعل. وحسن حذف الجواب لعلم السامع به. أي: لكن لم يجعل الله لك هذه ~~الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريا غير نافع. # ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أي: ولكنه شاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار ~~غاية قهره، وغاية لطفه، فلا تكونن أي: بالحرص على إيمانهم، أو الميل إلى ~~نزول مقترحهم من الجاهلين أي: بما تقتضيه شؤونه تعالى، التي من جملتها ما ~~ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم. إما اختيارا، فلعدم توجههم إليه. ~~وإما اضطرارا، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختبار. ### | تنبيهات: # الأول- في هذه الآية ما لا يخفى من الدلالة على المبالغة في حرصه صلى ~~الله عليه وسلم على إسلام قومه. وتراميه عليه، إلى حيث لو قدر أن يأتيهم ~~بآية من تحت الأرض، أو من فوق السماء، لأتى بها. رجاء إيمانهم، وشفقة ~~عليهم. # الثاني- قال الناصر في (الانتصاف) : هذه الآية كافلة بالرد على القدرية ~~في زعمهم أن الله تعالى شاء جمع الناس كلهم على الهدى فلم يكن. ألا ترى أن ~~الجملة مصدرة ب (لو) ، ومقتضاها امتناع جوابها، لامتناع الواقع بعدها. ~~فامتناع اجتماعهم علي الهدى، إذا إنما كان لامتناع المشيئة. فمن ثم ترى ~~الزمخشري يحمل المشيئة على قهرهم على الهدى بآية ملجئة، لا يكون الإيمان ~~معها اختيارا، # PageV04P348 # حتى يتم له أن هذا الوجه من المشيئة لم يقع، وأن مشيئته اجتماعهم على ~~الهدى على اختيار منهم، ثابتة غير ممتنعة، ولكن لم يقع متعلقها. وهذه من ~~خباياه ومكامنه فاحذرها- والله الموفق-. # الثالث- لم يقل (لا تكن جاهلا) بل من قوم ينسبون إلى الجهل، تعظيما لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم بأن لم يسند الجهل إليه، للمبالغة في نفيه عنه. وما فيه ~~من شدة الخطاب، سره تبعيد جنابه الكريم عن ms1854 الحرص على ما لا يكون والجزع في ~~مواطن الصبر، مما لا يليق إلا بالجاهلين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 36] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) # وقوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون تقرير لما مر من أن على قلوبهم أكنة، وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل ~~الموتى، لا يتصور منهم الإيمان البتة. أي: إنما يستجيب لك، بقبول دعوتك إلى ~~الإيمان، الأحياء الذين يسمعون ما يلقى إليهم، سماع تفهم، دون الموتى الذين ~~هؤلاء منهم. كقوله تعالى: إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80] ، وإن كانوا ~~أحياء بالحياة الحيوانية، أموات بالنسبة إلى الإنسانية، لموت قلوبهم بسموم ~~الاعتقادات الفاسدة، والأخلاق الرديئة. # والموتى مبتدأ. يعني: الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون، يبعثهم الله ~~يوم القيامة، ثم إليه يرجعون، فيجزيهم بأعمالهم. فالموتى مجاز عن الكفرة ~~كما قيل: # لا يعجبن الجهول بزته ... فذاك ميت ثيابه كفن # قيل: فيه رمز إلى أن هدايتهم كبعث الموتى،. فلا يقدر عليه إلا الله، ففيه ~~إقناط للرسول صلى الله عليه وسلم عن إيمانهم. وفي تسميتهم (موتى) من التهكم ~~بهم، والإزراء عليهم، ما لا يخفى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 37] # وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) # وقالوا يعني: مشركي مكة، بيان لنوع آخر من تعنتهم، إذ لم يقتنعوا بما # PageV04P349 # شاهدوا من البينات التي تخر لها صم الجبال، لولا نزل عليه آية من ربه أي: # خارق، على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون. كقولهم وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ... [الإسراء: 90] . الآيات. # قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون أي: إن اقتراحها ~~جهل، لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف، المبني على قاعدة الاختيار. أو ~~استئصالا لهم بالكلية، فإن من لوازم جحد الآية الملجئة، الهلاك، جريا على ~~سنته تعالى في الأمم السالفة. وتخصيص عدم العلم بأكثرهم، لما أن ms1855 بعضهم ~~واقفون على حقيقة الحال، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعنادا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 38] # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # وما من دابة في الأرض أي: مستقرة فيها، لا ترتفع عنها ولا طائر يرتفع ~~عنها إذ يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم أي: أصناف مصنفة في ضبط أحوالها، ~~وعدم إهمال شيء منها، وتدبير شؤونها، وتقدير أرزاقها. # ما فرطنا في الكتاب أي: ما تركنا، وما أغفلنا، في لوح القضاء المحفوظ، من ~~شيء أي: جليل أو دقيق، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم، لم يهمل فيه أمر ~~شيء: والمعنى: أن الجميع علمهم عند الله، لا ينسى واحدا منها من رزقه ~~وتدبيره. كقوله: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها، كل في كتاب مبين [هود: 6] . أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ~~ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها. ثم إلى ربهم يحشرون يعني: الأمم كلها، ~~من الدواب والطير، فينصف بعضهم من بعض، حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من ~~القرناء. وإيراد ضميرها على صيغة جمع العقلاء. لإجرائها مجراهم. ### | تنبيهات: # الأول- قال الزمخشري: إن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت: الدلالة على ~~عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة ~~الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على ~~أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من ~~عداهم من سائر الحيوان. # PageV04P350 # وقال الرازي: المقصود أن عناية الله حاصلة لهذه الحيوانات، فلو كان إظهار ~~آية ملجئة مصلحة، لأظهرها، فيكون كالدليل على أنه تعالى قادر على أن ينزل ~~آية. # وقال القاضي: إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار، وبين أنهم يرجعون إلى الله ~~ويحشرون، بين بعده بقوله: وما من دابة.. إلخ، أن البعث حاصل في حق البهائم ~~أيضا. # الثاني- زيادة (من) في قوله: وما من دابة في الأرض لتأكيد الاستغراق. # و (في) متعلقة بمحذوف هو وصف ms1856 ل دابة مفيد لزيادة التعميم. كأنه قيل: وما ~~فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض. وكذا زيادة الوصف في ~~قوله: # يطير بجناحيه. # قال في الانتصاف: في وجه زيادة التعميم، أن موقع قوله: في الأرض ويطير ~~بجناحيه موقع الوصف العام- وصفة العام عامة- ضرورة المطابقة، فكأنه مع ~~زيادة الصفة، تضافرت صفتان عامتان. # الثالث- قال الزمخشري: إن قلت: كيف قيل (الأمم) مع إفراد الدابة والطائر؟ # قلت: لما كان قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر دالا على معنى ~~الاستغراق، ومغنيا عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، حمل قوله: إلا أمم على ~~المعنى. # الرابع- دلت الآية على أن كل صنف من البهائم أمة، وجاء في الحديث: لولا ~~أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها- رواه أبو داود «1» والترمذي عن عبد ~~الله بن مغفل رضي الله عنه. # الخامس- ما ذكرناه في معنى مماثلة الأمم لنا، من تدبيره تعالى لأمورها، ~~وتكفله برزقها، وعدم إغفال شيء منها، مما يبين شمول القدرة، وسعة العلم- هو ~~الأظهر. موافقة لقوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ... ~~[هود: # 6] الآية- والقرآن يفسر بعضه بعضا. ونقل الواحدي عن ابن عباس أن المماثلة ~~هي في معرفته تعالى، وتوحيده وتسبيحه وتحميده. كقوله تعالى: PageV04P351 # وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] ، وقوله: كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه [النور: 41] . # وعن أبي الدرداء قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء، إلا عن أربعة أشياء: # معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيؤ كل واحد منهما ~~لصاحبه. # وقيل: المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس. # أقول: لا شك في صحة الوجهين بذاتهما، وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل ~~عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى. فالأمس، تأييدا للنظائر، ما ذكرناه ~~أولا- والله أعلم-. # السادس- ما بيناه في معنى (الكتاب) من أنه اللوح المحفوظ في العرش، وعالم ~~السموات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام- هو الأظهر، ~~لملاقاته للآية التي ذكرناها تأييدا للنظائر القرآنية. ولم يذكر الإمام ابن ~~كثير سواه، على توسعه. # وقيل: المراد منه القرآن كقوله تعالى: ونزلنا عليك ms1857 الكتاب تبيانا لكل شيء ~~[النحل: 89] . قال الخفاجي: قيل: حمله على القرآن لا يلائم ما قبله وما ~~بعده. # ويدفع بأن المعنى لم نترك شيئا من الحجج وغيرها إلا ذكرناه، فكيف يحتاج ~~إلى آية أخرى مما اقترحوه، ويكذب بآياتنا؟ فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا ~~شبهة. # وقال أبو السعود: أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي من ~~جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته. # قال الشهاب في قول البيضاوي (فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين ~~مفصلا أو مجملا) : يشير إلى أن ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن، ~~لإشارته بنحو قوله: فاعتبروا يا أولي الأبصار [الحشر: 2] . إلى القياس. ~~وقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر: 7] ، إلى السنة. بل قيل: إنه بهذه ~~الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه. كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ ~~الحلوى، أين ذكر في القرآن؟ فقال: في قوله تعالى: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون [النحل: # 43] . انتهى. # واستظهر الرازي أن المراد (بالكتاب) القرآن. واحتج بأن الألف واللام إذا ~~دخلا على الاسم المفرد، انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من ~~الكتاب عند المسلمين هو القرآن. فوجب أن يكون المراد من (الكتاب) في هذه ~~الآية القرآن. إذا # PageV04P352 # ثبت هذا، فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء مع ~~أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب، وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من ~~المباحث والعلوم. وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول ~~والفروع؟. # والجواب: أن قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء يجب أن يكون مخصوصا ببيان ~~الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها، وبيانه من وجهين: # الأول- أن لفظ (التفريط) لا يستعل نفيا وإثباتا، إلا فيما يجب أن يبين، ~~لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، ~~وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه. # الثاني- أن جميع آيات القرآن، أو الكثير منها، دالة بالمطابقة أو التضمن ~~أو الالتزام على أن ms1858 المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين، ومعرفة الله، ~~ومعرفة أحكام الله. وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن، كان المطلق ~~هاهنا محمولا على ذلك المقيد. أما قوله: إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع ~~علوم الأصول والفروع، فنقول: أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه، لأن ~~الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه. فأما روايات المذاهب، وتفاصيل ~~الأقاويل، فلا حاجة إليها. وأما تفاصيل علم الفروع، فقال العلماء: إن ~~القرآن دل على أن الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، حجة في الشريعة. فكل ما ~~دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن. # وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة: # المثال الأول- روي أن ابن مسعود «1» كان يقول: ما لي لا ألعن من لعنه ~~الله PageV04P353 # في كتابه؟ يعني: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة، وروي أن امرأة ~~قرأت جميع القرآن، ثم أتته، فقالت: يا ابن أم عبد! تلوت البارحة ما بين ~~الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة! فقال. لو تلوتيه لوجدتيه، ~~قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وإن مما آتانا به رسول الله أنه ~~قال: لعن الله الواشمة والمستوشمة. # قال الرازي: وأقول: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ~~ذلك، لأنه تعالى قال في سورة النساء: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله ~~[النساء: 117- 118] . فحكم عليه باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله، وذكر من ~~حملتها قوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله [النساء: 119] . وظاهر هذه الآية ~~يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن. انتهى. # قلت: وتتمة الحديث تؤيد ذلك أيضا. ولفظه: لعن الله الواشمات والمستوشمات ~~والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله- رواه الإمام ~~أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن مسعود-. # ثم قال الرازي: # المثال الثاني- ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام ~~فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى. فقال رجل: ما ~~تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا في كتاب ~~الله؟ # فقال: قال ms1859 الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه ثم ذكر إسنادا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. ~~ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور. قال ~~الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات. # وأقول هاهنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة. # قال تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [البقرة: 286] . وقال: لا ~~يسئلكم أموالكم [محمد صلى الله عليه وسلم: 36] . وقال لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء: 29] . فنهى عن أكل ~~أموال الناس. # إلا بطريق التجارة، فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة. وهذه ~~العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء، وذلك لأن ~~التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة. # PageV04P354 # المثال الثالث- # قال الواحدي: روي في حديث العسيف الزاني «1» # أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقض بيننا بكتاب الله. فقال عليه ~~السلام: والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله. ثم قضى بالجلد ~~والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت # . قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب. وهذا يدل على أن ~~كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله. قال الرازي: ~~وهذا حق، لأنه تعالى قال: لتبين للناس ما نزل إليهم، وكل ما بينه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كان داخلا تحت هذه الآية. انتهى. # وبالجملة، فالقرآن الكريم كلية الشريعة، والمجموع فيه أمور كليات، لأن ~~الشريعة تمت بتمام نزوله، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها، ~~وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال. وقد جود البحث في هذه المسألة ~~المهمة، العلامة الشاطبي في (الموافقات) في الطرف الثاني، في الأدلة على ~~التفصيل. فارجع إليه. # وقد نقلنا شذرة منه في مقدمة هذا التفسير. فتذكر!. # السابع- قال أبو البقاء: من في قوله تعالى من شيء زائدة. و (شيء) هنا ~~واقع موقع المصدر. أي: تفريطا. وعلى هذا التأويل لا ms1860 يبقى في الآية حجة لمن ~~ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. ونظير ذلك: لا يضركم كيدهم شيئا ~~[آل عمران: 120] أي ضررا. وقد ذكرنا له نظائر. ولا يجوز أن يكون شيئا ~~مفعولا به، لأن فرطنا تتعدى بنفسها، بل بحرف الجر، وقد عديت ب (في) إلى ~~الكتاب، فلا تتعدى بحرف آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: PageV04P355 # ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ~~ذكرنا. # انتهى. # وقال الخفاجي: التفريط التقصير. وأصله أن يتعدى ب (في) وقد ضمن هنا معنى ~~(أغفلنا وتركنا) . ف من شيء في موضع المفعول به، ومن زائدة. # والمعنى: ما تركنا في الكتاب شيئا يحتاج إليه من دلائله الألوهية ~~والتكاليف. # هذا ما ارتضاه أبو حيان والزمخشري، وعدل عنه البيضاوي. لأنه لا يتعدى. # فجعل التقدير (تفريطا) فحذف المصدر، وأقيم شيئا مقامه، وتبع فيه أبا ~~البقاء، إذ اختار هذا، وأورد عليه في (الملتقط) أنه ليس كما ذكر، لأنه إذا ~~تسلط النفي على المصدر، كان منفيا على جهة العموم، ويلزمه نفي أنواع ~~المصدر، ونفي جميع أفراده، وليس بشيء، لأنه يريد أن المعنى حينئذ: أن جميع ~~أنواع التفريط منفية عن القرآن، وهو مما لا شبهة فيه، ولا يلزمه أن يذكر ~~فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر، حتى يحتاج إلى التأويل. كما أن نفي ~~تعديه لا يضر من قال إنه مفعول به على التضمين، كما مر، وأما ما قيل: إن ~~(فرط) يتعدى بنفسه، لما وقع في القاموس (فرط الشيء، وفرط فيه تفريطا ضيعه ~~وقدم العجز فيه وقصر) فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه، وتفرد صاحب القاموس بأمر، ~~لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره. # مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضعية، بل مجازية، أو بطريق ~~التضمين- انتهى كلام الشهاب-. # أقول: ما للمجد في القاموس، ليس من تفرداته وعندياته، إذ اللغة مرجعها ~~السماع، لا الاجتهاد. وموازنته بين الزمخشري وغيره، من باب معرفة الحق ~~بالرجال، الذي الصواب عكسه، على أنه ليس في (الكشاف) ما يقتضي ما زعمه. ms1861 وقد ~~استشهد شارح القاموس، الزبيدي شاهدا على تعديته بنفسه، تأييدا لكلام المجد، ~~قول صخر الغي: # ذلك بزي فلن أفرطه ... أخاف أن ينجزوا الذي وعدوا # قال ابن سيده: يقول. لا أضيعه، وقوله: بزي، أراد سلاحي. ثم قال الزبيدي: # وقال أبو عمرو: فرطتك في كذا وكذا، أي تركتك. وبه فسر أيضا قول صخر. # انتهى. وأنشد أبو السعود قول ساعدة بن جؤية: # معه سقاء لا يفرط حمله # أي: لا يتركه. # PageV04P356 # وبه يعلم سقوط ما لأبي البقاء، وسقوط دعوى أن أصله أن يتعدى ب (في) ودعوى ~~التضمين السابقة، وتكليف كون شيء واقعا موقع المصدر. # هذا وقرئ فرطنا بالتخفيف، وهو بمعنى المشدد، وإنما توسعنا فيما روي على ~~القول الثاني في معنى الكتاب، لشهرة الآية في هذا المعنى، وإن كان الأظهر ~~الأول، لما ذكرناه، ولأن السورة مكية، والأحكام فيها لم تتم- والله أعلم-. # الثامن- دلت الآية على حشر الدواب والبهائم والطير كلها، أي: بعثها يوم ~~القيامة. كقوله تعالى: وإذا الوحوش حشرت [التكوير: 5] . # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «رأي شاتين تنتطحان» ، فقال: «يا أبا ذر! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: ~~لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما» . ورواه عبد الرازق وابن جرير «2» ~~، وزاد: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقلب طائر جناحيه في ~~السماء إلا ذكر لنا منه علما. # وروى عبد الله ابن الإمام أحمد «3» في مسند أبيه عن عثمان أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: إن الجماء لتقص من القرناء يوم القيامة. # وروى عبد الرازق عن أبي هريرة في هذه الآية قال: يحشر الخلق كلهم يوم ~~القيامة: الدواب والبهائم والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ ~~للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا! فلذلك يقول الكافر: اليتني كنت ~~ترابا # . وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور. # أفاده ابن كثير قلت: # روى الإمام أحمد «4» ، والبخاري في (الأدب المفرد) ومسلم «5» والترمذي ~~«6» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ms1862 وسلم: «لتؤدن الحقوق ~~إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء، تنطحها» ~~. # وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: حشرها الموت. ~~PageV04P357 # وروي عن مجاهد والضحاك مثله. والأول أظهر. # التاسع- (في الإكليل) : استدل بهذه الآية على مسألة أخرى، أخرجه أبو ~~الشيخ عن أنس أنه سئل: من يقبض أرواح البهائم؟ قال: ملك الموت. فبلغ الحسن ~~فقال: صدق! وإن ذلك في كتاب الله. ثم تلا هذه الآية؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 39] # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات أي: مثلهم في جهلهم، وعدم ~~فهمهم، وسوء حالهم، كمثل الصم (جمع أصم وهو الذي لا يسمع) والبكم (جمع ~~أبكم، وهو الذي لا يتكلم) . وهم مع ذلك في الظلمات لا يبصرون، فكيف يهتدي ~~مثلهم إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه؟ وقد كثر تشبيههم بذلك في التنزيل، ~~إعلاما ببيان كمال غراقتهم في الجهل، وانسداد باب الفهم والتفهيم بالكلية. # ثم أشار إلى أنهم من أهل الطبع بقوله: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم أي: فهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فمن أحب هدايته، وفقه ~~بفضله وإحسانه للإيمان. ومن شاء ضلالته تركه على كفره. ومن لم يجعل الله له ~~نورا فما له من نور. # ثم أمر تعالى رسوله بأن يبكتهم بما لا سبيل لهم إلى إنكاره. ببيان أنهم ~~إذا نزلت بهم شدة، فإنهم يفزعون إليه تعالى، لا إلى الأصنام، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 40] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين (40) # قل أرأيتكم أي: أخبروني إن أتاكم عذاب الله أي: مثل ما نزل بالأمم ~~الماضية الكافرة، أو أتتكم الساعة يعني القيامة أغير الله تدعون أي: في كشف ~~العذاب عنكم، وهذا محط التبكيت. أي أتخصون آلهتكم بالدعوة إلى رفع تلك ~~الشدة، بل لا ms1863 تدعونها مع الله أيضا إن كنتم صادقين متعلق ب أرأيتكم مؤكد ~~للتبكيت، كاشف عن كذبهم. # PageV04P358 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 41] # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) # بل إياه تدعون أي: تخصون بالدعوة فيكشف ما تدعون إليه إن شاء أي: # إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير مطردة، بل هي تابعة ~~لمشيئته تعالى، المبنية على حكم استأثر بعلمها وتنسون ما تشركون أي: تتركون ~~ما تشركون تركا كليا لعلمكم بأنها لا تضر ولا تنفع. عطف على تدعون، وتوسيط ~~الكشف بينهما مع تقارنهما، وتأخر الكشف عنهما، لإظهار كمال العناية بشأن ~~الكشف والإيذان بترتبه على الدعاء خاصة. # ثم بين تعالى أن من كفار الأمم السالفة من بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا ~~بالشدائد ليخضعوا ويلتجئوا إلى الله تعالى، فلم يفعلوا. تسلية لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 42] # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ~~(42) # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك أي: رسلا، فكذبوهم ولم يبالوا، لكونهم في ~~الرخاء، فأخذناهم بالبأساء أي: الشدة والقحط، والضراء أي: المرض ونقصان ~~الأنفس والأموال لعلهم يتضرعون أي: يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من ~~كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 43] # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا أي: بالتوبة والتمسكن. ومعناه. نفي التضرع. # كأنه قيل: فلم يتضرعوا. وجيء ب (لولا) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك ~~التضرع إلا عنادهم، كما قال ولكن قست قلوبهم فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ~~ولم يتزجروا وإنما ابتلوا به، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون أي: من ~~الشرك. # فالاستدراك على المعنى لبيان الصارف لهم عن التضرع. وأنه لا مانع لهم إلا ~~قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم المزينة لهم. # PageV04P359 ### | لطيفة: # إن قلت: قد أسند تعالى هنا التزيين إلى الشيطان، وأسنده ms1864 إلى نفسه في ~~قوله: # كذلك زينا لكل أمة عملهم [الأنعام: 108] . فهل هو حقيقة فيهما. أو في ~~أحدهما؟ قلت: وقع التزيين في مواقع كثيرة: فتارة أسنده إلى الشيطان، كالآية ~~الأولى، وتارة إلى نفسه كالثانية، وتارة إلى البشر كقوله زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام: 137] . - في قراءة- وتارة مجهولا ~~غير مذكور فاعله كقوله زين للمسرفين [يونس: 12] ، لأن التزيين له معان يشهد ~~بها الاستعمال واللغة: أحدها: إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر، كقوله ~~تعالى: زينا السماء الدنيا، والثاني: جعله مزينا من غير إيجاد، كتزيين ~~الماشطة العروس، والثالث: جعله محبوبا للنفس، مشتهى للطبع، وإن لم يكن في ~~نفسه كذلك. فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى ~~الله، لأنه الفاعل له حقيقة، لإيجاده له، ولغة ونحوا لاتصافه بخلقه. وإن ~~كان بمجرد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه، كالوسوسة والإغواء، فهذا لا ~~يسند إليه تعالى حقيقة، وإنما يسند إلى البشر أو الشيطان، وإذا لم يذكر ~~فاعله، يقدر في كل مكان ما يليق به- كذا في (العناية) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 44] # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) # فلما نسوا ما ذكروا به أي: من البأساء والضراء، أي تركوا الاتعاظ به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء أي: من النعم، كالصحة والسعة وراحة البال والأمن، ~~وصنوف رغائبهم، استدراجا وإملاء ومكرا بهم، عياذا بالله من مكره، حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا من مطالبهم ورغائبهم، مع الشرك أخذناهم أي: بالعذاب ~~المستأصل، بغتة أي: فجأة بلا تقديم مذكر، إذ لم يفدهم في المرة الأولى، ~~فإذا هم مبلسون متحسرون، يئسون من كل خير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 45] # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # فقطع دابر القوم الذين ظلموا أي: آخرهم. كناية عن الاستئصال، لأن ذهاب # PageV04P360 # آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله. وهو من (دبره) إذا تبعه، فكان في دبره. ~~أي: # خلفه. فالدابر ms1865 ما يكون بعد الآخر، ويطلق عليه تجوزا. وقال أبو عبيد: دابر ~~القوم آخرهم. وقال الأصمعي: الدابر الأصل، ومنه: قطع الله دابره، أي: أصله. # والحمد لله رب العالمين أي: على ما جرى عليهم من الهلاك. فإن إهلاك ~~الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض، من شؤم عقائدهم وأعمالهم، ~~نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها، لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي ~~نطقت بها رسلهم، عليهم السلام. ### | تنبيهات: # الأول- روي في هذه الآية أخبار وآثار. منها ما # أخرجه الإمام أحمد «1» عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ~~ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما نسوا ما ذكروا به..- # إلى-.. هم مبلسون ورواه ابن جرير «2» وابن أبي حاتم عنه. # وروى ابن أبي حاتم أيضا عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: إذا أراد الله بقوم اقتطاعا فتح لهم (أو فتح عليهم) باب ~~خيانة، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.. الآية. ورواه أحمد وغيره. # وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه، فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له. # ومن قتر عليه، ولم ير أنه ينظر له، فلا رأي له. ثم قرأ. فلما نسوا ... ~~الآية- قال الحسن: مكر بالقوم، ورب الكعبة! أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. # وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم ~~وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون- ~~روى ذلك ابن أبي حاتم- الثاني- قال الرازي: قال أهل المعاني: وإنما أخذوا ~~في حال الرخاء والراحة ليكون أشد، لتحسرهم على ما فاتهم من السلامة ~~والعافية. # الثالث- قال الزمخشري: في قوله تعالى: والحمد لله رب العالمين إيذان ~~PageV04P361 # بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم، وأجزل القسم. أي: فهو ~~إخبار بمعنى الأمر، تعليما للعباد. # قال الناصر في (الانتصاف) : ونظيرها قوله تعالى: وأمطرنا عليهم مطرا، ~~فساء مطر المنذرين. قل ms1866 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 58، ~~59] فيمن وقف هاهنا، وجعل الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين، ومنهم ~~من وقف على المنذرين وجعل الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على ~~وحدانية الله تعالى، وأنه جل جلاله خير مما يشركون. فعلى الأول يكون الحمد ~~ختما، وعلى الثاني فاتحة، وهو مستعمل فيهما شرعا، ولكنه في آية النمل أظهر ~~في كونه مفتتحا لما بعده، وفي آية الأنعام ختم لما تقدمه حتما، إذ لا يقتضي ~~السياق غير ذلك. انتهى. # فقلت: إذا جرينا على ما هو الأسد في الآي من توافق النظائر، اقتضى حمل ~~آية النمل على ما هنا، وادعاء الأظهرية فيها ممنوع. فإن التنزيل يفسر بعضه ~~بعضا. # فتأمل. ثم أمر تعالى رسوله بتكرير التبكيت عليهم. وتثنية الإلزام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 46] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) # بقوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم بأن أصمكم وأعماكم، ~~وختم على قلوبكم بأن غطى عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم من إله غير الله ~~يأتيكم به؟ أي: بذلك المأخوذ. وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأنها ~~أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت ~~مصالحه في الدين والدنيا. # انظر كيف نصرف الآيات أي نوردها بطرق مختلفة، كتصريف الرياح. # و (انظر) يفيد التعجيب من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة. # ثم هم يصدفون أي: بعد رؤيتهم تصريف الآيات يعرضون عنها، فلا يتأملون ~~فيها، عنادا وحسدا وكبرا. ### | تنبيهات: # الأول- المراد بالآيات: إما مطلق الدلائل القرآنية مطلقا، أو ما ذكر من ~~أول # PageV04P362 # السورة إلى هنا، أو ما ذكر قبل هذا من المقدمات العقلية الدالة على وجود ~~الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله: إن أتاكم عذاب الله.. الآية. ومن ~~الترغيب بقوله: # فيكشف ما تدعون إليه، والترهيب بقوله: إن أخذ الله سمعكم.. الآية. ومن ~~التنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين. ذهب إلى كل بعض ms1867 من المفسرين، وعموم ~~اللفظ يصدق على ذلك كله بلا تدافع. # الثاني- قال بعض المفسرين من الزيدية: دلت الآية على جواز الاحتجاج في ~~أمر الدين. انتهى. وهو ظاهر. # الثالث- المقصود من هذه الآية: بيان أن القادر على تحصيل هذه القوى ~~الثلاث، وصونها عن الآفات، ليس إلا الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك، كان ~~المنعم بهذه النعم العالية، والخيرات الرفيعة، هو الله تعالى. فوجب أن ~~يقال: المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى. وذلك يدل على ~~أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة- قرره الرازي-. # ثم أشار تعالى إلى تبكيت لهم آخر بإلجائهم إلى الاعتراف باختصاص العذاب ~~بهم بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 47] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~(47) # قل أرأيتكم إن أتاكم لإعراضكم عن الآيات بعد تصريفها عذاب الله أي: ~~المستأصل لكم، بغتة أي: فجأة من غير تقديم ما يشعر به، إذ لم يفد ما تقدم، ~~أو جهرة بتقديمه مبالغة في إزاحة العذر. وقيل: ليلا أو نهارا، كما في قوله ~~تعالى: بياتا أو نهارا، لما أن الغالب فيما أتى ليلا البغتة، وفيما أتى ~~نهارا الجهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون أي: هل يهلك بذلك العذاب إلا ~~أنتم؟ ووضع الظاهر موضعه، تسجيلا عليهم بالظلم. وإيذانا بأن مناط إهلاكهم ~~ظلمهم الذي هو وضعهم الإعراض عما صرف الله له من الآيات، موضع الإيمان. # ثم أشار تعالى إلى وظيفة الرسل، وتحقيق ما في عهدتهم، لبيان أن ما يقترحه ~~الكفار عليه، صلى الله عليه وسلم، ليس مما يتعلق بالرسالة أصلا، بقوله ~~سبحانه: # PageV04P363 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 48] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (48) # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين بالثواب لأهل الإيمان والأعمال الصالحة. # ومنذرين بالعقاب لأهل الكفر والمعاصي، فمن آمن وأصلح للأعمال والأخلاق، ~~فهم أهل البشارة، فلا خوف عليهم أي: من العذاب الذي أنذروا به دنيويا ~~وأخرويا، ولا هم يحزنون أي: بفوات ما ms1868 بشروا به من الثواب العاجل والآجل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 49] # والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) # والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب أي: الذي أنذروا به عاجلا أو آجلا بما ~~كانوا يفسقون أي: عن أمر الله في ترك الإيمان، ومباشرة الأعمال الطالحة ~~واكتساب الأخلاق الرديئة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 50] # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله أي: قل لهؤلاء المشركين ~~المقترحين عليك تارة تنزيل الآيات، وأخرى غير ذلك: لا أدعي أن خزائن رزق ~~الله مفوضة إلي، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبا، وغير ذلك. # (والخزائن: جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء ~~إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي) . # ولا أعلم الغيب أي: من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة، أو وقت ~~نزول العذاب أو نحوهما. # ولا أقول لكم إني ملك أي: حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا ~~يطيقه البشر، من الرقي في السماء ونحوه، أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا # PageV04P364 # في أمري، كما ينبئ عنه قولهم: مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق. والمعنى: إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة، حتى تقترحوا ~~علي ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك، دليلا على عدم ~~صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا. بل إنما هي ~~عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عز وجل، والعلم بمقتضاه فقط، كما ينبئ عنه ~~قوله تعالى: # إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي: ما أتبع فيما أقول لكم إلا ما يوحى إلي من ~~جهته تعالى، شرفني بذلك وأنعم به علي، إذ يكشف لي عن الملائكة فيخبرونني. # ثم كرر الأمر تثنية للتبكيت بقوله: # قل هل يستوي الأعمى والبصير ms1869 مثل للضال والمهتدي على الإطلاق. # والاستفهام إنكاري، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق، ~~ومن يعلمها. وفيه الإشعار بكمال ظهورها، ومن التنفير عن الضلال، والترغيب ~~في الاهتداء- ما لا يخفى. أفاده أبو السعود. # وقوله تعالى: أفلا تتفكرون تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر. أي: أفلا ~~تتفكرون فتهتدوا، ولا تكونوا ضالين أشباه العميان. ### | تنبيهات: # الأول- جعل بعض المفسرين قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب تبرؤا من دعوى الألوهية، لأن قسمة الأرزاق بين العباد، ومعرفة ~~الغيب، مخصوصان به تعالى. قال: ولذا كرر في الملكية لفظ ولا أقول. # والمعنى: لا أدعي الألوهية ولا الملكية. # وأورد على هذا أن المراد: لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه، وليس ~~المراد التبرؤ عن دعوى الإلهية، وإلا لقيل: لا أقول لكم إني إله. كما قيل: ~~ولا أقول لكم إني ملك. وأيضا في الكناية عن الألوهية ب عندي خزائن الله ما ~~لا يخفى من البشاعة، بل هو جواب عن اقتراحهم عليه صلى الله عليه وسلم أن ~~يوسع عليهم خيرات الدنيا- كذا في (العناية) -. # قال أبو السعود: وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية، مما لا وجه له قطعا. # الثاني- قال الجبائي: الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء، لأن ~~المعنى: # لا أدعي منزلة فوق منزلتي. ولولا أن الملك أفضل، وإلا لم يصح ذلك. # PageV04P365 # قال القاضي: إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع، فالأقرب أن يدل ذلك على ~~أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته على أفعال لا يقوى عليها إلا ~~الملائكة. لم يدل على كونهم أفضل. # وقرر الزمخشري الأول تأييدا لمذهبه فقال في تفسير الآية: أي لا أدعي ما ~~يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله، وهي قسمه بين الخلق ~~وأرزاقه، وعلم الغيب، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه الله تعالى، ~~وأفضله، وأقربه منزلة منه. أي: لم أدع إلهية ولا ملكية، لأنه ليس بعد ~~الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، ~~وإنما أدعي ما ms1870 كان مثله لكثير من البشر، وهو النبوة. انتهى. # وتعقبه الناصر في (الانتصاف) بقوله: هو يبنى على القاعدة المتقدمة له، في ~~تفضيل الملائكة على الأنبياء. ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده، فلذلك انتهز ~~الفرصة في الاستدلال بها. ولمخالفه أن يقول: إنما أوردت الآية ردا على ~~الكفار في قولهم: مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل ~~إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز.. الآية- فرد قولهم: مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدع أنه ملك حتى يتعجب ~~من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا ~~خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا ~~الوجه متفق عليها، ولا يوجب عليه ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل من ~~الأنبياء. # وكذلك رد قولهم أو يلقى إليه كنز بأنه لا يملك خزائن الله تعالى حتى ~~يأتيهم بكنز منها على وفق مقترحهم، ولا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة ~~به. # ثم قال الناصر رحمه الله: ولم يحسن الزمخشري في قوله (ليس بعد الإلهية ~~منزلة أرفع من منزلة الملائكة) فإنه جعل الإلهية من جملة المنازل كالملكية، ~~ومثل هذا الإطلاق لا يسوغ. والمنزلة عبارة عن المحل الذي ينزل الله فيه ~~العبد من علو وغيره، فإطلاقها على الإلهية تحريف. والله الموفق للصواب. # الثالث- قال الرازي: ظاهر قوله تعالى: إن أتبع إلا ما يوحى إلي يدل على ~~أنه صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بالوحي، وهو يدل على حكمين: # الأول- أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء ~~نفسه في شيء من الأحكام، وأنه ما كان يجتهد، بل جميع أحكامه صادرة عن ~~الوحي، ويتأكد # PageV04P366 # هذا بقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. # الثاني- أن نفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النص أنه صلى الله عليه وسلم ما ~~كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه، فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا ~~إلا بالوحي النازل ms1871 عليه، بقوله تعالى: فاتبعوه، وذلك ينفي جواز العمل ~~بالقياس. ثم أكد هذا الكلام بقوله: قل هل يستوي الأعمى والبصير وذلك لأن ~~العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى. والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري ~~مجرى علم البصير. ثم قال أفلا تتفكرون والمراد منه التنبيه على أنه يجب على ~~العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين، وأن لا يكون غافلا عن معرفته. ~~انتهى. # وفي (فتح الرحمن) : تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء، عملا بما ~~يفيده القصر في هذه الآية. # والمسألة مدونة في الأصول. # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أوتيت القرآن ومثله معه. # ثم لما أخبر تعالى: أن أولئك المشركين كالصم البكم العمي، بل الموتى، إذ ~~لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة، أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتأثر بما ~~يوحي إليه، اطراحا لأولئك الفجار، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 51] # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) # وأنذر به أي: بما يوحي، المتقدم ذكره الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه يعني: من دون الله تعالى، ولي أي: ناصر ينصرهم ولا شفيع ~~يشفع لهم وينجيهم من العذاب، غيره تعالى: لعلهم يتقون أي: الاعتقادات ~~الفاسدة، والأعمال الطالحة، والأخلاق الرديئة. # قال في (العناية) : خص بالذكر هؤلاء، لأنهم الذين ينفعهم الإنذار، ~~ويقودهم إلى التقوى. وليس المراد الحصر حتى يرد أن إنذاره لغيرهم لازم ~~أيضا. انتهى. # وجملة ليس لهم في موضع الحال من يحشروا، فإن المخوف هو الحشر على هذه ~~الحالة. والمراد ب (الولي) و (الشفيع) الآلهة التي كان المشركون # PageV04P367 # يزعمون أنها شفعاؤهم، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة ~~للمسلمين، لأن شفاعة الرسل يومئذ إنما تكون بإذنه تعالى، فكأنها منه تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 52] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون ms1872 من الظالمين (52) # روى الإمام مسلم «1» عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء يجترءون ~~علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، ~~فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، ~~فأنزل الله تعالى: ولا تطرد الذين.. # الآية. # وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما. # وروى الإمام أحمد «2» عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا يا محمد! أرضيت ~~بهؤلاء؟ فنزل عليه القرآن: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم إلى ~~قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين. # ورواه ابن جرير «3» عن ابن مسعود أيضا قال: مر الملأ من قريش برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء ~~المسلمين. # وفيه: فقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء من قومك، أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم، فلعلك إن طردتهم نتبعك! فنزلت هذه ~~الآية: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.. الآية. # ووراء ما ذكرنا، روايات لا تصح ولا يوثق بها. # إذا علمت ذلك تبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يطردهم بالفعل، وإنما هم ~~بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان، فنهاه ~~الله عن إمضاء ذلك الهم. PageV04P368 # فما أورده الرازي من كونه صلى الله عليه وسلم طردهم، ثم أخذ يتكلف في ~~الجواب عنه، لمنافاته العصمة على زعمه، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن ~~البحث في الأثر فرع ثبوته، وإلا فالباطل يكفي في رده، كونه باطلا. وقد ~~أوضحت ذلك في كتابي (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) . والمعنى: لا ~~تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك. كقوله: ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك ~~عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا ms1873 تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~وكان أمره فرطا [الكهف: 28] . # وقوله تعالى: يدعون ربهم أي يعبدونه ويسألونه، بالغداة والعشي قال سعيد ~~بن المسيب وغيره: المراد به الصلاة المكتوبة. # وقوله تعالى: يريدون وجهه المراد بالوجه الذات، كما في قوله كل شيء هالك ~~إلا وجهه ومعنى إرادة الذات الإخلاص لها، والجملة حال من يدعون أي: يدعون ~~ربهم مخلصين له فيه، وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى ~~موجبات الإكرام، المضاد للطرد. # وقوله تعالى: ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء، كقول ~~نوح عليه السلام في الذين قالوا: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي ~~بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون [الشعراء: 111- 113] أي: ~~إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس ~~عليهم من حسابي من شيء. # قال العلامة أبو السعود: الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ~~ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب ~~قوم نوح حيث قالوا. ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي أي: ما ~~عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ~~ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر ~~الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم ~~بذات الصدور، كقوله تعالى: إن حسابهم إلا على ربي وذكر قوله تعالى: وما من ~~حسابك عليهم من شيء مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء ~~كون حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، ~~وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام، عليهم، على طريقة قوله تعالى: لا ~~يستأخرون ساعة ولا # PageV04P369 # يستقدمون # [الأعراف: 34] . وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة جملة ~~واحدة، لتأدية معنى واحد، على نهج قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى فغير ~~حقيق بجلالة شأن التنزيل. انتهى. ms1874 # والقول المذكور للزمخشري، حيث ذهب إلى أن الجملتين في معنى جملة واحدة، ~~تؤدي مؤدى ولا تزر الآية، وأنه لا بد منهما. # هذا، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت ~~بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين. # وأغرب المهايمي حيث قال: والعماة، لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون ~~مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال عز وجل لأشرف الناس: ما عليك من حسابهم ~~من شيء أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم ~~يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم. انتهى. # وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة. ولا يخفى مراعاة النظائر. # وفي (العناية) : قدم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين، تشريفا له. ~~وإلا كان الظاهر (وما عليهم من حسابك من شيء) بتقديم (على) ومجرورها، كما ~~في الأول. وفي النظم رد العجز على الصدر، كما في قوله: عادات السادات، ~~سادات والعادات. # وقوله تعالى: فتطردهم فتكون من الظالمين الظلم: وضع الشيء في غير محله، ~~أي: فلا تهم بطردهم عنك، فتضع الشيء في غير موضعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 53] # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) # وكذلك فتنا بعضهم هم الشرفاء ببعض وهم المستضعفون، بما مننا عليهم ~~بالإيمان. وقوله: ليقولوا أي: الشرفاء أهؤلاء أي المستضعفون، من الله عليهم ~~من بيننا أي: بشرف الإيمان، مع أن الشرفاء على زعمهم، أولى بكل شرف، فلو ~~كان شرفا لانعكس الأمر، فهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق، ~~والسبق إلى الخير، كقولهم: لو كان خيرا ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] . # ثم أشار تعالى إلى أنه إنما من عليهم بنعمة الإيمان، لأنه علم أنهم ~~يعرفون قدر # PageV04P370 # هذه النعمة، فيشكرونها حق شكرها. وأما أولئك، فلا يعرفون قدرها، فلا ~~يشكرونها، بقوله سبحانه أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ فهو رد لقولهم ذلك، ~~وإبطال له، وإشارة إلى أن مدار استحقاق الإنعام، معرفة شأن النعمة، ~~والاعتراف بحق المنعم. # كما ms1875 أن فيه من الإشارة إلى أن أولئك المستضعفين عارفون بحق نعم الله ~~تعالى في تنزيل القرآن، والتوفيق للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك، مع ~~التعريض بأن القائلين بمعزل عن ذلك كله- ما لا يخفى. # قال الحافظ ابن كثير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه ~~في أول بعثته ضعفاء الناس، من الرجال والنساء، والعبيد والإماء، ولم يتبعه ~~من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي.. # [هود: 27] الآية- وكما سأل هرقل «1» ملك الروم أبا سفيان- حين سأله عن ~~تلك المسائل-: (فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال: ~~هم أتباع الرسل) وكان مشركو مكة يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من ~~يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كقوله: لو ~~كان خيرا ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] . وكقوله تعالى: وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن ~~نديا [مريم: 73] ؟ قال الله تعالى في جواب ذلك: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أحسن أثاثا ورءيا [مريم: 74] . وقال في جوابهم هنا: أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين، أي: له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل ~~السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم. كما ~~قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~[العنكبوت: 69] . # وفي الحديث الصحيح «2» : إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى ألوانكم، ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. PageV04P371 # وروى ابن جرير عن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم ~~ابن عدي، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد ~~مناف، من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب! لو أن ابن أخيك يطرد ~~عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا- كان أعظم في صدورنا، ~~وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له. فأتى أبو طالب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر ms1876 بن الخطاب: لو فعلت ~~ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم! فأنزل الله عز وجل ~~هذه الآية: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [الأنعام: 51] . إلى ~~قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين. قال: # وكانوا: بلال وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وصبيح مولى أسيد. ومن ~~الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاري، وواقد بن عبد ~~الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد- وأبو ~~مرثد من غني، حليف حمزة بن عبد المطلب- وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة ~~الكفر من قريش والموالي والحلفاء: وكذلك فتنا بعضهم.. الآية- فلما نزلت ~~أقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فأنزل الله عز وجل: وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا.. # الآية. ### | تنبيهات وفوائد: # قال بعض المفسرين: ### | 1- # أن الواجب في الدعاء الإخلاص به، لأنه تعالى قال: يريدون وجهه- هكذا قال ~~الحاكم- وهكذا جميع الطاعات، لا تكون لغرض الدنيا، # قال النفس الزكية عليه السلام: إذا دعا الإمام ثم وجد أفضل منه، وجب عليه ~~أن يسلم الأمر له. # فإن لم يفعل ذلك فسق، لأنه إن لم يفعل دل على أنه طالب للدنيا. ### | 2- # ودلت على أن الغداة والعشي لهما اختصاص بفضل العمل والدعاء، فلذلك خصهما ~~بالذكر. ### | 3- # ودلت على أن الفضل بالأعمال. وما خرج من المفاضلة من غير أمر الدين، ~~كالكفاءة في النكاح، فذلك لمخصص، نحو # قوله عليه السلام: العرب بعضها أكفاء للبعض. ### | 4- # ودلت على أن أحدا لا يؤخذ بذنب غيره، وهي كقوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~[الأنعام: 164] . وقد تقدم ما ذكر فيما ورد أن الميت ليعذب ببكاء أهله، على ~~أن المراد إذا أوصاهم بذلك. # PageV04P372 ### | 5- # ودلت على أن حديث النفس لا يؤاخذ به، لأنه قد روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قد هم بذلك. ### | 6- # ودلت على أن الفقر لا يؤثر في حال المؤمن. # وقد ورد في الحديث «1» عنه صلى الله عليه وسلم: يدخل فقراء المؤمنين ~~الجنة قبل أغنيائهم بكذا سنة. # وروي أن آخر من يدخل الجنة من الصحابة عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله. # وروي أن ms1877 عليا عليه السلام لم يخلف شيئا بعد وفاته- هكذا في التهذيب- # انتهى. # أقول: الحديث الأول، رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ولفظه: ~~يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام وأما # حديث: آخر من يدخل الجنة من الصحابة # .. إلخ فلم أجده بهذا اللفظ. # وقد روى البزار وأبو نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أول من ~~يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف. والذي نفس محمد بيده! لن ~~يدخلها إلا حبوا. # قال السيوطي: إسناده ضعيف- كذا في (منتخب كنز العمال) في ترجمة عبد ~~الرحمن بن عوف رضي الله عنه، في (فضائل الصحابة) . ### | 7- # هذا، وقال ابن الفرس: قد يؤخذ من هذه الآية أن لا يمنع من يذكر الناس ~~بالله وأمور الآخرة في جامع أو طريق أو غيره. قال: وقد اختلف المتأخرون في ~~مؤذن يؤذن بالأسحار، ويبتهل بالدعاء، يردد ذلك إلى الصباح، وتأذى به ~~الجيران، هل يمنع؟ واستدل (من قال: لا يمنع) بهذه الآية، وبقوله: ومن أظلم ~~ممن منع مساجد الله [البقرة: 114] .. الآية. انتهى. ### | 8- # قرأ ابن عامر (بالغدوة) بالواو وضم الغين، هنا وفي سورة الكهف، والباقون ~~بالألف وفتح الغين، وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي ~~وغيرهم. # قال أبو عبيد: قرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن السلمي (بالغدوة) ، وقرأ ~~العامة (بالغداة) ونراهما قرءا ذلك اتباعا للخط، لأنها رسمت في جميع ~~المصاحف بالواو، كالصلاة، والزكاة، وليس، في إثباتهم الواو في الكتابة، ~~دليل على أنها القراءة، لأنهم PageV04P373 # قد كتبوا (الصلاة والزكاة) بالواو، ولفظهما على تركها، فكذلك (الغداة) ، ~~على هذا وجدنا ألفاظ العرب. انتهى. # وقال أبو علي الفارسي: الوجه قراءة العامة (بالغداة) ، لأنها تستعمل ~~نكرة، فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها. فأما (غدوة) فمعرفة، وهو ~~علم صيغ له، وحينئذ فيمتنع دخول لام التعريف عليه، كسائر المعارف، وكتابتها ~~بالواو لا تدل على قولهم. انتهى. # قال الشهاب مجيبا ومناقشا: إن (غدوة) وإن كان المعروف فيها أنها علم جنس، ~~ممنوع من الصرف، ولا تدخله الألف واللام، ولا تصح إضافته، فلا تقول: # غدوة يوم الخميس- كما ms1878 قال الفراء- ولكنه سمع اسم جنس أيضا، منكرا مصروفا، ~~فتدخله اللام، وقد نقله سيبويه في كتابه عن الخليل، وذكره جم غفير من أهل ~~اللغة والنحو، فلا عبرة بقول أبي عبيد أن من قرأ بالواو أخطأ، وأنه اتبع ~~رسم الخط، لأن الغداة تكتب بالواو، كالصلاة والزكاة، وهو علم جنس، لا تدخله ~~الألف واللام، والمخطئ مخطئ، لما مر. وقد ذكر المبرد عن العرب تنكيره ~~وصرفه، وإدخال الألف واللام عليه، إذا لم يرد غدوة يوم بعينه، ومن حفظ حجة ~~على من لم يحفظ، وكفى بوقوعه في القراءة المتواترة حجة، فلا حاجة إلى ما ~~قيل: إنه علم، لكنه نكر، لأن تنكير علم الجنس لم يعهد. ولا أنه معرفة، ~~ودخلته اللام لمشاكلة العشي. كما في قوله: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا، ~~إذ قال (اليزيد) لمجاورة الوليد. ومنه تعلم أن المشاكلة قد تكون حقيقة. ~~انتهى. ### | 9- # في القاموس: الغدوة بالضم، البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس ~~كالغداة. والعشي والعشية: آخر النهار. # وفي الصحاح: من صلاة المغرب إلى العتمة. # وقال الأزهري: يقع العشي على ما بين الزوال والغروب. ### | 10- # جعل الزمخشري (ذلك) إشارة إلى هذا الفتن المذكور، حيث قال: # ومثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، أي: ابتليناهم بهم. وعبر ~~عنه بذلك، إيذانا بتفخيمه. كقولك: ضربت زيدا ذلك الضرب. ولا يلزم منه تشبيه ~~الشيء بنفسه، لأن المثل ليس بمراد، إنما جيء به مبالغة، كما يقال (ذلك ~~كذلك) كذا قرره العلامة. يعني: أن التشبيه كما يجعل كناية عن الاستمرار، ~~لأن ما له أمثال يستمر نوعه بتجدد أمثاله، كما أشار إليه شراح الحماسة في ~~قوله: # PageV04P374 # هكذا يذهب الزمان ويفنى الع ... لم فيه ويدرس الأثر # والاستمرار يقتضي التحقق والتقرر ويستلزمه، فجعل في أمثال هذا بواسطة ~~الإشارة إلى البعيد عبارة عن تحقق أمر عظيم. وكونه عظيما مستفاد من لفظ ~~(ذلك) المشار به إلى هذا الفتن القريب المذكور، وليست الكاف فيه زائدة. ومن ~~قال إنها مقحمة أراد أن التشبيه فيه غير مقصود فيه، بل المراد لازمه ~~الكنائي أو المجازي. # والزمخشري، لما في ms1879 هذا الوجه من البلاغة والدقة، اختاره فيما ورد فيه ~~كذلك- كذا في (العناية) -. # وقال أبو السعود: (ذلك) إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل، ومحله في الأصل ~~النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد محذوف. والتقدير: فتنا بعضهم ببعض فتونا ~~كائنا مثل ذلك الفتون، والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من ~~الفخامة، فصار نفس المصدر المؤكد، لا نعتا له. والمعنى: ذلك الفتون الكامل ~~فتنا. # قال الشهاب: هذا الإقحام للمبالغة، مطرد في عرفي العرب والعجم. انتهى. # وقيل: الكاف ليست بزائدة، والمشار إليه هو المشبه به، الأمر المقرر في ~~الذهن، والمشبه ما دل عليه الكلام من الأمر الخارجي، والمبالغة إنما يفيدها ~~الإبهام الذهني والتفسير بقوله: فتنا، وهو ما يعلمه كل أحد من الفتن من هو- ~~انظر (العناية) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 54] # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) # قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم: # ذهب جماعة من المفسرين إلى أن هؤلاء هم الذين سأل المشركون طردهم ~~وإبعادهم، فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام. # قال البيضاوي: وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج، بعد ما وصفهم ~~بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغ سلام الله ~~تعالى إليهم، # PageV04P375 # ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانا بأنهم ~~الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ~~ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة. انتهى. # وسلف عن ابن جرير أنها نزلت في عمر رضي الله عنه. # وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ماهان، قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فما رد عليهم شيئا، فأنزل الله: ~~وإذا جاءك.. الآية. # ولا يخفى أن ms1880 الآية تشمل جميع ذلك، وربما تتعدد الوقائع المشتركة في حكم ~~واحد، فتنزل الآية بيانا للكل. وتقدم لنا في مقدمة هذا التفسير، في بحث سبب ~~النزول، أن قول السلف: نزلت في كذا، قد يقصدون به أن واقعته مما يشملها لفظ ~~الآية، لنزولها إثرها، فتذكره، وأجل فكرك في أطرافه، فإنه مهم جدا. ~~وبمعرفته يندفع إشكال الرازي الذي قرره هنا. # وقوله تعالى: كتب على نفسه الرحمة أي: أوجبها على ذاته المقدسة، تفضلا ~~منه وإحسانا وامتنانا. # وقوله: أنه من عمل إلخ بدل من الرحمة. وقرئ بكسر الهمزة على أنه تفسير ~~للرحمة بطريق الاستئناف. # وقوله: بجهالة في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل، وفيه معنيان: # أحدهما- أنه فاعل فعل الجهلة، لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة، ~~وهو عالم بذلك، أو ظان، فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة ~~والتدبير، ومنه قول الشاعر: # على أنها قالت عشية زرتها ... جهلت على عمد ولم تك جاهلا # والثاني- أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا ~~يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته- كذا في الكشاف-. # فعلى الأول، الجهل: بمعنى السفه والمخاطرة من من غير نظر للعواقب، كما في ~~قوله: # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وكانت العرب تتمدح به، فلا حاجة لتقدير مفعول. # وعلى الثاني، المراد: الجهالة بمضار ما يفعله. # وقوله تعالى: وأصلح أي: العمل. كقوله: وعمل عملا صالحا [الفرقان: 70] . # PageV04P376 # وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لما قضى الله على الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن ~~رحمتي غلبت غضبي. ### | تنبيه: # نقل بعض المفسرين عن الحاكم أنه قال: دلت الآية على وجوب تعظيم المؤمنين. ~~ودلت على أنه ينبغي إنزال المسرة بالمؤمن، لأنه أمر بأن يقول لهم كتب على ~~نفسه الرحمة لتطيب قلوبهم. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 55] # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) # وكذلك نفصل الآيات أي: آيات القرآن، في صفة المطيعين والمجرمين. # ومر قريبا الكلام على ms1881 (كذلك) ولتستبين سبيل المجرمين بتأنيث الفعل بناء ~~عل تأنيث الفاعل. وقرئ بالتذكير بناء على تذكيره، فإن (السبيل) مما يذكر ~~ويؤنث، وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور، لم يقصد تعليله بها بعينها، ~~وإنما قصد الإشعار بأن له فوائد جمة، من جملتها ما ذكر. أو علة لفعل مقدر، ~~هو عبارة عن المذكور، فيكون مستأنفا. أي: ولتستبين سبيلهم نفعل ما نفعل من ~~التفصيل. # وقرئ بنصب (السبيل) على أن الفعل متعد، وتاؤه للخطاب. أي ولتستوضح أنت، ~~يا محمد! سبيل المجرمين، فتعاملهم بما يليق بهم- أفاده أبو السعود-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 56] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله أي: تعبدونه أو تسمونه ~~آلهة. ثم كرر الأمر تأكيدا لقطع أطماعهم بقوله تعالى: قل لا أتبع أهواءكم ~~أي: # في عباده الأصنام، وطرد من ذكر. # ثم قال البيضاوي: هو إشارة إلى الموجب للنهي. وعلة الامتناع عن متابعتهم، ~~واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم، وأن ما هم عليه هوى، وليس بهدى. وتنبيه ~~لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. انتهى. # PageV04P377 # قد ضللت إذا أي: إن اتبعت أهواءكم، لمخالفة الأمر الإلهي والعقل جميعا. ~~وما أنا من المهتدين أي: للحق إن اتبعت ما ذكر. وفيه تعريض بأنهم كذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 57] # قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) # قل إني على بينة من ربي أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي، لا ~~يمكن التشكيك فيها وكذبتم به استئناف أو حال، والضمير للبينة. والتذكير ~~باعتبار المعنى المراد. أعني: الوحي، أو القرآن، أو نحوهما، ما عندي ما ~~تستعجلون به أي: من العذاب. # قال أبو السعود: استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم ~~بالبينة، وهو عدم مجيء ما وعد ms1882 فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم: # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [يونس: 48] .؟ بطريق الاستهزاء، أو بطريق ~~الإلزام، على زعمهم. أي: ليس ما تستعجلونه من العذاب الموعود في القرآن، ~~وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه، في حكمي وقدرتي، حتى أجيء به، وأظهر لكم ~~صدقه. أو ليس أمره بمفوض إلي. # إن الحكم إلا لله أي: لو كان عندي لكنت أنا الحاكم، لكن ما الحكم في ذلك ~~تعجيلا وتأخيرا إلا لله، وقد حكم بتأخيره، لما له من الحكمة العظيمة، لكنه ~~محقق الوقوع لأنه يقص الحق أي: يبينه بيانا شافيا، وهو خير الفاصلين أي: # القاضين بين عباده. ### | لطيفة: # قرئ (يقض الحق) بالضاد، وانتصاب الحق على المصدرية، لأنه صفة مصدر محذوف ~~قامت مقامه. أو على المفعولية، بتضمين (يقضي) معنى (ينفذ) ، أو هو متعد من ~~(قضى الدرع) إذا صنعها. قال الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # قال الرازي: واحتج أبو عمر على هذه القراءة بقوله: وهو خير الفاصلين # PageV04P378 # قال: والفصل يكون في القضاء، لا في القصص. وأجاب أبو علي الفارسي. فقال: # القصص هاهنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول. قال تعالى: إنه لقول ~~فصل [الطارق: 13] . وقال: أحكمت آياته ثم فصلت [هود: 1] وقال: # نفصل الآيات [الأعراف: 32] . انتهى. # قال الشهاب: معنى (يقصه) أي يبينه بيانا شافيا، وهو عين القضاء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 58] # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين أي: لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره ~~مفوضا إلي من قبله تعالى، لقضي الأمر بيني وبينكم، بأن ينزل ذلك عليكم إثر ~~استعجالكم. # وفي (العناية) : قضي الأمر بمعنى قطع. وقضاؤه كناية عن إهلاكهم. # قال أبو السعود: وفي بناء الفعل للمفعول من الإيذان بتعيين الفاعل، الذي ~~هو الله تعالى، وتهويل الأمر، ومراعاة حسن الأدب- ما لا يخفى. فما قيل في ~~تفسيره: # لأهلكتكم عاجلا، غضبا لربي، ms1883 واقتصاصا من تكذيبكم به، ولتخلصت سريعا- ~~بمعزل من توفية المقام حقه. # وقوله تعالى: والله أعلم بالظالمين اعتراض مقرر لما أفادته الجملة ~~الامتناعية، من انتفاء كون أمر العذاب مفوضا إليه صلى الله عليه وسلم، ~~المستتبع لانتفاء قضاء الأمر، وتعليل له. # والمعنى: والله تعالى أعلم بحال الظالمين، وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق ~~الاستدراج، لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إلي، فلم يقض الأمر بتعجيل ~~العذاب. انتهى. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين ما # ثبت في الصحيحين «1» عن عائشة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يا رسول الله! هل أتى عليك PageV04P379 # يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم ~~يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما ~~أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت ~~رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنطرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن ~~الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال ~~لتأمره بما شئت فيهم، قال فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: يا محمد! ~~إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني ~~بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين! فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا ~~يشرك به شيئا. # وهذا لفظ مسلم: فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم، وسأل لهم ~~التأخير، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا. # فالجواب: - والله أعلم- أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع ~~العذاب الذي يطلبونه، حال طلبهم له، لأوقعه بهم. وأما الحديث فليس فيه أنهم ~~سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال، أنه، إن شاء أطبق عليهم ~~الأخشبين، وهما جبلا مكة، يكتنفانها جنوبا وشمالا، فلهذا استأني بهم، ms1884 وسأل ~~الرفق لهم. انتهى. # ثم بين تعالى اختصاص المقدورات الغيبية به، من حيث العلم، إثر بيان ~~اختصاص جميعها به تعالى من حيث القدرة بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 59] # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~(59) # وعنده مفاتح الغيب جمع (مفتح بكسر الميم، وهو المفتاح) وقرئ مفاتيح الغيب ~~شبه بالأمور الجليلة التي يستوثق منها بالأقفال، وأثبت لها المفاتح تخييلا. # وقوله تعالى: لا يعلمها إلا هو تأكيد لمضمون ما قبله، وإيذان بأن المراد ~~الاختصاص من حيث العلم. والمعنى: ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدورا لي، ~~حتى ألزمكم بتعجيله، ولا معلوما لدي لأخبركم بوقت نزوله، بل هو مما يختص به # PageV04P380 # تعالى قدرة وعلما، فينزله حسبما تقتضيه مشيئته، المبنية على الحكم ~~والمصالح- أفاده أبو السعود-. # ثم لما بين تعالى علمه بالمغيبات، تأثره بالمشاهدات، على اختلاف أنواعها، ~~وتكثر أفرادها بقوله: ويعلم ما في البر والبحر من الخلق والعجائب. ثم بالغ ~~في إحاطة علمه بالجزئيات الفائتة للحصر بقوله سبحانه وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين أي: ~~مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي. ### | تنبيهات: # الأول- قال الحاكم: دل قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب على بطلان قول ~~الإمامية: إن الإمام يعلم شيئا من الغيب. انتهى. # وفي (فتح البيان) : في هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان ~~والمنجمين والرمليين وغيرهم من مدعي الكشف والإلهام، ما ليس من شأنهم، ولا ~~يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم. ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من ~~هذه الأجناس الضالة، والأنواع المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم ~~بغير خطة السوء المذكورة في # قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم «1» : «من أتى كاهنا أو منجما فقد ~~كفر بما أنزل محمد» . # قال ابن مسعود: أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. # قال ابن عباس: إنها الأقدار والأرزاق. ms1885 # وقال الضحاك: خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. # وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. # وقيل: هو انقضاء الآجال، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم ~~أعمالهم. واللفظ أوسع من ذلك. PageV04P381 # وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «1» : «مفاتح الغيب خمس ~~لا يعلمها إلا الله تعالى. لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم ~~أحد ما يكون في الأرحام إلا الله. ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا. ولا تدري ~~نفس بأي أرض تموت. ولا يدري أحد متى يجيء المطر» - أخرجه البخاري- وله ~~ألفاظ. وفي رواية: ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله. # انتهى. # الثاني- قرئ (ولا حبة ولا رطب ولا يابس) بالرفع، وفيه وجهان: أن يكون ~~عطفا على محل (من ورقة) وأن يكون رفعا على الابتداء، وخبره إلا في كتاب ~~مبين كقولك: لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار- كذا في الكشاف-. # الثالث- ما أسلفناه في (الكتاب المبين) من أنه (اللوح المحفوظ) هو ~~المتبادر من إطلاقه أينما ورد. وقيل: الكتاب المبين علم الله تعالى. ~~والأظهر الأول. # قال الزجاج: يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من ~~قبل أن يخلق الخلق، كما قال عز وجل: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [الحديد: 22] . وفائدة هذا الكتاب ~~أمور: # أحدها- أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة ~~على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات ~~والأرض شيء. فيكون ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ، ~~لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم، فيجدونه موافقا له. # وثانيها- يجوز أن يقال: إنه تعالى ذكر ما ذكر، من الورقة والحبة، تنبيها ~~للمكلفين على أمر الحساب، وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا ~~شيء، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، ~~فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على ms1886 الثواب والعقاب أولى. # وثالثها- أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات، فيمتنع تغييرها عن مقتضى ~~ذلك العلم، وإلا لزم الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب ~~على التفصيل التام، امتنع أيضا تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتبة جملة ~~الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما، وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر، ~~وتأخر ما تقدم، PageV04P382 # كما # قال صلوات الله عليه «1» : جف القلب بما هو كائن إلى يوم القيامة # . انتهى. # الرابع- روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: وما تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها قال: ما من شجرة في بر ولا بحر، إلا ملك موكل بها، يكتب ما يسقط ~~منها. # وأخرج أيضا عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة، ولا كمغرز ~~إبرة، إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها. يبسها إذا يبست ورطوبتها إذا ~~رطبت. # وكذا رواه ابن جرير «2» . # وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله النون وهي ~~الدواة، وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي، ما كان من خلق ~~مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية: وما تسقط ~~من ورقة.. # إلى آخر الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 60] # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # وهو الذي يتوفاكم بالليل أي: ينيمكم فيه. استعير (التوفي) من الموت ~~للنوم، لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، فإن أصله قبض ~~الشيء بتمامه. # ويعلم ما جرحتم بالنهار أي فيه: وتخصيص الليل بالنوم، والنهار بالكسب، ~~جريا على المعتاد، ثم يبعثكم أي: يوقظكم. أطلق البعث ترشيحا للتوفي فيه أي: ~~في النهار ليقضى أجل مسمى # أي ليتم مقدار حياة كل أحد. # ثم إليه مرجعكم أي: رجوعكم بالبعث بعد الموت، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ~~أي: في ليلكم ونهاركم، بالمجازاة عليه، مبالغة في عدله. PageV04P383 ### | تنبيهان: # الأول- ظاهر الخطاب في ms1887 الآية على العموم. وخصه في (الكشاف) بالكفرة، ~~ذهابا إلى أن قوله: ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم يدل على تهديد شديد، ~~لا يليق إلا بالمعاندين الجاحدين، وأن المقصود بيان حالهم المذمومة في ~~الليل، كما أن قوله: ما جرحتم بيان حالهم المذمومة في النهار. وحمل (البعث) ~~لا على الإيقاظ، بل على البعث من القبور. وفي (فيه) بمعنى (من أجله) كقولك: ~~فيم دعوتني؟ فتقول: في أمر كذا، والمعنى: أنكم ملقون كالجيف بالليل كاسبون ~~للآثام بالنهار. وأنه تعالى مطلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ما ~~قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الذي ~~سماه وضربه لبعث الموتى، وجزائهم على أعمالهم. والذي حمله على ذلك. زعمه أن ~~قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار دال على حال اليقظة، وكسبهم فيها. وكلمة ثم ~~تقضي تأخير البعث عنها. # قال شراحه: ولا يخفى ما فيه من التكلف، وأنه لا حاجة إليه، لأن قوله: # ويعلم ما جرحتم بالنهار إشارة إلى ما كسب في النهار السابق على ذلك ~~الليل، ولا دلالة فيه على الإيقاظ من هذا التوفي، وأن الإيقاظ متأخر عن ~~التوفي. وإن قولنا (يفعل ذلك التوفي لنقضي مدة الحياة المقدرة) كلام منتظم ~~غاية الانتظام. # الثاني- قال الشريف المرتضى في (الدرر والغرر) فيما وقع من القرآن من ذكر ~~الرجوع إلى الله نحو إلى الله ترجع الأمور: كيف ترجع إليه، وهي لم تخرج من ~~يده؟ # وأجاب: بأنه في دار التكليف قد يغير البعض، فيضيف بعض أفعاله تعالى إلى ~~غيره. # فإذا انكشف الغطاء، انقطعت حبال الآمال عن غيره، فيرجع إليه. أو أن ~~المراد أن الأمور في يده من غير خروج ورجوع حقيقي. ف (رجع) بمعنى (صار) . ~~تقول العرب: رجع علي من فلان مكروه، بمعنى صار، ولم يكن سبق. فهو بمعنى ~~المصير إليه، كما تشهد به اللغة. أو أنه في دار الدنيا ما يكون للعباد ~~ظاهرا كالعبد لسيده، فإذا أفضى الأمر إلى الآخرة، زال ذلك، ورجع الأمر كله ~~إلى الله، ظاهرا وباطنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام ms1888 (6) : آية 61] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) # وهو القاهر فوق عباده قد مر تفسيره، وأنه المتصرف في أمورهم لا غيره، ~~يفعل بهم ما يشاء. # PageV04P384 # ويرسل عليكم حفظة أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها، وهم الكرام الكاتبون، ~~كقوله تعالى: وإن عليكم لحافظين [الانفطار: 10- 11] . وقوله: إذ يتلقى ~~المتلقيان [ق: 17] . الآية. ### | لطيفة: # الحكمة في ذلك أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه، وتعرض على رؤوس ~~الأشهاد، كان أزجر عن المعاصي. وأن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على ~~عفوه وستره، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه- أفاده القاضي-. # حتى إذا جاء أحدكم الموت أي: أسبابه ومباديه توفته رسلنا أي: ملائكة ~~موكلون بذلك، وهم لا يفرطون أي: بالتواني والتأخير. وقال ابن كثير: أي: في ~~حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها ويتركونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من ~~الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار في سجين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 62] # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق أي: الذي يتولى أمورهم. و (الحق) : العدل ~~الذي لا يحكم إلا بالحق. قال ابن كثير: الضمير للملائكة. أو للخلائق ~~المدلول عليهم ب (أحد) . والإفراد أولا، والجمع آخرا لوقوع التوفي على ~~الانفراد، والرد على الاجتماع. أي: ردوا بعد البعث، فيحكم فيهم بعدله، كما ~~قال: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم [الواقعة: 49- ~~50] . وقال: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا [الكهف: 47- 49] . إلى قوله: ولا ~~يظلم ربك أحدا ولهذا قال: مولاهم الحق. # ألا له الحكم يومئذ لا حكم فيه لغيره، وهو أسرع الحاسبين يحاسب الخلائق ~~في أسرع زمان. ### | فوائد: # الأولى- قال ابن كثير: ونذكر هاهنا # الحديث الذي رواه الإمام «1» أحمد عن PageV04P385 # سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها ~~النفس الطيبة، كانت ms1889 في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب ~~غير غضبان. فلا يزال يقال ذلك، حتى تخرج. ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح ~~لها، فيقال: من هذا؟ # فيقال: فلان. فيقولون، مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي ~~حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا زال يقال لها حتى ينتهى بها ~~إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي ~~أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم ~~وغساق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، ~~فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان! فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، ~~كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل ~~من السماء، ثم تصير إلى القبر. # فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل ~~السوء» ، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول. قال الحافظ ابن كثير: هذا ~~حديث غريب. # الثانية- قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحا تقيض عند ~~النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم. فأما الروح التي تحيا بها النفس، فإنها ~~لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل. والمراد بالأرواح، المعاني والقوى التي تقوم ~~بالحواس، ويكون بها السمع والبصر، والأخذ والمشيء والشم، ومعني (ثم يعثكم ~~فيه) أي: # يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس، فيستدل به على منكري البعث، لأنه ~~بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس، ثم يردها إليها. فكذا يحيى الأنفس بعد ~~موتها- نقله النسفي-. # الثالثة- قال الخازن: فإن قلت: قال الله تعالى في آية: الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها [الزمر: 42] . وقال في آية أخرى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم [السجدة: 11] . وقال هنا: توفته رسلنا، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟. # قلت: وجه الجمع أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى. فإذا حضر أجل # PageV04P386 # العبد، أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، ~~يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده. فإذا وصلت إلى الحلقوم، تولى ms1890 قبضها ملك ~~الموت نفسه، فحصل الجمع. # قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت، مثل الطشت، يتناول من حيث شاء. وجعلت ~~له أعوان ينزعون الأنفس ثم يقبضها منهم. انتهى. # ثم أمر تعالى أن يبكت المشركون بانحطاط شركائهم عما زعموا لها، بأنهم ~~يخصون الحق تعالى بالالتجاء إليه عند الشدائد بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 63] # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين (63) # قل من ينجيكم من ظلمات البر أي: شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق، ~~والبحر كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، ~~لمشاركتهما في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد: يوم ~~مظلم، ويوم ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه. # تدعونه تضرعا أي: تذللا إليه، تحقيقا للعبودية، وخفية بضم الخاء، وقرئ ~~بكسرها. أي: سرا، تحقيقا للإخلاص. لئن أنجانا حال من الفاعل بتقدير القول. ~~أي: قائلين، وعدا بالشكر، لئن أنجيتنا من هذه أي: الشدة المعبر عنها ~~بالظلمات، لنكونن من الشاكرين أي: لك، باعتقاد أنك المخصوص بالثناء الجميل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 64] # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) # ثم أمره تعالى بالجواب تنبيها على ظهوره وتعينه عندهم، أو إهانة لهم إذ ~~لا يلتفتون لخطابه بقوله: قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب أي: من غير شفاعة ~~أحد ولا عون، ثم أنتم تشركون أي: ثم أنتم بعد ما تشاهدون من النجاة عنها، ~~الموعود فيها بالشكر وعدا وثيقا بالقسم، تشركون، بعبادته والثناء عليه، ~~غيره. # PageV04P387 # وتنسبون النجاة الحاصلة بعد تخصيصه بالدعوة، إلى شفاعة الشريك، فقد جعلتم ~~الشرك مكان الشكر. ### | تنبيهات: # الأول- ما قدمناه من أن ظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفها وأهوالها، هو ~~ما قاله المحققون. # قال الرازي ومنهم من حمله على حقيقته فقال: أما ظلمات البحر، فهي أن ~~تجتمع ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة السحاب، ويضاف الرياح الصعبة، ~~والأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص، وعظم الخوف، وأما ظلمات ~~البر، ms1891 فهي ظلمة الليل، وظلمة السحاب، والخوف الشديد من هجوم الأعداء والخوف ~~الشديد من عدم الاهتداء إلي طريق الصواب. والمقصود أن عند اجتماع هذه ~~الأسباب الموجبة للخوف الشديد، لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى. وهذا ~~الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة ~~الله تعالى. وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى. وهو المراد من قوله ~~تضرعا وخفية. فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة، والخلقة الأصلية في ~~هذه الحالة، بأنه لا ملجأ إلا الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن ~~يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات. ولكنه ليس كذلك، فإن الإنسان ~~بعد الفوز بالسلامة والنجاة. يحيل تلك السلامة إلى الأسباب، ويقدم على ~~الشرك. ومن المفسرين من يقول: المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام ~~والأوثان. # ثم قال الرازي رحمه الله، وأنا أقول: التعلق بشيء مما سوى الله في طريق ~~العبودية، يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن، ولذلك فإن أهل التحقيق يسمونه ~~بالشرك الخفي. انتهى. # الثاني- قال بعض المفسرين: دل قوله تعالى: تدعونه تضرعا وخفية على أن ~~دعاء السر أفضل. قيل: وكان جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء ليعلم ~~غيره. انتهى. # وهذا بناء على أن قوله تعالى: تضرعا تذللا، لا جهرا. وكثير من المفسرين ~~ذهب إلى أن المعنى جهرا وسرا، ولعله الصواب. فإن العيان يؤيده، إذ لا ~~يتمالك من اشتد عليه الأمر، وأظلم عليه طريق الخلاص، على الاقتصار على دعاء ~~السر وحده- والله أعلم-. # وفي القاموس وشرحه: تضرع إلى الله تعالى، أي: ابتهل وتذلل. وقيل: أظهر # PageV04P388 # الضراعة، وهي شدة الفقر والحاجة إلى الله تعالى. ومنه قوله تعالى: تضرعا ~~وخفية أي: مظهرين الضراعة، وحقيقة الخشوع. انتهى. # الثالث- المراد بالكرب ما يعم ما تقدم، ولا محذور في التعميم بعد ~~التخصيص، لكثرة وروده. أو ما يعتري المرء من العوارض النفسية التي لا ~~تتناهى، كالأمراض والأسقام، وما قيل: إن المراد بالأول كرب مخصوص، أو ~~الأولى نعمة رفع، وهذه نعمة دفع، وأنه من قبيل (متقلدا سيفا ورمحا) ms1892 - تكلف ~~لا داعي له- كذا في (العناية) - الرابع- وضع (تشركون) ، موضع (لا تشركون) ~~الذي هو مقتضى الظاهر المناسب لقوله: لنكونن من الشاكرين لأن إشراكهم تضمن ~~عدم صحة عبادتهم، وشكرهم لأنه عبادة، بل نفيها لعدم الاعتداد بها معه. إذ ~~التوحيد ملاك الأمر، وأساس العبادة، فوضعه موضعه توبيخا لهم، لعدم الوفاء ~~بالعهد. ولم يذكر متعلقه لتنزيله منزلة اللازم، تنبيها على استبعاد الشرك ~~في نفسه- كذا في (العناية) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 65] # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال المهايمي: أي: قل ~~للمشركين بعد النجاة الموعود فيها بالشكر: إنما أشركتم لأمنكم من الشدائد، ~~لكن لا وجه للأمان منها، لاستمرار منشأ الخوف، وهو القدرة الإلهية على ~~أنواع الشدائد من الجهات كلها. إذ هو القادر على إرسال عذاب أعظم من تلك ~~الشدة من فوقكم، كإمطار النار أو الحجارة، أو إسقاط السماء. # أو من تحت أرجلكم كالخسف والطوفان، أو يلبسكم شيعا أي: # يخلطكم فرقا خلط اضطراب، فيجعلكم متحزبين مختلفين في القتال، بأن يقوي ~~أعداءكم ويذيق بعضكم بأس أي: شدة بعض يعني: يسلط بعضكم على بعض بالقتل ~~والتعذيب. # انظر كيف نصرف الآيات أي: نحولها من نوع إلى آخر. لعلهم يفقهون أي: ~~يفهمون ويعتبرون، فيكفوا عن كفرهم وعنادهم. # PageV04P389 ### | تنبيهان: # الأول- # روى البخاري «1» عن جابر رضي الله عنه قال. لما نزلت هذه الآية قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أعوذ بوجهك! أو من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك! أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض قال: هذا أهون، أو هذا أيسر. # قال الحافظ ابن حجر: وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس ما يفسر به ~~حديث جابر، ولفظه: # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا، فرفع ~~عنهم اثنتين، وأبى ms1893 أن يرفع عنهم اثنتين. دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من ~~السماء والخسف من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع ~~الله عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين # . فيستفاد من هذه الرواية بقوله من فوقكم أو من تحت أرجلكم، ويسأنس له ~~أيضا بقوله تعالى: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم [الإسراء: ~~68] . # وروى الإمام «2» مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه أقبل مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ~~ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثا، ~~فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها. ~~وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها. وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم ~~بينهم، فمنعنيها. # وروى الإمام أحمد «3» من حديث أبي بصرة نحوه، لكن قال (بدل خصلة الإهلاك) ~~. أن لا يجمعهم على ضلالة. وكذا الطبري من مرسل الحسن. # قال الخفاجي: فإن قلت: كيف أجيبت الدعويان، وسيكون خسف بالمشرق وخسف ~~بجزيرة العرب؟ أي: كما رواه الترمذي «4» وغيره؟ PageV04P390 # قلت: الممنوع خسف مستأصل لهم، وأما عدم إجابته في بأسهم، فبذنوب منهم، ~~ولأنهم بعد تبليغه صلى الله عليه وسلم لهم، ونصيحته لهم، لم يعملوا بقوله. ~~انتهى. # وقد روى أحمد والترمذي «1» من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: قل هو القادر.. إلخ. فقال: أما إنها ~~كائنة، ولم يأت تأويلها بعد # . قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحتمل أن لا يخالف حديث جابر، بأن المراد ~~بتأويلها ما يتعلق بالفتن ونحوها. انتهى. أي: مما ستصدق عليها الآية، ولما ~~تقع بالمسلمين. فقوله: إنها كائنة، أي: في المسلمين، لا أنها خطاب لهم، ~~ونزولها فيهم- كما وهم- إذ يدفعه السياق والسباق، وتتمة الآية- كما لا ~~يخفى- وسنزيده بيانا. # الثاني- ما روي عن ابن عباس من أنه كان يقول في قوله تعالى: عذابا من ~~فوقكم يعني أئمة السوء ومن تحت أرجلكم يعني: خدم ms1894 السوء. رواه ابن جرير «2» ~~وابن أبي حاتم. فإن صح عنه، فمراده أن لفظ الآية مما يصدق على ذلك. # لأن العذاب كل ما مر (من المرارة) على النفس، وشق عليها، لا أن ذلك هو ~~المراد من الآية. لنبوه عن مقام التهويل، في شديد الوعيد، ولخفاء الكناية ~~عن ذلك من جوهر اللفظ، ولعدم موافقته لنظائر الآية في هذا الباب- كما لا ~~يخفى. # والظاهر أن السلف كانوا يتلون بعض الآيات في بعض المقامات، إشعار بأن ~~معناها يحاكي تلك الواقعات، لا أنها نزلت في تلك القضيات. ومن ذلك قول أبي ~~بن كعب، قال في هذه الآية: هن أربع خلال، كلهن واقع، منها ثنتان بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين (ألبسوا شيعا) و (ذاق بعضهم بأس ~~بعض) ، وبقيت اثنتان لا بد منهما الرجم والخسف- رواه «3» الإمام أحمد ~~وغيره- وقد أعل هذا الأثر بأن أبيا لم يدرك خمس وعشرين من الوفاة النبوية، ~~وكأن التقييد بذلك من كلام أبي العالية، رواية عنه. وبالجملة، فاستشهاد ~~السلف بالآيات في بعض الشؤون، للإشعار المذكور- مما لا ينكر، فافهم ذلك، ~~فإنه ينفعك في مواطن كثيرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 66] # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) # قوله تعالى: وكذب به قومك أي بالقرآن المجيد وهو الحق أي الكتاب ~~PageV04P391 # الصادق في كل ما نطق به. قل لست عليكم بوكيل أي: لم يفوض إلي أمركم ~~فأمنعكم من التكذيب، وأجبركم على التصديق. إنما أنا منذر، وقد بلغت. # وبعضهم أرجع الضمير في (به) للعذاب. أي: كذب بالعذاب الموعود، قومك ~~المعاندون، وهو الواقع لا محالة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 67] # لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) # لكل نبإ مستقر أي: لكل خبر عظيم وقت استقرار، لصدقه أو كذبه، وسوف تعلمون ~~أي: مستقر هذا النبأ ومآله، وأن العاقبة له، كما قال تعالى: ولتعلمن نبأه ~~بعد حين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 68] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ms1895 ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) # وإذا رأيت الذين يخوضون أي: بالطعن والاستهزاء، في آياتنا أي: # المنسوبة إلى مقام عظمتنا، التي حقها أن تعظم بما يناسب عظمتنا. والموصول ~~كناية عن مشركي مكة، فقد كان ديدنهم ذلك، فأعرض عنهم أي فلا تجالسهم، وقم ~~عنهم، حتى يخوضوا في حديث غيره أي: حتى يأخذوا في كلام آخر، غير ما كانوا ~~فيه من الخوض في آياتنا. # وإما ينسينك الشيطان بأن يشغلك فتنسى النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين أي: إن ينسينك الشيطان، فجلست معهم، فلا تؤاخذ ~~به، لكن إذا ذكرت النهي، فلا تقعد معهم، لأنهم ظالمون بالطعن في الكلام ~~المعجز، عنادا. # وفي الحديث «1» : إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا ~~عليه- رواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا # . وإسناده صحيح- وهذه الآية هي المشار إليها في قوله تعالى: PageV04P392 # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم.. الآية. لأن في ~~حضور المنكر مع إمكان التباعد عنه، مشاركة لصاحبه. ### | فوائد: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية وجوب اجتناب مجالس الملحدين، ~~وأهل اللغو، ويستدل بها على أن الناسي غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد إليه ~~التكليف، فيعفى عما ارتكبه في حال نسيانه. ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة في ~~العبادات والتعليقات. انتهى. # وقال الرازي: ومن الحشوية من استدل بهذه الآية في النهي عن الاستدلال ~~والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته. قال: لأن ذلك خوض في آيات الله، ~~والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية. # والجواب عنه: أن المراد من الخوض في الآية الشروع في الطعن والاستهزاء. # فسقط هذا الاستدلال- والله أعلم-. # وقال بعض مفسري الزيدية- ثمرة الآية أحكام: # الأول- وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله أو بحججه أو برسله، ~~وأن لا يقعد معهم، لأن في القعود إظهار عدم الكراهة، وذلك لأن التكليف عام ~~لنا، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس ~~معهم، ms1896 إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذا، فلا فائدة في دعائهم. ~~ويجب القيام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه يكون سببا في ترك الخوض، وأنهم ~~إنما يفعلونه مغايظة للواقف، إذا كان وقوفه يوهم عدم الكراهة. # الحكم الثاني- جواز مجالسة الكفار، مع عدم الخوض، لأنه إنما أمرنا ~~بالإعراض مع الخوض. وأيضا فقد قال تعالى: حتى يخوضوا في حديث غيره. قال ~~الحاكم: والآية تدل أيضا على المنع من مجالسة الظلمة والفسقة، إذا أظهروا ~~المنكرات، وتدل على إباحة الدخول عليهم لغرض، كما يباح للتذكير. وفي الآية ~~أيضا دلالة على وجوب الإنكار، لأن الإعراض إنكار. قال: وتدل على أن التقية ~~من الأنبياء والأئمة بإظهارهم المنكر لا تجوز، خلاف الإمامية، وتدل على ~~جواز النسيان على الأنبياء. # الحكم الثالث- أن الناسي مرفوع عنه الحرج، فإن قيل: النسيان فعل الله، ~~فلم # PageV04P393 # أضيف إلى الشيطان؟ أجيب: بأن السبب من الشيطان، وهو الوسوسة والإعراض عن ~~الذكر، فأضيف إليك لذلك. كما أن من ألقى غيره في النار فمات، يقال، إنه ~~القاتل، وإن كان الإحراق فعل الله، واختلف في النسيان ما هو؟ فقال الحاكم: ~~هو معنى يحدثه الله في القلب. وقال أبو هاشم وأصحابه: ليس بمعنى، وإنما هو ~~زوال العلم الضروري الذي جرت العادة بحصوله. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 69] # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء أي: وما يلزم المتقين الذين ~~يجالسونهم شيء عما يحاسبون عليه من خوضهم، ولكن ذكرى أي: ولكن أمروا ~~بالإعراض عنهم، ليكون ذكرى لضعفاء المسلمين، لئلا يقع شيء من مطاعن ~~المستهزئين في قلوبهم. لعلهم يتقون أي: يبلغ مبلغ التوقي من شبهاتهم، ~~بالجلوس مع علمائه بدلهم. ### | تنبيهان: # الأول- ما ذكرناه في معنى الآية، هو ما قرره المهايمي رحمه الله تعالى. # وقيل: المعنى: ولكن على المتقين أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، ~~بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يتقون الخوض حياء أو ~~كراهة لمساءتهم، فلا يعودون إليه، وجوزوا أن يكون ms1897 الضمير الذين يتقون، أي: # يذكرونهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم، أو يزدادوها. انتهى. # وما ذكرناه أسد وأوجه. # وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال في الآية: أي ما عليك أن يخوضوا ~~في آيات الله إذا فعلت ذلك. أي: إذا تجنبتهم، وأعرضت عنهم. وعليه فالموصول ~~كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. التفت به تعظيما وتكريما. # الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) : قد يستدل بقوله تعالى: وما على الذين ~~يتقون.. إلخ على أن من جالس أهل المنكر، وهو غير راض بفعلهم، فلا إثم عليه. ~~لكن آية النساء تدل على أنه آثم، ما لم يفارقهم، لأنه قال: إنكم إذا مثلهم ~~[النساء: 140] . أي إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، وهي متأخرة. فيحتمل أن ~~تكون ناسخة لهذه، كما ذهب إليه قوم منهم السدي. # PageV04P394 # أقول: المنفي في الآية هو لحوق شيء من وبال الخائضين، وإثم كفرهم ~~لمجالسيهم المتقين، فلا ينافي ذلك لحوق وبال المجالسة على انفرادها، وهو ما ~~أفادته آية النساء. فالمثلية إذن في مطلق الإثم، وإن تباين (ما صدقه) ~~فيهما، إذ لا قائل بأن مطلق مجالستهم ردة وكفر. نعم! لو قيل بأن المثلية ~~محمولة على ما إذا حصل الرضا بشأن مجالستهم، فلا إشكال إذن. وبالجملة ~~فاستدلال (الإكليل) واه، ولذا عبر ب (قد) ، ودعوى النسخ أوهى. فتأمل! ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 70] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # وذر الذين اتخذوا دينهم أي: الذي كلفوه ودعوا إليه، وهو دين الإسلام، ~~لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزءوا وغرتهم الحياة الدنيا حيث اطمأنوا بها، ~~وزعموا أن لا حياة بعدها أبدا، وأن السعادة في لذاتها. أي: أعرض عنهم، ~~ودعهم، ولا تبال بتكذيبهم، وأمهلهم قليلا، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم. # وذكر به أي: ذكر الناس بهذا ms1898 القرآن أن تبسل نفس بما كسبت أي: مخافة أن ~~تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها. وغرورها بإنكار الآخرة. يقال: أبسله ~~لكذا: # عرضه ورهنه، أو أسلمه للهلكة. ليس لها من دون الله ولي ينصرها بالقوة ولا ~~شفيع يدفع عنها بالمسألة. # وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أي: وإن تفد كل نوع من أنواع الفداء، بما ~~يقابل العذاب، لا يقبل منها، لبعدهم عن مقام الفداء. والعدل: الفدية، لأن ~~الفادي يعدل المفدى بمثله. # أولئك إشارة إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا الذين أبسلوا أي: سلموا ~~للهلاك، بحيث لا يعارضه شيء، بما كسبوا بهذا الاغترار من إنكار الآخرة ~~معها، والانهماك في الشهوات المحرمة، لهم شراب من حميم أي: ماء مغلي يتجرجر ~~في بطونهم، وتتقطع به أمعاؤهم، وعذاب أليم أي: بنار تشتعل بأبدانهم، بما ~~كانوا يكفرون أي: بسبب كفرهم. # PageV04P395 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 71] # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا أي: أنعبد من دونه ما لا ~~يقدر على نفعنا، إن دعوناه، ولا ضرنا إن تركناه، ونرد على أعقابنا عطف على ~~(ندعو) ، داخل في حكم الإنكار والنفي. أي: ونرد إلى الشرك. والتعبير عنه ~~بالرد على الأعقاب- لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح، مع ما ~~فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر- أفاده أبو ~~السعود-. # بعد إذ هدانا الله أي: للإسلام والتوحيد، وأنقذنا من عبادة الأصنام، ~~فنصير كالمستمر على الضلال، بل كالذي استهوته الشياطين أي: استمالته عن ~~الطريق الواضح مردة الجن، في الأرض القفر المهلكة، حيران أي: تائها ضالا عن ~~الجادة، لا يدري كيف يصنع، له أي: لهذا المستهوى أصحاب أي: رفقة يدعونه إلى ~~الهدى أي: إلى الطريق المستقيم، ائتنا على إرادة القول، أي: # يقولون ms1899 ائتنا. أي: وهو قد اعتسف المهمه، تابعا للشياطين، لا يجيبهم ولا ~~يأتيهم. # فشبه حال من خلص من الشرك، ثم عاد له، بحال من ذهب به المردة في مهمه بعد ~~ما كان على الجادة، ولا يدري مقصده الذي هو سائر إليه، مع وجود رفقة تناديه ~~لتهديه، وهو لا يسمع لهم. قل إن هدى الله أي: الذي أرسل به رسله، هو الهدى ~~أي: وما وراءه ضلال وغي، وأمرنا لنسلم لرب العالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 72] # وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) # وأن أقيموا الصلاة واتقوه أي: في مخالفة أمره. وأن أقيموا عطف على لنسلم. ~~ومعناه: أن نسلم. فاللام فيه رديفه إن، أو عطف عليه واللام تعليلية، أي: ~~للإسلام، ولإقامة الصلاة. وفي ورود أقيموا الصلاة محكيا بصيغته، وورود ~~لنسلم محكيا بمعناه. احتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم حكى قول الله ~~بمعناه، دون لفظه. انظر (الانتصاف) . # PageV04P396 ### | تنبيه: # في تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع، وعطفها على الأمر ~~بالإسلام، وقرنها بالأمر بالتقوى- دليل على تفخيم أمرها، وعظم شأنها- ذكره ~~بعض الزيدية- وهو الذي إليه تحشرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 73] # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق أي: بالحكمة، كقوله: وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا. [ص: 27] . # وقوله تعالى: ويوم يقول كن فيكون قوله الحق بيان لقدرته تعالى على حشرهم، ~~بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله وأمره هو النافذ والواقع، والمراد ب ~~(القول) كلمة (كن) تحقيقا أو تمثيلا. ف (قوله الحق) مبتدأ وخبر. و (يوم) ~~ظرف لمضمون هذه الجملة. كقوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون [يس: 82] . # وكأن قوله تعالى: وهو الذي خلق السماوات إلخ عقب قوله: وهو الذي إليه ~~تحشرون سيق للاحتجاج على قدرته تعالى على البعث، ردا على منكري ذلك من ~~المشركين، الذين ms1900 السياق فيهم. وما أشبه الآية بقوله تعالى: أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره ~~إذا أراد شيئا.. [يس: 81- 82] . # ولا يخفى أن باستحضار النظائر القرآنية، تنجلي الحقائق. وقد توسع ~~المفسرون هنا في إعراب هذه الجملة، بسرد وجوه ضاع الظاهر بينها- وقد علمته، ~~فاحرص عليه-. # وله الملك يوم ينفخ في الصور أي: فلا بد أن يفعل بالمطيع والعاصي فعل ~~الملوك، لمن يطيعهم أو يعصيهم. ف (يوم) ظرف لقوله وله الملك- قاله أبو ~~السعود- وتقييد اختصاص الملك به تعالى، بذلك اليوم، مع عموم الاختصاص # PageV04P397 # لجميع الأوقات، لغاية ظهور ذلك. بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في ~~الدنيا، المصححة للمالكية المجازية في الجملة، كقوله تعالى: لمن الملك ~~اليوم، لله الواحد القهار [غافر: 16] . وقوله: الملك يومئذ الحق للرحمن ~~[الفرقان: 26] . # وقد زعم بعضهم أن المراد ب (الصور) هنا جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها، ~~فتحيى. قال ابن كثير: والصحيح أن المراد ب (الصور) القرن الذي ينفخ فيه ~~إسرافيل عليه السلام، وهكذا قال ابن جرير: الصواب عندنا ما تظاهرت به ~~الأخبار # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : إن إسرافيل قد التقم ~~الصور، وحنا جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الله بن عمرو قال: إن أعرابيا سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه. ورواه أبو داود والترمذي ~~والحاكم، عنه أيضا. # عالم الغيب والشهادة أي هو عالمهما، وهو الحكيم الخبير ذو الحكمة في سائر ~~أفعاله. والعلم بالأمور الجلية والخفية. # ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر لمن اتخذ دينه هزوا ولعبا ~~إنكار إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الذي يزعمون أنهم على دينه، ويفتخرون ~~به- على أبيه في شركه بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 74] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما أي: صورا مصنوعة، آلهة إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين أي: باعتقاد إلهيتها، أو ms1901 اتصافها بصفاته، أو استحقاقها ~~PageV04P398 # للعبادة، لأن الإلهية بوجوب الوجود بالذات، وهي ممكنة مصنوعة وأنى لها ~~الاتصاف بصفاته، وهي عاجزة عن النفع والضر، خالية عن الحياة والسمع والبصر، ~~والعبادة غاية التذلل، فلا يستحقها من لا يخلو عن هذه الوجوه من الذلة، ~~وإنما يستحقها من كان في غاية العلو- أفاده المهايمي-. ### | تنبيهات: # الأول- قرئ آزر بالنصب، عطف بيان، لقوله: (لأبيه) وبالضم على النداء. # الثاني- الآية حجة على الشيعة في زعمهم أنه لم يكن أحد من آباء الأنبياء ~~كافرا، وأن آزر عم إبراهيم، لا أبوه، على ما بسطه الرازي هنا، وذلك لأن ~~الأصل في الإطلاق الحقيقة، ومثله لا يجزم به من غير نقل. # الثالث- قال بعض مفسري الزيدية: في الآية دلالة على بطلان قول الإمامية: # إن الإمام لا يجوز أن يكون أبوه كافرا، لأنه إذا جاز نبي، أبوه وزوجته ~~كافران، فالإمام أولى. # اشتمل كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ذكر الحجة العقلية إجمالا ~~على فساد قول عبدة الأصنام، بإنكاره اتخاذها آلهة، وهي ما هي في عجزها. وقد ~~جاءت مفصلة في سورة مريم في قوله: واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقا ~~نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت ~~لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب ~~من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم ~~تنته لأرجمنك، واهجرني مليا ... [مريم: 41- 46] الآيات. # قال ابن كثير: # ثبت في الصحيح «1» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلقى ~~إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة. فيقول له إبراهيم: ~~ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! ~~إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول ~~الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا ms1902 إبراهيم! نظر ما تحت ~~رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ PageV04P399 # متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. # الرابع- قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الدلالة على وجوب النصيحة في ~~الدين، لا سيما للأقارب، فإن من كان أقرب، فهو أهم. ولهذا قال تعالى: وأنذر ~~عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] . وقال تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~[التحريم: 6] . # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول # . ولهذا بدأ صلى الله عليه وسلم بعلي وخديجة وزيد، وكانوا معه في الدار، ~~فآمنوا وسبقوا، ثم بسائر قريش، ثم بالعرب، ثم بالموالي. وبدأ إبراهيم ~~بأبيه، ثم بقومه. وتدل هذه الآية على أن النصيحة في الدين والذم والتوبيخ ~~لأجله، ليس من العقوق، كالهجرة- هكذا في التهذيب. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 75] # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أي: نطلعه على حقائقهما، ونبصره ~~في دلالتهما على شؤونه عز وجل، من حيث إنهما بما فيهما، مربوبان ومملوكان، ~~له تعالى. و (الملكوت) مصدر على زنة المبالغة، كالرهبوت والجبروت، ومعناه: ~~الملك العظيم، والسلطان القاهر. وقيل: ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما. # وقد أسلفنا الكلام في (وكذلك) قريبا عند قوله تعالى: وكذلك فتنا ~~[الأنعام: # 53] . وأن مختار الزمخشري كونه إشارة إلى مصدر ما بعده، والكاف مقحمة، ~~والتقدير: تلك الإراءة والتبصير البديع، نريه ونبصره. فجدد به عهدا. # وليكون من الموقنين عطف على علة محذوفة لم تقصد بعينها، إشعارا بأن لتلك ~~الإراءة فوائد جمة، من جملتها ما ذكر. # قال المهايمي في الآية: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليعلم ~~أن شيئا من روحانيات الأفلاك والكواكب والمشايخ والشياطين لا يصلح للإلهية، ~~وليكون من الموقنين بالتوحيد بالاستدلال بالأدلة الكثيرة. وقيل: وليكون علة ~~PageV04P400 # لمقدر هو عبارة عن المذكور. أي: وليكون من الموقنين بالتوحيد، فعلنا ما ~~فعلنا من الإراءة والتبصير بآيات السموات والأرض. ### | لطائف: # الأولى- قال الرازي: وههنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح ~~غير منقطع ولا زائل البتة، والأرواح البشرية، لا تصير محرومة عن تلك ~~الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ms1903 ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى. ~~فإذا كان الأمر كذلك. فبقدر ما يزول ذلك الحجاب، يحصل هذا التجلي. فقول ~~إبراهيم عليه والسلام: أتتخذ أصناما آلهة إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة ~~غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك ~~الحجاب، لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام. فقوله: وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات معناه: وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال ~~الله تعالى، فكان قوله وكذلك منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية. # الثانية- قال الرازي: اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب ~~التأمل. ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا، لأن عمله غير ~~مسبوق بالشبهة، وغير مستفاد من الفكر والتأمل. واعلم أن الإنسان في أول ما ~~يستدل به، فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه، فإذا كثرت الدلائل ~~وتوافقت وتطابقت، صارت سببا لحصول اليقين. وذلك لوجوه: # الأول- أنه يحصل لكل واحد من تلك الدلائل نوع تأثر وقوة، فلا تزال القوة ~~تتزايد حتى تنتهي إلى الجزم. # الثاني- أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة. فكثرة الاستدلال بالدلائل ~~المختلفة على المدلول الواحد، جار مجرى تكرار الدرس الواحد. فكما أن كثرة ~~التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب، فكذا هاهنا. # الثالث- أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا، فإذا حصل فيه الاعتقاد ~~المستفاد من الدليل الأول، امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات ~~الحاصلة في القلب، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة، ~~فإذا حصل الاستدلال الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى، فيصير الإشراق ~~واللمعان أتم. وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر، ~~وهو الصبح، فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح. ثم، كما أن الصبح لا يزال ~~يتزايد بسبب تزايد قرب # PageV04P401 # الشمس من سمت الرأس، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام، فكذلك ~~العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر، كان شروق نور ~~المعرفة والتوحيد أجلى. إلا أن الفرق بين شمس ms1904 العلم، وشمس العالم، أن شمس ~~العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين، لا يمكن أن يزاد عليه ~~في الصعود. # وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد، فلا نهاية لتصاعدها، ولا غاية ~~لازديادها. # فقوله: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض إشارة إلى مراتب الدلائل ~~والبينات. وقوله وليكون من الموقنين إشارة إلى درجات أنوار التجلي، وشروق ~~شمس المعرفة والتوحيد. انتهى. # الثالثة- ذكر تعالى الإراءة في هذه الآية مجملة، ثم فصلها بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 76] # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي قال المهايمي: لما رأى- يعني ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الملكوت، وأيقن أن شيئا منها لا يصلح ~~للإلهية، أراد الرد على قومه في اعتقاد إلهيتها لخستها، باعتبار افتقارها ~~في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الأفول، وإن كانت علوية، وكذا في اعتقاد ~~إلهية تلك الأجسام. كما رد عليهم في اعتقاد إلهية الأصنام، فلتظهر ظهور ~~الكواكب التي كانوا يعبدونها. انتهى. # وبالجملة، فالآية بيان لكيفية استدلاله عليه الصلاة والسلام، ووصوله إلى ~~رتبة الإيقان. ومعنى جن عليه الليل ستره بظلامه. و (الكوكب) قيل: الزهرة، ~~وقيل: # المشتري. # أقول: (الكوكب) لغة: النجم. قال الزبيدي في (شرح القاموس) : وكونه علما ~~بالغلبة على الزهرة غير معتد به، وإنما هي الكوكبة بالهاء. انتهى. # قال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ~~فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر ~~والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون ~~إلها، لقيام دليل الحدوث فيها وأن وراءها محدثا أحدثها، وصانعا صنعها، ~~ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم ~~لقومه: هذا ربي إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولا، ثم إبطال قولهم ~~بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم. # PageV04P402 # قال الزمخشري: قول إبراهيم ذلك. هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. ~~يحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى ms1905 إلى الحق، وأنجى من ~~الشغب. ثم يكر عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة. # فلما أفل أي: غاب، قال لا أحب الآفلين أي: لا أحب عبادة من كان كذلك، فإن ~~الأفول دناءة تنافي الإلهية، بل تمنع من الميل إلى صاحبها، فضلا عن اتخاذه ~~إلها أو معبودا، فضلا عما يفتقر إليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 77] # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) # فلما رأى القمر بازغا أي: طالعا منتشر الضوء قال هذا ربي على الأسلوب ~~المتقدم فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فإن ما ~~رأيته لا يليق بالإلهية لدناءته بمحوه. # قال الزمحشري: وفيه تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها، وهو نظير ~~الكواكب في الأفول، فهو ضال. وأن الهداية إلى الحق بتوفيق الله تعالى ~~ولطفه. # وفي (الانتصاف) : التعريض بضلالهم ثانيا أصرح وأقوى من قوله أولا لا أحب ~~الآفلين وإنما ترقى إلى ذلك، لأن الخصوم قد أقامت عليه، بالاستدلال الأول، ~~حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ~~ولا يصغون إلى الاستدلال. فما عرض صلوات الله عليه بأنهم في ضلالة، إلا بعد ~~أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود، واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك ~~أنه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم، والتقريع بأنهم على ~~شرك حين تم قيام الحجة، وتبلج الحق، وبلغ من الظهور غاية المقصود. كما قال ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 78] # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون (78) # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي على نحو ما تقدم، وتذكير اسم الإشارة ~~لتذكير الخبر، أو لأنه أراد: هذا الطالع، أو الذي أراه، أو لصيانة الرب عن ~~شبهة # PageV04P403 # التأنيث، ليستدرجهم. إذ لو حقر بوجه ما كان سببا لعدم إصغائهم- وعلى ~~الأخير اقتصر المهايمي- فقال: لم يؤنثه لئلا يعارض عظمته نقص الأنوثة، ms1906 ولو ~~غير حقيقية، وهي وإن كانت في الواقع لم يأت بها لفظا، لأنه قصد بذلك مساعدة ~~الخصم أولا. # وقوله تعالى: هذا أكبر أي: أكبر الكواكب جرما، وأعظمها قوة، فهو أولى ~~بالإلهية. وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار النصفة، مع ~~إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من ~~الأصغر. # فلما أفلت قال صادعا بالحق: يا قوم إني بريء مما تشركون أي من الأجرام ~~المحدثة المتغيرة من حالة إلى أخرى، أو من إشراككم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 79] # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) # إني وجهت وجهي أي: وجهت قلبي وروحي في المحبة والعبادة، بل جعلته مسلما ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا أي: مائلا عن الأديان الباطلة، والعقائد ~~الزائغة، وما أنا من المشركين. # وفي هذا المقام: ### | مباحث: # الأول- توسع المفسرون هنا في قوله: هذا ربي. # فمن قائل بأن المتكلم بهذا آزر، وأنه لما قال ذلك، قال إبراهيم لا أحب ~~الآفلين. # وقيل: إنه إبراهيم. وكان ذلك في حال الطفولية، قبل استحكام النظر في ~~معرفة الله تعالى لقوله: لئن لم يهدني ربي ... إلخ. # وقيل: بعد بلوغه وتكريمه بالرسالة. إلا أنه أراد الاستفهام الإنكاري، ~~توبيخا لقومه، فحذف الهمزة، ومثله كثير. # وقيل: على إضمار القول أي: يقولون هذا ربي، وإضمار القول كثير. # وقيل: المعنى في زعمكم واعتقادكم. # PageV04P404 # وقيل: الإخبار على سبيل الاستهزاء ... إلى أقوال أخر. # والقصد في ذلك تنزيه مقامه عليه الصلاة والسلام عن الشك والحيرة، واعتقاد ~~ربوبية ذلك، لمنافاته للعصمة. # وأقول: هذا مسلم بلا ريب، ولكن الأوجه من جميع ذلك كله ما أسلفناه أولا ~~من أن قوله: هذا ربي من باب استعمال النصفة مع الخصوم، على سبيل الوضع، وهو ~~سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها، لكونها مسلمة عند غيره، لأجل إلزامه بها. # وهو مصطلح أهل الجدل. وقد اقتصر الزمخشري على هذا الوجه الفريد. # قال الناصر في (الانتصاف) : وذلك متعين. وقد ورد في الحديث الوارد في ~~الشفاعة «1» أنهم ms1907 يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيلتمسون منه ~~الشفاعة، فيقول: # نفسي! نفسي! ويذكر كذباته الثلاث، ويقول: لست لها، يريد قوله لسارة هي ~~أختي، وإنما عنى: في الإسلام، وقوله: إنه سقيم، وإنما عنى همه بقومه ~~وبشركهم والمؤمن يسقمه ذلك- وقوله: بل فعله كبيرهم، وقد ذكرت فيه وجوه من ~~التعريض. فإذا عد صلوات الله عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات، مع العلم ~~بأنه غير مؤاخذ بها، دل ذلك على أنها أعظم ما صدر منه. فلو كان الأمر على ~~ما يقال، من أن هذا الكلام محكي عنه على أنه نظره لنفسه، لكان أولى أن ~~يعده، وأعظم، مما ذكرناه. لأنه حينئذ يكون شكا، بل جزما. على أن الصحيح أن ~~الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك، انتهى. # وقال الحافظ ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو ~~مناظرة؟ فروى ابن جرير» # من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر. واختاره ابن ~~جرير مستدلا عليه بقوله: لئن لم يهدني ربي الآية. وقال محمد بن إسحاق قال ~~ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه من نمروذ بن ~~كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل ~~الغلمان عامئذ. فلما حملت أم إبراهيم به، وحان وضعها، ذهبت إلى سرب، ظاهر ~~البلدة، فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك. وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ~~ذكرها غيره من المفسرين. PageV04P405 # ثم قال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا ~~المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل ~~والأصنام، فبين، في المقام الأول مع أبيه، خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، ~~التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا له إلى الخالق العظيم الذي هم ~~عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا ~~لهم عنده في الرزق، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم ~~وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة. ms1908 وأشد هن إضاءة ~~وأشرفهن عندهم، الشمس ثم القمر ثم الزهرة. فبين أولا صلوات الله وسلامه ~~عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ ~~عنه، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام، خلقها الله منيرة، لما ~~له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين ~~المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا ~~المنوال. وهذه لا تصلح للإلهية. ثم بين في القمر ما بين في النجم، ثم الشمس ~~كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع ~~عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، تبرأ من عبادتهن وموالاتهن، وأخبر ~~بأنه يعبد خالقهن ومسخرهن. # ثم قال ابن كثير: وكيف يجوز أن يكون ناظرا في هذا المقام، وهو الذي قال ~~الله في حقه: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون [الأنبياء: 51- 52] . وقال ~~تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا ~~لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم [النحل: 120- 121] . # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة. # وفي صحيح مسلم «2» عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~قال الله PageV04P406 # تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء # . وقال تعالى: فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وقال ~~تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172] . ومعناه، على أحد القولين، كقوله: فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون ~~إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ~~ناظرا في هذا المقام؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية ~~المستقيمة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1909 بلا شك ولا ريب. # ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك، ~~لا ناظرا، قوله تعالى: وحاجه قومه.. الآية الآتية. انتهى. # وممن جود هذا المبحث الجليل، وبين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان ~~مناظرا لقومه، العلامة الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) ، ونحن نسوقه ~~عنه تأييدا لهذا البحث المهم، وتعرفا بمعتقد قومه، وما دفعهم إليه، لما فيه ~~من الفوائد. # قال رحمه الله تحت ترجمة (أصحاب الهياكل والأشخاص) : هؤلاء من فرق ~~الصابئة (وهم المتعصبون للروحانيين) ، وقد أدرجنا مقالتهم في المناظرات ~~جملة، ونذكرها هاهنا تفصيلا: # اعلم أن أصحاب الروحانيات، لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد ~~للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه للتقرب به، ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل ~~التي هي السيارات السبع، فتعرفوا أولا بيوتها ومنازلها، وثانيا مطالعها ~~ومغاربها، وثالثا اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة، مرتبة على ~~طبائعها، ورابعا تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسا تقدير الصور ~~والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها، فعملوا الخواتيم، وتعلموا العزائم ~~والدعوات، وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت، وراعوا فيه ساعته الأولى، ~~وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وصفته، ولبسوا اللباس الخاص به، وبخروا ~~ببخوره الخاص، ودعوا بدعواته الخاصة، وسألوا حاجتهم منه، الحاجة التي ~~تستدعى من زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به. # وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته، وجميع الإضافات ~~التي ذكرنا إليه. وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب. وكانوا يسمونها: أربابا ~~آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة. ومنهم من جعل الشمس إله ~~الالهة ورب # PageV04P407 # الأرباب، فكانوا يتقربون إلى الهياكل، تقربا إلى الروحانيات- يعني ~~الملائكة- ويتقربون إلى الروحانيات، تقربا إلى البارئ تعالى، لاعتقادهم بأن ~~لكل روحاني هيكلا، ولكل هيكل فلكا، فالهياكل أبدان الروحانيات، ونسبتها إلى ~~الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون بحياة ~~الروحانيات، وهي أربابها ومدبراتها، تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا ~~وتحريكا، كما يتصرف في أبداننا. ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى ~~روحه. ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ms1910 ما كان يقضي ~~منهم العجب. وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتختيم ~~والتعزيم والخواتيم والصور، كلها من علومهم. وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: ~~إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت ~~هي الوسائل، لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق ~~القرب إليها إلا بهياكلها، ولكن الهياكل قد ترى في وقت، ولا ترى في وقت، ~~لأن لها طلوعا وأفولا، وظهورا بالليل، وخفاء بالنهار، فلم يصف لنا التقرب ~~بها، والتوجه إليها، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب ~~أعيننا، فنعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ~~ونتقرب بالروحانيات إلى الله تعالى، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ~~فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل، ~~وراعوا في ذلك جوهر الهيكل، أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره، وصوروه ~~بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه، وراعوا في ذلك الزمان والوقت ~~والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية، من اتصال محمود يؤثر في ~~نجاح المطالب التي تستدعي منه، فتقربوا إليه في يومه وساعته، وتبخروا ~~بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه، ولبسوا ثيابه، وتضرعوا بدعائه، وعزموا ~~بعزائمه، وسألوا حاجتهم منه، فيقولون: كان تقضى حوائجهم بعد رعاية هذه ~~الإضافات كلها، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنه أنهم عبدة الكواكب والأوثان، ~~فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيتها- كما شرحنا- وأصحاب ~~الأشخاص هم عبدة الأوثان، إذ سموها آلهة في مقابلة آلهة أولئك السماوية، ~~وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: 18] . وقد ناظر الخليل عليه الصلاة ~~والسلام هذين الفريقين، فابتدأ بكسر مذهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم. ~~وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله: أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما ~~تعملون. ولما كان أبوه آزر هو أعلم # PageV04P408 # القوم. بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، ~~ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام، لا من غيره، كان أكثر الحجج معه، وأقوى ms1911 ~~الإلزامات عليه إذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك ~~في ضلال مبين وقال: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا # [مريم: 42] لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم، حتى عملت أصناما في ~~مقابلة الأجرام السماوية فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها ~~سمعا وبصرا، وأن تغني عنك، وتضر وتنفع، وإنك بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها، ~~لأنك خلقت سميعا بصيرا ضارا نافعا، والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا ~~المتخذ تكلفا، والمعمول تصنعا، فيا لها من حيرة، إذ صار المصنوع بيديك، ~~معبودا لك، والصانع أشرف من المصنوع. يا أبت لا تعبد الشيطان يا أبت إني قد ~~جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا قال أراغب أنت عن آلهتي ~~يا إبراهيم [مريم: 44- 46] . لم يقبل حجته القولية. فعدل عليه الصلاة ~~والسلام إلى الكسر بالفعل، فجعلهم جذاذا، إلا كبيرا لهم قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين [الأنبياء: 59] . قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم ~~إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على ~~رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [الأنبياء: 63- 65] . فأفحمهم بالفعل حيث ~~أحال الفعل على كبيرهم، كما أفحمهم بالقول، حيث أحال الفعل منهم، وكل ذلك ~~على طريق الإلزام عليهم، وإلا # فما كان الخليل كاذبا قط، ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل كما أراه ~~الله تعالى الحجة على قومه، قال: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفا له على ~~الروحانيات وهياكلها، وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريرا أن ~~الكمال في الرجال، فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام بل فعله كبيرهم ~~هذا وإلا فما كان الخليل كاذبا في هذا القول، ولا مشركا في تلك الإشارة، ثم ~~استدل بالأفول والزوال والتغير والانتقال، بأنه لا يصلح أن يكون ربا إلها، ~~فإن الإله ms1912 القديم لا يتغير، وإذا تغير فاحتاج إلى مغير، وهذا لو اعتقدتموه ~~ربا قديما وإلها أزليا، ولو اعتقدتموه واسطة وقبلة وشفيعا ووسيلة، فالأفول ~~والزوال أيضا، يخرجه عن الكمال. وعن هذا ما ما استدل عليه بالطلوع، وإن كان ~~الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول، فإنهم إنما انتقلوا إلى الأشخاص، لما ~~عراهم من التحير بالأفول، فأتاهم # PageV04P409 # الخليل عليه الصلاة والسلام من حيث تحيرهم، فاستدل عليهم بما اعترفوا ~~بصحته، وذلك أبلغ في الاحتجاج. ثم فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين # . فيا عجبا! من لا يعرف ربا كيف يقول: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين؟ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، ~~والواصل إلى الغاية والنهاية، كيف يكون في مدارج البداية؟ دع هذا كله خلف ~~قاف، وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فإن الموافقة في العبارة على طريق ~~الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج. # وعن هذا قال: فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر لاعتقاد القوم ~~أن الشمس ملك الفلك، وهو رب الأرباب الذي يقتبسون منه الأنوار، ويقبلون منه ~~الآثار فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قرر مذهب الحنفاء، وأبطل مذهب ~~الصابئة، وبين أن الفطرة هي الحنيفية، وأن الطهارة فيها، وأن الشهادة ~~بالتوحيد مقصورة عليها، وأن النجاة والخلاص متعلقة بها، وأن الشرائع ~~والأحكام مشارع ومناهج إليها، وأن الأنبياء والرسل مبعوثة لتقريرها ~~وتقديرها، وأن الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، منوطة بتلخيصها ~~وتحريرها. ذلك الدين القيم، والصراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك ~~اللائح. انتهى كلام الشهرستاني رحمه الله تعالى. وإنما نقلت كلامه برمته، ~~لأنه كما قيل: # وما محاسن شيء كله حسن # وقد قدم رحمه الله الكلام على أصحاب الروحانيات الصابئة، وأتبعها بمناظرة ~~بديعة جرت بينهم وبين الحنفاء، بما تفيد مراجعته فائدة كبرى. فجزاه الله ~~خيرا. # الثاني- تبين مما ذكره الشهرستاني أن سر احتجاج الخليل ms1913 عليه الصلاة ~~والسلام بالأفول دون البزوغ، مع كون كل منهما منافيا لاستحقاق معروضه ~~للربوبية- هو إتيانهم من حيث تحيرهم، إلزاما لهم بما يعترفون بصحته. # وقال أبو السعود: لما كان البزوغ حالة موجبة لظهور الآثار والأحكام، ~~ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة- عدل عنه إلى الأفول، لأنه حالة مقتضية ~~لانطماس الآثار، وبطلان الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاة بينة، ~~يكاد يعترف بها كل مكابر عنيد. انتهى. وهو لطيف إلا أن الأول أسد. # الثالث- لو قيل: إن الأفول، لما كان يمنع من استحقاق معروضه لصفة # PageV04P410 # الربوبية على ما ذكرنا، وقد ثبت ذكر في أكبر الكواكب- (أعني الشمس) - ~~فلزم ثبوته فيما دونها بالأولى- فهلا اقتصر على أفول الشمس رعاية للإيجاز ~~والاختصار؟ # أجيب: بأن الأخذ من الأدنى فالأدنى، إلى الأعلى فالأعلى، له نوع تأثير في ~~التقرير والبيان والتأكيد، لا يحصل من غيره، فكان سوق الاستدلال على هذا ~~الوجه أولى- أفاده الرازي- الرابع- قال الرازي: تدل هذه الآية على أن الدين ~~يجب أن يكون مبنيا على الدليل، لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال ~~فائدة البتة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 80] # وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) # قوله تعالى: وحاجه قومه أي جادلوه، وأرادوا مغالبته بالحجة، فيما ذهب ~~إليه من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، تارة بأدلة فاسدة واقفة في حضيض ~~التقليد، وأخرى بالتخويف، وقد أشير إلى جواب كل منهما. قال أتحاجوني في ~~الله وقد هدان أي: أتجادلونني في توحيده، وقد هداني لإقامة الحجج، ورفع ~~الشبه على نفي إلهية ما سواه، وقد ثبت أنها ناقصة في ذواتها، فكمالاتها من ~~غيرها، ولا إلهية للناقص بالذات، لأن كماله لا يكون مطلقا، و (تحاجوني) ~~بإدغام نون الجمع في نون الوقاية، وقرئ بحذف الأولى. # وقوله تعالى: ولا أخاف ما تشركون به أي لا أخاف معبوداتكم، لأنها جمادات ~~لا تضر بنفسها ولا تنفع، وهو جواب عما خوفوه عليه الصلاة والسلام في أثناء ~~المحاجة من إصابة مكروه ms1914 من جهة أصنامهم، كما قال لهود عليه السلام قومه: إن ~~نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 54] . وتخويفهم، وإن لم يسبق له ~~ذكر، لكنه فهم من قوله: ولا أخاف. # وقال ابن كثير: أي ومن الدليل على بطلان قولكم إن هذه المعبودات لا تؤثر ~~شيئا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا ~~تنظرون. انتهى. # إلا أن يشاء ربي شيئا أي: من إصابة مكروه بي من جهتها، وذلك إنما هو من ~~جهته تعالى، من غير دخل لمعبوداتكم فيه أصلا. # وفي (الانتصاف) : غاية خوف إبراهيم منها. المعلق على مشيئة الله تعالى # PageV04P411 # لذلك، خوف الضرر عندها بقدرة الله تعالى، لا بها، وكأنه في الحقيقة لم ~~يخف إلا من الله، لأن الخوف الذي أثبته منها معلق بمشيئة الله وقدرته، وهو ~~كالخوف منها- والله أعلم-. # وقوله تعالى: وسع ربي كل شيء علما كأنه علة الاستثناء، أي: أحاط بكل شيء ~~علما. فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها، أي: كرجمه ~~بالنجوم. لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله، أشعر بجواز وقوعه. وفي الإظهار ~~في موضع الإضمار، مع التعرض لعنوان الربوبية، إظهار منه عليه الصلاة ~~والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى، واستسلام لأمره، واعتراف بكونه تحت ~~ملكوته وربوبيته. # هذا، وجعل المهايمي ذلك علة لاستدراك محذوف، لعلمه من المقام، حيث قال في ~~الآية: ولا أخاف الضرر على نفسي من تأثير ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي أن ~~يجعل لهم شيئا من التأثير، لكنه لا يشاء في شأني، لأنه وسع ربي كل شيء علما ~~فعلم أنه لو أوجد التأثير فيهم بما يضرون به من بعثه لتوحيده، صار محجوبا ~~انتهى- والأول أقرب-. # أفلا تتذكرون أي: تعتبرون بأن هذه المعبودات جمادات، لا تضر ولا تنفع، ~~وأن النافع الضار هو الذي خلق السموات والأرض. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 81] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) # وكيف ms1915 أخاف ما أشركتم أي: معبوداتكم، وهي مأمونة الخوف، ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به، أي: بإشراكه عليكم سلطانا أي: حجة. # إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة. والمعنى: وما لكم تنكرون علي الأمن ~~في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهولها ~~فأي الفريقين أي: فريقي الموحدين والمشركين، أحق بالأمن أي: من لحوق الضرر، ~~إن كنتم تعلمون أي: ما يحق أن يخاف منه. أو من أحق بالأمن أو من أولي ~~العلم؟ وجواب الشرط محذوف. أي: فأخبروني. # ثم بين تعالى من له الأمن، جوابا عما استفهم عنه الخليل عليه السلام ~~بقوله: # PageV04P412 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 82] # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، كما يفعله الفريق ~~المشركون حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل، وأن عبادتهم للأصنام من ~~تتمات إيمانكم وأحكامه، لكونها لأجل التقريب والشفاعة، كما قالوا ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر: 3] . وهذا معنى اللبس- أفاده أبو ~~السعود- وسيأتي زيادة لذلك. # أولئك لهم الأمن يوم القيامة وهم مهتدون أي: إلى الحق، ومن عداهم في ~~ضلال. # روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله قال: لما نزلت ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: ~~13] . - هذا لفظ رواية البخاري-. # ولفظ رواية الإمام أحمد عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله! فأينا لا ~~يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح يا ~~بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم؟ إنما هو الشرك. # أقول: هذه الرواية توضح رواية البخاري السابقة- أعني: قول ابن مسعود: # فنزلت إن الشرك.. إلخ- من جهة أن النزول أريد به تفسير الآية، لا سبب ~~نزولها، وهو اصطلاح الصحابة والتابعين دقيق، ينبغي التنبه له. وقد أشرنا له ~~في المقدمة. فجدد به ms1916 عهدا. # ولابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال: بشرك. # قال: وروي عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب وسلمان وحذيفة وابن عباس وابن عمر ~~وعمرو بن شرحبيل وأبي عبد الرحمن السلمي ومجاهد وعكرمة والنخعي والضحاك ~~وقتادة والسدي، وغير واحد نحو ذلك. نقله ابن كثير. وبالجملة، فلا يعلم ~~مخالف من الصحابة والتابعين في تفسير (الظلم) هنا بالشرك، وقوفا مع الحديث ~~الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية الموضح بعضها لما أبهم في بعض. # وتعرف تلك القاعدة من مثل هذا الحديث يكشف غمة أوهام كثيرة. ولو قيل: لا # PageV04P413 # يلزم من قوله: إن الشرك لظلم عظيم أن غير الشرك لا يكون ظلما، يجاب: بأن ~~التنوين في (بظلم) للتعظيم، فكأنه قيل: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم. ولما ~~تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد: لم يلبسوا إيمانهم بشرك، أو أن ~~المتبادر من المطلق أكمل أفراده- كذا في العناية-. # قال الرازي: والدليل على أن هذا هو المراد، أن هذه القصة من أولها إلى ~~آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات ~~والعبادات، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك. ### | تنبيه: # حيث علم أن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فسر الآية بما تقدم فليعض ~~عليه بالنواجذ وأما ما هذى به الزمخشري من قوله في تفسير الآية: أي لم ~~يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر، لفظ (اللبس) أي: ~~لأن لبس الإيمان بالشرك أي: خلطه به، مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا ~~يجتمعان- على زعمه- فمدفوع بأنه يلابسه. لأنه إن أريد بالإيمان مطلق ~~التصديق، سواء كان اللسان أو غيره، فظاهر أنه يجامع الشرك كالمنافق. وكذا ~~إن أريد تصديق القلب، لجواز أن يصدق بوجود الصانع، دون وحدانيته، لما في ~~قوله تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [يوسف: 106] . وهو ما ~~أشير إليه قبل. ولو أريد التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن ~~الكفر، فلا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما، بحيث يصدق عليه أنه ~~مؤمن ومشرك، بل ms1917 تغطيته بالكفر، وجعله مغلوبا مضمحلا، أو اتصافه بالإيمان، ~~ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر مرارا، وبعد تسليم ما ذكر، فاختصاص الأمن ~~بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين ذلك، متوقعين ~~للاحتمال، ورجحان جانب الوقوع- كذا في (شرح الكشاف) . # وفي (الانتصاف) : إنما يروم الزمخشري بذلك تنزيله على معتقده، في وجوب ~~وعيد العصاة، وأنهم لا حظ لهم في الأمن كالكفار. ويجعل هذه الآية تقتضي ~~تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين: الإيمان والبراءة من المعاصي. ونحن ~~نسلم ذلك، ولا يلزم أن يكون الخوف اللاحق للعصاة، هو الخوف اللاحق للكفار، ~~لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون العذاب المؤقت، وهم آمنون من الخلود. ~~وأما الكفار فغير آمنين بوجه ما. انتهى. # PageV04P414 # وأما قوله المعتزلة: حديث عبد الله المتقدم- إن صح- يكون خبر واحد، في ~~مقابلة الدليل القطعي، ومثله لا يعمل به- فالجواب: بأنه صح بلا ريب، لتخريج ~~الشيخين له. # وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل # وقولهم: في مقابلة الدليل القطعي، بهتان عظيم. ويا لله العجب من هؤلاء، ~~قابلوا السنة الصحيحة بكناسة الرأي، ولم يستحيوا من الله تعالى ورسوله في ~~هذه المخالفة، فأين تذهب به عقولهم؟ إلى الحق أم إلى الباطل؟ ولكن كما قال ~~ابن سهل: # فما أضيع البرهان عند المقلد # هذا، # وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله! ~~والذي بعثك بالحق! لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي، لأهتدي بهداك، وآخذ من ~~قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فاعرض علي. فعرض عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل. فازدحمنا حوله، فدخل خف بكره في بيت ~~جرذان، فتردى الأعرابي، فانكسرت عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صدق! والذي بعثني بالحق! لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي، ~~ويأخذ من قولي، وما بلغني حتى ما له من طعام إلا من خضر الأرض. أسمعتم ~~بالذي علم قليلا وأجر ms1918 كثيرا؟ هذا منهم! أسمعتم ب الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم. # وفي لفظ قال: هذا عمل قليلا وأجر كثيرا. # وروى نحو الإمام أحمد «1» عن جرير بن عبد الله مطولا، وفيه بيان قوله: ~~فاعرض علي، ولفظه: ما الإيمان؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: قد ~~أقررت ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 83] # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم (83) # قوله تعالى: وتلك أي: الدلائل المشار إليها في قوله أتتخذ أصناما ~~PageV04P415 # إلى هاهنا حجتنا أي: التي لا يمكن نقضها آتيناها إبراهيم أي: # أرشدناه إليها، وعلمناه إياها، بلا واسطة معلم على قومه متعلق ب حجتنا إن ~~جعل خبر تلك، وبمحذوف إن جعل بدله، أي: آتيناها حجة ودليلا على قومه ~~الكثيرين، ليغلب وحده. # نرفع درجات من نشاء يعني: في العلم والحكمة، وقرئ بالتنوين. إن ربك حكيم ~~في رفعه وخفضه، عليم بحال من يرفعه واستعداده له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 86] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) # ووهبنا له أي: لإبراهيم عوضا عن قومه، لما اعتزلهم وما يعبدون، إسحاق ~~ويعقوب أي ولدا، وولد ولد، لتقر عينه ببقاء العقب كلا هدينا أي: كلا منهما ~~هديناه الهداية الكبرى، بلحوقهما بدرجة أبيهما في النبوة، كما قال تعالى: ~~فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا ~~نبيا [مريم: 49] . # قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، وذلك بعد أن طعن في ~~السن، وأيس وامرأته سارة، من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم ~~لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك: قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز ~~وهذا ms1919 بعلي شيخا، إن هذا لشيء عجيب [هود: 72] . قالوا أتعجبين من أمر الله، ~~رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد [هود: 73] فبشروهما ~~فتعجبت، وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال تعالى: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [الصافات: 112] . وهذا أكمل في البشارة، ~~وأعظم في النعمة. وقال: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [هود: 71] . ~~أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، ~~وإن الفرح بولد الولد شديد، لبقاء النسل والعقب. ولما كان ولد الشيخ # PageV04P416 # والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به، وبولد اسمه يعقوب، ~~الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكانت هذه المجازاة لإبراهيم عليه السلام ~~حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم، ذاهبا إلى عبادة الله ~~في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين، من صلبه، على ~~دينه، لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون.. [مريم: 49] ~~. الآية. # ونوحا هدينا من قبل أي: من قبله، هديناه كما هديناه. وعد هداه نعمة على ~~إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد. # قال ابن كثير: كل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن الله ~~تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل ~~الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته. وأما الخليل إبراهيم عليه ~~السلام، فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب [العنكبوت: 27] الآية. وقال تعالى: ولقد ~~أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب [الحديد: 26] . ~~وقال تعالى: أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا، إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا [مريم: 58] . # وقوله تعالى: ومن ذريته الضمير لإبراهيم أو لنوح، على ما يأتي، داود عطف ~~على نوحا أي: وهدينا داود، وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ms1920 ~~المحسنين. # وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. # وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين. # اعلم أن المقصود من هذه الآيات، وما قبلها، وما يلحقها، تعديد أنواع نعم ~~الله تعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، جزاء اعتزاله قومه وما ~~يعبدون، وقيامه بنصرة التوحيد، ودحض الشرك. فذكر تعالى أولا رفع درجته، ~~بإيتائه الحجة على قومه، وتخصيصه بها، ثم جعله عزيزا في الدنيا، حسبا ~~ونسبا، أصلا وفرعا، لأنه تولد من نوح أول المرسلين رسالة عامة، ووهبت له ~~الذرية الطاهرة، أنبياء البشر. ولذا ذهب الأكثرون إلى أن الضمير في ومن ~~ذريته لإبراهيم، لأن مساق النظم لبيان شؤونه العظيمة، كأنه قيل: ولم نزل ~~نرفع درجاته بعد ذلك إذ هدينا من ذريته داود.. # PageV04P417 # إلخ، فهو المقصود بالذكر في هذه الآيات. وذكر نوح عليه السلام، لأن كون ~~إبراهيم من أولاده أحد موجبات رفعته كما تقدم. والغاية هي إلزام من ينتمي ~~إليه من المشركين. # ولا يقال: إن لوطا ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه، لأنه يقال: إن ~~العرب تجعل العم أبا، كما أخبر تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا: نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] ، مع أن إسماعيل عم ~~يعقوب، ودخل في آبائه تغليبا. # وقال محي السنة رحمه الله تعالى: ومن ذريته أي: ذرية نوح صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يرد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأنه ذكر في جملتهم ~~يونس صلى الله عليه وسلم، وكان من الأسباط، في زمن شعياء، أرسله الله تعالى ~~إلى أهل نينوى من الموصل. # وقال: إن لوطا عليه السلام كان ابن أخي إبراهيم عليه السلام، آمن ~~بإبراهيم، وشخص معه مهاجرا إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم. # ومن قال: الضمير لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، يقدر: ومن ذرية إبراهيم ~~وداود وسليمان هدينا. لأن إبراهيم هو المقصود بالذكر. وذكر نوح لتعظيم ~~إبراهيم. ولذلك ختم بيونس ولوط، وجعلهما معطوفين على نوحا هدينا من عطف ~~الجملة على الجملة. وصاحب (الكشف) أخرج (إلياس) صلى الله عليه وسلم. وليس ~~كذلك. لما في ms1921 (جامع الأصول) عن الكسائي، أنهما من ذريته. فبقي لوط خارجا، ~~لما كان ابن أخيه آمن به، وهاجر معه، أمكن أن يجعل من ذريته على سبيل ~~التغليب- كما ذكره الطيبي-. # وبالجملة، فالآية المذكورة من المنن على إبراهيم على كلا الوجهين، لأن ~~شرف الذرية، وشرف الأقارب شرف، لكنه على الأول أظهر، ويكون تطرية في مدح ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالعود إليه مرة بعد أخرى. ### | تنبيهات: # الأول- قال الحافظ ابن كثير: في ذكر عيسى عليه السلام، في ذرية إبراهيم ~~أو نوح (على القول الآخر) دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن ~~انتساب عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم عليهما السلام، وقد روى ابن أبي حاتم ~~أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ~~ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى ~~آخره فلم أجده؟! قال: أليس تقرأ سورة الأنعام ومن ذريته داود وسليمان ... ~~حتى بلغ: ويحيى وعيسى قال: # PageV04P418 # بلى! قال: أليس من ذرية إبراهيم، وليس له أب؟ قال: صدقت! فلهذا إذا أوصى ~~الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. فأما إذا ~~أعطى الرجل بنيه، أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، ~~واحتجوا بقول الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم، لما # ثبت في صحيح البخاري «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن بن ~~علي: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين # . فسماه (ابنا) فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز: انتهى. # وفي (العناية) : أورد على الاستدلال بتناول الذرية أولاد البنت من هذه ~~الآية، بأن عيسى عليه السلام ليس له أب يصرف إضافته إلى الأم إلى نفسه، فلا ~~يظهر قياس غيره عليه. والمسألة مختلف فيها، والقائل بها استدل بهذه الآية، ~~وآية المباهلة، حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ms1922 رضي الله ~~عنهما بعد ما نزل: ندع أبناءنا وأبناءكم [آل عمران: 61] . إن لم نقل إنه من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم. انتهى. # الثاني- إنما لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، بل أخر ذكره عنه، ~~لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ~~ويعقوب، وأما إسماعيل فلم يخرج من صلبه من الأنبياء إلا خاتمهم وأفضلهم صلى ~~الله عليه وسلم. ولا يقتضي المقام ذكره صلى الله عليه وسلم لأنه أمر أن ~~يحتج على العرب في نفي الشرك بأن إبراهيم لما ترك قومه وما يعبدون إلى ~~عبادة الله وحده، رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومنها إيتاؤه ~~أولادا أنبياء. فإذا كان المحتج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ~~يذكر في هذا المعرض. ولهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق- أفاده الرازي-. # الثالث- اعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من الأنبياء عليهم ~~السلام من PageV04P419 # غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل، لأن الواو لا تقتضي الترتيب. # ولكن هنا لطيفة في هذا الترتيب، وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا ~~وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء، وإليهم ترجع أنسابهم جميعا. ~~ثم من المراتب المعتبرة، بعد النبوة، الملك والقدرة والسلطان. وقد أعطى ~~الله داود وسليمان من ذلك حظا وافرا. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء ~~والمحن والشدائد، وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام. ثم عطف على هاتين ~~المرتبتين من جمع بينهما، وهو يوسف عليه السلام، فإنه صبر على البلاء ~~والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة، ثم من المراتب المعتبرة في ~~تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات، وقوة البراهين، وقد خص الله ~~موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر. ثم من المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا، ~~والإعراض عنها، وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليهم السلام، ~~ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين، ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء، ~~من لم يبق ms1923 له أتباع ولا شريعة، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. فإذا ~~اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه، كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر، ~~والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه- أفاده الخازن وأصله للرازي-. # الرابع- استدل بقوله تعالى: وكلا فضلنا على العالمين من يرى أن الأنبياء ~~أفضل من الملائكة. لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه ~~الملك. # الخامس- نكتة ذكر (الهداية) في قوله تعالى كلا هدينا هو تعديد النعم على ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم بشرف الأصول والفروع- كما أسلفنا- والولد لا ~~يعد نعمة ما لم يكن مهديا. # السادس- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: كلا هدينا ونوحا ~~هدينا من أنكر إفادة التقديم الحصر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 87] # ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) # ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم عطف على كلا أو نوحا أي: كلا منهم فضلنا، ~~وفضلنا بعض آبائهم، أو هدينا من آبائهم ومن معهم للدين الخالص جماعات ~~كثيرة، فالمفعول محذوف. واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم # PageV04P420 # أي: في الاعتقادات والأخلاق والأعمال، فجعلت لهم هذه الفضائل أيضا، ولحقت ~~إبراهيم، فازداد ارتفاع درجاته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 88] # ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) # ذلك هدى الله إشارة إلى ما دانوا به، يهدي به من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا أي: هؤلاء مع عظمتهم لحبط عنهم ما كانوا يعملون من الأعمال المرضية. ~~فكيف بمن عداهم؟ # قال ابن كثير: فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، ~~كقوله تعالى: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك.. ~~[الزمر: 65] . وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: قل إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين [الزخرف: 81] . وكقوله تعالى: لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين # [الأنبياء: 17] . وكقوله: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء، سبحانه، هو الله الواحد القهار [الزمر: 4] . ### | القول في تأويل قوله ms1924 تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 89] # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) # أولئك إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر، والمعطوفين عليهم، ~~باعتبار اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها. الذين آتيناهم الكتاب أي: # جنس الكتاب المتحقق في ضمن أي فرد كان من أفراد الكتب السماوية. والمراد ~~ب (إيتائه) ؟ التفهيم التام بما فيه من الحقائق. والتمكين من الإحاطة ~~بالجلائل والدقائق، أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء، أو بالإيراث بقاء. ~~فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين- أفاده أبو السعود-. # والحكم أي: الحكمة، أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق والصواب، والنبوة ~~قال البيضاوي وأبو السعود: أي الرسالة. قال الخفاجي: النبوة وإن كانت # PageV04P421 # أعم، إلا أن المراد بها ما يشمل الرسالة، لأن المذكورين رسل. انتهى. # فإن يكفر بها أي: بهذه الثلاثة، هؤلاء يعني: قريشا، فإنهم بكفرهم برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن، كافرون بما يصدقه جميعا، ~~فقد وكلنا بها أي: وفقنا للإيمان بها، قوما ليسوا بها بكافرين وهم الأنبياء ~~عليهم السلام، المذكورين وأتباعهم. أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وهو ~~الأظهر- في مقابلة كفار قريش. # أي: فإن في إيمانهم غنية عن إيمان الكفرة بها. وفي التكنية عن توفيقهم ~~للإيمان بها، بالتوكيل الذي أصله الحفظ للشيء، ومراعاته- إيذان بفخامتها ~~وعلوها، وأنه مما ينبغي أن يقدر قدرها قياما بحق الوكالة، وعهد الاستحفاظ. # قال الرازي: دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه، ويقوي دينه، ويجعله ~~مستعليا على كل من عاداه، قاهرا لكل من نازعه. وقد وقع هذا الذي أخبر الله ~~تعالى عنه في هذا الموضع. فكان جاريا مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 90] # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) # أولئك إشارة إلى الأنبياء المذكورين الذين هدى الله أي: إلى الصراط ~~المستقيم فبهداهم اقتده أي: بطريقتهم في الإيمان بالله بالله وتوحيده، ~~والأخلاق ms1925 الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة، اعمل. ### | تنبيهات: # الأول- استدل بهذه الآية من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد ~~ناسخ. # الثاني- استدل بها ابن عباس رضي الله عنه على استحباب السجدة في (ص) ، ~~لأن داود عليه السلام سجدها، # رواه البخاري وغيره- ولفظ البخاري «1» : عن العوام، قال: سألت مجاهدا عن ~~سجدة (ص) ، فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ومن ذريته ~~داود وسليمان.. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فكان داود ممن أمر ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام فسجدها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV04P422 # الثالث- قال الرازي: احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وتقريره: أنا بينا ~~أن خصال الكمال، وصفة الشرف، كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، فداود وسليمان كانا ~~من أصحاب الشكر على النعمة، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء، ويوسف ~~كان مستجمعا لهاتين الحالتين، وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية ~~القاهرة، والمعجزات الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد، ~~وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس كان صاحب التضرع، فثبت أنه تعالى إنما ذكر ~~كل واحد من هؤلاء الأنبياء، لأن الغالب عليه خصلة معينة من خصال المدح ~~والشرف. ثم إنه تعالى لما ذكر الكل، أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن ~~يقتدي بهم بأسرهم، فكأنه أمر بأن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات ~~التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به، فثبت أنه ~~اجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، وثبت أنه أفضلهم. وهو استنباط حسن. # الرابع- اقتده يقرأ بسكون الهاء وإثباتها في الوقف دون الوصل، وهي على ~~هذا هاء السكت. ومنهم من يثبتها في الوصل أيضا لشبهها بهاء الإضمار. ومنهم ~~من يكسرها وفيه وجهان: أحدهما هي هاء السكت أيضا، شبهت بهاء الضمير، وليس ~~بشيء. الثاني هي هاء الضمير والمصدر أي: اقتد الاقتداء. ومثله: # هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا، إن ms1926 يلقها ذيب # (فالهاء) ضمير (الدرس) لا مفعول، لأن (يدرس) قد تعدى إلى (القرآن) . # وقيل: من سكن الهاء جعلها هاء الضمير، وأجرى الوصل مجرى الوقف- أفاده أبو ~~البقاء-. # وأما قول الواحدي: الذين أثبتوا الهاء راموا موافقة المصحف، فإن الهاء ~~ثابتة في الخط، فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل، فأثبتوا- فقد ~~قال الخفاجي: إنه مما لا ينبغي ذكره، لأنه يقتضي أن القراءة بغير نقل ~~تقليدا للخط. # فمن قاله فقد وهم. # قل لا أسئلكم عليه أجرا أي: على القرآن أو التبليغ. فإن مساق الكلام يدل ~~عليهما، وإن لم يجر ذكرهما، إن هو إلا ذكرى للعالمين أي: عظة وتذكير لهم ~~ليرشدوا من العمى إلى الهدى. ### | تنبيهان: # الأول- فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى جميع الخلق، ~~من الجن والإنس. # وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق. # PageV04P423 # الثاني- قال الخفاجي: قيل: الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم ~~وتبليغ الأحكام. قال: وللفقهاء فيه كلام. انتهى. # وعكس بعض مفسري الزيدية حيث قال: في هذا إشارة إلى أنه لا يجوز أخذ ~~الأجرة على تعليم العلوم، لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة. انتهى. # أقول: إن الآية على نفي سؤاله صلى الله عليه وسلم منهم أجرا، كي لا يثقل ~~عليهم الامتثال. # وأما استفاده الحل والتحريم منها، ففيه خفاء. والقائل بالأول يقول: ~~المعنى لا أسألكم جعلا تعففا. أي: وإن حل لي أخذه. وبالثاني: لا أسألكم ~~عليه أجرا لأني حظرت من ذلك. # قال ابن القيم: أما الهدية للمفتي، ففيها تفصيل: فإن كانت بغير سبب ~~الفتوى، كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت، فلا بأس بقبولها، والأولى ~~أن يكافأ عليها. وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا ~~يفتي به غيره ممن لا يهدي له، لم يجز له قبول هديته. لأنها تشبه المعاوضة ~~على الإفتاء. # وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجا إليه، جاز له ذلك. وإن كان ~~غنيا عنه، ففيه وجهان: وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة، وعامل اليتيم. فمن ~~ألحقه بعامل ms1927 الزكاة قال: النفع فيه عام، فله الأخذ. ومن ألحقه بعامل اليتيم ~~منعه من الأخذ. # وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع. وأما أخذ الأجرة ~~فلا يجوز، لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا يجوز المعاوضة عليه، ~~كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة. أو سئل عن حلال ~~أو حرام؟ فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعا، ويلزمه رد ~~العوض، ولا يملكه، انتهى. # وفي حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرءوا ~~القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به- ~~أخرجه الإمام أحمد «1» برجال الصحيح. وأخرجه أيضا البزار # وله شواهد-. # وأخرج أحمد «2» والترمذي- وحسنه- عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: من قرأ القرآن فليسأل الله تبارك وتعالى به، فإنه سيجيء قوم ~~يقرءون القرآن يسألون الناس به. PageV04P424 # وأخرج ابن ماجة «1» والبيهقي عن أبي بن كعب قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى ~~لي قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخذتها أخذت قوسا من ~~نار. # وهناك أحاديث أخر، ومنها استدل على حظر أخذ الأجرة على التعليم. # وأما أخذ الأجرة على التلاوة، ففي الصحيحين «2» عن عبد الله بن مسعود في ~~قصة اللديغ من # قوله صلى الله عليه وسلم: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا، كتاب الله، أصبتم ~~اقتسموا، واضربوا لي معكم سهما. # قال العلامة الشوكاني: حديث (أحق ما أخذتم عليه أجرا) عام يصدق على ~~التعليم، وأخذ الأجرة على التلاوة. لمن طلب من القارئ ذلك، وأخذ الأجرة على ~~الرقية، وأخذ ما يدفع إلى القارئ من العطاء، لأجل كونه قارئا، ونحو ذلك. ~~فيخص من هذا العموم تعليم المكلف، ويبقى ما عداه داخلا تحت العموم. وبعض ~~أفراد العام فيه، أدلة خاصة تدل على جوازه، كما دل العام على ذلك. فمن تلك ~~الأفراد أخذ الأجرة على الرقية، وتعليم المرأة في مقابلة مهرها. قال: هكذا ~~ينبغي تحرير الكلام في المقام، والمصير إلى الترجيح من ضيق ms1928 العطن. أي: لأنه ~~يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن، فكان الأحق- والله الموفق-. # ولما بين تعالى شأن القرآن العظيم، وأنه نعمة كبرى على العالمين، تأثره ~~ببيان كفرهم بذلك، على وجه سرى إلى الكفر بجميع الكتب المنزلة، فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 91] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) # وما قدروا الله حق قدره أي: ما عظموه حق تعظيمه وحق نصب على المصدرية، ~~وهو في الأصل صفة للمصدر. أي: قدره الحق، فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ~~ما كان ينتصب عليه موصوفه. إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~PageV04P425 # أي: حين اجترءوا على التفوه بهذه الجملة الشنعاء، وذلك منهم مبالغة في ~~إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألزموا بما لا سبيل ~~لهم إلى إنكاره أصلا، حيث قيل في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية ~~بديهية التسليم: # قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا حال من الضمير في به أو من ~~الكتاب، وهدى للناس أي: ضياء من ظلمة الجهالة، وبيانا يفرق بين الحق ~~والباطل، تجعلونه قراطيس تبدونها: يجزئونه أوراقا يبدونها للناس مما ~~ينتخبونه. # أي: فكيف ينكر إنزال شيء، وهذا المنزل المذكور ظاهر للعيان. والعدول عن ~~التوراة إلى ذكر الكتاب وصفته، والحال بعده- لزيادة التقريع، وتشديد ~~التبكيت، وإلقام الحجر. وتخفون كثيرا معطوف على (تبدونها) ، والعائد محذوف. ~~أي: كثيرا منها. أو كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب. أي: وهم يخفون كثيرا. ~~أي: ومع ذلك فالإلزام يكفي بما يبدونه، المعترف لديهم بحقيته. وفيه نعي على ~~أهل الكتاب بسوء صنيعهم المذكور، إذ ما يريدون بإخفاء كثير منها إلا تبديل ~~الدين. # وعلمتم أي: على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم من ms1929 المعارف التي لا يرتاب في أنها تنزيل رباني، قل الله أي: أنزله ~~الله، أو الله أنزله. # أمره بأنه يجيب عنهم، إشعارا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيها على ~~أنهم بهتوا، بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب. # ثم بعد التبليغ وإلزام الحجة ذرهم في خوضهم أي: في باطلهم يلعبون أي: ~~يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضررا، مع تضييع ~~الزمان. ### | تنبيه: # في هذه الآية قولان: # الأول- أنها مكية النزول تبعا للسورة، وأن القائل ذلك هم المشركون، ~~وإلزامهم إنزال التوراة، لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعة، وهذا هو ~~الظاهر. # قال ابن كثير: قال ابن عباس «1» ، ومجاهد «2» وعبد بن كثير: هذه الآية ~~نزلت في قريش، واختاره ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأصح، لأن اليهود لا ~~ينكرون إنزال PageV04P426 # الكتب من السماء، وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه من البشر، كما قال تعالى: أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذر الناس [يونس: 2] . وكقوله تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا [الإسراء: 94] . وكذا ~~قالوا هنا: ما أنزل الله على بشر من شيء. فألزموا بإنزال الكتاب الذي جاء ~~به موسى، وهو التوراة التي علموا هم وكل أحد أن الله أنزلها على موسى ~~تكذيبا لقولهم، وإيقافا على عنادهم. ومعلوم ما كان بين قريش ويهود المدينة ~~من التعارف، وتسليم قريش أنهم أهل كتاب، وأنهم أعلم منهم لأجله، مما يوجب ~~اعترافهم بحقية التوراة، وأنها منزلة من لدنه تعالى، وعلى هذا القول، ~~فالقراءة بالياء التحتية ظاهرة. وعلى قراءة الخطاب، فهو التفات من خطاب قوم ~~إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء- حكاه الخفاجي- وإنما جعل من ~~الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضا لهم بأن إنكارهم إنزال الله ~~تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان. ثم ~~القول بأن الخطاب في علمتم لمؤمني قريش. لا يقتضيه السياق ولا السباق، وفيه ~~تفكيك للنظم ms1930 الجليل، كالقول بأنه اعتراض للامتنان على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه، لهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن. بل الخطاب فيه كسابقه، ~~والمراد بتعليمهم، وهم مشركون، ما يسمعونه ويتلقفونه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصحابته، من فرائد الوحي وفوائده، مما لا يرتاب في تنزيلها، كما ~~أوضحناه قبل. # القول الثاني- إن هذه الآية مدنية النزول. ولا يرد أن هذه السورة مكية، ~~ومناظرات اليهود كانت في المدينة، لأن كثيرا من السور المكية ألحقت بها ~~آيات مدنية، وحينئذ فقولهم (هذه السورة مكية) أي: إلا ما استثني مما ألحق ~~بها، كما أوضحه السيوطي في (الإتقان) وساق له شواهد. وقد أشرنا إلى ذلك أول ~~هذه السورة، فتذكر! ثم القائلون بأنها مدنية، منهم من قال: نزلت في طائفة ~~من اليهود، أو في فنحاص، أو في مالك بن الصيف. أخرج ابن جرير من طريق ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس قال: قالت اليهود: والله ما أنزل الله من السماء ~~كتابا، فأنزلت. # وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير- مرسلا- قال: جاء رجل من اليهود يقال ~~له مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله ~~يبغض الحبر السمين- وكان حبرا سمينا-؟ فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من ~~شيء! فقال له أصحابه: ويحك! ولا على موسى؟ فأنزل الله: وما قدروا الله حق ~~قدره.. الآية # PageV04P427 # قال البغوي: وفي القصة أن مالك بن الصيف، لما سمعت اليهود منه تلك ~~المقالة، عتبوا عليه، وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت: ~~ما أنزل الله من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد، فقلت ذلك! فقالوا ~~له: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق! فنزعوه عن الحبرية. وبعد الوقوف ~~على ذلك، فلا معنى لاعتراض بعضهم بأن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه ~~يهوديا متظاهرا بذلك، ومع هذا المذهب لا يمكنه البتة أن يقول: ما أنزل الله ~~على بشر من شيء، لأنه تبين ms1931 أنه قال ذلك متغيظا، وقد أخذ الغضب منه مأخذه ~~عنادا ومكابرة، توصلا لدفع ما يريده. وقد يبلغ الحمق بصاحبه إلى حد يتبرأ ~~فيه من مذهبه ومعتقده، إغاظة لخصمه على زعمه. وبوادر اللسان في حق المولى ~~تعالى وتقدس، مما لا تغتفر، ولذا بين تعالى جهل ذاك القائل بقوله: وما ~~قدروا الله حق قدره. # قال العلامة البقاعي: لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يبث أوامره ~~في رعيته بما يرضيه ليفعلوه، وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم. ~~فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا؟ وإنما أسند إلى الكل- والقائل بعضهم- لأنهم ~~لم يردوا على قائله، ولم يعاجلوه بالأخذ على يده، تهويلا للأمر، وبيانا ~~لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها، ويتعرف أمورها، ~~فمن طعن فيها أخذ على يده بما تصل إليه قدرته، فقال مشيرا إلى اليهود قائلو ~~ذلك. ملزما لهم بالاعتراف بالكذب، أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى ~~دون كتاب، موبخا لهم، ناعيا عليهم سوء جهلهم، وعظيم بهتهم، وشدة وقاحتهم، ~~وعدم حيائهم قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟ أي: قل لهؤلاء السفهاء ~~الذين تجرأوا على هذه المقالة، غير ناظرين في عاقبتها، وما يلزم منها، ~~توبيخا لهم، وتوقيفا على شنيع جهلهم من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى الذي ~~أنتم تزعمون التمسك بشرعه تجعلونه قراطيس أي: أوراقا مفرقة، لتتمكنوا بها ~~من إخفاء ما أردتم، تبدونها للناس أي: تظهرونها للناس، وتخفون كثيرا أي: ~~منها مما تريدون به تبديل الدين. هذا على قراءة الفوقانية. وعلى قراءة ~~التحتانية التفات مؤذن بشدة الغضب، مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى ~~من ذكره، فكيف بفعله. وقوله وعلمتم أي: أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على ~~موسى ما لم تعلموا أنتم أي: أيها اليهود من أهل هذا الزمان ولا آباؤكم أي: ~~الأقدمون. انتهى كلام البقاعي رحمه الله تعالى. وفي قوله: (وإنما أسند إلى ~~الكل..) إلى آخره، نظر. لأن إسناده ليس إليهم، لأنهم رضوا به، لأن القصة ~~السالفة تدل على خلافه. ms1932 # PageV04P428 # وللبقاعي رحمه الله وجه آخر في الآية. قال: ويمكن أن تكون مكية، ويكون ~~قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه وسلم في أمر ~~رسالته، فاحتج عليهم بإرسال موسى عليه السلام، وإنزال التوراة عليه. انتهى. ~~وهو قريب وجيه جدا. # وبالجملة، فالآية الكريمة متصادقة مع الأوجه المذكورة، وتتنزل في ~~التأويل، على ما بينا في كل تنزيلا لا شائبة معه لإشكال ما. وقد استصعب ~~الرازي تأويلها، وأخذ يحاول أسئلة هي على طرف الثمام، بعد النظر فيما بينا، ~~فالحمد لله الذي هدانا لهذا. ### | لطائف: # الأولى- قال أبو السعود رحمه الله: ليس المراد بالآية مجرد إلزامهم ~~بالاعتراف بإنزال التوراة فقط، بل بإنزال القرآن أيضا، فإن الاعتراف ~~بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعا، لما فيها من الشواهد الناطقة به. # الثانية- قال أيضا في قوله تعالى: تجعلونه قراطيس أي: تضعونه في قراطيس ~~مقطعة، وورقات مفرقة، بحذف الجار، بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم، ~~أو تجعلونه نفس القراطيس المقطعة. وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم، كأنهم ~~أخرجوه من جنس الكتاب، ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة. # الثالثة- في قوله تعالى: تبدونها وتخفون كثيرا دلالة على أنه لا يجوز كتم ~~العلم الديني عمن يهتدي به. قاله بعض الزيدية. # ولما أبطل تعالى كلمتهم الشنعاء بتقرير إنزال التوراة، بين تنزيل ما ~~يصدقها بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 92] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) # وهذا يعني: القرآن، كتاب أنزلناه مبارك أي: كثير المنافع والفوائد، ~~لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من ~~الفوائد. # قال الرازي: العلوم إما نظرية، وإما عملية. فالأولى أشرفها. وأكملها ~~معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه. ولا ترى هذه العلوم أكمل ~~ولا أشرف مما # PageV04P429 # تجده في هذا الكتاب. وأما الثانية: فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما ~~أعمال القلوب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس. ولا تجد هذين ~~العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب. ثم ms1933 جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه، ~~والمتمسك به، يحصل له عز الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى. قال الخفاجي: وقد ~~شوهد ذلك في كل عصر. # مصدق الذي بين يديه، أي: من التوراة أو من الكتب التي أنزلت قبله، في ~~إثبات التوحيد، والأمر به، ونفي الشرك، والنهي عنه. وفي سائر أصول الشرائع ~~التي لا تنسخ. # ولتنذر أم القرى يعني: مكة. سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ~~ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا، وغيرها كالتبع ~~لها، كما يتبع الفرع الأصل. وفي ذكرها بهذا الاسم، المنبئ عما ذكر، إشعار ~~بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة. ومن حولها من أطراف الأرض، ~~شرقا وغربا. كما قال في الآية الأخرى: لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] . # وقوله: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] . ~~وقال: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] . ~~وقال تعالى: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم، فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد [آل عمران: 20] . # وثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت خمسا ~~لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منهن: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، ~~وبعثت إلى الناس عامة. # والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون فإن من صدق ~~بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر، حتى يؤمن ~~بالنبي PageV04P430 # والكتاب (والضمير يحتملهما) ويحافظ على الصلاة. والمراد بها إما الطاعة ~~مجازا، أو حقيقتها، وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها ~~خطرا. # قال الرازي: ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة ~~إلا على الصلاة، كما قال تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله ~~بالناس لرؤف رحيم [البقرة: 143] . أي صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من ~~المعاصي إلا على ترك الصلاة. # قال عليه الصلاة والسلام: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر. # فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا ms1934 جرم خصها الله بالذكر في ~~هذا المقام. انتهى. # أقول: الحديث المذكور رواه الطبراني في أوسط معاجمه عن أنس وصحح. # وتمامه: فقد كفر جهارا- كما في الجامع الصغير-. # أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: أي يحافظون على مواقيتها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 93] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي: اختلق إفكا، فجعل له شركاء أو ~~ولدا، أو أحكاما في الحل والحرمة، كعمرو بن لحي وأشباهه، ممن جعل قوله قول ~~الله. أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ممن ادعى النبوة كذبا، وهذا يزيد ~~على الافتراء في دعوى النبوة. # قال البقاعي: هذا تهديد على سبيل الإجمال، كعادة القرآن الجميل، يدخل فيه ~~كل من اتصف بشيء من ذلك، كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم قال: # رأيت في كتاب (غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود) لابن يحيى ~~المغربي الذي كان من علمائهم في حدود سنة 560 ثم هداه الله للإسلام فبين ~~فضائحهم: إن الربانيين منهم زعموا أن الله يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات. ~~ثم قال: إن الربانيين أكثرهم عددا، يزعمون أن الله يخاطبهم في كل مسألة ~~بالصواب، وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم في الأمم. انتهى. # PageV04P431 # ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند ~~الله من الوحي مما يفتريه من القول، كالنضر بن الحارث. وهذا كقوله تعالى: ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا الآية ~~[الأنفال: 31] . # قال المهايمي: أي ومن أنكر إعجاز القرآن حتى قال: سأنزل مثل ما أنزل ~~الله، مع أنه قد عرف إعجازه، فكأنه ادعى لنفسه قدرة الله، ms1935 فكأنه ادعى ~~الإلهية لنفسه، ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة. فيعلم ~~ما للظالمين فيها، المبين بقوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت. أي: شدائده وسكراته وكرباته، والملائكة باسطوا أيديهم أي: بالضرب ~~والعذاب، كقوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون ~~وجوههم وأدبارهم [الأنفال: 50] . # أخرجوا أنفسكم أي: قائلين لهم: أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم، تغليظا ~~وتوبيخا وتعنيفا عليهم. وقد جنح بعضهم إلى أن ما ذكر من مجاز التمثيل. # أي: فشبه فعل الملائكة في قبض أرواحهم، بفعل الغريم الذي يبسط يده إلى من ~~عليه الحق ويعنف في استيفاء حقه من غير إمهال. وفي (الكشف) أنه كناية عن ~~ذلك، ولا بسط ولا قول حقيقة. قال الناصر في (الانتصاف) : ولا حاجة إلى ذلك. # والظاهر أنهم. يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة، على الصور المحكية. وإذا ~~أمكن البقاء على الحقيقة، فلا معدل عنها. انتهى. # وقال الحافظ ابن كثير: إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب ~~والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق ~~روحه في جسده، وتعصى، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من ~~أجسادهم، قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم. انتهى. # أقول: مما يؤيد الحقيقة آية ولو ترى إذ يتوفى المتقدمة، فإنها صريحة ~~ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل. # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية حال الكافر عند القبض، وعذاب ~~القبر. واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعوانا من الملائكة- ~~أخرجه ابن أبي حاتم-. # اليوم أي: وقت الإماتة، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له. # تجزون عذاب الهون أي، الهوان الشديد، بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~كالتحريف ودعوى النبوة الكاذبة. وهو جراءة على الله متضمنة للاستهانة به- ~~قاله # PageV04P432 # المهايمي-. وكنتم عن آياته تستكبرون حتى قال بعضكم: سأنزل مثل ما أنزل ~~الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين ms1936 زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) # ولقد جئتمونا أي: للحساب والجزاء فرادى أي: منفردين عن الأموال والأولاد، ~~وما أثرتموه من الدنيا. أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم. # و (فرادى) جمع فريد، كأسير وأسارى. # كما خلقناكم أول مرة أي: مشبهين ابتداء خلقكم، حفاة عراة غرلا (يعني ~~قلفا) . # روى الشيخان «1» عن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بموعظة فقال: أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا، كما بدأنا ~~أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين. # ورويا «2» أيضا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحشرون ~~حفاة عراة غرلا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ~~ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك. # وروى الطبري بسنده عن عائشة أنها قرأت قول الله عز وجل: ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة فقالت: يا رسول الله! وا سوأتاه! إن الرجال ~~والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لكل امرئ منهم PageV04P433 # يومئذ شأن يغنيه. لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل ~~بعضهم عن بعض. # وتركتم ما خولناكم ما تفضلنا به عليكم في الدنيا، فشغلتم به عن الآخرة من ~~الأموال والأولاد والخدم والخول وراء ظهوركم يعني: في الدنيا، ولم تحملوا ~~منه نقيرا. كناية عن كونهم لم يصرفوه إلى ما يفيد في الآخرة. # وقد ثبت في الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول ابن ~~آدم: مالي! مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لست فأبليت، أو ~~تصدقت فأمضيت؟ # وزاد في رواية: وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. # وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء أي: لله في الربوبية، ~~واستحقاق العبادة، لقد تقطع بينكم قرئ بالرفع. أي: شملكم. فإن البين من ~~الأضداد، يستعمل للوصل والفصل. وبالنصب على إضمار الفاعل، لدلالة ما قبله ~~عليه. أي: ms1937 تقطع الأمر، أو الاشتراك، أو وصلكم بينكم. أو على إقامته مقام ~~موصوفه والأصل: لقد تقطع ما بينكم، وقد قريء به. أي: تقطع ما بينكم من ~~الأسباب والوصلات. # وضل عنكم ما كنتم تزعمون أي: ذهب عنكم ما زعمتم من رجاء الأنداد ~~والأصنام، كقوله تعالى: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا ~~منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار ~~[البقرة: ### | 166- 167 # ] . وقال تعالى: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ~~[المؤمنون: 101] . وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~[العنكبوت: 25] والآيات في هذا كثيرة جدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 95] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) # إن الله فالق الحب والنوى شروع في بعض مبدعاته الدالة على كمال قدرته، ~~PageV04P434 # وعلمه وحكمته، إثر تقرير شأن توحيده تعالى، وذلك للتنبيه على أن المقصود ~~الأعظم هو معرفته سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله، وأنه مبدع الأشياء ~~وخالقها. # ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها، ولتعريف خطئهم في الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى: أن الذي ~~يستحق العبادة دون غيره، هو الله الذي فلق الحب عن النبات، والنواة عن ~~النخلة. # وفي معنى (فالق) قولان: # أحدهما- أنه بمعنى خالق. وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه. وبه قال ~~الضحاك ومقاتل. قال الواحدي: ذهبوا ب (فالق) مذهب (فاطر) . وأنكر الطبري ~~هذا، وقال: لا يعرف في كلام العرب (فلق الله الشيء) ، بمعنى خلق. ونقل ~~الأزهري عن الزجاج جوازه. وكذا المجد في القاموس. # قال الرازي: (الفطر) هو الشق، وكذلك (الفلق) . فالشيء قبل أن دخل في ~~الوجود كان معدوما محضا، ونفيا صرفا. والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا ~~انفراج فيها، ولا انفلاق، ولا انشقاق. فإذا ms1938 أخرجه المبدع الموجود من العدم ~~إلى الوجود، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه. وأخرج الحدث من ~~ذلك الشق. فهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمبدع. # والقول الثاني- وهو قول الأكثرين: أن الفلق هو الشق. وفي معناه وجهان: # أحدهما- مروي عن ابن عباس قال: فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة. ~~وهو قول الحسن والسدي وابن زيد. قال الزجاج: يشق الحبة اليابسة، والنواة ~~اليابسة، فيخرج منها ورقا أخضر. # الوجه الثاني- وهو قول مجاهد: أنه الشقاق اللذان في الحب والنوى. # وضعف بأنه لا دلالة فيه على كمال القدرة. # و (الحب) : ما ليس له نوى، كالحنطة والشعير والأرز. # و (النوى) : جمع نواة، وهو الموجود في داخل الثمرة، مثل نوى التمر والخوخ ~~وغيرهما. # قال الإمام الرازي: إذا عرفت ذلك، فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة ~~في الأرض الرطبة، ثم مر به قدر من المدة، أظهر الله تعالى في تلك الحبة ~~والنواة من أعلاها شقا، ومن أسفلها شقا آخر، فالأول يخرج منه الشجرة ~~الصاعدة إلى الهواء # PageV04P435 # والثاني يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض، المسماة بعروق الشجرة. وتصير ~~تلك الحبة والنواة سببا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة ~~في الأرض. ثم إن هاهنا. ### | عجائب: # فإحداها- أن طبيعة تلك الشجرة، إن كانت تقتضي الهوي في عمق الأرض، فكيف ~~تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء، ~~فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟ فلما تولد منها الشجرتان، مع أن ~~الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى- ~~علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع ~~والتكوين والاختراع. # وثانيها- أن باطن الأرض جرم كثيف صلب، لا تنفذ المسلة القوية فيه، ولا ~~يغوص السكين الحاد القوي فيه. ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة ~~واللطافة، بحيث لو دلكها الإنسان بإصبعه بأدنى قوة، لصارت كالماء، ثم إنها ~~مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة، والغوص في بواطن تلك ~~الأجرام الكثيفة. فحصول هذه القوى الشديدة، لهذه ms1939 الأجرام الضعيفة التي هي ~~في غاية اللطافة، لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم. # وثالثها- أنه يتولد من تلك النواة شجرة، ويحصل في تلك الشجرة طبائع ~~مختلفة، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة، ~~وفي تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه، العهن المنفوش. ثم إنه يتولد من ساق ~~الشجرة أغصانها، ويتولد على الأغصان الأوراق أولا، ثم الأزهار والأنوار ~~ثانيا، ثم الفاكهة ثالثا. ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر: مثل ~~الجوز، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر، وتحته ذلك القشر الذي يشبه الخشب، ~~وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته ذلك اللب. ~~وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف، وهو أيضا كالقشر، وعلى جرم لطيف، وهو الدهن. ~~وهو المقصود الأصلي. فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها ~~وألوانها وأشكالها وطعومها، مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول ~~الأربعة، والطبائع الأربعة- يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم ~~المختار القادر، لا بتدبير الطبائع والعناصر. # PageV04P436 # ورابعها- أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترنج: # قشره حار يابس، ولحمه بارد رطب، وحماضه بارد يابس، وبزره حار يابس. وكذلك ~~العنب: قشره وعجمه بارد يابس، وماؤه ولحمه حار رطب. فتولد هذه الطبائع ~~المتضادة، والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة- لا بد وأن يكون بإيجاد ~~الفاعل المختار. # وخامسها- أنك تجد الفواكه مختلفة، فبعضها يكون اللب في الداخل، والقشر في ~~الخارج، كما في الجوز واللوز. وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج، ~~وتكون الخشبة في الداخل، كالخوخ والمشمش. وبعضها يكون النواة لها لب، كما ~~في نوى المشمش والخوخ. وبعضها لا لب له، كما في نوى التمر. وبعض الفواكه لا ~~يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون كله مطلوبا، كالتين. فهذه أحوال ~~مختلفة في هذه الفواكه. وأيضا هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور، فشكل ~~الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما، وشكل ~~العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر. فهذه الأشكال المختلفة لا بد ~~وأن تكون لأسرار وحكم، علم الخالق ms1940 أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل. ~~وأيضا فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى. # ومنفعة أخرى. وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان، وسما لحيوان ~~آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال، مع اتحاد الطبائع، وتأثيرات ~~الكواكب، يدل على أن كلها إما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم. # وسادسها- أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة، وجدت خطا واحدا ~~مستقيما في وسطها، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن ~~الإنسان. # وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة، يمنه ويسرة، في بدن الإنسان، ثم ~~لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس ~~والأبصار، بسبب الصغر- فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير ~~الوسطاني خطوط منفصلة، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى، ~~ولا يزال يبقى على هذا المنهج، حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر. ~~والخالق تعالى إنما فعل ذلك، حتى إن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك ~~الورقة، تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فلما ~~وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة، علمت أن عنايته في ~~تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل، ~~ثم إذا # PageV04P437 # عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان، علمت أن عنايته ~~بتخليق الحيوان أكمل. ولما عرفت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو ~~الإنسان، علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل. ثم إنه تعالى خلق النبات ~~والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من ~~تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة، كما قال تعالى: وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] . فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك ~~الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ~~ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها، حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول ~~المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ms1941 ينفتح لك باب من المكاشفات لا ~~آخر له، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال: وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] . وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة ~~تلك الورقة من الحبة والنواة. # فهذا كلام مختصر في تفسير قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى. ومتى ~~وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له. ونسأل الله ~~التوفيق والهداية. # انتهى كلام الرازي رحمه الله تعالى. # يخرج الحي من الميت كالحيوان من النطفة، والنبات الغض الطري من الحب ~~اليابس، ومخرج الميت كالنطفة والحب من الحي كالحيوان والنبات. # ذلكم الله أي: الفالق للحب والنوى، والمخرج الحي من الميت وعكسه، هو ~~الله، القادر العظيم الشأن، المستحق للعبادة وحده. # فأنى تؤفكون أي: تصرفون عنه إلى غيره. # قال الرازي: والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل ~~عن المثل، يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد ~~فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر ~~الحكيم، والمدبر العليم. ### | تنبيه: # ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن قوله تعالى: ومخرج الميت عطف على فالق لا ~~على يخرج الحي. لأنه بيان لفالق الحب والنوى، وهذا لا يصلح للبيان. وإن صح ~~عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه، كقوله: صافات ويقبضن [الملك: 19] . ~~والصحيح أنه معطوف على يخرج الحي من الميت واشتماله # PageV04P438 # على زيادة فيه، لا يضر ذلك بكونه بيانا. كما أن مخرج الميت من الحي بيان ~~مع شموله للحيوان والنبات. وفيه من البديع التبديل، كقوله تعالى: يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل [الحج: 61] . # قال في (الانتصاف) : وقد وردا جميعا بصيغة الفعل كثيرا في قوله: يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ~~[الروم: 24] . وقوله أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي [يونس: 31] فعطف أحد القسمين على الآخر، كثيرا دليل على ~~أنهما توأمان مقترنان، وذلك يبعد قطعه عنه في آية ms1942 الأنعام هذه ورده إلى ~~فالق الحب والنوى فالوجه- والله أعلم- أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم ~~الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله فالق الحب ~~وفالق الإصباح و (جاعل الليل) ويخرج الحي من الميت إلا أنه عدل عن اسم ~~الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله يخرج الحي من الميت ~~إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت، واستحضاره في ذهن السامع. وهذا التصوير ~~والاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي. ~~وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ~~الأرض مخضرة [الحج: 63] فعدل عن الماضي المطابق لقوله أنزل لهذا المعنى، ~~ومنه ما في قوله: # بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان # فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران # فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته، واستحضارها لذهن السامع. ومنه إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة [ص: 18- 19] ، فعدل ~~عن (مسبحات) وإن كان مطابقا ل محشورة لهذا السبب- والله أعلم-. ثم هذا ~~المقصد إنما يجيء فيما يكون العناية به أقوى. ولا شك أن إخراج الحي من ~~الميت أشهر في القدرة من عكسه. وهو أيضا أول الحالين، والنظر أول ما يبدأ ~~فيه. ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي بان عنه، فكان الأول جديرا ~~بالتصديق والتأكيد في النفس، ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر ~~حسب ترتيبهما في الواقع. وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه. أن اسم الفاعل في ~~معنى الفعل المضارع، فكل واحد منهما يقدر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه- ~~والله أعلم- انتهى. # PageV04P439 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 96] # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (96) # قوله تعالى: فالق الإصباح خبر آخر ل (إن) ، أو لمبتدأ محذوف. و (الإصباح) ~~مصدر سمي به الصبح. قال المرؤ القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل # أي: شاقه عن ظلمة الليل وجعل الليل سكنا ms1943 أي: صير الظلام يسكن إليه، ~~ويطمئن به، استرواحا من تعب النهار. أو يسكن فيه الخلق، أي: يقروا ويهدئوا ~~(من السكون) - وهو الأظهر لقوله لتسكنوا فيه- وقرئ (وجاعل الليل) . # والشمس والقمر حسبانا أي: على أدوار مختلفة، لتحسب بهما الأوقات التي نيط ~~بها العبادات والمعاملات. كما ذكره في سورة يونس في قوله: هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [يونس: 5] ~~. # ذلك أي التسيير بالحساب المعلوم تقدير العزيز أي: الغالب على أمره، ~~العليم بتدبيرهما، ومراعاة الحكمة في شأنهما. ### | تنبيهات: # الأول- قال الرازي: قوله تعالى: فالق الإصباح.. الآية، نوع آخر من دلائل ~~وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته. فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة ~~أحوال النبات والحيوان. والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال ~~الفلكية. وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق ~~الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية ~~أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية. ثم قرر الحجة من وجوه ~~عديدة، وأجاد رحمه الله. # الثاني- قرئ الإصباح بفتح الهمزة، على أنه جمع صبح، كقفل وأقفال. # الثالث- في (البحر الكبير) : أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية، والشمسية ~~مما حدث في دواوين الخراج، وإنما أضيف الحساب في الآية إليهما، لأن بطلوع ~~الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون، فمن هنا ~~دخلت- انتهى. # PageV04P440 # الرابع- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى ~~خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في ~~هذه الآية، وكما في قوله: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ~~والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم [يس: 37- 38] . ولما ذكر ~~خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة (حم السجدة) قال: وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا، ذلك تقدير العزيز العليم [فصلت: 12] . انتهى. # وفي (العزة) معنى القهر، أي: الذي قهرهما بجعلهما مسخرين، لا يتيسر لهما ~~إلا ما أريد بهما، كما قال: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره [الأعراف: ~~54] ، ومعنى القدرة الكاملة ms1944 أيضا. # قال الرازي: العزيز إشارة إلى كمال قدرته، والعليم إشارة إلى كمال علمه، ~~ومعناه: أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيأتها المحدودة، ~~وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا ~~بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات من ~~الكليات والجزئيات. وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع ~~والخاصة. وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار- والله أعلم. # الخامس- أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: حسبانا قال: # يعني عدد الأيام والشهور والسنين. وقال قتادة: يدوران في حساب. قال ~~السيوطي: # فالآية أصل في الحساب والميقات. انتهى. # ثم بين تعالى نعمته في الكواكب، إثر بيان نعمته في النيرين إعلاما بكمال ~~قدرته وحكمته ورحمته بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 97] # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي: في ظلمات ~~الليل في طرق البر والبحر قد فصلنا الآيات أي: بينا الآيات على قدرته تعالى ~~وحكمته واليوم الآخر لقوم يعلمون أي: وجه الاستدلال بها. وإنما خلقت ~~للاستدلال المتأثر بالعمل بموجبها، ألا وهو الاستدلال بها على معرفة الصانع ~~الحكيم، وكمال قدرته وعلمه واستحقاقه العبادة وحده. # PageV04P441 ### | تنبيهان # الأول- ذكر تعالى في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء، وكونها ~~رجوما للشياطين. قال بعض السلف: ممن اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ ~~وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدى ~~بها في ظلمات البر والبحر- نقله ابن كثير-. # أقول: مراده اعتقاد مناف للعقد الصحيح لا اعتقاد حكم وإسرار غير الثلاث ~~فيها إذ فوائد المكونات غير محصور. وذكر حكمة في مكون لا ينفي ما عداها- ~~فافهم الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل في الميقات، وأدلة ~~العقليات، ثم بين تعالى نوعا آخر من نعمه، وأدلة قدرته الباهرة بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 98] # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ms1945 فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة يعني: آدم عليه السلام فمستقر ومستودع قرئ ~~مستقر بفتح القاف وكسرها، وأما مستودع فبفتح الدال لا غير. وهما على الأول، ~~إما مصدران، أي: فلكم استقرار واستيداع، أو اسما مكان، أي: موضع استقرار ~~واستيداع. والاستقرار إما في الأصلاب، أو فوق الأرض، لقوله تعالى: ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين [البقرة: 36] . أو في الأرحام، لقوله تعالى: ~~ونقر في الأرحام [الحج: 5] أو الاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقر ~~النطفة، والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب، لا من قبل شخص آخر، وفي ~~الرحم من قبل الأب، فأشبهت الوديعة، كأن الرجل أودعها ما كان عنده، أو في ~~الأصلاب، أو تحت الأرض، أو فوقها، فإنها عليها، أو وضعت فيها لتخرج منها ~~مرة أخرى كقوله: # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # ونقل الرازي عن الأصم أن المستقر من خلق من النفس الأولى، ودخل الدنيا ~~واستقر فيها. والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وجعل الأصفهاني (المستقر) ~~كناية عن الذكر، و (المستودع) كناية عن الأنثى. قال: إنما عبر عن # PageV04P442 # الذكر ب (المستقر) لأن النطفة إنما تتولد في صلبه، وإنما تستقر هناك. ~~وعبر عن الأنثى ب (المستودع) لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة- والله ~~أعلم-. # وعلى قراءة (مستقر) بكسر القاف اسم فاعل، أي: فمنكم قار، ومنكم مستودع، ~~ووجه كون الأول معلوما. والثاني مجهولا، كون الاستقرار صادرا منا دون ~~الاستيداع. # قال الرازي: مقصود الآية أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه ~~السلام، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول: # الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية، ومختلفة في الصفات التي باعتبارها ~~حصل التفاوت في المستقر والمستودع. والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من ~~سبب ومؤثر، وليس السبب هو الجسمية ولوازمها، وإلا لامتنع حصول التفاوت في ~~الصفات، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم. ونظير هذه الآية في ~~الدلالة قوله تعالى: واختلاف ألسنتكم وألوانكم [الروم: 22] . # قد فصلنا الآيات لقوم ms1946 يفقهون قال الزمخشري: فإن قلت، لم قيل (يعلمون) مع ~~ذكر النجوم، و (يفقهون) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس ~~واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا. فكان ذكر الفقه ~~الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر، مطابقا له. انتهى- وهذا بناء على أن ~~الفقه شدة الفهم والفطنة، ومن قال: إنه الفهم مطلقا، وليس بأبلغ من العلم- ~~قال: إنه تفنن، حذرا من صورة التكرير. # قال الناصر في (الانتصاف) : جواب الزمخشري صناعي، وإلا فلا يتحقق هذا ~~التفاوت، ولا سبيل إلى الحقيقة. قال: والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما ~~بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما ~~بفاصلتين متساويتين في اللفظ، لما في ذلك من التكرار، فعدل إلى فاصلة ~~مخالفة، تحسينا للنظم، واتساقا في البلاغة، ويحتمل وجها آخر في تخصيص ~~الأولى بالعلم، والثانية بالفقه، وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا ~~يتدبر آيات الله، ولا يعتبر بمخلوقاته، وكانت الآيات المذكورة أولا خارجة ~~عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها، وعلم الحكمة الإلهية ~~في تدبيره لها، أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس ~~واحدة، وتقلباتهم في أطوار مختلفة، وأحوال متغايرة فإنه نظر لا يعدو نفس ~~الناظر، ولا يتجاوزها. فإذا تمهد ذلك. فجهل الإنسان # PageV04P443 # بنفسه وبأحواله، وعدم النظر فيها والتفكر، أبشع من جهله بالأمور الخارجة ~~عنه، كالنجوم والأفلاك، ومقادير سيرها وتقلبها. فلما كان الفقه أدنى درجات ~~العلم، إذ هو عبارة عن الفهم، نفي من أبشع القبيلين جهلا، وهم الذين لا ~~يتبصرون في أنفسهم، ونفي الأدنى أبشع من نفي الأعلى درجة، فخص به أسوأ ~~الفريقين حالا. # و (يفقهون) هاهنا مضارع فقه الشيء- بكسر القاف- إذا فهمه، ولو أدنى فهم. # وليس من (فقه) بضم القاف، لأن تلك درجة عالية، ومعناه صار فقيها- قاله ~~الهروي في معرض الاستدلال على أن (فقه) أنزل من (علم) -. وفي حديث سلمان ~~أنه قال، وقد سألته امرأة جاءته: فقهت أي: فهمت، كالمتعجب من فهم المرأة ~~عنه. # وإذا قيل: فلان لا ms1947 يفقه شيئا كان أذم في العرف من قول: فلان لا يعلم ~~شيئا. وكأن معنى قولك: (لا يفقه شيئا) ليست له أهلية الفهم وإن فهم. وأما ~~قولك (لا يعلم شيئا) فغايته نفي حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم ~~والعلم، لو يعلم. # والذي يدل على أن التارك للفكرة في نفسه أجهل وأسوأ حالا من التارك ~~للفكرة في غيره قوله تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون فخص التبصر في النفس بعد اندراجها فيما في الأرض من الآيات، وأنكر ~~على من لا يتبصر في نفسه إنكارا مستأنفا. وقولنا، في أدراج الكلام: (إنه ~~نفي العلم عن أحد الفريقين، ونفي الفقه عن الآخر) يعني: بطريق التعريض، حيث ~~خص العلم بالآيات المفصلة، والتفقه فيها بقوم. فأشعر أن قوما غيرهم لا علم ~~عندهم، ولا فقه- والله الموفق- فتأمل هذا الفصل، وإن طال بعض الطول، فالنظر ~~في الحسن غير مملول. # انتهى. وهذا من دقة النظر في الكتاب العزيز، وإبراز محاسنه ولطائفه. # ثم بين تعالى حجة كبرى على كمال قدرته، ومنة أخرى من جسيم نعمته بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) # وهو الذي أنزل من السماء ماء أي: من السحاب، لقوله تعالى: أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون [الواقعة: 68- 69] . # PageV04P444 # وسمي السحاب سماء، لأن العرب تسمي كل ما علا سماء. # فأخرجنا به التفت إلى التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء ~~لأجله أي: فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء، مع وحدته نبات كل شيء أي: صنف من ~~أصناف النبات والثمار المختلفة الطعوم والألوان، كقوله تعالى: يسقى بماء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل [الرعد: 4] . # فأخرجنا منه أي: من النبات، يعني أصوله خضرا أي: شيئا غضا أخصر. ms1948 # يقال: أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من ~~الحبة، نخرج منه صفة ل (خضرا) وصيغة المضارع، لاستحضار الصورة، لما فيها من ~~الغرابة، أي: نخرج من ذلك الخضر حبا متراكبا أي: متراكما بعضه على بعض، مثل ~~سنابل البر والشعير والأرز. # قال الرازي: ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر، والمقصود ~~من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. # ثم بين تعالى ما ينشأ عن النوى من الشجر، إثر بيان ما ينشأ عن الحب من ~~النبات بقوله سبحانه: ومن النخل من طلعها قنوان دانية الطلع: أول ما يبدو ~~من ثمر النخيل كالكيزان يكون فيه العذق، فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقا (بكسر ~~العين وسكون الذال المعجمة بعدها) - وهو القنو، أي: العرجون، بما فيه من ~~الشماريخ، وجمعه قنوان- (مثلث القاف) وهو ومثناه سواء، لا يفرق بينهما إلا ~~الإعراب. # قال الزمخشري: قنوان، رفع الابتداء، و (من النخل) خبره، و (من طلعها) بدل ~~منه، كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان، انتهى. وجوز أن يكون (من النخل) ~~عطفا على (منه) وما بعده مبتدأ وخبر. أي: وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها ~~قنوان دانية، أي: ملتفة، يقرب بعضها من بعض، أو قريبة من المتناول، وإنما ~~اقتصر على ذكرها لدلاتها على مقابلها، أعني البعيدة، كقوله تعالى: سرابيل ~~تقيكم الحر ولزيادة النعمة فيها وجنات من أعناب عطف على (نبات كل شيء) أي: # وأخرجنا به جنات، أو على (خضرا) . وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على ~~(حبا) لأن قوله: (نبات كل شيء) مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي، ~~كأنه قال: فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي. ~~والنامي: الحب والنوى وشبههما. # PageV04P445 # وقوله: فأخرجنا منه خضرا.. إلخ تفصيل لذلك النبات. أي: أخرجنا منه خضرا ~~بسبب الماء، فيكون بدلا من (فأخرجنا) الأول، بدل اشتمال. ومن هاهنا يقع ~~التفصيل، فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذات قنوان ~~دانية، وبعض آخر جنات معروشات.. إلخ. # والزيتون والرمان ms1949 العطف فيه كما تقدم مشتبها وغير متشابه حال من ~~(الزيتون) ، اكتفى به عن حال ما بعده. أو من (الرمان) لقربه. والمحذوف حال ~~الأول. # قال الزمخشري: يقال اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك: استويا وتساويا. # والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا. وقرئ: متشابها وغير متشابه. والمعنى: ~~بعضه متشابها، وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم، وغير ~~ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها. # انظروا إلى ثمره إذا أثمر أي: ثمر كل واحد من ذلك إذا أخرج ثمره، كيف ~~يكون ضئيلا ضعيفا، لا يكاد ينتفع به، وينعه أي: وإلى حال ينعه ونضجه، كيف ~~يعود شيئا جامعا لمنافع وملاذ. أي: انظروا إلى ذلك نظر اعتبار واستبصار ~~واستدلال، على قدرة مقدره ومدبره وناقله، على وفق الرحمة والحكمة، من حال ~~إلى حال، فإن فيه آيات عظيمة دالة على ذلك، كما قال: # إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون أي: يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه ~~الثمار هو المستحق للعبادة دون ما سواه، أو هو القادر على أن يحيي الموتى ~~ويبعثهم. قال بعضهم: القوم كانوا ينكرون البعث، فاحتج عليهم بتصريف ما خلق، ~~ونقله من حال إلى حال، وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد ~~موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها، وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا ~~الله تعالى. # فبين أنه تعالى كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث ~~بإنزال المطر من السماء، ثم إنبات الأجساد كالنبات، ثم جعلها خضرة بالحياة، ~~ثم تصوير الأعمال بصور كثيرة، وإفادة أمور زائدة، وتفريعها، وإعطاء أطعمة ~~مشتبهة في الصورة، غير متشابهة في اللذة، جزاء عليها، والله أعلم-. ### | لطيفة: # قال الرازي: اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل ~~والعنب والزيتون والرمان، وإنما قدم الزرع على الشجر، لأن الزرع غذاء، ~~وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة. وإنما قدم النخل على سائر ~~الفواكه، لأن التمر # PageV04P446 # يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب، ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين ~~الحيوان مشابهة في خواص كثيرة، بحيث لا ms1950 توجد تلك المشابهة في سائر أنواع ~~النبات. # ولهذا المعنى # قال صلى الله عليه وسلم: فإنها خلقت من بقية طينة آدم. # وإنما ذكر العنب عقيب النخل، لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من ~~أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال. فأول ما يظهر على الشجر، يظهر ~~خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم، لذيذة المطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه. ثم ~~بعده يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة ~~لطيفة المذاق، نافعة لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، فكأنه ألذ ~~الطبائخ الحامضة. ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، ويمكن ادخار ~~العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة، ثم ~~يبقى منه أنواع من المتناولات وهي الزبيب والدبس والخل، ومنافع هذه لا يمكن ~~ذكرها إلا في المجلدات. وأحسن ما في العنب عجمه، والأطباء يتخذون منه ~~(جوارشنات) عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة. فثبت أن العنب كأنه سلطان ~~الفواكه. # وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع، لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضا ~~عنه دهن كثير، عظيم النفع في الأكل، وفي سائر وجوه الاستعمال. # وأما الرمان فحاله عجيب جدا، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره ~~وشحمه وعجمه وماؤه. أما الأقسام الثلاثة الأول وهي القشر والشحم والعجم ~~فكلها باردة يابسة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات. وأما ماء الرمان فبالضد ~~من هذه الصفات، فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال، وأشدها ~~مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه، ودواء ~~من وجه، فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين. فكانت دلالة ~~القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم. # واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر ~~الله تعالى هذه الأقسام الأربعة، التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها ~~تنبيها على البواقي. انتهى. # أقول: # حديث (أكرموا عمتكم النخلة) المذكور، رواه أبو يعلى وابن أبي حاتم ~~والعقيلي وابن عدي وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه عن علي رضي ms1951 الله عنه، ~~كما في الجامع الصغير # ، ورمز عليه بالضعف. # PageV04P447 # ولما ذكر تعالى هذه البراهين، من دلائل العالم العلوي والسفلي، على عظيم ~~قدرته، وباهر حكمته، ووافر نعمته، واستحقاقه للألوهية وحده- عقبها بتوبيخ ~~من أشرك به والرد عليه بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 100] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) # وجعلوا لله شركاء الجن أي: جعلوهم شركاء له في العبادة. فإن قيل: # فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما ~~عبدوها إلا عن طاعة الجن، وأمرهم بذلك. كقوله: إن يدعون من دونه إلا إناثا ~~وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله. وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ~~ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا [النساء: ~~117- 119] . وكقوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ... [الكهف: ~~50] الآية. وقال إبراهيم لأبيه: يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا [مريم: 44] . # وكقوله: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو ~~مبين وأن اعبدوني، هذا صراط مستقيم [يس: 60- 61] وتقول الملائكة يوم ~~القيامة سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم ~~مؤمنون [سبأ: 41] . # وخلقهم حال من فاعل جعلوا، مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة ~~والبطلان، باعتبار علمهم بمضمونها. أي: وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن ~~(وليس من يخلق كمن لا يخلق) ! وقيل: الضمير للشركاء. أي: والحال أنه تعالى ~~خلق الجن، فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له؟ كقول إبراهيم: أتعبدون ما تنحتون ~~والله خلقكم وما تعملون [الصافات: 95- 96] . أي: وإذا كان هو المستقل ~~بالخالقية، وجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له. ### | تنبيه: # ما ذكرناه من معنى قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن أنهم أطاعوا الجن ~~في عبادة الأوثان، هو ما قرره ابن كثير، وأيده بالنظائر المتقدمة، ونقل عن ~~الحسن، فتكون الكناية لمشركي العرب. # PageV04P448 # وقيل: المراد بالجن الملائكة، ms1952 فإنهم عبدوهم وقالوا عنهم بنات الله. وكلا ~~الأمرين موجب للشريك. أما الأول فظاهر. وأما الثاني فلأن الولد كفء الوالد، ~~فيشاركه في صفات الألوهية. وتسمية الملائكة (جنا) حقيقة، لشمول لفظ الجن ~~لهم. وقيل: استعارة. أي: عبدوا ما هو كالجن، فيكونه مخلوقا مستترا عن ~~الأعين. # وذهب بعض السلف- منهم الكلبي- إلى أنها نزلت في الثنوية القائلين بأن ~~للعالم إلهين: أحدهما خالق الخير وكل نافع. وثانيهما خالق الشر وكل ضار. ~~ونقله ابن الجوزي عن ابن السائب. وحكاه الفخر عن ابن عباس رضي الله عنه، ~~وأنه قال: # نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله وإبليس أخوان. فالله تعالى خالق ~~الناس والدواب والأنعام والخيرات وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب ~~والشرور. # قال الرازي: وقول ابن عباس المذكور أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية، ~~وذلك، لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في ~~الآيات المتقدمة. # وقوى ابن عباس قوله المذكور بقوله تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ~~[الصافات: 158] . وإنما وصف بكونه من الجن، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، ~~والملائكة والروحانيون مستترة من العيون، فلذلك أطلق لفظ الجن عليها. # قال الفخر: هذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن ~~المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند ~~الله مسمى ب (الزند) ، والمنسوب إليه يسمى (زندي) ، ثم عرب فقيل: (زنديق) ، ~~ثم جمع فقيل: (زنادقة) . واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من ~~الخيرات فهو من (يزدان) ، وجميع ما فيه من الشرور فهو من (أهرمن) (وهو ~~المسمى بإبليس في شرعنا) ثم اختلفوا، فالأكثرون منهم على أن (أهرمن) محدث، ~~ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة. والأقلون منهم قالوا: إنه قديم أزلي. ~~وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم، فخيرات ~~هذا العالم من الله تعالى، وشروره من إبليس. فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهما. وإنما جمع حينئذ في الآية، لكونه مع أتباعه كأنهم معبودون. # ثم قال الرازي: وقوله تعالى وخلقهم ms1953 إشارة إلى الدليل القاطع على فساد كون ~~إبليس شريكا، وتقريره أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن ~~إبليس ليس بقديم، بل هو محدث. إذا ثبت هذا فنقول: إن كل محدث فله خالق # PageV04P449 # وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن ~~خالق إبليس هو الله تعالى. ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات ~~والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذ قد سلموا ~~أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد. وإذا كان ~~كذلك امتنع عليهم أن يقولا: لا بد من إلهين، فسقط قولهم. انتهى ملخصا. # وقوله تعالى: وخرقوا له أي: اختلقوا وافتروا له بنين كقول أهل الكتابين ~~في المسيح وعزير وبنات كقول بعض العرب في الملائكة. # قال الزمخشري: يقال خلق الإفك وخرقه واختلقه بمعنى. وسئل الحسن عنه فقال: ~~كلمة عربية كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول ~~له بعضهم: قد خرقها والله! ويجوز أن يكون من (خرق الثوب) إذا شقه: أي ~~اشتقوا له بنين وبنات. وقرئ وخرقوا بالتشديد للتكثير لقوله (بنين وبنات) . # بغير علم أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رميا ~~بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر وروية، أو بغير علم بمرتبة ما قالوا، وأنه ~~من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره. وفيه ذم لهم بأنهم يقولون بمجرد ~~الرأي والهوى. وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم ~~به، وقام عليه الدليل. # ثم نزه ذاته العلية عما نسبوه إليه بقوله: سبحانه وتعالى عما يصفون من ~~أوصاف الحوادث الخسيسة من المشاركة والتوليد. # ثم استدل تعالى على بطلان ما اجترءوا عليه بوجوه أربعة. بدأ منها بقوله ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 101] # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم (101) # بديع السماوات والأرض أي: مبدعهما بلا مثال سبق. وقيل: بمعنى ms1954 عديم النظير ~~فيهما. قال أبو السعود: والأول هو الوجه. والمعنى: أنه تعالى مبدع لقطري ~~العالم العلوي والسفلي، بلا مادة، فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال ~~بالمرة. # والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟ # أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة أي: من أين وكيف يكون له ولد- كما # PageV04P450 # زعموا- والحال أنه ليس له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها؟ ويستحيل ~~ضرورة وجود الولد بلا والدة، وإن أمكن وجوده بلا والد. وأيضا، الولد لا ~~يحصل إلا بين متجانسين، ولا مجانس له تعالى. # وقوله تعالى: أنى يكون له ولد جملة مستأنفة، لتقرير تنزهه عنه، والحالية ~~بعدها مؤكدة للاستحالة المذكورة. # وقوله تعالى: وخلق كل شيء جملة أخرى مستأنفة، لتحقيق ما ذكر من ~~الاستحالة. أو حال ثانية مقررة لها. أي: أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل ~~شيء انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له ~~تعالى: # فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ - أفاده أبو السعود-. # وهو بكل شيء عليم أي: مبالغ في العلم أزلا وأبدا. جملة مستأنفة أيضا، ~~مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة، ببطلان مقالتهم الشنعاء. أي: ~~أنه سبحانه لذاته عالم بكل المعلومات، فلو كان له ولد، فلا بد أن يتصف ~~بصفاته، ومنها عموم العلم، وهو لغيره تعالى منفي بالإجماع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 102] # ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ~~(102) # ذلكم أي: الموصوف بما سبق، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه ~~الولادة، إذ هو الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه أي: # بالإيمان به وحده، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده. وهو على كل ~~شيء وكيل أي: رقيب وحفيظ، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 103] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) # قوله تعالى: ms1955 لا تدركه الأبصار جملة مستأنفة، إما مؤكدة لقوله تعالى: # وهو على كل شيء وكيل ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وإما ~~هي مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد، ببيان أنه لا ~~تراه الأبصار المعهودة وهي أبصار أهل الدنيا، لجلاله وكبريائه وعظمته، # PageV04P451 # فأنى يصح أن ينسب إلى عليائه تلك العظيمة؟ وذلك لأنه تعالى لم يخلق ~~لأرباب هذه النشأة الدنيوية استعدادا لرؤيته المقدسة. # قال العارف الجليل الشيخ الأكبر قدس سره في (فتوحاته) : سبب عجز الناس عن ~~رؤية ربهم في الدنيا ضعف نشأة هذه الدار، إلا لمن أمده الله بالقوة، بخلاف ~~نشأة الآخرة لقوتها. وسبب رؤيته تعالى في المنام كون النوم أخا الموت. وفي ~~الحديث إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. فما نفى الشرع إلا رؤية الله في ~~الدنيا يقظة. انتهى. # وقال بعضهم: إن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه تعالى، لأن هذه ~~الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك ~~الله تعالى، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها، وتغيرت أحوالها. # وفي الصحيحين «1» من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض ~~القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، ~~حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه. # قال ابن كثير: وفي الكتب المتقدمة، أن الله تعالى قال لموسى لما سأل ~~الرؤية: يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. وقال ~~تعالى: فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك ~~تبت إليك وأنا أول المؤمنين [الأعراف: 143] . # أقول: كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا ~~يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية ~~أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على ms1956 نفسه بالجهل بما دل عليه ~~كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة. أما الكتاب فمثل ~~قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22- 23] . وأما السنة فما # روي عن جرير بن عبد الله PageV04P452 # البجلي «1» قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نظر إلى ~~القمر ليلة البدر وقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في ~~رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ~~فافعلوا ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. # قال ابن كثير: تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجرير وصهيب ~~وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون ~~الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات # . انتهى. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة ~~لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا. إلا أنه اختلف في نبينا صلى ~~الله عليه وسلم. انتهى. # قال ابن كثير: كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤيا في ~~الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية. انتهى. # فعن مسروق «2» قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه! هل رأى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ربه، فقالت: لقد قف شعري مما قلت! أين أنت من ثلاث من ~~حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت: لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار. وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب [الشورى: 51] . ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأت: وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا [لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت: يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ... [المائدة: 67] . ولكنه رأى جبريل ~~في صورته مرتين- أخرجه الشيخان والترمذي-. # وخالفها ابن عباس. فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده. والمسألة ~~تذكر مبسوطة في أول سورة النجم إن ms1957 شاء الله تعالى. PageV04P453 # ومن الناس من ذهب إلى أن الإدراك ليس هو مطلق الرؤية، بل معرفة الكنه أو ~~الإحاطة. # قال ابن كثير: قال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك. فإن ~~الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف ~~هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا ~~هو، وإن رآه المؤمنين، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه ~~وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. # وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، وهو الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم ~~الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم. قال تعالى: ~~ولا يحيطون به علما [طه: 110] # وفي صحيح مسلم «1» : لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. # ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا. انتهى. # وقال النسفي: تشبث المعتزلة بهذه الآية لا يستتب، لأن المنفي هو الإدراك ~~لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئي وحدوده، وما يستحيل عليه ~~الحدود والجهات، يستحيل إدراكه، لا رؤيته، فنزل الإدراك من الرؤية منزلة ~~الإحاطة من العلم، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف على الجوانب والحدود، لا ~~يقتضي نفي العلم به، فكذا هذا. على أن مورد الآية، وهو التمدح، يوجب ثبوت ~~الرؤية، إذ نفي إدراك ما تستحيل رؤيته. لا تمدح فيه، لأن كل ما لا يرى لا ~~يدرك، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية، إذ انتفاؤه مع تحقق ~~الرؤية، دليل ارتفاع نقيصة التناهي والحدود عن الذات، فكانت الآية حجة لنا ~~عليهم. انتهى. # وقد جود العلامة العضد في (المواقف) البحث في هذه الآية، ونقل شبه ~~المنكرين فيها، وأجاب عنها. ونحن، لنفاسته، ننقل كلامه مع شرحه للسيد ~~الشريف قدس سره، وبعض حواشيه، ونصه: # الأولى- من شبه المنكرين للرؤية السمعية قوله تعالى: لا تدركه الأبصار: ~~PageV04P454 ### | 1- # والإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية. فمعنى قولك: أدركته ببصري، ~~معنى رأيته. لا فرق إلا في اللفظ. أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما ms1958 ~~مع إثبات الآخر، فلا يجوز: رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه. فالآية نفت أن ~~تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام ~~المبالغة، في جميع الأوقات، لأن قولك: فلان تدركه الأبصار، لا يفيد عموم ~~الأوقات، فلا بد أن يفيده ما يقابله، فلا يراه شيء من الأبصار، لا في ~~الدنيا، ولا في الآخرة، لما ذكرنا. ### | 2- # ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى، فإنه ذكره في أثناء المدائح: وما كان من ~~الصفات عدمه مدحا، كان وجوده نقصا، يجب تنزيه الله عنه، فظهر أنه يمتنع ~~رؤيته، وإنما قلنا: (من الصفات) احترازا عن (الأفعال) ، كالعفو والانتقام، ~~فإن الأول فضل، والثاني عدل، وكلاهما كمال. والجواب: # أما عن الوجه الأول في الاستدلال بالآية فمن وجوه: # الأول- أن الإدراك هو الرؤية، على نعت الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته ~~النيل والوصول، و (إنا لمدركون) أي ملحقون، و (أدركت الثمرة) أي: وصلت إلى ~~حد النضج و (أدرك الغلام) أي بلغ. ثم نقل إلى الرؤية المحيطة، لكونها أقرب ~~إلى تلك الحقيقة. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة، أخص مطلقا من الرؤية ~~المطلقة. فلا يلزم من نفي المحيطة عن الباري سبحانه، لامتناع الإحاطة، نفي ~~المطلقة عنه. وقوله (لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر) ممنوع، بل يصح أن ~~يقال: رأيته وما أدركه بصري. أي: لم يحط به من جوانبه، وإن لم يصح عكسه. # الثاني- أن (تدركه الأبصار) موجبة كلية، لأن موضوعها جمع محلى باللام ~~الاستغراقية. وقد دخل عليها النفي فرفعها. ورفع الموجبة الكلية سالبة ~~جزئية. # وبالجملة فيحتمل قوله: لا تدركه الأبصار إسناد النفي إلى الكل، بأن يلاحظ ~~أولا دخول النفي، ثم ورود العموم عليه، فيكون سالبة كلية. ونفي الإسناد إلى ~~الكل بأن يعتبر العموم أولا، ثم ورود النفي عليه، فيكون سالبة جزئية. ومع ~~احتمال المعنى الثاني، لم يبق فيه حجة لكم علينا. لأن أبصار الكفار لا ~~تدركه، إجماعا. هذا ما نقوله: لو ثبت أن اللام في الجمع للعموم والاستغراق، ~~وإلا عكسنا القضية، فادعينا أن الآية حجة لنا وقلنا: لا تدركه الأبصار ~~سالبة مهملة ms1959 في قوة الجزئية، فالمعنى: # لا تدركه بعض الأبصار، وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات # PageV04P455 # للبعض، فالآية حجة لنا لا علينا. انتهى- لكن هذا إنما يستقيم إذا كانت ~~المهملة مرادفة للجزئية. وكونها في قوتها لا يفيد المرادفة. ولهذا اعترض ~~عليه بأن الجنس في حيز النفي يفيد العموم اتفاقا، نحو: ما جاءني الرجل. ~~وإنما الاحتمال لعموم السلب، وسلب العموم عند قصد الاستغراق، فكيف تعكس ~~القضية على تقدير حمل اللام على الجنس؟ ولو ثبت المرادفة لا ندفع الاعتراض، ~~إذ تصير الآية حينئذ حجة لنا إلزامية، حيث يرجع قيد البعضية إلى النفي، كما ~~أرجع المعتدل قيد العموم، على تقدير الاستغراق، إليه. فتأمل! - كذا في ~~حواشي الحلبي والشرواني-. # الثالث- من تلك الوجوه أنها- أي الآية- وإن عمت في الأشخاص باستغراق ~~اللام، فإنها لا تعم في الأزمان، فإنها سالبة مطلقة لا دائمة، ونحن نقول ~~بموجبه، حيث لا يرى في الدنيا. # قال العلامة حسن حلبي: وما استدل به الخصم سابقا على أنها دائمة، من أن ~~إيجابها لا يفيد عموم الأوقات، فلا بد أن يفيده ما يقابله- فجوابه: أنه ~~إنما يتم إذا كان التقابل بينهما تقابل التناقض، وهو ممنوع. فإن القضية ~~الموجبة والسالبة، الغير الموجهتين، لم توضعا في العربية لمعنيين متناقضين، ~~بل لهما محامل يحملهما المستعمل حسب ما يريده. # الرابع- منها أن الآية تدل على أن الأبصار لا تراه، ولا يلزم منه أن ~~المبصرين لا يرونه، لجواز أن يكون ذلك النفي المذكور في الآية، نفيا للرؤية ~~بالجارحة مواجهة وانطباعا، كما هو العادة، فلا يلزم نفي الرؤية بالجارحة ~~مطلقا. وأما الجواب عن الوجه الثاني وهو قوله: تمدح الباري بأنه لا يرى، ~~فنقول: هذا مدعاكم، فأين الدليل عليه؟ إن قلت: أشير فيما تقدم إلى دليله ~~بأنه ذكر في أثناء المدائح، والمذكور بينهما يجب أن يكون مدحا- قلت: ذلك ~~الدليل إنما يدل على التمدح بنفي المبصرية، لا بنفي الرؤية، والفرق قد سبق ~~في الجواب الأول. انتهى. # وإذا ثبت أن سياق الكلام يقتضي أنه تمدح، لم يكن لكم فيه دليل على امتناع ~~رؤيته، بل لنا فيه الحجة على ms1960 صحة الرؤية، لأنه لو امتنعت رؤيته لما حصل ~~المدح بنفيها عنه، إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى، حيث لم يكن له ذلك، ~~وإنما المدح في عدم الرؤية للمتمنع المتعزز بحجاب الكبرياء، كما في الشاهد. ~~انتهى. # وناقش الخيالي قولهم: (لا مدح للمعدوم) بأن عدم مدح المعدوم لاشتماله على ~~معدن كل نقص أعني: العدم، فإن أصل الممادح والكمالات هو الوجود، وقد # PageV04P456 # عرا عنه. كما أن الأصوات والروائح لا تمدح بمنع إمكان رؤيتها، لكونها ~~مقرونة بسمات النقص. # قال: والحق أن امتناع الشيء لا يمتنع التمدح بنفيه، إذ قد ورد التمدح ~~بنفي الشريك، ونفي اتخاذ الولد في القرآن، مع امتناعهما في حقه تعالى. ~~انتهى. # ووافقه حسن حلبي في (حواشي شرح المواقف) ، لكنه أجاب بأن المدح بجهة لا ~~يقتضي الكمال من جهات أخر، وكذا النقصان من جهة لا ينافي المدح بغيرها. ~~انتهى. # وأجاب قره خليل بوجوه: # الأول- أن مراد ذلك المستدل هو الإلزام على المعتزلة، لا تحقيق الاستدلال ~~على جواز الرؤية. # الثاني- أن مبنى كلامه على العرف واللغة، فإن أهلهما إذا أرادوا مدح شيء ~~يقولون هذا الشيء مما لا تدركه الأبصار، أو مما لا تراه العيون، مع أنها ~~مما تدركه عادة. فهذا القول منهم يدل على إمكان رؤية ذلك الشيء عادة، بل ~~على وقوعها أيضا. بخلاف الأصوات والروائح ونحوها، فإنها ليست مما تدركه ~~الأبصار عادة، فلا يحسن مدحها بعدم إدراك الأبصار، أو بعدم رؤيتها. نعم! ~~إذا أرادوا مدح الأصوات يقولون: لم تسمعها أذن، وإذا أرادوا مدح الروائح، ~~يقولون: لم يشمها أنف. # الثالث- إنا قلنا: إن نفي الرؤية في مقام المدح يدل على إمكان الرؤية، ~~ولم نقل إن نفي كل شيء في مقام المدح يدل على إمكان ذلك الشيء، حتى يرد ~~علينا النقض بنفي الشريك، أو بنفي اتخاذ الولد في مقام المدح، مع أن إمكان ~~المنفي في صورة النقض نقص ينافي الألوهية، وإمكان المنفي فيما نحن بصدده ~~ليس نقصا، بل هو كمال. انتهى. # قال حسن حلبي: إن قيل: يلزم على ثبوت التمدح بنفي الرؤية، تعززا وتمنعا، ~~أن لا ms1961 يزول، لأن زوال ما به التمدح نقص، فيلزم أن لا يرى في الآخرة. ~~والجواب: أن ذلك فيما يرجع إلى الصفات. والتمدح بنفي الرؤية يرجع إلى ~~التمدح بخلق ضدها، وهو من قبيل الأفعال، كما أن خلق الرؤية أيضا منها. ~~انتهى. # وقد بيناه أولا، وسيأتي لذلك تتمة شافية إن شاء الله تعالى عند قوله ~~سبحانه وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، مما هو أعظم حجة، وأوضح برهانا، ~~والله الموفق. # PageV04P457 # وقوله تعالى: وهو يدرك الأبصار أي: يرى جميع المرئيات، ويبصر جميع ~~المبصرات، لا يخفى عليه شيء منها. وهو اللطيف أي: الذي يعامل عباده باللطف ~~والرأفة، الخبير أي: العليم بدقائق الأمور وجلياتها. وجوز أن تكون الجملة ~~تعليلا لما قبلها، على طريقة اللف، أي: لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف، وهو ~~يدرك الأبصار لأنه الخبير. قيل: فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف، ~~فشبه به الخفي عن الإدراك. وهذا بناء على أنه في ظاهر الاستعمال من أوصاف ~~الجسم. والتحقيق أن اللطافة المطلقة لا توجد في الجسم، لأن الجسمية يلزمها ~~الكثافة، وإنما لطافتها بالإضافة، فاللطافة المطلقة لا يبعد أن يوصف بها ~~النور المطلق، الذي يجل عن إدراك البصائر، فضلا عن الأبصار، ويعز عن شعور ~~الأسرار، فضلا عن الأفكار، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال، وينزه عن ~~حلول الألوان والأشكال. فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه، ووصف ~~الغير بها لا يكون على الإطلاق، بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة، ~~ويوصف بالنسبة إليه بالكثافة- كذا حققه البهائي في (شرح الأسماء الحسنى) . ~~وقول الخفاجي: (اللطيف المشتق من اللطف بمعنى الرأفة) ، لا يظهر له مناسبة ~~هنا- مدفوع بملاحظة أن قوله تعالى لا تدركه الأبصار ذكر للتخويف، كما ~~أسلفنا، وحينئذ يناسب أن يشفع ببيان رأفته ورحمته، جريا على سنن الترغيب ~~والترهيب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 104] # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) # وقوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم أي: الآيات والدلائل التي تبصرون ~~بها الهدى من الضلالة. جمع ms1962 (بصيرة) ، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء، ~~والعلم به. وجوز أن يكون المعنى: قد جاءكم من الوحي ما هو كالبصائر للقلوب، ~~جمع (بصيرة) وهو النور الذي يستبصر به القلب، كما أن البصر نور تستبصر به ~~العين. # فمن أبصر أي: الحق بتلك البصائر وآمن به فلنفسه أي: فلنفسه أبصر، لأن ~~نفعه لها، ومن عمي أي: ضل عن الحق. والتعبير عنه ب (العمى) للتقبيح له، ~~والتنفير عنه، فعليها أي: فعلى نفسه عمى، وإياها ضر بالعمى. وما أنا عليكم # PageV04P458 # بحفيظ # أي: برقيب يرقبكم، ويحفظكم عن الضلال، بل أنا منذر، والله يحفظ أعمالكم، ~~ويجازيكم عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 105] # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # وكذلك نصرف الآيات أي: نوردها على وجوه كثيرة في سائر المواضع، لتكمل ~~الحجة على المخالفين، وليقولوا في ردها: درست أي: قرأت على غيرك، وتعلمت ~~منه. وحفظت بالدرس أخبار من مضى. كقولهم فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~[الفرقان: 5] . # يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة، إذا أكثر قراءته وذلله للحفظ. قال ابن ~~عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن (درست) يعني: # تعلمت من يسار وخير، وكانا عبدين من سبي الروم. ثم قرأت علينا تزعم أنه ~~من عند الله! وقال الفراء: معناه تعلمت من اليهود- كذا في (اللباب) -. # وقرئ (دارست) بالألف وفتح التاء. أي: دارست غيرك ممن يعلم الأخبار ~~الماضية. كقولهم إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ... [النحل: 103] . # ويقرأ درست بفتح الدال والراء والسين وسكون التاء. أي: مضت وقدمت وتكررت ~~على الأسماع، كما قالوا: أساطير الأولين [الأنعام: 25] . وهذه القراآت ~~الثلاث متواترة. وقرئ في الشواذ درست ماضيا مجهولا. أي: تليت وعفيت تلك ~~الآيات. وقرئ درست مشددا معلوما. وتشديده للتكثير أو للتعدية. أي: # درست غيرك الكتب. وقرئ مشددا مجهولا. وقرئ (دورست) بالواو مجهول دارس. ~~ودارست بالتأنيث، والضمير للآيات أو للجماعة: وقرئ درست بضم الراء، ~~والإسناد للآيات مبالغة في محوه أو تلاوته، لأن (فعل) المضموم للطبائع ~~والغرائز. وقرأ أبي رضي الله عنه (درس) وفاعله ضمير النبي صلى الله ms1963 عليه ~~وسلم، أو الكتاب، إن كان بمعنى انمحى. و (درسن) بنون الإناث مخففا ومشددا. ~~وقرئ (دارسات) بمعنى قديمات، أو بمعنى ذات درس أو دروس، ك عيشة راضية ~~[الحاقة: 21] . # وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: هي دارسات. # ولنبينه أي: القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوما. أو الآيات، لأنها ~~في معنى القرآن. # PageV04P459 # لقوم يعلمون أي: الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه. ### | تنبيهان: # الأول- قيل: اللام الثانية حقيقة، والأولى لام العاقبة والصيرورة. أي: ~~لتصير عاقبة أمرهم، إلى أن يقولوا: درست، كهي في قوله تعالى: فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] . وهم لم يلتقطوه للعداوة، وإنما ~~التقطوه ليصير لهم قرة عين، ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى العداوة. فكذلك ~~الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقول: درست. ولكن حصل هذا القول بتصريف ~~الآيات، كما حصل التبيين، فشبه به. # قال الخفاجي: وجوز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره، لأن نزول ~~الآيات لإضلال الأشقياء، وهداية السعداء. قال تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا [البقرة: 26] . وقال الرازي: حمل اللام على العاقبة بعيد. لأنه مجاز. ~~وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز. وإن المراد منه عين ~~المذكور في قوله تعالى: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا قال ومما يؤكد هذا ~~التأويل قوله: # ولنبينه لقوم يعلمون، يعني: إنا ما بيناه إلا لهؤلاء. فأما الذين لا ~~يعلمون، فما بينا هذه الآيات لهم، وإذ لم يكن بيانا لهم ثبت جعله ضلالا ~~لهم. انتهى. # وقيل: هذه اللام لام الأمر، ويؤيده أنه قرئ بسكونها، كأنه قيل: وكذلك ~~نصرف الآيات، وليقولوا هم ما يقولون، فإنه لا احتفال بهم، ولا اعتداء ~~بقولهم. وهو أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم. # وفيه نظر، لأن ما بعده يأباه، إذ اللام في (لنبينه) نص في أنها لام كي. ~~وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة، فلا دليل فيه، لاحتمال أنها خففت ~~لإجرائها مجرى كبد، وكونها معترضة. و (لنبينه) متعلق بمقدر معطوف على ما ~~قبله، وإن صححه لا يخرجه عن كونه خلاف الظاهر- كذا في (العناية) -. # الثاني- قال ms1964 الشريف قدس سره: أفعاله تعالى يتفرع عليها حكم ومصالح متقنة ~~هي ثمراتها، وإن لم تكن عللا غائية لها، حيث لولاها لم يقدم الفاعل عليها. # ومن أهل السنة من وافق المعتزلة في التعليل والغرض الراجع منفعته إلى ~~العباد، وادعى أنه مذهب الفقهاء والمحدثين. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن حقيقة التعليل عند أهل السنة بيان ما يدل على # PageV04P460 # المصلحة المترتبة على الفعل. وأما تفسيره بالباعث الذي لولاه لم يقدم ~~الفاعل على الفعل، أو عدم اشتراط ذلك، فهو من تحقيقات المتكلمين، لا تعلق ~~له باللغة. وأما عند أهل اللغة فهو حقيقة في ذلك مطلقا، والفرق بينها وبين ~~لام العاقبة، أن لام العاقبة ما تدخل على ما يترتب على الفعل وليس مصلحة. ~~وهل يشترط فيها أن يظنه المتكلم غير مترتب أم لا، حتى يكون في كلامه تعالى ~~من غير حكاية أم لا، فيه خلاف- كذا في (العناية) -. # ولما حكى تعالى عن المشركين قدحهم في تصريف الآيات، أتبعه بالأمر بالثبات ~~على ما هو عليه، تقوية لقلبه، وإزالة لما يحزنه، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 106] # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) # اتبع ما أوحي إليك من ربك أي: من تبليغ الرسالة، التي هي الآيات المصرفة، ~~مبالغة في إلزام الحجة. وقوله لا إله إلا هو اعتراض أكد به إيجاب الاتباع، ~~أو حال مؤكدة من ربك، بمعنى: منفردا في الألوهية. وأعرض عن المشركين قال ~~أبو مسلم: أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار، وترك الموعظة. # وقال المهايمي: أي لا تحزن عليهم إذا أصروا على الشرك والعمى مع هذه ~~البصائر. # فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى، لاقتضاء استعدادهم ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 107] # ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ~~(107) # ولو شاء الله ما أشركوا أي: مع استعدادهم، ولكن جرت سنته برعاية ~~الاستعدادات، وما جعلناك عليهم حفيظا أي: هم وإن كان لهم الاستعداد للإيمان ~~في فطرتهم، وقد ms1965 أبطلوه، فأنت وإن كنت داعيا إلى إصلاح الاستعداد الفطري، ~~وما جعلناك متوليا عليهم، تحفظ مصالحهم، حتى تكون مصلحا لاستعدادهم الفطري. # وما أنت عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم، أو تغيرهم من استعدادهم إلى آخر، ~~بل هو مفوض إلى الله تعالى، يفعل بهم بمقتضى استعدادهم الطبيعي لهم من غير ~~تغيير له، بل هو مفوض إلى اختيارهم- أفاده المهايمي-. ### | تنبيهان: # الأول- في قوله تعالى ولو شاء الله ما أشركوا دليل على أنه تعالى لا يريد # PageV04P461 # إيمان الكافر، لكن لا بمعنى أنه تعالى يمنعه عنه، مع توجهه إليه، بل ~~بمعنى أنه تعالى لا يريده منه، لعدم صرف اختياره الجزئي نحو الإيمان، ~~وإصراره على الكفر. # والزمخشري يفسره بمشيئة إكراه وقسر، لأن عندهم مشيئة الاختيار حاصلة ~~البتة. # قال النحرير: وهذه عكازته في دفع مذهب أهل السنة. # الثاني- قال القاشاني في تفسير قوله تعالى ولو شاء الله ما أشركوا: أي كل ~~ما يقع، فإنما يقع بمشيئة الله، ولا شك أن استعداداتهم التي وقعوا بها في ~~الشرك، وأسباب ذلك، من تعليم الآباء والعادات وغيرها، أيضا واقعة بإرادة من ~~الله، وإلا لم تقع. فإن آمنوا بذلك فبهداية الله، وإلا فهون على نفسك، فما ~~جعلناك تحفظهم عن الضلال، وما أنت بموكل عليهم بالإيمان. ولا ينافي هذا ما ~~قال في تعييرهم فيما بعد بقوله: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~لأنهم قالوا ذلك عنادا ودفعا للإيمان بذلك التعلل، لا اعتقادا. فقولهم ذلك، ~~وإن كان صدقا في نفس الأمر، لكنهم كانوا به كاذبين، مكذبين للرسول، إذ لو ~~صدقوا لعلموا أن توحيد المؤمنين أيضا بإرادة الله، وكذا كل دين، فلم يعادوا ~~أحد. ولو علموا أن كل شيء لا يقع إلا بإرادة الله لما بقوا مشركين، بل ~~كانوا موحدين. لكنهم قالوه لغرض التكذيب والعناد، وإثبات أنه لا يمكنهم ~~الانتهاء عن شركهم، فلذلك عيرهم به، لا لأنه ليس كذلك في نفس الأمر. فإنهم ~~لم يطلعوا على مشيئة الله، وأنه كما أراد شركهم في الزمان السابق، لم يرد ~~إيمانهم الآن، إذ ليس كل منهم مطبوع القلب، بدليل ms1966 إيمان من آمن منهم، فلم ~~لا يجوز أن يكون بعضهم كانوا مستعدين للإيمان والتوحيد، واحتجوا بالعادة، ~~وما وجدوا من آبائهم فأشركوا، ثم إذا سمعوا الإنذار، وشاهدوا آيات التوحيد، ~~اشتاقوا إلى الحق، وارتفع حجابهم فوحدوا. فلذلك وبخهم على قولهم، وطلب منهم ~~الحجة على أن الله أرادهم بذلك دائما، وأنذرهم بوعيد من كان قبلهم، لعل من ~~كان فيه أدنى استعداد، إذا انقطع عن حجته، وسمع وعيد من قبله من المنكرين، ~~ارتفع حجابه، ولان قلبه فآمن، ويكون ذلك توفيقا له، ولطفا في شأنه، فإن ~~عالم الحكمة يبتني على الأسباب. وأما من كان من الأشقياء المردودين، ~~المختوم على قلوبهم، فلا يرفع لذلك رأسا، ولا يلقي إليه سمعا. انتهى. # وليكن هذا على بال منك، فالمقام دقيق جدا، وسيأتي بيانه في الآية الآتية ~~إن شاء الله تعالى. # PageV04P462 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 108] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم أي: لا ~~تذكروا آلهتهم، التي يعبدونها، بما فيها من القبائح، لئلا يتجاوزوا إلى ~~الجناب الرفيع. # روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهوا ~~عنه لذلك. وقال الزجاج: نهوا أن يلعنوا الأصنام التي كانت تعبدها المشركون. ~~انتهى. # ف الذين يدعون عبارة عن الآلهة، والعائد مقدر، والتعبير ب الذين على ~~زعمهم أنهم من أولي العلم، أو بناء على أن سب آلهتهم سب لهم، كما يقال: ضرب ~~الداية صفع لراكبها. فإن قيل: إنهم كانوا يقرون بالله وعظمته، وأن آلهتهم ~~إنما عبدوها لتكون شفعاء عنده، فكيف يسبونه؟ قلنا: لا يفعلون ذلك صريحا، بل ~~يفضي كلامهم إلى ذلك، كشتمهم له ولمن يأمره بذلك مثلا. وقد فسر بغير علم ~~بهذا، وهو حسن جدا. أو أن الغيظ والغضب ربما حملهم على سب الله صريحا. ألا ~~ترى المسلم قد تحمله شدة غضبه على التكلم بالكفر؟! وعدوا مصدر، أي: ms1967 ظلما ~~وعدوانا، يقال: عدا عليه عدوا، ك (ضربا) ، و (عدوا) ك (عتو) ، و (عداء) ك ~~(عزاء) ، و (عدوانا) ك (سبحان) إذا تعدى وتجاوز، وهو مفعول مطلق ل (تسبوا) ~~من معناه، لأن السبب عدوان. أو مفعول له، أو حال مؤكدة مثل بغير علم- كذا ~~في العناية-. ### | تنبيه: # قال ابن الفرس في الآية: إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم، أن يسبوا ~~الله أو رسوله أو القرآن، لم يجز أن يسبوا ولا دينهم. قال: وهي أصل في ~~قاعدة سد الذرائع. # قال السيوطي: وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى. وكذا كل فعل مطلوب ترتب على فعله مفسدة ~~أقوى من مفسدة تركه. # وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن الحسن يصير قبيحا إذا كان يحصل ~~بفعله مفسدة. # PageV04P463 # قال الحاكم: نهوا عن سب الأصنام لوجهين: # أحدهما: أنها جماد لا ذنب لها. # والثاني: أن ذلك يؤدي إلى المعصية بسب الله تعالى. # قال: والذي يجب علينا بيان بغضها، وأنه لا تجوز عبادتها، وأنها لا تضر ~~ولا تنفع، وأنها لا تستحق العبادة، وهذا ليس بسب. ولهذا قال أمير المؤمنين ~~(يوم صفين) : لا تسبوهم، ولكن اذكروا قبيح أفعالهم. انتهى. # وقال الزمخشري: فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي عنه، وإنما ~~يصح النهي عن المعاصي؟ قل: رب طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون ~~طاعة، فيجب النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة. كالنهي عن المنكر، هو ~~من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، ووجب ~~النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر. فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن ~~سيرين أنهما حضرا جنازة، فرأى محمد نساء، فرجع. فقال الحسن: لو تركنا ~~الطاعة لأجل المعصية، لأسرع ذلك في ديننا. قلت: ليس هذا مما نحن بصدده، لأن ~~حضور الرجال الجنازة طاعة، وليس بسبب لحضور النساء، فإنهن يحضرنها، حضر ~~الرجال أو لم يحضروا. بخلاف سب الآلهة. وإنما خيل إلى ابن سيرين أنه ms1968 مثله، ~~حتى نبه عليه الحسن. انتهى. # ومنه قال بعض مفسري الزيدية: واعلم أن المعصية إن كانت حاصلة لا محالة، ~~سواء فعل الحسن أم لا، لم يسقط الواجب، ولا يقبح الحسن. انتهى. # وكذا قال الخفاجي: إن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة، وكانت سببا لها، ~~وجب تركها. بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية، لا يمكن دفعها. وكثيرا ما ~~يشتبهان. ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه ~~الحسن للفرق بينهما. انتهى. # قال الرازي: وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا ~~فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع، يكفي ~~في القدح في إلهيتها، فلا حاجة، مع ذلك، إلى شتمها. # كذلك زينا لكل أمة من الأمم الماضية على الضلال عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم ~~أي: بالبعث بعد الموت، فينبئهم أي: يخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا. ~~وذلك بالمحاسبة والمجازاة عليه. # PageV04P464 ### | تنبيهات: # الأول- ذهب أهل السنة إلى ظاهر الآية، من أن المزين للكافر الكفر، ~~وللمؤمن الإيمان، هو الله تعالى. وذلك لأن صدور الفعل من العبد يتوقف على ~~حصول الداعي، ولا بد أن يكون ذلك الداعي بخلق الله تعالى. وقد بسط الرازي ~~ذلك، وساق تأويلات المعتزلة الركيكة، فانظره! الثاني- في قوله تعالى: ~~فينبئهم إلخ وعيد بالجزاء والعذاب. كقول الرجل لمن يتوعده: سأخبرك بما ~~فعلت. # الثالث- فيه نكتة سرية، مبنية على حكمة أبية، وهي أن كل ما يظهر في هذه ~~النشأة من الأعيان والأعراض، فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته ~~الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة. فإن المعاصي سموم قاتلة، قد برزت ~~في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة، كما نطقت به هذه الآية الكريمة، ~~وكذا الطاعات، فإنها مع كونها أحسن الأحاسن، قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة، ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «1» : حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار ~~بالشهوات. فأعمال الكفرة قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة تستحسنها ~~الغواة وتستحبها الطغاة. # وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك ~~يعرفون أن أعمالهم ماذا؟ ms1969 فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها، ~~لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتها كما هي. فليتدبر! - أفاده أبو السعود. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 109] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) # وأقسموا بالله جهد أيمانهم مصدر في موضع الحال. أي: أقسموا به تعالى ~~جاهدين في أيمانهم، باذلين في توثيقها طاقتهم لئن جاءتهم آية أي: خارق كما ~~اقترحوا، ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله أي: أمرها في حكمه وقضائه ~~خاصة، يتصرف بها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة، لا تتعلق بها قدرة ~~أحد ولا مشيئته، حتى يمكنني أن أتصدى لاستنزالها بالاستدعاء. وهذا سد لباب ~~الاقتراح PageV04P465 # على أبلغ وجه وأحسنه، ببيان صعوبة منالها، وعلو شأنها- أفاده أبو ~~السعود-. # وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون قرئ أنها بالكسر على الاستئناف، ~~والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: وما يدريكم إيمانهم؟ ثم أخبرهم بما علم ~~منهم إخبارا ابتدائيا. أو هو جواب سؤال، كأنه قيل: لم وبخوا؟ فقيل: لأنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون! أو هو مبني على قوله: وما يشعركم فإنه أبرز في معرض ~~المحتمل، كأنه سأل عنه سؤال شاك، ثم علل بقوله ل أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~جزما بالطرف المخالف، وبيانا لكون الاستفهام غير جار على الحقيقة. وفيه ~~إنكار لتصديق المؤمنين على وجه يتضمن إنكار صدق المشركين في المقسم عليه. ~~وهذا نوع من السحر البياني، لطيف المسلك، هذا على أن الخطاب للمؤمنين، إذ ~~كانوا يتمنون مجيء الآية طمعا في إيمانهم. وقيل: هو للمشركين، لقراءة: لا ~~تؤمنون، فيكون فيه التفات. وقرئ أنها بالفتح، وعليه فقيل: مقتضى حسن ظن ~~المؤمنين بهؤلاء المعاندين، حذف (لا) . وتوضيح ذلك بالمثال أنه إذا قيل لك: ~~أكرم زيدا يكافئك، قلت في إنكاره: ما أدراك أني إذا أكرمته يكافئني؟! فإن ~~قيل: لا تكرمه فإنه لا يكافئك، قلت في إنكار: ما أدراك أنه لا يكافئني؟! ~~تريد: وأنا أعلم منه المكافأة. # فمقتضى حسن ظن المؤمنين ms1970 بالمشركين أن يقال: وما يدريكم أنها إذا جاءت ~~يؤمنون، فإثبات (لا) يعكس المعنى، إلى أن المعلوم لك الثبوت، وأنت تنكر على ~~من نفى. # وقد وجه الفتح بستة وجوه: # منها- جعل (لا) صلة، كقوله: ما منعك ألا تسجد [الأعراف: 12] ، وقوله ~~تعالى: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء: 95] أي: # يرجعون. وضعف الزجاج هذا الوجه، بأن ما كان لغوا يكون كذلك على جميع ~~التقديرات، وليس كذلك هنا، فإن (لا) على قراءة الكسر ليست بصلة. وأجاب ~~الفارسي بأنه لم لا يجوز أن يكون لغوا على أحد التقديرين، ومفيدا على ~~التقدير الثاني؟ انتهى. # ومنها- جعل أن بمعنى (لعل) . قال الخليل: تقول العرب: ائت السوق أنك ~~تشتري لنا شيئا، أي لعلك. فكأنه تعالى قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. قال ~~الواحدي: أن بمعنى (لعل) كثير في كلامهم، قال الشاعر: # أريني جوادا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # PageV04P466 # وقال عدي بن حاتم: # أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # ويؤيده أن (يشعركم) و (يدريكم) بمعنى. وكثيرا ما تأتي (لعل) بعد فعل ~~الدراية. نحو وما يدريك لعله يزكى [عبس: 3] . وفي مصحف أبي (وما أدراك ~~لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون) . # ومنها- جعل أن بمعنى هل. # ومنها- جعل الكلام جواب قسم محذوف بناء على أن (إن) في جواب القسم يجوز ~~فتحها. والذي ارتضاه الزمخشري وتبعه المحققون حمل الكلام على ظاهره، وأن ~~الاستفهام في معنى النفي، والإخبار بعدم العلم لا إنكار عليهم. # والمعنى: وما يدريكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها. ~~يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون ذلك. # قال في (الانتصاف) : لما جاءت الآية تفهم، ببادئ الرأي، أن الله تعالى ~~علم الإيمان منهم، وأنكر على المؤمنين نفيهم له، والواقع على خلاف ذلك. ~~اختلف العلماء (وساق نحو ما قدمنا في الوجوه) ثم قال: وأما الزمخشري فتفطن ~~لبقاء الآية على ظاهرها وقرارها في نصابها، من غير حذف ولا تأويل. فقال ~~قوله السالف. ونحن نوضح اطراده في المثال ms1971 المتقدم، ليتضح بوجهيه في الآية، ~~فنقول: إذا حرمت زيدا لعلمك بعدم مكافأته، فأشير عليك بالإكرام بناء على أن ~~المشير يظن المكافأة، فلك معه حالتان: حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم ~~خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم بما أحطت به علما. فإن أنكرت عليه قلت: ~~وما يدريك أنه يكافئ؟ وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافئ قلت: وما يدريك ~~أنه لا يكافئ؟ يعني: ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته، وأنت ~~لا تخبر أمره خبري. فكذلك الآية إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين ~~في عدم علمهم بالمغيب في علم الله تعالى، وهو عدم إيمان هؤلاء. فاستقام ~~دخول (لا) وتعين، وتبين أن سبب الاضطراب التباس الإنكار بإقامة الأعذار. ~~انتهى. # وفي نفي السبب، وهو الإشعار، مبالغة في نفي المسبب، وهو الشعور. # قال الخفاجي: وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها، ~~لأن في الكناية إثبات الشيء ببينة. وفيه تعريض بأن الله عالم بعدم إيمانهم، ~~على # PageV04P467 # تقدير مجيء الآية المقترحة لهم، وتنبيه على أنه تعالى لم ينزلها لعلمه ~~بأنها إذا جاءت لا يؤمنون. فعدم الإنزال لعدم الإيمان. و (يشعركم وينصركم) ~~ونحوه، قرئ بضم خالص وسكون واختلاس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 110] # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عطف على (لا يؤمنون) ، داخل في حكم (ما يشعركم) ، ~~مقيد بما قيد به. أي: وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا ~~يفقهونه. وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، لكن لا مع توجهها إليه، ~~واستعدادها لقبوله، بل لكمال نبوها عنه، وإعراضها بالكلية. ولذلك أخر ذكره ~~عن ذكر عدم إيمانهم، إشعارا بأصالتهم في الكفر، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ~~ناشئ من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار- أفاده أبو السعود-. # كما لم يؤمنوا به أي: بما جاء من الآيات أول مرة أي: قبل سؤالهم الآيات ~~التي اقترحوها، ونذرهم أي: ندعهم في طغيانهم يعمهون أي: يترددون متحيرين، ~~لا نهديهم ms1972 هداية المؤمنين. # قال أبو السعود (ونذرهم) عطف على (لا يؤمنون) ، داخل في حكم الاستفهام ~~الإنكاري، مقيد بما قيد به، مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار، ~~ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره، بأن يقلب الله سبحانه مشاعرهم عن ~~الحق، مع توجههم إليه، واستعدادهم له بطريق الإجبار، بل بأن يخليهم وشأنهم، ~~بعد ما علم فساد استعدادهم، وفرط نفورهم عن الحق، وعدم تأثير اللطف فيهم ~~أصلا، ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادهم، كما أشرنا إليه. انتهى. # وفي (اللباب) : في الآية دليل على أن الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من ~~يشاء، وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه، فيقيم ما شاء منها، ويزيغ ما ~~أراد منها. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك # . انتهى. PageV04P468 # ثم بين تعالى كذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وآكده بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 111] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة أي: ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما ~~اقترحوه هنا من آية واحدة، بل نزلنا إليهم الملائكة، كما قالوا لولا أنزل ~~علينا الملائكة [الفرقان: 21] . # وكلمهم الموتى كما قالوا فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين [الدخان: 36] . # وحشرنا أي: جمعنا عليهم كل شيء من الحيوانات والنباتات والجمادات، قبلا ~~أي: كفلاء بصحة ما بشروا به وأنذروا ما كانوا ليؤمنوا لغلوهم في التمرد ~~والطغيان، إلا أن يشاء الله أي: إيمانهم فيؤمنوا، ولكن أكثرهم يجهلون أي: # إنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا ~~يكاد يكون. # أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات. # قال القاشاني: وفي الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق ~~العادات، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس، وإقرار باللسان، وليس في ~~القلب من معناه شيء، كإيمان أصحاب السامري. والإيمان لا يكون إلا بالجنان، ~~كما قال تعالى: قالت ms1973 الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم [الحجرات: 14] . ### | تنبيهان: # الأول- يقرأ (قبلا) بضم القاف والباء، وفيه وجهان: أحدهما: هو جمع قبيل ~~بمعنى الكفيل، مثل قليب وقلب والآخر: أنه مفرد، كقبل الإنسان ودبره. وعلى ~~كلا الوجهين هو حال من كل. ويقرأ بالضم وسكون الباء على تخفيف الضمة ويقرأ ~~بكسر القاف وفتح الباء، وانتصابه على الظرفية. كقولهم: لي قبل فلان حق. أو ~~على الحالية، وهو مصدر، أي عيانا ومشاهدة. # الثاني- في قوله تعالى: إلا أن يشاء الله حجة واضحة على المعتزلة، ~~لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة الله تعالى، حتى الإيمان والكفر. وقد ~~اتفق سلف هذه الأمة، وحملة شريعتها على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم ~~يكن. # PageV04P469 # وللمعتزلة تحيل في المدافعة بحمل المشيئة المنفية، على مشيئة القسر ~~والاضطرار. # وإنما يتم لهم ذلك أن لو كان القرآن يتبع الآراء. وأما وهو القدوة ~~والمتبوع، فما خالفه حينئذ وتزحزح عنه، فإلى النار، وما بعد الحق إلا ~~الضلال. # ثم سلى تعالى نبيه عما كان يقاسيه من قومه، بتأسيه بمن سبقه من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 112] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن أي: مثل ذلك الجعل الذي ~~جعلناه في حقك، حيث جعلنا لك عدوا يضادونك ولا يؤمنون، جعلنا لكل نبي تقدمك ~~عدوا من مردة الإنس والجن، فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك، كما قال تعالى: ما ~~يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك [فصلت: 43] . وقال ورقة بن نوفل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم «1» : لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. # يوحي أي: يلقي ويوسوس بعضهم إلى بعض زخرف القول أي: المموه منه، المزين ~~ظاهره، الباطل باطنه، غرورا أي: للضعفاء، لأن الله تعالى جعلهم أهل الحجاب، ~~وكذا الغارين، ليقهرهم بمقتضى ms1974 استعدادهم. وفي الآية دليل على أن عداوة ~~الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بفعل الله سبحانه وتعالى، وخلقه. # قال المهايمي: لتظهر الحجج بمجادلتهم، وترتفع شبهاتهم، ولئلا يقال إنه ~~شخص ساعده الكل ليأكلوا أموال الناس، أو يتواسوا عليهم. # ولو شاء ربك ما فعلوه أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء، وإيحاء ~~الزخارف. وهو أيضا دليل على المعتزلة. فذرهم وما يفترون أي: من الكفر، فسوف ~~يعلمون. # ثم عطف على قوله غرورا علة ثانية للإيحاء بقوله تعالى: PageV04P470 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 113] # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) # ولتصغى إليه أي: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليغرهم به، ولتميل إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة لمساعدته لهم على أهوائهم، وليرضوه أي: ~~لأنفسهم بعد ما مالت إليه قلوبهم، وليقترفوا أي: وليكتسبوا بموجب ارتضائهم ~~له، ما هم مقترفون أي: من الآثام. # قال القاشاني: فتقوى غوايتهم، ويتظاهرون، ويخرج ما فيهم من الشرور إلى ~~الفعل، ويزدادوا طغيانا وتعديا على النبي، فتزداد قوة كماله، وتهيج أيضا ~~بسببه دواعي المؤمنين، والذين في استعدادهم مناسبة للنبي، فتنبعث حميتهم، ~~وتزداد محبتهم للنبي، ونصرهم إياه، فتظهر عليهم كمالاتهم. ### | لطيفة: # إنما خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة، دون ما عداها من الأمور التي يجب ~~الإيمان بها، وهم بها كافرون، إشعارا بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما ~~يلقى إليهم، فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره، وآلامها مزينة ~~بالشهوات، فالذين لا يؤمنون بها، وبأحوال ما فيها، لا يدرون أن وراء تلك ~~المكاره لذات، ودون هذه الشهوات آلاما، وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في ~~الدنيا بادئ الرأي، فهم مضطرون إلى حب الشهوات، التي من جملتها مزخرفات ~~الأقاويل، ومموهات الأباطيل. وأما المؤمنون بها، فحيث كانوا واقفين على ~~حقيقة الحال، ناظرين إلى عواقب الأمور، لم يتصور منهم الميل إلى تلك ~~المزخرفات، لعلمهم ببطلانها، ووخامة عاقبتها- أفاده أبو السعود-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 114] # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ms1975 والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) # وقوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما على تقدير القول، كما في نظائره، أي: # قل لهم: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من ~~المبطل. # PageV04P471 # والمعنى: أطلب معبودا، لأنهم كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم- وهذا عندي ~~أظهر- ثم رأيت في (تنوير المقباس) الاقتصار عليه، حيث قال أبتغي حكما أعبد ~~ربا. وأما كون الآية واردة على قولهم (اجعل بيننا وبينك حكما) فلا يصح، ~~لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك. # وهو الذي أنزل إليكم الكتاب أي: القرآن المعجز، مفصلا أي: مبينا فيه ~~الفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وأنتم أمة أمية، لا تدرون ما ~~تأتون وما تذرون. ### | وفي الآية مسائل: # الأولى- قال في (الإكليل) : استدل الخوارج بقوله تعالى أفغير الله أبتغي ~~حكما على إنكارهم التحكيم. قال: وهو مردود، فإن التحكيم المنكر أن يريد ~~حكما يحكم بغير ما حكم الله تعالى. انتهى. # قلت: هذا مبني على الوجه الأول، وقد عرفت أن الأظهر الوجه الثاني، فلا ~~استدلال، ولا رد. # الثانية- قالوا: الحكم أبلغ من الحاكم، وأدل على الرسوخ، لما أنه لا يطلق ~~إلا على العادل، وعلى من تكرر منه الحكم، بخلاف الحاكم. # الثالثة- في الآية تنبيه على أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين، مغن عن ~~غيره، ببيانه وتفصيله. # والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق لما عندهم من ~~البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، ولتصديقه ما عندهم، مع أنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يمارس كتبهم، ولم يخالط علماءهم. وهذا تقرير لكونه منزلا من ~~عند الله ببيان أن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون ~~بحقيقته ونزوله من عنده تعالى. # فلا تكونن من الممترين أي: في أنه منزل من ربك بالحق، بسبب جحود أكثرهم ~~وكفرهم به، فيكون من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى: ولا تكونن من ~~المشركين [الأنعام: 14] . # قال ابن كثير: هذا كقوله تعالى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل ~~الذين يقرؤن الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك ms1976 فلا تكونن من الممترين ~~[يونس: 94] . قال: وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه. ولهذا جاء # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا أشك ولا أسأل. # انتهى. # PageV04P472 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 115] # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) # وتمت كلمة ربك وقرئ (كلمات ربك) أي: بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده ~~صدقا في الأخبار والمواعيد وعدلا في الأقضية والأحكام. # وقال القاشاني: أي تم قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من ~~أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاء مبرما، وحكما ~~صادقا، مطابقا لما يقع، عادلا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من ~~يصدر عنه واقتضائه له. انتهى. # لا مبدل لكلماته أي: لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل. أو لا أحد ~~يقدر أن يحرفها شائعا ذائعا، كما فعل بالتوراة. على أن المراد بها القرآن ~~فيكون ضمانا لها منه تعالى بالحفظ، كقوله وإنا له لحافظون [الحجر: 9] . # وقال القاشاني: أي لا مبدل لأحكامه الأزلية. انتهى. # قال السيوطي في (الإكليل) : يستدل به من قال إن اليهود والنصارى لم ~~يبدلوا لفظ التوراة والإنجيل، وإنما بدلوا المعنى، لأن كلمات الله لا تبدل. ~~انتهى- وهو رواية «1» عن ابن عباس- أخرجها البخاري في آخر صحيحه. وبسط ~~المقام في ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) . وتقدم لنا في سورة البقرة ~~شذرة من هذا البحث، فجدد به عهدا. # وهو السميع لما يظهرون من الأقوال العليم أي بما يخفون. # ثم حذر تعالى من الركون إليهم والعمل بآرائهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 116] # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) # وإن تطع أكثر من في الأرض أي: من الناس، وهم الكفار يضلوك عن سبيل الله ~~أي: عن الطريق الموصل إليه، بتزيينهم زخارفهم عليك، ودعوتهم إياك إلى ~~PageV04P473 # ما هم فيه من اتباع الهوى، كم قال إن يتبعون إلا الظن وهو ms1977 ظنهم أن آباءهم ~~كانوا على الحق، فهم يقلدونهم وإن هم إلا يخرصون يكذبون على الله تعالى ~~فيما ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل ~~الميتة، وتحريم البحائر. و (إن) فيه وفيما قبله نافية. والخرص: الحزر ~~والتخمين، وقد يعبر به عن الكذب والافتراء، وأصله القول بالظن، وقول ما لا ~~يستيقن ويتحقق- قاله الأزهري- ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 117] # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين تقرير لمضمون ~~الشرطية، وما بعدها. وتأكيد لما يفيده من التحذير. أي: هو أعلم بالفريقين، ~~فاحذر أن تكون من الأولين. - أفاده أبو السعود-. ### | تنبيه: # قال الرازي: تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: رأينا أن الله تعالى ~~بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن، بسبب كونهم متبعين للظن. والشيء ~~الذي يجعله الله تعالى موجبا لذم الكفار، لا بد وأن يكون في المعنى في أقصى ~~مراتب الذم. والعلم بالقياس يوجب اتباع الظن، فوجب كونه مذموما محرما. لا ~~يقال: لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة، كان العمل له عملا بدليل مقطوع، لا ~~بدليل مظنون. # لأنا نقول: هذا مدفوع من وجوه: # الأول- أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقليا، وإما أن يكون سمعيا، ~~والأول باطل، لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز، ~~لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه. والثاني أيضا باطل، لأن الدليل ~~السمعي إنما يكون قاطعا لو كان متواترا، أو كانت ألفاظه غير محتملة لوجه ~~آخر، سوى هذا المعنى الواحد. ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة ~~كون القياس حجة، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة. فحيث لم يوجد ذلك. علمنا أن ~~الدليل القاطع على صحة القياس مفقود. # الثاني- هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة، إلا أن مع ذلك لا ~~يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن. وبيانه أن التمسك بالقياس مبني على ~~مقامين: # الأول: أن الحكم في ms1978 محل الوفاق معلل بكذا. والثاني: أن ذلك المعنى حاصل ~~في # PageV04P474 # محل الخلاف. فهذان المقامان، إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين، ~~فهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء في صحته. وإن كان مجموعهما، أو كان ~~أحدهما ظنيا، فحينئذ لا يتم العلم بهذا القياس إلا بمتابعة الظن، وحينئذ ~~يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظن مذمومة. والجواب لم لا يجوز أن ~~يقال: الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة، وهو مثل ~~اعتقاد الكفار. أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا إلى أمارة، فهذا ~~الاعتقاد لا يسمى ظنا، وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال. # انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 118] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) # وقوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه أمر مترتب على النهي عن اتباع ~~المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم الحلال. وذلك أنهم ~~خاصموا المسلمين فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه- ~~أخرجه النسائي «1» عن ابن عباس- فنزلت الآية. والمعنى: كلوا مما ذكر اسم ~~الله على ذبحه، لرفعه تنجيس الموت إياه المانع من الأكل، لا مما ذكر عليه ~~اسم غيره، أو مات حتف أنفه. # إن كنتم بآياته مؤمنين فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله سبحانه، ~~واجتناب ما حرمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 119] # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) # قوله تعالى: وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه إنكار لأن يكون ~~لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر عليه اسم الله تعالى من البحائر ~~والسوائب. أي: وأي غرض لكم في أن تتحرجوا من أكله، وما يمنعكم عنه؟ وقد ~~PageV04P475 # فصل لكم ما حرم عليكم أي: بينه ووضحه. # قال بعض المفسرين: يعني في آية المائدة في قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة ~~[المائدة: 3] الآية. ورد ms1979 بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام ~~مكية. فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما [الأنعام: 145] الآية. فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من ~~التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وإما على لسان الرسول، ثم أنزل بعد ذلك ~~في القرآن. و (فصل) و (حرم) قرئ كل منهما معلوما ومجهولا. ومعنى الآية: لا ~~مانع لكم من أكل ما ذكر، وقد بين لكم المحرم أكله، وهذا ليس منه. # إلا ما اضطررتم إليه أي: مما حرم عليكم. أي: إلا أن تدعوكم الضرورة إلى ~~أكله بسبب شدة المجاعة، فيباح لكم. # وإن كثيرا ليضلون قرئ بفتح الياء وضمها بأهوائهم بغير علم أي: # يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم، من غير تعلق بشريعة. # إن ربك هو أعلم بالمعتدين أي المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال ~~إلى الحرام. ### | تنبيه: # قال الرازي: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، ~~لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام. ~~انتهى. # وقال بعض الزيدية: في الآية دلالة على تحريم الفتوى والحكم بغير دلالة، ~~ولكن اتباع الهوى. # ولما بين تعالى أنه فصل المحرمات، أتبعه بما يوجب تركها بالكلية، فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 120] # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # وذروا ظاهر الإثم أي: سيئات الأعمال والأقوال الظاهرة على الجوارح وباطنه ~~أي: ما يسر منه بالقلب كالعقائد الفاسدة، والعزائم الباطلة. أو ما يعلن # PageV04P476 # من الذنوب وما يسر منها، ويستتر فيه. # قال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه مع الخليلة ~~والصدائق والأخدان. ولا يخفى أن اللفظ عام في كل محرم، ولذا قال قتادة: أي ~~سره وعلانيته، قليله وكثيره، وصغيره وكبيره. كقوله تعالى: قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن [الأعراف: 33] . # إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون أي: يكتسبون. قال ~~الشهاب: الاقتراف في اللغة الاكتساب، ms1980 وأكثر ما يقال في الشر والذنب. ولذا ~~قيل: # الاعتراف يزيل الاقتراف وقد يرد في الخير كقوله تعالى: ومن يقترف حسنة ~~نزد له فيها حسنا [الشورى: 23] انتهى. # وقد روى «1» مسلم وغيره عن نواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس. # قال الحاكم: في الآية دلالة على أن العبد يؤاخذ بأفعال القلب، كما يؤاخذ ~~بأفعال الجوارح. أي: على التفسير الأول فيها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 121] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أي: عند ذبحه. أي: بأن ذكر عليه ~~اسم غيره، يعني: ذبح لغيره تعالى. وإنه لفسق والفسق ما أهل لغير الله به، ~~كما في الآية الآتية آخر السورة. قال المهايمي. وإنه لفسق أي: خروج عن ~~الحسن إلى القبح، بتناول ما تنجس بالموت بلا مانع عن تأثيره. وإن الشياطين ~~ليوحون أي. # يوسوسون إلى أوليائهم أي: من الكفار، ليجادلوكم أي: في تحليل الميتة، وإن ~~أطعتموهم أي: في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل، إنكم لمشركون أي: لهم ~~مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم. ### | تنبيهات: # الأول- # روي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: PageV04P477 # أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ما ~~نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله تعالى، فأنزل الله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين إلى قوله: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون. ~~أخرجه أصحاب السنن «1» . # وفي رواية لأبي داود في قوله تعالى: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم قال: يقولون ما ذبح الله- فلا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم فكلوا؟ ~~فأنزل الله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وفي أخرى: فكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا مما لم ms1981 يذكر اسم الله عليه، فنسخ، ~~واستثنى من ذلك فقال: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم. # وعند النسائي «2» قال: خاصمهم المشركون، فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه، ~~وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ - كذا في تيسير الوصول. # الثاني- دلت الآية على مشروعية التسمية عند الذبح فقيل: باسم الله، بهذا ~~اللفظ الكريم. وقيل: بكل قول فيه تعظيم له كالرحمن، وسائر أسمائه الحسنى، ~~لقوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن [الإسراء: 110] ولقوله تعالى: # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] . # الثالث- ما قدمناه من حمل الآية على ما ذبح لغير الله تعالى هو الأظهر في ~~تأويلها، لقوله تعالى بعد: أو فسقا أهل لغير الله به ومراعاة النظائر في ~~القرآن أولى ما يلتمس به المراد. # وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش على ~~الأوثان، وذبائح المجوس. وقد حاول بعضهم أن يقويه فجعل الواو في قوله: # وإنه لفسق حالية، لقبح عطف الخبر على الإنشاء. قال: والمعنى: لا تأكلوه ~~حال كونه فسقا. والفسق مجمل يفسره قوله: أهل لغير الله به، فيكون النهي ~~مخصوصا بما أهل لغير الله به، فيبقى ما عداه حلالا، إما بالمفهوم، أو بعموم ~~دليل الحل، أو بحكم الأصل. واعترض على هذا الحمل بأنه يقتضي أن لا يتناول ~~النهي أكل الميتة، مع أنه سبب النزول، وبأن التأكيد ب (إن) و (اللام) ينفي ~~كون الجملة PageV04P478 # حالية، لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه البتة، والرد على منكر ~~تحقيقا أو تقديرا (على ما بين في المعاني) ، والحال الواقع في الأمر والنهي ~~مبناه على التقدير، كأنه قيل: لا تأكلوا منه إن كان فسقا، فلا يحسن (وإنه ~~لفسق) بل (وهو فسق) وأجيب عن الأول بأنه دخل بقوله: وإنه لفسق ما أهل به ~~لغير الله وبقوله: # وإن الشياطين ... إلخ الميتة، فيتحقق أن هذا النهي مخصوص بما ذبح على ~~النصب، أو مات حتف أنفه. وعن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق هاهنا ~~الإهلال لغير الله، كان التأكيد مناسبا، كأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا ms1982 كان ~~هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق، والمشركون ينكرونه- كذا في ~~العناية-. # ومما يقويه أيضا قوله تعالى: وإنه لفسق على أن المراد به الخروج عن طاعة ~~الله تعالى، وهو وجه ثان فيه، وقوله تعالى: إنكم لمشركون فإن من أكل ~~الميتة، أو ما ذبح على النصب فسق، ومع الاستحلال يكفر، بخلاف ما ذبحه ~~المسلم ولم يسم عليه، فإن آكله لا يفسق ولا يكفر إجماعا- أشار له الرازي- ~~وحينئذ فلا دلالة في الآية على تحريم ذبيحة المسلم التي تركت التسمية ~~عليها، عمدا أو سهوا. # وقد روى أبو داود في (مراسيله) عن الصلت السدوسي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكره، إنه إن ذكر ~~لم يذكر إلا اسم الله. # قال الحافظ ابن كثير: وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه ~~قال: إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله، فليأكل، فإن المسلم في اسم من ~~أسماء الله تعالى. # واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: # إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: سموا ~~عليه أنتم وكلوه. قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر- رواه البخاري «1» # والنسائي- قال: فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها. ~~وكذا قال الخطابي: فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة، لأنها لو ~~كانت شرطا لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عرض الشك في نفس ~~الذبيحة، فلم يعلم هل وقعت الذكاة المعتبرة أم لا؟ وهذا هو المتبادر من ~~سياق الحديث، حيث وقع PageV04P479 # الجواب فيه: (سموا أنتم) ، كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يهمكم ~~أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا. وهذا من الأسلوب الحكيم. ومما يدل أيضا ~~قوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم [المائدة: 5] فأباح الأكل من ~~ذبائحهم، مع وجود الشك في أنهم سموا أم لا. هذا، وقد تمسك بظاهر الآية قوم ~~فذهبوا إلى أن الذبيحة لا ms1983 تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح ~~مسلما، عمدا تركت التسمية أو نسيانا. واحتجوا أيضا بقوله تعالى في آية ~~الصيد: فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه [المائدة: 4] ، ~~وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، # كحديثي عدي «1» بن حاتم وأبي ثعلبة «2» : إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت ~~اسم الله فكل # ، وهما في الصحيحين. # وحديث رافع بن خديج «3» : ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوه- # في الصحيحين أيضا-. PageV04P480 # وحديث ابن مسعود «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: لكم كل ~~عظم ذكر اسم الله عليه- رواه مسلم-. # وحديث جندب بن سفيان البجلي قال «2» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا، فليذبح ~~باسم الله- أخرجاه-. # قالوا: ففي هذه الأحاديث إيقاف الإذن في الأكل على التسمية، والمعلق ~~بالوصف ينتفي عند انتفائه، عند من يقول بالمفهوم. والشرط أقوى من الوصف. # واحتجوا أيضا # بحديث عائشة المتقدم (سموا عليه أنتم وكلوا) # . قالوا: إن القوم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت ~~من أولئك، لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون ~~كالعوض عن المتروكة عند PageV04P481 # الذبح، إن لم تكن وجدت. أي: فتسميتكم الآن تستبيحون بها كل ما لم تعلموا ~~أذكروا اسم الله عليه أم لا، إذا كان الذابح ممن تصح ذبيحته إذا سمى. ~~قالوا: # ويستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين محمول على الصحة، وكذا ما ~~ذبحه أعراب المسلمين، لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية. انتهى. # وأجاب من حمل الآية على الوجه الأول بأن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة ~~محمول على التنزيه، من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلمهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصيد والذبح، فرضه ومندوبه، لئلا يوافقا ~~شبهة في ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور. وأما الذين سألوا عن تلك الذبائح، ~~فإنهم سألوا عن أمر قد وقع لغيرهم، فعرفهم بأصل الحل فيه. # وقال ابن التين: يحتمل أن يراد التسمية ms1984 هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي. # وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم، فلا تكلف عليهم فيه، وإنما يحمل على ~~غير الصحة إذا تبين خلافها. # وقال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية ليست فرضا. فلما نابت تسميتهم ~~عن التسمية على الذبح، دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن فرض. # انتهى. # وذهب بعض من اشترط التسمية في الحل إلى جواز أكل ما تركت عليه سهوا لا ~~عمدا. واحتج بما # رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعا: المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين ~~يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله # . قال الحافظ ابن كثير: ورفعه خطأ. والصواب وقفه على ابن عباس، من قوله. ~~نص عليه البيهقي. واحتج أيضا # بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس «1» وأبي هريرة «2» وأبي ~~ذر «3» وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. # ورواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا بلفظ: رفع عن أمتي الخطأ ... الحديث. # وروى ابن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اسم الله على كل مسلم. PageV04P482 # قال ابن كثير: وإسناده ضعيف. # وقد علمت الأظهر في تأويل الآية أولا- والله أعلم-. # الرابع- قال ابن جرير: اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها ~~شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به. وعلى ~~هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم. # وروي عن الحسن البصري وعكرمة أنه تعالى نسخ من هذه الآية واستثنى قوله: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم. وروى ابن أبي حاتم عن مكحول أيضا أنه ~~تعالى نسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب. # قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ~~ما لم يذكر اسم الله عليه. # قال ابن كثير: وهذا الذي قاله صحيح. ms1985 ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا، ~~فإنما أراد التخصيص. انتهى. # وقد قدمنا في المقدمة أنه علم من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم ~~كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي، الذي هو إزالة شيء بشيء، لا ~~بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية ~~أخرى. إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غيره، ~~أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، وغير ذلك مما أسلفنا، ~~فتذكر! الخامس- قال الزجاج: في قوله تعالى: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون. # دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل ~~الله تعالى، فهو مشرك. وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى. ~~وهذا هو الشرك. انتهى. # وقال ابن كثير: إنكم لمشركون أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى ~~قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك. كقوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله ... [التوبة: 31] الآية. # وقد روى الترمذي «1» في PageV04P483 # تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله! ما عبدوهم. قال: إنهم ~~أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم. فذاك عبادتهم إياهم. # انتهى. # السادس- قال الكعبي: الآية حجة على أن (الإيمان) اسم لجميع الطاعات، وإن ~~كان معناه في اللغة التصديق، كما جعل تعالى (الشرك) اسما لكل ما كان مخالفا ~~لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصا بمن يعتقد أن لله شريكا، بدليل أنه ~~تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين، في إباحة الميتة، شركا. # وتعقبه الرازي بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك هاهنا اعتقاد أن ~~لله شريكا في الحكم والتكليف؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى ~~الاعتقاد فقط. انتهى. # ثم ضرب تعالى مثلا للمؤمن والكافر، لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين، ~~إثر تحذيرهم عنها، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 122] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين ms1986 للكافرين ما كانوا يعملون (122) # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها مثل به من هداه الله بعد الضلالة، وبصره بنور الحجج ~~والآيات، يتأمل بها في الأشياء، فيميز بين الحق والباطل، والمهتدي والضال، ~~بمن كان ميتا فأعطاه الحياة، وما يتبعها من القوى المدركة والمحركة. ومن ~~بقي على الضلالة، بالخابط في الظلمات، لا ينفك منها، ولا يتخلص، فهو متحير ~~على الدوام. # كذلك أي: مثل ذلك التزيين البليغ زين للكافرين ما كانوا يعملون أي: من ~~فنون الكفر والمعاصي، ولذا جادلوا بها الحق، وأصروا عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 123] # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) # وقوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. أي: كما جعلنا بمكة كبراء ليمكروا على أتباعهم ~~في تزيين الباطل، # PageV04P484 # وستر الحق- جعلنا في كل قرية، أرسلنا إليها الرسل، أكابرها المجرمين، ~~متصفين بصفات المذكورين، مزينا لهم أعمالهم، مصرين على الباطل، مجادلين به ~~الحق، ليفعلوا المكر فيها على أتباعهم بالتلبيس، ليتركوا متابعة الرسل. # قال ابن كثير: المراد ب (المكر) هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف المقال ~~والفعال، كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح: ومكروا مكرا كبارا [نوح: 22] ، ~~وكقوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم، بل كنتم ~~مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ... [سبأ: 31- 33] الآية. # وقال الزمخشري: خص الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال، والماكرون ~~بالناس، كقوله: أمرنا مترفيها # [الإسراء: 16] . # وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون أي: ما يضرون بمكرهم إلا أنفسهم، لأن ~~وباله يحيق بهم، كما قال تعالى: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~[العنكبوت: 13] . وقال: ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ms1987 علم، ألا ساء ما ~~يزرون [النحل: 25] . قال الزمخشري: هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتقديم موعد بالنصرة عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 124] # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) # وإذا جاءتهم آية أي: برهان وحجة قاطعة قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله أي: من الوحي والمعجزات المصدقة له. كقوله تعالى: وقال الذين ~~لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ... [الفرقان: 21] ~~الآية. # وقوله سبحانه: بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة [المدثر: 52] . # الله أعلم حيث يجعل رسالته كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفي ~~للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة ~~على مكنون # PageV04P485 # سره، مما لو انكشف لغيره انكشافه له، لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله ~~جلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم. # وقد روى الإمام «1» أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم، إسماعيل. ~~واصطفى من بني إسماعيل، بني كنانة. واصطفى من بني كنانة، قريشا، واصطفى من ~~قريش، بني هاشم. واصطفاني من بني هشام. وانفرد بإخراجه مسلم «2» أيضا. # وروى الإمام أحمد «3» عن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين، ~~فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا، ~~فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا. # سيصيب الذين أجرموا صغار أي: ذلة وهوان بعد كبرهم وعظمتهم عند الله أي: ~~يوم القيامة، جزاء على منازعتهم له تعالى في كبره برد آياته ورسالته، ~~واعتراضهم عليه في تخصيصه بالرسالة غيرهم، وعذاب شديد يعني: في الآخرة. # بما كانوا يمكرون في الدنيا إضرارا ms1988 بالأنبياء. # قال ابن كثير: لما كان المكر غالبا، إنما يكون خفيا، وهو التلطف في ~~التحليل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة، جزاء وفاقا. ~~ولا يظلم ربك أحدا. وجاء # في الصحيحين «4» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينصب لكل غادر ~~لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان. # والحكمة في هذا، أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيوم ~~القيامة يصير علما منشورا على صاحبه بما فعل. انتهى. PageV04P486 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 125] # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # فمن يرد الله أن يهديه أي: للتوحيد يشرح أي: يوسع صدره للإسلام بتصقيله ~~بنور الهداية، فيقبل نور الحق، كما قال تعالى: ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم [الحجرات: 7] . # روى عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية: كيف يشرح ~~صدره؟ قال: # نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح. قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: # الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل ~~لقاء الموت. # ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم # . قال ابن كثير: وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا. # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا أي: شديد الضيق، فلا يتسع ~~للاعتقادات الصائبة في الله، والأمور الأخروية. # قال أبو البقاء: حرجا (بكسر الراء) صفة ل (ضيقا) ، أو مفعول ثالث، كما ~~جاز في المبتدأ أن تخبر عنه بعدة أخبار. أو يكون الجميع في موضع خبر واحد، ~~ك (حلو حامض) . وعلى كل تقدير، هو مؤكد للمعنى. ويقرأ بفتح الراء، على أنه ~~مصدر. أي: ذا حرج. وقيل: هو جمع حرجة، مثل قصبة وقصب، والهاء فيه للمبالغة. ~~انتهى. # وقوله تعالى كأنما يصعد في السماء أي: يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه ~~يهبط إلى الأرض، فشبه، للمبالغة في ضيق ms1989 صدره، بمن يزاول أمرا غير ممكن. لأن ~~صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. وقيل: ~~معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوا عن الحق، وتباعدا في الهرب منه. وأصل ~~(يصعد) يتصعد من (الصعود) . # كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون في الاعتقادات والأخلاق. # والرجس ما استقذر من العمل، وسمي بذلك مبالغة في ذمه. # PageV04P487 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 126] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) # وهذا أي: البيان الذي جاء به القرآن، أو طريق التوحيد، وإسلام الوجه إلى ~~الله صراط ربك أي: طريقه الذي ارتضاه مستقيما لا ميل فيه إلى إفراط وتفريط ~~في الاعتقادات والأخلاق والأعمال. أو لا اعوجاج فيه إلى النظر إلى الغير ~~والشرك به. # قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون أي: المعارف والحقائق التي هي مركوزة في ~~استعدادهم، فيهتدوا بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 127] # لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # لهم دار السلام أي: السلامة من المكاره، وهو الجنة، لكونهم في مقام ~~القرب، عند ربهم وهو وليهم يتولاهم بمحبته، ويجعلهم في أمانه، بما كانوا ~~يعملون أي: بسبب أعمالهم الصالحة في سلوكهم صراطه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 128] # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) # ويوم يحشرهم جميعا أي: اذكر يا محمد فيما تقصه عليهم، وتنذرهم به، يوم ~~تحشرهم جميعا، يعني: الجن وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في ~~الدنيا، ويعوذون بهم، ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. # يا معشر الجن أي: نقول: يا معشر الجن! يعني: الشياطين. قال المهايمي: # خصهم بالنداء لأنهم الأصل في المكر. قد استكثرتم من الإنس أي: من إغوائهم ~~وإضلالهم. أو منهم، بأن جعلتموهم أتباعكم، وأهل طاعتكم، وتسويلكم وتزيينكم ~~الحطام الدنيوية، واللذات الجسمانية عليهم، ms1990 ووسوستكم لهم بالمعاصي، فحشروا ~~معكم. وهذا بطريق التوبيخ والتقريع. # PageV04P488 # وقال أولياؤهم أي: الذين أطاعوهم وتولوهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض قال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس. ~~أي: فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات ~~الحاضرة، على اللذات الغائبة وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أي: بالموت، أو ~~بالمعاد الجسماني على أقبح صورة، وأسوأ عيش. # قال أبو السعود: قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين، واتباع ~~الهوى، وتكذيب البعث، وإظهارا للندامة عليها، وتحسرا على حالهم، واستسلاما ~~لربهم. # ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين، للإيذان بأن المضلين قد أفحموا ~~بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا. # قال النار مثواكم أي: منزلكم، كما أن دار السلام مثوى المؤمنين. # خالدين فيها إلا ما شاء الله قال القاشاني: أي إلا وقت مشيئته أن تخفف، ~~أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذيبه شركا راسخا في اعتقاده. # وقال المهايمي: أي إلا وقت مشيئته أن ينقلكم منها إلى الزمهرير، انتقالكم ~~من شهوة إلى أخرى. # وقال الزمخشري: أي يخلدون في عذاب النار، الأبد كله، إلا الأوقات التي ~~ينقلون فيها من عذاب النار، إلى عذاب الزمهرير. # فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، ~~فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم # . أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، ~~وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت. وقد ~~علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد. ~~فيكون قوله (إلا إذا شئت) من أشد الوعيد، مع تهكم بالموعد، لخروجه في صورة ~~الاستثناء الذي فيه إطماع. # انتهى. # قال الخفاجي: لما كان الخطاب للكفرة، وهم لا يخرجون من النار، لأن ما ~~قبله بيان حالهم، فيبعد جعله شاملا للعصاة، ليصح الاستثناء باعتباره، مع أن ~~استعمال (ما) للعقلاء قليل- وجهوه بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير، ~~أو المبالغة في الخلود، بمعنى أنه لا ms1991 ينتفي إلا وقت مشيئة الله، وهو مما لا ~~يكون مع إبرازه في صورة الخروج وإطماعهم في ذلك تهكما وتشديدا للأمر عليهم. ~~و (ما) مصدرية وقتية. أو إن المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول. # PageV04P489 # ورد الأول بأن فيه صرف النار من معناها العلمي، وهو دار العذاب، إلى ~~اللغوي. # وأجيب عنه بأن لا بأس بالصرف إذا دعت إليه ضرورة. وقيل عليه: إن المعترض ~~لا يسلم الضرورة، لإمكان غير ذلك التأويل. مع أن قوله مثواكم يقتضي ما ذهب ~~إليه المعترض بحسب الظاهر. ورد الأخير أبو حيان بأن في الاستثناء يشترط ~~اتحاد زمان المخرج، والمخرج منه، فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فمعناه: ~~إلا زيدا ما قام. # ولا يصح أن يكون المعنى: إلا زيدا ما يقوم في المستقبل. وكذلك سأضرب ~~القوم إلا زيدا، معناه: إلا زيدا فإني لا أضربه في المستقبل، ولا يصح أن ~~يكون المعنى: إلا زيدا فإني ما ضربته قبل، إلا إذا كان استثناء منقطعا، ~~فإنه يسوغ، كقوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى. فإنهم ذاقوها. ~~ولك أن تقول: إن القائل بل يلتزم انقطاعه، كما في الآية التي ذكرها، ولا ~~محذور فيه، مع ورود مثله في القرآن، وفيه نظر. وقيل: إنه غفلة عن تأويل ~~الخلود بالأبد، والأبد لا يقتضي الدخول. # انتهى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : قد ثبت خلود الكفار في العذاب ثبوتا قطعيا، ~~فمن ثم اعتنى العلماء بالكلام على الاستثناء في هذه الآية، وفي أختها في ~~سورة هود. فذهب بعضهم إلى أنها شاملة لعصاة الموحدين وللكفار، والمستثنى ~~العصاة، لأنهم لا يخلدون- وقد علمت بعده-. # ثم قال: وذهب بعضهم إلى أن هذا الاستثناء محدود بمشيئة رفع العذاب، أي: ~~مخلدون إلا أن يشاء الله لو شاء. وفائدته إظهار القدرة، والإعلان بأن ~~خلودهم إنما كان لأن الله تعالى قد شاءه، وكان الجائز العقلي في مشيئته أن ~~لا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم، وإن ذلك ليس بأمر واجب عليه، وإنما هو ~~مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل. وفيها على هذا الوجه دفع في صدر المعتزلة ~~الذين يزعمون أن ms1992 تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة، وأنه لا ~~يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك. # وذهب الزجاج إلى وجه لطيف، إنما يظهر بالبسط فقال: المراد- والله أعلم- ~~إلا ما يشاء من زيادة العذاب. ولم يبين وجه الاستثناء. والمستثنى على هذا ~~التأويل لم يغاير المستثنى منه في الحكم، ونحن نبينه فنقول: العذاب- ~~والعياذ بالله- على درجات متفاوتة، كأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب ~~إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية، وتنتهي إلى أقصى النهاية، حتى تكاد ~~لبلوغها الغاية، ومباينتها # PageV04P490 # لأنواع العذاب في الشدة، تعد ليس من جنس العذاب، وخارجة عنه. والشيء إذا ~~بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد، كما تقدم في التعبير عن كثرة الفعل ب ~~(رب) و (قد) ، وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة، وذلك أمر يعتاد في لغة ~~العرب. وقد حام أبو الطيب حوله فقال: # لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم ... للمنتهى ومن السرور بكاء # فكأن هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب، ونهاية الشدة، فقد وصلوا إلى الحد ~~الذي يكاد أن يخرج من اسم العذاب المطلق، حتى يسوغ معاملته في التعبير ~~بمعاملة المغاير. وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا ~~البسط. # وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنه ما يؤيده. انتهى. # وفي الآية تأويلات أخر: # منها: ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوما قد ~~سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مبني على أن ~~الاستثناء ليس من المحكي، وأن (ما) بمعنى (من) . # ومنها: أنهم يفتح لهم أبواب الجنة، ويخرجون من النار، فإذا توجهوا للدخول ~~أغلقت في وجوههم استهزاء بهم. وهو معنى قوله: فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون [المطففين: 34] . قال الشريف المرتضى في (الدرر) : فإن قيل: أي ~~فائدة في هذا الفعل، وما وجه الحكمة فيه؟ قلنا: وجه الحكمة فيه ظاهر، لأن ~~ذلك أغلظ على نفوسهم، وأعظم في مكروههم، وهو ضرب من العقاب الذي يستحقونه ~~بأفعالهم القبيحة. لأن من طمع في النجاة والخلاص من المكروه، ms1993 واشتد حرصه ~~على ذلك، ثم حيل بينه وبين الفرج، ورد إلى المكروه، يكون عذابه أصعب وأغلظ ~~من عذاب من لا طريق للطمع عليه- كذا في العناية-. # ومنها: أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار. أي: إلا وقت مشيئته ~~فناءها، وزوال عذابها. # قال السيوطي في (الدر المنثور) : أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: قال عمر ~~رضي الله عنه: لو لبث أهل النار في النار، كقدر رمل عالج، لكان لهم يوم على ~~ذلك يخرجون فيه. وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن أيضا. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ونقل هذا عن عمر وابن مسعود ~~وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم. انتهى. # PageV04P491 # وقد انتصر لهذا القول جماعة. قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد ~~وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، كله حق مسلم لا نزاع فيه. وذلك يقتضي الخلود ~~في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ~~ففرق بين من يخرج من الحبس، وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب ~~الحبس وانتقاضه. وقد بسط البحث في ذلك وجوده الإمام ابن القيم في كتابه ~~(حادي الأرواح) ، ومع كونه انتصر لهذا القول انتصارا عظيما، وذكر له خمسة ~~وعشرين دليلا، لم يصححه، حيث قال: أما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا ~~تبيد، فمما يعلم بالاضطرار، ولم يقل بفنائها أحد. ومن قال به- كالجهمية- ~~فهو ضال مبتدع منحرف عن الصواب، وليس له في ذلك سلف. وأما أبدية النار ~~ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والأصح عدم فنائها أيضا. انتهى. # وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا المقام في آية هود. # وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: لا ~~ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه. لا ينزلهم جنة ولا نارا. # إن ربك حكيم فلا يعذب إلا على ما تقتضيه الحكمة، عليم أي: بمن يعذب ~~بكفره، فيدوم عذابه. أو بسيئات أعماله، فيعذب على حسبها، ثم ينجو منه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام ms1994 (6) : آية # 129] # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # وكذلك نولي بعض الظالمين أي: من الإنس بعضا أي: نجعلهم بحيث يتولونهم ~~بالإغواء والإضلال، كما فعل الشياطين وغواة الإنس، بما كانوا يكسبون أي: ~~بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي. # قال الرازي: لأن الجنسية علة الضم. فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها ~~في الخبث. وكذا القول في الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في ~~النصرة والمعونة والتقوية. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : الآية معنى # حديث (كما تكونون يولى عليكم) # أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة من حديث أبي بكرة. انتهى. # وأسند في (الجامع الصغير) تخريجه إلى الديلمي في (الفردوس) عن أبي # PageV04P492 # بكرة، وإلى البيهقي، عن أبي إسحاق السبيعي مرسلا- ورمز له بالضعف-. # وأسند في (الدر المنثور) عن منصور بن الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله ~~تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم ~~يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم. # وأخرج نحوه عن مالك بن دينار وكعب والحسن. # قال أبو الليث السمرقندي في (تفسيره) : ويقال في معنى الآية: نسلط على ~~بعض الظالمين بعضا فيهلكه أو يذله. قال: وهذا كلام لتهديد الظالم، لكي ~~يمتنع عن ظلمه. ويدخل في الآية جميع من يظلم: من راع في رعيته، وتاجر في ~~تجارته، وسارق، وغيرهم. # قال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر فيه ~~متعجبا. انتهى. # وقال ابن كثير: معنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس ~~تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على ~~بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم. # ثم بين تعالى ما سيكون من توبيخ الكفار من الفريقين يوم القيامة، إثر ~~بيان توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم، وأعلم أنه لا يكون لهم إلى الجحود ~~سبيل، فيشهدون على أنفسهم بالكفر، وأنهم لم يعذبوا إلا بالحجة، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 130] # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ms1995 رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) # معشر الجن والإنس ألم يأتكم # أي: في الدنياسل منكم يقصون عليكم آياتي # بالأمر والنهي ينذرونكم # يخوفونكم قاء يومكم هذا # وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال. الوا # يعني الجن والإنس. هدنا على أنفسنا # أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم، كما فصل في قوله ~~تعالى: قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير [الملك: 9] . # PageV04P493 # غرتهم الحياة الدنيا # أي: ما فيها من الزهرة والنعيم، وهو بيان لما أداهم في الدنيا إلى الكفر ~~شهدوا على أنفسهم # أي: في الآخرة. قال المهايمي: بعد شهادة جوارحهم نهم كانوا كافرين # أي: في الدنيا بما جاءتهم الرسل. ### | تنبيهات: # الأول- استدل بقوله تعالى: لم يأتكم رسل منكم # من قال إن الله بعث إلى الجن رسلا منهم. وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن ~~مزاحم، والأكثرون على أنه لم يكن من الجن رسول، وإنما كانت الرسل من الإنس ~~فقط. نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة، من السلف والخلف. # قال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وأجابوا عن ظاهر الآية ~~بأن فيها مضافا. أي: من أحدكم، وهم الإنس. أو من إضافة ما للبعض للكل، ~~كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] ، وإنما يخرجان من ~~أحدهما، وهو الملح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله: ~~مرج البحرين [الرحمن: 19] ، وهو جائز في كل ما اتفق في أصله. فلذلك لما ~~اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز، مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين، وهم ~~الإنس. وهذا قول الفراء والزجاج. # وقال أبو السعود: المعنى: ألم يأتكم رسل من جملتكم، لكن لا على أنهم من ~~جنس الفريقين معا، بل من الإنس خاصة. وإنما جعلوا منهما، إما لتأكيد وجوب ~~اتباعهم، والإيذان بتقاربهما ذاتا، واتحادهما تكليفا وخطابا، كأنهما من جنس ~~واحد. ولذلك تمكن أحدهما ms1996 من إضلال الآخر. وإما لأن المراد بالرسل ما يعم ~~رسل الرسل. وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن، وأنذروا به قومهم، حيث نطق به ~~قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ... [الأحقاف: 29] ~~إلى قوله تعالى: ولوا إلى قومهم منذرين [الأحقاف: 29] . انتهى. # وهكذا في عهد كل رسول لا يبعد أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من ~~جن عصره فيسمعون كلامهم، ويأتون قومهم من الجن، ويخبرونهم بما سمعوه من ~~الرسل، وينذرونهم به. وقد سمى تعالى رسل عيسى رسل نفسه فقال: إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين [يس: 14] وتحقيق القول فيه: أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه ~~الآية، لأنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل ~~مبشرين ومنذرين. فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق، فقد حصل # PageV04P494 # ما هو المقصود من إزاحة العذر، وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلا- كذا ~~قرره الرازي-. # قال الحافظ ابن كثير: والدليل على أن الرسل من الإنس قوله تعالى: إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ... [النساء: 163] إلى ~~قوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~[النساء: 165] . وقوله تعالى عن إبراهيم: وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ~~[العنكبوت: 27] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته. ولم يقل أحد: إن ~~النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم، ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: وما ~~أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~[لقمان: 20] . وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى [يوسف: 109] . ومعلوم أن الجن تتبع للإنس في هذا الباب. انتهى. # الثاني- إن قيل: ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر، وجحدوه في ~~قوله: والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] ؟ قلنا: يوم القيامة يوم ~~طويل، والأحوال فيه مختلفة، فتارة يقرون، وأخرى يجحدون. وذلك يدل على شدة ~~خوفهم، واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه، كثر الاضطراب في كلامه- أفاده ~~الرازي. # زاد الزمخشري: أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على ms1997 ~~أفواههم. # الثالث- إن قيل: لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ أجيب: بأن الأولى حكاية ~~لقولهم كيف يقولون ويعترفون والثانية ذم لهم، وتخطئة لرأيهم، ووصف لقلة ~~نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا، واللذات الحاضرة، وكان ~~عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم ~~واستيجاب عذابه. وإنما قال ذلك تحذيرا للسامعين من مثل حالهم- كذا في ~~(الكشاف) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 131] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) # وقوله تعالى ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون إعلام بأنه ~~تعالى أعذر إلى الثقلين بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتبيين الآيات، وإلزام ~~الحجة بالإنذار والتهديد. وأنه تعالى لا يؤاخذ القرى بظلم أهلها بالشرك ~~ونحوه، وهم لا # PageV04P495 # تبلغهم دعوة رسول ينهاهم عنه، وينبههم على بطلانه، لأنه ينافي الحكمة. ~~وجوز في ذلك أن يكون خبرا لمحذوف. أي: الأمر ذلك. أو مبتدأ وخبره محذوف. ~~أي: # كما ذكر. أو خبره أن لم يكن ... إلخ. والمشار إليه إتيان الرسل، أو ما قص ~~من أمرهم، أو السؤال المفهوم من قوله لم يأتكم # . واستظهر أبو السعود أن الإشارة إلى شهادتهم على أنفسهم بالكفر، ~~واستيجاب العذاب، وأنه مبتدأ خبره ما بعده، وأن (أن) مصدرية، و (اللام) ~~مقدرة قبلها. أو مخففة، واسمها ضمير الشأن، وبظلم متعلق ب مهلك. أي: بسبب ~~ظلم، أو بمحذوف حالا من (القرى) ، أي متلبسة بظلم. والمعنى: ذلك ثابت ~~لانتفاء كون ربك، أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب ظلم فعلوه قبل ~~أن ينبهوا على بطلانه برسول. ### | تنبيه: # في الآية دليل على أنه لا تكليف قبل البعثة، ولا حكم للعقل. كقوله: وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 132] # ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # ولكل أي: من المكلفين درجات أي: مراتب مما عملوا أي: من أعمالهم، ~~يبلغونها ويثابون بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. واستدل بها، على هذا ~~التأويل، بأن الجن يدخلون الجنة ms1998 ويثابون. # قال ابن كثير: ويحتمل أن يعود قوله ولكل لكافري الجن والإنس. أي: # ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [الأنعام: 14] . # وما ربك بغافل عما يعملون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 133] # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) # وربك الغني عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع ~~أحوالهم ذو الرحمة أي: يترحم عليهم بالتكليف، تكميلا لهم، ويمهلهم على # PageV04P496 # المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه، بل ~~لترحمه على العباد، وتمهيد لقوله إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~أي: من الخلق يعملون بطاعته كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ذهب بهم ثم ~~بذريتهم، لكنه أبقاكم ترحما عليكم. وهذا كقوله تعالى والله الغني وأنتم ~~الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد صلى ~~الله عليه وسلم: 38] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 134] # إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) # إن ما توعدون أي: من البعث وأحواله لآت أي: لكائن لا محالة وما أنتم ~~بمعجزين أي: بفائتين يعجز عنكم. وهذا رد لقولهم: من مات فقد فات. أي: # هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم رفاتا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 135] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم أي: على غاية تمكنكم واستطاعتكم. # يقال: مكن مكانة، إذا تمكن أبلغ التمكن. أو على جهتكم وحالتكم، من قولهم: # مكان ومكانة، كمقام ومقامة. والمعنى: اثبتوا على كفركم. إني عامل أي: ما ~~أمرت به من الثبات على الإسلام. فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار أي: ~~التي بنيت لعبادته تعالى وحده، دون غيرهم، هل تكون للعدل الذي يضع العبادة ~~في موضعها، أو للظالم بوضعها ms1999 في غير موضعها. والمراد بالدار، الدنيا. ~~وبالعاقبة، العاقبة الحسنى. أي: عاقبة الخير، لأنها الأصل، فإنه تعالى جعل ~~الدنيا مزرعة الآخرة، وقنطرة المجاز إليها. # إنه لا يفلح الظالمون أي: الكافرون. ووضع الظلم موضع الكفر، إيذانا بأن ~~امتناع الفلاح يترتب على أي فرد كان من أفراد الظلم، فما ظنك بالكفر الذي ~~هو أعظم أفراده؟ ### | لطائف: # في إيراد التهديد بصيغة الأمر، أعني: قوله اعملوا على مكانتكم مبالغة في ~~الوعيد، كأن المهدد يريد تعذيبه، مجمعا عليه، فيحمله بالأمر على ما يؤدي ~~إليه. # PageV04P497 # وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر، كالمأمور به الذي لا يقدر أن ~~يتفصى عنه. # وفي قوله تعالى: فسوف تعلمون مع الإنذار، إنصاف في المقال، وحسن الأدب، ~~حيث لم يقل (العاقبة لنا) وفوض الأمر إلى الله. وهذا من الكلام المنصف، ~~كقوله تعالى: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] . # وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه محق. # وفيه تبشير بأن العاقبة له. # قال ابن كثير: وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلوات الله عليه، فمكن له في ~~البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من ~~كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك ~~اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق ~~بعد وفاته، في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين. كما قال تعالى: كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز [المجادلة: 21] . وقال: إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار [غافر: 51- 52] وقال تعالى: ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد [إبراهيم: ### | 13- 14 # ] وقال تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا [النور: 55] . ~~وقد فعل تعالى ذلك بهذه الأمة، وله الحمد والمنة. ms2000 # ثم بين تعالى نوعا من جهالات مشركي مكة وضلالاتهم، وهو ترجيحهم جانب ~~الأصنام على جانبه سبحانه، بعد تشريكهم إياه فيما اختص بخلقه، بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 136] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) # وجعلوا لله مما ذرأ أي: خلق من الحرث أي: الزرع والأنعام نصيبا # PageV04P498 # يصرفونه إلى الضيفان والمساكين. أي: ولأصنامهم نصيبا يصرفونه إلى التنسك ~~والسدنة. وإنما لم يذكر اكتفاء بما بعده. # فقالوا هذا لله بزعمهم بالفتح والضم (وقال الشهاب: الزعم مثلث كالود) . # أي: هذا مستقر له الآن، من غير استقرار له في المستقبل العارض. وهذا ~~لشركائنا وهو مستقر لهم، بل يستقر لهم ما ليس لهم أيضا، فكانوا إذا سقط في ~~نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه كما قال ~~تعالى: فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله أي: عند نمائه أو سقوطه فيما هو ~~لله. # أو هلاك ما هو لله لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى ~~الضيفان والتصدق على المساكين. وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم أي: عند ~~نمائه أو سقوطه فيما هو للأصنام، أو هلاك مالها، فينفقون عليها، بذبح نسائك ~~عندها، والإجراء على سدنتها، ونحو ذلك. وعللوا ذلك بأن الله غني، وهي ~~محتاجة ساء ما يحكمون أي: ما يقسمون، لأنهم أولا عملوا ما لم يشرع لهم، ~~وضلوا في القسم. # لأنه تعالى رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا إله غيره، ولا رب سواه. ثم لما ~~قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة، لم يحفظوها، بل جاروا فيها، إذ رجحوا ~~جانب الأصنام في الحفظ والرعاية سفها. # وقال المهايمي: ساء ما يحكمون أي: من ترجيح جانب الأصنام على جانب الله، ~~بعلة تقتضي ترجيح جانب الله لإلهيته، وعدم صلاحيتها للإلهية مع الحاجة. # وما ذكرناه في الآية هو الذي قاله أئمة التفسير. # فقد ms2001 روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه ~~الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله ~~منه جزءا، وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان ~~حفظوه وأحصوه. وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، ~~وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئا جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن. ~~وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن ~~قالوا: # هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، ~~فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله تعالى، ~~فقال تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ ... الآية. # قال ابن كثير: وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. # PageV04P499 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 137] # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم أي: مثل ذلك التزيين، ~~وهو تزيين الشرك في القسمة المتقدمة، زين لهم أولياؤهم من الشياطين ما هو ~~أشد منه قبحا في باب القربان، وهو قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات ~~خشية العار، وإنما سميت الشياطين شركاء، لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من ~~قتل أولادهم، فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم، ليردوهم أي: يهلكوهم بالشرك ~~وقتل الولد. من (الإرداء. وهو، لغة، الإهلاك) ، وليلبسوا عليهم دينهم أي: # ليخلطوا عليهم ما هم عليه، بدين إبراهيم في ذبح إسماعيل عليهما السلام. ~~أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به، لأنهم كانوا على دين إسماعيل. فهذا الذي ~~أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق. ولو شاء ~~الله ما فعلوه أي: # فلا تحزن على هلاكهم بما يفعلونه، لأنه بمشيئة الله، فذرهم وما يفترون ~~أي: # لأن له فيما شاءه حكما ms2002 بالغة إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب ~~مهين [آل عمران: 178] ، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى. ### | تنبيه: # شركاؤهم فاعل زين أخر عن الظرف والمفعول اعتناء بالمقدم، واهتماما به، ~~لأنه موضع التعجب، لأنهم يقدمون الأهم، والذين هم بشأنه أعنى. وقرأ ابن ~~عامر وحده زين على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر ~~الشركاء بإضافة القتل إليه، مفصولا بينهما بمفعوله. وقد زيف الزمخشري، عفا ~~الله عنه، هذه القراءة، وعد ذلك من كبائر كشافه حيث قال: وأما قراءة ابن ~~عامر، فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا، كما سمج ~~ورد: # زج القلوص أبي مزاده # فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ # قال: والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء، ~~ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء- لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم- لوجد في ~~ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب. انتهى. # PageV04P500 # قال الناصر في (الانتصاف) : لقد ركب الزمخشري متن عمياء، وتاه في تيهاء، ~~وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه، وحفظة كلامه، مما رماهم به، فإنه ~~تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا ~~نقلا وسماعا، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه ~~رؤيته الياء ثابتة في (شركائهم) ، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده ~~نصب (أولادهم) بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا فقرأه منصوبا. ~~قال: وكانت له مندوحة من نصبه إلى جره بالإضافة، وإبدال الشركاء منه، وكان ~~ذلك أولى مما ارتكبه. فهذا كله كما ترى ظن من الزمخشري أن ابن عامر قرأ ~~قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشري ~~أن هذه القراءة بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها. يعلم ~~ضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه، ثم ~~تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد ~~التواتر يتناقلونها، ويقرءون ms2003 بها، خلفا عن سلف، إلى أن انتهت إلى ابن عامر، ~~فقرأها أيضا كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها ~~متواترة جملة وتفصيلا عن أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم. فإذا علمت ~~العقيدة الصحيحة، فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولا بقول أمثاله ممن لحن ~~ابن عامر، فإن المنكر عليه إنما أنكر ما ثبت أنه براء منه قطعا وضرورة. ~~ولولا عذر أن المنكر ليس من أهل الشأنين: # أعني علم القراءة وعلم الأصول، ولا يعد من ذوي الفنين المذكورين، لخيف ~~عليه الخروج من ربقة الدين. وإنه على هذا العذر لفي عهدة خطرة، وزلة منكرة، ~~تزيد على زلة من ظن أن تفاصيل الوجوه السبعة، فيها ما ليس متواترا، فإن هذا ~~القائل لم يثبتها بغير النقل. وغايته أنه ادعى أن نقلها لا يشترط فيه ~~التواتر. وأما الزمخشري فظن أنها تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل، وهذا ~~لم يقل به أحد من المسلمين. # وما حمله على هذا الخيال إلا التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية، ~~فظنها قطعية، حتى يرد ما خالفها. ثم إذا تنزل معه على اطراد القياس الذي ~~ادعاه مطردا، فقراءة ابن عامر هذه لا تخالفه. وذلك أن الفصل بين المضاف ~~والمضاف إليه، وإن كان عسرا، إلا أن المصدر إذا أضيف إلى معموله، فهو مقدر ~~بالفعل، وبهذا التقدير عمل. وهو وإن لم تكن إضافته غير محضة، إلا أنه شبه ~~بما إضافته غير محضة. حتى قال بعض النحاة: إن إضافته ليست محضة، لذلك. ~~فالحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره، وقد جاء الفصل بين المضاف ~~غير المصدر، وبين المضاف إليه بالظرف، فلا أقل من أن يتميز المصدر على ~~غيره، لما بيناه من انفكاكه في التقدير، # PageV04P501 # وعدم توغله في الاتصال، بأن يفصل بينه وبين المضاف إليه، بما ليس أجنبيا ~~عنه، وكأنه بالتقدير: فكه بالفعل، ثم قدم المفعول على الفاعل، وأضافه إلى ~~الفاعل، وبقي المفعول مكانه حين الفك. ويسهل ذلك أيضا تغاير حال المصدر، إذ ~~تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة يضاف ms2004 إلى المفعول. وقد التزم بعضهم اختصاص ~~الجواز بالفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل، لوقوعه في غير مرتبته، إذ ينوي ~~به التأخير، فكأنه لم يفصل. كما جاز تقدم المضمر على الظاهر إذا حل في غير ~~رتبته، لأن النية به التأخير، وأنشد أبو عبيدة: # فداسهم دوس الحصاد الدائس وأنشد أيضا: # يفركن حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج # ففصل كما ترى بين المصدر وبين الفاعل بالمفعول. ومما يقوي عدم توغله في ~~الإضافة جواز العطف على موضع مخفوضة رفعا ونصبا. فهذه كلها نكت مؤيدة ~~بقواعد، منظرة بشواهد من أقيسة العربية، تجمع شمل القوانين النحوية، لهذه ~~القراءة. وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية، بل تصحيح قواعد العربية ~~بالقراءة. وهذا قدر كاف إن شاء الله في الجمع بينهما- والله الموفق- وما ~~أجريناه في أدراج الكلام من تقريب إضافة المصدر من غير المحضة، إنما أردنا ~~انضمامه إلى غيره من الوجوه التي يدل باجتماعها على أن الفصل غير منكر في ~~إضافته، ولا مستبعد من القياس، ولم نفرده في الدلالة المذكورة. إذ المتفق ~~على عدم تمحضها لا يسوغ فيها الفصل، فلا يمكن استقلال الوجه المذكور ~~بالدلالة- والله الموفق- انتهى كلام الناصر رحمه الله تعالى. # ثم بين تعالى نوعا آخر من مفترياتهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 138] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) # وقالوا هذه إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم، والتأنيث للخبر أنعام وحرث # PageV04P502 # حجر # أي: حرام (والجمهور على كسر الحاء وسكون الجيم) فعل بمعنى مفعول، كالذبح ~~والطحن، يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم ~~الأسماء غير الصفات. أي: محرمة علينا، أو محجرة علينا في أموالنا للأوثان. ~~ويقرأ بضم الحاء. # لا يطعمها إلا من نشاء قال في (المدارك) : كانوا إذا عينوا أشياء من ~~حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء: يعنون: خدم الأوثان، ~~والرجال دون النساء. بزعمهم حال من فاعل (قالوا) أي: متلبسين ms2005 بزعمهم الباطل ~~من غير حجة. # قال ابن كثير: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله ~~لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم، أم على الله تفترون ~~[يونس: 59] . # وأنعام أي: وقالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم: هذه أنعام حرمت ~~ظهورها يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي وأنعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها أي: حالة الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام افتراء عليه أي: # على الله، وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه، فإنه لم يأذن ~~لهم في ذلك، ولا رضيه منهم. سيجزيهم بما كانوا يفترون أي: عليه، ويسندون ~~إليه. # وفيه وعيد وتهديد. # ثم بين تعالى فنا آخر من ضلالهم بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 139] # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام يعنون أجنة البحائر والسوائب خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا يعنون أنه حلال للذكور دون الإناث، إن ولد حيا ~~لقوله سبحانه: وإن يكن أي: ما في بطونها ميتة فهم فيه شركاء فالذكور ~~والإناث فيه سواء. # وفي رواية العوفي عن ابن عباس أن المعني ب (ما في بطونها) هو اللبن. ~~كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ~~ذبحوه. وكان # PageV04P503 # للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه ~~شركاء. # وقال الشعبي: البحيرة، لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء ~~أكله الرجال والنساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وابن أسلم. # سيجزيهم وصفهم أي: بالتحليل والتحريم على سبيل التحكم ونسبته إلى الله ~~تعالى إنه حكيم عليم أي: حكيم في أفعاله وأقواله وشرعه، عليم بأعمال عباده ~~من خير أو شر، وسيجزيهم عليها. ### | ### | تنبيه: # # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل مالك بقوله خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون البنات، وأن ذلك ~~الوقف ms2006 يفسخ، ولو بعد موت الواقف، لأن ذلك من فعل الجاهلية. واستدل به بعض ~~المالكية على مثل ذلك في الهبة. انتهى. ### | لطائف: # (التاء) في خالصة إما للنقل إلى الاسمية، أو للمبالغة، أو لأن (الخالصة) ~~مصدر كالعافية، وقع موقع (الخالص) مبالغة، أو بحذف المضاف. أي: ذو خالصة، ~~أو للتأنيث بناء على أن (ما) عبارة عن الأجنة. والتذكير في (محرم) باعتبار ~~اللفظ. # وقرئ (خالصة) بالنصب على أنه مصدر مؤكد، والخبر لذكورنا. ووصفهم واقع ~~موقع مصدر سيجزيهم بتقدير مضاف. أي: جزاء وصفهم بالكذب عليه تعالى في ~~التحريم والتحليل من قوله تعالى: وتصف ألسنتهم الكذب [النحل: 62] . # قال الشهاب: وهذا من بليغ الكلام وبديعه، فإنهم يقولون: وصف كلامه الكذب، ~~إذا كذب، وعينه تصف السحر، أي: ساحرة، وقده يصف الرشاقة، بمعنى رشيق، ~~مبالغة. حتى كأن من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له. قال المعرى: # سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة يصف الكلالا ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 140] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) # قد خسر الذين قتلوا أولادهم يعني: وأد بناتهم خشية السبي أو الفقر # PageV04P504 # سفها بغير علم لخفة أحلامهم وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم، لا هم ~~وحرموا ما رزقهم الله من البحائر والسوائب ونحوهما افتراء على الله قد ضلوا ~~عن الصراط المستقيم. وما كانوا مهتدين أي: إلى الحق والصواب. # قال الشهاب: وفي قوله وما كانوا مهتدين بعد قوله قد ضلوا مبالغة في نفي ~~الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف ~~بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق ~~بعض. ### | ### | تنبيه: # # حمل كثير من المفسرين (الخسران) على ما يشمل الدارين. أما الدنيا فخسروا ~~منافع أولادهم، وثمرة ما خلقوا له. وكذا منافع أنعامهم بما ضيقوا وحجروا ~~فيها ابتداعا. وأما الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل. وهذا التعميم، وإن ~~كان حقا، إلا أن الأظهر حمله على ms2007 الآخرة، توفيقا بين النظائر، كقوله تعالى: ~~قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا ~~مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [يونس: 69- 70] . # روى الحافظ ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة ~~الأنعام: # قد خسر الذين قتلوا أولادهم ... الآية- وهكذا رواه «1» البخاري في مناقب ~~قريش من (صحيحه) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 141] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) # وقوله تعالى: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات تمهيد لما سيأتي ~~من تفصيل أحوال الأنعام. أي: هو الذي أنعم عليكم بأنواع النعم، لتعبدوه ~~وحده، فخلق لكم بساتين من الكروم وغيرها معروشات، أي: مسموكات بما عملتم ~~PageV04P505 # لها من الأعمدة. يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه ~~القضبان. وغير معروشات متروكات على وجه الأرض لم تعرش. (و) أنشأ النخل ~~المثمر لما هو فاكهة وقوت، والزرع المحصل لأنواع القوت مختلفا أكله أي: ~~ثمره وحبه في اللون والطعم والحجم والرائحة. والزيتون والرمان متشابها في ~~اللون والشكل، ورقهما وغير متشابه في الطعم كلوا من ثمره إذا أثمر أي: كلوا ~~من ثمر كل واحد مما ذكر، إذا أدرك. # قال الرازي: لما ذكر تعالى كيفية خلقه لهذه الأشياء، ذكر ما هو المقصود ~~الأصلي من خلقها، وهو انتفاع المكلفين بها، فقال: كلوا من ثمره واختلفوا ما ~~الفائدة منه؟ فقال بعضهم: الإباحة. وقال آخرون: بل المقصود منه إباحة الأكل ~~قبل إخراج الحق، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه كان يجوز أن يحرم على المالك ~~تناوله، لمكان شركة المساكين فيه، بل هذا هو الظاهر. فأباح تعالى هذا ~~الأكل، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف. وقال بعضهم: ~~بل أباح تعالى ذلك ليبين ms2008 أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل، وإما التصدق، ~~وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير. ~~قال تعالى: ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص: 77] ~~انتهى. # وآتوا حقه يوم حصاده قرئ بفتح الحاء وكسرها. وهذا أمر بإيتاء من حضر ~~يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة المفروضة- هكذا قال عطاء- أي: لأن السورة ~~مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة. وكذا قال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت ~~لهم منه. وفي رواية عنه: عند الحصاد يعطي القبضة، وعند الصرام يعطي القبضة ~~ويتركهم يتبعون آثار الصرام. وهكذا روي عن نافع وإبراهيم النخعي وغيرهم. ~~وعند هؤلاء أن هذا الحق. باق لم ينسخ بالزكاة، فيوجبون إطعام من يحضر ~~الحصاد لهذه الآية. ومما يؤيده أنه تعالى ذم الذي يصرمون ولا يتصدقون، حيث ~~قص علينا سوء فعلهم وانتقامه منهم. قال تعالى في سورة (ن) : إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت ~~كالصريم [القلم: 17- 20] أي: كالليل المدلهم، سوداء محترقة. فتنادوا مصبحين ~~أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين ... [القلم: 21- 24] الآيات. # وذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة، حكاه ابن جرير عن ابن عباس ~~وثلة من التابعين. # PageV04P506 # قال ابن كثير: في تسمية هذا نسخا نظر، لأنه قد كان شيئا واجبا. ثم إنه ~~فسر بيانه وبين مقدار المخرج وكميته. انتهى. # ولا نظر، لما عرفت في المقدمة من تسمية مثل ذلك نسخا عند السلف، ومر ~~قريبا أيضا، فتذكر! وذهب بعضهم إلى أن الآية مدنية، ضمت إلى هذه السورة في ~~نظائر لها، بيناها أول السورة، وأن الحق هو الزكاة المفروضة. روي عن أنس ~~وابن عباس وابن المسيب. # والأمر بإيتائها يوم الحصاد، للمبالغة في العزم على المبادرة إليه. ~~والمعنى: # اعزموا على إيتاء الحق واقصدوه، واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن ~~أول وقت يمكن فيه الإيتاء. قال الحاكم: وقيل: إنما ذكر وقت الحصاد تخفيفا ~~على الأرباب، فلا يحسب عليهم ms2009 ما أكل قبله. # وقد روى العوفي عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا زرع فكان يوم حصاده، لم ~~يخرج مما حصد شيئا، فقال تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده وذلك أن يعلم ما كيله ~~وحقه من كل عشرة واحد، وما يلقط الناس من سنبله. # وقد روى الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» عن جابر بن عبد الله قال: أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جاد عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في ~~المسجد للمساكين. # قال ابن كثير: إسناده جيد قوي. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : استدل بالآية من أوجب الزكاة في كل زرع وثمر، خصوصا ~~الزيتون والرمان المنصوص عليهما. ومن خصها بالحبوب، قال: إن الحصاد لا يطلق ~~حقيقة إلا عليها. وفيها دليل على أن الزكاة لا يجب أداؤها قبل الحصاد. # واستدل بها أيضا على أن الاقتران لا يفيد التسوية في الأحكام، لأنه تعالى ~~قرن الأكل، وهو ليس بواجب اتفاقا، بالإيتاء، وهو واجب اتفاقا. انتهى. # وقوله تعالى: ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين النهي عن الإسراف، إما في ~~التصدق، أي: لا تعطوا فوق المعروف. قال أبو العالية: كانوا يعطون يوم ~~الحصاد PageV04P507 # شيئا ثم تبادروا فيه وأسرفوا، فنزلت ولا تسرفوا. وقال ابن جريج: نزلت في ~~ثابت ابن قيس بن شماس. جد نخلا له فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، ~~فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فنزلت. ولذا قال السدي: أي: لا تعطوا ~~أموالكم فتقعدوا فقراء. وإما في الأكل قبل الحصاد، وهذا عن أبي مسلم قال: ~~ولا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء. وإما في كل ~~شيء، قال عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به ~~أمر الله، فهو سرف. # اختار ابن جرير قول عطاء. قال ابن كثير: ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر- ~~والله أعلم- من سياق الآية، حيث قال تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر أن يكون ~~عائدا على الأكل. أي: لا تسرفوا في الأكل، لما فيه من مضرة العقل والبدن، ~~كقوله ms2010 تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا ... [الأعراف: 31] الآية. # وفي صحيح البخاري «1» تعليقا: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ~~ولا مخيلة. وهذا من هذا- والله أعلم- انتهى. # وقد جنح إلى هذا المهايمي في تفسيره حيث قال: ولا تسرفوا في أكلها لئلا ~~يبطل، باستيفاء الشهوات، معنى المزرعة. # ثم بين تعالى حال الأنعام، وأبطل ما تقولوا عليه في شأنها بالتحريم ~~والتحليل، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 142] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) # ومن الأنعام حمولة وفرشا أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما ~~يفرش للذبح (أي: يضجع) أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش. # وعن ابن عباس: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش الصغير كالفصلان ~~والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض، للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش ~~عليها. فعلى الوجهين الأولين: الفرش بمعنى المفروش، وعلى الثالث: # الكلام على التشبيه. # كلوا مما رزقكم الله أي: من الثمار والزروع والأنعام، لحفظ الروح، ~~واستزادة القوة. # ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي: أوامره في التحليل والتحريم، كما اتبعها ~~PageV04P508 # أهل الجاهلية، فحرموا ما رزقهم الله افتراء عليه- كما مر-. # إنه لكم عدو مبين أي: ظاهر العداوة، يمنعكم مما يحفظ روحكم، ويزيد قوتكم، ~~ويدعوكم إلى الافتراء على الله إن نسبتموه إلى أمره، أو إلى دعوى الإلهية ~~لكم إن استقللتم به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 143] # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) # وقوله تعالى: ثمانية أزواج بدل من حمولة وفرشا أو مفعول (كلوا) . # (ولا تتبعوا) معترض بينهما، أو فعل دل عليه، أو حال من (ما) بمعنى مختلفة ~~أو متعددة. والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه. قال تعالى وأنه خلق الزوجين ~~الذكر والأنثى [النجم: 45] وقد يقال لمجموعهما، والمراد الأول. # من الضأن زوجين اثنين الكبش والنعجة ومن المعز اثنين التيس والعنز. قل ~~أي: تبكيتا لهم، وإظهارا لانقطاعهم عن الجواب ms2011 آلذكرين من الضأن والمعز حرم ~~الله عليكم أيها المشركون أم الأنثيين منهما أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين أي: أم ما حملت إناث الجنسين ذكرا كان أو أنثى، كما قالوا: ما في ~~بطون هذه الأنعام خالصة ... [الأنعام: 139] الآية. # نبئوني بعلم أي بدليل نقلي من كتب أوائل الرسل، أو عقلي في الفرق بين ~~هذين النوعين، والنوعين الآتيين- قاله المهايمي-. # إن كنتم صادقين أي: في دعوى التحريم. # وفي قوله تعالى نبئوني بعلم ... تكرير للإلزام وتثنية للتبكيت والإفحام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 144] # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) # ومن الإبل اثنين عطف على قوله تعالى من الضأن اثنين أي: وأنشأ من # PageV04P509 # الإبل اثنين هما الجمل والناقة. ومن البقر اثنين ذكرا وأنثى. قل أي: ~~إفحاما لهم أيضا في هذين النوعين آلذكرين منهما حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أي من ذينك النوعين. والمعنى إنكار أن الله سبحانه ~~وتعالى حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم في ذلك. وتفصيل ما ~~ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها- للمبالغة في الرد عليهم بإيراد ~~الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم. فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام ~~تارة وإناثها تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى. مسندين ذلك كله إلى الله ~~سبحانه. وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعي الصغار ونوعي الكبار بما ذكر من ~~الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التبكيت بإيراد الأمر عقيب تفصيل ~~الأنواع الأربعة بأن يقال: قل آلذكور حرم أم الإناث أم ما اشتملت عليه ~~أرحام الإناث- لما في التثنية والتكرير من المبالغة في التبكيت والإلزام. ~~أفاده أبو السعود. # ثم كرر الإفحام بقوله تعالى أم كنتم شهداء حاضرين إذ وصاكم الله بهذا أي ~~حين وصاكم بتحريم بعض وتحليله. وهذا من باب التهكم فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ms2012 أي فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ليضل الناس بغير علم أي دليل إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين قال ابن كثير: أول من دخل في هذه الآية عمرو ~~بن لحي بن قمعة. لأنه أول من غير دين الأنبياء وأول من سيب السوائب ووصل ~~الوصيلة وحمى الحامي. كما ثبت ذلك في الصحيح «1» . # وقال أبو السعود: المراد كبراؤهم المقرون لذلك. أو عمرو بن لحي وهو ~~المؤسس لهذا الشر. أو الكل لاشتراكهم في الافتراء عليه، سبحانه وتعالى. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال ~~PageV04P510 # بينه؟ قلت: قد وقع الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود. وذلك أن ~~الله عز وجل من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم. فاعترض ~~بالاحتجاج على من حرمها. والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتسديد للتحليل. ~~والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد. انتهى. ### | تنبيه: # دلت الآية على إباحة لحوم أكل الأنعام. وذلك معلوم من الدين ضرورة. # وكذلك الانتفاع بالركوب فيما يركب، والافتراش للأصواف والأوبار والجلود. ~~وعلى رد ما كانت الجاهلية تحرمه بغير علم. # قال المؤيد بالله: ويدخل الإنسي والوحشي في قوله: من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين. ورد بأن قوله تعالى ثمانية أزواج بيان للأنعام. والأنعام لا ~~تطلق على الوحشي. أفاده بعض مفسري الزيدية. # ثم أمر تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعد إلزام المشركين وتبكيتهم ~~وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت- بأن يبين لهم ما حرمه ~~عليهم، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 145] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما أي طعاما محرما من المطاعم على طاعم أي: ~~أي طاعم كان من ذكر أو أنثى. ردا على قولهم محرم على أزواجنا وقوله يطعمه ~~لزيادة ms2013 التقرير إلا أن يكون أي ذلك الطعام ميتة. قال المهايمي: # والموت سبب الفساد. فهو منجس، إلا أن يمنع من تأثيره مانع من ذكر اسم ~~الله، أو كونه من الماء، أو غيرهما أو دما مسفوحا أي سائلا لا كبدا أو ~~طحالا أو لحم خنزير فإنه رجس لتعوده أكل النجاسات أو فسقا أي: خروجا عن ~~الدين الذي هو كالحياة المطهرة أهل لغير الله به أي ذبح على اسم الأصنام ~~ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله. وإنما سمي (ما أهل به لغير الله) فسقا، ~~لتوغله في باب الفسق ومنه قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه وإنه لفسق. فمن # PageV04P511 # اضطر # أي: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر غير باغ أي: على مضطر ~~مثله، تارك لمواساته ولا عاد متجاوز قدر حاجته من تناوله فإن ربك غفور رحيم ~~لا يؤاخذه. وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة والمائدة بما فيه ~~كفاية. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: الغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ~~الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ~~ذلك. # فأمر تعالى رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه إليه أن ذلك محرم. وأن ~~الذي حرمه هو الميتة وما ذكر معها. وما عدا ذلك فلم يحرم. وإنما هو عفو ~~مسكوت عنه. # فكيف تزعمون أنه حرام؟ ومن أين حرمتموه ولم يحرمه تعالى؟ وعلى هذا، فلا ~~ينفي تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا. كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية ~~ولحوم السباع وكل ذي مخلب من الطير- انتهى- وبالجملة فالآية تدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيره. ولا ينافيه ~~ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر، كالموقوذة والمنخنقة والمتردية والنطيحة ~~وغيرها. وذلك لأن هذه السورة مكية. فما عدا ما ذكر تحريمه فيها مما حرم ~~أيضا، طارئ. قيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخا لما اقتضته هذه الآية من ~~تحليله. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم وليس ms2014 بنسخ لما في الآية. فصح تحريم كل ~~ذي ناب من السبع ومخلب من الطير. ومن الناس من يسمي هذا نسخا بالمعنى ~~السلفي. وقد بيناه مرارا. # قال بعض الزيدية: وقد تعلق ابن عباس بالآية في تحليل لحم الحمر الأهلية. # وعائشة في لحوم السباع. وعكرمة في إباحة كل شيء سوى ما في الآية. وعن ~~الشعبي أنه كان يبيح لحم الفيل ويتلو هذه الآية. # ولا تعلق لجميعهم بالآية. لأنه تعالى بين ما يحرم في تلك الأحوال. انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : احتج بها كثير من السلف في إباحة ما عدا ~~المذكور فيها. فمن ذلك الحمر الأهلية، أخرجه البخاري «1» عن عمرو بن دينار ~~قال: # قلت لجابر بن يزيد: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن حمر ~~الأهلية. فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة. ولكن ~~أبى ذلك البحر (ابن PageV04P512 # عباس) وقرأ: قل لا أجد في ما أوحي إلي الآية. وأخرج أبو داود «1» عن ابن ~~عمر أنه سئل عن أكل القنفذ؟ فقرأ: قل لا أجد.. الآية. وأخرج ابن أبي حاتم ~~وغيره. # بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من ~~الطير؟ تلت قل لا أجد ... الآية. وأخرج عن ابن عباس أنه قال: ليس من الدواب ~~شيء حرام إلا ما حرم الله في كتابة، قل لا أجد الآية. انتهى. # وأخرج أبو داود «2» عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ~~ويتركون أشياء تقذرا. فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل ~~حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو ~~معفو. وتلا: قل لا أجد.. الآية. # وذكرنا ضعف التعلق بهذه الآية على ما ذهبوا إليه. # قال في (فتح البيان) : معنى الآية أنه تعالى أمره صلى الله عليه وسلم بأن ~~يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما غير هذه المذكورات. فدل ذلك ~~على انحصار المحرمات فيها، لولا أنها مكية. وقد نزل ms2015 بعدها بالمدينة سورة ~~المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات: المخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع ~~«3» وكل ذي مخلب من الطير «4» وتحريم الحمر الأهلية «5» والكلاب، ونحو ذلك. # وبالجملة، فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل ~~عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو ~~السنة مما PageV04P513 # يدل على تحريم شيء من الحيوانات. وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل ~~شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم ~~شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ~~ذكره الله في هذه الآية وروي ذلك عن مالك. وهو قول ساقط ومذهب في غاية ~~الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها، مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد نزول هذه الآية. بلا سبب يقتضي ذلك ~~ولا موجب يوجبه. وقول جابر (لكن أبي ذلك البحر ابن عباس) في رواية البخاري ~~المتقدمة، أقول: وإن أبى ذلك البحر، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وسلم من سوء ~~الاختيار وعدم الإنصاف. انتهى كلام الفتح. # وفي (نيل الأوطار) : الاستدلال بهذه الآية إنما يتم في الأشياء التي لم ~~يرد النص بتحريمها. وأما الحمر الإنسية فقد تواترت النصوص على ذلك. ~~والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل، وعلى القياس. وأيضا الآية ~~مكية. انتهى. # وقد ثبت عن ابن عمر رجوعه عن التعلق بعمومها. # روى سعيد بن منصور والإمام أحمد «1» وأبو داود عن نميلة الفزاري قال: كنت ~~عند ابن عمر، وإنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ عليه: قل لا أجد.. الآية. # فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: خبيث من الخبائث. فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى ms2016 الله عليه وسلم ~~قاله فهو كما قال. # أي والخبائث محرمة بنص القرآن، فهو مخصص لعموم هذه الآية. # وعن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا هل ~~عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب ~~الله. فما وجدنا فيه حلالا استحللناه. وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما ~~حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى. أخرجه الترمذي «2» # وقال: حديث حسن غريب. # ولأبي داود «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إني أوتيت ~~الكتاب ومثله معه. لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، ~~فما وجدتم فيه من PageV04P514 # حلال فأحلوه. وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم (لحم) الحمار ~~الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد ألا أن يستغني عنها صاحبها. ~~ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه. فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه # . (أي يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى) . # هذا الزمخشري فسر محرما ب (طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها) وجعل ~~الاستثناء منقطعا. أي لا أجد ما حرمتوه لكن أجد الأربعة محرمة. وهذا لا ~~دلالة فيه على الحصر حتى ترد المحرمات الأخر. إذ الاستثناء المنقطع ليس ~~كالمتصل في الحصر. وغير الزمخشري لم يقيده بما ذكر. لأن الأصل الاتصال وعدم ~~التقييد وأولوها بما قدمنا قبل. وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو ~~أعم الأحوال مفرغا. بمعنى: لا أجد شيئا من المطاعم المحرمات في وقت من ~~الأوقات، أو حال من الأحوال، إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة. ~~فإني أجد حينئذ محرما. فالمصدر للزمان أو الهيئة. وفيه أن المصدر المؤول من ~~(أن والفعل) لا ينصب على الظرفية. ولا يقع حالا، لأنه معرفة. والله أعلم. # الثاني- في قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما إيذان بأن التحريم ~~إنما يعلم بالوحي لا بالهوى. قال الشهاب: كني بعدم الوجدان عن عدم الوجود. # ومبنى هذه ms2017 الكناية على أن طريق التحريم التنصيص منه تعالى. وتفسيره بمطلق ~~الوحي استظهروه. ولذا قال: أوحي ولم يقل: أنزل. # الثالث- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله على طاعم يطعمه على أنه إنما حرم من الميتة أكلها. وأن جلدها يطهر ~~بالدبغ. # فأخرج أحمد «1» وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: ~~يا رسول الله! ماتت فلانة (يعني الشاة) فقال: فلولا أخذتم مسكها؟ فقالت: ~~نأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما قال ~~الله عز وجل: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير. فإنكم لا تطعمونه. إن تدبغوه تنتفعوا به. ~~فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته، فاتخذت منه قربة، حتى تخرقت عندها. # الرابع- استدل بقوله تعالى مسفوحا على إباحة غيره. وذلك لأن الدم ~~PageV04P515 # المسفوح هو ما سال من الحيوان في حال الحياة، أو عند الذبح- لا كالكبد ~~والطحال- وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل. قال عمران بن جدير: # سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر يرى فيها حمرة الدم ~~فقال: لا بأس بذلك! إنما نهى عن الدم المسفوح. # وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح. # وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع ~~اليهود. # ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى غير هذه الأربعة، تحقيقا ~~لافتراء المشركين فيما حرموه، إذ لم يوافق شيئا مما أنزله تعالى، فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) # وعلى الذين هادوا أي اليهود خاصة حرمنا كل ذي ظفر قال سعيد بن جبير: هو ~~الذي ليس منفرج الأصابع- كالجمل والوبر والأرنب- فإنها من ذوات الأظفار ~~الغير المشقوقة- أي المنفرجة- وأما ذو ms2018 الظفر المشقوق وهو يجتر من البهائم، ~~فلم يحرم عليهم. # ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما لا لحومهما إلا ما حملت ظهورهما ~~يعنى: ما علق بالظهر من الشحوم أو الحوايا أي: الأمعاء والمصارين- أي ما ~~حملته من الشحوم- أو ما اختلط بعظم كالمخ والعصعص ذلك أي: تحريم تلك ~~الأطايب عليهم جزيناهم ببغيهم بسبب ظلمهم، وهو قتلهم الأنبياء بغير حق، ~~وأكلهم الربا- وقد نهوا عنه- وأكلهم أموال الناس بالباطل كقوله تعالى فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ~~[النساء: 160] . # قال المهايمي: أي: ولم يكن لغيرهم ذلك البغي، فلا وجه لتحريمها عليهم مع ~~كونها أطايب في أنفسها. # وإنا لصادقون أي: في جميع أخبارنا التي من جملتها هذا الخبر وهو تخصيص ~~التحريم بهم، لبغيهم. # PageV04P516 # قال ابن جرير: لا كما زعموا من أن إسرئيل هو الذي حرمه على نفسه. # قال أبو السعود: ولقد ألقمهم الحجر قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [آل عمران: 93] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 147] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) # فإن كذبوك الضمير إما لليهود لأنهم أقرب ذكرا، ولذكر المشركين بعد ذلك ~~بعنوان الإشراك وإما للمشركين، وإما للفريقين. أي: فإن كذبتك اليهود في ~~التخصيص وزعموا أن تحريم الله لا ينسخ، وأصروا على ادعاء قدم التحريم أو ~~المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم، أو هما فيما ادعيا فقل ربكم ~~ذو رحمة واسعة يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يهمل ولا يرد ~~بأسه عن القوم المجرمين أي: ومع رحمته فهو ذو بأس شديد. وفيه ترغيب لهم في ~~ابتغاء رحمة الله الواسعة، وذلك في اتباع رضوانه، وترهيب من المخالفة. # وليعلم أن المشركين لما لزمتهم الحجة- ببطلان ما كانوا عليه من الشرك ~~بالله وتحريم ما لم يحرمه الله- أخبر تعالى عنهم بما سيقولونه من شبهة ~~يتشبثون بها لشركهم وتحريم ما ms2019 حرموا. وفائدة الإخبار بما سوف يقولونه، ~~توطين النفس على الجواب، ومكافحتهم بالرد، وإعداد الحجة قبل أوانها، فقال ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 148] # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) # سيقول الذين أشركوا يعني مشركي قريش والعرب لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء يعني ما حرموه من البحائر والسوائب وغيرهما كذلك ~~كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا أي: حتى أنزلنا عليهم العذاب قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا أي: أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم فتظهروه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن أي: فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما حرمتم وإن ~~أنتم إلا تخرصون تكذبون. # PageV04P517 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 149] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) # قل فلله الحجة البالغة البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على ~~الإثبات. ومنه: (أيمان بالغة) أي: مؤكدة. أو (البالغة) التي بلغ بها صاحبها ~~صحة دعواه فهي (كعيشة راضية) . فلو شاء لهداكم أجمعين أي: ولكنه لم يشأ ~~ذلك. # بل شاء هداية بعض صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحق. وضلال آخرين صرفوا ~~كسبهم إلى خلاف ذلك، من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، فوقع ذلك على ~~الوجه الذي شاءه. # قال الإمام أبو منصور الماتريدي في (تأويلاته) : قيل: الآية في مشركي ~~العرب. قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم في تحريم ما حرموا من ~~الأشياء. وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله ثمانية أزواج- إلى قوله- أم ~~كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا [الأنعام: 143- 144] . فلما لزمتهم المناقضة ~~وانقطع حجاجهم فزعوا إلى هذا القول لو شاء الله ما أشركنا.. [الأنعام: 148] ~~. # انتهى. # والقصد: الاعتذار عن كل ما يقدمون عليه من الإشراك وتحريم الحلال. أي: # ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل، ففعلنا طوع مشيئته، وهو ms2020 لا يشاء إلا ~~الحق، لأنه قادر. فلو لم يكن حقا يرضاه لمنعنا منه. وهو لم يمنعنا منه فهو ~~حق. وفي حكاية هذه المناظرة والمجادلة بيان لنوع من كفرهم شنيع جدا..! ### | تنبيه: # هذه الآية تكرر نظيرها في التنزيل الكريم في عدة سور، وهي من الآيات ~~الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها. # فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء ~~المعاصي والكفر، كما تبجح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في (تفسيره) وقال: إن ~~فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى الله سبحانه وكذا الزمخشري في ~~(تفسيره) . # ومعلوم أن عقيدة الفرقة الناجية، الإيمان بأن: ما شاء الله كان، وما لم ~~يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ~~سبحانه، لا # PageV04P518 # يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد.! # وقد خالف في ذلك عامة القدرية- الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مجوس هذه الأمة- فقالوا: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما ~~أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد. فعندهم أكثر ما يقع من أفعال ~~العباد على خلاف إرادته تعالى. ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة. تبرأ ~~منهم الصحابة. وأصل بدعتهم- كما قال ابن تيمية- كانت من عجز عقولهم عن ~~الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه. وسنبين تحقيق ذلك بعد أن نورد ~~شبهتهم في هذه الآية وندمغها- بعونه تعالى- بعدة وجوه فنقول: # (قالوا) : إن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا: أشركنا بإرادة الله ~~تعالى. ولو أراد عدم إشراكنا لما أشركنا، ولما صدر عنا تحريم المحللات فقد ~~أسندوا كفرهم وعصيانهم إلى إرادته تعالى كما تزعمون أنتم. ثم إنه تعالى رد ~~عليهم مقالتهم وبين بطلانها وذمهم عليها وأوعدهم عليها وعيدا شديدا. فلو ~~كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك، على ما تضيفون أنتم، لم يكن ~~يرد ذلك عليهم ويتوعدهم؟ # (قلنا) : إن المشيئة في الآية تتخرج على وجوه: # أحدهما: ما قال الحسن والأصم- إن المشيئة هاهنا الرضا- فمرادهم: أن الله ~~رضي ms2021 بفعلنا وصنيعنا- حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا- فلم يحل الله بينهم وبين ~~ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك فلو لم يرض بذلك عنهم لكان ~~يمنعهم عنه! قال أبو منصور: وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيما ~~كانوا فيه، أنهم كانوا يخوفون بالهلاك والعذاب على صنيعهم، ثم رأوا آباءهم ~~ماتوا على ذلك ولم يأتهم العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن ~~الله رضي بذلك. # وبالجملة، أرادوا بقولهم ذلك. أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله. # ولما كانت حجتهم داحضة باطلة- لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه ~~ودمر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام- قال تعالى: قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا أي: بأن الله راض عليكم فيما أنتم فيه! وهذا من التهكم ~~والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة. # وفي (الوجيز) : الحاصل أن المشركين اعتقدوا عدم التفرقة بين المأمور # PageV04P519 # المرضي والمشيئة، كما اعتقدت المعتزلة، فاحتجوا على حقية الإشراك. وينادي ~~على ذلك قوله كذلك كذب.. فإنه لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى ~~لقال (كذلك كذب) بالتخفيف لا التشديد. وهذه الآية- عند من له أذن واعية- ~~تصيح على المعتزلة بالويل والثبور، لكن في آذانهم وقر، ومن لم يهده الله ~~فلا هادي له. انتهى. # الوجه الثاني: إن المشيئة في الآية بمعنى الأمر والدعاء إلى ذلك. أي: # يقولون: إن الله أمرهم بذلك ودعاهم إليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف ~~بقوله: # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها فرد تعالى ~~عليهم بقوله: # قل إن الله لا يأمر بالفحشاء. # الوجه الثالث: إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته ~~صلى الله عليه وسلم، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى ~~مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله ~~بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب اتباعه ~~والمتابعة، فقال: كذلك كذب بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا ~~لقال (كذلك كذب) بالتخفيف، إشارة ms2022 إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق. # وقال آخر: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فأشار إلى صدق ~~مقالتهم وفساد غرضهم. فالعتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم، إنما كان ~~لاستهزائهم، كما ذكر في قوله تعالى: ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا [مريم: 66] . هي كلمة حق. لكن قالها استهزاء فلحقه الذم. # وهذا الوجه اقتصر عليه العضد في (المواقف) وقرره أيضا أبو منصور في ~~(تأويلاته) . # قال الحسن بن الفضل: لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة ~~بحقه وبما يقولون، لما عابهم بذلك. ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا. ~~من غير معرفة بالله وبما يقولون. # الوجه الرابع: ما يستفاد من قول الإمام: إن في كلام المشركين مقدمتين: # (أحداهما) : أن الكفر بمشيئة الله تعالى. و (الثانية) : أنه يلزم منه ~~اندفاع # PageV04P520 # دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد من الذم والتوبيخ إنما هو على ~~الثانية، إذ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ~~ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~دعاة إلى دار السلام، وإن كان لا يهدي إلا من يشاء. # الوجه الخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتو. # قال البقاعي في قوله تعالى: كذلك كذب الذين من قبلهم: أي: بما أوقعوا من ~~نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، ~~فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات ~~بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل ~~عما يفعل. # وقال الإمام القاشاني قدس الله سره، في قوله تعالى: كذلك كذب الذين من ~~قبلهم أي: كذب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة الله، عنادا ~~وعتوا، فعذبوا بكفرهم. # ثم قال في قوله تعالى: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا أي: إن كان لكم ~~علم بذلك وحجة، فبينوا. وإنما قال ذلك، إشارة إلى قولهم: لو شاء الله ما ~~أشركنا لأنهم لو قالوا ذلك ms2023 عن علم، لعلموا أن إيمان الموحدين وكل شيء، لا ~~يقع إلا بإرادة الله. فلم يعادوهم ولم ينكروهم بل والوهم، ولم يبق بينهم ~~وبين المؤمنين خلاف. ولعمري إنهم لو قالوا ذلك عن علم، لما كانوا مشركين بل ~~كانوا موحدين، ولكنهم اتبعوا الظن في ذلك، وبنوا على التقدير والتخمين لغرض ~~التكذيب والعناد، وعلى ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم وإثباتا لعدم امتناعهم ~~عن الرسل. لأنهم محجوبون في مقام النفس. وأنى لهم اليقين؟ ومن أين لهم ~~الاطلاع على مشيئة الله؟ # وقوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة أي: إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم ~~بمشيئة الله، فليس لكم حجة على المؤمنين وعلى غيركم من أهل دين، لكون كل ~~دين حينئذ بمشيئة الله، فيجب أن توافقوهم وتصدقوهم، بل لله الحجة عليكم في ~~وجوب تصديقهم وإقراركم بأنكم أشركتم، بمن لا يقع أمر إلا بإرادته، ما لا ~~أثر لإرادته أصلا. فأنتم أشقياء في الأزل مستحقون للبعد والعقاب. وقوله ~~تعالى: فلو شاء لهداكم أجمعين أي: بلى، صدقتم. ولكن كما شاء كفركم لو شاء ~~لهداكم كلكم، فبأي شيء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟ وهذا تهييج ~~لمن # PageV04P521 # عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن. انتهى. # الوجه السادس: ما في (لباب التأويل) من أنه قيل في معنى الآية: أنهم ~~كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة- وهو قولهم لو شاء الله ما أشركنا- إلا أنهم ~~كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم، ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان. والرد عليهم ~~في ذلك: # أن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات ~~غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، ~~فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من ~~الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره ~~بالإيمان. وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل: أنه تعالى حكى ~~عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، ms2024 فأخبر الله ~~تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في ~~كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. # انتهى. # الوجه السابع: ما قرره الناصر في (الانتصاف) : إن الرد عليهم إنما كان ~~لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم، وإن إشراكهم إنما صدر منهم على ~~وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله ورسله بذلك. فرد الله ~~قولهم وكذبهم في دعواهم- عدم الاختيار لأنفسهم- وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا ~~الخيال فكذب الرسل. وأشرك بالله، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كله بمشيئة ~~الله، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة. ثم بين الله تعالى أنهم لا حجة لهم في ~~ذلك، وأن الحجة البالغة له لا لهم، بقوله فلله الحجة البالغة. ثم أوضح ~~تعالى أن كل واقع بمشيئته، وإنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم. وأنه لو شاء ~~منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله فلو شاء لهداكم أجمعين: والمقصود من ~~ذلك: أن يتمحض وجه الرد عليهم، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة، وعموم تعلقها ~~بكل كائن عن الرد وينصرف الرد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم، وإلى ~~إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم ~~من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة. بل هو مجبور على ~~أفعاله مقهور عليها. وهم الفرقة المعروفون ب (المجبرة) . والزمخشري يغالط ~~في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة، لأنهم ~~يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها ~~وبين أفعاله القسرية. فمن هذه الجهة سوى بينهم وبين المجبرة، ويجعله لقبا ~~عاما لأهل السنة. وبإجماع الرد على المجبرة- الذين ميزناهم # PageV04P522 # عن أهل السنة- في قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا- إلى قوله تعالى: قل ~~فلله الحجة البالغة. وتتمة الآية رد صراح على (طائفة الاعتزال) القائلين ~~بأن الله تعالى شاء الهداية منهم أجمعين. فلم تقع من أكثرهم! ووجه الرد: أن ~~(لو) إذا دخلت على فعل مثبت نفته فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال فلو شاء ~~لم يكن الواقع أنه شاء ms2025 هدايتهم. ولو شاءها لوقعت. فهذا تصريح ببطلان زعمهم ~~ومحل عقدهم. فإذا ثبت اشتمال الآية على رد عقيدة الطائفتين المذكورتين- ~~المجبرة في أولها والمعتزلة في آخرها- فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة ~~منطبقة عليها. فإن أولها- كما بينا- يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع ~~حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وآخرها يثبت نفوذ مشيئة الله في العبد، ~~وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، خيرا أو غيره. وذلك عين عقيدتهم. ~~فإنهم- كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة- يسلبون تأثيرها، ويعتقدون أن ثبوتهما ~~قاطع لحجته، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره. ويثبتون نفوذ مشيئة الله ~~أيضا وقدرته في أفعال عباده. # فهم- كما رأيت- تبع للكتاب العزيز: يثبتون ما أثبت، وينفون ما نفى، ~~مؤيدون بالعقل والنقل. والله الموفق. انتهى. # وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قيل له: إن ناسا يقولون: ليس الشر بقدر. # فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: سيقول الذين أشركوا ~~[الأنعام: # 148] ..- إلى قوله فلو شاء لهداكم أجمعين. # وبتحقيق هذه الوجوه يسقط قول الطبرسي المعتزلي: لو كان الأمر على ما قاله ~~أهل الجبر- من أن الله تعالى شاء منهم الكفر- لكانت الحجة للكفار على الله، ~~من حيث فعلوا ما شاء الله، ولكانوا بذلك مطيعين له. لأن الطاعة هي امتثال ~~الأمر المراد، ولا تكون الحجة لله عليهم على قولهم، من حيث إنه خلق فيهم ~~الكفر وأراد منهم الكفر. فأي حجة له عليهم مع ذلك؟ انتهى. # وكذا قول الزمخشري: ما حكي عن المشركين كمذهب المجبرة بعينه. ولذا قال ~~النحرير: نعم! هو كمذهبهم في كون كل كائن بمشيئة الله. لكن الكفرة يحتجون ~~بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح. # وكونها ليست بمعصية لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر، على ما ~~هو مذهب القدرية: من عدم التفرقة بين المأمور والمراد، وأن كل ما هو مراد ~~لله فهو ليس بمعصية منهي عنها. والمجبرة- وإن اعتقدوا أن الكل بمشيئة الله- ~~لكنهم يعتقدون أن الشرك وجميع القبائح معصية ومخالفة للأمر يلحقها العذاب ~~بحكم # PageV04P523 # الوعيد، ويعفو عن بعضها بحكم الوعد. فهم- في ذلك- يصدقون الله فيما دل ms2026 ~~عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما ~~يشاء. # والكفرة يكذبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى. انتهى. ### | فصل # قال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي رحمه الله في كتابه (طريق ~~الهجرتين) بعد أن أطال في سرد أحاديث القدر وآثاره، ما نصه: # فالجواب أن هاهنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك، ~~زلت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء. # فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة، فمقام إثبات القدر والإيمان به، ~~وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأن ما شاء كان وإن ~~لم يشأ الناس. وما لم يشأ لم يكن، وإن شاء الناس. وهذه الآثار- التي كلها ~~تحقق هذا المقام- تبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد، ولبس ~~جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه. وهذا في كل كتاب أنزله الله على ~~رسله. # وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على ~~الله، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة ~~بالسوء، حتى يقول قائل هؤلاء: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: ... إياك! إياك! أن تبتل بالماء # ويقول قائلهم: # دعاني وسد الباب دوني. فهل إلى ... دخولي سبيل؟ بينوا لي قصتي # ثم ساق- رحمه الله- قصصا غريبة في ذلك، ثم قال: # وسمعته- يعني شيخ الإسلام ابن تيمية- يقول: # القدرية المذمومون في السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة: ~~نفاة القدر وهم (القدرية المجوسية) . والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: ~~لو شاء الله ما أشركنا وهم (القدرية المشركية) . والمخاصمون به للرب سبحانه ~~وتعالى وهم أعداء الله وخصومه وهم (القدرية الإبليسية) وشيخهم إبليس. وهو ~~أول من احتج على الله بالقدر فقال: فبما أغويتني [الأعراف: 16] . ولم يعترف ~~بالذنب ويبؤ # PageV04P524 # به كما اعترف به آدم. فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه ~~آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه ~~إبليس. ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية شر من ms2027 القدرية ~~النفاة. لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم ~~يلوم عليه ويعاقب. ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه البتة. ~~بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه.. ونحو ذلك. # كما يحكى عن بعض الجبرية إنه حضر مجلس بعض الولاة. فأتى بطرار (وهو الذي ~~يقطع الهمايين أو الأكمام ويستل ما فيها) . أحول. فقال له الوالي: ما ترى ~~فيه؟ # فقال: اضربه خمسة عشر- يعنى سوطا- فقال له بعض الحاضرين- ممن ينفي الجبر- ~~بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا: خمسة عشر لطره ومثلها لحوله. فقال الجبري: ~~كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطر ولا صنع له ~~فيه، عندك.. فبهت الجبري. # وأما (القدرية الإبليسية والمشركية) فكثير منهم منسلخ عن الشرع، عدو لله ~~ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي، وتلك وراثة عن شيوخه الذين قال الله فيهم: ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~[الأنعام: 148] ، وقال تعالى: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من ~~قبلهم، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [النحل: 35] . وقال تعالى: وقالوا ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون [الزخرف: ~~20] . وقال: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين [يس: 47] ، ~~فهذه أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل ~~المشركين المكذبين للرسل. # وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق: # الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجة حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على ~~الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين: (فرقة) كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد، بعد هذا، يكون ظلما، والله لا يظلم من خلقه ~~أحدا! و (فرقة) صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك ms2028 بظلم. ~~والله يتصرف في ملكه كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه ~~على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده. إذ العبد لا فعل له، والملك ملكه ولا ~~يسأل عما # PageV04P525 # يفعل وهم يسألون. فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة- التي حكاها ~~الله عنهم- استهزاء منهم، ولو قالوا- اعتقادا للقضاء والقدر، وإسنادا لجميع ~~الكائنات إلى مشيئته وقدرته- لم ينكر عليهم. ومضمون قول هذه الفرقة إن هذه ~~حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد- لا على جهة الاستهزاء- فيكون ~~للمشركين على الله الحجة، وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا. # الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر ~~والمشيئة العامة إذ لو صحت المشيئة العامة- وكان الله قد شاء منهم الشرك ~~والكفر وعبادة الأوثان- لكانوا قد قالوا الحق، وكان الله يصدقهم عليه ولم ~~ينكر عليهم. فحيث وصفه بالخرص- الذي هو الكذب- ونفى عنهم العلم، دل على أن ~~هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنهم كاذبون فيه إذ لو كان علما لكانوا صادقين ~~في الإخبار به، ولم يقل لهم: هل عندكم من علم. # وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر، وزعمت ~~بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وإنه لا قدرة له على ~~أفعال عبادة من الإنس والجن والملائكة، ولا على أفعال الحيوانات. وإنه لا ~~يقدر أن يضل أحدا، ولا يهديه، ولا يوفقه أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من ~~الذنوب والكفر، ولا يلهمه رشده، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي ~~الذي جعل المصلي مصليا والبر برا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر ~~كافرا. بل هم جعلوا أنفسهم كذلك. # فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع ~~والقدر. فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع. والثانية تحيزت إلى الشرع، ~~وكذبت القدر. والطائفتان ضالتان، وإحداهما أضل من الأخرى. # و (الفرقة الثالثة) : آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي. ونزلوا ~~كل واحد منزلته: فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به، والأمر والنهي يمتثل ~~ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر- عندهم- من ms2029 تمام التوحيد وشهادة أن لا إله ~~إلا الله. والقيام بالأمر. والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله. وقالوا: ~~من لم يقر بالقضاء والقدر، ويقم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق ~~بهما بلسانه. ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين: (فرقة) قالت: إنما أنكر ~~عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك. ~~فجعلوا مشيئته له وتقديره له، دليلا # PageV04P526 # على رضاه به ومحبته له. إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه وبينهم. فإن الحكيم ~~إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه، دفعه ومنع من وقوعه. وإذا لم يمنع ~~من وقوعه، لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته. وكلاهما ممتنع في حق الله. ~~فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به. # وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها. # ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف ~~قولهم وخالفهم في الشطر الآخر. # وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأن مشيئة الله ~~تعالى وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره. # وهؤلاء المشركون- لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه- كذبهم وأنكر ~~عليهم، وأخبر أنه لا علم لهم بذلك، وأنهم خارصون مفترون. فإن محبة الله ~~للشيء ورضاه به، إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله، لا بمجرد خلقه. فإنه ~~خلق إبليس وجنوده- وهم أعداؤه- وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه.. فهكذا ~~في الأفعال. خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه. ويبغض ~~شرها وينهى عنه ويعاقب عليه. وكلاهما خلقه. ولله الحكمة البالغة التامة في ~~خلقه ما يبغضه ويكرهه، من الذوات والصفات والأفعال، كل صادر عن حكمته ~~وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته.. # وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر، ودفع الأمر ~~بالمشيئة. فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره. # فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل، ودفعا لما جاءوا به. وشاركهم ~~في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على ms2030 المعاصي والذنوب ~~في نصف أقوالهم، وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي. # فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم أئمتهم ~~وأسلافهم، إما في جميع تركتهم، وإما في كثير منها، وإما في جزء منها. وهدى ~~الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض ~~الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، ~~وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف ~~أراد، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا، وجعل ~~أئمة الهدى يهدون # PageV04P527 # بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار، وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، ~~وأنه يهدي من يشاء بعدله وحكمته، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته ~~فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه، وأنه حال بين الكفار وقلوبهم- فإنه يحول بين ~~المرء وقلبه- فكفروا به. ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهده ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا. إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم، وأنه لو شاء ما ~~اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد. # ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. # و (القضاء والقدر) عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه ~~تعالى: # الأولى- علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. # الثانية- كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السموات والأرض. # الثالثة- مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا ~~خروج له عن علمه. # الرابعة- خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل ~~شيء. # فالخالق- عندهم- واحد وما سواه فمخلوق. ولا واسطة- عندهم- بين الخالق ~~والمخلوق. ويؤمنون- مع ذلك- بحكمته، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه، وأن ~~مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه. وأن حكمته حكمة ~~حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه ~~وقدرته لمقدوره- كما تقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها- بل ~~هي أمر ms2031 وراء ذلك، هي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته ~~وحمده ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى، وأمات وأحيى، وأشقى وأضل وهدى. ومنع ~~وأعطى. وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها ~~إثبات للوسائل ونفي للغايات، وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة. ~~فنفي الوسيلة- وهي الفعل- لازم لنفي الغاية وهي الحكمة. ونفي قيام الفعل ~~والحكمة به نفي لهما في الحقيقة إذ فعل لا يقوم بفاعله، وحكمة لا تقوم ~~بالحكيم- شيء لا يعقل. وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته. وهذا لازم لمن ~~نفى ذلك ولا محيد له عنه، وإن أبى التزامه. وأما من أثبت حكمته وأفعاله على ~~الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل، لم يلزم من قوله محذور ~~البتة، بل قوله حق، ولازم الحق حق، كائنا ما كان. # PageV04P528 # والمقصود: أن ورثة الرسل وخلفاءهم- لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاء ~~القدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا- مع ذلك ~~بالأمر والنهي، وصدقوا بالوعد والوعيد: فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان ~~به إثبات القدر والحكمة. وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد ~~والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب فصدقوا بالخلق والأمر ولم ينفوهما ~~بنفي لوازمهما- كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر- ~~وكانوا أسعد الناس بالخلق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي، وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # واعلم أن الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة، لا يجتمع إلا في قلوب ~~خواص الخلق ولب العالم، وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسميات وجحد ~~حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلالا. فإن القدرية تؤمن بلفظ (القدر) ، ~~ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني ويجعل قضاءه ~~وقدره هو نفس أمره ونهيه ونفس مشيئة الله لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا ~~حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك (الحكمة) فإن الجبرية تؤمن بلفظها ~~ويجحدون حقيقتها، فإنهم يجعلونها مطابقة علمه تعالى لمعلومه تعالى وإرادته ~~لمراده تعالى، فهي- عندهم- وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته.. والقدرية ~~النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقة، ويثبتون ms2032 حكمة زائدة على ذلك، ~~لكنهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقا من مخلوقاته، كما ~~قالوا في كلامه وإرادته. # فهؤلاء كلهم أقروا بلفظ (الحكمة) وجحدوا معناها وحقيقتها. وكذلك (الأمر) ~~و (الشرع) فإن من أنكر كلام الله وقال: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، ولا ~~قال ولا يقول، ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا، وجميع الكائنات محبوبة له، وما ~~لم يكن فهو مكروه له، ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين ~~الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر. ولا ريب أن هذا يرفع ~~الشرائع والأمر والنهي بالكلية. ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من ~~دين الرسل، ولكن مشى الحال بعض الشيء بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم ~~والقول بموجبها. # والمقصود: أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد، حقيقة الإيمان، إلا أتباع الرسل وورثتهم. # والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته. ولهذا قال الإمام أحمد: القدر # PageV04P529 # قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال: ~~إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر. # ولهذا، كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته، وهم ~~غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال ~~القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا ~~يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب، وأنكرت الأخرى كمال علمه. وقابلهم ~~الجبرية: فجاءت على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة. # ولهذا، كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته. ~~ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين من هذه الثلاثة كثيرا، كقوله: # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم [النمل: 6] ، وقال: تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم [غافر: 2] ، وقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم [الجاثية: 2] ، وقال في (حم فصلت، بعد ذكر تخليق العالم) : ذلك ~~تقدير العزيز العليم [فصلت: 12] ، وذكر نظير هذا في (الأنعام) فقال: فالق ~~الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، ذلك تقدير العزيز العليم ~~[الأنعام: 96] . فارتباط ms2033 الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن ~~قدرته. # وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه. وارتباطه بحكمته ~~يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة ~~المطلوبة للرب سبحانه. وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه ~~وأمره، حكيم في خلقه وأمره. ولهذا، كان (الحكيم) من أسمائه الحسنى. فالحكمة ~~من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول ~~المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة هي سنة الرسول، وهي تتضمن ~~العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به. فكل هذا يسمى حكمة. # وفي الأثر «1» : الحكمة ضالة المؤمن. # وفي الحديث «2» : «إن من الشعر حكمة» . # فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته ~~وحمده. وهو محمود على جميع ما في PageV04P530 # الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره. فمصدر ذلك كله ~~عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة، والله أعلم. انتهى. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في خلال بعض فتاويه، في حقيقة ~~الاحتجاج بالقضاء والقدر، ما نصه: # وإن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد الربوبية. حقيقة ~~قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا الآية فإن ~~هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي، وأنكروا ~~التوحيد- الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له- وهم يقرون بتوحيد الربوبية ~~وأن الله خالق كل شيء، ما بقي عندهم من فرق، من جهة الله تعالى، بين مأمور ~~ومحظور فقالوا: # لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، وهذا حق. فإن الله ~~لو شاء أن لا يكون هذا لم يكن. ولكن أي فائدة لهم في هذا؟ غايته أن هذا ~~الشرك والتحريم بقدر، ولا يلزم إذا كان مقدرا أن يكون محبوبا مرضيا لله. ~~ولا علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه، بل ليسوا في ذلك إلا على ~~ظن وخرص. انتهى. # وقال بعض المحققين في حقيقة العقيدة: # ثبت بالبرهان ms2034 أن قدرة الله تعالى متصرفة في الممكنات عن إرادة واختيار. ~~وأن الإرادة لا تخرج عما ينكشف بالعلم من مواقع الحكمة، ووجوه النظام. وأنه ~~خالق كل شيء وإليه يرجع الأمر كله. ومن الممكنات التي اقتضتها الحكمة ~~والنظام وجود مخلوق ذي قدرة وإرادة وعلم، يعمل بقدرته ما تنبعث إليه إرادته ~~بمقتضى علمه بوجوه المصلحة والمنفعة لنفسه، وهو الإنسان. وهذا- عند البعض- ~~هو معنى كونه خليفة الله في الأرض يعمرها ويظهر حكمة الله وبدائع أسراره ~~فيها، ويقيم سننه الحكمية حتى يعرف كماله بمعرفة كمال صنعه. ولا يزال ~~الإنسان يظهر الآيات من هذه المكونات آنا بعد آن، ولا يعلم مبلغه من ذلك ~~إلا الله تعالى. والمشهور أن الخلافة خاصة بأفراد من الإنسان وهم الأنبياء ~~عليهم السلام. ولا يستلزم واحد من القولين أن الله تعالى استخلفهم لحاجة به ~~إلى ذلك. حاشاه. # قال البيضاوي (في بيان أن كل نبي خليفة) : استخلفهم في عمارة الأرض، ~~وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم- لا لحاجة به تعالى إلى من ~~ينوبه- بل لقصور المستخلف عليه من قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط. ولذلك لم ~~يستنبئ ملكا كما قال: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] . انتهى. # PageV04P531 # وكذلك إذا قلنا: إن كل النوع خليفة في العوالم الأرضية. # فعلم من كل من القولين أن في الإنسان معنى ليس في غيره. فإذا كانت خلقة ~~الملك لا تساعد على إرشاد الناس، لأنه ليس من جنسهم ولا يمكن لكل واحد ~~التلقي منه، فكذلك لا تساعد خلقته. وليس من وظيفتها، إظهار خواص الأجسام ~~وقواها ووجوه الانتفاع بها. ولو كان إيجاد مخلوق- على ما ذكرنا في خلق ~~الإنسان- غير ممكن لما وجد. ولا ينكر كونه على ما ذكرنا إلا من ينكر الحس ~~والوجدان، وهما أصل كل برهان. ومثل هذا لا يخاطب ولا يطلب منه التصديق بشيء ~~ما. # إذن، معنا قضيتان قطعيتا الثبوت: # (إحداهما) : كون الإنسان يعمل بقدرة وإرادة يبعثها علمه على الفعل أو ~~الترك والكف، وهي بديهية. # و (الثانية) : هي أن الله هو الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، وهي نظرية ~~ويتولد من ms2035 هاتين القضيتين القطعيتين مسألتان نظريتان: # الأولى: ما الفرق بين علم الله تعالى وإرادته وقدرته، وبين علم الإنسان ~~وإرادته وقدرته؟ والجواب من وجوه: # (أحدها) : أن صفات الله قديمة بقدمه فهي ثابتة له لذاته. وصفات الإنسان ~~حادثة بحدوثه وهي موهوبة له من الله تعالى كذاته. # (ثانيها) : أن علم الله محيط بكل شيء يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء [البقرة: 255] . وأما الإنسان فما أوتي من ~~العلم إلا قليلا [الإسراء: 85] ! وإرادة الله تعالى لا تتغير ولا تقبل ~~الفسخ لأنها عن علم تام. بخلاف إرادة الإنسان فإنها تتردد لتردده في العلم ~~بالشيء. وتفسخ لظهور الخطأ في العلم الذي بنيت عليه. وتتجدد لتجدد علم لمن ~~لم يكن له من قبل. # وقدرة الله تعالى متصرفة في كل ممكن. فيفعل كل ما يعلم أن فيه الحكمة. ~~وقدرة الإنسان لا تصرف لها ولا كسب إلا في أقل القليل من الممكنات. فكم من ~~أمر يعلم أن فيه مصلحته ومنفعة له وهو لا يقدر على القيام به. # (ثالثها) : أن صفات الإنسان عرضة للضعف والزوال، وصفات الله تعالى أبدية ~~كما أنها أزلية. # PageV04P532 # وبالجملة: إن المشاركة بين صفات الله تعالى وصفات عباده إنما هي في ~~الإسم، لا في الجنس كما زعم بعضهم، فبطل زعم من قال: إن إثبات كون الأفعال ~~التي تصدر من الإنسان هي بقدرته وإرادته- يقتضي أن يكون شريكا لله تعالى ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: 180] . # المسألة الثانية: - وهي عضلة العقد ومحك المنتقد- أن القضاء عبارة عن ~~تعلق علم الله تعالى أو إرادته في الأزل بأن الشيء يكون على الوجه المخصوص ~~من الوجوه الممكنة، والقدر وقوع الأشياء فيما لا يزال على وفق ما سبق في ~~الأزل. # ومن الأشياء التي يتعلق بها القضاء والقدر أفعال العباد الاختيارية. فإذا ~~كان قد سبق القضاء المبرم- بأن زيدا يعيش كافرا ويموت كافرا- فما معنى ~~مطالبته بالإيمان وهو ليس في طاقته؟ ولا يمكن في الواقع ونفس الأمر أن يصدر ~~منه. لأنه في الحقيقة مجبور على الكفر في صورة مختار له؟ ms2036 كما قال بعضهم. # والجواب عن هذا: أن تعلق العلم والإرادة بأن فلانا يفعل كذا، لا ينافي أن ~~يفعله باختيار، إلا إذا تعلق العلم بأن يفعله مضطرا كحركة المرتعش مثلا. ~~ولكن أفعال العباد الاختيارية قد سبق في القضاء بأنها تقع اختيارية، أي: ~~بإرادة فاعليها لا رغما عنهم. وبهذا صح التكليف ولم يكن التشريع عبثا ولا ~~لغوا. # وثم وجه آخر في الجواب، وهو: لو كان سبق العلم أو الإرادة بأن فاعلا يفعل ~~كذا، يستلزم أن يكون ذلك الفاعل مجبورا على فعله، لكان الواجب، تعالى ~~وتقدس، مجبورا على أفعاله كلها. لأن العلم الأزلي قد تعلق بذلك، وكل ما ~~تعلق به العلم الصحيح لا بد من وقوعه. # فتبين- بهذا- أن الجبرية ومن تلا تلوهم قد غفلوا عن معنى الاختيار، ~~واشتبهت عليهم الأنظار، فكابروا الحس والوجدان، ودابروا الدليل والبرهان، ~~وعطلوا الشرائع والأديان، وتوهموا أنهم يعظمون الله ولكنهم ما قدروه حق ~~قدره، ولا فقهوا سر نهيه وأمره، حيث جرءوا الجهال على التنصل من تبعة ~~الذنوب والأوزار، وادعاء البراءة لأنفسهم والإحالة باللوم على القضاء ~~والقدر، وذلك تنزيه لأنفسهم من دون الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. بل ذلك ~~إغراء للإنسان بالانغماس في الفسوق والعصيان. فيا عجبا لهم كيف جعلوا أعظم ~~الزواجر من الإغراء، وهو الاعتقاد بإحاطة علم الله بالأشياء! أليس من شأن ~~من لم يفسد الجبر فطرته، ويظلم الجهل بصيرته، # PageV04P533 # أن يكون أعظم مهذب لنفسه، ومؤدب لعقله وحسه، اعتقاده بأن الله عليم بما ~~يسر ويعلن، ويظهر ويبطن، وأنه ناظر إليه ومطلع عليه.؟ بلى «1» إن الإحسان ~~هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وأما الذين ضلوا ~~السبيل، واتبعوا فاسد التأويل، فيقولون كما قال من قبلهم وقص الله علينا ~~ذلك بقوله عز وجل. سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ... الآية. ~~فانظر كيف رماهم العليم الحكيم بالجهل، وجعل احتجاجهم بالقدر من أسباب وقوع ~~البأس والبلاء بهم. # وفي هذا القدر كفاية لمن لم ينطمس نور الفطرة من قلبه، والله عليم حكيم. ### | ### | القول في تأويل قوله ms2037 تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 150] # قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون (150) # قوله تعالى: قل هلم شهداءكم أي: احضروهم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ~~يعني ما تقولون من الأنعام والحرث. والمراد ب (شهدائهم) قدوتهم الذين ~~PageV04P534 # ينصرون قولهم. وإنما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ~~ضلالتهم، وأنه لا متمسك لهم، كمن يقلدهم فيحق الحق ويبطل الباطل فإن شهدوا ~~أي: بعد حضورهم بأن الله حرم هذا فلا تشهد معهم أي: فلا تسلم لهم ما شهدوا ~~به ولا تصدقهم، لما علمت من افترائهم على الله ومشيهم مع أهويتهم. # وفي (العناية) : فلا تشهد استعارة تبعية. وقيل مجاز مرسل، من ذكر اللازم ~~وإرادة الملزوم. لأن الشهادة من لوازم التسليم. وقيل كناية. وقيل مشاكلة. # ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون من وضع المظهر موضع المضمر، للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل ~~به غيره، أي سوى به الأصنام، فهو متبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل ~~لم يكن إلا مصدقا بالآيات، موحدا لله تعالى. # ولما بين تعالى فساد ما ادعوا من أن إشراكهم وإشراك آبائهم وتحريم ما ~~حرموه، بأمر الله ومشيئته، بظهور عجزهم عن إبراز ما يتمسك به في ذلك، ~~وإحضار شهداء يشهدون بذلك، بعد ما كلفوه مرارا- أمر الرسول بأن يبين لهم من ~~المحرمات ما يقتضي الحال بيانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 151] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) # فقال تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا من ~~الأوثان وبالوالدين إحسانا أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. قال الحاكم: # والإحسان ما يخرج عن حد ms2038 العقوق، ومثل هذا قوله تعالى: وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا [لقمان: 15] . ولما كان إيجاب الإحسان تحريما لترك الإحسان، ذكر في ~~المحرمات. وكذا حكم ما بعده من الأوامر. فإن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ~~ضده. بل هو عينه عند البعض. كأن الأوامر ذكرت وقصد لوازمها، ومن سر ذلك ~~هنا- أعني وضع وبالوالدين إحسانا موضع (النهي عن الإساءة إليهما) - ~~المبالغة والدلالة عن أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف في قضاء حقوقهما، ~~بخلاف # PageV04P535 # غيرهما. ولا تقتلوا أولادكم من إملاق أي من أجل فقر، ومن خشيته. والمراد ~~بالقتل: وأد البنات وهن أحياء، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية. فنهاهم ~~الله عن ذلك وحرمه عليهم نحن نرزقكم وإياهم لأن رزق العبيد على مولاهم ولا ~~تقربوا الفواحش يعني: الزنى لقوله: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ~~[الإسراء: 32] وإنما جيء بصيغة الجمع قصدا إلى النهي عن أنواعه أو مبالغة ~~أو باعتبار تعدد من يصدر منه ما ظهر منها وما بطن يعني: علانيته وسره ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله أي قتلها لإيمانها أو أمانها إلا بالحق أي ~~بالعدل، يعني بالقود والرجم والارتداد ذلكم وصاكم به تلطفا ورأفة لعلكم ~~تعقلون يعني: # لتعقلوا عظمها عند الله تعالى فتكفوا عن مباشرتها. # قال المهايمي: فالشرك وعقوق الوالدين وقتل الأولاد للفقر، منشؤه الجهل ~~بما في الشرك من استهانة المنعم بالإيجاد، وبما في الإساءة إلى الأبوين من ~~مقابلة الإحسان بالإساءة، وقربان الفواحش من متابعة الهوى، والقتل من ~~متابعة الغضب وكلها أضداد العقل. ### | تنبيه: # قال بعض (الزيدية) : قوله تعالى من إملاق خرج على العادة. وإلا فهو محرم، ~~خشي الفقر أم لا. وقد دلت على تحريم قتل الأولاد. # قال (الحاكم) : فيدخل في ذلك شرب الدواء لقتل الجنين. قال الإمام (يحيى) ~~: إذا نفخ فيه الروح دون إفساد النطفة والعلقة والمضغة قبل أن ينفخ فيها ~~الروح. وفي (الأحكام) يجب على من انقطع حيضها أن توقى من الأدوية ما يخاف ~~على الجنين منها، إذا كانت من ذوات البعول. وفي قوله تعالى: ذلكم وصاكم به ~~تأكيد للزوم ما تقدم. انتهى. ms2039 ### | لطيفة: # قال القاشاني: لما كان الكلام مع المشركين في تحريم الطيبات، عدد ~~المحرمات ليستدل بها على المحللات. فحصر جميع أنواع الفضائل بالنهي عن ~~أجناس الرذائل. وابتدأ بالنهي عن رذيلة القوة النطقية التي هي أشرفها. فإن ~~رذيلتها أكبر الكبائر مستلزمة لجميع الرذائل. بخلاف رذيلة أخويها من ~~القوتين البهيمية والسبعية. فقال ألا تشركوا به شيئا إذ الشرك من خطئها في ~~النظر، وقصورها عن استعمال العقل ودرك البرهان. وعقبه بإحسان الوالدين. إذ ~~معرفة حقوقهما تتلو # PageV04P536 # معرفة الله في الإيجاد والربوبية. لأنهما سببان قريبان في الوجود ~~والتربية. وواسطتان جعلهما الله تعالى مظهرين لصفتي إيجاده وربوبيته. ولهذا ~~قال: (من أطاع الوالدين فقد أطاع الله ورسوله) فعقوقهما يلي الشرك ولا يقع ~~الجهل بحقوقهما إلا عن الجهل بحقوق الله تعالى ومعرفة صفاته. ثم بالنهي عن ~~قتل الأولاد خشية الفقر. فإن ارتكاب ذلك لا يكون إلا عن الجهل والعمى عن ~~تسبيبه تعالى الرزق لكل مخلوق. # وأن أرزاق العباد بيده، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. والاحتجاب عن سر ~~القدر، فلا يعلم أن الأرزاق مقدرة بإزاء الأعمار كتقدير الآجال. فأولاها لا ~~تقع إلا من خطئها في معرفة ذات الله تعالى. والثانية من خطئها في معرفة ~~صفاته. والثالثة من معرفة أفعاله. # فلا يرتكب هذه الرذائل الثلاث إلا منكوس محجوب عن ذات الله تعالى وصفاته ~~وأفعاله وهذه الحجب أم الرذائل وأساسها. ثم بين رذيلة القوة البهيمية لأن ~~رذيلتها أظهر وأقدم فقال: ولا تقربوا الفواحش، ثم أشار إلى رذيلة القوة ~~السبعية بقوله: # ولا تقتلوا النفس. الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 152] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) # وقوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم # أي: بوجه من الوجوه إلا بالتي # أي: # بالخصلة التي هي أحسن # يعني أنفع له. كتثميره أو حفظه أو أخذه قرضا. لا بأكله، وإنفاقه في ~~مآربكم وإتلافه، فإنه ms2040 أفحش. وقد ذكرنا طرفا فيما رخص فيه لولي اليتيم أو ~~وصيه في قوله تعالى في سورة النساء ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [النساء: ~~6] وقد روى (أبو داود) «1» عن ابن عباس قال: لما أنزل الله: ولا تقربوا مال ~~اليتيم # الآية، و: إن الذين يأكلون أموال اليتامى [النساء: 10] الآية، انطلق من ~~كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل من طعامه ~~فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله: ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه. ~~قيل: إنما خص تعالى مال PageV04P537 # اليتيم بالذكر، لكونه لا يدفع عن نفسه ولا عن ماله هو ولا غيره. فكانت ~~الأطماع في ماله أشد. فعزم في النهي عنه لأنه حماه ومقدمته، وأمر بتنميته. ~~حتى يبلغ أشده # أي قوته التي يقدر بها على حفظه واستنمائه، وهذا غاية لما يفهم من ~~الاستثناء لا للنهي، كأنه قيل: احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا. فحينئذ سلموه ~~إليه كما في قوله تعالى: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم. ~~والأشد جمع (شدة) كنعمة وأنعم، أو شد ككلب وأكلب، أو شد كصر وآصر. وقيل هو ~~مفرد كآنك وأوفوا الكيل والميزان بالقسط # أي بالعدل والتسوية في الأخذ والإعطاء. وقد توعد تعالى على تركه في قوله: ~~ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ~~[المطففين: 1- 6] . # قال ابن كثير: وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال. # روى الترمذي «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(لأصحاب الكيل والميزان) : إنكم وليتم أمرين هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم. # ثم ضعفه وصحح وقفه على ابن عباس. وروى نحوه ابن مردويه مرفوعا، ولفظه: ~~إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين، بهما هلكت القرون المتقدمة: ~~المكيال والميزان. # لا نكلف نفسا # أي: عند الكيل والوزن إلا ms2041 وسعها # أي: جهدها بالعدل. # وهذا الاعتراض جيء به عقيب الأمر بالعدل، لبيان أن مراعاة الحد من القسط، ~~الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، مما يجري فيه الحرج، لصعوبة رعايته. فأمر ~~ببلوغ الوسع، وأن الذي ما وراءه معفو عنه. # وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ~~«أوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها # : من أوفى على يده في الكيل والميزان، والله أعلم بصحة نيته بالوفاء ~~فيهما، لم يؤاخذ» . # قال ابن المسيب: وذلك تأويل (وسعها) قال ابن كثير: هذا مرسل غريب. # وفي (العناية) : يحتمل رجوع قوله تعالى: لا نكلف نفسا إلا وسعها # إلى ما تقدم. أي جميع ما كلفناكم ممكن، ونحن لا نكلف ما لا يطاق. انتهى. ~~والأول PageV04P538 # أولى. # وإذا قلتم # أي: في حكومة أو شهادة ونحوهما فاعدلوا # أي: فيها. أي: # لا تقولوا إلا الحق ولو كان # أي: المقول له أو عليه ذا قربى # أي: ذا قرابة منكم. فلا تميلوا في القول له أو عليه، إلى زيادة أو نقصان. # قال بعض الزيدية: معنى قوله تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا # أي اصدقوا في مقالتكم. قال: وهذه اللفظة من الأمور العجيبة في عذوبة ~~لفظها وقلة حروفها وجمعها لأمور كثيرة من الإقرار والشهادة والوصايا والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والفتاوى والأحكام والمذاهب. # ثم إنه تعالى أكد ذلك، وبين أنه يلزم العدل في القول، ولو كان المقول له ~~ذا قربى. كقوله تعالى: ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. [النساء: ~~135] . # وبعهد الله أوفوا # أي: ما عهد إليكم من الأمور المعدودة، أو أي عهد كان. فيدخل فيه ما ذكر ~~دخولا أوليا. أو ما عاهدتم الله عليه من الأيمان والنذور ذلكم # إشارة إلى ما ذكر في هذه الآيات وصاكم به # أي أمركم بالعمل به في الكتاب لعلكم تذكرون # أي تتعظون. وفي قوله تعالى ذلكم وصاكم به # تأكيد آخر. «1» ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 153] # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم ms2042 به لعلكم تتقون (153) # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه يقرأ بفتح همزة (أن) والتشديد. ومحلها مع ~~ما في حيزها الجر بحذف لام العلة. أي: ولأن هذا الذي وصيتكم به من الأر ~~والنهي طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي قويما لا اعوجاج فيه، فاعملوا به. ~~وجوز أن يكون محلها مع ما في حيزها النصب على (ما حرم) أي: وأتلو عليكم أن ~~هذا صراطي. وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف. ولا تتبعوا السبل يعني الأديان ~~المختلفة أو طرق البدع والضلالات فتفرق بكم عن سبيله أي: فتفرقكم عن ~~PageV04P539 # صراطه المستقيم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده. # روى الإمام (أحمد) «1» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن ~~يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم ~~قرأ: وأن هذا صراطي مستقيما.. الآية. ورواه (الحاكم) # وصححه. ### | لطائف: # قال الكيا الهراسي: في الآية دليل على منع النظر والرأي، مع وجود النص. # قال ابن كثير: إنما وحد (سبيله) لأن الحق واحد ولهذا جمع (السبل) لتفرقها ~~وتشعبها. كما قال تعالى: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [البقرة: ~~257] . # قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل ~~الملل وأهل البدع والضلالات، من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك ~~من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. وهذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء ~~المعتقد. # قال قتادة: اعلموا أن السبيل سبيل واحد. جماعة الهدى، ومصيره الجنة. وأن ~~إبليس استبدع سبلا متفرقة. جماعة الضلالة، ومصيرها إلى النار. وروى علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن ~~الاختلاف والفرقة. # وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله. # ذلكم إشارة إلى ms2043 ما ذكر من اتباع سبيله تعالى وترك اتباع سائر السبل وصاكم ~~به لعلكم تتقون أي اتباع الكفر والضلالة. وفيه تأكيد أيضا. روى «2» الترمذي ~~وحسنه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا- إلى قوله- لعلكم تتقون. PageV04P540 # وروى الحاكم، وصححه عن ابن عباس قال: في الأنعام آيات محكمات هن أم ~~الكتاب ثم قرأ: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ... الآيات. # وروى الحاكم وصححه وابن أبي حاتم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم قوله تعالى: ~~قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم حتى فرغ من ثلاث آيات. ثم قال: ومن وفي ~~بهن فأجره على الله. ومن انتقص منهن شيئا، فأدركه الله في الدنيا، كانت ~~عقوبته. ومن أخره إلى الآخرة. كان أمره إلى الله. إن شاء أخذه وإن شاء عفا ~~عنه. ### | ### | لطيفة: # # قال النسفي: ذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون) لأنهم إذا عقلوا ~~تفكروا، ثم تذكروا، أي اتعظوا، فاتقوا المحارم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 154] # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # ثم آتينا أي: أعطينا موسى الكتاب يعني التوراة تماما على الذي أحسن يقرأ ~~بفتح النون على أنه فعل ماض وفاعله إما ضمير (الذي) أي: تماما للكرامة ~~والنعمة على الذي أحسن. أي: على من كان محسنا صالحا. يريد جنس المحسنين. ~~وتدل عليه قراءة عبد الله (على الذين أحسنوا) وإما ضمير موسى عليه السلام ~~ومفعوله محذوف. أي: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ ~~وفي كل ما أمر به. أو تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع. من ~~(أحسن الشيء) إذا أجاد معرفته، أي زيادة على علمه على وجه التتميم وعلى ~~الأول، ف (تماما) ms2044 في موقع المفعول له. وجاز حذف اللام لكونه في معنى ~~(إتماما) أو مصدر لقوله (ءاتينا) من معناه. لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة. ~~كأنه قيل: أتممنا النعمة إتماما. ف (تمام) بمعنى (إتمام) كنبات في قوله ~~تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا. أو (أصله إيتاء تمام) . وعلى الوجه ~~الثاني هو حال من الكتاب. وقرأ يحيى بن يعمر (على الذي أحسن) بالرفع أي: ~~على الذي هو أحسن، أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب. ف ~~(تماما) حال من الكتاب بمعنى (تاما) أي حال كون الكتاب تاما كائنا على أحسن ~~ما يكون. # PageV04P541 # قال ابن جرير: هذه قراءة لا أستجير القراءة بها. وإن كان في العربية لها ~~وجه صحيح. وتفصيلا لكل شيء أي: وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل ~~في الدين وهدى لهم إلى ربهم في سلوك سبيله ورحمة عليهم بإفاضة الفوائد ~~لعلهم أي: أهل الكتاب بلقاء ربهم يؤمنون يصدقون بلقائه للجزاء. ### | لطيفة: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: ثم آتينا من قال إن ثم لا ~~تفيد الترتيب. انتهى. # قال ابن كثير وثم هاهنا لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب كما قال ~~الشاعر: # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد قبل ذلك جده # وقال (أبو السعود) : وثم للتراخي في الأخبار كما في قولك: بلغني ما صنعت ~~اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب. أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل: ذلكم وصاكم به ~~قديما وحديثا. ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى التوراة. فإن إيتاءها مشتملة ~~على الوصية المذكورة وغيرها، أعظم من التوصية بها فقط. انتهى. # ثم أشار إلى أن التوراة. وإن كانت تماما على النهج الأحسن، فالقرآن أتم ~~منه وأزيد حسنا. فهو أولى بالمتابعة، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 155] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) # وهذا أي: القرآن: كتاب أنزلناه مبارك أكثر نفعا من التوراة دينا ودنيا ~~فاتبعوه أي: اعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام واتقوا يعني ~~مخالفته واتباع غيره لكونه ms2045 منسوخا به لعلكم ترحمون أي: لترحموا بواسطة ~~اتباعه، وهو العمل بما فيه. وفيه إشارة إلى أنه لا رحمة بمتابعة المنسوخ ~~وإن آمن صاحبها بلقاء ربه. # قال بعض الزيدية: وفي قوله تعالى: فاتبعوه دلالة على وجوب تعلم القرآن ~~ليمكن الاتباع له. لكن هو كسائر العلوم فرض كفاية إلا ما يتعين على كل ~~مكلف، كتعلم ما لا تصح الصلاة إلا به، فإنه يجب عليه. انتهى. # PageV04P542 # موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا [هود: 17] ، وقوله أول ~~السورة: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى [الأنعام: 91] ، ثم قال: # وهذا كتاب أنزلناه مبارك ... [الأنعام: 92] الآية، وقوله تعالى مخبرا عن ~~المشركين: فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ~~[القصص: 48] . وقوله تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا: يا قومنا إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه [الأحقاف: 30] الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 156] # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) # أن تقولوا علة ل (أنزلناه) . أي: كراهة أن تقولوا يوم القيامة. أو لئلا ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا اليهود والنصارى وإن كنا عن ~~دراستهم عن تلاوة كتابهم لغافلين لا علم لنا بشيء منها لأنها ليست بلغتنا. # قال أبو السعود: ومرادهم بذلك دفع ما يرد عليهم من أن نزوله عليهما لا ~~ينافي عموم أحكامه. فلم لم تعملوا بأحكامه العامة؟ والمعنى: وإن كنا لا ~~ندري ما في كتابهم، إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقى منه تلك الأحكام العامة ~~ونحافظ عليها، وإن لم يكن منزلا علينا. وبهذا تبين أن معذرتهم هذه، مع أنهم ~~غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة ~~لكافة الأمم، كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن لاشتماله أيضا عليها، ~~لا على سائر الشرائع والأحكام فقط. # انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 157] # أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ms2046 ~~ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب أي: كما أنزل عليهم لكنا أهدى منهم ~~أي: إلى الحق وأسرع منهم إجابة للرسول لمزيد ذكائنا وجدنا في العمل فقد ~~جاءكم قال أبو السعود: متعلق بمحذوف ينبئ عنه الفاء الفصيحة، إما معلل به، ~~أي: لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم. وإما شرط له. أي: إن صدقتم فيما كنتم تعدون # PageV04P543 # من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم، فقد ~~حصل ما فرضتم وجاءكم بينة أي: كتاب حجة واضحة من ربكم متعلق ب (جاءكم) أو ~~بمحذوف صفة ل (بينة) أي: بينة كائنة منه تعالى لا يتوهم فيه السحر وهدى ~~بإقامة الدلائل ورفع الشبه ورحمة بإفاضة الفوائد وتسهيل طريقكم وتيسيرها ~~إلى أشرف الكمالات فمن أظلم. قال أبو السعود: الفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها. فإن مجيء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من ~~يكذبه. أي: وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها أي: ~~صرف الناس وصدهم عنها. فجمع بين الضلال والإضلال. # والمعنى إنكار أن يكون أحد أظلم منه أو مساويا له سنجزي الذين يصدفون ~~الناس عن آياتنا أي: التي لو لم يصدفوا عنها لعرفوا إعجازها سوء العذاب أي: # العذاب السيء بما كانوا يصدفون وهذا كقوله تعالى: الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [النحل: 88] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 158] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) # هل ينظرون يعني قد أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما كانوا ~~يعتقدون من الضلالة. فما ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن ~~وصدهم عن آيات الله؟. # قال البيضاوي: ms2047 يعني أهل مكة. وهم ما كانوا منتظرين لذلك. ولكن لما كان ~~يلحقهم لحوق المنتظر، شبهوا بالمنتظرين. إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك يعني للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة. # قال ابن كثير: وذلك كائن يوم القيامة. وقد تقدم الكلام في معنى الآية في ~~سورة البقرة عند قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام [البقرة: 210] بما فيه كفاية. # ومذهب السلف: إمرار ذلك بلا كيف، كما مر مرارا. # قيل: إلا أن تأتيهم الملائكة أي: ملائكة الموت لقبض أرواحهم أو يأتي # PageV04P544 # بعض آيات ربك # وذلك قبل يوم القيامة، كائن من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئا من ~~ذلك. كما # روى البخاري «1» في تفسير هذه الآية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. ~~فإذا رآها الناس آمن من عليها. فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل. # ورواه مسلم أيضا «2» # ولمسلم «3» والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. # يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل صفة ~~(نفسا) أو كسبت في إيمانها خيرا عطف على (ءامنت) والمعنى أن بعض أشراط ~~الساعة إذا جاء، وهي آية ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع ~~الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات. أو مقدمة ~~الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا لفسقها. فتوبتها حينئذ لا تجدي. # قال الطبري: معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع، إيمان بعد ~~الطلوع. ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع، عمل صالح بعد الطلوع. # لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ، حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة. ~~وذلك لا يفيد شيئا. كما قال تعالى: ms2048 فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~[غافر: 85] . وكما ثبت في الحديث الصحيح «4» : إن الله يقبل توبة العبد ما ~~لم يغرغر. انتهى. # وبالجملة: فالمعنى أنه لا ينفع من كان مشركا إيمانه. ولا تقبل توبة فاسق ~~عند ظهور هذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة. وذلك لذهاب ~~زمن التكليف. # قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات، وهو على عمل صالح مع إيمانه، قبل الله ~~منه العمل الصالح بعد نزول الآية، كما قبل منه قبل ذلك. فأما من آمن من شرك ~~PageV04P545 # أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية، فلا يقبل منه. لأنه حالة اضطرار. ~~كما لو أرسل الله عذابا على أمة فآمنوا وصدقوا. فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ~~ذلك، لمعاينتهم الأهوال والشدائد، التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة. # وقال ابن كثير: إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه. فأما من كان ~~مؤمنا قبل ذلك، فإن كان مصلحا في عمله، فهو بخير عظيم. وإن لم يكن مصلحا، ~~فأحدث توبة حينئذ، لم تقبل منه توبته. كما دلت عليه الأحاديث. وعليه يحمل ~~قوله تعالى: أو كسبت في إيمانها خيرا أي: لا يقبل منها كسب عمل صالح، إذا ~~لم يكن عاملا به قبل ذلك. انتهى. # والأحاديث المشار إليها، منها ما # رواه (مسلم) «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ~~تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه. # وروى (الترمذي) «2» وصححه عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: باب من قبل المغرب مسيرة عرضه (أو قال يسير الراكب في ~~عرضه) أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض. ~~مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. # ولأبي داود «3» والنسائي من حديث معاوية رفعه: لا تزال تقبل التوبة ~~PageV04P546 # حتى تطلع الشمس من مغربها. # قال ابن حجر: سنده جيد. # وأخرجه أحمد «1» والدارمي «2» وعبد بن حميد من حديثه أيضا بلفظ: لا تنقطع ~~التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. # وروى الإمام أحمد عن ابن السعدي أن ms2049 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~تنقطع الهجرة مادام العدو يقاتل. # فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ~~ورسوله ولا تنقطع ما تقبلت التوبة. ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس ~~من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل. # قال ابن كثير: هذا الحديث حسن الإسناد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب ~~الستة. ### | وهاهنا مسائل: # الأولى: ذهب الجمهور إلى أن المراد ب (البعض) في الآية هو طلوع الشمس من ~~مغربها. كما في حديث الصحيحين السابق. ولا يقال يخالف ذلك # حديث مسلم: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها.. الحديث # . وفي ثبوت ذلك بخروج الدجال نظرا. لأن نزول عيسى صلى الله عليه وسلم ~~بعده. وفي زمنه خير كثير دنيوي وأخروي. # فالإيمان مقبول وقتئذ. لأنا نقول: لا منافاة. وذلك لأن (البعض) في الآية، ~~إن كان عدة آيات، فطلوع الشمس هو آخرها المتحقق به عدم القبول، وإن كان ~~إحدى آيات، فهو محمول على المعين في الحديث، لأنه أعظمها. كذا في (العناية) ~~. # قال ابن عطية: إذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتخصيص مانع القبول ~~بالطلوع، في الحديث الصحيح، لم يجز العدول عنه، وتعين أنه معنى الآية. ~~انتهى. # وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك. بل يختم على عمل كل أحد ~~بالحالة التي هو عليها. والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة ~~بتغير العالم العلوي. فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة. وارتفع ~~الإيمان بالغيب. فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع. فالمشاهدة لطلوع ~~الشمس من المغرب مثله. PageV04P547 # الثانية: قال السيوطي في (الإكليل) : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن ~~الإيمان لا ينفع مع عدم كسب الخير فيه. وهو مردود. ففي الكلام تقدير. ~~والمعنى: # لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل، إيمانها حينئذ، ولا ينفع نفسا لم تكسب ~~خيرا ms2050 قبل، توبتها حينئذ. # وقال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية إنه إذا أتى بعض ~~الآيات لا ينفع نفسا كافرة، إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك. ولا ينفع نفسا سبق ~~إيمانها ولم تكسب فيه خيرا. فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي ~~سبق الإيمان فقط، وإما سبقه مع نفي كسب الخير. ومفهومه أنه ينفع الإيمان ~~السابق وحده، وكذا السابق ومعه الخير. ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية ~~لمذهب أهل السنة. ويكون فيه قلب دليل المعتزلة، دليلا عليهم. # وأجاب ابن المنير في (الانتصاف) فقال: هذا الكلام من البلاغة يلقب (اللف) ~~وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة قبل، إيمانها ~~بعد. ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل، ما تكتسبه من الخير بعد، فلف الكلامين ~~فجعلهما كلاما واحدا إيجازا. وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل ~~الحق. # فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من ~~الخلود. فهي بالرد على المعتزلة أولى من أن تدل لهم. # وقال ابن الحاجب في (أماليه) : الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن ~~عمل صالح غيره، ومعنى الآية: لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح، ~~لم يكن الإيمان قبل الآية، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها. فاختصر ~~للعلم. # ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك. ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير وابن ~~الحاجب. وبسطه: أن الله تعالى، لما خاطب المعاندين بقوله تعالى: وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك فاتبعوه.. [الأنعام: 155] الآية، علل الإنزال بقوله: أن ~~تقولوا إنما أنزل الكتاب [الأنعام: 156] إلخ، إزالة للعذر وإلزاما للحجة. ~~وعقبه بقوله: فقد جاءكم بينة إلخ، تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب ~~الاتباع. ثم قال فمن أظلم ممن كذب ... الآية. أي أنه أنزل هذا الكتاب ~~المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق، ~~ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح. فجعلوا شكر ~~النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها. # ثم قال: هل ينظرون.. ms2051 الآية. أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم ~~عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم. كما جرى لمن مضى ~~من الأمم قبلهم. # PageV04P548 # أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها. فحينئذ تفوت تلك الفرصة ~~السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل، من الإيمان. وكذا العمل ~~الصالح مع الإيمان، فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت ~~في إيمانها خيرا من قبل. # ففي الآية لف. لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر، ونظيره قوله تعالى: # من يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا # [النساء: 172] . # قال: فهذا الذي عناه ابن المنير بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له ~~(اللف) والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة من قبل ~~ذلك. إيمانها من بعد ذلك. ولا ينفع نفسا كانت مؤمنة، لكن لم تعمل في ~~إيمانها عملا صالحا قبل ذلك، ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك. قال: وبهذا ~~التقرير يظهر مذهب أهل السنة. فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير، أي: ~~لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة. وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من ~~الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. # ثم قال الطيبي: وقد ظفرت، بفضل الله بعد هذا التقرير، على آية أخرى تشبه ~~هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا. من غير إفراط ولا تفريط. وهي ~~قوله تعالى: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ~~ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، ~~قد خسروا أنفسهم الآية [الأعراف: 52- 53] . فإنه يظهر منه أن الإيمان ~~المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع. وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح ~~أنفع. وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا. والله أعلم. انتهى ملخصا. # الثالثة: قال في (الوجيز) في قوله ms2052 تعالى: أو يأتي ربك أي لفصل القضاء بين ~~خلقه. وإتيانه نؤمن به ولا نعرف كيفه. انتهى. # وفي حواشي (جامع البيان) : كيف لا يؤمن بإتيانه ومجيئه تعالى يوم ~~القيامة، وقد جاء في القرآن في عدة مواضع: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام [البقرة: 210] . وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] . إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [النحل: 33] . وأي أمر أصرح منه في ~~القرآن؟. # PageV04P549 # وروي الطبري في (تفسيره) عن ابن عباس مرفوعا: إن في الغمام طاقات يأتي ~~الله فيها، محفوفا. # وذلك قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضي الأمر [البقرة: 210] . # قال عكرمة: والملائكة حوله، فهذا من صفات الله تعالى. يجب علينا الإيمان ~~بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت وإن لم نعرف كيفيتها. وعدم علمنا بكيفيتها، ~~بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته. فلا نكذب بما علمناه لعدم علمنا بما لم ~~نعلمه. وهذا هو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة. انتهى. # وقوله تعالى: قل انتظروا أي: قل لهؤلاء الكافرين، بعد بيان حقيقة الحال ~~على وجه التحديد: انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا ~~أي شيء تنتظرون. # إنا منتظرون أي لذلك، لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة. # ثم بين تعالى أحوال أهل الكتاب، إثر بيان حال المشركين بقوله سبحانه ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 159] # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) # إن الذين فرقوا دينهم أي: اختلفوا فيه، مع وحدته في نفسه، فجعلوه أهواء ~~متفرقة وكانوا شيعا أي: فرقا تشيع كل فرقة إماما لها بحسب غلبة تلك ~~الأهواء. # فلم يتعبدوا إلا بعادات وبدع، ولم ينقادوا إلا لأهواء وخدع لست منهم في ~~شيء أي: من عقابهم. أو أنت بريء منهم محمي الجناب عن مذاهبهم. أو المعنى: ~~اتركهم فإن لهم مالهم. # وقال القاشاني: أي: لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء. إذ هم أهل ~~التفرقة لا يجتمع هممهم، ولا ms2053 يتحد قصدهم إنما أمرهم إلى الله أي: في جزاء ~~تفرقهم ومكافأتهم، لا إليك ثم ينبئهم يعني إذا وردوا يوم القيامة بما كانوا ~~يفعلون أي: من السيئات والتفرقة، لمتابعة الأهواء. ويجازيهم على ذلك بما ~~يماثل أفعالهم. ### | تنبيه: # قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. # PageV04P550 # وروى العوفي عن ابن عباس في الآية أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا. وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل ~~الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. وآخر على الخوارج. وأسندوا في ذلك ~~حديثا رفعوه. # قال ابن كثير: وإسناد ذلك لا يصح. ثم قال: والظاهر أن الآية عامة في كل ~~من فارق دين الله وكان مخالفا له. فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق. فمن اختلف فيه ~~(وكانوا شيعا) أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله ~~تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله ~~تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك الآية [الشورى: ~~13] . وفي الحديث «1» نحن معاشر الأنبياء أولاد علات. ديننا واحد. فهذا هو ~~الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، ~~والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء ~~وأهواء. والرسل برءاء منها كما قال الله تعالى: لست منهم في شيء ثم قال: ~~وقوله تعالى: إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون كقوله تعالى: ~~إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة [الحج: 17] . الآية. # انتهى. # وقد أخرج أبو داود «2» عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة. ~~وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين. اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في ~~الجنة، وهي الجماعة. ورواه الترمذي عن عبد الله ms2054 بن عمرو، وفيه: قالوا من هي ~~يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي. # ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة. # فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 160] # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) PageV04P551 # من جاء بالحسنة أي جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة فله عشر أمثالها يعني ~~عشر حسنات أمثالها في الحسن. # قال (المهايمي) كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب يعطيه بما يليق بسلطنته، لا ~~قيمة العنقود. انتهى. والعشر أقل ما وعد من الأضعاف. وقد جاء الوعد بسبعين، ~~وبسبعمائة وبغير حساب. ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر ~~في العدد الخاص من جاء بالسيئة أي: بالأعمال السيئة فلا يجزى إلا مثلها في ~~القبح. # قال المهايمي: فمن كفر خلد في النار، فإنه ليس أقبح من كفره. كمن أساء ~~إلى سلطان يقصد قتله. ومن فعل معصية عذب بقدرها كمن أساء إلى آحاد الرعية. # انتهى. # وهم لا يظلمون أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب. ### | لطيفة: # قال القاشاني في قوله تعالى فله عشر أمثالها: هذا أقل درجات الثواب. # وذلك أن الحسنة تصدر بظهور القلب والسيئة بظهور النفس. فأقل درجات ثوابها ~~أنه يصل إلى مقام القلب الذي يتلو مقام النفس في الارتقاء، تلو مرتبة ~~العشرات للآحاد في الأعداد. وأما في السيئة فلأنه لا مقام أدون من مقام ~~النفس. فينحط إليه بالضرورة. فيرى جزاءه في مقام النفس بالمثل. ومن هذا ~~يعلم أن الثواب من باب الفضل. فإنه يزيد به صاحبه ويتنور استعداده ويزداد ~~قبوله لفيض الحق. فيتقوى على أضعاف ما فعل ويكتسب به أجورا متضاعفة إلى غير ~~نهاية، بازدياد القبول على فعل كل حسنة وزيادة القدرة والشغف على الحسنة ~~عند زيادة الفيض إلى ما لا يعلمه إلا الله. كما قال بعد ذكر أضعافها إلى ~~سبعمائة: والله يضاعف لمن يشاء [البقرة: # 261] ، وأن العقاب من باب العدل إذ العدل يقتضي المساواة. ومن فعل ~~بالنفس، إذا لم يعف عنه، يجازي ms2055 بالنفس سواء. انتهى. ### | تنبيه: # وردت أحاديث كثيرة في معنى الآية. # فروى الإمام أحمد «1» عن ابن عباس أن PageV04P552 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فيما يروي عن ربه تعالى: إن ربكم ~~تبارك وتعالى رحيم. من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة. فإن عملها كتبت ~~له عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له ~~حسنة. فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ولا يهلك على الله إلا هالك. ~~ورواه البخاري «1» ومسلم «2» والنسائي. # وروى الإمام «3» أحمد ومسلم «4» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو ~~أزيد. ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرب مني شبرا تقربت ~~منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها ~~مغفرة. # وروى الشيخان «5» عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ~~فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد ~~أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة. لفظ البخاري. # وروى الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام # . وذلك لأن الله تعالى قال: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # وروى «6» الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله. ورواه النسائي # والترمذي وزاد: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها، اليوم بعشرة أيام. PageV04P553 # وبقيت أخبار أخرى. وفيما ذكر كفاية. # ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر ms2056 أولئك المفرقين دينهم بما ~~أنعم سبحانه عليه، من إرشاده إلى دينه القويم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 161] # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده ~~المخلصين دينا نصب على البد من محل (إلى صراط) لأن معناه هداني صراطا. # بدليل قوله ويهديهم إليه صراطا مستقيما [النساء: 175] ، أو مفعول لمضمر ~~يدل عليه المذكور. أي عرفني دينا. أو مفعول (هداني) . و (هدى) يتعدى إلى ~~اثنين قيما صفة (دينا) بقرأ بالتشديد أي: ثابتا أبدا لا تغيره الملل ~~والنحل، ولا تنسخه الشرائع والكتب، مقوما لأمر المعاش والمعاد. ويقرأ ~~بالتخفيف على أنه مصدر نعت به. وأصله قوم كعوض. فأعل لإعلال فعله كالقيام. ~~ملة إبراهيم المتفق على صحتها وهي التي أعرض بها عن كل ما سواه تعالى. عطف ~~بيان ل (دينا) حنيفا حال من إبراهيم أي مائلا عن كل دين وطريق باطل، فيه ~~شرك ما، وقوله تعالى: وما كان من المشركين اعتراض مقرر لنزاهته عليه السلام ~~عما عليه المفرقون لدينه من عقد وعمل. أي ما كان منهم في أمر من أمور دينهم ~~أصلا وفرعا. # صرح بذلك ردا على الذين يدعون أنهم على ملته من مشركي مكة واليهود ~~والنصارى. أفاده أبو السعود. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: هذه الآية كقوله تعالى: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين [النحل: 123] وليس يلزم من كونه أمر ~~باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها. لأنه عليه ~~السلام قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا ~~الكمال. ولهذا قال: أنا خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق وصاحب ~~المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق، حتى الخليل عليه السلام. # وروى ابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال: كان # PageV04P554 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: أصبحنا على ملة الإسلام ~~وكلمة الإخلاص ودين ms2057 نبينا وملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. # وروى الإمام أحمد «1» عن ابن عباس قال قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحنيفية السمحة. # وروى الإمام أحمد «2» عن عائشة قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذقني على منكبيه لأنصر إلى زفن الحبشة. حتى كنت التي مللت، فانصرفت عنهم. ~~وقالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ليعلم يهود أن في ~~ديننا فسحة. إني أرسلت بحنيفية سمحة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 162] # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) # قل إن صلاتي لما أن المأمور به متعلق بفروع الشرائع، وما سبق بأصولها. # أي: إن صلاتي إلى الكعبة ونسكي أي: طوافي وذبحي للهدايا في الحج والعمرة، ~~أو عبادتي كلها ومحياي ومماتي أي: وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من ~~الإيمان والعمل الصالح. أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، ~~كالوصية والتدبير. أو الحياة والممات أنفسهما لله رب العالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 163] # لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) # لا شريك له أي: خالصة لله لا أشرك فيها غيره وبذلك أي: القول أو الإخلاص ~~أمرت وأنا أول المسلمين أي: من هذه الأمة. لأن إسلام كل نبي متقدم على ~~إسلام أمته. # قال ابن كثير: يأمر تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ~~تعالى ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك. فإن صلاته لله ونسكه على ~~اسمه وحده لا شريك له. PageV04P555 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية # 164] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) # قل أغير الله أبغي ربا فأشركه في عبادته، وهو جواب عن دعائهم له عليه ~~الصلاة والسلام إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي ~~العبادة، أبلغية ms2058 لا تخفي وهو رب كل شيء حال في موضع العلة للإنكار والدليل ~~له. أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلا أكون عبدا لعبده. # قال ابن كثير: أي فلا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه. لأنه رب كل شيء ~~ومليكه وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص العبادة والتوكل. كما ~~تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له. وهذا المعنى يقرن ~~بالآخر كثيرا. كقوله تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا: إياك نعبد وإياك ~~نستعين. وقوله: # فاعبده وتوكل عليه [هود: 123] . وقوله قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ~~[الملك: 29] . وقوله رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ~~[المزمل: 9] وأشباه ذلك من الآيات. # ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى. # قال ابن كثير: إخبار عن الواقع يوم القيامة من جزاء الله تعالى وحكمه ~~وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وأنه لا ~~يحمل من خطيئة أحد على أحد. وهذا من عدله تعالى. # وقال أبو السعود: كانوا يقولون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم، وإما بمعنى لنحمل يوم ~~القيامة ما كتب عليكم من الخطايا- فهذا رد له بالمعنى الأول. أي لا تكون ~~جناية نفس من النفوس إلا عليها. ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على ~~شخص آخر، حتى يتأتى ما ذكرتم، وقوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى رد له ~~بالمعنى الثاني. أي: لا تحمل يومئذ نفس حاملة، حمل نفس أخرى، حتى يصح ~~قولكم. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل # PageV04P556 # أحد.، وقد ردت عائشة به على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. ~~أخرجه البخاري «1» ، وأخرج ابن أبي حاتم عنها أنها سئلت عن ولد الزنى؟ ~~فقالت ليس عليه من خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية. # قال: الكيا الهراسي: ويحتج بقوله: ولا تكسب كل نفس إلا عليها في عدم نفوذ ms2059 ~~تصرف زيد على عمرو إلا ما قام عليه الدليل. قال ابن الفرس: واحتج به من ~~أنكر ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. # وقال بعض الزيدية: قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى يعني في أمر ~~الآخرة. فيبطل قول إن أطفال المشركين يعذبون بكفر آبائهم. ويلزم أن لا يعذب ~~الميت ببكاء أهله عليه. حيث لا سبب له. وأما في أمر الدنيا، فقد خص هذا ~~بحديث العاقلة. وكذلك أسر أولاد الكفار ونحو ذلك. انتهى. PageV04P557 # ثم إلى ربكم مرجعكم أي: رجوعكم بعد الموت يوم القيامة فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقوله تعالى: قل لا تسئلون ~~عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق ~~وهو الفتاح العليم [الزخرف: 32] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنعام (6) : آية 165] # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض جمع خليفة. أي يخلف بعضكم بعضا فيها، ~~فتعمرونها خلفا بعد سلف، للتصرف بوجوه مختلفة ورفع بعضكم فوق بعض درجات أي ~~فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال ~~والألوان، وله الحكمة في ذلك. كقوله تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا [الزخرف: ~~32] ، وقوله سبحانه: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا [الإسراء: 21] ، وقوله تعالى: ليبلوكم في ما آتاكم أي: ~~ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، أي امتحنكم، ليختبر الغني في غناه ويسأله ~~عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. # وفي صحيح مسلم «1» عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. ~~فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء # . أفاده ابن كثير. # ثم رهب تعالى من معصيته ورغب في طاعته بقوله سبحانه إن ربك سريع العقاب ~~أي: ms2060 لمن عصاه وخالف رسله وإنه لغفور رحيم أي: لمن والاه واتبع رسله. ### | لطائف: # الأولى: قال السيوطي في (الإكليل) . استدل بقوله تعالى: جعلكم خلائف ~~الأرض من أجاز أن يقال للإمام: خليفة الله. انتهى. # أي: بناء على وجه في الآية. وهو أن المعنى: جعلكم خلائف الله في الأرض ~~PageV04P558 # تتصرفون فيها. ذكره المفسرون. وآثرت، قبل، غير هذا الوجه لأنه أدق وأظهر، ~~والله أعلم. # الثانية: قال القاضي: وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة ~~وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة- تنبيها على ~~أنه سبحانه وتعالى غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، ~~قليل العقوبة مسامح فيها. انتهى. # الثالثة: قال ابن كثير: إن الحق تعالى، كثيرا ما يقرن في القرآن بين ~~هاتين الصفتين كقوله: إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد ~~العقاب [الرعد: 6] ، وقوله: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم [الحجر: 49- 50] . إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ~~الترغيب والترهيب. # فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة ~~يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها. وتارة ~~بهما. لينجع في كل بحسبه. جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما نهى عنه ~~وزجر، إنه قريب مجيب. # قد تم بحمده تعالى الكلام على (محاسن تأويل) سورة الأنعام. وذلك ضحوة ~~الأربعاء في 28 ربيع الأول. في شباك السدة اليمنى العليا من جامع السنانية ~~عام 1321. وكان تخلل مدة شهر ونصف، وقفت عن كتابة شيء من هذه السورة فيها، ~~وذلك من آخر البحث في قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا.. الآية، لعارض رحلتي ~~إلى بيت المقدس في 28 محرم من العام المذكور. وبعد العود إلى الوطن في 8 ~~ربيع الأول بدأت من قوله تعالى: قل هلم شهداءكم.. الآية. في 20 ربيع الأول، ~~وتمت السورة في التاريخ المتقدم، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله. بقلم جامعه جمال الدين القاسمي. # ويليه الجزء الخامس- ويحتوي على تفسير سور: ### | 7- # الأعراف، 8- الأنفال، 9- التوبة. ms2061 # PageV04P559 ### | فهرس الجزء الرابع # سورة المائدة الآية 1 5 الآية 2 7 الآية 3 16 الآية 4 38 الآية 5 47 ~~الآية 6 60 الآيتان 7 و 8 77 الآيتان 9 و 10 78 الآية 11 79 الآية 12 87 ~~الآية 13 88 الآية 14 89 الآيتان 15 و 16 91 الآية 17 92 الآية 18 94 الآية ~~19 96 الآية 20 100 الآيات 21- 23 101 الآيات 24- 26 102 الآية 27 107 ~~الآية 28 108 الآية 29 109 الآية 30 110 الآية 31 111 الآية 32 114 الآيتان ~~33 و 34 116 الآية 35 125 الآيتان 36 و 37 129 الآية 38 130 الآية 39 136 ~~الآية 40 137 الآية 41 139 الآية 42 141 الآية 43 142 # PageV04P561 # الآية 44 144 الآية 45 149 الآية 46 154 الآية 47 155 الآية 48 156 الآية ~~49 158 الآية 50 160 الآية 51 162 الآيتان 52 و 53 163 الآية 54 168 ~~الآيتان 55 و 56 174 الآية 57 176 الآية 58 177 الآية 59 179 الآية 60 180 ~~الآيتان 61 و 62 182 الآية 63 183 الآية 64 184 الآية 65 189 الآية 66 190 ~~الآية 67 191 الآية 68 203 الآية 69 205 الآية 70 208 الآية 71 209 الآية ~~72 211 الآية 73 212 الآيتان 74 و 75 214 الآية 76 217 الآية 77 218 ~~الآيتان 78 و 79 221 الآيتان 80 و 81 224 الآية 82 225 الآيات 83- 85 227 ~~الآيات 86- 88 233 الآية 89 237 الآية 90 243 الآية 91 244 الآية 92 245 ~~الآية 93 246 الآية 94 251 الآية 95 252 # PageV04P562 # الآية 96 254 الآية 97 257 الآيات 98- 100 258 الآية 101 259 الآية 102 ~~261 الآية 103 272 الآيتان 104 و 105 276 الآية 106 279 الآية 107 280 ~~الآية 108 284 الآية 109 289 الآية 110 291 الآية 111 293 الآية 112 294 ~~الآيتان ms2062 113 و 114 296 الآية 115 297 الآية 116 299 الآية 117 301 الآية ~~118 302 الآيتان 119 و 120 305 سورة الأنعام الآية 1 309 الآية 2 312 الآية ~~3 314 الآيات 4- 6 316 الآيتان 7 و 8 317 الآية 9 319 الآية 10 320 الآيتان ~~11 و 12 321 الآية 13 324 الآيتان 14 و 15 325 الآيتان 16 و 17 326 الآية ~~18 327 الآية 19 328 الآية 20 331 الآية 21 332 الآيتان 22 و 23 333 الآية ~~24 334 الآيتان 25 و 26 336 الآيتان 27 و 28 338 الآيات 29- 31 340 # PageV04P563 # الآية 32 344 الآية 33 345 الآية 34 347 الآية 35 348 الآيتان 36 و 37 ~~349 الآية 38 350 الآيتان 39 و 40 358 الآيات 41- 43 359 الآيتان 44 و 45 ~~360 الآية 46 362 الآية 47 363 الآيات 48- 50 364 الآية 51 367 الآية 52 ~~368 الآية 53 370 الآية 54 375 الآيتان 55 و 56 377 الآية 57 378 الآية 58 ~~379 الآية 59 380 الآية 60 383 الآية 61 384 الآية 62 385 الآيتان 63 و 64 ~~387 الآية 65 389 الآية 66 391 الآيتان 67 و 68 392 الآية 69 394 الآية 70 ~~395 الآيتان 71 و 72 396 الآية 73 397 الآية 74 398 الآية 75 400 الآية 76 ~~402 الآيتان 77 و 78 403 الآية 79 404 الآية 80 411 الآية 81 412 الآية 82 ~~413 الآية 83 415 الآيات 84- 86 416 الآية 87 420 # PageV04P564 # الآيتان 88 و 89 421 الآية 90 422 الآية 91 425 الآية 92 429 الآية 93 ~~431 الآية 94 433 الآية 95 434 الآية 96 440 الآية 97 441 الآية 98 442 ~~الآية 99 444 الآية 100 448 الآية 101 450 الآيتان 102 و 103 451 الآية 104 ~~458 الآية 105 459 الآيتان 106 و 107 461 الآية 108 463 الآية ms2063 109 465 ~~الآية 110 468 الآية 111 469 الآية 112 470 الآيتان 113 و 114 471 الآيتان ~~115 و 116 473 الآية 117 474 الآية 118 و 119 475 الآية 120 476 الآية 121 ~~477 الآيتان 122 و 123 484 الآية 124 485 الآية 125 487 الآيات 126- 128 ~~488 الآية 129 492 الآية 130 493 الآية 131 495 الآيتان 132 و 133 496 ~~الآيتان 134 و 135 497 الآية 136 498 الآية 137 500 الآية 138 502 الآية ~~139 503 الآية 140 504 # PageV04P565 # الآية 141 505 الآية 142 508 الآيتان 143 و 144 509 الآية 145 511 الآية ~~146 516 الآيتان 147 و 148 517 الآية 149 518 الآية 150 534 الآية 151 535 ~~الآية 152 537 الآية 153 539 الآية 154 541 الآية 155 542 الآيتان 156 و ~~157 543 الآية 158 544 الآية 159 550 الآية 160 551 الآية 161 554 الآيتان ~~162 و 163 555 الآية 164 556 الآية 165 558 # PageV04P566 ### | المجلد الخامس # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعراف # أخرج أبو الشيخ ابن حبان عن قتادة، قال: الأعراف مكية، إلا آية وسئلهم عن ~~القرية وقال: من هنا إلى وإذ أخذ ربك من بني آدم مدني. # وآياتها مائتان وست آيات. # PageV05P003 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) # المص تقدم الكلام في أول سورة البقرة، على حروف فواتح السور، والمذاهب ~~فيها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 2] # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) # كتاب أي: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه أي: لا يكن فيك ضيق ~~صدر من تبليغه، مخافة أن يكذبوك، أو أن تقصر في القيام بحقه. فإنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يخاف قومه، وتكذيبهم له، وإعراضهم عنه، وأذاهم. فكان يضيق ~~صدره من الأداء، ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم. # قال الناصر: ويشهد لهذا التأويل ms2064 قوله تعالى: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك [هود: 12] ~~الآية لتنذر به أي: بالكتاب المنزل، المشركين ليؤمنوا وذكرى للمؤمنين أي ~~عظة لهم. وتخصيص الذكرى بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذار بالمشركين. # وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 3] # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ~~(3) # قوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خطاب منه تعالى لكافة المكلفين ~~بالأمر باتباع ما أنزل، وهو القرآن، والمراد ب ما أنزل: القرآن والسنة. # وقوفا مع عمومه، لقوله سبحانه: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~[النجم: 3- 4] . # PageV05P004 ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به، لأنه ~~من جملة ما أنزل الله، وقد أمرنا الله باتباعه- انتهى-. # وأقول: هذا غلو في الاستنباط، وتعمق بارد. ويرحم الله القائل: إذا اشتد ~~البياض صار برصا. # ولا تتبعوا من دونه أولياء أي لا تتبعوا أولياء غيره تعالى، من الجن ~~والإنس. # فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع قليلا ما تذكرون أي ما ~~تتعظون إلا قليلا، حيث لا تتأثرون ولا تعملون بموجبه، وتتركون دينه تعالى، ~~وتتبعون غيره. ثم حذرهم تعالى بأسه، إن لم يتبعوا المنزل إليهم، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : الآيات 4 الى 5] # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) # وكم من قرية أهلكناها أي أردنا إهلاكها بسبب مخالفة المنزل إليهم فجاءها ~~بأسنا أي: فجاء أهلها عذابنا بياتا أي بائتين. كقوم لوط. والبيتوتة: # الدخول في الليل، أي ليلا قبل أن يصبحوا أو هم قائلون أي قائلين نصف ~~النهار، كقوم شعيب. والمعنى: فجاءها بأسنا غفلة، وهم غير متوقعين له. ليلا ~~وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون وقت الظهيرة. وكل ذلك وقت الغفلة. ~~والمقصود أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم، من ms2065 غير تقدم أمارة تدلهم على ~~وقت نزول العذاب، وفيه وعيد وتخويف للكفار. كأنه قيل لهم: لا تغتروا بأسباب ~~الأمن والراحة، فإن عذاب الله إذا نزل، نزل دفعة واحدة. ونظير هذه الآية ~~قوله تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل ~~القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون [الأعراف: 97- 98] ؟ ثم تأثر تعالى ~~عذابهم الدنيوي ببيان عذابهم الأخروي، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 6] # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) # فلنسئلن الذين أرسل إليهم أي: المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما # PageV05P005 # أجابوا عنه رسلهم كما قال: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~[القصص: 65] ، ولنسئلن المرسلين أي: عما أجيبوا به، كما قال سبحانه: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [المائدة: 109] . والمراد بالسؤال ~~توبيخ الكفرة وتقريعهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 7] # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) # فلنقصن عليهم أي: على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم بعلم أي: # عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وما كنا غائبين أي: عنهم وعما وجد ~~منهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 8] # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) # والوزن يومئذ الحق أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، يوم ~~يسأل الله الأمم ورسلهم، العدل. فمن ثقلت موازينه أي: حسناته في الميزان ~~فأولئك هم المفلحون أي: الناجون من السخط والعذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 9] # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # ومن خفت موازينه أي: حسناته في الميزان فأولئك الذين خسروا أنفسهم ~~بالعقوبة بما كانوا بآياتنا يظلمون أي: يكفرون. ### | تنبيهات: # الأول: قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية ذكر الميزان، ويجب ~~الإيمان به. انتهى. # وقال الإمام الغزالي في (المضنون) : تعلق النفس بالبدن كالحجاب لها عن ~~حقائق الأمور. وبالموت ينكشف الغطاء، كما قال تعالى: فكشفنا عنك غطاءك [ق: ~~22] ، ومما يكشف له تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده، وهي ~~مقادير تلك الآثار، وإن ms2066 بعضها أشد تأثيرا من البعض، ولا يمتنع في قدرة الله ~~تعالى أن يجري سببا يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال، بالإضافة إلى ~~تأثيراتها في التقريب والإبعاد. فحد الميزان ما يتميز به الزيادة من ~~النقصان، ومثاله في العالم # PageV05P006 # المحسوس مختلف، فمنه الميزان المعروف، ومنه القبان للأثقال، والأصطرلاب ~~لحركات الفلك والأوقات، والمسطرة للمقادير والخطوط، والعروض لمقادير حركات ~~الأصوات. فالميزان الحقيقي، إذا مثله الله عز وجل للحواس، مثله بما شاء من ~~هذه الأمثلة أو غيرها. فحقيقة الميزان وحده موجود في جميع ذلك، وهو ما يعرف ~~به الزيادة من النقصان. وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل، وللخيال عند ~~التمثيل، والله تعالى أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات. والتصديق بجميع ~~ذلك واجب. انتهى. # الثاني: الذي يوضع في الميزان يوم القيامة. قيل: الأعمال وإن كانت أعراضا ~~إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما. # قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس، كما # جاء في (الصحيح) «1» # «أن البقرة وءال عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان، أو ~~فرقان من طير صواف» . # ومن ذلك # في (الصحيح) «2» # قصة القرآن، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ ~~فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك. # وفي حديث البراء «3» # في قصة سؤال القبر: فيأتي المؤمن شاب حسن اللون، طيب الريح، فيقول: من ~~أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح. # وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. # فالأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية، تبرز على هذا القول في ~~النشأة الآخرة بصور جوهرية، مناسبة لها في الحسن والقبح. فالذنوب والمعاصي ~~تتجسم هناك، وتتصور بصورة النار، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين [العنكبوت: 54] ، وقوله تعالى: PageV05P007 # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [النساء: ~~10] . الآية- وكذا # قوله صلى الله عليه وسلم «1» # «في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة: إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» # . ولا بعد في ذلك. # ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن. # وقيل: صحائف الأعمال هي التي ms2067 توزن، ويؤيده حديث البطاقة. # فقد أخرج أحمد «2» والترمذي وصححه، وابن ماجة والحاكم والبيهقي وابن ~~مردويه عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح ~~برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة. فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل ~~سجل منها مد البصر، فيقول: # أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب! فيقول: أفلك ~~عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا. يا رب فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة، ~~فإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ ~~فيقال: # إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، ~~وثقلت البطاقة» . # وقيل: يوزن صاحب العمل، كما # في الحديث «3» : يؤتى يوم القيامة بالرجل PageV05P008 # السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة. ثم قرأ فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا [الكهف: 105] . # وفي مناقب عبد الله بن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتعجبون ~~من دقة ساقيه؟ # والذي نفسي بيده! لهما في الميزان أثقل من أحد» «1» . # قال الحافظ ابن كثير: وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله ~~صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة يوزن محلها، وتارة يوزن فاعلها. والله ~~أعلم- انتهى. # قال أبو السعود: وقيل: الوزن عبارة عن القضاء السوي، والحكم العادل. وبه ~~قال مجاهد والأعمش والضحاك، واختاره كثير من المتأخرين، بناء على أن ~~استعمال لفظ الوزن في هذا المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية. ~~قالوا: إن الميزان إنما يراد به التوصل إلى معرفة مقادير الشيء. ومقادير ~~أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك، لأنها أعراض قد فنيت. وعلى تقدير ~~بقائها، لا تقبل الوزن- انتهى- وأصله للرازي. # قال في (العناية) : فمنهم من أول الوزن بأنه بمعنى القضاء والحكم العدل، ~~أو مقابلتها بجزائها. من قولهم: وازنه، إذا عادله. وهو إما كناية أو ~~استعارة. بتشبيه ذلك بالوزن المتصف بالخفة والثقل، بمعنى الكثرة والقلة. ~~والمشهور من مذهب ms2068 أهل السنة أنه حقيقة بمعناه المعروف انتهى. # فإن جمهور الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. # قال في (فتح البيان) : وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم ~~يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه. بل غاية ما تشبثوا به مجرد ~~الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة لأحد. فهذا إذا لم تقبله عقولهم، فقد ~~قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم: من الصحابة والتابعين وتابعيهم، حتى ~~جاءت البدع كالليل المظلم، وقال كل ما شاء، وتركوا الشرع خلف ظهورهم. ~~وليتهم جاءوا PageV05P009 # بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها، ويتحد قبولهم لها. بل كل فريق يدعي على ~~العقل ما يطابق هواه، ويوافق ما يذهب إليه هو ومن تابعه، فتتناقض عقولهم ~~على حسب ما تناقضت مذاهبهم. يعرف هذا كل منصف. ومن أنكره فليصف فهمه وعقله ~~عن شوائب التعصب والتمذهب، فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر ~~الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله: ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا [الأنبياء: 47] . وقوله: فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم ~~خالدون [المؤمنون: 102- 103] . وقوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: ~~40] وقوله: وأما من خفت موازينه فأمه هاوية [القارعة: 8- 9] . # والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا مذكورة في كتب السنة المطهرة. وما في ~~الكتاب والسنة يغني عن غيرهما. فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه، مع قوله ~~تعالى وقول رسوله الصادق المصدوق، والصباح يغني عن المصباح- انتهى. # وخلاصته، أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يعدل عنها إلى المجاز إلا إذا ~~تعذرت، ولا تعذر هاهنا. # الثالث: إن قلت: أليس الله عز وجل يعلم مقادير أعمال العباد؟ فما الحكمة ~~في وزنها؟ قلت: فيه حكم: # منها- إظهار العدل، وإن الله عز وجل لا يظلم عباده. # ومنها- امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في ~~العقبى. # ومنها- تعريف العباد ما لهم من خير وشر وحسنة وسيئة. # ومنها- إظهار علامة السعادة والشقاوة. # ونظيره، أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح ms2069 المحفوظ ثم في صحائف ~~الحفظة الموكلين ببني آدم، من غير جواز النسيان عليه سبحانه وتعالى. كذا في ~~(اللباب) . # وقال أبو السعود: إن قيل: إن المكلف يوم القيامة إما مؤمن بأنه تعالى ~~حكيم منزه عن الجور، فيكفيه حكمه تعالى بكيفات الأعمال وكمياتها. وإما منكر ~~له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على بعض لخصوصيات راجعة إلى ذوات # PageV05P010 # تلك الأعمال، بل يسنده إلى إظهار الله تعالى إياه على ذلك الوجه، فما ~~الفائدة في الوزن؟ # أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ، وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي ~~عليه، وبأوصافها وأحوالها في أنفسها من الحسن والقبح، وغير ذلك. وتنخلع عن ~~الصور المستعارة التي بها ظهرت في الدنيا، فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة ~~في أنها هي التي كانت في الدنيا بعينها، وأن كل واحد منها قد ظهر في هذه ~~النشأة بصورته الحقيقية المستتبعة لصفاته، ولا يخطر بباله خلاف ذلك- انتهى. # وقد سبقه إلى نحوه الرازي. # ولما أمر تعالى أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع غيره، ~~وبين لهم وخامة عاقبته بالإهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة- ذكرهم فنون ~~نعمه ترغيبا في اتباع أمره ونهيه، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 10] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) # ولقد مكناكم في الأرض أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا. أو ملكناكم فيها ~~وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش جمع معيشة، وهي ما يعاش ~~به من المطاعم والمشارب وغيرها. أو ما يتوصل به إلى ذلك من المتاجر ~~والمزارع والصنائع قليلا ما تشكرون الكلام فيه كالذي في قوله قليلا ما ~~تذكرون وقد مر قريبا. والتذييل مسوق لبيان سوء حال المخاطبين وتحذيرهم، أي ~~ما مننا عليكم بذلك إلا لتشكروا بمتابعة ما أنزلنا إليكم، وترك متابعة من ~~دوننا، فتحصلوا معايش السعادات الأبدية. ثم بين تعالى نعمته على آدم التي ~~سرت إلى بنيه، وبين لهم عداوة إبليس وما انطوى عليه من الحسد لأبيهم، ~~ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، بقوله سبحانه: ms2070 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 11] # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم # PageV05P011 # يكن من الساجدين # هذا كقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ ~~مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين [الحجر: 28- 29] وفي ~~تصدير هذه الآية بالقسم وحرف التحقيق، كالتي قبلها، إعلام بكمال العناية ~~بمضمونها. # قال أبو السعود: وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين، مع أن المراد ~~بهما خلق آدم عليه السلام وتصويره حتما، توفية لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا ~~لوجوب الشكر عليهم، بالرمز إلى أن لهم حظا من خلقه عليه السلام وتصويره، ~~لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه، بل من الأمور السارية إلى ذريته ~~جميعا، إذ الكل مخلوق في ضمن خلقه على نمطه، ومصنوع على شاكلته، فكأنهم ~~الذي تعلق به خلقه وتصويره. أي: خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، ثم صورناه ~~أبدع تصوير، وأحسن تقويم، سار إليكم جميعا- انتهى-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 12] # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) # قال سبحانه وتعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك أي أن تسجد كما وقع في سورة ~~(ص) . و (لا) مزيدة لل ### | تنبيه # على أن الموبخ عليه ترك السجود. ولتوكيد لمعنى الفعل الذي دخلت عليه ~~وتحقيقه، كما في قوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد: 29] ، كأنه ~~قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. وتوقف ~~بعض المحققين في وجه إفادة (لا) النافية تأكيد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه، ~~واستظهر الشهاب أنها لا تؤكده مطلقا، بل إذا صحبت نفيا مقدما أو مؤخرا ~~صريحا أو غير صريح، كما في غير المغضوب عليهم ولا الضالين وكما هنا، فإنها ~~تؤكد تعلق المنع به- انتهى-. # وقيل (ما منعك) محمول على (ما حملك وما دعاك) مجازا أو ms2071 تضمينا. وقال ~~الراغب: المنع ضد العطية، وقد يقال في الحماية. والمعنى ما حماك عن عدم ~~السجود. ولا يخفى أن السؤال عن المانع من السجود، مع علمه به، للتوبيخ ~~ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام. ~~كما أوضحه قوله تعالى: قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال ~~ابن كثير. هذا من العذر الذي هو أكبر من الذنب- انتهى-. # وإنما قال هذا، ولم يقل (منعني كذا) مطابقة للسؤال. لأن في هذه الجملة # PageV05P012 # التي جاء بها مستأنفة، ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، ~~والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول، مع ما في طيها من إنكار أن يؤمر مثله ~~بالسجود لمثله. # فالجملة متضمنة للجواب بقياس استدلالي، وهي من الأسلوب الأحمق كما في قصة ~~نمروذ. وقد علل ما ادعاه من الخيرية والفضل بزعمه أن عنصر النار أفضل من ~~عنصر الطين، لأنها جوهر نوراني، وهو ظلماني، ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل ~~بما من جهة المادة والعنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أنبأ عنه ~~قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي [ص: 75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة. ~~كما نبه عليه بقوله ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29] وباعتبار الغاية وهو ~~ملاك الأمر، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له لما بين لهم أنه أعلم منهم بما ~~يدور عليه أمر الخلافة في الأرض، وأن له خواص ليست لغيره. وبالجملة فالشيء ~~كما يشرف بمادته، يشرف بفاعله وغايته وصورته، والثلاثة في آدم عليه السلام ~~دونه، فاستبان غلطه. # وفي (اللباب) أن عدو الله إبليس جهل وجه الحق، وأخطأ طريق الصواب، لأن من ~~المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب. وهذا الذي ~~حمله، مع سابقة شقائه، على الاستكبار عن السجود لآدم عليه السلام، ~~والاستخفاف بأمر ربه، فأورده ذلك العطب والهلاك. ومن جوهر الطين الرزانة ~~والأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت، وهذا كان الداعي لآدم عليه السلام، ~~مع سابقة سعادته، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة. # وعن عائشة ms2072 رضي الله عنها قالت «1» : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» . ~~رواه مسلم. ### | تنبيه: # روى ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن في قوله تعالى خلقتني من نار وخلقته ~~من طين قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. وأخرج أيضا بإسناد صحيح عن ابن ~~سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. ولذا ~~احتج بهذه الآية من ذهب إلى عدم جواز تخصيص النص بالقياس، وإلا لما استوجب ~~إبليس هذا الذم الشديد. PageV05P013 # قال الرازي: بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة اسجدوا لآدم خطاب عام ~~يتناول جميع الملائكة، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس، وهو ~~أنه مخلوق من النار، والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، ~~والأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدنى، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في ~~جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك. وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم ~~بهذا القياس استحق الذم، وما ذاك إلا لعدم جوازه. وأيضا ففي الآية دلالة ~~على ذلك من وجه آخر: وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: فاهبط ~~منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فوصفه تعالى بكونه متكبرا، بعد أن حكى عنه ~~ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص ~~بالقياس تكبر على الله. ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب ~~العقاب الشديد، والإخراج من زمرة الأولياء. ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا ~~يجوز، وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في (البسيط) عن ابن عباس أنه قال: ~~كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس فكفر ~~بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه، قرنه الله مع إبليس- هذا ما نقله ~~الواحدي في (البسيط) عن ابن عباس، وأفاده الرازي. # وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس، منها ما تقدم عن ms2073 الحسن وابن ~~سيرين وابن عباس. وعن مسروق قال: لا أقيس شيئا بشيء، فتزل قدمي بعد ثبوتها. # وعن الشعبي: إياكم والقياس، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام، وحرمتم ~~الحلال، ولأن أتغنى غنية، أحب إلي من أن أقول في شيء برأيي. وقد ذكر الحافظ ~~ابن عبد البر رحمه الله من هذا المعنى آثارا وافرة في (جامع بيان العلم ~~وفضله) وقال: احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها. وقالوا في حديث معاذ: ~~إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة. وتكلم داود في إسناد حديث معاذ ~~ورده ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ، ولم يسموا. قال الحافظ ابن عبد البر: ~~وحديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول، وهو أصل في الاجتهاد والقياس ~~على الأصول. ثم قال: وسائر الفقهاء وقالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ~~ذم القياس: إنه القياس على غير أصل، أو القياس الذي يرد به أصل، والقول في ~~دين الله بالظن. ألا ترى إلى قول من قال منهم: أول من قاس إبليس؟ لأن إبليس ~~رد أصل العلم بالرأي الفاسد، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد ~~الفروع إلى أصولها، لا في رد الأصول بالرأي والظن. وإذا صح النص من الكتاب ~~والأثر، بطل القياس وما كان لمؤمن ولا مؤمنة # PageV05P014 # إذا قضى الله ورسوله- أمرا أن يكون لهم الخيرة ... # [الأحزاب: 36] الآية- وأي أصل أقوى من أمر الله تعالى لإبليس بالسجود، ~~وهو العالم بما خلق منه آدم، وما خلق منه إبليس، ثم أمره بالسجود له فأبى ~~واستكبر لعلة ليست بمانعة من أن يأمره الله بما يشاء، فهذا ومثله لا يحل ~~ولا يجوز. وأما القياس على الأصول، والحكم للشيء بحكم نظيره، فهذا ما لا ~~يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من روي عنه ذم القياس قد وجد له القياس ~~الصحيح منصوصا. لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل، مخالف للسلف في الأحكام. # وقال مسروق الوراق: # كنا من الدين قبل اليوم في سعة ... حتى ابتلينا بأصحاب المقاييس # قاموا من السوق إذ ms2074 قلت مكاسبهم ... فاستعملوا الرأي عند الفقر والبوس # أما العريب فقوم لا عطاء لهم ... وفي الموالي علامات المفاليس # فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوتنا. نحن نرضيك. فبعث إليه بدراهم فقال: # إذا ما أهل مصر بادهونا ... بآبدة من الفتيا لطيفه # أتيناهم بمقياس صحيح ... صليب من طراز أبي حنيفه # إذا سمع الفقيه به وعاه ... وأثبته بحبر في صحيفة # قال ابن عبد البر: اتصلت هذه الأبيات ببعض أهل الحديث والنظر من أهل ذلك ~~الزمن، فقال: # إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ... وجاء ببدعة منه سخيفة # أتيناهم بقول الله فيها ... وآثار مبرزة شريفه # هكذا حكاه ابن عبد البر في (جامع فضل العلم) . وله فيه في (باب ما جاء في ~~ذم القول في دين الله بالرأي والقياس على غير أصل) مقالات سابغة جديرة ~~بالمراجعة. # ومما ذكر فيه: أن أهل الحديث أفرطوا في أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد. قال: # والسبب الموجب لذلك، عندهم، إدخاله الرأي والقياس على الآثار، ~~واعتبارهما. # وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل النظر. وكان رده لما رد من ~~أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه ~~مثله ممن قال بالرأي: # PageV05P015 # وجل ما يوجد له من ذلك ما كان منه اتباعا لأهل بلده، كإبراهيم النخعي ~~وأصحاب ابن مسعود. إلا أنه أغرق هو وأصحابه في تنزيل النوازل، والجواب فيها ~~برأيهم واستحسانهم. فأتى منهم في ذلك خلاف كبير للسلف. ثم قال: وما أعلم ~~أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك ~~المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ، أو ادعاء نسخ. إلا أن لأبي حنيفة من ذلك ~~كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل. وعن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن ~~أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مما قال مالك ~~فيها برأيه. قال: وقد كتبت إليه أعظه في ذلك. هذا كلام ابن عبد البر ملخصا. # وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه: أنه روى عن علي وزيد أنهما ~~احتجا ms2075 بقياس، فمن ادعى إجماعهم- أي الصحابة- على ترك العمل بالرأي والقياس، ~~مطلقا فقد غلط، ومن ادعى أنه من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد منهم إلا ~~بالرأي والقياس، فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن ~~رأى دلالة الكتاب ذكرها، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها- انتهى-. # وقال ابن تيمية رحمه الله في فتوى أخرى: والصحابة كانوا يحتجون في عامة ~~مسائلهم بالنصوص كما هو مشهور عنهم، وكانوا يجتهدون رأيهم ويتكلمون بالرأي، ~~ويحتجون بالقياس الصحيح أيضا. والقياس الصحيح نوعان: # أحدهما: أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرقا غير مؤثر في ~~الشرع، كما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح «1» # أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: # ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم # . وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصا بتلك الفأرة وذلك السمن، ~~فلهذا قال جماهير العلماء: إنه أي نجاسة وقعت في دهن من الأدهان كالفأرة ~~التي تقع في الزيت، وكالهر الذي يقع في السمن، فحكمها حكم تلك الفأرة التي ~~وقعت في السمن. ومن قال من أهل الظاهر: إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة ~~وقعت في سمن، فقد أخطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك ~~الصورة، لكن لما استفتى عنها أفتى فيها، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة ~~أو عن نوع، فأجاب المفتي عن ذلك، خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه ~~PageV05P016 # بالحكم. ومثل هذا أنه سئل عن رجل «1» أحرم بالعمرة وعليه جبة مضمخة بخلوق # فقال: انزع عنك الجبة الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك. # فأجابه عن الجبة، ولو كان عليه قميص أو نحوه، كان الحكم كذلك بالإجماع. # والنوع الثاني من القياس: أن ينص على حكم لمعنى من المعاني، ويكون ذلك ~~المعنى موجودا في غيره، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق ~~بالمعنى المشترك بين الأصل والفرع سوى بينهما، وكان هذا قياسا صحيحا. فهذان ~~النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يستعملونهما، وهما من ms2076 باب فهم ~~مراد الشارع. # فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه، وعلى أن ~~يعرف مراده باللفظ. وإذا عرفنا مراده، فإن علمنا أنه حكم للمعنى المشترك، ~~لا لمعنى يخص الأصل، أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك. وإن علمنا أنه ~~قصد تخصيص الحكم بمورد النص، منعنا القياس. كما أنا علمنا أن الحج خص به ~~جهة الكعبة، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان، وأن الاستقبال خص به جهة ~~الكعبة، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس، ونحو ذلك، فإنه يمتنع هنا أن ~~نفيس على المنصوص غيره. وإذا عين الشارع مكانا أو زمانا للعبادة، كتعيين ~~الكعبة وشهر رمضان، أو عين بعض الأقوال والأفعال، كتعيين القراءة في ~~الصلاة، والركوع والسجود، بل وتعيين التكبير وأم القرآن، فإلحاق غير ~~المنصوص به يشبه حال أهل اليمن الذين أسقطوا تعيين الأشهر الحرم، وقالوا: ~~المقصود أربعة أشهر من السنة، فقال تعالى: إنما النسيء زيادة في الكفر يضل ~~به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ~~ما حرم الله [التوبة: 37] . وقياس الحلال بالنص على الحرام بالنص، من جنس ~~قياس الذين قالوا: PageV05P017 # إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا [البقرة: 275] . وكذلك ~~قياس «1» المشركين الذين قاسوا الميتة بالمذكى وقالوا أتأكلون ما قتلتم ولا ~~تأكلون ما قتل الله؟ قال تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [الأنعام: 121] . فهذه الأقيسة الفاسدة، وكل ~~قياس دل النص على فساده فهو فاسد، وكل من ألحق منصوصا بمنصوص يخالف حكمه، ~~فقياسه فاسد. وكل من سوى بين شيئين أو فرق بين شيئين بغير الأوصاف المعتبرة ~~في حكم الله ورسوله فقياسه فاسد. لكن من القياس ما يعلم صحته، ومنه ما يعلم ~~فساده، ومنه ما لم يتبين أمره. # فمن أبطل القياس مطلقا فقوله باطل. ومن استدل بالقياس المخالف للشرع ~~فقوله باطل. # ومن استدل بقياس لم يقم الدليل على صحته، فقد استدل بما لا يعلم صحته، ~~بمنزلة من استدل برواية رجل مجهول لا يعلم عدالته، فالحجج الأثرية ms2077 والنظرية ~~تنقسم إلى ما يعلم صحته، وإلى ما يعلم فساده، وإلى ما هو موقوف حتى يقوم ~~الدليل على أحدها. ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب والسنة، سواء كان ~~اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة، وهذا هو المراد من قول من قال: النصوص تتناول ~~أفعال المكلفين. ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض، كقوله تلك ~~عشرة كاملة [البقرة: 196] . والله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ~~[الشورى: # 17] ، فالكتاب هو النص، والميزان هو العدل، والقياس الصحيح من باب العدل، ~~فإنه تسوية بين المتماثلين، وتفريق بين المختلفين. ودلالة القياس الصحيح ~~توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد. ولا يوجد نص ~~يخالف قياسا صحيحا، كما لا يوجد معقول صريح يخالف المنقول الصحيح، ومن كان ~~متبحرا في الأدلة الشرعية، أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص ~~وبالأقيسة، فثبت أن كل واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ذكرناه ~~من الأمثلة، فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر، كما يدل النص على ذلك، فإن ~~الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة والبغضاء، وتصدنا عن ذكر الله وعن ~~الصلاة، كما دل القرآن على هذا المعنى. وهذا المعنى موجود في جميع الأشربة ~~المسكرة، لا فرق في ذلك بين PageV05P018 # شراب وشراب، فالفرق بين الأنواع المشتركة من الجنس تفريق بين المتماثلين، ~~وخروج عن موجب القياس الصحيح، كما هو خروج عن موجب النصوص. وهم معترفون بأن ~~قولهم خلاف القياس، لكن يقولون: معنا آثار توافق، اتبعناها، ويقولون: # إن اسم الخمر لم يتناول كل مسكر. وغلطوا في فهم النص، وإن كانوا مجتهدين ~~مثابين على اجتهادهم. ومعرفة عموم الأسماء الموجودة في النص وخصوصها، من ~~معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، وقد قال تعالى: الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله [التوبة: 97] والكلام ~~في ترجيح نفاة القياس ومثبتيه يطول استقصاؤه ولا يحتمل المقام بسطه أكثر من ~~هذا- والله أعلم- انتهى كلامه رحمه الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 13] # قال فاهبط منها ms2078 فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) # قال تعالى لإبليس فاهبط منها أي: بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي. ~~وأكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الجنة، والإضمار قبل ذكرها لشهرة ~~كونه من سكانها. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو ~~فيها من الملكوت الأعلى- انتهى- وعليه اقتصر المهايمي حيث قال: فاهبط منها ~~أي: # من رتبة الملكية إلى رتبة العناصر فما يكون لك أن تتكبر فيها أي: فما يصح ~~ولا يستقيم، فإنها مكان المطيعين الخاشعين فاخرج تأكيد للأمر بالهبوط، ~~متفرع على علته إنك من الصاغرين أي: من الأذلاء وأهل الهوان على الله تعالى ~~وعلى أوليائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 14] # قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) # قال أنظرني أي: أمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون أي: آدم وذريته من ~~القبور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 15] # قال إنك من المنظرين (15) # قال أي: الله له إنك من المنظرين أي من المؤجلين إلى نفخة الصور # PageV05P019 # الثانية. قال ابن كثير: أجابه تعالى إلى ما سأل، لما له في ذلك من الحكمة ~~والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع. ولا معقب لحكمه. # وقال الإمام أبو سعد المحسن بن كرامة الجشمي اليماني في تفسيره (التهذيب) ~~: ومتى قيل: ما وجه سؤاله مع أنه مطرود وملعون؟ فجوابنا علمه بإحسانه تعالى ~~إلى خلقه من أطاع ومن عصى، فلم يمنعه من السؤال ما ارتكب من المعصية. # ومتى قيل: هل خاطبه بهذا؟ قلنا: يحتمل ذاك، ويحتمل أنه أمر ملكا فخاطبه ~~به. # ومتى قيل: هل يجوز إجابة دعاء الكافر؟ قلنا: فيه خلاف. # الأول: قيل لا، لأنه إكرام وتعظيم- عن أبي علي- ولذلك يقال: فلان مستجاب ~~الدعوة، وإنظاره لا على سبيل إجابة دعائه، لأنه ملعون ولأنه لم يسأل على ~~وجه الخضوع. # الثاني: يجوز إجابة دعائه استصلاحا له، لأنه تفضل- عن أبي بكر أحمد بن ~~علي- وليس بالوجه. ومتى قيل: إذا أنظر هل يكون إغراء بالمعصية؟ قلنا: لا، ~~لأنه لم يعلم ما الوقت المعلوم، فلا يكون إغراء مع ms2079 تجويزه هجوم الموت عليه، ~~ولأنه تعالى لما أعلمه أنه يدخله النار، ولعنه- علم أنه لا يختار الإيمان ~~أبدا. ومتى قيل: ما فائدة إنظاره؟ قلنا: لطف له، لأنه يمكنه من استدراك ~~أمره. وهل يضل به أحد؟ قال أبو علي، لا، لقوله تعالى: ما أنتم عليه بفاتنين ~~[الصافات: 162] ، إلا من هو صال الجحيم [الصافات: 163] . ولأنه لو ضل به، ~~لكان بقاؤه مفسدة، فكان الله تعالى لا ينظره. فأما أبو هاشم فيجوز أن يضل ~~به أحد، ويكون بمنزلة زيادة الشهوة، ويجوز أن يكون لطفا من وجوه: أحدها أن ~~المكلف مع وسوسته إذا امتنع من القبيح، وكان ثوابه أكثر، ولأنه تعالى عرفنا ~~عداوته، والعاقل يجتهد في أن يغيظ عدوه ويغمه، وذلك إنما يكون بطاعة ربه، ~~ومن أطاعه فمن قبل نفسه أتى، لا من قبل ربه. # انتهى كلام الجشمي، وهو جار على أصول المعتزلة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 16] # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # قال فبما أغويتني أي أضللتني عن الهدى، أو حكمت بغوايتي. والباء للقسم، ~~كما في قوله تعالى: قال فبعزتك لأغوينهم [ص: 82] . أي: فأقسم بإغوائك إياي. ~~وقيل: هي بمعنى لام التعليل، أي: لأجل إغوائك إياي لأقعدن لهم أي: # PageV05P020 # لآدم وبنيه ترصدا بهم، كما يقعد القطاع للطريق على السابلة صراطك ~~المستقيم أي: طريقك السوي، وهو طريق الحق، ومعناه لا أفتر عن إفسادهم. ~~وانتصابه على الظرفية أو على نزع الجار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 17] # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم أي من جميع ~~الجهات الأربع. مثل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه، بإتيان ~~العدو من الجهات الأربع التي يعتاد هجومه منها. ولذلك لم يذكر الفوق والتحت ~~ولا تجد أكثرهم شاكرين أي مستعملين لقواهم وجوارحهم، وما أنعم الله به ~~عليهم في طريق الطاعة والتقرب إلى الله. وإنما قال ذلك لما رآه من الأمارات ~~على طريق الظن، ms2080 كقوله: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين [سبأ: 20] . # روى الإمام أحمد «1» عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، ~~فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم. ثم قعد له ~~بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في ~~الطول. قال: فعصاه فهاجر. قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهاد ~~النفس والمال. فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقا على ~~الله أن يدخله الجنة، أو قتل كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن ~~غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة» . # وقال الحافظ: ورد في الحديث استعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من ~~جهاته كلها، # فروى الإمام أحمد «2» وأبو داود «3» والنسائي «4» وابن ماجة «5» وابن ~~حبان PageV05P021 # والحاكم عن عبد الله بن عمر قال: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي اللهم! إني أسألك العفو والعافية في ~~ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم! احفظني ~~من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال ~~من تحتي» . ورواه البزار عن ابن عباس ### | فائدة: # قال الجشمي: تدل الآية أنه سأل الإنظار، وأنه تعالى أنظره، وقد بينا ما ~~قيل فيه. وتدل على شدة عداوته لبني آدم وحرصه على إضلالهم. وتدل على أن ~~أكثر بني آدم غير شاكرين. وتدل على أن الإضلال فعل إبليس، والقبول عنه ~~فعلهم، لذلك أضافه إليهم، وذمهم عليه، ولو كان خلقا له لما صح ذلك. - ~~انتهى- والكلام في أمثالها معروف. # ثم أكد تعالى على إبليس اللعنة والطرد والإبعاد عن محل الملأ الأعلى، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms2081 [سورة الأعراف (7) : آية 18] # قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) # قال اخرج منها مذؤما بالهمزة في القراءة المشهورة، من (ذأمه) إذا حقره ~~وذمه، وقرئ (مذوما) بذال مضمومة وواو ساكنة، وهي تحتمل أن تكون مخففة من ~~المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، وأن تكون من المعتل، وكان ~~قياسه (مذيم) كمبيع. إلا أنه أبدلت الواو من الياء، على حد قولهم (مكول) في ~~مكيل، و (مشوب) في مشيب. مدحورا مقصيا مطرودا لمن تبعك منهم اللام فيه، ~~لتوطئة القسم. وجوابه لأملأن جهنم منكم أجمعين أي: لمن أطاعك من الجن ~~والإنس، لأملأن جهنم من كفاركم، كقوله تعالى: قال اذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزاؤكم جزاء موفورا [الإسراء: 63] . # قال الجشمي: وإنما قال ذلك لأنه لا يكون في جهنم إلا إبليس وحزبه من ~~الشياطين، وكفار الإنس وفساقهم، الذين انقادوا له وتركوا أمر الله لأمره، ~~فجمعهم في الخطاب. ومتى قيل: لم ضيق جهنم ووسع الجنة؟ قلنا: لأن جهنم حبس، ~~والجنة دار ملك. ومتى قيل: فما الفائدة في قوله لأملأن جهنم منكم قلنا: ~~لطفا ليكون # PageV05P022 # المكلف تبعا للأنبياء دون الشياطين، ولطفا لإبليس وحزبه، لأنه غاية في ~~الزجر والنهي. ### | ### | تنبيه: # # قال الجشمي: تدل الآية على الوعيد لمن تبع إبليس، وأنه يملأ جهنم منهم، ~~ولا بد فيه من شرط، وهو أن لا يتوب، أو لا يكون معه طاعة أعظم. وتدل على ~~إذلال إبليس وطرده ولعنه بسبب عصيانه، تحذيرا عن مثل حاله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 19] # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) # قوله تعالى: ويا آدم أي: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة أي جنة ~~الخلد، أو جنة في الأرض. # قال الجشمي: وقد تقدم ذكر هذه القصة، والفائدة في إعادتها أن القرآن نزل ~~في بضع وعشرين سنة، والعوارض تعرض، والوفود تقدم، فكانت القصة تعاد، ليسمع ~~من لم يسمع، استصلاحا ولطفا. لأن في إعادة قصة واحدة، في مواضع ms2082 بألفاظ ~~مختلفة، كل واحد منها في نهاية الحسن، من إعجاز القرآن. فكلا من حيث أي من ~~كل مكان شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين أي فتصير من الذين ~~ظلموا أنفسهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 20] # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) # فوسوس لهما الشيطان أي: إبليس بأكل الشجرة مخيلا لهما النفع ليبدي لهما ~~أي: يظهر لهما ما ووري أي: ستر عنهما من سوآتهما أي: عوراتهما، واللام في ~~ليبدي إما للعاقبة، لأنه لم يعلم صدوره منهما، أي: فكان عاقبة وسوسته أن ~~أظهر سوآتهما، أو للتعليل والغرض، وهو الأصل فيها، بناء على حدسه أو علمه ~~بطريق ما. # PageV05P023 ### | تنبيه: # في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه مستهجن في الطباع ~~ولذلك سميت سوأة، لأنه يسوء صاحبها. # قال الحاكم: وقد استدل قوم بالآية على وجوب ستر العورة، وأنه كان في ~~شريعة آدم عليه السلام. قال القاضي: لا دليل في الآية على الوجوب، لأنه ليس ~~فيها إلا أنهما فعلا ذلك. قال الأصم: في الآية دليل على أنهما كرها التعري، ~~وإن لم يكن لهما ثالث، ففي ذلك دليل على قبح التعري، وإن لم يكن مع المتعري ~~أحد، إلا لحاجة. # وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا أي: إلا كراهة أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين أي: من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ~~ساكنين. # وقد استدل بهذا من رأى تفضيل الملائكة على الأنبياء، لارتكابهما ذلك طمعا ~~في نيل ما ذكر. وأجاب، من لم ير هذا، باحتمال أن تكون هذه الواقعة قبل نبوة ~~آدم. # ولئن كانت بعدها، فلعل آدم رغب في الملكية للقوة والشدة والقدرة، أو ~~لخلقة الذات، بأن يصير جوهرا نورانيا- أشار له الرازي- وقال الناصر: لا ~~يلزم من اعتقاد إبليس لذلك ووسوسته بأن الملائكة أفضل، أن يكون الأمر كذلك ~~في علمه تعالى. ألا ترى إبليس قد ms2083 أخبر أن الله تعالى منعهما من الشجرة حتى ~~لا يخلدا أو لا يكونا ملكين، وهو في ذلك كاذب مبطل فلا دليل فيه إذا، وليس ~~في الآية ما يوجب تقرير الله تعالى لإبليس على ذلك، ولا تصديقه فيه، بل ~~ختمت الآية بما يدل على أنه كذب لهما وغرهما، إذ قال الله تعالى: فدلاهما ~~بغرور فلعل تفضيل الملائكة على النبوة من جملة غروره- انتهى-. # قال السيوطي في (الإكليل) : وأنا أقول: لا أزال أتعجب ممن أخذ يستدل من ~~هذه الآية. والكلام الذي فيها، حكاه الله تعالى عن قول إبليس في معرض ~~المناداة عليه بالكذب والغرور والزور والتدليس. وإنما يستدل من كلامه ~~تعالى، أو من كلام حكاه عن بعض أنبيائه. وإن لم يكن ذلك، فكلام حكاه راضيا ~~به مقرا له- انتهى. # على أنه قرئ (ملكين) بكسر اللام، كان يقرؤها كذلك ابن عباس ويحيى بن أبي ~~كثير. قال الواحدي إنما أتاهما إبليس من جهة الملك. ويدل على هذا قوله ~~تعالى هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 120]- انتهى-. # PageV05P024 # والقراءة الشاذة قد تكون تفسيرا للمتواترة، كما لا يخفى، وبه يندفع ما ~~للرازي هنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 21] # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) # وقاسمهما أي أقسم لهما إني لكما لمن الناصحين أي: في هذا الأمر. # قال ابن كثير: أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن ~~بالله- انتهى-. # وعن قتادة: إنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ~~إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة، أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق، ~~فقيل له: إنهم يخدعونك! فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 22] # فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين (22) # فدلاهما بغرور أي: أطمعهما. وأصله: الرجل العطشان يدلي في البئر ليروى من ~~مائها، فلا يجد فيها ماء، فيكون ms2084 مدليا فيها بغرور، فوضعت التدلية موضع ~~الإطماع فيما لا يجدي نفعا. وفيه إشعار بأنه أهبطهما بذلك من درجة عالية، ~~إلى رتبة سافلة. فإن التدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل. وقيل: ~~معنى دلاهما جرأهما بغروره، والأصل فيه (دللهما) ، والدل والدالة الجرأة ~~كما قال: # أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم # فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء: # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما أي: أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ~~فتهافت عنهما اللباس، فظهرت لهما عوراتهما. قال السيوطي في (الإكليل) : ~~استدل به بعضهم على أن من ذاق الخمر عصى- انتهى- وهذا وقوف مع ظاهر ما ~~هاهنا، فإن الذوق وجود الطعم بالفم، وظاهر أنه قد يعبر به عن الأكل اليسير، ~~وهو المراد هنا، لأنه وقع في آية أخرى مصرحا بالأكل فيها وطفقا يخصفان أي: ~~أخذا يرقعان # PageV05P025 # ويلزقان ورقة فوق ورقة عليهما من ورق الجنة أي: ليستترا به. # قال الجشمي: تدل على أن ستر العورة كان من شريعة آدم عليه السلام. وقد ~~استدل قوم بالآية على وجوب الستر. قال القاضي: وليس في الآية ما يوجب ~~الوجوب، إذا ليس فيها أكثر من أنهما فعلا ذلك. قال الأصم: وتدل على أن ~~الستر من خلق آدم وحواء، وأنهما كرها العري وإن لم يكن لهما ثالث، ففي ذلك ~~دليل على قبح التعري إلا عند الحاجة. # وناداهما ربهما أي يذكرهما النهي السابق والأمر والتجنب عن الشيطان ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة أي: عن الأكل منها وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 23] # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا أي أضررناها بالمعصية وإن لم تغفر لنا أي ما سلف ~~وترحمنا أي بالتوبة وقبولها لنكونن من الخاسرين أي لنصيرن ممن خسر جميع ما ~~حصل له من الكمالات. قال الضحاك بن مزاحم في قوله: ربنا ظلمنا ... الآية- ~~هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. ### | لطيفة: # قال الجشمي: يقال إن آدم عليه السلام سعد بخمسة أشياء: ms2085 اعترف بالذنب، ~~وندم عليه، ولام نفسه، وسارع إلى التوبة، ولم يقنط من الرحمة، وشقي إبليس ~~بخمسة أشياء: لم يقر بالذنب، ولم يندم، ولم يلم نفسه بل أضاف إلى ربه فلم ~~يتب، وقنط من الرحمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 24] # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) # قال اهبطوا أي من الجنة إلى ما عداها. وقال أبو مسلم: معناه اذهبوا. وهو ~~خطاب لآدم وحواء وإبليس. قال ابن كثير: والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ~~ولهذا قال في سورة طه: قال اهبطا منها جميعا ... [طه: 123] الآية- وحواء ~~تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحا فهي تبع لإبليس. وقد ذكر المفسرون ~~الأماكن # PageV05P026 # التي هبط فيها كل منهم. ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله ~~أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع ### | فائدة، # تعود على المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه، ~~أو رسوله صلى الله عليه وسلم- انتهى- بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~أي استقرار أو موضع استقرار. ومتاع أي تمتع ومعيشة إلى حين أي: إلى تقضي ~~آجالكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 25] # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) # قال فيها أي الأرض تحيون تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون أي: يوم ~~القيامة للجزاء، كقوله تعالى: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى [طه: 55] ، ثم ذكرهم سبحانه بنعمته في تبوئة الدار والمستقر في الأرض، ~~وكسوتهم لباسا يسترون به سوءاتهم، بعد ما نزع عنهما لباس الجنة، وذلك لما ~~هم بعد الإهباط، من الحاجة إلى اللباس والمعاش. فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 26] # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يعني ما يلبس من الثياب وغيره. # قال الزمخشري: جعل ما في الأرض منزلا من السماء، لأنه قضى ثمة وكتب، أي ~~قضى وقسم لكم، وقضاياه وقسمه توصف ms2086 بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح ~~المحفوظ. # وقال أبو البقاء: لما كان الريش واللباس ينبتان بالمطر، والمطر ينزل، جعل ~~ما هو المسبب بمنزلة السبب- انتهى-. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له في معنى النزول: لا حاجة إلى ~~إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة، فإن اللباس ينزل من ظهور الأنعام، فامتن ~~سبحانه بما ينتفعون به من الأنعام في اللباس والأثاث، وهذا- والله أعلم- ~~معنى إنزاله، فإنه ينزله من ظهور الأنعام، وهو كسوة الأنعام من الأصواف ~~والأوبار والأشعار، وينتفع به بنو آدم في اللباس والرياش، فقد أنزلها ~~عليهم، وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب، فهي لدفع الحر والبرد، ~~وأعظم مما يصنع من القطن والكتان. # PageV05P027 # يواري سوآتكم أي يستر عوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى ~~اضطرا إلى خصف الأوراق، وأنتم مستغنون عن ذلك وريشا عطفه إما من عطف ~~الصفات، فوصف اللباس بشيئين: مواراة السوأة، والزينة. فالريش بمعنى الزينة، ~~لأنه زينة الطير فاستعير منه، وأما من عطف الشيء على غيره. أي أنزلنا ~~لباسين: لباس مواراة ولباس زينة، فيكون مما حذف فيه الموصوف، أي لباسا ريشا ~~أي ذا ريش، والريش مشترك بين الاسم والمصدر. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس، وحكاه البخاري «1» عنه: الريش المال. وحكاه غير واحد من السلف. قال ~~الإمام ابن تيمية: وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال، والمراد به مال ~~مخصوص. # قال ابن زيد: جمالا. وقرئ: رياشا. قال ابن السكيت: الرياش هو الأثاث من ~~المتاع، ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال، ~~وقد يكون في الثياب دون الأموال. وإنه لحسن الريش، أي: الثياب- انتهى-. # ويقال: راش فلان، أي جمع الريش، وهو المال والأثاث. وراش الصديق أطعمه ~~وسقاه وكساه، وأصله من الريش كأن الفقير المملق لا نهوض له، كالمقصوص منه ~~الجناح وكل من أوليته خيرا، فقد رشته- كذا في تاج العروس-. ### | فائدة: # روى الإمام أحمد «2» عن أبي أمامة عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: من استجد ثوبا فلبسه، ms2087 فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله ~~الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم عمد إلى الثوب الذي ~~أخلق فتصدق به، كان في ذمه الله تعالى وفي جوار الله، وفي كنف الله حيا ~~وميتا» . ورواه الترمذي «3» وابن ماجة «4» . # وروى الإمام أحمد «5» عن أبي مطر أنه رأى عليا رضي الله عنه أتى ~~PageV05P028 # غلاما حدثا، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين ~~إلى الكعبين، يقول ولبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في ~~الناس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~الكسوة: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به ~~عورتي. # ولما بين تعالى ساتر الظاهر وزينته، أشار إلى ساتر عيوب الباطن وزينته ~~بقوله: # ولباس التقوى أي: خشية الله، أو الإيمان، أو السمت الحسن، والكل متقارب، ~~ورفعة بالابتداء، خبره جملة ذلك خير أو خير، وذلك صفته، كأنه قيل: ولباس ~~التقوى المشار إليه خير. # قال المهايمي: لأن الظاهر محل نظر الخلق، والباطن محل نظر الحق والعيوب ~~الباطنة أفحش من العورات الظاهرة. وقال القاشاني: لباس التقوى صفة الورع ~~والحذر من صفة النفس، ذلك خير لأنه من جملة أركان الشرائع، لأنه أصل الدين ~~وأساسه، كالحمية في العلاج- انتهى-. # قال أبو علي الفارسي: معنى الآية: ولباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، ~~وأقرب له إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به. قال: # وأضيف اللباس إلى التقوى، كما أضيف إلى الجوع في قوله: فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف [النحل: 112] . - انتهى-. # أي: فهو استعارة مكنية وتخييلية بأن يتوهم للتقوى حالة شبيهة باللباس، ~~تشتمل على جميع بدنه، بحسب الورع والخشية من الله، اشتمال اللباس على ~~اللابس، أو من قبيل (لجين الماء) . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي ولباس ~~التقوى بالنصب، عطفا على لباسا. # ذلك أي إنزال اللباس من آيات الله الدالة ms2088 على فضله ورحمته على عباده ~~لعلهم يذكرون أي: نعمته عليهم فيعرفون عظمتها فيشكرونها. # قال الزمخشري: وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت، ~~وخصف الأوراق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري، وكشف ~~العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى. # PageV05P029 ### | ### | تنبيه: # # قال الجشمي: تدل الآية على عظيم نعمه تعالى بهذه النعم التي عدها. وذهب ~~علي بن موسى القمي إلى أنها تدل على وجوب ستر العورة. وقال آخرون: لا تدل، ~~وليس في الظاهر إلا الإنعام به من حيث نفي الحر والبرد وستر العورة والتجمل ~~به، فأما أنه واجب، فبعيد. ولو ثبت وجوبه عليه، احتجنا إلى وجوبه في ~~شريعتنا إلى دليل مستأنف. وقد ثبت في هذه الشريعة وجوبه بالخبر المستفيض ~~والإجماع، فلا حاجة إلى الرجوع إلى شريعة أخرى. وتدل على أنه تعالى كما ~~أنعم بنعم الدنيا، أنعم بنعم الدين، فإن الأقرب أن لباس التقوى العلم ~~والعمل الصالح، فكأنه ضم إلى نعم الدنيا نعم الدين التي بها يحصل الفوز ~~بالثواب، فتحصل نعمة الدارين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 27] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان أي لا يخدعنكم عن دخول الجنة، بنزع لباس ~~الشريعة والتقوى عنكم، فيخرجكم من نظر الله بالرحمة إليكم كما أخرج أبويكم ~~من الجنة نعت لمصدر محذوف، أي لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم ينزع عنهما ~~لباسهما أي الظاهر بسبب نزع لباس التقوى ليريهما سوآتهما أي الظاهرة الدالة ~~على السوأة الباطنة. وجملة (ينزع) حال من (أبويكم) أو من فاعل (أخرج) ، أي: ~~أخرجهما نازعا لباسهما، بأن كان سببا في أن نزغ عنهما وصيغة المضارع ~~لاستحضار الصورة. ### | تنبيهان: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بهذه الآية أيضا على وجوب ستر ~~العورة، واستدل بالآيتين من قال: إن العورة هي السوأتان ms2089 خاصة- انتهى-. # الثاني- قال الإمام الرازي: اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم ~~السلام حصول العبرة لمن يسمعها، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم، وبين فيها ~~شدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده، أتبعها بأن حذر أولاده من قبول وسوسة ~~الشيطان، فقال: يا بني آدم ... الآية- وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده، ~~ولطف # PageV05P030 # وسوسته، وشدة اهتمامه، إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة ~~لإخراجه من الجنة- فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى. ~~فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسته. # وقوله تعالى: إنه يراكم هو وقبيله أي: جنوده من الشياطين من حيث لا ~~ترونهم أي من مكان لا ترونهم فيه. والجملة استئناف لتعليل النهي، وتأكيد ~~التحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا ~~تشعرون. عن مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة، إلا من ~~عصم الله. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : قال ابن الفرس: استدل بها بعضهم على أن الجن ~~لا يرون وأن من قال إنهم يرون فهو كافر- انتهى- ومراده بالبعض، المعتزلة، ~~ولذا قال الزمخشري: فيه دليل بين أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن ~~إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة- ~~انتهى- وقال الجشمي: تدل على بطلان قول العامة إن الشيطان يتصور لنا ونراه. ~~ثم قال: ومتى قيل: أليس يرون زمن الأنبياء، ويرى المعاين الملك؟ فجوابنا: ~~أنه يزداد قوة الشعاع، أو تتكاثف أبدانهم، فيكون معجزة للنبي- انتهى-. # وأجاب أهل السنة كما في (العناية) : بأنه قد ثبتت رؤيتهم، بالأحاديث ~~الصحيحة المشهورة، وهي لا تعارض ما في الآية. لأن المنفي فيها رؤيتهم إذا ~~لم يتمثلوا لنا. # وقال في فتح البيان: وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن ~~رؤية الشيطان غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه ~~يرانا من حيث لا نراه وليس فيها أنا لا نراه أبدا، فإن انتفاء الرؤية منا ~~له، وفي وقت رؤيته لنا، لا يستلزم انتفاءها ms2090 مطلقا. والحق جواز رؤيتهم كما ~~هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها، فيكونون مرئيين في بعض ~~الأحيان لبعض الناس دون بعض- انتهى-. # وقد أوضح الغزالي رحمه الله رؤيا الجن والشياطين برؤيا الملائكة حيث قال ~~في (الركن الثاني) : الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة # PageV05P031 # بالحقائق اختلافا يكون بين الأنواع. ثم قال: ويمكن أن تشاهد هذه الجواهر- ~~أعني جواهر الملائكة- وإن كانت غير محسوسة. وهذه المشاهدة على ضربين: إما ~~على سبيل التمثيل، كقوله تعالى: فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17] . وكما كان النبي عليه الصلاة والسلام «1» ، يرى جبريل في ~~صورة دحية الكلبي. # والقسم الثاني أن يكون لبعض الملائكة بدن مخصوص، كما أن نفوسنا غير ~~محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها، فكذلك بعض ~~الملائكة، وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفا على إشراق نور النبوة، كما ~~أن محسوسات عالمنا هذا موقوفة عند الإدراك على إشراق نور الشمس، وكذا في ~~الجن والشياطين- انتهى-. # وقوله تعالى: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون قال الزجاج: ~~يعني سلطناهم عليهم، يزيدون في غيهم- انتهى- والجملة تعليل آخر للنهي، وفيه ~~تحذير أبلغ من الأول. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 28] # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) # وإذا فعلوا فاحشة أي: ما تناهى قبحه من الذنوب، كالشرك وكشف العورة في ~~الطواف قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها أي؟ إذا فعلوها اعتذروا ~~بأن آباءهم كانوا يفعلونها، فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها، حيث ~~أقرنا عليها، PageV05P032 # إذ لو كرهها لنقلنا عنها، وهما باطلان، لأن أحدهما تقليد للجهال، ~~والتقليد ليس بطريق للعلم، والثاني افتراء على ذي الجلال. # قال الشهاب: في قوله تعالى: والله أمرنا: مضاف مقدر، أي أمر آباءنا، فلا ~~يقال الظاهر أمرهم بها، والعدول عن الظاهر إشارة إلى ادعاء أن أمر آباءهم ~~أمر لهم. # قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا ~~يأمر بمثل ذلك، لأن عادته ms2091 سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال ~~والحث على مكارم الخصال أتقولون على الله ما لا تعلمون إنكار لإضافتهم ~~الأمر بالفحشاء إليه سبحانه، يتضمن النهي عن الافتراء عليه تعالى، وفيه ~~شهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط. قال الشهاب: ولا دليل في الآية ~~لمن نفى القياس، بناء على أن ما يثبت به مظنون لا معلوم، لأنه مخصوص في ~~عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به، أو بدليل آخر. ### | تنبيه: # قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا ~~أمهاتنا، فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله وإذا فعلوا فاحشة الآية- قال ابن كثير: كانت العرب، ما عدا ~~قريشا، لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا ~~يطوفون في ثياب عصوا الله فيها. # وكانت قريش- وهم الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ~~ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا ~~جديدا، ولا أعاره أحمسي ثوبا، طاف عريانا، وربما كانت امرأة، فتطوف عريانة، ~~فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، فتقول: اليوم يبدو ... - البيت- ~~وأكثر ما كان النساء يطفن بالليل، وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء ~~أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله ~~وشرع، فأنكر تعالى عليهم ذلك. # وذكر السيوطي في (الإكليل) عن ابن عباس أيضا، أنه نزلت في طوافهم بالبيت ~~عراة، رواه أبو الشيخ وغيره. قال: ففيها وجوب ستر العورة في الطواف. # PageV05P033 ### | تنبيهان: # الأول: ذهب المعتزلة إلى أن الإرادة مدلول الأمر، ولازمة له، والفحشاء- ~~أعني الشرور والمعاصي- غير مأمور بها بنص الآية. فلا تكون مرادة له تعالى. # وأجاب أهل السنة بأن الأمر قد ينفك عن الإرادة، بمعنى أنه يوجد بدون ~~الإرادة، فلا تكون الإرادة تابعة له وجودا، ومما يوضح أن الشيء قد يؤمر به ~~ولا يكون مرادا، أن السيد إذا أراد أن يظهر على الحاضرين عصيان عبده، يأمره ~~بالشيء ولا ms2092 يريده منه. ومنها أن الأمر أمران: أمر تكويني يحصل به وجود ~~الأشياء، وهو خطاب (كن) وهو تابع للإرادة، ويعم جميع الكائنات. فالطاعات ~~والمعاصي كلها مأمورة ومرادة بهذا الأمر، ولا يتعلق بهذا الأمر الطاعة ~~والعصيان والثواب والعقاب. لأنه يتعلق بالأشياء حال العدم. # وأمر تشريعي تدويني: أي شرعه الله لعباده، وكلفهم به، مما دون في كتب ~~الشريعة وبين، وهذا الأمر يتعلق به الطاعة والعصيان والثواب والعقاب والرضا ~~والسخط. والكفر والمعاصي ليست مأمورة بهذا الأمر. والمعتزلة لم يفرقوا بين ~~الأمرين، وقالوا: إن الكفر والمعاصي لو كانت مراده تعالى، لكانت مأمورا ~~بها، وإتيان المأمور به طاعة، فيكون الكافر والفاسق مطيعين، فإنهما مأمور ~~بهما بالأمر الأول، وليس مأمورا بهما بالأمر الثاني، حتى يكون إتيانهما ~~طاعة. # قال السيلكوتي: ولا يخفى عليك أن تقسيم الأمر إلى أمرين، إنما يستقيم إذا ~~كان قوله تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] على ~~ظاهره، كما ذهب إليه البعض. وأما إذا كان عبارة عن الإيجاد من غير أن يتعلق ~~بها خطاب، كما ذهب إليه الأشعري ومن تبعه، فلا. انتهى- والمسألة مبسوطة في ~~محالها المعروفة. # الثاني: قوله تعالى: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء جواب عن شبهتهم ~~الثانية. # ولم يذكر جوابا عن الأولى. قال الإمام: لأنها إشارة إلى محض التقليد. وقد ~~تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة. ~~فلو كان التقليد حقا، لزم القول بحقية الأديان المتناقضة. فلما كان فساده ~~ظاهرا، لم يذكره تعالى. # الثالث: قال في (فتح البيان) : في هذه الآية الشريفة أعظم زاجر، وأبلغ ~~واعظ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من ~~الاقتداء بأهل الكفر، لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على # PageV05P034 # آثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] ، والقائلون: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. # والمقلد، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه ~~الذي أمر الله به، وأنه الحق- لم يبق عليه. وهذه الخصلة هي التي بقي بها ~~اليهودي على يهوديته، والنصراني ms2093 على نصرانيته، والمبتدع على بدعته. فما ~~أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية ~~والبدعة، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ~~ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن الله كما ينبغي. وهذا ~~هو التقليد البحت، والقصور الخالص. ثم قال: وإن من أعجب الغفلة وأعظم ~~الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سنة ~~رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم، ووجود آلة الفهم ~~لديهم، وملكة العقل عندهم- انتهى-. # ولما نفى ما تقولوه عليه، وأخبر أنه لا يأمر بالفحشاء، بين ما أمر به ~~بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 29] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) # قل أمر ربي بالقسط أي: بالعدل. وللسلف فيه هنا وجوه: ما ظهر في العقول ~~كونه حسنا، أو التوحيد، أو كلمة الإخلاص. وعن أبي مسلم: جميع الطاعات. قال ~~الحاكم: وهو الوجه: ولا يخفى أن الجميع مما يشمله (القسط) فلا منافاة. ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد معطوف على الأمر الذي ينحل إليه المصدر مع (أن) ~~. أي: بأن أقسطوا وأقيموا، والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر، كما ~~نقله المعرب. أو معطوف على أمر ربي أي: قل أقيموا. قال الجرجاني: الأمر ~~معطوف على الخبر، لأن المقصود لفظه، أو لأنه إنشاء معنى. # انتهى- و (الوجوه) مجاز عن الذوات. ومسجد إما مصدر، والوقت مقدر قبله، و ~~(عند) بمعنى (في) . أي: أقيموا ذواتكم في كل وقت سجود، وذلك بمنعها عن ~~الالتفات إلى الغير فيه، وبمراعاة موافقة الأمر مع صدق النية، أو باستقبال ~~القبلة فيه. # وإما اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي، أي في كل وقت سجود أو مكانه. ~~والسجود على هذه الأوجه مجاز عن الصلاة، أو المسجد هو المصطلح عليه. ~~والمعنى: في أي # PageV05P035 # مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم. والأمر على هذا ~~الوجه للندب. قيل: وهو لا ms2094 يناسب المقام. وإما على ما قبله، فهو للوجوب. # وهذه الوجود مستفادة مما روي عن السلف. قال في (اللباب) : معنى الآية في ~~قول مجاهد والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال ~~الضحاك: المعنى إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلوا فيه، ولا يقولن ~~أحدكم: أصلي في مسجدي، أو مسجد قومي. وقيل معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا. # وادعوه أي: اعبدوه مخلصين له الدين أي: الطاعة بتخصيصها له، لأنه استحق ~~عبادتكم بإبدائه إياكم، ولا يسعكم تركها، إذ إليه عودكم بالآخرة، فإنه كما ~~بدأكم تعودون أي: كما أنشأكم ابتداء، يعيدكم إليه أحياء، فيجازيكم على ~~أعمالكم، فأخلصوا له العبادة. وإنما شبه الإعادة بالابتداء، تقريرا ~~لإمكانها والقدرة عليها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 30] # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # فريقا هدى بأن وفقهم للإيمان وفريقا حق عليهم الضلالة وهم الكافرون إنهم ~~اتخذوا الشياطين أولياء أي: أنصارا وأربابا من دون الله حيث أطاعوهم فيما ~~أمروهم به من الكفر والمعاصي ويحسبون أنهم مهتدون أي: أنهم على هداية وحق ~~فيما اعتقدوا. ### | تنبيهان: # الأول: قال ابن جرير: قوله تعالى: ويحسبون أنهم مهتدون من أبين الدلالة ~~على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة ~~اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادا منه لربه ~~فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل، وهو يحسب أنه ~~مهتد، وفريق الهدى- فرق. وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه ~~الآية- انتهى-. # وحاصله، كما قال القاضي: إن الآية دلت على أن الكافر المخطئ والمعاند ~~سواء في استحقاق الذم. قال القاضي: وللفارق أن يحمله على المقصر في. النظر، # PageV05P036 # أي: يحمل الضمير في اتخذوا على الكافر المقصر في النظر. وأما الذين ~~اجتهدوا وبذلوا الوسع فمعذورون، كما هو مذهب البعض- كذا في (العناية) . # الثاني: قال الرازي: هذه الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في ms2095 ~~صحة الدين، بل لا بد فيه من الجزم والقطع واليقين، لأنه تعالى عاب الكفار ~~بأنهم يحسبون كونهم مهتدين. ولولا أن هذا الحسبان مذموم، لما ذمهم بذلك. ~~انتهى. # قال المهايمي: ومما حسبوا فيه أنهم مهتدون بمتابعة الشيطان، تركهم التزين ~~والتلذذ مع العبادة، فطافوا عراة. وتركهم اللحم والدسم مع الإحرام، فقال عز ~~وجل: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 31] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) # يا بني آدم خذوا زينتكم أي: من اللباس عند كل مسجد أي: بيت بني للعبادة، ~~على أنه اسم مكان، أو مصدر بمعنى السجود، مرادا به الصلاة والعبادة. فإن ~~العبادة أولى أوقات التزين وكلوا واشربوا أيام الحج تقويا على العبادة ولا ~~تسرفوا أي: إسرافا يوجب الانهماك في الشهوات ويشغل عن العبادة، أو لا ~~تحرموا الطيبات من الرزق واللحم والدسم إنه لا يحب المسرفين المعتدين. ### | تنبيهات: # الأول- كنا أسلفنا في مقدمة هذا التفسير، أن من فوائد معرفة سبب النزول ~~الوقوف على المعنى، وإزالة الإشكال. وهذه الآية إنما أجملنا تفسيرها بما ~~ذكرنا، لأنها نزلت في ذلك. # فقد روى مسلم «1» عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، ~~فتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فنزلت هذه الآية خذوا زينتكم ... الآية. ونزلت قل من حرم زينة الله ... ~~الآية. PageV05P037 # وعند ابن جرير عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، ~~والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله # فنزلت خذوا زينتكم. قال في (اللباب) : وفي رواية أخرى عنه: فأمرهم الله ~~تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وروى العوفي عن ابن عباس أيضا في الآية ~~قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، ~~وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا ~~زينتهم عند كل مسجد. وأخرج أبو الشيخ عن طاوس قال: أمروا ms2096 بلبس الثياب، ~~وأخرج من وجه آخر عنه قال: الشملة من الزينة. وقال مجاهد: كان حي من أهل ~~اليمن إذا قدم أحدهم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد ~~عصيت فيه، فيقول: من يعيرني مئزرا؟ فإن قدر عليه وإلا طاف عريانا. فأنزل ~~الله تعالى فيه ما تسمعون: خذوا زينتكم ... الآية. # وقال الزهري: إن العرب كنت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس- وهم قريش ~~وأحلافهم- فمن جاء من غير الحمس، وضع ثيابه، وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه ~~لا يحل له أن يلبس ثيابه. فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه، ~~ويطوف عريانا. وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها، إذا قضى طوافه وحرمها، أي ~~جعلها حراما عليه، فلذلك قال تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد. والمراد من ~~الزينة الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم، ولو عباءة- ~~انتهى- قال ابن كثير: هكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير ~~وقتادة والسدى، والضحاك ومالك عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في ~~تفسيرها: أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة- انتهى- فظهر أن المراد ~~بالزينة ما يستر العورة لأنه اللازم المأمور به الذي بينه سبب النزول، دون ~~لباس التجمل المتبادر منه، لأن المستفاد من خذوا هو وجوب الأخذ، ولباس ~~التجمل مسنون- قاله الشهاب- وأقول دلت الآية بما أفاده سبب نزولها على أن ~~الزينة لا تختص، لغة، بالجيد من اللباس كما توهم. وبين ذلك العوفي عن ابن ~~عباس فيما نقلناه. # وفي (التهذيب) : الزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به. ومثله في (الصحاح) و ~~(القاموس) وعبارته: الزينة ما يتزين به. # وقال الحراني: الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة. # PageV05P038 # وقال الراغب: الزينة الحقيقة ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله، ولا ~~في الدنيا ولا في الآخرة- انتهى-. # وقد نقل الرازي إجماع المفسرين على أن المراد ب (الزينة) لبس الثياب التي ~~تستر العورة. # قال: والزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات. قال: وأيضا إنه تعالى ~~قال في الآية المتقدمة قد أنزلنا ms2097 عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا فبين أن ~~اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة. ثم إنه تعالى أمر بأخذ ~~الزينة في هذه الآية. فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره ~~في تلك الآية. # وأيضا فقوله خذوا زينتكم أمر، والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، ~~وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر ~~الإمكان، ولا يقال: إن قوله وكلوا واشربوا أمر إباحة، فيكون المعطوف عليه ~~كذلك، لأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف، تركه في المعطوف عليه. # هذا، # وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن ~~أنس مرفوعا: أنها نزلت في الصلاة في النعال. وكذا أخرجه أبو الشيخ عنه، وعن ~~أبي هريرة مثله. # قال ابن كثير: وفي صحته نظر- والله أعلم- قلت: لا نظر، لأن ذلك مما تشمله ~~الزينة، وقد أسلفنا في المقدمة أن قولهم: (نزلت في كذا) لا يقصد به أن حكم ~~الآية مخصوص به، بل مخصوصة بنوعه، فتعم ما أشبهه، فتذكر. # والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جدا، منها: # عن أبي مسلمة «1» سعيد بن يزيد، قال: سألت أنسا: أكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم # (متفق عليه) . قال العراقي في (شرح الترمذي) : وممن كان يفعل ذلك- يعني ~~لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ~~وعويمر بن ساعدة وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأوس الثقفي، ومن التابعين: ~~سعيد بن المسيب والقاسم وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله وعطاء بن يسار ~~وعطاء ابن أبي رباح ومجاهد وطاوس وشريح القاضي وأبو مجلز وأبو عمر الشيباني ~~والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي وعلي بن الحسين وابنه أبو ~~جعفر. انتهى. # وقد أخرج أبو داود «2» من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال صلى الله ~~عليه وسلم: «إذا PageV05P039 # جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل ~~فيهما» . # وحديث عمرو ms2098 بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصلي حافيا ومنتعلا. أخرجه أبو داود «1» وابن ماجة «2» . # الثاني: دلت الآية على وجوب الستر عند الطواف، لأنه سبب النزول، قالوا: # واللفظ شامل للصلاة لأنها مفعولة في المسجد. # الثالث: حاول بعضهم استنباط التجمل عند الصلاة منها حيث قال: لما دلت على ~~وجوب أخذ الزينة بستر العورة في الصلاة، فهم منها، في الجملة، حسن التزين ~~بلبس ما فيه حسن وجمال فيها. قال الكيا الهراسي: ظاهر الآية الأمر بأخذ ~~الزينة عند كل مسجد للفضل الذي يتعلق به تعظيما للمسجد والفعل الواقع فيه. ~~مثل الاعتكاف والصلاة والطواف. وقال ابن الفرس: استدل مالك بالآية على ~~كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية. واستدل بها قوم من السلف على ~~أنه لا يجوز للمرأة أن تصلي بغير قلادة أو قرطين. كذا في (الإكليل) . ~~والأخير من الغلو في النزع. وقال ابن كثير: ولهذه الآية وما ورد في معناها ~~من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد. ~~والطيب لأنه من الزينة. والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض ~~لما روى الإمام أحمد «3» وأبو داود «4» # والترمذي «5» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم. وإن من ~~خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر» # ولأحمد «6» وأهل السنن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «عليكم بالثياب البيض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها ~~موتاكم» . PageV05P040 # وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميما الداري ~~اشترى رداء بألف، وكان يصلي فيه. # الرابع: وجه تأثر الأمر بأخذ الزينة، بالأمر بالأكل والشرب في قوله تعالى ~~وكلوا واشربوا ما رواه الكلبي أن بني عامر كانوا لا يأكلون في أيام حجهم ~~إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون نحن أحق أن ~~نفعل ذلك يا رسول الله. فأنزل الله عز وجل وكلوا ms2099 واشربوا. وقال السدي: كان ~~الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم. فقال ~~الله تعالى لهم: وكلوا واشربوا ... الآية. # الخامس: فسر الإسراف بمجاوزة الحد فيما أحل، وذلك بتحريمه، وقال الجشمي ~~اليمني في تفسيره (التهذيب) : تدل الآية على المنع من الإسراف. وذلك على ~~وجهين: # أولهما: إنفاق في معصية كالفخار واللعب والزنى والخمر ونحوها. وثانيهما: # أن يتعدى الحدود وذلك مختلف بحال اليسار والإعسار. لأن من له قدر يسير، ~~لو أنفقه في ضيافة أو طيب أو ثياب خز، وهو وعياله يحتاجون إليه، فهو سرف ~~محرم. # ومثله في الموسرين لا يقبح ولا يكون سرفا وتدل على أن الأشياء على ~~الإباحة. # والعقل يدل على ذلك. لأنه تعالى خلقه لمنافعهم. والسمع ورد مؤكدا. ولذلك ~~قال: من حرم مطالبا بدليل سمعي. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا ~~سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» . وأخرج النسائي «2» وابن ماجة ~~«3» نحوه. # وقال البخاري «4» : قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك ~~اثنتان: سرف أو مخيلة. ورواه ابن جرير عنه أيضا بلفظ: أحل الله الأكل ~~والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. قال الشهاب: هذا (أي ما قاله ابن عباس) لا ~~ينافي ما ذكره PageV05P041 # الثعالبي وغيره من الأدباء، أن ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي، ويلبس ما ~~يشتهيه الناس، كما قيل: # نصيحة نصيحة ... قالت بها الأكياس # كل ما اشتهيت والبس ... ن ما اشتهته الناس # فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس، وهذا لإباحة كل ما اعتادوه. و (المخيلة: # الكبر) . و (ما) دوامية زمانية. و (أخطأتك) من قولهم: أخطأ فلان كذا، إذا ~~عدمه. # وفي الأساس: من المجاز لن يخطئك ما كتب لك، وأخطأ المطر الأرض: لم يصبها، ~~وتخاطأته النبل: تجاوزته وتخطأته. انتهى. # وفي قوله تعالى: إنه لا يحب المسرفين وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه ~~الأشياء. لأن من لم يحبه الله ms2100 لم يرض عنه. # السادس- تناقل المفسرون وغيرهم ما قيل إن قوله تعالى: وكلوا واشربوا ~~الآية- جمع الطب كله. وأصله ما # حكاه الزمخشري والكرماني في عجائبه، أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، ~~فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: ~~علم الأبدان، وعلم الأديان. فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من ~~كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيء في ~~الطب! فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ~~وما هي؟ قال قوله: # المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعط كل بدن ما عودته. فقال ~~النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قال في (العناية) : وترك بعضهم تمام القصة، لأن في ثبوت هذا الحديث كلاما ~~للمحدثين. # وفي شعب الإيمان للبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت ~~المعدة، صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة، صدرت العروق بالسقم» # . - انتهى-. # أقول: إن صحت هذه الحكاية، فصواب جواب النصراني في سؤاله الثاني بالتفنيد ~~والفرية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر عنه من بدائع الطب وأصناف ~~العلاج ما لم يؤثر عن نبي قط. وللمحدثين، في عهد السلف، منه قسم كبير في ~~جوامعهم ومسانيدهم. وأما أعلام المتأخرين فقد اضطرهم وفرة ما روي في ذلك ~~إلى تدوينه في # PageV05P042 # أسفار مطولة ومختصرة بعنوان (الطب النبوي) . وقد بين الإمام ابن القيم: ~~عليه الرحمة، اشتمال التنزيل العزيز على أصول الطب، والسنة المطهرة على ~~بدائعه، في كتابه (زاد المعاد) ، بيانا يدهش الألباب، وفوق كل ذي علم عليم. ~~قال، عليه الرضوان، في كتابه (زاد المعاد، في هدي خير العباد) : ### | فصل # قد أتينا على جمل من هديه صلى الله عليه وسلم في المغازي والسير والبعوث ~~والسرايا والرسائل والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونوابهم، ونحن نتبع ذلك ~~بذكر فصول نافعة ms2101 في هديه في الطب الذي تطبب به، ووصفه لغيره، ونبين ما فيه ~~من الحكمة التي يعجز أكثر عقول أكثر الأطباء عن الوصول إليها، وأن نسبة ~~طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم، فنحن نقول وبالله المستعان: # المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان. وهما مذكوران في القرآن. # ومرض القلب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن. # قال تعالى في مرض الشبهة: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [البقرة: 10] ، ~~وقال تعالى: وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا [المدثر: 31] . وقال تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى ~~وأعرض: # وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم ~~الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون [النور: 48- 50] . فهذا مرض الشبهات ~~والشكوك. # وأما مرض الشهوات فقال تعالى: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء، إن ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا ~~[الأحزاب: 32] . فهذا مرض شهوة الزنى- والله أعلم. # وأما مرض الأبدان فقال تعالى: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج [النور: 61] . وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر ~~بديع، يبين ذلك عظمة القرآن والاستغناء به، لمن فهمه وعقله، عن سواه. وذلك ~~أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد ~~الفاسدة. فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة. فقال في ~~آية # PageV05P043 # الصوم: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [البقرة: 184] . # فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، والمسافر، طلبا لحفظ صحته وقوته، لئلا ~~يذهبه الصوم في السفر، لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم ~~الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظا ~~لصحته وقوته عما يضعفها. وقال في آية الحج: فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ms2102 أو نسك [البقرة: 196] . فأباح للمريض، ومن ~~به أذى من رأسه، من قمل أو حكة أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام ~~استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت ~~الشعر، وإذا حلق رأسه تفتحت المسامات فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا ~~الاستفراغ يقاس عليه استفراغ يؤذي انحباسه. والأشياء التي يؤذي انحباسها ~~ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمني إذا سبغ، والبول والغائط والريح ~~والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش. # وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسه. وقد نبه سبحانه ~~باستفراغ أدناها وهو البخار المحتقن في الرأس، على استفراغ ما هو أصعب منه، ~~كما هي طريقة القرآن، التنبيه بالأدنى على الأعلى. # وأما الحمية، فقال في آية الوضوء: وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~[النساء: # 43] ، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما ~~يؤذيه. وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له، من داخل أو خارج. فقد أرشد ~~سبحانه عباده إلى أصول الطب، ومجامع قواعده. # ونحن نذكر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ونبين أن هديه فيه ~~أكمل هدي. # فأما طب القلوب، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى ~~حصوله إلا من جهتهم، وعلى أيديهم. فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها ~~وفاطرها، وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ~~ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه. # ولا صحة لها ولا حياة لها البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة ~~الرسل. وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم، فغلط ممن يظن ذلك. # وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها. وحياة قلبه وصحته ~~وقوته عن ذلك بمعزل. ومن لم يميز بين هذا وبين هذا، فليبك على حياة قلبه، ~~فإنه من # PageV05P044 # الأموات. وعلى نوره، فإنه منغمس في بحار الظلمات- انتهى-: # وقد قرر رحمه الله هذا المقام بأسلوب آخر في كتاب (طريق ms2103 الهجرتين) نورده ~~أيضا لبداعة أسلوبه. قال عليه الرحمة: # ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه، وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي ~~بفساد يعرض له، يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية، فإما أن يذهب إدراكه ~~بالكلية كالعمى والصمم والشلل، وإما أن ينقص إدراكه لضعف في آلات الإدراك ~~مع استقامة إدراكه، وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه، كما يدرك ~~الحلو مرا، والخبيث طيبا، والطيب خبيثا. وأما فساد حركته الطبيعية، فمثل أن ~~تضعف قوته الهاضمة أو الماسكة أو الدافعة أو الجاذبة. فيحصل له من الألم ~~بحسب خروجه عن الاعتدال، ولكن مع ذلك لم يصل إلى حد الموت والهلاك، بل فيه ~~نوع قوة على الإدراك والحركة، وسبب هذا الخروج عن الاعتدال، إما فساد في ~~الكمية أو في الكيفية فالأول إما نقص في المادة فيحتاج إلى زيادتها، وإما ~~زيادة فيها فيحتاج إلى نقصانها. والثاني إما بزيادة الحرارة أو البرودة أو ~~الرطوبة أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعي، فيداوى بمقتضى ذلك. ومدار ~~الصحة على حفظ القوة والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة، ونظر ~~الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة. وقد تضمنها الكتاب العزيز، وأرشد ~~إليها من أنزله شفاء ورحمة. فأما حفظ القوة فإنه سبحانه أمر المسافر ~~والمريض أن يفطرا في رمضان، ويقضي المسافر إذا قدم، والمريض إذا برأ، حفظا ~~لقوتهما عليهما. فإن الصوم يزيد المريض ضعفا، والمسافر محتاج إلى توفير ~~قوته عليه لمشقة السفر، فالصوم يضعفها. فأما الحمية عن المؤذي، فإنه سبحانه ~~حمى المريض عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره، وأمره ~~بالعدول إلى التيمم، حمية له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه، فكيف ~~بالمؤذي له في باطنه؟ وأما استفراغ المادة الفاسدة، فإنه سبحانه أباح ~~للمحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه، فيستفرغ الحلق الأبخرة المؤذية له، ~~وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها، فنبه به على ما هو أحوج إليه منه. # وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال: والله! لو سافرت إلى الغرب في ~~معرفة هذه الفائدة، لكان ms2104 سفرا قليلا أو كما قال- انتهى. # ثم رد تعالى على من حرم شيئا من المآكل والمشارب والملابس، من تلقاء نفسه ~~من غير شرع من الله، تأكيدا لما سبق، بقوله سبحانه. # PageV05P045 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 32] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(32) # قل أي لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ~~من حرم زينة الله أي من الثياب وسائر ما يتجمل به التي أخرج لعباده من ~~النبات كالقطن والكتان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع. هكذا ~~عمم المفسرون هنا، ووجهه أن تخصيصه يغني عنه ما مر والطيبات من الرزق أي ~~المستلذات من المآكل والمشارب. # قال المهايمي: يعنى إن زعموا أن التزين والتلذذ ينافيان التذلل الذي هو ~~العبادة، فيحرمان معها، فأعلمهم أنه قد أخرجها لعباده الذين خلقهم لعبادته ~~ليتزينوا بها حال العبادة، فعل عبيد الملوك إذا حضروا خدمتهم، ولا ينافي ~~ذلك تذللهم لهم، وكذلك الطيبات التي خلقها لتطييب قلوب عباده ليشكروه، ~~والشكر عبادة، فلا ينافي التلذذ العبادة، بل قد يكون داعية إليها. انتهى. ### | تنبيهات # الأول- فسرت (الطيبات) ب (الحلال) ، وفسرت ب (اللحم والدسم) الذي كانوا ~~يحرمونه أيام الحج كما تقدم، وفسرت ب (البحائر والسوائب) كما قال تعالى: # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا [يونس: 59] ~~وظاهر أن لفظ الآية أعم من ذلك، وإن كان يدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا، ~~لأنها إنما وردت نعيا عليهم فيه، والعبرة بعموم اللفظ. # قال الرازي: لفظ (الزينة) يتناول جميع أنواع التزين، ومنه تنظيف البدن، ~~ومنه المركوب، ومنه أنواع الحلي (يعني للنساء) . ثم قال: ويدخل تحت ~~(الطيبات) كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل تحته ~~التمتع بالنساء والطيب وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن ~~مظعون، ما هم به من الاختصاء والتبتل. # الثاني- دلت الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات ~~الإباحة، لأن الاستفهام ms2105 في من لإنكار تحريمها على وجه بليغ، لأن إنكار ~~الفاعل يوجب إنكار الفعل لعدمه بدونه. # PageV05P046 # الثالث- في الآية رد على من تورع من أكل المستلذات ولبس الملابس الرقيقة، ~~لأنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية معنونة بالاستفهام ~~المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره. وما أحسن ما ~~قال ابن جرير الطبري: لقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف، على لباس القطن ~~والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على ~~خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة- انتهى-. # الرابع- قال ابن الفرس: واستدل بالآية من أجاز لبس الحرير والخز للرجال. # وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه كان يلبس الخز، فقال له ~~الناس: # مثلك يلبس هذا؟ فقال لهم: من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ ~~ولكن أخرج عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم بالحرير ولا الديباج، ~~ولكنه كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه. كذا في (الإكليل) ~~. # أقول: عدم شمول الآية للحرير غني عن البيان، لأن ما خصه الدليل لا ~~يتناوله العام. والأحاديث في تحريم الحرير لا تحصى كثرة، فاستنباط حله منها ~~مردود على زاعمه. # قل هي أي زينة الله والطيبات، مخلوقة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~بالأصالة، والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع خالصة يوم القيامة أي: لا يشاركهم ~~فيها غيرهم، لأن الله حرم الجنة على الكافرين. وانتصابها على الحالية، وقرئ ~~بالرفع، أي على أنه خبر بعد خبر. ### | لطيفة: # قال المهايمي: إنما خلقت للمؤمنين ليعلموا بها لذات الآخرة، فيرغبوا فيها ~~مزيد رغبة، لكن شاركهم الكفرة فيها لئلا يكون هذا الفرق ملجئا لهم إلى ~~الإيمان. # فإذا ذهب هذا المعنى، تصير خالصة لهم يوم القيامة، فلو حرمت على المؤمنين ~~لكانت مخلوقة للكافرين، وهو خلاف مقتضى الحكمة. وإن خلقت للمؤمنين فأولى ~~أوقات الانتفاع بها وقت جريانهم على مقتضى الإيمان، وهو العبادة والتقوى، ~~ولكن من غير انهماك في الشهوات. # كذلك نفصل الآيات ms2106 لقوم يعلمون أي الحكمة في خلق الأشياء، واستعمال ~~الأشياء على نهج ينفع ولا يضر. فإن زعموا أنه يخاف من التزين والتلذذ ~~الوقوع في # PageV05P047 # الكبر، والانهماك في الشهوات، فيحرمان على أهل العبادة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 33] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) # قل إنهما من المنافع الخالصة في أنفسهما. والإفضاء احتمال غير محقق. # فإذا أفضى، فالحرام هو المفضى إليه بالذات لأنه إنما حرم ربي الفواحش أي: ~~ما تفاحش قبحه من الذنوب، أي تزايد (وهي الكبائر) وهي ما يتعلق بالفروج ما ~~ظهر منها وما بطن أي: ما جاهر به بعضهم بعضا، وما ستره بعضهم عن بعض، وما ~~ظهر من أفعال الجوارح، وما بطن من أفعال القلوب والإثم أي: ما يوجب الإثم، ~~وهو عام لكل ذنب، وذكره للتعميم بعد التخصيص. ويقال: إن الإثم هو الخمر، ~~قال الشاعر: # نهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا # وأنشد الأخفش: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول # وهو منقول عن ابن عباس والحسن. وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره. قال ~~الحسن: ويصدقه قوله تعالى: قل فيهما إثم كبير [البقرة: 219] . وقال ابن ~~الأنباري: لم تسم العرب الخمر إثما في جاهلية ولا إسلام، والشعر المذكور ~~موضوع. ورد بأنه مجاز، لأنه سببه. وقال أبو حيان: هذا التفسير غير صحيح ~~هنا، لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد، وقد سبقه إلى ~~هذا غيره. # وأيضا، الحصر يحتاج إلى دليل. كذا في (العناية) والبغي أي: الاستطالة على ~~الناس وظلمهم. إنما أفرده بالذكر، مع دخوله فيما قبله، للمبالغة في الزجر ~~عنه. # وذلك لأن تخصيصه بالذكر يقتضي أنه تميز من بينها حتى عد نوعا مستقلا بغير ~~الحق متعلق ب (البغي) ، مؤكد له معنى. وقيل: البغي قد يخرج عن كونه ظلما ~~إذا كان بسبب جائز في الشرع، كالقصاص، إلا أنه ms2107 مثله لا يسمى بغيا حقيقة، بل ~~مشاكلة وقد حرم أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا أي: برهانا أي: ما لم ~~يقم عليه حجة. قال الزمخشري: فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن ~~يشرك به غيره. وفي (العناية) : إنما جاء التهكم من حيث إنه يوهم أنه لو كان ~~عليه سلطان # PageV05P048 # لم يكن محرما، دلالة على تقليدهم في الغي. والمعنى على نفي الإنزال ~~والسلطان معا على الوجه الأبلغ- انتهى- قال الرازي: وهذه الآية من أقوى ~~الدلائل على أن القول بالتقليد باطل. وتبعه القاضي فقال: في الآية تنبيه ~~على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان وقد حرم عليكم أن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون أي: تتقولوا عليه، وتفتروا الكذب في التحليل والتحريم، أو في ~~الشرك. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على تحريم جميع الذنوب، لأن قوله (الفواحش والإثم) ~~يشتمل على الصغير والكبير، والأفعال القبيحة، والعقود المخالفة للشرع، ~~والأقاويل الفاسدة، والاعتقادات الباطلة. ودخل في قوله ما ظهر منها وما بطن ~~أفعال الجوارح، وأفعال القلوب والخيانات، والمكر، والخديعة، ودخل تحت قوله ~~والبغي كل ظلم يتعدى على الغير، فيدخل فيه ما يفعله البغاة والخوارج، ~~والأمراء إذا انتصروا بغير حق. ودخل تحت قوله وأن تشركوا تحريم كل شرك ~~وعبادة لغير الله. ودخل تحت قوله وأن تقولوا كل بدعة وضلالة وفتوى بغير حق، ~~وشهادة زور ونحوه. فالآية جامعة في المحرمات، كما أن ما قبلها جامعة في ~~المباحات. وفيه تعليم للآداب، دينا ودنيا، وتدل على بطلان التقليد، لأنه ~~أوجب اتباع الحجة، لقوله ما لم ينزل به سلطانا، والسلطان الحجة. وتدل على ~~أن لكل أحد وقت حياة، ووقت موت، لا يجوز فيه التقديم والتأخير، فيبطل قول ~~من يقول: المقتول مات قبل أجله. انتهى. # ثم أوعد تعالى أهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عنده سبحانه، كما نزل ~~بالأمم، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 34] # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) # ولكل أمة أجل أي: مدة أو ms2108 وقت لنزول العذاب بهم فإذا جاء أجلهم أي: # ميقاتهم المقدر لهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون أي: لا يتركون بعد ~~الأجل شيئا قليلا من الزمان، ولا يهلكون قبله كذلك. والساعة مثل في غاية ~~القلة من الزمان. ### | لطائف ### | 1- # وقع هذا التركيب في موضع من التنزيل، وفيه بحث مشهور: وهو أنه لما # PageV05P049 # كان الظاهر عطف (لا يستقدمون) على (لا يستأخرون) كما أعربه الحوفي وغيره، ~~أورد عليه أنه فاسد، لأن (إذا) إنما يترتب عليها الأمور المستقبلة لا ~~الماضية، والاستقدام حينئذ بالنسبة إلى محل الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب ~~عليه ما تقدمه؟ ويصير باب الإخبار بالضروري الذي لا فائدة فيه، كقولك: إذا ~~قمت فيما يأتي، لم يتقدم قيامك فيما مضى. وأجيب بأن المراد بالمجيء الدنو، ~~بحيث يمكن التقدم في الجملة، كمجيء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة فيه. وقيل: ~~إن جملة لا يستقدمون مستأنفة. وقيل: إنها معطوفة على الشرط وجوابه، أو على ~~القيد والمقيد. أو أن مجموع (لا يستأخرون ولا يستقدمون) كناية عن أنهم لا ~~يستطيعون تغييره. والتحقيق أنه عطف على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء ~~التقدم، مع إمكانه في نفسه كالتأخر، كما يتوهم، بل للمبالغة في انتفاء ~~التأخر. يعني أن التأخر مساو للتقدم في الاستحالة، ولذا نظمه معه في سلك، ~~كما في قوله سبحانه وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار [النساء: 18] فإن من مات ~~كافرا مع ظهور أن لا توبة له رأسا، قد نظم في عدم القبول، في سلك من سوفها ~~إلى حضور الموت. إيذانا بتساوي وجود التوبة حينئذ وعدمها بالمرة. ### | 2- # تقديم بيان انتفاء الاستئخار، لما أن المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من ~~العذاب. وأما (ما) في قوله تعالى: ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ~~[الحجر: 5] من سبق (السبق) في الذكر، فلما أن المراد هناك بيان سر تأخير ~~إهلاكهم مع استحقاقهم له، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل، فسوف يعلمون [المؤمنون: 43] . فالأهم هناك بيان انتفاء ~~السبق. ms2109 ### | 3- # صيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك، مع طلبهم له، أفاده أبو ~~السعود. # ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه سيبعث إليهم رسلا يهدونهم، وبشر وأنذر بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 35] # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي شرط ذكره بحرف # PageV05P050 # الشك، للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائر غير واجب. وضمت إليها (ما) ~~لتأكيد معنى الشرط، ولذلك أكد فعلها بالنون الثقيلة أو الخفيفة. والمراد ~~ببني آدم جميع الأمم، وهو حكاية لما وقع مع كل قوم. وليس المراد بالرسل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وببني آدم أمته، كما قيل، فإنه خلاف الظاهر- كذا ~~في (القاضي وحواشيه) - وجواب الشرط قوله تعالى فمن اتقى أي التكذيب وأصلح ~~أي عمله فلا خوف عليهم من العذاب ولا هم يحزنون في الآخرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 36] # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(36) # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا أي تكبروا عنها فلم يؤمنوا بها أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون: ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على وجوب اتباع الرسل، وقبول ما يؤدون. وتدل على ~~أن الصلاح في الرسل أن تكون من جملة من بعث إليهم، لأنهم يكونون بطريقته ~~أعرف، ومن النفار عنه أبعد، وإلى السكون إليه أقرب، وتدل على أن الغرض ~~بالرسول ما يؤدي من الأدلة، فلذلك قلنا لا يجوز أن يكون رسولا إلا ومعه ما ~~يؤديه: # وتدل على أن الجنة تنال بشيئين: بالأعمال الصالحة، واتقاء المعاصي، فبطل ~~قول المرجئة. وتدل على أن المؤمن في الآخرة لا يخاف ولا يحزن، خلاف ما ~~يقوله الأحسدية (كذا) والحشوية- هكذا قاله أكثر أصحابنا-. # وقال أبو بكر أحمد بن علي: قوله فلا خوف عليهم كقول الطبيب للمريض (لا ~~بأس عليك) يعني أن أمره يؤول إلى العافية. وليس هذا بالوجه لأنه نفى الخوف ~~والحزن مطلقا. وتدل على ms2110 الوعيد للمكذبين، كما تدل على الوعيد للمطيعين، ~~ترغيبا وترهيبا. وتدل على أن التقوى والصلاح والتكذيب فعل العبد، فبطل ~~قولهم في المخلوق والاستطاعة. انتهى كلامه رحمه الله. # ثم ذكر تعالى وعيد المكذبين الذين تقدم ذكرهم، بقوله سبحانه: # PageV05P051 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 37] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أي ممن تقول على الله ~~كذبا بالتحليل والتحريم، أو بنسبة الولد والشريك، أو كذب بآياته المنزلة ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي يصيبهم حظهم مما كتب لهم من الرزق والعمر ~~وغير ذلك. أي مع ظلمهم وافترائهم وتكذيبهم، لا يحرمون ما قدر لهم من العمر ~~والزرق إلى انقضاء آجالهم. وفي الآية وجوه أخر، هذا أظهرها وأقواها في ~~المعنى، وتتمة الآية تدل عليه، وحينئذ تتلاقى مع نظائرها، كقوله تعالى: قل ~~إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ~~ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [يونس: 69- 70] . # وقوله تعالى: ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن ~~الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا.. [لقمان: 23- 24] الآية- حتى إذا ~~جاءتهم رسلنا يتوفونهم أي: ملائكة الموت تقبض أرواحهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله أي: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها ليكونوا لكم شفعاء، ~~فلا نراهم يخلصونكم مما تحقق عليكم من هذه الشدائد. وفائدة السؤال وجهان: ~~توبيخ وتبكيت لهم يزيدهم غما إلى غم، ولطف بالمكلف لأنه إذا تصور ذلك صرفه ~~عن التكذيب. و (ما) وقعت موصولة ب (أين) في خط المصحف العثماني، ومقتضى ~~الاصطلاح الفصل لأنها موصولة قالوا ضلوا عنا أي: غابوا عنا فلم يخلصونا من ~~شيء وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين أي: عابدين لما لا يستحق العبادة. # اعترفوا بأنهم لم يكونوا على شيء ms2111 فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في ~~العاقبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 38] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) # قال أي الله، سبحانه، لهم في الآخرة ادخلوا في أمم قد خلت أي في # PageV05P052 # جملة أمم قد مضت من قبلكم من الجن والإنس يعني كفار الأمم الماضية من ~~النوعين في النار متعلق ب ادخلوا كلما دخلت أمة أي في النار لعنت أختها أي ~~التي قبلها لضلالها بها، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ... [العنكبوت: 25] الآية- إذا اداركوا فيها جميعا ~~أي تداركوا، بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار قالت أخراهم وهم الأتباع ~~لأولاهم أي: لأجل أولاهم، إذ الخطاب مع الله سبحانه، لا معهم. قال ابن ~~كثير: أي قالت أخراهم دخولا وهم الأتباع، لأولادهم وهم المتبعون، لأنهم أشد ~~جرما من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة، ~~لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: ربنا هؤلاء أضلونا أي سنوا ~~لنا الضلال، ودعوا إليه، فاقتدينا بهم فآتهم عذابا ضعفا من النار أي مضاعفا ~~لأنه ضلوا وأضلوا قال أي تعالى: لكل ضعف أي عذاب مضاعف. أما القادة ~~والرؤساء فبالضلال والإضلال. وأما الأتباع والسفلة، فبالضلال وتقليد أهل ~~الضلال، مع وجود الهادين بالبراهين القاطعة ولكن لا تعلمون أي ما لكم، أو ~~ما لكل فرقة. وقرئ بالياء. وعليها، فهو تذييل لم يقصد إدراجه في الجواب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 39] # وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون (39) # وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل أي لا فضل لكم علينا في ~~ترك الكفر والضلال حتى يكون عذابنا مضاعفا دونكم، فقد ضللتم كما ضللنا، ~~فنحن وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. وقوله تعالى: ms2112 فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون من قول القادة، أو من قول الله تعالى للفريقين، وهو ~~أظهر. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على أن الكفار والضلال والمبتدعة، وإن تناصروا ~~وتعاونوا على ضلالتهم، وتوادوا في الدنيا، فإنهم في الآخرة يتلاعنون ~~ويتقاطعون ويسألون العذاب لمن أضلهم. وتدل على فساد التقليد، والاغترار ~~بقول علماء السوء. وتدل على أن الداعي إلى الضلال مضل. وتدل على أن إضلال ~~غيره إياه ليس بعذر له. وتدل على أن اشتراكهم في العذاب لا يوجب لهم راحة، ~~بخلاف الاشتراك # PageV05P053 # في محن الدنيا. وتدل على أن ذلك الإضلال فعلهم، فيبطل قول المجبرة في ~~المخلوق، والهدى والضلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 40] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء أي لا ~~تفتح لأعمالهم، ولا لدعائهم، ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله. أي لا يقبل ~~ذلك منهم، لأنه ليس صالحا ولا طيبا. وقد قال سبحانه: إليه يصعد الكلم ~~الطيب، والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ، قال ابن عباس: أي لا يرفع لهم ~~منها عمل صالح، ولا دعاء- رواه جماعة عنه. وقاله مجاهد وابن جبير. أو ~~المعنى: لا تنزل عليهم البركة والرحمة، ولا يغاثون، لأنه أجرى العادة ~~بإنزال الرحمة من السماء، كما في قوله: # ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر [القمر: 11] ، أو المعنى: لا يؤذن لهم في ~~صعود السماء ولا يطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة، على ما روي أن الجنة في ~~السماء. # أو المعنى لا تفتح لأرواحهم، إذا ماتوا، أبواب السماء، كما تفتح لأرواح ~~المؤمنين- رواه الضحاك عن ابن عباس- ورواه ابن جرير عن البراء، # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى ~~السماء، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا ~~الروح الخبيث؟ فيقولون فلان! (بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا) ~~حتى ينتهوا بها إلى ms2113 السماء، فيستفتحون له، فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء.. الآية- قال ابن كثير: هكذا ~~رواه. # وهو قطعة من حديث طويل، رواه الإمام أحمد «1» مطولا وأبو داود والنسائي ~~وابن ماجة من طرق. PageV05P054 ### | تنبيهات: # الأول- قال الشهاب كون السماء لها أبواب، وأنها تفتح للدعاء الصالح، ~~وللأعمال الصاعدة أو للأرواح- وارد في النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، ~~فلا حاجة إلى تأويل. انتهى. PageV05P055 # وهذا على قاعدة أهل الظاهر في مثل ذلك، إلا أن الإطلاق لا ينحصر في ~~الحقيقة. والتنزيل الكريم، إنما ورد على مناح للعرب معروفة في لسانهم- ~~والله أعلم. # الثاني- التضعيف في (تفتح) لتكثير المفعول، لا الفعل لعدم مناسبة المقام. # الثالث- قرئ بالتخفيف في (تفتح) وبالتخفيف، والياء. وقرئ على البناء ~~للفاعل، ونصب الأبواب، على أن الفعل للآيات مجازا، وبالياء على أنه لله ~~تعالى. # ولا يدخلون الجنة حتى يلج أي يدخل الجمل في سم الخياط أي ثقب الإبرة، وهو ~~غير ممكن، فكذا دخولهم. ### | لطائف: # الأول- قرأ الجمهور (الجمل) بفتح الجيم والميم، وفسروه: بأنه الجمل ~~المعروف وهو البعير قال الفراء: الجمل زوج الناقة. وقال شمر: البكر والبكر ~~بمنزلة الغلام والجارية، والجمل والناقة بمنزلة الرجل والمرأة. وقرئ في ~~الشواذ (الجمل) كسكر وصرد وقفل وعنق وجبل بمعنى حبل السفينة الغليظ الذي ~~يقال له (القلس) . # وقال أبو البقاء: يقرأ في الشاذ بسكون الميم، والأحسن أن يكون لغة، لأن ~~تخفيف المفتوح ضعيف، ويقرأ بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها، وهو الحبل ~~الغليظ، وهو جمع مثل صوم وقوم، ويقرأ بضم الجيم والميم مع التخفيف وهو جمع ~~مثل أسد وأسد، ويقرأ كذلك إلا أن الميم ساكنة، وذلك على تخفيف المضموم- ~~انتهى-. # وذكر الكواشي أن القراءات المذكورة كلها لغات في البعير ما عدا «جملا» ~~كسكر وقفل، ونوقش في ذلك- انتهى-. PageV05P056 # وقراءته (كسكر) على معنى الحبل المذكور، رواها مجاهد وعكرمة عن ابن عباس، ~~واختارها سعيد بن جبير. # قال الزمخشري: وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن الله أحسن تشبيها من أن ~~يشبه بالجمل، أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا ms2114 ~~يناسبه، إلا أن قراءة العامة أوقع، لأن سم الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: ~~أضيق من خرت الإبرة. # وقالوا للدليل الماهر (خريت) للابتداء به في المضايق المشبهة بأخرات ~~الإبر، والجمل مثل في عظم الجرم، قال: # جسم الجمال وأحلام العصافير # إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل: لا يدخلون الجنة حتى يكون ~~ما لا يكون أبدا من ولوج هذا الحيوان، الذي لا يلج إلا في باب واسع، في ثقب ~~الإبرة. # وعن ابن مسعود: أنه سئل عن الجمل؟ فقال: زوج الناقة، استجهالا للسائل، ~~وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف- انتهى. # وحاصله أن الجمل لما كان مثلا في عظم الجسم، لأنه أكثر الحيوانات جسما ~~عند العرب، وخرق الإبرة مثلا في الضيق، ظهر التناسب. على أن في إيثار ~~الجمل، وهو مما ليس من شأنه الولوج في سم الإبرة، مبالغة في استبعاد دخولهم ~~الجنة. # الثانية- (السم) : الثقب الضيق. قال أبو البقاء: بفتح السين وضمها، ~~لغتان- انتهى وصح بالتثليث فيه، وفي القاتل المعروف، صاحب القاموس وغيره، ~~إلا أنهم قالوا: المشهور في الثقب الفتح كما في التنزيل. والأفصح في القاتل ~~الضم. # قال العلامة الفاسي: قال الزبيدي: لم أر من تعرض لكسرهما، وكأنها عامية. # قلت: قال الزمخشري: وقرئ في سم الخياط بالحركات الثلاث، وكفى به مرجعا. # الثالثة- (الخياط) ككتاب ومنبر، ما خيط به الثوب، والإبرة- كذا في ~~القاموس- قال الزمخشري: وقرأ عبد الله (في سم المخيط) . قال الشهاب: بكسر ~~الميم وفتحها، كما ذكره المعرب، وهي قراءة شاذة. # الرابعة- قال السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى حتى يلج الجمل ... # إلخ. جواز فرض المحال، والتعليق عليه كما يقع كثيرا للفقهاء- انتهى-. # PageV05P057 # والتعليق على المحال معروف في كلام العرب، كقوله: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب # وقوله تعالى: وكذلك أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 41] # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) # لهم من جهنم مهاد أي: فرش من تحتهم ومن فوقهم غواش أي أغطية، إذا أحاطت ~~بهم الخطيئة وكذلك نجزي ms2115 الظالمين أي بالكفر، وإنما عبر عنهم بالمجرمين ~~تارة، وبالظالمين أخرى، إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات، اتصفوا بكل واحد من ~~ذينك الوصفين القبيحين. وذكر الجرم مع الحرمان من دخول الجنة، والظلم مع ~~التعذيب بالنار الذي هو أشد من الحرمان المذكور- تنبيها على أنه أعظم ~~الجرائم. ثم تأثر تعالى وعيده بوعده، على سنته في تنزيله الكريم، فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 42] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون (42) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون قال أبو البقاء: والذين آمنوا مبتدأ، وفي الخبر وجهان: # أحدهما- لا نكلف نفسا إلا وسعها، والتقدير (منهم) ، فحذف العائد، كما حذف ~~في قوله: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 43] . # والثاني- أن الخبر أولئك أصحاب الجنة ولا نكلف معترض بينهما- انتهى- وعلى ~~الثاني اقتصر غير واحد من المحققين. قالوا: وسر الاعتراض، الترغيب في ~~اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله، وتيسير تحصيله. والذي ~~حسنه سبق العمل الصالح قبله. أي وإذ علم أن مبنى التكليف على الوسع، زادت ~~الرغبة في ذلك الاكتساب، لحصوله بما فيه يسر لا عسر. ### | لطيفة: # الوسع: ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويستمر. قال الرازي، أخذا من قول ~~معاذ في الآية (يسرها لا عسرها) قال: وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا لا وسعا، ~~وغلط # PageV05P058 # من ظن أن الوسع بذل المجهود. # قلت: في القاموس: الوسع (مثلثة) الجدة والطاقة كالسعة. وفيه: الجهد ~~الطاقة (ويضم) والمشقة- انتهى-. # قال ابن الأثير: الجهد (بالفتح) المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم ~~الوسع والطاعة وقيل: وهما لغتان في الوسع والطاعة، فأما في المشقة والغاية، ~~فالفتح لا غير- انتهى- وبه يعلم أن ما جرى عليه الرازي قول للغويين، ليس ~~وفاقا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 43] # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن ms2116 تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # ونزعنا ما في صدورهم من غل أي: نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد ~~والعداوة، أو نطهرها منها، حتى لا يكون بينهم إلا التواد والتعاطف. وصيغة ~~الماضي للإيذان بتحققه وتقرره وتقرره تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا أي لما جزاؤه هذا، أي: لأسباب هذا العلو، بإرسال الرسل ~~والتوفيق للعمل وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله أي ما كنا لنرشد لذلك ~~العلم الذي هذا ثوابه، لولا أن وفقنا الله بدلائله وألطافه وعنايته لقد ~~جاءت رسل ربنا بالحق أي: فاهتدينا بإرشادهم قال الزمخشري: يقولون ذلك، أي ~~الحمد لله ... إلخ سرورا واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به، لا تقربا ~~ولا تعبدا، كما ترى من رزق خيرا في الدنيا يتكلم بنحو ذلك، ولا يتمالك أن ~~لا يقوله، للفرح والتوبة ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ~~أي: أعطيتموها بسبب أعمالكم في الدنيا. فالميراث مجاز عن الإعطاء، تجوز به ~~عنه إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجبا، وإن كان سببا بحسب الظاهر، كما أن ~~الإرث ملك بدون كسب، وإن كان النسب مثلا سببا له. وعلى ما تقرر، فلا يقال ~~إنه معارض لما # ثبت في الصحيحين «1» من قوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن ~~PageV05P059 # أحدكم لن يدخله عمله الجنة! قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، ~~إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» # ، ولا يحتاج إلى الجواب عنه، ولا أن يقال الباء للعوض لا للسبب. وهذا ~~تنجيز للوعد بإثابة المطيع، لا بالاستحقاق والاستيجاب، بل هو بمحض فضله ~~تعالى، كالإرث- كذا في العناية-. # روى الإمام مسلم «1» عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم ~~أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن ~~تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا» # . فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة ms2117 ... الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 44] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) # ونادى أصحاب الجنة أي إذا استقروا في منازلهم أصحاب النار توبيخا وتحسيرا ~~لهم أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا حيث نلنا هذه المراتب العالية فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا من تنزيلكم إلى أسفل سافلين، لاستكباركم على الآيات والرسل ~~قالوا نعم أي وجدناه حقا فأذن أي نادى مؤذن بينهم أي بين الفريقين ليسمعهم، ~~زيادة في شماتة أحد الفريقين وندامة الآخر أن لعنة الله على الظالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 45] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) # الذين يصدون عن سبيل الله أي يمنعون أنفسهم وغيرهم عن دينه القويم الذي ~~بينه على ألسنة رسله لمعرفته وعمارة الدارين ويبغونها عوجا أي: يبغون لها ~~زيغا وميلا عما هي عليه، حتى لا يتبعها أحد وهم بالآخرة كافرون أي وهم ~~بلقاء الله في الدار الآخرة جاحدون لا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون، فيأتون ~~المنكر من PageV05P060 # القول والعمل، لأنهم لا يرجون حسابا عليه ولا عقابا، فهم شر الناس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 46] # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) # وبينهما حجاب أي: بين الفريقين سور وستر، أو بين الجنة والنار، ليمنع ~~ووصل أثر إحداهما إلى الأخرى. وقد سمي هذا الحجاب سورا في آية فضرب بينهم ~~بسور له باب باطنه، فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد: 13] ، وقوله ~~تعالى: وعلى الأعراف رجال أي على أعراف الحجاب وشرفاته وأعاليه، وهو السور ~~المضروب بينهما، جمع عرف، مستعار من عرف الفرس، وعرف الديك. وكل ما ارتفع ~~من الأرض عرف، فإنه بظهوره أعرف مما انخفض. # وقد حكى المفسرون أقوالا كثيرة في رجال الأعراف، عن التابعين وغيرهم، ~~أنهم فضلاء المؤمنين، ms2118 أو هم الشهداء، أو الأنبياء، أو قوم أوذوا في سبيل ~~الله، فاطلعوا على أعدائهم ليشمتوا بهم، فعرفوهم بسيماهم، وسلموا على أهل ~~الجنة. # واللفظ، لإبهامه، يحتمل ذلك لأن السياق يدل على سمو قدرهم، لا سيما بجعل ~~منازلهم الأعراف، وهي الأعالي، والشرف، كما تقدم ومن ذكر كلهم جديرون بذلك- ~~والله أعلم-. # يعرفون كلا أي من أهل الجنة والنار بسيماهم أي بعلامتهم التي أعلمهم الله ~~بها، كبياض الوجه وسواده. ### | فائدة: # السيما مقصورة وممدودة، والسيمة والسيمياء بكسرهن العلامة. قال القاضي: ~~السيمى فعلى من (سام إبله) إذا أرسلها في المرعى معلمة. أو من (وسم) على ~~القلب (كالجاه) من (الوجه) . انتهى. وعلى الثاني اقتصر ابن دريد ونادوا أي ~~رجال الأعراف أصحاب الجنة أي حين رأوهم من أعرافهم، وقد عرفوهم من سيماهم ~~أنهم أهل الجنة أن سلام عليكم بطريق الدعاء والتحية، أو بطريق الإخبار ~~بنجاتهم من المكاره. والوجه الأول هو المأثور عن ابن عباس رضي الله عنه ~~فيما رواه عنه العوفي. قال رضي الله عنه: أنزلهم الله بتلك المنزلة ليعرفوا ~~من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا بالله أن ~~يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم # PageV05P061 # في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم يدخلوها وهم يطمعون الضميران في ~~الجملتين لأصحاب الأعراف، والأولى حال من الواو، والثانية حال من فاعل ~~يدخلوها، أي نادوهم وهم لم يدخلوا الجنة بعد، حال كونهم طامعين في دخولها، ~~مترقبين. # قال الجشمي رحمه الله: قيل: إذا كان أصحاب الأعراف أفاضل المؤمنين، فلم ~~تأخر دخولهم؟ قلنا: هم تعجلوا اللذة بالشماتة من الأعداء، وإن تأخر دخولهم، ~~لظهور فضلهم، وجلالة طريقهم إلى منازلهم. # ولا يبعد عندي أن يكون جملة لم يدخلوها وهم يطمعون حالا من أصحاب الجنة ~~أي نادوهم بالسلام وهم في الموقف على طمع دخول الجنة يبشرونهم بالأمان ~~والفوز من العذاب، إشارة إلى سبق أهل الأعراف على غيرهم في دخول الجنة، ~~وعلو منازلهم على سواهم- والله أعلم-. # وذهب أبو مجلز إلى أن الضميرين لأصحاب الجنة، أي: نادى أهل الأعراف أصحاب ~~الجنة بالسلام، حال كون أصحاب الجنة لم ms2119 يدخلوها وهم يطمعون في دخولها. وهو ~~وجه جيد. فالجملة الأولى حال من المفعول وهو (أصحاب الجنة) والثانية حال من ~~فاعل (يدخلوها) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 47] # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) # وإذا صرفت أبصارهم أي: أبصار أهل الأعراف أو أهل الجنة. # قال الجشمي: وإنما قال صرفت لأن نظرهم إلى أهل النار نظر عداوة. فلا ~~ينظرون إلا أن تصرف وجوههم إليهم. فأما أهل الجنة فوجوههم إليهم سرورا بهم، ~~فلا يحتاج إلى تكلف. وقيل: لأنهم مع أهل الجنة بعداء من أهل النار، ~~فيحتاجون إلى صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار. ثم قال الجشمي: تدل الآية على ~~وجوب الاجتناب من الظلمة في الدنيا، كيلا يكون معهم في الآخرة- انتهى-. # تلقاء أصحاب النار أي: إلى جهتهم قالوا من شدة خوفهم تعوذا بالله ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين أي: في النار. وقال أبو السعود: في وصفهم بالظلم- ~~دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء- إشعار ~~بأن المحذور عندهم ليس نفس العذاب فقط، بل ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم. # PageV05P062 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 48] # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون (48) # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعني من عظماء أهل الضلالة يعرفونهم بسيماهم ~~أي: التي تدل على أعيانهم، وإن تغيرت صورهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم أي: ~~كثرتكم أو جمعكم للأموال التي تدفع بها الآفات وما كنتم تستكبرون عن الحق، ~~أو على الخلق. وقرئ (تستكثرون) من الكثرة، أي: من الأتباع الذين يستعان بهم ~~في دفع الملمات. # قال ابن القيم: يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على الحق ولا ~~استكباركم. # وهذا إما نفي وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفحم. ثم نظروا إلى الجنة ~~فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا، ويزعمون أن الله ~~لا يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية ms2120 49] # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) # أهؤلاء الضعفاء من المؤمنين الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة برفع ~~درجاتهم في الآخرة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفي رياضها يحبرون. # وقوله تعالى: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون أي: لا خوف ~~عليكم من العذاب النازل بالكفار، ولا تحزنون كحزن الكفار على فوات النعيم، ~~وهذا إما من قول أصحاب الأعراف، يتآمرون بينهم بدخول الجنة بعد تبكيت أهل ~~النار، فيقول بعضهم لبعض: ادخلوا الجنة، وإما من كلام أهل الأعراف ~~للمؤمنين، أي يقولون لهم: أدخلوا الجنة، أو من تتمة مخاطبة أهل الأعراف ~~للرجال، كأنه قيل لهم: أنظروا إلى هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمته، كيف نالوها، حيث قيل من قبله تعالى: ادخلوا الجنة. وعلى كل فالجملة ~~مبنية على قول محذوف إيجازا، للعلم به. # PageV05P063 ### | ### | لطيفة: # # بين الزمخشري سر حبسهم على الأعراف، ثم إدخالهم الجنة أبدع بيان، فقال ~~رحمه الله: يقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة، وذلك بعد أن يحبسوا على ~~الأعراف، وينظروا إلى الفريقين، ويعرفوهم بسيماهم، ويقولوا ما يقولون. ~~وفائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، ~~وأن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه ~~فيه، وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا ~~أن كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير ~~والشر، فيرتدع المسيء عن إسائته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أن العصاة ~~يوبخهم كل أحد، حتى أقصر الناس عملا- انتهى-. # ثم بين تعالى ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، بعد ~~التكبر عليهم، وبعد ما أقسموا لا ينالهم الله برحمة، وأنهم لا يجابون إلى ~~ذلك، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 50] # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) # ونادى أصحاب النار أصحاب ms2121 الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أي: الذي رحمكم ~~الله به ليسكن حرارة النار والعطش. قال الجشمي: وذكروا لفظ (الإفاضة) لأن ~~أهل الجنة أعلى مكانا. أو مما رزقكم الله أي: من الأطعمة والفواكه قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين أي: منعهما عنهم، لأنه أنعم عليهم في الدنيا، فلم ~~يشكروه، فمنعهم نعمه في الآخرة. فالتحريم تحريم منع، لا تحريم تعبد. ثم وصف ~~الكافرين بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 51] # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما ~~نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) # الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا أي: مما زينه لهم الشيطان. واللهو: كل ما # PageV05P064 # صد عن الحق. واللعب: كل أمر باطل. أي: ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ ~~هو دأبهم وديدنهم وغرتهم الحياة الدنيا بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا ~~فاليوم ننساهم أي: نتركهم ترك المنسي، فلا نرحمهم بما نرحم به من عمل ~~للآخرة كما نسوا لقاء يومهم هذا أي: كما فعلوا بلقائه، فعل الناسين، فلم ~~يخطروه ببالهم، ولم يهتموا به. ### | لطيفة: # قال الشهاب: ننساهم تمثيل. شبه معاملته تعالى مع هؤلاء بالمعاملة مع من ~~لا يعتد به، ويلتفت إليه، فينسى. لأن النسيان لا يجوز على الله تعالى، أي ~~لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، كما قال: في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [طه: ~~52] والنسيان يستعمل بمعنى الترك كثير في لسان العرب. ويصح هنا أيضا، فيكون ~~استعارة تحقيقية، أو مجازا مرسلا، وكذا نسيانهم لقاء الله أيضا، لأنهم لم ~~يكونوا ذاكري الله حتى ينسوه، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله والقيامة ببالهم، ~~وقلة مبالاتهم- بحال من عرف شيئا، ثم نسيه. وليست الكاف للتشبيه، بل ~~للتعليل، ولا مانع من التشبيه أيضا- انتهى-. # وقال تعالى: وما كانوا بآياتنا يجحدون أي وكما كانوا منكرين أنها من عند ~~الله تعالى. # روى الترمذي «1» عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله: ألم أجعل ~~لك سمعا وبصرا ms2122 ومالا وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، ~~فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ قال فيقول: لا! فيقول له: اليوم أنساك كما ~~نسيتني» . # وفي حديث أبي هريرة عند مسلم «2» : «فيلقى العبد ربه، فيقول: أي فل! ألم ~~PageV05P065 # أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأتركك ترأس وتربع؟ فيقول: # بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: إني أنساك كما نسيتني!» # ولما أخبر تعالى عن خسارتهم في الآخرة ذكر أنه أزاح عللهم في الدنيا ~~بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 52] # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه أي بينا فيه الاعتقادات والأحكام والأمور ~~الأخروية تفصيلا مبينا على علم أي عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه ~~وسائر معانيه، حتى جاء محكما قيما غير ذي عوج، وهذا كقوله تعالى: # أنزله بعلمه [النساء: 166] . هدى أي دلالة ترشدهم إلى الحق، وتنجيهم من ~~الضلالة ورحمة أي ينجيهم من العذاب لما فيه من الدلائل ورفع الشبه لقوم ~~يؤمنون لأنهم المغتنمون لفوائده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 53] # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # هل ينظرون إلا تأويله أي ما ينتظرون إلا ما يؤول إليه أمره، من تبين ~~صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. قال الشهاب: (فالنظر) هنا بمعنى ~~(الانتظار) لا بمعنى الرؤية. والتأويل بمعنى العاقبة، وما يقع في الخارج، ~~وهو أصل معناه، ويطلق على التفسير أيضا. والمعنى: أنهم قبل وقوع ما هو ~~محقق، كالمنتظرين له، لأن كل آت قريب، فهم على شرف ملاقاة ما وعدوا به. فلا ~~يقال: كيف ينتظرونه مع PageV05P066 # جحدهم؟ فإنهم وإن جحدوه، إلا أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم، من حيث إن ~~تلك الأحوال تأتيهم لا محاله يوم يأتي تأويله يعني يوم القيامة، ms2123 لأنه يوم ~~الجزاء، وما تؤول إليه أمورهم يقول الذين نسوه من قبل أي تركوه ترك المنسي، ~~حين كان ينفعهم الذكر، فلم يؤمنوا به عند معاينة العذاب قد جاءت رسل ربنا ~~بالحق أي بما هو واقع من الاعتقادات والوعد والوعيد فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا في إزالة العذاب أو نرد إلى مكان العمل فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل من الجحود واللهو واللعب وأعمال الدنيا. قال عز وجل قد خسروا أنفسهم ~~بصرف أعمالهم في الكفر وضل عنهم ما كانوا يفترون أي ذهب عنهم ما كانوا ~~يفترون من أن معبوديهم شفعاؤهم عند الله، وعلموا أنهم كانوا في دعواهم ~~كاذبين. # ولما قدم سبحانه ذكر الكفار وعبادتهم غيره، سبحانه، أحتج عليهم، مبينا ~~بأفعاله أنه لا معبود سواه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 54] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام أي إن سيدكم ومالككم ~~ومدبركم الذي يجب أن تعبدوه أيها الناس، الذي أنشأ أعيان السموات والأرض في ~~مقدار ستة أيام. ### | وفي هذه الآية مسائل: # الأولى: قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا، فالمعنى ~~في ستة أوقات، كقوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره [الأنفال: 16] . وإن أريد ~~المتعارف، وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها، فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن ~~اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات، فيقدر فيه مضاف- انتهى-. # وفي شرح القاموس: إن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر ~~الصادق إلى غروب الشمس، وإن الثاني تعريف شرعي عند الأكثر. ونقل عن الفاسي ~~شارحه: أن اليوم عند المنجمين من الطلوع إلى الطلوع، أو من الغروب إلى ~~الغروب. # PageV05P067 # ثم قال الزبيدي: ويستعمل بمعنى مطلق الزمان، نقله عن ابن هشام، وحكاه عن ~~سيبويه في قولهم: (أنا، اليوم، أفعل كذا) فإنهم لا يريدون يوما ms2124 بعينه، ~~ولكنهم يريدون الوقت الحاضر. قال: وبه فسروا قوله تعالى اليوم أكملت لكم ~~دينكم [المائدة: 3] ثم قال: وقد يراد باليوم الوقت مطلقا، ومنه والحديث «1» ~~: تلك أيام الهرج. أي وقته ولا يختص بالنهار دون الليل- انتهى-. # وإرادة الوقت مطلقا منه، عين إرادة مطلق الزمان قبله، كما يتبادر. ~~والظاهر أن إطلاقه على المتعارف والوقت مطلقا، لغوي فيهما- كما نقله شارح ~~القاموس- خلافا لظاهر كلام الشهاب السابق، فتثبت هذا. # الثانية- قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق العالم، سماواته وأرضه وما ~~بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة ~~الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع ~~الخلق كله، وفيه خلق آدم عليه السلام. واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم ~~منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما ~~نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل؟ ويروى من رواية الضحاك عن ابن ~~عباس. # فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق، لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو ~~القطع. فأما # الحديث الذي رواه الإمام أحمد «2» في مسنده عن أبي هريرة قال: «أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق ~~الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم ~~الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ~~عليه السلام بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، ~~فيما بين العصر إلى الليل» - فقد رواه مسلم «3» ابن الحجاج في (صحيحه) ~~والنسائي # ، من غير وجه. وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: في ستة ~~أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من ~~رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ليس مرفوعا- والله أعلم- انتهى. ~~PageV05P068 # وقد بسطت الكلام فيه في شرحي على (الأربعين العجلونية) الثالثة- قال ~~القاضي: في خلق الأشياء مدرجا، مع القدرة على إيجادها دفعة- دليل للاختيار، ~~أي لأنه لو كان بالإيجاب، لصدر دفعة واحدة. وفيه حث ms2125 على التأني في الأمور. # وقوله تعالى: ثم استوى على العرش اعلم أن الاستواء ورد على معان اشترك ~~لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار ومنه: استوت على الجودي [هود: 44] ، ~~وبمعنى القصد ومنه: ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29] ، وكل من فرغ من أمر ~~وقصد لغيره فقد استوى له وإليه قال الفراء: تقول العرب: استوى إلي يخاصمني، ~~أي أقبل علي، ويأتي بمعنى الاستيلاء قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق وقال آخر: # فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر # ويأتي بمعنى العلو، ومنه آية: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ~~[المؤمنون: 28] : ومنه هذه الآية قال البخاري في آخر (صحيحه) ، في كتاب ~~الرد على الجهمية، في باب قوله تعالى: وكان عرشه على الماء [هود: 7] ، قال ~~مجاهد: استوى، علا على العرش- انتهى-. # وفي كتاب (العلو) للحافظ الذهبي قال إسحاق بن راهويه: سمعت غير واحد من ~~المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، أي ارتفع. ونقل ابن جرير ~~عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع. وقال: إنه في كل مواضعه بمعنى علا ~~وارتفع، وأقول: لا حجة إلى الاستكثار من ذلك، فإن الاستواء غير مجهول، وإن ~~كان الكيف مجهولا. # روى الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (الرد على الجهمية) عن شريح بن ~~النعمان، عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه ~~في كل مكان، لا يخلو منه شيء. # وروى البيهقي عن ابن وهب قال: كنت عند مالك، فدخل رجل فقال: يا أبا عبد ~~الله! الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرق مالك، وأخذته # PageV05P069 # الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا ~~يقال: كيف. و (كيف) عنه مرفوع. وأنت صاحب بدعة. وفي رواية قال: الكيف غير ~~معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. # قال الحافظ الذهبي في كتاب (العلو) - بعد ما ساق هذا- ما نصه: # وهو قول أهل السنة قاطبة، أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن ~~استواءه معلوم، كما أخبر في كتابه، ms2126 وأنه كما يليق به، لا نتعمق ولا نتحذلق، ~~ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف، كما وقف السلف، ~~ونعلم أنه لو كان له تأويل، لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم ~~إقراره وإمراره، والسكوت عنه. ونعلم يقينا مع ذلك أن الله جل جلاله، لا مثل ~~له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # ثم قال الذهبي: قال الإمام العلم، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ~~الدينوري صاحب التصانيف الشهيرة، في كتابه (مختلف الحديث) : نحن نقول في ~~قول الله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم [المجادلة: 7] ، أنه ~~معهم، يعلم ما هم عليه، كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع: احذر التقصير ~~فإني معك، يريد أنه لا يخفى علي تقصيرك. وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إن الله ~~سبحانه بكل مكان، على الحلول فيه، مع قوله: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ~~ومع قوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] ، كيف يصعد إليه شيء هو معه، ~~وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه؟ قال: ولو أن هؤلاء رجعوا إلى ~~فطرتهم، وما ركبت عليه ذواتهم، من معرفة الخالق، لعلموا أن الله عز وجل هو ~~العلي وهو الأعلى، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها عجميها ~~وعربيها يقول: إن الله في السماء، ما تركت على فطرها- انتهى-. # ثم قال الذهبي أيضا: عن يزيد بن هارون شيخ الإسلام، أنه قيل له: من ~~الجهمية؟ قال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب ~~العامة، فهو جهمي. # قال الذهبي والعامة، مرادة بهم، جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في ~~قلوبهم من الآية، وهو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله ~~شيء [الشورى: 11] ، هذا هو الذي وقر في فطرهم السليمة، وأذهانهم الصحيحة. # ولو كان له معنى وراء ذلك، لتفوهوا به، ولما أهملوه. ولو تأول أحد منهم ~~الاستواء، # PageV05P070 # لتوفرت الهمم على نقله، ولو نقل لاشتهر. فإن كان في ms2127 بعض جهلة الأغبياء من ~~يفهم من (الاستواء) ما يوجب نقصا أو قياسا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على ~~الخالق- فهذا نادر. فمن نطق بذلك زجر وعلم، وما أظن أحدا من العامة يقر في ~~نفسه ذلك- والله أعلم- انتهى. # وقال الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين، الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس ~~الله روحه في كتابه (تحفة المتقين وسبيل العارفين) في باب اختلاف المذاهب ~~في صفات الله عز وجل، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله وما يعلم ~~تأويله إلا الله [آل عمران: 7] : قال إسحاق: في العلم. إلى أن قال: والله ~~تعالى بذاته على العرش، علمه محيط بكل مكان # والوقف عند أهل الحق على قوله إلا الله. وقد روي ذلك عن فاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش، ويعلم ما في السموات ~~والأرض. إلى أن قال: ووقف جماعة من منكري استواء الرب عز وجل على قوله ~~الرحمن على العرش وابتدءوا بقوله استوى له ما في السماوات وما في الأرض ~~يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه، وهذا خطأ منهم، لأن الله تعالى ~~استوى على العرش بذاته. # وقال في كتابه (الغنية) : أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه ~~الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال: لا يخلو من ~~علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على ~~العرش، كما قال جل ثناؤه الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، وقوله ثم استوى ~~على العرش الرحمن [الفرقان: 59] ، وقال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ، والنبي صلى الله عليه وسلم «1» حكم ~~بإسلام الأمة لما # قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «2» : (في حديث أبي هريرة رضي الله ~~PageV05P071 # عنه) : لما خلق الله الخلق، كتب كتابا على نفسه، وهو عنده فوق العرش، إن ~~رحمتي غلبت غضبي. # وفي لفظ آخر: لما قضى الله سبحانه الخلق، كتب على نفسه في كتاب، فهو عنده ms2128 ~~فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي. # وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، ~~لا على معنى القعود والمماسة، كما قالت المجسمة والكرامية، ولا على معنى ~~العلو والرفعة، كما قالت الأشعرية، ولا على الاستيلاء والغلبة، كما قالت ~~المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين من ~~السلف الصالح من أصحاب الحديث، ذلك، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق. وقد ~~روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: الرحمن على ~~العرش استوى [طه: 5] : «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به ~~واجب، والجحود به كفر» . وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في (صحيحه) ، وكذلك في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وقال أحمد ~~بن حنبل رحمه الله قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر كما جاءت، بلا تشبيه ~~ولا تعطيل. وقال أيضا (في رواية بعضهم) : لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام ~~في شيء من هذه الأماكن، في كتاب الله عز وجل، أو حديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو عن أصحابه رضي الله عنهم، أو عن التابعين. فأما غير ذلك، فإن ~~الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب عز وجل (كيف) ؟ و (لم) ؟ لا ~~يقول ذلك إلا شكاك. وقال أحمد رضي الله عنه (في رواية عنه، في موضع آخر) : # نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة ~~يبلغها واصف ويحدها حاد، لما روي عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال، ~~قال الله تعالى في (التوراة) : أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، ~~وأنا على عرشي، عليه أدبر عبادي، ولا يخفى علي شيء من عبادي. وكونه عز وجل ~~على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، بلا كيف، ولأن الله ~~تعالى- فيما لم يزل- موصوف بالعلو والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع ~~خلقه، من العرش وغيره. فلا يحمل ms2129 الاستواء على ذلك. فالاستواء من صفات ~~الذات، بعد ما أخبرنا به، ونص عليه وأكده في سبع آيات من كتابه، والسنة ~~المأثورة به، وهو صفة لازمة له، ولائقة به، كاليد والوجه والعين والسمع ~~والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، موصوف بها، ولا ~~نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية ~~في الصفات إلى علم الله عز وجل، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: كما وصف ~~الله تعالى نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته. # PageV05P072 # لا تفسير له غيرها، ولم نتكلف غير ذلك، فإنه غيب لا مجال للعقل في ~~إدراكه، ونسأل الله تعالى العفو والعافية، ونعوذ به من أن نقول فيه وفي ~~صفاته ما لم يخبرنا به هو أو رسوله عليه السلام- انتهى كلام الجيلاني قدس ~~سره-. # وروى أبو إسماعيل الأنصاري في (ذم الكلام وأهله) عن أبي زرعة الرازي، أنه ~~سئل عن تفسير الرحمن على العرش استوى فغضب وقال: تفسيره كما تقرأ، هو على ~~عرشه، وعلمه في كل مكان، من قال غير هذا فعليه لعنة الله. # وأسند عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل ~~السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان ~~من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا، ومصرا وشاما ~~ويمنا. فكان من مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه، بائن من خلقه، كما ~~وصف نفسه، بلا كيف، أحاط بكل شيء علما. ### | تنبيهات: # الأول- في بطلان تأويل (استوى) : ب (استولى) : # قال الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني، صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، ~~في كتاب (الرد على الجهمية) : زعمت الجهمية أن معنى استوى (استولى) من قول ~~العرب: استوى فلان على مصر، يريدون استولى عليها. قال: فيقال له: هل يكون ~~خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال لا، قيل له: فمن ~~زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس ~~الله بمستول عليه، وذلك ms2130 لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل خلق السموات ~~والأرض، ثم استولى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش ~~قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه فيها. ثم ذكر كلاما طويلا في ~~تقرير العلو والاحتجاج عليه. # وقال ابن عرفة في كتاب (الرد على الجهمية) : حدثنا داود بن علي قال: كنا ~~عند ابن الأعرابي، فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله تعالى: الرحمن على العرش ~~استوى؟ قال: هو على عرشه كما أخبر. فقال: يا أبا عبد الله! إنما معناه ~~استولى. # فقال: اسكت. لا يقال: استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما ~~غلب، # PageV05P073 # قيل: استولى. والله تعالى لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر. ثم قال: ~~الاستيلاء بعد المغالبة، كما قال النابغة: # إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد # وروى الخطيب البغدادي عن محمد بن أحمد بن النضر قال: كان ابن الأعرابي ~~جارنا، وكان ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي دؤاد سأله: أتعرف في اللغة ~~استوى بمعنى استولى؟ فقال لا أعرفه! وفي رواية. أرادني ابن أبي دؤاد أن ~~أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها الرحمن على العرش استوى استوى بمعنى ~~استولى، فقلت له: والله ما يكون هذا، ولا وجدته. وابن الأعرابي أبو عبد ~~الله كان لغوي زمانه- كما قال الذهبي-. # وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه (الإبانة في أصول ~~الديانة) ، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه، ~~عند من يطعن عليه، فقال: ### | ### | فصل # في إبانة قول أهل الحق والسنة # فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية ~~والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون. قيل له: قولنا الذي نقول ~~به التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة ~~الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل، نضر ~~الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته، قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، ~~لأنه الإمام الفاضل، ms2131 والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به ~~الضلال، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين. # ثم قال في (باب الاستواء على العرش) : إن قال قائل: ما تقولون في ~~الاستواء؟ # قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه، كما قال الرحمن على العرش استوى ~~وقد قال الله إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ، وقال ~~بل رفعه الله إليه [النساء: 158] ، وقال يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه [السجدة: 5] ، وقال حكاية عن فرعون وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا # PageV05P074 # [غافر: 36- 37] . كذب موسى في قوله: إن الله فوق السموات. وقال أأمنتم من ~~في السماء أن يخسف بكم الأرض [الملك: 16] فالسماوات فوقها العرش، فلما كان ~~العرش فوق السموات قال: أأمنتم من في السماء، لأنه مستو على العرش الذي هو ~~فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السموات، وليس إذا قال: ~~أأمنتم من في السماء، يعني جميع السماء، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى ~~السموات. ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال وجعل القمر فيهن نورا [نوح: 16] ~~، فلم يرد أن القمر يملؤهن، وأنه فيهن جميعا. ورأينا المسلمين جميعا يرفعون ~~أيديهم، إذا دعوا، نحو السماء، لأن الله على العرش الذي هو فوق السموات، ~~فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها، إذا ~~دعوا، إلى الأرض. # ثم قال: ### | فصل # وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قوله الرحمن على ~~العرش استوى أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان، وجحدوا أن ~~يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق. وذهبوا في الاستواء إلى (القدرة) ، ~~فلو كان هذا كما ذكروه، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله ~~قادر على كل شيء، فالله قادر على الأرض، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في ~~العالم. # فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى (الاستيلاء) ، وهو عز وجل مستول على ~~الأشياء ms2132 كلها، لكان مستويا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى ~~الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء، مستول عليها، وإذا كان قادرا على ~~الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو على ~~الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش (الاستيلاء) ، الذي هو ~~عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء ~~كلها. # وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل- انتهى-. # قلت: وكلام أبي الحسن الأشعري الأخير مأخوذ من كتاب رد الإمام أحمد على ~~الجهمية، حيث قال في كتابه المذكور: # ومما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله سبحانه على العرش، فقلنا: لم # PageV05P075 # أنكرتم ذلك؟ إن الله سبحانه على العرش، وقد قال سبحانه الرحمن على العرش ~~استوى [طه: 5] ، وقال: ثم استوى على العرش، الرحمن فسئل به خبيرا [الفرقان: ~~59] ، قالوا: هو تحت الأرضين السابعة كما هو على العرش، فهو على العرش، وفي ~~السموات، وفي الأرض، وفي كل مكان، لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون ~~مكان. وتلوا آيات من القرآن وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] ، ~~فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، وليس فيها من عظمة الله شيء، فقالوا: ~~أي مكان؟ فقلنا: أحشاؤكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها ~~من عظمة الرب سبحانه شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال سبحانه: أأمنتم ~~من في السماء أن يخسف بكم الأرض ... [الملك: 16] الآية، وقال: إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ، وقال وله من في السماوات ~~والأرض ومن عنده [الأنبياء: 19] ، وقال: إني متوفيك ورافعك إلي [آل عمران: ~~55] ، وقال: بل رفعه الله إليه [النساء: 158] ، وقال: يخافون ربهم من فوقهم ~~[النحل: 50] ، وقال: تعرج الملائكة والروح إليه [المعارج: 4] ، وقال: وهو ~~القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير [الأنعام: 18]- فهذا أخبر الله أنه في ~~السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذموما. قال الله تعالى: إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار [النساء: 145] . وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ms2133 الأسفلين [فصلت: 29] ، وقلنا ~~لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانهم؟ فلم يكن الله ~~ليجتمع هو وإبليس، ولكن إنما معنى قوله تبارك وتعالى: وهو الله في السماوات ~~وفي الأرض [الأنعام: 3] يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، وهو ~~على العرش! وقد أحاط بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا ~~يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك قوله: # لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [الطلاق: ~~12] . # قال: ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير صاف، ~~وفيه شيء، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في ~~القدح، فالله سبحانه- وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن ~~يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى: لو أن رجلا بني دارا بجميع مرافقها، ثم ~~أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتا في داره، وكم سعة ~~كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله سبحانه- وله المثل ~~الأعلى- قد أحاط # PageV05P076 # بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق. # قال أحمد رضي الله عنه: ومما تأول الجهمية من قول الله سبحانه: ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ... ) إلى أن قال: # ... إن الله بكل شيء عليم قالوا: إن الله عز وجل معنا وفينا. فقلنا: لم ~~قطعتم الخبر من أوله؟ إن الله يقول: ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم يعني أن الله بعلمه ~~رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ~~بعلمه فيهم، يفتح الخبر بعلمه، ويختمه بعلمه- انتهى-. # ثم قال الإمام أحمد في آخر كتابه المذكور: وقلنا للجهمية: زعمتم أن الله ~~في كل مكان، لا يخلو منه ms2134 مكان، فقلنا لهم: أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه: ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [الأعراف: 143] . لم تجلى، إذا كان فيه ~~بزعمكم؟ # ولو كان فيه، كما تزعمون، لم يكن يتجلى لشيء. لكن الله تعالى على العرش، ~~وتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئا لم يكن يراه قط قبل ذلك. # وقلنا للجهمية: الله نور؟ فقالوا: نور كله. فقلنا: قال الله عز وجل: # وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] . فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورا، ~~قلنا: # أخبرونا، حين زعمتم أن الله في كل مكان، وهو نور، فلم لا يضيء البيت ~~المظلم من النور الذي هو فيه إذا زعمتم أن الله في كل مكان؟ وما بال السراج ~~إذا أدخل البيت المظلم يضيء؟ فعند ذلك تبين كذبهم على الله. فرحم الله من ~~عقل عن الله، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول العلماء، ~~وهو قول المهاجرين والأنصار، وترك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته- انتهى-. # وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر في كتاب (التمهيد) في شرح حديث «1» ~~(ينزل ربنا كل ليلة ... ) الحديث- ما نصه: هذا الحديث ثابت من جهة النقل، ~~صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله تعالى ~~PageV05P077 # في السماء، على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة. وهو حجتهم على ~~المعتزلة والجهمية في قولهم: (إن الله في كل مكان، وليس على العرش) والدليل ~~على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: ~~5] ، ثم ساق عدة آيات في ذلك- وقال: هذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول ~~المعتزلة. وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى استولى، ~~فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة. ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، ~~والله تعالى لا يغالبه أحد، وهو الواحد الصمد. ومن حق الكلام أن يحمل على ~~حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل ~~إلينا من ربنا تعالى، إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز ms2135 وجل على الأشهر ~~والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء ~~المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبادات. وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه ~~العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في ~~اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه. قال ~~أبو عبيدة في قوله الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، قال: علا، قال: تقول ~~العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي استقر، ~~واحتج بقوله تعالى: # ولما بلغ أشده، واستوى [القصص: 14] ، انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في ~~شبابه مزيد. # قال ابن عبد البر: الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ~~تعالى في كتابه فقال: لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه [الزخرف: 13] ، وقال تعالى: واستوت على الجودي [هود: 44] ، وقال ~~تعالى: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك [المؤمنون: 28] ، وقال الشاعر: # فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى # وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد (استولى) ، لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر ~~النضر بن شميل- وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة- قال: حدثني ~~الخليل- وحسبك بالخليل- قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم ما ~~رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال: (استووا) فبقينا ~~متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه: إنه أمركم أن ترفعوا، ~~فقال الخليل: هو من قول الله ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29] ، فصعدنا ~~إليه. قال: وأما من نزع منهم # PageV05P078 # بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد ~~الوهاب ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله الرحمن على ~~العرش استوى [طه: 5] قال: استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان- ~~فالجواب: # أن هذا حديث منكر على ابن عباس رضي الله عنهما، ونقلته مجهولة وضعفاء، ~~فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان. وإبراهيم بن ~~عبد الصمد مجهول لا ms2136 يعرف. وهم لا يقبلون أخبار الآحاد، فكيف يسوغ لهم ~~الاحتجاج بمثل هذا الحديث، لو عقلوا وأنصفوا؟ أما سمعوا الله سبحانه حيث ~~يقول: وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا [غافر: 36- 37] ؟ فدل على أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام كان يقول: إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبا. قال ~~الشاعر: # فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد # مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت. وفيه يقول في وصف الملائكة: # وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد # قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~[الزخرف: 84] ، وبقوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] ~~، وبقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم [المجادلة: 7] ، وزعموا أن الله سبحانه في كل مكان بنفسه وذاته- ~~تبارك وتعالى جده- قيل: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في ~~الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع ~~عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من ~~أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير. وظاهر هذا التنزيل يشهد أنه على ~~العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر. وأما قوله ~~في الآية الأخرى: # وفي الأرض إله فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد أنه معبود من أهل ~~الأرض. # فتدبر هذا فإنه قاطع. # ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع، أن الموحدين ~~أجمعين من العرب والعجم، إذا كربهم أمر، أو نزلت بهم شدة، رفعوا # PageV05P079 # وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء، ~~يستغيثون الله ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من ~~أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته. لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد، ولا ~~أنكره عليهم مسلم، # وقد ms2137 قال صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها «1» ، إن كانت ~~مؤمنة. فاختبرها رسول الله صلى الله على وآله وسلم بأن قال لها: أين الله؟ ~~فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ # قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة # . فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها برفع رأسها إلى السماء، ~~واستغنى بذلك عما سواه. # قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل ~~عنهم التأويل في القرآن قالوا تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل ~~مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. وذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن ~~الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم قال: ~~هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا. قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله. ~~قال سنيد: # حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال: الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. # ثم ساق من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة ~~عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى ~~الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، ~~والعرش على الماء، والله على العرش، ويعلم أعمالكم. وذكر هذا الكلام أو ~~قريبا منه في كتاب (الاستذكار) . # وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في (الرسالة ~~المدنية) : إذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~أو وصفه بها المؤمنون PageV05P080 # الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم- فصرفها عن ظاهرها اللائق ~~بجلاله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها، إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ~~يخالف ms2138 الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء: # أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي، لأن الكتاب والسنة وكلام ~~السلف جاءوا باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد منه خلاف لسان العرب، أو ~~خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، ~~وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى ناسخ له، وإن لم يكن له أصل في ~~اللغة. # الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا ~~كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على ~~المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم ادعى وجوب صرفه عن ~~الحقيقة فلا بد من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه ~~عن الحقيقة- فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز. # الثالث: أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض. وإلا فإذا قام ~~دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة، امتنع تركها. ثم إن كان هذا ~~الدليل لم يلتفت إلى نقيضه وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح. # الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ~~ظاهره، وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وإنما أراد ~~مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم ~~فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه سبحانه جعل القرآن نورا وهدى ~~وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسول ليبين للناس ما نزل إليهم، ~~وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل [النساء: 165] . ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات، وأبين ~~الألسنة والعبارات. ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما، ~~وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون ~~به خلاف ظاهره، إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره، إما بأن يكون ~~عقليا ظاهرا مثل ms2139 قوله: وأوتيت من كل شيء [النمل: 23] فإن كل أحد يعلم بعقله ~~أن المراد (أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها) . وكذلك قوله: # خالق كل شيء [الأنعام: 102] يعلم المستمع أن المراد أن الخالق لا يدخل في ~~هذا العموم. أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعضها ~~الظواهر. # PageV05P081 # ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان ~~سمعيا أو عقليا، لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى، وأعاده مرات ~~كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم، وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، ~~وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب، ويعقلوه ويتفكروا فيه، ويعتقدوا ~~موجبه، ثم أوجب أن لا يقصدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره، لأن هناك دليلا ~~خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره- كان تدليسا أو تلبيسا، ~~وكان نقيض البيان، وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى ~~والبيان. فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من ~~دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد، كيف إذا كان ذلك الخفي ~~شبهة ليس لها حقيقة؟ - انتهى-. # الثاني- يتوهم كثير أن القول بالعلو والاستواء يلزم منهما القول ~~بالتجسيم، وقد رمى بذلك كثير من المحدثين، وممن رماهم بذلك الجلال الدواني ~~في شرح العقائد العضدية حيث قال- عفا الله عنه-: وأكثر المجسمة هم ~~الظاهريون المتبعون لظاهر الكتاب والسنة، وأكثرهم المحدثون. ولابن تيمية ~~أبي العباس وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة، ومبالغة في القدح في نفيها. ~~ورأيت في بعض تصانيفه أنه لا فرق عند بديهة العقل بين أن يقال: هو معدوم، ~~أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده، ونسب النافين إلى التعطيل. هذا ~~مع علو كعبه في العلوم العقلية والنقلية، كما يشهد به من تتبع تصانيفه. # ومحصل كلام بعضهم في بعض المواضع، أن الشرع ورد بتخصيصه تعالى بجهة ~~(الفوق) ، كما خصص الكعبة بكونها بيت الله تعالى، ولذلك يتوجه إليها في ~~الدعاء. ولا يخفى أنه ليس في هذا القدر غائلة أصلا، لكن بعض أصحاب الحديث ms2140 ~~من المتأخرين لم يرض بهذا القول، وأنكر كون (الفوق) قبلة الدعاء، بل قال: ~~قبلة الدعاء هو نفسه، كما أن نفس الكعبة قبلة الصلاة، وقد صرح بكونه جهة ~~الله تعالى حقيقة من غير تجوز انتهى كلام الدواني-. # وتعقبه غير واحد: # منهم: الشيخ إبراهيم الكوراني في حاشيته عليه المسماة (بمجلى المعاني) ~~قال: إن ابن تيمية ليس قائلا بالتجسيم، فقد صرح بأن الله تعالى ليس جسما، ~~في رسالة تكلم فيها على حديث النزول. وقال في رسالة أخرى: من قال إن الله ~~تعالى مثل بدن الإنسان، أو إن الله يماثل شيئا من المخلوقات فهو مفتر على ~~الله سبحانه. # PageV05P082 # بل هو على مذهب السلف قائل بأن الله تعالى فوق العرش حقيقة، مع نفي ~~اللوازم، ونقل عليه إجماع السلف، صرح به في الرسالة القدرية- انتهى-. # ومنهم: ولي الله الدهلوي قدس سره، قال في كتابه (حجة الله البالغة) : # واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث، وسموهم مجسمة ومشبهة، ~~وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة، وقد وضح علي وضوحا بينا أن استطالتهم هذه ~~ليست بشيء، وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية، وخاطئون في طعنهم أئمة ~~الهدى- انتهى-. # ومنهم: الشهاب الألوسي المفسر، فإنه كتب على كلام الدواني ما نصه: حاشا ~~لله تعالى أن يكون- يعني ابن تيمية- من المجسمة، بل هو أبرأ الناس منهم. ~~نعم يقول بالفوقية، وذلك مذهب السلف، وهو بمعزل عن التجسيم. وجلال الدين ~~وأضرابه أجهل الناس بالأحاديث، وكلام السلف الصالح، كما لا يخفى على العارف ~~المنصف. نقله عنه ابنه في (محاكمة الأحمدين) . # وأقول. إن كل من رمى مثل هذا الإمام بالتجسيم فقد افترى وما درى، إلا أن ~~عذره أنه لم ينقب عن غرر كلامه في فتاويه التي أوضح فيها الحق، وأنار بها ~~مذهب السلف قاطبة. وهاك شذرة من درره. قال رحمه الله في بعض فتاويه: # والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وجب التصديق به، مثل علو الرب، واستوائه على عرشه، ونحو ~~ذلك. وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات، مثل ms2141 قول القائل: هو في جهة، ~~أو ليس في جهة، وهو متحيز، أو ليس بمتحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع ~~فيها الناس، وليس مع أحدهم نص، لا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عن ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين- هؤلاء لم ~~يقل أحد منهم إن الله تعالى في جهة، ولا قال ليس هو في جهة، ولا قال هو ~~متحيز، ولا قال ليس بمتحيز، بل ولا قال هو جسم أو جوهر، ولا قال ليس بجسم ~~ولا بجوهر. فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، ~~والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحا. فإن يريدوا معنى صحيحا يوافق الكتاب ~~والسنة كان ذلك مقبولا منهم. وإن أرادوا معنى فاسدا يخالف الكتاب والسنة ~~كان ذلك المعنى مردودا عليهم. فإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة، قيل: ~~ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن ~~يكون في جوف السموات، أم تريد بالجهة أمرا عدميا، وهو # PageV05P083 # ما فوق العالم شيء من المخلوقات. فإن أردت الجهة الوجودية، وجعلت الله ~~تعالى محصورا في المخلوقات، فهذا باطل، وإن أردت بالجهة العدمية، وأردت ~~الله تعالى وحده فوق المخلوقات، بائن عنها، فهذا حق، وليس في ذلك أن شيئا ~~من المخلوقات حصره، ولا أحاط به، ولا علا عليه، بل هو العالي عليها، المحيط ~~بها، وقد قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] ، الآية- # وقد ثبت في الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله عز وجل يقبض ~~الأرض يوم القيامة، ويطوي السموات بيمينه، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أين ~~ملوك الأرض» ؟ # وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما السموات السبع، والأرضون السبع، وما ~~فيهن، وما بينهن، في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وفي حديث آخر أنه ~~يرميها كما يرمي الصبيان الكرة. فمن يكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته ~~تعالى، إلى هذا الحقر والصغار، كيف تحيط به ms2142 وتحصره؟ ومن قال إن الله تعالى ~~ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السموات رب ~~يعبد، ولا على عرش إله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى ~~الله تعالى، والأيدي لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب ~~إليه- فهذا فرعوني معطل، جاحد لرب العالمين. وإن كان يعتقد أنه مقر به فهو ~~جاهل متناقص في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد وقالوا: إن الله ~~تعالى بذاته في كل مكان، وإن وجود المخلوقات هو وجود الخالق. وإن قال: ~~مرادي بقولي (ليس في جهة) أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب في هذا ~~المعنى. وكذلك من قال إن الله تعالى متحيز أو قال ليس بمتحيز: إن أراد ~~بقوله (متحيز) أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ، وإن أراد به منحاز عن ~~المخلوقات، بائن عنها، عال عليها، فقد أصاب. ومن قال: (ليس بمتحيز) ، إن ~~أراد المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب، وإن أراد ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل ~~فيها، ولا خارج عنها، فقد أخطأ. # والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف: أهل الحلول والاتحاد، وأهل النفي ~~والجحود، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة. PageV05P084 # فأهل الحلول يقولون: إنه بذاته في كل مكان، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة، ~~فيقولون: وجود المخلوقات وجود الخالق. # وأما أهل النفي والجحود فيقولون: لا هو داخل العالم، ولا خارج، ولا مباين ~~له، وهذا قول متكلمة الجهمية المعطلة، كما أن الأول قول عباد الجهمية. ~~فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وكلامهم ~~يرجع إلى التعطيل والجحود، الذي هو قول فرعون. وقد علم أن الله تعالى كان ~~قبل أن يخلق السموات والأرض، ثم خلقهما، فإما أن يكون دخل فيهما، وهذا حلول ~~باطل، وإما أن يكونا دخلا فيه، وهو أبطل وأبطل، وإما أن يكون الله سبحانه ~~بائنا عنهما، لم يدخل فيهما، ولم يدخلا فيه، وهذا قول أهل الحق والتوحيد ~~والسنة. # ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب الله ms2143 عز وجل ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وما فطر ~~الله تعالى عليه عباده، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة، فإن هذه ~~الأدلة كما متفقة على أن الله تعالى فوق مخلوقاته، عال عليها، قد فطر الله ~~تعالى على ذلك العجائز والأعراب والصبيان في الكتاب، كما فطرهم على الإقرار ~~بالخالق تعالى. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «1» : كل مولود يولد ~~على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة ~~جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ # ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرءوا إن شئتم فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] ، وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز ~~رحمه الله تعالى: # عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، عليك بما فطرهم الله تعالى عليه، ~~فإن الله سبحانه فطر عباده على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، ~~لا بتحويل الفطرة وتغييرها. وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم، ~~فيريدون أن يغيروا فطرة الله تعالى، ودينه عز وجل، ويوردون على الناس شبهات ~~بكلمات مشتبهات، لا PageV05P085 # يفهم كثير من الناس مقصودهم بها، ولا يحسن أن يجيبهم. وقد بسط الكلام ~~عليهم في غير هذا الموضع. وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في ~~كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا قالها أحد من ~~أئمة المسلمين. # كلفظ: المتحيز والجسم والجهة ونحو ذلك. فمن كان عارفا بحال شبهاتهم ~~بينها، ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض عن كلامهم، ولا يقبل إلا ما جاء به ~~الكتاب والسنة، كما قال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره [الأنعام: 68] . ومن تكلم في الله تعالى ~~وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة، فهو من الخائضين في آيات الله ~~تعالى بالباطل، وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه. وكثير ~~منهم قرءوا كتبا من كتب الكلام، فيها شبهات أضلتهم، ولم يهتدوا لجوابهم، ~~فإنهم يجدون في ms2144 تلك الكتب أنه لو كان الله تعالى فوق الخلق للزم التجسيم ~~والتحيز والجهة، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ، ولا ما أراد بها ~~أصحابها، فإن ذكر لفظ (الجسم) في أسماء الله تعالى وصفاته، بدعة لم ينطق ~~بها كتاب ولا سنة، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولم يقل أحد منهم ~~إن الله تعالى جسم ولا أن الله تعالى ليس بجسم، ولا أن الله تعالى جوهر، ~~ولا أن الله تعالى ليس بجوهر. ولفظ الجسم لفظ مجمل، فمعناه في اللغة هو ~~البدن. ومن قال إن الله تعالى مثل بدن الإنسان فهو مفتر على الله عز وجل، ~~بل من قال إن الله تعالى يماثل شيئا من مخلوقاته فهو مفتر على الله ضال، ~~ومن قال إن الله تعالى ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئا من ~~المخلوقات، فالمعنى صحيح، وإن كان اللفظ بدعة. وأما من قال إن الله تعالى ~~ليس بجسم، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي، ~~بل القرآن العربي مخلوق، أو هو تصنيف جبريل عليه السلام، أو نحو ذلك، فهو ~~مفتر على الله تعالى فيما نفاه عنه. وهذا أصل ضلال الجهمية من المعتزلة، ~~ومن وافقهم على مذهبهم، فإنهم يظهرون للناس التنزيه، وحقيقة كلامهم ~~التعطيل، فيقولون: نحن لا نجسم، بل نقول: الله ليس بجسم، ومرادهم بذلك نفي ~~حقيقة أسمائه وصفاته. # إلى أن قال: فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن كل نقص وعيب، ولهذا ~~كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما ~~وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ~~ولا تمثيل، فيثبتون ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينزهونه عما نزه ~~عنه نفسه من مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. قال عز ~~شأنه: # PageV05P086 # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [الشورى: 11] ، فقوله: ليس كمثله شيء رد ~~على الممثلة. وقوله تعالى: وهو السميع البصير رد على المعطلة- انتهى ~~ملخصا-. # قال رضي الله عنه ms2145 (في جواب على سؤال رفع إليه نصه: الاستواء هل هو حقيقة ~~أو مجاز؟) : ما نصه ملخصا: # القول في الاستواء والنزول كالقول في سائر الصفات التي وصف بها نفسه في ~~كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى سمى نفسه ~~بأسماء، ووصف نفسه بصفات، فالقول في بعض هذه الصفات، كالقول في بعض. ومذهب ~~سلف الأمة وأئمتها أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز ~~نفي صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين. ~~ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته ~~الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات، بل هذا جحد للخالق، وتمثيل له ~~بالمعدومات. وقد قال ابن عبد البر: # أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة ~~والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، لأنهم لا ينفون شيئا من ~~ذلك، ولا يجدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ~~والخوارج، فينكرونها ولا يحملونها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها ~~مشبه، وهم عند من أقر بها، نافون للمعبود، لا مثبتون. والحق فيما قاله ~~القائلون، مما نطق به الكتاب والسنة، وهم أئمة الجماعة. هذا الذي حكاه ابن ~~عبد البر. # ومن أنكر أن يكون شيء من هذه الأسماء والصفات حقيقة، فإنما أنكر، لجهله ~~لمسمى الحقيقة، أو لكفره وتعطيله لما يستحقه رب العالمين. وذلك أنه قد يظن ~~أن إطلاق ذلك يقتضي أن يكون المخلوق مماثلا للخالق، فيقال له: هذا باطل، ~~فإن الله موجود حقيقة، والعبد موجود حقيقة، وله تعالى ذات حقيقة، والعبد له ~~ذات حقيقة، وليس ذاته تعالى كذات المخلوقات، وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة، ~~وللعبد سمع وبصر وعلم حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم العبد وسمعه ~~وبصره. ولله كلام حقيقة، وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين. والله استوى ~~على عرشه حقيقة، وللعبد استواء ms2146 على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق ~~كاستواء المخلوق. فإن الله لا يفتقر إلى شيء، ولا يحتاج إلى شيء، بل هو ~~الغني عن كل شيء، والله تعالى يحمل العرش وحملته، بقدرته ويمسك السماوات ~~والأرض # PageV05P087 # أن تزولا # [فاطر: 41] . فمن ظن أن معنى قول الأئمة (الله مستو على عرشه حقيقة) ~~يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون ~~قولهم: إن الله له علم حقيقة وسمع وبصر حقيقة وكلام حقيقة، يقتضي أن يكون ~~علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل علم المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم، فمن ظن ~~أن الحقيقة إنما تتناول صفة العبد المخلوقة دون صفة الخالق، كان في غاية ~~الجهل، فإن صفة الله أكمل وأتم وأحق بهذه الأسماء الحسنى، فلا نسبة بين صفة ~~العبد وصفة الرب، كما لا نسبة بين ذاته وذاته. فكيف يكون العبد مستحقا ~~للأسماء الحسنى حقيقة، والرب لا يستحق ذلك إلا مجازا؟ ومعلوم أن كل كمال ~~حصل للمخلوق فهو من الخالق سبحانه وتعالى، فله المثل الأعلى. فكل كمال حصل ~~للمخلوق، فالخالق أحق به، وكل نقص ينزه عنه مخلوق، فالحق أحق أن ينزه عنه، ~~ولهذا كان لله المثل الأعلى، فإنه لا يقاس بخلقه، ولا يمثل بهم، ولا تضرب ~~به الأمثال، فلا يشترك هو والمخلوق بمثل ولا في قياس. ومذهب أهل السنة ~~والجماعة إثبات الصفات لله تبارك وتعالى، بل صفات الكمال لازمة لذاته، ~~يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له، بل يمتنع تحقق ذات من الذات ~~عرية عن جميع الصفات، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع. فإذا قال: وجود ~~الله، وذات الله، وعلم الله، وقدرة الله، وسمع الله، وبصر الله، وكلام ~~الله، ورحمة الله، وغضب الله، واستواء الله، ونزول الله ومحبة الله، ونحو ~~ذلك، كانت هذه الأسماء كلها حقيقة لله تعالى من غير أن يدخل فيها شيء من ~~المخلوقات، ومن غير أن يماثله فيها شيء من المخلوقات. وإذا قال: وجود العبد ~~وذاته وماهيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستواؤه ونزوله، كان هذا ~~حقيقة للعبد مختصة به، من ms2147 غير أن تماثل صفاته صفات الله تعالى. بل أبلغ من ~~ذلك، أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ~~والمساكن ما ذكره في كتابه. كما ذكر أن فيها لبنا وعسلا وخمرا ولحما وحريرا ~~وذهبا وفضة وحورا وقصورا وغير ذلك. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس ~~في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. فتلك الحقائق التي في الجنة ليست ~~مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، ~~والاسم يتناولهما حقيقة، ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، ~~والمخلوق عن مشابهة الخالق. فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من ~~أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته، وأن يقال ليس ذلك بحقيقة! وهل يكون أحق ~~بهذا الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض، مع أن # PageV05P088 # مباينتهما للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق لكل مخلوق؟ والجاهل يضل بأن ~~يقول: العرب إنما وضعوا لفظ (الاستواء) لاستواء الإنسان على السرير أو ~~الفلك، أو استواء السفينة على الجودي، ولنحو ذلك من استواء بعض المخلوقات. ~~فهو كما يقول القائل: إنما وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لما يكون محله ~~حدقة وأجفانا، وأصمخة وآذانا، وشفتين ولسانا، وإنما وضعوا لفظ العلم ~~والرحمة والإرادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد، # وهذا كله جهل منه. فإن العرب إنما وضعت للإنسان ما أضافت إليه، فإذا قالت ~~سمع العبد وبصره وكلامه وعلمه وإرادته ورحمته مما يختص به، يتناول ذلك ~~خصائص العبد. وإذا قيل سمع الله وبصره وكلامه وعلمه وإرادته ورحمته، كان ~~هذا متناولا لما يختص به الرب، لا يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين. ~~وكذلك إذا قيل استواء الرب، فهذا الاستواء المضاف إلى الله كالعلم والسمع ~~والبصر المضاف إلى الله. لا يجوز أن يتناول ذلك شيئا من خصائص المخلوقين ~~وهؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق، ثم ينفون ~~ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق، وينفون مضمون ذلك، ~~فيكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته، ms2148 وألحدوا في أسماء الله ~~تعالى وآياته، وخرجوا عن القياس العقلي، والنص الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا ~~معقول صريح، ولا منقول صحيح. ثم لا بد لهم من إثبات بعض ما يثبته أهل ~~الإثبات من الأسماء والصفات: فإذا أثبتوا البعض، ونفوا البعض، قيل لهم: ما ~~الفرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه؟ ولم كان هذا حقيقة، ولم يكن هذا حقيقة؟ ~~لم يكن لهم جواب أصلا، وظهر بذلك جهلهم وضلالهم شرعا وعقلا. ونظائر هذا ~~كثيرة، فمن ظن أن أسماء الله تعالى وأسماء صفاته، إذا كانت حقيقة لزم أن ~~يكون مماثلا للمخلوقين، وأن تكون صفاته مماثلة لصفاتهم، كان من أجهل الناس، ~~وكان أول كلامه سفسطة، وآخره زندقة لأنه يقتضي نفي جميع أسماء الله وصفاته، ~~وهذا هو غاية الزندقة والإلحاد. وإن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في ~~أسباب الحقيقة والمجاز، كان متناقضا في قوله، متهافتا في مذهبه مشابها لمن ~~آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض. # وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبين له أن مذهب السلف والأئمة في ~~غاية الاستقامة والسداد والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح، ~~والمنقول الصحيح، وأن من خالفه، كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه ~~من أفك خارجا عن موجب العقل والسمع، مخالفا للفطرة والشرع، والله يتم نعمته ~~علينا وعلى سائر إخواننا المسلمين المؤمنين، ويجمع لنا ولهم خير الدنيا ~~والآخرة- انتهى-. # PageV05P089 ### | فائدة: # في منشأ هذا التعطيل وبين رضي الله عنه، في فتوى أخرى له في الصفات، مورد ~~هذا التعطيل. # حيث قال رضي الله عنه: # ثم أصل هذه المقالة إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال ~~الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة- أعني أن الله ليس على ~~العرش حقيقة وإنما استوى استولى ونحو ذلك- أول ما ظهرت هذه المقالة من جعد ~~بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفون وأظهرها. فتنسب مقالة الجهمية إليه، ~~والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن ~~أعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ms2149 صلى ~~الله عليه وسلم. وكان الجعد هذا- فيما قيل- من أهل حران، وكان فيهم خلق ~~كثير من الصابئة، والفلاسفة، بقايا أهل دين النمروذ الكنعانيين، الذين صنف ~~بعض المتأخرين في سحرهم وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، ~~ومذهبهم في الرب أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية، أو مركبة منهما، وهم ~~الذين بعث إبراهيم الخليل عليه السلام إليهم، فيكون الجعد قد أخذها عن ~~الصابئة الفلاسفة، وأخذها الجهم أيضا- فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- من ~~السمنية بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات، ~~فهذه أسانيد الجهم ترجع إلى اليهود والصائبين والمشركين. والفلاسفة الضالون ~~هم إما من الصابئين، وإما من المشركين. ثم لما عربت الكتب الرومية في حدود ~~المائة الثانية، زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال، ابتداء من ~~جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم. ولما كان في حدود المائة الثانية، انتشرت ~~هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر ابن غياث ~~المريسي وطبقته، وكلام الأئمة- مثل مالك رضي الله عنه وسفيان بن عيينة وأبي ~~يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم- في بشر ~~المريسي هذا كثير في ذمه وتضليله. وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي ~~الناس، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب (التأويلات) ~~وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه (تأسيس ~~التقديس) ويوجد كثير منها في كلام خلق غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبد ~~الجبار بن أحمد الهمداني وأبي الحسين البصري وابن عقيل وأبي حامد # PageV05P090 # الغزالي وغيرهم، وهي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي في كتابه. ~~وإن كان قد يوجد في كلام هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضا، ولهم كلام حسن في ~~أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي. وعلمنا ذلك ~~بكتاب (الرد) الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمن ~~البخاري، صنف كتابا سماه (نقض عثمان بن سعيد، على الكاذب العنيد، فيما ~~افترى على الله في التوحيد) حكى فيه هذه ms2150 التأويلات بأعيانها عن بشر ~~المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمعقول والمنقول من ~~هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم ردها عثمان بن سعيد بكلام، ~~إذا طالعه العاقل الذكي، علم حقيقة ما كان عليه السلف فتبين له ظهور الحجة ~~لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. ثم إذا رأى الأئمة- أئمة الهدى- قد أجمعوا ~~على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم، أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في ~~هؤلاء المتأخرين، هو مذهب المريسي- تبين له الهدى لمن يريد الله هدايته، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم قال رضي الله عنه: # ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، ~~كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به ~~رسوله، فيعطلون أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ~~ويلحدون في أسماء الله وآياته. وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل، فهو ~~جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلون، فإنهم لم يفهموا من أسماء الله ~~وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق. ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد ~~جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثلوا أولا، وعطلوا آخرا، وهذا تشبيه وتمثيل ~~منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل ~~لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى. ~~فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من ~~العرش أو أصغر أو مساويا، وكل ذلك محال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم ~~من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان، على أي جسم كان، وهذا ~~اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال الله، ويختص به، فلا ~~يلزمه شيء من اللوازم الثلاثة، كما يلزم سائر الأجسام. وصار هذا مثل قول ~~الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهرا أو عرضا، إذ لا يعقل ~~موجود إلا هذان. أو قوله: إذا كان مستويا على العرش، فهو مماثل لاستواء ~~الإنسان على السرير أو الفلك، إذ ms2151 لا يعلم الاستواء إلا هكذا. فإن كليهما ~~مثل، وكلاهما عطل # PageV05P091 # حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل مسمى للاستواء ~~الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات (استواء) هو من خصائص المخلوقين، والقول ~~الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق ~~بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، ~~وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض ~~التي لعلم المخلوقين وقدرهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا نثبت لفوقيته ~~خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها. # واعلم أنه ليس في العقل الصحيح، ولا في النقل الصريح، ما يوجب مخالفة ~~الطريقة السلفية أصلا، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة ~~عن الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها، فذلك سهل يسير- انتهى كلامه-. # ومن أحاط عقله بهذه الغرر، علم براءة ساحة السلف مما رموا به من التجسيم. # وفي هذه النفائس من الفوائد ما يشفع لدى الواقف بطوله. # الثالث: يطلق العرش على معان: السرير، ومنه آية ولها عرش عظيم [النمل: ~~23] ، والملك، يقال: ثل عرشهم. وسقف البيت، ومنه آية: وهي خاوية على عروشها ~~[البقرة: 259] ، وحديث (كالقنديل المعلق بالعرش) . أو البناء، ومنه وما ~~كانوا يعرشون [الأعراف: 137] ، أي يبنون. ومنه: العريش، وهو ما يستظل به. ~~والعرش المضاف إلى الله تعالى لا يحد. # قال في القاموس: العرش، عرش الله تعالى، ولا يحد- انتهى-. # وقال الراغب: عرش الله عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على ~~الحقيقة، ولذا لم يصح في صفته حديث، وكل ما روي في ذلك فليس من مرويات ~~الصحاح. # قال البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) : وأقاويل أهل التفسير على أن ~~العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم، خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، ~~وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا، وأمر بني آدم بالطواف ~~به واستقباله في الصلاة، وفي أكثر الآيات دلالة على صحة ما ذهبوا إليه، وفي ~~الأخبار والآثار الواردة في معناه دليل على صحة ms2152 ذلك- انتهى-. # وقال الحافظ الذهبي في كتاب (العلو) : اعلم أن الله عز وجل، قد أخبرنا، ~~وهو أصدق القائلين، بأن عرش بلقيس عرش عظيم، فقال: ولها عرش عظيم [النمل: ~~23] # PageV05P092 # ثم ختم الآية بقوله: الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم [النمل: 26] ، ~~فكان عرشها عظيما بالنسبة إليها، وما نحيط الآن علما بتفاصيل عرشها ولا ~~بمقداره ولا بماهيته. ثم قال: فما الظن بما أعد الله تعالى من السرر ~~والقصور في الجنة لعباده، فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم ~~لنفسه في ارتفاعه وسعته وقوائمه وماهيته وحملته الحافين من حوله، وحسنه ~~ورونقه وقيمته؟ اسمع وتعقل ما يقال، والجأ إلى الإيمان بالغيب، فليس الخبر ~~كالمعاينة، فالقرآن مشحون، بذكر العرش، وكذلك الآثار، بما يمتنع أن يكون ~~المراد به (الملك) . فدع المكابرة والمراء، فإن المراء في القرآن كفر. آمنا ~~بالله وأشهد بأنا مسلمون. لا إله إلا الله الحليم الكريم. لا إله إلا الله ~~رب العرش العظيم. لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب العرش الكريم. # الحمد لله رب العالمين. انتهى كلام الذهبي رحمه الله تعالى-. # الرابع- سئل الشيخ تقي الدين بن تيمية، عليه الرحمة والرضوان، عن العرش: # هل هو كري أم لا، فإذا كان كريا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما ~~فائدة توجه العبد إلى الله سبحانه حين الدعاء والعبادة، فيقصد العلو دون ~~غيره، إذ لا فرق حينئذ بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط ~~بالداعي، ومع هذا نجد في قلوبنا قصدا يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة. ~~فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا وقد فطرنا عليها. # فأجاب رحمه الله بقوله: # إن لقائل أن يقول: لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الأفلاك ~~المستديرة الكرية، وإنما ذكره طائفة من المتأخرين الذين نظروا في علم ~~الهيئة، فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع، وهو الأطلس، محيط بها، وهو ~~الذي يحركها الحركة الشرقية، وإن كان لكل فلك حركة تخصه، ثم سمعوا في أخبار ~~الأنبياء ذكر عرش الله سبحانه وكرسيه والسماوات ms2153 السبع، فقالوا (بطريق الظن) ~~: إن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء ذلك شيء، إما مطلقا ~~وإما أنه ليس وراءه مخلوق. ثم إن منهم من رأى أنه هو الذي يحرك الأفلاك ~~كلها، فجعلوه مبدأ الحوادث، وربما سماه بعضهم الروح أو النفس. وجعله بعضهم ~~هو اللوح المحفوظ، وبعض الناس ادعى أنه علم ذلك بطريق الكشف، وذلك غير ~~صحيح، بل أخذه من هؤلاء المتفلسفة، كما فعل أصحاب (رسائل إخوان الصفاء) . ~~والأخبار تدل على أن العرش مباين لغيره من المخلوقات، وأنه قبل السموات ~~والأرض. # فقد ثبت في صحيح # PageV05P093 # البخاري «1» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، ~~وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض، وأن له ~~قوائم» # - كما # في حديث «2» أبي سعيد: فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش. # وقد استدل من قال إنه مقبب، بما # رواه أبو داود «3» من قوله عليه الصلاة والسلام (وإن الله تعالى على ~~عرشه، وإن عرشه على سماواته، وسماواته فوق أرضه هكذا- وقال بأصابعه مثل ~~القبة) # -. وهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك، ولا مستدير مثل ذلك، لكن لفظ ~~(القبة) يستلزم استدارة من العلو، لا من جميع الجوانب، إلا بدليل منفصل. ~~ولفظ (الفلك) يستدل به على الاستدارة مطلقا، كما قال ابن عباس في كل في فلك ~~[الأنبياء: 33] : في فلكة مثل فلكة المغزل وأما لفظ (القبة) فإنه لا يتعرض ~~لهذا المعنى، لا ينفي ولا إثبات، لكن يدل على الاستدارة من العلو. # واعلم أن العرش، وسواء كان هذا الفلك التاسع، أو جسما محيطا به، أو كان ~~فوقه من جهة وجه الأرض، محيط به، أو قيل فيه غير ذلك، فيجب أن يعلم أن ~~العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، كما قال ~~تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون # [الزمر: 67] . # وفي الصحيحين «4» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقبض الله تبارك ~~وتعالى الأرض PageV05P094 # يوم ms2154 القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك. أين ملوك الأرض؟» # وفي الصحيحين «1» عن عبد الله بن عمر، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~«يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: ~~أنا الملك. أين الجبارون، أين المتكبرون؟» ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم ~~يقول: أنا الملك. أين الجبارون، أين المتكبرون؟» # وفي لفظ «2» : ويتميل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يمينه وعلى ~~شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفله شيء. # وفي رواية أخرى قال: قرأ على المنبر والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ... # الآية- قال: مطوية في كفه، يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة # ، ففي هذه الأحاديث وغيرها، المتفق على صحتها، ما يبين أن السماوات ~~والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمته عز وجل، أصغر من أن تكون، مع قبضه ~~لها، إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا، حتى يدحوها كما تدحى الكرة. # ثم قال في الجواب: فما وصف الله تعالى من نفسه وأسمائه على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه، ولم نتكلف علم ما سواه، فلا نجحد ما ~~وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. وإذ كان كذلك، فهو قادر على أن يقبضها ~~ويدحوها كالكرة. في ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل.. وبكل ~~حال فهو مباين لها، ليس بمجانب لها. ومن المعلوم أن الواحد منا- ولله المثل ~~الأعلى- إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها، فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم ~~يقبضها، بل جعلها تحته، فهو في الحالين مباين لها، وسواء قدر أن العرش هو ~~محيط بالمخلوقات، كإحاطة الكرة بما فيها أم قيل إنه فوقها وليس محيطا بها ~~كوجه الأرض الذي نحن عليها بالنسبة إلى جوفها، وكالقبة بالنسبة إلى ما ~~تحتها، أو غير ذلك- فعلى التقدير يكون العرش فوق المخلوقات، والخالق سبحانه ~~فوقه، والعبد في توجهه إليه عز وجل، يقصد العلو، دون التحت. # وتمام هذا البحث بأن يقال: لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك، ~~PageV05P095 # ويكون محيطا بها، وإما أن يكون ms2155 فوقها، وليس بكري. فإن كان الأول، فمن ~~المعلوم- باتفاق من يعلم هذا- أن الأفلاك مستديرة كرية، وأن الجهة العليا ~~هي جهة المحيط، وهو المحدود، وأن الجهة السفلى هي المركز، وليس للأفلاك إلا ~~جهتان: # العلو والسفل فقط. وأما الجهات الست فهي للحيوان، فإن له ست جوانب: يؤم ~~جهة فتكون أمامه، ويخلف أخرى فتكون خلفه، وجهة تحاذي شماله، وجهة تحاذي ~~يمينه، وجهة تحاذي رأسه، وجهة تحاذي رجليه. وليس لهذه الجهات في نفسها صفة ~~لازمة، بل هي بحسب النسبة والإضافة، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ~~ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، ~~فالمحيط هو للعلو، والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله ~~تعالى للأنام، وأرساها بالجبال، هو الذي على الناس والبهائم وغيرهما. فأما ~~الناحية الأخرى منها فالبحر محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما ~~يتبعهم. ولو قدر أن هناك أحدا، لكان على ظهر الأرض، ولم يكن من في هذه ~~الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه. كما أن الأفلاك ~~محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت ~~الجنوبي، ولا بالعكس، وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا بحسب بعد الناس عن خط ~~الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا، كان ارتفاع القطب ~~عنده ثلاثين درجة، وهو الذي يسمى عرض البلد. فكما أن جوانب الأرض المحيطة ~~بها، وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على ~~الأرض لا يقال إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان، وهو (تحت) ~~إضافي. كما لو كانت نملة تمشي تحت سقف، فالسقف فوقها، وإن كانت رجلاها ~~تحاذيانه، وكذلك من علق منكوسا، فإنه تحت السماء، وإن كانت رجلاه تلي ~~السماء وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض أو الفلك، أن ~~الجانب الآخر تحته. وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول إن الأفلاك ~~مستديرة. وهذا كما أنه قول ms2156 أهل الهيئة والحساب، فهو الذي عليه علماء ~~المسلمين، كما ذكره أبو الحسين المناوي وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن ~~الجوزي وغيرهم. وهو المأخوذ من قول ابن عباس وغيره. ومن ظن أن من يكون في ~~الفلك من ناحية يكون تحته من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر، فهو ~~متوهم عندهم. فإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط ~~بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا، فلا يتوجه إليه وإلى ما ~~فوقه الإنسان إلا من العلو. ومن توجه إلى الفلك الثامن أو التاسع مثلا من ~~غير جهة العلو، # PageV05P096 # كان جاهلا باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه! وغاية ~~ما يقدر أن يكون كري الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق ~~بجلاله، فإن السماوات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. ~~وأما قول القائل: # إذا كان كريا، والله من ورائه محيط بائن عنه، فما الفائدة في التوجه إلى ~~العلو دون التحت، ومع هذا نجد في قلوبنا قصد العلو؟ فيقال: هذا إنما ورد ~~لتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض، وتحت ما على وجه الأرض، من الآدميين ~~والبهائم، وهذا غلط. فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة، لكان تحتها من كل ~~جهة، فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقا، وهذا قلب للحقائق إذ الفلك ~~هو فوق الأرض مطلقا، وأهل الهيئة يقولون: لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية ~~أرجلنا، وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه، لكان ينتهى إلى المركز، حتى ~~لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر، لالتقيا جميعا في المركز، الذي هو النقطة ~~المتوسطة في كرة الأرض. ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجر، ~~لالتقت رجلاهما، ولم يكن أحدهما تحت الآخر، بل كلاهما فوق المركز، وكلاهما ~~تحت الفلك. وإذا كان مطلوب أحد ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، ~~لأن مطلوبه من تلك الجهة أقرب، لأنه لو قدر أن رجلا أو ملكا يصعد إلى ~~السماء، ms2157 كان صعوده مما يلي رأسه، ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من ~~تلك الناحية، أو يذهب يمينا أو شمالا ثم يصعد. # ولو أن رجلا أراد مخاطبة القمر، فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا، مع ~~أنه قد يشرق ويغرب، فكيف بما هو فوق كل شيء لا يأفل ولا يغيب سبحانه ~~وتعالى. وكما أن حركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق، وهو الخط المستقيم، ~~فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد، كيف يعدل عن الصراط المستقيم؟. ### | مطلب في حديث الإدلاء # إلى أن قال: # وحدث الإدلاء، الذي رواه أبو هريرة وأبو ذر، قد رواه الترمذي وغيره «1» ~~من PageV05P097 # حديث الحسن عن أبي هريرة، وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ~~ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع. فإن كان ثابتا، فمعناه موافق لهذا. فإن # قوله صلى الله عليه وسلم: لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله، إنما هو ~~تقدير مفروض # ، أي لو وقع الإدلاء الوقع عليه، لكن لا يمكن أن يدلي أحد على الله عز ~~وجل شيئا، لأنه عال بالذات، وإذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز. ~~والمقصود بيان إحاطة الخالق سبحانه، كما بين أنه يقبض السموات، ويطوي ~~الأرض، ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته تعالى، ولهذا قرأ في تمام الحديث: # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3] وهذا كله ~~على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال: وفسره بعض أهل العلم بأنه هبط ~~على علم الله. وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن فيه ما يدل على زعمه الباطل ~~من أنه سبحانه حال بذاته في كل مكان، أو أن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك. # وكذلك تأويله بالعلم غير مستقيم، بل على تقدير ثبوته، فالمراد به ~~الإحاطة، ونحن لا نتكلم إلا بما نعلم، وما لم نعلمه أمسكنا عنه. وقد فطر ~~الله تعالى الناس على التوجه في الدعاء إلى جهة العلو، وقال تعالى: فأقم ~~وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] . فجاءت ~~الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق ms2158 الفطرة. # وقد ثبت في الصحيحين «1» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذ قام أحدكم إلى ~~الصلاة فلا PageV05P098 # يبصق قبل وجهه، فإن الله تعالى قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ~~ملكا، وليبصق عن يساره أو تحت رجله» . # وفي رواية: إنه أذن أن يبصق في ثوبه. # وفي حديث «1» أبي رزين المشهور: لما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ما من ~~أحد إلا سيخلو به ربه، فقال له أبو رزين: كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد ~~ونحن جمع؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله تعالى: هذا القمر آية من ~~آيات الله تعالى، كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر. # وفي الصحيحين «2» : لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة، أو لا ترجع ~~إليهم أبصارهم # . واتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه. # وروى محمد بن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة ~~إلى السماء، حتى نزل: الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون: 2] ، فكان بصره ~~لا يجاوز موضع سجوده # . فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة، لأن الداعي المأمور بالذل، لا ~~يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه. خلافا للجهمية الذين لا يفرقون بين ~~العرش وقعر البحر، وقد قال تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء [البقرة: ~~144] الآية- ثم بين تأويل (الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه ~~وقبله فكأنما صافح الله تعالى وقبل يمينه) وقال: قد ظنوا أن هذا وأمثاله ~~محتاج إلى التأويل، وهذا وهم، لأنه لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه صريح في أن الحجر ليس هو من صفاته تعالى، وتقييده ~~بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق، فلا تكون اليد حقيقة. وقوله: ~~(فكأنما صافح الله تعالى) إلخ صريح في أن المصافح ليس مصافحا له تعالى، لأن ~~المشبه ليس هو المشبه به. # إلى أن قال: فهذا كله بتقدير كرية العرش، وأما إذا قدر أنه ليس بكري ~~الشكل، بل هو فوق العالم من الجهة ms2159 التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك ~~الكرية، كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام، فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك ~~من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه- فعلى كل تقدير لا يتوجه ~~إلى الله تعالى إلا PageV05P099 # إلى العلو، مع كونه على عرشه مباينا لخلقه. وعلى ما ذكرناه لا يلزم شيء ~~من المحذور والتناقض. وهذا يزيل كل شبهة تنشأ من إعتقاد فاسد، وهو أن يظن ~~أن العرش إذا كان كريا، والله تعالى فوقه كما تقتضيه ذاته، سبحانه عن ~~مشابهة المخلوقين- وجب (فيما عند الزاعم) أن يكون سبحانه كريا، ثم يعتقد ~~أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كري كالفلك التاسع من جميع الجهات، ~~وهذا خطأ، فإن القول بأن العرش كري لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في ~~أشكالها وأقدارها أو في صفاتها، بل قد تبين أن سبحانه أعظم وأكبر من أن ~~تكون المخلوقات عنده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. فإذا كانت الحمصة مثلا في ~~يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور عاقل، إذا استشعر علو الإنسان على ~~ذلك وإحاطته، بأن يكون الإنسان كالفلك؟ فالله تعالى- وله المثل الأعلى- ~~أعظم من أن يظن به ذلك. وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ~~[الزمر: 67] . وإذا لم يكن كريا. # فالأمر ظاهر مما تقدم، وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، ~~والله تعالى أعلم. # وإنما أشبعنا الكلام، في هذا المقام، لأنه من أصول العقائد الدينية، ~~ومهمات المسائل التوحيدية، وقد كثر فيه تعارك الآراء، وتصادم الأهواء، ولم ~~يأت جمهور المتكلمين المؤولين بشيء يعلق بقلب الأذكياء، بل اجتهدوا في ~~إيراد التمحلات التي تأباها فطرة الله أشد الإباء، فبقيت نفوس أنصار السنة ~~المحققين، مائلة إلى مذهب السلف الصالحين، فإن الأئمة منهم، كان عقدهم ما ~~بيناه فلا تكن من الممترين، والحمد لله رب العالمين. # وقوله تعالى: يغشي الليل النهار أي يغطيه به، يعني أنه تعالى يأتي بالليل ~~على النهار، ms2160 فيغطيه ويلبسه، حتى يذهب بنوره، ويصير الجو مظلما، بعد ما كان ~~مضيئا. قال الشهاب: وجوز جعل الليل والنهار مغشى على الاستعارة، بأن يجعل ~~غشيان مكان النهار وإظلامه بمنزلة غشيانه للنهار نفسه، فكأنه لف عليه لف ~~الغشاء، أو شبه تغييب كل منهما، بطريانه عليه، بستر اللباس للابسه- انتهى-. # ولم يذكر العكس للعلم به، أو لأن اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ يغشي الليل ~~النهار بنصب الليل، ورفع النهار يطلبه حثيثا أي يعقبه سريعا، كالطالب له، ~~لا يفصل بينهما شيء. قال الرازي: وإنما وصف سبحانه هذه الحركة بالسرعة، # PageV05P100 # لأن تعاقب الليل والنهار إنما يخصل بحركة الفلك الأعظم، وتلك الحركة أشد ~~الحركات سرعة، وأكملها شدة، حتى إن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا: # الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل، فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك ~~الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل، وإذا كان الأمر كذلك، كانت تلك الحركة في ~~غاية الشدة والسرعة، فلهذا السبب قال تعالى: يطلبه حثيثا والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره أي مذللات لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع ~~بقضائه وتصريفه. # قال الشهاب: وسماه (أمرا) على التشبيه، إذ جعل هذه الأشياء لكونها تابعة ~~لتدبيره وتصريفه كما يشاء كأنهن مأمورات منقادة لأمره. ويصح حمله على ~~ظاهره- انتهى-. # أي وهو الكلام، فيكون تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم، والحركة ~~المستمرة إلى انقضاء الدنيا، وخراب هذا العالم. وقد قرئ والشمس وما بعده ~~بالنصب عطفا على السماوات ونصب مسخرات على الحال. وقرأها ابن عامر كلها ~~بالرفع على الابتداء، والخبر ألا له الخلق والأمر أي هو الذي خلق الأشياء ~~كلها، وهو الذي صرفها على حسن إرادته، وفسر الأمر بالقضاء والحكم. ### | تنبيهان: # الأول: استخرج سفيان بن عيينة، من هذا المعنى، أن كلام الله عز وجل ليس ~~بمخلوق، فقال: إن الله تعالى فرق بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد ~~كفر. # يعني أن من جعل الأمر الذي هو كلامه تعالى من جملة ما خلقه فقد كفر، لأن ~~المخلوق لا يقوم بمخلوق مثله. كذا في (اللباب) . قال في (الإكليل) : استدل ~~به ابن ms2161 عيينة على أن القرآن غير مخلوق، أخرجه ابن أبي حاتم. لأن (الأمر) هو ~~الكلام، وقد عطفه على (الخلق) فاقتضى أن يكون غيره، لأن العطف يقتضي ~~المغايرة، وسبقه إلى هذا الاستنباط محمد بن كعب القرظي. انتهى الثاني: قال ~~في اللباب: في الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله عز وجل، أي للحصر ~~المستفاد من تقديم الظرف. ففيه رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب ~~تأثيرات في هذا العالم. # تبارك الله رب العالمين أي تقدس وتنزه وتعالى وتعاظم. قال في (التاج) : # سئل أبو العباس عن تفسير تبارك الله فقال: ارتفع- انتهى-. # ولما ذكر تعالى الدلائل على كمال القدرة والحكمة، ليفردوه بالألوهية، ~~أمرهم بأن يدعوه وحده متذللين مخلصين فقال سبحانه: # PageV05P101 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 55] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) # ادعوا ربكم تضرعا وخفية نصب على الحال، أي: ذوي تضرع وخفية، والتضرع ~~(تفعل) من (الضراعة) وهو الذل. والخفية (بضم الخاء وكسرها) مصدر خفي كرضي ~~بمعنى اختفى، أي استتر وتوارى. وإنما طلب الدعاء مع تينك الحالتين لأن ~~المقصود من الدعاء أن يشاهد العبد حاجته وعجزه وفقره لربه ذي القدرة ~~الباهرة، والرحمة الواسعة. وإذا حصل له ذلك، فلا بد من صونه عن الرياء، ~~وذلك بالاختفاء، وتوصلا للإخلاص. ### | فوائد: # في هذه الآية مشروعية الدعاء، بشرطيه المذكورين: # قال السيوطي في (الإكليل) : ومن التضرع رفع الأيدي في الدعاء، فيستحب. # وقد أخرج البزار عن أنس: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة ~~يدعو، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الابتهال. ثم خاضت الناقة، ~~ففتح إحدى يدية فأخذها وهو رافع الأخرى- # انتهى-. # وفي الصحيحين «1» عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم ~~لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي تدعون سميع قريب» ... الحديث. # وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل، ~~لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، ms2162 وإن كان الرجل، لقد فقه الفقه الكثير ~~وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل، ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده ~~الزور وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون ~~أن يعملوه في السر، PageV05P102 # فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم ~~صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية. وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: إذ نادى ربه ~~نداء خفيا [مريم: 3] . # وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع ~~والاستكانة. # وقال الناصر في (الانتصاف) : وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه ~~بالتضرع في الآية، فالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع ~~فيه ولا خشوع، لقليل الجدوى. فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه. وترى ~~كثيرا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ والصياح في الدعاء، خصوصا في الجوامع، ~~حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ويهتز الداعي بالناس، ولا يعلم ~~أنه جمع بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء، وفي المسجد، وربما حصلت للعوام ~~حينئذ رقة لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار، وسلوك السنة الثابتة ~~بالآثار. وما هي إلا رقة شبيهة بالرقة العارضة للنساء والأطفال، ليست خارجة ~~عن صميم الفؤاد، لأنها لو كانت من أصل، لكانت عند اتباع السنة في الدعاء. ~~وفي خفض الصوت به، أوفر وأوفى وأزكى. فما أكثر التباس الباطل بالحق، على ~~عقول كثيرة من الخلق. # اللهم! أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا ~~اجتنابه- انتهى-. # وقد روى الحافظ أبو الشيخ في (الثواب) عن أنس مرفوعا: دعوة في السر تعدل ~~سبعين دعوة في العلانية. # وقوله تعالى: إنه لا يحب المعتدين أي: لا يحب دعاء المجاوزين لما أمروا ~~به في كل شيء، ويدخل فيه الاعتداء بترك الأمرين المذكورين، وهما التضرع ~~والإخفاء دخولا أوليا. # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية كراهية الاعتداء في الدعاء. وفسره ~~زيد ابن أسلم بالجهر، وأبو مجلز بسؤال ms2163 منازل الأنبياء، وسعيد بن جبير ~~بالدعاء على المؤمن بالسر. أخرج ذلك ابن أبي حاتم. ولا يخفى أن هذا جميعه ~~مما يشمله الاعتداء. # PageV05P103 # وقد روى الإمام أحمد «1» وأبو داود أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: # اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوا من هذا، وأعوذ بك من ~~النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرا كثيرا، وتعوذت بالله من ~~شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون قوم ~~يعتدون في الدعاء (وفي لفظ: يعتدون في الطهور والدعاء) ، وقرأ هذه الآية: ~~ادعوا ربكم ... # الآية- وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول ~~أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. # وروى الإمام أحمد «2» وأبو داود أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: ~~اللهم! إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني! سل ~~الله الجنة، وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 56] # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها قال أبو مسلم: أي لا تفسدوها بعد إصلاح ~~الله إياها، بأن خلقها على أحسن نظام، وبعث الرسل، وبين الطريق، وأبطل ~~الكفر. # وقال أبو حيان: هذا نهي عن إيقاع الفساد في الأرض، وإدخال ماهيته في ~~الوجود بجميع أنواعه، من إفساد النفوس والأموال والأنساب والعقول والأديان. # ومعنى بعد إصلاحها: بعد أن أصلح الله خلقها على الوجه الملائم لمنافع ~~الخلق، ومصالح المكلفين. انتهى. # وادعوه خوفا وطمعا أي: ذوي خوف من وبيل العقاب، نظرا إلى قصور ~~PageV05P104 # أعمالكم، وطمع فيما عنده من جزيل الثواب، نظرا إلى سعة رحمته، ووفور فضله ~~وإحسانه إن رحمت الله قريب من المحسنين أي: أن رحمته مرصدة للمحسنين الذين ~~يتبعون أوامره، ويتركون زواجره، كما قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء ms2164 ~~فسأكتبها للذين يتقون ... [الأعراف: 156] الآية. ### | لطائف: # الأولى- قال في (اللباب) : إن قلت: قال في أول الآية ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية وقال هنا وادعوه، وهذا هو عطف الشيء على نفسه، فما فائدة ذلك؟ # قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى: ادعوا ربكم أي: ليكن الدعاء ~~مقرونا بالتضرع والإخبات، وقوله وادعوه خوفا وطمعا أن فائدة الدعاء أحد ~~هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية ~~في بيان فائدة الدعاء. وقيل: معناه كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف ~~والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة ~~والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما. # الثانية- في قوله تعالى: إن رحمت الله ... الآية- ترجيح للطمع على الخوف، ~~لأن المؤمن بين الرجاء والخوف، ولكنه إذا رأى سعة رحمته وسبقها، غلب الرجاء ~~عليه. وفيه أيضا تنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة، وهو الإحسان في القول ~~والعمل. قال مطر الوراق: استنجزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته ~~قريب من المحسنين. # الثالثة: تذكير (قريب) ، لأن (الرحمة) بمعنى الرحم، أو لأنه صفة لمحذوف، ~~أي أمر قريب، أو على تشبيه ب (فعيل) ، الذي هو بمعنى (مفعول) أو الذي هو ~~مصدر كالنقيض والصهيل، أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره، فإنه ~~يقال: فلانة قريبة مني لا غير، وفي المكان وغيره يجوز الوجهان. أو لاكتسابه ~~التذكير من المضاف إليه، كما أن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه. وقد ~~أوصلوا توجيه تذكيره إلى خمسة عشر وجها. # ولما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر ~~المسخر، وأرشد إلى دعائه لأنه على ما يشاء قدير- نبه تعالى على أنه الرزاق، ~~وأنه يعيد الموتى يوم القيامة، فقال سبحانه: # PageV05P105 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 57] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أي قدام رحمته التي هي المطر، ms2165 ~~فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه والجنوب تدره، والدبور تفرقه. # وهذا كقوله تعالى: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ~~[الشورى: 28] ، وقوله سبحانه: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [الروم: # 46] . قال الثعالبي: المبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث. ### | ### | تنبيه: # # قال أبو البقاء: يقرأ نشرا بالنون والشين مضمومتين، وهو جمع، وفي واحده ~~وجهان أحدهما (نشور) مثل صبور وصبر. فعلى هذا يجوز أن يكون (فعول) بمعنى ~~(فاعل) ، أي: ينشر الأرض. ويجوز أن يكون بمعنى (مفعول) كركوب بمعنى مركوب، ~~أي: منشورة بعد الطي، أو منشرة أي محياة، من قولك أنشر الله الميت فهو ~~منشر، ويجوز أن يكون جمع ناشر، مثل بازل وبزل. ويقرأ بضم النون وإسكان ~~الشين على تخفيف المضموم. ويقرأ نشرا بفتح النون وإسكان الشين، وهو مصدر ~~نشر بعد الطي، أو من قولك أنشر الله الميت فنشر أي عاش. # ونصبه على الحال، أي ناشرة، أو ذات نشر، كما تقول: جاء ركضا أي راكضا. # ويقرأ: بشرا بالباء وضمتين، وهو جمع بشير، مثل قليب وقلب. ويقرأ كذلك إلا ~~أنه بسكون الشين على التخفيف. ويقرأ بشرى مثل حبلى، أي: ذات بشارة ويقرأ ~~بشر بفتح الباء وسكون الشين، وهو مصدر بشرته- أي بالتخفيف- إذا بشرته- ~~انتهى-. # حتى إذا أقلت أي حملت سحابا ثقالا أي من كثرة ما فيها من الماء سقناه أي ~~السحاب. قال الشهاب: السحاب اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ~~كتمر وتمرة. وهو يذكر ويؤنث ويفرد وصفه، ويجمع. وأهل اللغة تسميه جمعا، ~~فلذا روعي فيه الوجهان، في وصفه وضميره- انتهى-. أي أرسلناه # PageV05P106 # مع أن طبعه الهبوط لبلد ميت أي: لأجله ولمنفعته، أو لإحيائه أو لسقيه. # و (ميت) قرئ مشددا ومخففا فأنزلنا به الماء أي الضمير. والضمير في (به) ~~للبلد فأخرجنا به من كل الثمرات أي المختلفة الأنواع، مع أن ماءها واحد. # والمراد (بكل الثمرات) المعتادة في كل بلد تخرج به على الوجه الذي أجرى ~~الله العادة بها ودبرها. والضمير في (به) للماء أو للبلد. كذلك أي مثل ذلك ~~الإخراج نخرج الموتى أي نحييها ms2166 بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله ~~سبحانه وتعالى ماء من السماء، فتمطر الأرض أربعين يوما، فتنبت منه الأجساد ~~في قبورها، كما ينبت الحب في الأرض لعلكم تذكرون أي إنما وصفنا ما وصفنا من ~~هذا التمثيل لكي تتذكروا، من أحوال الثمرات التي أعيدت إلى حالها بعد ~~تلفها، أحوال الآخرة، فتعلموا أن من قدر على ذلك، قدر على هذا بلا ريب. ### | ### | تنبيه: # # من أحكام الآية كما قال الجشمي: أنها تدل على عظم نعمه تعالى علينا ~~بالمطر، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات، وتدل على ~~أنه أراد من الجميع التذكر. وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات ~~بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء. فأجرى العادة على وجوه دبرها ~~عليها على ما نشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا. # ومنها إذا رأى الأرض الطيبة تزرع دون الأرض السبخة، وأنها قطع متجاورات، ~~علم فساد التقليد، وأنه يجب أن يتفحص عن الحق حتى يعتقده. ومنها أنه إذا ~~زرع وعلم وجوب حفظه من المبطلات، علم وجوب حفظ الأعمال الصالحة من ~~المحيطات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 58] # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) # والبلد الطيب أي: الأرض الكريمة التربة يخرج نباته بإذن ربه أي يخرج ~~نباته وافيا حسنا غزير النفع بمشيئته وتيسيره والذي خبث أي كالحرة، وهي ~~الأرض ذات الحجارة السود. وكالسبخة (بكسر الباء) وهي الأرض ذات الملح لا ~~يخرج أي: نباته إلا نكدا أي: قليلا، عديم النفع. يقال: عطاء نكد، أي قليل # PageV05P107 # لا خير فيه، وكذا رجل نكد. قال: # فأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير في المنكود والناكد # وقال: # لا تنجز الوعد إن وعدت. وإن ... أعطيت، أعطيت تافها نكدا ### | تنبيه: # قال ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. # وقال قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله، وانتفع به. كالأرض الطيبة ~~أصابها الغيث، فأنبتت، والكافر بخلاف ذلك. وهذا كما # في الصحيحين «1» عن أبي موسى ms2167 قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكانت ~~منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت ~~الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى ~~إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ~~ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل ~~هدى الله الذي أرسلت به» . ### | لطيفة: # قال أبو البقاء: يقرأ يخرج نباته بفتح الياء وضم الراء ورفع النبات. ~~ويقرأ كذلك إلا أنه بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. ويقرأ بضم الياء وكسر ~~الراء ونصب النبات أي: فيخرج الله أو الماء. ثم قال: ويقرأ نكدا بفتح النون ~~وكسر الكاف، وهو حال، ويقرأ بفتحهما على أنه مصدر أي: ذا نكد. ويقرأ بفتح ~~النون وسكون الكاف وهو مصدر أيضا، وهو لغة ويقرأ يخرج بضم الياء وكسر ~~الراء، ونكدا مفعوله. # كذلك نصرف الآيات أي: نبين وجوه الحجج ونرددها ونكررها لقوم يشكرون يعني ~~كما ضربنا هذا المثل، كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان آية ~~بعد آية، وحجة بعد حجة، لقوم يشكرون الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية، ~~وأن جنبهم سبيل الضلالة. وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذينا انتفعوا ~~بسماع القرآن. PageV05P108 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 59] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه اعلم أن الله تعالى، لما ذكر في أول السورة قصة ~~آدم، وما اتصل بها من آثار قدرته، وغرائب صنعته الدالة على توحيده ~~وربوبيته، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت- أتبع ذلك بقصص ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم مع أممهم. قال الرازي: وفيه ~~فوائد: # أحدها: التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات، ليس من ~~خواص ms2168 قوم النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في ~~جميع الأمم السالفة، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذكر قصصهم، وحكاية إصرارهم ~~وعنادهم، يفيد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتخفيف ذلك على قلبه. # ثانيها: أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان ~~إلى اللعن في الدنيا، والخسارة في الآخرة، وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة ~~في الدنيا، والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين، ويكسر قلوب ~~المبطلين. # وثالثها: التنبيه على أنه تعالى، وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين، ولكنه لا ~~يهملهم، بل ينتقم منها على أكمل الوجوه ورابعها: بيان هذه القصص دالة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان أميا، وما طالع كتابا، ولا تلمذ ~~أستاذا. فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على ~~أنه إنما عرفها بالوحي من الله تعالى. # ونوح عليه السلام هو آبن لامك بن متوشالح بن أخنوخ بن يارد بن مهلئيل بن ~~قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام. هكذا نسبه ابن إسحاق وغير واحد ~~من الأئمة، وأصله من التوراة. # ومعنى (أرسلنا) بعثنا، وهو أول نبي بعثه الله بعد إدريس. كذا في (اللباب) ~~. # وإدريس هو أخنوخ- فيما يزعمون، قاله ابن كثير-: قال محمد بن إسحاق: ولم ~~يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح، إلا نبي قتل. وقال يزيد الرقاشي: إنما ~~سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه- انتهى. وفيه نظر. لأنه إنما يصح ما ذكره، ~~لو كان (نوح) لقبا مع وجود اسم له غيره، واللفظ عربيا، لمناسبة الاشتقاق. ~~أما وهو اسمه # PageV05P109 # الوضعي، واللفظ غير عربي، فلا. وفي كتاب (تأويل الأسماء الواقعة في الكتب ~~السالفة) أن نوحا معناه راحة أو سلوان، فتثبت. # وكان، قبل بعثة نوح عليه السلام، قوم عرفوا الله وعبدوه خصوصا في عائلة ~~شيث عليه السلام، ثم فسد نسل شيث أيضا، واختلطوا مع الأشرار، وامتلأت الأرض ~~من جرائمهم، وزاغوا عن الصراط المستقيم، وصاروا يعبدون الأوثان والأصنام، ~~فأرسل الله تعالى إليهم ms2169 نوحا عليه السلام، ليدلهم على طريق الرشاد. # قال ابن كثير: قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: كان أول ~~ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور ~~أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم. فلما طال الزمان جعلوا ~~أجسادا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء ~~أولئك الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. فلما تفاقم الأمر بعث الله ~~سبحانه- وله الحمد والمنة- رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ~~فقال يا قوم أي: الذين حقهم أن يشاركوني في كمالاتي اعبدوا الله ما لكم من ~~إله أي: # مستحق للعبادة في الوجود غيره قرئ بالحركات الثلاث، فالرفع صفة لإله، ~~باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية، وبالجر على اللفظ، ~~وبالنصب على الاستثناء، وحكم (غير) حكم الاسم الواقع بعد (إلا) ، أي: ما ~~لكم من إله إلا إياه إني أخاف عليكم أي: إن تركتم عبادته أو عبدتم غيره ~~عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به، أو يوم نزول ~~العذاب عليهم، وهو الطوفان. ووصف اليوم ب (العظم) لبيان عظم ما يقع فيه، ~~وتكميل الإنذار. # قال الزمخشري: فإن قلت: فما موقع الجملتين بعد قوله اعبدوا الله قلت: # الأولى- بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، والثانية- بيان للداعي إلى عبادته، ~~لأنه هو المحذور عقابه، دون ما كانوا يعبدونه من دون الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 60] # قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) # قال الملأ من قومه أي: الأشراف، أو الجماعة، أو ذوو الشارة والتجمع إنا ~~لنراك أي: بأمرك بعبادة الله، وترك عبادة غيره وتخويف العذاب على ترك عبادة ~~الله، وعلى عبادة غيره في ضلال مبين أي: في ذهاب عن طريق الحق والصواب، # PageV05P110 # لكونه خلاف ما وجدنا عليه آباءنا. قال ابن كثير: وهكذا حال الفجار، إنما ~~يرون لأبرار في ضلالة، كقوله وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون [المطففين: ~~32] . # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ms2170 ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم [الأحقاف: 11] إلى غير ذلك من الآيات. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 61] # قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) # قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 62] # أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # أبلغكم رسالات ربي أي: ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني ~~المختلفة، من الأوامر والنواهي، والمواعظ والزواجر، والبشائر والنذائر. # ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده، إدريس، فهذا ~~نكتة جمع (الرسالات) ، وإلا فرسالة كل نبي واحدة، وهي مصدر، والأصل فيه أن ~~لا يجمع، فجمع لما ذكر وأنصح لكم وأقصد صلاحكم بإخلاص وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون أي: من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، أشياء لا ~~علم لكم بها، أو أعلم من قدرته الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا ~~يرد عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه. قال ابن كثير: وهذا شأن الرسول أن ~~يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه ~~الصفات، كما جاء # في صحيح مسلم «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، ~~وهم أوفر ما كانوا وأكثر PageV05P111 # جميعا: أيها الناس! إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك ~~قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء، وينكسها عليهم ويقول: # اللهم اشهد، اللهم اشهد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 63] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) # أوعجبتم أن جاءكم ذكر أي: موعظة من ربكم على رجل منكم لينذركم أي: من ~~العذاب إن لم تؤمنوا ولتتقوا أي: وليوجد منكم التقوى، وهي الخشية بسبب ~~الإنذار ولعلكم ترحمون أي: ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية ms2171 64] # فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين (64) # فكذبوه أي أصروا على تكذيبه مع طول مدة إقامته فيهم ولم يؤمن معه منهم ~~إلا قليل فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين أي عن الحق، فلم يستبصروا الحق ولم يستنيروا بنور الوحي ~~الذي هو كالشمس، ولا بظهور الآيات، ولا بآية الطوفان المغرق لهم، بعد ~~إنذاره به، على تكذيبهم والعمى ذهاب بصر العينين، وبصر القلب. يقال: عمي ~~فهو أعمى وعم. # كما في القاموس. # وكان من أمر نوح عليه السلام، أن قومه، لما أعرضوا عن الإيمان، وتمادوا ~~على العصيان، وعبدة الأوثان، وطال عليه أمرهم، شكاهم إلى الله تعالى، فأوحى ~~الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [هود: 36] ، وهم ناس قليل، ~~فحينئذ دعا عليهم فقال: وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~[نوح: 26] . # فأوحى الله إليه أن يصنع السفينة، وصار قومه يسخرون منه، ويقولون: يا ~~نوح! قد صرت نجارا بعد النبوة! فقال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم [هود: 38- 39] ~~. # فلما فرغ من صنع السفينة، أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين ~~اثنين من أنواع الحيوانات، حتى لا ينقطع نسلها. وحشرها إليه من كل جهة. ~~ولما رأى فوران # PageV05P112 # التنور، وكان هو العلامة بينه وبين الله تعالى في ابتداء الطوفان، ركب ~~الفلك هو ومن آمن معه، وحمل من كل زوجين اثنين. وأمر الله تعالى السماء أن ~~تمطر. والأرض أن تتفجر عيونا، وارتفع الماء في هذا الطوفان فوق رؤوس ~~الجبال، فهلك جميع ما على الأرض من جنس الحيوان، ولم يبق حيا غير أهل ~~السفينة. # وفي التوراة: أن الأمطار هطلت أربعين يوما وليلة دون انقطاع، حتى غمرت ~~المياه وجه الأرض، وعلت خمسة عشر ذراعا فوق الجبال الشامخة، وهلك بالطوفان ~~كل جسم حي. ثم أرسل الله ريحا عاصفة، فانقطعت الأمطار ونقصت المياه شيئا ~~فشيئا، وقضى نوح ms2172 سنة كاملة داخل الفلك. وحين خروجه منه بنى مذبحا للقرابين، ~~شكرا لله تعالى، وتناسلت الناس من أولاد نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. ~~وتوطن سام بلاد آسية، وأقام حام بنواحي إفريقية، وسكن يافث الديار ~~الأوروبية- والله أعلم ### | تنبيه: # قال الجشمي: في الآيات فوائد. منها: أن نوحا دعاهم أولا إلى التوحيد. # والرسول وإن حمل الشرائع، فلا طريق له إلى بيان الشرائع إلا بعد العلم ~~بالتوحيد. # ولأنهم لا ينتفعون بذلك إلا بعد اعتقاد التوحيد، فلذلك بدأ به. وجميع ~~الرسل بدءوا بالتوحيد ثم بالشرائع. ولذلك كان أكثر حجاج نبينا عليه السلام، ~~بمكة، في التوحيد- انتهى-. # وقال ابن كثير: بين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، ~~وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم الكافرين، كقوله: إنا لننصر رسلنا ~~[غافر: 51] . الآية- وهذه سنة الله في عباده، في الدنيا والآخرة، أن ~~العاقبة للمتقين، والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق، ونجى نوحا ~~وأصحابه المؤمنين. قال مالك عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل ~~والجبل. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى ~~بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز. # قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 65] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) # وإلى عاد متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى أرسلنا في قصة # PageV05P113 # نوح. أي وأرسلنا إلى عاد، وهي قبيلة كانت تعبد الأصنام، وكانت ذات بسطة ~~وقوة، قهروا الناس بفضل القوة. # قال الشهاب: (عاد) اسم أبيهم سميت به القبيلة أو الحي فيجوز صرفه وعدمه، ~~كثمود- كما ذكره سيبويه-. # قال الليث: وعاد الأولى، وهم عاد بن عاديا بن سام بن نوح الذين أهلكهم ~~الله. # قال زهير: # وأهلك لقمان بن عاد وعاديا # وأما عاد الأخيرة، فهو بنو تميم، ينزلون رمال عالج. # وفي كتاب الأنساب: عاد هو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، كان يعبد القمر، ~~ويقال إنه رأى من صلبه وأولاد أولاده ms2173 أربعة آلاف، وأنه نكح ألف جارية، ~~وكانت بلادهم إرم المذكورة في القرآن، وهي من عمان إلى حضرموت. ومن أولاده ~~شداد بن عاد صاحب المدينة المذكورة- كذا في تاج العروس-. # وقال ابن عرفة: قوم عاد كانت منازلهم في الرمال وهي الأحقاف. # وقال ابن إسحاق: الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت. # وقوله تعالى: أخاهم هودا أي أخاهم في النسب، لأنه منهم، في قول النسابين. ~~وقيل: الناس كلهم إخوة في النسب، لأنهم ولد آدم وحواء. فالمراد صاحبهم، ~~وواحد في جملتهم، كما يقال: يا أخا العرب، للواحد منهم. وإنما أرسل منهم، ~~لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله، ~~وأرغب في اقتفائه. # قال الشهاب: اشتهر أن هودا عربي، وظاهر كلام سيبويه أنه أعجمي، ويشهد له ~~ما قيل: إن أول العرب يعرف- انتهى-. # وهود هو- على ما قال ابن إسحاق- ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. # ويقال غير ذلك- والله أعلم-. # وروى ابن إسحاق بن عامر بن واثلة، قال: سمعت عليا يقول لرجل من حضرموت: ~~هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء، ذا أراك وسدر كثير، بناحية # PageV05P114 # كذا وكذا، من أرض حضرموت، هل رأيته. قال: نعم، يا أمير المؤمنين! والله ~~إنك لتنعته نعت رجل قد رآه! قال: لا، ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي. وما ~~شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود عليه السلام- ورواه ابن جرير- # . قال ابن كثير: # وهذا فيه فائدة أن مساكنهم كانت باليمن، فإن هودا عليه السلام دفن هناك. ~~وقال: # إنهم كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى: ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد [الفجر: 6- 8] . وذلك ~~لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، ~~وكانوا بآياتنا يجحدون [فصلت: 15] . ولذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة ~~الله وحده، لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه، كما قال تعالى قال أي: ms2174 هود يا ~~قوم أي: الذين حقهم أن يكونوا مثلي اعبدوا الله أي: وحده ما لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون أي: تخافون عذابه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 66] # قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين (66) # قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة أي: في خفة حلم، ~~وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر، وجعلت السفاهة ظرفا على طريق ~~المجاز، أرادوا أنه متمكن فيها، غير منفك عنها وإنا لنظنك من الكاذبين أي: ~~في ادعائك الرسالة، إذا استبعدوا أن يرسل الله أحدا من أهل الأرض إليهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 67] # قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) # قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أي: إليكم، لإصلاح ~~أمر نشأتيكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 68] # أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) # أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أي: ناصح لكم فيما آمركم به من # PageV05P115 # عبادته تعالى وحده، وأمين على تبليغ الرسالة، لا أكذب فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 69] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ~~(69) # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم أي: أيام الله ~~ولقاءه، أي: لا تعجبوا واحمدوا الله على ذلكم، واذكروا إذ جعلكم خلفاء من ~~بعد قوم نوح أي خلفتموهم في مساكنهم، أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا بعدهم، ~~فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شحر عمان- كذا ~~قالوا- وزادكم في الخلق بصطة أي قامة وقوة فاذكروا آلاء الله أي: في ~~استخلافكم، وبسطة أجرامكم، وما سواهما من عطاياه، لتخصصوه بالعبادة لعلكم ~~تفلحون أي تفوزون بالفلاح. ### | تنبيهان: # الأول قال الزمخشري: في إجابة الأنبياء عليهم السلام، من ms2175 نسبهم إلى ~~الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، ~~وتارك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم- أدب ~~حسن، وخلق عظيم. وحكاية الله عز وجل ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون ~~السفهاء، وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم، على ما يكون منهم- انتهى-. # وزاد القاضي: إن في ذلك كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة ~~قال: وهكذا ينبغي لكل ناصح- انتهى-. # الثاني- لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، بدون ~~وضعها على محك النظر والنقد، من المبالغة في طول قوم عاد، وضخامة أجسامهم، ~~وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، فإن ذلك لم يقم عليه ~~دليل عقلي ولا نقلي، وهو وهم. وأما قوله جل شأنه مخاطبا لقوم عاد وزادكم في ~~الخلق بصطة فإنه لا يدل على ما أرادوا، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم ~~وشدتها. وهذا من الأمور المعتادة. فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم ~~وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتا قريبا. ومما يدل على أن أجسام من سلف # PageV05P116 # كأجسامنا، لا تتفاوت عنها تفاوتا كبيرا، مساكن ثمود قوم صالح الباقية، ~~وآثارهم البادية. ومثله، بل أعرق منه في الوهم، ما ينقلونه في وصف عوج بن ~~عنق الجبار ملك بيسان، من أنه كان يحتجز بالسحاب ويشرب منه من طوله، ~~ويتناول الحوت من قرار البحر، فيشويه بعين الشمس، يرفعه إليها. والحال أن ~~الشمس كوكب لا مزاج له من حر أو برد، وإنما حرارتها من انعكاس شعاعها، ~~بمقابلة سطح الأرض والهواء، فشدة حرارتها في الأرض، وتتناقص الحرارة فيما ~~علا عنها بمقدار الارتفاع. # وقد أنكر العلامة ابن خلدون جميع ذلك في (مقدمة تاريخه) ، وأبان أن الذي ~~أدخل الوهم على الناس في طول الأقدمين هو ما يشاهدونه من بعض آثارهم ~~الجسمية، ومصانعهم العظيمة، كأهرام مصر وإيوان كسرى، فيتخيلون لأصحابها ~~أجساما تناسب ذلك. والحال أن عظم هذه المصانع والآثار في أمة من الأمم ناشئ ~~عن عظم ذواتها، وإساع ممالكها، وقوة شوكتها، ونماء ثروتها، واستعانتها ~~بالماهرين في فن جر الأثقال، ms2176 فإنه يقوم بحمل ما تعجز القوى البشرية عن عشر ~~معشاره. وأنكر أيضا ما ينقلون من قصة جنة عاد، وأنها مدينة عظيمة قصورها من ~~الذهب، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الشجر والأنهار ~~المطردة، وأنها بنيت في مدة ثلاثمائة سنة في صحارى عدن. بناها شداد بن عاد ~~حيث سمع وصف الجنة. وأنها لما تم بناؤها، أرسل الله على أهلها صيحة، فهلكوا ~~كلهم، وأن اسمها (إرم ذات العماد) وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد [الفجر: 6- ~~8] ويزعمون أنه لم تزل باقية في بلاد اليمن، وإنما حجبت عن الأبصار. وحيث ~~إن ذلك لم يرو عن الصادق الأمين فلا نعول عليه، ولا نلتفت إليه. وأغلب ~~المولعين بنقل مثل هذه الغرائب المصنعة، هم المؤرخون الذين يعتمدون على ~~أخبار بني إسرائيل، ويقلدونهم من غير برهان ودليل، والله الهادي إلى سواء ~~السبيل- كذا أفاده بعض المحققين-. # ثم أخبر تعالى عن تمرد عاد وطغيانهم وإنكارهم على هود عليه السلام، بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 70] # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (70) # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده أي لنخصه بالعبادة ونذر ما كان يعبد آباؤنا # PageV05P117 # فأتنا بما تعدنا # أي من العذاب المدلول عليه بقوله تعالى: (أفلا تتقون) إن كنت من الصادقين ~~أي في الإخبار بنزول العذاب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 71] # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس أي عذاب. والرجس والرجز بمعنى، حتى قيل إن ~~أحدهما مبدل من الآخر، كالأسد والأزد. وأصل معناه الاضطراب. يقال: # رجست السماء: رعدت شديدا وتمخضت، وهم في مرجوسة من أمرهم، أي في اختلاط ~~والتباس، ثم شاع في العذاب لاضطراب من حل به. وادعى بعضهم أن الرجس ms2177 بمعنى ~~العذاب مجاز، قال: لأنه حقيقة في الشيء القذر، فاستعير لجزائهم. # وظاهر اللغة أنه حقيقة. ووجه التعبير بالمضي عما سيقع، تنزيل المتوقع ~~كالواقع كما في أتى أمر الله [النحل: 1] وغضب أي سخط لإشراككم معه من هو في ~~غاية النقص، في أعلى كمالاته التي هي الإلهية أتجادلونني في أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم أي في أشياء ما هي إلا أسماء وليس تحتها مسميات، لأنكم ~~تسمونها آلهة، ومعنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده. وهذا كقوله تعالى: ما ~~يدعون من دونه من شيء [العنكبوت: 42] كذا في الكشاف-. # قال الشهاب: جعل الأسماء عبارة عن الأصنام الباطلة، كما يقال لما لا ~~يليق: # ما هو إلا مجرد اسم. فالمعنى: أتجادلونني في مسميات لها أسماء لا تليق ~~بها، فتوجه الذم للتسمية، الخالية عن المعنى. والضمير حينئذ راجع ل (أسماء) ~~وهي المفعول الأول للتسمية، والثاني آلهة، ولو عكس لزم الاستخدام- انتهى-. # وقوله تعالى: ما نزل الله بها من سلطان أي حجة ودليل على هذه التسمية، ~~لأن المستحق للمعبودية بالذات ليس إلا من أوجد الكل، وإنها لو استحقت لكان ~~ذلك بجعله تعالى، إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل، فتحقق بطلان ~~ما هم عليه. # قال الجشمي: دلت الآية على فساد التقليد، حين ذمهم بسلوك طريقة آبائهم. # وتدل على أن المعارف مكتسبة، وتدل على بطلان كل مذهب لا دليل عليه. ويدل # PageV05P118 # قوله أتجادلونني على أن المبطل مذموم في جداله، والواجب عليه النظر ليعرف ~~الحق. انتهى. # وقال القاضي: بين تعالى أن منتهى حجتهم وسندهم، أن الأصنام تسمى آلهة من ~~غير دليل يدل على تحقيق المسمى، وإسناد الإطلاق إلى من لا يؤبه بقوله، ~~إظهارا لغاية جهالتهم، وفرط غباوتهم. # فانتظروا أي: نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم فأتنا بما تعدنا، لأنه وضح ~~الحق، وأنتم مصرون على العناد إني معكم من المنتظرين أي: لما يحل بكم. # قال المهايمي: جاء منتظرهم بحيث لا ينجو منه، بمجرى العادة، أحد، وجعل من ~~قبيل الريح التي تتقدم الأمطار، لكفرهم برياح الإرسال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 72] ms2178 # فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما ~~كانوا مؤمنين (72) # فأنجيناه والذين معه أي: من آمن به، على خرق العادة برحمة منا ليدل على ~~رحمتنا عليهم في الآخرة وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا أي استأصلناهم. # قال الشهاب: قطع الدابر، كناية عن الاستئصال إلى إهلاك الجميع، لأن ~~المعتاد في الآفة إذا أصابت الآخر أن تمر على غيره، والشيء إذا امتد أصله ~~أخذ برمته. والدابر بمعنى الآخر وما كانوا مؤمنين عطف على كذبوا داخل معه ~~في حكم الصلة. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله: وما كانوا ~~مؤمنين مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت: هو تعريض بمن آمن منهم، كمرثد ~~ابن سعد، ومن نجا مع هود عليه السلام، كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أن الهلاك خص المكذبين، ونجى الله ~~المؤمنين. انتهى-. # قال الطيبي: يعني إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين، وعلم أن سبب ~~النجاة هو الإيمان لا غير، تزيد رغبته فيه، ويعظم قدره عنده- انتهى-. # قال ابن كثير: قد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن، # PageV05P119 # بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~[الذاريات: 42] . كما قال في الآية الأخرى: وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية [الحاقة: 6- 8] لما تمردوا وعتوا، ~~أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم، فترفعه في الهواء ثم تنكسه ~~على أم رأسه، فتثلع رأسه حتى تبينه من جثته. # وقال محمد بن إسحاق: كانت منازل عاد وجماعتهم، حين بعث الله فيهم هودا، ~~الأحقاف قال: و (الأحقاف) الرمل، فيما بين عمان إلى حضرموت، فاليمن كله. # وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها. وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي ~~آتاهم الله. وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله: صنم يقال له (صداء) ~~وصنم يقال له (صمود) ms2179 وصنم يقال له (الهباء) : فبعث الله إليهم هودا، وهو من ~~أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها ~~غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس. لم يأمرهم فيما يذكر، والله أعلم، بغير ذلك. ~~فأبوا عليه وكذبوه. وقالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 15] . # واتبعه منهم ناس، وهم يسير مكتتمون بإيمانهم. وكان ممن آمن به وصدقه رجل ~~من عاد يقال له (مرثد بن سعد بن عفير) وكان يكتم إيمانه. فلما عتوا على ~~الله تبارك وتعالى وكذبوا نبيهم، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا ~~بكل ريع ريع آية عبثا بغير نفع، كلمهم هود فقال: أتبنون بكل ريع آية تعبثون ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون ~~[الشعراء: ### | 128- 131 # ] . # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 53- 55] أي: ما هذا الذي ~~جئتنا به إلا جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب. قال إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إلى قوله ~~صراط مستقيم [هود: 56] . # فلما فعلوا ذلك، أمسك الله عنهم المطر من السماء ثلاث سنين، فيما يزعمون- ~~حتى جهدهم ذلك. # PageV05P120 # وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد، فطلبوا إلى الله ~~الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة، مسلمهم ومشركهم، ~~فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة، يعرف حرمتها ~~ومكانها من الله. # قال ابن إسحاق: وكان البيت في ذلك الزمان معروفا مكانه، والحرم قائم فيما ~~يذكرون، وأهل مكة يومئذ العماليق- وإنما سموا (العماليق) لأن أباهم (عمليق ~~بن لاوذ بن سام بن نوح) - وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة، فيما يزعمون، ~~رجلا يقال له معاوية بن بكر، وكان أبوه حيا في ذلك الزمان، ولكنه كان قد ~~كبر، وكان ابنه يرأس قومه، وكان السؤدد والشرف من العماليق، فيما يزعمون، ~~في أهل ذلك البيت. # وكانت أم معاوية بن ms2180 بكر، كلهدة ابنة الخبيري، رجل من عاد. فلما قحط المطر ~~عن عاد وجهدوا قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة فليستسقوا لكم، فإنكم قد ~~هلكتم! فبعثوا عقيل بن عنز ولقيم بن هزال بن هزيل، وعتيل بن صد بن عاد ~~الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلما يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخبيري، ~~خال معاوية بن بكر أخو أمه. # ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الأكبر. فانطلق كل ~~رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا. فلما ~~قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم ~~وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره. # فلم نزل وفد عاد على معاوية بن بكر، أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، ~~وتغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا. # فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتعوذون بهم من ~~البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه، فقال: هلك أخوالي وأصهاري! وهؤلاء مقيمون ~~عندي، وهم ضيفي نازلون علي! والله ما أدري كيف أصنع بهم؟ أستحي أن آمرهم ~~بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من ~~وراءهم من قومهم جهدا وعطشا! أو كما قال: # فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به، لا ~~يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم!. # PageV05P121 # فقال معاوية بن بكر، حين أشارتا عليه بذلك: # ألا يا قيل، ويحك! قم فهينم ... لعل الله يصبحنا غماما # فيسقي أرض عاد، إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد، فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلام # وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عيامى # وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما # وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما # فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا ~~به، قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنما ms2181 بعثكم قومكم يتعوذون بكم من هذا البلاء ~~الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم! فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم!. # فقال لهم مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن ~~أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم! فأظهر إسلامه عند ذلك. فقال لهم جلهمة بن ~~الخبيري خال معاوية بن بكر، حين سمع قوله، وعرف أنه قد اتبع دين هود وآمن ~~به: # أبا سعد فإنك من قبيل ... ذوي كرم وأمك من ثمود # فإنا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد # أتأمرنا لنترك دين رفد ... ورمل وآل صد والعبود # ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي، ونتبع دين هود # ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد. فلا يقدمن ~~معنا مكة. فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا! ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها ~~لعاد. فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر حتى أدركهم ~~بها، قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له. # فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله بمكة، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون، ~~يقول: # اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد. # وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد. # وقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله. # وكان قد تخلف عن وفد عاد حين دعا، لقمان بن عاد، وكان سيد عاد. # PageV05P122 # حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي، فأعطني ~~سؤلي. # وقال قيل بن عنز حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقا فاسقنا، فإنا قد ~~هلكنا. # فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء. ثم ناداه مناد من ~~السحاب: يا قيل! اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب. فقال: اخترت السحابة ~~السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء. فناده مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقي ~~من آل عاد، أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا إلا بني اللوذية ~~المهدى- وبنو اللوذية، بنو لقيم بن هزال بن ms2182 هزيلة بن بكر، وكانوا سكانا ~~بمكة مع أخوالهم، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان نسلهم ~~الذين بقوا من عاد- وساق الله السحابة السوداء، فيما يذكرون، التي اختارها ~~قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد يقال له ~~(المغيث) . # فلما رأوها استبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا يقول الله بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف: 24- 25] ~~أي كل شيء أمرت به. # وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح، فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال ~~لها (مهدد) فما تيقنت ما فيها صاحت ثم صعقت. فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت ~~يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها! ف سخرها ~~الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما [الحاقة: 7] ، كما قال الله- ~~والحسوم الدائمة- فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك. فاعتزل هود، فيما ذكر لي، ~~ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه من الريح، إلا ما تلين ~~عليه الجلود وتلذ الأنفس. # وإنها لتمر على عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وخرج ~~وقد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وأبيه، فنزلوا عليه. # فبينما هم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة، ممسى ثالثة في ~~مصاب عاد. فأخبرهم الخبر، فقالوا له: أين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم ~~بساحل البحر # PageV05P123 # فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق، ورب الكعبة. # قال ابن كثير: وهو سياق غريب، فيه فوائد كثيرة. وقد قال الله تعالى: ولما ~~جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ~~[هود: 58] . # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي وائل عن الحارث البكري قال خرجت أشكو العلاء ~~بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا بعجوز ~~من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله! إن لي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاجة، فهل ms2183 أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة. ~~فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين ~~يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما شأن الناس؟ # قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. فجلست، فدخل منزله- أو قال ~~رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم ~~شيء؟ قلت: نعم. قال وكانت لنا الدبرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع ~~بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها، فدخلت. فقلت: يا ~~رسول الله! إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا، فاجعل الدهنا. فحميت ~~العجوز واستوفزت، وقالت: يا رسول الله! فإلى أين تضطر مضرك؟ قال قلت: إن ~~مثلي مثل ما قال الأول: (معزاء حملت حتفها) حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي ~~خصما. أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال هيه، وما وافد عاد؟ وهو ~~أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم يقال ~~له قيل، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان ~~يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج جبل تهامة فنادى: اللهم! إنك ~~تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم! اسق عادا ~~ما كنت تسقيه! فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها ~~سوداء، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا. قال: فما بلغني ~~أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا. قال أبو ~~وائل: وصدق. قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا تكن ~~كوافد عاد- هكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي والنسائي وابن ~~ماجة وابن جرير-. PageV05P124 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 73] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ms2184 ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) # وإلى ثمود أي: وأرسلنا إلى ثمود. وهي قبيلة أخرى من العرب سموا باسم جدهم ~~ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر. وكذلك قبيلة ~~طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة، قبل إبراهيم الخليل عليه ~~السلام. وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى ~~وادي القرى وما حوله. وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ~~ذاهب إلى تبوك سنة تسع- نقله ابن كثير-. # وثمود كصبور، وتضم ثاؤه، وقرئ به أيضا، وقرئ بصرفه ومنعه. أما الثاني ~~فلأنه اسم القبيلة، ففيه العلمية والتأنيث. وأما الأول فلأنه اسم للحي، أو ~~لأنه لما كان اسمها الجد، أو القليل من الماء كان مصروفا، لأنه علم مذكر، ~~أو اسم جنس، فبعد النقل حكي أصله. كذا في (العناية) . # أخاهم صالحا هو- على ما قاله علماء التفسير والنسب-: ابن عبيد بن آسف بن ~~ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~دعاهم عليه الصلاة والسلام بما يدعو به الرسل أجمعون، وهو عبادة الله وحده ~~لا شريك له. كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] . وقال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] ، قد جاءتكم بينة من ربكم أي ~~حجة ظاهرة للدلالة على صحة نبوتي هذه ناقة الله لكم آية أي خلقها حجة ~~وعلامة على رسالتي. وأضافها إليه تفضيلا وتخصيصا. ك (بيت الله) ، أو لأنه ~~لا مالك لها غيره تعالى، أو لأنها حجته عليهم في أنهم، إن حفظوها وأطلقوا ~~لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: فذروها تأكل في ~~أرض الله أي التي لا يملكها غيره، العشب ولا تمسوها بسوء أي لا تضربوها ولا ~~تطردوها ولا تريبوها بشيء من الأذى، ولو تأذت منها دوابكم، إكراما لآية ~~الله فيأخذكم عذاب # PageV05P125 # أليم # أي: في ms2185 الدارين لجرأتكم على آيات الله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 74] # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد قال الشهاب: لم يقل: خلفاء عاد، إشارة ~~إلى أن بينهما زمانا طويلا وبوأكم في الأرض أي: أنزلكم في أرض الحجر. # والمباءة المنزل. تتخذون من سهولها قصورا أي: تبنون في سهولها قصورا ~~لتسكنوها أيام الصيف. ف (من) بمعنى (في) ، كقوله تعالى: نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة [الجمعة: 9] . أو هي ابتدائية، أو تبعيضية، أي: تعملون القصور من ~~مادة مأخوذة من السهل وهي الطين. والسهل خلاف الحزن، وهو موضع الحجارة ~~والجبال وتنحتون الجبال بيوتا أي: لتسكنوها أيام الشتاء. والجبال إما مفعول ~~ثان بتضمين (نحت) معنى (اتخذ) ، أو منصوب بنزع الخافض، على ما جاء في الآية ~~الأخرى: والنحت معروف في كل صلب. ومضارعه مكسور الحاء. وقرأ الحسن بالفتح ~~لحرف الحلق: وقرئ تنحاتون بالإشباع، ك (ينباع) ، أفاده الشهاب. ### | بحث الإشباع في وسط الكلمة: # أقول: بهذه القراءة يستدل على ثبوت الإشباع في وسط الكلمة لغة. ومثله ~~(ينباع) المذكورة، وهي من قول عنترة: # ينباع من ذفرى غضوب جسرة # أي ينبع العرق من خلف أذن ناقة غضوب، فأشبع الفتحة لإقامة الوزن، فتولدت ~~من إشباعها ألف. ومثله قولنا (آمين) ، والأصل (أمين) فأشبعت الفتحة، فتولدت ~~من إشباعها ألف- قاله الزوزني-. # ومثله (استكان) على القول بأنه افتعل من (السكون) فزيدت الألف لإشباع ~~الفتحة كما في (شرح الشافية) . # ومنه (عقراب) - قال في (تاج العروس) : سمع العقراب في اسم الجنس. # قال: # PageV05P126 # أعوذ بالله من العقراب ... الشائلات عقد الأذناب # قال: وعند أهل الصرف ألف (عقراب) للإشباع، لفقدان (فعلال) بالفتح- ~~انتهى-. # وقوله تعالى: فاذكروا آلاء الله أي نعمه عليكم لتصرفوها إلى ما خلقها ~~لأجله ولا تعثوا في الأرض مفسدين بالمعاصي وعبادة غيره تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 75] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن ms2186 آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) # قال الملأ الذين استكبروا أي عن الإيمان بعد ظهور آية الناقة والكلمات ~~الناصحة من قومه للذين استضعفوا أي استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، إذ لم ~~يكن لهم استكبار يمنعهم من الانقياد لمن آمن منهم بدل من (الذين استضعفوا) ~~بإعادة الجار، بدل الكل، إن كان الضمير لقومه، فيدل على أن استضعافهم كان ~~مقصورا على المؤمنين. وبدل البعض إن كان الضمير للذين استضعفوا فيدل على أن ~~المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين. قال أبو السعود: # والأول هو الوجه، إذ لا داعي إلى توجيه الخطاب أولا إلى جميع المستضعفين، ~~مع أن المجاوبة مع المؤمنين منهم. على أن الاستضعاف مختص بالمؤمنين، أي ~~قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم واسترذلوهم أتعلمون أي من آية الناقة ومن ~~الكلمات الناصحة أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته تعالى وحده لا شريك ~~له. # وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء، لأنهم يعلمون بأنهم عالمون ~~بذلك، ولذلك لم يجيبوهم على مقتضى الظاهر، بل عدلوا منه، كما قال تعالى: # قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بأن ~~يقولوا (نعم) أو (إنه مرسل منه تعالى) ، مسارعة إلى تحقيق الحق، وإظهار ما ~~لهم من الإيمان الثابت المستمر الذي تنبئ عنه الجملة الاسمية، وتنبيها على ~~أن أمر إرساله من الظهور بحيث لا ينبغي أن يسأل عنه، وإنما الحقيق بالسؤال ~~عنه هو الإيمان به. أفاده أبو السعود. # فهذا من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل والمخاطب بخلاف ما يترقب، # PageV05P127 # تنبيها على أنه هو الذي ينبغي أن يسأل عنه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 76] # قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) # قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون وإنما لم يقولوا: إنا بما ~~أرسل به كافرون، إظهارا لمخالفتهم إياهم، وردا لمقالتهم. # قال في (الانتصاف) : ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن ~~يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون، ولكن أبوا ذلك حذرا مما في ظاهره من ~~إثباتهم لرسالته، ms2187 وهم يجحدونها، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم، كما قال ~~فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] ، فأثبت إرساله تهكما، ~~وليس هذا موضع التهكم، فإن الغرض إخبار كل واحد من الفريقين، والمكذبين، عن ~~حاله، فلهذا خلص الكافرون قولهم عن إشعار الإيمان بالرسالة، احتياطا للكفر، ~~وغلوا في الإصرار- انتهى- ولذلك أنكروا آية الناقة وكذبوه في إصابة العذاب ~~عن مسها بالسوء. كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 77] # فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت ~~من المرسلين (77) # فعقروا الناقة أي نحروها. والعقر: الجرح، وأثر كالخز في قوائم الفرس ~~والإبل. يقال: عقره بالسيف يعقره بالكسر، وعقره تعقيرا، قطع قوائمه بالسيف ~~وهو قائم. # قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير، ثم يجعل النحر عقرا، لأن ~~ناحر الإبل يعقرها: ثم ينحرها. # وفي اللسان: عقر الناقة وعقرها، إذا فعل بها ذلك حتى تسقط، فينحرها ~~مستمكنا منها، أي: لئلا تشرد عند النحر. # وفي الحديث «1» : لا عقر في الإسلام. # قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي ينحرونها ~~ويقولون إن PageV05P128 # صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. ~~كذا في (تاج العروس) -. # وأسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم. ~~ويقال للقبيلة الضخمة: أنتم فعلتم كذا وما فعله إلا واحد منهم. كذا في ~~(الكشاف) . # قال أبو السعود: وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه، بحيث أصابت غائلته الكل، ~~ما لا يخفى. # وعتوا عن أمر ربهم أي استكبروا عن امتثاله، وهو عبادته وحده، أو الحذر من ~~مس الناقة بسوء. وزادوا في الاستهزاء وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا أي: ~~من العذاب على عقر الناقة. والأمر للاستعجال لأنهم يعتقدون أنه لا يتأتى ~~ذلك، ولذا قالوا: إن كنت من المرسلين أي فإن الله ينصر رسله على أعدائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 78] # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) # فأخذتهم الرجفة أي: الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة بدل ms2188 صوت ~~الناقة عند عقرها، وبدل حركتها عند نزع الروح فأصبحوا في دارهم في بلادهم ~~أو مساكنهم جاثمين أي: ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بدل ~~موت الناقة وسقوطها. والصيحة والزلزلة من آثار الريح المرسلة التي كانت ~~رحمة فانقلبت عذابا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 79] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين (79) # فتولى أي فأعرض صالح عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي المتضمنة ~~لتخويف العذاب عنه ونصحت لكم فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر ولكن لا ~~تحبون الناصحين أي من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهويتكم. والظاهر ~~أن صالحا عليه السلام كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما ~~أبصرهم جاثمين، تولي مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله ~~يا قوم ... إلخ كذا في (الكشاف) . أو خاطبهم خطاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV05P129 # أهل قليب بدر حيث # قال «1» : إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا. - كما ~~رواه البخاري # - لا تحزنا، ولكن إعلاما بنصر الله له، وتحقيق رسالته، زيادة في حزنهم ~~وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. # كما في (الصحيح) . ويجوز عطف قوله فتولى على قوله فأخذتهم الرجفة، فيكون ~~الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم ~~تولي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر ~~الأول لظهور الفاء في التعقيب- والله أعلم-. ### | تنبيهات: # الأول: نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود، لمكان ~~العظة والاعتبار مفصلا. وإلا، فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية ~~وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه ~~لفقد القطع به، اللهم إلا لزيادة الاتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا # صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «2» : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ~~. # وخلاصة ما رووه عن ثمود أن عادا لما هلكت، عمرت ms2189 ثمود بلادها، وخلفوهم في ~~الأرض، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، ~~وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام، وكانوا قوما ~~عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى عبادته تعالى وحده، فلم يتبعه إلا ~~قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، واقترحوا عليه بأن يخرج ~~لهم ناقة عشراء، تمخض من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وكانت صخرة منفردة في ~~ناحية الجبل، يقال لها (الكائبة) ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن ~~أجابهم الله إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه. فلما أعطوه على ذلك عهودهم ~~ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك ~~الصخرة، ثم انصدعت PageV05P130 # عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا. فعند ذلك آمن ~~رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن ~~يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والخباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعمر ~~بن جلمس. # وكان لجندع بن عمرو ابن عم له، شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن جواس، ~~وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط ~~فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عنمة بن الزميل، ~~رحمه الله: # وكانت عصبة من آل عمرو ... إلى دين النبي دعوا شهابا # عزيز ثمود كلهم جميعا ... فهم بأن يجيب ولو أجابا # لأصبح صالح فينا عزيزا ... وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا # ولكن الغواة من آل حجر ... تولوا بعد رشدهم ذبابا # وأقامت الناقة وفصيلها، بعد ما وضعته، بين أظهرهم مدة، تشرب من بئرها ~~يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملئون ~~ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى ونبئهم أن الماء ~~قسمة بينهم، كل شرب محتضر [القمر: 28] وقال تعالى: هذه ناقة لها شرب ولكم ~~شرب يوم معلوم [الشعراء: 155] . وكانت تسرح في بعض تلك الأودية، ترد من فج، ~~وتصدر من غيره، ليسعها. لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت- على ما ms2190 ذكر- ~~خلقا هائلا، ومنظرا رائعا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها. فما طال عليهم ذلك، ~~واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام، عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء ~~كل يوم. فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها. قال قتادة: بلغني أن الذي قتلها ~~طاف عليهم كلهم أنهم راضون لقتلها، حتى على النساء في خدورهن. قال ابن ~~كثير: # قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى: فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها [الشمس: 14] ، وقال وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [الإسراء: # 59] ، وقال فعقروا الناقة [الأعراف: 77] . فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، ~~فدل على رضى جميعهم بذلك- والله أعلم-. # وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير، وغيره من علماء التفسير، أن سبب قتلها، أن ~~امرأة من ثمود يقال لها (عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني ~~عبيد بن المهل، أخي رميل بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزا ~~مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم. # PageV05P131 # وامرأة أخرى يقال لها (صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا) سيد بني عبيد ~~وصاحب أوثانهم في الزمن الأول. وكان الوادي يقال له (وادي المحيا) وهو ~~المحيا الأكبر، جد المحيا الأصغر أبي صدوف. # وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر. # وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح، وأعظمه به كفرا. # وكانتا تحتالان أن تعقر الناقة مع كفرهما به، لما أضرت به من مواشيهما. # وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له (صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف) ~~من بني هلس، فأسلم وحسن إسلامه. # وكانت صدوف قد فوضت إليه مالها، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح، ~~حتى رق المال. # فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها ~~إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وبيتت له. فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم ~~في بني عبيد، بطنها الذي هي منه. # وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها. فقال لها: ردي علي ولدي. ms2191 ~~فقالت: حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. # فقال لهم صنتم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس بن ~~عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون. # فقالت لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه. # فقال بنو مرداس: والله لتعطينه ولده طائعة أو كارهة. # فلما رأت ذلك أعطته إياهم. # ثم إن صدوف وعنيزة محلتا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا ~~من ثمود يقال له (الحباب) لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل ~~فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له (مصدع بن مهرج بن المحيا) وجعلت له ~~نفسها على أن يعقر الناقة. وكانت من أحسن الناس، وكانت غنية كثيرة المال، ~~فأجابها إلى ذلك. # ودعت عنيزة بنت غنم (قدار بن سالف بن جندع) رجلا من أهل قرح. # PageV05P132 # وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا. يزعمون أنه كان لزنية، من رجل يقال له ~~(صهياد) ولم يكن لأبيه (سالف) الذي يدعى إليه. ولكنه قد ولد على فراش ~~(سالف) وكان يدعى له وينسب إليه. # فقالت: أعطيتك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة. # وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو، من أشراف رجال ~~ثمود. وكان قدار عزيزا منيعا في قومه. # فانطلق قدار بن سالف، وصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود. فاتبعهما ~~سبعة نفر. فكانوا تسعة نفر. أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له، (هويل ~~بن مبلغ) خال قدار بن سالف، أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزا في أهل حجر. ~~و (دعير ابن غنم بن داعر) وهو من بني خلاوة بن المهل. # و (دأب بن مهرج) أخو مصدع بن مهرج. # وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم. # فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل شجرة على ~~طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به ~~عضلة ساقها. # وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس ms2192 وجها، فأسفرت ~~لقدار وأرته إياه. ثم ذمرت فشد على الناقة بالسيف فخشف عرقوبها. فخرت ورغت ~~رغاة واحدة تحذر سقبها. ثم طعن في لبتها فنحرها. # انطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا. ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعا ولاذ ~~بها. واسم الجبل فيما يزعمون (صنو) - فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد ~~عقرت، قال انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته. ~~فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم (مصدع بن مهرج) ~~فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم ~~أمه. # فلما قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزءون به: ~~ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ - وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد (أول) ~~والاثنين (أهون) والثلاثاء (وبار) والأربعاء (جبار) والخميس (مؤمن) والجمعة ~~(العروبة) والسبت (شيار) وكانوا عقورا الناقة يوم الأربعاء- فقال لهم صالح ~~حين قالوا له # PageV05P133 # ذلك: تصبحون غداة يوم مؤمن، يعني يوم الخميس، ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون ~~يوم العروبة، يعني يوم الجمعة ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم ~~السبت، ووجوهكم مسودة. ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد. # فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل ~~صالحا. # إن كان صادقا عجلناه، قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته. # فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطئوا على ~~أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم مشدخين قد رضخوا بالحجارة. فقالوا لصالح: ~~أنت قتلتهم! ثم هموا به. فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم: # والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان ~~صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما ~~تريدون! فانصرفو عنهم ليلتهم تلك. والنفر الذين رضخهم الملائكة بالحجارة، ~~التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى وكان في المدينة تسعة ~~رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون. إلى قوله: لآية لقوم يعلمون [النمل: 48- ~~52] . # فأصبحوا من تلك الليلة التي ms2193 انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرة، فأيقنوا ~~بالعذاب. وعرفوا أن صالحا قد صدقهم فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربا منهم ~~حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم (بنو غنم) فنزل على سيدهم رجل منهم يقال ~~له (نفيل) يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه، فلم يقدروا عليه. # فغدوا على أصحاب صالح فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال ~~له (ميدع بن هرم) : يا نبي الله، إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك؟ ~~قال: نعم. فدلهم عليه (ميدع بن هرم) . # فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هدب فكلموه فقال لهم: عندي صالح، وليس ~~لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه وتركوه. وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه. # فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك ~~أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم # PageV05P134 # محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. حتى إذا كان ليلة الأحد خرج ~~صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام. فنزل رملة فلسطين. وتخلف رجل ~~من أصحابه يقال له (ميدع بن هرم) فنزل قرح- وهي وادي القرى، وبين القرح ~~وبين الحجر ثمانية عشر ميلا- فنزل على سيدهم رجل يقال له (عمرو بن غنم) وقد ~~كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها. فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن ~~غنم، اخرج من هذا البلد، فإن صالحا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. # فقال عمرو: ما شركت في عقرها، وما رضيت ما صنع بها. # فلما كانت صبيحة الأحد، أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا ~~هلك. إلا جارية مقعدة يقال لها (الزريعة) وهي الكلبة ابنة السلق. كانت ~~كافرة شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعد ما عاينت العذاب ~~أجمع. فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط. حتى أتت أهل قرح فأخبرتهم بما عاينت من ~~العذاب وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسقيت، فلما شربت ماتت. # الثاني- قال الرازي: زعم بعض الملحدين أن ألفاظ التنزيل ms2194 في حكاية هذه ~~الواقعة اختلفت، وهي الرجفة والطاغية والصيحة. والجواب ما قاله أبو مسلم: ~~إن الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده، سواء كان حيوانا أو غير حيوان، وألحق ~~الهاء به للمبالغة. فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت. وقال ~~تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6- 7] . ويقال طغى ~~طغيانا، وهو طاغ وطاغية. وقال تعالى: كذبت ثمود بطغواها [الشمس: 11] . وقال ~~في غير الحيوان: إنا لما طغى الماء [الحاقة: 11] ، أي: غلب وتجاوز عن الحد. ~~وأما الرجفة فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد ~~إطلاق اسم الطاغية عليها. وأما الصيحة، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن ~~الصيحة العظيمة الهائلة. وأما الصاعقة، فالغالب أنها الزلزلة، وكذلك ~~الزجرة، قال تعالى: فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة [النازعات: 13- ~~14] . فبطل ما زعمه ذلك البعض. # الثالث- قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد، سوى صالح عليه ~~السلام، ومن تبعه رضي الله عنهم. إلا أن رجلا يقال له أبو رغال. كان، لما ~~وقعت النقمة بقومه، مقيما إذ ذاك في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض ~~الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله. # PageV05P135 # روى الإمام أحمد «1» عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت- يعني الناقة- ~~ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها، وكانت ~~تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها، فأخذتهم صيحة أحمد الله من ~~تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله فقالوا: من هو يا ~~رسول الله؟ قال أبو رغال. # فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه» . قال ابن كثير: وهذا الحديث ليس ~~في شيء من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم. # وروى عبد الرزاق عن معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~هذا قبر أبي رغال، رجل من ms2195 ثمود، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذاب الله ~~فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل ~~القوم، فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه، فاستخرجوا الغصن. # وأبو رغال هو أبو ثقيف الذين كانوا يسكنون الطائف، كما روي مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم- أخرجه أبو داود وغيره «2» . # الرابع- ذكرنا قبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ديار ثمود ~~المعروفة الآن بمدائن صالح، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، سنة تسع، وأمر أصحابه ~~أن يدخلوا خاشعين وجلين أن يصيبهم ما أصاب أهلها، ونهاهم أن يشربوا من ~~مائها. # فروى الإمام أحمد «3» عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالناس عام تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار ~~التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم. فأمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل ~~بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا ~~على القوم الذين عذبوا، وقال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا ~~تدخلوا عليهم. # وروى أحمد «4» والبخاري «5» ومسلم «6» عن ابن عمر قال: لما مر رسول الله ~~PageV05P136 # صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن ~~تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم. ثم قنع رأسه ~~وأسرع السير حتى جاوز الوادي. # وللبخاري «1» # أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن ~~لا يشربوا من آبارها ولا يستقوا منها. فقالوا قد عجنا منها، واستقينا. ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك ~~الماء. # الخامس- قال ابن كثير: ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب ~~فيقيم في الحرم، حرم مكة، والله أعلم. # وقد قال الإمام أحمد «2» : حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن ~~وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله صلى ms2196 الله عليه وسلم ~~بوادي عسفان حين حج قال: يا أبا بكر! أي واد هذا؟ قال: هذا وادي عسفان. ~~قال: لقد مر به هود وصالح على بكرات حمر خطمها الليف، أزرهم العباء، ~~وأرديتهم النمار، يلبون، يحجون البيت العتيق. # قال ابن كثير: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحد منهم. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 80] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) # ولوطا منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق، أي وأرسلنا لوطا. # ولفظه أعجمي معناه في العربية (ملفوف) أو (مر) ، كما في تأويل أسماء ~~التوراة والإنجيل- وهو فيما قاله علماء النسب والتفسير- ابن هاران بن تارح ~~(ويقال آزر) وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام. وكان قد آمن مع ~~إبراهيم عليهما السلام، وهاجر معه إلى الشام، وتوطنا بلد الكنعانيين من ~~فلسطين، وهي الأرض المقدسة، ثم حدثت مشاجرة بين رعاتهما فنزح لوط إلى وادي ~~الأردن، وسكن مدينة سدوم فبعثه الله إلى أهلها، وإلى ما جاورها من القرى. ~~فصار يدعوهم إلى الله PageV05P137 # تعالى، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والفواحش ~~التي اخترعوها، ولم يسبقهم بها أحد من العالمين، من بني آدم، ولا غيرهم، ~~وهو إتيان الذكور. # قال ابن كثير: وهذا شيء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ~~ببالهم، حتى صنعه أهل سدوم، عليهم لعائن الله. # قال عمرو بن دينار: ما زنا ذكر على ذكر، حتى كان قوم لوط. وقال الوليد بن ~~عبد الملك الخليفة الأموي، باني جامع دمشق: لولا أن الله عز وجل قص علينا ~~خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا. # ثم بين تعالى إنكار لوط عليهم بقوله سبحانه: إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ~~أي الفعلة المتناهية في القبح. وقوله تعالى: ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين أي ما عملها أحد قبلكم، والباء للتعدية، من قولك (سبقته بالكرة) ~~إذا ضربتها قبله، ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : (سبقك بها عكاشة) . كذا في ms2197 (الكشاف) . # قال أبو السعود: والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ ~~والتقريع. فإن مباشرة القبح قبيح، واختراعه أقبح، فأنكر تعالى عليهم أولا ~~إتيان الفاحشة، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها، ثم استأنف بيان تلك الفاحشة ~~تأكيدا للإنكار السابق وتشديدا للتوبيخ بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 81] # إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) # إنكم لتأتون الرجال أي: الذين خلقهم الله ليأتوا النساء، لا ليأتيهم ~~الرجال. وقرئ بهمزتين صريحتين، وبتليين الثانية، بغير مد وبمد أيضا. وفي ~~زيادة (إن) و (اللام) مزيد توبيخ وتقريع، كأن ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن ~~أحد. وفي إيراد لفظ (الرجال) دون الغلمان والمردان ونحوهما، مبالغة في ~~التوبيخ وتأتون، من (أتى المرأة) إذا غشيها. قاله الزمخشري. # وفي (تاج العروس) : أتى الفاحشة: تلبس بها، ويكنى بالإتيان عن الوطء وهو ~~من أحسن الكنايات، ورجل مأتي أتي فيه، ومنه قول بعض المولدين: PageV05P138 # يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا، ولا ... هذا، كذلك إبرة الخياط # انتهى. # وقوله تعالى شهوة مفعول له، أي للاشتهاء، أي لا حامل لكم عليه إلا مجرد ~~الشهوة من غير داع آخر. ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا ~~داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل لو نحوه. أو حال، بمعنى مشتهين ~~تابعين للشهوة، غير ملتفتين إلى السماجة. كذا في (الكشاف) من دون النساء ~~أي: مجاوزين عن مواتاه النساء اللاتي خلقن لذلك. قال أبو السعود: ويجوز أن ~~يكون المراد من قوله شهوة الإنكار عليهم، وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة ~~الخبيثة المكروهة، كما ينبئ عنه قوله تعالى من دون النساء أي متجاوزين ~~النساء اللاتي هن محال الاشتهاء كما ينبئ عنه قوله تعالى هن أطهر لكم [هود: ~~78] . بل أنتم قوم مسرفون إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي ~~توجب ارتكاب القبائح، وتدعو إلى اتباع الشهوات. وهو أنهم قوم عادتهم ~~الإسراف، وتجاوز الحدود في كل شيء. فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى ~~تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد. ms2198 ونحوه بل أنتم قوم عادون [الشعراء: 166] ~~. # كذا في (الكشاف) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 82] # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) # وما كان جواب قومه أي: المستكبرين في مقابلة نصحة إلا أن قالوا أخرجوهم ~~أي: لوطا والمؤمنين معه من قريتكم أي: بلدكم. قال الزمخشري: # يعني ما أجابوه بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار ~~الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله. ولكنهم ~~جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته، من الأمر بإخراجه ومن معه من ~~المؤمنين من قريتهم، ضجرا بهم، وبما يسمعونه من وعظهم ونصحهم. وقولهم إنهم ~~أناس يتطهرون سخرية بهم، وبتطهرهم من الفواحش، وافتخار بما كانوا فيه من ~~القذارة. # كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم (أبعدوا عنا هذا ~~المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد) . # قال ابن كثير: قال مجاهد: يتطهرون من أدبار الرجال وأدبار النساء. وروي ~~مثله عن ابن عباس. # PageV05P139 # قال السيوطي في (الإكليل) : فيستدل به على تحريم أدبار النساء، أي بناء ~~على أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع. # ورجح ابن القيم أنه في حكم الموقوف. # والمسألة تقدمت مستوفاة في قوله تعالى نساؤكم حرث لكم [البقرة: 223] . ~~فتذكر. ### | تنبيه: # قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله في كتابه (إغاثة اللهفان) : # قد وسم الله سبحانه الشرك والزنى واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه، دون ~~سائر الذنوب، وإن كان مشتملا على ذلك. لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [التوبة: 28] ، وقوله تعالى في حق ~~اللوطية: ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث، إنهم كانوا قوم سوء فاسقين [الأنبياء: 74] ، وقالت اللوطية: ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [النمل: 56] فأقروا، مع شركهم ~~وكفرهم، أنهم هم الأخابث الأنجاس، وأن لوطا وآله مطهرون من ذلك، باجتنابهم ~~له. وقال تعالى في حق الزناة: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~[النور: 26] ، وأما نجاسة الشرك فهي نوعان نجاسة مغلظة، ms2199 ونجاسة مخففة. ~~فالمغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، فإن الله عز وجل لا ~~يغفر أن يشرك به، والمخففة: الشرك الأصغر، كيسير الرياء، والتصنع للمخلوقات ~~والحلف به، وخوفه ورجائه. # ثم قال: ونجاسة الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات، من جهة أنها ~~تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا. ولهذا، أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم ~~شركا، فكلما كان الشرك في العبد أغلب، كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر. # وكلما كان أعظم إخلاصا، كان منها أبعد. كما قال تعالى عن يوسف الصديق ~~عليه السلام: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين ~~[يوسف: 24] فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها بل هو من أعلى أنواع ~~التعبد، ولا سيما إذا استولى على القلب، وتمكن منه، صار تتيما، والتتيم: ~~التعبد، فيصير العاشق عابدا لمعشوقه، وكثيرا ما يغلب حبه وذكره، والشوق ~~إليه، والسعي في مرضاته، وإيثار محابه، على حب الله وذكره، والسعي في ~~مرضاته. بل كثيرا ما # PageV05P140 # يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، ويصير متعلقا بمعشوقة من الصور- كما هو ~~مشاهد- فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل، يقدم رضاه وحبه على رضا ~~الله وحبه، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، وينفق في مرضاته ما لا ينفقه ~~في مرضاة الله، ويتجنب سخطه، ما لا يتجنب من سخط الله تعالى، فيصير آثر ~~عنده من ربه، حبا وخضوعا وذلا وسمعا وطاعة. ولهذا كان العشق والشرك ~~متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة ~~العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوي شرك العبد، بلي بعشق الصور، وكلما ~~قوي توحيده صرف ذلك عنه. والزاني واللواطة، كمال لذته إنما يكون مع العشق، ~~ولا يخلو صاحبهما منه، وإنما لتنقله من محل إلى محل، لا يبقى عشقه مقصورا ~~على محل واحد، ينقسم على سهام كثيرة، لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده فليس ~~في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد ~~القلب من الله، فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب ms2200 بهما بعد ممن هو ~~طيب، لا يصعد إليه إلا طيب. وكلما ازداد خبثا، ازداد من الله بعدا. ولهذا ~~قال المسيح- فيما رواه الإمام أحمد، في كتاب (الزهد) - لا يكون الباطلون من ~~الحكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء. ولما كانت هذه حال الزنى، كان قرينا ~~للشرك في كتاب الله تعالى. قال الله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين [النور: ~~3] . # ثم قال رحمه الله: والمقصود أن الله سبحانه وتعالى سمى الزواني والزناة ~~خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة، وإن كان حلالا، وسمى ~~فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن، وعن الصلاة، وعن المساجد، فمنع من ذلك ~~كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما، يبعد القلب عن الله تعالى، وعن ~~الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة، ~~وطهرا لبدنه بالماء. وقول اللوطية: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون من ~~جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ~~العزيز الحميد [البروج: 8] ، وقوله تعالى: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ~~إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل [المائدة: 59] ، وهكذا ~~المشرك، إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه لا يشوبه بالإشراك. ~~وهكذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده متابعة الرسول، وأنه لم يشبها ~~بآراء الرجال، ولا بشيء مما خالفها. # PageV05P141 # فصير الموحد المتبع للرسول على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة، خير له ~~وأنفع، وأسهل عليه من صبره على ما ينقمه الله ورسوله من موافقة أهل الشرك ~~والبدعة: # إذا لم يكن بد من الصبر فاصطبر ... على الحق ذاك الصبر تحمد عقباه # - انتهى-. # ولما هم قوم لوط بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، أخرجه الله تعالى ~~سالما، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين، كما أشار لذلك بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 83] # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) # فأنجيناه وأهله أي ومن يختص ms2201 به من ذويه، أو من المؤمنين لطيبهم. قال ابن ~~كثير: ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: فأخرجنا من ~~كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين [الذاريات: ### | 35- 36 # ] ، إلا امرأته أي فإنا لم ننجها لخبثها. قال ابن كثير: إنها لم تؤمن به، ~~بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه ~~بإشارات بينها وبينهم. ولهذا، لما أمر لوط عليه السلام ليسري بأهله، أمر أن ~~لا يعلمها ولا يخرجها من البلد. ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب ~~التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها ~~لوط، بل بقيت معهم. ولهذا قال هاهنا إلا امرأته كانت من الغابرين أي من ~~الذين غبروا في ديارهم، أي بقوا فهلكوا. وقيل: من الهالكين. وهو تفسير ~~باللازم، والتذكير للتغليب، ولبيان استحقاقها لما يستحقه المباشرون ~~للفاحشة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 84] # وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) # وأمطرنا عليهم مطرا أي وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا غير متعارف، ~~وهو مبين بقوله تعالى: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [الحجر: 74] ، أي طين ~~متحجر. # قال المهايمي: ولكفرهم بمطر الشرائع المحيي بإبقاء النسل وغيره، انقلب ~~عليهم في صورة العقاب. # PageV05P142 # وقرأت في التوراة المعربة أن الملكين اللذين جاءا لوطا، عليه السلام، ~~يخبرانه ويبشرانه بهلاك قومه، قالا له: أخرج من هذا الموضع، من لك هاهنا من ~~أصهارك وبنيك وبناتك وجميع من لك، فإنا بعثنا الرب لنهلك هذه المدينة، ولما ~~كان عند طلوع الفجر ألح الملكان على لوط بأخذ امرأته وابنتيه، ثم أمسكا ~~بأيديهم جميعا وصيراهم خارج المدينة وقالا: لا يلتفت أحد منكم إلى ورائه، ~~وتخلصا إلى الجبل. # ولما أشرقت أمطر الرب من السماء على سدوم وعمورة كبريتا ونارا، وقلب تلك ~~المدن، وكل البقعة، وجميع سكان المدن ونبت الأرض، والتفتت امرأته إلى ~~ورائها صارت نصب ملح، وقدم إبراهيم غدوة من أرضه، فتطلع إلى جهة سدوم ~~وعمورة، فإذا دخان ms2202 الأرض صاعد كدخان الأتون- انتهى-. # وقرأت في نبوة حزقيال عليه السلام، في الفصل السادس عشر: في بيان إثم ~~سدوم ما نصه: # إن الاستكبار والشبع من الخبز، وطمأنينه الفراغ، كانت في سدوم وتوابعها، ~~ولم تعضد يد البائس والمسكين، وتشامخن وصنعن الرجس أمامي، فنزعتهن كما ~~رأيت- انتهى-. # وقد صار موضع تلك المدن بحر ماء أجاج، لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف ~~بالبحر الميت، أو بحيرة لوط. والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا. # قال في (مرشد الطالبين) بحر لوط، هو بحر سدوم، ويدعى أيضا البحر الميت، ~~وهو بركة مالحة في فلسطين، طولها خمسون ميلا، وعرضها عشرة أميال، وهي أوطأ ~~من بحر الروم بنحو 1250 قدما، وموقعها في الموضع الذي كانت عليه سدوم ~~وعمورة وأدمة وصبوييم- انتهى-. # وقوله: فانظر كيف كان عاقبة المجرمين أي هؤلاء أجرموا بالكفر وعمل ~~الفواحش، كيف أهلكناهم. والنظر تعجيبا من حالهم، وتحذيرا من أعمالهم، فإن ~~من تستولي عليه رذيلة الدعارة، تكبحه عن التوفيق نفسا وجسدا، وتورده موارد ~~الهلكة والبوار، جزاء ما جنى لهم اتباع الأهواء. ### | تنبيه في حد اللوطي: # اعلم أنه وردت السنة بقتل من لاط بذكر، ولو كان بكرا، وكذلك المفعول # PageV05P143 # به، إذا كان مختارا، # لحديث ابن عباس، عند أحمد «1» وأبي داود «2» وابن ماجة «3» والترمذي «4» ~~والحاكم والبيهقي، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه يعمل ~~عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به» # . قال ابن حجر: رجاله موثقون، إلا أن فيه اختلافا. # وأخرج ابن ماجة «5» والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا: اقتلوا الفاعل ~~والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا- وإسناده ضعيف-. # قال ابن الطلاع في (أحكامه) : لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل ~~والمفعول به- رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة- انتهى. # وأخرج البيهقي عن علي أنه رجم لوطيا. # وأخرج البيهقي أيضا عن أبي بكر، أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما تنكح ~~النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكان من ms2203 أشدهم ~~يومئذ قولا، علي بن أبي طالب قال: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة ~~واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار. فاجتمع أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن ~~الوليد أن يحرقه بالنار. # وأخرج أبو داود «6» عن سعيد بن جبير ومجاهد، عن ابن عباس: في البكر يؤخذ ~~على اللوطية، يرجم. # وأخرج البيهقي عن ابن عباس أيضا، أنه سئل عن حد اللوطي فقال: ينظر أعلى ~~بناء في القرية فيرمى به منكسا، ثم يتبع بالحجارة. # وقال المنذري: حرق اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير ~~وهشام بن عبد الملك. PageV05P144 # وبالجملة: فلما ثبت أن حده القتل بقي الاجتهاد في هيئته حرقا أو تردية أو ~~غيرهما. # وقال بعض المحققين: إن كان اللواط مما يصح اندراجه تحت عموم أدلة الزنى ~~فهو مخصص بما ورد فيه من القتل لكل فاعل، محصنا أو غيره. وإن كان غير داخل ~~تحت أدلة الزنى، ففي أدلته الخاصة له ما يشفي ويكفي- انتهى-. # وقال الإمام الجشمي اليمني: لو كان في اللواط حد معلوم لما خفي على ~~الصحابة، حتى شاورهم في ذلك أبو بكر رضي الله عنه، لما كتب إليه خالد بن ~~الوليد. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قضى في اللواط بشيء، لأن هذا لم تكن تعرفه العرب، ولم يرفع إليه صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن ثبت عنه أنه قال: # اقتلوا الفاعل والمفعول به- رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح- وقال ~~الترمذي: حديث حسن، وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد، بعد مشاورة ~~الصحابة، وكان علي كرم الله وجهه أشدهم في ذلك. # وقال ابن القصار وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في كيفية ~~قتله. فقال أبو بكر الصديق: يرمى من شاهق. # وقال علي كرم الله وجه: يهدم عليه حائط # . وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة. فهذا اتفاق منهم على قتله، وإن ~~اختلفوا في ms2204 كيفيته. وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن وطئ ذات ~~محرم، لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال. ولهذا جمع بينهما في ~~حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ~~فاقتلوه. # وروي أيضا عنه: من وقع على ذات رحم فاقتلوه. # وفي حديثه «1» أيضا بالإسناد: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه. # وهذا الحكم على وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت عقوبتها. ~~ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال، فيكون حده ~~أغلظ. وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه، أن حكم من أتى بهيمة حكم اللواط ~~سواء، فيقتل بكل حال، أو يكون حده حد الزاني. واختلف السلف في ذلك، فقال ~~الحسن: حده حد الزاني. وقال أبو سلمة: يقتل بكل حال. وقال الشعبي والنخعي: ~~يعزر، وبه أخذ الشافعي PageV05P145 # ومالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية، فإن ابن عباس أفتى بذلك، وهو راوي ~~الحديث. # انتهى. # وقد طعن الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث (الهداية) في دعوى إجماع الصحابة ~~على قتل اللوطي في رواية البيهقي: أن أبا بكر جمع الصحابة فسألهم، فكان ~~أشدهم في ذلك قولا علي، فقال: نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع رأيهم على ذلك. ~~قال ابن حجر: قلت: وهو ضعيف جدا. ولو صح لكان قاطعا للحجة. انتهى. # وجلي أن عقوبات القتل أعظم الحدود، فلا يؤخذ فيها إلا بالقواطع من كتاب ~~أو سنة متواترة أو إجماع أو حديث صحيح السند والمتن، قطعي الدلالة. ولذا ~~كان على الحاكم بذل جهده في ذلك استبراء لدينه- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) # وإلى مدين أخاهم شعيبا أي وأرسلنا إليهم. قال ابن إسحاق، ms2205 هم من سلالة ~~مدين بن إبراهيم. وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين. # قال ابن كثير: مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة التي بقرب معان من ~~طريق الحجاز وهم أصحاب الأيكة. # قال يا قوم أي: الذين أحب كمالهم دينا ودنيا اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره وهذه دعوة الرسل كلهم كما قدمنا قد جاءتكم بينة من ربكم أي ما تبين به ~~الحق من الباطل. يعني دعوته وإرشاده. ومن هنا قال بعضهم: عني بالبينة مجيء ~~شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة. ومن فسر البينة بالحجة والبرهان ~~والمعجزة المحسوسة ذهابا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، ~~فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذاك إلا المعجزة- قال: إن معجزة شعيب لم ~~تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن. ولا يخفى أن ~~البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة ~~الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة. لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق. ~~فاحفظه. # PageV05P146 # قال الجشمي: واختلفوا، فقيل: لا يجوز أن يبعث إلا ومعه شرع- عن أبي ~~هاشم-. وقيل: يجوز أن يدعو إلى ما في العقل- عن أبي علي- انتهى. # وقد دلت الآيات هذه على أن شعيبا، عليه السلام، دعاهم إلى التوحيد ~~والشرائع، على ما جرت به عادة الرسل، فمنها قوله: فأوفوا الكيل والميزان أي ~~فأتموهما للناس بإعطائهم حقوقهم ولا تبخسوا الناس أشياءهم أي: لا تنقصوهم ~~حقوقهم فلا تخونوا الناس في أموالهم، وتأخذوها على وجه البخس، وهو نقص ~~المكيال والميزان خفية وتدليسا كما قال تعالى: ويل للمطففين ... إلى قوله: # لرب العالمين [المطففين: 1- 6] . # يقال: بخسه حقه أي نقصه إياه، وظلمه فيه. # قال الزمخشري: كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين ~~لا يدعون شيئا إلا مكسوة. قال زهير: # أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # قال القاضي: وإنما قال أشياءهم للتعميم، تنبيها على أنهم كانوا يبخسون ~~الجليل والحقير والقليل والكثير- انتهى-. # والنهي عن النقص ms2206 يوجب الأمر بالإيفاء. فقيل في فائدة التصريح بالمنهي ~~عنه، بيان لقبحه. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله تعالى: ولا تبخسوا ... الآية- ~~قال: أي لا تسموا لهم شيئا، وتعطوا لهم غير ذلك. ودلت الآية على أن إيفاء ~~الكيل والميزان واجب على حسب ما يعتاد في صفة الكيل والوزن ولا تفسدوا في ~~الأرض أي: بالكفر والظلم: بعد إصلاحها أي: بعد ما أصلح أمرها وأهلها ~~الأنبياء وأتباعهم الصالحون العاملون بشرائعهم من وضع الكيل والوزن والحدود ~~والأحكام ذلكم إشارة إلى العمل بما أمروا به ونهوا عنه خير لكم في الحال ~~لتوجه الناس إليكم بسبب حسن الأحدوثة، وفي المآل إن كنتم مؤمنين أي: مصدقين ~~قولي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 86] # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون نهي عن قطع الطريق الحسي. أي: لا # PageV05P147 # تجلسوا على كل طريق فيه ممر الناس الغرباء، تضربونهم وتخوفونهم، وتأخذون ~~ثيابهم، وتتوعدونهم بالقتل، إن لم يعطوكم أموالهم. # قال مجاهد: كانوا عشارين- أخرجه أبو الشيخ: وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ~~مثله. وعن ابن عباس وغير واحد أي تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه ~~قال ابن كثير: والأول أظهر، لأنه قال بكل صراط وهو الطريق. وهذا الثاني هو ~~قوله وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا أي: تصرفون عن دين الله ~~وطاعته من آمن بشعيب، وتطلبون لها عوجا بإلقاء الشبه، ووصفها بما ينقصها ~~لتغييرها واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم بالعدد والعدد، فاشكروا نعمة الله ~~عليكم في ذلك وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين أي: من الأمم الخالية، ~~والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله ~~وتكذيب رسله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 87] # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) # وإن كان طائفة منكم ms2207 آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا يعني وإن ~~اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنة وكافرة فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ~~أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين، ووعيد ~~للكافرين. # قال الشهاب: وخطاب (اصبروا) للمؤمنين، ويجوز أن يكون للفريقين، أي ليصبر ~~المؤمنون على أذى الكفار، والكفار على ما يسوؤهم من إيمانهم. أو للكافرين. ~~أي تربصوا لتروا حكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين لأنه منزه عن ~~الجور في حكمه، فسيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 88] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) # قال الملأ الذين استكبروا من قومه أي عن الإيمان لنخرجنك يا شعيب # PageV05P148 # والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن # أي إلى ترك دعوى الرسالة، والإقرار بها، داخلين في ملتنا أي ملة ~~المشركين. # قال الجشمي: الملة الديانة التي يجمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل ~~فيه تكرر الأمر، من قولهم: طريق ممل ومليل، إذا تكرر سلوكه حتى صار معلما. # ومنه الملل: تكرار الشيء على النفس حتى تضجر منه- انتهى. # قال أي شعيب أولو كنا كارهين أي: أتجبروننا على ذلك، وإن كنا كارهين له؟ ~~مع أنه لا فائدة في الإكراه، لأن دينكم إن كان حقا، لم نكن بالإكراه ~~منقادين له، وإن كان باطلا، لم نكن بالإكراه متصفين به، لأنه بالحقيقة صفة ~~القلب، ولا يسري إكراهكم إليه. وكيف لا نكرهه وهو يستلزم غاية القبح ~~والظلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 89] # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) # قد افترينا على الله كذبا أي اختلفنا عليه باطلا بأن له شريكا إن عدنا ~~إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار بها، ms2208 لندخل في ملتكم القائلة بأن له شريكا ~~بعد إذ نجانا الله منها فأرانا أنه كالإنجاء من النار وما يكون أي ينبغي ~~لنا أن نعود أي عن دعوى الرسالة والإقرار بها فنصير فيها إلا أن يشاء الله ~~ربنا أي الذي يربينا بما علم من استعدادنا، لأنه وسع ربنا كل شيء علما أي ~~فعلم استعداد كل واحد في كل وقت، لكن على الله توكلنا أي ليحفظنا عن المصير ~~إليها ربنا إن قصدوا إكراهنا عليها أو إخراجنا من قريتهم افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق فغلبنا عليهم وأنت خير الفاتحين أي خير الحاكمين، فلا تغلب ~~الظالمين وإن كثروا، على المظلومين إذا استفتحوك. ### | تنبيهات: # الأول- اعلم أن ظاهر قوله تعالى أو لتعودن في ملتنا وقوله بعد إذ نجانا ~~الله منها يدل على أن شعيبا عليه السلام كان على ملتهم قبل بعثته. ومعلوم ~~عصمة الأنبياء عن الكبائر، فضلا عن الشرك. # PageV05P149 # وفي (المواقف وشرحها) : أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء من الكفر قبل ~~النبوة وبعدها، غير أن الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب ~~عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر. وجوز الشيعة إظهار الكفر تقية عند خوف ~~الهلاك، واحترازا عن إلقاء النفس في التهلكة. ومثله في (شرح التجريد) . # ولما تقرر إجماع الأمة على ما ذكر، كان للعلماء في هذه الآية وجوه: # منها: أن العود المقابل للخروج، هو العود إلى ترك دعوى الرسالة والإقرار ~~بها. # والجار والمجرور حال. أي ليكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إلى ترك ~~دعوى الرسالة والإقرار بها، داخلين في ملتنا. وهذا الوجه اقتصر عليه ~~المهايمي، وسايرناه فيه مع تفسير تتمة الآية. # ومنها: أن العود المذكور إلى ما خرج منه، وهو القرية. والمجرور حال ~~كالسابق. أي ليكن منكم الخروج من قريتنا، أو العود إليها، كائنين في ملتنا. ~~وعدي (عاد) ب (في) كأن الملة لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم. # ومنها: أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة ~~عن الإنكار عليهم ومنها: أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس، وإيهاما ~~لأنه ms2209 كان على دينهم. وما صدر عن شعيب عليه السلام كان على طريق المشاكلة. # ومنها: أن لتعودن بمعنى لتصيرن. إذ كثيرا ما يرد (عاد) بمعنى (صار) ، ~~فيعمل عمل (كان) . ولا يستدعي الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو ~~الانتقال من حال سابقة، إلى حال مؤتنفة مثل (صار) . وكأنهم قالوا- والله ~~أعلم- لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتصيرن كفارا مثلنا. # قال الرازي: تقول العرب. قد عاد إلي من فلان مكروه، يريدون: قد صار إلي ~~منه المكروه ابتداء. قال الشاعر: # فإن تكن الأيام أحسن مدة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب # أراد: فقد صارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان- ~~انتهى-. # ومنه # حديث معاذ. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعدت فتانا يا معاذ؟) أي ~~صرت. # ومنه # حديث خزيمة: عاد لها النقاد مجرنثما. أي صار # PageV05P150 # وفي حديث كعب: وددت أن هذا اللبن يعود قطرانا، أي يصير. فقيل له: لم ذلك؟ ~~قال: تتبعت قريش أذناب الإبل، وتركوا الجماعات. # قال الشهاب: إلا أنه قيل إنه لا يلائم قوله بعد إذ نجانا الله منها إلا ~~أن يقال بالتغليب فيه، أو يقال: التنجية لا يلزم أن تكون بعد الوقوع في ~~المكروه. ألا ترى إلى قوله فأنجيناه وأهله [الأعراف: 83] و [النمل: 57] ~~وأمثاله؟ # ومنها: أن العود يطلق، ويراد به الابتداء. حققه الراغب والجار بردي وغير ~~واحد. # وأنشدوا قول الشاعر: # وعاد الرأس مني كالثغام # ومعنى الآية: لتدخلن في ملتنا، وقوله تعالى: إن عدنا أي دخلنا- كذا في ~~تاج العروس-. # ومنها: إبقاء صيغة العود على ظاهرها، من استدعائها رجوع العائد، إلى حال ~~كان عليها قبل. كما يقال: عاد له، بعد ما كان أعرض عنه، إلا أن الكلام من ~~باب التغليب. قال الزمخشري: لما قالوا: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك ~~فعطفوا على ضميره، الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم- قالوا لتعودن ~~فغلبوا الجماعة على الواحد. فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على حكم ~~التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال: إن عدنا في ملتكم بعد ms2210 ~~إذ نجانا الله منها وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم، وإن ~~كان بريئا من ذلك، إجراء لكلامه على حكم التغليب- انتهى. # ومنها: ما قاله الناصر في (الانتصاف) : إنه يسلم استعمال (العود) بمعنى ~~(الرجوع إلى أمر سابق) ، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى: الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات [الظلمات: 257] والإخراج يستدعي دخولا سابقا ~~فيما وقع الإخراج منه، ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط ~~في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلي لم يدخل قط في نور ~~الإيمان، ولا كان فيه. ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية ~~التي خلق الله العبد متيسرا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن ~~تمكن المؤمن من الكفر، # PageV05P151 # ثم عدوله عنه إلى الإيمان، إخبارا بالإخراج من الظلمات إلى النور، توفيقا ~~من الله له، ولطفا به، بل وبالعكس في حق الكافر. وقد مضى نظير هذا النظر ~~عند قوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: 16] وهو من المجاز المعبر ~~فيه عن السبب بالمسبب: وفائدة اختياره في هذه المواضع تحقيق التمكن ~~والاختيار، لإقامة حجة الله على عباده- والله أعلم- انتهى. # الثاني: في قوله إلا أن يشاء الله ربنا رد إلى الله تعالى مستقيم. # قال الواحدي والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية، أن شعيبا وأصحابه ~~قالوا: ما كنا لنرجع إلى ملتكم، بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول ~~النار، إلا أن يريد إهلاكنا. فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، ~~يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية. وهذا من شعيب وقومه استسلام ~~لمشيئة الله. # ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة، وانقلاب الأمر. ألا ترى إلى ~~قول الخليل عليه الصلاة والسلام: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [إبراهيم: ~~35] ؟ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرا ما # يقول «1» : «يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك» . # وقال الزجاج: المعنى: وما يكون لنا أن ms2211 نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في ~~علم الله ومشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله وسع ربنا كل شيء علما، ~~يعني أنه تعالى يعلم ما يكون، من قبل أن يكون، وما سيكون. وأنه تعالى كان ~~عالما في الأزل بجميع الأشياء. فالسعيد من سعد في علم الله تعالى. والشقي ~~من شقي في علم الله تعالى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : موقع قوله وسع ربنا كل شيء علما الاعتراف ~~بالقصور عن علم العاقبة، والاطلاع على الأمور الغائبة. فإن العود إلى الكفر ~~جائز في قدرة الله أن يقع من العبد. ولو وقع. فبقدرة الله ومشيئته المغيبة ~~عن خلقه. فالحذر قائم، والخوف لازم. ونظيره قول إبراهيم عليه السلام ولا ~~أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما، أفلا تتذكرون ~~[الأنعام: 80] لما رد الأمر إلى المشيئة، وهي مغيبة، مجد الله تعالى ~~بالانفراد بعلم الغائبات- والله أعلم. # وقال أبو السعود: معنى وما يكون لنا ... الآية- أي ما يصح لنا أن نعود ~~فيها في حال من الأحوال، أو في وقت من الأوقات، إلا أن يشاء الله. أي إلا ~~حال PageV05P152 # مشيئة الله تعالى، أو وقت مشيئته تعالى. لعودنا فيها. وذلك مما لا يكاد ~~يكون، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ربنا ... فإن التعرض لعنوان ربوبيته تعالى ~~لهم، مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا، وكذا قوله بعد إذ ~~نجانا الله منها فإن تنجيته تعالى لهم منها، من دلائل عدم مشيئته لعودهم ~~فيها. وقيل معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا. فيه دليل على أن الكفر ~~بمشيئته تعالى. وأيا ما كان، فليس المراد بذلك بيان أن العود فيها في حيز ~~الإمكان، وخطر الوقوع، بناء على كون مشيئته تعالى كذلك، بل بيان استحالة ~~وقوعها. كأنه قيل: وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وهيهات ~~ذلك. بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له- انتهى-. # ولا يخفى أن إفهام ذلك الاستحالة، هو باعتبار الواقع، وما يقتضيه منصب ~~النبوة. وأما إذا لوحظ مقام الخوف ms2212 والخشية، الذي هو من أعلى مقامات الخواص، ~~فيكون ما ذكرناه أولا أدق، وبالقبول أحق. # قال الإمام ابن القيم في (طريق الهجرتين) : قد أثنى الله سبحانه على أقرب ~~عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه، بعد أن أثنى عليهم ومدحهم إنهم ~~كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء: 90] فالرغب ~~الرجاء، والرهب الخوف والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه ~~يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] # وفي الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني أعلمكم بالله، ~~وأشدكم له خشية» . # وفي لفظ آخر: إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي # . وكان صلى الله عليه وسلم «2» يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. ~~وقد قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] ، فكلما كان ~~العبد بالله أعلم، كان له أخوف. # الثالث: قال الفراء: أهل عمان يسمون (القاضي) الفاتح والفتاح. لأنه يفتح ~~مواضع الحق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أدري ما قوله: ~~ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعال ~~أفاتحك، أي أحاكمك. # وقال الشهاب: الفتح، بمعنى الحكم، وهي لغة لحمير، أو لمراد، والفتاحة ~~PageV05P153 # (بالضم) عندهم الحكومة. أو هو مجاز بمعنى: أظهر وبين أمرنا، حتى ينكشف ما ~~بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل. ومنه فتح المشكل لبيانه وحله، ~~تشبيها له بفتح الباب وإزالة الأغلاق، حتى يوصل إلى ما خلفها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 90] # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا أي فيما يأمركم به ~~وينهاكم عنه إنكم إذا لخاسرون أي لجاهلون مغبونون، لاستبدالكم ضلالته ~~بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من بخس الكيل والميزان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 91] # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) # فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة الشديدة. # قال ابن كثير: أخبر تعالى هنا أنهم أخذتهم الرجفة، كما أرجفوا شعيبا ~~وأصحابه وتوعدوهم ms2213 بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: ولما جاء ~~أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~[هود: 94] ، والمناسبة هناك- والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم ~~أصلاتك تأمرك ... [هود: 87]- الآية فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال تعالى في ~~الشعراء فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم [الشعراء: ~~189] ، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة فأسقط علينا كسفا من ~~السماء ... # [الشعراء: 187] ، الآية فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة. وقد اجتمع ~~عليهم ذلك كله. أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم، فيها شرر من نار ~~ولهب ووهج عظيم. ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل ~~منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام فأصبحوا في دارهم أي ~~مدينتهم جاثمين أي ساقطين ميتين، لا ينتفعون برءوس أموالهم ولا بزوائدها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 92] # الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين (92) # الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها استئناف لبيان ابتلائهم بشؤم قولهم: # PageV05P154 # لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا وعقوبتهم بمقابلته. # والموصول مبتدأ، وخبره جملة كأن لم يغنوا فيها أي استؤصلوا بالمرة، ~~وصاروا كأنهم، لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم، التي أرادوا إجلاء ~~الرسول وصحبه منها. # ثم قال تعالى مقابلا لقيلهم السابق: الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ~~دينا ودنيا، لا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا. # قال ابن السعود: استئناف آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير. وإعادة ~~الموصول والصلة كما هي، لزيادة التقرير، والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة، ~~هو الذي استوجب العقوبتين. أي الذين كذبوه عليه السلام، عوقبوا بمقالتهم ~~الأخيرة، فصاروا هم الخاسرين، لا المتبعون له، وبهذا القصر اكتفى عن ~~التصريح بإنجائه عليه الصلاة والسلام، كما وقع في سورة هود من قوله تعالى: ~~ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه. # وقال الزمخشري: في هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في رد ~~مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم ms2214 لقومهم، واستعظام ~~لما جرى عليهم. # وفي (العناية) : أن من عادة العرب الاستئناف من غير عطف، في الذم ~~والتوبيخ. فيقولون: أخوك الذي نهب مالنا، أخوك الذي هتك سترنا. - انتهى-. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 93] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين (93) # فتولى عنهم أي: أعرض عن شفاعتهم والحزن عليهم وقال أي: في الاعتذار يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي أي بالأمر والنهي ونصحت لكم أي: # حذرتكم من عذاب الله، ودعوتكم إلى التوبة والإيمان بما يفيد ربح الدارين، ~~ويمنعكم خسرانهما، لكنكم كفرتم فكيف آسى أي: أحزن حزنا شديدا على قوم ~~كافرين أي بالله إن هلكوا، فضلا عن أن أشتغل بشفاعتهم. يعني أنه لا يأسى ~~عليهم، لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى. # PageV05P155 ### | ### | تنبيه: # # قال الجشمي: من أحكام الآية أنها تدل على أن قوم شعيب أهلكوا بعذاب ~~الاستئصال لما لم يقبلوا نصيحة نبيهم. فتدل على وجوب قبول النصيحة في ~~الدين. # وتدل على أنه لا يجوز الحزن على هلاك الكفرة والظلمة. بل يجب أن يحمد ~~الله ويشكر. كما قال تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب ~~العالمين [الأنعام: 45] . ### | لطيفة: # ذكروا أن شعيبا، عليه السلام، يقال له خطيب الأنبياء لفصاحة عبارته، ~~وجزالة موعظته وأصله ما # أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ذكر شعيبا يقول: ذاك خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه. # والمراجعة (مفاعلة) من الرجوع، وهي مجاز عن المحاورة. يقال: راجعه القول. ~~وإنما عنى النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر في هذه السورة، كما يعلم ~~بالتأمل فيه. كذا في (العناية) . # ثم أشار تعالى إلى أحوال سائر الأمم مع أنبيائهم إجمالا، إثر بيان الأمم ~~المذكورة تفصيلا فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 94] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) # وما أرسلنا في قرية من نبي أي كذبه أهلها إلا أخذنا ms2215 أهلها أي قبل الإهلاك ~~الكلي بالبأساء أي شدة الفقر والضراء أي المرض، لاستكبارهم عن اتباع نبيهم، ~~وتعززهم عليه لعلهم يضرعون ليتضرعوا ويتذللوا، ويحطوا أردية الكبر والعزة، ~~فيؤمنوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 95] # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة أي أعطيناهم- بدل ما كانوا فيه من البلاء، # PageV05P156 # كالشدة والمرض- السعة والصحة حتى عفوا أي كثروا ونموا في أنفسهم ~~وأموالهم. من قولهم: عفا النبات، وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» # (وأعفوا اللحى) # وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا، فقالوا ~~كفرانا لها: هذه عادة الدهر. يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس ~~آباءنا نحو ذلك فصبروا على دينهم، فنحن مثلهم، نقتدي بهم، وما هو بابتلاء ~~من الله لعباده، تصديقا لوعد الرسل، فازدادوا كفرا بعد الإعلام القولي ~~والفعلي. # والمعنى: أن الله تعالى ابتلاهم بالسيئة لينيبوا إليه، فما فعلوا. ثم ~~بالحسنة ليشكروا، فما فعلوا. وإذا لم ينجع فيهم هذا ولا ذاك، فلم يبق إلا ~~أن يأخذهم بالعذاب، وقد فعل. كما قال سبحانه فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ~~أي فأخذناهم أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة، من غير شعور منهم، ولا خطور ~~شيء من المكاره ببالهم، كقوله تعالى: حتى إذا فرحوا بما أوتوا ... ~~[الأنعام: 44] الآية- # وفي الحديث «2» # «موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر» رواه الإمام أحمد والبيهقي عن ~~عائشة. مرفوعا. ### | تنبيه: # اعتقاد أن مناوبة الضراء والسراء عادة الدهر، من غير أن يكون هناك داعية ~~تؤدي إليها، ولا حكمة فيهما، هو من اعتقاد الكافرين. # قال ابن كثير: المؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ~~فيشكر الله على السراء، ويصبر على الضراء. ولهذا جاء # في الحديث: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه. والمنافق ~~مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله، ولا فيما أرسلوه» # - أو كما قال-. # وفي الصحيحين «3» : «عجبا لأمر المؤمن. إن أمره ms2216 كله خير. وليس ذاك لأحد ~~إلا للمؤمن. إن أصابته سراء يشكر، فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان ~~خيرا له» . PageV05P157 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 96] # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) # ولو أن أهل القرى أي القرى المهلكة آمنوا أي بالله ورسلهم واتقوا أي ~~الكفر والمعاصي لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض أي لوسعنا عليهم ~~الخير، ويسرناه لهم من كل جانب، مكان ما أصابهم من فنون العقوبات، التي ~~بعضها من السماء، وبعضها من الأرض. ف (فتحنا) استعارة تبعية، لأنه شبه ~~تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول. أو مجاز مرسل في ~~لازمه، وهو التيسير. أو أريد ب (بركات السماء) المطر و (بركات الأرض) ~~النبات والثمار ولكن كذبوا أي الرسل فأخذناهم أي عاقبناهم بما كانوا يكسبون ~~من الكفر والمعاصي. ### | تنبيه: # أفادت الآية قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [يونس: 98] ، أي: ما آمنت ~~قرية بتمامها إلا قوم يونس، فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا من العذاب، ~~كما قال تعالى عنهم فآمنوا فمتعناهم إلى حين [الصافات: 148] . # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 97] # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) # أفأمن أهل القرى أي: القرى المذكورة أن يأتيهم بأسنا أي: عذابنا ونكالنا ~~بياتا أي: ليلا، أي وقت بيات وهم نائمون أي حال كمال الغفلة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 98] # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أي: يخوضون في الباطل ~~ويلهون من فرط الغفلة. # PageV05P158 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 99] # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) # أفأمنوا مكر الله وهو أخذه العبد من حيث ms2217 لا يحتسب فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون أي لا يأمن أحد أخذه تعالى العبد من حيث لا يشعر، مع كثرة ~~ما رأى من أخذه العباد من حيث لا يحتسبون، إلا القوم الذي خسروا عقولهم، ~~وأضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها، والاستعداد القريب المستفاد من ~~النظر في الآيات، فصاروا خاسرين إنسانيتهم، بل أخس من البهائم. وفي قوله ~~تعالى: أفأمنوا مكر الله تكرير للنكير في قوله: أفأمن أهل القرى لزيادة ~~التقرير. # قال الزمخشري: فعلى العاقل أن يكون في خوف من مكر الله، كالمحارب الذي ~~يخاف من عدوه الكمين، والبيات، والغيلة. وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت: ~~ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنتاه! إن أباك يخاف ~~البيات. # أراد قوله: أن يأتيهم بأسنا بياتا- انتهى-. # وقال الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، وجل خائف. والفاجر ~~يعمل بالمعاصي وهو آمن. ### | تنبيه: # الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال في المعاصي، اتكالا ~~على عفو الله- كما في جمع الجوامع-. # وقال الحنفية: إنه كفر كاليأس، لقوله تعالى: إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون [يوسف: 87] ، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. # واستدل الشافعية بحديث ابن مسعود رضي الله عنه (من الكبائر الأمن من مكر ~~الله) . وما ورد من أنه كفر، محمول على التغليظ. كذا في (العناية) . # وروى ابن أبي حاتم والبزار عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه صلى الله ~~عليه وسلم سئل: «ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، والإياس من روح الله، ~~والأمن من مكر الله. قال بعضهم: # والأشبه أن يكون موقوفا» . # قال ابن حجر: وبكونه أكبر الكبائر، صرح ابن مسعود: كما رواه عنه عبد ~~الرزاق والطبراني. # PageV05P159 # قال الكمال بن أبي شريف: عطفهما- يعني الإياس والأمن- في الحديث على ~~(الإشراك بالله) المحمول على مطلق الكفر، ظاهر في أنهما غير الكفر. # وقال أيضا. مراد الشافعية بكونه كبيرة، أن من غلب عليه الرجاء غلبة دخل ~~بها في حد الأمن من المكر، كمن استبعد العفو عن ذنوبه لعظمها استبعادا ms2218 دخل ~~به في حد اليائس. وأما من كان أمنه لاعتقاد أن لا مكر، كمن كان يأسه لإنكار ~~سعة الرحمة ذنوبه. فينبغي أن يكون كل منهما كافرا عند الشافعية أيضا، ويحمل ~~عليه نص القرآن- انتهى-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 100] # أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) # أولم يهد أي يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أي المأخوذين. # أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي كما أصبنا من قبلهم فأهلكنا الوارثين كما ~~أهلكنا الموروثين ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون أي نختم عليها فلا يقبلون ~~موعظة ولا إيمانا. # قال أبو البقاء: يقرأ (يهد) بالياء وفاعله (أن لو نشاء) . و (أن) مخففة ~~من الثقيلة. أي: أو لم يبين لهم علمهم بمشيئتنا. ويقرأ بالنون. و (أن لو ~~نشاء) مفعوله. وقيل: فاعل (يهدي) ضمير اسم الله تعالى- انتهى-. # ويؤيده قراءة النون. وجوز أن يكون ضميرا عائدا على ما يفهم مما قبله، أي: # أولم يهد ما جرى للأمم السابقة. وتعدية (يهد) باللام، لأنه بمعنى (يبين) ~~إما بطريق المجاز، أو التضمين. # قال الشهاب: وإنما جعل بمعنى (يبين) ، وإن كان (هدى) يتعدى بنفسه، ~~وباللام وبإلى- لأن ذلك في المفعول الثاني لا في الأول، كما هنا، فهذا ~~استعمال آخر. وقيل: لك أن تحمل اللام على الزيادة، كما ردف لكم [النمل: 72] ~~والمراد ب (الذين) أهل مكة ومن حولها، كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما- ~~انتهى-. # وقوله تعالى: # PageV05P160 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 101] # تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) # تلك القرى أي المذكورة وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب ~~نقص عليك من أنبائها مما يدل على مؤاخذتهم بذنوبهم لإصرارهم عليها بعد ~~التنبيه. # ثم بين تعالى أنه أعذر إليهم بأن بين لهم بالحجج على ألسنة الرسل بقوله: # ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما ms2219 كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بالبينات ~~والدلائل القاطعة بما كذبوا من قبل أي بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد ~~عليهم، إذ تمرنوا على التكذيب، فلم تفدهم الآيات، واستوت عندهم الحالتان، ~~كقوله: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ... الآية [الأنعام: 109- 110]- ولهذا قال كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين أي من المذكورين وغيرهم، فلا يكاد يؤثر فيها الآيات ~~والنذر، لما علم أنهم يختارون الثبات على الكفر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 102] # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # وما وجدنا لأكثرهم من عهد أي من وفاء عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين أي: ~~خارجين عن الطاعة مارقين، فلذلك أخذناهم. # قال الزمخشري: الضمير (للناس) على الإطلاق، أي وما وجدنا لأكثر الناس من ~~عهد. يعني: أن أكثر الناس نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى. والآية ~~اعتراض. # ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا، إذا عاهدوا الله ~~في ضر ومخافة، لئن أنجيتنا لنؤمنن، ثم نجاهم، نكثوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 103] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) # ثم بعثنا من بعدهم أي: الرسل المتقدم ذكرهم، وهم نوح وهود وصالح # PageV05P161 # ولوط وشعيب، أو الأمم المحكية من بعد هلاكهم موسى بآياتنا وهي العصا، ~~واليد البيضاء، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، حسبما يأتي مفصلا إلى فرعون وهو ملك مصر في عهد موسى ~~وملائه أي قومه فظلموا بها أي كفروا بها. أجرى الظلم مجرى الكفر في تعديته ~~بالباء، وإن كان يتعدى بنفسه، لأنهما من واد واحد. إن الشرك لظلم عظيم ~~[لقمان: 13] . أو هو بمعنى الكفر مجازا أو تضمينا، أي: كفروا بها واضعين ~~الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان، لأنه أوتي الآيات لتكون موجبة للإيمان ~~بما جاء به. فعكسوا، حيث كفروا فوضعوا الشيء في غير موضعه، أو الباء سببية، ~~ومفعوله محذوف، أي ظلموا أنفسهم بسببها، بأن عرضوها ms2220 للعذاب الخالد. أو ~~ظلموا الناس لصدهم عن الإيمان بها، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى ~~أن لقوا من العذاب ما لقوا، كما يشير له قوله تعالى: فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين أي لعقائد الخلق، أفسد الله عليهم ملكهم، وآتاه أعداءهم، فأغرقهم ~~عن آخرهم، وبمرأى من موسى وقومه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 104] # وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) # وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين أي أرسلني إليك الذي هو خالق ~~كل شيء وربه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 105] # حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي ~~بني إسرائيل (105) # حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق أي جدير بذلك وحري به، لما علمت ~~من حالي. والباء و (على) يتعاقبان. يقال: رميت بالقوس وعلى القوس. وجاء على ~~حال حسنة وبحال حسنة. وقرأ أبي رضي الله عنه (حقيق بأن لا أقول) قد جئتكم ~~ببينة من ربكم أي آية منه تشهد على صدقي فيما جئتكم به بالضرورة فأرسل معي ~~بني إسرائيل روي أنه تعالى أمره أن يأتي فرعون ويقول له: إن إلهنا أمرنا أن ~~نسير ثلاثة أيام في البرية، ونقرب له قرابين ونعبده. وقد علم تعالى أن ~~فرعون لا يدعهم يمضون، ولكن ليظهر آياته على يد موسى، ويهلك عدوه. فلما # PageV05P162 # أتى موسى فرعون وكلمه في أن يرسل معه قومه، أنكر أمر الرب له، وقال: ~~لماذا نعطل الشعب عن أعماله؟ وكانوا مسخرين لفرعون في عمل اللبن، وأمر ~~بزيادة عملهم، بأن يجمعوا التبن من أنفسهم، بعد أن كانوا يعطونه من قبل ~~فرعون. # ثم طلب فرعون من موسى آية، كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 106] # قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) # قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 107] # فألقى عصاه ms2221 فإذا هي ثعبان مبين (107) # فألقى عصاه التي هي جماد فإذا هي أي من غير سترة ولا معالجة سبب ثعبان أي ~~حية كبيرة هائلة، فاضت عليه الحياة لتدل على فيضان الحياة العظيمة على يديه ~~مبين أي ظاهر لا متخيل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 108] # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) # ونزع يده أي أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء للناظرين ~~أي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظارة تعجبا من ~~أمرها. فيدل على أنه يظهر على يديه شرائع تغلب أنوارها المعنوية الأنوار ~~الحسية، ويتقوى بها الحياة بالله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 109] # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) # قال الملأ من قوم فرعون أي الأشراف يكرهون شرف الغير عليهم، في دفع هذه ~~الآيات الظاهرة عن خواطر الخلق إن هذا لساحر عليم أي ماهر فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 110] # يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) # يريد أن يخرجكم من أرضكم أي من أرض مصر بسحره ليتملك عليها # PageV05P163 # فماذا تأمرون أي تشيرون في أمره. وهذا من تمام الحكاية عن قول الملأ، أو ~~مستأنف من قول فرعون، تقديره فقال: ماذا تأمرون؟ ويدل عليه قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 111] # قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) # قالوا أرجه وأخاه أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما، وتدبر ~~شأنهما، لئلا تنسب إلى الظلم الصريح. # قال أبو منصور: والأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر، وهو الهم ~~بقتله، فقالوا أخره ليتبين حاله للناس، وأصل أرجه أرجئه، كما قرئ كذلك. من ~~(أرجأت) وأرسل في المدائن أي مدائن الصعيد من نواحي مصر حاشرين أي من يحشر ~~لك السحرة ويجمعهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 112] # يأتوك بكل ساحر عليم (112) # يأتوك بكل ساحر وقرى (سحار) عليم أي ماهر في باب السحر، ليعارضوا موسى ما ~~أراهم من البينات. ms2222 ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على عظيم معجزة لموسى، وتدل على جهل فرعون وقومه، ~~حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه غير الله تعالى، حتى ~~نسبوه إلى السحر. وتدل على أن عادة البشر، أن من رأى أمرا عظيما أن يعارضه. # فلذلك دعا فرعون بالسحرة. فدل على أن العرب لو قدروا على مثل القرآن، ~~لعارضوه. # وتدل على أن الطريق في المعجزات، المعارضة بإتيان مثله، ولذلك قال تعالى ~~في القرآن: فأتوا بسورة مثله [يونس: 38] . ولذلك لم يتكلف فرعون وقومه غير ~~المعارضة وإيقاع الشبه. وتدل أنهم أنكروا أمره محافظة على الملك والمال، ~~لذلك قالوا يريد أن يخرجكم من أرضكم فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك ~~الدين، المحافظة على الرياسة والمال والجاه، كما هو عادة الناس في هذا ~~الزمن. # انتهى. # ثم تسابقت شرط فرعون، فحشروهم. كما قال تعالى: # PageV05P164 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 113] # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 114] # قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) # قال نعم وإنكم لمن المقربين ولما توثقوا من فرعون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 115] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين أي أول من ألقى، كما ~~في الآية الأخرى. قيل خيروا موسى إظهارا للجلادة، فلم يبالوا بتقدمه أو ~~تأخره. # وقال الزمخشري تخييرهم إياه أدب حسن، راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات ~~إذا التقوا، كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن ~~يتآخذوا للصراع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 116] # قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم (116) # قال أي: موسى لهم ألقوا أي ما أنتم ملقون. وإنما سوغ لهم التقدم ازدراء ~~لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الإلهي، وأن ms2223 ~~المعجزة لن يغلبها سحر أبدا فلما ألقوا سحروا أعين الناس أي خيلوا لها ما ~~ليس في الواقع واسترهبوهم أي وخوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر، كما في ~~الآية الأخرى: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في ~~نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى [طه: 66- 68] . وجاؤ بسحر عظيم ~~أي: في باب السحر، أو في عين من رآه، فإنه ألقى كل واحد عصاه، فصارت العصي ~~ثعابين. # PageV05P165 ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآيات على أن القوم أتوا بما في وسعهم من التمويه، وكان ~~الزمان زمان سحر، والغالب عليهم الاشتغال به، فأتى موسى عليه السلام من جنس ~~ما هم فيه، ما لم يقدر عليه أحد، ليعلموا أنه معجز وليس بسحر. وهكذا ينبغي ~~في المعجزات أن تكون من جنس ما هو شائع في القوم، ويتعذر عليهم مثله. وكان ~~الطب هو الغالب في زمن عيسى، فجاء بإحياء الميت، وإبراء الأكمه والأبرص، ~~وليس في وسع طبيب. وكان الغالب في زمن نبينا عليه السلام الفصاحة والخطب ~~والشعر، فجاء القرآن وتحداهم به. وتدل على أنهم بالحيل جعلوا الحبال والعصي ~~متحركة حتى أوهموا أنها أحياء. ولكن لما وقف على أصل ما فعلوه وعلم، وكان ~~مثله مقدورا لكل من يتعاطى صناعتهم، علم أنه شعبذة. ولهذا تتفارق المعجزة ~~والشعبذة. أنه يوقف على أصلها، ويمكن إتيان مثلها، ويخفى أمرها، بخلاف ~~المعجزة. # ثم قال: وتدل على اعتراف فرعون بالذل والضعف، حيث استغاث بهم وبمهنتهم ~~لدفع مكروه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 117] # وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) # وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف أي تبتلع ما يأفكون أي ما ~~يلقونه ويوهمون أنه حق، وهو باطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 118] # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) # فوقع الحق أي ثبت الإعجاز وبطل ما كانوا يعملون أي من السحر لإبطال ~~الإعجاز. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 119] # فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) # فغلبوا ms2224 هنالك أي في مكان الوعد الذي اجتمع فيه أهل مصر بدعوته، لظنه # PageV05P166 # غلبة السحرة وانقلبوا أي رجعوا صاغرين أي: ذليلين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 120] # وألقي السحرة ساجدين (120) # وألقي السحرة ساجدين ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 121] # قالوا آمنا برب العالمين (121) # قالوا آمنا برب العالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 122] # رب موسى وهارون (122) # رب موسى وهارون. # قال الجشمي: دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس ~~السحر، فآمنوا في الحال. وتدل على أنهم بتلك الآيات استدلوا على التوحيد ~~والنبوة، لذلك اعترفوا بهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 123] # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا أي الصنع لمكر أي حيلة مكرتموه ~~أي دبرتموه أنتم وموسى في المدينة أي في مصر قبل الخروج للميعاد لتخرجوا ~~منها أهلها فسوف تعلمون وعيد أجمله ثم فصله بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 124] # لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) # لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف أي من كل جانب، عضوا مغايرا للآخر، كاليد ~~من أحدهما، والرجل من آخر. # PageV05P167 # قال الشهاب: من خلاف حال، أي مختلفة. وقيل من تعليلية متعلقة بالفعل، أي ~~لأجل خلافكم، وهو بعيد. # ثم لأصلبنكم أجمعين أي تفضيحا لكم. وتنكيلا لأمثالكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 125] # قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # قالوا إنا إلى ربنا منقلبون أي فلا نبالي بما تهددنا به، لأنه هو الذي ~~يقربنا إلى من آمنا به، فيحيينا بحياة خير من الحياة الدنيوية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 126] # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا أي ما تعيب منا إلا ~~الإيمان بآيات الله. ms2225 أي وما عبته وأنكرته هو أعظم محاسننا، لأنه خير ~~الأعمال، وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلبا لمرضاتك ربنا أفرغ علينا صبرا ~~أي أفض علينا صبرا واسعا لنثبت على دينك وتوفنا مسلمين أي ثابتين على ~~الإسلام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 127] # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) # وقال الملأ من قوم فرعون أي خوفا من انقلاب الخلائق عليهم حين رأوا ~~السحرة جاهروا بالإسلام، ولم يبالوا بالتوعد أتذر أي أتترك موسى وقومه ~~ليفسدوا في الأرض أي في أرض مملكتك بتغيير الناس عنك ويذرك وآلهتك الآلهة ~~جمع (إله) ، بمعنى المعبود. وكان للمصريين آلهة كثيرة منها المسمى (أوسيرس) ~~وكانوا يعتقدون أن روحه توجد في الثور المسمى (أبيس) ، فيعبدونه أيضا، ~~ويعبدون كثيرا من الحيوانات. وكانوا يعبدون الظلام أيضا، ويعبدون (بعلز ~~بوب) صنم (عقرون) يعتقدون أن وظيفته طرد الذبان. وبالجملة فقد فاقوا كل من ~~سواهم في الضلال، فكانوا يسجدون للشمس والقمر والنجوم والأشخاص البشرية # PageV05P168 # والحيوانات، حتى الهوام وأدنى حشرات الأرض. هكذا حكى عنهم بعض المدققين. # وقد ذكر الشهرستاني في (الملل والنحل) أن فرعون كان أول أمره على مذهب ~~الصابئة، ثم انحرف عن ذلك، وادعى لنفسه الربوبية، إذ رأى في نفسه قوة ~~الاستعمال والاستخدام. انتهى. # وتقدم في سورة البقرة بيان مذهب الصابئة. فتذكر. # وقال بعضهم: إن كلمة (الآلهة) لفظة اصطلاحية عند العبرانيين، يراد بها ~~القضاة والحكام الذين يقضون بأمر الله، وأنها لو حملت على هذا هاهنا، لم ~~يبعد، ويكون المعنى: وبذرك وقضاتك وذوي أمرك، ويكون الغرض من ذكرهم معه ~~تهويل الأمر، وإلهاب قلب فرعون على موسى، وإثارة غضبه. وقد صرح غير واحد ~~بوقوع ألفاظ من غير العربية في القرآن، كما نقله السيوطي في النوع الثامن ~~والثلاثين من (الإتقان) - انتهى- والأظهر ما قدمناه أولا. قال سنقتل قرئ ~~بالتخفيف والتشديد أبناءهم المولودين ونستحيي أي نستبقي نساءهم أي ~~للاستخدام وإنا فوقهم قاهرون أي بالغلبة والقدرة عليهم، ففعلوا بهم ذلك، ~~فشكا بنو إسرائيل. ### | ### | القول ms2226 في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 128] # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده والعاقبة للمتقين (128) # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا أي على أذاهم إن الأرض لله يورثها ~~أي يعطيها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين يعني أن النصر والظفر للمتقين ~~على عدوهم. وكان تعالى وعد موسى بأنه سيطرد المصريين من أرضهم، ويهلكهم ~~وينجي قومه من عذاب آل فرعون لهم. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآيات على أن قوم فرعون، لما عجزوا عن موسى في آياته، ~~عدلوا إلى إغراء فرعون بموسى، وأوهموه أن تركه فساد في الأرض، وأنه عند ذلك ~~أوعده. وذلك من أدل الدليل على نبوة موسى، لأن قتل صاحب المعجزة لا يقدح في ~~معجزته، ولهذا قال مشايخنا: إن العرب لما عدلوا عن معارضة القرآن، التي في ~~إيرادها إبطال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى القتال، الذي لا يفيد ~~ذلك- دل على عجزهم. # وهكذا حال كل ضال مبتدع، إذا أعيته الحجة، عدل إلى التهديد والوعيد. وتدل ~~على أن عند الخوف من الظلمة يجب الفزع إلى الله تعالى، والاستعانة به، ~~والصبر. # PageV05P169 # ولا مفزع إلا في هذين: وهو الانقطاع إلى الله تعالى بطلب المعونة في ~~الدفع، واللطف له في الصبر. وتدل على أن العاقبة المحمودة تنال بالتقوى، ~~وهي اتقاء الكبائر والمعاصي. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 129] # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) # قالوا أي قوم موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا أي فعلوا ~~بنا من الهوان والإذلال من قبل بعثتك وبعدها. ثم صرح لهم موسى بما رمز إليه ~~من البشارة قبل قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم أي فرعون وجنوده ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون أي فيرى الكائن منكم من العمل، حسنه وقبيحه، وشكر ~~النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. ثم بين تعالى ما أحل ms2227 ~~بفرعون وقومه من الضراء، لما تأبى عن إجابة موسى وإرسال قومه معه، بقوله ~~سبحانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 130] # ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) # ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين أي بالجدب والقحط ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون أي يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر إلى أمر موسى. وذلك لأن ~~الشدة ترقق القلوب، وترغب في الضراعة إلى الله تعالى. # قال الجشمي: تدل الآية على أن الشدة والبؤس قد يكونان لطفا وصلاحا في ~~الدين، لذلك قال: لعلهم يذكرون. # ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن عليهم، والشدائد، لم يزدادوا إلا تمردا ~~وكفرا، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 131] # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) # فإذا جاءتهم الحسنة أي الصحة والخصب قالوا لنا هذه أي لأجلنا # PageV05P170 # واستحقاقنا، ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم، فيشكروه على إنعامه وإن ~~تصبهم سيئة شدة يطيروا بموسى ومن معه أي يتشاءموا. وأصله (يتطيروا) . يعني ~~أنهم يقولون: هذه بشؤمهم ألا إنما طائرهم عند الله أي شدتهم، وما طار إليهم ~~من القضاء والقدر عند الله، لا عند غيره، أي من قبله تعالى ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون أي أن ما أصابهم من الله تعالى، ما يقولون، مما حكى عنهم. ثم أخبر ~~تعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 132] # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين أي بمصدقين ~~بالرسالة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 133] # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) # فأرسلنا عليهم الطوفان أي على آل فرعون. وأما قوم موسى فلطف تعالى بهم، ~~فلم ينلهم ولا محالهم سوء من الطوفان ولا غيره. والطوفان (لغة) ms2228 هو المطر ~~الغالب، ويطلق على كل حادثة تطيف بالإنسان وتحيط به، فعم الطوفان الصحراء، ~~وأتلف عشبها، وكسر شجرها، وتواصلت الرعود والبروق، ونيران الصواعق في جميع ~~أرض مصر والجراد فأكل جميع عشب أرض مصر والثمر، مما تركه الطوفان، حتى لم ~~يبق شيء من ثمرة ولا خضرة في الشجرة، ولا عشب في الصحراء والقمل فعم أرض ~~مصر، وكان على الناس والبهائم، وهو بضم وتشديد ك (سكر) صغار الذر، أو شيء ~~صغير بجناح أحمر. أو دواب صغار من جنس القردان، أو الدبي الذي لا أجنحة له، ~~وهو الجراد الصغار. # قال أبو البقاء: (القمل) يقرأ بالشديد والتخفيف مع فتح القاف وسكون ~~الميم. قيل: هما لغتان. قيل: هما القمل المعروف في الثياب ونحوها، والمشدد ~~يكون في الطعام- انتهى. # ورد ابن سيده، وتبعه المجد في (القاموس) القول بأن المراد به قمل الناس. # PageV05P171 # والضفادع فصعدت من الأنهار والخلج والمناقع، وغطت أرض مصر والدم فصارت ~~مياه مصر جميعها دما عبيطا، ومات السمك فيها، وأنتنت الأنهار، ولم يستطع ~~المصريون أن يشربوا منها شيئا آيات مفصلات أي مبينات لا يشكل على عاقل أنها ~~آيات الله تعالى ونقمته، أو مفرقات بعضها إثر بعض. و (آيات) حال من ~~المنصوبات- قبل فاستكبروا أي عن الإيمان، فلم يؤمنوا لموسى. ويرسلوا معه ~~بني إسرائيل وكانوا قوما مجرمين أي عاصين كافرين. # قال الجشمي: تدل الآية على عناد القوم، وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث ~~عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد، أنهم لا يؤمنون بها، ~~وليس هذه عادة من غرضه الحق. وتدل على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها. # وتدل على وجوب التدبر في الآيات. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 134] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) # ولما وقع عليهم الرجز أي نزل بهم العذاب المفصل قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك أي بعهده عندك، وهو النبوة. ف (ما) مصدرية. # قال ms2229 الشهاب: سميت النبوة عهدا، لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا ~~إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقا تحفظ، كما تحفظ العهود. أو لأنها ~~بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى- انتهى-. # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي الذين أرسلت ~~لطلبهم، ليعبدوا ربهم تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 135] # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه يعني إلى الوقت الذي أجل لهم، ~~وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم إذا هم ينكثون أي ينقضون العهد الذي ~~التزموه، فلم يفوا به. فإن فرعون كان كلما حل بمصر نقمة مما تقدم، يدعو ~~موسى، # PageV05P172 # ويطلب منه أن يشفع إلى الله تعالى بكشفها، ويعده أنها إذا كشفت أطلق شعبه ~~لعبادته تعالى، حتى إذا كشفت أخلف ما وعد، وقسا قلبه. ولما لم يتعظوا بما ~~شاهدوه مما تقدم، أتتهم النقمة القاضية، كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 136] # فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ~~(136) # فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم أي البحر بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم، وعدم ~~تفكرهم ومبالاتهم بها. وقد روي أن فرعون، بعد أن أبصر ما أبصر من الضربات ~~الربانية على مصر، أذن لموسى وقومه أن يخرجوا من مصر، ليقيموا عبادة الله ~~تعالى حيث شاؤوا، فارتحل بنو إسرائيل على عجل ليلا، وساروا بكل ما معهم من ~~غنم وبقر ومواش، من عين شمس إلى (سكوت) وسلكوا طريق برية البحر الأحمر، ~~ولما سمع فرعون بارتحالهم، ندم على ما فعل، من إطلاقهم من خدمته، فجمع جيشه ~~ومراكبه الحربية، ولحقهم فأدركهم، وكانوا قد وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر. ~~حينئذ خاف الإسرائيليون، وأخذوا يتذمرون على موسى، فقال لهم: لا تخافوا، إن ~~الله معنا. ثم أمر تعالى موسى، فمد يده إلى البحر الأحمر، فانشق ماؤه، وصار ~~فيه طريق واسعة، وأرسل الله ريحا شرقية ms2230 شديدة، فيبس قعره، فعبر فيه ~~الإسرائيليون، والماء عن يمينهم وشمالهم، فتبعهم فرعون وجنوده وتوسطوا ~~البحر، فمد موسى يده، بإذن الله، على البحر، فارتد ماؤه سريعا، وغمر فرعون ~~وجنوده ومراكبه، فغرقوا جميعا، ثم طفت جيفهم على وجه الماء، وانقذفت إلى ~~الساحل، فشاهدها الإسرائيليون عيانا. # هذا ملخص ما روي هنا. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية أنه تعالى أهلكهم بعد أن أزاح العلة بالآيات، وتدل ~~على أن ما أصابهم كان عقوبة وجزاء على فعلهم، وتدل على قبح الاعتراض على ~~آيات الله، وتدل على وجوب النظر، وتدل على أن النكث فعلهم، والاعراض، فلذلك ~~عاقبهم عليهما. انتهى. # PageV05P173 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 137] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون أي بالاستعباد وقتل الأبناء. وفي ~~التعبير عنهم بهذا، إظهار لكمال لطفه تعالى بهم، وعظيم إحسانه إليهم، وفي ~~رفعهم من حضيض المذلة إلى أوج العزة مشارق الأرض ومغاربها أي الأرض ~~المقدسة، أي جوانبها الشرقية والغربية، حيث ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة ~~والعمالقة، وتصرفوا في أكنافها حيث شاءوا. وقوله تعالى: التي باركنا فيها ~~أي بالخصب وسعة الأرزاق وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل أي مضت ~~واستمرت عليهم، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين بما صبروا أي بسبب صبرهم ~~على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه. # قال الزمخشري: وحسبك به حاثا على الصبر، ودالا على أن من قابل البلاء ~~بالجزع، وكله الله إليه. ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له ~~الفرج. # وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف، وقد سمع قوله تعالى- وتلا الآية- ومعن ~~(خف) طاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزن أولي الصبر. # ودمرنا أي خربنا وأهلكنا ما كان يصنع فرعون وقومه أي ما كانوا يعملون ~~ويسوون من العمارات وبناء القصور وما كانوا يعرشون (بكسر الراء وضمها) أي ~~من الجنات. أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في ms2231 السماء، كصرح هامان. ~~وهذا كما قال تعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون [القصص: 5- 6] . وقال تعالى: كم تركوا من جنات وعيون وزروع ~~ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين [الدخان: ~~25- 28] . # قال الزمخشري: وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم ~~بآيات الله، وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل، وما أحدثوه ~~بعد # PageV05P174 # إنقاذهم من ملكة فرعون، واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم ~~البحر: # من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والعاصي، ~~ليعلم حال الإنسان وأنه، كما وصفه لظلوم كفار [إبراهيم: 34] ، جهول كنود، ~~إلا من عصمه الله وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] ، وليسلي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما أري من بني إسرائيل بالمدينة، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 138] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر أي الذي أغرق فيه أعداءهم، وهو بحر القلزم ك ~~(قنفذ) ، بلد كان في شرقي مصر، قرب جبل الطور، أضيف إليه، لأنه على طرفه، ~~ويعرف البلد الآن ب (السويس) ومن زعم أن البحر هو نيل مصر، فقد أخطأ، كما ~~في (العناية) . # فأتوا على قوم يعكفون قرئ بضم الكاف وكسرها على أصنام لهم أي يواظبون على ~~عبادتها ويلازمونها قالوا يا موسى اجعل لنا إلها أي صنما نعكف عليه كما لهم ~~آلهة أي أصنام يعكفون عليها قال إنكم قوم تجهلون أي شأن الألوهية وعظمتها، ~~وأنه لا يستحقها إلا الله وحده. # قال البغوي رحمه الله: ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله ~~تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى. ~~وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms2232 [سورة الأعراف (7) : آية 139] # إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) # إن هؤلاء يعني عبدة تلك التماثيل متبر أي مهلك ما هم فيه أي من الشرك ~~وباطل ما كانوا يعملون أي عبادة الأصنام، وإن كان قصدهم بذلك التقرب إلى ~~الله تعالى، فإنه كفر محض. # قال الرازي: أجمع كل الأنبياء، عليهم السلام، على أن عبادة غير الله ~~تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلها للعالم، أو اعتقد أن عبادته ~~تقرب إلى الله # PageV05P175 # تعالى، لأن العبادة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر منه غاية ~~الإنعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل وخلق الأشياء ~~المنتفع بها. والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب أن لا تليق ~~العبادة إلا به. انتهى. # وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ~~(ذات أنواط) فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من كان قبلكم- أخرجه ~~الإمام أحمد «1» والترمذي «2» وابن جرير وغيرهم-. # وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم ~~سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ~~ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. # وقال الحافظ أبو شامة الشافعي الدمشقي في كتاب (البدع والحوادث) : وقد عم ~~الابتلاء بتزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، فيفعلون ذلك ~~ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم ~~يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون ~~الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط ~~وحجر. # ثم شرح شجرة مخصوصة فقال: ما أشبهها بذات أنواط، التي في الحديث. # وروى ابن وضاح في كتابه قال: سمعت عيسى بن ms2233 يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت، ~~لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة. ولهذا البحث تتمة ~~مهمة في (إغاثة اللهفان) لابن القيم. فلتنظر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 140] # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) # قال أي موسى، مذكرا لقومه نعمه تعالى عليهم، الموجبة لتخصيصه PageV05P176 # تعالى بالعبادة أغير الله أبغيكم إلها أي أطلب لكم معبودا. يقال: أبغاه ~~الشيء طلبه له، ك (بغاه إياه) ، يتعدى إلى مفعولين، وليس من باب الحذف ~~والإيصال. # وفي الحديث «1» : أبغني أحجارا أستطيب بها، بهمزة القطع والوصل. وقال ~~الشاعر: # وكم آمل من ذي غنى وقرابة ... لتبغيه خيرا وليس بفاعل # والاستفهام في الآية للإنكار والتعجب والتوبيخ وهو فضلكم على العالمين أي ~~والحال، أنه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 141] # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # وإذ أنجيناكم من آل فرعون أي: من فرعون وقومه يسومونكم سوء العذاب أي ~~يكلفونكم إياه، أو يولونكم إياه، يقال: سامه الأمر يسومه، كلفه إياه وجشمه ~~وألزمه. أو أولاه إياه يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم أي فنجاكم منه وحده، من غير شفاعة أحد. ### | ### | تنبيه: # # قال الجشمي: تدل الآية على أن هلاك الأعداء نعمة من الله يجب مقابلتها ~~بالشكر. وتدل على أن المحن في الأولاد والأهل بمنزلة المحن في النفس، ويجري ~~مجراه. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 142] # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة روي ~~أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر، نزلوا في برية طور سيناء، وكانت مدة ~~خروجهم إلى أن نزلوا شهرا ونصفا. ولما ms2234 نزلوا تلقاء الجبل، صعد موسى إليه، ~~PageV05P177 # وسمع كلامه تعالى وأوامره ووصاياه.. ثم انحدر موسى إلى قومه، وأعلمهم بما ~~أمروا به، وصاروا يشاهدون على الجبل ضبابا، وصوت رعود، وبروقا. ثم أمر ~~تعالى موسى أن يصعد إلى الجبل ليؤتيه الشرائع التي كتبها على قومه. فصعد ~~موسى الجبل، وكان مغطى بالغمام، فدخل موسى في وسط الغمام وأقام في الجبل ~~أربعين يوما، لم يأكل ولم يشرب، لما أمد من القوة الروحانية، والتجليات ~~القدسية، وأوتي في برهتها الألواح التي كتبت فيها شرائعهم، ولما رجع إلى ~~قومه، كان على وجهه أشعة نور مدهشة، فخافوا من الدنو منه. فجعل على وجهه ~~برقعا، فكان إذا صعد الجبل للمناجاة، رفعه، وإذا أتاهم وضعه. والله أعلم. # وقال موسى لأخيه هارون أي حين توجه للمناجاة اخلفني في قومي أي: # كن خليفتي فيهم وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين أي لا تتبع من سلك الإفساد ~~ولا تطع من دعاك إليه. ### | ### | تنبيه: # # قال الجشمي: تدل الآية على أنه استخلف هارون عند خروجه، لما رأى أنهم أشد ~~طاعة له، وأكثر قبولا منه، ومخاطبات موسى عليه السلام لهارون وجوابه له ~~كقوله: أفعصيت أمري [طه: 93] ، وقول هارون تأخذ بلحيتي # [طه: 94] فلا تشمت بي الأعداء [الأعراف: 150] كل ذلك كالدال على أن موسى ~~كان يختص بنوع من الولاية، وإن اشتركا في النبوة. والظاهر أنه استخلفه إلى ~~أن يرجع، لأنه المعقول من الاستخلاف عند الغيبة. وتدل على أنه يجوز أن ~~ينهاه عن شيء يعلم أنه لا يفعله، ويأمره بما يعلم أنه سيفعله، عظة له، ~~واعتبارا لغيره، وتأكيدا ومصلحة للجميع. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 143] # ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) # ولما جاء موسى لميقاتنا أي حضر الجبل لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا وكلمه ~~ربه أي خاطبه من غير واسطة ملك ms2235 قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني # PageV05P178 # ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني # أي لن تطيق رؤيتي، لأن هذه البنية الآدمية في هذه النشأة الدنيوية، لا ~~طاقة لها بذلك، لعدم استعدادها له. بل ما هو أكبر جرما، وأشد خلقا وصلابة- ~~وهو الجبل- لا يثبت لذلك، بل يندك. ولذا قال تعالى ولكن انظر إلى الجبل أي ~~الذي هو أقوى منك فإن استقر أي ثبت مكانه، حين أتجلى له، ولم يتزلزل فسوف ~~تراني، أي تثبت لرؤيتي، إذا تجليت عليك، وإلا فلا طاقة. وفيه من التلطيف ~~بموسى، والتكريم له، والتنزل القدسي- ما لا يخفى فلما تجلى ربه للجبل أي: ~~ظهر له وبان- قاله الزجاج- جعله أي: # التجلي دكا أي مفتتا، فلم يستقر مكانه. فنبه تعالى على أن الجبل، مع شدته ~~وصلابته، إذا لم يستقر، فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر. وفيه ~~تسكين لفؤاد موسى، بأن المانع من الانكشاف الإشفاق عليه، وأما أن المانع ~~محالية الرؤية، فليس في القرآن إشارة إليه وخر أي وقع موسى صعقا أي مغشيا ~~عليه من هول ما رأى فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك أي من الإقدام على سؤالي ~~الرؤية وأنا أول المؤمنين أي بأنه لا يستقر لرؤيتك أحد في هذه النشأة. # قال في (الانتصاف) : إنما سبح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم ~~قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، ~~وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق. فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف ~~المعلوم، سبح الله، وقدس علمه وخبره عن الخلف. وأما التوبة في حق الأنبياء ~~فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزها مبرأ من ~~كل ما ينحط به. ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل. وقد ~~ورد: (سيئات المقربين، حسنات الأبرار) . ### | تنبيه: # قال المتكلمون: دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين: # الأول- أن سؤال موسى عليه السلام الرؤية يدل على إمكانها. لأن العاقل، ~~فضلا عن النبي صلى الله ms2236 عليه وسلم، لا يطلب المحال. ولا مجال للقول بجهل ~~موسى عليه السلام بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله، لا يصلح ~~للنبوة. إذ الغرض من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة، والأعمال ~~الصالحة. ولا ريب في نبوة موسى عليه السلام، وأنه من أولي العزم. # الثاني- أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه، # PageV05P179 # والمعلق على الممكن ممكن، لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند ~~وقوع المعلق به. والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. # وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله أرني أي: ~~اجعلني عالما بك علما ضروريا- خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول ب (إلى) نص ~~في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ~~ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى عليه السلام، كان سألها لقومه حيث ~~قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [البقرة: 55] ، فسأل ليعلموا ~~امتناعها- فإنه خلاف الظاهر، وتكلف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية. ~~وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة، بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله ~~تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ~~ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح، عسر إقناعه مهما قوي ~~الدليل وعظمت الحجة. # قال في فتح البيان: رؤيته تعالى في الآخرة، ثبتت بها الأحاديث المتواترة ~~تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة. والجدال في مثل هذا والمراوغة ~~لا تأتي بفائدة. ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه، ~~وأدرك عليه أباه، وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من ~~هذه الشريعة المطهرة- يوقع في التعصب. والمتعصب، وإن كان بصره صحيحا، ~~فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير ~~الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه، وجهلا بما أوجبه الله ~~عليه من النظر الصحيح، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. ~~وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب ms2237 في الأصول والفروع، فإنه صار بها ~~باب الحق مرتجا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية: # يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح # - انتهى-. # وهذا تعريض بالمعتزلة، وفي مقدمتهم الزمخشري. وقد انتقل، عفا الله عنه، ~~أخيرا إلى هجاء أهل السنة بما أنشده: # لجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري موكفه # قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه # PageV05P180 # والبلكفة نحت، كالبسملة، أي بقولهم (بلا كيف) قال في (الانتصاف) : ولولا ~~الاستنان بحسان بن ثابت الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشاعره، والمنافح عنه، وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين ب (العدلية) ~~وب (الناجين) سلاما، ولكن كما نافح حسان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعداءه، فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءهم، ~~فنقول: # وجماعة كفروا برؤية ربهم ... حقا ووعد الله ما لن يخلفه # وتلقبوا عدلية. قلنا: أجل ... عدلوا بربهم. فحسبهمو سفه # وتلقبوا الناجين. كلا! إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه # وقال أبو حيان في الرد عليه: # شبهت جهلا صدر أمة أحمد ... وذوي البصائر بالحمير الموكفه # وجب الخسار عليك. فانظر منصفا ... في آية الأعراف فهي المنصفه # أترى الكليم أتى بجهل ما أتى ... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه # إن الوجوه إليه ناظرة. بذا ... جاء الكتاب. فقلتم: هذا سفه # نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى ... فهوى الهوى بك في المهاوى المتلفة # وقال العلامة الجاربردي: # عجبا لقوم ظالمين تستروا ... بالعدل. ما فيهم لعمري معرفه # قد جاءهم من حيث لا يدرونه ... تعطيل ذات الله مع نفي الصفه # وقد ساق السبكي في (طبقاته) في ترجمة الجاربردي عدة قصائد ومقاطيع في ~~الرد عليه، ثم ذكر الله تعالى أنه خاطب موسى باصطفائه، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 144] # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس أي اخترتك على أهل زمانك، وآثرتك ~~عليهم برسالاتي وبكلامي أي: وبتكليمي إياك ms2238 فخذ ما آتيتك أي ما أعطيتك من ~~شرف النبوة والمناجاة وكن من الشاكرين أي على النعمة في ذلك. # PageV05P181 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 145] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء من الحلال والحرام ~~فخذها بقوة أي بعزم على العمل بما فيها وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي بما ~~أمروا به دون ما نهوا عنه سأريكم دار الفاسقين وهي الأرض التي وعدوا بها من ~~فلسطين، فإنهم لم يعطوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر، وبقائهم في ~~البرية. فإن موسى عليه السلام، لما مات، خلفه يشوع بن نون، فحارب الأمم ~~والملوك الذين كانوا يسكنون أرض كنعان، وفتح بلادهم، وصارت ملكا ~~للإسرائيليين. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على حدوث كلامه، لأن قوله: اصطفيتك أي اختصصتك به، ~~ولو كان قديما لكان موسى وغيره سواء، ولما صح الاختصاص. # ويدل قوله: وكتبنا أنه أعطاه التوراة مكتوبة في الألواح عند الميقات، ~~لتكون محروسة، وليبلغه الحاضرون إلى الباقين، ليقع لهم العلم ضرورة. ويدل ~~على أن في التوراة شرائع، وجميع ما يحتاج إليه. ويدل قوله: بقوة أن العبد ~~قادر على الفعل قبل الفعل، وأنه يفعل بقدرة. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 146] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض أي سأمنع فهم الحجج والأدلة ~~الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، قلوب المتكبرين عن طاعتي، والمتكبرين ~~على الناس. أي فكما استكبروا أذلهم الله بالجهل، كقوله تعالى: ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] . وقوله تعالى: ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] . وقوله تعالى: بغير الحق إما صلة ~~للفعل، أي # PageV05P182 # يتكبرون ms2239 بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. أو حال من فاعله، أي يتكبرون غير ~~محقين وإن يروا كل آية أي حجة من الآيات والحجج المنزلة عليهم لا يؤمنوا ~~بها تكبرا عليها وإن يروا سبيل الرشد يعني طريق الحق والهدى والاستقامة ~~واضحا ظاهرا لا يتخذوه سبيلا لمنافاته أهويتهم وإن يروا سبيل الغي أي ~~الضلال عن الحق والهلاك يتخذوه سبيلا أي طريقا يميلون إليه ذلك أي الصرف عن ~~الآيات، أو اتخاذهم الغي سبيلا بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين أي: ~~لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها. أو غافلين عما ينزل بهم من مخافة ~~الرسل. ثم بين وعيد المكذبين بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 147] # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (147) # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة أي القيامة، وهي الكرة الثانية. سميت ~~(آخرة) لتأخرها عن الدنيا حبطت أعمالهم أي بطلت: فلم تعقب نفعا. والمراد ~~جزاء أعمالهم، لأن الحابط إنما يصح في المنتظر، دون ما تقضى، وهذا كقوله ~~ليروا أعمالهم [الزلزلة: 6] هل يجزون إلا ما كانوا يعملون أي إلا جزاء ~~عملهم من الكفر والمعاصي. ### | تنبيه: # ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: سأصرف عن آياتي إلخ كلام مع قوم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو متصل بما سبق من قصصهم، وهو أولم يهد ... إلخ. # وإيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار. # وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى ~~عليه السلام به من إهلاك أعدائه. ومعنى صرفهم إهلاكهم، فلا يقدرون على منع ~~موسى من تبليغها، ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها، وهو شبيه بقوله: ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من ~~الناس [المائدة: 67] ، فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من ~~إيذائه، ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. انتهى. والله ~~أعلم. # PageV05P183 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 148] # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ms2240 جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار يخبر تعالى عن ضلال ~~من ضل من بني إسرائيل، في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي ~~القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، جسدا لا روح فيه. # وقد احتال بإدخال الريح فيه، حتى صار يسمع له خوار، أي صوت كصوت البقر. # وإنما أضاف الصوت إليه، لأنه كان محله عند دخول الريح جوفه. وكان هذا ~~منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على ~~الطور، حيث يقول إخبارا عن نفسه الكريمة فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري [طه: 85] . ### | لطائف: # قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل واتخذ قوم موسى ... عجلا والمتخذ هو ~~السامري؟ قلت: فيه وجهان: # أحدهما- أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلا منهم باشره، ووجد فيما بين ~~ظهرانيهم، كما يقال: (بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا) والقائل والفاعل ~~واحد. # ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه، راضين له، فكأنهم أجمعوا عليه. # والثاني: أن يراد: واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت: لم قال: من حليهم ولم ~~يكن الحلي لهم، إنما كانت عواري في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ~~ملابسة، وكونها في أيديهم عواري، كفى به ملابسة. على أنهم قد ملكوها بعد ~~المهلكين، كما قال تعالى: وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] انتهى. # قال النسفي: وفيه دليل على أن من حلف أن لا يدخل دار فلان، فدخل دارا ~~استعارها يحنث. وأن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها- ~~انتهى-. # والحلي بضم الحاء والتشديد، جمع (حلي) بفتح فسكون. ك (ثدي وثدي) وهو اسم ~~لما يتحسن به من الذهب والفضة. # PageV05P184 # وقوله تعالى: ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا تقريع على فرط ~~ضلالهم وإخلالهم بالنظر. والمعنى: ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر ~~على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر؟ فهو جماد لا ينفع ولا يضر. ~~فكيف يكون إلها؟ # وقوله تعالى: اتخذوه تكرير لتأكيد ms2241 الذم، أي: اتخذوه إلها وعبدوه. # وكانوا ظالمين أي: واضعين الأشياء في غير مواضعها. والجملة إما ~~استئنافية، أو اعتراض تذييلي للإخبار بأن ذلك دأبهم وعادتهم قبل ذلك، فلا ~~ينكر هذا منهم. أو حالية، أي: اتخذوه في هذه الحالة المستقرة لهم. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، وأنه تعالى دلهم، في ~~بطلان اتخاذ العجل إلها، بأنه لا يتكلم ولا يهدي. وإنما ذكر الكلام لأن ~~الخوار تنفد فيه الحيلة، ولا تنفد في الكلام. وتدل على أن إزالة الشبه في ~~الدين واجب، كما أزالها الله تعالى. وتدل على أن القوم كانوا جهالا غير ~~عارفين حقيقة الأشياء، لذلك عبدوا العجل. وتدل على أن تلك الحلي كانت ملكا ~~لبني إسرائيل، لذلك قال حليهم. فإن ثبت أنهم استعاروه، فيدل على زوال ~~ملكهم، وانتقال الملك إلى بني إسرائيل، كما تملك أموال أهل الحرب. وتدل على ~~أن الاتخاذ فعلهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 149] # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين (149) # ولما سقط في أيديهم أي: ندموا على عبادة العجل ورأوا أي علموا وأيقنوا ~~أنهم قد ضلوا أي: عن الحق والهدى قالوا لئن لم يرحمنا ربنا أي بقبول توبتنا ~~ويغفر لنا أي: ما قدمنا من عبادة العجل لنكونن من الخاسرين أي: بالعقوبة. ~~أي: ممن خسروا أعمالهم وأعمارهم. ### | لطيفة: # يقال للنادم على ما فعل، الحسر على ما فرط منه (قد سقط في يده) و (أسقط) ~~مضمومتين- قاله الزجاج-. # PageV05P185 # وقال الفراء: يقال سقط في يده وأسقط، من الندامة، و (سقط) أكثر وأجود. # وأنكر أبو عمرو (أسقط) بالألف، وجوزه الأخفش. # قال الزمخشري: من شأن من اشتد ندمه وحسرته، أن يعض يده غما، فتصير يده ~~مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها. # وقال الزجاج: معناه: سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم. كما ~~يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، تشبيها لما يحصل ~~في القلب وفي النفس، بما يحصل ms2242 في اليد، ويرى بالعين- انتهى-. # وقال الفارسي: أي: ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم. فإن صح ذلك فهو إذن ~~من السقوط. # وفي (العباب) : هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن، ولا عرفته العرب، والأصل ~~فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل ~~للخطأ من الكلام (سقط) لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه، فيسقط، وذكر اليد ~~لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر في اليد، كقوله تعالى: فأصبح يقلب ~~كفيه على ما أنفق فيها [الكهف: 42] ، ولأن اليد هي الجارحة العظمى، فربما ~~يسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى: ذلك بما قدمت يداك [الحج: 10]- ~~انتهى-. # وعليه، فيكون (سقط) من السقاط، وهو كثرة الخطأ كما قال: # كيف يرجون سقاطي بعد ما ... لفع الرأس بياض وصلع # وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه، ويضعه على يده، معتمدا عليه، وتارة ~~يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكانت ~~اليد مسقوطا فيها، لتمكن السقوط فيها. ويكون قوله: سقط في أيديهم بمعنى سقط ~~على أيديهم، كقوله: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] ، أي عليها. و (سقط) ~~عده بعضهم من الأفعال التي لا تتصرف، ك (نعم وبئس) . وقرئ (سقط) معلوما، أي ~~الندم، أو العض، أو الخسران، وكله تمثيل. وقرئ (أسقط) رباعي مجهول، وهي لغة ~~نقلها الفراء والزجاج، كما قدمنا. # ثم بين تعالى ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات. وكان ~~أعلمه تعالى بفتنة قومه. فقال سبحانه: # PageV05P186 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 150] # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين (150) # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا أي: شديد الغضب على قومه لعبادتهم ~~العجل، وحزينا أي على ما فاته من مناجاة ربه قال بئسما خلفتموني من بعدي أي ~~بئسما عملتم ms2243 خلفي، أو قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعدي. # والخطاب إما لعبدة العجل، من السامري وأشياعه. أو لوجوه بني إسرائيل، وهم ~~هارون عليه السلام والمؤمنون معه. ويدل عليه قوله: اخلفني في قومي ~~[الأعراف: 142] ، وعلى التقدير يكون المعنى: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا ~~من عبادة غير الله تعالى- قاله الرازي أعجلتم أمر ربكم أي: ميعاده الذي ~~وعدنيه من الأربعين، فلم تصبروا إلى تمامها. وكانوا استبطئوا نزوله من ~~الجبل، فتآمروا في صنع وثن يعبدونه، وينضمون إليه، وفعلوا ذلك، وجعلوا ~~يغنون ويرقصون ويأكلون ويشربون ويلعبون حوله ويقولون: هذا الإله الذي ~~أخرجنا من مصر- عياذا بالله-. # وقال أبو مسلم: معناه سبقتم أمر الله، فعبدتم ما لم يأمركم به وألقى ~~الألواح أي طرحها من شدة الغضب، وفرط الضجرة، بين يديه فتكسرت. وهي ألواح ~~من حجارة كتب فيها الشرائع والوصايا الربانية. وإنما ألقاها، عليه السلام، ~~لما لحقه من فرط الدهش عند رؤيته عكوفهم على العجل. فإنه، عليه السلام، لما ~~نزل من الجبل، ودنا من محلتهم، رأى العجل ورقصهم حوله، اتقد غضبه فألقاها ~~غضبا لله، وحمية لدينه. وكان هو في نفسه حديدا، شديد الغضب. وكان هارون ~~ألين منه جانبا، ولذلك كان محببا إلى قومه. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل ابن تيمية بقوله تعالى: وألقى الألواح ~~على أن من ألقى كتابا على يده، إلى الأرض، وهو غضبان، لا يلام- انتهى- وهو ~~ظاهر. # وأخذ برأس أخيه أي بشعره يجره إليه ظنا أن يكون قصر في نهيهم، كما قال في ~~الآية الأخرى # PageV05P187 # قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن، أفعصيت أمري قال يا بن ~~أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي [طه: 92- 94] . وقال هاهنا: # قال ابن أم قرئ بالفتح والكسر، وأصله يا ابن أمي، خفف بحذف حرف النداء ~~والياء، وذكر الأم ليرققه عليه. وقوله: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ~~إزاحة لتوهم التقصير في حقه. والمعنى: بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني ~~واستضعفوني، وقاربوا قتلي فلا تشمت بي الأعداء أي بالإساءة إلي. والشماتة ~~سرور الأعداء بما يصيب المرء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ms2244 أي في عقوبتك ~~لي، في عدادهم. أو لا تعتقد أني منهم، مع براءتي وعدم تقصيري. # قال الجشمي: تدل الآية على أن الأمر بالمعروف قد يسقط في حال الخوف على ~~النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع. لذلك قال هارون استضعفوني. # وتدل على أن الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 151] # قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) # قال أي موسى عليه السلام، متضرعا إلى ربه، استنزالا لرحمته، وتعوذا ~~بمغفرته من سخطه. ولا يخفى اقتضاء المقام لذلك رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في ~~رحمتك وأنت أرحم الراحمين وقال الزمخشري: لما اعتذر إليه أخوه، وذكر له ~~شماتة الأعداء قال رب اغفر لي ولأخي ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه ~~عنه، فلا تتم لهم شماتتهم. واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن ~~عسى فرط في حسن الخلافة، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما ~~في الدنيا والآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 152] # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين (152) # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين أي من افترى بدعة، فإن ذل البدعة، ومخالفة الرسالة على كتفيه ~~كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال، ~~وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه ~~الآية # PageV05P188 # وكذلك نجزي المفترين قال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وقال سفيان ~~بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل ~~التوبة من أي ذنب كان، ولو كفرا بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 153] # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها إلى الله وآمنوا أي أخلصوا ms2245 ~~الإيمان إن ربك من بعدها لغفور رحيم أي: محاء لذنوبهم. منعم عليهم بالجنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 154] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) # ولما سكت أي سكن عن موسى الغضب أخذ الألواح أي التي كان ألقاها من شدة ~~الغضب فتكسرت وفي نسختها أي فيما نسخ منها، أي كتب. # و (النسخة) فعلة بمعنى مفعول، كالخطبة هدى ورحمة بالشرائع والوصايا ~~الربانية، المرشدة لما فيه الخير والصلاح للذين هم لربهم يرهبون أي يخشون. ### | لطيفتان: # الأولى: قال أبو السعود: في هذا النظم الكريم، يعني قوله تعالى: ولما سكت ~~عن موسى الغضب، من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب، الحامل له على ما صدر ~~عنه من الفعل والقول، منزلة الآمر بذلك، المغرى عليه، بالتحكم والتشديد، ~~والتعبير عن سكونه بالسكوت- ما لا يخفى. انتهى. # وأصله للزمخشري حيث قال: هذا مثل. كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول ~~له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك، ~~وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم، وذوق ~~صحيح- إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة. وإلا، فما لقراءة معاوية بن ~~قرة (ولما سكن عن موسى الغضب) لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهمزة، ~~وطرفا من تلك الروعة؟ انتهى. # ومراده بالمثل كونه استعارة مكنية، حيث شبه الغضب بشخص آمر ناه، وأثبت له ~~السكوت تخييلا. # PageV05P189 # وعد بعض أهل العربية الآية من المقلوب، أي من نمط قلب الحقيقة إلى ~~المجاز، وكان الأصل (ولما سكت موسى عن الغضب) كما في خرق الثوب المسمار. # قال في (الانتصاف) والتحقيق أنه ليس منه، وأن هذا القلب أشرف وأفصح، لما ~~فيه من المعنى البليغ، وهو أن الغضب كان متمكنا من موسى، حتى كأنه كان ~~يصرفه في أوامره. ومثل هذه النكتة الحسناء، لا تلفى في (خرق الثوب المسمار) ~~. # انتهى. # وقرئ سكن وسكت وأسكت، أي أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه. # الثانية- اللام في (للذين) متعلقة بمحذوف، صفة (لرحمة) أي ms2246 كائنة لهم. # أو هي لام الأجل، أي هدى ورحمة لأجلهم: واللام في (لربهم) لتقوية عمل ~~الفعل المؤخر كما في قوله تعالى: إن كنتم للرءيا تعبرون [يوسف: 43] ، أو هي ~~أيضا لام العلة، والمفعول محذوف. أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم، لا للرياء ~~والسمعة. # أفاده أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 155] # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا روى محمد بن إسحاق أن ~~موسى عليه السلام، لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال ~~لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل، وذراه في اليم، اختار من بين إسرائيل ~~سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم ~~واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ~~ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا ~~بإذن منه وعلم، فقال له السبعون- فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به، ~~وخرجوا معه للقاء ربه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما ~~دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ~~فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى ~~نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، # PageV05P190 # فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، ~~فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من ~~أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة [البقرة: 55] وهي الصاعقة التي يحصل منها ~~الاضطراب ms2247 الشديد، فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ~~ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قد سفهوا، أتهلك من ورائي من بني ~~إسرائيل؟ # وفي رواية السدي: فقام موسى يبكي ويقول: يا رب! ماذا أقول لبني إسرائيل ~~إذا لقيتهم، وقد أهلكت خيارهم، رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. # وقال ابن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، أرجع إليهم، وليس ~~معي رجل منهم واحد، فما الذي يصدقونني أو يأمنونني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا ~~فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا ~~يتهمونني. # وقال الزجاج: المعنى لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم، بما أوجب عليهم ~~الرجفة. انتهى. # قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) بعد نقل كلام من ذكرنا: وهؤلاء كلهم ~~حاموا حول المقصود، والذي يظهر- والله أعلم بمراده ومراد نبيه- أن هذا ~~استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حتى عبد ~~قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم، يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي ~~هلاكهم، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم ~~من قبل. وهذا كمن واخذه سيده بجرم يقول: لو شئت واخذتني قبل هذا بما هو ~~أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولا، فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله: ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فقال ابن الأنباري وغير: هذا استفهام على ~~معنى الجحد، أي لست تفعل ذلك. والسفهاء هنا عبدة العجل. # قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: أتهلكنا بما ~~فعل السفهاء منا؟ وإنما كان إهلاكهم بقولهم أرنا الله جهرة. انتهى. # واستظهار أن هذا استفهام استعطاف، سبقه إليه المبرد. ### | تنبيه: # قال في (اللباب) : معظم الروايات أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة، أي ثم # PageV05P191 # أحيوا. وقال وهب بن منبه: لم تكن تلك الرجفة موتا، ولكن القوم لما رأوا ~~تلك الهيئة، أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم فلما ~~رأى موسى ذلك، راحمهم وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا ms2248 له وزراء ~~على الخير، سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا موسى وبكى وناشد ربه، فكشف الله ~~عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام الله. والله أعلم. # إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أي ما الفتنة التي وقع ~~فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك فأنت ابتليتهم ~~وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك. لا يكشفه إلا أنت. كما لم يمتحن به ويختبر ~~إلا أنت. فنحن عائدون بك منك، ولاجئون منك إليك. يعني إن الأمر إلا أمرك، ~~والحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء. # قال الواحدي: هذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية، التي لا يبقى لهم ~~معها عذر. أنت ولينا أي متولي أمورنا القائم بها فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 156] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي أثبت لنا فيها خصلة حسنة، كالعافية ~~والحياة الطيبة، والتوفيق للطاعة وفي الآخرة أي حسنة أيضا، وهي المثوبة ~~الحسنى والجنة. إنا هدنا إليك أي تبنا إليك. يقال: هاد إليه يهود، إذا رجع ~~وتاب، فهو هائد. ولبعضهم: # يا راكب الذنب هد، هد ... واسجد كأنك هدهد # وقال آخر: # إني امرؤ مما جنيت هائد # قال أبو البقاء: المشهور ضم الهاء، وهو من (هاد يهود) إذا تاب. وقرئ ~~بكسرها، من (هاد يهيد) إذا تحرك أو حرك، أي حركنا إليك نفوسنا، وعلى ~~القراءتين، يحتمل الوجهين، البناء للفاعل وللمفعول، بمعنى ملنا أو أمالنا ~~غيرنا، أو حركنا # PageV05P192 # أنفسنا، أو حركنا غيرنا، وذلك لاتحاد الصيغة وصحة المعنى، وإن اختلف ~~التقدير. # قال استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: فمذا قال ~~تعالى في جواب دعاء موسى؟ فقيل قال: عذابي أصيب به من أشاء أي تعذيبه من ~~العصاة ورحمتي وسعت كل شيء تطلق الرحمة على ms2249 التعطف والمغفرة والإحسان ~~والجنة، كما قال تعالى: يدخل من يشاء في رحمته [الإنسان: 31] ، ولعلها هي ~~المراد هنا، بدليل مقابلتها ب (العذاب) قبل، كما قابل الآية التي ذكرناها ~~بقوله والظالمين أعد لهم عذابا أليما [الإنسان: 31] ، والله أعلم. فسأكتبها ~~أي هذه الرحمة للذين يتقون أي الكفر والشرك والفواحش ويؤتون الزكاة أي ~~يعطون زكاة أموالهم والذين هم بآياتنا أي بكتابنا ورسولنا يؤمنون أي ~~يصدقون. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على حسن سؤال نعيم الدنيا، كما يحسن سؤال نعيم ~~الآخرة، وتدل على أن الواجب على الداعي أن يقرن بدعائه التوبة والإخلاص، ~~لذلك قالوا إنا هدنا إليك. وتدل على أنه تعالى ينعم على البر والفاجر، ويخص ~~بالثواب المؤمن، فلذلك فصل. ومن تأمل هذا السؤال والجواب، عرف عظيم محل هذا ~~البيان، لأنه عليه السلام، سأل نعيم الدنيا والدين عقيب الرجفة، فكان من ~~الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه، فأما النعم فما كان من باب ~~الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم، وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له ~~صفات ذكرها. وتدل على أن الرحمة لا تنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، ~~حتى ينضم إليه الطاعات، فيبطل قوله المرجئة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 157] # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # الذين بدل من الموصول الأول، بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو # PageV05P193 # مرفوع عليه، أي أعني الذين أو هم الذين يتبعون الرسول أي الذي أرسل إلى ~~الخلائق لتكميلهم النبي أي الذين نبئ بأكمل الاعتقادات، والأعمال والأخلاق ~~والأحوال والمقامات من جهة الوحي الأمي أي الذي لم يحصل علما من بشر الذي ~~يجدونه مكتوبا أي باسمه (محمد وأحمد) ونعوته عندهم زيد هذا لزيادة التقرير، ~~وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلا في ms2250 التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف يعني الإيمان بالله. ووحدانيته والشرائع ومكارم ~~الأخلاق، لأن جميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع وينهاهم عن المنكر ~~يعني الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، لأن العقل والشرع ينكره ويحل ~~لهم الطيبات أي التي حرمت عليهم لمعاصيهم ويحرم عليهم الخبائث أي التي ~~كانوا يتناولونها كالخنزير والميتة والدم- هذا في باب المأكولات ويضع عنهم ~~إصرهم أي الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة والأغلال التي كانت ~~عليهم جمع (غل) بالضم، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، يستعار ~~للشرائط الحرجة والمواثيق الشديدة، أي يخفف عنهم ما كلفوه منها- وهذا في ~~باب العبادات فالذين آمنوا به أي بالنبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعزروه أي عظموه ووقروه ونصروه أي على أعدائه في الدين فمنعوهم عنه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه وهو القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه. # ولا يقال: القرآن أنزل مع جبريل، فما معنى أنزل معه؟ لأن المراد أنزل مع ~~نبوته، لأن استنباءه كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به، ويجوز أن يعلق ب اتبعوا ~~أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته، وبما أمر ونهى ~~عنه، فيكون أمرا بالعلم بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي اتبعوا القرآن كما ~~اتبعه، مصاحبين له في اتباعه. وفي التعبير عن القرآن ب النور المنبئ عن ~~كونه ظاهرا بنفسه لإعجازه، ومظهرا لغيره من الأحكام، لمناسبة الاتباع أولئك ~~هم المفلحون الفائزون بالرحمة، والناجون من النقمة. ### | تنبيهات: # الأول- يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى: قال عذابي ... إلخ جواب لموسى ~~عليه السلام، وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، كتابه حسنتي الدنيا ~~والآخرة لهم، فأجيب أولا بأن ذلك لا يحصل لقومه كلهم، برا أو فاجرا، لما ~~سبق من تقديره سبحانه العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلا. ولذلك قرأ ~~الحسن # PageV05P194 # وزيد بن علي هنا (لمن أساء) فعل ماض من (الإساءة) ، وفي طيه أن ما أصاب ~~قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيا ~~إنه لا يستأهل كتابة الحسنتين إلا ms2251 المتقون المتصدقون المؤمنون بالآيات، ~~والمتبعون للنبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط، كتب له ذلك، ولا يقال- ~~على هذا- كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنا نقول الاتباع أعم من الاتباع ~~(بالقوة) ، وذلك بالإيمان به إجمالا، حسبما أشار له الكتابان لمن تقدم موته ~~على زمن بعثته، وإما (بالفعل) لمن لحق زمان بعثته. وفيه تبشير لموسى بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وتعريف له بشأنه، وإعلام بشأنه، بأن كتابة الرحمة ~~موقوفة على اتباعه. وعليه فيكون قوله تعالى: الذين يتبعون بدلا من الموصول ~~الأول، بدل الكل. أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه. أي: أعني الذين، أو ~~هم الذين. # وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهى إلي قوله تعالى: الذين هم بآياتنا يؤمنون ~~وما بعده مستأنف، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب، يصيب به من يشاء، ~~كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة، تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين ~~بالآيات، أي فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف ~~المرقوم. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون ~~حقا، وعليه فيكون قوله تعالى: الذين يتبعون مبتدأ خبره أولئك هم المفلحون، ~~وتكون القصة استتبعت أعقاب بني إسرائيل، بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي، ~~كانوا هم المفلحين. # وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: قال عذابي ارتجال خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم. قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له، صلى الله عليه وسلم ~~بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه، حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا ~~يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم. وفي ذلك كله من ~~التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المتقين، ما لا يخفى. # الثاني- تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان- هذا ما ذكر في اللغة. # وعني أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة، كما قال تعالى: يدخل من ~~يشاء في رحمته [الإنسان: 31] ، بدليل المقابلة بقوله: والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما [الإنسان: 31] ، فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا: ورحمتي وسعت ~~كل شيء بمعنى الجنة، بدليل مقابلتها بالعذاب قبل. والله أعلم. # PageV05P195 # وقال ms2252 أبو المنصور: ما من أحد مسلم وكافر، إلا وعليه من آثار رحمته في هذه ~~الدنيا. بها يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة ~~في الآخرة، لا حظ للكافر فيها. وذلك قوله: فسأكتبها للذين يتقون [الأعراف: # 156] أي: معصية الله، والخلاف له، ويؤتون الزكاة، كقوله تعالى: قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة [الأعراف: 32] ، جعل طيبات الدنيا ونعيمها ~~مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر ~~فيها. فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا ~~الشرك خاصة في الآخرة ويحتمل قوله- والله أعلم-. واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة [الأعراف: 156] أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين ~~يتقون معاصي الله ومخالفته. انتهى. # الثالث- إنما أفرد (الزكاة) بالذكر، مع دخولها في التقوى قبل، لعلوها ~~وشرفها، فإنها عنوان الهداية، ولأنها كانت أشق عليهم، فذكرها لئلا يفرطوا ~~فيها. # الرابع- كونه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، أمر مقرر مشهور. وهل ~~صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور «1» ، أو ~~أنه لم يكتب، وإنما أسند إليه مجازا، أو أنه أصدر منه ذلك معجزة؟ - انظر في ~~(فتح الباري) تفصيله-. # و (الأمي) نسبة إلى أمة العرب، لأن الغالب عليهم كان ذلك، كما في الحديث ~~«2» : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) وأما نسبته إلى (أم القرى) فلأن ~~أهله كانوا كذلك. أو إلى (أمه) كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها. ~~وقيل: # إنه منسوب (إلى الأم) - بفتح الهمزة- بمعنى القصد، لأنه المقصود، وضم ~~الهمزة من تغيير النسب. ويؤيده قراءة يعقوب (الأمي) - بفتح الهمزة-، وإن ~~احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا. وإنما وصفه تعالى به تنبيها على أن ~~كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته. فهي له مدح وعلو كعب، لأنها معجزة له، كما ~~قال البوصيري. PageV05P196 # كفاك بالعلم في الأمي معجزة # كما أن صفة التكبر لله مادحة، وفي غيره ذامة، كذا في (العناية) ms2253 . # الخامس- في قوله تعالى: الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام، بنبوته صلى الله عليه وسلم. # قال الماوردي في (إعلام النبوة) في الباب الخامس عشر في بشائر الأنبياء ~~بنبوته عليه الصلاة والسلام: # إن لله تعالى عونا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى ~~معانون على تأسيس النبوة، بما تقدمه من بشائره، وتبديه من أعلامها ~~وشعائرها، ليكون السابق مبشرا ونذيرا، واللاحق مصدقا وظهيرا، فتدوم بهم ~~طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق. وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء، ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه ~~عند غيرهم، بما أطلعه الله تعالى على غيبه، ليكون عونا للرسول، وحثا على ~~القبول. فمنهم من عينه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى ~~قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه ~~بظهوره وانتشاره. وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليا بعد ~~الاحتمال ويقينا بعد الارتياب، ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم. # وجاء في (إظهار الحق) ما نصه: إن الإخبارات الواقعة في حق محمد صلى الله ~~عليه وسلم، توجد كثيرة إلى الآن أيضا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن ~~عرف أولا طريق إخبار النبي المتقدم، عن النبي المتأخر، على ما عرفت في ~~الأمر الثاني- يعني في كلامه- ثم نظر ثانيا بنظر الإنصاف إلى هذه ~~الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى عليه ~~السلام، جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. # وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا عليه الصلاة ~~والسلام قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفا رفع ~~كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل ~~الكتاب حذفوا اسمه- يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعا، ~~لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة وهي أظهر دلالة # PageV05P197 # من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان ms2254 في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في ~~جميع الأوصاف. لكن من أمد غير بعيد، قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد ~~صدقها على النبي عليه الصلاة والسلام. فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها ~~في بعض المواضع، اختلافا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم ~~يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة ~~بينها. وها نحن نورد شذرة من البشائر لديهم: # فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر هكذا: ### | 11- # وقال لها ملاك الرب أنت حبلى فتلدين ابنا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب ~~قد سمع لمذلتك. ### | 12- # وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده علي كل واحد ويد كل واحد عليه. وأمام جميع ~~إخوته يسكن. # هذه بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا بجده إسماعيل، لأن إسماعيل عليه ~~السلام، لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه ~~بالخصوص. بل في التوراة أن إسماعيل وأمه هاجر أخرج من وطنهما مكرهين، ولم ~~يرث إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل ~~في البراري العطاش، ولم يسمع أن الأمم دانت لهم، حتى بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني ~~إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل بهم فكان ذكر إسماعيل مقصودا به ولده. كما ~~أن في مواضع كثيرة من التوراة، ذكر يعقوب، والمقصود بالذكر ولد يعقوب. فمن ~~ذلك قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل! ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله ~~وتعمل له) ؟ فهذا خطاب لبني إسرائيل باسم أبيهم، وكذلك قوله لقوم موسى ~~(اسمع إسرائيل، ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكثر وتنعم) ونظائره كثيرة. ~~فظهر أنه قد يذكر اسم الأب، ويراد الابن مجازا، بقرينة الحال، وإلا لزم ~~الخلف في خبره تعالى. # ومنها: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية هكذا: ### | 1- # وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. ### | 2- # فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق ms2255 لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ~~ربوات القدس وعن يمنيه نار شريعة لهم. # PageV05P198 # ولا غموض بأن مجيء الله جل وعلا من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على ~~موسى بطور سينا- هكذا يفسره أهل الكتاب- والأمر كذلك فيجب أن يكون إشراقه ~~من سعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح يسكن أرض الجليل ~~من سعير بقرية تدعى (ناصرة، واسم النصارى مأخوذ منها. واستعلاؤه من جبال ~~فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد في جبل فاران. وفاران هي مكة، لا ~~يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في ~~حال إسماعيل عليه السلام هكذا: ### | 20- # وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية. وكان ينمو رامي قوس. ### | 21- # وسكن في برية فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر. # ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفهيا مات، وبها دفن. وهذه البشارة ~~صريحة في نبينا صلى الله عليه وسلم، ظاهرة لا تخفى إلا على أكمة لا يعرف ~~القمر. فأي نبي ظهر في مكة بعد موسى غير محمد، وأنتشر دينه في مشارق الأرض ~~ومغاربها، كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة. # ومنها: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا: ### | 17- # قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا. ### | 18- # أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما ~~أوصيه به. ### | 19- # ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. # هذا البشارة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم قطعا، لأنه من ذرية إسماعيل، ~~وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل ~~وأنه قبالة إخوته، ينصب المضارب. وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء ~~الأعمام، عن بعد بعيد، إخوة كما دعى في القرآن هود وصالح، إخوة لعاد وثمود ~~مع أنهما على بعد بعيد من أولاد الأعمام. وكما قيل في سفر العدد في الباب ~~العشرين: ### | 14- # وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم. وهكذا يقول أخوك إسرائيل قد ms2256 عرفت ~~كل المشقة التي أصابتنا (مع أنهما أبناء أعمام على بعد بعيد) . # وليست هذه الشهادة في حق أحد من أنبياء بني إسرائيل، وإلا، لقال: وسوف # PageV05P199 # أقيم لهم نبيا مثلك منهم أو من أنفسهم كما قال تعالى إخبارا بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام لولد إسماعيل ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وكما قال ~~تعالى في خطاب بني إسماعيل: لقد جاءكم رسول من أنفسكم وأما زعمته اليهود من ~~أن المراد يوشع فتى موسى، فهو باطل من وجوه: ### | 1- # أن المبشر به من إخوة بني إسرائيل، لا من نفس بني إسرائيل، ويوشع كان من ~~نفس بني إسرائيل. ### | 2- # أن يوشع لم يكن مثل موسى عليه السلام لما في آخر سفر التثنية. # (الأصحاح الرابع والعشرون) . ### | 10- # ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه. # ولأن موسى عليه السلام صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواه، ~~ويوشع ليس كذلك، بل هو مأمور باتباع شريعة موسى. ### | 3- # أن يوشع عليه السلام كان حاضرا هناك، وقد أشير بعبارة صريحة قبل هذه ففي ~~الباب الأول من هذا السفر. ### | 38- # يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك. شدده لأنه هو يقسمها ~~لإسرائيل. # فأي مقتض للرمز والتلويح، بعد هذا التصريح؟ وأي موجب لإدخال (سوف) الدالة ~~على الاستقبال على فعل حاصل في الحال؟ # وأما ما زعمته النصارى من أن المراد به عيسى عليه السلام، فهو أيضا باطل، ~~لوجوه: ### | 1- # أنه من بني إسرائيل، والمبشر به هنا من غيرهم. ### | 2- # أن موسى بشر بنبي مثله، وهم يدعون أن عيسى إله، وينكرون كونه نبيا مرسلا، ~~وإلا لزم اتحاد المرسل والمرسل، وهو غير معقول. على أن مشابهة موسى لنبينا ~~عليهما الصلاة والسلام، أقوى من مشابهته لعيسى، لاتحادهما في أمور: ### | 1- # كونهما ذوى والدين وأزواج بخلاف عيسى عليه السلام. ### | 2- # كونهما مأمورين بالجهاد، بخلاف عيسى عليه السلام. وقد أشار في هذه ~~البشارة بقوله: 19- ويكون أي الإنسان الذي لا يسمع لكلامي، الذي يتكلم به # PageV05P200 # باسمي، أنا أطالبه. إلى كون هذا النبي مأمورا بجهاد من كفر بما جاء به ms2257 من ~~عند الله، والانتقام منه بسيفه البتار. وزعمت النصارى أن الانتقام هنا ~~بمعنى العذاب الأخروي لمنكريه، وهو خطأ، لأن ذلك لا يختص بهذا النبي، بل كل ~~من أنكر ما جاء به نبي من الأنبياء ينتقم منه في الآخرة، فلا معنى لتخصيص ~~هذا النبي بالذكر حينئذ. ### | 3- # كون شريعتهما مشتملة على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب ~~والحائض والنفساء، وإيجاب الطهارة وقت العبادة، وهذه كلها ليست موجودة في ~~شريعة عيسى عليه السلام- على ما تقول النصارى- ونظائر ذلك كثيرة. # وفي هذه البشارة إشارة إلى كون هذا النبي أميا لا يقرأ، حيث قال (يسمع ~~لكلامي الذي يتكلم به باسمي) وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى: الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي ... الآية التي نحن في صددها. # ومنها- في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (إن كنتم تحبوني ~~فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلا ~~الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه، ولا يعرفه. ~~وأنتم تعرفونه، لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم) . وهذه بشارة من المسيح ~~عليه السلام بأن الله تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه، وينوب في تبليغ ~~رسالته، وسياسة خلقه، منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا، وهل هذا إلا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. و (الأب) هنا بمعنى الرب والإله، لأنه اصطلاح أهل ~~الكتابين. وقد أشار عيسى عليه السلام بكونه (روح الحق) إلى أن الحق قبل ~~مبعثه، يكون كالميت لا حراك له، ولا انتعاش، وأنه إذا بعث يكون كالروح له، ~~فيرجع حينئذ قائما في الأرض. ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام، هو الذي ~~أحيى الله به الحق بعد عيسى عليه السلام بعد ما اندرس، ولم يبق فيه نفس. ثم ~~قال: (الفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء وهو ~~يذكركم كل ما قلته لكم) . ولا شك بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الذي علم ~~كل شيء من الحقائق، وأوضح ما خفي من الدقائق، وذكر أمة عيسى ما نسوه ms2258 من ~~أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد الله تعالى، قربه إليه بالرسالة واصطفاه، ~~وأنه لم يدع لسوى عبادة الله وتوحيده، وتنزيهه وتمجيده. وقوله (باسمي) أي ~~بالنبوة. ثم أبان لهم سبب إخبارهم به قبل أن يأتي فقال: (والآن قد قلت لكم ~~قبل أن يكون. حتى إذا كان، تؤمنون) . # وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور: (فأما إذا جاء الفارقليط الذي # PageV05P201 # أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق، وهو يشهد لأجلي، ~~وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء) . # وفي الباب السادس عشر منه: (لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق ~~لأني إن لم أنطلق، لم يأتكم الفارقليط. فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذ ~~جاء ذاك، فهو يوبخ العالم على خطيئة، وعلى بر، وعلى حكم. أما على الخطيئة ~~فلأنهم لم يؤمنوا بي. وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب، ولستم ترونني ~~بعد. وأما على الحكم، فإن رئيس هذا العالم قد دين. وإن لي كلاما كثيرا ~~أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله. وإذا جاء روح الحق ذاك، فهو يعلمكم ~~جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما ~~سيأتي، وهو يمجدني، لأنه يأخذ مما هو لي، ويخبركم جميع ما هو للأب، فهو لي. ~~من أجل هذا قلت (إن مما هو لي يأخذ ويخبركم) . ومن أمعن النظر في هذه ~~العبارات، ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوى والإشارات جزم بأن (الفارقليط) ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى عليه السلام، وشهد ~~لعيسى بالنبوة والرسالة، ومجده وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى ~~الربوبية، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحرا كذابا، وعلى والدته من ~~كونها غير طاهرة الذيل، بريئة الساحة، وهو الذي وبخ العالم، سيما اليهود، ~~على الخطايا، لا سيما خطيئة الكفر بعيسى عليه السلام، والطعن في والدته ~~الطاهرة البتول، وهو الأمين الصادق، الذي علم جميع الحقائق، وهو الذي أبان ~~من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار، وهو الذي، ms2259 لا ينطق عن ~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى [النجم: 3] . # وفسر العلامة ابن قتيبة (روح الحق الذي من الأب ينبثق) أي يصدر بكلام ~~الله المنزل، وأستدل بقوله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: # 52] ، والمراد به هنا القرآن الكريم، لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة ~~والنزهة، عما افترى عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كما شهد ~~الحواريون الذين كانوا معه، واهتدوا بهديه. ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن ~~بذلك، فتعين أن يكون هو المراد. # وفي قول عيسى عليه السلام (إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق لم ~~يأتكم الفارقليط إشارة إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام أفضل. # ولفظ (فارقليط) يوناني الأصل، قيل: أصله باراكلي طوس، بمعنى كان لسان # PageV05P202 # قومه، وما كان يتكلم باليوناني، لأنه كان عبرانيا ابن عبرانية، نشأ في ~~قومه العبرانيين، فنقل أقواله في هذه الأناجيل، نقل بالمعنى. فترجيح من رجح ~~من النصارى، أن أصل فارقلط هو الأول ترجيح بلا مرجح، والتفاوت بين اللفظين ~~يسير جدا، والحروف اليونانية متشابهة. وأيا كان أصله، فالاستدلال صحيح، ~~لصدق اللفظ بمعانيه كلها على النبي صلى الله عليه وسلم صدقا جليا، لا يخفى ~~إلا على مشاغب. # وقد كانت هذه البشائر سبب إسلام الفاضل عبد الله الترجمان، كما بينه في ~~كتابه (تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب) . # وقد نبذ النصارى بعد الأناجيل المصرحة باسم (محمد) لكونها شجى في حلوق ~~أهوائهم، كإنجيل (برنابا) ففيه التصريح بقوله (إلى أن يجئ محمد رسول الله) ~~كما نقله في (إظهار الحق) . # وإذا كان حالهم في تراجمهم، في لقب إلههم، ولقب خليفته ما علم- فكيف يرجى ~~منهم صحة بقاء (محمد أو أحمد) ؟! إلا أن سيف الحق أمضى، وسهام الصوب أنفذ، ~~فثمة من الأوصاف الصريحة، والأشائر الصحيحة، ما لا يبق معه وقفه لحائر. # هذا، وفي كتبهم بشائر كثيرة، تعرض لذكرها جلة من العلماء، مما أناف على ~~العشرين. # قال الماوردي: لعل ما لم يصل إلينا منها أكثر. وقد اقتصرنا على ما قدمنا، ~~روما للاختصار، ولسهولة الوقوف ms2260 على البقية، من مثل (أعلام النبوة للماوردي) ~~و (إظهار الحق) وغيرهما. # وقد قال صاحب (إظهار الحق) الشيخ رحمه الله، عليه رحمة الله: إن من أسلم ~~من علماء اليهود والنصارى في القرن الأول، شهد بوجود البشارات المحمدية في ~~كتب العهدين، مثل عبد الله بن سلام، وأبني سعية، وبنيامين، ومخيريق، وكعب ~~الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود. ومثل بحيرا ونسطورا الحبشي، وضغاطر، وهو ~~الأسقف الرومي الذي أسلم على يد دحية الكلبي وقت الرسالة فقتلوه. والجارود. # والنجاشي، والسوس، والرهبان الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وغيرهم من علماء النصارى. وقد اعترف بصحة نبوته، وعموم رسالته، هرقل ~~قيصر الروم، ومقوقس صاحب مصر، وابن صوريا، وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب ~~وغيرهم، ممن حملهم الحسد على الشقاء ولم يسلموا. # PageV05P203 # ولما ورد على النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران، وحاجهم في شأن عيسى ~~عليه السلام وحجهم، دعاهم إلى المباهلة بأمره تعالى، فنكصوا على أعقابهم، ~~خوفا من شؤم مغبتها، فكانوا كقوم فرعون آمنوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا [النمل: 14] . # - السادس- قوله تعالى: يأمرهم بالمعروف يحتمل أن يكون مستأنفا، وأن يكون ~~مفسرا مكتوبا أي لما كتب. # السابع: الطيبات أعم من الطيبات في المأكل كالشحوم، وكذا البحائر ~~والسوائب والوصائل والحام. ومن الطيبات في حكم الشريعة كالبيع، وما خلا ~~كسبه عن سحت. وكذا الخبائث ما يستخبث، من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير ~~وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة وغيرهما من ~~المكاسب الخبيثة. # قيل: يستعبد إرادة ما طاب أو خبث في الحكم، لأن معناه حينئذ ما حكم الشرع ~~بحله، أو حكم بحرمته، فيرجع الكلام إلى أنه يحل ما يحكم بحله، ويحرم ما ~~يحكم بحرمته، ولا فائدة فيه. وردوه بأن يفيد فائدة وأي فائدة! لأن معناه أن ~~الحل والحرمة بحكم الشرع، لا بالعقل والرأى. # الثامن- في قوله تعالى: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم إشارة ~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم جاء بالتيسير والسماحة، كما # ورد الحديث من طرق عن رسول الله ms2261 صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : بعثت ~~بالحنيفية السمحة. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» # لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري، لما بعثهما إلى اليمن: بشرا ولا تنفراص، ~~ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا. # وقدمنا أن (الإصر والأغلال) استعارة لما كان في شرائعهم من الأشياء ~~الشاقة. # فمنها تحريم طبخ الجدي بلبن أمه. ومنها نظام الأعياد التي يعيدونها لله ~~في السنة وهي عيد الفطير وعيد الحصاد وعيد المظال. وكذلك عيد كل سبت، لا ~~يعمل فيه أدنى عمل. وكذلك سبت المزارع. ففي كل سنة سابعة سبت للأرض، لا ~~يزرع فيها، ولا يقطف الكرم، بل تترك الأراضي عطلا، وغلت الكروم مأكلا ~~لفقراء شعبهم ووحوش البرية. ومنه أن من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو تمرد ~~عليهما وعصاهما PageV05P204 # يقتل حدا. وكذا من يعمل يوم السبت يقتل. ومن كان به جن أو تابعة يرجم ~~بالحجارة حتى يموت. ومن تزوج فتاة فادعى أنه لم يجد لها عذرة، ثم تبين ~~كذبه، جميعا يقتلان. وإذا أمسكت امرأة عورة رجل تقطع يدها. وإذا نطح ثور ~~رجلا أو امرأة فمات المنطوح يرجم الثور ولا يؤكل لحمه. ومن اضطجع مع امرأة ~~طامث يقطعان من شعبهم. ومن طلق امرأته ثم تزوجت آخر، وطلقها أو مات عنها، ~~فلا يجوز لزوجها الأول أن يرجعها. وغير ذلك من الآصار التي تقدم بعضها في ~~آخر سورة البقرة- فراجعه-. # التاسع- قال الجشمي: تدل الآية على أن شريعته صلى الله عليه وسلم أسهل ~~الشرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم الماضية. وذلك نعمة عظيمة ~~على هذه الأمة. # وتدل على وجوب تعظيم الرسول، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر ~~يؤدي إلى توهين ما يتصل بذلك، لأن جميع ذلك من باب النصرة. وهذا لا يختص ~~بعصره. فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف. ولعل الجهاد بالبيان، وإيراد ~~الحجة، ووضع الكتب فيه، وحل شبه المخالفين، يزيد في كثير من الأوقات على ~~الجهاد بالسيف، ولهذا قلنا (منازل العلماء في ذلك أعظم المنازل) . # العاشر- قال العلامة البقاعي: لما تراسلت الآي، وطال المدى في أقاصيص ms2262 ~~موسى عليه السلام، وبيان مناقبه العظام، ومآثره الجسام، وكان ذلك ربما أوقع ~~في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصبا، وأعظمهم رتبة- ساق سبحانه هذه ~~الآيات، هذا السياق، على هذا الوجه، الذي بين أعلاهم مراتب، وأزكاهم مناقب، ~~الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه، قوة أو فعلا. وجعل سبحانه ذلك في أثناء ~~قصة بني إسرائيل، اهتماما به، وتعجيلا له، مع ما سيذكر، مما يظهر أفضليته، ~~ويوضح أكمليته، بقصته مع قومه، في مبدأ أمره وأوسطه ومنتهاه، في سورة ~~(الأنفال) و (براءة) بكمالها) . # ثم قال البقاعي: لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص، من جواهر ~~أوصاف هذا النبي الكريم، حث على الإيمان به، إيجابا على وجه علم منه أنه ~~رسول الله إلى كل مكلف، تقدم زمانه أو تأخر- أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم ~~التلويح إليه، ويصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه، تحقيقا لعموم رسالته، وشمول ~~دعوته، فقال سبحانه: # PageV05P205 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 158] # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا أي كافة الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت نعوت للفظ الجلالة، أي الذي ~~أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة. ~~والآية نص في عموم بعثته للأحمر والأسود، والعربي والعجمي. # وفي الحديث: «أعطيت خمس لم يعطهن نبي قبلي- ولا أقولهن فخرا- بعثت إلى ~~الناس كافة، الأحمر والأسود، ونصرن بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ~~ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها ~~لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا» . # رواه الإمام أحمد «1» عن ابن عباس مرفوعا، ورواه «2» أيضا عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أعطيت الليلة ~~خمسا ما أعطيهن أحد قبلي. أما ms2263 أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من ~~قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم ~~مسيرة شهر لملئ منه رعبا، وأحلت لي الغنائم، آكلها، وكان من قبلي يعظمون ~~أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة ~~تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، ~~والخامسة هي ما هي! قيل لي: سل، فإن كل نبيه قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم ~~القيامة، فهي لكم، ومن يشهد أن لا إله إلا الله» . # قال الحافظ ابن كثير: إسنادهما جيد قوي. # وروى الإمام أحمد بمعناه عن ابن عمر وأبي موسى، وهو ثابت في الصحيحين «3» ~~عن جابر: # وأخرج مسلم «4» عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~والذي نفسي PageV05P206 # بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا ~~دخل النار» # فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي أي الذي نبئ ما يرشد الخلائق كلهم، مع ~~كونه أميا. وفي نعته بذلك زيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين ~~الذي يؤمن بالله وكلماته أي ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ~~ووحيه واتبعوه لعلكم تهتدون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 159] # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق أي: موقنين ثابتين، يهدون الناس بكلمة ~~الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم وبه يعدلون وبالحق يعدلون بينهم ~~في الحكم، لا يجورون. والآية سيقت لدفع ما عسى يوهمه تخصيص كتب الرحمة ~~والتقوى والإيمان بمتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم ~~موسى عليه السلام، من كل خير، وبين أن كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم. وقيل ~~هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويأباه أنه قد مر ذكرهم فيما ~~سلف. أفاده أبو السعود. # وهذه الآية كقوله تعالى: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون [آل عمران: 113] ، وقوله ms2264 تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ~~ثمنا قليلا، أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب [آل عمران: ~~199] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 160] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) # وقطعناهم أي قوم موسى اثنتي عشرة أسباطا أي صيرناهم قطعا، أي فرقا، ~~وميزنا بعضهم من بعض. والأسباط: أولاد الولد، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة، من ~~اثني عشر ولدا، من ولد يعقوب عليه السلام أمما أي عظيمة وجماعة كثيفة # PageV05P207 # العدد وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أي في التيه أن اضرب بعصاك الحجر ~~فضربه فانبجست أي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط قد علم كل أناس ~~أي سبط منهم مشربهم وظللنا عليهم الغمام في التيه من حر الشمس وأنزلنا ~~عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون حيث أوجبوا لها العذاب الدائم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 161] # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية يعني بيت المقدس، والقائل موسى عليه ~~السلام، دعاهم إلى دخول بيت المقدس، أو يوشع، فإنه دعاهم، بعد وفاة موسى، ~~إلى غزو بيت المقدس وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة أي قولوا حط عنا ~~ذنوبنا، وقيل: أمروا بكلمة إذا قالوها حط عنهم أوزارهم وادخلوا الباب أي ~~باب القرية سجدا أي ساجدين أو خاضعين. أمروا بأن يدخلوها بالتواضع، وكان ~~ذلك شرطا في قبول فعلهم نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 162] # فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ms2265 فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) # فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا أي ~~عذابا من السماء بما كانوا يظلمون وقد تقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة ~~بما يغني عن إعادته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 163] # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) # PageV05P208 # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون هذا السياق هو بسط لقوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين [البقرة: 65] . فقوله تعالى: وسئلهم عطف ~~على (اذكر) المقدر عند قوله: وإذ قيل أي وأسأل اليهود المعاصرين لك، سؤال ~~تقريع وتقرير، بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله، وإعلاما بأن هذا من علومهم ~~التي لا تعلم إلا بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من يقرأ كتابهم، علم أنه من ~~جهة الوحي. # وقال ابن كثير: أي: واسأل هؤلاء اليهود بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين ~~خالفوا أمر الله، ففجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في ~~المخالفة، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم، لئلا يحل بهم ~~ما حل بإخوانهم وسلفهم. # و (هذه القرية) هي أيلة، بين مدين والطور، وقيل هي متنا، بين مدين ~~وعينونا. # ومعنى كونها حاضرة البحر أنها قريبة منه، راكبة لشاطئه. # وقوله تعالى: إذ يعدون في السبت أي يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم ~~في يوم السبت، وقد نهوا عنه، فقد أخذت عليهم العهود والمواثيق أن يحفظوا ~~السبوت من عمل ما. # و (الحيتان) السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت، في معنى السمكة. # وشرعا جمع شارع، من (شرع) بمعنى دنا. يقال: شرع علينا فلان، إذا دنا منا، ~~وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته، فرأيته يفعل كذا، وهو حال من حيتانهم ~~أي تأتيهم ms2266 يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ويوم لا يسبتون ~~لا تأتيهم أصلا إلى السبت المقبل. # قرئ يسبتون ثلاثيا، ومزيدا فيه، من (أسبت) معلوما ومجهولا أيضا، بمعنى، ~~لا يدخلون في السبت ولا يدار عليهم. # وقوله تعالى: كذلك نبلوهم أي مثل ذلك البلاء العجيب الفظيع، نختبرهم ~~بإظهار السمك لهم على ظهر الماء، في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم ~~في اليوم الحلال لهم صيده، أي نعاملهم معاملة من يختبرهم، بسبب فسقهم، ~~فيظهر عدوانهم، فيستحقون المؤاخذة. # PageV05P209 # ثم بين تعالى تماديهم في العدوان. وعدم انزجارهم عنه، بعد العظات ~~والإنذارات، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 164] # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) # وإذ قالت أمة منهم أي جماعة من صلحائهم، يحاورون فريقا ممن دأب في عظتهم ~~لم تعظون قوما الله مهلكهم أي: مخترمهم ومطهر الأرض منهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا أي بل معذبهم عذابا شديدا، إذ مجرد الإهلاك قد يوجد معه لطف، وأما ~~شدة العذاب فتلك القاصمة قالوا أي: الوعاظ معذرة إلى ربكم أي نعظهم معذرة ~~إليه تعالى، لئلا ننسب إلى التفريط في وصيته بالنهي عن المنكر. وقرئ ~~بالرفع. أي موعظتنا معذرة ولعلهم يتقون أي ورجاء في أن يتقوا فيتوبوا ~~فينجوا من الإهلاك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 165] # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) # فلما نسوا ما ذكروا به أي فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم، ترك الناسي ~~للشيء، وأعرضوا عنه إعراضا كليا، بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ ~~أصلا أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا أي: المرتكبين ~~المنكر. # بعذاب بئيس أي: شديد، وزنا ومعنى بما كانوا يفسقون بفعل المنكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 166] # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) # فلما عتوا عن ما نهوا عنه، أي ms2267 تكبروا وأبوا أن يتركوا ما نهوا عنه قلنا ~~لهم كونوا قردة خاسئين أي صاغرين أذلاء، بعداء من الناس. # قال الزجاج: أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع. # PageV05P210 # وقال غيره: المراد بالأمر هو الأمر التكويني، لا القولي، أي: التكليفي، ~~لأنه ليس في وسعهم حتى يؤمروا به. وفي الكلام استعارة تخييلية. شبه تأثير ~~قدرته تعالى في المراد من غير توقف. ومن غير مزاولة عمل واستعمال آلة، بأمر ~~المطاع للمطيع، في حصول المأمور به، من غير توقف. كذا في (العناية) . # وظاهر الآية يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، ~~فمسخهم. ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا لما قبلها. ### | تنبيهات: # الأول: قال الجشمي: تدل الآية على أنهم تعبدوا بتحريم الصيد يوم السبت، ~~وأنه شدد التكليف عليهم بظهورها يومئذ، وأنهم خالفوا أمر الله، وهذا القدر ~~يقتضيه الظاهر. ومتى قيل: أفظهور الحيتان يوم السبت دون غيره من الأيام، هل ~~كانت معجزة؟ قلنا: اختلفوا فيه. فقيل: كان معجزة لنبي ذلك الزمان، لأنه لا ~~يتفق للسمك أن يأتي الأنهار كثيرا في يوم واحد، ولا يظهر في سائر الأيام. ~~فإن كان كذلك، فلا بد أن الله تعالى قوى دواعي الحيتان يوم السبت، فظهروا. ~~وصرفهم في سائر الأيام، فلم يظهروا، فكانت معجزة. وقيل: كانت جرت عادتهم ~~بترك الصيد يوم السبت، فعلموا ذلك فكثروا في ذلك اليوم على عادتهم، كما ~~اعتاد الدواب كثيرا من الأشياء. انتهى. # وقد روي في اعتدائهم في السبت روايات: # منها- أنهم تحيلوا لاصطياد الحيتان فيه بوضع الحبائل والبرك قبل يوم ~~السبت، حتى إذا جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة، نشبت بتلك الحبائل، ~~فلم تخلص منها يومها، فإذا كان الليل، أخذوها بعد انقضاء السبت. # ومنها- أنهم كانوا يأخذونها يوم السبت بالفعل، ولكن يأكلونها في غيره من ~~الأيام، فتأول لهم الشيطان أن النهي عن الأكل فيه منها، لا عن صيدها. ~~فنهتهم طائفة منهم عن ذلك وقالت: ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف، أو ~~قذف، أو بعض ما عنده من العذاب. فلما أصبحوا وجدوهم أصابهم من ms2268 المسخ ما ~~أصابهم، وإذا هم قردة- رواه عبد الرزاق وابن جرير- وثمة روايات أخر. # وروي عن مجاهد أنهم مسخت قلوبهم، لا أبدانهم- والله أعلم-. # الثاني- استدل بهذه القصة على تحريم الحيل. # PageV05P211 # قال الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : ومن مكايد الشيطان التي كاد ~~بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع، الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، ~~وإسقاط ما فرضه، ومضادته في أمره ونهيه. وهي من الرأي الباطل الذي اتفق ~~السلف على ذمه. # فإن الرأي رأيان: رأي يوافق النصوص، وتشهد له بالصحة والاعتبار، وهو الذي ~~اعتبره السلف، وعملوا به. ورأي يخالف النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار، ~~فهو الذي ذموه وأنكروه. وكذلك الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر ~~الله تعالى به، وترك ما نهى عنه، والتخلص من الحرام، وتخليص المحق من ~~الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي، فهذا النوع محمود، ~~يثاب فاعله ومعلمه. # ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالما، ~~والظالم مظلوما، والحق باطلا، والباطل حقا، فهذا الذي اتفق السلف على ذمه، ~~وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. # ثم ساق الوجوه العديدة على تحريمه وإبطاله. وقال في سادسها: # إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على ~~إباحة ما حرم الله تعالى عليهم من الصيد، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، ~~فلما وقع فيها الصيد، أخذوه يوم الأحد، قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم ~~لمن يتعاطى الحيل على المناهي الشرعية، ممن يتلبس بعلم الفقه، وهو غير ~~فقيه، إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده، وتعظيم حرماته، والوقوف ~~عندها. ليس المتحيل على إباحة محارمه، وإسقاط فرائضه، ومعلوم أنهم لم ~~يستحلوا ذلك تكذيبا لموسى عليه السلام وكفرا بالتوراة، وإنما هو استحلال ~~تأويل. واحتيال ظاهره ظاهر الإيفاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا- والله ~~أعلم- مسخوا قردة، لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي أوصافه ~~شبه منهم، وهو مخالف له في الحد والحقيقة. فلما نسخ أولئك المعتدون دين ~~الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ms2269 ظاهره، دون حقيقته، ~~مسخهم الله قردة يشبهونهم في بعض ظواهرهم، دون الحقيقة، جزاء وفاقا. # ثم # روي في عاشرها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» . # الثالث- دلت الآيات على أن أهل هذه القرية صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ~~ارتكبت المحذور، واحتالوا على صيد السمك يوم السبت، كما بينا. وفرقة نهت # PageV05P212 # عن ذلك واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: لم ~~تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة ~~في نهيكم إياهم؟ فأجابتها المنكرة: بأنا نفعل ذلك اعتذارا إلى ربنا فيما ~~أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم نص الله على نجاة ~~الناهين، وهلاك الظالمين. # وقال ابن كثير: وسكت عن الساكتين، لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا ~~يستحقون مدحا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيما فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة ~~فيهم: هل كانوا من الهالكين، أو من الناجين؟ على قولين. ويروى أن ابن عباس ~~كان توقف فيهم، ثم صار إلى نجاتهم، لما قال له غلامه عكرمة: ألا ترى أنهم ~~قد كرهوا ما هم عليه، وخالفوهم، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ فكساه ~~حلة. # الرابع- دل قوله تعالى: قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون على أن النهي ~~عن المنكر لا يسقط، ولو علم المنكر عدم الفائدة فيه. إذ ليس من شرطه حصول ~~الامتثال عنه، ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، ~~والغيرة على حدود الله، والاعتذار إليه تعالى، إذ شدد في تركه- لكفاه ~~فائدة. # ولما ذكر تعالى بعض مساوئ اليهود، تأثره ببيان. أنه حكم عليهم بالذل ~~والصغار إلى يوم القيامة فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 167] # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) # وإذ تأذن ربك أي آذن، (كتوعد بمعنى أوعد) . من (الإيذان) بمعنى (الإعلام) ~~أجري مجرى فعل القسم، كعلم ms2270 الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، ~~وهو قوله: ليبعثن عليهم والمعنى: وإذ حتم ربك وحكم، ليسلطن على اليهود إلى ~~يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب كالإذلال وضرب الجزية وغير ذلك، بسبب ~~عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم. وقد بعث الله ~~تعالى، بعد سليمان عليه السلام، بختنصر مالك بابل، فخرب ديارهم، وقتل ~~مقاتلتهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وجلا كثيرا ~~منهم إلى بابل- قصبة ممكلته- وأقاموا فيها سبعين سنة، ثم تسلطت عليهم ملوك ~~شتى، ولبثوا زمانا طويلا يكابدون بلاء عنيفا، من تواتر # PageV05P213 # الحروب على بلادهم، إلى أن صاروا جميعا تحت سلطة الرومان، بعد ولادة عيسى ~~عليه السلام بإحدى وسبعين سنة، واستؤصلوا من أرضهم، وتفرقوا في البلاد شذر ~~مذر، صاغرين مقهورين. ومن هاهنا، استدل من استدل بأنهم لا يكون لهم دولة ~~ولا عز، وباتصال ذلهم. إن ربك لسريع العقاب لمن أقام على كفره، ونبذ وصاياه ~~وإنه لغفور رحيم أي لمن تاب وآمن وعمل صالحا. # ثم أخبر تعالى عن تبددهم في الأقطار بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 168] # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) # وقطعناهم في الأرض أمما أي فرقنا بني إسرائيل في الأرض، وجعلنا كل فرقة ~~منهم في قطر من أقطارها، بحث لا تخلو ناحية منها، منهم، تكملة لإدبارهم، ~~حتى لا تكون لهم شوكة منهم الصالحون ومنهم دون ذلك أي من ينحط عن درجة ~~الصلاح، لكفر أو فسق وبلوناهم بالحسنات والسيئات أي النعم والنقم التي هي ~~أمثلة أجزاء الصلاح والفسق لعلهم يرجعون أي عن أسباب السيئات إلى الحسنات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 169] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ~~(169) # فخلف من بعدهم أي من بعد هؤلاء ms2271 المذكورين خلف أي بدل سوء. # والمراد بهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (والخلف) ~~مصدر، ولذا يوصف به المفرد وغيره، وقد شاع في الطالح، ومفتوح اللام ب ~~(الصالح) ، وربما جاء عكسه ورثوا الكتاب أي التوراة من أسلافهم المختلفين، ~~يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم، ولا ~~يعملون بها كما قال: يأخذون عرض هذا الأدنى أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد ~~الدنيا، وما يتمتع به منها. وفي قوله هذا الأدنى تخسيس وتحقير. و (العرض) ~~بفتح الراء، ما لا ثبات له، ومنه استعار # PageV05P214 # المتكلمون (العرض) لمقابل (الجوهر) . و (الأدنى) إما من الدنو، بمعنى ~~القرب، لأنه عاجل قريب بالنسبة إلى الآخرة. وإما من دنو الحال وسقوطها ~~وقلتها ويقولون سيغفر لنا أي يعتاضون عن بذل الحق ونشره، بعرض الحياة ~~الدنيا، ويتحكمون على الله تعالى بأنه لا يؤاخذهم بما أخذوا وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه الواو للحال، أي يرجون المغفرة، وهم مصرون عائدون إلى مثل ~~فعلهم، غير تائبين، كلما لاح لهم مثل الأول أخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب أي الميثاق الوارد فيه أن لا يقولوا على الله إلا الحق أي فلوا صح ~~ما تحكموا به على الله، لم يكن لأخذ هذا الميثاق معنى. # ثم أخبر تعالى أن أخذهم ليس عن جهلهم بذلك الميثاق بقوله: ودرسوا ما فيه ~~أي قرءوا ما في الكتاب من الميثاق مرة بعد مرة والدار الآخرة خير أي من ذلك ~~العرض الخسيس للذين يتقون أي أخذ هذا الأدنى بدل كتم الحق أفلا تعقلون أي ~~فتعلموا ذلك، فلا تستبدلوا الأدنى المؤدي إلى العقاب، بالنعيم المخلد. وقرئ ~~بالياء. وفي الالتفات تشديد للتوبيخ. # ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم، كما هو مكتوب فيه، بقوله سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 170] # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) # والذين يمسكون بالكتاب أي يتمسكون به في أمور دينهم. يقال: مسك بالشيء ms2272 ~~وتمسك به. وقرئ يمسكون، من (الإمساك) وتمسكوا واستمسكوا وأقاموا الصلاة إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين من وضع الظاهر موضع المضمر، تنبيها على أن الإصلاح ~~كالمانع من التضييع، لأن التعليق بالمشتق يفيد علة مأخذ الاشتقاق فكأنه ~~قيل: لا نضيع أجرهم لإصلاحهم. فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ~~ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ أجيب: بأن إفرادها، إظهارا لمزية الصلاة- ~~لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان. # قال الجشمي: تدل الآية على وعيد المعرض عن الكتاب، ووعد من تمسك به، ~~تنبيها لنا وتحذيرا عن سلوك طريقتهم. وتدل على أن الاستغفار باللسان، وتمني ~~المغفرة لا ينفع حتى يكون معهما التوبة والعمل. # PageV05P215 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 171] # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) # وإذ نتقنا الجبل فوقهم أي رفعناه كأنه ظلة أي سحابة وظنوا أنه واقع بهم ~~أي ساقط عليهم، لأن الجبل لا يثبت في الجو خذوا ما آتيناكم أي وقلنا، أو ~~قائلين: خذوا ما آتيناكم من أحكام التوراة بقوة أي عزيمة وجد واذكروا ما ~~فيه أي بالعمل ولا تتركوه كالمنسي لعلكم تتقون أي مساوئ الأعمال، أو راجين ~~أن تنظموا في سلك المتقين. وهذه الآية كقوله تعالى ورفعنا فوقهم الطور ~~[النساء: 154] . # وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف: أنهم راجعوا موسى في فرائض التوراة ~~وشرائعها، حتى رفع الله الجبل فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى: (ألا ترون ما ~~يقول ربي عز وجل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها، لأرمينكم بهذا! فخروا ~~سجدا، فرقا من أن يسقط عليهم) - رواه النسائي وسنيد-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 172] # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ~~ما يتوالدون قرنا بعد قرن، من أنهم كانوا ms2273 نطفة قذفت إلى رحم الأمهات، ثم ~~جعلت علقة، ثم مضغة، ثم أنشأهم بشرا سويا حيا مكلفا، فجعل خلقه إياهم كذلك، ~~إخراجا من أصلابهم، لأن أصلهم خرج منها، ومن ظهورهم بدل من بني آدم بدل ~~البعض. وقرئ (ذرياتهم) وأشهدهم على أنفسهم أي أشهد كل واحدة من أولئك ~~الذريات المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها، تقريرا لهم بربوبيته التامة. # قال الجشمي: أي أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، ~~وعجائب خلقته، وغرائب صنعته، من أعضاء سوية، وحواس مدركة، وجوارح ظاهرة، ~~وأعصاب وعروق وغير ذلك، مما يعلمه من تفكر فيه، وكلها تدل عليه وعلى صفاته ~~ووحدانيته، فبالإشهاد بالأدلة، صار كأنه أشهدهم بقوله. # PageV05P216 # وقوله تعالى: ألست بربكم على إرادة القول، أي قائلا: ألست بربكم، ومالك ~~أمركم ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤونكم، ~~فينتظم استحقاق المعبودية، ويستلزم اختصاصه به تعالى: قالوا بلى شهدنا أي ~~على أنفسنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك، لأنهم بما ظهر عليهم من آثار ~~الصنعة صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان. فالآية من باب ~~التمثيل المعروف في كلام العرب. مثل تعالى خلقهم على فطرة التوحيد، ~~وإخراجهم من ظهور آبائهم، شاهدين بربوبيته شهادة لا يخالجها ريب، بحمله ~~إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلا. ~~والقصد من الآية الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته تعالى معرفة ~~فطرية، لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال تعالى: فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله [الروم: 30] ، ~~والفطرة هي معرفة ربوبيته. # وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء؟» . # والجمعاء سالمة الأذن، والجدعاء مقطوعتها. # وفي صحيح مسلم «2» عن عياض بن حمار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء ms2274 فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم» . # وروى الطبري عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها ~~يهودانها أو ينصرانها» . # قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه وإذ أخذ ربك من بني آدم ... ~~الآية- رواه الإمام أحمد «3» والنسائي، بدون استشهاد الحسن بالآية. ~~PageV05P217 # وأما الأخبار المروية في إخراج الذرية من صلب آدم عليه السلام، وتكليمه ~~تعالى إياهم، ونطقهم، ثم إعادتهم إلى صلب أبيهم- فغير صحيحه الإسناد. وما ~~حسن إسناده منها فغير صريح في ذلك، بل هو أقرب إلى ألفاظ الآية، كما بينه ~~الحافظ ابن كثير. قال رحمه الله: # ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد فطرهم على ~~التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض والأسود. وقد فسر الحسن الآية ~~بذلك. # قالوا: ومعنى (أشهدهم) أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. # والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله: الوا شهدنا على أنفسنا # [الأنعام: 130] ، الآية- وتارة تكون حالا كقوله تعالى: ما كان للمشركين ~~أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [التوبة: 17] ، أي حالهم ~~شاهدا عليهم بذلك، لأنهم قائلون ذلك. وكذا قوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد ~~[العاديات: 7] ، كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، ~~كقوله: وآتاكم من كل ما سألتموه [إبراهيم: 34] . # قالوا: مما يدل على أن المراد هذا، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، ~~فلو كان قد وقع كما قاله من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن ~~قيل: # إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين ~~من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره. وهذا جعل حجة ~~مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد. # أن تقولوا أي كراهة أن تقولوا: يوم القيامة أي الذي يسأل فيه عن الربوبية ~~والتوحيد إنا كنا عن هذا أي عن ربوبيته وتوحيده غافلين أي لم ننبه عليه. ms2275 ~~فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر، صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك. # إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 173] # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا أي سنوا الإشراك واخترعوه من قبل أي من # PageV05P218 # قبل زماننا وكنا ذرية من بعدهم أي فنشأنا على طريقتهم، احتجاجا بالتقليد، ~~وتعويلا عليه، فقد قطعنا العذر بما بينا من الآيات أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون أي أتؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك، وأسسوا من الباطل، أو بفعل ~~آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول، وأقوال الرسل؟ والاستفهام للإنكار، أي ~~أنت حكيم لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء، وقد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما ~~شرعوا لنا من الباطل. والمعنى: # أزلنا الشبهتين بأن الإقرار بالربوبية والتوحيد، هو في أصل فطرتكم، فلم ~~لم ترجعوا إليه عند دعوة العقول والرسل؟ والفطرة أكبر دليل، فهي تسد باب ~~الاعتذار بوجه ما. # لا سيما والتقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الاستدلال بها، مما لا ~~مساغ له أصلا. ### | تنبيهات # الأول- وافق الإمام ابن كثير، في هذا المقام أيضا الجشمي في تفسيره، قال: # ويروي أصحاب الحديث عن أسلافهم من الآثار موقوفة ومرفوعة، ويجعلون ذلك ~~تأويلا للآية، وهو أنه تعالى مسح ظهر آدم، فأخرج منه ذريته، أمثال الذر، ~~فقال: # ألست بربكم؟ فقالوا: بلى طائعين. ثم أعادهم في صلب آدم. وإن تأويل الآية ~~على ذلك. # قال: وقد ذكر مشايخنا رحمهم الله أن ذلك فاسد، وأن ظاهر الآية يخالف ذلك، ~~وذكروا في الرواية ما نذكره. قالوا: فمما يدل على فساده وجوه: # منها: أنه لو كان حال كما ذكروا، لذكرناه، لأن مثل ذلك الأمر العظيم لا ~~ينساه العاقل، خصوصا إذا كان إشهادا عليه، ليعمل به. # ومنها: ما ذكره شيخنا أبو علي، أن ظهر آدم لا يسع هذا الجمع العظيم، وهذا ~~شنيع من الكلام. # ومنها: أنه ذكر أنه خلقنا من نطفة، وكل ولد ولد من أب ومن ms2276 نطفة، فلو ~~خلقهم ابتداء لا من شيء، لم يصح ذلك. # ومنها: أن الجزء الواحد، لا يجوز أن يكون حيا عاقلا، لأن تلك البنية، لا ~~تحمل الحياة، فلا بد من أن يكون مؤلفا من أجزاء، وحينئذ لا يصح أن يكون ~~الجميع في ظهر آدم. # ومنها: أنه يفتح باب التناسخ، والقول بالرجعة، لأن لهم أن يقولوا: إذا ~~جاز الإعادة ثمة، لم ينكر التناسخ. # PageV05P219 # ومنها: أنه لا بد أن يكون فيه فائدة، وفائدته أن يذكره ليجري على تلك ~~الطريقة، وإذا لم يذكره بطلت فائدته. # ومنها: أن الاعتراف لا يصح إلا وقد تقدم حال لهم عرفوا ذلك، فكيف يصح في ~~ابتداء الخلق، إلى غير ذلك مما لا يقبله العقل. # ثم قال: قال مشايخنا رحمهم الله: والآية ظاهرها بخلاف قولهم من وجوه: # منها: أنه قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل (من آدم) . وقال: # من ظهورهم ولم يقل (من ظهره) . وقال: ذريتهم ولم يقل (ذريته) . # ومنها: أنه قال: أن تقولوا يعني فعل ذلك، لكيلا تقولوا: إنا كنا عن هذا ~~غافلين. وأي غفلة أعظم من أن جميع العقلاء لا يذكرون شيئا من ذلك. # ومنها: أنه قال: إنما أشرك آباؤنا ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك. وكل ذلك ~~يبين فساد ما قالوا. ولم يصحح أحد من مشايخنا هذه الرواية، ولا قبلها، بل ~~ردها. غير أبي بكر أحمد بن علي، فإنه جوز ذلك من غير قطع على صحته. غير أنه ~~قال: ليس ذلك بتأويل الآية، وذكر أن فائدة ذلك أن يجروا على الأعراق ~~الكريمة في شكر النعمة، والإقرار بالربوبية. كما قال: إنهم ولدوا على ~~الفطرة. قال: وأخرجهم كالذر ثم الهمهم حتى قالوا بلى. انتهى ما قاله ~~الجشمي. # الثاني- تدل الآية على فساد التقليد في الدين، وتدل على أنه تعالى أزال ~~العذر، وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره الجشمي. # الثالث- استدل بهذه الآية والأحاديث المتقدمة في معناها، أن معرفته تعالى ~~فطرية ضرورية، قال تعالى: قالت رسلهم أفي الله شك [إبراهيم: 10] ، وقال ~~تعالى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ms2277 ليقولن الله [لقمان: 25] . # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ~~[المؤمنون: 86- 87] . # وعن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: «يا حصين: كم ~~تعبد اليوم إلها؟ قال أبي: سبعة ستا في الأرض، وواحدا في السماء؟ قال: ~~فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء» - رواه الترمذي «1» # - فالله تعالى فطر الخلق كلهم PageV05P220 # على معرفته فطرة توحيد، حتى من خلق مجنونا مطبقا مصطلما لا يفهم شيئا، ما ~~يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس، فطرة بالغة. # قال التقي ابن تيمية: إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس ~~الناس. وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته، حتى يحتاج إلى نظر ~~يحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار أن المعرفة ~~تحصل بالضرورة، وقد تحصل بالنظر لمن فسدت فطرته، كما اعترف بذلك خلائق من ~~أئمة المتكلمين. # وقال أيضا: ذهب طوائف من النظار إلى أن معرفة الله واجبة، ولا طريق لها ~~إلا بالنظر فأوجبوا النظر على كل أحد. وهذا القول إنما اشتهر في الأمة عن ~~المعتزلة ونحوهم. ولهذا قال أبو جعفر السمناني وغيره: إيجاب الأشعري النظر ~~في المعرفة بقية بقيت عليه من الاعتزال. # وذكر رحمه الله أن الذي يدل عليه كلامه الأئمة والسلف- وهو أعدل الأقوال- ~~أن النظر يجب في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. فوجوبه من العوارض التي ~~تجب على بعض الناس في بعض الأحوال، لا من اللوازم العامة. والذين أوجبوا ~~النظر ليس معهم ما يدل على عموم وجوبه، إنما يدل على أنه قد يجب، كقوله ~~تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض [يونس: 101] . وقوله فلينظر ~~الإنسان مم خلق [الطارق: 5] ، فإنه خطاب مع المتكبرين الجاحدين، أمروا ~~بالنظر، ليعرفوا الحق، ويقروا به، ولا ريب أن النظر يجب على هؤلاء. # قال أبو حيان التوحيدي في (مقابساته) في المقابسة الثانية والأربعين: قيل ~~لأبي الخير: حدثنا عن معرفة الله، تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن ~~المتكلمين في هذا ms2278 اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب ~~أن يحصل لنا جواب، فيفسر على حد الاختصار مع البيان. # فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس. ولما كان كل ~~مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، ساغ ~~أن يظن مرة أن معرفته تعالى اكتساب واستدلال، لأن الحسن يتصفح ويستقوي ~~بمؤازرة العقل ومظاهرته وتحصيله. وأن يظن تارة أنها ضرورة، فإن العقل ~~السليم من الآفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ~~ويحظر على صاحبه جحده وإنكاره والتشكك فيه لكن ضرورة لائقة بالعقل. لأن ~~ضرورة العقل ليست # PageV05P221 # كضرورة الحس. لأن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه، وضرورة ~~العقل لطيفة جدا. لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويخفف. # ثم ضرب مثلا لطيفا، وقال بعده: فعلى هذا، فإن الله تقدس اسمه، معروف عند ~~العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل ~~كثيرا ولا يثبت أصلا، فمن أستدل ترقى من الجزئيات. ومن ادعى الاضطرار انحدر ~~من الكليات. وكلا الطريقين قد وضح بهذا الاعتبار وكفي مؤونة الخبط ~~والإكثار. فأما ما ينظر منه في الجدال، فلا يرث منه إلا الشك والفرقة ~~والحمية والعصبية. وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استيلاء وجولة، ~~وللحيرة ركود وإقامة. أخذ الله بأيدينا، وكفانا الهوى الذي يؤذينا- انتهى-. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 174] # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون أي مثل ما ذكرنا، نبين الأدلة والحجج، ~~ليرجعوا إلى الحق. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 175] # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) # واتل عليهم أي على قومك أو على اليهود نبأ الذي آتيناه آياتنا أي علم ~~الكتاب، فلطف به حتى تعلم وفهم المعاني، وصار عالما بها فانسلخ منها بأن ~~نزع العلم عنه فكفر بها، وخرج منها خروج الحية من جلدها فأتبعه الشيطان أي ~~فلحقه وأدركه وصار قرينا له حتى أضله فكان ms2279 من الغاوين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 176] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) # ولو شئنا لرفعناه بها أي لعظمناه بالعمل بها ولكنه أخلد إلى الأرض أي # PageV05P222 # مال إلى الدنيا، ورغب فيها واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات، والتكليف بها، ~~والتعظيم من أجلها، وعدم ذلك. كالكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه، أي ~~تشد عليه وتهيجه، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه، فلهثه موجود في ~~الحالتين جميعا ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي من التوراة أو غيرها ~~فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 177] # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) # ساء مثلا أي ما مثل به القوم الذين كذبوا بآياتنا أي حيث شبهوا بالكلاب، ~~إما في استواء الحالتين في النقصان، وأنهم ضالون، وعظوا أم لم يوعظوا كما ~~قدمنا. وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، ~~فمن خرج عن حيز الهدى والعلم، وأقبل على هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس ~~المثل مثله. ولهذا # ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال «1» : ليس لنا مثل السوء. ~~العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه # . وأنفسهم كانوا يظلمون اعلم أن من السلف من ذهب إلى أن هذه الآية مثل ~~ضربه الله لمن عرض عليه الإيمان فأبى أن يقبله وتركه، وهو قول قتادة وعكرمة ~~واختاره أبو مسلم، حيث قال: قوله آتيناه آياتنا أي بيناها، فلم يقبل، وعرى ~~منها. وسواء قولك: انسلخ وعرى وتباعد. وهذا يقع على كافر لم يؤمن بالأدلة، ~~وأقام على الكفر. قال: ونظيره قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم [النساء: 47] ، وقال في حق فرعون: # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب ms2280 وأبى [طه: 56] . ومنهم من ذهب إلى أن ~~الموصول فيها أريد به معين، فروي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد ~~ابن أسلم وأبي روق أنه أمية بن أبي الصلت، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن ~~الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمدا عليه ~~الصلاة والسلام، حسده، ثم مات كافرا، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وهو الذي # قال فيه رسول PageV05P223 # الله «1» # (إنه آمن شعره وكفر قلبه) # يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل ~~توحيده) . # وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب، الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم ~~(الفاسق) ، كان يترهب في الجاهلية. فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر ~~المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فمات هناك طريدا وحيدا. # وهو قول سعيد بن المسيب. # وقيل نزلت في منافقي أهل الكتاب. كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأنكروه. عن الحسن والأصم. # وقيل: إنه فرعون. والآيات آيات موسى، كأنه لما اقتص أنبياء بني إسرائيل ~~عاد إلى قصة فرعون وضرب له المثل. # ومن الأقوال التي تناقلها المفسرون أنها نزلت في بلعام بن بعور، ويحكون ~~عنه قصة لم ترو في جوامع الآثار الصحيحة عندنا، ولا هي مطابقة لما عند أهل ~~الكتاب. # فقد ذكر نبؤه في الفصل الثاني والعشرين والثالث والعشرين من سفر العدد، ~~من تاريخ التوراة، بغير ما يرويه المفسرون عنه. ثم رأيت الجشمي لم يصحح ~~ذلك، فحمدت المولى على الموافقة. وعبارته: # «وعن مجاهد قال: هو نبي يقال له بلعم. رشاه قومه فكفر. وهذا لا يجوز، لأن ~~الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر. لأن ذلك ينفر الخلق عن الأنبياء، والقبول ~~منهم، ويحقرهم في النفوس، ولأنهم حجج الله على خلقه، اصطفاهم. فالأقرب أنه ~~لا يصح عن مجاهد» - انتهى- وهو كذلك لأن من قرأ نبأه السفر المتقدم، رأى من ~~ثباته، وعدم موافقته لبالاق، ملك موأب، على ما أراد منه- ما يبرئه عن ذلك. ms2281 ### | تنبيه: # قال الجشمي: إن قيل: كيف تتصل الآية بما قبلها؟ قلنا: على القول بأنه عنى ~~بها فرعون فقد اتصلت قصته بقصة بني إسرائيل. وقيل لما نهى عن تقليد الآباء ~~في الدين، بين في هذه الآية حال علماء السوء، الذين يختارون الدنيا على ~~الآخرة. نهيا عن تقليدهم واتباعهم، كما نهى عن تقليد الآباء. وقيل: لما ~~تقدم ذكر أخذ الميثاق، بين حال من آتاه الله الآيات فانسلخ منها ولم ~~يتبعها. PageV05P224 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 178] # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون قال أبو السعود: # لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين ~~الذين مثلهم كمثله، ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى ~~الضلالة، ويهتدوا إلى الحق- عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة ~~الله عز وجل، وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول ~~الاهتداء، من غير تأثير لها فيه، سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره ~~نحو تحصيله، حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، كسائر أفعال العباد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 179] # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) # ولقد ذرأنا أي خلقنا لجهنم أي لدخولها والتعذيب بها كثيرا من الجن والإنس ~~وهم الكفار من الفريقين، الموصوفون بقوله تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها أي ~~آيات الله الهادية إلى الكمالات ولهم أعين لا يبصرون بها أي دلائل وحدته، ~~بصر اعتبار ولهم آذان لا يسمعون بها أي الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، ~~يعني أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، ~~كما قال تعالى: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله. # [الأحقاف: ms2282 26] ، أولئك كالأنعام أي السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس ~~منها، إلا في الذي يقيتها، كقوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [البقرة: 171] ، أي ومثلهم في حال دعائهم إلى ~~الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما ~~يقول. وقوله تعالى: # بل هم أضل أي الأنعام، إذ ليس للأنعام قوة تحصيل تلك الكمالات ودفع تلك ~~النقائص. وهم مع ما لهم من تلك القوة قد خلوا عن الكمالات، وعن دفع ~~أضدادها، فكانوا أردأ حالا منها، لنقصهم مع وجود قوة الكمال فيهم. وأيضا: ~~الأنعام تبصر # PageV05P225 # منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره. وهؤلاء، أكثرهم يعلم أنه معاند، ~~فيقدم على النار. وأيضا: الأنعام قد تستجيب لراعيها، وإن لم تفقه كلامه، ~~بخلاف هؤلاء، وأيضا: إنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها، وإما بتسخيرها، ~~بخلاف هؤلاء، فإنهم خلقوا ليعبدو الله، ويوحدوه، فكفروا به وأشركوا أولئك ~~هم الغافلون أي عن تلك الكمالات والنقائص، ليهتموا لتحصيلها ودفعها، ~~اهتمامهم لجر المنافع الدنيوية، ودفع مضارها. ### | تنبيه: # قال أبو السعود: المراد بهؤلاء الذين ذرئوا لجهنم، الذين حقت عليهم ~~الكلمة الأزلية بالشقاوة، لكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قبلهم ما ~~يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا، بل ~~يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر. ~~فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيا بها، كما أن جميع الفريقين باعتبار ~~استعدادهم الكامل الفطري للعبادة، وتمكنهم التام منها، جعل خلقهم مغيا بها. ~~كما نطق به قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] . ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 180] # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) # ولله الأسماء الحسنى # روى مقاتل أن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن. فقال بعض المشركين: ~~إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ ~~فنزلت الآية # . و (الحسنى) تأنيث ms2283 (الأحسن) . # والمعنى: لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن ~~المعاني وأشرفها فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه أي يميلون عن ~~الإقرار بها ويجحدونها، ويعدلون عنها كفرا بها. كقوله تعالى: وإذا قيل لهم ~~اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا [الفرقان: ~~60] أي زادهم ذكر الرحمن نفورا. ولذا قال تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110] ، وقوله تعالى: ~~سيجزون ما كانوا يعملون يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان ~~بها. # PageV05P226 ### | تنبيهات # الأول- قال السيد محمد بن المرتضى اليماني في (إيثار الحق) : مقام معرفة ~~كمال هذا الرب الكريم. وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام ~~التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها ~~الشريفة. ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم. ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح ~~الرب بنفيها، من أعظم مكائدهم للإسلام. فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا. ~~فذموا الأمر المحمود ومدحوا الأمر المذموم، القائم مقام النفي والجحد ~~المحض. وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة. قال الله جل جلاله ولله الأسماء ~~الحسنى ... الآية. وقال قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن [الإسراء: 110] ~~الآية- فما كان منها منصوصا في كتاب الله، وجب الإيمان به على الجميع، ~~والإنكار على من جحده، أو زعم أن ظاهره اسم ذم لله سبحانه. وما كان في ~~الحديث وجب الإيمان به على من عرف صحته. وما نزل عن هذه المرتبة، أو كان ~~مختلفا في صحته، لم يصح استعماله. فإن الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق ~~أنه تسمى به. انتهى. # الثاني: # روى الشيخان «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر» . # وفي رواية: من أحصاها # . قال البخاري «2» : أحصيناه: حفظناه وأخرجه الترمذي «3» وزاد سوق ~~الأسماء معدودة: ثم قال: ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في ~~هذا الحديث. # ورواه ابن ماجة «4» أيضا. فسرد الأسماء ms2284 بزيادة ونقصان. # قال الحافظ ابن كثير: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في ~~هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن ~~محمد الصنعاني عن زهير بن محمد بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ~~ذلك. أي أنهم جمعوها من القرآن. كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة ~~وأبي زيد اللغوي. انتهى. PageV05P227 # وقال النووي: اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه ~~وتعالى. وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما ~~المقصود من الحديث الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصرها. ~~ولهذا جاء في الحديث «1» الآخر: أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به ~~في علم الغيب عندك. وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم، أن ~~لله ألف اسم. انتهى. # وقال السيد اليماني في (إيثار الحق) : عادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على ~~اليسير من الأسماء، ولا ينبغي ترك شيء منها، ولا اختصاره! فإن ذلك ~~كالاختصار للقرآن الكريم. ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره، ما ~~ذكره الله تعالى في القرآن العظيم. وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ~~ورد في الحديث المشهور في تعدادها، مع الاختلاف الشهير في صحته. وحسبك أن ~~البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله. واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة ~~العلة فيه، ولكن الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده، من ~~أحصاها، بالجنة كما اتفق على صحته. وليس يستيقن إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن ~~لله سبحانه اسم غير تلك الأسماء. فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن ~~تحصى، بطل اليقين بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما ~~اتفق على صحته بعد ذلك، وهو النادر وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ~~ذلك المروي بالضرورة والنص. أما الضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك. ~~وأما النص، # فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول ms2285 الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~«2» : «ما قال عبد أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ~~ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم ~~الغيب، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، ~~إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكان حزنه فرحا» - رواه أحمد، وأبو عوانة ~~في (صحيحه) وأبو يعلى والبزار. # ثم أخذ اليماني يذكر ما وجده من الأسماء منصوصا، غير معرج على التقليد. # فانظره في (إيثار الحق) فإنه جود البحث بمنزع شريف. PageV05P228 # الثالث- قال بعض مفسري الزيدية في قوله تعالى فادعوه بها: المعنى سموه ~~بها، وفي ذلك أمر بدعائه بالأسماء الحسنى، وهو أمر ندب إذا حمل على التلاوة ~~بالتسعة والتسعين، وحث على ذلك في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم. وإن أريد ~~بالتسمية بما فيه مدح، دون ما فيه إلحاد، فذلك وجوب. # الرابع- قال السيد اليماني في (إيثار الحق) : هل يجوز تسمية محامد الرب ~~تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه وتعالى؟ قال الله تعالى: ولله المثل ~~الأعلى [النحل: 60] ، وذكر أهل التفسير واللغة أنه الوصف الأعلى، وكذلك جاء ~~في كلام علي عليه السلام أنه قال: فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من ~~صفته- ذكره السيد أبو طالب في (الأمالي) بإسناده، والسيد الرضي في (النهج) ~~كلاهما في جوابه عليه السلام، على الذي قال له: صف لنا نار ربنا- وهذا لا ~~يعارض قوله عز وجل سبحانه وتعالى عما يصفون [الأنعام: 100] ، لأنه لم ينزه ~~ذاته عن الوصف مطلقا، حتى يعم الوصف الحسن، وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل ~~القبيح. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 181] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) # وممن خلقنا أي للجنة، لأنه في مقابلة ولقد ذرأنا لجهنم [الأعراف: # 179]- قاله النسفي- أمة يهدون بالحق أي يدعون إليه وبه يعدلون أي يعملون ~~ويقضون. وقد جاء في الآثار، ms2286 أن المراد بالأمة، هذه الأمة المحمدية. وقال ~~قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه ~~لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها. # وعن الربيع بن أنس- في هذه الآية- قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل» . # وفي الصحيحين «1» عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، ~~حتى تقوم الساعة» . # وفي رواية: حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. PageV05P229 # قال الشهاب: استدل بالآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا ~~يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 182] # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أي سنأخذهم بالعذاب من ~~طريق لا يعلمونها، أو نفتح لهم من الأحوال ما يلائم أهويتهم، ثم نهلكهم. # وأصل الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء قليلا قليلا، تشبيها بمن يرقى درجة ~~درجة، حتى ينتهي إلى العلو. وقيل: أصله من الدرج الذي يطوى فكأنه يطوى ~~منزلة بعد منزلة، كما يطوى الدرج. وقيل: لأنه من الدرجة فيكون، لأنه ينحط ~~درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى حال الهلاك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 183] # وأملي لهم إن كيدي متين (183) # وأملي لهم أي أمهلهم ليزدادوا إثما إن كيدي متين أي قوي شديد. # والمعنيون بهذا الخطاب كفار مكة. قال في (التنوير) : هم أبو جهل وأصحابه ~~المستهزئون، أخذهم الله بعذابه في يوم (أحد) ، وأهلك كل واحد بهلاك غير ~~هلاك صاحبه. انتهى. # ويدل قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 184] # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أي كما يختلقون. والاستفهام، للإنكار ~~والتوبيخ. أي: أو لم يتفكروا في أنه ليس بصاحبهم الذي هو ms2287 أعظم الأمة ~~الهادية بالحق، شيء من جنة. وجوز أن يكون الكلام تم عند قوله: أولم يتفكروا ~~إنكارا لعدم تفكرهم في شأنه، الموقف على صدقه، وصحة نبوته. ثم ابتدأ نفي ~~الجنة عنه تعجيبا وتبكيتا. و (الجنة) مصدر، كالجلسة، بمعنى الجنون، وليس ~~المراد به الجن. كما في قوله تعالى: من الجنة والناس [الناس: 6] ، لأنه ~~يحوج إلى تقدير # PageV05P230 # مضاف، أي مسه جنة أو تخبطها. والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم ب (صاحبهم) ~~للإيذان بأن طول مصاحبتهم له، مما يطلعهم على نزاهته عما ذكر، ففيه تأكيد ~~للنكير، وتشديد له إن هو إلا نذير أي رسول مخوف مبين أي موضح إنذاره، ~~مبالغة في الإعذار. # ولما نعى عليهم تفكرهم في شأنه صلى الله عليه وسلم، أنكر إخلالهم في ~~التأمل بالآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس، الشاهدة بصحة الآيات ~~المنزلة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 185] # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) # أولم ينظروا أي نظر استدلال في ملكوت السماوات من الشمس والقمر والنجوم ~~والسحاب. والملكوت: الملك العظيم والأرض أي وفي ملكوت الأرض، من البحار ~~والجبال والدواب والشجر وما خلق الله من شيء أي وفيما خلق الله مما يقع ~~عليه اسم (الشيء) ، من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم # عطف على (ملكوت) . أي في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، ~~وهم على أتعس الأحوال فبأي حديث بعده أي القرآن يؤمنون أي إذا لم يؤمنوا ~~به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية. وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم ~~رأسا، ونفي له بالكلية. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على وجوب النظر في الأدلة، وأنها طريق المعرفة. # وتدل على أنه لا شيء ينظر فيه، إلا ويعرف الله تعالى به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 186] # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) # من يضلل ms2288 الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون أي في كفرهم يتحيرون. ~~يعني أن من كتب عليه الضلالة، فلا يهديه أحد، ولا يغنيه النظر، ولا ~~الإنذار. كما قال تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض، وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] ، ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا [المائدة: 41] . # PageV05P231 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 187] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) # يسئلونك عن الساعة أي عن قيامها وحينها أيان مرساها أي متى إرساؤها أو ~~وقت إرسائها، أي إثباتها وإقرارها. والرسو يستعمل في الأجسام الثقيلة، ~~وإطلاقه على المعاني، تشبيها لها بالأجسام قل إنما علمها عند ربي لا يجليها ~~لوقتها إلا هو أي لا يظهرها في وقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض أي ~~عظمت وكبرت على أهلها لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة. أو ثقل علم ~~وقتها على أهلهما. أو عظم وصفها على أهل السموات والأرض، من انتشار النجوم، ~~وتكوير الشمس، وتسيير الجبال لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة على حين غفلة منكم ~~يسئلونك كأنك حفي عنها أي عالم بها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون أي أن علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت. لم كرر يسئلونك وإنما علمها عند الله؟ # قلت: للتأكيد، وما جاء به من زيادة قوله: كأنك حفي عنها وعلى هذا تكرير ~~العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدة زائدة. انتهى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلا ~~في الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا ~~التكرير، أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع ~~لتتميم المقصد الأول، ms2289 وقد بعد عهده، طري بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ~~ببدايته. وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها. فإنه ~~لما ابتدأ الكلام بقوله: يسئلونك عن الساعة أيان مرساها ثم اعترض ذكر ~~الجواب المضمن في قوله: قل إنما علمها عند ربي إلى قوله بغتة أريد تتميم ~~سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله: كأنك حفي عنها وهو ~~شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطري ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا ~~يطري إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول، مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ~~ثم قيل: يسئلونك # PageV05P232 # ولم يذكر المسؤول عنه، وهو (الساعة) اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال ~~لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا، فقال: قل إنما علمها عند الله. ويلاحظ ~~هذه في تلخيص الكلام بعد بسطه. ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من ~~التكرير لأجل بعد العهد، تتطرية للذكر، قوله: # عجل لنا هذا وألحقنا بذا ال ... شحم إن قد مللناه بجل # أي فقط، فذكر الألف واللام، خاتمة للأول من الرجزين، ثم لما استفتح الرجز ~~الثاني، استبعد العهد بالأولى، فطري ذكرها، وأبقى الأول في مكانها. ومن ثم ~~استدل ابن جني. على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء، فهو بيت كامل، ~~وليس بنصف، كما ذهب إليه أبو الحسن. قال: ولو كان بيتا واحدا، لم يكن عهد ~~الأولى متباعدا، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها. ألا ترى أن عبيدا لما جاء ~~بقصيدة طويلة الأبيات، وجعل آخر المصراع الأول (أل) لم يعدها أول المصراع ~~الثاني، لأنها بيت واحد، فلم ير عهدها بعيدا، وذلك قول عبيد بن الأبرص ~~الأسدي: # يا خليلي أربعا واستخبرا ال ... منزل الدارس عن أهل الحلال # مثل سحق البرد عفى بعدك ال ... قطر مغناه وتأويب الشمال # (أربعا: أقيما. الحلال: اسم امراة. سحق البرد: يريد مثل البرد المسحوق أي ~~البالي. وعفى، بالتشديد: محا. القطر: المطر. مغناه. هو الموضع الذي كانوا ~~يسكنونه. والشمال- بالفتح والكسر- من الرياح، ما مهبه من مطلع الشمس وبنات ~~نعش. وهي لا تكاد ms2290 تهب ليلا. وتأويبها: هبوبها النهار كله) ثم استرسل فيها ~~كذلك بضعة عشر بيتا. فانظر هذه النكتة، كيف بالغت العرب في رعايتها، حتى ~~عدت القريب بعيدا، والمتقاصر مديدا. فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند ~~الحذاق الأعيان، في صناعتي العربية والبيان، والله المستعان- انتهى-. # (والقصيدة بتمامها في (مختارات ابن الشجري) بالصفحة رقم 37) ثم أمره ~~تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 188] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا أي لا أقدر، لأجل نفسي، على جلب نفع ما، # PageV05P233 # ولا على دفع ضر ما إلا ما شاء الله أي تمليكه لي من ذلك بأن يلهمنيه، ~~فيمكنني منه، ويقدرني عليه. وهذا كقوله تعالى في سورة يونس ويقولون متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، لكل ~~أمة أجل [يونس: 48- 49] . ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير أي النفع، ~~بترتيب أسبابه، فكنت مثلا أعد للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من ~~الرخص وما مسني السوء أي الضر، للتوقي عن أسبابه إن أنا إلا نذير وبشير أي ~~عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب. وقوله تعالى: لقوم ~~يؤمنون يجوز أن يتعلق ب نذير وبشير جميعا، لأن المؤمنين هم المنتفعون ~~بالنذارة والبشارة، أو يتعلق ب بشير وحده، ومتعلق النذير محذوف، أي ~~للكافرين، وحذف للعلم به. وقال الشهاب: ليطهر اللسان منهم. ثم بين تعالى ~~عظم جناية الكفرة في جراءتهم على الإشراك، بتذكير مبادئ أحوالهم المنافية ~~له، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 189] # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن ms2291 من الشاكرين (189) # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام وجعل منها زوجها أي ~~من جنسها، كقوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا [الروم: 21] ~~، ليسكن إليها أي ليطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، ~~وبه آنس. وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان ~~إلى ولده، ويحبه محبة لكونه بضعة منه. وذكر ليسكن بعد ما أنث في قوله واحدة ~~ومنها زوجها ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو ~~الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده ~~الزمخشري. فلما تغشاها أي وطئها. و (التغشي) كناية عن الجماع، وكذلك ~~الغشيان والإتيان حملت حملا خفيفا أي خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد ~~المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة فمرت به أي فاستمرت ~~به خفيفة، وقامت وقعدت فلما أثقلت أي صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنها ~~دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا أي ولدا سويا قد صلح بدنه، أو # PageV05P234 # غلاما لنكونن من الشاكرين أي على نعمائك التي منها هذه النعمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 190] # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ~~(190) # فلما آتاهما صالحا أي كما طلبا جعلا له شركاء فيما آتاهما أي أخلاء ~~بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصالح أسوأ إخلال، إذا استبدلوه بالإشراك. ~~وقوله تعالى: فتعالى الله عما يشركون تنزيه فيه معنى التعجب. ### | تنبيه: # هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم ~~على خلاف ما يعاهدون الله عليه. وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم عليهم من الخلق ~~من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن. ثم إنشائه إياهم بعد ~~الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى ~~القوة. ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ~~ليكونن من الشاكرين. ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم هذه ms2292 النعم، التي امتن ~~سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، حيث أشركوا معه غيره ~~في ذلك. ونظير هذه الآية، في الإخبار عن تبديل المشركين نعمة الله كفرا، ~~قوله تعالى في سورة يونس هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل ~~مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق [يونس: 22 ~~و 23] ، وقد ذكر المفسرون هاهنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق ~~آدم وحواء. ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه ~~الحافظ ابن كثير في (تفسيره) . وتقبل ثلة من السلف لها وتلقيها- لا يجدي في ~~صحتها شيئا. إذا أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب، كما برهن عليه ~~ابن كثير. وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان ~~وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجل من أن ~~يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته. # إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى ~~أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء، ثم أورد على نفسه أنهما ~~بريئان من # PageV05P235 # الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل ~~أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو ~~(حواء) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك- فإنه ذهب في غير ~~مذهب. # - وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد. قال الحسن البصري، فيما ~~روى عنه ابن جرير: إن الآية عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده. وفي ~~رواية عنه: كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم. # قال ابن كثير: والأسانيد إلى الحسن، في تفسير هذا، صحيحة، وهو من أحسن ~~التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. # قال: ولو كان الحديث المرفوع، في أنها في آدم وحواء، ms2293 محفوظا عنده من ~~رواية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع ~~تقواه وورعه. فهذا يدل على أنه- إن صح- موقوف على الصحابي، لا مرفوع. ~~انتهى. # وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان هذه ~~الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك. وتقرير هذا ~~الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من ~~جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر ~~الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما، لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من ~~الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج ~~والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، ~~كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب، كما هو قول المنجمين. وتارة إلى ~~الأصنام والأوثان، كما هو قول عبدة الأصنام. # وقال الناصر في (الانتصاف) - متعقبا على الزمخشري-: الأسلم والأقرب، ~~والله أعلم، أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين. ~~وكأن المعنى- والله أعلم- خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا، ~~لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر، الذي هو ~~الأنثى، جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، ~~وإن كان فيهم الموحدون، على حد (بنو فلان قتلوا قتيلا) يعني من نسبة ما صدر ~~من البعض إلى الكل. ### | فائدة: # قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية أنه تعالى لما قال فلما أثقلت # PageV05P236 # جعل حال الإثقال يخالف ما قبله، وأنه يختص فيه الدعاء لأجل أنه حال ~~الخوف. # وقد ذهب الهادي إلى أن الحامل إذا أتى عليها من الحمل ستة أشهر، كانت ~~تصرفاتها كتصرفات المريض، تنفذ من الثلث. وهو قول مالك والليث، واحتجا ~~بالآية، لأنه تعالى فرق بين حال الخفة والإثقال. وقال غيرهما: تصرفها من ~~الجميع، ما لم يأخذها الطلق. قلنا: إنه يجوز عليها بعد الستة، وضع الحمل في ~~كل وقت. انتهى. # ثم قال: ودلت الآية على أنه يجوز ms2294 الدعاء لطلب أمور الدنيا، وإن حصول ~~الولد منة يجب الشكر عليها. انتهى. # ثم استأنف تعالى توبيخ المشركين كافة، واستقباح إشراكهم، وإبطاله بالكلية ~~ببيان شأن ما أشركوا به سبحانه، وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه ~~في حقه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 191] # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # أيشركون أي بخالق الأشياء تعالى وتقدس ما لا يخلق شيئا أي لا يقدر على ~~خلق شيء ما، كقوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له أي: ومن هذه صفته كيف ~~يعبد؟ ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة وهم يخلقون أي بل هم ~~مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: أتعبدون ما تنحتون ~~[الصافات: 95] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 192] # ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # ولا يستطيعون لهم أي لعبدتهم إذا حزبهم أمر نصرا أي بجلب نفع، أو دفع ضر ~~ولا أنفسهم ينصرون إذا اعترتهم حادثة من الحوادث، كما قال تعالى: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه [الحج: 73] ، وكما كان الخليل ~~عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإهانة. # وقد حكى ابن كثير أن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل رضي الله ~~عنهما أسلما لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكانا شابين، فكانا ~~يعدوان في الليل على # PageV05P237 # أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر ~~قومهما. # وكان لعمرو بن الجموح- وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيبه، فكانا ~~يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة. فيجيء عمرو بن ~~الجموح، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له: انتصر، ~~ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا. حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ~~ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر ~~فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل. وقال: # تالله لو كنت ms2295 إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا في قرن # (مستدن: ذليل مستعبد. والقرن: الحبل) . # ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا، رضي الله عنه وأرضاه. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، لأن قوله: أيشركون ما لا ~~يخلق.. الآية- حجاج. وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلق وينعم ويقدر ~~على النفع والضر هو الله تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 193] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ~~(193) # وإن تدعوهم أيها المشركون إلى الهدى أي إلى ما فيه رشاد لا يتبعوكم أي ~~إلى مرادكم وطلبتكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون يعني أن هذه ~~الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، كما قال إبراهيم يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا # [مريم: 42] . وجوز في الآية أن يكون المعنى: # وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم وتطلبوا منهم، كما تطلبون من الله، الخير ~~والشر، لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، لقوله تعالى بعد: فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صادقين [الأعراف: 194] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 194] # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) # إن الذين تدعون من دون الله أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة عباد أمثالكم # PageV05P238 # أي مخلوقات مماثلة لكم فادعوهم أمر تعجيز وتبكيت. أي فادعوهم لجلب نفع، ~~أو كشف ضر فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أي في زعمكم أنها آلهة. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 195] # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) # ألهم أرجل يمشون بها، أم لهم أيد يبطشون بها، أم لهم أعين يبصرون بها، أم ~~لهم آذان يسمعون بها تبكيت إثر تبكيت، مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزي، من ~~عدم الاستجابة، ببيان فقدان آلتها بالكلية. فإن الاستجابة من الهياكل ~~الجسمانية، إنما تتصور إذا كان ms2296 لها حياة وقوى محركة. ومدركة. وما ليس له ~~شيء من ذلك، فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة. كأنه قيل: ألهم هذه الآلات التي ~~بها تتحقق الاستجابة، حتى يمكن استجابتهم لكم؟ وقد وجه الإنكار إلى كل ~~واحدة من هذه الآلات الأربع على حدة، تكريرا للتبكيت، وتثنية للتقريع، ~~وإشعارا بأن انتفاء كل واحدة منها بحيالها، كاف في الدلالة على استحالة ~~الاستجابة. أفاده أبو السعود. # ويقال: إنه لما جعلهم مثلهم، كر على المثلية بالنقض بما ذكر، لأنهم أدون ~~منهم، وعبادة الشخص من هو مثله لا تليق، فكيف من هو دونه. ### | تنبيه: # قال الرازي: تعلق بعض أغمار المشبهة وجهالهم بهذه الآية، في إثبات هذه ~~الأعضاء لله تعالى، فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء، لهذه الأصنام، ~~دليلا على عدم إلهيتها. فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى، لكان ~~عدمها دليلا على عدم الإلهية، وذلك باطل. فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء ~~لله تعالى ... إلخ. # وأقول: الظاهر أن ملحظ مثبتيها هو أن عدمها يدل على النقص، وهو محال على ~~المولى تعالى، إذ له كل صفة كمال. ومعلوم أن في إثباتها له تعالى من آيات ~~أخر، وأحاديث مشهورة، ما يغني عن تكلف استثباتها له تعالى من مثل هذه ~~الآية، ولكن على المنهاج السلفي، وهو إثبات بلا تكييف، إذ من كيف فقد مثل، ~~ومن نفى فقد عطل. فالمشبهة كالمعطلة، والحق وراءهم، والمسألة شهيرة. # ولما بين تعالى أن شركاءهم عاجزون، أمر تعالى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يناصبهم # PageV05P239 # للمحاجة، ويكرر عليهم التبكيت، فقال سبحانه: قل ادعوا شركاءكم أي ~~استنصروا بها علي ثم كيدون أي اعملوا أنتم وهم في هلاكي من حيث لا أشعر به، ~~حتى يمكنني دفعه. # فلا تنظرون أي عجلوا في كيدي، فلا تمهلوني مدة أطلع فيها على كيدكم، فإني ~~لا أبالي بكم. وقد أثبت نافع وأبو عمرو الياء في كيدوني، والباقون حذفوها. ~~ومثله في قوله: ولا تنظرون [يونس: 71] ، ثم لا تنظرون [هود: 55] ، قال ~~الواحدي: والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي، وقد حذفوا هذه الياءات إذا ms2297 ~~كانت في القوافي، كقوله: # يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل # (وأصلها المصلى) والذين أثبتوها، فلأن الأصل هو الإثبات. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 196] # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) # إن وليي الله الذي نزل الكتاب تعليل لعدم المبالاة، المنفهم من السوق ~~انفهاما جليا. أي: الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب، ~~المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة. # قال أبو السعود: ووصفه تعالى بتنزيل الكتاب، للإشعار بدليل الولاية، ~~والإشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة. كأنه قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم، ~~لأن وليي هو الله الذي نزل الكتاب الناطق بأنه وليي وناصري، وبأن شركاءكم ~~لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلا عن نصركم. وقوله تعالى: وهو يتولى الصالحين ~~تذييل مقرر لما قبله. أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم ~~ولا يخذلهم. وفيه تعريض، لمن فقد الصلاح، بالخذلان والمحق. # قال الحسن البصري: إن المشركين كانوا يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بآلهتهم، فقال تعالى: ادعوا شركاءكم الآية- ليظهر لكم أنه لا قدرة له على ~~إيصال المضار إلي، بوجه من الوجوه. وهذا كما قال هود عليه السلام، لما قال ~~قومه: إن نقول إلا # PageV05P240 # اعتراك بعض آلهتنا بسوء، قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ~~من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ... # [هود: ### | 54- 56 # ] الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 197] # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم أي لا يتولون أحدا، لأنهم لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون أي إذا قصد إضرارهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 198] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا إذ ليس لهم سمع، وإن صورت لهم الآذان. ~~كما أنه لا بصر لهم، وإن صورت لهم الأعين. كما قال: وتراهم ينظرون إليك إذ ~~صورت ms2298 لهم الأعين وهم لا يبصرون لأنهم جماد عوملوا معاملة من يعقل، فعبر ~~عنهم بضميره، لأنهم على صور مصورة كالإنسان. وهذا من تمام التعليل، لعدم ~~مبالاته بهم، فلا تكرار. # وقال السدي: المراد بهذا (المشركون) وروي عن مجاهد نحوه، أي وإن كانوا ~~ينظرون إليك، فإنهم لا ينتفعون بالنظر والرؤية. # قال ابن كثير: والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة. أي تفصيا ~~من التفكيك، لأن المحدث عنهم الأصنام. ### | تنبيه: # من غرائب استنباط المعتزلة قولهم في هذه الآية- والعبارة للجشمي- ما ~~مثاله: تدل الآية على أن النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية، لذلك ~~أثبتهم ناظرين غير رائين. # قال: ومثله قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره. ويقسمون النظر إلى وجوه، ولا ~~تنقسم الرؤية. # قال: فبطل قول من يقول: إن قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~[القيامة: 22- 23] ، يقتضي الرؤية. انتهى. # PageV05P241 # ولا يخفى أن الأصل في إطلاق النظر هو الرؤية والإبصار، ولذلك تتعاقب في ~~هذا المعنى، وتترادف كثيرا، وانفكاكه عن الرؤية في هذه الآية لقرينة كون ~~المحدث عنهم جمادا، ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من ~~الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-. # ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصفح عن المشركين، إذا جادلوه في ~~شركائهم بعد هذا البيان، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 199] # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) # خذ العفو أي مكان الغضب، ليكونوا أقبل للنصيحة وأمر بالعرف أي بالجميل ~~المستحسن من الأفعال، فإنها قريبة من قبول الناس من غير نكير، ولما كان ~~الناصح لغيره، كالمعرض لعدوانهم، ثلث بما يحتاج إليه في ذلك فقال: وأعرض عن ~~الجاهلين أي المصرين على جهلهم، فلا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، ~~واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم. ### | تنبيهان: # الأول- قال بعض العلماء: إن سر الشريعة في الطباع والعادات، هو تأييد ~~المستحسن ومحو المستقبح. وإليه الإشارة بقوله تعالى: وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر فإن المعروف ما عرفته الطباع السليمة واستحسنته، والمنكر ما أنكرته ms2299 ~~واستقبحته. ذلك لأن غاية الشريعة راحة الخلق على حال ونظام معقولين، فلا ~~يصح الحكم بتوحيد العادات في كل البلاد. # الثاني: # روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال: أمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. # وروى البخاري «1» عن ابن عباس أن عيينة بن حصين قال لعمر بن الخطاب: # هي يا ابن الخطاب! فو الله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب ~~عمر، حتى هم أن يوقع به. فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن الله ~~تعالى قال لنبيه PageV05P242 # صلى الله عليه وسلم: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإن هذا من ~~الجاهلين. # قال ابن عباس: والله! ما جاوزها عمر حين تلاها. عليه، وكان وقافا عند ~~كتاب الله عز وجل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 200] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ أي يصيبنك من الشيطان وسوسة تثير غضبك على ~~جهلهم وإساءتهم، وتحملك على خلاف ما أمر فيه من العفو والأمر بالمعروف ~~فاستعذ بالله أي استجر به، وادعه في دفعه إنه سميع أي لدعائك عليم أي ~~باستعاذتك. # قال الزمخشري: النزغ والنسغ: الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم ~~على المعاصي. أي فشبهت وسوسته وإغراؤه بالغرز، وهو إدخال الإبرة وطرف العصا ~~وما يشبهه في الجلد، كما يفعله السائق لحث الدواب. وجعل النزغ نازغا مجاز ~~بالإسناد، لجعل المصدر فاعلا، كجد جده. # قال أبو السعود: وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لأمره، وتنبيه ~~على أنه من الغوائل الصعبة التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم ~~عصمته عز وجل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 201] # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) # إن الذين اتقوا إذا مسهم أي أصابهم طائف من الشيطان أي وسوسة وخاطر منه ~~تذكروا أي الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه فإذا هم أي بسبب ذلك التذكر ms2300 ~~مبصرون أي مواقع الخطأ، ومكائد الشيطان. فينتهون عنها ولا يتبعونه. وقرئ ~~(طيف) على أنه مصدر، من قولهم (طاف به الخيال يطيف طيفا) ، أو تخفيف (طيف) ~~كلين وهين. وهذه الآية تأكيد وتقرير لما قبلها من وجوب الاستعاذة بالله ~~تعالى، عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم. وقوله تعالى: # PageV05P243 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 202] # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) # وإخوانهم يعني وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس. كقوله: إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين [الإسراء: 27] ، وهم الذين لم يتقوا، فلم يتأت لهم ~~التذكر، ولا ينفع فيهم الاستعاذة لأن الشياطين يمدونهم في الغي أي يكونون ~~مددا لهم بتكثير الشبه والتزيين والتسهيل في الضلال، يعني تساعدهم الشياطين ~~على المعاصي، وتسهلها عليهم وتحسنها لهم ثم لا يقصرون أي لا يمسكون عن ~~إغوائهم، حتى يصروا ولا يرجعوا. يعني أن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ~~ولا يسأمون من إمدادهم من الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية: وجوز عود الضمير ~~ل (الإخوان) ، أي لا يرعوون عن الغي ولا يقصرون، وإن بولغ عليهم في الوعظ ~~بآيات الله، وإقامة الدلائل، ورفع الشبه، وغير ذلك. وجوز أيضا أن يراد أيضا ~~ب (الإخوان) الشياطين، ويرجع الضمير إلى الجاهلين أي وإخوان الجاهلين، وهم ~~الشياطين، يمدون الجاهلين في الغي. # قال الزمخشري: والأول أوجه، لأن (إخوانهم) في مقابلة الذين اتقوا. # ثم بين تعالى، من أنواع إغوائهم، لجاجهم في طلب آيات معينة، وتعنتهم في ~~اقتراحها، مع أن لديهم المعجزة العظمى، والخارقة الكبرى، وهي القرآن ~~العظيم، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 203] # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي ~~هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) # وإذا لم تأتهم بآية أي مما اقترحوه قالوا لولا اجتبيتها أي هلا تكلفتها ~~وأنشأتها من عندك قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي أي فلست بمفتعل للآيات، ~~ولا أتقدم إليه تعالى في شيء منها. ثم أرشدهم تعالى إلى أن هذا القرآن هو ~~أعظم ms2301 المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال سبحانه هذا أي ~~القرآن بصائر من ربكم أي بمنزلة البصائر للقلوب، بها يبصر الحق، ويدرك ~~الصواب. فالكلام على طريقة التشبيه البليغ. أو سبب البصائر، فهو مجاز مرسل. ~~أو استعارة لإرشاده. أو المعنى: حجج بينة، وبراهين نيرة. وإنما جمع خبر ~~المفرد # PageV05P244 # لاشتماله على آيات وسور، جعل كل منها بصيرة. والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم- لتأكيد وجوب الإيمان بها وهدى أي من الضلالة ورحمة أي ~~من العذاب لقوم يؤمنون أي به، فيتفكرون في حقائقه. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية أنه تعالى ينزل الآيات بحسب المصلحة، لا بحسب ~~اقتراحهم، لأن ذلك قد يكون فسادا. ويدل قوله: هذا بصائر أن المعارف مكتسبة. ~~وتدل أن جميع ما يقوله الرسول ويفعله من الشرع من وحيه، لذلك قال: # أتبع ما يوحى إلي، ومتى قيل: هل تدل الآية على أنه لا يجتهد ولا يقيس؟ ~~قلنا: # لا! لأن القياس والاجتهاد إذا كان متعبدا به، فاتباعه اتباع الوحي. ~~كالعامي يقبل من المفتي، والعالم يجتهد، ويتبع الوحي، كذلك هذا. والذي يدل ~~عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئا من تلقاء نفسه حتى يؤمر به- ~~انتهى كلامه- وفي إطلاقه تفصيل له موضع آخر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 204] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا أي عن حديث النفس وغيره لعلكم ~~ترحمون لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أرشد إلى طريق ~~الفوز بما انطوى عليه من منافعه الجليلة. أي وإذا قرئ القرآن الذي ذكرت ~~خصائصه، فاستمعوا له، أي أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه، وتتدبروا ~~مواعظه، وأنصتوا لقراءته حتى تنقضي، إعظاما له واحتراما، لكي تفوزوا ~~بالرحمة التي هي أعظم ثمراته، لا كما يعتمده كفار قريش من قولهم: لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه [فصلت: 26] . ### | تنبيهات: # الأول- ظاهر الآية يقتضي وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في ~~الصلاة وغيرها، وعليه أهل الظاهر، وهو قول الحسن البصري وأبي مسلم ~~الأصفهاني. # وقد روى مسلم ms2302 «1» عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنما جعل PageV05P245 # الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» . وكذا رواه أهل ~~السنن من حديث أبي هريرة. # وروى الإمام أحمد «1» وأهل السنن عن أبي هريرة أن «رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ أحد منكم معي ~~آنفا؟ قال رجل: نعم. يا رسول الله. قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ~~قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر ~~فيه بالقراءة من الصلاة، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم» . # قال الترمذي «2» : هذا حديث حسن. وصححه أبو حاتم الرازي. نعم وردت السنة ~~الصحيحة باستثناء الفاتحة وحدها للمأموم. وذلك فيما # رواه عبادة قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فثقلت ~~عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟ قال: قلنا: ~~يا رسول الله! إي والله. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن ~~لا يقرأ بها» - رواه أبو داود «3» والترمذي «4» # وفي لفظ: فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به، إلا بأم القرآن- رواه ~~أبو داود والنسائي، والدارقطني # وقال: # رواته كلهم ثقات. # وأخرج ابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتقرءون ~~في صلاتكم خلف الإمام، والإمام يقرأ؟ فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة ~~الكتاب في نفسه» . # وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فلا يستدل به على عدم قراءة المأموم مطلقا، ~~بل جهرا. لأن المنازعة إنما تكون مع جهر المأموم، لا مع إسراره. ولو سلم ~~دخول ذلك في المنازعة لكان الاستفهام الإنكاري فيه عاما لجميع القرآن، أو ~~مطلقا في جميعه. وحديث عبادة خاص أو مقيد، ولا تعارض بين عام وخاص، أو مطلق ~~ومقيد، لابتناء الأول على الثاني. وكذا يقال في عموم الآية، وفي هذا جمع ~~بين دلالة الكتاب، وصحيح السنة، إذ جاءنا بها من جاء بالقرآن. # الثاني- روي عن كثير من السلف أن الآية ms2303 نزلت في الصلاة. وعن بعضهم: # فيها وفي الخطبة يوم الجمعة. وعن بعضهم: فيهما وفي خطبة الأضحى والفطر. ~~وقد PageV05P246 # قدمنا في مقدمة الكتاب مصطلح السلف في قولهم (نزلت هذه الآية في كذا) ~~وبينا أنه قد يراد بذلك، أن الآية تشمل ذلك الشيء لدخوله في عمومها، لا أنه ~~سبب لنزولها، وذلك في بعض المقامات، وما هنا منه. وبتحقيق هذا يسقط ما ~~للرازي هنا من أنه إذا قيل بنزولها في منع المأموم من الجهر بالقراءة، يذهب ~~تناسب الآية مع ما قبلها من إفحام المشركين، بأن يستمعوا لقراءته، ليقفوا ~~على إعجازه. وما للخازن، بأن الآية مكية، وخطبة الجمعة والعيدين شرعتا ~~بالمدينة- فافهمه-. # الثالث- # روى الأمام أحمد «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها ~~كانت له نورا يوم القيامة» . # قال ابن كثير تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية # 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عام. أو المعنى: واذكر ربك أيها ~~الإنسان. والأول أظهر، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ~~خصائصه، فإنه مشروع لأمته. وقد أوضح هذا آية: يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا [الأحزاب: 41- 42] . والأمر بالذكر، ~~قال الزمخشري: هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح ~~والتهليل وغير ذلك. وقال بعض الزيدية: هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر ~~الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على ~~الاستحباب. قال: وبكل فسرت الآية. # ثم إنه تعالى ذكر آدابا لذكره: # الأول- أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى ~~الإجابة، وأبعد من الرياء. PageV05P247 # الثاني- أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والاعتراف ~~بالتقصير، ليتحقق بذلة ms2304 العبودية لعزة الربوبية. # الثالث- أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف والخشية من سلطان الربوبية، ~~وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع ~~القلب. # الرابع- أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير: # فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداء ولا جهرا بليغا. # وفي الصحيحين «1» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس ~~أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا. إن الذي ~~تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته # . قال الإمام: # المراد أن يقع الذكر متوسطا بين الجهر والمخافة، كما قال تعالى: ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا [الإسراء: 110] . # الخامس- أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله: ودون الجهر ~~لأن معناه: ومتكلما كلاما دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفا ~~على تضرعا، أو هو معطوف على في نفسك. أي اذكره ذكرا في نفسك، وذكرا بلسانك ~~دون الجهر. # السادس- أن يكون بالغدو والآصال، أي في البكرة والعشي. فتدل الآية على ~~مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد. وما بينهما، ~~الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش. وقد روي: أن عمل العبد يصعد أول ~~النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر. # ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله ولا تكن من الغافلين أي من الذين ~~يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، ~~واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية. # ثم ذكر تعالى ما يقوي دواعي الذكر، وينهض الهمم إليه، بمدح الملائكة ~~الذين يسبحون الليل والنهار، لا يفترون، فقال: PageV05P248 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (7) : آية 206] # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) # إن الذين عند ربك يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب لا ~~يستكبرون عن عبادته أي لا يتعظمون عنها. وقوله ويسبحونه وله ms2305 يسجدون أي ~~فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا ~~كان أولئك- وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة- حالهم في عبادته تعالى ~~وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم. ### | تنبيهات # الأول- قال الرازي: تمسك أبو بكر الأصم بهذه الآية في تفضيل الملائكة على ~~البشر قال: لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال: إن الذين عند ~~ربك ... الآية- أي فأنت أولى وأحق بالعبادة، والمسألة مستوفاة في كتب ~~الكلام. # واستنبط من قال بالتفضيل المذكور من الآية، أنه ينبغي للعبد أن ينظر إلى ~~من فوقه في طاعة الله تعالى. # الثاني- قال الرازي: المشبهة تمسكوا بقوله تعالى: إن الذين عند ربك ... # وقالوا: لفظ (عند) مشعر بالجهة. ثم أجاب بما هو معروف للخلف. ويعني، ~~سامحه الله، بالمشبهة الحنابلة، وهم براء من التشبيه، كما يعلمه من طالع ~~عقائدهم، واقفون على حد النصوص بلا تشبيه ولا تعطيل، ولم ينفردوا بذلك، فقد ~~تقدمهم من لا يحصى في هذه المسألة. راجع كتاب (العلو للذهبي) تعلم ما ~~ذكرنا. # الثالث- قال الجشمي: تدل الآية على كون الملائكة مكلفين. وتدل على أنهم ~~سجدوا لله. وآدم كان قبلة السجود، لأنه وصفهم بأنهم يسجدون له. # الرابع- هذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود ~~بالإجماع. # وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة «1» عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه عدها في سجدات القرآن. # وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~القرآن، فيقرأ PageV05P249 # سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته، ~~في غير وقت صلاة. «1» # وروى مسلم «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم ~~بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت. فلي النار» . # وروى مسلم «3» عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك بكثرة ms2306 السجود لله، فإنك لا تسجد ~~لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة» . # الخامس- السجدة المشروعة، إن كانت لآية، أمر فيها بالسجود فللأمر، أو حكى ~~فيها استنكاف الكفرة عنه، فلمخالفتهم وإرغامهم، أو حكي فيها سجود الأنبياء ~~أو الملائكة، فللتأسي بهم- كذا في (العناية) . # وهذا آخر ما تيسر تعليقه على سورة الأعراف، فلله الحمد على هذا التسهيل ~~والإسعاف. ونسأله بمنه وكرمه العون على الإتمام، فإنه ذو الجلال والإكرام. # وكان الفراغ في ذلك طلوع الشمس من يوم الثلاثاء، في 26 رمضان المبارك سنة ~~1321 بشباك السدة العليا اليمنى من جامع السنانية. على يد الفقير جمال ~~الدين القاسمي غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين، ورحمه وإياهم إنه ~~أرحم الراحمين. PageV05P250 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنفال # مدنية، أو، إلا وإذ يمكر بك ... الآيات السبع، فمكية. وآياتها خمس وسبعون ~~آية. # سميت بالأنفال لأنها مبدأ هذه السورة، ومنتهى ما ذكر فيها من أثر أمر ~~الحروب. # PageV05P251 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # يسئلونك عن الأنفال، قل الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. # روى البخاري «1» عن ابن عباس أن سورة الأنفال نزلت في بدر. # وروى الإمام أحمد «2» عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فشهدت معه بدرا. فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، ~~فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون: وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ~~ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه ~~غرة. حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا ~~الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب. # قال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن نفينا عنها العدو ~~وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق بها ~~منا. نحن أحدقنا برسول ms2307 الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدو منه ~~غرة، واشتغلنا به- فنزلت: يسئلونك عن الأنفال ... الآية- فقسمها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على فواق من المسلمين. # وهذا الحديث رواه الترمذي أيضا وحسنه، ورواه ابن حبان في صحيحه، # وصححه الحاكم. # ولفظ ابن إسحاق عن عبادة قال: فينا، أصحاب بدر، نزلت، حين اختلفنا في ~~النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين على ~~السواء. PageV05P252 # وروى أبو داود «1» والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: لما كان ~~يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع كذا وكذا فله من النفل ~~كذا وكذا. فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات. فلما كانت ~~المغانم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا ~~كنا ردءا لكم، لو انكشفتم لثبتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ~~يسئلونك عن الأنفال ... الآية- # وهذا مما يفيد أن التشاجر كان متنوعا، وأن الآية نزلت لفصله. # والأنفال: هي المغانم، جمع (نفل) محركة، وهو الغنيمة. أي كل نيل ناله ~~المسلمون من أموال أهل الحرب. قال ابن تيمية: سميت بذلك، لأنها زيادة في ~~أموال المسلمين. أي لأن النفل يطلق على الزيادة- كما في (التاج) . ومنه ~~النافلة لصلاة التطوع لزيادتها على الفريضة. # وقوله تعالى: قل الأنفال لله والرسول- قال المهايمي: أي ليست هي في ~~مقابلة الجهاد، وإنما مقابله الأجر الأخروي، وهذه زائدة عليه، خرجت عن ملك ~~المشركين فصارت ملكا خالصا لله ولرسوله. والرسول خليفة يعطيها، على ما أراه ~~الله، من يشاء. ولما أطلق له صلى الله عليه وسلم الحكم فيها، قسمها بينهم ~~بالسوية، ووهب من استوهبه. # فروى الإمام أحمد «2» عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قتل أخي ~~عمير وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب فاطرحه في القبض. قال، فرجعت، وبي ما ~~لا يعلمه إلا الله، ms2308 من قتل أخي، وأخذ سلبي. قال، فما جاوزت إلا يسيرا حتى ~~نزلت سورة الأنفال. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فخذ سلبك. # وروى الإمام أحمد «3» والترمذي- وصححه- عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول ~~الله! قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا ~~السيف لا لك ولا لي، ضعه. قال، فوضعته ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا ~~السيف اليوم من لا يبلي بلائي. قال، إذا رجل يدعوني من ورائي. قال، قلت: قد ~~أنزل الله في شيئا. قال: # كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال، وأنزل الله ~~هذه الآية يسئلونك عن الأنفال ... الآية. PageV05P253 ### | تنبيهات # الأول- ذهب بعضهم إلى أن أنفال بدر قسمت من غير تخميس، ثم نزلت بعد ذلك ~~آية الخمس، فنسخت الأولى. # قال ابن كثير: فيه نظر. ويرد عليه حديث علي بن أبي طالب في شارفيه اللذين ~~حصلا له، من الخمس، يوم بدر. فالصواب أنها مجملة محكمة، بين مصارفها في آية ~~الخمس. # الثاني- روي عن عطاء أنه فسر (الأنفال) بما شذ من المشركين إلى المسلمين ~~في غير قتال من دابة أو أمة أو متاع. قال: فهو نفل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يصنع به ما يشاء. # قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنه فسر (الأنفال) بالفيء، وهو ما أخذ من ~~الكفار من غير قتال. # قلت: صدق (النفل) عليه، لا شك فيه، وأما كونه المراد من الآية بخصوصه، ~~فلا يساعده سبب نزولها المار ذكره، لا سيما قوله: وأصلحوا ذات بينكم المشير ~~إلى التنازع المتقدم. # ثم قال ابن كثير: واختار ابن جرير أنها الزيادة على القسم، أي ما يدفع ~~إلى الغازي زائدا على سهمه من المغنم، والكلام الذي قلته قبل، يجري هنا ~~أيضا. # ونقل الرازي عن القاضي أن كل هذه الوجوه تحتمله الآية. قال: وليس فيها ~~دليل على ترجيح بعضها على بعض، وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين، قضى ~~به. وإلا فالكل محتمل. وكما أن كل واحد منها جائز، ms2309 فكذلك إرادة الجميع ~~جائزة، فإنه لا تناقض بينها. أي لصدق (النفل) عليها. # الثالث- وقع عند الزمخشري أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، لمن الحكم ~~فيها اللمهاجرين أم للأنصار، أم لهم جميعا؟ فأجيبوا بأن الحاكم فيها ~~الرسول، وليس لأحد فيها حكم. وتأثر الزمخشري أبو السعود في سوقه لما ذكر، ~~وزاد عليه اعتماده له، بتطويل ممل. ولا أدري من أين سرت لهم هذه الرواية. ~~فإن رواة الآثار لم يخرجوها في صحاحهم ولا سننهم، بل ولا أصحاب السير، كابن ~~إسحاق وابن هشام. وهل يمكن للمسلمين أن يختلفوا للحكم على الغنائم، ~~ويتنازعوا ولايتها، والرسول بين أظهرهم؟ ومتى عهد ذلك من سيرتهم؟ سبحانك # PageV05P254 # هذا بهتان عظيم! ولكن هو الرأي (قاتله الله!) ونبذ كتب السنة، والتقليد ~~البحث، الذي لا يهتم صاحبه بحقائق الأشياء، ولا يريد معرفتها ولا فحصها ~~بالعقل يضع قدمه على القدم، حيث يكون مطواعا لآراء غيره، منقادا لها مصدقا ~~ما ينطق به فمه، غثا كان أو سمينا. اللهم نور بصيرتنا بفضلك. # وقوله تعالى: فاتقوا الله أي في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين ~~في الله. # وقوله تعالى: وأصلحوا ذات بينكم أي أحوال بينكم، يعني ما بينكم من ~~الأحوال، حق تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق. # وقوله تعالى: وأطيعوا الله ورسوله أي في قسمه بينكم، على ما أراه الله ~~تعالى. وقوله تعالى: إن كنتم مؤمنين متعلق بالأوامر الثلاثة. # قال الزمخشري: جعل التقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله، من ~~لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها: ~~فمعنى قوله: إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإيمان. # ثم بين تعالى من أريد بال (مؤمنين) بذكر أوصافهم الجليلة، المستتبعة لما ~~ذكر من الخصال الثلاث، ترغيبا لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة، فقال ~~سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 2] # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) # إنما المؤمنون أي الكاملون المخلصون فيه الذين إذا ذكر الله أي حقه أو ~~وعيده وجلت قلوبهم أي فزعت لذكره، واقشعرت ms2310 إشفاقا ألا تكون قامت بحقه، ~~وتهيبا من جلاله وعزة سلطانه، وبطشه بالعصاة وعقابه. # قال الجشمي: ومتى قيل: لم جاز وصفهم هاهنا بالوجل والطمأنينة في قوله ~~الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله [الرعد: 28] ، فجوابنا فيه وجوه: # منها: أنه تطمئن قلوبهم عند ذكر نعمه، وتوجل لخوف عقابه بارتكاب معاصيه. # ومنها: أن قلوبهم تطمئن لمعرفة توحيده، ووعده، ووعيده، فعند ذلك توجل # PageV05P255 # لأوامره ونواهيه، خوف التقصير في الواجبات، والإقدام على المعاصي، ~~والمستقبل يتغير حاله. انتهى. # وإذا تليت عليهم آياته أي حججه وهي القرآن زادتهم إيمانا أي يقينا ~~وطمأنينة نفس، إلى ما عندهم فإن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وأثبت ~~لقدمه. # وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها، على زيادة ~~الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة. بل قد حكى الإجماع ~~عليه غير واحد، كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وعلى ربهم يتوكلون أي لا ~~يرجون سواه، ولا يخشون غيره، ولا يفوضون أمورهم إلى غيره. # ولما ذكر تعالى، من أعمالهم الحسنة، أعمال القلوب من الخشية والإخلاص ~~والتوكل، أعقبه بأعمال الجوارح من الصلاة والصدقة، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 3] # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # الذين يقيمون الصلاة أي المفروضة بحدودها وأركانها، في أوقاتها. # والموصول نعت للموصول الأول، أو بيان له، أو منصوب على المدح. # وقوله ومما رزقناهم ينفقون عام في الزكاة، وأنواع البر والقربات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 4] # أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # أولئك هم المؤمنون حقا أي لا شك في إيمانهم. وحقا صفة لمصدر محذوف، أي ~~إيمانا حقا أو مصدر مؤكد للجملة، أي حق ذلك حقا، كقولك. هو عبد الله حقا. # قال عمرة بن مرة (في هذه الآية) : إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: # فلان سيد حقا، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقا، وفي القوم تجار. وفلان ~~شاعر حقا، وفي القوم شعراء. انتهى. # وكأنه أراد الرد على من زعم أن (حقا) من صلة قوله: لهم ms2311 درجات بعد، تأكيدا ~~له، وأن الكلام تم عند قوله المؤمنون، فإن هذا الزعم يصان عنه أسلوب ~~التنزيل الحكيم. # PageV05P256 # وقد تطرف بعض المفسرين هنا لمسألة شهيرة. وهي: هل يجوز أن يقال: أنا مؤمن ~~حقا. # قال الطوسي في (نقد المحصل) : المعتزلة ومن تبعهم يقولون: اليقين لا ~~يحتمل الشك والزوال. فقول القائل: (أنا مؤمن إن شاء الله) لا يصح إلا عند ~~الشك، أو خوف الزوال. وما يوهم أحدهما لا يجوز أن يقال للتبرك. انتهى. # والغزالي في الإحياء، بسط هذه المسألة، وأجاب عمن سوغ ذلك بأجوبة: # منها: التخوف من الخاتمة، لأن الإيمان موقوف على سلامة الخاتمة. # ومنها: الاحتراز من تزكية النفس. # ومنها: غير ذلك. انظره بطوله. # وقال ابن حزم في (الفصل) : القول عندنا في هذه المسألة أن هذه صفة يعلمها ~~المرء من نفسه، فإن كان يدري أنه مصدق بالله عز وجل، وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبكل ما أتى به، وأنه يقر بلسانه بكل ذلك، فواجب عليه أن يعترف بذلك، ~~كما أمر تعالى في قوله: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] . ولا نعمة أوكد ~~ولا أفضل، ولا أولى بالشكر، من نعمة الإسلام. فواجب عليه أن يقول: أنا مؤمن ~~مسلم قطعا عند الله تعالى، في وقتي هذا. ولا فرق بين قوله (أنا مؤمن مسلم) ~~وبين قوله (أنا أسود أو أنا أبيض) وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها. وليس ~~هذا من باب الامتداح والعجب في شيء، لأنه فرض عليه أن يحقن دمه بشهادة ~~التوحيد. وقول ابن مسعود: (أنا مؤمن إن شاء الله) عندنا صحيح، لأن الإسلام ~~والإيمان اسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة، إلى جميع البر والطاعات. ~~فإنما منع ابن مسعود الجزم على معنى أنه مستوف لجميع الطاعات، وهذا صحيح. ~~ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا شك. وما منع أن يقول المرء (إني مؤمن) ~~بمعنى (مصدق) . # وأما قول المانعين: (من قال أنا مؤمن، فليقل إنه من أهل الجنة) فالجواب: ~~إنا نقول إن متنا على ما نحن عليه الآن، فلا بد لنا من الجنة بلا شك. ms2312 ~~وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنن والإجماع، أن من آمن بالله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما جاء به، ولم يأت بما هو كفر، فإنه في ~~الجنة إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا، ولا نأمن مكر الله تعالى، ~~ولا إضلاله، ولا كيد الشيطان ولا ندري ماذا نكسب غدا، ونعوذ بالله من ~~الخذلان. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله، ولقد أجاد فيما أفاد. # PageV05P257 # وقوله تعالى: لهم درجات عند ربهم أي منازل ومقامات عاليات في الجنة ~~ومغفرة أي تجاوز لسيئاتهم ورزق كريم وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية على أشياء: # منها: أن الإيمان اسم شرعي لثلاث خصال: القول، والاعتقاد، والعمل. # خلاف ما تقوله المرجئة. لأن الوجل وزيادة التصديق من فعل القلب، والتدبر ~~والتفكر كذلك، والصلاة والإنفاق من أعمال الجوارح، والتوكل يشتمل على فعل ~~القلب والجوارح. ثم بين في آخره أن من جمع هذه الخصال فهو المؤمن حقا. # ومنها: أنها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، لأن هذه الطاعات تزيد وتنقص، ~~وقد نص على ذلك في قوله زادتهم إيمانا. # ومنها: أن الواجب عند تلاوة القرآن التدبر والتفكر فيما أمر ونهى، ووعد ~~وأوعد، لينجر للرغبة والرهبة. وذلك حث على الطاعة، وزجر عن المعاصي. # ومنها: وجوب التوكل عليه. والتوكل على ضربين: منها في الدنيا، ومنها في ~~الدين. أما في الدنيا فلا بد من خصال: # منها: أن يطلب مصالح دنياه من الوجه الذي أتيح له، ولا يطلب محرما. # ومنها: إذا حرم الرزق الحلال لا يعدل إلى محرم. # ومنها: ألا يظهر الجزع عند الضيق، بل يسلك فيه طريق الصبر، واعتقاد أن ما ~~هو فيه مصلحة له. # ومنها: أن ما يرزق من النعم بعدها، من جهته تعالى. إما بنفسه أو بواسطة. # ومنها: ألا يحبسه عن حقوقه خشية الفقر. # ومنها: ألا يسرف في النفقة ولا يقتر. # فعند اجتماع هذه الخصال يصير متوكلا. # فأما الذي يزعمه بعضهم أن التوكل إهمال النفس، وترك العمل- فليس بشيء. ~~وقد أمر الله ms2313 تعالى بالإنفاق، وبالعمل. وثبت عن الصحابة- وهم سادات ~~الإسلام- التجارة والزراعة والأعمال. وكذلك التابعين. وبهذا أجرى الله ~~العادة. وقد أمر النبي «1» صلى الله عليه وسلم الأعرابي أن يعقل ناقته ~~ويتوكل. PageV05P258 # فأما التوكل في الدين فخصال: # منها: أن يقوم بالواجبات، ويجتنب المحارم، لأنه بذلك يصل إلى الجنة ~~والرحمة. # ومنها: أن يسأله التوفيق والعصمة. # ومنها: أن يرى جميع نعمه منه، إذ حصل بهدايته وتمكينه ولطفه. # ومنها: أن لا يثق بطاعته جملة، بل يطيع ويجتنب المعاصي، ويرجو رحمة ربه، ~~ويخاف عذابه. فعند ذلك يكون متوكلا. # ثم قال الجشمي: وتدل الآية على أن تارك الصلاة والزكاة لا يكون مؤمنا، ~~خلاف قول المرجئة. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 5] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الكاف في ~~(كما) كاف التشبيه، والعامل فيه يحتمل وجوها، فإما هو معنى الفعل الذي دل ~~عليه قل الأنفال لله، تقديره نزع الأنفال من أيديهم بالحق، كما أخرجك ~~بالحق. وإما هو معنى الحق، يعني هذا الذكر حق، كما أخرجك بالحق. وإما أنه ~~خبر مبتدأ محذوف هو المشبه، أي حالهم هذه في كراهة تنفيل الغزاة، كحال ~~إخراجك من بيتك للحرب في كراهتهم له (كما سيأتي في تفصيل القصة) . وهذا هو ~~قول الفراء، فإنه قال: الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته، ~~بالقصة المتقدمة، التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها، مع ~~أنها أولى بحالهم. # وقوله تعالى: من بيتك أراد به بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مثواه. # أي إخراجه إلى بدر. وزعم بعض أن المراد إخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة ~~إلى المدينة للهجرة. # وهو ساقط، برده سياق القصة البدرية في الآيات بعد. وملخصها أن أبا سفيان ~~قدم بعير من الشام في تجارة عظيمة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ليغنموها، فعلمت قريش. فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها، وهم النفير. ~~وأخذ أبو سفيان بالعير # PageV05P259 # طريق ms2314 الساحل، فنجت. فقيل لأبي جهل: ارجع، فأبى وسار إلى بدر. فشاور صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه # وقال لهم: إن الله وعدني إحدى الطائفتين # ، فوافقوه على قتال النفير، وكره بعضهم ذلك، وقالوا: لم نستعد له، كما ~~قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 6] # يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) # يجادلونك في الحق وهو الجهاد وتلقي النفير بعد ما تبين أي ظهر لهم أنهم ~~ينصرون فيه كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون أي يكرهون القتال كراهة من ~~يساق إلى الموت، وهو ناظر إلى أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم، وعدم تأهبهم. # إذ روي أنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فيهم فارسان، المقداد ~~والزبير. وقيل الأول فقط. والمشركون ألف، ذوو عدة وعدة وفيه تعريض بأنهم ~~إنما يسار بهم إلى الظفر والغنيمة للوعد الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 7] # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين العير أو النفير أنها لكم وتودون أي تحبون ~~أن غير ذات الشوكة تكون لكم وهو العير، لا ذات الشوكة، وهي النفير. # والشوكة: السلاح أو حدته ويريد الله أن يحق الحق أي يثبته ويعليه، وهو ~~دعوة رسوله بكلماته أي بآياته المنزلة، وأوامره في هذا الشأن ويقطع دابر ~~الكافرين أي يستأصلهم، فلا يبقى منهم أحدا. # ثم بين تعالى الحكمة في اختيار ذات الشوكة لهم ونصرتهم عليها، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 8] # ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) # ليحق الحق ويبطل الباطل أي ليثبت الدين الحق، ويمحق الدين الباطل، ~~باستئصال أهله، مع ظهور شوكتهم ولو كره المجرمون أي المشركون ذلك. # ثم ذكرهم تعالى التجاءهم إليه، واستمدادهم منه النصر يوم بدر، وإمداده ~~حينئذ بقوله سبحانه: # PageV05P260 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 9] # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ms2315 مردفين (9) # إذ تستغيثون ربكم أي تطلبون منه الغوث، وهو التخلص من الشدة، والعون ~~بالنضر عليهم فاستجاب لكم أي الدعاء أني ممدكم أي معينكم بألف من الملائكة ~~مردفين بكسر الدال، أي متتابعين، بعضهم على إثر بعض، أو مردفين غيرهم. وقرئ ~~بفتحها على معنى أن الله أردف المسلمين بهم، أو مردفين بغيرهم، أي من ~~ملائكة آخرين. وقرئ (بآلاف) بالجمع، كما يأتي. # روى مسلم «1» عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ~~نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة ~~وبضعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده فجعل ~~يهتف بربه ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم آتني ما وعدتني. اللهم إن ~~تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادا ~~يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على ~~منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه ~~سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل إذ تستغيثون ربكم. # وروى البخاري «2» عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: ~~هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب. # وروى البخاري «3» عن معاذ بن رفاعة، عن رافع الزرقي، عن أبيه- وكان ممن ~~شهد بدرا- قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل ~~بدر فيكم؟ قال: # من أفضل المسمين- أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. ### | تنبيهات: # الأول- قال الجشمي: تدل الآية على أن الملك يجوز أن يتشبه بالآدمي، ولا ~~يخرج من كونه ملكا، بأن يغير أطرافهم دون الأجزاء التي صاروا بها أحياء ~~والذي ينكر أن يقدر أحد على تغيير الصور، بل نقول: إن الله هو الذي يقدر ~~على ذلك. # انتهى. PageV05P261 # الثاني- قال الزمخشري: وعن السدي (بآلاف من الملائكة) - على الجمع- ~~ليوافق ما في سورة آل عمران. فإن قلت: فيم يعتذر لمن قرأ على التوحيد، ولم ~~يفسر (المردفين) بإرداف ms2316 الملائكة ملائكة آخرين، و (المردفين) بارتدافهم ~~غيرهم؟ # قلت: بأن المراد بالألف، من قاتل منهم، أو الوجوه منهم، الذين من سواهم ~~أتباع لهم. انتهى. # وقال شمس الدين ابن القيم في (زاد المعاد) في بحث غزوة بدر: # فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين [آل عمران: 124- 125] ، فكيف الجمع بينهما؟ # قيل: اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بخمسة، على قولين: # أحدهما: أنه كان يوم (أحد) . وكان إمدادا معلقا على شرط، فلما فات شرطه، ~~فات الإمداد. وهذا قول الضحاك ومقاتل. وإحدى الروايتين عن عكرمة. # والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية ~~الأخرى عن عكرمة واختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ~~ذلك. # فإنه سبحانه قال: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم ~~تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا، إلى أن قال: وما جعله الله أي هذا الإمداد ~~إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به [آل عمران: 123- 126] . قال هؤلاء: فلما ~~استغاثوا، أمدهم بألف، ثم أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة ~~آلاف، لما صبروا واتقوا. وكان هذا التدريج، ومتابعة الإمداد، أحسن موقعا، ~~وأقوى لتقويتهم وأسر لها من أن يأتي مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ~~ونزوله مرة بعد مرة. # وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق (أحد) وإنما أدخل ذكر (بدر) اعتراضا ~~في أثنائها، فإنه سبحانه قال: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد ~~للقتال، والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما، وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون [آل عمران: 121- 122] ، ثم قال: ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة، فاتقوا الله لعلكم تشكرون فذكره نعمه عليهم، لما نصرهم ~~ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة (أحد) ، وأخبر عن ms2317 قول رسوله لهم ألن يكفيكم ~~أن يمدكم ربكم # PageV05P262 # بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين # [آل عمران: 123- 126] ، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف. ~~فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف، ~~وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران، ~~هي قصة (أحد) مستوفاة مطولة، و (بدر) ذكرت فيها اعتراضا. # والقصة في سورة الأنفال قصة (بدر) مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران ~~غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ويأتوكم من فورهم هذا [آل عمران: ~~125] ، قد قال مجاهد: هو يوم (أحد) ، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور ~~فيه، فلا يصح قوله إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر وإتيانهم من فورهم ~~هذا يوم أحد، والله أعلم. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 10] # وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم (10) # وما جعله الله أي هذا الإمداد إلا بشرى أي بشارة لكم بالنصر ولتطمئن به ~~قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله أي من غير أن يكون فيه شركة لغيره إن ~~الله عزيز حكيم قال بعض الحكماء: ذكر تعالى في هذه الآية حكمة إخبارهم ~~بالنصر، وأنه يريد بشراهم وطمأنينتهم وتوكلهم عليه، وهو أدعى إلى قوة ~~العزيمة. # فإن العامل إذا أيقن بأن معه قاهر الكون: رفعته تلك الفكرة، وجعلته أقوى ~~الناس، وأقدرهم على صعاب الأمور، لا كما يظنه المنتكسون الجاهلون الكسالى ~~اليائسون من روح الله، حيث جعلوا التوكل ذريعة إلى البطالة، فباءوا بغضب ~~على غضب. انتهى. # ثم ذكرهم سبحانه بنعم أخرى جعلها سببا لنصرهم، وللعناية بهم، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 11] # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه أي يلقي عليكم النوم للأمن الكائن منه تعالى، # PageV05P263 # مما حصل لكم من ms2318 الخوف من كثرة عدوكم. وقد كان أسهرهم الخوف، فألقى تعالى ~~عليهم النوم فأمنوا واستراحوا. وكذلك فعل تعالى بهم يوم (أحد) ، كما قال جل ~~ذكره ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم [آل عمران: ~~154] ، وقرئ يغشيكم من الإغشاء، بمعنى التغشية والفاعل في الوجهين هو الله ~~تعالى وقرئ (يغشاكم) على إسناد الفعل إلى النعاس. # وفي الصحيح «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم (بدر) في العريش مع الصديق ~~رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من ~~النوم، ثم استيقظ متبسما، فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل، على ثغاياه ~~النقع. ثم خرج من باب العريش، وهو يتلوا سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: ~~45] . # ثم ذكرهم تعالى منة أخرى تدل على نصره إياهم بقوله سبحانه: وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به أي: من الحدث الأصغر والأكبر، وهو تطهير الظاهر ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان أي وسوسته بأنكم على هذا الرمل لا تتمكنون من ~~المحاربة، ومع فقد الماء كيف تفعلون؟ فأزال تعالى بإنزاله، ذلك. فكان لهم ~~به طهارة باطنة، فكملت لهم الطهارتان، أي من وسوسة أو خاطر سيء، وهو تطهير ~~الباطن وليربط على قلوبكم أي يقويها بالثقة، بالأمن وزوال الخوف ويثبت به ~~الأقدام أي على الرمل. قال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر، فأطفأ به الغبار، ~~وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم. # قال الجشمي: قال القاضي: وهو أشبه بالظاهر. وقيل بالصبر وقوة القلب التي ~~أفرغها عليهم، حتى ثبتوا لعدوهم. وقوله (به) يرجع إلى الماء المنزل، أو إلى ~~ما تقدم من البشارة والنصر. # ثم أشار تعالى إلى نعمة خفية أظهرها تعالى لهم ليشكروه عليها بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 12] # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أي الذين أمد بهم المسلمين أني معكم أي بالعون ~~والنصر. ms2319 PageV05P264 # قال الجشمي: يحتمل مع الملائكة، إذ أرسلهم ردءا للمسلمين، ويحتمل مع ~~المسلمين، كأنه قيل: أوحي إلى الملائكة أني مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم. # وقوله تعالى: فثبتوا الذين آمنوا أي بدفع الوسواس وبالقتال معهم والحضور ~~مددا وعونا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب أي الخوف. # ثم علمهم تعالى كيفية الضرب بقوله تعالى: فاضربوا أمر للمؤمنين أو ~~للملائكة. وعليه، ففيه دليل على أنهم قاتلوا فوق الأعناق أي أعالي الأعناق ~~التي هي المذابح، تطييرا للرؤوس. أو أراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق ~~واضربوا منهم كل بنان أي أصابع. جمع (بنانة) قيل: المراد بالبنان، مطلق ~~الأطراف مجازا، تسمية للكل بالجزء، لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل. ~~والمعنى: اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 13] # ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ~~(13) # ك # أي الضرب أو الأمر به أنهم شاقوا الله ورسوله # أي خالفوهما فيما شرعا. وقوله تعالى: من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب # تقرير لما قبله، إن أريد بالعقاب ما وقع لهم في الدنيا، أو وعيد بما أعد ~~لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدنيا، وبيان لخسرانهم في الدارين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 14] # ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # ذلكم خطاب للكفرة على طريقة الالتفات فذوقوه أي ذلك العذاب، أيها الكفار، ~~في الدنيا وأن للكافرين عذاب النار في الآخرة. # ثم نهى تعالى عن الفرار من الزحف، مبينا وعيده بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 15] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار أي ~~الظهور # PageV05P265 # بالانهزام. و (الزحف) الجيش الكثير، تسمية بالمصدر، والجمع زحوف، مثل فلس ~~وفلوس. ويقال: زحف إليه، أي مشى، وزحف الصبي على استه قبل أن يقوم. شبه ~~بزحف الصبيان مشي الجيش الكثير للقتال، لأنه لكثرته يرى كأنه يزحف، أي يدب ~~دبيبا قبل التداني للضراب ms2320 أو الطعان. # قال أبو السعود: زحفا منصوب، إما على أنه حال من مفعول لقيتم أي: زاحفين ~~نحوكم، أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر، هو الحال منه، أي يزحفون زحفا. # وأما كونه حالا من فاعله أو منه، ومن مفعوله معا كما قيل- فيأباه قوله ~~تعالى فلا تولوهم الأدبار إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم ~~السابق إلى العدو، أو بكثرتهم. بل توجه العدو إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى ~~الإدبار عادة، والمحوج إلى النهي عنه. # وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين، حيث تولوا مدبرين، وهم زحف ~~من الزحوف اثنا عشر ألفا- بعيد. # والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال، وهم كثير جم، وأنتم قليل، فلا تولوهم ~~أدباركم، فضلا عن الفرار، بل قابلوهم وقاتلوهم، فضلا عن أن تدانوهم في ~~العدد أو تساووهم. # قال الشهاب: عدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحا للانهزام، وتنفيرا ~~عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 16] # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) # ومن يولهم يومئذ أي يوم اللقاء دبره إلا متحرفا لقتال أي مائلا له. # يقال: تحرف وانحرف واحرورف: مال وعدل. وهذا التحرف إما بالتوجه إلى قتال ~~طائفة أخرى أهم من هؤلاء، وإما بالفر للكر، بأن يخيل عدوه أنه منهزم ليغره، ~~ويخرجه من بين أعوانه، فيفر عنه، ثم يكر عليه وحده أو مع من في الكمين من ~~أصحابه، وهو باب من مكايد الحرب أو متحيزا إلى فئة أي منضما إلى جماعة أخرى ~~من المسلمين ليستعين بهم فقد باء أي رجع بغضب من الله ومأواه جهنم، وبئس ~~المصير أي ما صار إليه من عذاب النار. # PageV05P266 ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية على وجوب مصابرة العدو، أي الثبات عند القتال، وتحريم ~~الفرار منه يوم الزحف، وعلى أنه من الكبائر. لأنه توعد عليه وعيدا شديدا. # الثاني- ظاهر الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا ~~حالة التحرف أو التحيز، وهو مروي عن ابن عباس واختاره أبو مسلم. قال ms2321 ~~الحاكم: # وعليه أكثر الفقهاء. # وروي عن جماعة من السلف أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم (بدر) ، لقوله ~~تعالى ومن يولهم يومئذ وأجيب بأن الإشارة في يومئذ إلى يوم لقاء الزحف كما ~~يفيده السياق، لا إلى يوم بدر. # الثالث- ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى أو متحيزا إلى فئة أي ~~جماعة أخرى من المسلمين، سوى التي هو فيها، سواء قربت تلك الفئة أو بعدت ~~وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية ~~المجوس، فقال عمر رضي الله عنه: لو تحيز إلي لكنت له فئة. وفي رواية عنه: ~~أيها الناس! أنا فئتكم. وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة، الفار إلى النبي ~~وأصحابه. وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه. وجنح إلى هذا ابن كثير ~~حيث قال: من فر من سرية إلى أميره، أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه ~~الرخصة. ثم أورد # حديث عبد الله بن عمر المروي عند الإمام أحمد «1» وأبي داود» # والترمذي «3» وغيرهم. قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: # كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، ثم قلنا: لو دخلنا المدينة. # فبتنا! ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ~~كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا! فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ ~~فقلنا: نحن الفرارون. فقال: لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وفئة ~~المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده # . قال الترمذي: حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد- انتهى- ~~أي وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال الحاكم في (مسألة الفرار) : إن ~~ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده. فإن ظن المقاومة لم يحل الفرار. وإن ظن ~~الهلاك، جاز الفرار PageV05P267 # إلى فئة وإن بعدت، وإذا لم يقصد الإقلاع عن الجهات. وحمل عليه حديث ابن ~~عمر المذكور. # وعن الكرخي: أن الثبات والمصابرة واجب، إذا لم يخش الاستئصال، وعرف عدم ~~نكايته للكفار، ms2322 والتجأ إلى مصر للمسلمين، أو جيش، وهكذا أطلق في (شرح ~~الإبانة) فلم يبح الفرار إلا بهذه الشروط الثلاثة، ولم يعتبر العدد الآتي ~~بيانه. # الرابع- روي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: الآن خفف الله ~~عنكم [الأنفال: 66] ، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ وأقول: كنا ~~أسلفنا أن السلف كثيرا ما يعنون ب (النسخ) تقييد المطلق، أو تخصيص العام، ~~فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها. # قال بعض الأئمة: هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة، وإن تضاعف عدد ~~المشركين أضعافا كثيرة. لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في السورة هذه: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ~~[الأنفال: 65] فأوجب الله المصابرة على الواحد للعشرة. لأنه خبر معناه ~~الأمر. فلما شق ذلك على المسلمين رحمهم الله تعالى، وأوجب على الواحد ~~مصابرة الاثنين، فقال تعالى: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~[الأنفال: 66] . # وعن ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر. # وبالجملة، فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، فإن هذه الآية مقيدة ~~بها، فيكون الفرار من الزحف محرما بشرط ما بينه الله في آية الضعف. # وفي (المهذب) : إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين، جاز الفرار. لكن إن ~~غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون، فالأفضل الثبات. وإن ظنوا الهلاك، فوجهان: # يلزم الانصراف لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] ~~. # والثاني: يستحب ولا يجب، لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة. وإن لم يزد عدد ~~الكفار على مثلي عدد المسلمين، فإن لم يظنوا الهلاك، لم يجز الفرار. وإن ~~ظنوه فوجهان: # يجوز لقوله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] . ولا ~~يجوز، وصححوه لظاهر الآية. # ثم بين تعالى أن نصرهم يوم بدر، مع قلتهم، كان بحوله تعالى وقوته، فقال ~~سبحانه: # PageV05P268 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 17] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ms2323 إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # فلم تقتلوهم أي يقوتكم ولكن الله قتلهم أي سبب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم ~~وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، وأذهب عنها الفزع ~~والجزع وما رميت أي أنت يا خاتم النبيين، أي ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه ~~المشركين إذ رميت أي بالحصباء، لأن كفا منها لا يملأ عيون الجيش الكثير ~~برمية بشر ولكن الله رمى أي بلغ بإيصال ذلك إليهم ليقهرهم. وقال أبو مسلم ~~(في معنى الآية) : أي ما أصبت إذ رميت، ولكن الله أصاب. والرمي لا يطلق إلا ~~عند الإصابة، وذلك ظاهر في أشعارهم. # وقد روي عن غير واحد أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجوه المشركين يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد ~~دعائه وتضرعه واستكانته. فرماهم بها وقال (شاهت الوجوه) . ثم أمر أصحابه أن ~~يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، ~~فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، وانهزموا. ### | تنبيه: # قال الجشمي: تدل الآية أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ~~ومعونته وتمكينه. إذ معلوم أنهم قتلوا، وأنه رمى، ولذلك قال إذ رميت ولهذا ~~يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه. وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر، صارت ~~أقوى، فلذلك قال فلم تقتلوهم. # وقال في (العناية) : استدل بهذه الآية والتي قبلها على أن أفعال العباد ~~بخلقه تعالى، حيث نفى القتل والرمي. والمعنى: إذ رميت أو باشرت صرف الآلات. # والحاصل: ما رميت خلقا إذ رميت كسبا. وأورد عليه أن المدعي، وإن كان حقا، ~~لكن لا دلالة في الآية عليه، لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى ~~في بادئ النظر، مدفوع بأن المراد ما رميت رميا تقدر به على إيصاله إلى جميع ~~العيون، وإن رميت حقيقة وصورة، وهذا مراد من قال: (ما رميت حقيقة، إذ رميت ~~صورة) فالمنفي هو الرمي الكامل، والمثبت أصله، وقدر منه. ms2324 فالإثبات والنفي ~~لم يردا على # PageV05P269 # شيء واحد، حتى يقال: (المنفي على وجه الخلق، والمثبت على وجه المباشرة) ~~ولو كان المقصود هذا لما ثبت المطلوب بها، الذي هو سبب النزول، من أنه أثبت ~~له الرمي، لصدوره عنه، ونفى عنه، لأن أثره ليس في طاقة البشر، ولذا عدت ~~معجزة له، حتى كأنه لا مدخل له فيها أصلا. فمبنى الكلام على المبالغة، ولا ~~يلزم منه عدم مطابقته للواقع، لأن معناه الحقيقي غير مقصود. هكذا ينبغي أن ~~يفهم هذا المقام، إذ لو كان المراد ما ذكر، لم يكن مخصوصا بهذا الرمي، لأن ~~جميع أفعال العباد كذلك بمباشرتهم وخلق الله. انتهى. # وهذا التحقيق جيد، وقد نبه عليه أيضا العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) ~~حيث قال: وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، ~~وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة، مذكورة في غير هذا ~~الموضع. # ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال ~~الذي لم يحصل برميه، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ~~ونفى عنه الإيصال. انتهى. # وقوله تعالى: وليبلي المؤمنين منه أي ليمنحهم من فضله بلاء حسنا أي منحا ~~جميلا، بالنصر والغنيمة والفتح، ثم بالأجر والمثوبة، غير مشوب بمقاساة ~~الشدائد والمكاره، فيعرفوا حقه ويشكروه. # قال أبو السعود: واللام، إما متعلقة بمحذوف متأخر، فالواو اعتراضية، أي ~~وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة، فعل ما فعل، لا لشيء غير ذلك، مما لا ~~يجديهم نفعا. وإما، برمي، فالواو للعطف على علة محذوفة، أي ولكن الله رمى ~~ليمحق الكافرين وليبلي ... إلخ. وتفسير البلاء هنا بالمنحة هو ما اختاره ~~المحققون من قولهم: (أبلاه الله ببلية إبلاء حسنا) إذا صنع به صنعا جميلا، ~~وأبلاه معروفا، قال زهير (في قصيدته التي مطلعها: # صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق والثقل # والتعانيق والثقل: مواضع) : # جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # (أي إحسان فعلهما بكم. فأبلاهما خير البلاء، أي صنع ms2325 الله إليهما خير ~~الصنيع الذي يبتلي به عباده. والإنسان يبلى بالخير والشر) أي صنع بهما خير # PageV05P270 # الصنيع الذي يبلو به عباده. واستظهر الطيبي تفسيره بالإبلاء في الحرب ~~بدليل ما بعده. قال ابن الأعرابي: يقال: أبلى فلان إذا اجتهد في صفة حرب أو ~~كرم. ويقال: # أبلى ذلك اليوم بلاء حسنا. # إن الله سميع أي لدعائهم واستغاثتهم عليم أي بمن يستحق النصر والغلب ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 18] # ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) # ذلكم إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي. ومحله الرفع. أي ~~المقصود أو الأمر (ذلكم) . وقوله: وأن الله موهن كيد الكافرين معطوف عليه. # أي مضعف بأس الكافرين وحيلهم بنصركم وخذلانهم، أي أن المقصود إبلاء ~~المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين. # قال ابن كثير: هذه بشارة أخرى. مع ما حصل من النصر، فإنه أعلمهم بأنه ~~مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنه في تبار ودمار. أي: وقد ~~وجد المخبر على وفق الخبر، فصار معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولله ~~الحمد والمنة. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 19] # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح خطاب للمشركين، أي إن تطلبوا الفتح، أي ~~القضاء وأن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم القضاء بما سألتم. # روى الإمام أحمد «1» والنسائي والحاكم، وصححه، عن عبد الله بن ثعلبة. أن ~~أبا جهل قال، حين التقى القوم: اللهم! أقطعنا للرحم. وآتانا بما لا نعرفه، ~~فأحنه- أي فأهلكه- الغداة. فكان المستفتح. # وعن السدي أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر: أخذوا بأستار ~~PageV05P271 # الكعبة، فاستنصروا الله وقالوا: اللهم؟ انصر أعز الجندين، وأكرم الفئتين، ~~وخير القبيلتين. فقال تعالى إن تستفتحوا ... الآية. # وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن هذه الآية إخبار عنهم بما قالوا اللهم ~~إن كان هذا هو الحق من عندك ... الآية- قيل: في هذا الخطاب ms2326 تهكم بهم، يعني ~~في قوله تعالى فقد جاءكم الفتح لأن الذي جاءهم الهلاك والذلة. كذا في ~~(العناية) . وهو مبني على أن الفتح بمعنى النصر، وله معنى آخر وهو الحكم ~~بين الخصمين والقضاء. وبهما فسرت الآية أيضا. وإن تنتهوا أي عن الكفر ~~وعداوة الرسول فهو خير لكم أي في الدنيا والآخرة وإن تعودوا أي لمحاربة ~~الرسول نعد أي لنصره عليكم ولن تغني أي تدفع عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، وأن ~~الله مع المؤمنين أي بالنصر. قرئ بكسر (إن) استئنافا، وفتحها، على تقدير ~~اللام. ### | تنبيه: # جوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى إن تستفتحوا للمؤمنين، أي إن تطلبوا ~~النصر باستغاثتكم ربكم، فقد حصل لكم ذلك، فاشكروا ربكم، والزموا طاعته. ~~وقوله تعالى إن تنتهوا أي عن المنازعة في أمر الأنفال، وعن طلب الفداء على ~~الأسرى الذي عوتبوا عليه بقوله تعالى لولا كتاب من الله سبق [الأنفال: # 68] ، فقال تعالى: وإن تنتهوا- عن مثله- فهو خير لكم وإن تعودوا إلى تلك ~~المنازعات نعد عليكم بالإنكار، وتهييج العدو لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط ~~استمراركم على الطاعة، وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة، إذا لم ~~يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. وهذا الوجه قرره ~~الرازي ونقله عن القاضي. # قال البيضاوي: ويؤكده الآية بعد فإن المراد بها الأمر بطاعة الرسول ~~والنهي عن الإعراض عنه والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 20] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه أي تعرضوا عنه ~~بمخالفة أمره وأنتم تسمعون أي القرآن الناطق بوجوب طاعته، والمواعظ الزاجرة ~~عن مخالفته. # PageV05P272 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 21] # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا أي ادعوا السماع وهم لا يسمعون أي سماع ~~تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون. فالمنفي سماع خاص، لكنه أتى به ~~مطلقا للإشارة إلى أنهم نزلوا منزلة من لم يسمع أصلا، بجعل سماعهم ms2327 بمنزلة ~~العدم. وقيل: السماع مجاز عن التصديق. # قال الزمخشري: والمعنى أنكم تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة ~~الرسول في بعض الأمور، من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، ~~وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن. # ثم بين تعالى سوء حال المشبه بهم، مبالغة في التحذير، وتقريرا للنهي، ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 22] # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # إن شر الدواب أي ما يدب على الأرض، أو شر البهائم عند الله الصم أي عن ~~سماع الحق البكم أي عن النطق به الذين لا يعقلون أي لا يفهمونه. # جعلهم تعالى من جنس البهائم، لصرفهم جوارحهم عما خلقت له، ثم جعلهم شرها ~~لأنهم عاندوا بعد الفهم، وكابروا بعد العقل، وفي ذكرهم في معرض التشبيه، ~~بهذا الأسلوب، غاية في الذم. وقد كثر، في التنزيل، تشبيه الكافرين بنحو ~~هذا، كقوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء [البقرة: 171] ، وقال تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: ~~179] . # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 23] # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # ولو علم الله فيهم أي في هؤلاء الصم البكم خيرا صدقا ورغبة لأسمعهم أي ~~الحجج والمواعظ، سماع تفهم وتدبر، أي لجعلهم سامعين حتى # PageV05P273 # يسمعوا سماع المصدقين. أي ولكن لم يعلم الله فيهم شيئا من ذلك، لخلوهم ~~عنه بالمرة، فلم يسمعهم كذلك، لخلوه عن الفائدة وخروجه عن الحكمة، وإليه ~~أشير بقوله تعالى ولو أسمعهم لتولوا أي: ولو أسمعهم سماع تفهم، وهم على هذه ~~الحالة العارية عن الخير بالكلية، لتولوا عما سمعوه من الحق وهم معرضون أي ~~عن قبوله جحودا وعنادا. قال الرازي: كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه ~~الله، فعدم علم الله بوجوده، من لوازم عدمه، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه ~~في نفسه بعدم علم الله بوجوده. ### | ### | تنبيه: # # قد يتوهم أن الشرطيتين في الآية مقدمتا قياس اقتراني. هكذا: لو ms2328 علم فيهم ~~خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا. ينتج: لو علم فيهم خيرا لتولوا. وفساده ~~بين. # وأجيب: بأنه إنما يلزم النتيجة الفاسدة لو كانت الثانية كلية، وهو ممنوع. ~~واعترض بأن هذا المنع، وإن صح في قانون النظر، إلا أنه خطأ في تفسير الآية، ~~لابتنائه على أن المذكور قياس مفقود شرائط الإنتاج، ولا مساغ لحمل كلام ~~الله عليه. وأجيب: بأن المراد منع كون القصد إلى ترتيب قياس، لانتفاء شرط، ~~لا أنه قياس فقد شرطه. كما أنه يمنع منه عدم تكرار الوسط أيضا، وإنما ~~المقصود من المقدمة الثانية تأكيد الأولى، إذ مآله إلى أنه انتفى الإسماع، ~~لعدم الخيرية فيهم، ولو وقع الإسماع، لا تحصل الخيرية فيهم، لعدم قابلية ~~المحل. كذا في (العناية) . وقد حاول بعضهم تصحيح كونها قياسا شرطيا، متحد ~~الوسط، صحيح الإنتاج، بتقدير: لو علم فيهم خيرا في وقت، لتولوا بعده. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 24] # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~الاستجابة: # بمعنى الإجابة. قال: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # PageV05P274 # (يريد: فلم يجبه. وقائله كعب بن سعد الغنوي. والقصيدة في الأصمعيات رقم ~~14) . # والمراد بها الطاعة والامتثال. وإنما وحد الضمير في قوله دعاكم- أي ~~الرسول- لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله تعالى. # وقال الزمخشري: لأن استجابته صلى الله عليه وسلم، كاستجابته تعالى، وإنما ~~يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد. وقوله لما يحييكم، قال عروة بن الزبير- فيما ~~رواه ابن إسحاق- أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها ~~بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. وإنما سمي الجهاد حياة، ~~لأن في وهن عدوهم بسببه حياة لهم وقوة، أو لأنه سبب الشهادة الموجبة للحياة ~~الدائمة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة، كما قال تعالى وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان [العنكبوت: 64] أي الحياة الدائمة، ms2329 فيكون مجازا ~~مرسلا، بإطلاق السبب على المسبب، أو استعارة. وقيل: لما يحييكم أي من ~~العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب، كما أن الجهل موته. # قال الشهاب: وإطلاق الحياة على العلم، والموت على الجهل، استعارة معروفة، ~~ذكرها الأدباء، وأهل المعاني. وأنشد الزمخشري لبعضهم: # لا تعجبن الجهول حلته ... فذاك ميت، وثوبه كفن # وقد ألم فيه بقول أبي الطيب، من قصيدته التي أولها: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلوا من الهم أخلاهم من الفطن # ومنها: # لا تعجبن مضيما حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن # والأظهر أن يعنى ب (ما يحييكم) ما يصلحكم من أعمال البر والطاعة. فيدخل ~~فيه ما تقدم وغيره. ### | تنبيه: # استدل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على وجوب إجابته إذا نادى ~~أحدا وهو في الصلاة. # روى البخاري «1» عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي، فمر ~~بي PageV05P275 # النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما ~~منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله يا أيها الذين آمنوا استجيبوا.. الآية. # وقوله تعالى واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه يحتمل وجوها من ~~المعاني. # أحدهما: أنه تعالى يملك على المرء قلبه فيصرفه كيف يشاء، فيحول بينه وبين ~~الكفر، إن أراد هدايته، وبينه وبين الإيمان، إن أراد ضلالته، وهذا المعنى ~~رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس، وصححه، وقاله غير واحد من السلف. ~~ويؤيده ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب، ثبت ~~قلبي على دينك. # فقيل: يا رسول الله! آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن ~~القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى، يقلبها- رواه الإمام أحمد «1» # والترمذي «2» عن أنس ولفظ مسلم «3» : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفها كيف شاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم! مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك- انفرد مسلم عن البخاري ~~بإخراجه عن عبد الله بن عمرو- # وفي رواية: إن ms2330 قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، ~~وإذا شاء أقامه- رواه الإمام أحمد «4» عن عائشة- # . وروي أيضا مثله عن جابر وبلال والنواس «5» بن سمعان وأم سلمة، كما ساقه ~~ابن كثير. وعلى هذا المعنى، فالآية استعارة تمثيلية، لتمكنه من قلوب ~~العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليه صاحبها. شبه بمن حال بين شخص ~~ومتاعه، فإنه يقدر على التصرف فيه دونه. # ثانيها: أنه حث على المبادرة إلى الطاعة، قبل حلول المنية، فمعنى (يحول ~~بينه وبين قلبه) يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهو التمكن من إخلاص ~~القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليما، كما يريده الله، فاغتنموا هذه ~~الفرصة، وأخلصوها لطاعة الله ورسوله. فشبه الموت بالحيلولة بين المرء ~~وقلبه، الذي به يعقل، في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه. PageV05P276 # ثالثها: أنه مجاز عن غاية القرب من العبد، لأن من فصل بين شيئين كان أقرب ~~إلى كل منهما من الآخر، لاتصاله بهما، وانفصال أحدهما عن الآخر. و (يحول) ~~إما استعارة تبعية معناه يقرب. أو استعارة تمثيلية. وهذا المعنى نقل عن ~~قتادة حيث قال: الآية كقوله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ~~وفيه تنبيه على أنه تعالى مطلع، من مكنونات القلوب، على ما عسى أن يغفل عنه ~~صاحبها. # وأنه إليه تحشرون أي فيجزيكم بأعمالكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 25] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الفتنة: إما بمعنى الذنب، ~~كإقرار المنكر، وافتراق الكلمة والتكاسل في الجهاد وإما بمعنى العذاب. فإن ~~أريد الذنب فإصابته بإصابة أثره. وإن أريد العذاب، فإصابته بنفسه. ولا ~~تصيبن جواب للأمر، أي: إن إصابتكم لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، ~~بل تشملهم وغيرهم بشؤم صحبتهم، وتعدي رذيلتهم إلى من يخالطهم، كقوله تعالى ~~ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [الروم: 41] . قاله ~~القاشاني. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن جرير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2331 قال: ~~ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه، إلا ~~عمهم الله بعقاب. # وروي نحوه عن عدي بن عميرة وحذيفة والنعمان وعائشة وأم سلمة. # قال الكرخي: ولا يستشكل هذا بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~[الأنعام: 164] ، لأن الناس، إذا تظاهروا بالمنكر، فالواجب على كل من رآه ~~أن يغيره، إذا كان قادرا على ذلك فإذا سكت فكلهم عصاة. هذا يفعله، وهذا ~~برضاه. # وقد جعل تعالى، بحكمته، الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. انتهى. # وذكر القسطلاني أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في ~~الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له، إلا إذا تألم للخلل ~~الذي يقع في الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن ~~بهذه الحالة PageV05P277 # فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار. انتهى. # وعن ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم ~~الله بالعذاب. واعلموا أن الله شديد العقاب أي لمن يخالف أوامره. # ثم نبه تعالى عباده المؤمنين السابقين الأولين على نعمه عليهم، وإحسانه ~~إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، ورزقهم ~~من الطيبات، ليشكروه بدوام الطاعة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 26] # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # واذكروا أي يا معشر المهاجرين إذ أنتم قليل أي في العدد مستضعفون في ~~الأرض أي مقهورون في أرض مكة قبل الهجرة، تستضعفكم قريش تخافون أن يتخطفكم ~~الناس أي أهل مكة. و (تخطفه) و (اختطفه) بمعنى استلبه وأخذه بسرعة فآواكم ~~أي إلى المدينة وأيدكم بنصره يعني أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره، وذلك ~~بمظاهرة الأنصار، وإمداد الملائكة، والتثبيت الرباني ورزقكم من الطيبات أي ~~الغنائم لأنها لم تطب إلا لهم لعلكم تشكرون أي المولى على ما تفضل به ~~وأولى. وما ذكرنا من كون الخطاب في الآية للمهاجرين خاصة، هو أنسب بالمقام ~~والسياق والسياق ms2332 يشعر به. وقيل: الخطاب للعرب كافة، وعليه قول قتادة بن ~~دعامة السدوسي رحمه الله في هذه الآية: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ~~وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأثبته ضلالا. والله! ما نعلم ~~قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله ~~بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب ~~الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم ~~منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. انتهى. # وأقول: الأمر في العرب، وإن كان كما ذكر، لكن في تنزيل بعض ألفاظ الآية ~~عليه تكلف لا يخفى فالظاهر ما ذكرنا. # PageV05P278 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون لما ذكرهم تعالى بإسباغ نعمه عليهم ليشكروه، وكان من شكره الوقوف ~~عند حدوده، بين لهم ما يحذر منها، وهو الخيانة. ويدخل في خيانة الله تعطيل ~~فرائضه، ومجاوزة حدوده. وفي خيانة رسوله رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. ~~وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم، أي السرقة منها، وخيانة كل ما يؤتمن ~~عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به. وقد روي في نزول الآية ~~شيء مما ذكرنا. ولفظ الآية مطلق يتناوله وغيره. ومن ذلك ما # رواه سعيد بن منصور عن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت في أبي لبابة حين ~~حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد، ~~فاستشار قريظة من أبي لبابة في النزول على حكم سعد، وكان أهل أبي لبابة ~~وأمواله فيهم، فأشار إلى حلقه- أنه الذبح- قال أبو لبابة: ما زالت قدماي ~~حتى علمت أني خنت الله ورسوله، ثم حلف ألا يذوق ذواقا حتى يموت، أو يتوب ~~الله عليه. وانطلق إلى المسجد، فربط نفسه بسارية، فمكث أياما، حتى كان يخر ~~مغشيا عليه ms2333 من الجهد، ثم أنزل الله توبته، وحلف لا يحله إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بيده، فحله، فقال: يا رسول الله! إني كنت نذرت أن أنخلع من ~~مالي صدقة، فقال: يجزيك الثلث أن تصدق به. # قال بعض المفسرين: دل هذا السبب على جواز إظهار الجزع على المعصية، ~~وإتعاب النفس وتوبيخها، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي لبابة. ~~ودل على أنه يستحب إتباع المعصية بالصدقة، لأنه عليه السلام # قال: يجزيك ثلث مالك # ، وهذا سبيل قوله في هود إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114] . # وفي قوله تعالى: وأنتم تعلمون دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه ~~من غيره، لأنه المعنى: وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله. # قال الرازي: ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب ~~الأموال والأولاد، نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة ~~المتولدة من ذلك الحب فقال: # PageV05P279 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 28] # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة # أي محنة من الله ليبلوكم، هل تقعون بهما في الخيانة، أو تتركون لهما ~~الاستجابة لله ولرسوله، أو لا تلهون بهما عن ذكره، ولا تعتاضون بهما منه. ~~فسموا (فتنة) اعتبارا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم. # ويجوز أن يراد (بالفتنة) الإثم أو العذاب، فإنهم سبب الوقوع في ذلك. # قال الحاكم: قد أمر الله بالعلم بذلك. وطريق العلم به التفكر في أحوالهما ~~وزوالهما، وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر، وأنه قد يعصي الله بسببهما. # وقوله تعالى: وأن الله عنده أجر عظيم # أي لمن آثر رضاه على جمع المال وحب الولد، فلم يورط نفسه من أجلهما. وقد ~~جاء التحذير من فتنتهما صراحة مع الترهيب الشديد في قوله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك ~~هم الخاسرون [المنافقون: 9] . قيل: # هذه الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة، وما فرط منه لأجل ماله ms2334 وولده. # ولما حذر تعالى، فيم تقدم، عن الفتنة بالأموال والأولاد، بشر من اتقاه في ~~الافتتان بهما، وفي غيره بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 29] # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم قال المهايمي: أشار تعالى إلى أن من ترك ~~الخيانة، واستجاب لله، فلا يخاف على أهله وماله وعرضه، أي كما خاف أبو ~~لبابة. فإن من اتقاه تعالى فلا يجترئ أحد على أهله وحوزته، لأنه يؤتى ~~فرقانا يفارق به سائر الناس من المهابة والإعزاز. انتهى. # وقيل: فرقانا أي نصرا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال ~~حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى: يوم الفرقان [الأنفال: 41] . ~~وقيل: # بيانا وظهورا يشهر أمركم، ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض من قولهم: ~~بت # PageV05P280 # أفعل كذا حتى سطع الفرقان، أي طلع الفجر. وقيل: فصلا بين الحق والباطل، ~~ومخرجا من الشبهات. كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم، والله ~~غفور رحيم [الحديد: 28] . # والفرقان (كالفرق) ، مصدر (فرق) ، أي فصل بين الشيئين، سواء كان بما ~~يدركه البصر، أو بما تدركه البصيرة. إلا أن الفرقان أبلغ، لأنه يستعمل في ~~الفرق بين الحق والباطل، والحجة والشبهة. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 30] # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين لما ذكر الله تعالى المؤمنين نعمه عليهم بقوله تعالى: # واذكروا إذ أنتم قليل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم نعمته عليه خاصة، في ~~حفظه من مكر قريش به ليشكره تعالى في نجاته من مكرهم، واستيلائه عليهم. ~~وذلك أن قريشا، لما أسلمت ms2335 الأنصار، وأخذ نور الإسلام في الانتشار، فرقوا أن ~~يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة (وهي دار بناها قصي بن كلاب ليصلح ~~فيها بين قريش. ثم صارت لمشاورتهم. وهي الآن مقام الحنفي. والندوة الجماعة ~~من القوم، وندا بالمكان اجتمع فيه، ومنه النادي) ليتشاوروا في أمره صلى ~~الله عليه وسلم. فقال أبو البحتري بن هشام: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدوا ~~وثاقه، وتسدوا بابه، غير كوة، تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ~~ريب المنون. وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: ليثبتوك أي ليحبسوك ويوثقوك، ~~لأن كل من حبس شيئا وربطه فقد جعله ثابتا لا يقدر على الحركة منه. ثم اعترض ~~هذا الرأي شيخ نجدي دخل معهم، فقال: بئس الرأي! يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ~~ويخلصه من أيديكم! ثم قال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل، وتخرجوه ~~من بين أظهركم، فلا يسركم ما صنع، واسترحتم. # وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: أو يخرجوك، يعني من مكة، ثم اعترض النجدي ~~أيضا بقوله: بئس الرأي! يفسد قوما غيركم، ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل- لعنه # PageV05P281 # الله-: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما، وتعطوه سيفا، فيضربوه ضربة ~~رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، ~~فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. وهذا ما ذكره تعالى بقوله: أو يقتلوك. ~~ثم قال النجدي اللعين: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي ~~جهل، مجمعين على قتله. فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة. فأمر عليا. فنام ~~في مضجعه، # وقال له: اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه. ثم خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأخذ قبضة من تراب، فأخذ الله بأبصارهم عنه، وجعل ينثر ~~التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: يس والقرآن الحكيم إلى قوله فهم لا يبصرون ~~[يس: 1- 9] . ومضى مع أبي بكر إلى الغار، وبات المشركون يحرسون عليا، ~~يحسبون أنه النبي. فلما أصبحوا ms2336 ساروا إليه ليقتلوه، فرأوا عليا، فقالوا: ~~أين صاحبك؟ فقال: لا أدري! فاتبعوا أثره، فلما بلغوا الغار، رأوا نسج ~~العنكبوت على بابه، فقالوا: لو دخله لم يبق لنسج العنكبوت أثر. # وخيب الله سعيهم، وأبطل مكرهم. ثم مكث صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثا، ثم ~~خرج إلى المدينة. # روي ذلك عن ابن عباس من طرق عند ابن إسحاق والإمام أحمد والحاكم ~~والبيهقي- # دخلت روايات بعضهم في بعض-. # وقوله تعالى: ويمكر الله أي يدبر ما يبطل مكرهم. وقوله: والله خير ~~الماكرين أي أعظمهم تأثيرا، قاله المهايمي وأفاد أيضا في مناسبة هذه الآية ~~مع ما قبلها أن هذه تشير إلى أن المتقي كما يجعل الله له فرقانا يمنع من ~~الاجتراء على أهله وماله وعرضه ظاهرا، يحفظه من مكر من مكر به، بل يمكر له ~~على ماكره. # انتهى. # ثم أخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته ~~تعالى بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 31] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا أي مثل هذا لو نشاء لقلنا مثل هذا ~~أي المتلو. وهذا غاية المكابرة، ونهاية العناد. كيف لا؟ ولو استطاعوا شيئا ~~من ذلك، # PageV05P282 # فما الذي كان يمنعهم من المشيئة، وقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من ~~مثله، وقرعوا على العجز، وذاقوا من ذلك الأمرين، ثم قورعوا بالسيف، فلم ~~يعارضوا سواه، مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان ~~الذي هم فرسانه، المالكون لأزمته، وغاية ابتهاجهم به. # وقوله تعالى: إن هذا إلا أساطير الأولين أي ما سطروه وكتبوه من القصص. # قيل: (أساطير) لا واحد له، وقيل: هو جمع أسطر وسطور وأسطار، جموع سطر، ~~بسكون الطاء وفتحها، فهو جمع الجمع. وقيل: هو جمع أسطورة، كأحدوثة وأحاديث. ~~والأصل في السطر الخط والكتابة. يقال: سطر: كتب، ويطلق على الصف من الشيء ~~كالكتاب والشجر. كذا في القاموس وشرحه. # وقد روي أن قائل ms2337 هذا. النضر بن الحارث من كلدة، وأنه كان ذهب إلى بلاد ~~فارس، وجاء منها بنسخة حديث رستم وإسفنديار، ولما قدم ووجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس ما قصه تعالى من أحاديث ~~القرون. قال: لو شئت لقلت مثل هذا، فزعم أنه مثل ما تلقفه. وكان عليه ~~الصلاة والسلام إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر فحدثهم من متلقفاته، ثم ~~يقول: بالله! أينا أحسن قصصا، أنا أو محمد؟ وقد أمكن الله تعالى منه يوم ~~بدر، وأسره المقداد، ثم أمر صلى الله عليه وسلم به، فضربت عنقه. وإسناده ~~قوله إلى الجميع، إما لرضا الباقين به أو لأن قائله كبير متبع. # وقد كان اللعين قاصهم الذي يعلمهم الباطل ويقودهم إليه، ويغرهم بمثل هذه ~~الجعجعة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 32] # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم هذا أسلوب من الجحود بليغ، لأنهم عدوا حقية القرآن ~~محالا، فلذا علقوا عليه طلب العذاب الذي لا يطلبه عاقل، ولو كان ممكنا ~~لفروا من تعليقه عليه. والمعنى، إن كان هذا القرآن حقا منزلا، فعاقبنا على ~~إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. وفي إطلاقهم (الحق) ~~عليه، وجعله من عند الله تهكم بمن يقول ذلك من النبي أو المؤمنين. وفائدة ~~التعريف فيه الدلالة على أن # PageV05P283 # المعلق به كونه حقا على الوجه، يدعيه صلى الله عليه وسلم، وهو تنزيله، لا ~~الحق مطلقا، لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع، غير منزل، كالأساطير. ~~فالتعريف للعهد. وفأمطر استعارة أو مجاز ل (أنزل) قال الزمخشري: وقد كثر ~~الإمطار في معنى العذاب. فإن قلت: # ما فائدة قوله من السماء، والإمطار لا يكون إلا منها؟ قلت: كأنه أريد أن ~~يقال: # فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء، ~~موضع ms2338 (السجيل) كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعا. وقوله بعذاب ~~أليم أي سوى الإمطار المذكور، أو من عطف العام على الخاص. # وعن معاوية، أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! ~~قال: أجهل من قومي قومك! قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم ~~إلى الحق: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة، ولم يقولوا إن ~~كان هذا هو الحق فاهدنا له. # أي الذي هو الأصلح لهم، ولكن لشدة جهلهم وعتوهم وعنادهم استفتحوا على ~~أنفسهم، واستعجلوا تقديم العقوبة، كقوله تعالى: ويستعجلونك بالعذاب ولولا ~~أجل مسمى لجاءهم العذاب، وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون [العنكبوت: 53] . # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب [ص: 16] . وقوله: سأل سائل ~~بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج [المعارج: 1- 3] وكذلك ~~قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين [الشعراء: 187] . # وعن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أن قائل ذلك النضر بن الحارث، صاحب القول ~~السالف. قال عطاء: لقد أنزل في النضر بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من ~~العذاب يوم بدر. # وروى البخاري «1» عن أنس أن قائل ذلك أبو جهل. # وروى ابن مردويه عن بريدة قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس ~~وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فاخسف بي وبفرسي. # وقوله تعالى: PageV05P284 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 33] # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم بيان للموجب لإمهالهم، وعدم إجابة ~~دعائهم. واللام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم، والنبي بين أظهرهم، ~~غير مستقيم في الحكمة، لأن سنته تعالى، وقضية حكمته، ألا يعذب أمة ونبيها ~~بين ظهرانيها، لأنه لو نزل العذاب في مكانهم لأصاب كل من كان فيه. وفيه ~~إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم. # وقوله تعالى: وما كان الله معذبهم ms2339 وهم يستغفرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه: # الأول- أن المراد استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين. # قال الطيبي: وهذا الوجه أبلغ، لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به ~~العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة. # والثاني- أن المراد به دعاء الكفرة بالمغفرة، وقولهم: (غفرانك) في طوافهم ~~بالبيت، كما رواه ابن أبي حاتم. فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعا من ~~عذابه، ولو من الكفرة. # والثالث- أن المراد بالاستغفار التوبة، والرجوع عن جميع ما هم عليه من ~~الكفر وغيره، فيكون القيد منفيا في هذا، ثابتا في الوجهين الأولين. # قال القاشاني: العذاب سورة الغضب وأثره، فلا يكون إلا من غضب النبي، أو ~~من غضب الله المسبب من ذنوب الأمة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان صورة ~~الرحمة، لقوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] . ~~ولهذا لما كسروا رباعيته قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ولم يغضب ~~كما غضب نوح عليه السلام وقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: ~~26] . # فوجوده فيهم مانع من نزول العذاب، وكذا وجود الاستغفار، فإن السبب الأولي ~~للعذاب لما كان وجود الذنب، والاستغفار مانع من تراكم الذنب وثباته، بل ~~يوجب زواله، فلا يتسبب لغضب الله، فما دام الاستغفار فيهم فهم لا يعذبون. ~~انتهى. # روى الترمذي «1» عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنزل الله PageV05P285 # علي أمانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم.. الآية. فإذا مضيت تركت فيهم ~~الاستغفار إلى يوم القيامة. # قال ابن كثير: ويشهد لهذا ما # رواه الإمام أحمد «1» والحاكم وصححه، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، ولا أبرح أغوي بني آدم ما ~~دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما ~~استغفروني. # وروى الإمام أحمد «2» عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: العبد آمن من عذاب الله عز وجل ما استغفر الله عز وجل. # ثم بين تعالى أنهم أهل للعذاب لولا المانع المتقدم ms2340 بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 34] # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام أي وأي شيء لهم في ~~انتفاء العذاب عنهم، وحالهم الصد عن المسجد الحرام، كما صدوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عام الحديبية. ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين إلى الهجرة. # قال القاشاني: أي ليس عدم نزول العذاب لعدم استحقاقهم لذلك بحسب أنفسهم، ~~بل إنهم مستحقون بذواتهم، لصدودهم، وصدهم المستعدين، وعدم بقاء الخيرية ~~فيهم. ولكن يمنعه وجودك ووجود المؤمنين المستغفرين معك فيهم. ثم قال: واعلم ~~أن الوجود الإمكاني يتبع الخير الغالب، لأن الوجود الواجبي هو الخير المحض. ~~فما رجع خيره على شره فهو موجود بوجوده بالمناسبة الخيرية، وإذا غلب الشر ~~لم تبق المناسبة، فلزم استئصاله وإعدامه. فهم ما داموا على الصورة ~~الاجتماعية كان الخير فيهم غالبا، فلم يستحقوا الدمار بالعذاب. وأما إذا ~~تفرقوا فما بقي إلا شرهم خالصا فوجب تدميرهم، كما وقع في وقعة بدر. ومن هذا ~~يظهر تحقيق المعنى الثاني في قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة PageV05P286 # [الأنفال: 25] ، لغلبة الشرع على المجموع حينئذ. انتهى. # وقوله تعالى: وما كانوا أولياءه رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت ~~والحرم، نصد من نشاء، وندخل من نشاء. أي ما كانوا مستحقين ولاية أمره، ~~لشركهم إن أولياؤه إلا المتقون أي من الشرك، فلهم أن يصدوا المفسدين ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون أي أنهم لا ولاية لهم عليه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 35] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(35) # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء أي تصفيرا وتصدية أي تصفيقا بالأكف. # روى ابن أبي حاتم أن ابن عمر رضي الله عنهما حكى فعلهم، فصفر، وأمال خده، ~~وصفق بيديه. # وعن ابن عمر أيضا قال: إنهم كانوا ms2341 يضعون خدودهم على الأرض ويصفرون ~~ويصفقون. # وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، يصفرون ~~ويصفقون. # وعن مجاهد أنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاته. # وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. # وهذه الجملة إما معطوفة على وهم يصدون، فيكون لتقرير استحقاقهم للعذاب، ~~أو على قوله: وما كانوا أولياءه، فيكون تقريرا لعدم استحقاقهم لولايته. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟ قلت: هو نحو من قوله (أي ~~الفرزدق) : # وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا # والمعنى أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء. ووضعوا المكاء والتصدية ~~موضع الصلاة. # PageV05P287 # وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، وهم مشبكون بين ~~أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون. وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في صلاته، يخلطون عليه. ما كنت أخشى، أي: ما كنت أعلم. ~~وأداهم: جمع (أدهم) وهو الأسود من الحيات. والعرب تذكر (الأدهم) وتريد به ~~(القيد) كما في قصة القبعثري. والمحدرجة: السياط. انتهى. # فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أي اعتقادا وعملا، وفيه إشعار بأن هذا ~~الفعل المبطل لحرمة البيت، كفر، للاستهانة بشعائره تعالى والسخرية بها. ~~والعذاب المذكور هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، كما قاله غير واحد ~~من السلف، واختاره ابن جرير. ### | تنبيه: # قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : المتقربون إلى الله بالصفير ~~والتصفيق، والمخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة، أشباه هؤلاء ~~المشركين قال ابن عرفة وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن ~~الله تعالى أخبر أنهم جعلوا، مكان الصلاة التي أمروا بها، المكاء والتصدية. ~~فألزمهم ذلك عظيم الأوزار. وهذا كقولك: زرته فجعل جفائي صلتي، أي أقام ~~الجفاء مقام الصلة. والمقصود أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار، ~~ونحوه، فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، ~~بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله ~~سبحانه لم يشرع التصفيق «1» للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة ms2342 إذا نابهم ~~أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء. فكيف إذا ~~فعلوه، لا لحاجة، وقرنوا به أنواعا من المعاصي قولا وفعلا. # انتهى. # وقال قبله: ومن مكائد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من ~~العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء ~~والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها ~~عاكفة على الفسوق والعصيان. PageV05P288 # وقال شيخه تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى، في بعض فتاويه: وأما ~~اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ بالشبابات والاجتماع على ذلك، ~~دينا وطريقا إلى الله وقربة، فهذا ليس من دين الإسلام، وليس مما شرعه لهم ~~نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه، ولا استحسن ذلك أحد من ~~أئمة المسلمين. بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا عهد أصحابه، ولا تابعيهم بإحسان، ولا تابعي ~~التابعين. بل لم يكن أحد من أهل الدين من الأعصار الثلاثة، لا بالحجاز ولا ~~بالشام ولا باليمن ولا العراق ولا بخراسان ولا المغرب ولا مصر يجتمع على ~~مثل هذا السماع، وإنما ابتدع في الإسلام بعد القرون الثلاثة، ولهذا قال ~~الشافعي- لما رأى ذلك-: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه (التغبير) ~~، يصدون به الناس عن القرآن. وسئل عنه أحمد فقال: أكرهه، هو محدث. قيل، ~~أتجلس معهم؟ قال: لا! وكذلك كرهه سائر أئمة الدين، وأكابر الشيوخ الصالحين ~~لم يحضروه. فلم يحضره مثل إبراهيم بن أدهم، ولا الفضيل بن عياض، ولا معروف ~~الكرخي، ولا أبو سليمان الداراني ولا أحمد بن أبي الحواري، ولا السري ~~السقطي، وأمثالهم. والذين حضروه من الشيوخ من المحمودين، تركوه في آخر ~~أمرهم. وأعيان المشايخ عابوا أهله، كما ذكر ذلك الشيخ عبد القادر، والشيخ ~~أبو البيان وغيرهما من الشيوخ: وما ذكره الإمام الشافعي رضي الله عنهم أنه ~~من إحداث الزنادقة، من كلام إمام خبير بأصول الإسلام. فإن هذا السماع لم ~~يرغب فيه، ويدعو إليه في الأصل، إلا من هو ms2343 متهم بالزندقة، كابن الراوندي ~~والفارابي وابن سينا وأمثالهم. # ثم قال رحمه الله: نعم! قد حضره أقوام من أهل الإرادة والمحبة، وممن له ~~نصيب في المحبة، لما فيه من التحريك لهم، ولم يعلموا غائلته، ولا عرفوا ~~مغبته. # كما دخل قوم من الفقهاء في أنواع من كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام ~~ظنا منهم أنه حق موافق، ولم يعلموا غائلته. ولا عرفوا مغبته، فإن القيام ~~بحقائق الدين علما وقولا وعملا وذوقا وخبرة لا يستقل به أكثر الناس، ولكن ~~الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة. # ثم قال رحمه الله: ومن كان له خبرة بحقائق الدين، وأحوال القلوب، ~~ومعارفها وأذواقها، عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلب منفعة ولا ~~مصلحة، إلا وفي ضمن ذلك من المفسدة ما هو أعظم منه. فهو للروح، كالخمر ~~للجسد، يفعل في النفوس، أعظم ما تفعله حميا الكؤوس. # PageV05P289 # ثم قال: وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يترك شيئا يقرب إلى الجنة، إلا وقد حدث به، ولا شيئا يبعد عن النار، إلا ~~وقد حدث به. وإن هذا السماع، لو كان مصلحة، لشرعه الله ورسوله، فإن الله ~~يقول: اليوم أكملت لكم دينكم.. [المائدة: 3] الآية. وإذا وجد السامع به ~~منفعة لقلبه، ولم يجد شاهد ذلك من كتاب الله ولا من سنة رسوله، لم يلتفت ~~إليه. كما أن الفقيه إذا رأى قياسا لا يشهد له الكتاب والسنة، لم يلتفت ~~إليه انتهى. # وقد سلف لنا شيء من هذا البحث عند قوله تعالى: فاذكروني أذكركم فليراجع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 36] # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون نزلت فيمن ينفق على حرب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المشركين، وبيان سوء مغبة هذا الإنفاق، وقد ذهب الضحاك إلى أنه عني بها ~~المطعمون منهم يوم بدر، وكانوا ms2344 اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كل واحد منهم، ~~كل يوم عشرة جزر. # وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي سفيان، ~~ونفقته الأموال في (أحد) لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # روى محمد بن إسحاق عن الزهري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى ~~مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم ~~وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العير تجارة، قالوا: ~~يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على ~~حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا. قال: ففيهم، كما ذكر ~~عن ابن عباس، أنزلت الآية. # ولا يخفى شمول الآية لجميع ذلك. واللام في (ليصدوا) لام الصيرورة، ويصح ~~أن تكون للتعليل، لأن غرضهم الصد عما هو سبيل الله بحسب الواقع، وإن لم يكن ~~كذلك في اعتقادهم. وسبيل الله طريقه وهو دينه، واتباع رسوله، ولما تضمن ~~الموصول معنى الشرط، والخبر بمنزلة الجزاء، وهو فسينفقونها اقترن # PageV05P290 # بالفاء. وينفقون إما حال، أو بدل من كفروا وفي تضمن الجزاء من معنى ~~الإعلام والإخبار، التوبيخ على الإنفاق، والإنكار عليه، كما في قوله: وما ~~بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] . وفي تكرير الإنفاق في شبه الشرط ~~والجزاء، الدلالة على كمال سوء الإنفاق، كما في قوله: إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته [آل عمران: 192] . وقولهم: من أدرك الصمان. فقد أدرك المرعى. ~~والمعنى: الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله، والصد عن اتباع رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، سيعلمون عن قريب سوء مغبة ذلك الإنفاق، وانقلابه إلى أشد ~~الخسران، من القتل والأسر في الدنيا، والنكال في العقبي: قال المتنبي: # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # (والأذى هنا المن) وفي جعل ذات الأموال تصير حسرة أي ندما وتأسفا- وهي ~~عاقبة أمرها- مبالغة. والمراد بالغلبة في قوله: ثم يغلبون الغلبة التي ~~استقر عليها الأمر، وإن كانت الحرب بينهم سجالا قبل ذلك. فإن قلت: ms2345 غلبة ~~المسلمين متقدمة على تحسرهم، بالزمان، فلم أخرت بالذكر؟ قلت: المراد أنهم ~~يغلبون في مواطن أخر بعد ذلك. كذا في (العناية) . ### | تنبيه: # قال بعضهم ثمرة الآية خطر المعاونة على معصية الله تعالى، وأن الإنفاق في ~~ذلك معصية، فيدخل في هذا معاونة الظلمة على حركاتهم في البغي والظلم، وكذلك ~~بيع السلاح والكراع، ممن يستعين بذلك على حرب المسلمين. # والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 37] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) # ليميز الله الخبيث من الطيب أي الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصلاح. # واللام متعلقة ب يحشرون أو يغلبون. أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. مما أنفقه المسلمون في نصرته، واللام متعلقة ~~بقوله ثم تكون عليهم حسرة، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله ~~في جهنم # PageV05P291 # أي: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو يضم إلى ~~الكافر ما أنفقه، ليزيد به عذابه، كمال الكانزين أولئك إشارة إلى الخبيث، ~~لأنه مقدر بالفريق الخبيث، أو إلى المنفقين هم الخاسرون لخسرانهم أنفسهم ~~وأموالهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 38] # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) # قل للذين كفروا يعني أبا سفيان وأصحابه. فالتعريف فيه للعهد أو للجنس، ~~فيدخل هؤلاء دخولا أوليا إن ينتهوا أي عن الكفر وقتال النبي صلى الله عليه ~~وسلم يغفر لهم ما قد سلف أي من الكفر والمعاصي وإن يعودوا إلى قتاله فقد ~~مضت سنت الأولين أي الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير، أو الذين حاق بهم ~~مكرهم يوم بدر. وقوله فقد مضت إلخ دليل الجزاء. والتقدير: انتقمنا منهم فقد ~~مضت إلخ. ### | تنبيه: # استدل بالآية على أن # الإسلام يجب ما قبله، كما جاء في الحديث «1» # وأن الكافر إذا أسلم، لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو ms2346 صوم أو ~~إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب، لعموم الآية، ~~واستدلوا بها على إسقاط ما على الذمي من جزية وجبت عليه قبل إسلامه. أخرج ~~ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك: لا يؤاخذ كافر بشيء صنعه في كفره ~~إذا أسلم، ولم يعد طلاقهم شيئا، لأن الله تعالى قال إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف كذا في (الإكليل) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 39] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك أو إضلال لغيرهم، وفتن منهم للمؤمنين ~~عن دينهم ويكون الدين كله لله أي يخلص التوحيد لله، فلا يعبد غيره فإن ~~انتهوا أي عن الكفر والمعاصي ظاهرا فإن الله بما يعملون أي ببواطنهم ~~PageV05P292 # بصير أي فيجازيهم، وعليه حسابهم، فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا ببواطنهم. # كقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم.. ~~[التوبة: 5] الآية- وفي الآية الأخرى فإخوانكم في الدين [الأحزاب: 5] # وفي الصحيحين «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل» . # وفي الصحيح «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: لما علا ذلك ~~الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال لأسامة: أقتلته بعد ما قال: # لا إله إلا الله، فكيف تصنع ب (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ فقال: يا ~~رسول الله! إنما قالها تعوذا، فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يقول ويكرر ~~عليه: من لك ب (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم ~~أكن أسلمت إلا يومئذ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 40] # وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # وإن تولوا أي أعرضوا عن ms2347 الإيمان ولم ينتهوا فاعلموا أن الله مولاكم أي ~~ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته نعم المولى فلا يضيع من تولاه ونعم ~~النصير فلا يغلب من نصره. # ثم بين تعالى مصرف ما أحله لهذه الأمة وخصها به، وهو الغنائم، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) # واعلموا أنما غنمتم من شيء أي قل أو كثر من الكفار فأن لله أي الذي ~~PageV05P293 # منه النصر المتفرع عليه الغنيمة خمسه شكرا له على نصره وإعطائه الغنيمة ~~وللرسول أي الذي هو الأصل في أسباب النصر ولذي القربى وهم بنو هاشم والمطلب ~~واليتامى أي من مات آباؤهم ولم يبلغوا، لأنهم ضعفاء والمساكين لأنهم أيضا ~~ضعفاء كاليتامى وابن السبيل وهو المسافر الذي قطع عليه الطريق ويريد الرجوع ~~إلى بلده، ولا يجد ما يتبلغ بهم. ### | وفي هذه الآية مسائل: # الأولى- قال الفقهاء: (الغنيمة) المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل ~~والركاب، أي ما ظهر عليه المسلمون بالقتال. وهل هي والفيء والنفل شيء واحد ~~أو لا؟ وسنفصله في آخر المسائل. # الثانية- (ما) في أنما بمعنى الذي، والعائد محذوف، وكان حقها، على ~~أصولهم، أن تكتب مفصولة. قال الشهاب: وقد أجيز في (ما) هذه أن تكون شرطية. # الثالثة- قوله تعالى: من شيء، بيان للموصول، محله النصب، على أنه حال من ~~عائد الموصول، قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة، وألا يشذ عنها شيء، أي ما ~~غنمتموه كائنا ما كان يقع عليه اسم الشيء، حتى الخيط والمخيط. # الرابعة- (الخمس) بضم الميم، وسكونها، لغتان قد قرئ بهما. # الخامسة- أفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ~~ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين بالعدل، للراجل سهم، وللفارس ~~ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه. هكذا قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. والأول هو ms2348 ~~الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه، ~~ومنفعة الفارس به أكثر من منفعة رجلين. ومنهم من يقول: يسوى بين الفرس ~~العربي والهجين في هذا. # الهجين يسمى البرذون والأكديش. ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابي أحد، ~~لا لرئاسته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه ~~يقسمونها. # وفي صحيح البخاري «1» # أن سعد بن أبي وقاص رأى أن له فضلا على من دونه، PageV05P294 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ # وفي مسند أحمد «1» أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول ~~الله الرجل يكون حامية القوم. يكون سهمه وأسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ~~ابن أم سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم. كذا في (السياسة الشرعية) ~~لابن تيمية. # وفي (زاد المعاد) لابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم إذا ظفر بعدوه، أمر ~~مناديا فجمع الغنائم كلها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خمس ~~الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي ~~لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد، ثم قسم الباقي بالسوية بين ~~الجيش: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم. وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما ~~يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخمس. وجمع لسلمة بن الأكوع، في ~~بعض مغازيه، بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم، لعظم غنائه في تلك ~~الغزوة. # قال ابن تيمية: وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية ~~وبني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر. # السادسة- ذهب الجمهور إلى أن ذكر الله تعالى في قوله: فأن لله للتعظيم، ~~أي تعظيم الرسول، كما في قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: ~~62] . أو لبيان أنه لا بد في الخمسة من إخلاصها لله تعالى، وأن المراد قسمة ~~الخمس على المعطوفين عليه، وتمسك بعضهم بظاهر ذلك، فأوجب سهما سادسا لله ~~تعالى، يصرف في وجوه الخير، أو يؤخذ للكعبة قال: لأن كلام ms2349 الحكيم لا يعرى ~~عن الفائدة، ولأنه ثبت اختصاصه في آية الصدقات في قوله تعالى: وفي سبيل ~~الله [التوبة: 60] ، فكذا هنا. وهذا مروي عن أبي العالية، والربيع والقاسم ~~وأسباطه ويؤيد ما للجمهور، ما # رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله! ~~ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش. قلت: # فما أحد أولى به من أحد؟ قال، لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت ~~أحق به من أخيك المسلم. ومن لطائف الحسن أنه أوصى بالخمس من ماله وقال: ألا ~~PageV05P295 # أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟ # السابعة- خمس النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله له، كان أمره في ~~حياته مفوضا إليه، يتصرف فيه بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء. # روى الإمام أحمد «1» # أن أبا الدرداء قال لعبادة بن الصامت: يا عبادة! كلمات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: إن هذه من ~~غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، ~~فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار ~~على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس، في الله تبارك وتعالى، ~~القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر ~~والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. ينجي الله ~~تبارك وتعالى به من الغم والهم. # قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم. # وروى أبو داود «2» والنسائي عن عمرو بن عبسة، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: ~~ولا ms2350 يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود عليكم # - واستدل به على أنه عليه الصلاة والسلام كان يصرفه لمصالح المسلمين. # وكان له صلى الله عليه وسلم من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو ~~فرس أو سيف أو نحو ذلك، رواه أبو داود «3» عن محمد بن سيرين والشعبي مرسلا، ~~وأحمد والترمذي عن ابن عباس. # وللعلماء فيما يصنع بخمسه صلى الله عليه وسلم من بعده مذاهب: فمن قائل: ~~يكون لمن يلي الأمر من بعده. قال ابن كثير: روي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة ~~وجماعة. وجاء PageV05P296 # فيه حديث مرفوع. ومن قائل: يصرف في مصالح المسلمين. قال الأعمش عن ~~إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع ~~والسلاح. ومن قائل: # بأنه يصرف لقرابته صلى الله عليه وسلم. ومن قائل: بأنه مردود على بقية ~~الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. واختاره ابن جرير. ~~وللمسألة حظ من النظر. # الثانية- أجمعوا على أن المراد ب (ذوي القربى) قرابته صلى الله عليه ~~وسلم. وذهب الجمهور إلى أن سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب ~~خاصة. لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية، وفي أول الإسلام ودخلوا ~~معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحماية له. مسلمهم طاعة ~~لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة، وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا ابني عمهم، لم ~~يوافقوهم، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا ~~كان ذمهم أبو طالب في قصيدته بقوله منها: # جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل # نوفل: هو ابن خويلد. كان من شياطين قريش. قتله علي بن أبي طالب يوم بدر) ~~. # بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل # (لا يخيس، من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده. والعائل: الحائر) # لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا والغياطل ms2351 # (قيضا: عوضا. والغياطل: بنو سهم) : # ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي في الخطوب الأوائل # (الصميم: الخالص من كل شيء. والذؤابة: الجماعة العالية، وأصله الخصلة من ~~شعر الرأس) . # وقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن ~~وهم بمنزلة واحدة منك؟ فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد- رواه ~~مسلم. # وفي رواية: أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام- أفاده ابن كثير. # وقد روي عن ابن عباس وزين العابدين والباقر أنه يسوى في العطاء بين غنيهم ~~وفقيرهم، ذكورهم وإناثهم، لأن اسم القرابة يشملهم، ولأنهم عوضوه لما حرمت # PageV05P297 # عليهم الزكاة، وقياسا على المال المقر به لبني فلان. واعتبر الشافعي أن ~~سهمهم استحق بالقرابة، فأشبه الميراث. قال: فللذكر منه مثل حظ الأنثيين، ~~انتهى. # وقال في (العناية) : إنه كان لعبد مناف، جد النبي صلى الله عليه وسلم خمس ~~بنين: هاشم وعبد شمس ونوفل والمطلب وأبو عمرو، وكلهم أعقبوا إلا أبا عمرو. # التاسعة- سهم اليتامى: قيل يخص به فقراؤهم، وقيل: يعم الأغنياء والفقراء. # حكاه ابن كثير. والأظهر الثاني. والسر فيه ما قدمناه في سورة البقرة، ~~فتذكره فإنه مهم. # العاشرة- المساكين: المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ويكفيهم. # وابن السبيل: ذكرنا معناه أولا. # الحادية عشرة- قال بعضهم: يقتضي ما ذكر في هذه الآية، وما في صدر هذه ~~السورة من الأنفال، وما في سورة الحشر من قوله تعالى: ما أفاء الله على ~~رسوله [الحشر: 6- 7] ، أن القسمة في الأموال المظفور بها ثلاثية: نفل: ~~وغنيمة، وفيء. # ويقتضي إطلاق جعل النفل لله ولرسوله، والغنيمة لمن ذكر مخمسة، والفيء لمن ~~ذكر بلا قيد التخميس- أن لكل من الثلاثة حكما يخالف الآخر، وإن النفل ما ~~يعطى لمن له من العناية والمقاتلة ما ليس لغيره، وفاء لعدته بذلك، قبل ~~إحراز الغنيمة كالسلب. وإن الغنيمة ما أحرز بالقتال، سوى ما شرط التنفيل ~~به، لأنه لا بخمس. # والفيء ما أخذ من الكفار بغير قتال، كالأموال التي يصالحون عليها، ~~والجزية ms2352 والخراج، ونحو ذلك، وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور. وذهب بعضهم إلى ~~اتحاد الثلاثة، وعدم التفرقة بينها، وإلى دخولها في الغنيمة، وقال: ما أطلق ~~في آية الأنفال، وآية الحشر، مقيد بآية الغنيمة هذه. وهذا هو مراد قول ~~بعضهم: إنهما منسوختان بهذه، بمعنى أن إطلاقهما مقيد بهذه. والله أعلم. # وقوله تعالى: إن كنتم آمنتم بالله أي فاعملوا بما ذكر، وارضوا بهذه ~~القسمة فالإيمان يوجب العمل بالعلم، والرضا بالحكم. # وقد جاء في الصحيحين «1» من حديث عبد الله بن عباس، في حديث وفد عبد ~~القيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «وآمركم بأربع، وأنهاكم ~~عن أربع: آمركم PageV05P298 # بالإيمان بالله. ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس ~~من المغنم» ، # الحديث- فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البخاري على ذلك في ~~باب الإيمان من صحيحه، فقال: (باب أداء الخمس من الإيمان) وساق الحديث ~~المذكور. # وقوله تعالى: وما أنزلنا معطوف على بالله أي إن كنتم آمنتم بالله ~~وبالمنزل على عبدنا أي محمد عليه الصلاة والسلام، أي من الآيات والملائكة ~~والنصر يوم الفرقان أي يوم بدر، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. و ~~(الفرقان) بمعناه اللغوي، والإضافة فيه للعهد يوم التقى الجمعان يعني جمع ~~المؤمنين وجمع الكافرين. فالتعريف للعهد. وكان التقاؤهما يوم الجمعة. لسبع ~~عشرة مضت من رمضان والمؤمنون يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما ~~بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين، ~~وأسر منهم مثل ذلك والله على كل شيء قدير فيقدر على نصر القليل على الكثير، ~~كما فعل بكم يوم بدر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 42] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) # إذ أنتم بدل من (يوم الفرقان) ، أو ms2353 ظرف لمحذوف، أي: اذكروا إذ أنتم يا ~~معشر المؤمنين بالعدوة الدنيا يعني بشفير الوادي الأدنى من المدينة وهم ~~يعني المشركين أبا جهل وأصحابه بالعدوة القصوى أي البعدى عن المدينة، مما ~~يلي مكة والركب أسفل منكم أي العير التي فيها أبو سفيان، بما معه من ~~التجارة التي كان الخروج لأجلها، أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ~~ثلاثة أميال من (بدر) . ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن # PageV05P299 # العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة ~~شأن العدو وشوكته وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، ~~والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال، ليست إلا صنعا من الله ~~سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته، وباهر قدرته، ~~وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون، كان فيها الماء، وكانت أرضا ~~لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار (ما لان من الأرض واسترخى) ~~تسوخ فيه الأرجل، ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور ~~العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في ~~المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ~~ليبعثهم الذب عن الحريم، والغيرة على الحرب، على بذل جهيداهم في القتال، ~~وألا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ~~ويضبط همومهم، ويوطن نفوسهم، على ألا يبرحوا موطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ~~ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة ~~بدر، ليقضي أمرا كان مفعولا، من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد ~~المسلمين إحدى الطائفتين، مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأخذوا العير، ~~راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا غيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ ~~هؤلاء بالعدوة الدنيا، وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، ~~حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان، انتهى. ms2354 # قال الناصر في (الانتصاف) : وهذا الفصل من خواص حسنات الزمخشري، وتنقيبه ~~عن أسرار الكتاب العزيز. # وقوله تعالى: ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد أي ولو تواعدتم أنتم وأهل ~~مكة على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم، ~~على الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له. قاله ~~الزمخشري. # وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون يريدون عبر قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. # وروى ابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، ~~وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ~~ببدر، ولا يشعر # PageV05P300 # هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة وشهد الناس بعضهم إلى ~~بعض. # ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا أي ولكن جمع بينكم على هذه الحال على ~~غير ميعاد، ليقضي ما أراد من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من ~~غير ملأ منكم. وقوله كان مفعولا أي حقيقا بأن يفعل. وقيل: كان بمعنى (صار) ~~أي صار مفعولا، بعد أن لم يكن. وقيل: إنه عبر به عنه لتحققه حتى كأنه مضى. ~~وقوله تعالى: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة أي إنما جمعكم مع ~~عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصركم عليهم، ويرفع حجة الحق على ~~الباطل، ليصير الأمر ظاهرا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة،، ولا يبقى لأحد ~~حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على ~~بصيرة من أمره، أنه مبطل لقيام الحجة عليه. ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ~~ويقين، بأنه دين الحق، الذي يجب الدخول فيه، والتمسك به. وذلك أن ما كان من ~~وقعة (بدر) ، من الآيات الغر المحجلة، التي من كفر بعدها، كان مكابرا ~~لنفسه، مغالطا لها. ### | لطائف: # الأولى- قوله تعالى ليهلك بدل من ms2355 ليقضي أو متعلق ب مفعولا. # الثانية- الحياة والهلاك استعارة للكفر والإسلام، وقرئ ليهلك بفتح اللام. # الثالثة- حي يقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان ~~متحركان، فهو مثل شد ومد. ومنه قول عبيدة بن الأبرص: # عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه # ويقرأ بالإظهار وفيه وجهان: # أحدهما- أن الماضي حمل على المستقبل، وهو (يحيا) فكما لم يدغم في ~~المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك شد ومد، فإنه يدغم فيهما جميعا. # والوجه الثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية ~~مفتوحة، واختلاف الحركتين، كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: ~~لححت عليه، وضبب البلد، إذا كثر ضبة، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة، ~~فكأن الياء الثانية ساكنة، ولو سكنت لم يلزم الإدغام، وكذلك إذا كانت في ~~تقدير الساكن، والياءان أصل، وليست الثانية بدلا من (واو) ، فأما الحيوان، ~~ف (الواو) فيه بدل من الياء. وأما # PageV05P301 # الحواء، فليس من لفظ (الحية) ، بل من (حوى يحوي) إذا جمع- قاله أبو ~~البقاء-. # وإن الله لسميع عليم أي بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 43] # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) # إذ يريكهم الله في منامك قليلا منصوب ب (اذكر) ، أو بدل آخر من (يوم ~~الفرقان) . وذلك أن الله عز وجل أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك ~~أصحابه، فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم ولو أراكهم كثيرا لفشلتم أي ~~لجبنتم وهبتم الإقدام ولتنازعتم في الأمر أي أمر الإقدام والإحجام، فتفرقت ~~كلمتكم ولكن الله سلم أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع بتأييده ~~وعصمته إنه عليم بذات الصدور أي يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن ~~والصبر والجزع. ولذلك دبر ما دبر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 44] # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ms2356 وذلك تصديقا لرؤيا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزداد يقينهم، ويجدوا، ~~ويثبتوا. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: ~~أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة! فأسرنا رجلا منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ # قال: ألفا! - رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ويقللكم في أعينهم أي في ~~اليقظة، حتى قال أبو جهل: إن محمدا وأصحابه أكلة جزور مثل في القلة، ك ~~(أكلة رأس) أي أنهم لقلتهم يكفيهم ذلك. و (أكلة) بوزن (كتبة) ، جمع آكل، ~~بوزن فاعل، والجزور الناقة، كذا في (العناية) . ليقضي الله أمرا أي من ~~إظهار الخوارق الدالة على صدق دين الإسلام، وكذب دين الكفر كان مفعولا أي ~~كالواجب فعله على الحكيم، لما فيه من الخير الكثير. قاله المهايمي. # PageV05P302 ### | لطائف: # الأولى- قال الزمخشري: فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ~~ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل ~~اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ليجترؤوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم ~~الكثرة، فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم، حين يرون ما لم يكن في حسابهم ~~وتقديرهم، وذلك قوله: يرونهم مثليهم رأي العين [آل عمران: 13] ولئلا ~~يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا ~~وكثرتهم آخرا. # الثانية- قال الزمخشري أيضا: فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلا؟ # قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به ~~الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين قيل لبعضهم: إن ~~الأحول يرى الواحد اثنين- وكان بين يديه ديك واحد- فقال: مالي لا أرى هذين ~~الديكين أربعة؟ انتهى. # قال الناصر في (الانتصاف) : وفي هذا- يعني كلام الزمخشري- دليل بين على ~~أن الله تعالى هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة، غير موقوف على سبب من ~~مقابلة، أو قرب، أو ارتفاع حجب، أو غير ذلك. إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة ~~للرؤية عقلا، لما أمكن أن يستر عنهم البعض، وقد أدركوا البعض، والسبب ~~الموجب مشترك. فعلى ms2357 هذا يجوز أن يخلق الله الإدراك مع اجتماعها، فلا ربط ~~إذن بين الرؤية ونفيها في مقدرة الله تعالى؟ وهي رادة على القدرية المنكرين ~~لرؤية الله تعالى، بناء على اعتبار هذه الأسباب في حصول الإدراك عقلا، ~~وأنها تستلزم الجسمية، إذ المقابلة والقرب وارتفاع الحجب إنما تتأتى في ~~جسم. فهذه الآية حسبهم في إبطال زعمهم، ولكنهم يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون، والله الموفق. # الثالثة: لا يقال: إن قوله تعالى: ليقضي الله أمرا كان مفعولا مكرر مع ما ~~سبق. لأنا نقول: إن المقصود من ذكره أولا هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل ~~استيلاء المؤمنين على المشركين، على وجه يكون معجزة دالة على صدقه صلى الله ~~عليه وسلم، والمقصود منه هاهنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين ~~المشركين، ثم تكثيرهم للحكمة المتقدمة. # وفي قوله تعالى: وإلى الله ترجع الأمور تنبيه على أن أحوال الدنيا غير ~~مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد. # ثم أرشد تعالى عباده المؤمنين إلى آداب اللقاء في ميدان الوغى، ومبارزة ~~الأعداء، بقوله سبحانه: # PageV05P303 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 45] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا أي إذا حاربتم جماعة فاثبتوا ~~للقائهم واصبروا على مبارزتهم، فلا تفروا ولا تجبنوا ولا تنكلوا. وتفسير ~~(اللقاء) ب (الحرب) لغلبته عليه، كالنزال ولم يصف الفئة بأنها كافرة، لأنه ~~معلوم غير محتاج إليه واذكروا الله كثيرا أي في مواطن الحرب، مستظهرين ~~بذكره مستنصرين به، داعين له على عدوكم لعلكم تفلحون أي تظفرون بمرادكم من ~~النصرة والمثوبة. # وقد ثبت في الصحيحين «1» عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أيامه، التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام ~~في الناس فقال: # «يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا ~~لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . # ثم قال: اللهم! منزل الكتاب. ومجري ms2358 السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم ~~وانصرنا عليهم. # وفي الآية إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، أشغل ما يكون قلبا، ~~وأكثر ما يكون هما، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته، فارغ ~~البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 46] # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين (46) # وأطيعوا الله ورسوله أي في كل ما يأمران به وينهيان، وهذا عام، ~~PageV05P304 # والتخصيص بالذكر هنا فيه تأكيد ولا تنازعوا أي باختلاف الآراء، أو فيما ~~أمرتم به فتفشلوا أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض. وتذهب ريحكم أي قوتكم ~~وغلبتكم، ونصرتكم ودولتكم، شبه ما ذكر في نفوذ الأمر وتمشيته، بالريح ~~وهبوبها، ويقال: هبت رياح فلان، إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، قال: # إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكون # ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون # واصبروا أي على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهويتكم الداعية إلى التنازع، ~~فالصبر مستلزم للنصر إن الله مع الصابرين أي بالنصر. # قال ابن كثير رحمه الله: وقد كان للصحابة رضي الله عنهم، في باب الشجاعة ~~والائتمار بما أمرهم الله ورسوله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد ~~من الأمم، والقرون قبلهم ولا يكون لأحد من بعدهم. فإنهم ببركة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا، في ~~المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم. من الروم ~~والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني ~~آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت ~~الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي ~~الله عنهم وأرضاهم أجمعين. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ولا تنازعوا، أي لا تختلفوا فيما أمركم ~~به من الجهاد، بل ليتفق رأيكم. قال: ولقائل أن يقول: استثمر من هذا وجوب ~~نصب أمير على الجيش ms2359 ليدبر أمرهم. ويقطع اختلافهم، فإن بلزوم طاعته، ينقطع ~~الاختلاف. وقد فعله صلى الله عليه وسلم في السرايا، # وقال «1» : اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم عبد حبشي. # انتهى. # ولما أمر تعالى المؤمنين بالثبات والصبر عند اللقاء، أمرهم بالإخلاص فيه، ~~بنهيهم. عن التشبه بالمشركين، في انبعاثهم للرياء، بقوله سبحانه: ~~PageV05P305 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 47] # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا أي فخرا بالشجاعة ورئاء الناس أي ~~طلبا للثناء بالسماحة والشجاعة ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط ~~أي لا تكونوا كأبي جهل وأصحابه، وقد أتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ~~ارجعوا، فقد سلمت عيركم. فأبوا وقالوا: لا نرجع حتى نأتي بدرا، فننحر بها ~~الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا فيه القيان، وتسمع بنا العرب. # فذلك بطرهم ورثاؤهم الناس بإطعامهم. فوافوها، فسقوا كؤوس المنايا مكان ~~الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، أي: لا يكن أمركم رياء ولا سمعة ~~ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة، في نصر دينكم، ~~ومؤازرة نبيكم، لا تعملوا إلا لذلك، ولا تطلبوا غيره، و (الرئاء) مصدر ~~(راءى) ، إذا أظهر العمل للناس ليروه غفلة عن الخالق، وقد يقال رأياه ~~مراياة ورياء، على القلب. وبطرا ورئاء إما مفعول من أجله، أو مصدر في موضع ~~الحال. و (يصدون) إما حال، بتأويل اسم الفاعل، أو بجعله مصدر فعل هو حال، ~~وإما مستأنف. ونكتة التعبير بالاسم أولا ثم الفعل، الإعلام بأن البطر ~~والرياء دأبهم، بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 48] # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم أي في معاداة الرسول والمؤمنين، بأن وسوس ~~إليهم وقال ms2360 لا غالب لكم اليوم من الناس أي من النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وإني جار لكم أي مجير ومعين لكم فلما تراءت الفئتان أي تلاقتا، ~~وتراءت كل واحدة صاحبتها، فرأى الملائكة نازلة من السماء لإمداد المؤمنين ~~نكص على عقبيه أي # PageV05P306 # ولى هاربا على قفاه وقال إني بريء منكم أي من عهد جواركم إني أرى أي من ~~الملائكة النازلة لإمداد المؤمنين ما لا ترون إني أخاف الله أي أن يعذبني ~~قبل يوم القيامة والله شديد العقاب أي فلا يبعد مع إمهالي إلى القيامة، أن ~~يعذبني لشدة عقابه. ### | تنبيه: # ذكروا في التزيين وجهين: # أحدهما: أن الشيطان وسوس لهم من غير تمثيل، في صورة إنسان، وهو مروي عن ~~الحسن والأصم. فالقول على هذا مجاز عن الوسوسة. والنكوص وهو الرجوع استعارة ~~لبطلان كيده. # وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان، لأنهم لما أرادوا المسير إلى بدر، ~~خافوا من بني كنانة، لأنهم كانوا قتلوا رجلا، وهم يطلبون دمه، فلم يأمنوا ~~أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل إبليس اللعين في صورة سراقة الكناني، وقال: أنا ~~جاركم من بني كنانة، فلا يصل إليكم مكروه منهم. فقوله (إني جار لكم) على ~~الحقيقة. وقال الإمام: معنى (الجار) هنا الدافع للضرر عن صاحبه، كما يدفع ~~الجار عن جاره. # والعرب تقول: أنا جار لك من فلان، أي حافظ لك، مانع منه. وهذا القول ~~الثاني ذهب إلى جمهور المفسرين. # روى مالك «1» في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، مرسلا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ~~ولا أحقر ولا أغيظ، منه في يوم عرفة. وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، ~~وتجاوز الله عن الذنوب العظام. # إلا ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة. # قال الإمام: وكان في تغيير صورة (إبليس) إلى صورة (سراقة) معجزة عظيمة ~~للرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا: ~~هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: ms2361 والله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغتني ~~هزيمتكم، فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة، بل كان شيطانا. ~~PageV05P307 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 49] # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) # إذ يقول المنافقون أي بالمدينة. و (إذ) منصوب ب (اذكر) مقدرا، أو ب (زين) ~~والذين في قلوبهم مرض يجوز أن يكون من صفة المنافقين، وتوسطت الواو لتأكيد ~~لصوق الصفة بالموصوف، لأن هذه صفة للمنافقين، لا تنفك عنهم. # قال تعالى: في قلوبهم مرض [البقرة: 10] . أو تكون الواو داخلة بين المفسر ~~والمفسر نحو: أعجبني زيد وكرمه. ويجوز أن يراد: الذين هم على حرف، ليسوا ~~بثابتي الأقدام في الإسلام. وعن الحسن: هم المشركون. غر هؤلاء يعنون ~~المؤمنين دينهم فظنوا أنهم ينصرونهم به على أضعافهم ومن يتوكل على الله فإن ~~الله عزيز حكيم أي من يعتمد عليه سبحانه وتعالى فإنه ينصره على أضعافه، ~~بالغين ما بلغوا، لأنه عزيز غالب على ما أراد، وهو يريد نصر أوليائه حكيم، ~~وحكمته تقتضي نصرهم. وهو جواب لهم من جهته تعالى، ورد لمقالتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 50] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا أي يقبض أرواحهم الملائكة أي ملائكة القهر ~~والعذاب مما يناسب هيئات نفوسهم يضربون وجوههم لإعراضهم عن الحق، ولهيآت ~~الكبر والعجب والنخوة فيها وأدبارهم لميلهم إلى الباطل، وشدة انجذابهم ~~إليه، ولهيئات الشهوة والحرص والشره وذوقوا عذاب الحريق عطف على (يضربون) ~~بإضمار القول. أي: ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة. # وجواب (لو) محذوف، لتفظيع الأمر وتهويله. # وقال ابن كثير: وهذا السياق، وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل ~~كافر. وفي سورة القتال مثل هذه الآية. وتقدم في الأنعام نحوها، وهو قوله ~~تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم [الأنعام: # 93] ، أي بالضرب فيهم بأمر ربهم. # PageV05P308 ### | ### | القول في تأويل ms2362 قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 51] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) # ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدمت أيديكم أي ما كسبتم من ~~الكفر والمعاصي وأن الله ليس بظلام للعبيد أي بأن يأخذهم بلا جرم. # فإن قيل: ما سر التعبير ب (ظلام) بالمبالغة، مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من ~~نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي ~~للقيد؟ # وأجيب بأجوبة: # منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالم ~~لفلان ولفلان وهلم جرا. فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة ~~الكمية فيه. # ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير، انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، ~~يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه ~~النفع والضر، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا. # ومنها: أن (ظلاما) للنسب، ك (عطار) ، أي لا ينسب إليه الظلم أصلا. # ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالما، كان ~~ظلاما، فنفى اللازم، لنفي الملزوم. # ومنها: أن نفي (الظلام) لنفي الظالم، ضرورة أنه إذا انتفى الظلم انتفى ~~كماله، فجعل نفي المبالغة كناية عن نفي أصله، انتقالا من اللازم إلى ~~الملزوم. # ومنها: أن العذاب من العظم بحيث، لولا الاستحقاق، لكان المعذب بمثله ~~ظلاما بليغ الظلم متفاقمه. فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة. # وأيضا: لو عذب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب، لكان ظلما عظيما، لصدوره ~~عن العدل الرحيم. كذا في (العناية) . # وفي صحيح مسلم «1» عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن الله PageV05P309 # تعالى يقول: إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. ~~يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد ~~غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه # . والحديث طويل جليل. معروف، عند المحدثين، بالحديث المسلسل بالدمشقيين. # ثم بين تعالى أن سير المشركين المستمر، وعادتهم الدائمة، مع ms2363 ما أرسل به ~~النبي صلى الله عليه وسلم كسير الأمم السالفة مع رسلهم، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 52] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي شديد العقاب (52) # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم خبر لمقدر، أي دأب هؤلاء، كدأب آل فرعون ~~ومن تقدمهم من الأمم، كقوم نوح، وهو عملهم الذي دأبوا، أي استمروا عليه، ثم ~~فسره فقال: كفروا بآيات الله فأخذهم الله أي قبل يوم القيامة بذنوبهم أي ~~كما أخذ هؤلاء، لأنهم اجترءوا على معاصيه بما رأوا لأنفسهم من القوة. ~~فضعفهم، إظهارا لقوته إن الله قوي شديد العقاب # قال المهايمي: تأخير العذاب إنما يكون للرحمة، لكنه لما اشتد عنادهم، ~~اشتد غضبه، لأنه شديد العقاب لمن اشتد عناده معه، فلا يكون في حقه رحمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 53] # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) # ذلك أي التعذيب الذي علم كونه مؤاخذة بالذنوب بأن الله أي بسبب أنه تعالى ~~لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم بتبديله إياها بالنقمة حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم من موجبات تلك النعم من اعتقاد أو قول أو عمل. وهذا إخبار عن تمام ~~عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ~~ارتكبه، كقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~[الرعد: 11] . # قال القاشاني. كل ما يصل إلى الإنسان هو الذي يقتضيه استعداده، ويسأله ~~بدعاء الحال، وسؤال الاستحقاق. فإذا أنعم على أحد النعمة الظاهرة أو ~~الباطنة # PageV05P310 # لسلامة الاستعداد، وبقاء الخيرية فيه لم يغيرها حتى أفسد استعداده، وغير ~~قبوله للصلاح، بالاحتجاب وانقلاب الخير الذي فيه بالقوة إلى الشر، لحصول ~~الرين وارتكام الظلمة فيه، بحيث لم يبق له مناسبة للخير، ولا إمكان لصدوره ~~منه، فيغيرها إلى النقمة عدلا منه وجودا، وطلبا من ذلك الاستعداد إياها ~~بجاذبة الجنسية والمناسبة، لا ظلما ms2364 وجورا. انتهى. # وأن الله سميع عليم أي فيغير إذا غيروا، غضبا عليهم بما يسمع منهم أو ~~يعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 54] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم فكان مبدأ تغييرهم أنهم كذبوا بآيات ربهم ~~أي الذي رباهم بالنعم، فصرفوها إلى غير ما خلقت له بمقتضى تلك الآيات، ~~فكانت ذنوبا فأهلكناهم أي زيادة على سلبه النعم بذنوبهم أي بما صرفوا بها ~~النعم إلى غير ما خلقت له وأغرقنا آل فرعون لإغراقهم النعم في بحر الإنكار ~~بنسبتها إلى فرعون حيث أقروا بآلهيته وكل أي من الفرق المكذبة الكافرة،. أو ~~من آل فرعون، ومن قبلهم، وكفار قريش: كانوا ظالمين أي بصرف النعم إلى غير ~~ما خلقت له، وهو نوع من الإغراق لها في بحر الإنكار لأنه مرجع التغيير لها. ~~كذا أول المهايمي. وفيه إشارة إلى دفع ما يتوهم من التكرار في الآيتين، ~~بتغاير التشبيهين فيهما، فلا يحتاج إلى دعوى التأكيد. فمعنى الأول: حال ~~هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر، فأخذهم وآتاهم العذاب. ومعنى الثاني: حال ~~هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك ~~التغيير، وهو أنه أغرقهم وقيل: إن النظم يأباه، لأن وجه التشبيه في الأول ~~كفرهم المترتب عليه العقاب، فينبغي أن يكون وجهه في الثاني قوله كذبوا لأنه ~~مثله، إذ كل منهما جملة مبتدأة بعد تشبيه، صالحة لأن تكون وجه الشبه، فتحمل ~~عليه، كقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب [آل عمران: ~~59] وأما قوله: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ... فكالتعليل لحلول النكال، ~~معترض بين التشبيهين، غير مختص بقوم، فجعله وجها للتشبيه بعيد عن الفصاحة. ~~كذا في (العناية) . # PageV05P311 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 55] # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا أي أصروا على كفرهم ورسخوا فيه ms2365 فهم لا ~~يؤمنون أي فلا يتوقع منهم إيمان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 56] # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون أي لا يخافون ~~عاقبة الغدر، ولا يبالون بما فيه من العار والنار. ### | تنبيهات: # الأول- قال المهايمي: أشار تعالى إلى أنه كيف يترك نعمه على من غير ~~أحواله التي كانت أسباب النعم، وقد كان بها إنسانيته، فبتغييرها لحق ~~بالدواب، وبإنكار المنعم صار شرا منها. والنعم تسلب ممن لا يعرف قدرها، ~~فكيف لا تسلب ممن ينكر المنعم؟. # الثاني- دلت الآية على جواز تحقير العصاة، والاستخفاف بهم، حيث سماهم ~~تعالى (دواب) وأخبر أنهم (شر الدواب) . # الثالث- قالوا: نزلت الآية في يهود بني قريظة، رهط كعب بن الأشرف، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عاهدهم ألا يحاربوه، ولا يعاونوا عليه، ~~فنقضوا العهد، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا. # فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد أيضا. ومالئوا الكفار على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الخندق. وركب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافقهم على ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الرابع- (الذين) بدل من الموصول الأول، أو عطف بيان له، أو نصب له على ~~الذم. وضمن (عاهدت) معنى الأخذ، حتى عدي ب (من) أي أخذت منهم عهدهم. وقيل: ~~(من) صلة، وقال أبو حيان: هي للتبعيض، لأن المباشر بالذات للمعاهدة بعض ~~القوم، وهم الرؤساء والأشراف. # الخامس- قوله: وهم لا يتقون، حال من فاعل (ينقضون) ، أي يستمرون على ~~النقض، والحال أنهم لا يتقون العار فيه، لأن عادة من يرجع إلى دين وعقل ~~وحزم # PageV05P312 # أن يتقي نقض العهد، حتى يسكن الناس إلى قوله، ويثقون بكلامه. فبين الله ~~عز وجل أن من جمع بين الكفر ونقض العهد، فهو شر من الدواب. # ثم شرع تعالى في بيان أحكام الناقضين، بعد تفصيل أحوالهم، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 57] # فإما ms2366 تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) # فإما تثقفنهم في الحرب أي فإما تصادفنهم وتظفرن بهم فشرد بهم من خلفهم أي ~~فرق بهم من وراءهم من المحاربين يعني: بأن تفعل بهم من النكال وتغليظ ~~العقوبة، ما يشرد غيرهم خوفا، فيصيروا لهم عبرة. كما قال: لعلهم يذكرون أي ~~لعل المشردين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين، فيرتدعوا عن النقض أو عن ~~الكفر. قال في (التاج) : وقيل: معنى فشرد بهم فسمع بهم، وقيل: فزع بهم، ولا ~~يخفى أن هذه المعاني متقاربة. وأصل التشريد الطرد والتفريق. # ويقال. شرد به تشريدا، سمع الناس بعيوبه. قال: # أطوف بالأباطح كل يوم ... مخافة أن يشرد بي حكيم # معناه أن يسمع بي و (حكيم) رجل من بني سليم كانت قريش ولته الأخذ على ~~أيدي السفهاء. # استشهد به في اللسان في مادة (ش ر د) . # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 58] # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ~~(58) # وإما تخافن من قوم خيانة بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد، إثر بيان ~~الناقضين له بالفعل. و (الخوف) مستعار للعلم. أي: وإما تعلمن من قوم من ~~المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر، ومخايل ~~الشر فانبذ إليهم أي فاطرح إليهم عهدهم على سواء أي على طريق مستو قصد، بأن ~~تظهر لهم النقض، وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من ~~الوصلة، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، كي لا يكون من قبلك ~~شائبة خيانة أصلا، وإن كانت في مقابلة خيانتهم. # PageV05P313 # وقوله إن الله لا يحب الخائنين تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه ~~النهي عن مناجزة القتال، لكونها خيانة، فيكون تحذيرا له صلى الله عليه وسلم ~~منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فيكون حثا له صلى الله عليه وسلم على ~~النبذ أولا، وعلى قتالهم ثانيا، كأنه قيل. وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ ~~إليهم، ثم قاتلهم، إن الله لا يحب الخائنين، ms2367 وهم من جملتهم، لما علمت من ~~حالهم. أفاده أبو السعود. ### | تنبيه: # دلت الآية على جواز معاهدة الكفار لمصلحة، ووجوب الوفاء بالعهد إذا لم ~~يظهر منهم أمارة الخيانة، وتدل على إباحة نبذ العهد لمن توقع منهم غائلة ~~مكر، وأن يعلمهم بذلك، لئلا يعيبوا علينا بنصب الحرب مع العهد. # روى أصحاب السنن «1» # أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب، حتى إذا ~~انقضى العهد غزاهم. فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر! الله ~~أكبر! وفاء لا غدر. فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان بينه وبين قوم عهد، فلا ~~يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء: فرجع معاوية. # وروى الإمام أحمد «2» عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال ~~لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، ~~فقال: إنما كنت رجلا منكم فهداني الله عز وجل للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ~~مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أنتم أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، فإن ~~أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. يفعل ذلك بهم ثلاثة ~~أيام، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها. # هذا، وما ذكر من وجوب إعلامهم، إنما هو عند خوف الخيانة منهم وتوقعها، ~~كما هو منطوق الآية. وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة ~~للإمام إلى نبذ العهد، بل يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل ~~مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلم يرعهم إلا وجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وذلك على ~~أربعة فراسخ من مكة. PageV05P314 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 59] # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # ولا يحسبن قرئ بالياء والتاء الذين كفروا سبقوا أي فاتوا وأفلتوا من أن ~~يظفر بهم إنهم ms2368 لا يعجزون أي لا يفوتون الله من الانتقام منهم، إما في ~~الدنيا بالقتل، وإما في الآخرة بعذاب النار. وقرئ بفتح (أن) على تقدير لام ~~التعليل، وهذا كقوله تعالى: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا، ساء ~~ما يحكمون [العنكبوت: 4] ، وقوله تعالى: لا تحسبن الذين كفروا معجزين في ~~الأرض، ومأواهم النار، ولبئس المصير [النور: 57] وقوله تعالى: لا يغرنك ~~تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم، وبئس المهاد [آل ~~عمران: 196- 197] . # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 60] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) # وأعدوا لهم أي لقتال ناقضي العهد السابق ذكرهم، أو الكفار مطلقا، وهو ~~الأنسب بسياق النظم الكريم ما استطعتم من قوة أي من كل ما يتقوى به في ~~الحرب من عددها، أطلق عليه القوة مبالغة. # قال الشهاب: وإنما ذكر لأنه لم يكن لهم في (بدر) استعداد تام، فنبهوا على ~~أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان. # ومن رباط الخيل (الرباط) في الأصل مصدر ربط، أي شد، ويطلق بمعنى المربوط ~~مطلقا، وكثر استعماله في الخيل التي تربط في سبيل الله. فالإضافة، إما ~~باعتبار عموم المفهوم الأصلي، أو بملاحظة كون الرباط مشتركا بين معان أخر، ~~كانتظار الصلاة وملازمة ثغر العدو، والمواظبة على الأمر، فإضافته لأحد ~~معانيه للبيان، ك (عين الشمس) ومنه يعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا ~~كان مشتركا. # وإذا كان من إضافة المطلق للمقيد، فهو على معنى (من) التبعيضية. وقد يكون ~~(الرباط) جمع ربيط، كفصيل وفصال. قال في (التاج) : يقال: نعم الربيط هذا، ~~لما # PageV05P315 # يرتبط من الخيل. ثم إن عطفها على (القوة) مع كونها من جملتها للإيذان ~~بفضلها على بقية أفرادها، كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة ترهبون به أي ~~تخوفون بذلك الإعداد عدو الله وهو المثبت له شريكا، المبطل لكلمته وعدوكم ~~أي الذي يظهر ms2369 عداوتكم، فتخوفونهم لئلا يحاربوكم باعتقاد القوة في أنفسهم ~~دونكم. ### | تنبيه: # دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس العدو وهجومه. # ولما عمل الأمراء بمقتضي هذه الآية، أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام ~~عزيزا، عظيما، أبي الضيم، قوي القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء ~~سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الإفطار والأمصار، وخضد شوكة ~~المستبدين الكافرين، وزحزح سجوف الظلم والاستعباد، وعاش بنوه أحقابا ~~متتالية وهم سادة الأمم، وقادة مشعوب، وزمام الحول والطول وقطب روحي العز ~~والمجد، لا يستكينون لقوة، ولا يرهبون لسطوة. وأما اليوم، فقد ترك المسلمون ~~العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف فأهملوا فرضا من فروض ~~الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض. ولذا تعاني اليوم من غصته ~~ما تعاني. وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإسلامية، ولا ترى فيها معامل ~~للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو؟ أما آن لها أن ~~تتنبه من غفلتها، وتنشئ معامل لصنع المدافع والبنادق والقذائف والذخائر ~~الحربية؟ فلقد ألقي عليها تنقص العدو بلادها من أطرافها درسا يجب أن ~~تتدبره، وتتلافى ما فرطت به. قبل أن يداهم ما بقي منها بخيله ورجله، فيقضي- ~~والعياذ بالله- على الإسلام وممالك المسلمين، لاستعمار الأمصار، واستعباد ~~الأحرار، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار. وبالله الهداية. # وقوله تعالى آخرين أي وترهبون قوما آخرين من دونهم أي من دون من يظهر ~~عداوتكم، وهم المنافقون لا تعلمونهم أي أنهم يعادونكم الله يعلمهم أي أنهم ~~أعداؤكم، يظهرون عداوتهم إذا رأوا ضعفكم. ثم شجعهم سبحانه على إنفاق المال ~~في إعداد القوة، ورباط الخيل، مبشرا لهم بتوفية جزائه كاملا، بقوله تعالى ~~وما تنفقوا من شيء في سبيل الله أي الذي أوضحه الجهاد يوف إليكم أي في ~~الدنيا من الفيء والغنيمة والجزية والخراج، وفي الآخرة بالثواب المقيم ~~وأنتم لا تظلمون أي بترك الإثابة. # PageV05P316 ### | تنبيهات: # الأول- هذه الآية أصل في كل ما يلزم إعداده للجهاد من الأدوات. # الثاني- في قوله تعالى ترهبون به إشارة إلى التجافي عن أن يكون الإعداد ~~لغير الإرهاب كالخيلاء. # وفي ms2370 حديث الإمام مالك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: الخيل ~~ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر ولرجل وزر. فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في ~~سبيل الله، ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ~~ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ~~ذلك وزر. # الثالث- ما ذكرناه في تأويل (الآخرين) من أنهم المنافقون، يشهد له قوله ~~تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم، نحن نعلمهم [التوبة: 101] . # ثم بين تعالى جواز مصالحة الكفار بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 61] # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) # وإن جنحوا أي مالوا وانقادوا للسلم بكسر السين وفتحها، لغتان، وقد قرئ ~~بهما. أي الصلح والاستسلام، بوقوع الرهبة في قلوبهم، بمشاهدة ما بكم من ~~الاستعداد، وإعتاد العتاد فاجنح لها أي فمل إلى موافقتهم وصالحهم وعاهدهم، ~~وإن قدرت على محاربتهم، لأن الموافقة أدعى لهم إلى الإيمان. ولهذا لما طلب ~~المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تسع سنين، أجابهم إلى ذلك، مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. و ~~(السلم) يذكر ويؤنث- كما في القاموس- قال الزمخشري: (السلم) تؤنث تأنيث ~~نقيضها، وهي الحرب. قال العباس بن مرداس: # السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # وتوكل على الله أي لا تخف في الصلح مكرهم، فإنه يعصمك من مكرهم إنه هو ~~السميع لأقوالهم العليم أي بأحوالهم، فيؤاخذهم بما يستحقون، ويرد كيدهم في ~~نحرهم. # PageV05P317 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 62] # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) # وإن يريدوا أن يخدعوك أي بالصلح لتكف عنهم ظاهرا، وفي نيتهم الغدر فإن ~~حسبك الله أي كافيك بنصره ومعونته. قال مجاهد: يريد قريظة. ثم علل كفايته ~~له، بما أنعم عليه من تأييده صلى الله عليه وسلم بنصره وبالمؤمنين، فقال ~~تعالى: هو ms2371 الذي أيدك بنصره أي يوم بدر بعد الضعف، من غير إعداد قوة ولا ~~رباط وبالمؤمنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 63] # وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) # وألف بين قلوبهم أي جمع بين قلوبهم وكلمتهم، بالهدى الذي بعثك الله به ~~إليهم، بعد ما كان فيها العصيبة والضغينة لو أنفقت ما في الأرض جميعا أي من ~~الذهب والفضة ما ألفت بين قلوبهم إذ لا يدخل ذلك تحت قدرة البشر، لكونه من ~~عالم الغيب ولكن الله ألف بينهم أي بين قلوبهم بدينه الذي جمعهم إليه إنه ~~عزيز أي غالب في ملكه وسلطانه على كل ظاهر وباطن حكيم أي فاقتضت حكمته ذلك، ~~لما فيه من تأييد دينه، وإعلاء كلمته. # قال الزمخشري رحمه الله تعالى: التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، من الآيات الباهرة. لأن العرب، لما فيهم من الحمية ~~والعصبية، والانطواء على الضغينة، في أدنى شيء، وإلقائه بين أعينهم، إلى أن ~~ينتقموا، لا يكاد يأتلف منهم قلبان. ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، واتحدوا وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم ~~الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط ~~عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله، والبغض في الله ولا ~~يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كما شاء، ويصنع فيها ما أراد. ~~وقيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ~~ورؤساءهم، ودق جماجمهم. ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى. # وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس. وعادة كل ~~طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه، ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر ~~عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا ~~أنصارا وعادوا أعوانا، # PageV05P318 # وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته. انتهى. # وإنما ضعف القول الثاني لأنه ليس في السياق قرينة ms2372 عليه. كذا في (العناية) ~~. # أقول: لكن شهرة ما كان بين هذين البطنين من التعادي الذي تطاول أمده، ~~واستحال قبل البعثة نضوب مائه، يصلح أن يكون قرينة. ونقل علماء السيرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لما لقي في الموسم الرهط من الخزرج، ودعاهم إلى ~~الله تعالى. فأجابوه وصدقوه، قالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم ~~من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم ~~إلى أمرك، نعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه ~~فلا رجل أعز منك. رواه ابن إسحاق وغيره. # وفي الصحيحين «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم (حنين) ~~قال لهم يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم ~~الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ كلما قال شيئا قال: الله ورسوله ~~أمن. ### | لطيفة: # روى الحاكم أن ابن عباس كان يقول: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن ~~الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء. ثم يقرأ: لو أنفقت ما في الأرض ~~... # الآية. # وعند البيهقي نحوه. وقال: ذلك موجود في الشعر: # إذا بت ذو قربى إليك بزلة ... فغشك واستغنى فليس بذي رحم # ولكن ذا القربى الذي إن دعوته ... أجاب، وأن يرمي العدو الذي ترمي # قال: ومن ذلك قول القائل: # ولقد صحبت الناس ثم سبرتهم ... وبلوت ما وصلوا من الأسباب # فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأسباب # قال البيهقي: لا أدري هذا موصولا بكلام ابن عباس، أو هو قول من دونه من ~~الرواة. PageV05P319 # قال الرازي: احتج أصحابنا بهذه الآية، على أن أحوال القلوب من العقائد ~~والإرادات، كلها من خلق الله تعالى. وذلك لأن الألفة والمودة والمحبة ~~الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى. # ولما بين تعالى كفايته لنبيه صلى الله عليه وسلم عند مخادعة الأعداء، في ~~الآية المتقدمة، أعلمه بكفايته له في جميع أموره مطلقا، فقال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله ms2373 تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 64] # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين قال العلامة ابن القيم في ~~مقدمة (زاد المعاد) في تفسير هذه الآية: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، ~~فلا يحتاجون معه إلى أحد. ثم قال: وها هنا تقديران: # أحدهما- أن تكون الواو عاطفة ل (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على ~~الضمير المجرور بدون إعادة الجار، على المذهب المختار، وشواهد كثيرة، وشبه ~~المنع منه واهية. # والثاني- أن تكون الواو واو (مع) ، وتكون (من) في محل نصب عطفا على ~~الموضع فإن (حسبك) في معنى كافيك، أي الله يكفيك، ويكفي من اتبعك، كما يقول ~~العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند # وهذا أصح التقديرين. وفيها تقدير ثالث، أن تكون (من) في موضع رفع ~~بالابتداء، أي ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله وفيها تقدير رابع، وهو ~~خطأ من جهة المعنى، وهو أن يكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم الله، ويكون ~~المعنى: حسبك الله وأتباعك. وهذا، وإن قال به بعض الناس، فهو خطأ محض، لا ~~يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده، كالتوكل والتقوى ~~والعبادة. # قال الله تعالى: وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين [الأنفال: 62] ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، ~~وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل ~~من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل # PageV05P320 # عمران: 173] ، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله. فإذا كان هذا قولهم، ومدح ~~الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه، قد ~~أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك ~~بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل. ونظير هذا ~~قوله: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ms2374 ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون [التوبة: 59] ، فتأمل كيف جعل الإيتاء ~~لله ولرسوله كما قال تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه [الحشر: 7] ، وجعل ~~الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما ~~قال: إنا إلى الله راغبون [التوبة: 59] ، ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل ~~الرغبة إليه وحده. كما قال تعالى: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب [الشرح: ~~7] ، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب، لله وحده. كما أن العبادة والتقوى ~~والسجود، لله وحده. والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى ونظير هذا ~~قوله تعالى: أليس الله بكاف عبده [الزمر: 36] ، ف (الحسب) هو (الكافي) ، ~~فأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه ~~الكفاية؟ والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد، أكثر من أن نذكرها ~~هنا. انتهى. # قال الخفاجي (في العناية) : وتضعيفه الرفع لا وجه له، فإن الفراء ~~والكسائي رجحاه، وما قبله وما بعده يؤيده. انتهى. # وأقول: هذا من الخفاجي من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر ~~فيما برهن عليه ابن القيم وأيده بما لا يبقى معه وقفة، لما ضعفه. والفراء ~~والكسائي من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر. فتبصر، ولا تكن أسير ~~التقليد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 65] # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) # يا أيها النبي حرض المؤمنين أي حثهم على القتال، إن يكن منكم عشرون # PageV05P321 # صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 66] # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم ms2375 مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين. ### | في الآية مسائل: # الأولى- مشروعية الحض على القتال، والمبالغة في الحث عليه. وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه عند صفهم، ومواجهة العدو، كما # قال لهم «1» يوم بدر، حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم: قوموا إلى جنة ~~عرضها السموات والأرض، فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم! فقال: # بخ بخ. فقال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها. قال: # فإنك من أهلها. فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ~~ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن، إنها لحياة طويلة ثم ~~تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. # الثانية- ذهب الأكثرون إلى أن قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا شرط في معنى الأمر بوجوب ~~مصابرة الواحد للعشرة أي بألا يفر منهم. # روى البخاري «2» عن ابن عباس قال: لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين كتب عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ولا عشرون من مائتين. ثم ~~نزلت الآن خفف الله عنكم ... الآية- فكتب أن لا يفر مائة من مائتين. ~~PageV05P322 # وفي رواية أخرى عنه قال: لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين شق ذلك على المسلمين، فنزلت الآن خفف الله عنكم ... الآية- فلما خفف ~~الله عنهم من العدة، نقص عنهم من الصبر، بقدر ما خفف عنهم. # قال في (اللباب) : فظاهر هذا أن قوله تعالى: الآن خفف الله عنكم ناسخ لما ~~تقدم في الآية الأولى، وكان هذا الؤمر يوم بدر. فرض الله سبحانه وتعالى على ~~الرجل الواحد من المسلمين قتال عشرة من الكافرين، فثقل ذلك على المؤمنين، ~~فنزلت الآن خفف الله عنكم- أيها المؤمنون- وعلم أن فيكم ضعفا يعني في قتال ~~الواحد للعشرة، فإن تكن منكم مائة صابرة محتسبة يغلبوا مائتين، وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله. ms2376 فرد العشرة إلى الاثنين. فإذا كان ~~المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا. فأيما رجل فر من ~~ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر. انتهى. # قال في (العناية) : وذهب مكي إلى أنها مخففة لا ناسخة، كتخفيف الفطر ~~للمسافر. وثمرة الخلاف أنه لو قاتل واحد عشرة، فقتل، هل يأثم أو لا؟ فعلى ~~الأول يأثم، وعلى الثاني لا يأثم. # وقال الرازي: أنكر أبو مسلم الأصفهاني دعوى النسخ في الآية، وقال: الأمر ~~الذي فهم من الآية مشروط بكون العشرين قادرين على الصبر، أي إن حصل منكم ~~عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم. ثم دل ~~قوله تعالى: الآن خفف الله عنكم على أن ذلك الشرط غير حاصل منهم، فلم يكن ~~التكليف لازما عليهم. وبالجملة، فالآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط ~~مخصوص، والثانية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هؤلاء الجماعة، فلم يثبت ~~ذلك الحكم. وعلى هذا فلا نسخ، ولا يقال إن قوله تعالى الآن خفف الله عنكم ~~مشعر بأن هذا التكليف كان متوجها عليهم قبله، لأن لفظ التخفيف لا يستلزم ~~الدلالة على حصول التثقيل قبله، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام، ~~كقوله تعالى في ترخيصه للحر في نكاح الأمة يريد الله أن يخفف عنكم [النساء: ~~28] وليس هناك نسخ، وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر. ~~فكذا هاهنا. ومما يدل على عدم النسخ ذكر هذه الآية مقارنة للأولى وجعل ~~الناسخ مقارنا للمنسوخ، لا يجوز إلا بدليل قاهر. # قال الرازي: بعد تقرير كلام أبي مسلم: إن ثبت إجماع الأمة قبل أبي مسلم # PageV05P323 # على حصول النسخ في الآية، فلا كلام عليه، وإلا فقول أبي مسلم صحيح حسن. # انتهى. # الثالثة- في قوله تعالى: بأنهم قوم لا يفقهون إشارة إلى علة غلبة ~~المؤمنين عشرة أمثالهم من الكفار، فالظرف متعلق ب يغلبوا أي بسبب أنهم قوم ~~جهلة بالله تعالى واليوم الآخر، لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله ~~تعالى، وإعلاء لكلمته، وابتغاء لرضوانه، كما يفعله المؤمنون، ms2377 وإنما يقاتلون ~~للحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان، وإثارة نائرة البغي والعدوان، فلا ~~يستحقون إلا القهر والخذلان. # أفاده أبو السعود. # الرابعة- قال الرازي: احتج هشام على قوله (إن الله تعالى لا يعلم ~~الجزئيات إلا عند وقوعها) بقوله: الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إذ ~~يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت. وأجاب المتكلمون بأن معناه: ~~الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله. وأما قبل ذلك فقد كان الحاصل العلم بأنه ~~سيقع أو سيحدث. انتهى. # وقال الطيبي رحمه الله: معناه الآن خفف الله عنكم لما ظهر متعلق علمه ~~تعالى، أي كثرتكم الموجبة لضعفكم بعد ظهور قتلكم وقوتكم. # الخامسة- في (الضعف) لغتان: الفتح والضم، وبهما قرئ. وهو يؤكد كونهما ~~بمعنى فيكونان في الرأي والبدن. وقيل: (الفتح) في الرأي والعقل، (الضم) في ~~البدن. وهو منقول عن الخيل. وقرئ (ضعفاء) بصيغة الجمع. # السادسة- إن قيل: إن كفاية عشرين لمائتين تغني عن كفاية مائة لألف وكفاية ~~مائة لمائتين تغني عن كفاية ألف لألفين، لما تقرر من وجوب ثبات الواحد ~~للعشرة في الأولى، وثبات الواحد للاثنين في الثانية، فما سر هذا التكرير؟ ~~أجيب: بأن سره كون كل عدة بتأييد القليل على الكثير لزيادة التكرير المفيد ~~لزيادة الاطمئنان، والدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة، لا ~~تتفاوت، فإن العشرين قد لا تغلب المائتين. وتغلب المائة الألف. وأما ~~الترتيب في المكرر فعلى ذكر الأقل ثم الأكثر على الترتيب الطبيعي. # قال في (الفتح) : وقد قيل، في سر ذلك، إنه بشارة للمسلمين بأن جنود ~~الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. # السابعة- قال في (البحر) : انظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث أثبت في # PageV05P324 # الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد ~~كونهم من الكفرة وحذفه من الأولى. ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في ~~جملتي التخفيف وحذف من الثانية، لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: والله ~~مع الصابرين مبالغة في شدة المطلوبية. ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد ~~الكفر، اكتفاء بما قبله. # قال الشهاب: هذا نوع من ms2378 البديع يسمى الاحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في ~~التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما. وقوله: والله مع الصابرين إشارة إلى ~~تأييدهم، وأنهم منصورون حتما لأن من كان الله معه لا يغلب. وبقي فيها ~~لطائف. # فلله در التنزيل ما أحلى ماء فصاحته! وأنضر رونق بلاغته! ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 67] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض # روى الإمام «1» أحمد عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأسارى يوم بدر فقال: إن الله قد أمكنكم منهم فقال عمر بن الخطاب: يا رسول ~~الله! اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم عاد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمقالته وقال: إنما هم إخوانكم بالأمس، وعاد عمر ~~لمقالته، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم. فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول ~~الله! نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال فذهب عن وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. # وأخرج مسلم «2» في (أفراده) من حديث عمر بن الخطاب قال ابن عباس: لما ~~أسروا الأسارى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون ~~في هؤلاء الأسارى؟ # فقال أبو بكر: يا رسول الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم ~~فدية تكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت لا، والله! يا ~~رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، ~~فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من PageV05P325 # العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان- نسيب لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء ~~أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو ms2379 بكر، ~~ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، ~~فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبكي على أصحابك- من أخذهم الفداء. لقد عرض علي عذابهم أدنى ~~من هذه الشجرة- لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله عز ~~وجل ما كان لنبي ... الآية. ذكره الحميدي في (مسنده) عن عمر بن الخطاب، من ~~أفراد مسلم بزيادة فيه. # ومعنى ما كان لنبي ما صح له وما استقام وقرئ (للنبي) على العهد. # والمراد على كل، نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما نكر تلطفا به، حتى لا ~~يواجه بالعقاب. وقرئ أسارى. ومعنى يثخن في الأرض يكثر القتل ويبالغ فيه، ~~حتى يذل الكفر، ويقل حزبه، ويعز الإسلام، ويستولي أهله. يقال: أثخن في ~~العدو، بالغ في قتلهم. # كما في (الأساس) وأثخن في الأرض قتلا إذا بالغ. وقال ابن الأعرابي: أثخن ~~إذا غلب وقهر. # قال الرازي: وإنما حمله الأكثرون على القتل، لأن الدولة إنما تقوى به. ~~قال المتنبي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # ولأنه يوجب قوة الرعب، وشدة المهابة، فلذلك أمر تعالى به. # وقوله تعالى تريدون عرض الدنيا أي متاعها الزائل، بفداء أسارى بدر. # و (العرض) ما لا ثبات له ولو جسما. ومنه استعار المتكلمون (العرض) ~~المقابل (للجوهر) ، قاله الشهاب. والله يريد الآخرة أي يريد لكم ثوابها ~~والله عزيز أي غالب على ما أراد حكيم أي فيما يأمر به عباده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 68] # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) # لولا كتاب من الله سبق لمسكم أي لأصابكم فيما أخذتم أي بسببه، وهو الفداء ~~عذاب عظيم أي شديد، بقدر إبطالكم الحكمة العظيمة، وهي قتلهم، الذي هو أعز ~~للإسلام، وأهيب لمن وراءهم وأفل لشوكتهم. والمراد ب (الكتاب) # PageV05P326 # الحكم، وإنما أطلق عليه ms2380 لأنه مكتوب في اللوح. ولأئمة التفسير أقوال في ~~تفسيره. # فقيل: هو أنه لا يعذب قوما إلا بعد تقديمهم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك، ~~وقيل: # هو أنه لا يعذب المخطئ في اجتهاده. وقيل: هو كون أهل بدر مغفورا لهم. ~~وقيل: # هو حل المغانم. # وللرازي مناقشة في هذه الأقوال. واختار أن (الكتاب) هو حكمه في الأزل ~~بالعفو عن هذه الواقعة، لأنه كتب على نفسه الرحمة، وسبقت رحمته غضبه. # أقول: لعل الأمس في تهويل ما اكتسبوه، تفسير (الكتاب) بما في قوله تعالى: ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~[الأنفال: 33] . والله أعلم. ### | تنبيهات: # الأول- قال الرازي: قال ابن عباس: هذا الحاكم إنما كان يوم بدر، لأن ~~المسلمين كانوا قليلين. فلما كثروا وقوي سلطانهم، أنزل الله بعد ذلك في ~~الأسارى حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع ~~الحرب أوزارها [محمد: 4] . # وأقول: هذا الكلام يوهم أن قوله فإما منا بعد وإما فداء يريد حكم الآية ~~التي نحن في تفسيرها. وليس الأمر كذلك، لأن الآيتين متوافقتان، فإن كلتيهما ~~تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء. انتهى. # وقال بعضهم: لا تظهر دعوى النسخ من أصلها، إذ النهي الضمني، كما هنا، ~~مقيد ومغيا بالإثخان. أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته. وما ~~في سورة القتال من التخيير، محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال، فلا ~~تعارض بين الآيتين، إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا. نقله في (الفتح) . # الثاني- قال القاضي: في الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~يجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه. # الثالث- قال ابن كثير: وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء أن ~~الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل، كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال، كما ~~فعل بأسرى بدر، وبمن أسر من المسلمين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ms2381 ~~ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين. # PageV05P327 # وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة. وفي المسألة خلاف ~~آخر بين الأئمة، مقرر في موضعه. # الرابع- قال بعض مفسري الزيدية: في هذه الآية سؤال وهو أن يقال: إن كان ~~فعلهم اجتهادا وخطأ، فلم عوتبوا؟ ويلزم أن لا معصية. وإن تمكنوا من العلم ~~وقصروا، فكيف أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وجواب ذلك من وجهين: # الأول- عن أبي علي أن ذلك كان معصية صغيرة. قال الحاكم: وكانوا متمكنين ~~من العلم، إذا ما عاتبهم. # وقيل: كان خطأ وقصروا فعوتبوا على التقصير انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 69] # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) # فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا أي كلوا بعضه، بعد إخراج الخمس حلالا، أي ~~مطلقا عن العتاب والعقاب، من (حل العقال) . طيبا أي لذيذا هنيئا. أو حلالا ~~بالشرع، طيبا بالطبع. قيل: هذا الأمر تأكيد لحل المغانم، لأنه علم مما تقدم ~~من قوله واعلموا أنما غنمتم ... الآية- وإشارة لاندراج مال الفداء في ~~عمومها، ف (ما غنمتم) هنا، إما الفدية، لأنها غنيمة، أو مطلق الغنائم. ~~والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية وجعل الفاء عاطفة على سبب مقدر، ~~أي أبحت لكم الغنائم، فكلوا- قد يستغنى عنه بعطفه على ما قبله لأنه بمعناه، ~~أي لا أؤاخذكم بما أخذ من الفداء فكلوه. كذا في (العناية) . # قال أبو السعود: والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي دعوه ~~فكلوا مما غنمتم. ثم قال: وقيل (ما) عبارة عن الفدية، فإنها من جملة ~~الغنائم، ويأباه اتساق النظم الكريم وسياقه. انتهى. وهو متجه. # واتقوا الله أي في مخالفة أمره ونهيه إن الله غفور رحيم فيغفر لكم ~~ويرحمكم إذا اتقيتموه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 70] # يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) # يا أيها النبي قل ms2382 لمن في أيديكم من الأسرى أي لمن في ملكتكم، كأن # PageV05P328 # أيديكم قابضة عليهم وذلك تخليصا لهم من أسر الضلال بضعف الإيمان إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا أي قوة إيمان وإخلاصا فيه يؤتكم خيرا مما أخذ منكم أي ~~من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 71] # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ~~(71) # وإن يريدوا أي الأسرى خيانتك أي نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة، ~~أو منع ما ضمنوا من الفداء فقد خانوا الله من قبل أي من قبل (بدر) بالكفر ~~به فأمكن منهم أي فأمكنك منهم، أي أظفرك بهم قتلا وأسرا، كما رأيتم يوم ~~بدر، فسيمكن منهم إن عادوا إلى الخيانة والله عليم حكيم أي عليم بما في ~~بواطنهم من إيمان وتصديق، أو خيانة ونقض عهد. حكيم يجازي كلا بعمله، الخير ~~بالثواب، والشر بالعقاب. # روى ابن هشام في السيرة أن فداء المشركين يوم بدر كان أربعة آلاف درهم ~~بالرجل إلى ألف درهم، إلا من لا شيء له. فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليه. # وقال ابن إسحاق: كان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس، وذلك أنه كان ~~رجلا موسرا، فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبا. # وفي صحيح البخاري «1» عن أنس أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله! ~~ائذن لنا، فنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: لا والله! لا تذرون منه ~~درهما. # وروى ابن إسحاق «2» أن العباس قال: يا رسول الله! قد كنت مسلما. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول، فإن ~~الله يجزيك. وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل وعقيل ~~وحليفك عتبة. قال: # ما ذاك عندي يا رسول الله! قال: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل، ~~فقلت لها: # إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني: الفضل وعبد الله ms2383 وقثم؟ ~~قال: # والله! يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد ~~غيري PageV05P329 # وغير أم الفضل، فاحسب لي، يا رسول الله، ما أصبتم من عشرين أوقية من مال ~~كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ذاك شيء أعطانا الله ~~تعالى منك. # ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل الله عز وجل فيه: (يا أيها النبي قل ~~لمن في أيديكم ... الآية. # قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام، عشرين عبدا ~~كلهم في يده مال، يضرب به. مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل. # وروى ابن إسحاق أيضا أن العباس كان يقول: في نزلت، والله! حين ذكرت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إسلامي. # وروى ابن جريج عن عطاء بن عباس أن عباسا وأصحابه قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا، ~~فأنزل الله تعالى إن يعلم الله في قلوبكم ... [الأنفال: 70] الآية. # قال، فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي ~~الدنيا، لقد قال: يؤتكم خيرا مما أخذ منكم فقد أعطاني خيرا مما أخذ مني ~~مائة ضعف. وقال: ويغفر لكم وأرجو أن يكون قد غفر لي. # وروي البيهقي عن أنس قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من ~~البحرين، فقال: # انثروه في مسجدى. قال، وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فخرج إلى الصلاة، ولم يلتفت إليهم، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، ~~فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله! أعطني، ~~فاديت نفسي، وفاديت عقيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ! فحثا في ~~ثوبه، ثم ذهب يقله، فلم يستطع. فقال: مر بعضهم يرفعه إلى، قال: لا، قال: ~~فارفعه أنت علي، قال: لا! فنثر منه، ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما ~~زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه ببصره حتى خفى عنه، ms2384 عجبا من حرصه. # فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم. وفي رواية: وما بعث ~~إلى أهله بدرهم. # ورواه البخاري «1» تعليقا. # وفي رواية: فجعل العباس يقول وهو منطلق: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد ~~PageV05P330 # أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى! ثم ذكر تعالى أصناف المؤمنين، ~~وقسمهم إلى مهاجرين وأنصار فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 72] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) # إن الذين آمنوا وهاجروا أي من مكة إلى المدينة لنصر الله ورسوله وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أي طاعته والذين آووا ونصروا أي وطنوا ~~المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وبذلوا إليهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، ~~ونصروهم على أعدائهم أولئك بعضهم أولياء بعض أي يتولى بعضهم بعضا في النصرة ~~والمظاهرة، ويقوم مقام أهله ونفسه، ويكون أحق به من كل أحد. ولهذا آخى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. # قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من ~~المهاجرين والأنصار، فقال فيما بلغنا: تآخوا أخوين أخوين ثم أخذ بيد علي بن ~~أبي طالب فقال: هذا أخي. # وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وزيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم أخوين. وإليه أوصى حمزة ~~يوم (أحد) حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت. وجعفر ذو الجناحين الطيار ~~في الجنة ومعاذ بن جبل أخوين. وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين. وعمر ~~بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين. وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين. ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين. والزبير بن العوام وسلمة بن ~~سلامة أخوين، وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وأوس ms2385 بن ثابت أخوين وطلحة ~~بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين. وسعيد بن زيد وأبي بن كعب أخوين. ومصعب ~~بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين. وأبو حذيفة وعباد بن بشر أخوين. وعمار ~~بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين. وأبو ذر الغفاري والمنذر بن عمرو أخوين. ~~وسلمان الفارسي وأبو الدرداء أخوين. وحاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة ~~أخوين. وبلال الحبشي وأبو رويحة الخثعمي أخوين. # PageV05P331 # ولما خرج بلال إلى الشام، وأقام فيها مجاهدا، قال له عمر: إلى من نجعل ~~ديوانك؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عقد بينه وبيني. فضم إليه، وضم ديوان الحبشة إلى خثعم، ~~لمكان بلال منهم. # قال ابن إسحاق. فهؤلاء من سمى لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~آخى بينهم من أصحابه. ### | تنبيه: # نقل الواحدي عن ابن عباس وغيره، أن المراد من هذه الولاية، هي الولاية في ~~الميراث. قال ابن كثير: لما تآخوا كانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على ~~القرابة، حتى نسخ الله ذلك بالمواريث. ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس ~~ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد. # قال الخفاجي: فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري، إذا لم يكن له بالمدينة ~~ولي مهاجري، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري. واستمر أمرهم ~~على ذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بالنسب بعد، إذ لم تكن هجرة. و (الولي) ~~القريب والناصر. لأن أصله القرب المكاني، ثم جعل للمعنوي، كالنسب والدين ~~والنصرة. # فقد جعل صلى الله عليه وسلم، في أول الإسلام، التناصر الديني أخوة، وأثبت ~~لها أحكام الأخوة الحقيقة من التوارث، فلا وجه لما قيل إن هذا التفسير لا ~~تساعده اللغة، فالولاية على هذا، الوراثة المسببة عن القرابة الحكمية. ~~انتهى. # ومراده ب (ما قيل) ما ذكره الرازي في تضعيف تفسير الولاية بالوراثة، حيث ~~قال: # واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى، لأن هذا اللفظ مشعر بالقرب ~~على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب. ويقال: السلطان ms2386 ولي من لا ولي له، ~~ولا يفيد الإرث. وقال تعالى: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون [يونس: 62] ، ولا يفيد الإرث، بل الولاية تفيد القرب، فيمكن حمله ~~على غير الإرث، وهو كون بعضهم معظما للبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ~~ومناصرته. والمقصود أن يكونوا يدا واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد ~~لغيره جاريا مجرى حبه لنفسه. وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى، كان حمله ~~على الإرث بعيدا عن دلالة اللفظ، لا سيما وهم يقولون: إن ذلك الحكم صار ~~منسوخا بقوله تعالى في آخر الآية: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~[الأنفال: # 75] ، وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به، ~~ثم # PageV05P332 # الحكم بأنه صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه؟ هذا في غاية البعد، اللهم ~~إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك، فحينئذ يجب المصير إليه. ~~إلا أن دعوى الإجماع بعيدة. انتهى. # وأقول: لعموم هذا الخطاب ونظمه وجه في إثبات التوارث، لا سيما وقد نفى ~~تعالى ولاية من لم يهاجر نفيا استغرق أقرب الأقارب حيث قال: والذين آمنوا ~~ولم يهاجروا أي بأن أقاموا في بواديهم ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا أي إلى المدينة. وقوله تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~أي إذا استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني، فيجب عليكم ~~أن تنصروهم على أعدائهم المشركين، لأنهم إخوانكم في الدين إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق أي عهد ومهادنة إلى مدة، فلا تعينوهم عليهم، لئلا ~~تخفروا ذمتكم، وتنقضوا عهدكم والله بما تعملون بصير أي فلا تخالفوا أمره. ### | تنبيهات: # الأول- احتج من ذهب إلى أن المراد من قوله تعالى: ما لكم من ولايتهم من ~~شيء أي من توليتهم في الميراث، وأنه هو المراد في الآية السابقة أيضا، ~~بقوله تعالى: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر فإن هذا موالاة في ~~الدين، فحينئذ لا يجوز حمل الموالاة المنفية، على النصرة والمظاهرة، لأنها ~~لازمة لكل حال لكلا الفريقين. وأجاب الرازي بما ms2387 معناه: إن الولاية هنا ليس ~~المراد بها مطلق التولي حتى يرد ما ذكروه، بل عنى بها معنى خاص، وهو علاقة ~~شديدة، ومحبة أكيدة، وإيثار قوي، وأخوة وثيقة. ولا يلزم من النصر التولي. ~~فقد ينصر المرء ذميا لأمر ما ولا يتولاه، ويدافع عن عبده أو أمته ويعينهما ~~ولا يتولاهما- والله أعلم-. # الثاني- يظهر أن هذه الآية كسوابقها مما نزل إثر واقعة بدر، وطلب من كل ~~من آمن من البادين أن يهاجر، ليكثر سواد المسلمين، ويظهر اجتماعهم، وإعانة ~~بعضهم لبعض، فتتقوى بألفتهم شوكتهم، ولم يزل طلب الهجرة إلا بفتح مكة، # لقوله صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد فتح مكة. رواه البخاري «1» عن ~~مجاشع بن مسعود. PageV05P333 # الثالث- شمل نفي الموالاة عن الذين لم يهاجروا وقتئذ، حرمانهم من المغانم ~~والفيء. # روى الإمام أحمد «1» عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه ~~بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. وقال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، ~~قاتلوا من كفر بالله. إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو ~~خلال، فأيتها ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام، فإن ~~أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم من التحول من دارهم إلى دار ~~المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على ~~المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ~~يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء ~~والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء ~~الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. # قال ابن كثير: انفرد به مسلم «2» # ، وعنده زيادات أخر. # الرابع- قرأ حمزة (ولايتهم) بكسر الواو، والباقون بفتحها. # قال الشهاب: جاء في اللغة: (الولاية) مصدرا بالفتح والكسر، فقيل: هما ~~لغتان فيه بمعنى واحد، وهو القرب الحسي والمعنوي، وقيل: بينهما فرق، فالفتح ~~ولاية مولى النسب ونحوه. ms2388 والكسر ولاية السلطان. قاله أبو عبيدة. وقيل الفتح ~~من النصرة والنسب. والكسر من الإمارة. قاله الزجاج. وخطأ الأصمعي قراءة ~~الكسر، وهو المخطئ لتواترها. واختلفوا في ترجيح إحدى القراءتين. ولما قال ~~المحققون من أهل اللغة: إن (فعالة) بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيء، ويجعل ~~فيه كاللفافة والعمامة. وفي المصادر يكون في الصناعات وما يزاول بالأعمال، ~~كالكتابة والخياطة- ذهب الزجاج وتبعه غيره إلى أن الولاية لاحتياجها إلى ~~تمرن وتدرب شبهت بالصناعة، لذا جاء فيها الكسر، كالإمارة. وهذا يحتمل أن ~~الواضع حين وضعها شبهها بذلك، فتكون حقيقة ويحتمل- كما في بعض شروح الكشاف- ~~أن تكون استعارة، كما سموا الطب صناعة. انتهى. PageV05P334 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية # 73] # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ~~(73) # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض أي فلا يتولاهم إلا من كان منهم، ففيه ~~إشارة إلى نهي المسلمين عن موالاتهم. وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا ~~أقرب وقد استدل به على أنه لا توارث بين المسلمين والكفار. # روى الحاكم في (مستدركه) عن أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما، ثم قرأ والذين كفروا ~~... الآية رواه الشيخان عنه «1» بلفظ: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم. # وقوله تعالى: إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير أي إلا تفعلوا ما ~~أمرتكم به من التواصل، وتولي بعضكم بعضا، ومن قطع العلائق بينكم وبين ~~الكفار، تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا ~~واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهرا، والفساد زائدا، في الاعتقادات والأعمال. # وقيل: الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو النصر أو الإثبات. وقيل إنه ~~للاستنصار المفهوم من الفعل. والفتنة: إهمال للمؤمنين المستنصرين بنا، حتى ~~يسلط علينا الكفار. إذ فيه وهن للدين. # قال الشهاب: وفيه تكلف، أي فالأوجه عوده للتولي والتواصل- كما بينا-. # قال الرازي: بيان هذه الفتنة والفساد عن وجوه: # الأول- أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين، ms2389 وقلة ~~عددهم، وزمان قوة الكفار، وكثرة عددهم، فربما صارت تلك المخالطة سببا ~~لالتحاق المسلم بالكفار. # الثاني- أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك ~~سببا لجرأة الكفار عليهم. # الثالث أنه إذا كان جميع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدد والعدد صار ~~ذلك سببا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه، ورغبة المخالف في الالتحاق بهم. انتهى. ~~PageV05P335 # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 74] # والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) # والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم عود لذكر المهاجرين والأنصار، للثناء ~~عليهم، والشهادة لهم، مع الموعد الكريم. فلا تكرار، لما أن مساق الأول ~~لإيجاب التواصل بينهم، فذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم، وعلو درجتهم. # قال الرازي: وبيانه من وجهين: # الأول- أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم، وذلك يدل على الشرف ~~والتعظيم. # والثاني- وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه: # أولها- قوله: أولئك هم المؤمنون حقا فقوله: أولئك هم المؤمنون يفيد ~~الحصر، وقوله: حقا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق ~~الدين، وقد كانوا كذلك، لأن من لم يكن محقا في دينه، لم يتحمل ترك الأديان ~~السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه ~~الأحوال من المتسارعين المتسابقين. # وثانيها- قوله لهم مغفرة والتنكير يدل على الكمال، أي مغفرة تامة كاملة. # وثالثها- قوله ورزق كريم والمراد منه الثواب الرفيع الشريف انتهى. # وقد أثنى تعالى على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه الكريم ~~والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (8) : آية 75] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم أي من جملتكم، أي ~~المهاجرون والأنصار، في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة، ~~وكمال # PageV05P336 # الإيمان ms2390 والمغفرة والرزق الكريم. # وهل المراد من قوله من بعد هو من بعد الهجرة الأولى، أو من بعد الحديبية. ~~وهي الهجرة الثانية، أو من بعد نزول هذه الآية، أو من بعد يوم بدر؟ أقول- ~~واللفظ الكريم يعمها كلها، والتخصيص بأحدهما تخصيص بلا مخصص. # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أي في حكمته وقسمته، أو في ~~اللوح، أو في القرآن، لأن (كتاب الله) يطلق على كل منها إن الله بكل شيء ~~عليم فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه التي هي منتهى الصواب والحكمة ~~والصلاح. ### | تنبيهات: # الأول إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والمناصرة عند من فسر ما ~~تقدم من قوله بعضهم أولياء بعض وما بعده بالتوارث. # أخرج أبو داود «1» من حديث ابن عباس قال: كان الرجل يحالف الرجل، ليس ~~بينهما نسب، فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك آية الأنفال فقال: وأولوا ~~الأرحام ... إلخ إلا أن في إسناده من فيه مقال. # وأما من فسر الموالاة المتقدمة بالنصرة والمعونة والتعظيم، فيجعل هذه ~~الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض. وذلك أن تلك ~~الآية، لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث، بين الله تعالى في هذه الآية ~~أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود ~~من الآية إزالة هذا الوهم. # قال الرازي: وهذا أولى. لأن تكثير النسخ، من غير ضرورة وحاجة، لا يجوز. # الثاني- استدل بالآية من ورث ذوي الأرحام، وهم من ليسوا بعصبات، ولا ذوي ~~سهام. قال: ويعضده # حديث «2» : (الخال وارث من لا وارث له) # وأجاب من منع توريثهم بأن المراد من الآية من ذكر الله من ذوي السهام ~~والعصبات. ومن # الحديث: (من كان وارثه الخال فلا وارث له) # . ورد بأنها عامة فلا موجب للتخصيص، وبأن معنى الحديث: من كان لا وارث له ~~غيره، # لحديث: (أنا عماد من لا عماد له) . PageV05P337 # ثم إن الذين أثبتوا ميراثهم اختلفوا في أنهم هل يرثون بالقرب، أو ~~بالتنزيل، وهل يرث القريب مع البعيد، وهل يفضل الذكر على الأنثى أو لا؟ ms2391 ~~والآية محتملة. # أفاده بعض مفسري الزيدية. # قال ابن كثير: ليس المراد بقوله: وأولوا الأرحام خصوصية ما يطلقه علماء ~~الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة ~~والخال، والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما يزعمه بعضهم، ~~ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة. بل الحق أن الآية عامة، تشمل ~~جميع القرابات كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد ~~وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة، من ~~أقواها # حديث «1» : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) # قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك، ~~لم يكن وارثا. # انتهى. # ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، إذ لا يلزم من ثبوت الحق تعيين الفرض. # على أن معنى الحديث، أعطى كل ذي حق حقه مفصلا ومجملا، وقد أعطاهم حق ~~الأولوية العامة، ووكل بيان ما يفهم من إجمال الإرث بعمومها لاستنباط ~~الراسخين وفهمهم على قاعدة عمومات التنزيل. # وقد رأيت في هذه المسألة مقالة بديعة أوردها الحسن الصابئ في (تاريخ ~~الوزراء) في أخبار وزارة أبي الحسن بن الفرات، نأثرها هنا، لأنها جمعت ~~فأوعت، قال رحمه الله: # ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابة إليه في أمر ~~المواريث: وصل كتاب الأمير، يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجبا من ~~مال المواريث لبيت المال، ومالا أراه واجبا منه، وتلخيص ذلك وتبيينه- وأنا ~~أذكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل عنه ليقف ~~على ذلك إن شاء الله-. # الناس مختلفون في توريث الأقارب، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة- ~~إذا لم يكن للمتوفى من يرثه من عصبة وذي سهم- لجماعة من المسلمين وبيت ~~PageV05P338 # مالهم. وكذلك يقول في الفصل بعد السهمان المسماة، إذا لم تكن عصبة. ولم ~~يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت. وقد خالفه عمر بن الخطاب، وعلي ~~ابن أبي طالب، وعبد ms2392 الله بن مسعود، وجعلوا ما يفضل من السهمان ردا على ~~أصحاب السهام من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه. ~~والسنة تعاضد ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت وتأويل القرآن ~~يوجب ما ذهبوا إليه. وليس لأحد أن يقول في خلاف السنة والتنزيل بالرأي. قال ~~الله تعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم. فصير ~~القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعلي وعبد الله رضي الله عنهم ومن ~~تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا- والله أعلم. # ولو كان في هذه المسألة ما يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة، لكان الواجب ~~تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين، وترك قبول من سواهم ممن لا يلحق ~~بدرجتهم بسابقته. وإذا رد أمر الناس إلى التخيير من أقاويل السلف فهل يحيل ~~أو يشكل على أحد أن زيدا لا يفي علمه بعلم عمر وعلي وعبد الله؟ وإذا فضلوا ~~في السابقة والهجرة، فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن زيد بن ثابت، واطراح ~~ما روي عنهم، وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا إليه، وبالسنة فيما ~~أفتوا به؟ # والرواية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتوريث من لا فرض له في ~~الكتاب من القرابة. فمن ذلك ما ذكر لنا # عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهروي عن المقدام ابن ~~معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم «1» أنه قال: الخال وارث من لا وارث ~~له يرث ماله، ويعقل عنه. وكذلك بلغنا عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وعن ابن جريج عن عمر بن سلم عن ~~طاوس عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ذلك. # وذكر عن عبادة بن أبي عباد عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن محمد بن ~~يحيا بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: توفي ثابت ms2393 بن أبي الدحداح، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عدي: أله فيكم نسب؟. قال: فدفع تركته ~~إلى ابن أخته # فقد أوجب عليه السلام، بما نقلته عنه هذه الرواية، توريث من لا سهم له من ~~القرابة مع عدم أصحاب السهمان المبينة في الكتاب. وأعطى الجدة السدس من ~~الميراث، ولا فرض لها، وفي ذلك الاتفاق، وفيما صير لها من السدس، دليل على ~~أن من لا سهم له من القرابة في معناها؟ إذا بطلت السهام، ولم يكن من أهلها، ~~وأنه أولى بالميراث من الأجنبي. PageV05P339 # والمروي عن زيد بن ثابت أنه جعل الفضل عن سهام الفرائض، وكل المال، إذا ~~سقطت السهام بعد أهلها، لجماعة المسلمين. فجعلهم كلهم وارثا، وجعل ما يصير ~~لهم من ذلك- في خلاف مال الفيء المصروف إلى الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى ~~المصالح إذا كان ذلك- يكون فبما روي عنه للناس كافة، وعددهم لا يحصى، فغير ~~ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض، مشارقها ومغاربها. وإذا ~~امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس بممكن، فسد وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة، ~~وقد تأول بعض المتأولين قوله الله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله فقال فيه: كان الناس يتوارثون بالحلف دون القرابة. فلما أوجب ~~الله المواريث لأهلها من الأقارب، منع الحليف بما فرض من السهمان فغلطوا ~~وصرفوا حكم الآية إلى الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم الدليل، لأن مخرجها في ~~السمع مخرج العموم. # وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه ~~الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في بدء، وما قالوا إذا كان لا وارث للميت من ~~أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما، وعلى المقدم من ~~حكمها، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل (من له سهم) دون (من لا سهم ~~له) ، فإذا ارتفع المانع، رجع الحكم إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن ~~الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد ~~تأويلهم، ms2394 وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا ~~إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. ~~وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد، وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله ~~عليهم السلام جانبا، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب، أن يجعل ذا الرحم ~~أولى، لأنه لا يفضل الأجنبي بالقرابة. # وترتيب المواريث في الأصل يجري على من تقدمه من فضل غيره في المناسبة، ~~كالأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، ~~واختصاصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال الله تعالى: يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] ، وولد الولد، من سفل ~~منهم ومن ارتفع، يعمهم هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم، في معنى الآية، أحق ~~من الأبعد. فإذا كان ذلك كذلك، كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة للرحم ~~التي تقرب بها دونه. # وبعد، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة، إلا فيما ~~روي عن الخليفتين عمر وعلي صلوات الله عليهما، وما روي عن ابن مسعود، ثم لم # PageV05P340 # يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم، إلا على ما روي عن عبد ~~الله بن العباس، جد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وترجمان القرآن، وبحر ~~العلم، ومن كان إذا تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم # فقال «1» : اللهم! فقهه في الدين وعلمه التأويل. # ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة. ومن كان أعلم بتأويل القرآن ~~فاتباعه فيه أوجب. وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله ~~والجماعة. وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين، أعزه الله، يستقضون ~~الحكام، فيقضون برد المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من ~~قضاتهم، ولا تردونه متجاوزا للحق فيه، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا ~~منذ نحو عشرين سنة، وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف، واقتدى بخلفاء ~~الله، ومال إلى أفضل المذهبين، وإلى الله الرغبة في ms2395 عصمة الأمير، وتسديده، ~~والحمد لله رب العالمين. انتهى. # ونقل أبو الحسن الصابي قبل نسخة أبي الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة في ~~المواريث، وفيها نقل ما كتبه عبد الحميد في كتاب مواريث أهل الملة، وأنه ~~حكى فيه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن ~~مسعود رضوان الله عليهم ومن اتبعهم من الأئمة الهادين رحمة الله عليهم، ~~رأوا أن يرد على أصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام المفترضة في ~~كتاب الله تبارك وتعالى من المواريث، إذا لم يكن للمتوفى عصبة يحوز باقي ~~ميراثه، وجعلوا، رضي الله عنهم، تركة من يتوفى ولا عصبة له لذوي رحمه، إن ~~لم يكن له وارث سواهم، ممتثلين في ذلك أمر الله سبحانه إذ يقول: وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم. وسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في توريثه من لا فرض له في كتاب الله تعالى من ~~الخال وابن الأخت والجدة. انتهى. # الثالث- استدل بالآية الإمامية على تقديم الإمام علي كرم الله وجهه على ~~غيره في الإمامة، لاندراجها في عموم الأولوية. والجواب- على فرض صحة هذه ~~الدلالة- أن العباس رضي الله عنه كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من علي رضي الله عنه. PageV05P341 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التوبة # هي مدنية بإجماعهم. قيل: سوى آيتين في آخرها لقد جاءكم رسول من أنفسكم.. ~~[التوبة: 128] فإنهما نزلتا بمكة. وفيه نظر. فقد روى البخاري «1» عن البراء ~~أنها آخر سورة نزلت، واستثنى بعضهم ما كان للنبي.. [التوبة: 113]- لما # ورد أنها نزلت في قوله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم ~~أنه عنك. # وهي مائة وتسع وعشرون آية ولهذه السورة عشرة أسماء: ### | 1- # براءة: سميت بها لافتتاحها بها، ومرجع أكثر ما ذكر فيها إليها. ### | 2- # التوبة: لتكرارها فيها، كقوله تعالى: فإن تبتم فهو خير لكم [التوبة: 3] ، ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة [التوبة: 5 و 11] ، وقوله: ثم يتوب الله من ms2396 بعد ~~ذلك على من يشاء [التوبة: 27] ، وقوله: فإن يتوبوا يك خيرا لهم [التوبة: ~~74] وقوله عسى الله أن يتوب عليهم [التوبة: 102] وقوله: لقد تاب الله على ~~النبي [التوبة: 117] ، وقوله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~[التوبة: 104] ، وقوله: التائبون العابدون [التوبة: 112] وهما أشهر ~~أسمائها. ### | 3- # الفاضحة: أخرج البخاري «2» عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ~~PageV05P342 # سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم، حتى ~~ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها. ### | 4- # سورة العذاب: رواه الحاكم عن حذيفة، وذلك لتكرره فيها. ### | 5- # المقشقشة: رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، والقشقشة معناها التبرئة، وهي ~~مبرئة من النفاق. ### | 6- # المنقرة: أخرجه أبو الشيخ عن عبيد بن عمير لأنها نقرت عما في قلوب ~~المشركين. أي بحثت. ### | 7- # البحوث: بفتح الباء، صيغة مبالغة، رواه الحاكم عن المقداد. ### | 8- # الحافرة: ذكره ابن الغرس، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، أي بحثت عنها، ~~مجازا. ### | 9- # المثيرة: رواه ابن أبي حاتم عن قتادة لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم أي ~~أخرجتها من الخفاء إلى الظهور. ### | 10- # المبعثرة: لأنها بعثرت أسرارهم أي أظهرتها. ### | 11- # المدمدمة: أي المهلكة لهم. ### | 12- # المخزية. ### | 13- # المنكلة: أي المعاقبة لهم. ### | 14- # المشردة: أي الطاردة لهم والمفرقة جمعهم. # وليس في السور أكثر أسماء منها ومن الفاتحة. ### | تنبيه: # للسلف في وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها أقوال: ### | 1- # روى الحاكم في (المستدرك) عن ابن عباس قال: سألت علي بن أبي طالب: لم لم ~~تكتب في (براءة) البسملة؟ قال: لأنها أمان. وبراءة نزلت بالسيف. # أي فنزولها لرفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر ~~اسمه تعالى، مشفوعا بوصف الرحمة. ولذا قال ابن عيينة: اسم الله سلام وأمان، ~~فلا يكتب في النبذ والمحاربة. قال الله تعالى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا [النساء: 94] ، قيل له: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كتب إلى أهل الحرب البسملة. قال: إنما ذلك ابتداء منه يدعوهم، ولم ينبذ ~~إليهم. ألا تراه # يقول: سلام على من اتبع الهدى؟ # فمن دعي إلى الله عز ms2397 وجل فأجاب، ودعي إلى الجزية فأجاب، # PageV05P343 # فقد اتبع الهدى، فظهر الفرق. وكذا قال المبرد: إن التسمية افتتاح للخير، ~~وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود، فلذلك لم تفتتح بالتسمية. ### | 2- # عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من ~~المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر ~~البسملة، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه ~~السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا ~~هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية ~~يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت (الأنفال) ~~من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت (براءة) من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها ~~شبيهة بقصتها، وظننت أنها منها. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يبين لنا أنها منها أو من غيرها، من أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب ~~البسملة، ووضعتها في السبع الطوال. أخرجه أبو داود «1» والترمذي «2» وقال: ~~حديث حسن ورواه الإمام أحمد «3» والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم ~~وصححه. # قال الزجاج: والشبه الذي بينهما أن في (الأنفال) ذكر العهود، وفي (براءة) ~~نقضها. ### | 3- # أخرج أبو الشيخ عن أبي روق قال: (الأنفال) و (براءة) سورة واحدة. # ونقل مثله عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم عن سفيان. وقال ابن لهيعة: ~~يقولون إن (براءة) من (الأنفال) ، ولذلك لم تكتب البسملة في (براءة) ، ~~وشبهتهم اشتباه الطرفين، وعدم البسملة. ويرده تسمية النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلا منهما. # وقال الحاكم: استفاض النقل أنهما سورتان. # وقال أبو السعود: اشتهارها بهذه الأسماء- يعني الأربعة عشر اسما ~~المتقدمة- يقضي بأنها سورة مستقلة، وليست بعضا من سورة الأنفال، وادعاء ~~اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها، خلاف الظاهر، انتهى. PageV05P344 # ونقل صاحب (الإقناع) أن البسملة ثابتة (لبراءة) في مصحف ابن مسعود، قال: ~~ولا يؤخذ بهذا. # وعن مالك: أن أولها لما سقط، سقط ms2398 معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل ~~البقرة لطولها. كذا في (الإتقان) . # ثم اعلم أن القراء أجمعوا على ترك قراءة البسملة في أول هذه السورة ~~اتباعا لسقوطها في الرسم من مصحف الإمام، إلا ابن مناذر، فإنه يسمي في ~~أولها، كما في مصحف ابن مسعود. # وقال السخاوي في (جمال القراء) : إنه اشتهر تركها في أول براءة. # وروي عن عاصم التسمية في أولها، وهو القياس. لأن إسقاطها، إما لأنها نزلت ~~بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة، بل من الأنفال. ولا يتم ~~الأول، لأنه مخصوص بمن نزلت فيه، ونحن إنما نسمي للتبرك. وأما الابتداء بما ~~بعد أول براءة، فلا نص للمتقدمين من أئمة القراء فيه، وظاهر إطلاق كثير ~~التخيير فيها، واختار السخاوي الجواز، وقال: ألا ترى أنه يجوز بغير خلاف أن ~~يقول: بسم الله الرحمن الرحيم وقاتلوا المشركين [التوبة: 36] . وإلى منعها ~~ذهب الجعبري، وتعقبه السخاوي فقال: إن كان نقلا فمسلم، وإلا فرد عليه، لأنه ~~تفريع على غير أصل. # وقال ابن الجزري في (النشر) : من اعتبر بقاء أثر العلة التي من أجلها ~~حذفت البسملة أولها، وهي نزولها بالسيف، لم يبسمل. ومن لم يعتبر ذلك، أو لم ~~يرها، بسمل بلا نظر. والله أعلم. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 1] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين خبر لمحذوف، وتنوينه ~~للتفخيم. أي هذه براءة. أو مبتدأ مخصص بصفة، وخبره إلى الذين. # و (البراءة) في اللغة انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان براءة، أي ~~انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علقة. # فإن قيل: حق البراءة أن تنسب إلى المعاهد، فلم لم تنسب إليهم، ونسبت إلى ~~الله ورسوله؟ # PageV05P345 # أجيب: أن عاهدتم إخبار عن سابق صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والجماعة، فنسب إلى الكل، كما هو الواقع، وإن كان بإذن الله أيضا. # وأما البراءة فهي إخبار عن متجدد، فكيف ينسب إليهم، وهم لم يحدثوه بعد، ~~وإنما يسند إلى من ms2399 أحدثه؟ وقال الناصر: إن سر ذلك أن نسبة العهد إلى الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ إلى المشركين، لا يحسن ~~أدبا. ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث # يقول لهم «1» : «إذا نزلت بحصن فطلبوا النزول على حكم الله، فأنزلهم على ~~حكمك، فإنك لا تدري أصادفت حكم الله فيهم أو لا! وإن طلبوا ذمة الله، ~~فأنزلهم على ذمتك. فلأن تخفر ذمتك، خير من أن تخفر ذمة الله» ! # فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله، مخافة أن تخفر، وإن ~~كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله، وقد تحقق من المشركين ~~النكث، وقد تبرأ منه الله ورسوله بألا ينسب العهد المنبوذ إلى الله- أحرى ~~وأجدر. فلذلك نسب العهد إلى المسلمين دون البراءة منه. # وقال الشهاب: ولك أن تقول: إنما أضاف العهد إلى المسلمين، لأن الله علم ~~أن لا عهد لهم، فلذا لم يضف العهد إليه، لبراءته منهم، ومن عهدهم في الأزل. # وهذا نكتة الإتيان بالجملة اسمية خبرية. وإن قيل: إنها إنشائية للبراءة ~~منهم، ولذا دلت على التجدد. انتهى. # قال ابن إسحاق. نزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين من العقد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم، ألا يصد عن ~~البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عاما بينه ~~وبين الناس من أهل الشرك. # وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من ~~العرب خصائص إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في ~~(تبوك) ، وفي قول من قال منهم، فكشف الله سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ~~ما يظهرون. PageV05P346 # وقال ابن كثير: وأول هذه السورة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما رجع من غزوة (تبوك) ، وهم بالحج. ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا ~~الموسم على عادتهم في ذلك. وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث ms2400 ~~أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرا على الحج تلك السنة، ليقيم للناس ~~مناسكهم، ويعلم المشركون ألا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي بالناس براءة ~~من الله ورسوله، فلما قفل، أتبعه بعلي بن أبي طالب، ليكون مبلغا عنه صلى ~~الله عليه وسلم، لكونه عصبة له، كما سيأتي. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 2] # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر أي فقولوا لهم: سيروا في الأرض بعد نبذنا ~~العهد آمنين من القتل والقتال مدة أربعة أشهر، وذلك من يوم النحر إلى عشر ~~يخلون من ربيع الآخر. والمقصود تأمينهم من القتل، وتفكرهم واحتياطهم، ~~ليعلموا أنهم ليس لهم بعدها إلا السيف، وليعلموا قوة المسلمين إذ لم يخشوا ~~استعدادهم لهم. # وهذه الأربعة الأشهر كانت عهدا لمن له عهد دون الأربعة الأشهر، فأتمت له. ~~فأما من كان له عهد موقت، فأجله إلى مدته، مهما كانت، لقوله تعالى: فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم [التوبة: 4] ، كما يأتي. روي هذا عن غير واحد، ~~واختاره ابن جرير. وقال مجاهد: هذا تأجيل للمشركين مطلقا، فمن كانت مدة ~~عهده أقل من أربعة أشهر رفع إليها، ومن كانت أكثر حط إليها، ومن كان عهده ~~بغير أجل حد بها، ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله، يقتل حيث أدرك ويؤسر، إلا ~~أن يتوب ويؤمن. # أقول: ولا يرد عليه إطلاق قوله تعالى: إلى مدتهم، لأن له أن يجيب بأن ~~الإضافة للعهد، أي المدة المعهودة وهي الأربعة الأشهر. والله أعلم. # واعلموا أنكم غير معجزي الله يعني أن هذا الإمهال ليس لعجز عنكم، ولكن ~~لحكمة ولطف بكم. أي فلا تفوتونه. وإن أمهلكم وأن الله مخزي الكافرين أي ~~مذلهم بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة. # PageV05P347 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 3] # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ms2401 ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله. (الأذان) بمعنى الإيذان، وهو الإعلام، كما أن الأمان ~~والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء. وارتفاعه كارتفاع براءة وهذه الجملة ~~معطوفة على مثلها، والفرق بين معنى الجملة الأولى والثانية أن تلك إخبار ~~بثبوت البراءة، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، وإنما علقت البراءة ~~بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس، لأن البراءة مختصة ~~بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم ~~يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث. # كذا في (الكشاف) . # ويوم الحج الأكبر: قيل يوم عرفة، وقيل يوم النحر. # قال ابن القيم: وهو الصواب، لأنه ثبت في الصحيحين «1» أن أبا بكر وعليا ~~رضي الله عنهما، أذنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة. # وفي سنن أبي داود «2» بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~يوم الحج الأكبر يوم النحر، وكذلك قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة. # ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ~~والتوبة والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة، ولهذا ~~سمي طوافه طواف الزيارة، لأنه قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أذن لهم يوم ~~النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته، ولهذا كان فيه ذبح القرابين، وحلق ~~الرؤوس، ورمي الجمار ومعظم أفعال الحج وعمل يوم عرفة، كالطهور والاغتسال ~~بين يدي هذا اليوم، انتهى. PageV05P348 ### | تنبيه: # روى الأئمة هاهنا آثارا كثيرة، نأتي منها على جوامعها: # قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من (تبوك) ~~حين فرغ، فأراد الحج ثم قال: إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن ~~أحج. حتى لا يكون ذلك: فأرسل أبا بكر وعليا فطافا بالناس في (ذي المجاز) ~~وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد ~~بأن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات، عشرون من ذي الحجة، إلى عشر ~~يخلون من ربيع الآخر، ثم لا ms2402 عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال، إلى أن ~~يؤمنوا. # وروى ابن إسحاق بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي رضوان الله عليه قال: لما ~~نزلت (براءة) على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله! لو بعثت بها إلى أبي ~~بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي. ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان ~~الله عليه، فقال له: # اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا ~~بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت ~~عريان. ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته. ~~فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم (العضباء) حتى ~~أدرك أبا بكر الصديق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور؟ فقال: ~~بل مأمور. ثم مضيا.، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة ~~على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر ~~قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج ~~بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته. وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ~~ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة. إلا أحد كان له ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. # فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. # ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن إسحاق: فكان هذا من أمر (براءة) فيمن كان من أهل الشرك من ms2403 أهل ~~العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. # PageV05P349 # وروى البخاري «1» عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك ~~الحجة في المؤذنين. بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ~~ولا يطوف بالبيت عريان. # قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، فأمره أن ~~يؤذن ببراءة. # قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وألا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. # وفي رواية أخرى للبخاري «2» ، قال أبو هريرة: يعثني أبو بكر فيمن يؤذن ~~يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج ~~الأكبر يوم النحر. وإنما قيل (الأكبر) من أجل قول الناس- للعمرة- الحج ~~الأصغر. فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي ~~حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك. هذا لفظ البخاري في (كتاب ~~الجهاد) . # وروى الإمام أحمد «3» عن أبي هريرة قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ب (براءة) فقال: ما كنتم تنادون؟ ~~قال: كنا ننادي: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان ~~بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله- أو أمده- إلى أربعة ~~أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج ~~هذا البيت بعد العام مشرك. قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي (صحل الرجل وصحل ~~صوته: بح) . # وقوله تعالى: فإن تبتم فهو خير لكم أي فإن تبتم أيها المشركون، من كفركم ~~ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الالهة والأنداد، فهو خير لكم ~~من الإقامة على الشرك رأس الضلال والفساد وإن توليتم أي عن الإيمان وأبيتم ~~إلا الإقامة على ضلالكم وشرككم فاعلموا أنكم غير معجزي الله أي غير فائتين ~~أخذه وعقابه وبشر الذين كفروا أي جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب أليم ~~أي موجع يحل بهم. وفيه ms2404 من التهكم والتهديد ما فيه، كيلا يظن أن عذاب ~~الدنيا، لو فات وزال خلصوا من العذاب. بل العذاب معد لهم يوم القيامة. ~~PageV05P350 # ثم استثنى تعالى من ضرب مدة التأجيل، لمن له عهد مطلق بأربعة أشهر، من له ~~عهد مؤقت بتأجيله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 4] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا أي من شروط الميثاق فلم ~~يقتلوا منكم أحدا ولم يضروكم فقط. قال أبو السعود: وقرئ بالمعجمة، أي لم ~~ينقضوا عهدكم شيئا، من (النقض) ، وكلمة (ثم) للدلالة على ثباتهم على عهدهم ~~مع تمادي المدة ولم يظاهروا أي لم يعاونوا عليكم أحدا أي عدوا من أعدائكم ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ثم حرض تعالى على الوفاء بذلك، منبها على أنه ~~من باب التقوى بقوله سبحانه إن الله يحب المتقين أي فاتقوه في ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 5] # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) # فإذا انسلخ أي انقضى الأشهر الحرم أي التي أبيح للذين عوهدوا فيها أن ~~يسيحوا في الأرض وحرم فيها قتالهم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أي من حل ~~أو حرم- كذا قاله غير واحد- قال ابن كثير: هذا عام، والمشهور تخصيصه بغير ~~الحرم، لتحريم القتال فيه، لقوله تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم [البقرة: 191] . وخذوهم أي ائسروهم ~~واحصروهم أي احبسوهم في المكان الذي هم فيه، لئلا يتبسطوا في سائر البلاد ~~واقعدوا لهم أي لقتالهم كل مرصد أي طريق وممر فإن تابوا أي عن الكفر ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم أي فاتركوا التعرض لهم إن الله ~~غفور رحيم أي يغفر لهم ما سلف من الكفر ms2405 والغدر. ### | تنبيهات: # الأول- ما ذكرناه من أن المراد (بالأشهر الحرام) أشهر العهد، هو الذي # PageV05P351 # اختاره الأكثرون. سماها (حرما) لتحريم قتال المشركين فيها ودمائهم. ~~فالألف واللام للعهد. ووضع المظهر موضع المضمر ليكون ذريعة إلى وصفها ~~بالحرمة، تأكيدا لما ينبئ عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم، مع ما فيه ~~من مزيد الاعتناء بشأنها. وقيل: المراد (بالأشهر الحرام) : رجب، وذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، روي ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر، وأختاه ~~ابن جرير. وضعف بأنه لا يساعده النظم الكريم، لأنه يأباه ترتبه عليه ~~(بالفاء) فهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر. # قال ابن القيم: (الحرم) هاهنا هي أشهر التسيير، أولها يوم الأذان، وهو ~~اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر، الذي وقع فيه التأذين ~~بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ~~منها أربعة حرم [التوبة: 36] ، فإن تلك واحد فرد هو رجب، وثلاثة سرد وهي ذو ~~القعدة وتالياه. ولم يسير المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن، لأنها ~~غير متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم. ~~انتهى. # وقالوا: يلزم على هذا بقاء حرمة تلك الأشهر. وتكلف الجواب بنسخها، إما ~~بانعقاد الإجماع عليه، أو بما صح من أنه صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف ~~لعشر بقين من المحرم، مع أن هذا الإجماع كلاما، وقد خالف بعضهم في بقاء ~~حرمتها، إلا أنهم لم يعتدوا به كما قاله في (العناية) . وفيها: إن لك أن ~~تقول: منع القتال في الأشهر الحرم في تلك السنة، لا يقتضي منعه في كل ما ~~شابهها، بل هو مسكوت عنه، فلا يخالف الإجماع، ويكون حله معلوما من دليل ~~آخر. # وأقول: يظهر لي هذا الثاني وأن المراد بالأربعة الأشهر هي المعروفة، وأن ~~قوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم هي هذه الأربعة، لأنها حيثما أطلقت في ~~التنزيل لا تنصرف إلا إليها، فصرفها إلى غيرها يحتاج ms2406 إلى برهان قاطع. # قال في (فتح البيان) ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد ~~له من المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين ~~بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم، التي هي الثلاثة المسرودة، ~~خمسين يوما، تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث ~~يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم. انتهى. # PageV05P352 # ولا يقال: إن الباقي من الأشهر الحرم ثمانون يوما، إذ الحج في تلك السنة ~~كان في العاشر من ذي القعدة، بسبب النسيء، ثم صار في السنة المقبلة في ~~العاشر من ذي الحجة، وفيها حج رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال» : إن الزمان قد استدار ... الحديث- # لأنا نقول: كان ذو القعدة عامئذ هو ذا الحجة بحسابهم، لا في الواقع، ~~وكذلك ذو الحجة، المحرم، فعوملوا بحسابهم. # الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) في قوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم هذه آية السيف الناسخة لآيات العفو والصفح والإعراض والمسالمة. # انتهى. # وروي عن الضحاك أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة محمد: فإما منا بعد وإما ~~فداء [محمد: 4] . ورده الحاكم بأنه لا شبهة في أن براءة نزلت بعد سورة ~~محمد، ومقتضى كلام الحاكم، أنها لا ناسخة ولا منسوخة، قال: لأن الجمع، من ~~غير منافاة، ممكن فحيث ورد في القرآن ذكر الإعراض، فالمراد به إعراض إنكار، ~~لا تقرير. وأما الأسر والفداء، فالمراد به أنه خير بين ذلك، لا أن القتل ~~حتم، إذ لو كان حتما، لم يكن للأخذ معنى بعد القتل. انتهى. # ويشمل عمومها مشركي العرب وغيرهم، واستدل بقوله تعالى: واحصروهم واقعدوا ~~لهم كل مرصد على جواز حصارهم والإغارة عليهم وبياتهم. # الثالث- فهو من قوله تعالى: فإن تابوا ... الآية أن الأمر بتخلية السبيل ~~معلق على شروط ثلاثة: التوبة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فحيث لم تحصل ~~جاز ما تقدم من القتل والأخذ والحصر. ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه، في ~~قتال مانعي الزكاة، على هذه الآية الكريمة وأمثالها. # قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يرحم الله أبا ms2407 بكر، ما كان أفقهه! # وفي الصحيحين «2» عن ابن عمر رضي الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله عنهما وأن ~~محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. PageV05P353 # وروى الإمام أحمد «1» عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا ~~شهدوا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا ~~دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم. ورواه ~~البخاري وغيره. # الرابع- ذكر ابن القيم خلاصة بديعة في سياق ترتيب هديه صلى الله عليه ~~وسلم مع الكفار والمنافقين، من حين بعث، إلى حين لقي الله عز وجل، مما يؤيد ~~فهم ما تشير إليه هذا السورة، قال رحمه الله: # أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول ~~نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه يا ~~أيها المدثر قم فأنذر [المدثر: 1- 2] فنبأه بقوله اقرأ [العلق: 1] ، وأرسله ~~ب يا أيها المدثر ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر ~~من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة ~~سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر ~~والصفح، ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال ثم أمره أن يقاتل من ~~قاتله، ويكف عمن لم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله ~~لله. ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، ~~وأهل حرب، وأهل ذمة. فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم ~~به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم، ولم ~~يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده، ولما نزلت سورة ~~(براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها ms2408 أن يقاتل عدوه من أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية، أو يدخلوا في الإسلام. # وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف ~~والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ~~ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: # قسما أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر ~~عليهم. # وقسما لهم عهد موقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم ~~إلى مدتهم. PageV05P354 # وقسما لم يكن لهم عهد، ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمره أن ~~يؤجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم. فقتل الناقض لعهده، ~~وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق، أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي بعهده ~~إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم. وضرب على أهل ~~الذمة الجزية فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: ~~محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، ~~فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل ~~الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن. وخائف محارب. # وأما سيرته في المنافقين فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم ~~إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن ~~يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهي أن يصلي عليهم وأن يقوم على قبورهم، ~~وأخبره أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. فهذه سيرته ~~في أعدائه من الكفار والمنافقين. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 6] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون: أي وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت ~~بقتالهم، أي استأمنك بعد انقضاء أشهر العهد، فأجبه ms2409 إلى طلبته حتى يسمع كلام ~~الله، أي القرآن الذي تقرؤه عليه، ويتدبره، ويطلع على حقيقة الأمر، وتقوم ~~عليه حجة الله به، فإن أسلم ثبت له ما للمسلمين، وإن أبى فإنه يرد إلى ~~مأمنه ودراه التي يأمن فيها، ثم قاتله إن شئت. وقوله تعالى: ذلك يعني الأمر ~~بالإجارة وإبلاغ المأمن، بسبب أنهم قوم لا يعلمون، أي جهلة، فلا بد من ~~إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق، ولا يبقى لهم معذرة. ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية على أن المستأمن لا يؤذى، وأنه يمكن من العود من غير # PageV05P355 # غدر به ولا خيانة، ولذا ورد في الترهيب من عدم الوفاء بالعهد والغدر ما ~~يزجر أشد الزجر. # فروى البخاري في (تاريخه) والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~أمن رجلا على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا» . # وروى أحمد والشيخان «1» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة. # قال ابن كثير: من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو ~~تجارة، أو طلب صلح أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من ~~الإمام أو نائبه أمانا أعطي، ما دام مترددا في دار الإسلام، إلى أن يرجع ~~إلى مأمنه ووطنه. # قال الحاكم: وإنما يجار ويؤمن إذا لم يعلم أنه يطلب الخداع والمكر، لأنه ~~تعالى علل لزوم الإجارة بقوله حتى يسمع كلام الله. # الثاني- قال الحاكم: تدل الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع ~~كلام الله. # الثالث- استدل بهذه الآية من ذهب إلى كلام الله بحرف وصوت قديمين، وهم ~~الحنابلة، ومن وافقهم كالعضد. قالوا: لأن منطوق الآية يدل على أن كلام الله ~~يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق، والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا ~~هذه الحروف والأصوات. فدل ذلك على أن كلام الله ليس هذه الحروف والأصوات. # والقول بأن كلام الله شيء مغاير لها باطل، لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما كان يشير بقوله (كلام الله) إلا ms2410 لها، وقد اعترف الرازي بقوة هذا، ~~لإلزام من خالف فيه، وقد مضى لنا في قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما ~~[النساء: 164] في آخر سورة النساء، فارجع إليه. # الرابع- قال الرازي: دلت الآية على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا ~~بد من النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا، لوجب أن لا يمهل ~~هذا الكافر، بل يقال له: إما أن تؤمن، وإما أن نقتلك. فلما لم يقل له ذلك، ~~بل أمهل وأزيل الخوف عنه، ووجب تبليغه مأمنه- علم أن ذلك لأجل عدم كفاية ~~التقليد في الدين، وأنه لا بد من الحجة والدليل، فلذا أمهل ليحصل له النظر ~~والاستدلال. PageV05P356 # ثم بين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم ~~بعدها السيف المرهف بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 7] # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) # كيف يكون للمشركين عهد أي أمان عند الله وعند رسوله أي وهم كافرون بهما، ~~فالاستفهام بمعنى الإنكار، والاستبعاد لأن يكون لهم عهد إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام يعني أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الحديبية على ترك الحرب معهم عشر سنين فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~أي فما داموا مستقيمين على عهدهم، مراعين لحقوقكم، فاستقيموا لهم على عهدهم ~~إن الله يحب المتقين أي فاتقوه في نقض عهد المستقيمين على عهدهم. # قال ابن كثير: وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون، ~~استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة سنة ست إلى أن نقضت قريش ~~العهد، ومالئوا حلفاءهم، وهم بنو بكر، على خزاعة، أحلاف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقتلوهم معهم في الحرم أيضا، فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكنه من ~~نواصيهم، ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم، بعد ms2411 القهر والغلبة عليهم، ~~فسموا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر على كفره، وفر من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليه بالأمان والتسيير في أربعة أشهر، يذهب ~~حيث شاء. ومنهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله ~~للإسلام. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 8] # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) # كيف وإن يظهروا عليكم أي يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الإيمان ~~والمواثيق لا يرقبوا فيكم إلا أي قرابة ويمينا ولا ذمة أي عهدا. وهذه ~~الجملة # PageV05P357 # مردودة على الآية الأولى، أي كيف يكون لهم عهد، وحالهم ما ذكر؟ وفيه ~~تحريض للمؤمنين على التبرؤ منهم، لأن من كان أسير الفرصة، مترقيا لها، لا ~~يرجى منه دوام العهد. # قال الناصر: ولما طال الكلام باستثناء الباقين على العهد، أعيدت (كيف) ~~تطريه للذكر، وليأخذ بعض الكلام بحجزة بعض. انتهى. # ثم استأنف تعالى بيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد بقوله يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم أي ما تتفوه به أفواههم وأكثرهم فاسقون أي متمردون، ~~لا عقيدة تزعمهم، ولا مروءة تردعهم. وتخصيص الأكثر، لما في بعض الكفرة من ~~التفادي عن العذر، والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 9] # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) # اشتروا بآيات الله أي استبدلوا بها ثمنا قليلا أي من متاع الدنيا. يعني ~~أهويتهم الفاسدة فصدوا عن سبيله أي فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 10] # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون أي المجاوزون الغاية ~~في الظلم والمساوئ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 11] # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) # فإن تابوا ms2412 أي مما هم عليه من الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ~~في الدين أي فهم إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فعاملوهم معاملة ~~الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلاب قلوبهم ما لا مزيد عليه. # PageV05P358 # وقوله ونفصل الآيات لقوم يعلمون جملة معترضة للحث على تأمل ما فصل من ~~أحكام المشركين المعاهدين وعلى المحافظة عليها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 12] # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) # وإن نكثوا أي نقضوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر أي فقاتلوهم. وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم، للإيذان بأنهم صاروا ~~بذلك ذوي رئاسة وتقدم في الكفر، أحقاء بالقتل والقتال. وقيل: المراد ~~بالأئمة رؤساؤهم وصناديدهم وتخصيصهم بالذكر إما لأهمية قتلهم، أو للمنع من ~~مراقبتهم، ولكونهم مظنة لها أو للدلالة على استئصالهم، فإن قتلهم غالبا ~~يكون بعد قتل من دونهم أفاده أبو السعود. إنهم لا أيمان لهم جمع يمين أي لا ~~عهود لهم على الحقيقة، حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذورا، فهم، وإن ~~تفوهوا بها، لا عبرة بها. وقرئ لا أيمان بكسر الهمزة، أي لا إسلام ولا ~~تصديق لهم، حتى يرتدعوا عن النقض والطعن لعلهم ينتهون أي عن الكفر والطعن ~~ويرجعون إلى الإيمان. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بهذه الآية من قال إن الذمي يقتل إذا ~~طعن في الإسلام أو القرآن أو ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بسوء، سواء شرط ~~انتقاض العهد به أم لا. # واستدل من قال بقبول توبته بقوله لعلهم ينتهون. انتهى. # ثم حض على قتالهم بتهييج قلوب المؤمنين وإغرائهم بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 13] # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم أي التي حلفوها في المعاهدة وهموا بإخراج ~~الرسول يعني من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، حسبما ms2413 ذكر في قوله # PageV05P359 # تعالى: وإذ يمكر بك الذين كفروا [الأنفال: 30] فيكون نعيا عليهم جنايتهم ~~القديمة وهم بدؤكم أول مرة أي بالقتال يوم بدر، حين خرجوا لنصر عيرهم فما ~~نجت وعلموا بذلك، استمروا على وجوههم طلبا للقتال، بغيا وتكبرا. وقيل: # بنقضهم العهد، وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة، أحلاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، حتى سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ~~وكان ما كان. قاله ابن كثير. # وقال الزمخشري: أي وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن ~~المعارضة، لعجزهم عنها، إلى القتال، فهم البادئون بالقتال، والبادئ أظلم. ~~فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم أتخشونهم ~~أي أتخافون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم فالله أحق أن تخشوه ~~بمخالفة أمره وترك قتالهم إن كنتم مؤمنين يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن ~~لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى: ولا يخشون أحدا ~~إلا الله [الأحزاب: 39] . قاله الزمخشري- وفيه من التشديد ما لا يخفى. # ثم عزم تعالى على المؤمنين الأمر بالقتال لحكمته بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 14] # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) # قاتلوهم يعذبهم الله أي بآلام الجراحات والموت بأيديكم أي تغليبا لكم ~~عليهم ويخزهم أي بالأسر والاسترقاق، فيجتمع في حقهم العذاب الحسي والمعنوي ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين أي: ممن لم يشهد القتال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 15] # ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) # ويذهب غيظ قلوبهم أي بما كابدوا من المكاره والمكايد ويتوب الله على من ~~يشاء أي فيحصل لكم أجرهم والله عليم حكيم أي في أفعاله وأوامره. وقد أنجز ~~الله سبحانه لهم هذه المواعيد كلها، فكان إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك ~~قبل وقوعه معجزة عظيمة دالة على صدقه وصحة نبوته. # PageV05P360 ### | ### | القول في تأويل ms2414 قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 16] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) # أم حسبتم أن تتركوا أي على ما أنتم عليه، ولا تؤمروا بالجهاد ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة. أي بطانه يفشون إليهم أسرارهم. والواو في (ولما) حالية، و (لما) ~~للنفي مع التوقع، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم بالطريق البرهاني، إذ ~~لو شم رائحة الوجود، لعلم قطعا، فلما يعلم لزم عدمه قطعا ولم يتخذوا عطف ~~على جاهدوا داخل في حيز الصلة. والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، ~~والحال أنه لم يتبين الخلص من المجاهدين منكم من غيرهم، بل لا بد أن ~~تختبروا، حتى يظهر المخلصون منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله، لوجه ~~الله، ولم يتخذوا وليجة، أي بطانة من الذين يضادون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والمؤمنين رضوان الله عليهم. ودلت (لما) على أن تبين ذلك وإيضاحه ~~متوقع كائن، وإن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين، وفي ~~الآية اكتفاء بأحد القسمين، حيث لم يتعرض للمقصرين، وذلك لأنه بمعزل من ~~الاندراج تحت إرادة أكرم الأكرمين، وهذا كما قال: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يلني # وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين [العنكبوت: 1- 3] . وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة.. # [البقرة: 214] الآية- قال تعالى: ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه.. # [آل عمران: 179] الآية- وكلها تفيد أن مشروعية الجهاد اختبار المطيع من ~~غيره. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 17] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) # PageV05P361 # ما كان للمشركين أي ما صح لهم وما استقام ms2415 أن يعمروا مساجد الله أي التي ~~بنيت على اسمه وحده لا شريك له، أي يعمروا شيئا منها، فهو جمع مضاف في سياق ~~النفي، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولا أوليا، إذ نفي الجمع يدل على النفي ~~عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية. وقرئ (مسجد الله) ~~بالتوحيد، تصريحا بالمقصود، وهو المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، ~~الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده، لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن. # قال في (البصائر) : (يعمر) إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من ~~العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا أي أقمت به. انتهى. # شاهدين على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وقالهم، وهو حال من الضمير في يعمروا ~~أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون وهذا كقوله تعالى: وما لهم ألا ~~يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا ~~المتقون # [الأنفال: 34] ولهذا قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 18] # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله أي لم يعبد إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين أي إلى الجنة. وإبراز اهتدائهم مع ما بهم من الصفات السنية، في ~~معرض التوقع، لقطع أطماع الكفرة عن الوصول إلى مواقف الاهتداء، والانتفاع ~~بأعمالهم التي يحسبون أنهم في ذلك محسنون، ولتوبيخهم بقطعهم أنهم مهتدون. ~~فإن المؤمنين، ما بهم من هذه الكمالات، إذا كان أمرهم دائرا بين (لعل وعسى) ~~، فما بال الكفرة وهم هم، وأعمالهم أعمالهم!! وفيه لطف للمؤمنين، وترغيب ~~لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله تعالى. كذا ~~حرره أبو السعود-. # وقال الناصر: وأكثرهم يقول: إن (عسى) من الله واجبة، بناء منهم على أن ~~استعمالها غير مصروفة للمخاطبين. والحق أن الخطاب مصروف إليهم، ms2416 كما قال ~~الزمخشري. أي فحال هؤلاء المؤمنين حال مرجوة، والعاقبة عند الله معلومة، ~~ولله عاقبة الأمور. # PageV05P362 ### | تنبيهات: # الأول- قال الزمخشري: (العمارة) تتناول زم ما استرم منها وقمها وتنظيفها ~~وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر. ومن الذكر درس ~~العلم، بل هو أجله وأعظمه. وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث ~~الدنيا، فضلا عن فضول الحديث. # روى البخاري «1» ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح. # ورويا «2» أيضا عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله تعالى، بنى الله له بيتا في ~~الجنة. # وأخرج الترمذي «3» عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: إنما يعمر ~~مساجد الله.. # الآية. # الثاني- إنما لم يذكر الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم لدخوله في ~~الإيمان بالله، فترك للمبالغة في ذكر الإيمان بالرسالة، دلالة على أنهما ~~كشيء واحد، إذا ذكر أحدهما فهم الآخر. على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد ~~إلى الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، ومن جملته رسالة صلى الله عليه وسلم ~~كما في قوله تعالى: آمنا بالله وباليوم الآخر [البقرة: 8] . كذا في ~~(العناية) . # الثالث- في تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر، تفخيم لشأنهما وحث على التنبه ~~لهما. # الرابع- دلت الآيتان على أن عمل الكفار محبط لا ثواب فيه. # وقوله تعالى: PageV05P363 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 19] # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين روى ~~العوفي في (تفسيره) عن ابن عباس أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام ~~على السقاية، خير ممن ms2417 آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم، ويستكبرون به، من ~~أجل أنهم أهله وعماره. فخير الله الإيمان والجهاد مع رسوله، على عمارة ~~المشركين البيت، قيامهم على السقاية، وبين أن ذلك لا ينفعهم مع الشرك، ~~وأنهم ظالمون بشركهم، لا تغني عمارتهم شيئا. # قال اللغويون: (السقاية) بالكسر والضم موضع السقي. وفي (التهذيب) : هو ~~الموضع المتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها. انتهى. # وفي (التاج) : سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ ~~في الماء، وكان يليها العباس رضي الله عنه في الجاهلية والإسلام. انتهى. # وروى الإمام مسلم «1» عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر ~~المسجد الحرام وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر ~~وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوم ~~الجمعة. ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله ~~عز وجل أجعلتم سقاية الحاج ... الآية. # ورواه عبد الرزاق في (مصنفه) ولفظه: إن رجلا قال: ما أبالي ألا أعمل عملا ~~بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد ~~الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام ... الحديث. # قال بعضهم: فظاهر هذه الرواية أن المفاضلة كانت بين بعض المسلمين ~~المؤثرين للسقاية والعمارة على الهجرة والجهاد ونظائرهما، ونزلت الآية في ~~ذلك، مع أن الرواية السالفة عن ابن عباس تنافيه. وكذا تخصيص ذكر الإيمان ~~بجانب المشبه PageV05P364 # به، وكذا وصفهم بالظلم لأجل تسويتهم المذكورة. # وأقول: لا منافاة. وظاهر النظم الكريم فيما قاله ابن عباس لا يرتاب فيه، ~~وقول النعمان (فأنزل الله) بمعنى أن مثل هذا التحاور نزل فيه فيصل متقدم، ~~وهو هذه الآية، لا بمعنى أنه كان سببا لنزولها كما بيناه غير ما مرة. وهذا ~~الاستعمال شائع بين السلف، ومن لم يتفطن له تتناقض عنده الروايات، ويحار في ~~المخرج، فافهم ذلك وتفطن له. # وتأييد أبي السعود نزولها في المسلمين بما أطال فيه، ذهول ms2418 عن سياق الآية ~~وعن سياقها، فيما صدعت فيه من شديد التهويل، وعن لاحقها في درجات التفضيل، ~~وقصر الفوز والرحمة والرضوان على المشبه به. ### | لطيفة: # لا يخفى أن السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالأعيان، فلا بد ~~من تقدير مضاف في أحد الجانبين. أي أجعلتم أهلهما كمن آمن بالله ... إلخ ~~ويؤيده قراءة من قرأ (سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام) أو: أجعلتموهما ~~كإيمان من آمن ... إلخ. # قال أبو البقاء: الجمهور على (سقاية) بالياء، وصحت الياء لما كانت بعدها ~~تاء التأنيث. # ثم بين تعالى مراتب فضل المؤمنين، إثر بيان عدم الاستواء وضلال المشركين ~~وظلمهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 20] # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله أي من أهل السقاية والعمارة، وهم، وإن لم يكن لهم درجة عند الله، ~~جاء على زعمهم ومدعاهم. قاله في (العناية) . وأولئك هم الفائزون أي لا ~~أنتم. أي المختصون بالفوز دونكم. # PageV05P365 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 21] # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 22] # خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) # خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم. # ثم نهاهم تعالى عن موالاة المشركين، وإن كانوا أقرب الأقربين، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 23] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء أي بطانة وأصدقاء، ~~تفشون إليهم أسراركم، وتمدحونهم وتذبون عنهم إن استحبوا أي اختاروا الكفر ~~على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون أي لوصفهم الموالاة في ~~غير موضعها، ولتعديهم وتجاوزهم عما أمر الله به. # ثم أشار تعالى إلى ms2419 أن مقتضى الإيمان ترك الميل الطبيعي إذا كان مانعا من ~~محبة الله، ومحبة واسطة الوصول إليه، ومحبة ما يعلي دينه بقوله ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 24] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم أي أقاربكم ~~الأدنون، أو قبيلتكم. قال أهل اللغة: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، أو ~~قبيلته، # PageV05P366 # كالعشير- بلا هاء- مأخوذة من (العشرة) أي المعاشرة، لأنها من شأنهم، أو ~~من (العشرة) الذي هو العدد لكمالهم، لأنها عدد كامل وأموال اقترفتموها أي ~~اكتسبتموها وتجارة تخشون كسادها أي فوات وقت نفادها بفراقكم لها ومساكن ~~ترضونها أي منازل تعجبكم الإقامة فيها من الدور والبساتين أحب إليكم من ~~الله أي المنعم بالكل ورسوله وهو واسطة نعمه وجهاد في سبيله أي مما يعلي ~~دينه فتربصوا أي انتظروا حتى يأتي الله بأمره أي بقضائه، وهو عذاب عاجل، أو ~~عقاب آجل، أو فتح مكة، وهذا أمر تهديد وتخويف. أي فارتقبوا قهر الله بدعوى ~~محبته بالإيمان، وتكذيبها بترجيح محبة غيره والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~أي الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين والمؤثرين لما ذكر على رضاه ~~تعالى. ### | تنبيهات: # الأول- قال بعضهم: ثمرة الآيتين تحريم موالاة الكفار، ولو كانوا أقرباء، ~~وأنهم كبيرة لوصف متوليهم بالظلم، ووجوب الجهاد، وإيثاره على كل هذه ~~المشتهيات المعدودة طاعة لله ورسوله. # الثاني- قال الرازي: الآية الثانية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين ~~مصلحة واحدة من مصالح الدين، وبين جميع مهمات الدنيا. وجب على المسلم ترجيح ~~الدين على الدنيا. # الثالث- في هذه الآية وعيد وتشديد، لأن كل أحد قلما يخلص منها، فلذا قيل ~~إنها أشد آية نعت على الناس كما فصله في (الكشاف) بقوله: # وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها تنعي على الناس ما هم عليه من ~~رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين فلينصف أورع الناس وأتقاهم من ms2420 نفسه، ~~هل يجد عنده من التصلب في ذات الله، والثبات على دين الله، ما يستحب له ~~دينه على الآباء والأبناء والأخوات والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ ~~الدنيا، ويتجرد منها لأجله؟ أم يزوي الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته فلا ~~يدري أي طرفيه أطول؟ ويغويه الشيطان عن أجل حظ من حظوظ الدين، فلا يبالي ~~كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره؟! وقوله تعالى: # PageV05P367 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 25] # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة أي في مواقف حروب كثيرة، ووقعات شهيرة، ~~كغزوة بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وكانت غزوات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم- على ما ذكر في الصحيحين «1» - من حديث زيد بن أرقم، ~~تسع عشرة غزوة. زاد بريدة في حديث: قاتل في ثمان منهن ويقال: إن جميع ~~غزواته وسراياه وبعوثه سبعون، وقيل ثمانون ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم أي ~~فاعتمدتم عليها، حيث قلتم: لن نغلب اليوم من قلة فلم تغن عنكم شيئا أي من ~~أمر العدو، مع قلتهم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت أي برحبها وسعتها. والباء ~~للملابسة والمصاحبة. أي ضاقت، مع سعتها، عليكم. وهو استعارة تبعية، إما ~~لعدم وجدان مكان يقرون به آمنين مطمئنين من شدة الرعب، أو أنهم لا يجلسون ~~في مكان، كما لا يجلس في المكان الضيق ثم وليتم مدبرين أي منهزمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 26] # ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) # ثم أنزل الله سكينته أي ما تسكنون به، وتثبتون من رحمته ونصره، وانهزام ~~الكفار، واطمئنان قلوبهم للكر بعد الفر على رسوله وعلى المؤمنين أي الذين ~~انهزموا. وإعادة الجار للتنبيه على اختلاف حاليهما. أو الذين ثبتوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يفروا: أو على الكل، وهو الأنسب. ولا ضير ms2421 في ~~تحقيق أصل السكينة في الثابتين من قبل، والتعرض لوصف الإيمان للإشعار بعلية ~~الإنزال. أفاده أبو السعود وأنزل جنودا لم تروها يعني الملائكة وعذب الذين ~~كفروا أي بالقتل والأسر والسبي وذلك جزاء الكافرين لكفرهم في الدنيا. ~~PageV05P368 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 27] # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء أي منهم، لحكمة تقتضيه. أي يوفقه ~~للإسلام والله غفور أي يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي رحيم أي ~~يتفضل عليهم ويثيبهم. ### | تنبيهات: # الأول- فيما نقل في غزوة (حنين) ، وتسمى غزوة (أوطاس) ، وهما موضعان بين ~~مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة (هوازن) ، لأنهم الذين ~~أتوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ~~في شوال سنة ثمان من الهجرة، فإن الفتح كان لعشر بقين من رمضان، وبعده أقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة، وهو يقصر الصلاة، فبلغه ~~أن هوازن وثقيف جمعوا له، وهم عامدون إلى مكة، وقد نزلوا (حنينا) وكانوا، ~~حين سمعوا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، يظنون أنه إنما ~~يريهم. فاجتمعت هوازن إلى مالك بن عوف من بني نصر، وقد أوعب معه بني نصر بن ~~معاوية بن بكر بن هوازن وبني جشم بن معاوية وبني سعد بن بكر، وناسا من بني ~~هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية والأحلاف وبني مالك بن ثقيف بن بكر. وفي ~~جشم دريد بن الصمة رئيسهم وكبيرهم. شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته ~~بالحرب، وكان شجاعا مجربا، وجميع أمر الناس إلى مالك ابن عوف. فلما أتاهم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، أقبلوا عامدين إليه فأجمع السير ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساق مع الناس أموالهم ونساءهم ~~وأبناءهم، يرى أنه أثبت لموقفهم. فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناس، فقال ~~دريد: بأي واد أنتم؟ قالوا: # بأوطاس. قال: نعم مجال ms2422 الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس. مالي أسمع رغاء ~~البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء وبكاء الصغير؟ قالوا: ساق مالك مع الناس ~~نساءهم وأموالهم وأبناءهم ليقاتلوا عنها، فقال: راعي ضأن والله! وهل يرد ~~المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه. وإن كانت عليك فضحت ~~في أهلك ومالك! ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها أحد منهم. ~~قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنهم كعب ولا كلاب، ~~ولوددت أنكم فعلتم ما فعلا. فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو وعوف ابنا عامر. ~~قال: ذانك # PageV05P369 # الجذعان، لا ينفعان ولا يضران! ثم أنكر على مالك رأيه في ذلك وقال له: لم ~~تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، أرفعهم إلى ممتنع بلادهم، ~~وعليا قومهم، ثم ألق الصبيان على متون الخيل شيئا، فإن كانت لك، لحق بك من ~~ورائك، وإن كانت لغيرك، كنت قد أحرزت أهلك ومالك. قال: لا، والله لا أفعل ~~ذلك، إنك قد كبرت، وكبر عقلك. والله لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على ~~هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي. ~~قالوا أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني. ثم قال مالك للناس: ~~إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. وبعث عيونا من ~~رجاله فأتوه، وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا ~~رجالا بيضا، على خيل بلق: والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فو الله ما ~~رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. # فلما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، بعث عبد الله بن أبي حدرد ~~الأسلمي يستعلم خبرهم، فجاءه وأطلعه على جلية الخبر، وأنهم قاصدون إليه، ~~فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية مائة درع- وقيل ~~أربعمائة- وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين: عشرة آلاف الذين صحبوه من ~~المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، واستعمل على مكة عتاب ms2423 بن أسيد بن أبي ~~العيص بن أمية، ومضى لوجهه، وفي جملة من اتبعه عباس بن مرداس والضحاك بن ~~سفيان الكلابي، وجموع من عبس وذبيان، ومزينة، وبني أسد. ومر في طريقه بشجرة ~~سدر خضراء، وكان لهم في الجاهلية مثلها، يطوف بها الأعراب ويعظمونها، ~~ويسمونها ذات أنواط فقالوا «1» : يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما ~~لهم ذات أنواط، # فقال لهم: قلتم كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [الأعراف: ~~138] والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من كان قبلكم # . ثم نهض حتى أتى وادي حنين من أودية تهامة، وهو واد حزن فتوسطوه في غبش ~~الصبح، وقد كمنت هوازن في جانبيه، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى ~~المسلمون لا يلوي أحد على أحد، وناداهم صلى الله عليه وسلم فلم يرجعوا، ~~وثبت معه أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن الحرث وابنه جعفر، ~~والفضل وقثم ابنا العباس، وجماعة سواهم، والنبي صلى الله عليه وسلم على ~~بغلته البيضاء (دلدل) والعباس آخذ بشكائمها، وكان جهير الصوت فأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينادي بالأنصار وأصحاب الشجرة، (قيل: ~~والمهاجرين) فما سمعوا الصوت وذهبوا PageV05P370 # ليرجعوا، صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم، فاستقاموا وتناولوا ~~سيوفهم وتراسهم، واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة، فاستقبلوا هوازن، والناس متلاحقون، ~~واشتد الحرب، وحمي الوطيس. # ولما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من ~~تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم # وقال: شاهت الوجوه! فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه # ، ثم صدق المسلمون الحملة عليهم، وقذف الله في قلوب هوازن الرعب. فلم ~~يملكوا أنفسهم، فولوا منهزمين، ولحق آخر الناس، وأسرى هوازن مغلولة بين ~~يديه، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم، واستحر القتل في بني مالك من ثقيف، ~~فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس، واتبعتهم ~~طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من (نخلة) ، فأدركوا فيهم دريد بن ms2424 ~~الصمة فقتلوه. # وبعث صلى الله عليه وسلم إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن، أبا عامر الأشعري ~~عم أبي موسى، فقاتلهم، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة، فأخذ أبو ~~موسى الراية، وشد على قاتل عمه، فقتله، وانهزم المشركون، وانفضت جموع أهل ~~هوازن كلها، واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة. ثم جمعت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها، فأمر بها، فحبست (بالجعرانة) بنظر ~~مسعود بن عمرو الغفاري. وسار صلى الله عليه وسلم من فوره إلى الطائف، فحاصر ~~بها (ثقيف) خمس عشرة ليلة، وقاتلوا من وراء الحصون، وأسلم من كان حولهم من ~~الناس، وجاءت وفودهم إليه. ثم انصرف صلى الله عليه وسلم عن الطائف، ونزل ~~الجعرانة فيمن معه من الناس وأتاه هناك وفد هوازن، مسلمين راغبين، فخيرهم ~~بين العيال والأبناء والأموال، فاختاروا العيال والأبناء، وكلموا المسلمين ~~في ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، # فقال صلى الله عليه وسلم: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم # ، وقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن لم تطب نفسه عوضه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نصيبه، ورد ~~عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم. # وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بين ذكر وأنثى، والإبل أربعة وعشرون ألفا، ~~والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وقسم صلى الله عليه ~~وسلم الأموال بين المسلمين، ونقل كثيرا من الطلقاء (وهم الذين من عليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالإطلاق يوم فتح مكة من الأسر ونحوه) يتألفهم ~~على الإسلام، مائة من الإبل، ومنهم مالك بن عوف النصري. فقال حين أسلم: # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد # أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى يشأ يخبرك عما في غد # PageV05P371 # وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند # فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد # الثاني- قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في فصل جود فيه: # الإشارة إلى بعض ms2425 ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية ~~ما نصه: # كان الله عز وجل قد وعد رسوله، وهو صادق الوعد، وأنه إذا فتح مكة، دخل ~~الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين، ~~اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ~~ويتأهبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ليظهر أمر الله، ~~وتمام إعزازه لرسوله، ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، ~~وليظهر الله سبحانه لرسوله وعباده، قهره لهذه الشوكة العظيمة، التي لم يلق ~~المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة ~~التي تلوح للمتأملين، وتبدو للمتوسمين. # فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة، مع ~~كثرة عددهم وعددهم، وقوة شوكتهم، ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده ~~وحرمه، كما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضعا رأسه، منحنيا على ~~فرسه حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه، تواضعا لربه، وخضوعا لعظمته، واستكانة ~~لعزته أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وليبين ~~الله لمن قال: (لن نغلب اليوم عن قلة) ، أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ~~ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى ~~نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم ~~مدبرين. فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع بريد النصر ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها [التوبة: 26] ~~وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار. ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون [القصص: 5- ~~6] . ومنها أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم أهل مكة، فلم يغنموا منها ~~ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا، كما روى أبو داود «1» عن وهب ms2426 بن ~~منبه قال: سألت جابرا: هل غنموا يوم الفتح شيئا؟ قال: لا! PageV05P372 # وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف، وفيهم حاجة إلى ~~ما يحتاج إليه الجيش من أصحاب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، ~~وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم، وسبيهم معهم نزولا وضيافة، ~~وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر، وألاح لهم ~~مبادئ النصر، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. # فما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبرزت الغنائم لأهلها، وجرت فيها ~~سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم. ~~فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاءوا مسلمين، فقيل: إن من ~~شكران إسلامكم، وإتيانكم، أن رد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم ~~[الأنفال: 70] . # ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزوات العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة ~~حنين، ولهذا، يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر، فيقال: بدر وحنين، وإن كان ~~بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيها، وبهاتين ~~الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ~~فالأولى خوفتهم وكسرت من خدتهم، والثانية استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، ~~وأذلت جميعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله. # ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة، وفرحهم بما نالوه من النصر ~~والمغنم، وكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهم، وعرفهم ~~تمام نعمه عليهم، بما صرف عنهم من شر هوازن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة، ~~وإنما نصروا عليهم بالمسلمين، ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوهم. إلى غير ذلك ~~من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله تعالى. انتهى. # الثالث- قال بعضهم: دلت الآية على أنه يجب الانقطاع إلى الله تعالى، ~~والاتكال عليه. ودل ما حكى في القصة على جواز ما ورد حسنه من جواز التأليف، ~~وملاطفة المؤمنين والرمي ms2427 بالحصا حالة الحرب، والأصوات التي يرهب بها. ~~انتهى. # ولابن القيم في (زاد المعاد) فصول حسنة في فقه هذه الوقعة. فلينظر. # PageV05P373 # الرابع- قوله: (ويوم حنين) ، قيل: منصوب بمضمر معطوف على (نصركم) أي ~~ونصركم يوم حنين، واستظهر عطفه على محل (في مواطن) بحذف المضاف في أحدهما، ~~أي ومواطن يوم حنين. أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين. # قال أبو مسعود: ولعل التغيير للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة الثبات من ~~أول الأمر. انتهى. # قال الشهاب: فيكون عطف (يوم حنين) على منوال (ملائكته وجبريل) كأنه قيل: ~~نصركم الله في أوقات كثيرة، وفي وقت إعجابكم بكثرتكم. ولا يرد عليه ما قيل ~~إن المقام لا يساعد عليه، لأنه غير وارد، لتفضيل بعض الوقائع على بعض. ولم ~~يذكر المواطن توطئة ليوم حنين كالملائكة، إذ ليس يوم حنين بأفضل من يوم ~~بدر، وهو فتح الفتوح، وسيد الوقعات، وبه نالوا القدح المعلى، والدرجات ~~العلى، لأن القصد في مثله إلى أن ذلك الفرد فيه من المزية ما صيره مغايرا ~~لجنسه. لأن المزية ليس المراد بها الشرف، وكثرة الثواب فقط، حتى يتوهم هذا. ~~بل ما يشمل كون شأنه عجيبا، وما وقع فيه غريبا، للظفر بعد اليأس، والفرج ~~بعد الشدة، إلى غير ذلك من المزايا. انتهى. # ثم أشار تعالى إلى أن موالاة المشركين، مع عدم إفادتها التقوية المحصلة ~~للنصر، تضر بسريان نجاسة بواطنهم إلى بواطن المؤمنين الطاهرة، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 28] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) # يا أيها الذين آمنوا أي المطهرة بواطنهم بالإيمان إنما المشركون نجس أي ~~ذوو نجس، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، فهو مجاز عن خبث الباطن، ~~وفساد العقيدة، مستعار لذلك. أو هو حقيقة، لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، ~~ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، ~~مبالغة في وصفهم بها. فلا يقربوا المسجد الحرام ms2428 أي لحج أو عمرة كما كانوا ~~يفعلون في الجاهلية. قال المهايمي: لأن المسجد الحرام يجتمع فيه المتفرقون ~~في الأرض، ليسري صفاء القلوب من بعض إلى بعض، وهاهنا يخاف سريان الظلمات # PageV05P374 # في العموم بعد عامهم هذا أي بعد حج عامهم هذا، وهو عام تسع من الهجرة، ~~حين أمر أبو بكر على الموسم، وتقدم لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتبع ~~أبا بكر بعلي رضي الله عنهما، لينادي في المشركين: ألا يحج بعد هذا العام ~~مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فأتم الله ذلك، وحكم به شرعا وقدرا وإن خفتم ~~عيلة أي فقرا بسبب منعهم من الحرم، لانقطاع أرفاق كانت لكم من قدومهم فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء أي من فتح البلاد، وحصول المغانم، وأخذ الجزية، ~~وتوجه الناس من أقطار الأرض. قال ابن إسحاق: إن الناس قالوا: لتقطعن عنا ~~الأسواق، فلتهلكن التجارة، وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فقال الله ~~تعالى وإن خفتم عيلة ... إلى قوله وهم صاغرون أي هذا عوض ما تخوفتم من قطع ~~تلك الأسواق، فعوضهم الله مما قطع عنهم بأمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل ~~الكتاب من الجزية. انتهى. # إن الله عليم أي بما يصلحكم حكيم أي فيما يأمر به وينهي عنه. ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية على نجاسة المشرك، كما # في الصحيح «1» # (المؤمن لا ينجس) # وأما نجاسة بدنه، فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات، لأن الله ~~تعالى أحل طعام أهل الكتاب. وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم. وقال ~~أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ، رواه ابن جرير، ونقله ابن كثير. # وأقول: الاستدلال بكونه تعالى أحل طعام أهل الكتاب غير ناهض، لأن البحث ~~في المشركين وقاعدة التنزيل الكريم، التفرقة بينهم وبين أهل الكتاب، فلا ~~يتناول أحدهما الآخر فيه. # وقال بعض المفسرين اليمنيين: مذهب القاسم والهادي وغيرهما أن الكافر نجس ~~العين، آخذا بظاهر الآية، لأنه الحقيقة ويؤيد ذلك # حديث «2» أبي ثعلبة الخشني فإنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنا نأتى ~~أرض أهل الكتاب فنسألهم آنيتهم، فقال ms2429 صلى الله عليه وسلم: # اغسلوها ثم اطبخوا فيها. PageV05P375 # وقال زيد والمؤيد بالله والحنفية والشافعية: إن المشرك ليس نجس العين، ~~لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشرك، واستعار من صفوان دروعا ولم ~~يغسلها، وكانت القصاع تختلف من بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الأسارى ولا تغسل، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يطبخون في أواني ~~المشركين ولا تغسل. وأولوا الآية بما تقدم من الوجوه، وكل متأول ما احتج به ~~الآخر. انتهى. # الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) في قوله تعالى: فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا: إن الكافر يمنع من دخول الحرم، وإنه لا يؤذن له في ~~دخوله، لا للتجارة ولا لغيرها، وإن كان مصلحة لنا، لأن المسجد الحرام حيث ~~أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ~~وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم. واستدل الشافعي بظاهر الآية من أباح دخوله ~~الحرم سوى المسجد، لقصره في الآية عليه. واستدل الشافعي بظاهر الآية على ~~أنهم لا يمنعون من دخول سائر المساجد، لقوله الحرام. وقاس عليه غيره سائر ~~المساجد واستدل أبو حنيفة بظاهرها أيضا على أن الكتابي لا يمنع من دخوله ~~لتخصيصه بالمشرك. انتهى. وهو المتجه. # قال الشهاب: وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى، إذ صرف المنع عن ~~دخوله الحرم للحج والعمرة، بدليل قوله تعالى وإن خفتم عيلة، فإنه إنما يكون ~~إذا منعوا من دخول الحرم، وهو ظاهر، أي لأن موضع التجارات ليس عين المسجد. # ونداء علي كرم الله وجهه بقوله: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، بأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، يعينه. # فلا يقال إن منطوق الآية يخالفه. انتهى. # الثالث- قال الناصر: قد يستدل بقوله تعالى فلا يقربوا ... الآية- من يقول ~~إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وخصوصا بالمناهي، فإن ظاهر الآية توجه ~~النهي إلى المشركين، إلا أنه بعيد، لأن المعلوم من المشركين أنهم لا ~~ينزجرون بهذا النهي، والمقصود تطهير المسجد الحرام بإبعادهم عنه، فلا يحصل ~~هذا المقصود إلا بنهي المسلمين عن ms2430 تمكينهم من قربانه. ويرشد إلى أن المخاطب ~~في الحقيقة المسلمون، تصدير الكلام بخطابهم في قوله يا أيها الذين آمنوا ~~وتضمينه نصا بخطابهم بقوله وإن خفتم عيلة، وكثيرا ما يتوجه النهي على من ~~المراد خلافه، وعلى ما المراد خلافه، إذا كانت ثم ملازمة كقوله: لا أرينك ~~ها هنا ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 132] . انتهى. # PageV05P376 # الرابع- (العيلة) مصدر من (عال) بمعنى افتقر. قرئ (عائلة) . وهو إما مصدر ~~بوزن فاعلة، أو اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر، أي حالا عائلة، أي مفقرة. # قال ابن جني: هذه من المصادر التي جاءت على فاعلة، كالعاقبة والعافية. # ومنه قوله تعالى لا تسمع فيها لاغية [الغاشية: 11] ، أي لغوا ومنه قولهم: # مررت به خاصة، أي خصوصا وأما قوله تعالى: ولا تزال تطلع على خائنة منهم ~~[المائدة: 13] فيجوز أن يكون مصدرا، أي خيانة، وأن يكون على تقدير: نية أو ~~عقيدة خائنة. وكذا ها هنا يقدر: إن خفتم حالا عائلة انتهى. # الخامس- إن قيل: ما وجه التعليق بالمشيئة في قوله تعالى إن شاء مع أن ~~المقام وسبب النزول، وهو خوفهم الفقر، يقتضي دفعه بالوعد بإغنائهم من غير ~~تردد؟ # فالجواب: أن الشرط لم يذكر للتردد، بل لبيان أنه بإرادته لا سبب له ~~غيرها، فانقطعوا إليه، واقطعوا النظر عن غيره. ولينبه على أنه متفضل به، لا ~~واجب عليه، لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى الإرادة، فلا يقال إن هذا لا ~~حاجة إلى أخذه من الشرط، مع قوله تعالى: من فضله لأن قوله من فضله يفيد أنه ~~عطاء وإحسان، وهذا يفيد أنه بغير إيجاب، وشتان بينهما، وقيل إنه للتنبيه ~~على أنه بإرادته، لا بسعي المرء وحيلته: # لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي # كذا في (العناية) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ms2431 ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون اعلم أنه لما ذكر تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من ~~عهدهم، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم ~~عن المسجد الحرام وعدم # PageV05P377 # الخوف من الفاقة المتوهمة من انقطاعهم- ذكر بعده حكم أهل الكتاب. هو أن ~~يقاتلوا إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، منبها في تضاعيف ذلك على بعض طرق ~~الإغناء الموعود على الوجه الكلي، مرشدا إلى سلوكه ابتغاء لفضله، واستنجازا ~~لوعده. # قال مجاهد: نزلت الآية حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، ~~فغزا بعد نزولها غزوة تبوك. # وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية ~~أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. انتهى. # ولا يخفي شمول الآية لكل ذلك بلا تخصيص. # قال ابن كثير: هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب- اليهود والنصارى- ~~وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال ~~الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، ~~فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض ~~الناس من أهل المدينة، ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام ~~جدب، ووقت قيظ وحر. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال ~~الروم، فبلغ تبوك، ونزل بها، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، ثم استخار ~~الله في الرجوع، فرجع عامة ذلك لضيق الحال، وضعف الناس، كما سيأتي بيانه ~~بعد إن شاء الله تعالى. انتهى. # والتعبير عن (أهل الكتاب) بالموصول المذكور، للإيذان بعلية ما في حيز ~~الصلة للأمر بالقتال، فإنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، كما أمر تعالى، ~~إذ لديهم من فساد العقيدة، فيما يجب له تعالى، وفي البعث، أعظم ضلال وزيغ، ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، يعني ما ثبت تحريمه في الكتاب والسنة. ~~وقيل: المراد برسوله الرسول الذي يزعمون ms2432 اتباعه، فالمعنى أنهم يخالفون أصل ~~دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا، إذ غيروا وبدلوا اتباعا لأهوائهم. # قال الشهاب: فيكون المراد: لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم، ومجموع ~~الأمرين سبب لقتالهم. وقوله تعالى: دين الحق من إضافة الموصوف للصفة، أو ~~المراد ب الحق، الله تعالى. وقوله تعالى: حتى يعطوا الجزية أي ما تقرر ~~عليهم أن يعطوه. # قال ابن الأثير: الجزية المال الذي يعقد عليه الكتابي الذمة، وهي (فعلة) ~~من الجزاء كأنها جزت عن قتله. # PageV05P378 # وقال الراغب: سميت بذلك للاجتزاء بها عن حقن دمهم. # وقال الشهاب: قيل مأخذها من (الجزاء) بمعنى القضاء. يقال: جزيته بما فعل، ~~أو جازيته. أو أصلها الهمز من (الجزء والتجزئة) ، لأنها طائفة من المال ~~يعطى. # وقيل: إنها معرب (كزيت) وهو الجزية بالفارسية. انتهى. # وقوله تعالى: عن يد حال من فاعل يعطوا و (اليد) هنا إما بمعنى الاستسلام ~~والانقياد، يقال: هذه يدي لك، أي استسلمت إليك، وانقدت لك، وأعطى يده أي ~~انقاد. كما يقال في خلافه: نزع يده من الطاعة. لأن من أبى وامتنع، لم يعط ~~يده، بخلاف المطيع المنقاد، وإما بمعنى النقد، أي حتى يعطوها نقدا غير ~~نسيئة، فيكون ك (اليد) في # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : «لا تبيعوا الذهب والفضة ... إلى قوله ~~(يدا بيد) » . # وإما بمعنى الجارحة الحقيقة، و (عن) بمعنى الباء، أي لا يبعثون بها عن يد ~~أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ. وإما بمعنى: من طيبة نفس قال أبو ~~عبيدة: كل من انطاع لقاهر بشيء أعطاه، من غير طيب نفس به وقهر له، من يد في ~~يد، فقد أعطاه عن يد (مجاز القرآن ج 1 ص 256) . وإما بمعنى الجماعة، أنشد ~~ابن الأعرابي: # أعطى فأعطاني يدا ودارا ... وباحة حولها عقارا # ومنه # الحديث «2» # (وهم يد على من سواهم) # أي هم مجتمعون على أعدائهم، يعاون بعضهم بعضا- قاله أبو عبيد- وإما بمعنى ~~الذل- نقله ابن الأعرابي وحكاه وجها في الآية-. # هذا إن أريد باليد يد المعطي. وإن أريد بها يد الآخذ، فاليد إما بمعنى ~~القوة، أي عن يد قاهرة مستولية ويقولون: ما ms2433 لي به يد أي قوة. وإما بمعنى ~~السلطان، وهو كالذي قبله، ومنه يد الريح سلطانها. قال لبيد: # نطاف أمرها بيد الشمال PageV05P379 # لما ملكت الريح تصريف السحاب، جعل لها سلطان عليه. وإما بمعنى النعمة، أي ~~عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية، وترك أنفسهم عليهم، نعمة عليهم. # قال الناصر في (الانتصاف) : وهذا الوجه أملى بالفائدة. # وإما بمعنى الغنى، حكاه في (العناية) ، ونقله (التاج) من معاني اليد. # وقوله تعالى: وهم صاغرون أي أذلاء. ### | تنبيهات: # الأول- قوله تعالى: عن يد إما حال من الضمير في يعطوا أو من الجزية أي ~~مقرونة بالانقياد، ومسلمة بأيديهم، وصادرة عن غنى، ومقرونة بالذلة، وكائنة ~~عن إنعام عليهم. كذا في (العناية) . # الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل قبول الجزية من أهل ~~الكتاب. # الثالث- قال أيضا: استدل من قال بأن معنى اليد فيما تقدم، الغنى، أنها لا ~~تجب على معسر. ومن قال بأنه لا يرسل بها، على أنه لا يجوز توكيل مسلم بها، ~~ولا أن يضمنها عنه، ولا أن يحيل بها عليه. # الرابع- قال السيوطي أيضا: استدل بقوله تعالى: وهم صاغرون من قال إنها ~~تؤخذ بإهانة، فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه، ويحني ظهره، ويضعها في ~~الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لهزمتيه. قال: ويرد به على النووي حيث ~~قال: إن هذه سيئة باطلة. انتهى. # قلت: ولقد صدق النووي عليه الرحمة والرضوان، فإنها سيئة قبيحة، تأباها ~~سماحة الدين، والرفق المعلوم منه. ولولا قصد الرد على من قاله لما شوهت ~~بنقلها ديباجة الصحيفة. # ثم رأيت ابن القيم رد ذلك بقوله: هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو من ~~مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه. ~~قال: والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله تعالى ~~عليهم، وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعي. انتهى. # PageV05P380 # ثم قال السيوطي: واستدل بالآية من قال: إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل ~~الإسلام، لأن مفهومها الكف عنهم عند أدائها، ومن الكف ألا يجلوا. ومن قال ms2434 ~~لا حد لأقلها، ومن قال هي عوض حقن الدم لا أجرة الدار. انتهى. # الخامس- روى أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن ابن شهاب قال: أول من أعطى ~~الجزية من أهل الكتاب، أهل نجران، وكانوا نصارى. # السادس- قال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب، وعلى ~~المجوس بالسنة. # وقال ابن القيم: لما نزلت آية الجزية أخذها صلى الله عليه وسلم من ثلاث ~~طوائف: من المجوس واليهود والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام. فقيل: لا ~~يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء، ومن دان بدينهم اقتداء بأخذه وتركه، وقيل: ~~بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار وهم كعبدة الأصنام من العجم، دون ~~العرب والأول قول الشافعي وأحمد (في إحدى روايتيه) ، والثاني قول أبي حنيفة ~~وأحمد في الرواية الأخرى. وأصحاب القول الثاني يقولون: إنما لم يأخذها من ~~مشركي العرب لأنها إنما نزلت فرضيتها بعد أن أسلمت دارة العرب، ولم يبق ~~فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجا، فلم ~~يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان ~~بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين. ومن تأمل ~~السير وأيام الإسلام، علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية، لعدم من ~~يؤخذ عنه، لا لأنهم ليسوا من أهلها. قالوا: وقد أخذها من المجوس فليسوا ~~بأهل كتاب. ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو حديث لا يثبت مثله، ولا يصح ~~سنده. ولا فرق بين عبادة النار، وعبادة الأصنام. بل أهل الأوثان أقرب حالا ~~من عباد النار. وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، ~~بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل. فإذا أخذت منهم الجزية فأخذها من عباد ~~الأصنام أولى. وعلى ذلك تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما # ثبت في صحيح مسلم «1» أنه قال: إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ~~إحدى خلال ثلاث، فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم. وكف عنهم # . ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام ms2435 أو الجزية أو يقاتلهم. PageV05P381 # وقال المغيرة لعامل كسرى: أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبد الله أو تؤدي ~~الجزية. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش «1» : هل لكم في كلمة تدين لكم ~~بها العرب، وتؤدي العجم إليكم بها الجزية؟ قالوا: ما هي: قال: لا إله إلا ~~الله. # ثم ذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم «2» صالح أهل ~~نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين، ~~وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من ~~أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون بها، حتى يردوها عليهم، إن كان ~~باليمن كيدة أو غدرة. # وعلى ألا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم، ما لم ~~يحدثوا حدثا، أو يأكلوا الربا. # ولما وجه «3» صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ~~محتلم دينارا، أو قيمته من ثياب. وفي هذا دليل على أن الجزية غير مقدرة ~~الجنس، ولا القدر، بل يجوز أن تكون ثيابا وذهبا وحللا، وتزيد وتنقص بحسب ~~حاجة المسلمين، واحتمال من تؤخذ منه، وحاله في الميسرة، وما عنده من المال. ~~ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب ~~والعجم. بل أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى العرب، وأخذها من ~~مجوس «4» # هجر. وكانت مدينة قاعدة البحرين، وكان أهلها عربا، فإن العرب أمة ليس لها ~~في الأصل كتاب. وكانت كل طائفة تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب ~~البحرين مجوسا لمجاورتها فارس وتنوخ وبهرا. وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم ~~للروم. وكانت قبائل من اليمن يهود، لمجاورتهم ليهود اليمن. # فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا ~~متى دخلوا في أهل الكتاب، هل كان دخولهم قبل النسخ والتبديل أو بعده، ومن ~~أين يعرفون ذلك، وكيف ينضبط، وما الذي دل عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي ~~أن من الأنصار من PageV05P382 # تهود أبناؤهم بعد النسخ ms2436 بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، ~~فأنزل الله تعالى: لا إكراه في الدين [البقرة: 256] وفي # قوله لمعاذ «1» : خذ من كل حالم دينارا، # دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا امرأة. # السابع- قال الإمام أبو يوسف رحمه الله في كتاب (الخراج) : # وليس في شيء من أموالهم، الرجال منهم والنساء، زكاة، إلا ما اختلفوا به ~~في تجارتهم، فإن عليهم نصف العشر، ولا يؤخذ من مال حتى يبلغ مائتي درهم، أو ~~عشرين مثقالا من الذهب، أو قيمة ذلك من العروض للتجارة، ولا يضرب أحد من ~~أهل الذمة في استيدائهم الجزية، ولا يقاموا في الشمس ولا غيرها، ولا يجعل ~~عليهم في أبدانهم شيء من المكاره، ولكن يرفق بهم، ويحبسون حتى يؤدوا ما ~~عليهم ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى منهم الجزية، ولا يحل للوالي أن يدع ~~أحدا من النصارى واليهود والمجوس والصابئين والسامرة، إلا أخذ منهم الجزية، ~~ولا يرخص لأحد منهم في ترك شيء من ذلك، ولا يحل أن يدع واحدا ويأخذ من ~~واحد، ولا يسع ذلك، لأن دماءهم وأموالهم إنما أحرزت بأداء الجزية، والجزية ~~بمنزلة مال الخراج. # ثم قال أبو يوسف مخاطبا هارون الرشيد: # وقد ينبغي يا أمير المؤمنين- أيدك الله- أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك ~~وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم، والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا، ~~ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم، # فقد روي «2» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ظلم معاهدا أو ~~كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه # . وكان فيما تكلم به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند وفاته «3» # : أوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم ~~بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم. # قال: وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد أنه مر على قوم قد ~~PageV05P383 # أقيموا في الشمس في بعض أرض الشام، فقال: ما شأن هؤلاء؟ فقيل له أقيموا ~~في الشمس في الجزية! ms2437 قال: فكره ذلك، ودخل على أميرهم وقال: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: من عذب الناس عذبه الله. # قال: وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب مر بطريق الشام وهو ~~راجع في مسيره من الشام على قوم قد أقيموا في الشمس، يصب على رؤوسهم الزيت، ~~فقال: ما بال هؤلاء؟ فقال: عليهم الجزية لم يؤدوها، فهم يعذبون حتى يؤدوها! ~~فقال عمر: فما يقولون هم وما يتعتذرون به في الجزية؟ قالوا: يقولون لا نجد! ~~قال: فدعوهم لا تكلفوهم ما لا يطيقون. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا، يعذبهم الله يوم ~~القيامة، وأمر بهم فخلى سبيلهم. # ثم قال: وحدثني عمير بن نافع عن أبي بكر قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من ~~أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: # اسأل الجزية، والحاجة والسن. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ ~~له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فو ~~الله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته، ثم نخذله عند الهرم إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين [التوبة: 60] ، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل ~~الكتاب. ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. قال: قال أبو بكر: أنا شهدت ذلك من ~~عمر، ورأيت ذلك الشيخ. انتهى. # الثامن- في الغرض من الجزية ورأفة المسلمين بمن أظلوهم بسيوفهم. # قال الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر في كتاب (الإسلام والنصرانية) في ~~هذا المعنى، تحت بحث المقابلة بين الإسلام الحربي، المسيحية السلمية، ما ~~نصه ص 74: # الإسلام الحربي، كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ~~ثم يترك الناس، وما كانوا عليه من الدين، يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم ~~كما شاء ذلك الاعتقاد، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها، لتكون عونا على ~~صيانتهم، والمحافظة على أمنهم في ms2438 ديارهم، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم ~~بعد ذلك أحرار، لا يضايقون في عمل، ولا يضامون في معاملة. خلفاء المسلمين، # PageV05P384 # كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع ~~والأديار لمجرد العبادة، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال ~~وكل من لم يعن على القتال. جاءت السنة المتواترة بالنهي عن إيذاء أهل ~~الذمة، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين، لهم ما لنا، وعليهم ما ~~علينا، ومن آذى ذميا فليس منا. # واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام. ولست أبالي إذا انحرف بعض ~~المسلمين عن هذه الأحكام عند ما بدأ الضعف في الإسلام وضيق الصدر من طبع ~~الضعيف، فذلك مما لا يلصق بطبيعته، ويخلط بطينته. # المسيحية السلمية كانت ترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها، ~~تراقب أعمال أهله، وتخصصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر، ~~مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم بعد العجز عن إخراجهم من ~~دينهم، وتعميدهم، أجلتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما حصل ويحصل ~~في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا، لا يمنع غير المسيحي من ~~تعدي المسيحي إلا كثرة العدد، أو شدة العضد، كما شاهد التاريخ، وكما يشهد ~~كاتبوه. # ثم قال: فأنت ترى الإسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها، ~~بشيء من المال، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم، وبأن يعيشوا في ~~هدوء، لا يعكرون معه صفو الدولة، ولا يخلون بنظام السلطة العامة، ثم يرخى ~~لهم بعد ذلك عنان الاختيار في شؤونهم الخاصة بهم، لا رقيب عليهم فيها إلا ~~ضمائرهم. # انتهى. # وفي كتاب (أشهر مشاهير الإسلام) في بحث إجلاء أهل نجران ما نصه: # إن أساس الدعوة إلى الإسلام التبليغ، وأنه لا إكراه في الدين، فمن قبلها ~~كان من المسلمين، ومن أبى فعليه أن يخضع لسلطانهم، وأن يعطيهم جزءا من ماله ~~يستعينون به على حماية ماله وعرضه ونفسه، وله عليهم حق الوفاء بما عاهدوه ~~عليه، وأن لا يفتن عن دينه، ms2439 وأن تكون له الذمة والعهد أنى حل، وحيثما وجد ~~من ممالك الإسلام، ما دام وافيا بعهده، مؤديا لجزيته، لا يخون المسلمين، ~~ولا يمالئ عليهم عدوهم، وأحسن شاهد على هذا نسوقه إليك في هذا الفصل، خبر ~~أهل نجران اليمن، وكانوا من الكتابيين، لتعلم كيف كانت معاملة أهل الذمة، ~~ومبلغ محافظة الخلفاء على عهودهم معهم، ما لم يخونوا أو يغدروا. # PageV05P385 # وتحرير الخبر عنهم أنه كان وفد وفدهم على رسول الله ودعاهم إلى الإسلام، ~~فأبوا، وسألوه الصلح، وأن يقبل منهم الجزاء، فصالحهم على شيء معلوم، يؤدونه ~~كل سنة للمسلمين وكتب لهم بذلك كتابا جعل لهم فيه ذمة الله وعهده، وأن لا ~~يفتنوا عن دينهم، ومراتبهم فيه، ولا يحشروا، ولا يعشروا، وأن يؤمنوا على ~~أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعيرهم، وبعثهم وأمثلتهم. ~~لا يغير ما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا يطأ أرضهم جيش ومن سأل ~~منهم حقا فبينهم النصف، غير ظالمين ولا مظلومين، ولهم على ذلك جوار الله، ~~وذمة رسوله أبدا، حتى يأتي أمر الله، ما نصحوا وأصلحوا. واشترط عليهم أن لا ~~يأكلوا الربا، ولا يتعاملوا به. # ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه، أقرهم على حالهم، وكتب لهم كتابا على نحو كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، مع أنه كان يتخوفهم، ويود إجلاءهم، لما # روي «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبقين في جزيرة العرب ~~دينان» . # ولما حضر أبا بكر الوفاة، أوصى عمر بن الخطاب بإجلائهم لنقضهم العهد ~~بإصابتهم الربا. # فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أن لا يجتمع في جزيرة ~~العرب دينان، لأن العرب أمة حديثة عهد بالإسلام، قد عانى صلى الله عليه ~~وسلم ما عانى في جمع كلمتها، وتوحيد وجهتها، فمن الخطر أن يوجد بين ~~ظهرانيها قوم يدينون بغير دينها، فيفتنون من جاورهم عن الإسلام، على حداثة ~~عهدهم فيه، وعدم تمكنهم بعد من أصوله الصحيحة. هذا من وجه، ومن وجه آخر، ms2440 ~~فإن النجرانيين كانوا يتاجرون بالربا، ولا يخفى ما فيه من الضرر على من ~~جاورهم من أهل اليمن، الذين ينضب التعامل بالربا معين ثروتهم، ويؤذن ~~بفقرهم، على غير شعور منهم، لا سيما وأن الشريعة الإسلامية قد حرمته تحريما ~~باتا، ولا يؤمن من أن النجرانيين، باستمرارهم على تعاطي الربا، يحملون بعض ~~من جاورهم من المسلمين على ارتكاب الإثم بالتعامل معهم بالربا. # ومع هذه الأسباب التي تلجئ إلى إكراه النجرانيين على الإسلام، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم PageV05P386 # يكرههم على ذلك، لأن شريعته لم تأذن بإكراه أهل الكتاب على الإسلام، لهذا ~~تركهم على دينهم، بعد أن دعاهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، فأبوا، وأعطاهم ~~كتاب العهد المذكور، إلا أنه اشترط عليهم فيه أن لا يخونوا المسلمين، ولا ~~يتعاملوا بالربا كما رأيت. # ولما استخلف أبو بكر أكد لهم عهدهم الأول، مع أنه كان يرى في وجودهم في ~~جزيرة العرب من الخطر ما كان يراه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يسعه في ~~أمرهم إلا ما وسع الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى إذا علم أنهم خانوا ~~العهد، وتعاملوا بالربا، أمر في حال مرضه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ~~بإجلائهم عن جزيرة العرب، دون أن يفتنوا في دينهم. # ولما استخلف عمر رضي الله عنه، كان أول بعث بعثه، بعث أبي عبيد إلى ~~العراق، وبعث يعلى بن أمية إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران، وأن يعاملهم ~~بالرأفة ويشتري أموالهم، ويخيرهم عن أرضهم في أي أرض شاءوا من بلاد ~~الإسلام، لا أن يعاملهم معاملة القوي الغالب، للضعيف المغلوب، كما هو شأن ~~كل دولة من الدول قبل الإسلام وبعده، حتى الآن، في معاملة الأمم التي تخالف ~~مذهبها، وتخضع لقوة سلطانها. فتفرقوا، فنزل بعضهم الشام، وبعضهم النجرانية ~~بناحية الكوفة، وبهم سميت. ولم تقف العناية بهم في إجلائهم، والمحافظة على ~~ما بيدهم من العهد، وتعويضهم عما تركوه من العقار والمال عند هذا الحد، بل ~~كانوا يجدون بعد ذلك من الخلفاء كل رعاية ورفق. من ذلك أنهم شكوا مرة ms2441 إلى ~~عثمان رضي الله عنه- لما استخلف- ضيق أرضهم، ومزاحمة الدهاقين لهم، وطلبوا ~~إليه تخفيف جزيتهم، فكتب إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، عامله على ~~الكوفة، كتابا يوصيه بهم، ويأمره أن يضع عنهم مائتي حلة من جزيتهم، لوجه ~~الله، وعقبى لهم من أرضهم. # وروى البلاذري أنه لما ولي معاوية، أو يزيد بن معاوية، شكوا إليه تفرقهم، ~~وموت من مات منهم، وإسلام من أسلم منهم، وأحضروه كتاب عثمان بن عفان، بما ~~حطهم من الحلل، وقالوا: إنما ازددنا نقصانا وضعفا. فوضع عنهم مائتي حلة ~~تتمة أربعمائة حلة. فلما ولي الحجاج العراق، وخرج ابن الأشعث عليه، اتهمهم ~~والدهاقين بموالاته، فرد جزيتهم إلى ما كانت عليه. فلما ولي عمر بن عبد ~~العزيز الخلافة، شكوا إليه ظلم الحجاج ونقصهم، فأمر فأحصوا فبلغوا العشر من ~~عدتهم، فألزمهم مائتي حلة جزية عن رؤوسهم فقط. فلما ولي يوسف بن عمر ~~العراق، في خلافة الوليد بن يزيد الأموي، ردهم إلى ما كانوا عليه، عصبية ~~للحجاج. فلما # PageV05P387 # انقضت دولة الأمويين واستخلف أبو العباس السفاح، رفعوا إليه أمرهم، وما ~~كان من عمر بن عبد العزيز ويوسف بن عمر، فردهم إلى مائتي حلة ولما استخلف ~~هارون الرشيد شكوا إليه تعنت العمال معهم، فأمر فكتب لهم كتاب بالمائتي ~~حلة، وبالغ بالرفق بهم، فأمر أن يعفوا من معاملة العمال، وأن يكون مؤداهم ~~بيت المال بالحضرة، كي لا يتعنتهم أحد من العمال. # هذا ما رواه المؤرخون في شأن هؤلاء الكتابيين الذين أجلاهم عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه عن جزيرة العرب. وقد رأيت مما مر مبلغ عناية عمر رضي الله عنه ~~بهم، لما لم ير بدا من إجلائهم للأسباب التي مر ذكرها. وقد كان من السهل ~~إكراههم على الإسلام، ودخولهم فيه، كما دخل أولئك الملايين من مشركي العرب، ~~وعامة سكان الجزيرة العربية، طوعا أو كرها. وإنما هو الشرع الإسلامي، منع ~~من إكراه غير مشركي العرب على الإسلام، كما منع من نقض العهد، وخفر الذمة ~~إلا بسبب مشروع. لهذا، لما خان النجرانيون عهدهم بتعاملهم بالربا، وقد ~~عاهدوا ms2442 رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتعاملوا به في الجزيرة ساغ لأمير ~~المؤمنين إجلاؤهم إلى غيرها، بعد أن عوضهم عن المال والعقار بمثله. وما زال ~~الخلفاء بعده- مبالغة بالرفق بأهل الكتاب، وقياما بواجب السيادة العادلة، ~~ووفاء بعهد الله والرسول- يعاملون النجرانيين بأحسن ما تعامل به عامة ~~الرعية من المسلمين، ويدفعون عنهم أذى الظلم والإجحاف كما رأيت. # ونتج من هذه القصة ثلاثة أمور: # الأمر الأول: - عدم إكراه النجرانيين على الإسلام، مع تعين الخطر من ~~وجودهم في جزيرة العرب، لحداثة عهد أهلها بالإسلام. ذلك لأن عدم الإكراه من ~~أصول الشريعة الإسلامية. والجهاد الذي يعظم أمره أعداء المسلمين إنما شرع ~~لحماية الدعوة لا للإكراه، إلا جهاد مشركي العرب يومئذ. فقد شرع لإرغامهم ~~على الإسلام، لأسباب حكيمة لا تخفى على بصير، أهمها تطهير نفوس تلك الأمة ~~العظيمة من شرور الوثنية، واستئصال شأفة الجهل والتوحش من جزيرة العرب، ~~التي كانت وسطا بين ممالك الشرق والغرب، من آسيا وأفريقيا وأوربا، بل هي ~~نقطة الصلة السياسية والتجارية بين تلك الممالك، فانتشار أنوار المدنية ~~والدين فيها، يستلزم انتشارها بطبيعة المجاورة والإشراف على تلك الممالك ~~أيضا، قد كان ذلك كما هو معلوم. # PageV05P388 # والأمر الثاني- عدم حيد الخلفاء عن أمر الشارع فيما أمر به من الوفاء ~~بالعهود، وتأكيدهم لعهد النجرانيين، الواحد تلو الآخر، على ضعف هؤلاء ~~وقلتهم، وقوة الخلافة الإسلامية وسلطانها. وإن ذلك لم يكن عن رهبة أو رغبة، ~~بل عن محض تمسك بالعهد، وعدل بين الشعوب الخاضعين لسلطة الخلافة، وسلطان ~~الإسلام، من كل ملة ودين. # والأمر الثالث- حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قاعدة ~~حماية الذمي في نفسه وماله، بتعويضه النجرانيين عن أرضهم ومالهم بالمثل من ~~أرض المسلمين ومالهم، لما قضت الضرورة بإجلائهم عن أرضهم، إلى غيرها من ~~بلاد المسلمين: وقد ذكر في سيرة أبي بكر عن عمر رضي الله عنهما ما فعله من ~~هذا القبيل من أهل عربسوس من ثغور الروم، وكيف أنه لما أمر بإجلائهم عن ~~أرضهم لخيانتهم جوار المسلمين، ونكثهم عهد الأمانة والصدق، أمر بأن ms2443 يعوضوا ~~عن مالهم وعقارهم ونعمهم ضعفين. وما زال الخلفاء في أيام الفتوح العظيمة ~~وما بعدها يحافظون على حق القرار الثابت، والملك القديم، للأقوام المغلوبين ~~للمسلمين، الخاضعين لسلطانهم، سواء كانوا من المسيحيين أو غيرهم. ولم يؤثر ~~عن أحد منهم أنه طرد قوما من أرضهم، أو انتزعها منهم بغير حق ولا عوض. ولا ~~عبرة بما ربما يقع من هذا القبيل على بعض الأفراد من جور بعض العمال الذين ~~غلبت شهواتهم على الفضيلة، فحادوا عن طريق الشرع، فإنه قد يصيب أفراد ~~المسلمين من جور هؤلاء أكثر مما يصيب غيرهم، وليس في هذا ما يقدح في أصول ~~الحكم الإسلامي الذي يأبى الظلم، ويدعو إلى الرأفة والعدل. هذا شأن الإسلام ~~في المحافظة على حقوق الأمم المغلوبة. وقد رأيت مما تقدم أنه لم يعط ~~للمسلمين من حقوق الغلب التي ينتحلها الغالبون في كل عصر، إلا ما تدعو إليه ~~الضرورة القصوى، وتستلزمه سلامة الملك والدين، لا ما تدعو إليه شهوات ~~الملك، ورغبات الأمة الغالبة. وقد علم هذا المسلمون وخلفاؤهم، وأن لأهل ~~الذمة ما لهم، وعليهم ما عليهم، فبالغوا في الرأفة بأهل جوارهم، والداخلين ~~في ذمتهم من أرباب الملل الأخرى، فتركوا لهم حرية التملك والدين، لم ~~ينازعوهم حقا من حقوق المواطنة والجوار، بل كانوا يعتبرونهم جزءا من ~~الدولة، وعضوا من أعضاء مجتمعهم لا غنى عن مشاركته في العمل، ومشاطرته ~~أسباب السعادة المدنية، والحياة الوطنية. يؤيد هذا اعتماد الخلفاء الأمويين ~~والعباسيين على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في ترتيب دواوين # PageV05P389 # الخراج. وترجمة علوم اليونان، وتقريب النابغين منهم في علوم الهندسة ~~والطب، إليهم. واعتمادهم في شفاء عللهم عليهم. بل بلغ بالمسلمين اعتبارهم ~~لأهل الكتاب عضوا من جسم هيأتهم الاجتماعية، لا يجوز فصله في حال من ~~الأحوال- أن جيوش التتار، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى ~~الشام، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى، ثم خضد المسلمون شوكة ~~التتار في الشام، ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية رأس ~~العلماء في عصره أمير التتار (قطلو شاه) بإطلاق الأسرى، ms2444 فسمح له بالمسلمين، ~~وأبى أن يسمح له بأهل الذمة، فقال له شيخ الإسلام: لا بد من افتكاك جميع من ~~معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيرا لا من أهل ~~الملة، ولا من أهل الذمة. فأطلقهم له- انتهى-. # ومنه يعلم شأن الحكم الإسلامي في أهل الذمة، ومبلغ عناية الخلفاء ~~والعلماء بهم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 30] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله جملة مبتدأة، ~~سيقت لتقرير ما مر من عدم إيمان أهل الكتابين بالله سبحانه، وانتظامهم بذلك ~~في سلك المشركين. وقرئ عزير بالتنوين على الأصل، وحذفه لالتقاء الساكنين ~~على غير القياس تخفيفا. وهو مبتدأ وما بعده خبره، ولهم أوجه أخرى في ~~إعرابه، والوجه ما ذكرناه. # وليعلم أن الذي دعا الفريقين إلى مقاليهما هو الغلو في التعظيم. فأما ~~اعتقاد النصارى فهو مشهور معلوم، تكفل التنزيل الكريم بذكره مرارا، ودخر ~~شبهه. وأما اليهود في (عزير) فغلاتهم أو جهلتهم يتفوهون بهذه الكلمة ~~الشنعاء، وأما بقيتهم فيعتبرونه في مقام موسى، ويحترمون دائما ذكره، ~~ويعتقدون أن الله تعالى قد أقامه لجمع التوراة المبددة. ولتجديد الملة ~~الموسوية، وإرجاعها إلى عهدها، وإصلاح ما # PageV05P390 # فسد من آدابها وعوائدها، بإلهام، فإن نسخة التوراة الأصلية، وبقية ~~أسفارهم، فقدت لما أغار أهل بابل، جند (بخت نصر) على بيت المقدس، وهدموه، ~~وسبوا أهله إلى مملكتهم بابل، وأقاموا هناك سبعين سنة، ثم لما نبغ فيهم ~~(عزير) واشتهر، واستعطف أحد ملوكهم في سراحهم، فأطلق له الملك الإجازة، ~~فعاد من بابل بمن بقي من اليهود إلى بيت المقدس، وجدد ما اندثر من الشريعة ~~الموسوية. # قال بعض الكتابيين في قاموس له: زعم اليهود أن أئمتهم عقدوا مجمعا في عهد ~~(عزرا) ، وجمعوا الأسفار العبرانية في قانون متعارف عندهم اليوم، وضموا ~~إليه ما لم يكن فيه من قبل جلاء بابل. # وفي (الذخيرة) من كتبهم ms2445 ما نصه: أجمع القوم على أن (عزرا) الذي كان خبيرا ~~بآثار وطنه وقدمها، وماهرا بمعرفة الطقوس اليهودية، وبارعا بالعلوم ~~المقدسة، هو أول من قرر هذا القانون، وأثبت أجزاءه المختلفة، بعد الأسر ~~البابلي في نحو السنة 543 قبل ميلاد المسيح، ولما تفرقت التوراة آن الجلاء، ~~قام (عزرا) وجمع ما وجد من النسخ المتناثرة، وألف منها نسخة صححها ونقحها ~~ما استطاع، وبدل أسماء الأماكن التي انتسخ ثم استعمالها، بأسماء أخرى أشهر ~~في عرفهم، ونسق الكل نسقا محكما، واتفق الجميع على أنه اعتاض في كل الأسفار ~~عن حروف الخط العبراني بحروف كلدانية، ألف استعمالها اليهود مدة أسرهم الذي ~~استمر سبعين سنة. انتهى. # فلهذا العمل المهم عندهم دعوه (ابنا) . وفيه من الجراءة على المقام ~~الرباني ما فيه. ولو زعموا إرادة المجاز في ذلك، فلا مناص لهم من لحوق ~~الكفر بهم، فإنه يجب الاحتياط في تنزيهه تعالى، حتى بعفة اللسان، عن النطق ~~بما يوهم نقصا في جانبه، فيتبرأ من مثل هذا اللفظ مطلقا ومن كل ما شاكله. ~~هذا وقد قيل إن القائل لذلك بعض من متقدميهم، وقيل ناس من أهل المدينة في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا دلالة في الآية على واحد منهما بخصوصه، ~~ونسبة الشيء القبيح إذا صدر من بعض القوم إلى الكل، مما شاع. ### | لطيفة: # قرئ (عزير) بالتنوين على الأصل، لأنه منصرف، وقرئ بحذفه لالتقاء الساكنين ~~على غير القياس، لا لأنه أعجمي غير منصرف للعلمية والعجمية، كما قيل، لأن ~~ذلك إنما يصح لو كان على لفظه الأصلي، وهو (عزراء) أو (عزريا) ، # PageV05P391 # لفظان عبرانيان، معنى الأول معين، والثاني الله مساعد. أما وقد تصرفت فيه ~~العرب بالتصغير، فلا. وظاهر أن أغلب الأسماء القديمة، لانتقالها من أمة إلى ~~أخرى وكثرة تداولها، تطرق إليها من شوائب التحريف والزيادة والنقصان، ما ~~غير صيغتها الأصلية بعض التغيير ولما استعملت العرب من الأسماء العبرانية ~~ونحوها ما أدخلته إلى لغتها، إما منحوتة من القديمة، أو محرفة منها، أصبحت ~~بالاصطلاح من قبيل الأعلام العربية، إلا ما بقي على وضعه الأول. ms2446 # وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى ما صدر عنهم من العظيمتين. وما فيه من معنى ~~البعد، للدلالة على بعد درجة المشار إليه في الشناعة والفظاعة- قاله أبو ~~السعود- قولهم بأفواههم قال الزمخشري: فإن قلت: كل قول يقال بالفم، فما ~~معنى بأفواههم؟ قلت: فيه وجهان: # أحدهما- أن يراد به أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، ~~فارغ من معنى تحته، كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم، لا تدل على معان. # وذلك أن القول الدال على معنى، لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر في القلب. ~~وما لا معنى له، مقول بالفم لا غير. # والثاني- أن يراد بالقول المذهب، كقولهم (قول أبي حنيفة) ، يريدون مذهبه، ~~وما يقول به، كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم، لا بقلوبهم، لأنه لا ~~حجة معه ولا شبهة، حتى يؤثر في القلوب. وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة ~~له، لم تبق شبهة في انتفاء الولد. انتهى. # وثمة وجه ثالث شائع في مثله، وهو التأكيد لنسبة هذا القول إليهم، مع ~~التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة. قال بعضهم: القول قد ينسب إلى ~~الأفواه وإلى الألسنة، والأول أبلغ. # يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل أي يضاهئ قولهم قول الذين كفروا من قبلهم ~~من الأمم، فضلوا كما ضل أولئك. قيل: المراد ب الذين كفروا مشركو مكة، ~~القائلون بأن الملائكة بنات الله، وهذا يتم إن أريد ب (اليهود والنصارى) في ~~الآية، يهود المدينة ونصارى نجران في عهده صلى الله عليه وسلم، وهو وجه في ~~الآية كما تقدم، فإنهم سبقوا من أهل مكة بالكفر به صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: المراد بهم قدماؤهم، يعني أن من كان في # PageV05P392 # زمنه صلى الله عليه وسلم منهم، يضاهئ قولهم قول قدمائهم. والمراد عراقتهم ~~في الكفر، أي أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث. # قال أبو السعود: وفيه أنه لا تعدد في القول، حتى يتأتى التشبيه، وجعله ~~بين قولي الفريقين، مع اتحاد المقول، ليس فيه مزيد مزية. وقيل: الضمير ~~للنصارى، أي يضاهئ قولهم المسيح ابن الله قول اليهود عزير ... إلخ ms2447 لأنهم ~~أقدم منهم.. # قال أبو السعود: وهو أيضا كما ترى، فإنه يستدعي اختصاص الرد والإبطال ~~بقوله تعالى: ذلك قولهم بأفواههم، بقول النصارى انتهى. # والمضاهاة المشابهة، يقال: ضاهيت، وضاهأت- كما قاله الجوهري- وقراءة ~~العامة (يضاهون) بهاء مضمومة بعدها واو. وقرأ عاصم بهاء مكسورة بعدها همزة ~~مضمومة، وهما بمعنى. من المضاهأة، وهي المشابهة، وهما لغتان. وقيل: الياء ~~فرع عن الهمزة، كما قالوا: قريت وتوضيت وأخطيت قاتلهم الله أي لعنهم أو ~~قتلهم، أو عاداهم أو تعجب من شناعة قولهم أنى يؤفكون أي كيف يصرفون عن الحق ~~إلى الباطل. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 31] # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون زيادة تقرير لما ~~سلف من كفرهم بالله تعالى، وفيه وصفهم بنوع آخر من الشرك. والأحبار علماء ~~اليهود جمع (حبر) بكسر الحاء وفتحها، وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه- ~~كذا ذكره أئمة اللغة- قال بعضهم: (الحبر) أعظم الأشراف بين الإسرائيليين، ~~يكون عندهم وسيلة للتقرب لله، ومرتبة وراثية في آل هارون، يكون بكر أشيخ من ~~فيها. انتهى. # و (الرهبان) جمع راهب بمعنى المتعبد الخاشع الزاهد. وأصل الترهب عند ~~النصارى، التخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن ~~أهلها. # PageV05P393 # وفي الحديث «1» # (لا رهبانية في الإسلام) # . وقوله تعالى أربابا من دون الله قال الرازي: الأكثرون من المفسرين ~~قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل ~~المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، أي لما # روى الترمذي «2» عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي! اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ في سورة ~~براءة اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم ms2448 شيئا ~~استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. # وروى الإمام أحمد والترمذي «3» وابن جرير «4» # من طرق، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة ~~من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أخته، وأعطاها، فرجعت ~~إلى أخيها، فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقدم عدي المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي ~~المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله قال: # فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم ~~الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا عدي! ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ~~ما يضرك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم إلها غير الله؟ ثم دعاه إلى ~~الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق. PageV05P394 # قال فلقد رأيت وجهه استبشر. ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون. # قال ابن كثير: وهكذا قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير هذه ~~الآية، أنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. # وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. # وقد ذكر بعض المفسرين وجها في تفسير اتخاذهم أربابا، قال: بأن أطاعوهم ~~بالسجود لهم. # قال الشهاب: والأول هو تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي الاقتصار ~~عليه، لأنه لما أتاه عدي بن حاتم وهو يقرؤها قال له: إنا لم نعبدهم، فقال: ~~ألم تتبعوهم في التحليل والتحريم؟ فهذه هي العبادة، والناس يقولون: فلان ~~يعبد فلانا، إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو ~~مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ. ~~انتهى. # قال الرازي: قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت ms2449 تلك الربوبية في بني ~~إسرائيل؟ فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار ~~والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى. # قال الرازي: قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه: # قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة في كتاب الله ~~تعالى في بعض مسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك ~~الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل ~~بظواهر هذه الآيات، مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها؟ ولو تأملت حق ~~التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل المدينة. انتهى. # وما أمروا أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابهم إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا أي يطيعوا أمره، ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه، وقوله لا إله إلا ~~هو صفة ثانية ل (إلها) ، أو استئناف مقرر للتوحيد سبحانه عما يشركون أي به ~~في العبادة والطاعة. # وقوله تعالى: # PageV05P395 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 32] # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم أي يخمدوا حجته الدالة على وحدانيته، ~~وتقدسه عن الولد، أو القرآن، أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره أي بإعلاء التوحيد، وإعزاز الإسلام ولو كره الكافرون أي ~~بدلائل التوحيد، ذلك. قال أهل المعاني: نور الله استعارة أصلية تصريحية ~~لحجته أو ما بعدها، لتشبيه كل منها بالنور في الظهر. والإطفاء ترشيح، أو هو ~~استعارة تمثيلية، شبه حالهم في محاولتهم إبطال النبوة بالتكذيب، بحال من ~~يطلب إطفاء نور عظيم، منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده بنفخه. ### | لطائف: # الأولى- قال الشهاب: روعي في كل من المشبه والمشبه به الإفراط والتفريط، ~~حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله. ومن شأن النور ~~المضاف إليه أن يكون عظيما، فكيف يطفأ بنفخ الفم، مع ما بين الكفر الذي هو ~~ستر وإزالة للظهور، ms2450 والإطفاء من المناسبة. # الثانية- لا يخفى أن قوله تعالى: إلا أن يتم استثناء مفرغ، وهو في محل ~~نصب مفعول به، والاستثناء المفرغ يكون في الفعل المنفي لا الموجب، إلا أن ~~يستقيم المعنى. وهنا صح التفريغ من الموجب وهو ويأبى الله لأنه نفى في ~~المعنى، لأنه وقع في مقابلة يريدون وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ~~ما ليس في نفي الإرادة، أي لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره، فيندرج ~~في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه، فضلا عن الإطفاء- أفاده أبو ~~السعود- وقال الزجاج: المستثنى منه محذوف تقديره (ويكره الله كل شيء إلا ~~إتمام نوره) . # قال الشهاب: فالمعنى على العموم المصحح للتفريغ، عنده، فللناس في توجيه ~~التفريغ هنا مسلكان. والحاصل أنه إن أريد كل شيء يتعلق بنوره بقرينة ~~السياق، صح إرادة العموم، ووقوع التفريغ في الثابتات، كما ذهب إليه الزجاج، ~~إذ ما من عام إلا وقد خصص، فكل عموم نسبي، لكنه يكتفي به، ويسمى عموما. ألا ~~ترى # PageV05P396 # أن مثالهم (قرأت إلا يوم كذا) قد قدروه كل يوم، والمراد من أيام عمره، لا ~~من أيام الدهر. فإن نظر إلى الظاهر في أمثاله كان عاما، واستغنى عن النفي، ~~وإن نظر إلى نفس الأمر، فهو ليس بعام، فيؤول بالنفي، والمعنى فيهما واحد ~~وإنما أول به هنا عند من ذهب إلى تأويله، لاقتضاء المقابلة له، إذ ما من ~~إثبات إلا ويمكن تأويله بالنفي، فيلزمه جريان التفريغ في كل شيء، وليس كذلك ~~ما صرح به الرضي. ولذا قيل: # الاستثناء المفرغ، وإن اختص بالنفي، إلا أنه قد يمال مع المعنى بمعونة ~~القرائن، ومناسبة المقامات، فيجري بعض الإيجابات مجرى النفي في صحة التفريغ ~~معها- ذكره الشهاب أيضا-. # الثالثة- قال أبو السعود: وفي إظهار (النور) في مقام الإضمار مضافا إلى ~~ضميره عز وجل- زيادة اعتناء بشأنه، وتشريف له على تشريف، وإشارة بعلة ~~الحكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 33] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي ms2451 القرآن الذي هو هدى للمتقين ودين الحق أي ~~التوحيد الثابت الذي لا يزول ليظهره أي الدين الحق على الدين كله أي على ~~سائر الأديان ولو كره المشركون أي أن يكون ذلك. # وجواب (لو) فيهما محذوف لدلالة ما قبله عليه، وجملة هو الذي إلخ بيان ~~وتقرير لمضمون الجملة قبلها، لأن المراد من إتمام نوره إظهاره ولكونه بحسب ~~المآل بمعناه، ذيله بما ذيله به بعينه، لكنه عبر عن الكافرين بالمشركين ~~تفاديا عن صورة التكرار- كذا في العناية-. # وفي الصحيح «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله زوى لي ~~الأرض، مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها. PageV05P397 # وروى الإمام أحمد «1» عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول: صلى هذا ~~الحي من محارب الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، ~~إلا من اتقى الله وأدى الأمانة. # وأخرج أيضا «2» عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا ~~وبر إلا أدخله هذا الدين، يعز عزيزا، ويذل ذليلا، عزا يعز الله به الإسلام، ~~وذلا يذل الله به الكفر. # وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم ~~الخير والشرف والعز. ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية. # وأخرج أيضا «3» عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام، ~~يعز عزيزا، ويذل ذليلا، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم ~~فيدينون لها. # وأخرج أيضا «4» عن عدي بن حاتم قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا عدي! أسلم تسلم. فقلت: إني من أهل دين. قال: أنا أعلم بدينك ~~منك. فقلت: # أنت أعلم بديني مني؟ قال: نعم، ألست من ms2452 الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟ # قلت: بلى! قال: فإن هذا لا يحل لك في دينك. قال: فلم يعد أن قالها، ~~فتواضعت لها. قال: أما إني أعلم ما الذي يمنعك عن الإسلام، تقول: إنما ~~اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: لم ~~أرها، وقد سمعت بها. # قال: فو الذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الأمر، حتى تخرج الظعينة من ~~الحيرة، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، قلت: ~~كسرى بن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد. # قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت من غير جوار ~~أحد ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده! لتكونن ~~الثالثة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها. PageV05P398 # وروى «1» مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا ~~رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله عز وجل هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق.. الآية- إن ذلك تام! قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله عز وجل، ~~ثم يبعث الله ريحا طيبة، فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ~~فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم. # قال في (اللباب) : معنى الآية ليظهرن دين الإسلام على الأديان كلها، وهو ~~ألا يعبد الله إلا به. وكذا روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هذا ~~وعد من الله تعالى بأنه يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان، وتمام هذا ~~إنما يحصل عند خروج عيسى. وكذلك قال الضحاك والسدي: لا يبقى أحد إلا دخل في ~~الإسلام. وقال الشافعي: قد أظهر الله دين رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~الأديان كلها، بأن أبان لكل من سمعه أنه الق، وما خالفه من الأديان باطل، ~~وأظهره على الشرك دين أهل الكتاب، ودين ms2453 الأميين، فقهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل أهل الكتاب وسبى ~~حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه. قال: ~~فهذا هو ظهوره على الدين كله. انتهى. # قلت: ما ذكره الشافعي هو من ظهوره، والأدق ما تقدم، من أنه سوف يعتنقه كل ~~فرقة، فإن ما تذهب إليه طوائف الإصلاح من الملل الأخرى لا يبعد الآن عن ~~الإسلام إلا قليلا. # ثم بين تعالى حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم، إثر بيان سوء ~~حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي، واتباعهم ~~لهم فيما يأتون وما يذرون، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 34] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل PageV05P399 # أي بالطريق المنكر من الرشا في الأحكام والتخفيف والمسامحة في الشرائع ~~وغير ذلك. و (الأكل) مجاز عن الأخذ، بعلاقة العلية والمعلولية: لأنه الغرض ~~الأعظم منه. وفيه من التقبيح لحالهم، وتنفير السامعين عنه ما لا يخفى ~~ويصدون عن سبيل الله أي عن دين الإسلام وحكمه، واتباع الدلائل، إلى ما ~~يهوون. أو عن المسلك المقرر في التوراة والإنجيل، إلى ما افتروه وحرفوه. # ثم أشار إلى أن سبب ذلك هو إيثارهم حب المال وكنزه على أمر الله، ~~وتناسيهم وعيده في الكنز بقوله سبحانه والذين يكنزون الذهب والفضة أي ~~يحفظونهما حفظ المدفون في الأرض ولا ينفقونها في سبيل الله أي الذي هو ~~الزكاة فبشرهم بعذاب أليم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 35] # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # يوم يحمى عليها أي يوقد عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هذا ما كنزتم أي ويقال لهم ms2454 ضما إلى ما هم فيه، هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم أي لتتلذذوا به، فكان سبب تعذيبها فذوقوا ما كنتم تكنزون أي وباله، ~~وهو ألمه وشدته بالكي. ### | وفي هذه الآية فوائد: # الأولى: قال بعضهم في قوله تعالى ليأكلون دلالة على تحريم الرشا على ~~الباطل، # وقد ورد «1» # (لعن الله الراشي والمرتشي) . # وكذا تحريم أخذ العوض على فعل الواجب. وفي جواز الدفع ليتوصل إلى حقه ~~خلاف. رجح الجواز ليتوصل إلى الحق، كالاستفداء. قال الحاكم يدخل في تحريم ~~الرشا الأحكام والشهادات والفتاوى وأصول الدين وفروعه، وكل من حرف شيئا ~~لغرض الدنيا. انتهى. # الثانية- في الآية- كما قال ابن كثير- تحذير من علماء السوء وعباد ~~الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ~~PageV05P400 # ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى # وفي الحديث الصحيح «1» # (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) قالوا: اليهود والنصارى؟ ~~قال: فمن؟ # وفي رواية: فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا هؤلاء؟ ثم أنشد لابن ~~المبارك: # وهل أفسد الدين إلا الملو ك، وأحبار سوء ورهبانها # الثالثة- قوله تعالى: والذين مبتدأ، والخبر يكنزون أو منصوب تقديره: بشر ~~الذين يكنزون. والتعريف في الموصول للعهد والمعهود، إما الأحبار والرهبان، ~~وإما المسلمون الكانزون، لجري ذكر الفريقين، وإما ما هو أعم. والأول روي عن ~~معاوية، والثاني عن السدي، والثالث عن ابن عباس وأبي ذر. # قال الزمخشري: يجوز أن يكون الموصول إشارة إلى الكثير من الأحبار ~~والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز ~~الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الله. ويجوز أن يراد المسلمون ~~الكانزون غير المنفقين ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى ~~تغليظا، ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله، ~~سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم. انتهى. # قال في (الأنوار) : ويؤيد الثاني أنه لما نزل كبر على المسلمين، فذكر عمر ~~رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم # فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم- رواه ms2455 «2» ~~أبو داود والحاكم # وصححه- # وقوله صلى الله عليه وسلم ما أدي زكاته فليس بكنز- أخرجه الطبراني ~~والبيهقي # - أي ليس بالكنز المتوعد عليه في الآية، فإن الوعيد على الكنز مع عدم ~~الإنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه. وأما # قوله صلى الله عليه وسلم: من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها # ونحوه، فالمراد منها: ما لم يؤد حقها، # لقوله صلى الله عليه وسلم، فيما أورده PageV05P401 # الشيخان: البخاري في تاريخه، ومسلم «1» في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها ~~حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جنبه وجبينه ~~وظهره. # انتهى. # وقد اشتهرت محاورة معاوية لأبي ذر في هذه الآية. # روى البخاري «2» # عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا بأبي ذر، فقلت: # ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه ~~الآية: # والذين يكنزون الذهب والفضة ... فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب فقلت: ~~نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، ~~فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم ~~يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت، فكنت قريبا. # فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمر علي عبد حبشي لسمعت وأطعت. # ولابن جرير في رواية (بعد قول عثمان له: تنح قريبا) قلت: والله لن أدع ما ~~كنت أقول. # وروى أبو يعلى أن أبا ذر كان يحدث ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا ~~درهم، إلا ما ينفقه في سبيل الله، أو يعده لغريم. فكتب معاوية إلى عثمان: ~~إن كان لك بالشام حاجة، فابعث إلى أبي ذر فكتب إليه عثمان أن اقدم علي، ~~فقدم. # قال ابن كثير: كان من مذهب أبي ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على ~~نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه. ~~فنهاه معاوية فلم ينته. فخشي أن ms2456 يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير ~~المؤمنين عثمان، وأن يأخذه إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم أنزله ~~بالربذة، وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان. وقد اختبره معاوية رضي ~~الله عنه وهو عنده، هل يوافق عمله قوله، فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من ~~يومه، ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك ~~فأخطأت فهات الذهب. فقال: ويحك! إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به. ~~PageV05P402 # وقال «1» # الأحنف بن قيس: قدمت المدينة فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء ~~رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، فقام عليهم فقال: # بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم ~~حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل. ~~قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا. قال: وأدبر ~~واتبعته حتى جلس إلى معاوية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، ~~فقال: # إن هؤلاء لا يعلمون شيئا، إنما يجمعون الدنيا- رواه مسلم، وللبخاري ~~نحوه-. # وفي الصحيح «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: ما يسرني ~~أن عندي مثل أحد ذهبا، يمر علي ثلاثة أيام، وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده ~~لدين. # قال ابن كثير: فهذا- والله أعلم- هو الذي حدا أبا ذر على القول بهذا. # أي وما # أخرجه الشيخان «3» أيضا عنه، قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة! قال: فجئت ~~حتى جلست، فلم أتقار حتى قمت فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي، من هم؟ ~~قال: # هم الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه من خلفه، ~~وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم. # وروى الإمام أحمد «4» # عن عبد الله بن الصامت رضي الله عنه، أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه ومعه ~~جارية، فجعلت تقضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، ms2457 فأمرها أن تشتري به فلوسا. ~~قال: قلت: لو ادخرته لحاجة بيوتك، وللضيف ينزل بك قال: # إن خليلي عهد إلي أن أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه، فهو جمر على صاحبه، حتى ~~يفرغه في سبيل الله عز وجل إفراغا. # قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة، تدل على أنه كان يذهب إلى ~~أن كل مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنز يذم فاعله، وأن آية ~~الوعيد PageV05P403 # نزلت في ذلك، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانعي ~~الزكاة، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي «1» # حيث قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. انتهى. # وبالجملة فالجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته. وقد ترجم لذلك ~~البخاري «2» # في (صحيحه) فقال (باب ما أدي زكاته فليس بكنز) . ويشهد له # حديث أبي هريرة «3» مرفوعا: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك- حسنه ~~الترمذي وصححه الحاكم-. # وعن ابن عمر: كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين، فليس بكنز وكل ما ~~لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرا على وجه الأرض- أورده البيهقي ~~مرفوعا، ثم قال: المشهور وقفه، كحديث جابر: إذا أديت زكاة مالك، فقد أذهبت ~~عنك شره. أخرجه الحاكم، والمرجح وقفه. # هذا وذهب ابن عمر رضي الله عنهما ومن وافقه إلى أن الزكاة نسخت وعيد ~~الكنز. # روى البخاري في (صحيحه) «4» # أن أعرابيا قال لابن عمر: أخبرني عن قول الله تعالى والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ... الآية- قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها، فويل له. إنما ~~كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال: زاد ابن ~~ماجة «5» : ثم قال ابن عمر: ما كنت أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا، أعلم ~~عدده، أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى. ورواه أبو داود في كتاب (الناسخ ~~والمنسوخ) . فهذا يشعر بأن الوعيد على الاكتناز. وهو حبس ما فضل عن الحاجة ~~عن المواساة به- كان في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بفرض ms2458 الزكاة، لما فتح الله ~~الفتوح، وقدرت نصب الزكاة. ويشعر أيضا بأن فرض الزكاة كان في السنة التاسعة ~~من الهجرة، وجزم به ابن الأثير في (تاريخه) : وقواه بعضهم بما وقع في قصة ~~ثعلبة بن حاطب المطولة، ففيها لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم عاملا فقال: ما هذه إلا PageV05P404 # جزية أو أخت الجزية. والجزية إنما وجبت في التاسعة. # وأقول: هذا الحديث ضعفوه. والأقوى منه كون هذه السورة التي فيها هذه ~~الآية نزلت في السنة التاسعة كما قدمنا. فإذا نسخت بالزكاة كانت الزكاة في ~~تلك السنة أو بعدها قطعا. # قال ابن حجر في (الفتح) : والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ~~ابن عمر. واستدل له ابن بطال بقوله تعالى ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ~~[البقرة: # 219] ، أي ما فضل عن الكفاية، فكان ذلك واجبا في أول الأمر، ثم نسخ- ~~والله أعلم-. # وفي المسند «1» من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: كان أبو ذر ~~يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة. ثم يخرج إلى قومه، ~~ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع للرخصة، ويتعلق بالأمر ~~الأول. # وما سقناه من مذهب أبي ذر، هو ما ساقه المفسرون وشراح الحديث. وزعم بعضهم ~~أن الذي حدا أبا ذر لذلك ما رآه من استئثار معاوية بالفيء حيث قال: الذي صح ~~أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم كانوا يعتبرون الفيء لكافة المسلمين، ~~يستوي فيه المقاتلون وغيرهم، ولعله باعتبار أن القتال فريضة على كل ~~المسلمين، فكلهم داخل تحت ذلك الحكم. قال: والذي يؤيد أنه لكافة المسلمين، ~~أن أبا ذر رضي الله عنه لما كان بالشام، والوالي عليها، من قبل الخليفة ~~عثمان، معاوية رضي الله عنهما، ورأى من معاوية ما يشعر بحرصه على ادخار ~~المال في بيت المال، لصرفه في وجوه المصالح التي يراها للمسلمين، وكان أبو ~~ذر مشهورا بالورع شديد الحرص على حقوق المسلمين، يقول الحق ولو على نفسه. ~~أخذ يتكلم بهذا الأمر بين الناس ms2459 واتخذ له حزبا من أهل الشام يساعده على ~~مطالبة معاوية برد المال للمسلمين، وبيان عدم الرضا بكنزه في بيت المال، ~~لأي حال من الأحوال، إلا لتوزيعه على كافة المسلمين لاشتراكهم بما أفاء ~~الله عليهم أجمعين وتابعه على قوله جماعة كثيرون، كانوا يجتمعون لهذا القصد ~~سرا وجهرا، حتى كادت تكون فتنة، فشكاه معاوية إلى الخليفة عثمان رضي الله ~~عنهم أجمعين فنفاه إلى الربذة خوفا من حدوث ما لا تحمد عقباه. انتهى. ~~PageV05P405 # ونقل ما يقرب منه ابن حجر في (الفتح) حيث قال: والصحيح أن إنكار أبي ذر ~~كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه. # الرابعة- إنما قيل ولا ينفقونها بضمير المؤنث، مع أن الظاهر التثنية، إذ ~~المذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة، وذلك لأن الكثير منهما ~~هو الذي يكون كنزا، فأتى بضمير الجمع للدلالة على الكثرة، ولو ثنى احتمل ~~خلافه. # وقيل: الضمير عائد على الكنوز أو الأموال المفهومة من الكلام، فيكون ~~الحكم عاما، ولذا عدل فيه عن الظاهر. وتخصيصهما بالذكر، لأنهما الأصل ~~الغالب في الأموال للتخصيص. وقيل: الضمير للفضة، واكتفى بها، لأنها أكثر، ~~والناس إليها أحوج، ولأن الذهب يعلم منها بالطريق الأولى، مع قربها لفظا. # الخامسة- في قوله تعالى فبشرهم تهكم بهم، كما في قوله: # تحية بينهم ضرب وجيع # وقيل: البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة، لتأثيره في القلب، ~~سواء كان من الفرح أو من الغم. # السادسة- قيل في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي دون غيرها: بأن جمع ~~ذويها وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية، والملابس ~~البهية، فلوجاهتهم ورئاستهم المعروفة بوجوههم، كان الكي بجباههم، ولامتلاء ~~جنوبهم بالطعام كووا عليها. ولما لبسوه على ظهورهم كويت. وقيل: لأنهم إذا ~~سألهم فقير تبدو منهم آثار الكراهة والمنع، فتكلح وجوههم، وتقطب. ثم إذا ~~كرر الطلب ازوروا عنه وتركوه جانبا، ثم إذا ألح ولوه، ظهورهم واستقبلوا جهة ~~أخرى، وهي النهاية في الرد، والغاية في المنع، الدال على كراهية الإعطاء ~~والبذل. وهذا دأب مانعي البر والإحسان، وعادة البخلاء، فكان ذلك سببا ms2460 لكي ~~على الأعضاء. وقيل: لأن هذه الأعضاء أشرف الأعضاء الظاهرة، إذ هي المشتملة ~~على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد. أو لأنها أصول الجهات ~~الأربع التي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه، فيكون كناية عن جميع البدن. # وقال القاشاني: جمع المال وكنزه مع عدم الإنفاق لا يكون إلا لاستحكام ~~رذيلة الشح، وحب المال. وكل رذيلة لها كية يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى ~~بها في الدنيا. ولما كانت مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال، ~~وكان هو # PageV05P406 # الذي يحمى عليه في نار جحيم الطبيعة، وهاوية الهوى، فيكوى به. وإنما خصت ~~هذه الأعضاء، لأن الشح مركوز في النفس، والنفس تغلب القلب من هذه الجهات، ~~لا من جهة العلو التي هي جهة استيلاء الروح وممر الحقائق والأنوار، ولا من ~~جهة السفل التي هي من جهة الطبيعة الجسمانية، لعدم تمكن الطبيعة من ذلك، ~~فبقيت سائر الجهات، فيؤذى بها من الجهات الأربع ويعذب، كما تراه يعاب بها ~~في الدنيا، ويجزى من هذه الجهات أيضا، إما بأن يواجه بها جهرا فيفضح، أو ~~يسار بها في جنبه، أو يغتاب بها من وراء ظهره- انتهى-. # السابعة- قال أبو البقاء (يوم) من قوله تعالى يوم يحمى عليها ظرف على ~~المعنى. أي يعذبهم في ذلك اليوم. وقيل: تقديره عذاب يوم، وعذاب بدل من ~~الأول، فلما حذف المضاف أقام (اليوم) مقامه. وقيل: التقدير اذكروا و ~~(عليها) في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل. وقيل: القائم مقام الفاعل مضمر، ~~أي يحمى الوقود أو الجمر، و (بها) أي بالكنوز. وقيل: هي بمعنى (فيها) أي في ~~جهنم وقيل: # (يوم) ظرف لمحذوف تقديره: يوم يحمى عليها يقال لهم هذا ما كنزتم. # ولما بين تعالى فيما تقدم إقدام الأحبار والرهبان على تغيير أحكام الله ~~تعالى إيثارا لحظوظهم، أتبعه بما جرأ عليه المشركون في نظيره من تغيير ~~الأشهر التي حرمها الله تعالى بغيرها. وهو النسيء الآتي، وقوفا مع شهواتهم ~~أيضا، فنعى عليهم سعيهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم مما أوجب ~~زيادة كفرهم، فقال سبحانه: ### | ### | القول في ms2461 تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 36] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) # إن عدة الشهور أي عددها عند الله أي في حكمه اثنا عشر شهرا وهي القمرية ~~التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية في كتاب الله أي في اللوح المحفوظ، أو ~~فيما أثبته وأوجبه من حكمه. وقوله: يوم خلق السماوات والأرض متعلق بما في ~~الجار والمجرور من معنى الاستقرار. أراد ب (الكتاب) على أنه مصدر، # PageV05P407 # والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر، منذ خلق الله تعالى الأجرام ~~والحركات والأزمنة. أفاده أبو السعود منها أي من تلك الشهور الاثني عشر ~~أربعة حرم ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب ذلك ~~أي تحريم الأشهر الأربعة المذكورة الدين القيم أي المستقيم فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم أي بهتك حرمتها بالقتال فيها. وقال ابن إسحاق: أي لا تجعلوا حرامها ~~حلالا، ولا حلالها حراما، كما فعل أهل الشرك وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة أي جميعا واعلموا أن الله مع المتقين أي بالنصر والإمداد. # ثم بين تعالى ثمرة هذه المقدمة، وهو تحريم تغيير ما عين تحريمه من الأشهر ~~الحرم، وإيجاب الحذو بها على ما سبق في كتابه، ناعيا على المشركين كفرهم، ~~بإهمالهم ذلك، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # إنما النسيء أي تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر مصدر (نسأه) إذا أخره زيادة ~~في الكفر لأنه تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما حلله، فهو كفر آخر مضموم إلى ~~كفرهم يضل به الذين كفروا أي بالله عن أحكامه إذا يجمعون بين الحل والحرمة ~~في شهر واحد ms2462 يحلونه عاما أي: يحلون النسيء من الأشهر الحرم سنة، ويحرمون ~~مكانه شهرا آخر ويحرمونه عاما أي يتركونه على حرمته القديمة، ويحافظون ~~عليها سنة أخرى، إذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، والتعبير عن ذلك ~~بالتحريم، باعتبار إحلالهم له في العام الماضي، والجملتان تفسير للضلال، أو ~~حال. # قال الزمخشري: النسيء تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا ~~أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام، وهم محاربون، شق عليهم ترك ~~المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم ~~بالتحريم، فكانوا يحرمون من أشق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: # ليواطؤا عدة ما حرم الله أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة، ولا ~~يخالفوها، وقد # PageV05P408 # خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور، ~~فيجعلونها ثلاثة عشر، أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت. ولذلك قال عز وعلا إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا يعني من غير زيادة زادوها فيحلوا ما حرم ~~الله بتركهم التخصيص للأشهر بعينها زين لهم سوء أعمالهم فاعتقدوا قبيحها ~~حسنا والله لا يهدي القوم الكافرين. ### | اعلم أن في هاتين الآيتين مسائل: # الأولى- أن الأحكام تعلق بالأشهر العربية، وهي شهور الأهلة، دون الشهور ~~الشمسية. قيل: جعل أول الشهور الهلالية المحرم، حدث في عهد عمر رضي الله ~~عنه، وكان قبل ذلك يؤرخ بعام الفيل. ثم أرخ في صدر الإسلام بربيع الأول. ~~وقد نقل ابن كثير هنا عن السخاوي وجوه تسمية الأشهر بما سميت به، ونحن نورد ~~ذلك مأثورا عن أمهات اللغة المعول عليها فنقول: ### | 1- # المحرم: على أنه اسم المفعول، هو أول الشهور العربية. أدخلوا عليه الألف ~~واللام لمحا للصفة في الأصل، وجعلوها علما بهما، مثل النجم والدبران ~~ونحوهما، ولا يجوز دخولهما على غيره من الشهور عند قوم، وعند قوم يجوز على ~~صفر وشوال. وجمع المحرم محرمات. والمحرم شهر الله، سمته العرب بهذا الاسم، ~~لأنهم كانوا لا يستحلون فيه القتال، وأضيف إلى الله تعالى إعظاما له، كما ~~قيل للكعبة (بيت الله) . وقيل: سمي بذلك، لأنه ms2463 من الأشهر الحرم. قال ابن ~~سيده: وهذا ليس بقوي. ### | 2- # صفر: الشهر الذي بعد المحرم. قال بعضهم: إنما سمي لأنهم كانوا يمتارون ~~الطعام فيه من المواضع. وقيل: لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا. وروي عن ~~رؤية أنه قال: سموا الشهر (صفرا) ، لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون ~~من لقوا صفرا من المتاع، وذلك أن صفرا بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا ~~صفرا. قال ثعلب: الناس كلهم يصرفون صفرا إلا أبا عبيدة، فمنعه للعلمية ~~والتأنيث، بإرادة الساعة، يعني أن الأزمنة كلها ساعات، وإذا جمعوه مع ~~المحرم قالوا: (صفران) ، ومنه قول أبي ذؤيب: # أقامت به كمقام الحني ... ف شهري جمادى وشهري صفر # (استشهد به في اللسان في مادة (ص ف ر) وليس في ديوان الهذليين) . # PageV05P409 # قال ابن دريد: الصفران من السنة شهران، سمي أحدهما في الإسلام المحرم ~~وجمعه أصفار، مثل سبب وأسباب، وربما قيل (صفرات) . # 3 و 4- الربيع شهران بعد صفر، سميا بذلك لأنهما حدا في هذا الزمن، ~~فلزمهما في غيره قالوا: لا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، ~~بزيادة (شهر) وتنوين (ربيع) ، وجعل (الأول) و (الآخر) وصفا تابعا في ~~الإعراب، ويجوز فيه الإضافة، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند بعضهم، ~~لاختلاف اللفظين، نحو حب الحصيد [ق: 9] ، ولدار الآخرة [يوسف: 109] ، وحق ~~اليقين [الواقعة: 95] و [الحاقة: 51] ، ومسجد الجامع «1» . قال بعضهم: إنما ~~التزمت العرب لفظ (شهر) قبل (ربيع) لأن لفظ (ربيع) مشترك بين الشهر والفصل، ~~فالتزموا لفظ شهر (في الشهر) وحذفوه في (الفصل) للفصل. # قال الأزهري أيضا: والعرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ (شهر) إلا شهري ~~ربيع ورمضان. ويثنى الشهر ويجمع، فيقال شهرا ربيع، وأشهر ربيع، وشهور ربيع. # 5 و 6- جمادى الأولى والآخرة (كحبارى) الشهران التاليان لشهري ربيع. # وجمادى معرفة مؤنثة. قال ابن الأنباري: أسماء الشهور كلها مذكرة، إلا ~~جماديين، فهما مؤنثان. تقول مضت جمادى بما فيها قال الشاعر: # إذا جمادى منعت قطرها ... زان جناني عطن مغضف # ثم قال: فإن جاء تذكير جمادى في شعر، فهو ذهاب إلى معنى ms2464 الشهر. كما ~~قالوا: هذه ألف درهم، على معنى هذه الدراهم. والجمع على لفظها جماديات، ~~والأولى والآخرة صفة لها. فالآخرة بمعنى المتأخرة. قالوا: ولا يقال جمادى ~~الأخرى، لأن الأخرى بمعنى الواحدة فتتناول المتقدمة والمتأخرة، فيحصل ~~اللبس. فقيل الآخرة لتختص بالمتأخرة. وإنما سميت بذلك لجمود الماء فيها، ~~عند تسمية الشهور، من البرد. قال: # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خرطومه الذنبا PageV05P410 ### | 7- # رجب: سمي به لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه يقال: رجب فلانا، ~~هابه وعظمه. كرجبه. منصرف وله جموع: أرجاب وأرجبة وأرجب ورجاب ورجوب وأراجب ~~وأراجيب ورجبانات. وإذا ضموا له شعبان قالوا (رجبان) للتغليب. # وفي الحديث «1» : رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. وقوله (بين جمادى ~~وشعبان) تأكيد للشأن وإيضاح، لأنهم كانوا يؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول ~~عن موضعه الذي يختص به، فبين لهم أنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا ما ~~كانوا يسمونه على حساب النسيء، وإنما قيل: رجب مضر وإضافة إليهم، لأنهم ~~كانوا أشد تعظيما له من غيرهم، وكأنهم اختصوا به، وذكر له بعضهم سبعة عشر ~~اسما. ### | 8- # شعبان: جمعه شعبانات وشعابين. من (تشعب) إذا تفرق كانوا يتشعبون فيه في ~~طلب المياه. وقيل في الغارات. وقال ثعلب: قال بعضهم: إنما سمي شعبان لأنه ~~شعب أي ظهر بين شهر رمضان ورجب. ### | 9- # رمضان: سمي به لأن وضعه وافق الرمض (بفتحتين) ، وهو شدة الحر، وجمعه ~~رمضانات وأرمضاء. وعن يونس أنه سمع رماضين، مثل شعابين. وقيل: هو مشتق من ~~(رمض الصائم يرمض) إذا اشتد حر جوفه من شدة العطش، وهو قول الفراء. قال بعض ~~العلماء: يكره أن يقال جاء رمضان وشبهه، إذا أريد به الشهر، وليس معه قرينة ~~تدل عليه. وإنما يقال: جاء شهر رمضان، واستدل # بحديث (لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا ~~شهر رمضان) # وهذا الحديث ضعفه البيهقي، وضعفه ظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد من العلماء ~~أن رمضان من أسماء الله ms2465 تعالى، فلا يعمل به. والظاهر جوازه من غير كراهة، ~~كما ذهب إليه البخاري وجماعة من المحققين، لأنه لم يصح في الكراهة شيء. وقد ~~ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يدل على الجواز مطلقا، كقوله «2» : إذا جاء ~~رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين. PageV05P411 # وحقق السهيلي أن لحذف (شهر) مقاما يباين مقام ذكره، يراعيه البليغ. # وحاصله أن في حذفه إشعارا بالعموم، وفي ذكره خلاف ذلك، لأنك إذا قلت شهر ~~كذا، كان ظرفا وزال العموم من اللفظ، إذ المعنى في الشهر، ولذلك # قال صلى الله عليه وسلم «1» # (من صام رمضان) # ولم يقل (شهر رمضان) ليكون العمل فيه كله. انتهى. فليتأمل 10- شوال: شهر ~~عيد الفطر، وأول أشهر الحج، وجمعه شوالات وشواويل، وقد تدخله الألف واللام. ~~قال ابن فارس: وزعم ناس أن الشوال سمي بذلك لأنه وافق وقتا تشول فيه الإبل، ~~أي ترفع ذنبها للقاح، وهو قول الفراء. وقال غيره: سمي بتشويل ألبان الإبل، ~~وهو توليه وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحر، وانقطاع الرطب وكانت ~~العرب تتطير من عقد المناكح فيه وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها، حتى ~~تمتنع طروقة الجمل إذا لقحت وشالت بذنبها. فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ~~طيرتهم. # وقالت عائشة رضي الله عنها «2» : تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~شوال، وبنى بي في شوال، وأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ ### | 11- # ذو القعدة: بفتح القاف، والكسر لغة، سمي به لأن العرب كانوا يقعدون فيه ~~عن الأسفار والغزو والميرة وطلب الكلأ، ويحجون في ذي الحجة: والجمع ذوات ~~القعدة، وذوات القعدات، والتثنية ذواتا القعدة وذواتا القعدتين، فثنوا ~~الاسمين وجمعوهما، وهو عزيز، لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى ~~على كلمة علامتا تثنية ولا جمع. ### | 12- # ذو الحجة: الشهر الذي يقع فيه الحج سمي بذلك للحج فيه، والجمع ذوات ~~الحجة، ولم يقولوا (ذوو) على واحده، والفتح فيه أشهر من الكسر، و (الحجة) ~~بالكسر المرأة الواحدة من الحج، وهو شاذ لأن القياس في المرة الفتح- ~~انتهى-. # وقد أوردنا هذا ملخصا عن (المصباح) و ms2466 (القاموس) و (شرحه) . # المسألة الثانية- قدمنا أن الأشهر الحرم الأربعة، ثلاثة سرد أي متتابعة، ~~وواحد فرد وكانت العرب لا تستحل فيها القتال، إلا حيان: خثعم وطيئ، فإنهما ~~كانا PageV05P412 # يستحلان الشهور. وكان الذين ينسئون الشهور أيام الموسم يقولون: حرمنا ~~عليكم القتال في هذه الشهور إلا دماء المحلين، فكانت العرب تستحل دماءهم ~~خاصة في هذه الشهور. وكان لقوم من غطفان وقيس، يقال لهم الهباآت، ثمانية ~~أشهر حرم، يقال لها (البسل) يحرمونها تشددا وتعمقا. # الثالثة: قال ابن كثير: إنما كانت الأشهر المحرمة أربعة: ثلاثة سرد، ~~وواحد فرد، لأجل أداء المناسك- الحج والعمرة- فحرم، قبل أشهر الحج، شهر وهو ~~ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال. وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه ~~الحج ويشتغلون بأداء المناسك. وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه ~~إلى أقصى بلادهم آمنين. وحرم رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار ~~به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا. # الرابعة- قال النووي في (شرح مسلم) : وقد اختلفوا في كيفية عدتها على ~~قولين حكاهما الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه (صناعة الكاتب) قال: ذهب ~~الكوفيون إلى أنه يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة قال: والكتاب ~~يميلون إلى هذا القول ليأتوا بهن من سنة واحدة قال: وأهل المدينة يقولون: ~~ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وقوم ينكرون هذا ويقولون: جاءوا بهن من ~~سنتين. قال أبو جعفر: وهذا غلط بين، وجهل باللغة، لأنه قد علم المراد، وأن ~~المقصود ذكرها، وأنها في كل سنة، فكيف يتوهم أنها من سنتين؟ قال: والأولى ~~والاختيار ما قاله أهل المدينة، لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما قالوا، من رواية ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة رضي الله ~~عنهم، قال: وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل. # الخامسة- استنبط بعضهم من قوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم أن الإثم ~~في هذه الأشهر المحرمة آكد وأبلغ في الإثم في غيرها، كما أن المعاصي في ~~البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: ms2467 ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم [الحج: 25] وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية ~~في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو ~~قتل ذا محرم. وقال ابن عباس فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة: أنه تعالى اختص ~~من الأشهر أربعة أشهر جعلهن حراما، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، ~~والعمل الصالح والأجر أعظم. # وقال قتادة: إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما # PageV05P413 # سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. # وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس ~~رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور ~~رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة ~~القدر. فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظيم الأمور بما عظم الله به عند أهل ~~الفهم، وأهل العقل- نقله ابن كثير- ثم ذكر أن ابن جرير اختار في قوله تعالى ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم ما قاله ابن إسحاق فيما تقدم. # أقول: وهو الظاهر المتبادر. # السادسة- قال المهايمي: إنما كان منها أربعة حرم ليكون ثلث السنة تغليبا ~~للتحليل الذي هو مقتضى سعة الرحمة، على التحريم الذي هو مقتضى الغضب فجعل ~~أول السنة وآخرها وهو المحرم وذو الحجة. ولما لم يكن له وسط صحيح، أخذ أول ~~النصف الآخر وهو رجب، فبقي من الثلث شهر، فأخذ قبل الآخر وهو ذو القعدة، ~~ليكون مع آخر السنة المتصلة بأولها وترا، وبقي وترية رجب فتتم السنة على ~~التحريم باعتبار أولها وآخرها، وأوسطها، مع تذكر وترية الحق المؤكد ~~للتحريم. # انتهى. # السابعة- استدل جماعة بقوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم [التوبة: 36] ~~على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ. وكذا بقوله تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام [المائدة: 2] ~~وبقوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين.. # [التوبة: 5] الآية- وذهب آخرون إلى أن تحريم ms2468 القتال فيها، منسوخ بآية ~~السيف، يعني قوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة [التوبة: 36] قالوا: ظاهر ~~السياق مشعر بأنه أمر بذلك أمرا عاما ولو كان محرما في الشهر الحرام، لأوشك ~~أن يقيده بانسلاخها، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في ~~شهر حرام، وهو ذو القعدة، كما ثبت في الصحيحين «1» أنه خرج إلى هوازن في ~~شوال، فلما كسرهم واستفاء PageV05P414 # أموالهم ورجع فلهم، لجئوا إلى الطائف، فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين ~~يوما، وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام. وأجاب الأولون ~~بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم، كما في قوله ~~تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم ... [التوبة: 5] الآية- فتكون سائر الآيات ~~المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم، ~~كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم، للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه. ~~فقوله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة ... الآية- من باب التهييج والتحضيض، ~~أي كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا كذلك لهم. أو هو إذن للمؤمنين ~~بقتال المشركين في الشهر الحرام، إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص [البقرة: 194] وقال تعالى: ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ... ~~[البقرة: 191] الآية- وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال ~~هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ~~ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~تقدم. فلما تحصنوا بالطائف، ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من ~~المسلمين، وقتلوا جماعة واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبا من أربعين ~~يوما، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام، فاستمر فيه أياما، ثم ~~قفل عنهم، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وهذا أمر مقرر، ~~وله نظائر كثيرة. # فالمحرم هو ابتداء القتال في الأشهر الحرام، لا إتمامه، وبهذا يحصل ~~الجمع، ولذا قال ابن جريج: حلف بالله ms2469 عطاء بن أبي رباح ما يحل للناس أن ~~يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها. # الثامنة- قال في (الإكليل) في قوله تعالى إن عدة الشهور ... الآية- إن ~~الله وضع هذه الأشهر وسماها ورتبها على ما هي عليه، وأنزل ذلك على أنبيائه، ~~فيستدل بها لمن قال: إن اللغات توقيفية. # التاسعة- في (الإكليل) أيضا: استدل بقوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة من ~~قال إن الجهاد في عهده صلى الله عليه وسلم كان فرض عين. # العاشرة- قال ابن إسحاق: كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما ~~حرم الله، وحرم منها ما أحل الله عز وجل (القلمس) وهو حذيفة بن عبد فقيم بن # PageV05P415 # عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن ~~إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم ~~ابنه قلع، ثم أمية بن قلع ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن ~~عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام، فكانت العرب، إذا فرغت من حجها، ~~اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبا فحرم رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة ويحل ~~(المحرم) عاما، ويجعل مكانه (صفر) ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله، ~~فيحل ما حرم الله يعني ويحرم ما أحل الله. انتهى. # و (القلمس) بقاف فلام مفتوحتين ثم ميم مشددة. قال في (القاموس وشرحه) : ~~هو رجل كناني من نسأة الشهور على معد في الجاهلية، كان يقف عند جمرة العقبة ~~ويقول: أحد الصفرين، وحرمت صفر المؤخر، وكذا في الرجبين، (يعني رجبا ~~وشعبان) ثم يقول: انفروا على اسم الله تعالى. قال شاعرهم: # وفينا ناسئ الشهر القلمس # وقال عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان: # لقد علمت معد أن قومي ... كرام الناس أن لهم كراما # ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما # فأي الناس فاتونا بوتر ... وأي الناس لم نعلك لجاما # وروي «1» # أن أول من سن النسيء عمرو بن لحي، # والذي صح من حديث أبي هريرة ms2470 وعائشة أن عمرو بن لحي أول من سيب السوائب، # وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار) ~~. # ثم حرض تعالى المؤمنين على قتال الكفرة، إثر بيان طرف من قبائحهم الموجبة ~~لذلك، وأشار إلى توجه العتاب والملامة إلى المتخلفين عنه، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 38] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) PageV05P416 # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أي تثاقلتهم وتباطأتم. والاستفهام في ما لكم فيه معنى الإنكار ~~والتوبيخ. # وقوله إلى الأرض متعلق ب اثاقلتم على تضمينه معنى الميل والإخلاد، أي ~~اثاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتها الفانية عما قليل، وكرهتم مشاق الغزو، ~~المستتبعة للراحة الخالدة، كقوله تعالى: أخلد إلى الأرض واتبع هواه ~~[الأعراف: 176] . أو مائلين إلى الإقامة بأرضكم ودياركم. وكان ذلك في غزوة ~~تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا لغزو الروم في وقت عسرة ~~وقحط وقيظ، وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها، مع بعد الشقة، وكثرة ~~العدو، فشق عليهم. # وقوله تعالى: أرضيتم بالحياة الدنيا أي الحقيرة الفانية من الآخرة أي بدل ~~الآخرة ونعيمها الدائم فما متاع الحياة الدنيا أظهر في مقام الإضمار لزيادة ~~التقرير، أي فما التمتع بلذائذها في الآخرة أي في جنب الآخرة أي إذا قيست ~~إليها، و (في) هذه تسمى (في القياسية) لأن المقيس يوضع بجنب ما يقاس به إلا ~~قليل أي مستحقر لا يؤبه له. # روى الإمام أحمد «1» ومسلم» # عن المستورد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة ~~إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع- وأشار بالسبابة-. # ثم توعد تعالى من لم ينفر إلى الغزو، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 39] # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما ms2471 غيركم ولا تضروه شيئا والله ~~على كل شيء قدير (39) # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم أي لنصرة نبيه، وإقامة ~~دينه ولا تضروه شيئا لأنه الغني عن العالمين، أي وإنما تضرون أنفسكم. وقيل: ~~PageV05P417 # الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، أي ولا تضروه، لأن الله وعده النصر، ~~ووعده كائن لا محالة. # والله على كل شيء قدير أي من التعذيب والتبديل ونصرة دينه بغيرهم. وفي ~~هذا التوعد، على من يتخلف عن الغزو، من الترهيب الرهيب ما لا يقدر قدره. ### | ### | تنبيه: # # قال بعضهم: ثمرة الآية لزوم إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى ~~الجهاد، وكذا يأتي مثله في دعاء الأئمة، ويأتي مثل الجهاد، الدعاء إلى سائر ~~الواجبات، وفي ذلك تأكيد من وجوه: # الأول- ما ذكره من التوبيخ. # الثاني- قوله تعالى اثاقلتم إلى الأرض وأن الميل إلى المنافع والدعة ~~واللذات لا يكون رخصة في ذلك. # الثالث- في قوله تعالى: أرضيتم بالحياة الدنيا فهذا زجر. # الرابع- قوله تعالى: فما متاع ... الآية- وهذا تخسيس لرأيهم. # الخامس- ما عقب من الوعيد بقوله إلا تنفروا يعذبكم. # السادس- ما بالغ فيه بقوله عذابا أليما. # السابع- قوله ويستبدل ... الآية. # الثامن- قوله والله على كل شيء قدير ففيه تهديد. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 40] # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) # إلا تنصروه أي بالخروج معه إلى تبوك فقد نصره الله إذ أخرجه الذين # PageV05P418 # كفروا # يعني كفار مكة حين مكروا به، فصاروا سبب خروجه، فخرج ومعه أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه ثاني اثنين حال من ضميره صلى الله عليه وسلم. أي أحد اثنين إذ ~~هما في الغار بدل من إذ أخرجه بدل البعض، إذ المراد به زمان متسع. والغار ~~نقب في أعلى ثور، وهو جبل في الجهة اليمنى من مكة على مسيرة ساعة، مكثا ms2472 فيه ~~ثلاثا، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهما، ثم يسيرا إلى المدينة إذ يقول ~~بدل ثان، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه أي أبي بكر لا تحزن وذلك ~~أن أبا بكر رضي الله عنه أشفق من المشركين أن يعلموا بمكانهما، فيخلص إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أذى، وطفق يجزع لذلك، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا أي بالنصرة والحفظ. # روى الإمام أحمد «1» والشيخان «2» عن أبي بكر رضي الله عنه قال: نظرت إلى ~~أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله! لو أن ~~أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين ~~الله ثالثهما # فأنزل الله سكينته أي أمنته التي تسكن عندها القلوب عليه أي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأيده بجنود لم تروها يعني الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في ~~الغار، أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين، فتكون الجملة معطوفة ~~على قوله نصره الله وقوى أبو السعود الوجه الثاني بأن الأول يأباه وصفهم ~~بعدم رؤية المخاطبين لهم. # قلت: لا إباءة، لأن هذا وصف لازم لإمداد القوة الغيبية في كل حال، وفي ~~الثاني تفكيك في الأسلوب لبعد المتعاطفين، فافهم. والله أعلم. # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى أي المغلوبة المقهورة، و (الكلمة) الشرك، ~~أو دعوة الكفر، فهو مجاز عن معتقدهم الذي من شأنهم التكلم به على أنها ~~الشرك، أو هي بمعنى الكلام مطلقا على أنها دعوة الكفر وكلمة الله هي العليا ~~يعني التوحيد، أو دعوة الإسلام كما تقدم، أي التي لا تزال عالية إلى يوم ~~القيامة وكلمة الله بالرفع على الابتداء وهي العليا مبتدأ وخبر. أو تكون ~~(هي) فصلا. وقرئ بالنصب أي: وجعل كلمة الله، والأول أوجه وأبلغ، لأن الجملة ~~الاسمية PageV05P419 # تدل على الدوام والثبوت. وإن الجعل لم يتطرق لها لأنها في نفسها عالية لا ~~يتبدل شأنها ولا يتغير حالها. وفي إضافة (الكلمة) إلى (الله) إعلاء ~~لمكانها، وتنويه لشأنها والله عزيز أي ms2473 غالب على ما أراد حكيم في حكمه ~~وتدبيره. ### | ### | تنبيه: # # قال بعض مفسري الزيدية: استدل على عظيم محل أبي بكر من هذه الآية من ~~وجوه: منها: قوله تعالى: إذ يقول لصاحبه لا تحزن، وقوله إن الله معنا، ~~وقوله: # فأنزل الله سكينته عليه قيل: على أبي بكر. عن أبي علي والأصم. قال أبو ~~علي: # لأنه الخائف المحتاج إلى الأمن، وقيل: على الرسول، عن الزجاج وأبي مسلم. ~~قال جار الله: وقد قالوا: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لأنه رد كتاب الله ~~تعالى. # انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر رضي الله عنه ~~أنه قال: أنا، والله! صاحبه. فمن هنا قالت المالكية: من أنكر صحبة أبي بكر ~~كفر وقتل، بخلاف غيره من الصحابة، لنص القرآن على صحبته- انتهى-. # وعن ابن عمر «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنت ~~صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار- أخرجه الترمذي # وقال: حديث حسن غريب-. # وقد ساق الفخر الرازي اثني عشر وجها من هذه الآية على فضل الصديق رضي ~~الله تعالى عنه، فأطال وأطاب. # ولما توعد تعالى من لا ينفر مع الرسول لتبوك، وضرب له من الأمثال ما فيه ~~أعظم مزدجر، أتبعه بهذا الأمر الجزم فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 41] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) # انفروا خفافا وثقالا حالان من ضمير المخاطبين، أي على أي حال كنتم خفافا ~~في النفور لنشاطكم له، وثقالا عنه، لمشقته عليكم. أو خفافا لقلة عيالكم ~~PageV05P420 # وأذيالكم، وثقالا لكثرتها. أو خفافا من السلاح وثقالا منه. أو ركبانا ~~ومشاة. أو شبابا وشيوخا أو مهازيل وسمانا. واللفظ الكريم يعم ذلك كله. ~~والمراد حال سهولة النفر وحال صعوبته. # وقد روي عن ثلة من الصحابة أنهم ما كانوا يتخلفون عن غزاة قط، ويستشهدون ~~بهذه الآية. # ولما كانت البعوث إلى الشام، قرأ أبو طلحة رضي الله عنه سورة براءة حتى ~~أتى على هذه الآية، فقال، ms2474 أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا، جهزوني يا بني! ~~فقال بنوه يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، ~~ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك فقال: ما سمع الله ~~عذر أحد، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل. # وكان أبو أيوب الأنصارى رضي الله عنه يقرأ هذه الآية، ويقول: فلا أجدني ~~إلا خفيفا أو ثقيلا ولم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا عاما واحدا. # وقال أبو راشد الحراني: وافيت المقداد بن الأسود، فارس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فصل عنها ~~يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أتت علينا سورة البعوث ~~انفروا خفافا وثقالا. # وعن حيان بن زيد قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص- فرأيت ~~شيخا كبيرا هما، قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق، على راحلته فيمن ~~أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم! لقد أعذر الله إليك، قال. فرفع حاجبيه ~~فقال: # يا ابن أخي! استنفرنا الله خفافا وثقالا، ألا إنه من يحبه الله يبتليه، ~~ثم يعيده الله فيبقيه. وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم ~~يعبد إلا الله عز وجل- روى ذلك كله ابن جرير-. # فرحم الله تلك الأنفس الزكية، وحياها من بواسل، باعت أرواحها في مرضاة ~~ربها، وإعلاء كلمته، وأكرمت نفسها عن الاغترار بزخارف هذه الحياة الدنية. # ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله، وبذل المهج في مرضاته، ومرضاة رسوله، ~~فقال: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~ما في اسم الإشارة إلى النفير والجهاد من معنى البعد، للإيذان ببعد منزلته ~~في الشرف، والمراد بكونه خيرا، وأنه خير في نفسه، أو خير من الدعة، والتمتع ~~بالأموال. # PageV05P421 ### | تنبيه: # قال الحاكم: الجهاد بالمال ضروب: منها إنفاقه على نفسه في السير في ~~الجهاد، ومنها صرف ذلك إلى الآلات التي يستعان بها على الجهاد، ومنها صرفه ~~إلى من ينوب عنه أو ms2475 يخرج معه. # وقال بعض مفسري الزيدية: ذكر المؤيد بالله أن من له فضل مال، وجب عليه أن ~~يدفعه إلى الإمام، إن دعت إليه حاجة. # وذكر الراضي بالله وجوب دفع ما دعت الحاجة إليه من الأموال في الجهاد، ~~قليلا كان أو كثيرا، ويتعين ذلك بتعيين الإمام. وأما من طريق الحسبة، فقال ~~الراضي بالله: يجب ذلك إن حصل خلل لا يسده إلا المال، ويدخل في هذا إلزام ~~الضيفة، وتنزيل الدور، وقد قال الراضي بالله: للإمام أن يلزم الرعية على ما ~~يراه من المصلحة. # وعن المؤيد بالله: إن للإمام إنزال جيشه دور الرعية إذا لم يتم له الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالجند، واحتاجوا إلى ذلك. كما يجوز دخول ~~الدار المغصوبة لإزالة المنكر. وكذا ذكر أبو مضر أنه ينزل في الزائد على ~~حاجة أهل الدور. وأما من ينزل الدار من جيشه بظلم أو فساد، فإن عرف ذلك ~~عورض بين مطلب الإمام في دفعه المنكر، وبين هذا المنكر الواقع من الجند، ~~أيهما أغلظ. # انتهى. # ثم صرف تعالى الخطاب عن المتخلفين، ووجه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، معددا لما صدر عنهم من الهنات قولا وفعلا، مبينا لدناءة همهم في هذا ~~الخطب، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 42] # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) # لو كان أي ما تدعوهم إليه عرضا قريبا أي نفعا سهل المأخذ وسفرا قاصدا أي ~~وسطا لاتبعوك أي لا لأجلك، بل لموافقة أهوائهم ولكن بعدت عليهم الشقة بضم ~~الشين، وقرئ بكسرها، أي الناحية التي ندبوا إليها. وسميت # PageV05P422 # الناحية التي يقصدها المسافر بذلك، للمشقة التي تلحقه في الوصول إليها. ~~وقرئ (بعدت) بكسر العين. قال الشهاب: بعد يبعد كعلم يعلم، لغة فيه، لكنه ~~اختص ببعد الموت غالبا. و (لا تبعد) يستعمل في المصائب للتفجع والتحسر ~~كقوله: # لا يبعد الله إخوانا لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد # وسيحلفون أي هؤلاء ms2476 المتخلفون عن غزوة تبوك بالله متعلق ب (سيحلفون) ، أو ~~هو من جملة كلامهم. والقول مراد في الوجهين. أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة ~~تبوك، معتذرين بالعجز، يقولون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم أي إلى تلك ~~الغزوة. # ثم بين تعالى أن هذه الدعوى الكاذبة والحلف لا يفيدانهم، بقوله سبحانه ~~يهلكون أنفسهم أي بهذا الحلف والمخالفة ودعوى العجز والله يعلم إنهم ~~لكاذبون لأنهم كانوا يستطيعون الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 43] # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) # عفا الله عنك لم أذنت لهم أي لهؤلاء المنافقين بالتخلف حين اعتلوا بعللهم ~~حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن ~~لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم ~~قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو. ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في ~~القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله، بقوله سبحانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 44] # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله أي لمنع إيمانهم به، من مخالفته، مع ~~القدرة واليوم الآخر لمنع إيمانهم به من ترك تعويض الثواب والحياة الأبديين ~~إذا أمروا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم أي لأنهم يودون الجهاد بها قربة، ~~فيبذلونها في # PageV05P423 # سبيله والله عليم بالمتقين أي فيعطيهم من الأجر ما يناسب تقواهم. ففيه ~~شهادة لهم بالانتظام في زمرة الأتقياء، وعدة لهم بأجزل الثواب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 45] # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون (45) # إنما يستأذنك أي في ترك الجهاد بهما الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~إذ لا يرجون ثوابه ولا حياته، وهم المنافقون، ولذا قال: وارتابت قلوبهم أي ~~فيما تدعوهم إليه، أي رسخ فيها الريب فهم في ريبهم يترددون أي ليست لهم ms2477 قدم ~~ثابتة في شيء، فهم قوم حيارى هلكى، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. ### | تنبيهات: # الأول- اعلم أن في تصديره تعالى فاتحة الخطاب ببشارة العفو، دون ما يوهم ~~العتاب، من مراعاة جانبه عليه الصلاة والسلام، وتعهده بحسن المفاوضة، ولطف ~~المراجعة- ما لا يخفى على أولي الألباب. # قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف: بدأ بالعفو قبل ذلك المعفو. ~~قال مكي. (عفا الله عنك) ، افتتاح كلام مثل (أصلحك الله وأعزك) . وقال ~~الداودي: # إنها تكرمة. # أقول: ويؤيد ذلك قوله علي بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه: # عفا الله عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعد # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا، ورشيدا. هدى # أقلني، أقالك من لم يزل ... يقيك، ويصرف عنك الردى # وما اشتهر من كون العفو لا يكون إلا عن ذنب- غير صحيح- فالواجب تفسيره في ~~كل مقام بما يناسبه.. # قال الشهاب: وهو يستعمل حيث لا ذنب، كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك، ~~ما صنعت في أمري؟ # وفي الحديث: عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له # . وقال السخاوندي: هو تعليم لتعظيمه صلى الله عليه وسلم، ولولا تصدير ~~العفو في الخطاب لما قام بصولة العتاب. # PageV05P424 # وقال القاضي عياض في (الشفا) : وأما قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم فأمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله نهي، فيعد معصية ~~ولا عده الله عليه معصية، بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ~~ذلك. # قال نفطويه: وقد حاشاه الله من ذلك، بل ما كان مخيرا في أمرين. قالوا: ~~وقد كان له أن يفعل ما يشاء فيما لم ينزل عليه وحي، وكيف؟ وقد قال الله ~~تعالى: # فأذن لمن شئت منهم فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم، ~~أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس (عفا) ~~هنا بمعنى غفر، بل كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق. ~~ولم تجب عليهم ms2478 قط. # أي لم يلزمهم ذلك. # ونحوه للقشيري قال: إنما يقول (العفو لا يكون إلا عن ذنب) من لم يعرف ~~كلام العرب. قال: ومعنى (عفا الله عنك) أي لم يلزمك ذنبا. انتهى. # وقد عد ما وقع في الكشاف هنا من قبيح سقطاته. # وللعلامة أبي السعود مناقشة معه في ذلك. أوردها لبلوغها الغاية في ~~البلاغة قال رحمه الله: ولقد أخطأ وأساء الأدب، وبئسما فعل فيما قال وكتب، ~~من زعم أن الكلام كناية عن الجناية، وأن معناه أخطأت، وبئسما فعلت، هب أنه ~~كناية، أليس إيثارها على التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب، والتخفيف في ~~العتاب، وهب أن العفو مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة، بحيث يصحح ~~هذه المرتبة من المشافهة بالسوء، أو يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة (بئسما) ~~المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها. ولا يخفى أنه لم يكن في خروجهم ~~مصلحة للدين، أو منفعة للمسلمين، بل كان فيه فساد وخبال، حسبما نطق به قوله ~~عز وجل لو خرجوا ... إلخ، وقد كرهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى ولكن ~~كره الله انبعاثهم ... الآية- نعم. كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ~~آثر ذي أثير، ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على ~~الأمن والدعة، ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم، بأنهم غروه صلى الله ~~عليه وسلم، وأرضوه بالأكاذيب. على أنه لم يهنأ لهم عيش، ولا قرت لهم عين، ~~إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان، بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. ~~انتهى. PageV05P425 # قال الخفاجي: وحاول بعضهم توجيه كلام الكشاف بأن مراده أن الأصل فيه ذلك، ~~فأبدله بالعفو تعظيما لشأنه، ولذا قدم العفو على ما يوجب الجناية، فلا خطأ ~~فيه. # قال رحمه الله: ولو اتقى هو والموجه موضع التهم- كان أولى وأحرى. # انتهى. # الثاني- استدل بالآية على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم أحيانا ~~بالاجتهاد، كما بسطه الرازي. # قال السيوطي في (الإكليل) : واستدل بها من قال: إن اجتهاده قد يخطئ ولكن ~~ينبه عليه بسرعة. # الثالث- قال الرازي: دلت الآية على وجوب الاحتراز ms2479 عن العجلة، ووجوب ~~التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص، حتى ~~يكمنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد. # الرابع- قال أبو السعود: تغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول بالموصول ~~الذي صلته فعل دال على الحدوث، وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد ~~للدوام- للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح ~~لنظمهم في سلك الصادقين. وأن ما صدر من الآخرين، وإن كان كذبا حادثا متعلقا ~~بأمر خاص، لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة، ناشئ عن رسوخهم في الكذب. ~~ودقق رحمه الله في بيان لطائف أخر. فلتراجع. # الخامس- قيل: نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار في قوله تعالى لا ~~يستأذنك يفيد نفي الاستمرار. وهذا معنى قول الزمخشري: ليس من عادة المؤمنين ~~أن يستأذنوك. # قال النحرير: ولا يبعد حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع، أي ~~عادتهم عدم الاستئذان. # قال الناصر: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا، فلا يليق بالمرء أن يستأذن ~~أخاه في أن يسدي له معروفا، ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه ~~طعاما. فإن الاستئذان في أمثال هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، وصلوات ~~الله على خليله وسلامه، لقد بلغ من كرمه وأدبه مع ضيوفه أنه كان لا يتعاطى ~~شيئا من # PageV05P426 # أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم، فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الخلة الجميلة، والآداب الجليلة، فقال تعالى: فراغ ~~إلى أهله فجاء بعجل سمين [الذاريات: 26] أي ذهب على خفاء منهم، كيلا يشعروا ~~به. والمهتم بأمر ضيفه بمرأى منه، ربما يعد كالمستأذن له في الضيافة، فهذا ~~من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها ذوو المروءة، وأولو القوة. وأشد من ~~الاستئذان في الخروج للجهاد ونصرة الدين، والتثاقل عن المبادرة إليه، بعد ~~الحض عليه والمناداة. وأسوأ أحوال المتثاقل، وقد دعي الناس إلى الغزاة، أن ~~يكون متمسكا بشعبة من النفاق. نعوذ بالله من التعرض لسخطه. # ثم بين تعالى جلية شأن أولئك المنافقين المستأذنين، بأنهم لم يريدوا ~~الخروج ms2480 للجهاد حقيقة، ولذلك خذلهم، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 46] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة بضم العين وتشديد الدال، أي قوة من مال ~~وسلاح وزاد، ونحوها ولكن كره الله انبعاثهم أي نهوضهم للخروج فثبطهم أي ~~فكسلهم وضعف رغبتهم وقيل اقعدوا مع القاعدين أي من النساء والصبيان. ### | تنبيهات: # الأول- دل قوله تعالى: لأعدوا له عدة على أن عدة الحرب من الكراع والسلاح ~~وجميع ما يستعان به على العدو، من جملة الجهاد. فما صرف في المجاهدين، صرف ~~في ذلك. وهذا جلي فيما يتقى به من العدة كالسلاح. فأما ما يحصل به الإرهاب ~~من الرايات والطبول ونحو ذلك، مما يضعف به قلب العدو، فهو داخل في الجهاد. ~~وقد قال تعالى في سورة الأنفال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [الأنفال: 60] . ويكون ذلك كلباس الحرير ~~حالة الحرب، وهذا جلي حيث لا يؤدي إلى السرف. # الثاني- إن الفعل يحسن بالنية، ويقبح بالنية، وإن استويا في الصورة. لأن ~~النفير واجب مع نية النصر، وقبيح مع إرادة تحصيل القبيح. وذلك لأنه تعالى ~~أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل منه من إرادة المكر بالمسلمين. # PageV05P427 # الثالث- للإمام منع من يتهم بمضرة المسلمين، أن يخرج للجهاد. فله نفي ~~الجاسوس والمرجف والمخذل. ذكر ذلك كله بعض مفسري الزيدية. # الرابع- ذكروا أن قوله تعالى: وقيل اقعدوا مع القاعدين تمثيل لإلقاء الله ~~تعالى كراهة الخروج في قلوبهم. يعني نزل خلق داعية القعود فيهم، منزلة ~~الأمر، والقول الطالب، كقوله تعالى: فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ~~[البقرة: 243] أي أماتهم. أو هو تمثيل لوسوسة الشيطان بالأمر بالقعود. أو ~~هو حكاية قول بعضهم لبعض. أو هو إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ~~بالقعود. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله مع القاعدين؟ قلت: هو ذم لهم ~~وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في ~~البيوت، وهم القاعدون والخالفون ms2481 والخوالف. ويبينه قوله تعالى: رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف. # قال الناصر: وهذا من تنبيهاته الحسنة. ونزيده بسطا فنقول: لو قيل اقعدوا ~~مقتصرا عليه، لم يفد سوى أمرهم بالقعود. وكذلك (كونوا مع القاعدين) . ولا ~~تحصل هذه الفائدة من إلحاقهم بهؤلاء الأصناف الموصوفين عند الناس بالتخلف ~~والتقاعد، الموسومين بهذه السمة، إلا من عبارة الآية. ولعن الله فرعون، لقد ~~بالغ في توعيد موسى عليه السلام بقوله لأجعلنك من المسجونين [الشعراء: 29] ~~. # ولم يقل: لأجعلنك مسجونا. لمثل هذه النكتة من البلاغة. # ثم بين تعالى سر كراهته لخروجهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 47] # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا أي فسادا وشرا ولأوضعوا خلالكم أي ~~ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالفساد. # قال الشهاب: الإيضاع: إسراع سير الإبل. يقال: وضعت الناقة تضع إذا أسرعت، ~~وأوضعتها أنا. والمراد: الإسراع بالنمائم، لأن الراكب أسرع من الماشي. ~~فقيل: # المفعول مقدر، وهو النمائم. فشبه النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها، ~~وأثبت لها الإيضاع. ففيه تخييلية ومكنية. وقيل: إنه استعارة تبعية. شبه ~~سرعة إفسادهم # PageV05P428 # لذات البين بالنميمة. بسرعة سير الركائب، ثم استعير لها الإيضاع، وهو ~~للإبل. # و (خلال) جمع خلل، وهو الفرجة، استعمل ظرفا بمعنى (بين) . # واعلم أن قوله ولأوضعوا مرسوم في الإمام بألفين، لأن الفتحة كانت تكتب ~~ألفا قبل الخط العربي. والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد بقي ~~من تلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحها ألفا أخرى ~~ونحوه أو لأذبحنه [النمل: 21] . # يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم ما تفتنون، بإيقاع الخلاف فيما بينكم، ~~وإلقاء الرعب في قلوبكم، وإفساد نياتكم وفيكم سماعون لهم أي منقادون لقولهم ~~مستحسنون لحديثهم، وإن كانوا لا يعلمون حالهم، لضعف عقولهم، فيتوهمون منهم ~~النصح والإعانة، وهم يريدون التخذيل والفتنة، فيؤدي إلى وقوع شر بين ~~المؤمنين، وفساد كبير. # وقال مجاهد وزيد بن أسلم وابن جرير. أي فيكم عيون يسمعون لهم الأخبار ~~وينقلونها إليهم. ms2482 # قال ابن كثير: وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع ~~الأحوال. والمعنى الأول أظهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره ~~من المفسرين. # قال محمد بن إسحاق: كان استأذن، فيما بلغني، من ذوي الشرف منهم، عبد الله ~~بن أبي ابن سلول والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله، لعلمه ~~بهم أن يخرجوا فيفسدوا عليه جنده. وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة ~~فيها يدعونهم إليه. لشرفهم فيهم، فقال: وفيكم سماعون لهم انتهى. والله عليم ~~بالظالمين ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. وفيه شمول للفريقين: القاعدين ~~والسماعين. # ثم برهن تعالى على ابتغائهم الفتنة في كل مرة بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 48] # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) # PageV05P429 # لقد ابتغوا الفتنة من قبل أي طلبوا الشر بتشتيت شملك، وتفريق صحبك عنك، ~~من قبل غزوة تبوك، كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول حين انصرف بأصحابه يوم ~~أحد عن المسلمين وقلبوا لك الأمور أي دبروا لك الحيل والمكايد ودوروا ~~الآراء في إبطال أمرك. # قال الشهاب: المراد من (الأمور) المكايد، فتقليبها مجاز عن تدبيرها. أو ~~(الآراء) . فتقليبها تفتيشها وإحالتها. # حتى جاء الحق وهو تأييدك ونصرك وظفرك وظهر أمر الله أي علا دينه وهم ~~كارهون أي على رغم منهم. # قال ابن كثير: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته العرب عن ~~قوس واحدة، وحاربته بهود المدينة ومنافقوها. فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى ~~كلمته. قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه (أي: أقبل) فدخلوا في الإسلام ~~ظاهرا. ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله، أغاظهم ذلك وساءهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 49] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) # ومنهم من يقول ائذن لي أي في القعود ولا تفتني أي لا توقعني في الفتنة. # روي عن مجاهد ms2483 وابن عباس أنها نزلت في الجد بن قيس، أخي بني سلمة، وذلك ~~فيما # رواه محمد بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ذات يوم وهو في ~~جهازه: هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله! أو تأذن لي ~~ولا تفتني؟ فو الله! لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى، ~~إن رأيت نساء بني الأصفر، ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: قد أذنت لك! # قال الشهاب: يعني أنه يخشى العشق لهن. أو مواقعتهن من غير حل. وبنات ~~الأصفر: للروم، كبني الأصفر. وقيل في وجه التسمية وجوه: منها أنهم ملكهم ~~بعض الحبشة، فتولد بينهم نساء وأولاد ذهبية الألوان. انتهى. # PageV05P430 # قال ابن كثير: كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. # وفي الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: من سيدكم يا ~~بني سلمة؟ قالوا: # الجد بن قيس؟ على أنا نبخله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأي داء ~~أدوأ من البخل؟ ولكن سيدكم الفتى الجعد الأبيض، بشر بن البراء بن معرور. # وقوله تعالى: ألا في الفتنة سقطوا قال أبو السعود: أي في عينها ونفسها، ~~وأكمل أفرادها، الغني عن الوصف بالكمال، الحقيق باختصاص اسم الجنس به، ~~سقطوا. لا في شيء مغاير لها، فضلا عن أن يكون مهربا ومخلصا عنها. وذلك بما ~~فعلوا من العزيمة على التخلف، والجرأة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة، ~~ومن القعود بالإذن المبني عليه، وعلى الاعتذارات الكاذبة، وقرئ بإفراد ~~الفعل، محافظة على لفظ (من) . وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه، مع تقديم ~~الظرف، إيذان بأنهم وقعوا فيها، وهم يحسبون أنها منجى من الفتنة، زعما منهم ~~أن الفتنة إنما هي التخلف بغير إذن. وفي التعبير عن (الافتتان) بالسقوط في ~~الفتنة، تنزل لها منزلة المهواة المهلكة، المفصحة عن ترديهم في درجات الردى ~~أسفل سافلين. انتهى. # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين أي ستحيط بهم يوم القيامة، فلا محيد لهم عنها ~~ولا مهرب، وهذا ms2484 وعيد لهم على ما فعلوا. # ثم بين تعالى عدواتهم، زيادة في تشهير مساوئهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 50] # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) # إن تصبك حسنة أي من فتح وظفر وغنيمة تسؤهم أي تورثهم مساءة لفرط عداوتهم ~~وإن تصبك مصيبة أي من نوع شدة يقولوا قد أخذنا أمرنا أي بالحزم في القعود ~~من قبل أي من قبل إصابة المصيبة، فيتبجحوا بما صنعوا حامدين لآرائهم ~~ويتولوا أي عن مجتمعهم الذي أظهروا فيه الفرح برأيهم وهم فرحون أي برأيهم ~~وبما أصابكم وبما سلموا. PageV05P431 # ثم أرشد تعالى إلى جوابهم ببطلان ما بنوا عليه مسرتهم، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 51] # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(51) # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أي ما أثبته لمصلحتنا الدنيوية أو ~~الأخروية، فلا وجه لهذا الفرح، لرضانا بقضائه في تلك المصيبة، فلم يسؤنا ~~بالحقيقة كيف؟ # ولم يكتبها علينا ليضرنا بها، إذ هو مولانا أي يتولى أمورنا، فإنما كتبها ~~علينا ليوفقنا للصبر عليها، والرضا بها، فيعطينا من الأجر ما هو خير منها ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي لأنه لا ناصر ولا متولي لأمرهم غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 52] # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) # قل هل تربصون أي تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنيين أي العاقبتين اللتين كل ~~واحدة منهما هي حسنى العواقب، وهما النصر والشهادة ونحن نتربص بكم أي إحدى ~~السوأتين من العواقب إما أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أي كما أصاب من ~~قبلكم من الأمم أو بعذاب بأيدينا وهو القتل على الكفر فتربصوا أي بنا ما ~~ذكر من عواقبنا إنا معكم متربصون أي منتظرون ما هو عاقبتكم فلا بد أن يلقى ~~كلنا ما يتربصه، ms2485 لا يتجاوزه، فلا تشاهدون إلا ما يسرنا، ولا نشاهد إلا ما ~~يسوؤكم. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 53] # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) # قل أنفقوا يعني أموالكم في سبيل الله ووجوه البر طوعا أو كرها مصدران ~~وقعا موقع الفاعل، أي طائعين من قبل أنفسكم، أو كارهين مخافة القتل # PageV05P432 # لن يتقبل منكم أي ذلك الإنفاق. ثم بين سبب ذلك بقوله: إنكم كنتم قوما ~~فاسقين أي عاتين. متمردين. ### | لطائف: # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال لن يتقبل منكم! قلت: ~~هو أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك وتعالى: قل من كان في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا [مريم: 75] . ومعناه: لن يتقبل منكم، أنفقتم طوعا أو كرها. ~~ونحوه قوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [التوبة: 80] . # وقوله: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # أي لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك،، أسأت ~~إلينا أم أحسنت. # فإن قلت: متى يجوز هذا؟ قلت: إذا دل الكلام عليه، كما جاز عكسه في قولك: ~~رحم الله زيدا وغفر له. فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه، وهي أن كثيرا ~~كأنه يقول لعزة: امتحني لطف محلك عندي، وقوة محبتي لك، وعامليني بالإساءة ~~والإحسان، وانظري: هل يتفاوت حالي معك، مسيئة كنت أو محسنة! وفي معناه قول ~~القائل: # أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا ... لتضربه لم يستغشك في الود # وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا، هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم، وانظر هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه؟ # فإن قلت: ما الغرض في نفي التقبل، أهو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تقبله منهم، ورده عليهم ما يبذلون منه، أم هو كونه غير مقبول عند الله ~~تعالى، ذاهبا هباء لا ثواب له؟ # قلت: يحتمل الأمرين جميعا. # وقد روي أن الآية من تتمة جواب الجد بن قيس حيث قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: هذا مالي أعينك به، ms2486 فاتركني ولا تفتني. # والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 54] # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) # PageV05P433 # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى جمع كسلان، أي متثاقلين، إذ لا يرجون على فعلها ~~ثوابا، ولا يرهبون من تركها عقابا ولا ينفقون إلا وهم كارهون لأنهم يرون ~~الإنفاق في سبيل الله مغرما، وتركه مغنما، # وفي الحديث «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى لا يقبل من ~~العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه- رواه النسائي عن أبي أمامة. # وقال تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة: 27] . # ولما بين تعالى قبائح أفعال المنافقين، وما لهم في الآخرة من العذاب ~~المهين، وعدم قبول نفقاتهم، تأثره ببيان أن ما يظنونه من منافع الدنيا هو ~~في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم، فينجلي تمام الانجلاء أن النفاق مهواة ~~الخسار، لجلبه آفات الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 55] # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم أي لأن ذلك استدراج لهم، كما قال: إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا أي بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها ~~من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب. وقوله ليعذبهم قيل: اللام ~~زائدة. # وقيل: المفعول محذوف، وهذه تعليلية، أي يريد إعطاءهم لتعذيبهم وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون أي فيموتوا كافرين، لاهين بالتمتع عن النظر في العاقبة، ~~فيكون ذلك استدراجا لهم. وأصل (الزهوق) الخروج بصعوبة- أفاده القاضي-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 56] # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) # ويحلفون بالله يعني المنافقين إنهم لمنكم في الدين ليدفعوا، بدلالة ~~اليمين، دلائل النفاق وما هم منكم في ذلك يعني أنهم كاذبون ولكنهم قوم ~~يفرقون أي يخافون ms2487 القتل، وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية، ~~ويؤيدونه بالأيمان الفاجرة. ثم أشار إلى سبب الخوف، وهو اضطرارهم إلى ~~مساكنهم مع ضعفهم، بقوله تعالى: PageV05P434 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 57] # لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) # لو يجدون ملجأ أي حصنا يلتجئون إليه أو مغارات يعني غيرانا في الجبال ~~يسكن كل واحد منهم غارا أو مدخلا يعني موضع دخول يدخلون فيه، وه والسرب في ~~الأرض لولوا إليه أي لأقبلوا نحوه وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا، لا يردهم ~~شيء، كالفرس الجموح، أي النفور الذي لا يرده لجام. أي لو وجدوا شيئا من هذه ~~الأمكنة التي هي منفور عنها، مستنكرة، لأتوه لشدة خوفهم، وكراهتهم ~~للمسلمين، وغمهم بعز الإسلام، ونصر أهله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 58] # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) # ومنهم من يلمزك أي يعيبك في الصدقات أي في قسمتها. ثم بين فساد لمزهم، ~~وأنه لا منشأ له سوى حرصهم على حطام الدنيا بقوله: فإن أعطوا منها أي قدر ~~ما يريدون رضوا فجعلوه عدلا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون فيجعلونه غير ~~عدل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 59] # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله أي كفانا فضله، ~~وما قسمه لنا سيؤتينا الله من فضله ورسوله أي بعد هذا، حسبما نرجو ونؤمل ~~إنا إلى الله راغبون أي في أن يغنمنا ويخولنا فضله. والجواب محذوف بناء على ~~ظهوره. # أي لكان خيرا لهم. # روى الشيخان «1» عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV05P435 # وهو يقسم فيئا، أتاه ذو الخويصرة- رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! ~~اعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك. من يعدل إذا لم أعدل؟ فقال ~~عمر ms2488 بن الخطاب: # ائذن لي فيه فأضرب عنقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له ~~أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا ~~يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 60] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم ~~حكيم لما ذكر تعالى لمزهم في الصدقات تأثره ببيان حقية ما فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من القسمة، إذ لم يتجاوز فيها مصارفها المشروعة له، وهو ~~عين العدل، وذلك أنه تعالى شرع قسمها لهؤلاء، ولم يكله إلى أحد غيره، ولم ~~يأخذ صلى الله عليه وسلم منها لنفسه شيئا، ففيم اللمز لقاسمها، صلوات الله ~~عليه؟ # روى البخاري «1» عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي. # وروى أبو داود «2» عن زياد بن الحارث رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له: إن الله ~~تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ~~ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك. # فالآية رد لمقالة أولئك اللمزة، وحسم لأطماعهم، ببيان أنهم بمعزل من ~~الاستحقاق. وإعلام بمن إعطاؤهم عدل، ومنعهم ظلم. PageV05P436 # والفقراء. جمع فقير، فعيل، بمعنى فاعل، يقال فقر يفقر من باب تعب، إذا قل ~~ماله. # والمساكين: جمع مسكين، من (سكن سكونا) . ذهبت حركته، لسكونه إلى الناس، ~~وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم. قال ابن السكيت: # المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: الذي له بلغة من العيش. وكذلك قال ~~يونس، وجعل الفقير أحسن حالا من المسكين. قال: ms2489 وسألت أعرابيا: أفقير أنت؟ ~~فقال: لا، والله! بل مسكين وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالا من الفقير، وهو ~~الوجه لأن الله تعالى قال: أما السفينة فكانت لمساكين [الكهف: 79] وكانت ~~تساوي جملة، وقال في حق الفقراء: لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل ~~أغنياء من التعفف [البقرة: 273] وقال ابن الأعرابي: المسكين هو الفقير، وهو ~~الذي لا شيء له، فجعلهما سواء. كذا في (المصباح) . # قال البدر القرافي: وإذا اجتمعا افترقا، كما إذا أوصي للفقراء والمساكين، ~~فلا بد من الصرف للنوعين، وإن افترقا اجتمعا، كما إذا أوصي لأحد النوعين، ~~جاز الصرف للآخر. # قال المهايمي: ثم ذكر تعالى من يحتاج إليهم المحتاجون إلى الصدقات فقال: ~~والعاملين عليها أي الساعين في تحصيلها: القابض والوازن والكيال والكاتب، ~~ويعطون أجورهم منها. ثم ذكر من يحتاج إليهم الإمام فقال: والمؤلفة قلوبهم. # وهم قوم ضعفت نيتهم في الإسلام، فيحتاج الإمام إلى تأليف قلوبهم بالعطاء، ~~تقوية لإسلامهم، لئلا يسري ضعفهم إلى غيرهم. أو أشراف يترقب بإعطائهم إسلام ~~نظرائهم. # ثم ذكر تعالى من يعان بها في دفع الرق بقوله: وفي الرقاب. # أي وللإعانة في فك الرقاب، فيعطي المكاتبون منها ما يستعينون به على أداء ~~نجوم الكتابة، وإن كانوا كاسبين، وهو قول الشافعي والليث. أو: وللصرف في ~~عتق الرقاب، بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن ~~تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق. ولا يخفى أن (الرقاب) ~~يعم الوجهين. وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة. # PageV05P437 # ثم ذكر تعالى من نفك ذمته في الديون بقوله: والغارمين. # وهم الذين ركبتهم الديون لأنفسهم في غير معصية، ولم يجدوا وفاء. أو ~~لإصلاح ذات البين ولو أغنياء. # ثم ذكر تعالى الإعانة على الجهاد بقوله: وفي سبيل الله. # فيصرف على المتطوعة في الجهاد، ويشتري لهم الكراع والسلاح. قال الرازي: # لا يوجب قوله وفي سبيل الله القصر على الغزاة، ولذا نقل القفال في ~~(تفسيره) عن بعض الفقهاء جواز صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين ~~الموتى، وبناء الحصون، وعمارة ms2490 المساجد، لأن قوله وفي سبيل الله عام في ~~الكل. انتهى. # ولذا ذهب الحسن وأحمد وإسحاق إلى أن الحج من سبيل الله فيصرف للحجاج منه. ~~قال في (الإقناع) و (شرحه) : والحج من (سبيل الله) نصا، روي عن ابن عباس ~~وابن عمر. لما # روى أبو داود «1» # ، أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله. فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: اركبيها، فإن الحج من (سبيل الله) # . فيأخذ، إن كان فقيرا، من الزكاة ما يؤدي به فرض حج أو عمرة، أو يستعين ~~به فيه، وكذا في نافلتهما. لأن كلا من (سبيل الله) انتهى. # قال ابن الأثير: و (سبيل الله) عام، يقع على كل عمل خالص سلك به طريق ~~التقرب إلى الله عز وجل، بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع التطوعات، وإذا ~~أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور ~~عليه. انتهى. # وقال في (التاج) : كل سبيل أريد به الله عز وجل، وهو بر، داخل في (سبيل ~~الله) . # ثم ذكر تعالى الإعانة لأبناء الطريق بقوله: # وابن السبيل فيعطي المجتاز في بلد ما يستعين به على بلوغه لبلده. # وقوله تعالى: فريضة من الله ناصبه مقدر، أي فرض الله ذلك فريضة، وقوله ~~والله عليم أي بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم. وقول: حكيم أي لا يفعل إلا ~~ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي منها سوق الحقوق إلى مستحقيها. ~~PageV05P438 ### | تنبيهات: # الأول- ظاهر الآية يقضي بالقسمة بين الثمانية الأصناف ويؤيد هذا وجهان: # الأول- ما يقتضيه اللفظ اللغوي، إن قلنا: الواو للجمع والتشريك. # والثاني- ما # رواه أبو داود في سننه من قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يرض بحكم ~~نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء.. الحديث. # وقد ذهب، إلى هذا، الشافعي وعكرمة والزهري، إلا إن استغنى أحدها فتدفع ~~إلى الآخرين، بلا خلاف. # وذهبت طوائف إلى جواز الصرف في صنف واحد منهم عمر وابن عباس وحذيفة وعطاء ~~وابن جبير والحسن ومالك وأبو حنيفة، والهادي والقاسم وأسباطهما، وزيد. قال ~~في (التهذيب) : وخرجوا ms2491 عن الظاهر في دلالة الآية المذكورة والخبر، بوجوه: # الأول- أن الله تعالى قال في سورة البقرة وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو ~~خير لكم [البقرة: 271] فدل على أن ذكر العدد هنا لبيان جنس من يستحقها. # الثاني- الخبر وهو # قوله صلى الله عليه وسلم «1» لمعاذ: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في ~~أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. # الثالث- حديث سلمة بن صخر. فإنه عليه الصلاة والسلام جعل له صدقة بني ~~زريق. # الرابع- أنه لم يظهر في ذلك خلاف من جهة الصحابة فجرى كالمجمع عليه. # الخامس- المعارضة للفظ بالمعنى. فإن المقصود سد الخلة. وقال صاحب ~~(النهاية) : وهذا أقرب إلى المعنى، والأول أقرب إلى اللفظ، ويؤيد أنها ~~مستحقة بالمعنى لا بالاسم، أنا لو قلنا تستحق بالاسم لزم أن من كان فقيرا ~~غازيا غارما مسافرا، أن يستحق سهاما لهذه الأسباب جميعا- كذا في تفسير بعض ~~الزيدية-. # وقال الناصر في (الانتصاف) : القول بوجوب صرفها إلى جميع الأصناف، حتى لا ~~يجوز ترك صنف واحد منها أخذا من إشعار (اللام) بالتمليك، كما ذهب إليه ~~PageV05P439 # الشافعي- لا يسعده السياق، فإن الآية مصدرة بكلمة الحصر الدالة على قصر ~~جنس الصدقات على الأصناف المعدودة، وأنها مختصة بهم، وأن غيرهم لا يستحق ~~فيها نصيبا. كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم، فهذا هو الغرض الذي سيقت له ~~الآية، فلا اقتضاء فيها لما سواه. انتهى. # الثاني- قال بعضهم: لفظ (الصدقات) بعمومه يجمع الصدقة الواجبة والنافلة. ~~ثم إن الصدقة الواجبة تتنوع أنواعا، منها الزكوات لما هو العشر أو نصف ~~العشر أو ربع العشر، وزكاة المواشي والفطرة والكفارات، نحو كفارة اليمين ~~والظهار والصوم، وكذلك الهدي في الحج، ومنها ما يؤخذ من أموال الكفار ~~ورؤوسهم، ولهذا سمى الله الغنائم صدقة في سبب نزول الآية، وذلك في قسمة ~~غنائم (حنين) ، فإذا كان اللفظ يعم ما ذكر، فهل تحمل الآية على عمومها في ~~قسمتها على ما ذكر، أو يخصص البعض؟ # ثم قال: والعلماء قسموا الصدقات، وجعلوا مصارفها مختلفة، والكفارة لم ~~يذكر أنها تصرف في الثمانية المصارف. وقد ورد قوله تعالى: فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين ms2492 [المائدة: 89] . فإطعام ستين مسكينا [المجادلة: 4] ، وفي ~~الحديث: أطعم عن كل يوم مسكينا، وورد في الفطرة: أغنوهم هذا اليوم. وورد في ~~الغنيمة: واعلموا أنما غنمتم من شيء.. [الأنفال: 41] الآية. فهل هذه الأدلة ~~مخصصة لعموم لفظ (الصدقات) ؟ فإن الزكوات مجمع عليها في أن مصرفها الثمانية ~~الأصناف. أم كيف تنزل الآية على القواعد الأصولية؟. انتهى كلامه. # ولا يخفى كونها مخصصة لعموم لفظ الصدقات، لأن الخاص يقضي على العام على ~~أن المراد قصرها على هذه الأصناف، فكل ما ذكر لم يخرج عنها، لشمولها له. # والله أعلم. # الثالث- (المؤلفة قلوبهم) حكمهم باق، لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى ~~المؤلفة من المسلمين والمشركين، فيعطون عند الحاجة. ويحمل ترك عمر وعثمان ~~وعلي إعطاءهم، على عدم الحاجة إلى إعطائهم في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن ~~الآية من آخر ما نزل. وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر. ومنع ~~وجود الحاجة على ممر الزمان، واختلاف أحوال النفوس في القوة والضعف- لا ~~يخفى فساده. كذا في (الإقناع) و (شرحه) . # والمؤلفة كما في (الإقناع) هم رؤساء قومهم: من كافر يرجى إسلامه، أو كف # PageV05P440 # شره، ومسلم يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو نصحه في الجهاد، ~~أو في الدفع عن المسلمين، أو كف شره كالخوارج ونحوهم، أو قوة على جباية ~~الزكاة ممن لا يعطيها. انتهى. # الرابع- قال في (الإكليل) : استدل بعموم الآية من أجاز الدفع للفقير ~~القادر على الاكتساب. وللذمي، ولمن تلزمه نفقته، ولسائر القرابة، وللزوج، ~~ولآله صلى الله عليه وسلم، حيث حرموا حظهم من الخمس، ولمواليهم، ولمن جوز ~~نقلها. # وقال ابن الفرس: يؤخذ من قوله تعالى: والعاملين جواز أخذ الأجرة لكل من ~~اشتغل بشيء من أعمال للمسلمين. قال: وقد احتج به أبو عبيد على جواز أحد ~~القضاة الرزق فقال: قد فرض الله للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقا ~~بقيامهم فيها وسيعهم، فكذلك القضاة يجوز لهم أخذ الأجرة على عملهم، وكذا كل ~~من شغل بشيء من أعمال المسلمين. # الخامس- قال الزمخشري: فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة ~~الأخيرة؟ ms2493 قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، ~~لأن (في) للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة ~~لها ومصبا. وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك ~~الغارمين من الغرم- من التخليص والإنقاذ. # ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن ~~السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال. وتكرير (في) في قوله ~~تعالى: # وفي سبيل الله وابن السبيل فيه فضل ترجيح لهذين، على الرقاب والغارمين. # انتهى. # قال الناصر: وثم سر آخر هو أظهر وأقرب، وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ~~ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكا، فكان دخول اللام لائقا بهم ~~وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن ~~في مصالح تتعلق بهم. فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة ~~المكاتبون والبائعون، فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك ب ~~(اللام) المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم، وإنما هم محال لهذا الصرف، ~~والمصلحة المتعلقة به. # وكذلك (الغارمون) إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم، تخليصا لذممهم، لا ~~لهم، وأما سبيل الله فواضح فيه ذلك. وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في # PageV05P441 # سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته، مع أنه مجرد من ~~الحرفين جميعا، وعطفه على المجرور (باللام) ممكن، ولكنه على القريب منه ~~أقرب. والله أعلم. ثم قال: وكان جدي أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه استنبط ~~من تغاير الحرفين المذكورين وجها في الاستدلال لمالك، رحمه الله، على أن ~~الغرض بيان المصرف و (اللام) لذلك لام الملك، فيقول: متعلق الجار الواقع ~~خبرا عن الصدقات محذوف، فيتعين تقديره، فإما أن يكون التقدير: إنما الصدقات ~~مصروفة للفقراء، كقول مالك، أو مملوكة للفقراء، كقول الشافعي، لكن الأول ~~متعين لأنه تقدير يكتفي به في الحرفين جميعا، يصح تعلق (اللام) به و (في) ~~معا، فيصح أن نقول: # هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا، بخلاف تقديره مملوكة، فإنه إنما يلتئم مع ~~اللام، وعند ms2494 الانتهاء إلى (في) يحتاج إلى تقدير: مصروفة ليلتئم بها. ~~فتقديره من (اللام) عام التعلق، شامل الصحة، متعين، والله الموفق. انتهى. # السادس- قال الزمخشري: فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر ~~المنافقين ومكايدهم؟ قلت: دل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون ~~غيرهم على أنهم ليسوا منهم حسما لأطماعهم، وإشعارا باستيجابهم الحرمان، ~~وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها. فما لهم وما لها، وما سلطهم على التكلم ~~فيها، ولمز قاسمها صلوات الله عليه وسلامه. انتهى. # وتقدم بيانه أيضا. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 61] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ~~(61) # ومنهم أي من الذين يحلفون بالله إنهم لمنكم، من هو أشد من اللامز في ~~الصدقات إذ هم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي يسمع كل ما يقال له ~~ويصدقه، ويعنون إنه ليس بعيد الغور، بل سريع الاغترار بكل ما يسمع. # قال أبو السعود: وإنما قالوه لأنه صلوات الله عليه كان لا يواجههم بسوء ~~ما صنعوا، ويصفح عنهم حلما وكرما، فحملوه على سلامة القلب، وقالوا ما ~~قالوا. # PageV05P442 # قال اللغويون: (الأذن) الرجل المستمع القابل لما يقال له. وصفوا به ~~الواحد والجمع، فيقال: رجل أذن، ورجال أذن، وامرأة أذن، فلا يثنى ولا يجمع، ~~وإنما سموه باسم العضو تهويلا وتشنيعا، فهو مجاز مرسل، أطلق فيه الجزء على ~~الكل مبالغة بجعل جملته، لفرط استماعه، آلة السماع، كما سمي الجاسوس عينا ~~لذلك، ونحوه: # إذا ما بدت ليلى فكلي أعين ... وإن حدثوا عنها فكلي مسامع # وجعله بعضهم من قبيل التشبيه: ب (الأذن) في أنه ليس فيه وراء الاستماع ~~تمييز حق عن باطل. # قال الشهاب: وليس بشيء يعتد به. وقيل إنه على تقدير مضاف، أي ذو أذن. # قال الشهاب: وهو مذهب لرونقه. وقيل: هو صفة مشبهة من (أذن إليه وله) ~~كفرح: استمع. قال عمرو بن الأهيم: # فلما أن تسايرنا قليلا ... أذن إلى الحديث فهن صور ms2495 # ولقعنب بن أم صاحب: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني، وما سمعوا من صالح دفنوا # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا # وفي الحديث «1» ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن. قال أبو ~~عبيد: # يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لمن يتلوه، يجهر به. وقوله عز وجل: ~~وأذنت لربها وحقت [الانشقاق: 2 و 5] ، أي استمعت. كذا في (تاج العروس) . # وعلى هذا ف (أذن) صفة بمعنى سميع ولا تجوز فيه، ففيه أربعة أوجه. # وعطف قوله تعالى: ويقولون عطف تفسير: لأنه نفس الإيذاء. # وقوله تعالى: قل أذن خير لكم من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة، كرجل ~~صدق. تريد المبالغة في الجودة والصلاح، كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم ~~الأذن أو إضافته على معنى (في) أي هو أذن في الخير والحق، وفيما يجب سماعه ~~PageV05P443 # وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك. ودل عليه قراءة حمزة. (ورحمة) بالجر عطفا ~~عليه. أي هو أذن خير لكم ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أذن ~~خير بقوله: يؤمن بالله قال القاشاني: هو بيان لينه صلى الله عليه وسلم ~~وقابليته، لأن الإيمان لا يكون إلا مع سلامة القلب ولطافة النفس ولينها ~~ويؤمن للمؤمنين أي يصدق قولهم في الخيرات، ويسمع كلامهم فيها ويقبله، ورحمة ~~أي وهو رحمة للذين آمنوا منكم أي يعطف عليهم، ويرق لهم، فينجيهم من العذاب ~~بالتزكية والتعليم، ويصلح أمر معاشهم ومعادهم، بالبر والصلة، وتعليم ~~الأخلاق من الحلم والشفقة والأمر بالمعروف، باتباعهم إياه فيها، ووضع ~~الشرائع الموجبة لنظام أمرهم في الدارين، والتحريض على أبواب البر بالقول ~~والفعل، إلى غير ذلك. # قاله القاشاني. # وقال غيره: أي هو رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم، معشر المنافقين، حيث ~~يقبله، لا تصديقا لكم، بل رفقا بكم، وترحما عليكم، ولا يكشف أسراركم، ولا ~~يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى تعالى من الحكمة ~~في الإبقاء عليكم. # قال الشهاب: والمعنى: هو أذن خير يسمع آيات الله ودلائله فيصدقها ويستمع ~~للمؤمنين، فيسلم ms2496 لهم ما يقولون، ويصدقهم. وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر، ~~يسمعون آيات الله ولا يثقون بها، ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يسمع أقوالهم إلا شفقة عليهم، لا أنه يقبلها لعدم ~~تمييزه، كما زعموا. # وقال القاشاني في (تفسيره) : كانوا يؤذونه، صلوات الله عليه، ويغتابونه ~~بسلامة القلب وسرعة القبول والتصديق لما يسمع، فصدقهم في ذلك وسلم وقال: # هو كذلك، ولكن بالنسبة إلى الخير، فإن النفس الأبية والغليظة الجافية، ~~والكزة القاسية التي تتصلب في الأمور، ولا تتأثر، غير مستعدة للكمال. إذ ~~الكمال الإنساني لا يكون إلا بالقبول والتأثر، فكلما كانت النفس ألين ~~عريكة، وأسلم قلبا، وأسهل قبولا، كانت أقبل للكمال، وأشد استعدادا له. وليس ~~هذا اللين هو من باب الضعف والبلاهة الذي يقتضي الانفعال من كل ما يسمع، ~~حتى المحال، والتأثر من كل ما يرد عليه ويراه، حتى الكذب والشرور والضلال، ~~بل هو من باب اللطافة، وسرعة القبول لما يناسبه من الخير والصدق، فلذلك ~~قال: قل أذن خير إذ صفاء الاستعداد، ولطف النفس، يوجب قبول ما يناسبه من ~~باب الخيرات، لا ما ينافيه من # PageV05P444 # باب الشرور، فإن الاستعداد الخيري لا يقبل الشر، ولا يتأثر به، ولا ينطبع ~~فيه، لمنافاته إياه، وبعده عنه. انتهى. ### | لطائف: # الأولى- في قوله تعالى: قل أذن خير أبلغ أسلوب في الرد عليهم، فإنه صدقهم ~~في كونه أذنا، إلا أنه فسره بما هو مدح له، وثناء عليه. # قال الناصر: لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه، لأنه، في الأول، ~~إطماع لهم بالموافقة، ثم كر على طمعهم بالحسم، وأعقبهم في تنقصه باليأس ~~منه. # ويضاهي هذا، من مستعملات الفقهاء، القول بالموجب، لأن في أوله إطماعا ~~للخصم بالتسليم، ثم بتا للطمع على قرب، ولا شيء أقطع من الإطماع ثم اليأس ~~يتلوه ويعقبه. والله الموفق. # الثانية- (اللام) في قوله تعالى: للمؤمنين مزيدة للتفرقة بين الإيمان ~~المشهور، وهو الاعتراف، وبين الإيمان بمعنى التسليم والتصديق- قاله أبو ~~السعود تبعا للقاضي- قال الشهاب: يعني أن الإيمان بالله بمعنى الاعتراف ~~والتصديق، يتعدى بالباء، فلذا قال ms2497 (بالله) والإيمان للمؤمنين بمعنى جعلهم ~~في أمان من التكذيب بتصديقه لهم، لما علم من خلوصهم، متعد بنفسه، فاللام ~~فيه مزيدة للتقوية. # الثالثة- قال أبو السعود: إسناد الإيمان إليهم بصيغة الفعل، بعد نسبته ~~إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئة عن الرسوخ والاستمرار- للإيذان بأن ~~إيمانهم أمر حادث ما له من قرار. # وقوله تعالى: والذين يؤذون رسول الله أي بما نقل عنهم من قولهم هو أذن ~~ونحوه لهم عذاب أليم أي بما يجترءون عليه من إيذائه. # قال أبو السعود: وهذا اعتراض مسوق من قبله عز وجل على نهج الوعيد، غير ~~تحت الخطاب. وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة مضافا إلى الاسم ~~الجليل، لغاية التعظيم، والتنبيه على أن أذيته راجعة إلى جنابه عز وجل، ~~موجبة لكمال السخط والغضب. # انتهى. # وقوله تعالى: # PageV05P445 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 62] # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين قال ~~الزمخشري: الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون ~~عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ليعذروهم، ~~ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، فأحق من أرضيتم الله ~~ورسوله بالطاعة والوفاق. انتهى. # ولما كان الظاهر بعد العطف بالواو التثنية، وقد أفرد- وجهوه: # بأن إرضاء الرسول إرضاء لله تعالى لقوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله [النساء: 80] ، فلتلازمهما جعلا كشيء واحد، فعاد عليهما الضمير ~~المفرد، وأحق، على هذا، خبر عنهما من غير تقدير. # أو بأن الضمير عائد إلى الله تعالى، وأحق خبره، لسبقه. والكلام جملتان، ~~حذف خبر الجملة الثانية، لدلالة الأولى عليه. أي: والله أحق أن يرضوه ~~ورسوله كذلك. # وسيبويه جعله للثاني، لأنه أقرب، مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر ~~كقوله: # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # أو بأن الضمير لهما بتأويل ما ذكر، أو كل منهما، وأنه لم يثن تأدبا لئلا ~~يجمع بين الله وغيره في ضمير تثنية، وقد نهى عنه، ms2498 على كلام فيه. # أو بأن الكلام في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وإرضائه، فيكون ذكر ~~الله تعظيما له وتمهيدا. فلذا لم يخبر عنه، وخص الخبر بالرسول. قال الشهاب: ~~وفيه تأمل. انتهى. # وقد عهد لهم القول بمثله في آيات كثيرة، وجواب الشرط مقدر يدل عليه ما ~~قبله، وقراءة التاء على الالتفات، للتوبيخ. # وقوله تعالى: # PageV05P446 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 63] # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) # ألم يعلموا أي أولئك المنافقون. قال أبو السعود: والاستفهام للتوبيخ على ~~ما أقدموا عليه من العظيمة، مع علمهم بسوء عاقبتها. وقرئ بالتاء على ~~الالتفات، لزيادة التقريع والتوبيخ أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من فنون القوارع والإنذارات أنه من يحادد الله ورسوله ~~فأن له نار جهنم خالدا فيها أي من يخالف الله ورسوله. قال الليث: حاددته أي ~~خالفته، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة، واشتقاقه من (الحد) ، ~~بمعنى الجهة والجانب، كما أن المشاقة من (الشق) بمعناه أيضا، فإن كل واحد ~~من المتخالفين والمتعاديين في حد وشق، غير ما عليه صاحبه. # فمعنى يحادد الله يصير في حد غير حد أولياء الله، بالمخالفة. # وقال أبو مسلم: المحادة مأخوذة من الحديد، حديد السلاح. # وقوله تعالى: ذلك الخزي العظيم أي الذل والهوان الدائم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 64] # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم أي في شأنهم، فإن ما نزل في حقهم، نازل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم أي من الأسرار الخفية، فضلا عما كانوا ~~يظهرونه فيما بينهم من أقاويل الكفر والنفاق. ومعنى تنبئتها إياهم بما في ~~قلوبهم، مع أنه معلوم لهم، وأن المحذور عندهم اطلاع المؤمنين على أسرارهم، ~~لا اطلاع أنفسهم عليها- أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم، فتنتشر فيما ~~بين الناس، فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة، فكأنها ms2499 تخبرهم بها. والمراد ~~بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم، كأنها تعلم من ~~أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه، فتنبئهم بها، وتنعي عليهم قبائحهم. وقيل: ~~معنى (يحذر) ليحذر، وقيل: الضميران الأولان للمؤمنين، والثالث للمنافقين، ~~ولا يبالي بالتفكيك عند ظهور الأمر بعود المعنى إليه. أي يحذر المنافقون أن ~~تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين. أفاده أبو السعود. # PageV05P447 # فإن قلت: المنافق كافر، فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول؟ أجيب: بأن ~~القوم، وإن كانوا كافرين بدين الرسول، إلا أنهم شاهدوا أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يخبرهم بما يكتمونه، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم. # وقال الأصم: إنهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند الله، إلا أنهم ~~كفروا به حسدا وعنادا. وتعقبه القاضي بأن يبعد، في العالم بالله وبرسوله ~~وصحة دينه، أن يكون محادا لهما. لكن قال الرازي: هو غير بعيد، لأن الحسد ~~إذا قوي في القلب، صار بحيث ينازع في المحسوسات. انتهى. # وقال أبو مسلم: هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر كل شيء، ويدعي أنه عن الوحي، وكان ~~المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم، فأخبر الله رسوله بذلك، وأمره أن يعلمهم ~~أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره. ولذلك قال تعالى: قل استهزؤا أي بالله ~~وآياته ورسوله، أو افعلوا الاستهزاء، وهو أمر تهديد إن الله مخرج ما تحذرون ~~أي مظهر بالوحي ما تحذرون خروجه من إنزال السورة، ومن مثالبكم ومخازيكم ~~المستكنة في قلوبكم الفاضحة لكم، كقوله تعالى: أم حسب الذين في قلوبهم مرض ~~أن لن يخرج الله أضغانهم ... إلى قوله: ولتعرفنهم في لحن القول ### | .... # الآية [محمد: 29]- ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة (الفاضحة) ~~فاضحة المنافقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 65] # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) # ولئن سألتهم أي عن إتيانهم بتلك القبائح المتضمنة للاستهزاء بما ذكر ~~ليقولن أي في الاعتذار إنه لم يكن عن القلب حتى يكون نفاقا ms2500 وكفرا بل إنما ~~كنا نخوض أي ندخل هذا الكلام لترويح النفس ونلعب أي نمزح قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزؤن أي في ترويحكم ومزاحكم، ولم تجدوا لهما كلاما آخر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 66] # لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين (66) # لا تعتذروا أي لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فالنهي عن الاشتغال به # PageV05P448 # وإدامته إذ أصله وقع قد كفرتم أي أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والطعن فيه وباستهزائكم بمقالكم بعد إيمانكم أي بعد إظهاركم ~~الإيمان. ### | ### | تنبيه: # # قال في (الإكليل) : قال الكيا: فيه دلالة على أن اللاعب والجاد في إظهار ~~كلمة الكفر سواء، وأن الاستهزاء بآيات الله كفر- انتهى-. # قال الرازي: لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف. والعمدة الكبرى في الإيمان ~~تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال. # وقال الإمام ابن حزم في (الملل) : كل ما فيه كفر بالبارئ تعالى، واستخفاف ~~به، أو بنبي من أنبيائه، أو بملك من ملائكته، أو بآية من آياته عز وجل، فلا ~~يحل سماعه، ولا النطق به، ولا يحل الجلوس حيث يلفظ به. ثم ساق الآية. # وقوله تعالى: إن نعف عن طائفة منكم أي لتوبتهم وإخلاصهم. أو تجنبهم عن ~~الإيذاء والاستهزاء نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين أي مصرين على النفاق، أو ~~مقدمين على الإيذاء والاستهزاء. # تنبيه: # روي في صفة استهزاء المنافقين روايات عدة: # قال ابن إسحاق: كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت، أخو بني عمرو ~~ابن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشن بن حمير، (ويقال ~~مخشي) يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال ~~بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا. والله! لكأنا ~~بكم غدا مقرنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين، فقال مخشن بن حمير. ~~والله! لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأنا ننقلب أن ينزل ~~فينا قرآن، لمقالتكم هذه. # وقد قال رسول ms2501 الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني- لعمار بن ياسر: أدرك ~~القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى! قلتم: كذا ~~وكذا. فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت- ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واقف على ناقته-: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله عز وجل ~~فيهم ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب # وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي. وكان الذي عفي ~~عنه في هذه الآية # PageV05P449 # مخشن، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله تعالى أن يقتله شهيدا لا يعلم بمكانه، ~~فقتل بيوم اليمامة، فلم يوجد له أثر. انتهى. # وقال عكرمة: ممن إن شاء الله تعالى عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا ~~أعنى بها، تقشعر منها الجلود، وتوجل منها القلوب. اللهم فاجعل وفاتي قتيلا ~~في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم ~~اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد، غيره. # وممن # روي في استهزائهم أن رجلا من المنافقين قال: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، ~~أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى النبي صلوات الله عليه وقد ارتحل وركب ناقته، ~~فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن ... # الآية- وهو متعلق بسيف الرسول، وما يلتفت إليه صلى الله عليه وسلم. # قال الزجاج: (الطائفة) في اللغة أصلها الجماعة، لأنها المقدار الذي ~~يمكنها أن تطيف بالشيء، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة. انتهى. # وإيقاع الجمع على الواحد معروف في كلام العرب. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 67] # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض أي متشابهون في النفاق والبعد عن ~~الإيمان، كتشابه ms2502 أبعاض الشيء الواحد. والمراد الاتحاد في الحقيقة والصفة. ف ~~(من) اتصالية. # قال الزمخشري: أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكر وتقرير قوله (وما هم منكم) ثم وصفهم بما يدل على ~~مضادة حالهم لحال المؤمنين بقوله: يأمرون بالمنكر كالكفر والمعاصي وينهون ~~عن المعروف كالإيمان والطاعات ويقبضون أيديهم أي بخلا # PageV05P450 # بالمبرات، والإنفاق في سبيل الله، فإن قبض اليد كناية عن الشح والبخل، ~~كما أن بسطها كناية عن الجود، لأن من يعطي يمد يده، بخلاف من يمنع نسوا ~~الله فنسيهم أي أغفلوا ذكره وطاعته، فتركهم من رحمته وفضله. # قال الشهاب: معنى نسوا الله أنهم لا يذكرونه ولا يطيعونه، لأن الذكر له ~~مستلزم لإطاعته، فجعل النسيان مجازا عن الترك، وهو كناية عن ترك الطاعة، ~~ونسيان الله منع لطفه وفضله عنهم. # قال النحرير: جعل النسيان مجازا لاستحالة حقيقته عليه تعالى، وامتناع ~~المؤاخذة على نسيان البشر. # إن المنافقين هم الفاسقون أي الكاملون في الفسق، الذي هو التمرد في ~~الكفر، والانسلاخ عن كل خير. وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم ~~الفاحش الذي وصف الله به المنافقين حين بالغ في ذمهم. وإذا كره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يقول (كسلت) لأن المنافقين وصفوا بالكسل في ~~قوله: كسالى # [النساء: 142] فما ظنك بالفسق؟ أفاده الزمخشري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 68] # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها، هي حسبهم ~~أي عقابا وجزاء ولعنهم الله، ولهم عذاب مقيم أي لا ينقطع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 69] # كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي ~~خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) # كالذين من قبلكم أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثلهم، أي ممن أنعم عليهم ثم ~~عذبوا، ms2503 والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد كانوا أشد منكم قوة في ~~أنفسهم وأكثر أموالا أي تفيدهم مزيد قوة، ومنافع جمة وأولادا أي تفيدهم # PageV05P451 # مزيد قوة لا تفوت بفوات المال، ومنافع أخر فاستمتعوا بخلاقهم أي انتفعوا ~~بنصيبهم، ثم أعطاكم أيها المنافقون أقل مما أعطاهم فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أي دخلتم في الباطل، ~~كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج الذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة أي لم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين، أما في الآخرة فظاهر، وأما ~~في الدنيا فما لهم من الذل والهوان وغير ذلك وأولئك هم الخاسرون أي الذين ~~خسروا الدارين. # روى ابن جريج عن أبي هريرة قال «1» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~والذي نفسي بيده! لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، ~~وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ ~~أهل الكتاب؟ قال: فمن؟ # وفي رواية قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن: كالذين من قبلكم ... ~~الآية (قال أبو هريرة: الخلاق: الدين) قالوا: يا رسول الله! كما صنعت فارس ~~والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟ # وهذا الحديث له شاهد في الصحيح- أفاده ابن كثير-. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: فإن قلت: أي فائدة في قوله فاستمتعوا بخلاقهم؟ وقوله كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم مغن منه، كما أغنى قوله كالذي خاضوا عن أن ~~يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع ~~بما أوتوا من حظوظ الدنيا، ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن ~~النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع، ويهجن ~~أمر الراضي به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه ~~بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم، ويعذب ~~ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله. وأما وخضتم كالذي خاضوا فمعطوف على ما قبله ~~مستند إليه، مستغن، باستناده إليه، عن تلك التقدمة. # ثم وعظ تعالى المنافقين بقوله: PageV05P452 ### | ### | القول في تأويل ms2504 قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 70] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) # ألم يأتهم أي بطريق التواتر نبأ أي خبر الذين من قبلهم وهو إهلاكهم بعد ~~تنعيمهم لكفرهم قوم نوح أنعم عليهم بنعم، منها تطويل أعمارهم، ثم أهلكوا ~~بالطوفان وعاد قوم هود، أنعم عليهم بنعم منها مزيد قوتهم، ثم أهلكوا بالريح ~~وثمود قوم صالح، أنعم عليهم بنعم، منها القصور، ثم أهلكوا بالرجفة وقوم ~~إبراهيم أهلكوا بالهدم- كذا في (التنوير) . # وقال المهايمي: أنعم عليهم بنعم منها عظم الملك ثم أهلك ملكهم نمرود ~~بالبعوض الداخل في أنفه وأصحاب مدين قوم شعيب، أنعم عليهم بنعم، منها ~~التجارة، ثم أهلكهم بإفاضة النار عليهم والمؤتفكات قريات قوم لوط، ائتفكت ~~بهم، أي انقلبت بهم، فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل. # وقوله تعالى: أتتهم رسلهم بالبينات استئناف لبيان نبئهم. أن جاءتهم ~~بالآيات الدالة على رسالتهم فما كان الله ليظلمهم أي بإهلاكه إياهم، لأنه ~~أقام عليهم الحجة، بإرسال الرسل، وإزاحة العلل. والفاء للعطف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام. أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى، فما ~~ظلمهم بذلك ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي بالكفر والتكذيب، وترك شكره تعالى، ~~وصرفهم نعمه إلى غير ما أعطاهم إياها لأجله، فاستحقوا ذلك العذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 71] # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في مقابلة قوله في المنافقين بعضهم ~~من بعض [التوبة: 67] ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة أي ~~فلا يزالون يذكرونه تعالى، فهو في مقابلة ما سبق من قوله # PageV05P453 # نسوا الله [التوبة: 67] ، ويؤتون الزكاة بمقابلة قوله: ويقبضون أيديهم ~~[التوبة: 67] ، ويطيعون الله ورسوله أي في كل امر ونهي، وهو بمقابلة وصف ~~المنافقين، بكمال الفسق والخروج عن الطاعة أولئك سيرحمهم الله، إن الله ~~عزيز حكيم. ms2505 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 72] # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار أي من تحت شجرها ~~ومساكنها أنهار الخمر والماء والعسل واللبن خالدين فيها ومساكن طيبة أي ~~منازل حسنة تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش في جنات عدن أي إقامة وثبات ~~ويقال عدن علم لموضع معين في الجنة، لآثار فيه، ولما كان ومساكن معطوفا على ~~جنات قيل: إن المتعاطفين إما أن يتغايرا بالذات، فيكونوا وعدوا بشيئين، ~~وهما الجنات بمعنى البساتين ومساكن في الجنة، فلكل أحد جنة ومسكن. أو ~~الجنات المقصود بها غير عدن، وهي لعامة المؤمنين، و (عدن) للنبيين عليهم ~~الصلاة والسلام، والشهداء والصديقين. وإما أن يتحدا ذاتا. ويتغايرا صفة، ~~فينزل التغاير الثاني منزلة الأول، ويعطف عليه، فكل منهما عام، ولكن الأول ~~باعتبار اشتمالها على الأنهار والبساتين، والثاني باعتبار الدور والمنازل. # قال القاضي: فكأنه وصف الموعود أولا بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي ~~يعرفونها لتميل إليه طباعهم، أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب ~~العيش، معرى من شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا، ~~وفيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين. ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار ~~العليين، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال ~~ورضوان من الله أكبر إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة، وبه يناط نيل كل شرف ~~وسيادة، ولعل عدم نظمه في سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل ~~موعود، ولأنه مستمر في الدارين. أفاده أبو السعود. # وإيثار رضوان الله على ما ذكر، إشارة إلى إفادة أن قدرا يسيرا منه خير من ~~ذلك. # PageV05P454 # وقد روى الإمام مالك والشيخان «1» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل ms2506 يقول لأهل الجنة: يا أهل ~~الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ ~~فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ~~فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ # فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط ~~عليكم بعده أبدا. # وروى المحاملي والبزار عن جابر، رفعه: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله ~~عز وجل: هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا! ما هو خير مما أعطيتنا؟ ~~قال: # رضواني أكبر. # ذلك هو الفوز العظيم أي لا ما يعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 73] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين قيل: مجاهدة المنافقين بالحجة لا ~~بالسيف. قال في (العناية) ظاهر الآية يقتضي مقاتلة المنافقين، وهم غير ~~مظهرين للكفر، ونحن مأمورون بالظاهر، فلذا فسر الآية السلف بما يدفع ذلك، ~~بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى، سواء كان بالقتال أو ~~بغيره، وهو إن كان حقيقة فظاهر، وإلا حمل على عموم المجاز، فجهاز الكفار ~~بالسيف، وجهاد المنافقين بإلزامهم الحجج، وإزالة الشبه ونحوه. أو بإقامة ~~الحدود عليهم، إذا صدر منهم موجبها، كما روي عن الحسن في الآية. وقيل عليه ~~بأن إقامتها واجبة على غيرهم أيضا، وأجيب بأنها في زمنه صلى الله عليه وسلم ~~أكثر ما صدرت عنهم. انتهى. # قال ابن العربي: هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما ~~المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا، ~~وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين. PageV05P455 # وقال ابن كثير: روي عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بأربعة أسياف، سيف للمشركين: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين [التوبة: 5] وسيف للكفار أهل الكتاب: قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ... # [التوبة: 29] الآية- وسيف للمنافقين: جاهد الكفار والمنافقين ms2507 [التوبة: # 73] و [التحريم: 9] وسيف للبغاة: فقاتلوا التي تبغي ... [الحجرات: 9] ~~الآية # - وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن ~~جرير. # انتهى. # وفي (الإكليل) استدل بالآية من قال بقتل المنافقين. انتهى. # واغلظ عليهم أي اشدد على كلا الفريقين بالقول والفعل ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 74] # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير (74) # يحلفون بالله ما قالوا أي فيك شيئا يسوءك ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان: ~~جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا ~~تنصرون أخاكم! والله، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: (سمن كلبك ~~يأكلك) . وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها ~~رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله، فجعل ~~يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية. # وروى الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق أن الجلاس بن سويد بن الصامت- وكان ~~ممن تخلف من المنافقين- لما سمع ما ينزل فيهم قال: والله لئن كان هذا الرجل ~~صادقا فيما يقول، لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد، وكان في حجره، ~~فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم علي أن ~~يصله شيئا تكرهه، ولقد قلت مقالة، فإن ذكرتها لتفضحني، ولئن كتمتها ~~لتهلكني، ولإحداهما أهون علي من الأخرى. فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر له ما # PageV05P456 # قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فحلف بالله ما قالها، فأنزل الله عز وجل فيه يحلفون بالله ... الآية- فوقفه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، ms2508 فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ~~ونزع فأحسن النزوع. # وهاتان الروايتان وغيرهما مما روي هنا، كله مما يفيد تنوع مقالات وكلمات ~~مكفرة لهم مما هو من هذا القبيل، وإن لم يمكنا تعيين شيء منها في هذه ~~الآية. # وقوله تعالى: وهموا بما لم ينالوا قال ابن كثير: قيل أنزلت في الجلاس بن ~~سويد، وذلك أنه هم بقتل عمير ابن امرأته، لما رفع كلمته المتقدمة إلى النبي ~~صلوات الله عليه. وقد ورد أن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي، في حال السير، ~~وكانوا بضعة عشر رجلا. قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. # قال الإمام أحمد في مسنده «1» : حدثنا يزيد أخبرنا الوليد بن عبد الله بن ~~جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة ~~تبوك، أمر مناديا فنادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة، فلا ~~يأخذها أحد. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة، ويسوق به ~~عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غشوا عمارا، وهو يسوق برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأقبل عمار رضي الله عنه يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: قد قد. حتى هبط رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل، ورجع عمار! فقال: يا ~~عمار! هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: هل ~~تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم. # قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه. قال: فساب ~~عمار رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نشدتك بالله، كم ~~تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلا. فقل: إن كنت فيهم فقد كانوا ~~خمسة عشر. قال فعدد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة، قالوا: والله ~~ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما علمنا ما ms2509 أراد القوم. # فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد. وما نقموا أي ما أنكروا وما عابوا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله فإنهم كانوا قبل مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة في ظنك ~~من العيش، فأثروا بالغنائم، وقتل للجلاس مولى، فأمر له النبي صلى الله عليه ~~وسلم بديته فاستغنى. والمعنى أن المنافقين عملوا بضد الواجب، فجعلوا موضع ~~شكر النبي صلى الله عليه وسلم ما هموا به، ولا ذنب إلا تفضله عليهم، فهو ~~على حد قولهم: ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك، وقول ابن قيس الرقيات: ~~PageV05P457 # ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا # وقول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ويقال: نقم من فلان الإحسان (كعلم) إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة ~~كما في (التاج) - ثم دعاهم تعالى إلى التوبة بقوله: فإن يتوبوا أي من الكفر ~~والنفاق يك خيرا لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا أي ~~بالقتل والهم والغم والآخرة أي بالنار وغيرها وما لهم في الأرض من ولي أي ~~يشفع لهم في دفع العذاب ولا نصير أي فيدفعه بقوته. # ثم بين تعالى بعض من نقم لإغناء الله تعالى إياه بما آتاه من فضله، ممن ~~نكث في يمينه، وتولى عن التوبة، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 75] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) # ومنهم من عاهد الله أي حلف به لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين أي بإعطاء كل ذي حق حقه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 76] # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا أي من العهد وهم معرضون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 77] # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا ms2510 يكذبون (77) # فأعقبهم أي فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك، أو فأورثهم البخل نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه أي من التصدق والصلاح وبما كانوا ~~يكذبون في العهد. # PageV05P458 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 78] # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم أي ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما ~~وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وأن الله علام الغيوب ~~أي ما غاب عن العباد. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيوطي في (لباب النقول) : أخرج الطبراني وابن مردويه وابن ~~أبي حاتم والبيهقي في (الدلائل) بسند ضعيف عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب ~~قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالا. قال: ويحك يا ثعلبة! قليل ~~تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه. قال: والله لئن آتاني الله مالا لأوتين ~~كل ذي حق حقه. فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، ~~فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي ~~المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة ثم يخرج إليها، ثم نمت، فتنحى بها، ~~فترك الجمعة والجماعات. ثم أنزل الله على رسوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها [التوبة: 103] ، فاستعمل على الصدقات رجلين، وكتب لهما كتابا، ~~فأتيا ثعلبة، فأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلقا إلى ~~الناس، فإذا فرغتم فمروا بي ففعلا، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا، ~~فأنزل الله ومنهم من عاهد الله ... إلى قوله يكذبون الحديث. # وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وفيه أنه ~~جاء بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال له: إن الله منعني أن ~~أقبل منك، فجعل التراب على رأسه. فقال: هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني، فقبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم ~~يقبلها، وكذا عمر وعثمان، ms2511 ثم إنه هلك في أيام عثمان # . قال الشهاب: مجيء ثعلبة وحثوه التراب، ليس للتوبة من نفاقه، بل للعار ~~من عدم قبول زكاته مع المسلمين. وقوله صلوات الله عليه: هذا عملك، أي جزاء ~~عملك، وهو عدم إعطائه المصدقين، مع مقالته الشنعاء. # قال الحاكم: إن قيل: كيف لم تقبل صدقته وهو مكلف بالتصدق؟ أجيب: # PageV05P459 # بأنه يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك، كيلا يجترئ الناس على نقض العهد، ~~ومخالفة أمر الله تعالى، ورد سعاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون لطفا في ~~ترك البخل والنفاق. # الثاني- قال بعض المفسرين من الزيدية: ثمرة الآية وسبب نزولها أحكام: # منها- أن الوفاء بالوعد واجب، إذا تعلق العهد بواجب. والعهد إن حمل على ~~اليمين بالله، فذلك ظاهر، وإن حمل على النذر، ففي ذلك تأكيد لما أوجب الله. # ومنها- أن للإمام أن يفعل مثل ذلك لمصلحة، أي يمتنع من أخذ الواجب إذا ~~حصل له وجه شابه الوجه الذي حصل في قصة ثعلبة. انتهى. # الثالث- قال السيوطي في (الإكليل) : فيها أن إخلاف الوعد والكذب من خصال ~~النفاق، فيكون الوفاء والصدق من شعب الإيمان. وفيها المعاقبة على الذنب بما ~~هو أشد منه لقوله: فأعقبهم نفاقا واستدل بها قوم على أن من حلف إن فعل كذا ~~فلله علي كذا، أنه يلزمه. وآخرون على أن مانع الزكاة يعاقب بترك أخذها منه. # كما فعل بمن نزلت الآية فيه. انتهى. # الرابع- قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أن نقض العهد، وخلف الوعد، يورث ~~النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله في أمر ~~فليجتهد في الوفاء به. ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا ~~محالة، وتمسك فيه بهذه الآية، # وبقوله عليه السلام «1» : (ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم ~~أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) . # الخامس- دل قوله تعالى: إلى يوم يلقونه على أن ذلك المعاهد مات منافقا. ~~قال الرازي: وهذا الخبر وقع مخبره مطابقا له، فإنه # روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ms2512 بصدقته فقال: إن الله تعالى ~~منعني أن أقبل صدقتك. # وبقي على تلك الحالة. # وما قبل أحد من الخلفاء رضي الله عنهم صدقته حتى مات. فكان إخبارا عن ~~غيب، فكان معجزا. # السادس- الضمير في (يلقونه) للفظ الجلالة، والمراد ب (اليوم) يوم ~~القيامة. # وله نظائر كثيرة في التنزيل. وأعرب بعض المفسرين حيث قال: الضمير في ~~(يلقونه) PageV05P460 # إما لله، والمراد باليوم وقت الموت، أو للبخل والمراد يوم القيامة ~~والمضاف محذوف، وهو الجزاء. انتهى. # واللقاء إذا أضيف إلى الكفار كان لقاء مناسبا لحالهم من وقوفهم للحساب مع ~~حجبهم عنه تعالى، لأنهم ليسوا أهلا لرؤيته، تقدس اسمه. وإذا أضيف إلى ~~المؤمنين، كما في قوله تعالى: تحيتهم يوم يلقونه سلام [الأحزاب: 44] ، كان ~~لقيا مناسبا لمقامهم من رؤيته تعالى. وذلك لما أفصحت عنه آيات أخر من حال ~~الفريقين، مما يتنزل مثل ذلك عليها. فمن وقف في بعض الآيات على لفظة، وأخذ ~~يستنبط منها، ولم يراع من استعملت فيه، وأطلقت عليه، كان ذلك جمودا وتعصبا، ~~لا أخذا بيد الحق. نقول ذلك ردا لقول الجبائي: إن اللقاء في هذه الآية لا ~~يفيد رؤيته تعالى، للإجماع على أن الكفار لا يرونه تعالى، فلا يفيدها أيضا ~~في قوله تعالى: # تحيتهم يوم يلقونه سلام. وللرازي معه مناقشة من طريق أخرى. وما ذكرناه ~~أمتن. والله أعلم. # السابع- قال الرازي: (السر) ما ينطوي عليه صدورهم، و (النجوى) ما يفاوض ~~فيه بعضهم بعضا فيما بينهم، وهو مأخوذ من النجو، وهو الكلام الخفي، كأن ~~المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما، وتباعدا من غيرهما. # ثم بين تعالى من مساوئ المنافقين نوعا آخر، وهو لمزهم المتصدقين بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 79] # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # الذين يلمزون أي يعيبون المطوعين أي المتبرعين من المؤمنين في الصدقات ~~فيزعمون أنهم تصدقوا رياء والذين أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم أي ~~لا يجدون ما يتصدقون به إلا قليلا، وهو مقدار طاقتهم فيسخرون ms2513 منهم أي ~~يهزئون بهم، ويقولون إن الله غني عن صدقتهم سخر الله منهم أي جازاهم على ~~سخرهم ولهم عذاب أليم روى البخاري «1» في صحيحه عن أبي PageV05P461 # مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل فجاء رجل فتصدق ~~بشيء كثير، فقالوا: مرائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن ~~صدقة هذا، فنزلت: الذين يلمزون ... الآية- ورواه مسلم «1» أيضا. # وروى الإمام أحمد «2» عن أبي السليل عن رجل حدثه عن أبيه أو عمه أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم ~~القيامة؟ فجاء رجل لم أرى رجلا أشد منه سوادا، ولا أصغر منه ولا أدم، بناقة ~~لم أر أحسن منها، فقال: يا رسول الله، دونك هذه الناقة. قال: فلمزه رجل ~~فقال: هذا يتصدق بهذه، فو الله لهي خير منه! فسمعها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: كذبت! بل هو خير منك ومنها (ثلاث مرات) . ثم قال: ويل ~~لأصحابك إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله. # قال ابن إسحاق: كان المطوعون من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، ~~وعاصم بن عدي أخا بني عجلان. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في ~~الصدقة، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم ~~بن عدي وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا. ما هذا إلا رياء. وكان ~~الذي تصدق بجهده أبا عقيل، أخا بني أنيف، أتى بصاع من تمر، فأفرغها في ~~الصدقة فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. # وروى الحافظ البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثا. فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: ~~يا رسول الله! عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما لربي، وألفين لعيالي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما ~~أمسكت. وبات رجل من ms2514 الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله! أصبت ~~صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي. قال، فلمزه المنافقون وقالوا: ~~ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء، وقالوا ألم يكن الله ورسوله غنيين عن ~~صاع هذا؟ فأنزل الله الآية. # وقوله صلى الله عليه وسلم (أريد أن أبعث بعثا) # أي لغزو الروم، وذلك في غزوة تبوك. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية تحريم اللمز والسخرية ~~بالمؤمنين. انتهى. PageV05P462 # الثاني- في الذين يلمزون وجوه من الإعراب: خير مبتدأ بتقدير (هم الذين) ~~أو مفعول أعني أو أذم الذين، أو مجرور بدل من ضمير سرهم، وجوز أيضا أن يكون ~~مبتدأ خبره سخر الله منهم، وقيل: فيسخرون، ودخلت (الفاء) لما في (الذين) من ~~الشبه بالشرط. وأما الذين لا يجدون ... إلخ فقيل: # معطوف على الذين يلمزون وقيل: على المؤمنين، والأحسن أنه معطوف على ~~(المطوعين) . # قال في (الفتح) : ويكون من عطف الخاص على العام، والنكتة فيه التنويه ~~بالخاص، لأن السخرية من المقل أشد من المكثر غالبا. # الثالث- قال في (الفتح) : قراءة الجمهور المطوعين بتشديد الطاء والواو. # وأصله المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء. انتهى. أي لقرب المخرج. والتطوع ~~التنفل، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب. و (الجهد) ، قال الليث: هو ~~شيء قليل يعيش به المقل، وبضم الجيم قرأ الجمهور. وقرأ ابن هرمز وجماعة ~~بالفتح، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: المفتوح بمعنى المشقة، والمضموم ~~بمعنى الطاقة. وقيل: المضموم قليل يعاش به، والمفتوح: العمل. والمختار ~~أنهما بمعنى، وهو الطاقة وما تبلغه القوة. قال الفراء: الضم لغة أهل ~~الحجاز، والفتح لغيرهم. والهزء والسخرية بمعنى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 80] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # استغفر لهم أي لهؤلاء المنافقين أو لا تستغفر لهم أي فإنهما في حقهما ~~سواء. ثم بين استحالة المغفرة لهم وإن بولغ في الاستغفار بقوله تعالى: إن ~~تستغفر ms2515 لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ذلك أي عدم الغفران لهم بأنهم ~~كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين أي الخارجين عن حدوده. ### | تنبيهات: # الأول- جملة قوله تعالى استغفر لهم إلخ، إنشائية لفظا، خبرية معنى. # والمراد التسوية بين الاستغفار لهم، وتركه، في استحالة المغفرة. وتصويره ~~بصورة # PageV05P463 # الأمر، للمبالغة في بيان استوائهما. كأنه عليه الصلاة والسلام أمر ~~بامتحان الحال، بأن يستغفر تارة، ويترك أخرى، ليظهر له جلية الأمر، كما مر ~~في قوله تعالى: قل أنفقوا طوعا أو كرها [التوبة: 53] ، وقد وردت بصيغة ~~الخبر في سورة «المنافقون» في قوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ~~[المنافقون: 5- 6] . # الثاني- قال الزمخشري: (السبعون) جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير. # قال علي بن أبي طالب عليه السلام: # لأصبحن العاص وابن العاصي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي # أي فذكرها للمبالغة في حسم مادة الاستغفار لهم، جريا على أساليب العرب في ~~ذكرها للمبالغة لا للتحديد، بأن يكون ما زاد عليها بخلافها. # وقال أبو السعود: شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق ~~التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنها العدد بأسره. وقيل: ~~هي أكمل الأعداد، لجمعها معانيها، ولأن الستة أول عدد تام، لتعادل أجزائها ~~الصحيحة، إذ نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجملتها ستة، وهي مع ~~الواحد سبعة، فكانت كاملة إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال. ثم السبعون ~~غاية الكمال، إذ الآحاد غايتها العشرات. والسبعمائة غاية الغايات- انتهى-. # الثالث- # روى البخاري «1» وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، لما أراد أن يصده عن الصلاة على عبد الله بن أبي: إنما خيرني ~~الله فقال: # استغفر لهم الآية وسأزيده على السبعين # . فظاهر هذا أن (أو) للتخيير، وأن السبعين له حد يخالفه حكم ما وراءه، ~~وهو من الإشكال بمكان. ولذا قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ms2516 ~~صلى الله عليه وسلم، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته؟ ~~والذي يفهم من هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: ذلك بأنهم ~~كفروا ... الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم، حتى قال: # قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين. ثم أجاب الزمخشري بقوله: قلت لم يخف ~~PageV05P464 # عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، ~~كقول إبراهيم عليه السلام: ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 36] وفي ~~إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة لطف لأمته، ودعاء لهم إلى ~~ترحم بعضهم على بعض. # انتهى. # قال الشراح: يعني أنه أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون ~~التكثير، فجوز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة، كما جعل ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة ~~الأصنام، قوله فإنك غفور رحيم دون أن يقول: (شديد العقاب) فخيل أنه يرحمهم ~~ويغفر لهم رأفة بهم، وحثا على الاتباع. وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر ~~مجازه، لا ينافي فصاحته، ومعرفته باللسان، فإنه لا خطأ فيه، ولا بعد، إذ هو ~~الأصل. ورجحه عنده شغفه بهدايتهم، ورأفته بهم، واستعطاف من عداهم. # قال الناصر: وقد أنكر القاضي رضي الله عنه حديث الاستغفار، ولم يصححه، ~~وتغالى قوم في قبوله، حتى إنهم اتخذوه عمدة في مفهوم المخالفة، وبنوه على ~~أنه عليه السلام فهم من تحديد نفي الغفران بالسبعين، ثبوت الغفران بالزائد ~~عليه، وذلك سبب إنكار القاضي عليهم وقيل: لما سوى الله بين الاستغفار ~~وعدمه، ورتب عليه عدم القبول، ولم ينه عنه، فهم أنه خير ومرخص فيه، وهذا ~~مراده صلى الله عليه وسلم، لا أنه فهم التخيير من (أو) ، حتى ينافي التسوية ~~بينهما، المرتب عليها عدم المغفرة، وذلك تطيبا لخاطرهم، وأنه لم يأل جهدا ~~في الرأفة بهم. # قال الشهاب: والتحقيق أن المراد التسوية في عدم الفائدة، وهي لا تنافي ~~التخيير، ثبت فهو بطريق الاقتضاء، لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا ~~فعلهما، فلا بد من أحدهما. فقد ms2517 يكون في الإثبات كقوله تعالى: سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم [البقرة: 6] ، لأنه مأمور بالتبليغ، وقد يكون في ~~النفي كما هنا، وفي قوله: # سواء عليهم أستغفرت لهم ... [المنافقون: 6] الآية- فهو محتاج إلى البيان. # ولذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه رخص لي) # ولعله رخص له في ابن أبي لحكمة، وإن لم يترتب عليه فائدة القبول. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ~~لما نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله ~~تعالى: سواء عليهم أستغفرت # PageV05P465 # لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم # ثم قال: ويحتمل أن تكون الآيتان معا نزلتا في ذلك انتهى. # ثم أشار تعالى إلى نوع آخر من مساوئ المنافقين وهو جعلهم الفرح مكان ~~الحزن، والكراهة مكان الرضا. بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 81] # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله المخلفون: هم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المنافقين، فأذن لهم في التخلف كما قلنا، أو لأنه خلفهم في المدينة في غزوة ~~تبوك. وإيثار المخلفون على (المتخلفون) ، لأنه صلى الله عليه وسلم منع ~~بعضهم من الخروج، فغلب على غيرهم. أو المراد من خلفهم كسلهم أو نفاقهم. أو ~~لأن الشيطان أغراهم بذلك، وحملهم عليه. وقوله تعالى: بمقعدهم متعلق ب (فرح) ~~، أي بقعودهم عن غزوة تبوك. ف (مقعد) على هذا مصدر ميمي، أو هو اسم مكان، ~~والمراد به المدينة. # وقوله خلاف رسول الله أي خلفه، وبعد خروجه، حيث خرج ولم يخرجوا. ف (خلاف) ~~ظرف بمعنى خلف وبعد. يقال: فلان أقام خلاف الحي أي بعدهم، ظعنوا ولم يظعن ~~ويؤيده قراءة ms2518 من قرأ (خلف رسول الله) ، فانتصابه على أنه ظرف ل (مقعدهم) ، ~~إذ لا فائدة لتقييد فرحهم بذلك. # قال الشهاب: واستعمال (خلاف) بمعنى (خلف) لأن جهة الخلف خلاف الأمام، ~~وجوز أن يكون (الخلاف) بمعنى (المخالفة) ، فهو مصدر (خالف) ، كالقتال. ~~ويعضده قراءة من قرأ (خلف رسول الله) بضم الخاء، وفي نصبه وجهان: # الأول- أنه مفعول له، والعامل إما (فرح) أي فرحوا لأجل مخالفته صلى الله ~~عليه وسلم بالقعود. وإما (مقعدهم) أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته صلى الله ~~عليه وسلم، فهو علة إما للفرح أو للقعود. # والثاني- أنه حال، والعامل أحد المذكورين، أي فرحوا مخالفين له صلى الله ~~عليه وسلم بالقعود، أو فرحوا بالقعود مخالفين له. # PageV05P466 # وقوله تعالى: وكرهوا إلخ أي لما في قلوبهم من مرض النفاق. # قال أبو السعود: وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم على أن يقال: (وكرهوا ~~أن يخرجوا إلى الغزو) إيذانا بأن الجهاد في سبيل الله، مع كونه من أجل ~~الرغائب، وأشرف المطالب، التي يجب أن يتنافس بها المتنافسون، قد كرهوه، كما ~~فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الزمخشري: في قوله تعالى: وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم تعريض ~~بالمؤمنين، وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى، وبما فعلوا من بذل ~~أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض (أي ~~الراحة والتنعم بالمآكل والمشارب) وكره ذلك المنافقون. وكيف لا يكرهونه؟ ~~وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي الإيقان. # قال الشهاب: ووجه التعريض ظاهر، لأن المراد كرهوه، لا كالمؤمنين الذين ~~أحبوه. # وقوله تعالى: وقالوا لا تنفروا في الحر أي قالوا لإخوانهم لا تنفروا إلى ~~الجهاد في الحر، فإنه لا يستطاع شدته. وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في ~~شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، وذلك تثبيتا لهم على التخلف، وتواصيا ~~فيما بينهم بالشر والفساد. أو قالوا للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد، ونهيا ~~عن المعروف، وإظهارا لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به من القعود. ~~فقد جمعوا ثلاث خلال من ms2519 خصال الكفر والضلال: الفرح بالقعود، وكراهية ~~الجهاد، ونهى الغير عن ذلك- أفاده أبو السعود-. # وقوله تعالى: قل أي ردا عليهم وتجهيلا لهم نار جهنم أي التي ستدخلونها ~~بما فعلتم أشد حرا أي مما تحذرون من الحر المعهود، وتحذرون الناس منه، فما ~~لكم لا تحذرونها، وتعرضون أنفسكم لها، بإيثار القعود على النفير. # وقوله تعالى: لو كانوا يفقهون اعتراض تذييلي من جهته تعالى، غير داخل تحت ~~القول المأمور به، مؤكد لمضمونه. وجواب (لو) إما مقدر، أي لو كانوا يفقهون ~~أنها كذلك، أو كيف هي أو أن مآلهم إليها- لما فعلوا ما فعلوا، أو لتأثروا ~~بهذا الإلزام. وإما غير منوي، على أن (لو) لمجرد التمني المنبئ عن امتناع ~~تحقق مدخولها. أي لو كانوا من أهل الفطانة والفقه، كما في قوله تعالى قل ~~انظروا ماذا # PageV05P467 # في السماوات والأرض، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] كذا في (أبي السعود) -. ### | تنبيهان: # الأول- قال الزمخشري: قوله تعالى: قل نار جهنم.. إلخ، استجهال لهم، لأن ~~من تصون من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل ~~جاهل. ولبعضهم: # مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم، أريها شبه الصاب # فكيف بأن تلقي مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب # - انتهى-. # أي فهم كما قال الآخر: # كالمستجير من الرمضاء بالنار # وقال آخر: # عمرك بالحمية أفنيته ... خوفا من البارد والحار # وكان أولى لك أن تتقي ... من المعاصي حذر النار # الثاني- # روى الإمام مالك «1» والشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: نار بني آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءا- زاد الإمام أحمد: من ~~نار جهنم. # وروى الشيخان «2» عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة، لمن له نعلان وشراكان من نار ~~يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل. لا يرى أن أحدا من أهل النار أشد عذابا ~~منه، وإنه أهونهم عذابا. # ثم أخبر تعالى عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل، والبكاء الطويل، ~~المؤدي إليه ms2520 أعمالهم السيئة، التي من جملتها ما ذكر من الفرح، بقوله ~~سبحانه. PageV05P468 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 82] # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) # فليضحكوا قليلا أي ضحكا قليلا، أو زمانا قليلا، غايته مدة حياتهم وليبكوا ~~كثيرا أي بكاء، أو زمانا كثيرا، بعد الموت، أبد الآباد جزاء بما كانوا ~~يكسبون أي بفرحهم بمخالفة الله ورسوله، من الكفر والمعاصي العظائم. ### | ### | لطائف: # # الأولى- سر إخراج حالهم الدنيوي والأخروي على صيغة الأمر، الدالة على ~~تحتم وقوع المخبر به، فإن أمر الآمر المطاع مما لا يكاد يتخلف عنه المأمور ~~به. فإن قيل: إنهم ذكروا أنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة، لاقتضائه تحقق ~~المأمور به، فالخبر آكد، فما باله عكس هنا؟ فالجواب: لا منافاة بينهما، لأن ~~لكل مقام مقالا، والنكت لا تتزاحم، فإذا عبر عن الأمر بالخبر، لإفادة أن ~~المأمور، لشدة امتثاله، كأنه وقع منه ذلك، وتحقق قبل الأمر- كان أبلغ. وإذا ~~عبر عن الخبر بالأمر كأنه لإفادة لزومه ووجوبه، فكأنه مأمور به- أفاد ذلك ~~مبالغة من جهة أخرى. # الثانية- الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في قوله: بما كانوا يكسبون ~~دلالة على الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا. # الثالثة- (جزاء) مفعول له للفعل الثاني. أي ليبكوا جزاء. أو مصدر حذف ~~ناصبه. أي يجزون بما ذكر من البكاء الكثير جزاء. # ولما جلى سبحانه ما جلى من أمرهم، فرع عليه قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 83] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) # فإن رجعك الله أي ردك من غزوة تبوك إلى طائفة منهم أي من المنافقين ~~المتخلفين في المدينة فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، دفعا ~~للعار السابق فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة أي فخذلكم الله، وسقطتم عن نظره، بل غضب عليكم، وألزمكم ~~العار فاقعدوا مع الخالفين أي من النساء والصبيان دائما. # PageV05P469 ### | لطائف: # قوله تعالى: ms2521 لن تخرجوا معي أبدا إخبار في معنى النهي للمبالغة، وذكر ~~القتال لأنه المقصود من الخروج. فلو اقتصر على أحدهما كفى إسقاطا لهم عن ~~مقام الصحبة، ومقام الجهاد، أو عن ديوان الغزاة، وديوان المجاهدين، وإظهارا ~~لكراهة صحبتهم، وعدم الحاجة إلى عدهم من الجند. أو ذكر الثاني للتأكيد، ~~لأنه أصرح في المراد، والأول لمطابقته لسؤاله كقوله: # أقول له ارحل لا تقيمن عندنا # فهو أدل على الكراهة لهم- أفاده الشهاب-. # قال أبو السعود فكان محو أساميهم من دفتر المجاهدين، ولزهم في قرن ~~الخالفين، عقوبة لهم أي عقوبة. ثم قال: وتذكير اسم التفضيل المضاف إلى ~~المؤنث، هو الأكثر الدائر على الألسنة. فإنك لا تكاد تسمع قائلا يقول: هي ~~كبرى امرأة، أو أولى مرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 84] # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا قال المهايمي: لأنها شفاعة، ولا شفاعة في ~~حقهم ولا تقم على قبره أي لا تقف عليه للدفن أو للزيارة والدعاء. قال ~~الشهاب: القبر مكان وضع الميت، ويكون بمعنى الدفن، وجوز هنا: إنهم كفروا ~~بالله ورسوله في الحياة في الباطن وماتوا وهم فاسقون أي خارجون عن الإيمان ~~الظاهر، الذي كانوا به في حكم المؤمنين. ### | تنبيهات: # الأول- # روى الشيخان «1» في سبب نزول الآية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما ~~توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فسأله أن PageV05P470 # يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي ~~عليه،؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله فقال: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~[التوبة: 80] وسأزيده على السبعين. ms2522 قال: إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية ولا تصل على أحد منهم ... ~~إلخ # . قال الحافظ أبو نعيم: وقع # في رواية في قول عمر: (أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الصلاة على ~~المنافقين؟) # ولم يبين محل النهي. فوقع بيانه في رواية أبي ضمرة عن العمري: وهو أن ~~مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه (وقد نهاك الله أن تستغفر لهم) ~~انتهى. يعني في قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى [التوبة: 113] فإنها نزلت في قصة أبي طالب ~~حين # قال صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك، ما لم أنه عنك. # وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقا، ووفاة عبد الله بن أبي في ~~ذي القعدة سنة تسع بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك. كذا في (فتح ~~الباري) . # ووقع في مسند الإمام أحمد ما تقدم من حديث عمر نفسه. # قال عمر: لما توفي عبد الله بن أبي دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقام عليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة عليه، تحولت حتى قمت في صدره فقلت: ~~يا رسول الله! أعلى عدو الله: # عبد الله بن أبي القائل يوم كذا، كذا وكذا؟ يعدد أيامه- قال: ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر. إني ~~خيرت فاخترت. قد قيل لي: استغفر لهم.. الآية- لو أعلم أني لو زدت على ~~السبعين، غفر له، لزدت. # قال: ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره، حتى فرغ منه. قال: فعجبت من ~~جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم. قال: فو الله! ~~ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~الآية- فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على ~~قبره، حتى قبضه الله عز وجل. # ورواه البخاري «1» والترمذي «2» أيضا. PageV05P471 # وروي الإمام أحمد «1» عن جابر ms2523 قال: لما مات عبد الله بن أبي، أتى ابنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك إن لم تأته لم نزل نعير ~~به، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده قد أدخل في حفرته فقال: أفلا ~~قبل أن تدخلوه؟ فأخرج من حفرته، وتفل عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه، ~~وألبسه قميصه «2» . ورواه النسائي. وروى «3» نحوه البخاري والبزار في ~~مسنده، وزاد: فأنزل الله الآية. زاد ابن إسحاق في المغازي بسنده قال: فما ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله، ولا قام ~~على قبره. # وقد روى «4» الإمام أحمد عن أبي قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا دعي إلى جنازة سأل عنها، فإن أثني عليها خير قام فصلى عليها، وإن ~~كان غير ذلك، قال لأهلها: شأنكم بها. ولم يصل عليها. # الثاني- إنما منع صلى الله عليه وسلم من الصلاة على أحدهم إذا مات، لأن ~~صلاة الميت دعاء واستغفار واستشفاع له. والكافر ليس بأهل لذلك. # الثالث- قال: السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى: ولا تصل على أحد ~~منهم الآية- تحريم الصلاة على الكافر، والوقوف على قبره، وأن دفنه جائز: # ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه، ومشروعية الوقوف على قبره، ~~والدعاء له، والاستغفار. انتهى. # قال عثمان رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ~~دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن ~~يسأل- انفرد بإخراجه أبو داود «5» -. # الرابع- قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : ظاهر الآية أنها نزلت في جميع ~~المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم: # قال الواقدي: أنبأنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إني مسر إليك سرا، فلا تذكره لأحد. إني نهيت أن أصلي ~~على فلان وفلان، رهط ذوي عدد من المنافقين. PageV05P472 # قال، فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه، ~~وإلا لم يصل عليه. ms2524 # ومن طريق أخرى، عن جبير بن مطعم أنهم اثنا عشر رجلا. وقال حذيفة مرة: # إنه لم يبق منهم غير رجل واحد. ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك، أن ~~الله علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا. انتهى. # ثم بين تعالى أن دوام غضبه عليهم لا ينافي إعطاءهم الأموال والأولاد، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 85] # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم أي لأنه لم يرد الله الإنعام عليهم بها، ليدل ~~على رضاه عنهم، بل الانتقام منهم، قال: إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا أي بالمشقة في تحصيلها وحفظها والحزن عليها وتزهق أنفسهم وهم كافرون ~~أي فيموتون كافرين غافلين عن التدبر في العواقب. وقد تقدمت الآية في هذه ~~السورة مع تغاير في ألفاظها. # قال الزمخشري: أعيد قوله ولا تعجبك، لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما ~~نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه، ولا يسهو ~~عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهم، يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا ~~تراخى ما بين النزولين، فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في ~~أثناء حديثه، ويتخلص إليه. وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يحب أن يحذر ~~منه. انتهى. # وقال الفارسي: ليست للتأكيد، لأن تيك في قوم، وهذه في آخرين. وقد تغاير ~~نطقها، فهنا: ولا، بالواو لمناسبة عطف نهي على نهي قبله في قوله: ولا تصل.. ~~إلخ فناسب الواو. وهناك بالفاء لمناسبة التعقيب لقوله قبله: ولا ينفقون إلا ~~وهم كارهون أي للإنفاق. فهم معجبون بكثرة الأموال والأولاد، فنهى عن ~~الإعجاب المتعقب له. وهنا: وأولادهم. دون (لا) ، لأنه نهي عن الإعجاب بهما ~~مجتمعين، وهناك بزيادة (لا) ، لأنه نهي كل واحد واحد، فدل مجموع الآيتين ~~على النهي عن الإعجاب بهما مجتمعين ومنفردين. وهنا أن يعذبهم وهناك # PageV05P473 # ليعذبهم بلام التعليل. وحذف المفعول. أي إنما يريد اختيارهم ms2525 بالأموال ~~والأولاد وهنا المراد التعذيب، فقد اختلف متعلق الإرادة فيهما ظاهرا، وهناك ~~في الحياة الدنيا، وهنا في الدنيا، تنبيها على أن حياتهم كلا حياة فيها، ~~وناسب ذكرها بعد الموت، فكأنهم أموات أبدا. انتهى. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : الآيات 86 الى 87] # وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول ~~منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) # وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول ~~منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين. # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون إنكار وذم ~~للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه، مع وجود الطول الذي هو الفضل والسعة، ~~وإخبار بسوء صنيعهم، إذ رضوا بالعار والقعود مع الخوالف، لحفظ البيوت، وهن ~~النساء. وذلك لإيثارهم حب المال على حب الله، وأنه بسبب ذلك طبع على قلوبهم ~~أي ختم عليها، فهم لا يفقهون، أي ما في حب الله والتقرب إليه بالجهاد من ~~الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والهلاك. ### | فوائد: # الأولى- قال الزمخشري: يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها، في ~~قوله: وإذا أنزلت سورة كما يقع (القرآن) و (الكتاب) على كله وعلى بعضه. # وقيل: هي (براءة) ، لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد. انتهى. # وقيل: المراد كل سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد. # قال الشهاب: وهذا أولى وأفيد، لأن استئذانهم عند نزول آيات براءة علم مما ~~مر. وقد قيل: إن (إذا) تفيد التكرار بقرينة المقام لا بالوضع، وفيه كلام ~~مبسوط في محله. # الثانية- إنما خص ذوي الطول، لأنهم. المذمومون، وهم من له قدرة مالية، ~~ويعلم منه البدنية أيضا بالقياس. # PageV05P474 # الثالثة- الخوالف: جمع (خالفة) ، وهي المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال، ~~والمراد ذمهم وإلحاقهم بالنساء، كما قال: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # والخالفة تكون بمعنى من لا خير فيه، والتاء فيه للنقل للاسمية، فإن أريد ~~هاهنا، فالمقصود من لا فائدة فيه للجهاد. وجمع على فواعل على ms2526 الوجهين: أما ~~الأول فظاهر، وأما الثاني فلتأنيث لفظه، لأن (فاعلا) لا يجمع على (فواعل) ~~في العقلاء الذكور، إلا شذوذا، كنواكس، أفاده الشهاب. # ثم بين تعالى ما للمؤمنين من الثناء الحسن، والمثوبة الحسنى ضد أولئك، ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 88] # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أي في سبيل الله، ~~لغلبة حب الله عليهم، على حب الأموال والأنفس وأولئك لهم الخيرات أي منافع ~~الدارين، النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في العقبى وأولئك هم ~~المفلحون أي الفائزون بالمطلوب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 89] # أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ~~(89) # أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ~~أي الذي لا فوز وراءه. # ثم بين تعالى أحوال منافقي الأعراب، إثر بيان منافقي أهل المدينة، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 90] # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم أي في ترك الجهاد، وهم أحياء ممن # PageV05P475 # حول المدينة. والمعذرون فيه قراءتان، التشديد والتخفيف، والمشددة لها ~~تفسيران: # أحدهما- من (عذر في الأمر) إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، فتكلف العذر، ~~فعذره باطل. # والثاني- من (اعتذر) ، وهو محتمل لأن يكون عذره باطلا وحقا، وأصله، ~~عليهما، (معتذرون) نقلت فتحة التاء إلى العين، وقلبت التاء ذالا، وأدغمت ~~فيها. # وأما التخفيف فهي من (أعذر) إذا كان له عذر، وهم صادقون على هذا. # وقوله تعالى: وقعد الذين كذبوا الله ورسوله أي في دعوى الإيمان، وهم ~~منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا، ولم يعتذروا، بل قعدوا من قلة المبالاة ~~بالله ورسوله. # ثم أوعدهم تعالى بقوله: سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم الضمير في منهم ~~إما للأعراب مطلقا، فالذين كفروا منافقوهم، أو أعم، وإما للمعذرين، فإن ~~منهم من ms2527 اعتذر لكسله، لا لكفر، وجوز أن يكون المعنى بالذين كفروا منهم، ~~المصرون على الكفر. # ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ~~ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وما هو عارض عن له بسبب مرض شغله عن الخروج ~~في سبيل الله، أو بسبب عجزه عن التجهز للحرب، وبدأ بالأول فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 91] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) # ليس على الضعفاء وهم العاجزون مع الصحة، عن العدو، وتحمل المشاق، كالشيخ ~~والصبي والمرأة والنحيف ولا على المرضى أي العاجزين بأمر عرض لهم، كالعمى ~~والعرج والزمانة ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون أي ولا على الأقوياء ~~والأصحاء الفقراء والعاجزين عن الإنفاق في السفر والسلاح حرج أي إثم في ~~القعود، و (الحرج) أصل معناه الضيق، ثم استعمل للذنب، وهو المراد إذا نصحوا # PageV05P476 # لله ورسوله # أي أخلصوا الإيمان والعمل الصالح، فلم يرجفوا، ولم يثيروا الفتن، وأوصلوا ~~الخيرات للجاهدين، وقاموا بمصالح بيوتهم. # وقوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل استئناف مقرر لمضمون ما سبق، أي ~~ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل، و (من) مزيدة للتأكيد، ووضع ~~المحسنين موضع الضمير، للدلالة على انتظامهم، بنصحهم لله ورسوله، في سلك ~~المحسنين، أو تعليل لنفي الحرج عنهم، أي ما على جنس المحسنين من سبيل، وهم ~~من جملتهم أفاده أبو السعود. # قال الشهاب: (ليس على محسن سبيل) ، كلام جار مجرى المثل، وهو إما عام، ~~ويدخل فيه من ذكر، أو مخصوص بهؤلاء فالإحسان: النصح لله والرسول، والإثم ~~المنفي إثم التخلف، فيكون تأكيدا لما قبله بعينه على أبلغ وجه، وألطف سبك، ~~وهو من بليغ الكلام، لأن معناه لا سبيل لعاتب عليه، أي لا يمر به العاتب، ~~ويجوز في أرضه، فما أبعد العتاب عنه! فتقطن للبلاغة القرآنية كما قيل: # سقيا لأيامنا التي سلفت ... إذ لا ms2528 يمر العذول في بلدي # وقوله تعالى: والله غفور رحيم تذييل مؤيد لمضمون ما ذكر، مشير إلى أن بهم ~~حاجة إلى المغفرة، وإن كان تخلفهم بعذر- أفاده أبو السعود، أي لأن المرء لا ~~يخلو من تفريط ما، فلا يقال إنه نفى عنهم الإثم أولا، فما الاحتياج إلى ~~المغفرة المقتضية للذنب؟ أفاده الشهاب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 92] # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم عطف على المحسنين، أو على الضعفاء أي ~~لتعطيهم ظهرا يركبونه إلى الجهاد معك قلت أي لهم لا أجد ما أحملكم عليه أي ~~إلى الجهاد. وقوله تعالى: تولوا جواب (إذا) أي خرجوا من عندك وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون أي في الحملان، فهؤلاء وإن كانت لهم، ~~قدرة على تحمل المشاق، فما عليهم من سبيل أيضا. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى: ليس على الضعفاء # PageV05P477 # إلخ رفع الجهاد عن الضعيف والمريض، ومن لا يجد نفقة ولا أهبة للجهاد ولا ~~محملا، انتهى. # وقال بعض الزيدية: هذه الآية الكريمة قاضية بنفي الحرج، وهو الإثم، على ~~ترك الجهاد لهذه الأعذار، بشرط النصيحة لله ولرسوله، أي بأن يريد لهم ما ~~يريد لنفسه- عن أبي مسلم-. # الثاني- قال الحاكم: في الآية دلالة على أن النصح في الدين واجب، وأنه ~~يدخل في ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشهادات والأحكام والفتاوى ~~وبيان الأدلة. # الثالث- قال ابن الفرس: يستدل بقوله تعالى: ما على المحسنين من سبيل على ~~أن قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها. وقال بعض الزيدية: يدل على أن المستودع ~~والوصي والملتقط لا ضمان عليهم مع عدم التفريط، وأنه لا يجب عليهم الرد، ~~بخلاف المستعير. # الرابع- دل قوله تعالى: ولا على الذين ... إلخ على أن العادم للنفقة، ~~الطالب للإعانة، إذا لم تحصل له، فلا حرج عليه. وفيه إشارة إلى المعونة إذا ~~بدلت له من الإمام، لزمه الخروج. # الخامس- دلت ms2529 الآية على جواز البكاء وإظهار الحزن على فوات الطاعة، وإن ~~كان معذورا. # السادس- قوله تعالى: تفيض من الدمع أبلغ من (يفيض دمعها) ، لأن العين ~~جعلت كأن كلها دمع فائض، و (من) للبيان. كقولك: أفديك من رجل. # ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز- أفاده الزمخشري-. # السابع- # روى ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكنت أكتب (براءة) فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمرنا بالقتال. فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي ~~يا رسول الله وأنا أعمى؟ # فنزلت: ليس على الضعفاء.. الآية-. # وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن ~~مغفل بن مقرن المزني، فقالوا: يا رسول الله! احملنا. فقال لهم: والله! لا ~~أجد ما أحملكم عليه، # PageV05P478 # فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا ~~محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه، ~~فقال: ليس على الضعفاء.. # وروى الإمام أحمد «1» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا أشركوكم ~~في الأجر، حبسهم المرض- ورواه مسلم «2» . # ثم رد تعالى الملامة على المستأذنين في القعود وهم أغنياء، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 93] # إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) # إنما السبيل أي بالعتاب والعقاب على الذين يستأذنونك وهم أغنياء أي ~~قادرون على تحصيل الأهبة رضوا بأن يكونوا مع الخوالف أي من النساء والصبيان ~~وسائر أصناف العاجزين. أي رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف. # قال المهايمي: وهذا الرضا، كما هو سبب العتاب، فهو أيضا سبب العقاب، لأنه ~~لما كان عن قلة مبالاتهم بالله، غضب الله عليهم وطبع ms2530 الله على قلوبهم فهم ~~لا يعلمون أي ما يترتب عليه من المصائب الدينية والدنيوية، أو لا يعلمون ~~أمر الله فلا يصدقون. ### | لطيفة: # قال الشهاب: اعلم أن قولهم (لا سبيل عليه) معناه: لا حرج ولا عتاب، وأنه ~~بمعنى لا عاتب يمر عليه، فضلا عن العتاب، وإذا تعدى ب (إلى) كقوله: # ألا ليت شعري هل إلى أم سالم ... سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبر # فبمعنى الوصول كما قال: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج PageV05P479 # ونحوه، فتنبه لمواطن استعماله، فإنه من مهمات الفصاحة- انتهى-. # ثم أخبر تعالى عما سيتصدون له عند القفول من تلك الغزوة، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 94] # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # يعتذرون إليكم إذا رجعتم أي سدا للسبيل عليهم في التخلف قل لا تعتذروا أي ~~لظهور كذبكم، إذ لم يمنعكم فقر ولا مرض، ولا يفيدكم الاعتذار لن نؤمن لكم ~~أي لن نصدق قولكم، وقوله تعالى: قد نبأنا الله من أخباركم تعليل لانتفاء ~~التصديق أي أعلمنا بالوحي من أسراركم ونفاقكم وفسادكم ما ينافي التصديق ~~وسيرى الله عملكم ورسوله أي من الرجوع عن الكفر، أو الثبات عليه، علما ~~يتعلق به الجزاء ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة أي للجزاء بما ظهر منكم ~~من الأعمال ووضع المظهر موضع المضمر، لتشديد الوعيد، وأنه تعالى مطلع على ~~سرهم وعلنهم، لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم، فيجازيهم على حسب ~~ذلك. # قال في (النبراس) : المراد بالغيب ما غاب عن العباد، أو ما لم يعلمه ~~العباد، أو ما يكون وبالشهادة ما علمه العباد أو ما كان فينبئكم أي يخبركم ~~بما كنتم تعملون أي في الدنيا. قبل إعلامهم به. وذكره لهم للتوبيخ. # قال أبو السعود: المراد بالتنبئة بذلك، المجازاة به، وإيثارها عليها، ~~لمراعاة ما سبق من قوله تعالى: قد ms2531 نبأنا الله.. إلخ. فإن المنبأ به الأخبار ~~المتعلقة بأعمالهم. # وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم، وإنما ~~يعلمونها حينئذ. # ثم أخبر تعالى عما سيؤكدون به معاذيرهم من أيمانهم الفاجرة، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 95] # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم أي فلا توبخوهم ولا # PageV05P480 # تعاتبوهم فأعرضوا عنهم أي فأعطوهم طلبتهم إنهم رجس تعليل لترك معاتبتهم، ~~يعني أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، وإنما يعاتب الأديم ذو البشرة. ~~والمؤمن يوبخ على زلة تفرط منه ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة ~~والاستغفار. وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم- أفاده الزمخشري-. # وقال الشهاب: يعني أنهم يتركون، ويجتنب عنهم كما تجتنب النجاسة، وهم ~~طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض مقت. # وقوله تعالى: ومأواهم جهنم من تمام التعليل، فالعلة نجاسة جبلتهم التي لا ~~يمكن تطهيرها، لكونهم من أهل النار، فاللوم يغريهم ولا يجديهم. والكلب أنجس ~~ما يكون إذا اغتسل، أو تعليل ثان يعني وكفتهم النار عتابا وتوبيخا، فلا ~~تكلفوا عتابهم. # وقوله تعالى: جزاء بما كانوا يكسبون يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون علة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 96] # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين (96) # يحلفون لكم بدل مما سبق، وعدم ذكر المحلوف به لظهوره، أي يحلفون به ~~تعالى: لترضوا عنهم أي باعتقاد طهارة ضمائرهم وإخلاصهم فإن ترضوا عنهم فإن ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين فيه تبعيد عن الرضا عنهم على أبلغ وجه ~~وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى الله تعالى عنه، مما لا يكاد يصدر عن المؤمن. # ثم أشار تعالى إلى أن منافقي الأعراب أشد رجسا فلا يغتر بحلفهم، وإن لم ~~يكذبهم الوحي، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 97] # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم ms2532 حكيم (97) # الأعراب وهم أهل البدو أشد كفرا ونفاقا أي من أن أهل الحضر، لجفائهم ~~وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء، ومعرفة الكتاب # PageV05P481 # والسنة وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي وأحق بجهل حدود ~~الدين، وما أنزل الله من الشرائع والأحكام والله عليم أي يعلم حال كل أحد ~~من أهل الوبر والمدر حكيم أي فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم، مخطئهم ومصيبهم، ~~من عقابه وثوابه. ### | لطائف: # الأولى- قال الشهاب: العرب، هذا الجيل المعروف مطلقا، والأعراب سكان ~~البادية منهم، فهو أعم. وقيل: العرب سكان المدن والقرى، والأعراب سكان ~~البادية من العرب، أو مواليهم، فهما متباينان، ويفرق بين جمعه وواحده ~~بالياء فيهما. # الثانية- ما ذكر في الآية من أجدرية جهل الأعراب من بعدهم عن سماع ~~الشرائع، وملابسة أهل الحق، يشير إلى ذم سكان البادية، وهو يطابق ما # رواه الإمام أحمد، «1» ، وأصحاب السنن، عن ابن عباس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: من سكن البادية جفا وتتمته: ومن اتبع الصيد غفل، ومن ~~أتى السلطان افتتن. # وقوله صلى الله عليه وسلم «2» : إن الجفاء والقسوة في الفدادين # . قال ثعلب: الفدادون أصحاب الوبر، لغلظ أصواتهم، وهم أصحاب البادية ~~ويقال: من صحب الفدادين، فلا دنيا نال ولا دين. # مأخوذ من (الفديد) وهو رفع الصوت أو شدته. # قال ابن كثير: ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي، لم يبعث الله ~~منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [يوسف: 109] . ولما أهدى ذلك ~~الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليه أضعافها حتى ~~رضي قال: لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي، ~~لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: # مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقا من الأعراب، لما في طباع ~~الأعراب من الجفاء. # الثالثة- روي الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو ~~PageV05P482 # يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم (نهاوند) ms2533 فقال الأعرابي: والله! إن ~~حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني! فقال زيد: ما يريبك من يدي، إنها الشمال؟ # فقال الأعرابي: والله! ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن ~~صوحان: # صدق الله الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله. # ثم أشار تعالى إلى فريق آخر من منافقي الأعراب، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 98] # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما أي يعد ما يصرفه في سبيل الله، ويتصدق ~~به صورة، غرامة وخسرانا، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه ~~الله عز وجل، وابتغاء المثوبة عنده، والغرامة والمغرم والغرم (بالضم) : ما ~~ينفقه المرء من ماله وليس يلزمه، ضررا محضا وخسرانا. وقال الراغب: الغرم ما ~~ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه ويتربص بكم الدوائر أي ينتظر ~~بكم دوائر الدهر- جمع (دائرة) وهي النكبة والمصيبة تحيط بالمرء- فتربص ~~الدوائر، انتظار المصائب، لينقلب أمر المسلمين ويتبدل، فيخلصوا مما عدوه ~~مغرما عليهم دائرة السوء اعتراض بالدعاء عليهم، بنحو ما يتربصونه، أو إخبار ~~عن وقوع ما يتربصون عليهم. # قال الشهاب: (الدائرة) اسم للنائبة، وهي بحسب الأصل مصدر، كالعافية ~~والكاذبة. أو اسم فاعل بمعنى عقبة دائرة. والعقبة أصلها اعتقاب الراكبين ~~وتناوبهما. ويقال: للدهر عقب ونوب ودول، أي مرة لهم ومرة عليهم. و (السوء) ~~يقرأ بضم السين وهو الضرر، وهو مصدر في الحقيقة. يقال: سؤته سوءا ومساءة ~~ومسائية. ويقرأ بفتح السين وهو الفساد والرداءة- قاله أبو البقاء- والله ~~سميع أي لما يقولونه عند الإنفاق مما لا خير فيه عليم أي بما يضمرونه من ~~الأمور الفاسدة التي منها تربصهم الدوائر. وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى. # ثم نوه تعالى بمؤمني الأعراب الصادقين، بقوله سبحانه: # PageV05P483 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 99] # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا ms2534 إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم ~~(99) # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله. ~~امتثالا لأمره، وترجيحا لحبه، وقطعا لحب ما سواه. وقربات مفعول ثان ل يتخذ، ~~وجمعها باعتبار أنواعها، أو أفرادها. # قال الشهاب: القربة (بالضم) ما يتقرب به إلى الله، ونفس التقرب. فعلى ~~الثاني يكون معنى اتخاذها تقربا اتخاذها سببا له، على التجوز في النسبة أو ~~التقدير. # وعند الله صفة ل قربات أو ظرف ل يتخذ وصلوات الرسول أي سبب دعواته ~~بالرحمة المكملة لقصوره وكان صلى الله عليه وسلم يدعو للمتصدقين بالخير ~~والبركة، ويستغفر لهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «1» : اللهم صل على آل ~~أبي أوفى ألا إنها قربة لهم الضمير لما ينفق، والتأنيث باعتبار الخير، ~~والتنكير للتفخيم، أي قربة عظيمة جامعة لأنواع القربات، يكملها الله بدعوة ~~الرسول، ويزيد على مقتضاها بما أشار إليه بقوله: # سيدخلهم الله في رحمته أي جنته إن الله غفور يستر عيب المخل رحيم يقبل ~~جهد المقل. # قال الزمخشري: قوله تعالى: ألا إنها شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد ~~من كون نفقته قربات وصلوات وتصديقا لرجائه، على طريق الاستئناف، مع حرفي ~~التنبيه والتحقيق، المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه. وكذلك سيدخلهم وما في ~~(السين) من تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن ~~المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها! انتهى. # وفي (الانتصاف) : النكتة في إشعار (السين) بالتحقيق أن معنى الكلام معها ~~(أفعل كذا، وإن أبطأ الأمر) أي لا بد من فعله، قال الشهاب: وفيه تأمل. # ولما بين تعالى فضيلة مؤمني الأعراب بما تقدم. تأثره ببيان من هم فوقهم ~~بمنازل من الفضيلة والكرامة، بقوله سبحانه: PageV05P484 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 100] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أي ممن تقدم بالهجرة والنصرة. # وقيل: ms2535 عني بالفريق الأول من صلى إلى القبلتين، أو من شهد بدرا، أو من ~~أسلم قبل الهجرة وبالثاني أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل ~~العقبة الثانية، وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب ~~بن عمير، فعلمهم القرآن. # واختار الرازي الوجه الأول. قال: والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة ~~وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين، ولم يبين أنهم سابقون ~~فماذا، فبقي اللفظ مجملا، إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا، فوجب صرف ~~ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارا، وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن ~~يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة، إزالة للإجمال عن ~~اللفظ. وأيضا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة، من حيث إن الهجرة فعل شاق على ~~النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولا، صار قدوة لغيره في هذه الطاعة، ~~وكان ذلك مقويا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسببا لزوال الوحشة عن ~~خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم. # وقرئ (الأنصار) بالرفع، عطفا على السابقون. # والذين اتبعوهم بإحسان أي سلكوا سبيلهم بالإيمان والطاعة رضي الله عنهم ~~لأن الهجرة أمر شاق على النفس، لمفارقة الأهل والعشيرة. والنصرة منقبة ~~شريفة، لأنها إعلاء كلمة الله، ونصر رسوله وأصحابه والإحسان من أحوال ~~المقربين أو مقاماتهم- قاله المهايمي- ورضوا عنه بما وفقهم إليه من الإيمان ~~والإحسان، وما آتاهم من الثواب والكرامة وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~وذلك بدل ما تركوا من دورهم وأهليهم، وبدل ما أعطوه للمهاجرين من أموالهم، ~~ولغرسهم جنات القرب في قلوبهم، وإجرائهم أنهار المعارف في قلوبهم وقلوب من ~~اتبعوهم بهذه الهجرة والنصرة والإحسان- قاله المهايمي. # PageV05P485 # وقرأ ابن كثير من تحتها الأنهار كما هو في سائر المواضع. # خالدين فيها أبدا لتخليدهم هذا الدين بإقامة دلائله، وتأسيس قواعده، إلى ~~يوم القيامة، والعمل بمقتضاه، واختيار الباقي على الفاني ذلك الفوز العظيم ~~أي الذي لا فوز وراءه. ### | ### | تنبيه # ات: # الأول- قال في (الإكليل) ms2536 : في هذه الآية تفضيل السابق إلى الإسلام ~~والهجرة، وأن السابقين من الصحابة أفضل ممن تلاهم. # الثاني- قيل: المراد ب (السابقين الأولين) جميع المهاجرين والأنصار، ف ~~(من) بيانية لتقدمهم على من عداهم. وقيل: بعضهم- وهم قدماء الصحابة- و (من) ~~تبعيضية. وقد اختار كثيرون الثاني، واختلفوا في تعيينهم على ما ذكرناه ~~أولا، ورأى آخرون الأول. روي عن حميد بن زياد قال: قلت يوما لمحمد بن كعب ~~القرظي: ألا تخبرني عن الصحابة فيما كان بينهم؟ وأردت الفتن- فقال لي: إن ~~الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم. قلت ~~له: # وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: # والسابقون الأولون ... الآية فأوجب للجميع الجنة والرضوان، وشرط على ~~تابعيهم أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة وألا يقولوا فيهم إلا حسنا لا ~~سوءا. أي لقوله تعالى: والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان.. # الآية [الحشر: 10] . # الثالث- قال الشهاب: تقديم المهاجرين لفضلهم على الأنصار كما ذكر في قصة ~~السقيفة «1» ، ومنه علم فضل أبي بكر رضي الله عنه على من عداه، لأنه أول من ~~هاجر معه صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 101] # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) # وممن حولكم يعني حول بلدتكم، وهي المدينة PageV05P486 # من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي مرنوا ومهروا ~~فيه وقوله عز شأنه لا تعلمهم دليل لمرانتهم عليه، ومهارتهم فيه، أي يخفون ~~عليك، مع علو كعبك في الفطنة وصدق الفراسة، لفرط تأنقهم وتصنعهم في مراعاة ~~التقية، والتحامي عن مواقع التهم. # قال في (الانتصاف) وكأن قوله تعالى: مردوا على النفاق توطئة لتقرير خفاء ~~حالهم عنه صلى الله عليه وسلم لما لهم من الخبرة في النفاق والضراوة به. ~~انتهى. # وقوله تعالى: نحن نعلمهم تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق، أي لا ~~يعلمهم إلا الله، ولا يطلع على ms2537 سرهم غيره، لما هم عليه من شدة الاهتمام ~~بإبطان الكفر، وإظهار الإخلاص. # وقوله تعالى: سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم للمفسرين في المرتين ~~وجوه: إظهار نفاقهم وإحراق مسجد الضرار أو الفضيحة وعذاب القبر، أو أخذ ~~الزكاة لما أنهم يعدونها مغرما بحتا، ونهك الأبدان، وإتعابها بالطاعات ~~والفارغة عن الثواب. # وقال محمد بن إسحاق: هو- فيما بلغني عنهم- ما هم فيه من أمر الإسلام، وما ~~يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ~~ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه، عذاب الآخرة، ويخلدون فيه. # قال أبو السعود: ولعل تكرير عذابهم، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق، ~~أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد ~~التكثير. كما في قوله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين [الملك: 3] ، أي كرة بعد ~~أخرى، لقوله تعالى: # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام.. الآية [التوبة: 126] . ### | تنبيه: # لا ينافي قوله تعالى: لا تعلمهم نحن نعلمهم قوله تعالى: ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول [محمد: 30] ، لأن هذا ~~من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل ~~النفاق والريب، على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل ~~المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء. وشاهد هذا بالصحة، ما # رواه الإمام أحمد «1» عن جبير PageV05P487 # ابن مطعم رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إنهم يزعمون أنه ليس لنا ~~أجر بمكة، فقال: لتأتينكم أجوركم، ولو كنتم في حجر ثعلب. وأصغى إلي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال: إن في أصحابي منافقين، أي يرجفون ~~ويتكلمون بما لا صحة له. # وروى ابن عساكر عن أبي الدرداء أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: الإيمان ها هنا، وأشار بيده، إلى لسانه، والنفاق ها هنا، ~~وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اللهم اجعل له لسانا ذكرا، وقلبا شاكرا، ms2538 وارزقه حبي وحب من ~~يحبني، وصير أمره إلى خير. فقال: يا رسول الله! إنه كان لي أصحاب من ~~المنافقين، وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: من أتانا استغفرنا له، ومن ~~أصر على دينه، فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا- ورواه الحاكم أيضا-. # وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: ما بال أقوام ~~يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه ~~قال: لا أدري! لعمري أنت بنصيبك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما ~~تكلفه الأنبياء قبلك! قال نبي الله نوح عليه السلام: وما علمي بما كانوا ~~يعملون [الشعراء: 112] . وقال نبي الله شعيب عليه السلام: بقيت الله خير ~~لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ [هود: 86] . وقال تعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: لا تعلمهم نحن نعلمهم. ### | لطيفة: # قوله تعالى: ومن أهل المدينة عطف على ممن حولكم عطف مفرد على مفرد. وقوله ~~تعالى: مردوا على النفاق إما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، مسوقة ~~لبيان علوهم في النفاق. إثر بيان اتصافهم به، وإما صفة للمبتدأ المذكور، ~~فصل بينها وبينه بها عطف على خبره. وإما صفة لمحذوف أقيمت هي مقامه، وهو ~~مبتدأ خبره من أهل المدينة والجملة عطف على الجملة السابقة، أي ومن أهل ~~المدينة قوم مردوا على النفاق- أفاده أبو السعود-. # ولما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة، رغبة عنها وتكذيبا ~~وشكا، بين حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة، مع ~~إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال عز شأنه: # PageV05P488 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 102] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) # وآخرون اعترفوا بذنوبهم أي أقروا بها، وهي تخلفهم عن الغزو، وإيثار الدعة ~~عليه، والرضا بسوء جوار المنافقين. أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير ~~الكاذبة، كغيرهم خلطوا عملا صالحا كالندم وما سبق من طاعتهم وآخر سيئا ~~كالتخلف عن الجهاد عسى الله ms2539 أن يتوب عليهم أي يقبل توبتهم إن الله غفور ~~رحيم يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه. ### | تنبيهات: # الأول- # أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: غزا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه، ثم إن أبا لبابة ~~ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلاك وقالوا: نحن في الظلال ~~والطمأنينة مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه في ~~الجهاد! والله! لنوثقن أنفسنا بالسواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي يطلقها: ففعلوا، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، ~~فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته فقال: من هؤلاء الموثقون ~~بالسواري؟ فقال رجل: # هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا، فعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى ~~تكون أنت الذي تطلقهم. فقال: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، فأنزل الله ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم، فلما نزلت أطلقهم وعذرهم، وبقي الثلاثة الذين لم ~~يوثقوا أنفسهم، لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم: وآخرون مرجون ~~لأمر الله ... الآية- فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون ~~يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، حتى نزلت وعلى الثلاثة الذين خلفوا.. ~~[التوبة: 118] . # وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، وزاد: فجاء ~~أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله! هذه ~~أموالنا، فتصدق بها عنا، واستغفر لنا فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم ~~شيئا، فأنزل الله: خذ من أموالهم صدقة.. [التوبة: 103] الآية. # وأخرج هذا القدر وحده عن سعيد بن جبير والضحاك وزيد بن أسلم وغيرهم. # وأخرج عبد عن قتادة أنها نزلت في سبعة: أربعة منهم ربطوا أنفسهم # PageV05P489 # بالسواري، وهم أبو لبابة ومرداس وأوس بن خذام وثعلبة بن وديعة. # وأخرج أبو الشيخ وابن مندة في (الصحابة) من طريق الثوري عن الأعمش عن أبي ~~سفيان عن جابر قال: كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك ~~ستة: أبو لبابة وأوس بن خذام وثعلبة ms2540 بن وديعة وكعب بن مالك ومرارة بن ~~الربيع وهلال بن أمية. # فجاء أبو لبابة وأوس وثعلبة، فربطوا أنفسهم بالسواري، وجاءوا بأموالهم، ~~فقالوا: يا رسول الله! خذ هذا الذي حبسنا عنك، فقال: لا أحلهم حتى يكون ~~قتال، فنزل القرآن: وآخرون اعترفوا بذنوبهم.. الآية- # إسناده قوي، كذا في (اللباب) -. # قال ابن كثير: هذه الآية، وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة ~~في كل المذنبين الخاطئين المخلطين. وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة ~~لما قال لبني قريظة (إنه الذبح) وأشار بيده إلى حلقه، ثم نقل ما تقدم. # الثاني- # روى البخاري «1» في التفسير في هذه الآية، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: أتاني الليلة آتيان، ~~فابتعثاني، فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب، ولبن فضة، فتلقانا رجال، شطر ~~من خلفهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: # اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، قد ذهب ذلك ~~السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. ~~قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز الله عنهم. # الثالث- قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطا، فما ~~المخلوط به؟ قلت: كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به، لأن المعنى خلط كل واحد ~~منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه، ~~وفيه ما ليس في قولك (خلطت الماء باللبن) ، لأنك جعلت الماء مخلوطا، واللبن ~~مخلوطا به؟ وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما، كأنك ~~قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء. # وناقشه الناصر في (الانتصاف) فقال: التحقيق في هذا أنك إذا قلت (خلطت ~~PageV05P490 # الماء باللبن) فالمصرح به في هذا الكلام أن الماء مخلوط، واللبن مخلوط ~~به، والمدول عليه لزوما، لا تصريحا، كون الماء مخلوطا به، واللبن مخلوطا. ~~وإذا قلت: # خلطت الماء واللبن، فالمصرح به جعل كل واحد منهما مخلوطا. ms2541 وأما ما خلط به ~~كل واحد منهما، فغير مصرح به، بل من اللازم أن كل واحد منهما له مخلوط به، ~~يحتمل أن يكون قرينه أو غيره. فقول الزمخشري: إن قولك (خلطت الماء واللبن) ~~يفيد ما يفيد مع الباء، وزيادة- ليس كذلك. فالظاهر في الآية- والله أعلم- ~~أن العدول عن الباء إنما كان لتضمين الخلط معنى العمل، كأنه قيل عملوا ~~صالحا وآخر سيئا، ثم انضاف إلى العمل معنى الخلط، فعبر عنهما معا به- ~~انتهى-. # قال النحرير: يريد الزمخشري أن (الواو) كالصريح في خلط كل بالآخر، بمنزلة ~~ما إذا قلت: (خلطت الماء باللبن) ، و (خلطت اللبن بالماء) ، بخلاف الباء، ~~فإن مدلولها لفظا إلا خلط الماء مثلا باللبن. وأما خلط اللبن بالماء، فلو ~~ثبت لم يثبت إلا بطريق الالتزام ودلالة العقل- انتهى-. # وهو متجه ولا حاجة للتضمين المذكور. # ثم قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من قولهم (بعت الشاء شاة ودرهما) بمعنى ~~شاة بدرهم، أي ف (الواو) بمعنى الباء، ونقل ذلك عن سيبويه، وقالوا: إنه ~~استعارة، لأن (الباء) للإلصاق، و (الواو) للجمع، وهما من واد واحد. وقال ~~ابن الحاجب في قولهم المذكور: أصله شاة بدرهم أي كل شاة بدرهم، وهو بدل من ~~الشاء، أي مع درهم، ثم كثر، فأبدلوا من (باء المصاحبة) (واوا) ، فوجب نصبه ~~وإعرابه بإعراب ما قبله، كقولهم: كل رجل وضيعته. # قال الشهاب: وهو تكلف، ولذا قالوا: إنه تفسير معنى، لا إعراب- انتهى-. # قال الواحدي: العرب تقول: خلطت الماء باللبن، وخلطت الماء واللبن، كما ~~تقول: جمعت زيدا وعمرا. و (الواو) في الآية أحسن من (الباء) ، لأنه أريد ~~معنى الجمع، لا حقيقية الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيء، ~~كما يختلط الماء باللبن، لكن قد يجمع بينهما- انتهى-. # وفي الآية نوع من البديع يسمى (الاحتباك) ، وهو مشهور، لأن المعنى: # خلطوا عملا صالحا بسيئ وآخر سيئا بصالح. # الرابع- قال الرازي: هاهنا سؤال، وهو أن كلمة (عسى) شك، وهو في حق الله ~~تعالى محال. وجوابه من وجوه: # PageV05P491 # الأول- قال المفسرون: كلمة (عسى) من الله واجب، والدليل عليه قوله تعالى: ~~فعسى الله أن ms2542 يأتي بالفتح، وفعل ذلك، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على ~~عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئا، فإنه لا ~~يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة (عسى) أو (لعل) تنبيها على أنه ليس ~~لأحد أن يلزمني شيئا، وأن يكلفني بشيء، بل كل ما أفعله فإنما أفعله على ~~سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة (عسى) ، الفائدة فيه هذا المعنى، مع أنه ~~يفيد القطع بالإجابة. # الوجه الثاني: أن المقصود بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع ~~والإشفاق، لأنه أبعد من الاتكال والإهمال. # الخامس- قال القاشاني: الاعتراف بالذنب هو إبقاء نور الاستعداد، ولين ~~الشكيمة، وعدم رسوخ ملكة الذنب فيه، لأنه ملك الرجوع والتوبة، ودليل رؤية ~~قبح الذنب التي لا تكون إلا بنور البصيرة، وانفتاح عين القلب، إذ لو ارتكمت ~~الظلمة ورسخت الرذيلة، ما استقبحه، ولم يره ذنبا، بل رآه فعلا حسنا، ~~لمناسبته لحاله، فإذا عرف أنه ذنب. ففيه خير. # ثم أمر تعالى رسوله صلوات الله عليه أن يأخذ من أموالهم التي تقدموا ~~إليه، أن يتصدق بها عنهم كفارة لذنوبهم، كما تقدم في الروايات قبل، بقوله ~~عز وجل: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 103] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # خذ من أموالهم أي بعضها صدقة قال المهايمي: لتصدق توبتهم إذ تطهرهم أي ~~عما تلطخوا به من أوضار التخلف. وعن حب المال الذي كان التخلف بسببه ~~وتزكيهم بها أي عن سائر الأخلاق الذميمة التي حصلت عن المال. قال الزمخشري: ~~التزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال ~~وصل عليهم أي واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم إن صلاتك سكن لهم أي تسكن ~~نفوسهم إليها، وتطمئن قلوبهم بها، ويثقون بأنه سبحانه قبل توبتهم. # وقال قتادة: (سكن) أي: وقار. وقال ابن عباس: رحمة لهم.. # وقد روى # PageV05P492 # الإمام «1» أحمد عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا ~~للرجل، أصابته وأصابت ولده وولد ولده. # وفي ms2543 رواية: إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجل وولده وولد ~~ولده. # والجملة تعليل للأمر بالصلاة عليهم والله سميع أي يسمع اعترافهم بذنوبهم ~~ودعاءهم عليم أي بما في ضمائرهم من الندم والغم، لما فرط منهم. ### | تنبيهات: # الأول- تطهرهم قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر. وأما بالرفع، فعلى أنه حال ~~من ضمير المخاطب في (خذ) . أو صفة ل (صدقة) والتاء للخطاب أو للصدقة. # والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده، أي: بها. وقرئ تطهرهم- من أطهره ~~بمعنى طهره- ولم يقرأ (وتزكيهم) إلا بإثبات الياء، وهو خبر لمحذوف، والجملة ~~حال من الضمير في الأمر أو في جوابه. أي: وأنت تزكيهم بها، هذا على قراءة ~~(تطهرهم) بالجزم. وأما على قراءة الرفع ف (تزكيهم) عطف على (تطهرهم) حالا ~~أو صفة. # الثاني- قرئ (صلاتك) بالتوحيد، و (صلواتك) بالجمع، مراعاة لتعدد المدعو ~~لهم. وقال الشهاب: جمع (صلاة) لأنها اسم جنس، والتوحيد لذلك، أو لأنها مصدر ~~في الأصل.. # الثالث- قال الشهاب: السكن: السكون، وما يسكن إليه من الأهل والوطن، فإن ~~كان المراد الأول، فجعلها نفس السكن والاطمئنان مبالغة، وهو الظاهر. وإن ~~كان الثاني فهو مجاز بتشبيه دعائه، في الالتجاء إليه بالسكن، انتهى. # قال أبو البقاء: سكن بمعنى مسكون إليها، فلذلك لم يؤنثه، وهو مثل القبض ~~بمعنى المقبوض. # الرابع- قيل: المأمور به في الآية الزكاة. و (من) تبعيضية، وكانوا أرادوا ~~التصدق بجميع مالهم، فأمره الله أن يأخذ بعضها لتوبتهم، لأن الزكاة لم تقبل ~~من بعض المنافقين، فترتبط الآية بما قبلها وقيل: ليست هذه الصدقة المفروضة، ~~بل هم لما تابوا، بذلوا جميع ما لهم كفارة للذنب الصادر منهم، فأمره الله ~~تعالى بأخذ بعضها وهو الثلث، وهذا مروي عن الحسن، وهو المختار عندهم. ونقل ~~الرازي أن PageV05P493 # أكثر الفقهاء على أن هذه الآية كلام مبتدأ قصد به إيجاب أخذ الزكوات من ~~الأغنياء، إذ هي حجتهم في إيجاب الزكاة، ثم نظر فيه بأن حملها على ما ذكروه ~~يوجب ألا تنتظم الآية مع سابقها ولا حقها. # وأقول: لا ريب في ارتباط الآية بما قبلها، كما أفصحت عنه الرواية ms2544 ~~السابقة. # وخصوص سببها لا يمنع عموم لفظها، كما هو القاعدة في مثل ذلك. ولذا رد ~~الصديق رضي الله عنه على من تأول من بعض العرب هذه الآية. أن دفع الزكاة لا ~~يكون إلا للرسول صلوات الله عليه، لأنه المأمور بالأخذ، وبالصلاة على ~~المتصدقين، فغيره لا يقوم مقامه- وأمر بقتالهم، فوافقته الصحابة، وقاتلوهم ~~حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة، كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فاستدل من ذلك على وجوب دفع الزكاة إلى الإمام، ومثله نائبه، ~~وهؤلاء المتأولون المرتدون غاب عنهم أن الزكاة إنما أوجبها الله تعالى سدا ~~لحاجة المعدم، وتفريجا لكربة الغارم، وتحريرا لرقاب المستعبدين، وتيسيرا ~~لأبناء السبيل، فاستل بذلك ضغائن أهل الفاقة، على من فضلوا عليهم في الرزق، ~~وأشعر قلوب أولئك محبة هؤلاء، وساق الرحمة في نفوس هؤلاء على أولئك ~~البائسين، فالإمام لا خصوصية لذاته فيها، بل لأنه يجمع ما يرد منها لديه، ~~فينفقها في سبلها المذكورة. # الخامس- استدل بقوله تعالى: وصل عليهم على ندب الدعاء للمتصدق. # قال الشافعي رحمه الله: السنة للإمام، إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق، ~~ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وجعله طهورا، وبارك لك فيما أبقيت، وقال ~~آخرون: # يقول: اللهم! صل على فلان، ويدل عليه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى، # وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم ~~بصدقة قال: اللهم! صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم! صل على آل أبي ~~أوفى. أخرجاه في الصحيحين «1» # . قال ابن كثير: وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله! صل علي ~~وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك. # أقول: وبهذين الحديثين يرد على من زعم أن المراد ب صل عليهم الصلاة على ~~الموتى حكاه السيوطي في (الإكليل) . PageV05P494 # السادس- دلت الآية، كالحديثين، على جواز الصلاة على غير الأنبياء ~~استقلالا، قال الرازي: # روى الكعبي في (تفسيره) أن عليا رضي الله عنه قال لعمر رضي الله عنه وهو ~~مسجى: عليك الصلاة والسلام. ومن الناس من أنكر ذلك # ونقل عن ms2545 ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا تنبغي الصلاة من أحد على ~~أحد، إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال الرازي: إن أصحابنا ~~يمنعون من ذكر (صلوات الله عليه) ، و (عليه الصلاة والسلام) ، إلا في حق ~~الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا بأن نص القرآن دل على ~~جوازه فيمن يؤدي الزكاة، فكيف يمنع في حق علي والحسن والحسين عليهم رضوان ~~الله؟ قال: ورأيت بعضهم قال: # أليس أن الرجل إذا قال: سلام عليكم، يقال له: وعليكم السلام، فدل هذا على ~~أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فأولى آل البيت- انتهى-. # وأقول: إن المنع من ذلك أدبي لا شرعي، لأنه صار، في العرف، دعاء خاصا به ~~صلى الله عليه وسلم، وشعارا له، كالعلم بالغلبة، فغيره لا يطلق عليه، إلا ~~تبعية له، أدبا لفظيا. # السابع- قال الرازي: في سر كون صلاته عليه السلام سكنا لهم: أن روح محمد ~~عليه السلام كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا لهم وذكرهم ~~بالخير، فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب ~~أرواحهم، وصفت أسرارهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 104] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ~~ويمحصها ويمحقها، وإخبار بأن كل من تاب إليه، تاب عليه. ومن تصدق، تقبل ~~منه. ### | تنبيهات: # الأول- الضمير في يعلموا للمتوب عليهم. فيكون ذكر قبول توبتهم، مع أنه ~~تقدم ما يشير إليه، تحقيقا لما سبق من قبول توبتهم، وتطهير الصدقة وتزكيتها ~~لهم، وتقريرا لذلك، وتوطينا لقلوبهم ببيان أن المتولي لقبول توبتهم، وأخذ ~~صدقاتهم هو الله سبحانه، وإن أسند الأخذ والتطهير والتزكية إليه، صلى الله ~~عليه وسلم. # PageV05P495 # قال أبو مسلم: المقصود من الاستفهام التقرير في النفس. ومن عادة العرب، ~~في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه، أن ms2546 يقولوا: أما علمت أن من علمك يجب ~~عليك خدمته؟ أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره؟ فبشر تعالى هؤلاء ~~التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم- انتهى-. # وجوز عود الضمير لغيرهم من المنافقين فالاستفهام توبيخ وتقريع لهم على ~~عدم التوبة وترغيب فيها، وإزالة لما يظنون من عدم قبولها. وقرئ بالتاء. ~~وهو، على الأول، التفات، وعلى الثاني بتقدير (قل) ، ويجوز أن يكون الضمير ~~للمنافقين والتائبين معا، للتمكن والتخصيص. # الثاني- الضمير أعني (هو) إما للتأكيد، أو له مع التخصيص، بمعنى أن الله ~~يقبل التوبة لا غيره، بمعنى أنه يفعل ذلك البتة، لأن ضمير الفصل يفيد ذلك، ~~والخبر المضارع من مواقعه. وقيل: معنى التخصيص في (هو) أن ذلك ليس إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إنما الله سبحانه هو الذي يقبل التوبة ويردها، ~~فاقصدوه بها، ووجهوها إليه، لأن كثرة رجوعهم إليه، صلوات الله عليه، مظنة ~~لتوهم ذلك. # الثالث- تعدية القبول ب (عن) لتضمنه معنى التجاوز، والعفو عن ذنوبهم التي ~~تابوا عنها: وقيل: (عن) هنا بمعنى (من) كما يقال: أخذت هذا منك وعنك. # الرابع- الأخذ هنا استعارة للقبول والإثابة، لأن الكريم والكبير إذا قبل ~~شيئا عوض عنه، وقد يجعل الإسناد إلى الله مجازا مرسلا. وقيل: في نسبة الأخذ ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله (خذ) ثم إلى ذاته تعالى- إشارة إلى ~~أن أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم، قائم مقام أخذ الله، تعظيما لشأن نبيه، ~~كقوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10] . # الخامس- جملة وأن الله هو التواب الرحيم تأكيد لما عطف عليه، وزيادة ~~تقرير لما يقرره، مع زيادة معنى ليس فيه، كما أفادته صيغة المبالغة التي ~~تفيد تكرر ذلك منه أي ألم يعلموا أنه المختص بقبول التوبة، وأن ذلك سنة ~~مستمرة له، وشأن دائم؟ ### | لطيفة: # نقل ابن كثير عن الحافظ ابن عساكر عن حوشب قال: غزا الناس في زمن # PageV05P496 # معاوية، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل من المسلمين مائة ~~دينار رومية، فلما قفل الجيش ندم، وأتى الأمير، فأبى أن يقبلها منه، وقال: ms2547 ~~قد تفرق الناس، ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل ~~يأتي الصحابة، فيقولون له مثل ذلك. فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها ~~منه، فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله ابن الشاعر ~~السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: ~~نعم. فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين ~~دينارا، وانظر إلى الثمانين الباقية، فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله ~~يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل. فقال ~~معاوية: لأن أكون أفتيت بها، أحب إلي من كل شيء أملكه. أحسن الرجل. انتهى. # في هذه الرواية إثبات ولد لخالد، وفي ظني أن صاحب (أسد الغابة) ذكر أنه ~~لم يعقب، فليحقق. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 105] # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # وقل أي لأهل التوبة والتزكية، والصلاة، لا تكتفوا بها بل اعملوا جميع ما ~~تؤمرون به فسيرى الله عملكم أي فيزيدكم قربا على قرب ورسوله فيزيدكم صلوات ~~والمؤمنون فيتبعونكم، فيحصل لكم أجرهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء- هكذا ~~قاله المهايمي- وهو قوي في الارتباط. # وقال أبو مسلم: إن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة، كما قال وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا ... [البقرة: 143] الآية- والشهادة لا تصح إلا بعد ~~الرؤية، فذكر تعالى أن الرسول عليه السلام والمؤمنين يرون أعمالهم، ~~والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة، عند حضور الأولين والآخرين، ~~بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد. # ونقل عن مجاهد أن الآية وعيد للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه ~~تبارك وتعالى وعلى الرسول والمؤمنين. # PageV05P497 # قال ابن كثير: وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال تعالى يومئذ ~~تعرضون لا تخفى منكم خافية [الحاقة: 18] . وقال تعالى: يوم تبلى السرائر ~~[الطلاق: 9] . وقال تعالى: وحصل ما في الصدور [العاديات: 10] . وقد يظهر ~~الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما # روى الإمام ms2548 أحمد «1» عن أبي سعيد مرفوعا: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ~~ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا من كان. # وروي أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ- ~~كما في مسند أحمد «2» والطيالسي-. # وستردون إلى عالم الغيب والشهادة أي بالموت فينبئكم بما كنتم تعملون أي ~~بالمجازاة عليه. # قال أبو السعود: في وضع الظاهر موضع المضمر (أي حيث لم يقل: إليه) من ~~تهويل الأمر، وتربية المهابة- ما لا يخفى. ووجه تقديم (الغيب) في الذكر ~~لسعة عالمه، وزيادة خطره على الشهادة- غني عن البيان. # وعن ابن عباس: الغيب ما يسرونه من الأعمال، والشهادة ما يظهرونه. كقوله ~~تعالى: يعلم ما يسرون وما يعلنون [البقرة: 77] و [هود: 5] و [النحل: 23] ، ~~فالتقدم حينئذ لتحقق أن نسبة علمه المحيط بالسر والعلن واحدة، على أبلغ وجه ~~وآكده. أو للإيذان بأن رتبة السر متقدمة على رتبة العلن، إذ ما من شيء يعلن ~~إلا وهو، أو مبادئه القريبة، أو البعيدة، مضمر قبل ذلك في القلب. فتعلق ~~علمه تعالى به في حالته الأولى، متقدم على تعلقه به في حالته الثانية. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 106] # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم ~~(106) # وآخرون يعني من المتخلفين مرجون لأمر الله أي مؤخرون أمرهم انتظارا لحكمه ~~تعالى فيهم، لتردد حالهم بين أمرين إما يعذبهم لتخلفهم عن غزوة تبوك وإما ~~يتوب عليهم يتجاوز عنهم والله عليم أي بأحوالهم حكيم أي فيما يحكم عليهم. ~~PageV05P498 ### | تنبيهات: # الأول. قرئ في السبعة (مرجؤون) بهمزة مضمومة، بعدها واو ساكنة. وقرئ ~~مرجون بدون همزة. كما قرئ ترجي من تشاء بهما، وهما لغتان، يقال: # أرجأته وأرجيته، وكأعطيته. ويحتمل أن تكون الياء بدلا من الهمزة، كقولهم: ~~قرأت وقريت، وتوضأت وتوضيت، وهو في كلامهم كثير. وعلى كونه لغة أصلية فهو ~~يائي. وقيل: إنه واوي كذا في (العناية) -. # الثاني- روي عن الحسن أنه عني بهذه الآية قوم من المنافقين. وكذا قال ~~الأصم: إنهم منافقون أرجأهم الله، فلم يخبر عنهم ما ms2549 علمه منهم، وحذرهم بهذه ~~الآية، إن لم يتوبوا، أن ينزل فيهم قرآنا، فقال: إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم. # وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد: إنهم الثلاثة الذي خلفوا، أي عن ~~التوبة، وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، قعدوا في غزوة ~~تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدعة وطيب الثمار والظلال، لا شكا ~~ونفاقا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة ~~وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة. فنزلت توبة أولئك قبل ~~هؤلاء، وأرجئ هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله تعالى: لقد ~~تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ... # [التوبة: 117] الآية، إلى قوله: وعلى الثلاثة الذين خلفوا ... -. # قال في (العناية) : وإنما اشتد الغضب عليهم مع إخلاصهم، والجهاد فرض ~~كفاية، لما قيل إنه كان على الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليه. # ألا ترى قول راجزهم في «1» الخندق: # نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا # وهؤلاء من أجلهم، فكان تخلفهم كبيرة. # الثالث- (إما) في الآية، إما للشك بالنسبة إلى المخاطب، أو للإبهام ~~بالنسبة إليه أيضا، بمعنى أنه تعالى أبهم على المخاطبين أمرهم. والمعنى: ~~ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف. والمراد تفويض ذلك إلى إرادته تعالى ~~ومشيئته، أو للتنويع، أي أمرهم دائر بين هذين الأمرين. PageV05P499 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 107] # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) # والذين أي ومن المنافقين الذين اتخذوا أي بنوا مسجدا ضرارا أي مضارة لأهل ~~مسجد قباء وكفرا أي تقوية للكفر الذي يضمرونه وتفريقا بين المؤمنين أي ~~الذين كانوا يجتمعون بمسجد قباء اجتماعا واحدا يؤدون أجل الأعمال، وهي ~~الصلاة التي يقصد بها تقوية الإسلام بجمع قلوب أهله على الخيرات، ورفع ~~الاختلاف من بينهم وإرصادا أي إعدادا وترقبا، وانتظارا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل أي كفر ms2550 بالله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الراهب الذي سماه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاسقا) . وكانوا أعدوه له ليصلي فيه، ويظهر ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم- كما سنفصله وليحلفن أي بعد ظهور نواياهم ~~ومقاصدهم السيئة إن أردنا إلا الحسنى أي ما أردنا، ببناء المسجد، إلا ~~الخصلة الحسنى، أو الإرادة الحسنى، وهي الصلاة، وذكر الله، والتوسعة على ~~المصلين والله يشهد إنهم لكاذبون أي في حلفهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 108] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # لا تقم فيه أي لا تصل في مسجد الشقاق أبدا أي في وقت من الأوقات، لكونه ~~موضع غضب الله، ولذلك أمر بهدمه وإحراقه كما يأتي. وإطلاق (القائم) على ~~المصلي والمتهجد معروف، كما في قولهم: فلان يقوم الليل. # وفي الحديث «1» # (من قام رمضان إيمانا واحتسابا) # . لمسجد أسس على التقوى أي PageV05P500 # بنيت قواعده على طاعة الله وذكره، وقصد التحفظ من معاصي الله، بفعل ~~الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهو مسجد قباء من أول يوم أي من أيام ~~وجوده أحق أن تقوم أي تصلي فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين أي المبالغين في الطهارة الظاهرة والباطنة. ثم أشار إلى فضل مسجد ~~التقوى على مسجد الضرار بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 109] # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله أي مخافة منه ورضوان أي طلب رضوان منه ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا أي طرف جرف بضم الراء وسكونها أي مهواة هار ~~أي مشرف على السقوط فانهار به أي سقط معه في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 110] # لا يزال بنيانهم ms2551 الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم أي لا يزال هدمه سبب شك ونفاق ~~زائد على شكهم ونفاقهم، لا يزول وسمه عن قلوبهم، ولا يضمحل أثره إلا أن ~~تقطع قلوبهم أي قطعا، وتتفرق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه. وأما مادامت سالمة ~~مجتمعة، فالريبة باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ذرك التقطيع تصويرا لحال ~~زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وتمزيقها بالموت، أو بعذاب ~~النار. # وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم ~~والله عليم أي بنياتهم حكيم أي فيما أمر بهدم بنيانهم، حفظا للمسلمين عن ~~مقاصدهم الرديئة. ### | تنبيهات: # الأول- قال الزمخشري: في مصاحف أهل المدينة والشام الذين اتخذوا بغير ~~(واو) ، لأنها قصة على حيالها، وفي سائرها بالواو على عطف قصة مسجد # PageV05P501 # الضرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم. # الثاني- سبب نزول هذه الآيات أنه كان بالمدينة، قبل مقدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليها، رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد ~~تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله ~~شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى ~~المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصار للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم ~~بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارا إلى ~~كفار مكة يمالئهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من ~~أحياء العرب، وقدموا عام (أحد) ، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم ~~الله عز وجل، وكانت العاقبة للمتقين. وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى ~~قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته. فلما عرفوا كلامه ~~قالوا: لا أنعم الله بك عينا، يا فاسق، يا عدو الله! ونالوا منه وسبوه. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه ~~من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد. # فدعا عليه ms2552 رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا فنالته هذه ~~الدعوة. وذلك أنه لما فرغ الناس من (أحد) ، ورأى أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على رسول الله، ~~فوعده ومناه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار، من أهل ~~النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه وكان أمرهم أن يتخذوا له معقلا ومرصدا ~~له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه ~~وأحكموه، وفرغوا منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى تبوك. فأتوه ~~فقالوا: يا رسول الله! إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة والليلة الشاتية. # وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. # فقال: إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا، إن شاء الله تعالى، ~~أتيناكم، فصلينا لكم فيه. # فلما نزل بذي أوان- موضع على ساعة من المدينة- أتاه خبر المسجد، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عامرا، # فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه. # فخرجا سريعين، حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال ~~مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله، فأخذ سعفا من ~~النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان، حتى دخلا المسجد، وفيه أهله، ~~فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم ما نزل- ذكره ابن كثير، وأسند ~~أطرافه إلى ابن إسحاق وابن مردويه-. # PageV05P502 # وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في ~~خلافته، فسألوه أن يأذن لمجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم فقال: لا، ونعمة ~~عين! أليس هو إمام مسجد الضرار؟ قال مجمع: يا أمير المؤمنين! لا تعجل علي، ~~فو الله! لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم ~~فيه، وكنت غلاما قارئا ms2553 للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرءون، فصليت بهم، ولا ~~أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله، ولم أعلم ما في نفوسهم. فعذره عمر، فصدقه ~~وأمره بالصلاة في مسجد قباء. # الثالث- ما قدمناه من أن المسجد في الآية هو مسجد قباء، لأن السياق في ~~معرضه، وبيان أحقية الصلاة فيه من ذاك، لأنه أسس على طاعة الله وطاعة ~~رسوله، وجمع كلمة المؤمنين. ولما في الآية من الإشعار بالحث على تعاهده ~~بالصلاة فيه، # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوره راكبا وماشيا، ويصلي فيه ركعتين- ~~كما في الصحيح «1» -. # وقد روي عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في ~~مسجد قباء فقال: إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة ~~مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا، يا رسول الله! ما خرج منا ~~رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو مقعدته بالماء، - رواه الإمام ~~أحمد «2» وأبو داود والطبراني، واللفظ له-. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى ~~فقال: هو مسجده- رواه الإمام أحمد «3» ومسلم. # قال ابن كثير: ولا منافاة. لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من ~~أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى- ~~انتهى-. # ومرجعه إلى أن هذا الوصف، وإن كان يصدق عليهما- إلا أن الأحرى به بعد، ~~PageV05P503 # هو المسجد النبوي، أي فالحديث ليس في معرض تعيين ما في الآية، بل في بيان ~~الأحق بهذا الوصف الآن. # وقال السهروردي: كل منهما مراد، لأن كلا منهما أسس على التقوى من أول يوم ~~تأسيسه. # والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك، دفع ما توهمه السائل ~~من اختصاص ذلك بمسجد قباء، والتنويه بمزية هذا عن ذاك. # الرابع- قال السهيلي، نور الله مرقده: في الآية- يعني قوله تعالى: من أول ~~يوم- من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر ~~رضي الله عنه حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم على أن يكون من ms2554 عام ~~الهجرة، لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وبنيت المساجد، وعبد الله كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر ~~التنزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى من أول يوم أن ذلك اليوم هو أول ~~أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن. فإن كان الصحابة أخذوه من هذه الآية، فهو ~~الظن بهم، لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من ~~الإشارات. وإن كان ذلك على رأي واجتهاد، فقد علمه الله وأشار إلى صحته قبل ~~أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام ~~معلوم، أو شهر معلوم، أو تاريخ معلوم. وليس ها هنا إضافة في المعنى إلا إلى ~~هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال، ~~فتدبره، ففيه معتبر لمن ادكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر. # الخامس- (التأسيس) وضع الأساس، وهو أصل البناء، وأوله، وبه إحكامه، ففي ~~الآية شبه التقوى والرضوان تشبيها مكنيا مضمرا في النفس، بما يعتمد عليه ~~أصل البناء. و (أسس بنيانه) تخييل، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، أو هو ~~مجاز بناء على جوازه. فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينه، أو تمثيل لحال ~~من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة، بحال من بنى بناء محكما مؤسسا يستوطنه ~~ويتحصن به. أو (البنيان) استعارة أصلية، و (التأسيس) ترشيح أو تبعية: و ~~(الشفا) : الحرف والشفير. و (جرف الوادي) : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء، ~~وتجرفه السيول، فيبقى واهيا. و (الهار) : الهائر، وهو المتصدع الذي أشفى ~~على التهدم والسقوط. قيل: هو مقلوب، وأصله (هاور) أو (هاير) . وقيل: حذفت ~~عينه اعتباطا، فوزنه (فال) . # والإعراب على رائه كباب. وقيل: لا قلب فيه ولا حذف، ووزنه في الأصل (فعل) # PageV05P504 # بكسر العين، ككتف، وهو هور أو هير، ومعناه ساقط أو مشرف على السقوط. # وفاعل (انهار) إما ضمير البنيان، وضمير (به) للمؤسس، أي سقط بنيان الباني ~~بما عليه. أو ل (الشفا) ، وضمير (به) للبنيان. والظاهر في التقابل أن يقال: ~~أم ms2555 من أسس بنيانه على ضلال وباطل وسخط من الله، ولذا قال في الكشاف: المعنى ~~أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة قوية، وهي الحق، الذي هو تقوى الله ~~ورضوانه، خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها، وأقلها بقاء ~~(وهو الباطل والنفاق) الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك. ~~وضع (شفا الجرف) في مقابلة (التقوى) ، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى. ~~يعني أنه شبه الباطل ب (شفا جرف هار) في قلة الثبات، فاستعير للباطل بقرينة ~~مقابلته للتقوى، والتقوى حق، ومنافي الحق هو الباطل. وقوله (فانهار) ترشيح، ~~وباؤه للتعدية، أو للمصاحبة. ف (شفا جرف هار) استعارة تصريحية تحقيقية، ~~والتقابل باعتبار المعنى المجازي المراد منها. # فإن قلت: لماذا غاير بينهما حيث أتى بالأول على طريقة الكناية والتخييل، ~~وبالثاني على طريق الاستعارة والتمثيل؟ # قلت: التفنن في الطريق رعاية لحق البلاغة، وعدولا عن الظاهر، مبالغة في ~~الطرفين. إذ جعل أولئك مبنيا على تقوى ورضوان، هو أعظم من كل ثواب، وحال ~~هؤلاء على فساد أشرف بهم على أشد نكال وعذاب. ولو أتى به على مقتضى الظاهر ~~لم يفده، ما فيه من التهويل. # وقولنا: (فانهار ترشيح) أوضحه الكشاف بقوله: لما جعل الجرف الهائر مجازا ~~عن الباطل، قيل: فانهار به في نار جهنم على معنى فطاح به الباطل في نار ~~جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليصور أن ~~المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، ~~فهوى في قعرها. # السادس- دلت الآية على أن كل مسجد بني على ما بني عليه مسجد الضرار، أنه ~~لا حكم له ولا حرمة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضي بالله كثيرا من ~~مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة وسبل بعضها. نقله بعض المفسرين. # قال الزمخشري: قيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء ~~وجه الله، أو بمال غير طيب- فهو لا حق بمسجد الضرار. وعن شقيق أنه لم # PageV05P505 # يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، ms2556 فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، ~~فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار، أو ~~رياء وسمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضرارا. # وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر رضي الله عنه، أمر ~~المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما ~~صاحبه- انتهى. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في فوائد غزوة تبوك: # ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه. وهو مسجد يصلى فيه، ~~ويذكر اسم الله فيه. لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين، ومأوى ~~للمنافقين. وكل مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم أو ~~تحريق، وإما بتغيير صورته، وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأن مسجد ~~الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون ~~الله، أحق بذلك وأوجب. وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت ~~الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر رضي الله عنه قرية بكاملها يباع فيها ~~الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه (فريسقا) ، وأحرق قصر سعد عليه لما ~~احتجب عن الرعية. وهم «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي ~~حضور الجماعة والجمعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب ~~عليهم، كما أخبر هو عن ذلك- انتهى-. # ثم قال ابن القيم: ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة، كما لم ~~يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش ~~الميت إذا دفن في المسجد- نص على ذلك الإمام أحمد وغيره- فلا يجتمع في دين ~~الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، ~~فلو وضعا معا لم يجز. ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا ~~المسجد، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك «2» ، ولعنه من اتخذ ms2557 ~~القبر مسجدا، أو أوقد عليه سراجا. PageV05P506 # قال ابن القيم: فهذا دين الإسلام الذي بعث به رسوله ونبيه، وغربته بين ~~الناس كما ترى. انتهى. # السابع- قال بعض المفسرين اليمانين: في الآية دلالة على فضل المسجد ~~الموصوف بهذه الصفة، يعني التأسيس على التقوى. وفيها: أن نية القربة في ~~عمارة المسجد شرط، لأن النية هي التي تميز الأفعال. وفيها: أنه لا يجوز ~~تكثير سواد الكفار- ذكر ذلك الحاكم، لأنه قال تعالى لا تقم فيه أبدا وأراد ~~ب (القيام) الصلاة. # الثامن- قال ابن كثير: في الآية دليل على استحباب الصلاة في المساجد ~~القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده، لا شريك له، وعلى ~~استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ ~~الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات. # وقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ ~~الروم فأوهم فلما انصرف قال: إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون ~~معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء # . فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على ~~إتمامها وإكمالها، والقيام بمشروعاتها. # التاسع- ذهب أبو العالية والأعمش إلى أن المراد من الطهارة في الآية، ~~الطهارة من الذنوب، والتوبة منها، والتطهر من الشرك. # قال الرازي: وهذا القول متعين، لأن التطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر ~~في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه، ولأنه تعالى وصف أصحاب مسجد ~~الضرار بمضارة المسلمين، والكفر بالله، والتفريق بين المسلمين، فوجب كون ~~هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي انتهى. # أقول: لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة ~~والظاهرة. بل الثانية ما # رواه أصحاب السنن والإمام أحمد «1» وابن خزيمة في صحيحه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأهل قباء: قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا ~~تصنعون؟ فقالوا: نستنجي بالماء. PageV05P507 # وروى البزار عن ابن عباس قال: هذه الآية في أهل قباء، سألهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء. ms2558 فإن صح ذلك كان ~~المراد من الآية. وتكون حثا على الطهارة المذكورة، ومدحا لها. وكون ذويها ~~على الضد من صفات أولئك، يستفاد من عموم هذا، ومن قوله تعالى لمسجد أسس على ~~التقوى ... الآية. # العاشر- قال القاشاني: لما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت، ~~وتسخيره، لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما يباشرها من ~~الأعمال، فكل ما فعل بنية صادقة لله تعالى عن هيئة نورانية، صحبته بركة ~~ويمن وجمعية وصفاء، وكل ما فعل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة مظلمة، صحبته ~~تفرقة وكدورة ومحق وشؤم. ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت متبركة ~~لكونها مبنية على يدي نبي من أنبياء الله، بنية صادقة، ونفس شريفة صافية، ~~عن كمال إخلاص لله تعالى؟ ونحن نشاهد أثر ذلك في أعمال الناس، ونجد أثر ~~الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع، والكدورة والتفرقة في بعضها. وما ~~هو إلا لذلك، فلهذا قال لمسجد أسس على التقوى ... الآية- لأن الهيئات ~~الجسمانية مؤثرة في النفوس، كما أن الهيئات النفسانية مؤثرة في الأجسام، ~~فإذا كان موضع القيام مبنيا على التقوى وصفاء النفس، تأثرت النفس باجتماع ~~الهمة، وصفاء الوقت، وطيب الحال، وذوق الوجدان. وإذا كان مبنيا على الرياء ~~والضرار، تأثرت بالكدورة والتفرقة والقبض. وفيه إشعار بأن زكاء نفس الباني، ~~وصدق نيته، مؤثر في البناء. وأن تبرك المكان، وكونه مبنيا على الخير، يقتضي ~~أن يكون فيه أهل الخير والصلاح، ممن يناسب حاله حال بانيه، وأن محبة الله ~~واجبة لأهل الطهارة لقوله والله يحب المطهرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 111] # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~(111) # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله # PageV05P508 # فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، ms2559 وذلك هو الفوز العظيم # لما هدى الله تعالى المؤمنين إلى الإيمان، والأنفس مفتونة بمحبة الأموال ~~والأنفس، استنزلهم لفرط عنايته بهم، عن مقام محبة الأموال والأنفس، ~~بالتجارة المربحة، والمعاملة المرغوبة، بأن جعل الجنة ثمن أموالهم وأنفسهم، ~~فعرض لهم خيرا مما أخذ منهم. فالآية ترغيب في الجهاد ببيان فضيلته، إثر ~~بيان حال المتخلفين عنه. # قال أبو السعود: ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه، حيث عبر عن قبول ~~الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى، ~~وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة، بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية. ثم ~~جعل المبيع، الذي هو العمدة والمقصد في العقد، أنفس المؤمنين وأموالهم. ~~والثمن، الذي هو الوسيلة في الصفقة، الجنة. ولم يجعل الأمر على العكس بأن ~~يقال: (إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم) ليدل على أن ~~المقصد في العقد هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس ~~والأموال وسيلة إليها، إيذانا بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم. ثم إنه لم ~~يقل (بالجنة) بل (بأن لهم الجنة) مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم، ~~واختصاصه بهم. وكأنه قيل: (بالجنة الثابتة لهم، المختصة بهم) . # وفي (الكشاف) و (العناية) ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ من هذه ~~الآية، لأنه أبرزه في صورة عقد عاقده رب العزة، وثمنه ما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، ~~بل إذا كانوا قاتلين أيضا لإعلاء كلمته، ونصر دينه، وجعله مسجلا في الكتب ~~السماوية، وناهيك به من صك. وجعل وعده حقا، ولا أحد أوفى من وعده، فنسيئته ~~أقوى من نقد غيره. وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم، وهو استعارة ~~تمثيلية، صور جهاد المؤمنين، وبذل أموالهم وأنفسهم فيه، وإثابة الله لهم ~~على ذلك الجنة، بالبيع والشراء، وأتى بقوله يقاتلون ... إلخ بيانا لمكان ~~التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة # بقوله «1» صلى الله عليه وسلم «الجنة تحت ظلال السيوف» # ثم أمضاه بقوله: وذلك هو الفوز العظيم. ولما في هذا ms2560 من البلاغة واللطائف ~~المناسبة للمقام، لم يلتفتوا إلى جعل (اشترى) وحده استعارة أو مجازا عن ~~الاستبدال، وإن ذكروه في غير هذا الموضع، لأن قوله فاستبشروا ببيعكم يقتضي ~~أنه شراء وبيع، وهذا لا يكون إلا بالتمثيل. ومنهم من جوز أن يكون معنى ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في PageV05P509 # العمل الصالح، وأموالهم بالبذل فيها. وجعل قوله يقاتلون مستأنفا لذكر بعض ~~ما شمله الكلام، اهتماما به. انتهى. # وقوله تعالى: وعدا عليه مصدر مؤكد لما يدل عليه كون الثمن مؤجلا. # وذكر كونه في التوراة وما عطف عليها، تأكيدا له، وإخبار بأنه منزل على ~~الرسل في الكتب الكبار. وفيه أن مشروعية الجهاد ومثوبته ثابتة في شرع من ~~قبلنا. وقد بقي في التوراة والإنجيل الموجودين، على تحريفهما، ما يشير إلى ~~الجهاد والحث عليه، نقلها عنهما من رد على الكتابيين الزاعمين أن الجهاد من ~~خصائص الإسلام، فانظره في الكتب المتداولة في ذلك. # ثم وصف تعالى المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 112] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) # التائبون أي عن المعاصي، ورفعه على المدح، أي هم التائبون، كما دل عليه ~~قراءة (التائبين) بالياء إلى قوله، و (الحافظين) نصبا على المدح، أو جرا ~~صفة للمؤمنين. وجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، أي التائبون من المعاصي ~~حقيقة، الجامعون لهذه الخصال العابدون أي الذين عبدوا الله وحده، وأخلصوا ~~له العبادة، وحرصوا عليها الحامدون لله على نعمائه، أو على ما نابهم من ~~السراء والضراء السائحون أي الصائمون، أو الضاربون في الأرض تدبرا ~~واعتبارا. وسننبه عليه، الراكعون الساجدون أي المصلون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله أي في تحليله وتحريمه وبشر ~~المؤمنين الموصوفين بالنعوت المذكورة. ووضع (المؤمنين) موضع ضميرهم، ~~للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، ~~وحذف المبشر به للتعظيم، أو للعلم به، لقوله في آية الأحزاب: وبشر المؤمنين ~~بأن لهم من الله فضلا ms2561 كبيرا # [الأحزاب: 47] . ### | تنبيهات: # الأول- ما قدمناه من تفسير (السائحين) بالصائمين. قال الزجاج: هو قول # PageV05P510 # أهل التفسير واللغة جميعا. ورواه الحاكم مرفوعا، وكذلك ابن جرير. قال ابن ~~كثير: # ووقفه أصح. # وعن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن من السياحة، فهو الصيام. # وعن الحسن: السائحون الصائمون شهر رمضان. # قال الشهاب: استعيرت السياحة للصوم لأنه يعوق عن الشهوات، كما أن السياحة ~~تمنع عنها في الأكثر. # ونقل الرازي عن أبي مسلم أن السائحين: السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من ~~(السيح) سيح الماء الجاري، والمراد به من خرج مجاهدا مهاجرا. وتقريره أنه ~~تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد، ثم ذكر هذه الآية في بيان ~~صفات المجاهدين، فينبغي أن يكونوا موصوفين بجميع هذه الصفات. وروى مثله ابن ~~أبي حاتم عن عبد الرحمن أنه قال: هم المهاجرون. وعن عكرمة أنهم المنتقلون ~~لطلب العلم. # قال ابن كثير: جاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، # فقد روى «1» أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله! ائذن ~~لي في السياحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سياحة أمتي الجهاد في سبيل ~~الله. # أقول: لو أخذ هذا الحديث تفسيرا للآية لالتقى مع كل ما روي عن السلف ~~فيها، لأن الجهاد في سبيل الله، كما يطلق على قتال المشركين، يطلق على كل ~~ما فيه مجاهدة للنفس في عبادته تعالى، ومنه الهجرة والصوم، والسفر للتفقه ~~في الدين أو للاعتبار، بل ذلك هو الجهاد الأكبر. هذا على إرادة التوفيق بين ~~المأثورات. أما لو أريد باللفظ أصل حقيقته اللغوية، أعني الضرب في الأرض ~~خاصة، الذي عبر عنه عكرمة بالمنتقلين لطلب العلم، لكان بمفرده كافيا في ~~المعنى، مشيرا إلى وصف عظيم، وهذا ما حدا بأبي مسلم أن يقتصر عليه، وهو ~~الحق في تأويل الآية. # وقد رأيت لبعض المحققين مقالة في تأييده، يجدر بالمحقق أن يقف عليها، ~~وهاك خلاصتها: قال: الكتاب الحكيم يأمر الإنسان كثيرا بأن يضحي قسما من ~~حياته في السياحة والتسيار، لأجل اكتشاف الآثار، والوقوف على أخبار الأمم ms2562 ~~البائدة، PageV05P511 # ليكون ذلك مثال عظة واعتبار، يضرب على أدمغة الجامدين بيد من حديد. ولا ~~أريد أن أحشر للقارئ تلك الآيات، فإن ذلك يؤدي إلى التطويل، بل أريد أن ~~أجتزئ منها بما يكفل ثبوت الدعوى، وذلك في قوله تعالى: السائحون ... في هذه ~~الآية، ولم يقع لفظ (سائحون) في القرآن الكريم إلا هذه المرة الفذة. ومع ~~ذلك فقد تغلب عليها أهل التفسير، فمنهم من قال هم الصائمون، ومنهم من قال ~~غيره. والصحيح أن (السائحون) معناه السائرون، مأخوذا من السيح وهو الجري ~~على وجه الأرض، والذهاب فيها، وهذه المادة تشعر بالانتشار. يقال: ساح الماء ~~أي جرى وانتشر. # والسيح أيضا الماء الجاري الذاهب بالأرض. ويطلق السائح على معنى يضاد ~~الجامد، وهو المائع المسفوح، لأنه بانمياعه ينتشر في وعائه. وقد عهدنا ~~بألفاظ القرآن أنها يجب حملها على ظواهرها، وعلى معانيها الحقيقة، اللهم ما ~~لم يمنع مانع عقلي، ولا مانع هنا من إرادة الحقيقة وعليه فيجب حمل لفظ ~~(السائحون) على معناه الظاهر الحقيقي، وهو السائرون الذاهبون في الديار، ~~لأجل الوقوف على الآثار، توصلا للعظة بها والاعتبار، ولغير ذلك من الفوائد ~~التي عرفها التاريخ. وكذلك عهدنا بالمعنى المجازي أنه لا تجوز إرادته إلا ~~عند قيام القرينة على منع المعنى الحقيقي، في حال أن الأمر هنا بالعكس، ~~لكثرة القرائن التي تطالب بإرادة المعنى الحقيقي دون المجازي. وذلك مثل آية ~~سيروا [الأنعام: 11 والنمل: 69 والعنكبوت: 20 والروم: 42 وسبأ: 18] ، أولم ~~يسيروا [الروم: 9 وفاطر: 44 وغافر: 21] ، أفلم يسيروا [يوسف: 109 والحج: 46 ~~وغافر: 82 ومحمد: 10] ، فسيروا [آل عمران: 137] و [النحل: 36] ، وآخرون ~~يضربون في الأرض [المزمل: 20] ، ومن يهاجر في سبيل الله ... [النساء: 100] ~~الآية- فهذه الآيات هي قرائن نيرة تؤذن بأن السيح معناه السير. فإنها وإن ~~تكن من مادة أخرى، إلا أن معناها يلاقي معنى السيح. على أننا لا نعدم قرينة ~~على ذلك من نفس المادة، وذلك كآية فسيحوا في الأرض [التوبة: 2] ، فكلمة ~~(سيحوا) هنا تفسر السائحون في الآية هذه، وهم يقولون: خير ما فسرته ~~بالوارد. وبالجملة، فصرف هذا اللفظ عن ms2563 ظاهره تكسيل للأمة، وتدبير على فتور ~~همتها، وضعف نشاطها، وحيلولة بينها وبين سعادة الإحاطة بآثار الأمم ~~البائدة، ورؤية عمران المسكونة، الأمر الذي هو الآن الضالة المنشودة عند ~~الغربيين، وفيه ستر لنور الكتاب الذي هو أول مرشد للعالم ألا يألوا جهدا في ~~السير والسياحة، وأن ينقب في البلاد أي تنقيب وسيأتي تتمة لهذا في تفسير ~~آية سائحات [التحريم: 5] في سورة التحريم إن شاء الله تعالى. # PageV05P512 # قال الرازي: للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس، لأنه يلقاه أنواع من الضر ~~والبؤس، فلا بد له من الصبر عليها، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كل ~~ما ليس عند الآخر. وقد يلقى الأكابر من الناس، فيحقر نفسه في مقابلتهم. وقد ~~يصل إلى المرادات الكثيرة، فينتفع بها. وقد يشاهد اختلاف أحوال الدنيا بسبب ~~ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم، فتقوى معرفته. ~~وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين. انتهى. # وقال بعضهم: لا يعزب عنك أيها اللبيب أنه تعالى حث بني الإنسان على السفر ~~في محكم كتابه العزيز، وندد على من ارتدى منهم رداء الكسل، وأوقع نفسه في ~~وهدة الخمول، وتلذذ بالتقاعد عن جوب البلاد، وقطع الوهاد، فقال تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~[الحج: 146] ، # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : «سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا» . # وقد تكلم كثير من العلماء والحكماء والأدباء على مزايا السفر نظما ونثرا. # ومن أجل فوائده زيادة علمه، وانتفاع غيره بما يعلمه وما يكتسبه. ومنها، ~~وهو أعظمها، رضا ربه، ومزيد ثوابه بنفعه لعباده، وأحب عباد الله إلى الله ~~أنفعهم لعباده. # وكذلك باتعاظه بأحوال الناس، واعتباره بأمورهم، واطلاعه في ساحته على ~~الأسرار المكنونة، والحكم التي دبر الله بها أمر المخلوقات وأحكم بها صنع ~~الكائنات. فمن وقف على سر الخالق زاد في تعظيمه وتقرب إليه بالطاعة ~~والامتثال لأوامره ونواهيه، وليس بخاف ما وقع للأنبياء والمرسلين، والصحابة ~~والتابعين، والأولياء والصالحين، من التنقلات والأسفار، في القرى والأمصار، ~~للنظر والاعتبار. # الثاني- قال القاضي: إنما جعل ذكر الركوع ms2564 والسجود، كناية عن الصلاة، لأن ~~سائر أشكال المصلي موافق للعادة، وهو قيامه وقعوده، والذي يخرج عن العادة ~~في ذلك هو الركوع والسجود، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره. ويمكن أن ~~يقال: # القيام أول مراتب التواضع لله تعالى، والركوع وسطها، والسجود غايتها. فخص ~~الركوع والسجود بالذكر، لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية، تنبيها على ~~أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم. ذكره الرازي. # الثالث- ذكروا في سر العطف في موضعين من هذه النعوت وجوها: # فأما الأول: أعني قوله تعالى: والناهون عن المنكر فقالوا: سر العطف فيه ~~PageV05P513 # إما الدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، وصفة واحدة، لأن ~~بينهما تلازما في الذهن والخارج، لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب ~~الظاهر، لأن أحدهما طلب فعل، والآخر طلب ترك، فكانا بين كمال الاتصال ~~والانقطاع المقتضي للعطف، بخلاف ما قبلهما. أو لأنه، لما عدد صفاتهم، عطف ~~هذين ليدل على أنهما شيء واحد، وخصلة واحدة، والمعدود مجموعهما، كأنه قيل: ~~الجامعون بين الوصفين. أو العطف لما بينهما من التقابل، أو لدفع الإيهام، ~~وهذا معنى قول (المغني) الظاهر أن العطف في هذا الوصف إنما كان من جهة أن ~~الأمر والنهي، من حيث هما أمر ونهي، متقابلان بخلاف بقية الصفات. أو لأن ~~الآمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف. والناهي عن المنكر آمر ~~بالمعروف. فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين، وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ~~ضمن الآخر. # وأما الثاني: أعني قوله تعالى: والحافظون لحدود الله فقيل: سر العطف فيه ~~الإيذان بأن التعداد قد تم بالسبع، من حيث إن السبعة هو العدد التام، ~~والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ولذلك تسمى (واو الثمانية) ونظر فيه ~~بأن الدال على التمام لفظ (سبعة) لاستعماله في التكثير، لا معدوده. والقول ~~بواو الثمانية ذكروه في قوله تعالى: سبعة وثامنهم كلبهم [الكهف: 22] وضعفه ~~في (المغني) . # وقيل: سر العطف التنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل، وهذا مجملها، لأنه ~~شامل لما قبله وغيره. ومثله يؤتى به معطوفا، نحو زيد وعمرو وسائر قبيلتهما ms2565 ~~كرماء، فلمغايرته لما قبله، بالإجمال والتفصيل، والعموم، والخصوص، عطف ~~عليه. # وقيل: بقوة الجامع بالتلازم، لأن من حصل الأوصاف السابقة، فقد حفظ حدود ~~الله. # وقيل: المراد بحفظ الحدود ظاهره، وهي إقامة الحد، كالقصاص على من استحقه. ~~والصفات الأولى إلى قوله الآمرون صفات محمودة للشخص في نفسه، وهذه له ~~باعتبار غيره، فلذا تغاير تعبير الصنفين، فترك العاطف في القسم الأول، وعطف ~~في الثاني. ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد، ترك فيها العطف ~~لشدة الاتصال، بخلاف هذه، فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به. وهذا هو ~~الداعي لإعراب (التائبون) مبتدأ موصوفا بما بعده، و (الآمرون) خبره. فكأنه ~~قيل: # الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم. وقدم الأول لأن المكمل لا يكون ~~مكملا حتى يكون كاملا في نفسه، وبهذا اتسق النظم أحسن نسق من غير تكلف، ~~والله أعلم بمراده. كذا في (العناية) و (حواشي المغني) . # PageV05P514 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى 114] # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم ~~لأواه حليم (114) # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم لما بين تعالى في أول السورة وما ~~بعدها أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ~~ذلك تأكيدا. حيث نهى عن الاستغفار لهم بعد تبين شركهم وكفرهم، لأن ظهوره ~~موجب لقطع الموالاة، حتى مع الأقرباء، لأن قرابتهم، وإن أفادتهم المناسبة ~~بهم والرحمة بهم، فلا تفيدهم قبول نور الاستغفار إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به [النساء: 48] فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. ثم ~~ذكر تعالى أن السبب ms2566 في استغفار إبراهيم لأبيه، أنه كان لأجل وعد تقدم منه ~~له، بقوله: سأستغفر لك ربي [مريم: 47] ، وقوله: لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] ~~، وأنه كان قبل أن يتحقق إصراره على الشرك فلما تبين له ذلك تبرأ منه أي من ~~أبيه بالكلية، فضلا عن الاستغفار له. # وبين تعالى الحامل لإبراهيم على الاستغفار، بأنه فرط ترحمه وصبره بقوله: ~~إن إبراهيم لأواه أي كثير التأوه من فرط الرحمة، ورقة القلب، حليم أي صبور ~~على ما يعترضه من الإيذاء، ولذلك حلم عن أبيه، مع توعده له بقوله: لئن لم ~~تنته لأرجمنك [مريم: 46] ، واستغفر له بقوله: سلام عليك سأستغفر لك ربي ~~[مريم: 47] ، وذلك قبل التبين، فليس لغيره أن يأتسي به في ذلك. # وفي الآية تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين، بأنه صلى الله عليه وسلم ~~تبرأ من أبيه بعد التبين، وهو في كمال رقة القلب والحلم، فلا بد أن يكون ~~غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا. ### | تنبيهات: # الأول- ساق المفسرون ها هنا روايات عديدة في نزول الآية. ولما رآها بعضهم ~~متنافية، حاول الجمع بينها بتعدد النزول، ولا تنافي، لما قدمناه من أن ~~قولهم (نزلت # PageV05P515 # في كذا) قد يراد به أن حكم الآية يشمل ما وقع من كذا بمعنى أن نزولها ~~يتناوله. # وقد يراد به (أن كذا كان سببا لنزولها) وما هنا من الأول. ونظائره كثيرة ~~في التنزيل، وقد نبهنا عليه مرارا، لا سيما في المقدمة. فاحفظه. # الثاني- قال عطاء بن أبي الرباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل ~~القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنى، لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا ~~عن المشركين، ثم قرأ الآية. وهذا فقه جيد. # الثالث- قال بعض اليمانين: استدل بالآية على أن من تأوه في الصلاة لم ~~تبطل. وهذا يحكى عن أبي جعفر: إذا قال (آه) لم تبطل صلاته، لأنه تعالى مدح ~~إبراهيم عليه السلام بذلك، ومذهب الأئمة بطلانها، سواء قال (آه) أو (أوه) ، ~~لأن ذلك من كلام الناس، ولم يذكر تعالى أن تأوه إبراهيم كان في الصلاة. ~~انتهى. # الرابع- قال في (العناية) : (أواه) فعال للمبالغة ms2567 من (التأوه) وقياس فعله ~~أن يكون ثلاثيا، لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه وحكى قطرب له فعلا ~~ثلاثيا وهو (آه يؤوه) كقام يقوم، أوها، وأنكر عليه غيره بأنه لا يقال إلا ~~أوه وتأوه قال: # إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين # والتأوه قول (آه) ونحوه مما يقوله الحزين، فلذا كني به عن الحزن، ورقة ~~القلب. انتهى. # و (أوه) بفتح الواو المشددة ساكنة الهاء، وأواه، وأوه بسكون الواو ~~والحركات الثلاث قال: # فأوه على زيارة أم عمرو ... فكيف مع العدا، ومع الوشاة؟ # وربما قلبوا الواو ألفا، فقالوا: آه من كذا قال: # آه من تياك آها ... تركت قلبي متاها # و (آه) بكسر الهاء منونة وحكي أيضا آها وواها. وفيها لغات أخرى أوصلها ~~(التاج) إلى اثنتين وعشرين لغة، وكلها كلمات تقال عند الشكاية والتوجع ~~والتحزن، مبنيات على ما لزم آخرها إلا (آها) فانتصابها لإجرائها مجرى ~~المصادر، كأنه قيل: أتأسف تأسفا. # وقوله تعالى: # PageV05P516 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 115] # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون هذا من تتمة ~~ما تقدم من تأكد مباينة المشركين، والبراءة منهم، وترك الاستغفار لهم، وذلك ~~لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول إليهم ما ~~يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي فضلوا عنه، فأضلهم الله، واستحقوا ~~عقابه. # وقوله تعالى: إن الله بكل شيء عليم تعليل لما سبق، أي أنه تعالى عليم ~~بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل ~~بمعرفته، فبين لهم ذلك، كما فعل هنا. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 116] # إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) # إن الله له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير تقوية لما ms2568 تقدم من التبرؤ منهم، وإرشاد للمؤمنين بأن يتكلوا على ~~ربهم، ولا يرهبوا من أولئك، فإنه إذا كان ناصرهم فلا يضرهم كيدهم، وتنبيه ~~على لزوم امتثال أمره، والانقياد لحكمه، والتوجه إليه وحده، إذ لا يتأتى ~~لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى. ### | تنبيه: # وقف كثير من المفسرين بالآية هنا، أعني قوله تعالى: وما كان الله ليضل ~~قوما الآية- على ما روي في الآية قبلها، من نزولها في استغفار وقع من ~~المؤمنين للمشركين، فربطوا هذه الآية بتلك، على الرواية المذكورة، ونزلوها ~~على المؤمنين، فقالوا: وما كان الله ليضل قوما أي ليحكم عليهم باستغفارهم ~~للمشركين بالضلال بعد إذ هداهم بالنبوة والإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي ~~عنه، فتتركوا، فأما إذا لم يبين فلا ضلال، إلى آخر ما قالوه ... # PageV05P517 # وما أبعده من تفسير وتأويل والرازي ذكره وجها، وأشفعه بما اعتمدناه، وهو ~~الحق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 117] # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رؤف رحيم اعلم أن ~~الله تعالى لما بين فيما تقدم مراتب الناس في أيام غزوة تبوك، مؤمنهم ~~ومنافقهم، والمنفق لها طوعا أو كرها، والمرغب فيها أو عنها، والمتخلف نفاقا ~~أو كسلا، وأنبأ عما لحق كلا من الوعد والوعيد، وميز الصادقين من غيرهم- ختم ~~بفرقة منهم كانوا تخلفوا ميلا للدعة. وهم صادقون في إيمانهم، ثم ندموا ~~فتابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم، فقبلها، ثم أنزل توبتهم في هذه ~~الآية، وصدرها بتوبته على رسوله، وكبار صحبه جبرا لقلوبهم، وتنويها لشأنهم ~~بضمهم مع المقطوع بالرضا عنهم وبعثا للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن ~~إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين والأنصار، كل ~~على حسبه، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأنها صفة التوابين ~~الأوابين ms2569 صفة الأنبياء، كما وصفهم بالصالحين، ليظهر فضيلة الصلاح والوصف ~~للمدح، كما يكون لمدح الموصوف، يكون لمدح الصفة، وهذا من لطائف البلاغة، ~~وهو كما قال حسان رضي الله عنه: # ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد # وفي الآية بيان فضل المهاجرين والأنصار. # قال الحاكم: ودلت على فضل عثمان، لأنه جهز جيش العسرة بمال لم يبلغ غيره ~~مبلغه. وقد جمع تعالى بين ذكر نبيه وذكرهم، ووصفهم باتباعه، فوجب القطع ~~بموالاتهم. # وقوله تعالى: في ساعة العسرة أي في وقتها والساعة تستعمل في معنى الزمان ~~المطلق، كما تستعمل الغداة والعشية واليوم، والعسرة حالهم في غزوة تبوك. # كانوا في عسرة من الظهر، يعتقب العشرة على بعير واحد، وفي عسرة من الزاد، ~~حتى # PageV05P518 # إن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتدالون التمرة بينهم، ~~يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها الآخر، ثم يشرب عليها: وفي عسرة من شدة ~~لهبان الحر ومن الجدب. وفي عسرة من الماء، حتى بلغ بأحدهم العطش أن نحر ~~بعيره، فعصر فرثه فشربه، وجعل ما بقي على كبده. # وقد حكى القالي في (أماليه) أن العرب كانوا إذا أرادوا توغل الفلوات التي ~~لا ماء فيها، سقوا الإبل على أتم أظمائها ثم قطعوا مشافرها، أو خزموها لئلا ~~ترعى، فإذا احتاجوا إلى الماء، افتظوا كروشها، فشربوا ثميلها، وهو كثير في ~~الأشعار. كذا في (العناية) . # ونقل الرازي عن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المراد ب (ساعة العسرة) جميع ~~الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة ~~الخندق وغيرها. وقد ذكر تعالى بعضها في كتابه كقوله سبحانه: وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] . وقوله: ولقد صدقكم الله وعده ~~إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ... [آل عمران: 152] الآية- والمقصود منه ~~وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الأوقات ~~الشديدة، والأحوال الصعبة، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم. انتهى. # أقول: هذا الاحتمال، وإن كان مما يسعه اللفظ الكريم، إلا أنه يبعده عنه ~~سياق الآية، وسياقها، القاصران على غزوة تبوك. ولم يتفق ms2570 في غيرها عسر في ~~الخروج، واتباعه عليه السلام، بل وقع أحيانا في مصاف القتال. وقد اتفق ~~علماء الأثر والسير على تسميتها (غزوة العسرة) ، ومن خرج فيها (جيش العسرة) ~~. # وقوله تعالى: من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم أي عن الحق، أو الثبات ~~على الاتباع للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم. وفي تكرير التوبة عليهم ~~بقوله تعالى: ثم تاب عليهم تأكيد ظاهر، واعتناء بشأنها، هذا إذا كان الضمير ~~راجعا إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني، فلا ~~تكرار. # قال بعضهم: ذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب، تفضلا منه، وتطييبا لقلوبهم. # ثم ذكر الذنب بعد ذلك، وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى، تعظيما لشأنهم، ~~وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم، وعفا عنهم. ثم أتبعه بقوله: إنه بهم رؤف ~~رحيم تأكيدا لذلك. # PageV05P519 # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 118] # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) # وعلى الثلاثة الذين خلفوا أي تركوا وأخروا عن قبول التوبة في الحال، كما ~~قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، والثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة ~~بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بتوبتهم. # وقوله تعالى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت أي مع سعتها، وهو مثل ~~الحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه، قلقا وجزعا مما هم ~~فيه، إذ لم يمكنهم الذهاب لأحد، لمنع النبي صلى الله عليه وسلم من مجالستهم ~~ومحادثتهم. # و (إذا) يجوز كونها شرطية جوابها مقدر، وأن تكون ظرفية غاية لما قبلها ~~وضاقت عليهم أنفسهم أي قلوبهم من فرط الوحشة والجفوة والغم، بحيث لا يسعها ~~أنس ولا سرور، وذلك لأنهم لازموا بيوتهم، وهجروا نحوا من خمسين ليلة، وفيه ~~ترق من ضيق الأرض إلى ضيقهم في ms2571 أنفسهم، وهو في غاية البلاغة وظنوا أي علموا ~~أن لا ملجأ من الله أي لا مفر من غضب الله إلا إليه أي إلى استغفاره ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا أي ليستقيموا على توبتهم، ويستمروا عليها، أو ليعدوا من جملة ~~التائبين، أو المعنى: قبل توبتهم ليتوبوا في المستقبل، إذا صدرت منهم هفوة، ~~ولا يقنطوا من كرمه إن الله هو التواب الرحيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 119] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين أي في إيمانهم ~~ومعاهدتهم لله ولرسوله على الطاعة. من قوله تعالى: رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه [الأحزاب: 23] ، أو هم الثلاثة، أي كونوا مثلهم في صدقهم وخلوص ~~نيتهم. # PageV05P520 ### | تنبيهات: # الأول- روى الإمام أحمد والشيخان حديث كعب وصاحبيه مبسوطا بما يوضح هذه ~~الآية: # قال الزهري: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه- وكان ~~قائد كعب من بنيه، حين عمي- قال: سمعت كعبا يحدث حديثه حين تخلف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط، إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في ~~غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد ~~شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين توافقنا على ~~الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ~~وأشهر. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة. والله ~~ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزاة. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها، إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك ms2572 ~~الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا ~~بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة ~~عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب ~~إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. وغزا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة، حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها ~~أصعر- أي أميل- فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، ~~فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا ~~قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، ~~فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا، والمسلمون معه، ولم أقض من ~~جهازي شيئا، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقه، فغدوت بعد لأتجهز، ~~فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت ~~أن أرتحل فألحقهم- وليتني فعلت- ثم لم يقدر ذلك لي. فكنت إذا خرجت في ~~الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى إلا رجلا ~~مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل. ولم يذكرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك. فقال (وهو جالس في القوم بتبوك) : ~~ما فعل كعب بن مالك؟ # فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه، والنظر في عطفيه! فقال ~~معاذ بن جبل: بئسما قلت. والله! يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا! فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV05P521 # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه ~~قافلا من تبوك، حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطته ~~غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أظل ms2573 قادما، زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، ~~فأجمعت صدقه. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم- وكان إذا قدم من سفر بدأ ~~بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس- فلما فعل ذلك، جاءه المتخلفون، فطفقوا ~~يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فيقبل منهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم علانيتهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، ~~حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: # تعال! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت ~~ظهرا؟ فقلت: يا رسول الله! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن ~~أخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلا، ولكني، والله لقد علمت، لئن حدثتك ~~اليوم بحديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك بصدق ~~تجد علي فيه، إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل. والله ما كان لي عذر، ~~والله! ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال: فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك! فقمت، وقام ~~إلي رجال من بني سلمة، واتبعوني، فقالوا لي: والله! ما علمناك كنت أذنبت ~~ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لك. # قال: فو الله! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. # قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ~~مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن ~~الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا ~~بدرا، لي فيهما أسوة. # قال: فمضيت حين ذكروهما لي. # فقال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، أيها الثلاثة، من ~~بين من تخلف. # فاجتنبنا الناس، ms2574 وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض ~~التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في ~~بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع # PageV05P522 # المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم وأقول في نفسي: أحرك شفتيه برد السلام ~~علي أم لا؟ # ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا ~~التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت ~~حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فو الله! ما رد ~~علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ~~ورسوله؟ قال: # فسكت. قال: فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فقال: الله ورسوله ~~أعلم. قال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق ~~المدينة، إذا أنا بنبطي من أنباط الشام، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، ~~يقول: # من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع ~~إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فإذا فيه: # (أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا ~~مضيعة، فالحق بنا نواسيك) . # قال: فقلت- حين قرأته-: وهذا أيضا من البلاء. قال: فتيممت به التنور ~~فسجرته به. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأتيني يقول: يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل ~~امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها. ~~قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني ~~عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء! قال: # فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله! إن هلالا شيخ ضعيف، ليس له خادم، ms2575 فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن ~~لا يقربك! قالت: وإنه، والله! ما به من حركة إلى شيء، وإنه والله! ما زال ~~يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. # قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. قال: فقلت: والله! لا أستأذن فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها إذا استأذنته، وأنا ~~رجل شاب. قال: فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. # قال: ثم صليت صلاة الصبح، صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما ~~أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت # PageV05P523 # علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: # أبشر يا كعب بن مالك! قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله ~~عز وجل بالتوبة علينا، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا ~~حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل ~~فرسا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما ~~جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه. # والله! ما أملك يومئذ غيرهما- واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، ~~يقولون: ليهنك توبة الله عليك! حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالس في المسجد، والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول، ~~حتى صافحني وهنأني- والله! ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره- قال: فكان ~~كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب. فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال (وهو يبرق وجهه من السرور) : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! ~~قال، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: # لا، بل من ms2576 عند الله. قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر ~~استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه ~~قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى ~~رسوله: قال: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. قال، فقلت: فإني أمسك سهمي ~~الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله! إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا ~~أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال، فو الله! ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله ~~من الصدق في الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن مما ~~أبلاني الله تعالى. والله! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي. # قال، وأنزل الله لقد تاب الله ... إلى آخر الآيات. # قال كعب: فو الله! ما أنعم علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم ~~في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألا أكون كذبته، فأهلك ~~كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه، حين أنزل الوحي، شر ~~ما قال لأحد. فقال الله تعالى: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين [التوبة: 95- 96] . # PageV05P524 # قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال تعالى: وعلى الثلاثة ~~الذين خلفوا وليس الذي ذكر مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، ~~وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. # وفي رواية: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي، وكلام صاحبي، ولم ~~ينه عن كلام أحد من المتخلفين ms2577 غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى ~~طال علي الأمر، فما من شيء أهم إلي من أن أموت، فلا يصل علي النبي صلى الله ~~عليه وسلم. أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك ~~المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلى علي، ولا يسلم علي. # قال: وأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي ~~الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة، وكانت ~~أم سلمة محسنة في شأني، معتنية بأمري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك. قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: إذا ~~يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل. حتى إذا صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الفجر، آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا- ~~أخرجه البخاري ومسلم-. # قال ابن كثير: هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، وقد تضمن تفسير الآية ~~بأحسن الوجوه وأبسطها. # الثاني- قال بعض المفسرين: في الآية دليل على الشدة على من فعل الخطيئة، ~~وعلى قطع ما يلهي عن الطاعة. # الثالث- في الآية دلالة على التحريض على الصدق. # قال القاشاني: في قوله تعالى هنا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي في ~~جميع الرذائل بالاجتناب عنها، خاصة رذيلة الكذب. وذلك معنى قوله وكونوا مع ~~الصادقين فإن الكذب أسوأ الرذائل وأقبحها، لكونه ينافي المروءة. وقد قيل: ~~(لا مروءة لكذوب) إذ المراد من الكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر ~~الحيوان إخبار الغير عما لا يعلم، فإذا كان الخبر غير مطابق، لم تحصل فائدة ~~النطق، وحصل منه اعتقاد غير مطابق، وذلك من خواص الشيطنة فالكاذب شيطان. ~~وكما أن الكذب أقبح الرذائل، فالصدق أحسن الفضائل، وأصل كل حسنة، ومادة كل ~~خصلة # PageV05P525 # محمودة، وملاك كل خير وسعادة، به يحصل كل كمال، وأصله الصدق في عهد الله ~~تعالى الذي هو نتيجة الوفاء بميثاق الفطرة أو نفسه، كما قال: رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] في ms2578 عقد العزيمة، ووعد الخليقة. كما قال في ~~إسماعيل: إنه كان صادق الوعد [مريم: 54] . وإذا روعي في المواطن كلها، حتى ~~الخاطر والفكر والنية والقول والعمل، صدقت المنامات والواردات، والأحوال ~~والمقامات والمواهب والمشاهدات، كأنه أصل شجرة الكمال، وبذر ثمرة الأحوال. # انتهى. # ولما أوجب تعالى الكون مع الصادقين، أشار تعالى إلى أن النفر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واجب كفاية، فلا يجوز تخلف الجميع، ولا يلزم النفر ~~للناس كافة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 120] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) # ما كان لأهل المدينة أي المتيسر لهم ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصحابته ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله أي عند توجهه إلى ~~الغزو ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي لا يضنوا بأنفسهم عما يصيب نفسه. أي ~~لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد. # قال الزمخشري: أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه ~~الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، ~~علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت، مع كرامتها وعزتها، ~~للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا ~~يكترث لها أصحابها، ولا يقيموا لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه، فضلا ~~عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه ~~عليه. وهذا نهي بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته ~~بأنفة وحمية. انتهى. # PageV05P526 # روي أن أبا ذر رضي الله عنه، أبطأ به بعيره، فحمل متاعه على ظهره، واتبع ~~أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، فقال رسول الله صلى الله ms2579 عليه ~~وسلم لما رأى سواده: كن أبا ذر! فقال الناس: # هو ذاك! فقال: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. # وروي أن أبا خيثمة الأنصاري رضي الله عنه، بلغ بستانه، وكانت له امرأة ~~حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب، والماء البارد. ~~فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الضح والريح، ما هذا بخير! فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ~~ورمحه، ومر كالريح. # فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه ~~السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكأنه، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~واستغفر له. # قال السهيلي في (الروض) : كن أبا ذر، كن أبا خيثمة، لفظه لفظ الأمر، ~~ومعناه كما تقول: أسلم، أي سلمك الله- انتهى-. # وكذا قال غيره من المتقدمين كالفارسي وذكره المطرزي في قول الحريري: # كن أبا زيد. # وفي شعر ابن هلال: # ومعذر قال الإله لحسنه: ... كن فتنة للعالمين فكأنها # ولم يزيدوا في بيانه على هذا. وهو تركيب بديع غريب. ومعناه ساقه الله ~~إلينا، وجعله إياه، ليكون هو القادم علينا. فأقيم فيه العلة مقام المعلول ~~في الجملة الدعائية الإنشائية، على حد # قوله في الحديث «1» : أبل، وأخلق. # أي عمرك الله، ومتعك الله بلباسك لتبلى وتخلق. وقولهم: أسلم. أي سلمك ~~الله لتسلم. ثم لما أقيم مقامه أبقي مسندا إلى فاعله، وإن كان المطلوب منه ~~هو الله، وهو قريب من قولهم (لا أرينك ها هنا) أي لا تجلس حتى أراك. وهو ~~تمثيل أو كناية. كذا في (العناية) . # ذلك إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف أو وجوب ~~المشابهة بأنهم أي بسبب أنهم لا يصيبهم ظمأ أي شيء من العطش ولا نصب أي تعب ~~من السير لا سيما مع العطش ولا مخمصة أي مجاعة PageV05P527 # تضعفهم عن السير في سبيل الله ولا يطؤن موطئا أي لا يدوسون مكانا يغيظ ~~الكفار أي الذين هم أعداء الله. وإغضاب ms2580 العدو يفيد رضا عدوه ولا ينالون من ~~عدو نيلا أي قتلا أو هزيمة أو أسرا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين أي على إحسانهم. وهو تعليل ل كتب، وتنبيه على أن تحمل ~~المشاق إحسان، لأن القصد به إعلاء كلمة الله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 121] # ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم ~~الله أحسن ما كانوا يعملون (121) # ولا ينفقون نفقة صغيرة أي لا يشق مثلها ولا كبيرة مثل ما أنفق عثمان رضي ~~الله عنه في غزوة تبوك، وهو ألف دينار وثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها ~~ولا يقطعون واديا في مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل. اسم فاعل من ~~(ودى) إذا سال، فهو السيل نفسه، ثم شاع في محله، ثم صار حقيقة في مطلق ~~الأرض، وجمعه (أودية) كناد، بمجلس، جمعه (أندية) ، وناج جمعه (أنجية) ولا ~~رابع لها في كلام العرب إلا كتب لهم أي أثبت لهم به عمل صالح ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون أي ليجزيهم على كل عمل لهم، كامل أو قاصر، جزاء أحسن ~~أعمالهم. أي فإذا مالوا بأنفسهم فاتهم ذلك، وكانت المؤاخذة عليهم أشد. # ولما بين تعالى، فيما تقدم، خطر التخلف عن الرسول في الجهاد، وشدد الوعيد ~~على المتخلفين التاركين للنفير، دفع ما يتوهم من وجوب النفر على الجميع، ~~وفيه ما فيه من الحرج، والإخلال بأمر المعاش، بأن وجوبه كفائي، فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 122] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي ما صح لهم ذلك ولا استقام، بحيث تخلو ~~بلدانهم عن الناس فلولا نفر أي فحين لم يمكن نفير الكافة، ولم يكن مصلحة، ~~فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة # PageV05P528 # منهم يكفونهم النفير ليتفقهوا في الدين أي ليتعلموا ms2581 أمر الدين من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولينذروا قومهم أي يعلموهم ويخبروهم ما أمروا به، وما ~~نهوا عنه إذا رجعوا إليهم أي من غزوتهم لعلهم يحذرون أي فيصلحون أعمالهم. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية أن الجهاد فرض كفاية، وأن ~~التفقه في الدين، ونشر العلم، وتعليم الجاهلين كذلك. وفيها الرحلة في طلب ~~العلم. واستدل بها قوم على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة نفر يسير، بل قال ~~مجاهد: إنها تطلق على الواحد. انتهى. # وقال الجصاص في (الأحكام) : في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في ~~الديانات التي لا تلزم العامة، ولا تعم الحاجة إليها، وذلك لأن الطائفة لما ~~كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين: # أحدهما- أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا. # والثاني- أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة، لأن معنى قوله: لعلهم ~~يحذرون ليحذروا. وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، لأن الطائفة تقع على ~~الواحد، فدلالتها ظاهرة. انتهى. # وفي القاموس: أن الطائفة من الشيء القطعة منه، أو الواحدة، فصاعدا، أو ~~إلى الألف، أو أقلها رجلان، أو رجل. فيكون بمعنى (النفس الطائفة) . # قال الراغب: إذا أريد بالطائفة الجمع، فجمع (طائف) وإذا أريد به الواحد، ~~فيصح أن يكون جمعا، وكني به عن الواحد، وأن يجعل ك (رواية) و (علامة) ونحو ~~ذلك. # الثاني- إن قيل: كان الظاهر في الآية (ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون) فلم وضع موضع (التعليم) الإنذار، وموضع ~~(يفقهون) يحذرون؟ يجاب. بأن ذلك آذن بالغرض منه، وهو اكتساب خشية الله، ~~والحذر من بأسه. # قال الغزالي رحمه الله: كان اسم الفقه في العصر الأول، اسما لعلم الآخرة، ~~ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدة الأعمال، والإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة ~~التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدل عليه هذه الآية. ~~كذا في (العناية) . # PageV05P529 # قال الزمخشري في الآية: وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه، إنذار ~~قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم. لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة، ~~ويؤمونه من المقاصد الركيكة، من التصدر والترؤس والتبسط ms2582 في البلاد، والتشبه ~~بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضا، وفشو داء الضرائر بينهم، ~~وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه. # وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم. فما أبعد هؤلاء من قوله ~~عز وجل: لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا [القصص: 83] انتهى. # الثالث- قال القاشاني في الآية: يجب على كل مستعد من جماعة، سلوك طريق ~~طلب العلم، إذا لا يمكن لجميعهم. أما ظاهرا فلفوات المصالح، وأما باطنا ~~فلعدم الاستعداد. ثم قال: والتفقه في الدين هو من علوم القلب، لا من علوم ~~الكسب، إذ ليس كل من يكتسب العلم يتفقه، كما قال: وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه [الأنعام: 25] و [الإسراء: 46] ، والأكنة هي الغشاوات الطبيعية، ~~والحجب النفسانية فمن أراد التفقه فلينفر في سبيل الله، وليسلك طريق ~~التزكية والتصفية، حتى يظهر العلم من قلبه على لسانه، فالمراد من التفقه ~~علم راسخ في القلب، ضارب بعروقه في النفس، ظاهر أثره على الجوارح، بحيث لا ~~يمكن صاحبه ارتكاب ما يخالف ذلك العلم، وإلا لم يكن عالما. ألا ترى كيف سلب ~~الله الفقه عمن لم تكن رهبة الله أغلب عليه من رهبة الناس بقوله: لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون [الحشر: 13] ، لكون رهبة ~~الله لازمة للعلم، كما قال: # إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] وسلب العلم عمن لم يعمل به ~~في قوله: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9] ، وإذا ~~تفقهوا، وظهر علمهم على جوارحهم، أثر في غيرهم، وتأثروا منه، لارتوائهم به، ~~وترشحهم منه، كما كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلزم الإنذار الذي ~~هو غايته. انتهى. # ولما أمر تعالى، في صدر السورة، بالبراءة من مشركي العرب وقتالهم، ثم شرح ~~أحوال المنافقين ومخازيهم، أشار إلى خاتمتها بما يطابق فاتحتها بذلك، فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 123] # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله ms2583 مع المتقين (123) # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار أي يقربون منكم، وهم ~~مشركو جزيرة العرب، كما قلنا. # PageV05P530 # وقوله تعالى: وليجدوا فيكم غلظة قالوا إنها كلمة جامعة للجرأة والصبر على ~~القتال، وشدة العداوة، والعنف في القتل والأسر. وظاهرها أمر الكفار بأن ~~يجدوا في المؤمنين غلظة، والمقصود أمر المؤمنين بالاتصاف بصفات كالصبر وما ~~معه، حتى يجدهم الكفار متصفين بها، فهي على حد قولهم: لا أرينك هاهنا. ~~والغلظة هي ضد الرقة، مثلثة الغين، وبها قرئ. لكن السبعة، على الكسر ~~واعلموا أن الله مع المتقين أي بالنصرة والمعونة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 124] # وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) # وإذا ما أنزلت سورة أي طائفة من القرآن المعجز المحيط بجملة من الحجج ~~ورفع الشبه فمنهم أي من المنافقين من يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه أي ~~السورة إيمانا إنكارا واستهزاء بالمؤمنين، واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة ~~العلم الحاصل بالوحي والعمل به فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا لأنها أزيد ~~لليقين والثبات، وأثلج للصدر، لكثرة الدلائل، ورفع الشبهة وهم يستبشرون أي ~~بنزولها وبما فيه من المنافع الدينية والدنيوية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 125] # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ~~(125) # وأما الذين في قلوبهم مرض أي كفر وسوء عقيدة فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي ~~كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها وماتوا وهم كافرون أي واستحكم ذلك الكفر ~~فيهم، بسبب الزيادة إلى موتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 126] # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون (126) # أولا يرون يعني المنافقين أنهم يفتنون أي يبتلون بإظهار مكرهم # PageV05P531 # وخيانتهم، أو بنقض عهدهم في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون أي من ~~صنيعهم ونقض عهدهم ولا هم يذكرون أي يتعظون بأنها آيات قاطعة، وكون ~~الابتلاء بسبب مخالفتها. # ثم بين أحوالهم عند ms2584 نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي، إثر بيان مقالتهم، ~~وهم غائبون عنه بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 127] # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد قال الزمخشري: # يعني تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي، وسخرية به، قائلين: هل يراكم من أحد ~~من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه، ويغلبنا الضحك، فنخاف ~~الافتضاح بينهم. أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا. ~~يقولون: هل يراكم من أحد ثم انصرفوا أي عن محفل الوحي خوفا من الافتضاح صرف ~~الله قلوبهم أي عن الإيمان حسب انصرافهم عن حضرته عليه السلام. والجملة ~~إخبارية أو دعائية بأنهم أي بسبب أنهم قوم لا يفقهون أي لا يتدبرون أمر ~~الله حتى يفقهوا. ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية المتقدمة على زيادة الإيمان بما ذكر، وسواء قلنا بدخول ~~الأعمال في مسمى الإيمان، وهو الحق، أو لا، وأنه مجرد التصديق القلبي، ~~فالزيادة مما يقبلها قطعا، والأول بديهي، والثاني مثله، إذ ليس إيمان ~~الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، والصحابة رضي الله عنهم، كإيمان غيرهم ~~وهذا مما لا يرتاب فيه. # الثاني- ذكر تعالى من مخازي المنافقين نوعين: عدم اعتبارهم بالابتلاء، ~~وتمكن الكفر منهم، وازدياده في وقت يقتضي زيادة الإيمان، وهو تكرير ~~التنزيل. # ولما كان القصد بيان إصرارهم على كفرهم، وعدم نفع العظات فيهم، ختم ~~مخازيهم بذلك، لأنه نتيجتها. وقدم عليه ما يصيبهم من الابتلاء، لأن فيه ~~ردعا عظيما لو تذكروا. # وقد تلطف القاشاني في إيضاح ذلك، وجود التقرير فيه، وعبارته: # البلاء قائد من الله تعالى يقود الناس إليه. وقد ورد في الحديث: (البلاء ~~سوط # PageV05P532 # من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه) ، فإن كل مرض وفقر وسوء حال يحل ~~بأحد، يكسر سورة نفسه وقواها، ويقمع صفاتها وهواها، فيلين القلب، ويبرز من ~~حجابها، وينزعج من الركون إلى الدنيا ولذاتها، وينقبض منها ويشمئز، فيتوجه ~~إلى الله. وأقل درجاته ms2585 أنه إذا اطلع على أن لا مفر منه إلا إليه، ولم يجد ~~مهربا ومحيصا من البلاء سواه، تضرع إليه وتذلل بين يديه، كما قال: وإذا ~~غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين [لقمان: 32] وإذا مس الإنسان ~~الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما [يونس: 12] وبالجملة يوجب رقة الحجاب ~~أو ارتفاعه، فليغتنم وقته وليتعود، وليتخذ ملكة يعود إليها أبدا حتى يستقر ~~التيقظ والتذكر، وتتسهل التوبة والحضور، فلا يتعوذ الغفلة عند الخلاص ~~فتغلب، وتتقوى النفس عند الأمان، وينسبل الحجاب أغلظ مما كان، كما قال: ~~فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون [العنكبوت: 65] فلما كشفنا عنه ضره مر ~~كأن لم يدعنا إلى ضر مسه [يونس: 12] انتهى. # الثالث- قال السيوطي في (الإكليل) : أخذ ابن عباس من قوله ثم انصرفوا ~~كراهية أن يقال: انصرفت من الصلاة- أخرجه ابن أبي حاتم- ومرجع هذا إلى أدب ~~لفظي، باجتناب ما يوهم، أو ما نعي به على العصاة. # وقد عقد الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) فصلا في هدي النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حفظ المنطق، واختيار الألفاظ، فليراجع. # ثم بين تعالى ما امتن به على المؤمنين من بعثة خاتم النبيين بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية # 128] # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم (128) # لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي رسول عظيم من جنسكم، ومن نسبكم، عربي قرشي ~~مثلكم، كما قال إبراهيم عليه السلام: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم [البقرة: ~~129] وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~[آل عمران: 164] . # وكلم جعفر بن أبي طالب النجاشي، والمغيرة بن شعبة رسول كسرى، فقالا: # PageV05P533 # إن الله بعث فينا رسولا منا، نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه ~~وأمانته ... # الحديث. # ثم ذكر تعالى ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج بقوله عزيز عليه ما ~~عنتم أي شديد عليه شاق، لكونه بعضا منكم، عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف ~~عليكم سوء العاقبة، والوقوع في العذاب حريص عليكم أي على هدايتكم، كي ms2586 لا ~~يخرج أحد منكم عن اتباعه، والاستسعاد بدين الحق الذي جاء به بالمؤمنين رؤف ~~إذ يدعوهم لما ينجيهم من العقاب بالتحذير عن الذنوب والمعاصي، لفرط رأفته ~~رحيم إذ يفيض عليهم العلوم والمعارف والكمالات المقربة بالتعليم والترغيب ~~فيها، برحمته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (9) : آية 129] # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~(129) # فإن تولوا أي أعرضوا عن الإيمان بك، وناصبوك فقل حسبي الله أي فاستعن به، ~~وفوض إليه، فهو كافيك وناصرك عليهم. # وقال القاشاني: أي لا حاجة لي بكم، ولا باستعانتكم، كما لا حاجة للإنسان ~~إلى العضو المألوم المتعفن الذي يجب قطعه عقلا. أي الله كافيني فلا مؤثر ~~غيره، ولا ناصر إلا هو كما قال: لا إله إلا هو عليه توكلت أي فوضت أمري ~~إليه، وبه وثقت وهو رب العرش العظيم أي المحيط بكل شيء، يأتي منه حكمه ~~وأمره إلى الكل. وتخصيصه لكونه أعظم المخلوقات، فيدخل ما دونه، وقرئ ~~(العظيم) بالرفع، على أنه صفة الرب جل وعز. # ثم ما علقناه على سورة التوبة صباح الاثنين في 24 رجب سنة 1322 ه في سدة ~~جامع السنانية بدمشق الشام اللهم يسر لنا بفضلك الإتمام. والحمد لله رب ~~العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين إلى يوم الدين ~~ويليه الجزء السادس وفيه تفسير سور: يونس وهود ويوسف والرعد. # PageV05P534 ### | فهرس الجزء الخامس # من كتاب تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل # PageV05P535 # فهرس الجزء الخامس سورة الأعراف الآيات 1- 3 4 الآيات 4- 6 5 الآيات 7- 9 ~~6 الآيتان 10 و 11 11 الآية 12 12 الآيات 13- 15 19 الآية 16 20 الآية 17 ~~21 الآية 18 22 الآيتان 19- 20 23 الآيتان 21 و 22 25 الآيتان 23 و 24 26 ~~الآيتان 25 و 26 27 الآية 27 30 الآية 28 32 الآية 29 35 الآية 30 36 الآية ~~31 37 الآية 32 46 الآية 33 48 الآية 34 49 الآية 35 50 الآية 36 51 ~~الآيتان 37 ms2587 و 38 52 الآية 39 53 الآية 40 54 الآيتان 41 و 42 58 الآية 43 ~~59 الآيتان 44 و 45 60 الآية 46 61 الآية 47 62 الآيتان 48 و 49 63 الآيتان ~~50 و 51 64 الآيتان 52 و 53 66 الآية 54 67 الآية 55 102 الآية 56 104 ~~الآية 57 106 الآية 58 107 الآية 59 109 الآية 60 110 الآيتان 61 و 62 111 ~~الآيتان 63 و 64 112 الآية 65 113 # PageV05P537 # الآيات 66- 68 115 الآية 69 116 الآية 70 117 الآية 71 118 الآية 72 119 ~~الآية 73 125 الآية 74 126 الآية 75 127 الآيتان 76 و 77 128 الآيتان 78 و ~~79 129 الآية 80 137 الآية 81 138 الآية 82 139 الآيتان 83 و 84 142 الآية ~~85 146 الآية 86 147 الآيتان 87 و 88 148 الآية 89 149 الآيات 90- 92 154 ~~الآية 93 155 الآيتان 94 و 95 156 الآيات 96- 98 158 الآية 99 159 الآية ~~100 160 الآيات 101- 103 161 الآيتان 104 و 105 162 الآيات 106- 110 163 ~~الآيتان 111 و 112 164 الآيات 113- 116 165 الآيات 117- 119 166 الآيات ~~120- 124 167 الآيات 125- 127 168 الآية 128 169 الآيات 129- 131 170 ~~الآيتان 132 و 133 171 الآيتان 134 و 135 172 الآية 136 173 الآية 137 174 ~~الآيتان 138 و 139 175 الآية 140 176 الآيتان 141 و 142 177 الآية 143 178 ~~الآية 144 181 الآيتان 145 و 146 182 الآية 147 183 الآية 148 184 الآية ~~149 185 الآية 150 187 الآيتان 151 و 152 188 الآيتان 153 و 154 189 الآية ~~155 190 الآية 156 192 # PageV05P538 # الآية 157 193 الآية 158 206 الآيتان 159 و 160 207 الآيات 161- 163 208 ~~الآيات 164- 166 210 الآية 167 213 الآيتان 168 و 169 214 الآية 170 215 ~~الآيتان 171 و 172 216 الآية 173 218 الآيات 174- 176 222 ms2588 الآية 177 223 ~~الآيتان 178 و 179 225 الآية 180 226 الآية 181 229 الآيات 182- 184 230 ~~الآيتان 185 و 186 231 الآية 187 232 الآية 188 233 الآية 189 234 الآية ~~190 235 الآيتان 191 و 192 237 الآيتان 193 و 194 238 الآية 195 239 الآية ~~196 240 الآيتان 197 و 198 241 الآية 199 242 الآيتان 200 و 201 243 ~~الآيتان 202 و 203 244 الآية 204 245 الآية 205 247 الآية 206 249 سورة ~~الأنفال الآية 1 252 الآية 2 255 الآيتان 3 و 4 256 الآية 5 259 الآيتان 6- ~~8 260 الآية 9 261 الآيتان 10 و 11 263 الآية 12 264 الآيات 13- 15 265 ~~الآية 16 266 الآية 17 269 الآيتان 18 و 19 271 الآية 20 272 الآيات 21- 23 ~~273 الآية 24 274 الآية 25 277 الآية 26 278 الآية 27 279 الآيتان 28 و 29 ~~280 # PageV05P539 # الآية 30 281 الآية 31 282 الآية 32 283 الآية 33 285 الآية 34 286 الآية ~~35 287 الآية 36 290 الآية 37 291 الآيتان 38 و 39 292 الآيتان 40 و 41 393 ~~الآية 42 299 الآيتان 43 و 44 302 الآيتان 45 و 46 304 الآيتان 47 و 48 306 ~~الآيتان 49 و 50 308 الآية 51 309 الآيتان 52 و 53 310 الآية 54 311 ~~الآيتان 55 و 56 312 الآيتان 57 و 58 313 الآيتان 59 و 60 315 الآية 61 317 ~~الآيتان 62 و 63 318 الآية 64 320 الآية 65 321 الآية 66 322 الآية 67 325 ~~الآية 68 326 الآيتان 69 و 70 328 الآية 71 329 الآية 72 331 الآية 73 335 ~~الآيتان 74 و 75 336 سورة التوبة الآية 1 345 الآية 2 347 الآية 3 348 ~~الآيتان 4 و 5 351 الآية 6 355 الآيتان 7 و 8 357 الآيتان 9- 11 358 ~~الآيتان 12 و 13 ms2589 359 الآيتان 14 و 15 360 الآيتان 16 و 17 361 الآية 18 362 ~~الآية 19 364 الآية 20 365 الآيات 21- 24 366 الآيتان 25 و 26 368 الآية 27 ~~369 الآية 28 374 الآية 29 377 # PageV05P540 # الآية 30 390 الآية 31 393 الآية 32 396 الآية 33 397 الآية 34 399 الآية ~~35 400 الآية 36 407 الآية 37 408 الآية 38 416 الآية 39 417 الآية 40 418 ~~الآية 41 420 الآية 42 422 الآيتان 43 و 44 423 الآية 45 424 الآية 46 427 ~~الآية 47 428 الآية 48 429 الآية 49 430 الآية 50 431 الآيات 51- 53 432 ~~الآية 54 433 الآيتان 55 و 56 434 الآيات 57- 59 435 الآية 60 436 الآية 61 ~~442 الآية 62 446 الآيتان 63 و 64 447 الآيتان 65 و 66 448 الآية 67 450 ~~الآيتان 68 و 69 451 الآيتان 70 و 71 453 الآية 72 454 الآية 73 455 الآية ~~74 456 الآيات 75- 77 458 الآية 78 459 الآية 79 461 الآية 80 463 الآية 81 ~~466 الآيتان 82 و 83 469 الآية 84 470 الآية 85 473 الآيتان 86 و 87 474 ~~الآيات 88- 90 475 الآية 91 476 الآية 92 477 الآية 93 479 الآيتان 94 و 95 ~~480 الآيتان 96 و 97 481 الآية 98 483 الآية 99 484 # PageV05P541 # الآية 100 485 الآية 101 486 الآية 102 489 الآية 103 492 الآية 104 495 ~~الآية 105 497 الآية 106 498 الآيتان 107 و 108 500 الآيتان 109 و 110 501 ~~الآية 111 508 الآية 112 510 الآيتان 113 و 114 515 الآيتان 115 و 116 517 ~~الآية 117 518 الآيتان 118 و 119 520 الآية 120 526 الآيتان 121 و 122 528 ~~الآية 123 530 الآيات 124- 126 531 الآية 127 532 الآية 128 533 الآية 129 ~~34 # PageV05P542 ### | المجلد السادس # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يونس # سميت ms2590 به، عليه السلام، لتضمنها قوله: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس [يونس: 98] ، ففيه غاية ما يفيد فيه الإيمان وضرر ~~تركه وتأخيره، وهو المقصد الأعلى من إنزال الكتاب- قاله المهايمي-. # وهذه السورة مكية، واستثنى منها قوله تعالى: فإن كنت في شك ... # [يونس: 94- 95] . الآيتين. وقوله: ومنهم من يؤمن به ... [يونس: 40] ~~الآية، قيل: نزلت في اليهود. وقيل: من أولها إلى رأس أربعين مكي، والباقي ~~مدني- حكاه ابن الفرس والسخاوي في (جمال القراء) . # وآياتها مائة وتسعة. # PageV06P003 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) # الر مسرود على نمط التعديد بطريق التحدي. أو اسم للسورة فمحله الرفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف. أي هذه السورة مسماة ب الر والإشارة إليها قبل جريان ~~ذكرها لما أنها باعتبار كونها على جناح الذكر وبصدده، صارت في حكم الحاضر، ~~كما يقال: هذا ما اشترى فلان، أو النصب بتقدير: اقرأ. # وكلمة تلك إشارة إليها، إما على تقدير كون الر مسرودة على نمط التعديد، ~~فقد نزل حضور مادتها، التي هي الحروف المذكورة، منزلة ذكرها فأشير إليها، ~~كأنه قيل: هذه الكلمات المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة ... إلخ. # وأما على تقدير كونه اسما للسورة، فقد نوهت بالإشارة إليها بعد تنويهها ~~بتعيين اسمها، أو الأمر بقراءتها. وما في اسم الإشارة من معنى البعد، ~~للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة، ومحله الرفع على أنه مبتدأ، خبره قوله ~~تعالى: # آيات الكتاب الحكيم، وعلى تقدير كون الر مبتدأ، فهو مبتدأ ثان، أو بدل من ~~الأول. والمعنى: هي آيات مخصوصة منه، مترجمة باسم مستقل، والمقصود ببيان ~~بعضيتها منه، وصفا بما اشتهر اتصافه به من النعوت الفاضلة، والصفات ~~الكاملة. # والمراد ب الكتاب: إما جميع القرآن العظيم، وإن لم ينزل الكل حينئذ، ~~لاعتبار تعينه وتحققه في علم الله تعالى وإما جميع القرآن النازل وقتئذ، ~~المتفاهم بين الناس إذ ذاك. # والحكيم أي ذو الحكمة، وإنما وصف به لاشتماله على فنون الحكم الباهرة، ~~ونطقه بها، أو هو من باب وصف ms2591 الكلام بصفة صاحبه، أو من باب الاستعارة ~~المكنية المبنية على تشبيه الكتاب الحكيم الناطق بالحكمة- أفاده أبو ~~السعود-. # PageV06P004 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 2] # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه، وإنما أنكر ~~ذلك لكون سنة الله جارية أبدا على هذا الأسلوب في الإيحاء إلى الرجال، ~~وإنما كان تعجبهم لبعدهم عن مقامه، وعدم مناسبة حالهم لحاله، ومنافاة ما ~~جاء به لما اعتقدوه و «القدم» بمعنى السبق مجازا، لكونه سببه وآلته، كما ~~تطلق «اليد» على النعمة، و «العين» على الجاسوس، و «الرأس» على الرئيس. ثم ~~إن السبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة، فهو مجاز ~~بمرتبتين أو «القدم» بمعنى المقام، ك مقعد صدق [القمر: 55] ، بإطلاق الحال ~~وإرادة المحل، وإضافته إلى الصدق من إضافة الموصوف إلى الصفة. وأصله «قدم ~~صدق» أي محققة مقررة. وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق، وتنبيه على أنهم إنما ~~نالوا ما نالوا بصدقهم، ظاهرا وباطنا. # قال في (الانتصاف) : ولم يرد في سابقة السوء تسميتها «قدما» إما لأن ~~المجاز لا يطرد، وإما أن يكون مطردا، ولكن غلب العرف على قصرها، كما يغلب ~~في الحقيقة. # قال الكافرون وهم المتعجبون إن هذا أي الكتاب الحكيم لسحر مبين أي ظاهر. ~~وقرئ «لساحر» على أن الإشارة إلى الرسول صلوات الله عليه. وهو دليل عجزهم ~~واعترافهم، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا، وذلك لأن التعجب أولا، ثم ~~التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعا، حتى عند نفس المعارض، دأب العاجز ~~المفحم. # ثم بين تعالى بطلان تعجبهم، وما بنوا عليه، وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه، ~~وصحة ما أنكروه، بالتنبيه على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير، ~~ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير، فقال سبحانه: ### | القول ms2592 في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 3] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ~~(3) # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~قال # PageV06P005 # البخاري «1» في صحيحه في الرد على الجهمية: # قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع. وقال مجاهد: استوى على العرش ~~علا، أي بلا تمثيل ولا تكييف، والعرش: هو الجسم المحيط بجميع الكائنات، وهو ~~أعظم المخلوقات و «الأيام» قيل: كهذه، وقيل: كل يوم كألف سنة. # يدبر الأمر أي يقضي ويقدر، على حسب مقتضى الحكمة أمر الخلق كله، وما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه تقرير لعظمته وعز جلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم ~~تشفع لهم عند الله. ذلكم الله إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي ذلك ~~العظيم الموصوف بما وصف هو ربكم أي الذي رباكم لتعبدوه فاعبدوه أي وحدوه ~~بالعبادة. أفلا تذكرون أي تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أنه المستحق ~~للربوبية والعبادة. لا ما تعبدونه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 4] # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) # إليه مرجعكم جميعا أي الموت أو النشور. أي لا ترجعون في العافية إلا ~~إليه، فاستعدوا للقائه وعد الله حقا أي صدقا، ثم علل وجوب المرجع إليه ~~بقوله سبحانه: إنه يبدؤا الخلق أي من النطفة ثم يعيده أي بعد الموت ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على ~~العدل في أمورهم، أو بإيمانهم، لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، ~~وهو الأوجه لمقابلة قوله: والذين كفروا لهم شراب من حميم أي من ماء حار قد ~~انتهى حره وعذاب أليم وجيع يخلص ألمه إلى قلوبهم بما كانوا يكفرون تعليل ~~لقوله. # لمقابلة قوله، فإن معناه ليجزي ms2593 الذي كفروا بشراب من حميم، وعذاب أليم، ~~بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب بجعله حقا مقررا ~~لهم، كما تفيده «اللام» وللتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء ~~والإعادة هو الإثابة. # والعقاب واقع بالعرض بكسبهم، وعلى أنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما لا ~~تحيط PageV06P006 # العبارة به لفخامته وعظمته ولذلك لم يعينه. # ثم نبه تعالى، للاستدلال على وحدته في ربوبيته، بآثار صنعه في النيرين، ~~إثر الاستدلال بما مر من إبداع السموات والأرض، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 5] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) # هو الذي جعل الشمس ضياء للعالمين بالنهار والقمر نورا أي لهم بالليل: ~~والضياء أقوى من النور وقدره منازل الضمير لهما، بتأويل كل واحد منهما، أو ~~للقمر، وخص بما ذكر، لكون منازله معلومة محسوسة، وتعلق أحكام الشريعة به، ~~وكونه عمدة في تواريخ العرب لتعلموا عدد السنين والحساب أي حساب الشهور ~~والأيام، مما نيط به المصالح في المعاملات والتصرفات ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق أي بالحكمة البالغة يفصل الآيات لقوم يعلمون أي يبين الآيات ~~التكوينية أو التنزيلية المنبهة على ذلك لقوم يعلمون الحكمة في إبداع ~~الكائنات، فيستدلون بذلك على وحدة مبدعها. # قال السيوطي: هذه الآية أصل في علم المواقيت والحساب ومنازل القمر ~~والتاريخ ثم نبه للاستدلال على وحدانيته سبحانه أيضا بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 6] # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم ~~يتقون (6) # إن في اختلاف الليل والنهار أي في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر وما ~~خلق الله في السماوات والأرض أي من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب ~~والجبال والبحار وغير ذلك لآيات لقوم يتقون أي لآيات عظيمة دالة على وحدة ~~مبدعها، وكمال قدرته، وبالغ حكمته. وخص «المتقين» لأنهم المنتفعون بنتائج ~~التدبر فيها، فإن الداعي إلى النظر والتدبر إنما هو تقواه تعالى، والحذر من ms2594 ~~العاقبة. ### | تنبيه: # في هذه الآيات إشارة إلى أن الذي أوجد هذه الآيات الباهرة، وأودع فيها # PageV06P007 # المنافع الظاهرة، وأبدع في كل كائن صنعه، وأحسن كل شيء خلقه، وميز ~~الإنسان وعلمه البيان- يكون من رحمته وحكمته اصطفاء من يشاء لرسالته، ليبلغ ~~عنه شرائع عامة، تحدد للناس سيرهم في تقويم نفوسهم، وكبح شهواتهم، وتعلمهم ~~من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم في الآخرة، كما أشار إلى ذلك بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10] # إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين (10) # إن الذين لا يرجون لقاءنا أي فلا يتوقعون الجزاء ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أي لا يتفكرون فيها أولئك مأواهم ~~النار بما كانوا يكسبون، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم أي بسببه، إلى مأواهم، وهي الجنة، وإنما لم تذكر تعويلا على ~~ظهورها، وانسياق النفس إليها، لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفرة ~~تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم أي من تحت منازلهم أو بين أيديهم. ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم أي دعاؤهم هذا الكلام، لأن اللهم نداء، ومعناه: ~~اللهم إنما نسبحك، كقول القانت: # اللهم إياك نعبد. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى، كما يقال: شكا يشكو شكاية ~~وشكوى، ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره آية وأعتزلكم وما تدعون من ~~دون الله [مريم: 48] : وتحيتهم فيها سلام أي ما يحيي به بعضهم بعضا، أو ~~تحية الملائكة إياهم، كما في قوله تعالى: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم [الرعد: 58] ، أو تحية الله عز وجل لهم كما في قوله تعالى: سلام ~~قولا من رب رحيم [يس: 36] . و «التحية» التكرمة بالحالة الجلية أصلها: ~~أحياك الله حياة طيبة. و «السلام» بمعنى السلامة ms2595 من كل مكروه. وآخر دعواهم ~~أي وخاتمة دعائهم هو التسبيح أن الحمد لله رب العالمين أي حمده تعالى: ~~والمراد من الآية أن دعاء أهل الجنة وعبادتهم هو قولهم. سبحانك اللهم ~~وبحمدك. وإيثار التعبير عن # PageV06P008 # (وبحمدك) بقوله: وآخر إلخ رعاية للفواصل، واهتماما بالحمد وما معه من ~~النعوت الجليلة تذكيرا بمسماها، والآية تدل على سمو هذا الذكر لأنه دعاء ~~أهل الجنة وذكر الملائكة كما قالوا: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة: 30] ~~ولذلك ندب قراءته بعد تكبيرة الإحرام. # قال الرازي لما استسعد أهل الجنة بذكر «سبحانك اللهم وبحمدك» ، وعاينوا ~~ما فيه من السلامة عن الآفات والمخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية، ~~والمقامات القدسية، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه، فلا ~~جرم اشتغلوا بالحمد والثناء. # ولما بين تعالى وعيده الشديد، أتبعه بما دل على أن من حقه أن يتأخر عن ~~هذه الحياة الدنيوية لأن حصوله في الدنيا كالمانع من بقاه التكليف فقال ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 11] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # ولو يعجل الله للناس وهم الذين لا يرجون لقاءه تعالى لكفرهم الشر أي الذي ~~كانوا يستعجلون به، فإنهم كانوا يقولون: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] ونحو ذلك ~~استعجالهم بالخير أي تعجيلا مثل استعجالهم الدعاء بالخير لقضي إليهم أجلهم ~~أي لأميتوا وأهلكوا فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون أي في ~~ضلالهم وشركهم يترددون. ### | لطيفة: # زعم الزمخشري أن معنى استعجالهم بالخير، أي تعجيله لهم الخير وضع الأول ~~موضع الثاني إشعارا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم ~~بالخير تعجيل لهم، وعندي أنه صرف اللفظ الكريم عن ظاهره بلا داع. ولا بلاغة ~~فيه أيضا، وإن توبع فيه والحرص على موافقة عامل المصدر له ليكونا من باب ~~واحد- غير ضروري في العربية، والشواهد كثيرة. # وجوز الرازي أن يكون يعجل أصله يستعجل. ms2596 عدل عنه تنزيها للجناب الأقدس عن ~~وصف طلب العجلة، فوصف بتكوينها، ووصف الناس بطلبها، لأنه الأليق. # PageV06P009 # ولعل الأليق أن استعجالهم مصدر لفعل دل عليه ما قبله والتقدير، ولو يعجل ~~الله للناس الشر الذي يستعجلون به استعجالهم. وإنما حذف إيجازا، للعلم به، ~~ويوافقه قوله تعالى: ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير [الإسراء: 11] . # فإنه في معنى ما هنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 12] # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # وإذا مس الإنسان الضر دعانا أي لكشفه وإزالته لجنبه حال من فاعل (دعا) ~~واللام بمعنى (على) أي على جنبه، أي مضطجعا أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا ~~عنه ضره مر أي مضى على طريقته الأولى، كأن لم يدعنا إلى ضر أي كشفه مسه ~~كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون أي من الإعراض عن الذكر، واتباع ~~الشهوات. والآية سيقت احتجاجا على المشركين، بما جبلوا عليه كغيرهم من ~~الالتجاء إليه تعالى عند الشدائد، علما بأنه لا يكشفها إلا هو، ليطرحوا ~~عبادة ما لا يضر ولا ينفع، ويستيقنوا أنه الإله الأحد، الذي لا يعبد سواه. ~~وفيها نعي عليهم سوء منقلبهم، إثر كشف كرباتهم، وتحذير من مثل صنيعهم. # ثم ذكرهم تعالى بعظيم قدرته مما وصل إليهم من نبأ الأقدمين ليتقوه، بقوله ~~سبحانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 13] # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا أي بالتكذيب والكفر وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا أي فقرر عليهم الحجة بالوجوه الكثيرة. وما ~~كانوا ليؤمنوا بتلك البينات ولا بغيرها، فجزاهم بالإهلاك المعروف فيهم. ~~كذلك نجزي القوم المجرمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 14] # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون الخطاب ms2597 للذين # PageV06P010 # بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون ~~التي أهلكناها، لننظر كيف تعملون من خير أو شر، فنعاملكم حسب عملكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 15] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي ~~قريش، بأنهم إذا قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحججه ~~الواضحة، قالوا له: ائت بقرآن غير هذا، أي جئنا بغيره من نمط آخر أو بدله ~~إلى وضع آخر. قال تعالى لنبيه: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي: أي ~~ليس ذلك إلي، إنما أنا مبلغ عن الله تعالى. # قيل: إنما اكتفى بالجواب عن التبديل، للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه ~~أولا، من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانها. وأن التصدي لذلك، مع كونه ضائعا، ~~ربما يعد من قبيل المجاراة مع السفهاء، إذ لا يصدر مثل ذلك الاقتراح عن ~~العقلاء. ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق ~~الأولى، فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل والحقيقة وقوله: إن عصيت ربي أي ~~بالتبديل والنسخ من عند نفسي. # قال السيوطي في (الإكليل) استدل به من منع نسخ القرآن بالسنة. # قال الزمخشري: فإن قلت: فما كان غرضهم، وهم أدهى الناس وأمكرهم، في هذا ~~الاقتراح قلت: الكيد والمكر. أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه أنه من ~~عندك، وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير ~~فللطمع، ولاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن ms2598 يهلكه الله فينجو ~~منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه، وتصحيحا لافترائه ~~على الله- انتهى-. # ولما بين بطلان ما اقترحوا الإتيان به واستحالته، أشار إلى تحقيق حقيقة ~~القرآن، وكونه من عنده تعالى بقوله: # PageV06P011 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 16] # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون (16) # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم. # قال الزمخشري: يعني أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمرا عجيبا ~~خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يستمع، ولم يشهد ~~العلماء ساعة من عمره، ولا نشأ في بلد فيه علماء، فيقرأ عليكم كتابا فصيحا، ~~يبهر كل كلام فصيح، ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحونا بعلوم من علوم ~~الأصول والفروع، وأخبار مما كان ويكون ناطقا بالغيوب التي لا يعلمها إلا ~~الله، وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله، ولا يخفى عليكم ~~شيء من أسراره، وما سمعتم منه حرفا من ذلك، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس ~~منه، وألصقهم به. # ولا أدراكم به أي ولا أعلمكم به على لساني فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أي ~~من قبل نزوله، لا أتعاطى شيئا مما يتعلق بنحوه، ولا كنت متواصفا بعلم ~~وبيان، فتتهموني باختراعه. أفلا تعقلون أي فتعلموا أنه ليس إلا من الله، لا ~~من مثلي. # قال الزمخشري: وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم: ائت بقرآن غير هذا من إضافة ~~الافتراء إليه. ### | تنبيه: # رأى أبو السعود أن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد امتناع صدور ~~التغيير والتبديل عنه عليه الصلاة والسلام، لكونه معصية موجبة للعذاب ~~العظيم، واقتصار حاله عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي، وامتناع ~~الاستبداد بالرأي، من غير تعرض هناك ولا هاهنا، لكون القرآن في نفسه أمرا ~~خارجا عن طوق البشر، ولا لكونه عليه السلام غير قادر على الإتيان بمثله، أن ~~يستشهد هاهنا على المطلوب مما يلائم ذلك من أحواله المستمرة في تلك المدة ms2599 ~~المتطاولة، من كمال نزاهته عما يوهم شائبة صدور الكذب والافتراء عنه في حق ~~أحد كائنا من كان. كما ينبئ عنه تعقيبه بتظليم المفتري على الله تعالى. ~~والمعنى: قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي، لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا ~~جدال، ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة. فضلا # PageV06P012 # عما فيه كذب أو افتراء، أفلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في هذا العهد ~~البعيد، مستحيل أن يفتري على الله، ويتحكم على الخلق كافة، بالأوامر ~~والنواهي الموجبة لسفك الدماء، وسلب الأموال، ونحو ذلك. وأن ما أتي به وحي ~~مبين، تنزيل من رب العالمين- انتهى-. # وما استنسبه رحمه الله، اقتصر عليه ابن كثير، ثم استشهد بقول «1» هرقل ~~ملك الروم لأبي سفيان، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم: قال ~~هرقل له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان فقلت: ~~لا! وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة، وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف ~~بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع ~~الكذب على الناس، ثم يكذب على الله. # وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة «2» : بعث الله فينا رسولا ~~نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه بين أظهرنا قبل النبوة أربعين ~~سنة. # وعن ابن المسيب: ثلاثا وأربعين سنة. والصحيح المشهور الأول. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 17] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ~~(17) # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته استفهام إنكاري معناه ~~الجحد. أي لا أحد أظلم ممن تقول على الله تعالى، وزعم أنه تعالى أرسله ~~وأوحى إليه، أو كفر بآياته، كما فعل المشركون بتكذيبهم للقرآن، وحملهم على ~~أنه من جهته عليه الصلاة والسلام. # إنه لا يفلح المجرمون أي لا ينجون من محذور، ولا يظفرون بمطلوب، ونظير ~~هذه الآية قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ms2600 ~~ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [الأنعام: 93] ، وترتيب ~~عدم الفلاح على من افترى الوحي، وعده صادق بلا مرية، فإن مفتريه، يبوء ~~بالخزي والنكال، ولا يشتبه أمره على أحد بحال. PageV06P013 # وقد ذكر أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب- وكان صديقا له في ~~الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد- فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو! وماذا ~~أنزل على صاحبكم- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- في هذه المدة؟ فقال: ~~لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة. فقال: وما هي؟ فقال: والعصر، إن ~~الإنسان ... إلخ [العصر: 1- 3] ، ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأن قد أنزل علي ~~مثله! فقال: وما هو؟ # فقال: يا وبر يا وبر.. إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حقر نقر!! كيف ترى يا ~~عمرو؟ # فقال له عمرو: والله! إنك لتعلم أني أعلم أنك لكذاب! وقال عبد الله بن ~~سلام «1» : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، ~~فكنت فيمن انجفل منه، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال: فكان ~~أول ما سمعته: يقول: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا ~~الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. قال حسان: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 18] # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون (18) # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم أي الأوثان التي هي جماد لا ~~تقدر على نفع ولا ضر، أي ومن شأن المعبود القدرة على ذلك. ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~أي أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بمعلوم الله، وإذا لم ~~يكن معلوما له- وهو العالم المحيط بجميع المعلومات- لم يكن موجودا، فكان ~~خبرا ليس له مخبر عنه. # فإن قلت: كيف أنبأوا ms2601 الله بذلك؟ قلت: هو تهكم بهم، وبما ادعوه من المحال ~~الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبأوا به باطل، فكأنهم يخبرونه ~~بشيء لا يتعلق علمه به، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه. # وقوله: في السماوات ولا في الأرض تأكيد لنفيه، لأن ما لم يوجد فيهما فهو ~~PageV06P014 # منتف معدوم- كذا في الكشاف- سبحانه وتعالى عما يشركون أي عن الشركاء الذي ~~يشركونهم به، أو عن إشراكهم. # ثم أشار تعالى إلى أن التوحيد والإسلام ملة قديمة كان عليها الناس أجمع، ~~فطرة وتشريعا، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 19] # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون (19) # وما كان الناس إلا أمة واحدة أي حنفاء متفقين على ملة واحدة، وهي فطرة ~~الإسلام والتوحيد التي فطر عليها كل أحد فاختلفوا باتباع الهوى وعبادة ~~الأصنام، فالشرك وفروعه جهلات ابتدعها الغواة صرفا للناس عن وجهة التوحيد، ~~ولذلك بعث الله الرسل بآياته وحججه البالغة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى ~~من حي عن بينة [الأنفال: 42] ، ولولا كلمة سبقت من ربك أي بتأخير الحكم ~~بينهم إلى يوم القيامة لقضي بينهم أي عاجلا فيما فيه يختلفون بتمييز الحق ~~من الباطل، بإبقاء المحق، وإهلاك المبطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 20] # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم ~~من المنتظرين (20) # ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه أي من الآيات التي اقترحوها تعنتا ~~وعنادا، وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة، التي ~~لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه ~~الدهر، بديعة غريبة في الآيات. فقل إنما الغيب لله أي هو المختص بعلم ~~الغيب، المستأثر به، لا علم لي ولا لأحد به. يعني أن الصارف عن إنزال ~~الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو. # فانتظروا إني معكم من المنتظرين أي فما يقضيه الله تعالى في عاقبة ~~تعنتكم، فإن العاقبة ms2602 للمتقين. وقد قال تعالى في آية أخرى: وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [الإسراء: 59] ، وقال تعالى: إن الذين ~~حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية [يونس: 96- 97] ، وقال ~~تعالى: # PageV06P015 # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين [الأنعام: 7] ، أي فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا لمقترحهم، ~~لفرط عنادهم. # ولا يخفى أن القرآن الكريم لما قام به الدليل القاهر على صدق نبوته، عليه ~~السلام، لإعجازه، كان طلب آية أخرى سواه من مقترحهم- مما لا حاجة له في صحة ~~نبوته، وتقرير رسالته. فمثلها يكون مفوضا إلى مشيئته تعالى، فترد إلى غيبه، ~~وسواء أنزلت أو لا، فقد ثبتت نبوته، وضحت رسالته، صلوات الله عليه. # ثم أكد تعالى ما هم عليه من العناد واللجاج مشيرا إلى أنهم لا يذعنون ولو ~~أجيبوا لمقترحهم، بما يعهد منهم من عدولهم عنه تعالى بعد كشفهم ضرهم، إلى ~~الإشراك بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 21] # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم أي خالطتهم حتى أحسوا بسوء ~~أثرها فيهم إذا لهم مكر في آياتنا أي يتبين مكرهم ويظهر كامن شركهم، فهم في ~~وقت الضراء في الإقبال عليه تعالى لكشفها، كالمخادع الذي يظهر خلاف ما ~~يبطن، ثم ينجلي أمره بعد: قل الله أسرع مكرا أي عقوبة، أي عذابه أسرع وصولا ~~إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق. وتسمية العقوبة بالمكر، لوقوعها في ~~مقابلة مكرهم وجودا أو ذكرا. إن رسلنا أي الذي يحفظون أعمالكم يكتبون ما ~~تمكرون أي مكركم، أو ما تمكرونه. وهو تحقيق للانتقام، وتنبيه على أن ما ~~دبروا في إخفائه غير خاف على الحفظة فضلا عن العليم الخبير. # ثم بين تعالى نوعا من أنواع مكرهم في آية إنجائهم من لجج البحر بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس ms2603 (10) : آية 22] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك أي السفن # PageV06P016 # وجرين أي السفن بهم أي بالذين فيها بريح طيبة أي لينة الهبوب، موافقة ~~للمرغوب وفرحوا بها لأمن الآيات جاءتها ريح عاصف أي ذات شدة وجاءهم الموج ~~من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم أي أحاط بهم أسباب الهلاك. # وهي شدة الموج والريح دعوا الله أي للتخلص منها مخلصين له الدين وهو ~~الدعاء لأنهم حينئذ لا يدعون معه غيره لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين أي العابدين لك شكرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 23] # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق أي يفسدون فيها، ويسارعون ~~إلى ما كانوا عليه من الشرك ونحوه يا أيها الناس أي الناسين نعمة الخلاص ~~بالإخلاص واستجابة الدعاء إنما بغيكم على أنفسكم أي وباله عليكم. متاع ~~الحياة الدنيا خبر محذوف أو هو متاع. أو خبر ثان أو هو الخبر ل (بغيكم) و ~~(على) متعلق به. وقرئ بالنصب مصدر لمحذوف، أي نمتعكم. أو مفعول به له. أي ~~تبغون. ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون أي في الدنيا وهو وعيد ~~بجزائهم على البغي. # ثم بين تعالى شأن الدنيا وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع. الموعود ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 24] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ms2604 تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض أي ~~امتزج به لسريانه فيه، فالباء للمصاحبة، أو هي للسببية أي اختلط بسببه حتى ~~خالط بعضه بعضا، أي التف بعضه ببعض، والأول أظهر مما يأكل الناس والأنعام ~~من الزروع # PageV06P017 # والثمار والكلأ والحشيش حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أي حسنها وبهجتها ~~وازينت أي بأصناف النبات وظن أهلها أنهم قادرون عليها أي متمكنون من تحصيل ~~حبوبها وثمرها وحصدها أتاها أمرنا أي عذابنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ~~أي كالمحصود من أصله كأن لم تغن أي لم تنبت بالأمس أي قبيل ذلك الوقت. و ~~(الأمس) مثل في الوقت القريب كذلك نفصل الآيات أي بالأمثلة تقريبا لقوم ~~يتفكرون أي في معانيها. ### | تنبيه: # قال القاشاني: البغي ضد العدل، فكما أن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل، ~~وهيئة وحدانية لها، فائضة من نور الوحدة على النفس، فالبغي لا يكون إلا عن ~~غاية الانهماك في الرذائل بحيث يستلزمها جميعا، فصاحبها في غاية البعد عن ~~الحق، ونهاية الظلمة، كما قال: الظلم ظلمات يوم القيامة «1» . فلهذا قال: ~~على أنفسكم لا على المظلوم، لأن المظلوم سعد به، وشقي الظالم غاية الشقاء، ~~وهو ليس إلا متاع الحياة الدنيا. إذ جميع الإفراطات والتفريطات المقابلة ~~للعدالة تمتعات طبيعية، ولذات حيوانية، تنقضي بانقضاء الحياة الحسية التي ~~مثلها في سرعة الزوال، وقلة البقاء، هذا المثل الذي مثل به، من تزين الأرض ~~بزخرفها من ماء المطر، ثم فسادها ببعض الآفات سريعا قبل الانتفاع بنباتها، ~~ثم تتبعها الشقاوة الأبدية والعذاب الأليم الدائم. # وفي الحديث «2» : أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي ~~واليمين الفاجرة، لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس، فلا تحتمل عقوبته ~~المهل الطويل الذي يحتمله حق الله تعالى # . انتهى. # وسمعت بعض المشايخ يقول: قلما يبلغ الظالم والفاسق أوان الشيخوخة، وذلك ~~لمبارزتهما الله تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه، ~~ومخالفتهما إياه في حكمته وعدله. انتهى-. # ولما ذكر تعالى الدنيا وسرعة تقضيها، رغب في الجنة ms2605 ودعا إليها، وسماها ~~دار PageV06P018 # السلام، أي من الآفات والنقائص، لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معرضا ~~للآفات كما مر، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 25 الى 26] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (26) # والله يدعوا إلى دار السلام أي يدعو الخلق بتوحيده إلى جنته ويهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم أي دين قيم يرضاه، وهو الإسلام. # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أي للذين أحسنوا النظر، فعرفوا مكر الدنيا ~~والشهوات فأعرضوا عنها، وتوجهوا إلى الله تعالى، فعبدوه كأنهم يرونه، ~~المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وزيادة على المثوبة، وهي التفضل كما قال تعالى: ~~ويزيدهم من فضله [النساء: 173] ، و [النور: 38] ، و [فاطر: 30] ، و ~~[الشورى: 26] ، وأعظم أنواعه النظر إلى وجه تعالى الكريم. ولذا تواتر ~~تفسيرها بالرؤية عن غير واحد من الصحابة والتابعين. ورفعها ابن جرير إلى ~~النبي صلوات الله عليه، عن أبي موسى وكعب بن عجرة، وأبي. وكذا ابن أبي ~~حاتم. # وروى الإمام أحمد «1» عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلا هذه الآية للذين أحسنوا ... إلخ. وقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، ~~وأهل النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ~~ينجزكموه. فيقولون: ما هو؟ # ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار ~~النار؟ قال: # فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فو الله! ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم. وهكذا رواه مسلم «2» . # ولا يرهق وجوههم قتر أي لا يغشاها غبرة سوداء من أثر حب الدنيا والشهوات ~~ولا ذلة أي أثر هوان، وكسوف بال، من أثر الالتفات إلى ما دون الله تعالى. ~~PageV06P019 # قال الناصر: وفي تعقيب الزيادة بهذه الجملة مصداق لصحة تفسير الزيادة ~~بالرؤية الكريمة فإن فيه تنبيها على إكرام وجوههم بالنظر إلى وجه الله ~~تعالى، فجدير بهم أن لا يرهن وجوههم قتر ms2606 البعد، ولا ذلة الحجاب عكس ~~المحرومين المحجوبين، فإن وجوم مرهقة بقتر الطرد وذلة البعد. # وقوله تعالى: أولئك أي الذين أحسنوا أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 27] # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من ~~عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) # والذين كسبوا السيئات أي الشرك والمعاصي جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما ~~لهم من الله من عاصم أي واق يقيهم العذاب كأنما أغشيت أي ألبست وجوههم قطعا ~~أي أجزاء من الليل مظلما لفرط سوادها وظلمتها. وذلك لارتكابهم الهيئة ~~المظلمة من الميول الطبيعية، والأعمال الردية والقصد الإخبار بأبدع تشبيه ~~عن سواد وجوههم. وقد ذكر هذا المعنى في غير ما آية أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون. # ثم بين تعالى ما ينال المشركين يوم الحشر من التوبيخ والخزي بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 28] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) # ويوم نحشرهم جميعا يعني المشركين ومعبوداتهم للمقاولة بينهم ثم نقول ~~للذين أشركوا أي معبوديهم بالله مع توقعهم الشفاعة منهم مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم أي الزموا مكانكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم. # قال القاشاني: معناه قفوا مع ما وقفوا معه في الموقف من قطع الوصل ~~والأسباب التي هي سبب محبتهم وعبادتهم، وتبرؤ المعبود من العابد لانقطاع ~~الأغراض الطبيعية التي توجب تلك الوصل. # PageV06P020 # ومعنى قوله: فزيلنا بينهم أي مع كونهم في الموقف معا، فرقنا بينهم، ~~وقطعنا الوصل التي بينهم، فلا يبقى من العابدين توقع شفاعة، ولا من ~~المعبودين إفادتها، لو أمكنتهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون إذ لم ~~تكن عبادتكم عن أمرنا بل عن أمر الشيطان فكنتم عابديه بالحقيقة، بطاعتكم ~~إياه، وعابدي ما اخترعتموه في أوهامكم من أباطيل فاسدة، وأماني كاذبة. # قيل: القول مجاز عن تبرئهم من عبادتهم، وأنهم عبدوا أهواءهم وشياطينهم، ~~لأنها الآمرة لهم ms2607 دونهم، لأن الأوثان جمادات وهي لا تنطق. وقيل: ينطقها ~~الله الذي أنطق كل شيء [فصلت: 21] . فتشافههم بذلك، مكان الشفاعة التي ~~كانوا يتوقعونها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 29] # فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) # فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم أي لنا لغافلين أي الله ~~يعلم أنا ما أمرناكم بذلك وما أردنا عبادتكم إيانا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 30] # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (30) # هنالك أي في ذلك المقام المدهش، حين قطع المواصلة، وإنكار الشركاء ~~العبادة تبلوا كل نفس ما أسلفت أي تختبر وتذوق كل نفس ما أسلفت من العمل، ~~فتعاين أثره من قبح وحسن، ورد وقبول، كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ~~ليكتنه حاله. وهذا كقوله تعالى: ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] . # وقوله: يوم تبلى السرائر [الطارق: 9] . # وردوا إلى الله مولاهم الحق الضمير للذين أشركوا، أي ردوا إلى الله ~~المتولي جزاءهم بالعدل والقسط وضل عنهم ما كانوا يفترون أي ضاع عنهم ما ~~افتروه من اختراعاتهم، وأصول دينهم ومذهبهم، وتوهماتهم الكاذبة، وأمانيهم ~~الباطلة. أي ظهر ضياعه وضلاله ولم يبق له أثر فيهم. # وفي هذه الآية تبكيت شديد للمشركين الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر، # PageV06P021 # ولا يغني عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك، ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ ~~منهم، أحوج ما يكونون إلى المعونة. والمشركون أنواع وأقسام، وقد ذكرهم ~~تعالى في كتابه، وبين أحوالهم، ورد عليهم أتم رد. # ثم احتج على المشركين على وحدانيته باعترافهم بربوبيته وحده بقوله سبحانه ~~وتعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 31] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) # قل من يرزقكم من السماء والأرض بالإمطار والإنبات وهل يمكن إلا ممن له ~~التصرف العام فيها أمن يملك ms2608 السمع والأبصار أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما ~~على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، كقوله تعالى: قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار [الملك: 23] . # ومن يخرج الحي من الميت يعني النسمة من النطفة، أو الطير من البيضة، أو ~~السنبلة من الحب، ويخرج الميت من الحي كأن يخرج النطفة من الإنسان والبيضة ~~من الطائر. وقيل: المراد أن يخرج المؤمن من الكافر أو الكافر من المؤمن. ~~ومن يدبر الأمر أي ومن يلي تدبير أمر العالم كله، بيده ملكوت كل شيء، تعميم ~~بعد تخصيص فسيقولون الله إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه فقل أفلا تتقون ~~أي أفلا تخافون بعد اعترافكم، من غضبه لعبادة غيره اتباعا للهوى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 32] # فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) # فذلكم إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله الله ربكم الحق الثابت وحدانيته ~~ثباتا لا ريب فيه، لمن حقق النظر فماذا بعد الحق إلا الضلال يعني أن الحق ~~والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال. أي فما بعد حقية ~~ربوبيته إلا بطلان ربوبية ما سواه، وعبادة غيره، انفرادا أو شركة فأنى ~~تصرفون # PageV06P022 # أي عن الحق الذي هو التوحيد، إلى الضلال الذي هو الشرك، وأنتم تعترفون ~~بأنه الخالق كل شيء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 33] # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون أي ثبت حكمه وقضاؤه ~~على الذي تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه. وقوله أنهم لا ~~يؤمنون بدل من الكلمة، أي حق عليهم انتفاء الإيمان. وعلم الله منهم ذلك. أو ~~أراد بالكلمة العدة بالعذاب، أنهم لا يؤمنون تعليل بمعنى (لأنهم لا يؤمنون) ~~أفاده الزمخشري- أي كقوله تعالى: قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين [الزمر: 71] ، وقوله تعالى: أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ ~~من في النار [الزمر: 19] ، قيل: الذين فسقوا مظهر وضع موضع ضمير ms2609 المخاطبين ~~للإشعار بالعلية، و (الفسق) هنا التمرد في الكفر، فآل الكلام إلى أن كلمة ~~العذاب حقت عليهم، لتمردهم في كفرهم، ولأنهم لا يؤمنون، وهو تكرار. وأجيب ~~بأنه تصريح بما علم ضمنا من الذين فسقوا، أو دلالة على شرف الإيمان بأن ~~عذاب المتمردين في الكفر بسبب انتفاء الإيمان. # ثم احتج أيضا على حقية التوحيد وبطلان الشرك بما هو من خصائصه تعالى، من ~~بدء الخلق وإعادته، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 34] # قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون (34) # قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده أي من يبدؤه من النطفة. # ويجعل فيه الروح ليتعرف إليه، ويستعمله أعمالا، ثم يحييه يوم القيامة، ~~ليجزيه بما أسلف في أيامه الخالية. وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج، مع ~~عدم اعترافهم بها، إيذانا بظهور برهانها، للأدلة القائمة عليها سمعا وعقلا، ~~وإن إنكارها مكابرة وعنادا لا يلتفت إليه، وإشعارا بتلازم البدء والإعادة ~~وجودا وعدما، يستلزم الاعتراف به الاعتراف بها. ثم أمر عليه الصلاة والسلام ~~بأن يبين لهم من يفعل ذلك، فقيل له: # قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون أي فكيف تصرفون إلى عبادة ~~الغير، مع # PageV06P023 # عجزه عما ذكر. ثم احتج عليهم أيضا، إفحاما إثر إفحام، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 35] # قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) # قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق أي بوجه من الوجوه، كبعثة الرسل، ~~وإيتاء العقل. وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر. قل الله يهدي ~~للحق أفمن يهدي إلى الحق وهو تبارك وتعالى- أحق أن يتبع أي يعيد ويطاع أمن ~~لا يهدي أي إلا أن يهديه الله تعالى- نزل منزلة من يعقل لإفحامهم- وقيل ~~معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ms2610 ينقل. أو لا ~~يهتدي ولا يصح منه الاهتداء، إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله ~~حيوانا مكلفا، فيهديه. وقد قرئ أمن لا يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد ~~الدال، أصله يهتدي، أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى ~~الهاء وقرئ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما نقلت الحركة ~~التقى ساكنان، فكسر أولهما للتخلص من التقائهما، وقرئ بسكون الهاء وبتخفيف ~~الدال، على معنى (يهتدي) والعرب تقول: يهدي بمعنى يهتدي. يقال: هديته فهدى ~~أي اهتدى. # وقوله تعالى: فما لكم مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي: أي ~~شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم، فضلا عن هداية غيرهم، ~~شركاء وقوله: كيف تحكمون مستأنف أي كيف تحكمون بالباطل، حيث تزعمون أنهم ~~أنداد الله؟!. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 36] # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون (36) # وما يتبع أكثرهم أي في اعتقادهم ألوهية الأصنام إلا ظنا اعتقادا غير ~~مستند لبرهان، بل لخيالات فارغة، وأقيسة فاسدة. والمراد (بالأكثر) : ~~الجميع. إن الظن لا يغني من الحق أي من العلم والاعتقاد الحق شيئا أي من ~~الإغناء ف (شيئا) في موضع المصدر، أي غناء ما. أو مفعول ل (يغني) . ومن ~~الحق حال منه. إن الله عليم بما يفعلون وعيد على اتباعهم الظن، وإعراضهم عن ~~البرهان. # PageV06P024 ### | تنبيه: # قال الرازي في هذه الآية: # اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة ~~مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: الذي ~~خلقني فهو يهدين [الشعراء: 78] ، وعن موسى عليه السلام مثله فقال: ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] ، وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بذلك فقال: # سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى [الأعلى: 1- 3] ، وهو ~~في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود ~~الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا ms2611 ~~أيضا، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله: أمن يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده [النمل: 64] ، أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. والمقصود من خلق ~~الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [النحل: 78] ، ~~وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون ~~آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها ~~إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما ~~الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية. فإنها كمالات باقية أبد الآباد، ~~مصونة عن الكون والفساد. # فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية. ~~ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى ~~وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل ~~معرفتها. وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست ~~إلا منه تعالى وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ~~ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في ~~الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا ~~تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها ~~صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. # ثم بين تعالى حقية هذا الوحي المنزل، رجوعا إلى ما افتتحت به السورة من ~~صدق نبوة المنزل عليه، ودلائلها في آيات الله الكونية، والمنبئة عن عظيم ~~قدرته، وجليل عنايته بهداية بريته، فقال تعالى: # PageV06P025 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 37] # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله لامتناع ذلك إذ ليس لمن دونه ~~تعالى كمال قدرته التي بها عموم الإعجاز ولكن تصديق الذي بين يديه أي مصدقا ~~للتوراة والإنجيل والزبور بالتوحيد، ms2612 وصفة النبي صلى الله عليه وسلم و ~~(تصديق) منصوب على أنه خبر (كان) أو علة لمحذوف، أي أنزله تصديق إلخ. وقرئ ~~بالرفع خبرا لمحذوف، أي: هو تصديق الذي بين يديه. أي وبذلك يتعين كونه من ~~الله تعالى، لأنه لم يقرأها، ولم يجالس أهلها، وتفصيل الكتاب أي وتبيين ما ~~كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: كتاب الله عليكم [النساء: 24] ، ~~كما # قال علي رضي الله عنه «1» : فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما ~~بينكم. # لا ريب فيه من رب العالمين أي منتفيا عنه الريب، كائنا من رب العالمين، ~~أخبار أخر لما قبلها. # قال أبو مسعود: ومساق الآية، بعد المنع عن اتباع الظن، لبيان ما يجب ~~اتباعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 38] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (38) # أم يقولون افتراه أي بل أيقولون. ف (أم) منقطعة مقدرة ب (بل والهمزة) عند ~~الجمهور، والهمزة للإنكار أي ما كان ينبغي ذلك. وقيل: متصلة، ومعادلها، ~~مقدر. أي أيقرون به بعد ما بينا من حقيقته أم يقولون افتراء. قل فأتوا ~~بسورة مثله أي إن كان الأمر كما تزعمون، فأتوا، على وجه الافتراء، بسورة ~~مثله في البلاغة، وحسن الصياغة، وقوة المعنى، فأنتم مثل في العربية ~~والفصاحة، وأشد تمرنا في النظم وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين أي ادعوا من دونه تعالى، ما استطعتم من خلقه، للاستعانة به على ~~الإتيان بمثله- إن صدقتم في أني اختلقته- فإنه لا يقدر عليه أحد. ~~PageV06P026 # قال أبو السعود: وإخراجه سبحانه من حكم الدعاء، للتنصيص على براءتهم منه ~~تعالى، وكونهم في عدوة المضادة والمشاقة، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة ~~على ما كلفوه، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 39] # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # بل كذبوا بما لم يحيطوا ms2613 بعلمه إضراب وانتقال عن إظهار بطلان ما قالوا في ~~حق القرآن العظيم بالتحدي، إلى إظهاره ببيان أنه كلام ناشئ عن جهلهم بشأنه ~~الجليل. أي سارعوا إلى التكذيب به، وفاجؤوه في بديهة السماع، وقبل أن ~~يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه، ويقفوا على تأويله ومعانيه وما ~~في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه ليس مما يمكن أن يقدر عليه مخلوق، ~~وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، كالناشئ ~~على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن ~~كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة، وبيان الاستقامة، أنكرها في أول وهلة، ~~واشمأز منها، قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر في صحة أو فساد، ~~لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه، وفساد ما عداه من المذاهب. وسر التعبير ~~بما لم يحيطوا بعلمه الإيذان بكمال جهلهم به، وأن تكذيبهم به إنما هو بسبب ~~عدم علمهم به- كذا في الكشاف وأبي السعود- ولما يأتهم تأويله أي بيان ما ~~يؤول إليه، مما توعدهم فيه. وهذا المعنى هو الصحيح في الآية. وقد مشى عليه ~~غير واحد. # قال في (تنوير الاقتباس) : أي عاقبة ما وعدهم في القرآن. # وقال الجلال: أي عاقبة ما فيه من الوعيد. # وقال القاشاني: تأويله: أي ظهور ما أشار إليه في مواعيده، وأمثاله مما ~~يؤول أمره وعلمه إليه، فلا يمكنهم التكذيب، لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن ~~لأحد تكذيبه. # PageV06P027 # كذلك كذب الذين من قبلهم أي بآيات الرسل، قبل التدبر في معانيها، فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين أي من هلاكهم بسبب تكذيبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 40 الى 42] # ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) وإن ~~كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ~~(41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) # ومنهم من يؤمن به أي يصدق به في نفسه، ولكن يكابر بالتكذيب ومنهم من لا ms2614 ~~يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين. # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون أي إن أصروا على تكذيبك، فتبرأ منهم، فقد أعذرت. # ثم أشار إلى أنهم ممن طبع على قلوبهم بقوله تعالى: ومنهم من يستمعون إليك ~~أي إذا قرأت القرآن أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون أبرزهم في عدم ~~انتفاعهم بسماعهم، لكونهم لا يعون ولا يقبلون، بصورة الصم المعتوهين: أي ~~اتطمع أنك تقدر على إسماع الصم، ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم؟ لأن الأصم ~~العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع ~~والعقل فقد تم الأمر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 43] # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون كذلك أبرزهم، ~~لدعم انتفاعهم بمشاهدة أدلة الصدق وأعلام النبوة، بصورة العمي المضموم إلى ~~عماهم فقد البصيرة. أي أتحب هداية من كان كذلك؟ لأن الأعمى الذي له في قلبه ~~بصيرة قد يحدس ويتظنن، أما مع الحمق فجهد البلاء. يعني أنهم في اليأس من ~~أين يقبلوا ويصدقوا، كالصم والعمي الذين لا بصائر لهم ولا عقول- كذا في ~~الكشاف- ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 44] # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) # إن الله لا يظلم الناس شيئا بتعذيبهم من غير أن تقوم الحجة عليهم، بإرسال # PageV06P028 # الرسل، وإنزال الكتب، ومن غير أن يكونوا سليمي الحواس والمدارك، فإنه ~~لعدله لا يفعل ذلك. ولكن الناس أنفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب وعدم استعمال ~~حاساتهم ومداركهم فيما خلقت له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 45] # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار أي شيئا قليلا يتعارفون ~~بينهم أي يعرف بعضهم بعضا، كأنهم لم يتعارفوا إلا قليلا قد خسر الذين كذبوا ms2615 ~~بلقاء الله أي بالبعث بعد الموت وما كانوا مهتدين أي من الكفر والضلالة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 46 الى # 47] # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ~~(47) # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أي من العذاب أو نتوفينك أي قبل ذلك فإلينا ~~مرجعهم أي فننجزهم ما وعدناهم كيفما دار الحال ثم الله شهيد على ما يفعلون ~~أي من مساوئ الأفعال. # ولكل أمة رسول أي منهم، أرسل لهدايتهم، وتزكيتهم بما يصلحهم فإذا جاء ~~رسولهم أي فبلغهم ما أرسل به فكذبوه قضي بينهم بالقسط أي بالعدل فأنجي ~~الرسول وأتباعه، وعذب مكذبوه وهم لا يظلمون أي في ذلك القضاء المستوجب ~~لتعذيبهم، لأنه من نتائج أعمالهم. # وقال القاشاني في قوله تعالى قضي بينهم: أي بهداية من اهتدى منهم، وضلالة ~~من ضل وسعادة من سعد، وشقاوة من شقي، لظهور ذلك بوجوده، وطاعة بعضهم إياه ~~لقربه منه، وإنكار بعضهم له لبعده عنه. أو قضى بينهم بإنجاء من اهتدى به ~~وإثابته، وإهلاك من ضل وتعذيبه، لظهور أسباب ذلك بوجوده- انتهى- فالآية على ~~هذا كقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] ، وجوز أن ~~يكون المعنى لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب # PageV06P029 # إليه، وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، ~~قضى بينهم بإنجاء المؤمنين، وعقاب الكافرين. كقوله تعالى: وجيء بالنبيين ~~والشهداء وقضي بينهم بالحق [الزمر: 69] . # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 48 الى 49] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون (49) # ويقولون متى هذا الوعد استبعادا له، واستهزاء به إن كنتم صادقين أي في ~~أنه يأتينا. ولما فيه من الإشعار بكون إتيانه بواسطة النبي صلوات الله ~~عليه، قيل: # قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا أي ms2616 مع أن ذلك أقرب حصولا، فكيف أملك لكم ~~حتى أستعجل في جلب العذاب لكم، وتقديم الضر، لما أن مساق النظم لإظهار ~~العجز عنه. وأما ذكر النفع فلتوسيع الدائرة تعميما. والمعنى لا أملك شيئا ~~ما. # إلا ما شاء الله أي أن أملكه، أو لكن ما شاء الله كائن فالاستثناء متصل ~~أو منقطع. وصوب أبو السعود الثاني، بأن الأول يأباه مقام التبرؤ من أن ~~يكون، عليه الصلاة والسلام، له دخل في إتيان الوعد. وبسط تقريره. # وأفاد بعض المحققين أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن ~~الكريم للدلالة على الثبوت والاستمرار، كما في هذه الآية، وقوله: خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك [هود: 107] ، قال: والنكتة في ~~الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله ~~تعالى، لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل. وهو نفيس جدا ~~فليحرص على حفظه. # وقوله تعالى: لكل أمة أجل أي لكل واحد من آحاد كل أمة أجل معين إذا جاء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال القاشاني: درجهم إلى شهود ~~الأفعال بسلب الملك والتأثير عن نفسه، ووجوب وقوع ذلك بمشيئة الله، ليعرفوا ~~آثار القيامة. ثم لوح إلى أن القيامة الصغرى هي بانقضاء آجالهم المقدرة عند ~~الله بقوله: لكل أمة أجل ... الآية. # PageV06P030 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 50] # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) # قل أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم عذابه أي الذي تستعجلون به بياتا أي ليلا ~~أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون أي ولا شيء منه بمرغوب البتة. ### | لطائف: # الأولى- (أرأيت) يستعمل بمعنى الاستفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية، ~~وهو أصل. وضعه ثم استعملوه بمعنى (أخبرني) والرؤية فيه يجوز أن تكون بصرية ~~وعلمية فالتقدير: أأبصرت حالته العجيبة، أو أعرفتها؟ فأخبرني عنها. ولذا لم ~~يستعمل في غير الأمر العجيب. ولما كانت رؤية الشيء سببا لمعرفته، ومعرفته ~~سببا للإخبار عنه، أطلق السبب القريب أو البعيد، وأريد مسببه، وهل هو ms2617 بطريق ~~التجوز كما ذهب إليه كثير، أو التضمين كما ذهب إليه أبو حيان- كذا في ~~(العناية) الثانية- سر إيثار (بياتا) على (ليلا) مع ظهور التقابل فيه، ~~الإشعار بالنوم والغفلة، وكونه الوقت الذي يبيت فيه العدو، ويتوقع فيه، ~~ويغتم فرصة غفلته، وليس في مفهوم الليل هذا المعنى، ولم يشتهر شهرة النهار ~~بالاشتغال بالمصالح والمعاش، حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في ~~النهار، أو النهار كله محل الغفلة، لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو غذاء، أو ~~زمان قيلولة. كما في قوله: بياتا أو هم قائلون [الأعراف: 4] بخلاف الليل، ~~فإن محل الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات، لذا خص بالذكر دون ~~النهار. و (البيات) بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم، ولا بمعنى ~~البيتوتة. # الثالثة- قيل: إن استعجالهم العذاب، كان المقصود منه الاستبعاد ~~والاستهزاء، دون ظاهره، فورود (ما) هنا في الجواب على الأسلوب الحكيم. ~~لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا الاستبعاد أن الموعود منه تعالى، وأنه افتراء، ~~فطلبوا منه تعيين وقته تهكما وسخرية، فقال في جوابهم هذا التهكم لا يتم إذا ~~كنت مقرا بأني مثلكم، وأني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا فكيف أدعي ما ليس لي ~~به حق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمهم واستبعادهم- أفاده ~~الطيبي- الرابعة- سر إيثار ماذا يستعجل منه المجرمون على (ماذا يستعجلون ~~منه) هو الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام، لأن من حق المجرم أن ~~يخاف # PageV06P031 # التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه، وإن أبطأ، فضلا عن أن يستعجله- ~~كذا في (الكشاف) -. # قال في (الانتصاف) : وفي هذا النوع البليغ نكتتان: # إحداهما: وضع الظاهر مكان المضمر. # والأخرى: ذكر الظاهر بصيغة زائدة مناسبة للمصدر. # وكلاهما مستقل بوجه من البلاغة والمبالغة- والله أعلم- وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 51] # أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) # أثم إذا ما وقع آمنتم به إنكار لإيمانهم بنزول العذاب بعد وقوعه حقيقة، ~~داخل مع ما قبله من إنكار استعجالهم به بعد إتيانه حكما، تحت القول المأمور ~~به. # أي: أبعد ما وقع ms2618 العذاب وحل بكم حقيقة، آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان؟ ~~إنكارا لتأخيره إلى هذا الحد، وإيذانا باستتباعه للندم والحسرة، ليقلعوا ~~عما هم عليه من العناد، ويتوجهوا نحو التدارك قبل فوت الفوات- أفاده أبو ~~السعود. # وقوله تعالى: آلآن وقد كنتم به تستعجلون على إرادة القول. أي: قيل لهم ~~إذا آمنوا بعد معاينة العذاب (آلآن آمنتم به) ؟ وذلك إنكارا للتأخير، ~~وتوبيخا عليه. وسر وضع تستعجلون موضع (تكذبون) الذي يقتضيه الظاهر، الإشارة ~~إلى أن المراد به الاستعجال السابق، وهو التكذيب والاستهزاء، استحضارا ~~لمقالتهم فهو أبلغ من (تكذبون) . # وقيل: الاستعجال كناية عن التكذيب، وفائدة هذه الحال استحضارها. وهذا ما ~~ذكروه، ولا مانع من بقاء الاستعجال على حقيقته، يدل عليه آية: وإذ قالوا ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ... # [الأنفال: 32] إلخ، فهم مع تهكمهم رضوا بأن يعاينوا آية يعذبون بها، لما ~~في قلوبهم من مرض العناد العضال، والجهل المصم المعمي، ولذلك أجيبوا بأن ~~العذاب هل فيه ما يستعجل منه. أي فمثل هذا الاستعجال لا يصدر ممن له مسكة ~~من عقل، إذ لا يستعجل إلا ما يرجى خيره، ثم أعلمهم بعدم فائدة إيمانهم ~~وقتئذ، وما يوبخون به إنكارا للتأخير- والله أعلم-. # PageV06P032 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 52 الى 53] # ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ~~ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) # ثم قيل للذين ظلموا أي أشركوا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون في الآخرة إلا ~~بما كنتم تكسبون أي تقولون وتعملون في الدنيا. # ويستنبئونك أي يستخبرونك أحق هو أي الوعد بعذاب الخلد، أو ادعاء النبوة ~~أو القرآن قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين أي بفائتين العذاب. # فهو. لاحق بكم لا محال من (أعجزه) الشيء إذا فاته. يصح كونه (أعجزه) ~~بمعنى وجده عاجزا. أي: ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزا عن ~~إدراككم، وإيقاعه بكم. ### | لطائف: # الأولى: دل سؤالهم هذا على محض جهلهم أو عنادهم، لما ms2619 ثبت من البرهان ~~القاطع على نبوته بمعجز القرآن، وإذا صحت النبوة لزم القطع بصحة كل ما ~~ينبئهم عنه، مما يصدعهم به. # الثانية- إنما أمر بالقسم لاستمالتهم وللجري على ما هو المألوف في ~~المحاورة، من تحقيق المدعي، فإن من أقسم على خير، فقد كساه حلة الجد، وخلع ~~عنه لباس الهزل: إنه لقول فصل، وما هو بالهزل [الطارق: 13- 14] . # الثالثة- لما كانت الناس طبقات، كان منهم من لا يسلم إلا ببرهان حقيقي، ~~ومنهم من لا ينتفع به، ويسلم إلا بالأمور الإقناعية، نحو القسم، كالأعرابي ~~«1» الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن رسالته وبعثه، وأنشده ~~بالذي بعثه، ثم اقتنع # بقوله صلوات الله عليه: «اللهم نعم، فقال: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ~~ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة» - رواه البخاري في أوائل كتاب العلم-. # الرابعة- قال ابن كثير: هذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان ~~أخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ: ~~PageV06P033 # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم [سبأ: 3] ، وفي ~~التغابن: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم وذلك على الله يسير [التغابن: 7]- انتهى-. # وقد استمد ابن كثير هذا مما ذكره شيخه الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) ~~قال: وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله سبحانه ~~بالحلف في ثلاثة مواضع، ثم ذكر هذه الآيات، ثم قال: وكان إسماعيل بن إسحاق ~~القاضي يذاكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه- فتحاكم إليه يوما ~~هو وخصم له فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف فقال له القاضي ~~إسماعيل: وتحلف ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف، وقد أمر ~~الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه؟ قال: أين ذلك؟ فسردها أبو ~~بكر، فاستحسن ذلك منه جدا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 54] ms2620 # ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) # ولو أن لكل نفس ظلمت أي بالشرك بالله، أو التعدي على الغير، أو مطلقا ما ~~في الأرض أي من الأموال لافتدت به أي لجعلته فدية لها من العذاب وأسروا ~~الندامة أي أخفوها أسفا على ما فعلوا من الظلم. وضمير أسروا للنفوس، ~~المدلول عليها ب (كل نفس) . والعدول إلى صيغة الجمع، لتهويل الخطب، بكون ~~الخطب بطريق الاجتماع لما رأوا العذاب أي عاينوه وقضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون أي فيما فعل بهم من العذاب، لأنه جزاء ظلمهم، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 55 الى 56] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) # ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون، هو يحيي ويميت وإليه ترجعون إعلام بأن له الملك كله، وأنه المثيب ~~المعاقب، وما # PageV06P034 # وعده من الثواب والعقاب فهو حق، وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا ~~يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ~~ويرجى، ولا يغتر به المغترون- كذا في الكشاف. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 57] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم أي تزكية نفوسكم بالوعد والوعيد، ~~والإنذار والبشارة، والزجر عن الذنوب المورطة في العقاب، والتحريض على ~~الأعمال الموجبة للثواب، لتعلموا على الخوف والرجاء وشفاء لما في الصدور أي ~~القلوب من أمراضها، كالشك والنفاق، والغل والغش، وأمثال ذلك، بتعليم ~~الحقائق، والحكم الموجبة لليقين، وتصفيتها بقبول المعارف، والتنور بنور ~~التوحيد وهدى أي لنفوسكم من الضلالة ورحمة للمؤمنين أي لمن آمن به بالنجاة ~~من العذاب والارتقاء إلى درجات النعيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 58] # قل بفضل الله وبرحمته ms2621 فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) # قل بفضل الله يعني القرآن الذي أكرموا به وبرحمته يعني الإسلام فبذلك أي ~~فبمجيئهما فليفرحوا أي لا بالأمور الفانية القليلة المقدار، الدنيئة القدر ~~والوقع، هو خير مما يجمعون أي من الأموال وأسباب الشهوات، إذ لا ينتفع ~~بجميعها ولا يدوم، ويفوت به اللذات الباقية، بحيث يحال بينهم وبين ما ~~يشتهون. # والفاء داخلة في جواب شرط مقدر، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فبهما فليفرحوا. # أو هي رابطة لما بعدها بما قبلها، لدلالتها على تسبب ما بعدها عما قبلها. ~~والفاء الثانية زائدة لتأكيد الأولى، أو الزائدة الأولى، لأن جواب الشرط في ~~الحقيقة فليفرحوا و (بذلك) مقدم من تأخير، وزيدت فيه الفاء للتحسين. وكذلك ~~جوز أن يكون بدلا من قوله: بفضل الله وبرحمته. # ثم بين تعالى أن من فضله على الناس تبيين الحرام من الحلال على ألسنة # PageV06P035 # الرسل، لئلا يفتروا عليه الكذب بتحريم ما أحل أو عكسه كما فعل المشركون، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 59] # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق أي ما خلق لكم من حرث وأنعام فجعلتم ~~منه حراما وحلالا أي أنزله تعالى رزقا حلالا كله، فبغضتموه، وقلتم: هذا ~~حلال وهذا حرام، كقولهم: هذه أنعام وحرث حجر [الأنعام: 138] ، ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا [الأنعام: 139] ، قل آلله أذن ~~لكم في الحكم بالتحريم والتحليل، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم على الله ~~تفترون أي تختلقون الكذب، ثم بين وعيد هذا الافتراء بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 60] # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة أي فيما فعل بهم، وهو ~~يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم، حيث أبهم أمره إن الله لذو ~~فضل ms2622 على الناس في إنزال الوحي وتعليم الحلال والحرام ولكن أكثرهم لا يشكرون ~~أي هذه النعمة، فيستعملون ما وهب إليهم من الاستعداد والعلوم في مطالب ~~النفس الخسيسة ولا يتبعون ما هدوا إليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 61] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # وما تكون في شأن أي أمر ما وما تتلوا منه أي التنزيل من قرآن أي سورة أو ~~آية ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه أي تخوضون # PageV06P036 # وتندفعون فيه وما يعزب أي يغيب عن ربك من مثقال ذرة أي نملة أو هباء في ~~الأرض ولا في السماء أي في دائرة الوجود والإمكان. # وقوله تعالى: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين كلام برأسه، ~~مقرر لما قيله، أي مكتوب مبين، لا التباس فيه، والمراد بالآية البرهان على ~~إحاطة علمه تعالى بحال أهل الأرض، بأن من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف ~~حال أهل الأرض، وما هم عليه مع نبيه صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 64] # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ~~ذلك هو الفوز العظيم (64) # ألا إن أولياء الله جمع ولي. وهو في الأصل ضد العدو، بمعنى المحب وجاز ~~كونه هنا بمعنى الفاعل، أي الذين يتولونه بالطاعة، كقوله تعالى: ومن يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون [المائدة: 56] وبمعنى ~~المفعول أي الذي يتولاهم بالإكرام كقوله تعالى: الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257] ، وقوله: إنما وليكم الله ~~ورسوله ... # [المائدة: 55] الآية- وكلا المعنيين متلازمان: لا خوف عليهم من ms2623 لحوق ~~مكروه، ولا هم يحزنون أي من الفزع الأكبر، كما في قوله تعالى: لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر [الأنبياء: 103] . # الذين آمنوا أي بكل ما جاء من عند الله تعالى وكانوا يتقون أي يخافون ~~ربهم، فيفعلون أوامره، ويتجنبون مناهيه، من الشرك والكفر والفواحش. ومحل ~~الموصول الرفع على أنه خبر لمحذوف، كأنه قيل: من أولئك وما سبب فوزهم بذاك ~~الإكرام؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيين إلى كل خير، ~~المنجيين من كل شر. أو النصب بمحذوف. # وقوله تعالى: هم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # بشرى # مصدر إما باق على مصدريته، والمبشر به محذوف، أي لهم البشارة فيهما ~~بالجنة، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر كقوله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا ... # إلى قوله: يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم # PageV06P037 # [التوبة: 20- 21] ، وقوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون [ ### | فصل # ت: 30] ، وإما مراد به المبشر به، وتعريفه للعهد. كقوله سبحانه: يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم [الحديد: 12] . # وقوله تعالى: تبديل لكلمات الله # أي لمواعيده لك # أي بشراكم، وهي الجنة. والفوز العظيم # أي المنال الجليل. الذي لا مطلب وراءه. كيف؟ # وقد فازوا بالجنة وما فيها، ونجوا من النار وما فيها. ### | تنبيه: # هذه الآية الكريمة أصل في بيان أولياء الله، وقد بين تعالى في كتابه، ~~ورسوله في سنته، أن لله أولياء من الناس، كما أن الشيطان أولياء، وللإمام ~~تقي الدين بن تيمية، عليه الرحمة، كتاب في ذلك سماه (الفرقان بين أولياء ~~الرحمن وأولياء الشيطان) نقتبس منه جملة يهم الوقوف عليها. لكثرة ما يدور ~~على الألسنة من ذكر الولي والأولياء. قال رحمه الله: # إذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين ~~هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما. فأولياء الله هم المؤمنون ~~المتقون، كما في هذه ms2624 الآية، # وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة، أو فقد آذنته بالحرب «2» ... الحديث # - وهذا أصح حديث يروى في الأولياء، دل على أن من عادى وليا لله، فقد بارز ~~الله بالمحاربة. # وفي حديث آخر: وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب # . أي: آخذ ثأرهم ممن عاداهم، كما يأخذ الليث الحرب ثأره، وهذا، لأن ~~أولياء الله هم الذي آمنوا به ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ~~ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما نهى، وأعطوا ~~لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع. PageV06P038 # والولاية ضد العداوة. وأصل الولاية المحبة والقرب. وأصل العداوة البغض ~~والبعد. # وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، أفضلهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وإمام المتقين، الذي بعثه الله ~~بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعله الفارق بين أوليائه، وأعدائه، ~~فلا يكون وليا لله إلا من آمن به، وبما جاء به، واتبعه ظاهرا وباطنا. ومن ~~ادعى محبة الله وولايته، وهو لم يتبعه، فليس من أولياء الله، بل من خالفه ~~كان من أعداء الله، وأولياء الشيطان. وإن كان كثير من الناس يظنون في ~~أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله، ولا يكونون من أولياءه. فاليهود ~~والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى: قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ... [المائدة: 18] الآية، وكان مشركو العرب ~~يدعون أنهم أهل الله، لسكناهم مكة، ومجاورتهم البيت، فأنزل تعالى: وما ~~كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون [الأنفال: 34] ، وكما أن من الكفار ~~من يدعي أنه ولي الله، وليس وليا لله، بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين ~~يظهرون الإسلام، يقرون في الظاهر بالشهادتين، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ~~ذلك، مثل ألا يقروا باطنا برسالته عليه السلام، وإنما كان ملكا مطاعا، ساس ~~الناس، برأيه، من جنس غيره من الملوك. ms2625 أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين ~~خاصة. أو يقولون إنه مرسل إلى عامة الخلق، وأن لله أولياء خاصة لم يرسل ~~إليهم، ولا يحتاجون إليه، بل لهم طريق إلى الله من غير جهته، كما كان الخضر ~~مع موسى. أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه، وينتفعون به من غير ~~واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة، وهم موافقون له فيها. وأما الحقائق ~~الباطنة، فلم يرسل بها، أو لم يكن يعرفها. أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها ~~مثل ما يعرفها من غير طريقته. فهؤلاء كلهم كفار، مع أنهم يعتقدون في ~~طائفتهم أنهم أولياء الله. وإنما أولياء الله: الذي وصفهم تعالى بولايته ~~بقوله: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون [يونس: 62- 63] . # ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ~~وأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، مرسل إلى جميع الثقلين الإنس ~~والجن. فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن، فضلا عن أن يكون من أولياء ~~الله المتقين ومن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر ليس بمؤمن. # ومن الإيمان به، الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه، في تبليغ أمره ~~ونهيه، ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه. فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ~~ما # PageV06P039 # حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله رسوله صلى الله عليه وسلم فمن ~~اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فهو كافر من أولياء الشيطان. # وأما خلق الله تعالى للخلق، ورزقه إياهم، وإجابته لدعائهم، وهدايته ~~لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم، وغير ذلك من جلب المنافع، ودفع المضار، فهذا ~~الله وحده، يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل. # ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ، ولم يؤمن بجميع ما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى. كالأحبار ~~والرهبان من علماء ms2626 اليهود والنصارى وعبادهم، وكذلك المنتسبون إلى العلم ~~والعبادة من مشركي العرب والترك والهند وغيرهم، ممن كان من حكماء الهند ~~والترك. وله علم أو زهد وعبادة في دينه، وليس مؤمنا بجميع ما جاء به، فهو ~~كافر، عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولي لله. # كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا، وكذلك حكماء اليونان مثل ~~أرسطو وأمثاله، كانوا مشركين، يعبدون الأصنام والكواكب. وفي أصناف المشركين ~~من هذه الطوائف من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة، ولكن ليس بمؤمن ~~بالرسل، ولا يصدقهم فيما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا ~~بمؤمنين، ولا أولياء لله، وهؤلاء تقترون بهم الشياطين وتنزل عليهم، ~~فيكاشفون الناس ببعض الأمور، ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر، وهم من جنس ~~الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين. قال تعالى: هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ~~[الشعراء: 221- 223] ، وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات، وخوارق ~~العادات، إذا لم يكونوا متبعين للرسل، فلا بد أن يكذبوا وتكذبهم شياطينهم، ~~لا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور، مثل نوع من الشرك أو الظلم أو ~~الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين، ~~واقترنت بهم، فصاروا من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن. # ومن الناس من يكون فيه إيمان، وفيه شعبة من نفاق، كما # في الصحيحين «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ~~. # وفي صحيح مسلم «2» : «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» . PageV06P040 # وإذ كان أولياء الله هم (المؤمنون المتقون) فبحسب إيمان العبد وتقواه ~~تكون ولايته لله تعالى،. فمن كان أكمل إيمانا وتقوى، كان أكمل ولاية لله. ~~فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، ~~وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق. # وأولياء الله على طبقتين: سابقون ومقربون وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم ~~الله في ms2627 عدة مواضع من كتابه العزيز. فالأبرار أصحاب اليمين، هم المتقربون ~~إلى الله بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم، ويتركون ما حرم الله عليهم، ~~ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون ~~المقربون، فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، ~~وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من ~~محبوباتهم، أحبهم الرب حبا تاما، كما قال تعالى «1» : «ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه» يعنى الحب المطلق. # ثم إذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا، لهذه الآية- ~~فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من لا يصح ~~إيمانه وعباداته، وإن قدر أنه لا إثم عليه، مثل أطفال الكفار، ومن لم تبلغه ~~الدعوة، وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولا، فلا يكونون من ~~أولياء الله، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين. فمن يتقرب إلى الله. لا ~~بفعل الحسنات ولا بفعل السيئات، لم يكن من أولياء الله. # وكذلك المجانين والأطفال، # فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون ~~حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ. # وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث عائشة رضي الله عنها، واتفق أهل ~~المعرفة على تلقيه بالقبول. ولكن الصبي المميز تصح عباداته، ويثاب عليها ~~عند جمهور العلماء، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من ~~عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك ~~من العبادات، بل لا يصلح هو، عند عامة العقلاء، لأمور الدنيا. كالتجارة ~~والصناعة. فلا يصح أن يكون بزازا ولا PageV06P041 # عطارا ولا حدادا ولا نجارا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ~~ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من ~~أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي. ولا ثواب ولا عقاب. ~~بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع، بالنص والإجماع، ms2628 وفي ~~مواضع فيها نزاع وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا ~~التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، وامتنع أن يكون وليا لله، فلا يجوز ~~لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها ~~منه، أو نوعا من تصرف، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع. فإنه قد ~~علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب، لهم مكاشفات وتصرفات ~~شيطانية، كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن ~~يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله، إن لم يعلم ما يناقض ولاية الله، ~~فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله؟ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع ~~الظاهر، دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير ~~طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. أو يقول إن الأنبياء ضيقوا الطريق، أو ~~هم قدوة العامة دون الخاصة، ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية. ~~فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان، فضلا عن ولاية الله عز وجل. فمن ~~احتج بما يصدر عن أحدهم، من خرق عادة، على ولايتهم، كان أضل من اليهود ~~والنصارى. وكذلك المجنون، فإن كونه مجنونا يناقض أن يصح منه الإيمان ~~والعبادات، التي هي شرط في ولاية الله. ومن كان يجن أحيانا، ويفيق أحيانا، ~~إذا كان في حال إفاقته مؤمنا بالله ورسوله، ويؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم، ~~فهذا إذا جن، لم يكن جنونه مانعا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه، الذي ~~أتى به في حال إفاقته، ويكون له من ولاية الله بحسب ذلك. وكذلك من طرأ عليه ~~الجنون، بعد إيمانه وتقواه، فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه ~~وتقواه، ولا يحبطه بالجنون الذي ابتلي به من غير ذنب فعله، ولا قلم مرفوع ~~عنه في حال جنونه. # فعلى هذا، فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض، ولا يجتنب المحارم، ms2629 بل ~~قد يأتي بما يناقض ذلك، لم يكن لأحد أن يقول: هذا ولي لله، فإن هذا إن لم ~~يكن مجنونا، بل كان متوليها من غير جنون، أو كان يغيب عقله بالجنون تارة، ~~ويفيق أخرى، وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه ~~القلم. فهذا وإن لم يكن معاقبا عقوبة # PageV06P042 # الكافرين، فليس هو مستحقا لما يستحقه أهل الإيمان والتقوى من كرامة الله ~~عز وجل، فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولي لله، لكن إن كان ~~له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنا بالله متقيا، كان له من ولاية الله بحسب ~~ذلك، وإن كان له في حال فيه كفر أو نفاق، أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ ~~عليه الجنون، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ~~ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق. ### | ### | فصل # # وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور ~~المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفره، ~~إذا كان كلاهما مباحا، كما قيل: كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء. ~~بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل ~~البدع الظاهرة والفجور. # فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ~~ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم ~~(القراء) فيدخل فيهم العلماء والنساك. ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء ~~واسم (الصوفية) ، نسبة إلى لباس الصوف. هذا هو الصحيح، وقد قيل إنه نسبة ~~إلى صفوة الفقهاء وقيل إلى (صوفة بن أد) قبيلة من العرب كانوا يعرفون ~~بالنسك، وقيل إلى أهل الصفا. وقيل إلى الصفوة، وقيل إلى الصفة، وقيل إلى ~~الصف المقدم بين يدي الله تعالى. وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل: ~~صفي، ms2630 أو صفائي، أو صفي، ولم يقل صوفي. وصار أيضا اسم الفقراء يعني به أهل ~~السلوك، وهذا عرف حادث وقد تنازع الناس: أيما أفضل: مسمى الصوفي أو مسمى ~~الفقير؟ ويتنازعون أيضا: أيما أفضل؟ الغني الشاكر، أو الفقير الصابر؟ ~~والصواب في هذا كله ما قاله تبارك وتعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~[الحجرات: 13] # وفي الصحيح «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل: «أي الناس أفضل؟ قال: أتقاهم» . فدل PageV06P043 # الكتاب والسنة على أن أكرم الناس عند الله أتقاهم. # وفي السنن «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا فضل لعربي على ~~عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود، إلا ~~بالتقوى» . # وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال «2» : «إن الله تعالى أذهب عنكم ~~عبية الجاهلية وفخرها بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقي وفاجر شقي» . ### | فصل # وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى ~~عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض ~~الأمور مما أمر الله به، مما نهى الله عنه. ويجوز أن يظن في بعض الخوارق ~~أنها من كرامات أولياء الله تعالى، وتكون من الشيطان لبسها عليه، لنقص ~~درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان، وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى. ~~فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه ولم يؤثم النبي صلى الله عليه وسلم المجتهد المخطئ بل جعل له أجرا على ~~اجتهاده، وجعل خطأه مغفورا له، ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط، لم ~~يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي الله، إلا أن يكون نبيا، ~~بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه، إلا أن يكون ~~موافقا، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا ms2631 من الحق، بل يجب ~~عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه ~~قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه. والناس ~~في هذا الباب ثلاثة أصناف: طرفان ووسط. فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي ~~الله وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما ~~يفعله. ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع، أخرجه عن ~~ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهدا مخطئا، وخيار الأمور أوساطها. وهو ألا ~~يجعل معصوما ولا مأثوما، إذا كان مجتهدا مخطئا، فلا يتبع في كل ما يقوله، ~~ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده. والواجب على الناس اتباع ما بعث ~~الله به رسوله. # وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء. ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه ~~بقول المخالف، ويقول: هذا خالف الشرع! PageV06P044 # وفي الصحيحين «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد كان في الأمم ~~قبلكم محدثون، فإن كان في أمتي أحد، فعمر منهم» # . وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، ~~فإنه يتجلى لهم أمور صادقة. والمحدث الذي يأخذ عن قلبه أشياء، ليس بمعصوم، ~~فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم ولهذا كان ~~عمر رضي الله عنه يشاور الصحابة ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور، ~~وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم، ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويقررهم على ~~منازعته، ولا يقول لهم: أنا محدث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا ~~تعارضوني. فأي من ادعى له أصحابه أنه ولي الله، وأنه مخاطب يجب على أتباعه ~~أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غيره اعتبار ~~بالكتاب والسنة- فهو وهم مخطئون. ومثل هذا من أضل الناس. فعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أفضل منه، وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه ويعرضون ~~ما يقول، هو وهم، على الكتاب ms2632 والسنة. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل ~~أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الفروق ~~بين الأنبياء وغيرهم. ولذا قال الجنيد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. ~~وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ~~ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، لقوله تعالى: وإن تطيعوه ~~تهتدوا [النور: 54] وقال أبو عمرو بن نجيد: # كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. # فأولياء الله تعتبر بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب ~~والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع ~~الإسلام. فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان، أو ~~يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين، أو يأكل الحيات والعقارب ~~والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق. أو يشرب البول ونحوه من ~~النجاسات التي يحبها الشيطان. أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه ~~إليها، أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين. أو يلابس ~~الكلاب أو النيران، أو يأوي إلى المزابل، والمواضع النجسة، أو يأوي إلى ~~المقابر، لا سيما إلى مقابر الكفار من PageV06P045 # اليهود والنصارى أو المشركين، أو يكره سماع القرآن وينفر عنه، ويقدم عليه ~~سماع الأغاني والأشعار، ويؤثر سماع مزامير الشيطان، على سماع كلام الرحمن، ~~فهذه علامات أولياء الشيطان، لا علامات أولياء الرحمن- انتهى ملخصا-. # والكتاب مما يلزم الوقوف عليه، ومطالعته بالحرف. ففيه من الفوائد ما لا ~~يوجد في غيره، فرحم الله جامعه، وجزاه خيرا. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 65] # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) # ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعا، هو السميع العليم تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عما كان يسمعه من تآمرهم في إيصال مكروه له، ومجاهرتهم ~~بتكذيبه، ورميه بالسحر ونحوه أي: لا تتأثر بقولهم، وشاهد غز الله وقهره، ~~لتنظر إليهم بنظر الفناء وترى أعمالهم وأقوالهم، وما يهددونك به كالهباء، ~~فمن شاهد قوة الله وعزته ms2633 يرى كل القوة والعزة له، لا قوة لأحد ولا حول. ~~فقوله تعالى: فإن العزة لله [النساء: # 139] ، تعليل للنهي على طريقة الاستئناف، كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟ فقيل: ~~إن العزة لله، أي الغلبة والقهر في ملكته وسلطانه لا يملك أحد شيئا منها ~~أصلا، لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم، وينصرك عليهم كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي [المجادلة: # 21] . إنا لننصر رسلنا [غافر: 51] ، وقوله: هو السميع أي لأقوالهم فيك، ~~فيجازيهم العليم أي لما ينبغي أن يفعل بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 66] # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض أي كلهم تحت ملكته وتصرفه وقهره، ~~لا يقدرون على شيء بغير إذنه ومشيئته وإقداره إياهم. وقوله: وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون تأكيد لما ~~سبق من اختصاص العزة به تعالى، لتزيد سلوته صلوات الله عليه وبرهان على ~~بطلان ظنونهم وأقوالهم المبنية عليها. وفي (ما) من قوله وما يتبع وجهان: # أحدهما- أنها نافية، و (شركاء) مفعول (يتبع) ومفعول (يدعون) محذوف # PageV06P046 # لظهوره. أي ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، شركاء في الحقيقة، ~~وإن سموها شركاء لجهلهم، فاقتصر على أحدهما لظهور دلالته على الآخر. ويجوز ~~أن يكون (شركاء) مفعول (يدعون) ومفعول (يتبع) محذوف، لانفهامه، من قوله إن ~~يتبعون إلا الظن أي ما يتبعون يقينا، إنما يتبعون ظنهم الباطل. # والوجه الثاني: أنها استفهامية، منصوبة ب (يتبع) و (شركاء) مفعول (يدعون) ~~أي: أي شيء يتبع هؤلاء؟ أي: إذا كان الكل تحت قهره وملكته فما يتبعون من ~~دون الله ليس بشيء، ولا تأثير له ولا قوة، إن يتبعون إلا ما يتوهمونه في ~~ظنهم، ويتخيلونه في خيالهم، وما هم إلا يقدرون وجود شيء لا وجود له في ~~الحقيقة. # ثم نبه تعالى على انفراده بالقدرة الكاملة، والنعمة الشاملة، ليدل على ms2634 ~~توحده سبحانه باستحقاق العبادة، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 67] # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (67) # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه أي خلقه لكم لتستقروا فيه من نصبكم ~~وكلالكم والنهار مبصرا أي مضيئا، تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم. # قيل: الآية من باب الاحتباك. والتقدير: جعل الليل مظلما لتسكنوا فيه، ~~والنهار مبصرا لتتحركوا لمصالحكم، فحذف من كل من الجانبين ما ذكر في الآخر، ~~اكتفاء بالمذكور عن المتروك، وإسناد الإبصار إلى النهار مجازي، كقوله: ما ~~ليل المحب بنائم. إن في ذلك أي لجعل المذكور لآيات لقوم يسمعون أي هذه ~~الآيات ونظائرها سماع تدبر واعتبار. # ثم شرع في نوع أخر من أباطيلهم بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 68] # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن ~~عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه تنزيه له عن أن يجانس أحدا، أو يحتاج إليه، # PageV06P047 # وتعجب من كلمتهم الحمقاء هو الغني أي الذي وجوده بذاته، وبه وجود كل شيء، ~~فكيف يماثله شيء؟ ومن له الوجود كله، فكيف يجانسه شيء؟ والجملة علة ~~لتنزيهه، وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة، إما للتقوي به، أو لبقاء ~~نوعه له ما في السماوات وما في الأرض تقرير لغناه. أي فهو مستغن بملكه لهم ~~عن اتخاذ أحد منهم ولدا إن عندكم من سلطان بهذا أي: ما عندكم من حجة بهذا ~~القول الباطن. توضيح لبطلانه، بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع عن ~~المعارض. # أي ليس بعد هذا حجة تسمع. والمراد تجهيلهم، وأنه لا مستند لهم سوى تقليد ~~الأوائل، واتباع جاهل لجاهل. ### | تنبيه: # دلت الآية على تسمية البرهان سلطانا. # قال الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) : إنه سبحانه سمى الحجة ~~العلمية سلطانا. قال ابن عباس رضي الله عنه: كل سلطان في القرآن فهو حجة، ~~وهذا كقوله تعالى: إن ms2635 عندكم من سلطان بهذا يعني ما عندكم من حجة بما قلتم، ~~إن هو إلا قول على الله بلا علم. وقوله تعالى: إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23] ، يعني ما أنزل بها ~~حجة ولا برهانا، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم. وقول تعالى: أم لكم سلطان ~~مبين يعني حجة واضحة. إلا موضعا واحدا اختلف فيه، وهو قوله: ما أغنى عني ~~ماليه هلك عني سلطانيه، فقيل: المراد به القدرة والملك، أي ذهب عني مالي ~~وملكي، فلا مال لي ولا سلطان، قيل: هو على بابه، أي انقطعت حجتي وبطلت، فلا ~~حجة لي. # والمقصود: أن الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا، لأنها توجب تسلط صاحبها ~~واقتداره، فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ~~ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، ~~وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن. فالحجة تأسر القلب وتقوده، وتذل المخالف، ~~وإن أظهر العناد والمكابرة، فقلبه خاضع لها ذليل، مقهور تحت سلطانها. بل ~~سلطان الجاه، إن لم يكن معه علم يساس به، فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ~~ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة، فإنه قدرة بعلم ورحمة ~~وحكمة، ومن لم يكن له اقتدار في علمه، فهو إما لضعف حجته وسلطانه، وإما ~~لقهر سلطان اليد والسيف له، وإلا فالحجة ناصرة نفسها، ظاهرة على الباطل ~~قاهرة له- انتهى-. # PageV06P048 # أتقولون على الله ما لا تعلمون توبيخ وتقريع على جهلهم. قال الزمخشري: # لما نفى عنهم البرهان، جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان ~~عليه لقائله، فذاك جهل وليس بعلم. # وقال أبو السعود: فيه تنبيه على أن كل مقالة لا دليل عليها، فهي جهالة، ~~وأن العقائد لا بد لها من برهان قطعي، وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 69 الى 70] # قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم ~~إلينا مرجعهم ثم ms2636 نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # قل إن الذين يفترون على الله الكذب باتخاذ الولد، وإضافة الشركاء لا ~~يفلحون أي لا يفوزون بمطلوب أصلا متاع في الدنيا مبتدأ خبره محذوف أي لهم ~~تمتع يسير في الدنيا ثم إلينا مرجعهم أي الموت ثم نذيقهم العذاب الشديد بما ~~كانوا يكفرون أي بسبب كفرهم. والآية لبيان أن ما يتراءى من فوزهم بالحظوظ ~~الدنيوية، بمعزل من أن يكون من جنس الفلاح. كأنه قيل: كيف لا يفلحون وهم في ~~غبطة ونعيم؟ فقيل: هو متاع يسير في الدنيا. وليس بفوز بالمطلوب. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 71] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) # واتل عليهم نبأ نوح أي خبره الذي له شأن وخطر، مع قومه المغترين بعزة ~~الأموال والأعوان، ليتدبروا ما فيه من صحة توكله على الله، ونظره إلى قومه، ~~بعين عدم المبالاة بهم، وبمكايدهم، وزوال ما تمتعوا به من النعيم، بإغراقهم ~~بالطوفان، فلعلهم يكفون عن كفرهم، وتلين أفئدتهم ويستيقنون صحة نبوتك إذ ~~قال لقومه يا قوم إن كان كبر أي شق وثقل عليكم مقامي أي مكاني، يعني نفسه، ~~أو مكثي بين أظهركم مددا طوالا، ألف سنة إلا خمسين عاما أو قيامي بالدعوة ~~إلى الله، من # PageV06P049 # رؤيتكم ذلتي بقلة الأموال والأعوان، ومنع عزتكم بهما عن الانقياد لي ~~وتذكيري بآيات الله أي بحججه وبراهينه، أو تخويفي بعذابه فعلى الله توكلت ~~أي عمدت في دفع ما قصدتموني به فأجمعوا أمركم أي شأنكم في إهلاكي وشركاءكم ~~يعني آلهتهم وهو تهكم بهم، أو نظراءهم في الشرك. و (الواو) بمعنى مع. أو ~~معطوف على (أمركم) بحذف المضاف، أي: وأمر شركائكم. أو منصوب بمحذوف، أي ~~ادعوا شركائكم، وذلك لأن (أجمع) يتعلق بالمعاني. يقال: (أجمع الأمر إذا ~~نواه وعزم عليه) ثم لا يكن أمركم عليكم غمة أي مستورا. من (غمه، ms2637 إذا ستره) ~~بل مكشوفا تجاهرونني به ثم اقضوا إلي أي أدوا إلي ذلك الأمر الذي تريدون بي ~~ولا تنظرون أي ولا تمهلوني. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 72] # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (72) # فإن توليتم أي عن الإيمان بما جئتكم به فما سألتكم من أجر أي جعل على ~~عظتكم، أي فلا باعث لكم على التولي والنفور إن أجري إلا على الله أي ما ~~ثوابي على التذكير إلا عليه تعالى، يثيبني به، آمنتم أو توليتم وأمرت أن ~~أكون من المسلمين. أي المستسلمين له وحده بالإيمان به، ونبذ كل معبود دونه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 73] # فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # فكذبوه يعني نوحا بما جاءهم، عنادا بعد أن قامت عليهم الحجة، فحقت عليهم، ~~كلمة العذاب، وأرسل عليهم الطوفان. فنجيناه أي من الغرق ومن معه في الفلك ~~وجعلناهم خلائف أي خلفاء عن المغرقين وعمار الأرض وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين أي منتهى أمرهم. والمراد ب ~~(المنذرين) المكذبين. والتعبير به إشارة إلى إصرارهم عليه، حيث لم يفد ~~الإنذار فيهم. وقد جرت السنة الربانية أن لا يهلك قوم بالاستئصال إلا بعد ~~الإنذار، لأن من أنذر فقد أعذر. وفي الأمر بالنظر تهويل لما جرى عليهم، ~~وتحذير لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له. # PageV06P050 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 74] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) # ثم بعثنا من بعده أي من بعد نوح رسلا إلى قومهم يعني هودا وصالحا ~~وإبراهيم ولوطا وشعيبا، فجاؤهم بالبينات أي الآيات الدالة على صدقهم، ~~المفيدة هدايتهم فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل أي بسبب تعودهم ~~تكذيب الحق، وتمرنهم عليه. لأنهم كانوا قبل بعثة الرسل ms2638 أهل جاهلية، مكذبين ~~بالحق فحالهم بعدها، كحالهم قبلها، هذا على أن ضمير (كانوا) و (كذبوا) لقوم ~~الرسل. وجاز عود ضمير (كانوا) لقوم الرسل، و (كذبوا) لقوم نوح. أي ما كان ~~قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح أي بمثله. كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين أي المجاوزين مقتضيات حقائق الأشياء بخذلانهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 75] # ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين (75) # ثم بعثنا من بعدهم أي من بعد هؤلاء الرسل موسى وهارون إلى فرعون وملائه ~~بآياتنا يعني التسع فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين أي كفار ذوي آثام عظام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 76] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) # فلما جاءهم الحق من عندنا يعني الآيات المزيحة للشك قالوا يعني من فرط ~~التمرد إن هذا لسحر مبين أي تلبيس ظاهر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 77] # قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) # قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أي على وجه لم يترك لكم شبهة، مقالتكم ~~الحمقى، من أنه سحر، فحذف المحكي المقول لدلالة الكلام عليه. ثم قال: أسحر ~~هذا استفهام إنكار من قول موسى لا من قولهم. فهو مستأنف لإنكار # PageV06P051 # كونه سحرا، وتكذيب لقولهم، وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ. وليس أسحر هذا ~~مقولهم، لأنهم بتوا القول بأنه سحر، فكيف يستفهمون عنه؟ - كذا قيل: -. # ولا أرى مانعا من أن يكون مقولهم، والهمزة وسطت مزيدة لتكون مؤكدة لما ~~قبلها من الاستفهام، ومن لطائفها الاحتراس عن إيهام فاعلية سحر ل جاءكم ~~بادئ بدء وأسلوب القرآن فوق كل أسلوب. أو الهمزة، ومدخولها من مقولهم ~~لقولهم الذي بتوا عليه أمرهم. ثم رأيت الناصر في (الانتصاف) أشار لهذا حيث ~~قال: # وأما القراءة الثانية- يغني قراءة آلسحر- على الاستفهام ففيها- والله ~~أعلم- إرشاد إلى أن قول موسى أولا: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا حكاية ~~لقولهم، ويكون أسحر هذا هو الذي قالوه، ولا يناقض ms2639 ذلك حكاية الله عنهم أنهم ~~قالوا إن هذا لسحر مبين وذلك إما لأنهم قالوا الأمرين جميعا: بدءوا ~~بالاستفهام على سبيل الاستهتار بالحق والاستهزاء بكونه حقا، والاستهزاء ~~بالحق إنكار له بل قد يكون الاستفهام في بعض المواطن أبت من الإخبار. ألا ~~ترى أنهم يقولون في قوله: أأنت أم سالم أبلغ في البت من قوله مخبرا (أنت أم ~~سالم) ثم ثنوا بصيغة الخبر الخاصة ببت الإنكار، ودعوى أنه سحر، فقالوا: إن ~~هذا لسحر مبين فحكى الله تعالى عنهم هذا القول الثاني، ووبخهم موسى على ~~قولهم الأول. ومعنى العبارتين ومآلهما واحد. # وإما ألا يكونوا قالوا سوى: أسحر هذا على سبيل الإنكار حسبما تقدم، فحكاه ~~الله تعالى عنهم بمآله لأنه يعلم أن مرادهم من الاستفهام الإنكار، وبت ~~القول أنه سحر، وحكى موسى عليه السلام قولهم بلفظه، ولم يؤده بعبارة أخرى. ~~وحكاية القصص المتلوة في الكتاب العزيز بصيغ مختلفة، لا محمل لها سوى أنها ~~معان منقولة إلى اللغة العربية، فيترجم عنها بالألفاظ المترادفة المتساوية ~~المعاني. # وحاصل هذا البحث أن قول موسى عليه السلام أتقولون للحق لما جاءكم أسحر ~~هذا إنما حكى فيه قولهم، ويرشد إلى ذلك أنه كافأهم عند ما أتوا بالسحر بمثل ~~مقالتهم مستفهما فقال: ما جئتم به آلسحر (على قراءة الاستفهام) قرضا بوفاء ~~على السواء. والذي يحقق لك أن الاستفهام والإخبار في مثل هذا المعنى ~~مؤداهما واحد، أن الله تعالى حكى قول موسى عليه السلام (ما جئتم به السحر) ~~على الوجهين: الخبر والاستفهام، على اقتضته القراءتان وهو قول واحد، دل أن ~~مؤدى الأمرين واحد، ضرورة صدق الخبر. # وإنما حمل الزمخشري على تأويل القول بالتعييب أو إضمار مفعول (تقولون) # PageV06P052 # استشكال وقوع الاستفهام، محكيا بالقول، والمحكي عنهم الخبر، وقد أوضحنا ~~أن لا تنافر ولا تنافي بين الأمرين. # قال الناصر: فشد بهذا الفضل عرى التمسك، فإنه من دقائق النكت، والله ~~الموفق. # وقوله تعالى: ولا يفلح الساحرون من كلام موسى قطعا، أتى به تقريرا لما ~~سبق لأنه لما استلزم كون الحق سحرا، كون من أتى به ساحرا، ms2640 أكد الإنكار ~~السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل، بذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 78] # قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في ~~الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # قالوا أي لموسى أجئتنا لتلفتنا أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا يعنون ~~عبادة الأصنام وتكون لكما الكبرياء أي الملك والسلطان في الأرض أي أرض مصر ~~وما نحن لكما بمؤمنين أي لتبقى عزتنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 79] # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) # وقال فرعون أي حفظا لعزته، ودفعا لتعزز موسى ائتوني بكل ساحر عليم أي ~~ماهر في فنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 80] # فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) # فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أي من أصناف السحر. # قال بعضهم: جواز الأمر بالسحر لدحضه، وكذلك طلب إيراد الشبه لتحل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 81] # فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) # فلما ألقوا أي عصيهم وحبالهم ليضاهوا معجزة موسى بعصاه قال موسى # PageV06P053 # ما جئتم به السحر # أي هو السحر، لا ما جئتكم به مما سميتموه سحرا إن الله سيبطله أي سيمحقه ~~بالكلية بمعجزتي، فلا يبقى له أثر إن الله لا يصلح عمل المفسدين أي بل يسلط ~~عليه الدمار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 82] # ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) # ويحق الله الحق بكلماته أي يثبته ويقويه بها ولو كره المجرمون أي ذلك، ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 83] # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن ~~فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه معطوف على مقدر معلوم من مواقع أخر، أي ~~فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون [الشعراء: 45] ، إلخ. قيل: # الضمير من ms2641 قومه لفرعون، وهم ناس يسير من قومه، آمنوا به سرا والأظهر أنهم ~~قوم موسى، وهم بنو إسرائيل، الذين كانوا بمصر من أولاد يعقوب، فهم الذين ~~آمنوا به على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم أي يعذبهم وإن فرعون لعال أي ~~مستكبر في الأرض أي أرض مصر وإنه لمن المسرفين أي المتجاوزين الحد بالظلم ~~والفساد، وبا دعاء الربوبية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 84] # وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) # وقال موسى أي تطمينا لقلوبهم، وإزالة للخوف عنهم يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا أي فإليه أسندوا أمركم في العصمة مما تخافون، وبه ثقوا، ~~فإنه كافيكم ومن يتوكل على الله فهو حسبه [الطلاق: 3] ، وقوله: إن كنتم ~~مسلمين أي مخلصين وجوهكم له. # قال القاشاني: جعل التوكل من لوازم الإسلام، وهو إسلام الوجه لله تعالى، ~~أي إن كمل إيمانكم ويقينكم، بحيث أثر في نفوسكم، وجعلها خالصة لله، لزم ~~التوكل # PageV06P054 # عليه وإن أريد (الإسلام) بمعنى الانقياد، كان شرطا في التوكل، لا ملزوما ~~له، وحينئذ يكون معناه: إن صح إيمانكم يقينا فعليه توكلوا، بشرط أن تكونوا ~~منقادين. كما تقول: إن كرهت هذا الشجر فاقلعه إن قدرت- انتهى-. # وقال الكرخي: قوله تعالى: إن كنتم مسلمين أي منقادين لأمره فقوله: # فعليه توكلوا جواب الشرط الأول. والشرط الثاني وهو إن كنتم مسلمين شرط في ~~الأول. وذلك أن الشرطين متى لم يترتبا في الوجود، فالشرط الثاني شرط في ~~الأول. ولذلك لم يجب تقديمه على الأول. قال الفقهاء: المتأخر يجب أن يكون ~~متقدما، والمتقدم يجب أن يكون متأخرا. مثاله: قول الرجل لامرأته: إن دخلت ~~الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا فمجموع قوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق) ~~مشروط (إن كلمت زيدا) والمشروط متأخر عن الشرط، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر ~~في اللفظ، متأخرا في المعنى. فكأنه يقول لامرأته: حال ما كلمت زيدا إن دخلت ~~الدار فأنت طالق، فلو حصل هذا المعلق قبل إن كلمت زيدا لم يقع لم يقع ~~الطلاق ms2642 فقوله تعالى: # إن كنتم آمنتم ... إلخ يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا لأن يصيروا ~~مخاطبين بقوله إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا فكأنه تعالى يقول للمسلم ~~حال إسلامه: إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل. والأمر كذلك، لأن ~~الإسلام عبارة عن الاستسلام وهو الانقياد لتكاليف الله، وترك التمرد ~~والإيمان عبارة عن معرفة القلب بأن واجب الوجود لذاته واحد، وما سواه محدث ~~تحت تدبيره وقهره. وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع ~~أموره إليه تعالى، ويحصل في القلب نور التوكل على الله تعالى. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 85] # فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) # فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين أي موضع فتنة ~~لهم، أي عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا. قال الحاكم: دلت على حسن السؤال ~~بالنجاة من الظلمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 86] # ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) # ونجنا برحمتك من القوم الكافرين أي من كيدهم، ومن شؤم مشاهدتهم، ~~والعبودية لهم. # PageV06P055 # قال القاضي: وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له ~~أن يتوكل أولا، لتجاب دعوته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 87] # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا أي اتخذا بها بيوتا ~~مباءة تلازمونها لتجتمع كلمتكم في شأنكم واجعلوا بيوتكم قبلة أي مصلى ~~وأقيموا الصلاة أي في بيوتكم: قال بعضهم: كانوا خائفين. وفي ذلك دلالة على ~~جواز كتم الصلاة عند الخوف. وبشر المؤمنين أي بالنصرة في الدنيا، والجنة في ~~العقبى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 88] # وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (88) # وقال موسى أي يدعو الله تعالى في إذهاب عزة ms2643 فرعون ربنا إنك آتيت فرعون ~~وملأه زينة أي ما يتزين به من اللباس والمراكب والحلي وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك أي بالتكبر عليك وعلى آياتك ورسلك. وقوله: # ليضلوا متعلق ب (ءاتيت) ، وأعيد ربنا توكيدا، و (لام) ليضلوا لام العاقبة ~~والصيرورة. أي: آتيتهم النعم المذكورة ليشكروها ويتبعوا سبيلك، فكان عاقبة ~~أمرهم أنهم كفروا وضلوا عن سبيلك. وتجويز جعل اللام للعلة استدراجا. أو لام ~~الدعاء عليهم بذلك- توسع في غير متسع، ونبو عن لطف المساق وسره فإن موسى ~~لما رأى القوم مصرين على الكفر والعناد أخذ في الدعاء عليهم، ومن حق من ~~يدعو على الغير أن يقدم بين يدي دعائه ما دفعه واضطره إلى الابتهال، لتحق ~~إجابته ولذا، بين أولا ضلالهم عن السبيل بكفرانهم للنعم، وعتوهم على المحسن ~~بها تمهيدا لقوله: ربنا اطمس على أموالهم أي أهلكها لأنهم يستعينون بنعمتك ~~على معصيتك وأصل (الطمس) محو الأثر والتغير واشدد على قلوبهم أي اجعلها # PageV06P056 # قاسية، واطبع عليها، حتى لا تنشرح للإيمان فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم أي يعاينوه ويوقنوا به، بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك وقوله: فلا ~~يؤمنوا جواب. # للدعاء، أو دعاء بلفظ النهي. # قال ابن كثير: هذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام، غضبا لله ولدينه على ~~فرعون وملئه الذي تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء. كما دعا نوح ~~عليه السلام فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا [نوح: 26- 27] ، ولهذا استجاب تعالى ~~لموسى فيهم هذه الدعوة التي شركه فيها أخوه هارون كما أخبر بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 89] # قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) # قال تعالى قد أجيبت دعوتكما فاستقيما أي على أمري، ولا تعجلا، فإن ~~مطلوبكما كائن في وقته لا محالة ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون أي في ~~الاستعجال أو عدم الوثوق بوعده تعالى، أو يعني فرعون وقومه، بقوله سبحانه: ms2644 # ثم أشار تعالى إلى إجابته دعائهما في إهلاك فرعون وقومه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 90] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم أي لحقهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا أي ~~لأجل البغي عليهم والاعتداء حتى إذا أدركه الغرق قال يرجو النجاة من الغرق ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين وذلك أن ~~موسى عليه السلام لما رغب إلى فرعون أن يطلق الإسرائيليين من عبوديته، ~~ويأذن لهم بالسراح إلى فلسطين ليعبدوا ربهم، أبى وتمرد، فضربه الله وقومه ~~بالآيات التسع، كما تقدم في سورة (الأعراف) فأذن لموسى وشعبه بالخروج من ~~مصر، فارتحل بنو إسرائيل جميعا بمواشيهم وأثاثهم، ثم ندم فرعون وملؤه على ~~إطلاقهم من خدمتهم، فاشتد فرعون وجنوده في أثرهم ليردهم، فأدركهم وهم ~~نازلون عند البحر، فرهب # PageV06P057 # الإسرائيليون من مقدمه، وضجوا إلى موسى فسكن روعهم، وأعلمهم ما يشاهدون ~~من نجاتهم، وهلاك عدوهم، وأوحى تعالى إلى موسى أن يضرب بعصاه البحر، فانشق ~~ودخل بنو إسرائيل في وسطه على اليبس الذي جعله تعالى آية كبرى، ونفذوا منه ~~إلى شاطئه، وتبعهم فرعون وجنوده، حتى إذا توسطوا البحر، مد موسى يده على ~~البحر، فارتد إلى ما كان عليه، وغرق فرعون بمن معه. ولما أحس بالغرق، لاذ ~~إلى الإيمان يبغي النجاة، فقيل له: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 91] # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) # آلآن أي تؤمن وتسلم لتنجو من الغرق وقد عصيت قبل أي كفرت بالله من قبل ~~الغرق وكنت من المفسدين أي الضلال والإضلال، والظلم والعتو. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 92] # فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) # فاليوم ننجيك ببدنك أي نخرجك من البحر بجسدك الذي لا روح فيه. فرآه بنو ~~إسرائيل ملقى على شاطئ البحر ms2645 ميتا وفي التعبير عن إخراجه من القعر إلى ~~الشاطئ (بالتنجية) التي هي الخلاص من المكروه، تهكم واستهزاء. لتكون لمن ~~خلفك من الأمم الكافرة آية أي عبرة من الطغيان والتمرد على أوامره تعالى. ~~وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون أي لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. ### | تنبيه: # قال الشهاب الخفاجي في (العناية) : لا يقبل إيمان المرء حال اليأس ~~والاحتضار، كما يدل عليه صريح الآية: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~[غافر: 85] ، وأما ما وقع في (الفصوص) من صحة إيمانه، وأن قوله آمنت به ~~بنوا إسرائيل إيمان بموسى عليه السلام- فمخالف للنص والإجماع، وإن ذهب إلى ~~ظاهره الجلال الدواني رحمه الله. وله رسالة فيه طالعتها، وكنت أتعجب منها ~~حتى رأيت في (تاريخ حلب) للفاضل الحلبي أنها ليست له، وإنما هي لرجل يسمى ~~محمد بن هلال النحوي. وقد ردها القزويني، وشنع عليه وقال: إنما مثاله مثال ~~رجل # PageV06P058 # خامل الذكر، لما قدم مكة بال في زمزم ليشتهر بين الناس، كما في المثل ~~(خالف تعرف) وفي (فتاوى ابن حجر رحمه الله) أن بعض فقهائنا كفر من ذهب إلى ~~إيمان فرعون ولذا قيل. إن المراد بفرعون (في كلامه) النفس الأمارة، وهذا ~~كله مما لا حاجة إليه- انتهى كلام الشهاب-. # أقول: ذكر شيخنا العطار رحمه الله في كتابه (الفتح المبين في رد اعتراض ~~المعترض على محي الدين) خاتمة في بطلان ما نسب إلى هذا العارف من القول ~~بصحة إيمان فرعون ونجاته، قال رحمه الله: # ليعلم أنه شاع فيما بين أهل العلم بأن حضرة محي الدين رضي الله عنه قال ~~بإيمان فرعون ونجاته، والحال أنه ليس كذلك، كما ستطلع عليه من النقل عنه. # بحث في صحة القول بإيمان فرعون ونجاته وعدمها، حيث الأخذ من الآيات ~~القرآنية، فكان ذلك منه مجرد بحث في الدليل لا غير، وما كان هذا قولا ~~بإيمانه قطعيا. وقد بنى مسألة نجاة فرعون وإيمانه على أصلين من أصوله، ~~وافقه عليهما جم غفير من العلماء الأعلام. # الأصل الأول- في بيان حقيقة إيمان اليأس. فإيمان اليأس عنده، وعند ms2646 جم ~~غفير من العلماء هو ما كان عند مشاهدة العذاب البرزخي، كحال المحتضر لا ~~غير، ففي هذه الحالة لا ينفع الإيمان، وهذا متفق عليه بين أهل العلم. وذهب ~~قوم إلى أن إيمان اليأس ما كان عند رؤية العذاب دنيويا أو أخرويا. فالإيمان ~~في أي حالة من الحالتين لا ينفع. وعند هذا العارف وجماعة: أن رؤية العذاب ~~الدنيوي لا تمنع صحة الإيمان، وإن أوجبت الهلاك في الدنيا، فإن سنة الله ~~قاضية بأن يتحتم وقوع الهلاك الدنيوي لمن رأى هذا العذاب، وإن آمن ونجا من ~~عذاب الآخرة، إلا قوم يونس، فإنه تعالى نجاهم منه، كما ذكره تعالى. # الأصل الثاني- من أصوله رضي الله عنه: أن من حقت عليه الكلمة لا يتلفظ ~~بمادة الإيمان بقصد الإيمان، وإن تلفظ بها لا يقصده، فلا بد من تكذيب الله ~~تعالى له، ولو بالحكاية عنه، كما قال تعالى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا ~~إنا معكم [البقرة: 14] ، وكما قال: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~[الحجرات: 14] ، فكذبهم تعالى في دعواهم. وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى: ~~إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم [يونس: 96- 97] ، فكلمة حتى للغاية. فغيا تعالى إيمانهم إلى حين ~~رؤية # PageV06P059 # العذاب الأليم، وهو الأخروي لا غير، فإنه هو الذي يوصف بالأليم. ونفى ~~تعالى عنهم وقوع الإيمان قبل ذلك، فوقوعه منهم قبله قصدا، محال بنص هذه ~~الآية. # إذا تقرر هذان الأصلان، فلنرجع إلى ما قاله هذا الحبر في شأن فرعون في ~~(الفتوحات المكية) وفي (الفصوص) : فالذي ذكره في (الفتوحات) عن ذكره طبقات ~~أهل النار فيها: هو أن فرعون من أهل النار، حيث قال في هذا البحث: # كفرعون وأضرابه، فخص له ولهم من النار طبقة مخصوصة يؤبدون فيها. وأشار ~~إلى كفره في موضع آخر منها عند ذكره هذا الحديث وهو «1» : أعوذ بك منك؟ ~~قال: # استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقام الاتحاد الذي كان عليه ~~فرعون وهو قوله: أنا ربكم الأعلى [النازعات: 24] ، وعلى هذه الإشارة وما ~~تقدم، ms2647 يكون فرعون كافرا عنده، كما هو عند عامة الخلق. وعلى هذا لا إشكال ~~ولا كلام. # بقي القول على إيمان فرعون ونجاته من حيث الدليل، وهو مجرد بحث مع الذين ~~ذهبوا إلى كفره قطعيا، وليس لهم هذا القطع، لما أن الدليل القرآني يعطي ~~خلافه قال تعالى: حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت.. الآية- فذكر فرعون هنا ~~الإيمان ثلاث مرات: اثنتان في الجناب الإلهي، والأخيرة تعمه، والإيمان ~~بموسى حيث قال: وأنا من المسلمين ولم يكن مسلما إلا من جمع بين الإيمان ~~بالله وبرسوله. # ثم قال شيخنا رحمه الله: وفي (الفتوحات) و (الفصوص) ما حاصله: أن إيمانه ~~لم يكن عند اليأس، لا على مذهبه ومذهب من وافقه، ولا على مذهب غيره. # أما الأول فلأن إيمانه كان عند رؤية العذاب الدنيوي، لا عند احتضاره، ~~والإيمان عند رؤية العذاب الدنيوي لا يعد يأسا عنده، وعند جمع. وأما على ~~الثاني، فلأن قول فرعون ما كان عند يأسه من الحياة الدنيوية، فإنه علم أن ~~من آمن بما آمن به قوم موسى كان له المشاركة في الطريق اليبس التي كانت ~~للمؤمنين، وقد شاركهم في إيمانهم، فكان الغالب على ظنه أو يقينه المعاملة ~~الخاصة بالمؤمنين، والمشاهدة له، وما علم سنة الله في خلقه بأنه لا بد من ~~الهلاك الدنيوي لمن كانت حالته كذلك. # والهلاك في الدنيا لا يدل على عدم النجاة في الآخرة، وهو ظاهر. وعلى هذا ~~فإيمانه لم يكن حال اليأس على المذهبين: فالأول بيقين، والثاني بحسب ما ~~يظهر، ولا بعد PageV06P060 # بأنه كان طامعا في النجاة بيقين، لعموم المشاركة. هذا. وإن مذهب هذا ~~العارف الخاص به هو البناء على اتساع الرحمة الإلهية، والأخذ بالظواهر من ~~الآيات، ومع ذلك فلما ذكر البحث في شأن إيمان فرعون ونجاته، مع من قال ~~بخلافهما، قال: إن الوقف في شأن إيمان فرعون هو الأسلم، لما شاع عند الخلق ~~عامة من شقائه، وهذا منه صريح في أنه كان باحثا في إيمانه ونجاته من ظاهر ~~اللفظ القرآني بحثا لا جازما بهما- انتهى ملخصا-. # ثم أنبأ تعالى عما ms2648 أنعم به على بني إسرائيل إثر نعمة إنجائهم من عدوهم ~~وإهلاكه، وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 93] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق أضيف المكان إلى الصدق، لأن عادة العرب ~~إذا مدحت شيئا، أن تضيفه إلى الصدق تقول: رجل صدق. وقدم صدق. # وقال تعالى: مدخل صدق [الإسراء: 80] ، ومخرج صدق [الإسراء: 80] ، إذا كان ~~عاملا في صفة صالحا للغرض المطلوب منه، كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو ~~صادق. # وقوله تعالى: ورزقناهم من الطيبات وهي المن والسلوى في التيه وبعده، مما ~~فاض عليهم من الأرض التي تدر لبنا وعسلا فما اختلفوا حتى جاءهم العلم أي ما ~~تفرقوا على مذاهب شتى في أمر دينهم، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل ~~شبهة، وهو ما بين أيديهم من الوحي، الذي يتلونه. أي: وما كان حقهم أن ~~يختلفوا، وقد بين الله لهم، وأزاح عنهم اللبس. ونظير هذه الآية، في النعي ~~عليهم اختلافهم، قوله تعالى: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة [البينة: 4] ، وقوله جل ذكره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب [آل عمران: 19] ، وفيه أكبر زاجر وأعظم واعظ عن الاختلاف في الدين، ~~والتفرق فيه. # إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أي فيميز المحق من ~~المبطل بالإنجاء والإهلاك. # PageV06P061 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 94] # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك من قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل فسئل ~~الذين يقرؤن الكتاب أي التوراة من قبلك فإن عندهم على نحو ما أوحي إليك لقد ~~جاءك ms2649 الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أي الشاكين في أنه منزل من عنده. ### | تنبيه: # لا يفهم من هذه الآية ثبوت شك له صلوات الله عليه، فإن صدق الشرطية لا ~~يقتضي وقوعها. كقولك. (إن كانت الخمسة زوجا، كانت منقسمة بمتساويين) والسر ~~في مثلها تكثير الدلائل وتقويتها، لتزداد قوة اليقين، وطمأنينة القلب، ~~وسكون الصدر. ولذا أكثر تعالى في كتابه من تقرير أدلة التوحيد والنبوة ~~والرجعة. أو السر هو الاستدلال على تحقيق ما قص، والاستشهاد بما في الكتاب ~~المتقدم، وأن القرآن مصدق لما فيه، أو وصف الأحبار بالرسوخ في العلم، بصحة ~~ما أنزل إلى رسول الله، صلوات لله عليه، تعريضا بالمشركين، أو تهييج ~~الرسول، صلوات لله عليه، وتحريضه ليزداد يقينا، كما قال الخليل صلوات الله ~~عليه ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] ، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~حين نزول الآية: لا أشك ولا أسأل أخرجه عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة- أو ~~الخطاب له صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، على حد: (إياك أعني واسمعي يا ~~جارة) وفيه من قوة التأثير في القلوب ما لا مزيد عليه، بمثابة ما لو خاطب ~~سلطان عاملا له على بلدته بحضور أهلها بوصاياه وأوامره الرهيبة، فيكون ذلك ~~أفعل في النفوس أو الخطاب لكل من يسمع. أي إن كنت أيها السامع في شك مما ~~نزلنا على لسان نبينا إليك ... وأيد هذا بقوله تعالى بعد: قل يا أيها الناس ~~إن كنتم في شك من ديني ... [يونس: 104] ، فكأنه أشار إلى أن المذكور في أول ~~الآية رمزا، هم المذكورون بعد صراحة وفي الآية تنبيه على أن كل من خالجته ~~شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بمقادحة العلماء المنبهين على الحق. # وقوله تعالى: # PageV06P062 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 95] # ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) # ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين هو أيضا من باب ~~التهييج والإلهاب والتثبيت، وأجرى بعضهم هاهنا قاعدة، فقال: النهي عن كل ~~شيء، إن كان ms2650 لمن تلبس به فمعناه تركه، وإن كان لغيره فمعناه الثابت على ~~عدمه، وألا يصدر منه في المستقبل كما هنا- انتهى- أو يأتي الوجهان الأخيران ~~قبل هنا أيضا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : الآيات 96 الى 97] # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم (97) # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك أي قوله الكريم، وأمره بعذابهم، كما قال: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [السجدة: 13] . # لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم أي كدأب آل فرعون ~~وأضرابهم. أي: وعند رؤية العذاب يرتفع التكليف، فلا ينفعهم إيمانهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 98] # فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) # فلولا كانت قرية آمنت أي فهلا كانت قرية من القرى المهلكة آمنت قبل ~~معاينة العذاب، ولم تؤخر إيمانها إلى حين معاينته، كما فعل فرعون، وفي هذا ~~التخصيص معنى التوبيخ، فنفعها إيمانها بأن يقبله الله منها، ويكشف عنها ~~بسببه العذاب. إلا قوم يونس أي لكن قومه لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ~~في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين أي إلى آجالهم. # هذا، وقد جوز أن تكون الجملة في معنى النفي، لتضمن حرف التحضيض معناه، ~~فيكون الاستثناء متصلا، لأن المراد من القرى أهاليها، كأنه قال: ما آمن أهل # PageV06P063 # قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس. ويؤيده قراءة الرفع ~~على البدل. # روي أن يونس عليه السلام بعثه الله إلى نينوى، من أرض الموصل وكانت مدينة ~~عظيمة، مسيرة ثلاثة أيام، وهي قصبة بلاد الآشوريين، بانيها آشور أو نينوس ~~ابن نمرود، وكلاهما من أولاد بني نوح، وكانت من أقدم مدن العالم وأشهرها. # والمؤرخون الوثنيون يصفونها بأن ارتفاع اسوارها كان مائة قدم، ودائراتها ~~ستون ميلا، وهي محصنة بألف وخمسمائة قلعة، طول الواحدة منهن مائتا قدم. ~~قيل: أهلها كانوا يبلغون نحو ستمائة ألف. وخلفاء نمرود في هذه ms2651 المدينة ~~دأبوا على تحسينها، وتوسيع بنائها وقويت شوكة الآشوريين في تلك الأيام حتى ~~خضع لهم أكثر ممالك آسيا، فتجبروا وتمردوا وكانوا كلما ظفروا في غاراتهم ~~يستغرقون في النهب والمظالم، فأرسل الله تعالى إليهم يونس عليه السلام، ~~واسمه في العبرية (يونان) ، لينذرهم بأنهم لكفرهم واقترافهم الموبقات سيحل ~~بهم العذاب بعد أربعين يوما فتنقلب بهم نينوى. ثم خرج يونس من بينهم فأصحر. ~~فلما فقدوه، وبلغ أميرهم قول يونس، تخوفوا نزول العذاب الذي أنذروا به، ~~فقذف الله في قلب أميرهم الإيمان والتوبة، فنزل عن عرشه، وألقى عنه حلته، ~~والتف بمسح، وجلس على التراب، وآمن بالله، وآمن أهل نينوى كلهم، وأمر أن ~~ينادى بنينوى بالصيام، فلا يذوق أحد طعاما ولا شرابا، ولا ترعى البهائم ولا ~~تسقى، وأن يلبس الناس المسوح، صغيرهم وكبيرهم، وأن يجتمعوا في صعيد واحد، ~~يجهرون بتسبيح الله. والإنابة إليه، والاستغفار له، والتوبة عما أسلفوا من ~~الظلم والجرم، وأن يحضروا أطفالهم وذويهم ومواشيهم معهم. ففعلوا وتضرعوا ~~إلى الله واستكانوا لجلاله، وسألوه أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به ~~نبيهم. فلما علم منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، ~~كشف عنهم العذاب ورحمهم. وسيأتي في (سورة الصافات) زيادة في نبأ يونس عما ~~هنا. ### | تنبيهات: # الأول: يروي بعض المفسرين هنا أن العذاب تدلى عليهم، وغشيهم، وجعل يدور ~~على رؤوسهم، وغامت السماء غيما أسود، ونحو هذا. وليس في التنزيل بيان لهذا، ~~ولا في صحيح السنة، وكأن من زعمه فهمه من لفظ كشفنا، ولا صراحة فيه. # قال القرطبي: معنى كشفنا عنهم عذاب الخزي أي العذاب الذي وعدهم يونس أنه ~~ينزل بهم لا أنهم رأوه حينئذ، فلا خصوصية، أي كما روي عن قتادة أن # PageV06P064 # هذا الكشف لم يكن لأمة من الأمم إلا لقوم يونس خاصة، فإنه لم يقع بهم ~~العذاب، وإنما رأوا علامته. # الثاني- في الآية إشارة إلى أنه لم يوجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل ~~إليها من سائر القرى، إثر بعثته وإنذاره، إلا قوم يونس. والبقية دأبهم ~~التكذيب، وكلهم أو أكثرهم، كما قال تعالى: ms2652 وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية ~~من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~[الزخرف: 23] . # وفي الحديث الصحيح «1» : عرض علي الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام ~~من الناس، والنبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد. # الثالث- # اخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه: قال: إن الحذر، لا يرد القدر، ~~وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب الله: إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا ~~... الآية-. # وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الدعاء يرد القضاء، وقد نزل من السماء. # اقرءوا إن شئتم: إلا قوم يونس ... الآية. # وأخرج ابن مردويه عن عائشة، مرفوعا، في قوله تعالى: إلا قوم يونس لما ~~آمنوا قال عليه السلام: دعوا- كذا في الإكليل-. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 99] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم أي بحيث لا يشذ عنهم أحد جميعا أي ~~مجتمعين على الإيمان، لا يختلفون فيه. أي: لكنه لا يشاؤه لمخالفته للحكمة ~~التي بنى عليها أساس التكوين والتشريع أفأنت تكره الناس أي على ما لم يشأ ~~الله منهم حتى يكونوا مؤمنين أي ليس ذلك عليك، ولا إليك، كقوله تعالى: ~~PageV06P065 # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء [البقرة: 272] ، وفيه تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم وترويح لقلبه مما كان يحرص عليه من إيمانهم، كقوله ~~تعالى: لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [الشعراء: 3] ، فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [فاطر: 8] . # ولذا قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 100] # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ~~(100) # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله أي بإرادته وتوفيقه، فلا تجهد نفسك ~~في هداها، فإنه إلى الله. ويجعل الرجس أي الخذلان على الذين لا يعقلون أي ~~حججه وأدلته ms2653 لما على قلوبهم من الطبع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 101] # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون (101) # قل انظروا أي تفكروا ماذا في السماوات والأرض أي من الآيات الدالة على ~~توحيده وكمال قدرته. قال السيوطي: في الآية دليل على وجوب النظر والاجتهاد، ~~وترك التقليد في الاعتقاد. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون أي وما ~~تنفع الآيات والرسل المنذرون، أو الإنذارات، عمن لا يؤمن. و (ما) استفهامية ~~أو نافية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 102] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم أو وقائعه تعالى فهم، كما ~~يقال (أيام العرب) لوقائعها، من التعبير بالزمان عما وقع فيه، كما يقال ~~(المغرب) للصلاة الواقعة فيه. قل أي تهديدا لهم فانتظروا أي ما هو عاقبتكم، ~~إني معكم من المنتظرين. وقوله: # PageV06P066 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 103] # ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) # ثم ننجي رسلنا عطف على محذوف معلوم من السياق، كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ~~ننجي رسلنا المرسلة إليهم والذين آمنوا، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين أي من ~~كل شدة وعذاب. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 104] # قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) # قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم إنما أوثر الخطاب باسم الجنس- أعني ~~الناس- مصدرا بحرف التنبيه، تعميما للتبليغ، وإظهارا لكمال العناية بشأن ما ~~بلغ إليهم. # وعبر عما هم فيه من القطع بالشك، للإيذان بأنه أقصى ما يمكن خطوره، وإلا ~~فإن وضوح صحته، وبرهان حقيته أوضح من الشمس في رائعة النهار. وقدم ترك ~~عبادة ms2654 الغير على عبادته تعالى، إيذانا بمخالفتهم من أول الأمر. وفي تخصيص ~~التوفي بالذكر، متعلقا بهم- ما لا يخفى من التهديد، إذ لا شيء أشد عليهم من ~~الموت. # وأمرت أن أكون من المؤمنين أي بأعلى مراتب التوحيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 105] # وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) # وأن أقم وجهك للدين حنيفا أي مائلا عن الأديان الباطلة. ### | لطيفتان: # الأولى: إقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادته ~~تعالى، والإعراض عما سواه، فإن من أراد أن ينظر إلى شيء نظر استقصاء، يقيم ~~وجهه في مقابلته، بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا، إذ لو التفت بطلت ~~المقابلة، فلذا كني به عن صرف العمل بالكلية إلى الدين، فالمراد بالوجه ~~الذات. أي: اصرف ذاتك وكليتك للدين، فاللام صلة. # PageV06P067 # الثانية: جملة (وأن أقم) عطف على (أن أكون) وجاز حكاية صلة (أن) بصيغة ~~الأمر، لأنه لا فرق في صلة الموصول الحرفي بين الطلب وبين الخبر، لأن القصد ~~وصلها بما يتضمن معنى المصدر، وهو يحصل بكل فعل. وقال بعضهم: إن هنا فعلا ~~مقدرا. أي وأوحى إلي أن أقم، وأنه يجوز أن تكون (أن) مصدرية ومفسرة، لأن في ~~المقدر معنى القول دون حرفه، ثم رجحه بأنه يزول فيه قلق العطف، ويكون ~~الخطاب في وجهك في محله. ورد بأن الجملة المفسرة لا يجوز حذفها، ولا قلق في ~~هذا العطف، وأمر الخطاب سهل، لأنه لملاحظة المحكي، والأمر المذكور معه- كذا ~~في (العناية) . # وقوله تعالى: ولا تكونن من المشركين تهييج وحث له على عبادة الله تعالى، ~~ومنع لغيره، كما تقدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 106] # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ~~(106) # ولا تدع أي لا تعبد من دون الله ما لا ينفعك أي لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة إن عبدته ولا يضرك إن لم تعبده فإن فعلت أي عبدته فإنك إذا من ~~الظالمين أي الضارين لنفسك أو بوضع الأمر في غير ms2655 موضعه إن الشرك لظلم عظيم ~~[لقمان: 13] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 107] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم: لما نهى تعالى عن عبادة الأوثان، ~~ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، بين أنه سبحانه هو الضار النافع، الذي إن ~~أصاب بضر لم يقدر على كفه إلا هو وحده، دون كل أحد، كيف بالجماد الذي لا ~~شعور به. وكذلك إن أراد بخير، لم يرد أحد ما يريده من فضله وإحسانه، فكيف ~~بالأوثان؟ فهو الحقيقي، إذا بأن توجه إليه العبادة دونها. # PageV06P068 ### | لطائف: # قيل: ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني، للإشارة إلى أنهما ~~متلازمان، فما يريده يصيبه، وما يصيبه لا يكون إلا بإرادته. لكنه صرح في كل ~~منهما بأحد الأمرين، إشارة بالذات، فلذا لم يعبر فيه بالإرادة. # وقيل: قصد الإيجاز، فذكر في كل من الفقرتين المتقابلتين ما يدل على إرادة ~~مثله في الأخرى، لاقتضاء المقام تأكيد كل من الترغيب والترهيب، وهو نوع من ~~البديع يسمى احتباكا. # قال أبو السعود: على أنه قد صرح بالإصابة حيث قيل (يصيب به) إظهارا لكمال ~~العناية بجانب الخير، كما ينبئ عنه ترك الاستثناء فيه. أي: يصيب بفضله ~~الواسع المنتظم لما أرادك به من الخير. # روى ابن عساكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اطلبوا ~~الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها ~~من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم. ورواه عن أبي ~~هريرة بمثله. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية # 108] # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) # قل أي لأولئك الكفرة ms2656 الفجرة، بعد ما بلغتهم دلائل التوحيد والنبوة ~~والمعاد، وأنذرتهم، يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم يعني القرآن فمن ~~اهتدى أي الإيمان به، فإنما يهتدي لنفسه أي منفعة اهتدائه لها خاصة. ومن ضل ~~أي بالكفر به فإنما يضل عليها أي فوبال الضلال عليها. والمعنى: لم يبق لكم ~~بمجيء الحق عذر، ولا على الله حجة، فمن اختار الهدى واتباع الحق، فما نفع ~~إلا نفسه، ومن آثر الضلال، فما ضر إلا نفسه، وفيه تنزيه ساحة الرسالة عن ~~شائبة غرض عائد إليه، عليه السلام، من جلب نفع أو ضر، كما يلوح به إسناد ~~المجيء إلى الحق، من غير إشعار بكون ذلك بواسطته، - أفاده أبو السعود-. # وما أنا عليكم بوكيل أي بحفيظ موكول إلي أمركم، وإنما أنا بشير ونذير. # PageV06P069 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يونس (10) : آية 109] # واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) # واتبع ما يوحى إليك أي في التبليغ، وإن لم يهتدوا به، واصبر أي على أذاهم ~~في الدعوة. حتى يحكم الله أي لك بالنصرة عليهم والغلبة وهو خير الحاكمين ~~وقد حكم وشاء قتلهم وأسرهم يوم بدر، وله الأمر من قبل ومن بعد. # PageV06P070 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة هود # أضيفت إليه لتضمنها نبأه مع قومه، وتمييزا لها، وإن تضمنت أنباء غيره من ~~الأنبياء عليهم السلام. # وقال المهايمي: سميت به لقوله: إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] ، الدال على توحيد ~~الأفعال، مع استقامته بإعطاء كل مستعد ما يستعد له، المقتضية للأحكام ~~والجزاء، وهي من أعظم المقاصد. # وهي مكية. واستثنى منها ثلاث آيات أنزلت بالمدينة فألحقت بها: فلعلك تارك ~~[هود: 12] أفمن كان على بينة من ربه [هود: 17] ، وأقم الصلاة طرفي النهار ~~[هود: 114] . # وآياتها مائة وثلاث وعشرون. # روى الحاكم عن أبي بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! قد شبت! قال: قد ~~شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و (إذا الشمس كورت) ~~ورواه ms2657 هو والترمذي عن ابن عباس. # وروي أيضا عن أنس وسهل وعمران # وفي رواية: شيبتني هود وأخواتها ذكر يوم القيامة وقصص الأمم. # وفي رواية: شيبتني هود وأخواتها. وما فعل بالأمم # PageV06P071 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) # الر تقدم الكلام على مثلها في أول سورة البقرة فليتذكر. # كتاب أحكمت آياته أي نظمت نظما رصينا محكما معجزا، وأثبتت دائمة على ~~حالها لا تتبدل ولا تتغير ولا تفسد، محفوظة عن كل نقص وآفة ثم فصلت أي ~~لأنواع من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، كما تفصل القلائد ~~بالفرائد. أو جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية، أو فصل فيها ما يحتاج إليه ~~العباد، أي: بين ولخص. # قيل: (ثم) هنا للتراخي في الحكم، أي الرتبة أو التراخي بين الإخبارين، لا ~~للتراخي في الوقت، لأن التفصيل والإحكام صفتان لشيء واحد، لا تنفك إحداهما ~~عن الأخرى، فليس بينهما ترتب وتراخ، وهذا التكلف، على أن (ثم) تقتضي ~~الترتيب، وقد خالف قوم في اقتضائها إياه، كما حكاه في (المغني) . # من لدن حكيم خبير أي إحكامها وتفصيلها من لدن حكيم بناها على علم وحكمة، ~~لا يمكن أحسن منها، وأشد إحكاما. وخبير بتفاصيلها على ما ينبغي في النظام ~~الحكمي في تقديرها وتوقيتها وترتيبها- قاله القاشاني-. # قال الزمخشري: وفيه طباق حسن، لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها، أي بينها ~~وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 2] # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) # ألا تعبدوا إلا الله قال القاشاني: أي تنطق عليكم بلسان الحال والدلالة، ~~ألا تشركوا بالله في عبادته، وخصوه بالعبادة. # وقال الزمخشري: ألا مفعول له، أي لئلا. أو (أن) مفسرة، لأن في تفصيل # PageV06P072 # الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم ألا ~~تعبدوا إلا الله. # وقوله تعالى: إنني لكم منه نذير وبشير كلام على لسان الرسول، أي إنني ~~أنذركم، من الحكيم الخبير، عقاب الشرك وتبعته، ms2658 وأبشركم منه بثواب التوحيد ~~وفائدته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 3] # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ~~ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) # وأن استغفروا ربكم أي من الشرك ثم توبوا إليه لطاعة. أو المعنى: ثم ~~أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله: ثم استقاموا [فصلت: 30] و [الأحقاف: ~~13] . # يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى أي يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة ~~مرضية، من عيشة واسعة. ونعم متتابعة، إلى وقت وفاتكم، كقوله: من عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97] . # ويؤت كل ذي فضل فضله أي ويعط كل ذي فضل في العمل الصالح في الدنيا أجره، ~~وثواب فضله في الآخرة. # وإن تولوا أي تتولوا عن التوحيد والتوبة إليه فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير وهو يوم القيامة. # قال القاشاني: (كبير) أي شاق عليكم، وهو يوم الرجوع إلى الله، القادر على ~~كل شيء، أي يوم ظهور عجزكم، وعجز ما تعبدون، بظهوره تعالى في صفة قادريته، ~~فيقهركم بالعذاب، ولذا قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : الآيات 4 الى 5] # إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا ~~منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ~~(5) # إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير. # PageV06P073 # ثم بين تعالى إعراضهم بجسمهم أيضا، إلى الإشارة إلى توليهم بقلبهم، ~~بقوله: # ألا إنهم يثنون صدورهم أي يزورون عن الحق واستماعه بصدورهم ليستخفوا منه ~~ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون أي في قلوبهم وما يعلنون أي يجهرون ~~بأفواههم إنه عليم بذات الصدور أي بما في ضمائر القلوب. ونظير ما حكي هنا ~~عن مشركي مكة من كراهتهم لاستماع كلامه تعالى، ما قاله تعالى عن قوم نوح: ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا [نوح: 7] ، وما ذكرناه هو أظهر ما تحمل عليه ms2659 ~~الآية- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 6] # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها أي ما تعيش به، وإنما جيء ب ~~(على) اعتبارا لسبق الوعد به، وتحقيقا لوصوله إليها البتة، بطريق التكفل ~~الشبيه بالإيجاب ويعلم مستقرها أي مسكنها في الدنيا. أو في الصلب ومستودعها ~~أي بعد الموت، أو في الرحم كل أي من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في ~~كتاب مبين أي مسطور في كتاب عنده تعالى، مبين عن جميع ذلك. # ثم بين تعالى عظيم قدرته في تكوينه وإبداعه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 7] # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين (7) # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام من الأحد إلى الجمعة وكان عرشه ~~على الماء أي ما كان تحته قبل خلق السموات والأرض، وارتفاعه فوقها، إلا ~~الماء. وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض- ~~كذا في الكشاف-. # قال القاضي: أي لم يكن بينهما حائل، لا أنه كان موضوعا على متن الماء. # قال: قتادة: ينبئنا تعالى في هذه الآية كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق ~~السموات والأرض. # PageV06P074 # روى الإمام أحمد «1» عن أبي رزين- واسمه لقيط بن عامر العقيلي- قال: قلت ~~يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته ~~هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك. ورواه الترمذي «2» # وحسنه وقال: قال أحمد: # يريد بالعماء أنه ليس معه شيء. # وقال البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) : (العماء) ممدود كما رأيته ~~مقيدا كذلك، ومعناه السحاب الرقيق، أي فوق سحاب، مدبرا له، وعاليا عليه. ~~كما قال تعالى: أأمنتم من في السماء [الملك: 16] ، يعني من فوق السماء. ~~وقوله: # (ما فوقه هواء) أي ما فوق ms2660 السحاب هواء. وكذلك قوله: (وما تحته هواء) أي ~~ما تحت السحاب هواء. # وقد قيل: إن ذلك (العمى) مقصور، بمعنى لا شيء ثابت، لأنه مما عمي عن ~~الخلق، فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق الخلق، ولم يكن شيء غيره. و ~~(ما) فيهما نافية. أي: ليس فوق العمى، الذي هو لا شيء موجود، هواء، ولا ~~تحته هواء. # لأنه إذا كان غير موجود، فلا يثبت له هواء بوجه. انتهى ملخصا. # وقال ابن الأثير: العماء في اللغة: السحاب الرقيق، وقيل الكثيف، وقيل هو ~~الضباب. وفي الحديث حذف، أي أين كان عرش ربنا؟ دل عليه قوله تعالى: وكان ~~عرشه على الماء. # وحكى بعضهم أنه العمى المقصور. قال: وهو كل أمر لا يدركه الفطن. # وقال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ~~وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء!. # قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته. # وقوله تعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملا أي أخلصه، متعلق ب (خلق) أي: # خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلهن مساكن لعباده، وينعم عليهم بفنون ~~النعم، فيعبدوه وحده، ويتسابقوا في العمل الذي يرضيه. ولما كان الابتلاء ~~والاختبار لمن تخفى عليه عاقبة الأمور، قيل: إنه هنا تمثيل واستعارة، فشبه ~~معاملته تعالى عباده في خلق المنافع لهم، وتكليفهم شكره، وإثابتهم إن ~~شكروا، وعقوبتهم إن كفروا- PageV06P075 # بمعاملة المختبر مع المختبر، ليعلم حاله ويجازيه، فاستعير له الابتلاء ~~على سبيل التمثيل، (ليبلوكم) موضع (يعاملكم) ويصح أن يكون مجازا مرسلا، ~~لتلازم العلم والاختبار. أي: خلق ذلك ليعلم، أي: ليظهر تعلق علمه الأزلي ~~بذلك. # قال القاشاني: جعل غاية خلق الأشياء ظهور أعمال الناس. أي: خلقناهم لنعلم ~~العلم التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء، أيكم أحسن عملا، فإن ~~علم الله قسمان: قسم يتقدم وجود الشيء في اللوح، وقسم يتأخر وجوده في مظاهر ~~الخلق. والبلاء الذي هو الاختبار هو هذا القسم- انتهى-. # ونحو هذه الآية قوله تعالى: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا [ص: 27] ، وقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ms2661 ~~إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم ~~[المؤمنون: 115- 116] ، وقوله سبحانه: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: 56] . # وقوله تعالى: ولئن قلت أي لأهل مكة إنكم مبعوثون أي محيون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا أي القول بالبعث، أو القرآن المتضمن لذكره إلا ~~سحر مبين أي مثله في الخديعة والبطلان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 8] # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة أي جماعة من الأوقات محصورة. # والعذاب هو عقاب الآخرة، أو عذاب الدنيا ببدر، أو هلاك المستهزئين الذين ~~ماتوا قبل بدر ليقولن أي استهزاء ما يحبسه أي عنا. ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا عنهم وحاق بهم أي دار ونزل بهم ما كانوا به يستهزؤن أي العذاب الذي ~~كانوا به يستعجلون. ### | لطيفة: # (الأمة) تستعمل في الكتاب والسنة في معان متعددة. فيراد بها الأمد، كما ~~هنا وقوله في يوسف: وادكر بعد أمة [يوسف: 45] ، والإمام المقتدى به، كقوله: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله [النحل: 120] ، والملة والدين كآية: إنا ~~وجدنا # PageV06P076 # آباءنا على أمة # [الزخرف: 22- 23] ، والجماعة كآية: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من ~~الناس يسقون [القصص: 23] ، وقوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36]- أفاده ابن كثير-. # ثم أخبر سبحانه عن الإنسان، وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله ~~من عباده المؤمنين، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 9] # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة أي نعمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس أي قنوط عن ~~عودها، قطوع رجاءه من فضله تعالى، من غير صبر ولا تسليم لقضائه، كفور عظيم ~~الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله، كأنه لم ير خيرا. ### | القول في تأويل ms2662 قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 10] # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني أي المصائب التي ~~ساءتني إنه لفرح أي أشر بطر فخور أي على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، ~~قد شغله الفرح والفخر عن الشكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 11] # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # إلا الذين صبروا أي على الضراء، إيمانا بالله، واستسلاما لقضائه وعملوا ~~الصالحات أي في الرخاء والشدة، شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها أولئك لهم ~~مغفرة أي لذنوبهم بتلك الشدة وأجر كبير أي الصبر والأعمال الصالحة. ### | تنبيه: # قال القاشاني قدس سره: ينبغي للإنسان أن يكون في الفقر والغنى، والشدة ~~والرخاء، والمرض والصحة، واثقا بالله، متوكلا عليه، لا يحتجب عنه بوجود ~~نعمة، إلا بسعيه وتصرفه في الكسب، ولا بقوته وقدرته في الطلب ولا بسائر ~~الأسباب # PageV06P077 # والوسائط، لئلا يحصل اليأس عند فقدان تلك الأسباب، والكفران والبطر ~~والأشر عند وجودها، فيبعد بها عن الله تعالى، وينساه فينساه الله. بل يرى ~~الإعطاء والمنع منه دون غيره. فإن أتاه رحمة من صحة أو نعمة، شكره أولا ~~برؤية ذلك منه. وشهود المنعم في صورة النعمة، وذلك بالقلب، ثم بالجوارح ~~باستعمالها في مراضيه وطاعته، والقيام بحقوقه تعالى فيها، ثم باللسان ~~بالحمد والثناء متيقنا بأنه القادر على سلبها، محافظا عليها بشكرها، ~~مستزيدا إياها، اعتمادا على قوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم: 7] . # قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا وصلت إليكم أطراف النعم، فلا تنفروا ~~أقصاها بقلة الشكر. # ثم إن نزعها منه، فليصبر ولا يتأسف عليها، عالما بأنه هو الذي نزع دون ~~غيره، لمصلحة تعود إليه، فإن الرب تعالى كالوالد المشفق في تربيته إياه، بل ~~أرأف وأرحم، فإن الوالد محجوب عما يعلمه تعالى، إذ لا يرى إلا عاجل مصالحه ~~وظاهرها، وهو العالم بالغيب والشهادة، فيعلم ما فيه صلاحه عاجلا وآجلا، ~~راضيا بفعله، راجيا إعادة أحسن ما نزع منها إليه، إذ القانط من رحمته ms2663 بعيد ~~منه، لا يستوسع رحمته لضيق وعائه، محجوب عن ربوبيته، لا يرى عموم فيض رحمته ~~ودوامه. ثم إذا أعادها لم يفرح بوجودها، كما لم يحزن بفقدانها، ولا يفخر ~~بها على الناس، فإن ذلك من الجهل، وظهور النفس، وإلا لعلم أن ذلك ليس منه ~~وله، وبأي سبب يسوغ له فخر بما ليس له ومنه؟ بل لله ومن الله. # وقوله تعالى: إلا الذين صبروا استثناء من (الإنسان) أي هذا النوع يؤوس ~~كفور، فرح فخور، في الحالين، إلا الذين صبروا مع الله واقفين معه، في حالة ~~الضراء والنعماء والشدة والرخاء، كما قال عمر رضي الله عنه: الفقر والغنى ~~مطيتان، لا أبالي أيهما أمتطي. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 12] # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أي بتلاوته عليهم، وتبليغه ~~إليهم، أن يقولوا أي مخافة أن يقولوا، تعاميا عن تلك البراهين التي لا تكاد ~~تخفى صحتها على أحد ممن له أدنى بصيرة، وتماديا في العناد على وجه الاقتراح # PageV06P078 # لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز ~~والملائكة، زعما أن الرسول متبوع، لا بد له من الإنفاق على أتباعه، ولا ~~يتأتى مع عدم سلطنته إلا بإلقاء الكنز عليه، أو مجيء ملك معه يصدق برسالته، ~~فقال تعالى: # إنما أنت نذير أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، غير مبال بما صدر ~~منهم من الاقتراح والله على كل شيء وكيل أي فيحفظ ما يقولون ويجازيهم عليه، ~~فكل أمرك إليه، وبلغ وحيه بقلب منشرح، غير مبال بهم. ### | لطائف: # الأولى- قال القاشاني: لما لم يقبلوا كلامه صلى الله عليه وسلم بالإرادة، ~~وأنكروا قوله بالاقتراحات الفاسدة، وقوله بالعناد والاستهزاء، ضاق صدره، ~~ولم ينبسط للكلام، إذ الإرادة تجذب الكلام، وقبول المستمع يزيد نشاط ~~المتكلم، ويوجب بسطه فيه، وإذا لم يجد ms2664 المتكلم محلا قابلا لم يتسهل له، ~~وبقي كربا عنده، فشجعه الله تعالى بذلك، وهيج قوته ونشاطه بقوله: إنما أنت ~~نذير، فلا يخلو إنذارك من إحدى الفائدتين: إما رفع الحجاب بأن ينجع فيمن ~~وفقه الله تعالى لذلك، وإما إلزام الحجة لمن لم يوفق لذلك، ثم كل الهداية ~~إليه. # الثانية- لا يخفى أن (لعل) للترجي، وهو، وإن اقتضى التوقع، إلا أنه لا ~~يلزم من توقع الشيء وقوعه، ولا ترجح وقوعه، لوجود ما يمنع منه. وتوقع ما لا ~~يقع منه، المقصود تحريضه على تركه، وتهييج داعيته. # وقيل: (لعل) هنا للتبعيد لا للترجي، فإنها تستعمل كذلك، كما تقول العرب: ~~لعلك تفعل كذا، لمن لا يقدر عليه. فالمعنى: لا تترك. # وقيل: إنها للاستفهام الإنكاري كما في # الحديث «1» : لعلنا أعجلناك. # وقيل: هي لتوقع الكفار. فكما تكون لتوقع المتكلم، وهو الأصل، لأن معاني ~~الإنشاءات قائمة به- تكون لتوقع المخاطب أو غيره، ممن له ملابسة بمعناه كما ~~هنا. فالمعنى: إنك بلغت الجهد في تبليغهم أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ ~~لبعضه- كذا في العناية-. PageV06P079 # الثالثة- إنما عدل عن (ضيق) الصفة المشبهة إلى (ضائق) اسم الفاعل، ليدل ~~على أنه ضيق عارض، غير ثابت، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح ~~الناس صدرا. وكذا كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل، فيقولون ~~في سيد سائد وفي جواد جائد، وفي سمين سامن. قال: # بمنزلة أما اللئيم فسامن ... بها، وكرام الناس باد شحوبها # وظاهر كلام أبي حيان أنه مقيس. وقيل إنه لمشابهة (تارك) . ومنه يعلم أن ~~المشاكلة قد تكون حقيقة- كذا في العناية-. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 13] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) # أم يقولون افتراه أي ما يوحى إليك. وفي (أم) وجهان منقطعة مقدرة ب (بل ~~والهمزة الإنكارية) أي: بل أيقولون. ومتصلة والتقدير: أيكتفون بما أوحينا ~~إليك، وهو ما في الإعجاز، أم يقولون ليس من عند الله. # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا ms2665 أي للاستعانة من استطعتم أي من ~~الإنس والجن. وقوله: من دون الله متعلق ب ادعوا، أي متجاوزين الله تعالى: ~~إن كنتم صادقين أي في أني افتريته، فأنتم عرب فصحاء مثلي، لا سيما وقد ~~زاولتم أساليب النظم والنثر والخطب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 14] # فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل ~~أنتم مسلمون (14) # فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي بما لا يعلمه غيره من ~~نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليها وأن لا إله إلا هو أي ~~واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا الله، وأن توحيده واجب، والإشراك به ظلم ~~عظيم، فهل أنتم مسلمون # PageV06P080 # أي مبايعون بالإسلام، منقادون لتوحيد الله، وتصديق رسوله، بعد هذه الحجة ~~القاطعة؟ ### | لطائف: # الأولى- قيل: تحدوا أولا بعشر سور، فلما عجزوا تحدوا بسورة، وذهب المبرد ~~إلى أن الأمر بالعكس، ووجهه بأن ما وقع أولا هو التحدي بسورة مثله في ~~البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام ~~وأخواتها، وهي الأنواع التسعة المنظومة في قول بعضهم: # ألا إنما القرآن تسعة أحرف ... سأنبيكها في بيت شعر بلا ملل # حلال، حرام، محكم متشابه ... بشير نذير، قصة، عظة، مثل # فلما عجزوا عن ذلك، أمرهم بالإتيان بعشر سور مثله في النظم، وإن لم تشتمل ~~على ما اشتمل عليه، ويشهد له توصيفها ب (مفتريات) . # وقيل: إن التحدي بسورة وقع بعد إقامة البرهان على التوحيد، وإبطال الشرك، ~~فتعين أن يكون لإثبات النبوة بإظهار معجزة، وهي السورة الفذة. والتحدي بعشر ~~وقع بعد تعنتهم واستهزائهم، واقتراحهم آيات غير القرآن، لزعمهم أنه مفترى. ~~فمقامه يناسبه التكثير، لأنه أمر مفترى عندهم، فلا يعسر الإتيان بكثير ~~مثله- كذا في العناية-. # الثانية- ضمير (لكم) للنبي صلى الله عليه وسلم وجمع للتعظيم، كما في قول ~~من قال: # وإن شئت حرمت النساء سواكم # أو له وللمؤمنين، لأنهم أتباعه في الأمر بالتحدي، وفيه تنبيه لطيف على أن ~~حقهم ألا ينفكوا عنه، عليه الصلاة والسلام، ويناصبوا معه لمعارضة ms2666 ~~المعارضين، كما كانوا يفعلونه في الجهاد. وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد ~~الرسوخ في الإيمان، والطمأنينة في الإيقان، ولذلك رتب عليه قوله عز وجل: ~~فاعلموا ... إلخ. وجوز أن يكون الخطاب في الكل للمشركين من جهته عليه ~~السلام، داخلا تحت الأمر بالتحدي، والضمير في (لم يستجيبوا) ل (من استطعتم) ~~أي: فإن لم يستجب لكم سائر من تجأرون إليهم في مهماتكم إلى المعاونة، ~~فاعلموا أن ذلك خارج عن دائرة قدرة البشر، وأنه منزل من خالق القوى والقدر- ~~كذا في أبي السعود-. # ثم بين تعالى وعيد من آثر الحياة الدنيا على الآخرة- وهم الكفار- بقوله: # PageV06P081 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 15] # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون أي نوصل إليهم جزاء أعمالهم فيها من الصحة والرزق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 16] # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها أي وحبط في ~~الآخرة ما صنعوه، أن لم يكن لهم ثواب عليه. وجوز تعلق الظرف ب (صنعوا) ~~والضمير للدنيا، كما عاد عليه في قوله: نوف إليهم أعمالهم فيها [هود: 15] ، ~~وباطل ما كانوا يعملون أي كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لغرض ~~صحيح. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا.، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك وما كان عطاء ربك محظورا [الإسراء: 18- 20] ، وقوله تعالى: من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب [الشورى: 20] . ### | لطيفة: # في إعراب باطل وجهان: # الأول- كونه خبرا مقدما، و (ما كانوا) مبتدأ ms2667 مؤخرا: و (ما) مصدرية أو ~~موصولة، والكلام من عطف الجمل. # والثاني- كونه عطفا على الأخبار قبله أي: أولئك باطل ما كانوا يعملون. # وما كانوا يعملون فاعل ب (باطل) ورجح هذا بقراءة زيد بن علي رضي الله ~~عنهما: (وبطل) ماضيا معطوفا على (حبط) . # ثم أشار تعالى إلى صفة المؤمنين، في مقابلة أولئك، بقوله سبحانه: # PageV06P082 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 17] # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # أفمن كان على بينة من ربه أي برهان نير، عظيم الشأن، يدل على حقية ما ثبت ~~عليه من الإسلام، وهو القرآن ويتلوه أي يتبعه شاهد منه أي من القرآن نفسه، ~~يشهد له بكونه من عند الله تعالى، وهو إعجازه. وفسرت (البينة) أيضا ~~بالإسلام سماه بينة لغاية ظهوره، إذ هو دين الفطرة، قبل تدنيسها برجس ~~الوثنية و (الشاهد) بالقرآن فالضمير للرب تعالى. ومن قبله أي القرآن كتاب ~~موسى وهو التوراة. أي: ويتلو تلك البينة من قبله كتاب موسى، مقررا لذلك ~~أيضا. وقوله تعالى: إماما أي مقتدى به في الدين ورحمة أي نعمة عظيمة على ~~المنزل إليهم، تهديهم وتعلمهم الشرائع. أولئك أي من كان على بينة يؤمنون به ~~أي بالقرآن فلهم الجنة، ومن يكفر به من الأحزاب يعني أهل مكة، ومن ضامهم من ~~المتحزبين على رسول الله صلوات الله عليه فالنار موعده فلا تك في مرية منه ~~أي شك من القرآن أو من الموعد إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. # أي به. إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم. وإما لعنادهم واستكبارهم. ### | لطائف: # الأولى- (من) في قوله تعالى: أفمن كان على بينة من ربه مبتدأ حذف خبره، ~~لإغناء الحال عن ذكره. وهذا سر حذف معادل الهمزة كثيرا. وتقديره: أفمن كان ~~على بينة من ربه كأولئك الذين ذكرت أعمالهم، وبين مصيرهم ومآلهم- كذا قال ms2668 ~~أبو السعود-. # وفي (شرح الكشاف) أن التقدير: أمن كان يريد الحياة الدنيا، على أنها ~~موصول، فمن كان على بينة من ربه، والخبر محذوف، لدلالة الفاء. أي: يعقبونهم ~~أو يقربونهم. والاستفهام للإنكار فيفيد أنه لا تقارب بينهم، فضلا عن ~~التماثل، فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا، ~~لا يستوون [السجدة: 18] . # الثانية: قرئ (كتاب موسى) بالنصب عطفا على الضمير في (يتلوه) أي يتلو # PageV06P083 # القرآن شاهد ممن كان على بينة من ربه. يعني من آمن من أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام، وشهادتهم على أنه حق لا مفترى، لما يجدونه مكتوبا عندهم، و ~~(يتلو) من التلاوة، فتكون الآية كقوله تعالى: وشهد شاهد من بني إسرائيل ~~[الأحقاف: # 10]- والله أعلم-. # الثالثة- (الأحزاب) جمع حزب. والحزب جماعة الناس. ويطلق (الأحزاب) على من ~~تألبوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا كل نبي قبله، وهو إطلاق ~~شرعي، وعليه حمل الأكثر الآية، لكون السورة مكية. إلا أن اللفظ يتناوله، ~~وكل من شاكلهم من سائر الطوائف. # وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه ~~الأمة، يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار # . قال سعيد: كنت لا أسمع بحديث من النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، ~~إلا وجدت مصداقه في القرآن، فبلغني هذا الحديث، فجعلت أقول: أين مصداقه في ~~كتاب الله؟ حتى وجدت هذه الآية ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده قال: ~~الملل كلها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 18] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا كقوله للملائكة (بنات لله) ، وللأصنام ~~شفعاء عند الله أولئك يعرضون على ربهم أي يساقون إليه سوق العبيد المفترين ~~على ملوكهم، ويقول الأشهاد ms2669 من الملائكة والنبيين والجوارح: هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ ~~لظلمهم بالكذب على الله. قيل: ولا يبعد أن تكون الآية للدلالة على أن ~~القرآن ليس بمفترى، فإن من يعلم حال من يفتري على الله كيف يرتكبه، كما مر ~~في يونس في قوله تعالى: ولا يفلح الساحر [طه: 69] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 19] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) # الذين يصدون عن سبيل الله أي عن دينه القويم، كل من يقدرون على صده # PageV06P084 # ويبغونها عوجا أي يطلبونها معوجة بالكفر، أو يصفونها لهم بالاعوجاج وهم ~~بالآخرة هم كافرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 20] # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض أي يعجزونه تعالى أن يعاقبهم في الدنيا، ~~وما كان لهم من دون الله من أولياء أي يمنعونهم من عقابه، يضاعف لهم العذاب ~~ما كانوا يستطيعون السمع لتصامتهم عن الحق، وبغضهم له. وما كانوا يبصرون ~~لتعاميهم عن آيات الله، وإعراضهم غاية الإعراض، كما قال الله: وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] ، وقال تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب.. [النحل: 88] ~~الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 21] # أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) # أولئك الذين خسروا أنفسهم # أي سعادتها وراحتها، أو بتسليمها لعبادة الأوثان وتركها ما خلقت له من ~~عبادته تعالى، وهذا الخسران في النفس أعظم خسارة كما قيل: # إذا كان رأس المال عمرك فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب # وضل عنهم ما كانوا يفترون # أي غاب عنهم الآلهة وشفاعتها، ولم تجدهم شيئا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 22] # لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) # لا جرم أي حقا، ms2670 أو لا محالة أنهم في الآخرة هم الأخسرون ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 23] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (23) # PageV06P085 # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أي خشعوا له وحده، ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 24] # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون (24) # مثل الفريقين أي الكفار والمؤمنين كالأعمى والأصم مثل للكافر والبصير ~~والسميع مثل للمؤمنين هل يستويان أي الفريقان مثلا أي حالا وصفة. أفلا ~~تذكرون أي بضرب الأمثال وتدبرها. # ثم قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من أنباء الرسل ما يثبت فيه ~~فؤاده، ليتسلى بما يشاهده من معاناة الرسل قبله من أممهم، ومقاساتهم ~~الشدائد من جهتهم، وليعلم قومه أن رسالته كرسالة من تقدمه، وأن سنة الله ~~فيهم معروفة. كما قال تعالى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وإن من أمة ~~إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24] ، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 25] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه وكانت امتلأت الأرض من شركهم وشرورهم إني لكم ~~نذير مبين أي بأني. وقرئ بالكسر. أي: فقال إني لكم نذير مبين، أبين لكم ~~موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 26] # أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) # أن لا تعبدوا إلا الله (الباء) مقدرة هنا للتعدية. و (لا) ناهية أي ~~أرسلناه متلبسا بالنهي عن عبادة غير الله. إني أخاف عليكم أي إن عبدتم غيره ~~عذاب يوم أليم أي مؤلم في الدنيا والآخرة. # PageV06P086 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 27] # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~(27) # فقال الملأ الذين كفروا من ms2671 قومه أي السادة والكبراء. ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا أي لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحى إليك من دوننا. # قال القاشاني: أي فقال الأشراف المليئون بأمور الدنيا، القادرون عليها، ~~الذين حجبوا بعقلهم ومعقولهم عن الحق: ما نراك إلا بشرا مثلنا لكونهم ~~ظاهريين، واقفين على حد العقل المشوب بالوهم، المتحير بالهوى، الذي هو عقل ~~المعاش، ولا يرون لأحد طورا وراء ما بلغوا إليه من العقل، غير مطلعين على ~~مراتب الاستعدادات والكمالات، طورا بعد طور، ورتبة فوق رتبة إلى ما لا ~~يعلمه إلا الله، فلم يشعروا بمقام النبوة ومعناها. # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا أي فقراؤنا الأدنون منا إذ المرتبة ~~الرفعة عندهم بالمال والجاه، ليس إلا. كما قال تعالى يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. # وقوله تعالى: بادي الرأي أي بديهة الرأي، لأنهم ضعاف العقول، عاجزون عن ~~كسب المعاش، ونحن أصحاب فكر ونظر. قالوا ذلك لاحتجابهم بعقلهم القاصر عن ~~إدراك الحقيقة، والفضيلة المعنوية، لقصر تصرفه على كسب المعاش، والوقوف على ~~حده. وأما أتباع نوح عليه السلام، فإنهم أصحاب همم بعيدة، وعقول حائمة حول ~~القدس، غير ملتفتة إلى ما يلتفت غيرهم إليه، فلذلك استنزلوا عقولهم ~~واستحقروها. ### | تنبيه: # (بادي) قرأه أبو عمرو بالهمزة، والباقون بالياء. # فأما الأول فمعناه أول الرأي. بمعنى أنه صدر من غير روية وتأمل، أول ~~وهلة. # وأما الثاني فيحتمل أن أصله ما تقدم، فقلبت الياء عن الهمزة تخفيفا، ~~ويحتمل أنها أصلية من بدا يبدو، كعلا يعلوا. والمعنى: ظاهر الرأي دون ~~باطنه، ولو # PageV06P087 # تؤمل لعرف باطنه، وهو في المعنى كالأول. وعلى كليهما، هو منصوب على ~~الظرفية. والعامل فيه إما (نراك) أو (اتبعك) . # قال الناصر: زعم هؤلاء أن يحجوا نوحا بمن اتبعه من وجهين: # أحدهما- أن المتبعين آراءه، ليسوا قدوة ولا أسوة. # والثاني- أنهم مع ذلك لم يترووا في اتباعه، ولا أمعنوا الفكرة في صحة ما ~~جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا روية، وغرض هؤلاء ألا تقوم ~~عليهم حجة بأن منهم من صدقه وآمن به- انتهى-. ms2672 # أي وكلا الوجهين يبرهنان على جهلهم وقصر عقلهم: أما الأول فلا خفاء في ~~أنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، بل أتباعه هم الأشراف، ولو كانوا ~~فقراء، والذين يأبونه هم الأدنون، ولو كانوا أغنياء. وفي الغالب، ما يتبع ~~الحق، إلا ضعفة الخلق، كما يغلب على الكبراء مخالفته، كما قال تعالى: وكذلك ~~ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 23] ، ولما سأل «1» هرقل، ملك الروم، ~~أبا سفيان عن نعوت النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم فيما قال: أشراف الناس ~~اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم! فقال هرقل: هم أتباع الرسل. # وأما الثاني: فإن البدار لاعتناق الحق من أسمى الفضائل، لأن الحق إذا وضح ~~فلا يبقى للرأي ولا للفكر مجال، ولا بد من اتباعه حالتئذ لكل ذي فطنة، ولا ~~يتردد إلا غبي أو عيي ولا أجلى مما يدعو إليه الرسل عليهم السلام. # وقوله تعالى: وما نرى لكم خطاب لنوح وأتباعه علينا من فضل أي تقدم يؤهلكم ~~للنبوة واستحقاق المتابعة، لأن الفضل محصور عندهم بالغنى والمال. # قال الزمخشري: كان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين ~~بالإسلام يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم. ولقد زل عنهم أن ~~التقدم في الدنيا لا يقرب أحدا من الله، وإنما يبعده ولا يرفعه، بل يضعه، ~~فضلا عن أن يجعله سببا في الاختيار للنبوة، والتأهيل لها. على أن الأنبياء ~~عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة. مصغرين لشأن الدنيا، وشأن من ~~أخلد إليها، فما أبعد حالهم عليهم السلام من الاتصاف بما يبعد من الله، ~~والتشرف بما هو ضعة عند الله! PageV06P088 # وقوله تعالى: بل نظنكم كاذبين أي فيما تدعونه من الإصلاح وترتب السعادة ~~والنجاة عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 28] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) # قال أي نوح يا قوم أرأيتم أي ms2673 أخبروني إن كنت على بينة أي برهان من ربي ~~وآتاني رحمة أي هداية خاصة كشفية من عنده أي فوق طور العقل من العلوم ~~اللدنية، ومقام النبوة فعميت عليكم أي لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن، ~~وبالخليقة عن الحقيقة أنلزمكموها وأنتم لها كارهون يعني أنكرهكم على ~~قبولها، ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها، ولا تختارونها، ولا ~~إكراه في الدين [البقرة: 256] ، فالاستفهام للإنكار، أي لا نقدر على ذلك، ~~والذي في وسعنا دعوتكم إلى الله، لا أن نضطركم إليها، فإن شئتم تلقيها ~~فزكوا نفوسكم، واتركوا إنكاركم، وفي طي جوابه عليه السلام حث على تدبرها، ~~ورد عن الإعراض عنها، بأسلوب فائق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 29] # ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) # ويا قوم لا أسئلكم عليه أي على تبليغ التوحيد مالا، إن أجري إلا على الله ~~قال القاشاني: أي الغرض عندكم من كل أمر، محصور في حصول المعاش، وأنا لا ~~أطلب ذلك منكم، فتنبهوا لغرضي، وأنتم عقلاء بزعمكم. # ثم لما بين أن لا وجه لكراهة دعوته، إذ لا تنقصهم من دنياهم شيئا، فلم ~~يبق إلا خسة أتباعه، ولا ترتفع إلا بطردهم، قال وما أنا بطارد الذين آمنوا ~~أي لأنهم أهل القربة والمنزلة عند الله، وطردهم قد يكون مانعا لهم من ~~الإيمان أو لأمثالهم. # ولا يفعل ذلك إلا عدو لله مناوئ لأوليائه. ولو كان طردهم سبب إيمانكم ولم ~~يرتدوا، أخاف من طردهم شكايتهم، وهذا معنى قوله: إنهم ملاقوا ربهم أي ~~فيخاصمون طاردهم عنده. أو المعنى: إنهم يلاقونه ويفوزون بقربه، فكيف ~~أطردهم؟ # ثم أشار إلى أن خستهم ليست مانعة من الإيمان، إذ لا تلحقهم، بقوله: # PageV06P089 # ولكني أراكم قوما تجهلون أي فتخافون لحوق خستهم، لمشاركتكم إياهم في ~~الإيمان من جهلكم إذا الخسيس لا تترك مشاركته في كل شيء. أو تجهلون ما يصلح ~~به المرء للقاء الله، ولا تعرفون الله ولا لقاءه، لذهاب عقولكم في الدنيا، ~~أو تسفهون وتؤذون ms2674 المؤمنين، وتدعونهم أراذل. أو تجهلون أنهم خير منكم، كما ~~قال تعالى: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 53] ؟ # ثم أشار إلى أن طردهم يستوجب عقابه تعالى بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 30] # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أي: فإن أفادكم طردهم تعززكم، فإني ~~أستوجب قهره بطردهم، ومن يدفعه عني؟ وفيه إعلام بأن الطرد ظلم موجب لحلول ~~السخط قطعا، وإنما لم يصرح به إشعارا بأنه غني عن البيان، لا سيما وقد تقدم ~~ما يلوح به من كرامتهم بإيمانهم بالله واليوم الآخر. أفلا تذكرون تتعظون ~~فتنزجروا عما تقولون؟. ### | تنبيه: # قال بعضهم: ثمرة ذلك وجوب تعظيم المؤمن، وتحريم الاستخفاف به، وإن كان ~~فقيرا عادما للجاه، متعلقا بالحرف الوضيعة، لأنه تعالى حكى كلام نوح ~~وتجهيله للرؤساء، لما طلبوا طرد من عدوه من الأراذل، وهي نظير قوله تعالى: ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي [الأنعام: 52] . # ثم أشار إلى أنه عليه السلام بشر مثلهم، أوثر بالوحي والرسالة فلا يدعي ~~ما ليس له، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 31] # ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين (31) # ولا أقول لكم عندي خزائن الله أي رزقه وأمواله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~إني # PageV06P090 # ملك # أي أنا أدعي الفضل بالنبوة، لا بالغنى وكثرة المال، ولا بالاطلاع على ~~الغيب، ولا بالملكية، حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم أي تحتقرهم، وهم الفقراء المؤمنون لن يؤتيهم الله خيرا أي في الدنيا ~~والآخرة، لهوانهم عليه، كما تقولون إذ الخير عندي ما عند الله، لا المال ~~الله أعلم بما في أنفسهم أي من الخير، مني ومنكم، وهو أعرف بقدرهم وخطرهم، ~~وما يعلم أحد قدر خيرهم لعظمه-. # قاله ms2675 القاشاني: وحمل غيره هذا على تفويض ما في أنفسهم من الإيمان إلى علم ~~الله إرشادا إلى أن اللائق لكل أحد ألا يبت القول إلا فيما يعلمه يقينا، ~~ويبني أموره على الشواهد الظاهرة، ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ظاهرة. ~~إني إذا أي إذا قلت ذلك لمن الظالمين أي لبخس حقهم، وحط قدرهم فإن الإيمان ~~الظاهر منهم، رفع شأنهم، فإذا ضموا إلى ذلك. الإيمان القلبي، كما هو الظاهر ~~منهم، فلهم جزاء الحسنى، فمن قطع لهم بعدم نيل الخير، بعد ما آمنوا، كان ~~ظالما. وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ازدرائهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 32] # قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (32) # قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا أي أطلته، أو أتيته بأنواعه، ~~فأتنا بما تعدنا أي من العذاب إن كنت من الصادقين ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 33] # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء يعني أنه ليس موكولا إلي، وإنما يتولاه ~~الله الذي كفرتم به وما أنتم بمعجزين أي بالهرب أو بدفعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 34] # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم أي أي # PageV06P091 # شيء يجديه إبلاغي ونصحي، بدعوتكم إلى التوحيد والتحذير من العذاب، وإن ~~كان الله يريد إغواءكم ليدمركم هو ربكم أي مالك أمركم وإليه ترجعون أي بعد ~~الموت فيجازيكم بأعمالكم. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 35] # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) # أم يقولون أي قوم نوح افتراه أي النصح، فهو من تتمة نبأ نوح، أو ضمير ~~الجمع لكفار مكة، يعنون افتراء محمد صلوات الله عليه لنبأ نوح، جيء به ~~معترضا في ms2676 تضاعيفه، تحقيقا له، وتأكيدا لوقوعه، وتشويقا للسامعين إلى ~~استماعه إذ بقي منها الأهم وهو نتيجته قل إن افتريته فعلي إجرامي أي إثم ~~كسب ذنبي وأنا بريء مما تجرمون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 36] # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) # وأوحي إلى نوح أي بعد مبالغته في بذل الوسع في النصح مع عدم نفعه إياهم ~~أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس أي لا تحزن بما كانوا يفعلون ~~أي من التكذيب والإيذاء فقد انتهى أمرهم، حان وقت الانتقام منهم. # وقيل: المعنى لا تبتئس، أي لإهلاكهم شفقة عليهم، لأنهم إنما يهلكون بما ~~كانوا يفعلون من معاندتهم معك، فليسوا محلا لشفقتك ولا لرحمتنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 37] # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) # واصنع الفلك أي للتخلص من عذابهم بأعيننا أي بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من ~~الله عز وجل حفاظا وحراسا، يكلئونه بأعينهم من التعدي من الكفرة، ومن الزيغ ~~في الصنعة ووحينا أي إليك، كيف تصنعها وتعليمنا وإلهامنا. قيل: # لم يكن قبله سفينة. ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي ولا تدعني، في استدفاع ~~العذاب عنهم، بشفاعتك إنهم مغرقون أي محكوم عليهم بالطوفان، وقد وجب ذلك، ~~فلا سبيل إلى كفه. كقوله تعالى: يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر # PageV06P092 # ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود # [هود: 76] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 38] # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) # ويصنع الفلك حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة. وقيل: # تقديره وأخذ يصنع الفلك، وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه أي هزءوا ~~به، بمعالجة السفينة قال إن تسخروا منا أي في صنع الفلك فإنا نسخر منكم أي ~~لجهلكم كما تسخرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 39] # فسوف تعلمون ms2677 من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه أي في الدنيا فيجعله محلا للسخرية ويحل ~~عليه عذاب مقيم أي في الآخرة، يدوم معه الخزي. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 40] # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # حتى إذا جاء أمرنا أي بإهلاك قومه. وحتى غاية لقوله (ويصنع) وما بينهما ~~حال من الضمير فيه، و (سخروا منه) جواب (كلما) . وفار التنور أي وجه الأرض ~~أو كل مفجر ماء، أو محفل ماء الوادي، أو عين ماء معروفة، أو الكانون الذي ~~يخبز فيه، أو تنوير الفجر- أقوال حكاها اللغويون والمفسرون- زاد بعضهم ~~احتمال أن يكون هذا كناية عن اشتداد الأمر، كما يقال: (حمي الوطيس) والوطيس ~~التنور، وهو من فصيح الكلام وبليغه، وعندي أنه أظهر الأوجه المذكورة وأرقها ~~وأبدعها وأبلغها، وإن حاول الرازي رده، كأنه قيل: واشتد الأمر، وقوي انهمار ~~الماء ونبوعه. # وهذا الإيجاز في مجازه الرهيب، قد بينته آيات أخر، وهي: ففتحنا أبواب ~~السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ~~[القمر: 11- 12] # PageV06P093 # الآيات، ومما يؤيده شمولة لشدة الأمر من السماء والأرض، فيطابق هذه ~~الآيات. وأما غيره فمقصور على ناحية الأرض فقط. وجلي أن الأمر كان أعم- ~~والله أعلم-. # قلنا احمل فيها أي في السفينة من كل زوجين أي صنفين من البهائم والطيور ~~وما يدب على وجه الأرض اثنين أي ذكرا وأنثى. # قال أبو البقاء: يقرأ (كل) بالإضافة وفيه وجهان: # أحدهما- أن مفعول (احمل) (اثنين) و (من) حال. # والثاني- أن (من) زائدة، والمفعول (كل) و (اثنين) توكيد. ويقرأ من كل ~~(بالتنوين) ، ف (زوجين) مفعول (احمل) و (اثنين) توكيد له، و (من) متعلقة ب ~~(احمل) أو حال. انتهى. # وأهلك أي من يتصل بك في دينك وسيرتك من أقاربك، إلا من سبق عليه أي وجب ~~عليه القول أي بالإغراق بسبب ظلمه، ومن آمن أي احمله معك فيها. ms2678 قال أبو ~~السعود: وإفراد الأهل منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في ~~(آمن) محافظة على لفظ (من) للإيذان بقلتهم، كما أعرب عنه قوله، عز قائلا: ~~وما آمن معه إلا قليل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 41] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) # وقال أي نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين اركبوا فيها أي السفينة بسم ~~الله مجراها ومرساها قال الزمخشري: يجوز أن يكون كلاما واحدا، وكلامين، ~~فالكلام الواحد أن يتصل (بسم الله) ب (اركبوا) حالا من الواو، بمعنى: # ركبوا فيها مسمين الله، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها، ووقت إرسائها، ~~إما لأن المجري والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران، كالإجراء والإرسال، حذف ~~منهما الوقت المضاف، كقولهم: (خفوق النجم) و (مقدم الحاج) ويجوز أن يراد ~~مكانا الإجراء والإرساء وانتصابهما، بما في (بسم الله) من معنى الفعل، أو ~~بما فيه من إرادة القول. # والكلامان: أن يكون بسم الله مجراها ومرساها جملة من مبتدأ وخبر مقتضبة ~~أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم ~~الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسوا قال: بسم الله، فرست. وجوز أن يقحم الاسم، ~~كقوله: ثم اسم السلام عليكما. ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي بقدرته ~~وأمره، # PageV06P094 # ومعنى قولنا: (جملة مقتضبة) أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم ~~أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته. ويحتمل أن يكون ~~غير مقتضبة، بأن تكون في موضع الحال من ضمير (الفلك) كأنه قيل: اركبوا فيها ~~مجراة ومرساة بسم الله، بمعنى التقدير، كقوله: فادخلوها خالدين [الزمر: 73] ~~. انتهى-. ### | تنبيهات: # الأول- قرأ الإخوان- حمزة والكسائي وحفص- (مجراها) بفتح الميم، والباقون ~~بضمها. واتفق السبعة على ضم ميم (مرساها) . وقد قرأ ابن مسعود والثقفي ~~(مرساها) بفتح الميم أيضا. وقرئ بضم الميم وكسر الراء والسين وياء بعدهما، ~~بلفظ اسم الفاعل. مجروري المحل، صفتين لله. # الثاني- ما وقع بعد الراء من الألفات المنقلبة عن الياء، التي للتأنيث، ~~أو للإلحاق، أماله حمزة والكسائي وأبو عمرو، ووافقهم حفص في إمالة ms2679 (مجراها) ~~هنا، ولم يمل غيره. # الثالث- أخذ بعضهم من الوجه الأول في (بسم الله مجراها ومرساها) أعني ~~تقدير قائلين، استحباب التسمية. وذكره تعالى عند ابتداء الجري والإرساء. ~~وهو مؤيد بقول تعالى في سورة المؤمنون: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ~~فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين، وقل رب أنزلني منزلا مباركا ~~وأنت خير المنزلين [المؤمنون: 28- 29] ، وقوله تعالى: والذي خلق الأزواج ~~كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا [الزخرف: 12- ~~13] الآية، وجاءت السنة بالحث على ذلك، والندب إليه أيضا. # وقوله تعالى: إن ربي لغفور رحيم جملة مستأنفة، بيان للموجب للإنجاء، أي ~~لولا مغفرته ورحمته لغرقتم وهلكتم مثل قومكم، أو تعليل ل (اركبوا) لما فيه ~~من الإشارة إلى النجاة فكأنه قيل: اركبوا لينجيكم الله. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 42] # وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين (42) # وهي تجري بهم متصل بمحذوف، دل عليه (اركبوا) ، أي فركبوا مسمين # PageV06P095 # وهي تجري، وهم فيها. في موج كالجبال وذلك أنه لما تفتحت أبواب السماء ~~بالماء، وتفجرت ينابيع الأرض تعاظمت المياه، وعلت أكناف الأرض، وارتفعت فوق ~~الجبال الشامخة بخمسة عشر ذراعا، وكان ما يرتفع من الماء عند اضطرابه من ~~أمواجه كالجبال. # ونادى نوح ابنه وكان في معزل أي في متنحى عن أبيه يا بني اركب معنا أي ~~ادخل في ديننا، واصحبنا في السفينة ولا تكن مع الكافرين أي في الدين ~~والانعزال، والهالكين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 43] # قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) # قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء أي فلا أغرق قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم أي لا مانع اليوم من بلائه، ms2680 وهو الطوفان، إلا الراحم وهو ~~الله تعالى. أو لا عاصم إلا مكان من رحم، وهم المؤمنون، يعني السفينة، أو ~~لا عاصم، بمعنى لا ذا عصمة إلا من رحمه الله. أو (إلا) منقطعة، أي لكن من ~~رحمه فهو المعصوم. # قال الناصر: الاحتمالات الممكنة أربعة: لا عاصم إلا راحم، ولا معصوم إلا ~~مرحوم، ولا عاصم إلا مرحوم، ولا معصوم إلا راحم. فالأولان استثناء من ~~الجنس، والآخران من غير الجنس. أي: فيكون منقطعا. أي لكن المرحوم يعصم، على ~~الأول ولكن الراحم يعصم من أراد، على الثاني. # وزاد الزمخشري خامسا وهو: لا عاصم إلا مرحوم، على أنه من الجنس، بتأويل ~~حذف المضاف، تقديره: لا مكان عاصم إلا مكان مرحوم. والمراد بالنفي التعريض ~~بعدم عصمة الجبل، وبالمثبت التعريض بعصمة السفينة. والكل جائز وبعضها أقرب ~~من بعض- انتهى. # وحال بينهما الموج أي صار حائلا بين نوح وابنه، أو بين ابنه والجبل، ~~لارتفاعه فوقه فكان أي ابنه مع كونه فوق الجبل من المغرقين أي الهالكين ~~بالغرق. # وفيه دلالة على هلاك سائر الكفرة على أبلغ وجه، فكان ذلك أمرا مقرر ~~الوقوع، غير مفتقر إلى البيان. وفي إيراد (كان) دون (صار) مبالغة في كونه ~~منهم- أفاده أبو السعود- وقوله تعالى: # PageV06P096 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 44] # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين إعلام بأنه لما غرق أهل الأرض، ولم يبق ~~ممن كفر بالله ديار، أمر تعالى الأرض أن تبلغ ماءها الذي نبع منها، واجتمع ~~عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، فنضب الماء، وقضي أمر الله بإنجاء من ~~نجا، وإهلاك من هلك. # ولما أخذت المياه تتناقص وتتراجع إلى الأرض شيئا فشيئا، وظهرت رؤوس ~~الجبال، استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل. # و (بعدا) مصدر منصوب بمقدر، أي وبعدوا بعدا. يقال: بعد بعدا إذا أرادوا ~~البعد ms2681 البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ك ~~(جدعا) و (تعسا) و (اللام) متعلقة بمحذوف، أو للبيان، أو متعلقة ب (قيل) أي ~~لأجلهم هذا القول. # والتعرض لوصف الظلم للإشعار بعليته للهلاك، ولتذكر ما سبق من قوله: ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون. ### | تنبيه: # هذه الآية، بلغت من أسرار الإعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفرائد ~~نهايتها. # وقد اهتم علماء البيان لإيضاح نخب من لطائفها. ومن أوسعهم مجالا في ~~معارفها، الإمام السكاكي، فقد أطال وأطاب في كتابه (المفتاح) وتلطف في ~~التبيان بألطف من نسيم الصباح، ونحن نورده بتمامه، لنعطر الألباب بعرف ~~مبتدئه ومسك ختامه. # قال عليه الرحمة في بحث (البلاغة والفصاحة) وتعريفه الأولى بأنها بلوغ ~~المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد ~~أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، ثم تقسيمه الفصاحة إلى ما يرجع ~~إلى المعنى، وهو خلوص الكلام عن التعقيد. وإلى اللفظ وهو كونه عربيا أصليا، ~~جاريا على قوانين اللغة، أدور على ألسنة الفصحاء، أكثر في الاستعمال، ما ~~صورته: # PageV06P097 # وإذ قد وقفت على البلاغة، وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا ~~أذكر على سبيل الأنموذج، آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين، ما ~~عسى يسترها عنك. ثم إن ساعدك الذوق، أدركت منها ما قد أدرك من تحدوا بها ~~وهي قوله، علت كلمته: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ... إلى الظالمين. # والنظر في هذه الآية من أربع جهات من جهة علم البيان، ومن جهة علم ~~المعاني وهما مرجعا البلاغة، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة ~~اللفظية. # أما النظر فيها من جهة علم البيان، وهو النظر فيما فيها من المجاز ~~والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول: إنه عز سلطانه، لما أراد أن يبين ~~معنى: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان ~~السماء، فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من الماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح، ~~وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضي، وأن نسوي السفينة على ms2682 الجودي ~~فاستوت. وأبقينا الظلمة غرقى بنى الكلام على تشبيه المراد بالأمور الذي لا ~~يتأتى منه، لكمال هيبته، العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ ~~في تكون المقصود، تصويرا لاقتداره العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام ~~العظام تابعة لإرادته، وإيجادا وإعداما، ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا، ~~كأنها عقلاء مميزون، قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد ~~لأمره، والإذعان لحكمه، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مواده، وتصورا ~~مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، ~~فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدما. وكما يرد عليهم أمره كان ~~المأمور به متمما. لا تلقي لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأمره بغير ~~الإذعان والامتثال. ثم بنى على تشبيهه هذا نظم الكلام، فقال جل وعلا: وقيل ~~على سبيل المجاز- أي المرسل- عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل ~~قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو: يا أرض ويا سماء! ثم قال كما ترى: يا أرض ~~ويا سماء، مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور. ثم استعار لغؤور ~~الماء في الأرض البلع، الذي هو إعمال الجاذبة فبي المطعوم، للشبه بينهما، ~~وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء، استعارة بالكناية، تشبيها ~~له بالغذاء، لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار، تقوي الآكل ~~بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي) لكونها موضوعة للاستعمال في ~~الغذاء دون الماء، ثم أمر # PageV06P098 # على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره، وخاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة ~~النداء. # ثم قال: ماءك بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتصال ~~الماء بالأرض، باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح. ثم ~~اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ~~ما كان. ثم أمر على سبيل الاستعارة، وخاطب في الأمر قائلا: أقلعي لمثل ما ~~تقدم في ابلعي. ثم قال: وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ~~لم يصرح بمن غاض الماء، ولا بمن قضي الأمر، وسوى السفينة. وقال: بعدا كما ~~لم يصرح بقائل: يا أرض ويا سماء في ms2683 صدر الآية، سلوكا في كل واحد من ذلك ~~سبيل الكناية، أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا يكتنه. ~~قهار لا يغالب. فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره- جلت عظمته- قائل يا ~~أرض ويا سماء، ولا غائض مثل ما غاض، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، وأن ~~تكون تسوية السفينة وإقرارها، بتسوية غيره وإقراره. ثم ختم الكلام ~~بالتعريض، تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل، ظلما لأنفسهم لا غير، ختم ~~إظهار، لمكان السخط، ولجهة استحقاقهم إياه، وأن قيامة الطوفان، وتلك الصورة ~~الهائلة، ما كانت إلا لظلمهم. # وأما النظر فيها من حيث علم المعاني، وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، ~~وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير (يا) دون سائر ~~أخواتها، لكونها أكثر في الاستعمال، وأنها دالة على بعد المنادي الذي ~~يستدعيه مقام إظهار العظمة، وإبداء شأن العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادي ~~المؤذن بالتهاون به، ولم يقل: يا أرض! بالكسر لإمداد التهاون، ولم يقل: يا ~~أيتها الأرض! لقصد الاختصار مع الاحتراز عما في (أيتها) من تكلف التنبيه ~~غير المناسب بالمقام. واختير لفظ (الأرض) دون سائر أسمائها، لكونه أخف ~~وأدور. واختير لفظ السماء لمثل ما تقدم في الأرض، مع قصد المطابقة. واختير ~~لفظ ابلعي على (ابتلعي) لكون أخصر، ولمجيء خط التجانس بينه وبين أقلعي ~~أوفر. وقيل: ماءك من بالإفراد دون الجمع، لما كان في الجمع من صورة ~~الاستكثار المتأبي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت، وهو الوجه في إفراد ~~(الأرض) و (السماء) . وإنما لم يقل: ابلعي بدون المفعول، أن لا يستلزم تركه ~~ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء ~~بأسرهن، نظرا إلى مقام ورود الأمر، الذي هو مقام عظمة وكبرياء. ثم إذا بين ~~المراد اختصر الكلام مع أقلعي احترازا عن الحشو المستغني عنه، وهو- أي ~~الاختصار. الوجه في أن لم يقل: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت، ويا # PageV06P099 # سماء أقلعي فأقلعت. واختير (غيض) على (غيض) المشدد لكونه أخصر، وقيل ~~(الماء) ، دون أن يقال: ماء ms2684 طوفان السماء وكذا الأمر دون أن يقال: أمر نوح، ~~وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحا من إهلاك قومه، لقصد الاختصار والاستغناء ~~بحرف التعريف عن ذلك. ولم يقل: سويت على الجودي: بمعنى أقرت على نحو: (قيل) ~~و (غيض) و (قضي) في البناء للمفعول اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة ~~في قوله وهي تجري بهم في موج مع قصد الاختصار في اللفظ. ثم قيل: بعدا للقوم ~~دون أن يقال: ليبعد القوم، طلبا للتأكيد مع الاختصار، وهو نزول بعدا وحده، ~~منزلة ليبعدوا بعدا، مع فائدة أخرى: وهي استعمال اللام مع (بعدا) الدال على ~~معنى أن البعد حق لهم، ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع، حتى يدخل فيه ظلمهم ~~أنفسهم، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل. هذا من حيث ~~النظر إلى تركيب الكلم. # وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل: فذاك أنه قد قدم النداء على الأمر ~~فقيل: يا أرض ابلعي، ويا سماء أقلعي دون أن يقال: ابلعي يا أرض، وأقلعي يا ~~سماء، جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة. من تقديم التنبيه، ~~ليمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى، قصدا بذلك لمعنى الترشيح. ثم قدم ~~أمر الأرض على أمر السماء، وابتدئ به لابتداء الطوفان منها، وبنزولها لذلك ~~في القصة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أولى، ثم أتبعها قوله: وغيض الماء ~~لاتصاله بقصة الماء، وأخذه بحجزتها. ألا ترى أصل الكلام (قيل يا أرض ابلعي ~~ماءك، فبلعت ماءها، ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء، فأقلعت عن إرساله، وغيض ~~الماء النازل من السماء، فغاض) ثم أتبعه ما هو مقصود من القصة وهو قوله: ~~وقضي الأمر أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة، وإنجاء نوح ومن معه في ~~السفينة، ثم أتبعه حديث السفينة، وهو قوله واستوت على الجودي ثم ختمت القصة ~~بما ختمت. هذا كله نظر في الآية من جانبي البلاغة. # وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية، فهي كما ترى نظم للمعاني ~~لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب ms2685 المراد، ولا ~~التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند استماعها، وجدت ~~ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها فما من لفظة في تركيب الآية ~~ونظمها تسبق إلى أذنك، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك. # وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية: فألفاظها على ما نرى عربية، # PageV06P100 # مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، بعيدة عن البشاعة، ~~عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل ~~في الحلاوة وكالنسيم في الرقة. ولله در شأن التنزيل! لا يتأمل العالم آية ~~من آياته، إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت، ~~فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت، لأن المقصود لم يكن إلا مجرد الإرشاد لكيفية ~~اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان، وأن لا علم في باب التفسير (بعد علم ~~الأصول) أقرأ منهما على المرء لمراد الله تعالى من كلامه، ولا أعون على ~~تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره، ولا أكشف ~~للقناع عن وجه إعجازه، وهو الذي يوفي كلام رب العزة من البلاغة حقه، ويصون ~~له في مظان التأويل ماءه ورونقه ولكم من آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت ~~حقها، واستلبت ماءها ورونقها، إن وقعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، ~~فأخذوا بها في مآخذ مردودة، وحملوها على محامل غير مقصودة، وهم لا يدرون، ~~ولا يدرون أنهم لا يدرون، فتلك الآي من مآخذهم في عويل، ومن محاملهم على ~~ويل طويل، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- انتهى كلام السكاكي-. # وقد تصدى أبو حيان أيضا في تفسيره المسمى ب (النهر) للطائفها، وساق أحدا ~~وعشرين نوعا من البديع. وألف السيد محمد بن إسماعيل الأمير رسالة فيها ~~سماها (النهر المورود في تفسير آية هود) أورد تلك الأنواع البديعية أيضا، ~~وهي: # المناسبة، والمطابقة، والمجاز، والاستعارة، والإشارة، والتمثيل، ~~والإرداف، والتعليل، وصحة التقسيم، والاحتراس، والإيضاح، والمساواة، وحسن ~~النسق، والإيجاز، والتسهيم، والتهذيب، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، ~~والمقابلة، والذم، والوصف. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود ms2686 (11) : آية # 45] # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~(45) # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي إعلام بأن نوحا حملته شفقة ~~الأبوة، وتعطف الرحم والقرابة، على طلب نجاته، لشدة تعلقه به، واهتمامه ~~بأمره. وقد راعى # PageV06P101 # مع ذلك أدب الحضرة، وحسن السؤال فقال: وإن وعدك الحق ولم يقل: لا تخلف ~~وعدك بإنجاء أهلي، وإنما قال ذلك ففهمه من الأهل ذوي القرابة الصورية، ~~والرحم النسبية، وغفل، لفرط التأسف على ابنه، عن استثنائه تعالى بقوله: إلا ~~من سبق عليه القول ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول، فاستعطف ربه ~~بالاسترحام، وعرض بقوله: وأنت أحكم الحاكمين إلى أن العالم العادل والحكيم ~~لا يخلف وعده. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 46] # قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم ~~إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) # قال يا نوح إنه ليس من أهلك أي الموعود إنجاؤهم، بل من المستثنين لكفرهم، ~~أو ليس منهم أصلا، لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية، ولا علاقة بين ~~المؤمن والكافر. # قال القاشاني: أي أن أهلك في الحقيقة هو الذي بينك وبينه القرابة ~~الدينية، واللحمة المعنوية، والاتصال الحقيقي لا الصوري. كما # قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ألا وإن ولي محمد، من أطاع الله، ~~وإن بعدت لحمته. ألا وإن عدو محمد، من عصى الله، وإن قربت لحمته. # إنه عمل غير صالح بين انتفاء كونه من أهله بأنه غير صالح، تنبيها على أن ~~أهله هم الصلحاء، أهل دينه وشريعته، وإنه لتماديه في الفساد والغي، كأن ~~نفسه عمل غير صالح، وتلويحا بأن سبب النجاة ليس إلا الصلاح، لا قرابته منك ~~بحسب الصورة فمن لا صلاح له، لا نجاة له. وهذا سر إيثار غير صالح على (عمل ~~فاسد) . # وقد قرأ يعقوب والكسائي (عمل) بلفظ الماضي، والباقون بلفظ المصدر، بجعله ~~نفس العمل، مبالغة، كما بينا. # فلا تسئلن ما ليس لك ms2687 به علم أي لا تلتمس مني ملتمسا أو التماسا لا تعلم ~~أصواب هو أم غير صواب؟ حتى تقف على كنهه. قالوا: والنهي إنما هو عن سؤال ما ~~لا حاجة له إليه أصلا، إما لأنه لا يهم، أو لأنه قامت القرائن على حاله، ~~كما هنا، لا عن السؤال للاسترشاد. # PageV06P102 # إني أعظك أن تكون من الجاهلين أي أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم ~~تعلم. وقد تنبه، عليه السلام، عند ذلك التأديب الإلهي، والعتاب الرباني، ~~وتعوذ بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 47] # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي أي ما فرط ~~مني وترحمني أي بالوقوف على ما تحب وترضى أكن من الخاسرين أي الذين خسروا ~~أنفسهم، بالاحتجاب عن علمك وحكمتك. ### | تنبيه: # ظاهر التنزيل أن ابنه المذكور لصلبه، # ويروى عن الحسن ومجاهد ومحمد بن جعفر الباقر أنه كان ابن امرأته، ربيبه. # وأيده بعضهم # بقراءة علي: (ونادى نوح ابنها) # - والله أعلم-. # ثم أنبأ تعالى عما قيل لنوح، بعد أن أرست السفينة على الجودي، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 48] # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم (48) # قيل يا نوح اهبط أي انزل من السفينة بسلام منا أي سلامة وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك أي في السفينة على دينك وطريقتك إلى آخر الزمان وأمم أي ومنهم ~~أمم سنمتعهم أي في الحياة الدنيا لاحتجابهم بها ثم يمسهم منا عذاب أليم أي ~~في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما. ### | لطيفة: # ذهب العلماء، في الطوفان، مذاهب شتى. فالأكثرون على أنه عم الأرض بأسرها، ~~ومن ذاهب إليه أنه لم يعم إلا الأرض المأهولة وقتئذ بالبشر، ومن جانح إلى ~~أنه لم يعمها: كلها ولم يهلك البشر كلهم. ولك فريق حجج يدعم ms2688 بها مذهبه: # PageV06P103 # قال تقي الدين المقريزي في (الخطط) : إن جميع أهل الشرائع، أتباع ~~الأنبياء، من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا هو الأب ~~الثاني للبشر، وأن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه، ومنه ذرأ الله جميع ~~أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط ~~والمجوس وأهل الهند والصين ذلك، فأنكروا الطوفان. وزعم بعضهم أن الطوفان ~~إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأن أولاء ~~(كيومرث) الذي هو عندهم (الإنسان الأول) كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، ~~فلم يصل الطوفان إليهم، ولا إلى الهند والصين، والحق ما عليه أهل الشرائع، ~~وأن نوحا عليه السلام، لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة، نزل بهم، وهم ~~ثمانون رجلا سوى أولاده، فماتوا بعد ذلك، ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في ~~أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح: وجعلنا ذريته هم الباقين ~~[الصافات: 73] ، ونحوه في الكامل لابن الأثير. # وقال ابن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته، ذهب ~~بعمران الأرض أجمع، بما كان من خراب المعمور، وهلك الذين ركبوا معه في ~~السفينة، ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله، وعاد أبا ثانيا للخليقة- ~~انتهى. # قال بعضهم (في تقرير عموم الطوفان، مبرهنا عليه) إن مياه الطوفان قد تركت ~~آثارا عجيبة في طبقات الأرض الظاهرة، فيشاهد في أماكن رواسب بحرية ممتزجة ~~بالأصداف، حتى في قمم الجبال، ويرى في السهول والمفاوز بقايا حيوانية ~~ونباتية مختلطة بمواد بحرية، بعضها ظاهر على سطحها، وبعضها مدفون على مقربة ~~منه. # واكتشف في الكهوف عظام حيوانية متخالفة الطباع، بعيدة الائتلاف، معها ~~بقايا آلات صناعية، وآثار بشرية، مما يثبت أن طوفانا قادها إلى ذاك المكان، ~~وجمعها قسرا فأبادها، فتغلغلت بين طبقات الطين فتحجرت، وظلت شهادة على ما ~~كان، بأمر الخالق تعالى- انتهى-. # وقد سئل مفتي مصر الإمام الشيخ محمد عبده عن تحقيق عموم الطوفان، وعموم ~~رسالة نوح، فأجاب بما صورته: # أما القرآن الكريم فلم يرد فيه نص ms2689 قاطع على عموم الطوفان، ولا عموم رسالة ~~نوح عليه السلام، وما ورد من الأحاديث، على فرض صحة سنده، فهو آحاد لا يوجب ~~اليقين. والمطلوب في تقرير مثل هذه الحقائق هو اليقين لا الظن، إذا عد ~~اعتقادها # PageV06P104 # من عقائد الدين وأما المؤرخ، ومريد الاطلاع، فله أن يحصل من الظن ما ~~ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ، أو صاحب الرأي. وما يذكره المؤرخون ~~والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية، أو عدم الثقة بها، ~~ولا يتخذ دليلا قطعيا على معتقد ديني. أما مسألة عموم الطوفان في نفسها، ~~فهي موضوع نزاع بين أهل الأديان، وأهل النظر في طبقات الأرض. وموضوع خلاف ~~بين مؤرخي الأمم: فأهل الكتاب، وعلماء الأمة الإسلامية على أن الطوفان كان ~~عاما لكل الأرض، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر، واحتجوا على رأيهم ~~بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، لأن هذه الأشياء مما ~~لا يتكون إلا في البحر، فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد ~~إليها مرة من المرات، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض. ويزعم غالب أهل ~~النظر من المتأخرين أن الطوفان لم يكن عاما، ولهم على ذلك شواهد يطول ~~شرحها. غير أنه لا يجوز لشخص مسلم أن ينكر قضية أن الطوفان كان عاما، لمجرد ~~حكايات عن أهل الصين، أو لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز. بل ~~على كل من يعتقد بالدين، ألا ينفي شيئا مما يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث ~~التي صح سندها، وينصرف عنها إلى التأويل، إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر ~~غير مراد، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل وعناء ~~شديد، وعلم غزير في طبقات الأرض، وما تحتوي عليه، وذلك يتوقف على علوم شتى، ~~نقلية وعقلية. ومن هدى برأيه بدون علم يقيني، فهو مجازف، ولا يسمع له قول، ~~ولا يسمح له ببث جهالاته، والله سبحانه وتعالى أعلم. # واستظهر بعضهم أن الطوفان كان عاما، إذ لم يكن العمران قائما إلا بقوم ~~نوح، ms2690 فكان عاما لهم، وإن كان من جهة خاصا بهم، إذ ليس ثم غيرهم، قال: # هبط آدم إلى الأرض، وهو ليس بأمة إذا مضت عليها قرون ولدت أمما، بل هو ~~واحد تمضي عليه السنون، بل القرون، ونمو عشيرته لا يكاد يكون إلا كما يتقلص ~~الظل قليلا قليلا من آدم إلى نوح ثمانية آباء، فإن كان ثمانية آباء يعطون ~~من الذرية أضعافا وآلافا، حتى يطئوا وجه الأرض بالأقدام، وينشروا العمران ~~في تلك الأيام، فتلك قضية من أعظم ما يذكره التاريخ أعجوبة للعالمين؟ أما ~~تلك الجبال التي وجدت فوقها عظام الأسماك، فإن كانت مما وصل إليه الطوفان، ~~من المكان الخاص الذي سبق به البيان، فلا برهان. وإن كانت في غير ذلك ~~المكان، فإن لم يكن وضعها إنسان، كما وجدها إنسان، كان نقل الجوارح ~~والكواسر لتلك العظام، إلى # PageV06P105 # تلك الجبال مما يسوغه الإمكان. بهذا وبغيره مما لا يغيب عن الأفهام، تعلم ~~أن الطوفان خاص عام: خاص بمكان، عام سائر المكان- والله أعلم-. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 49] # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # تلك إشارة إلى قصة نوح عليه السلام من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا أي الإيحاء إليك، والإخبار بها. وفي ذكرهم ~~تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم، وأنهم مع كثرتهم لم يسمعوها، ~~فكيف بواحد منهم؟! فاصبر أي على تبليغ الرسالة، وأذى قومك، كما صبر نوح ~~وتوقع في العاقبة لك، ولمن كذبك، نحو ما قيض لنوح ولقومه- كذا في الكشاف- ~~إن العاقبة أي في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالنعيم الأبدي، ~~للمتقين أي عن الشرك والمعاصي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 50] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) # وإلى عاد أخاهم هودا عطف على قوله (نوحا) . أي: وأرسلنا إلى عاد. # و (أخاهم) ms2691 بمعنى (واحدا) منهم كما يقولون: (يا أخا العرب) ! قال يا قوم ~~اعبدوا الله أي وحده، ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون أي باتخاذ ~~الأوثان شركاء وجعلها شفعاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 51] # يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) # يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني إنما خاطب كل ~~رسول به قومه، إزاحة للتهمة، وتمحيضا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة ~~بالمطامع. أفلا تعقلون أي تتفكرون، إذ تردون نصيحة من لا يسألكم أجرا، ولا # PageV06P106 # شيء أنفى للتهمة من ذلك، أو تتدبرون الصواب من الخطأ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 52] # ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) # ويا قوم استغفروا ربكم أي من الوقوف مع الهوى بالشرك ثم توبوا إليه أي من ~~عبادة غيره، بالتوجه إلى التوحيد يرسل السماء عليكم مدرارا أي كثير الدر، ~~أي الأمطار. منصوب على الحال من (السماء) ولم يؤنث، مع أنه من مؤنث، إما ~~لأن المراد بالسماء السحاب أو المطر، فذكر على المعنى أو (مفعال) للمبالغة، ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور، أو الهاء حذفت من (مفعال) على طريق النسب- ~~أفاده السمين- ويزدكم قوة إلى قوتكم أي مضمومة إليها أو معها. أي شدة إلى ~~شدتكم بالقوة البدنية، أو بالمال أو البنين. وإنما استمالهم إلى الإيمان، ~~ورغبهم فيه، بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأن القوم كانوا أصحاب زروع ~~وبساتين، حراصا على التقوى بما ذكر، لثراء مالهم وترهيب أعدائهم وقد كانوا ~~مثلا في القوة كما قالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 15] ، ولا تتولوا أي ~~تعرضوا عما أدعوكم إليه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 53] # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين (53) # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة أي بحجة تدل على صحة دعواك، ms2692 وذلك لقصور ~~فهمهم، وعمى بصيتهم عن إدراك البرهان، لمكان الغشاوات الطبيعية، وإذا لم ~~يدركوه أنكروه بالضرورة وما نحن بتاركي آلهتنا أي عبادتها عن قولك حال من ~~ضمير (تاركي) أي تركا صادرا عن قولك. أو (عن) للتعليل، كهي في قوله: إلا عن ~~موعدة [التوبة: 114] ، أي لأجلها، فتتعلق (بتاركي) والأول أبلغ، لدلالته ~~على كونه علة فاعلية، ولا يفيده (الباء واللام) . وهذا كقولهم في الأعراف: ~~أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا [الأعراف: 70] . # وما نحن لك بمؤمنين أي مصدقين. إقناط له من الإجابة. # PageV06P107 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : الآيات 54 الى 55] # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) # إن نقول إلا اعتراك أي مسك بعض آلهتنا بسوء أي بجنون، لسبك إياه، وصدك ~~عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك منها على سوء فعلك، بسوء الجزاء، ومن ثم ~~تتكلم بما تتكلم. # قال الزمخشري: دلت أجوبتهم المتقدمة على أنهم كانوا جفاة، غلاظ الأكباد ~~لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد، وهذا ~~الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر ~~وتنتقم. # قال إني أشهد الله أي علي واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه قال ~~الزمخشري: من أعظم الآيات أن يواجه، بهذا الكلام، رجل واحد أمة عطاشا إلى ~~إراقة دمه يرمونه عن قوس واحد، وذلك لثقته بربه، وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب ~~فيه مخالبهم، ونحو ذلك قال نوح عليه السلام لقومه: ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ~~[يونس: 71] ، أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من ~~توثيقهم الأمور بشهادة الله، وشهادة العباد، فيقول الرجل: الله شهيد على ~~أني لا أفعل كذا، ويقول لقومه: كونوا شهداء على أني لا أفعله، ولما جاهر ~~بالبراءة مما يعبدون، أمرهم بالاحتشاد والتعاون في إيصال الكيد إليه، عليه ~~السلام، دون إمهال بقوله: فكيدوني جميعا أي أنتم وآلهتكم ثم لا تنظرون يعني ~~إن ms2693 صح ما لوحتم به، من كون آلهتكم لها تأثير في ضر، فكونوا معها فيه، ~~وباشروه أعجل ما تفعلون دون إمهال. # قال أبو السعود: فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم في قدرة آلهتهم على ما ~~قالوا، وعلى البراءة كليهما، وهذا من أعظم المعجزات، فإنه صلى الله عليه ~~وسلم كان رجلا مفردا بين الجم الغفير، والجمع الكثير، من عتاة عاد، الغلاظ ~~الشداد. وقد خاطبهم بما خاطبهم، وحقرهم وآلهتهم، وهيجهم على مباشرة مبادئ ~~المضادة والمضارة، وحثهم على التصدي لأسباب المعازة والمعارة، فلم يقدروا ~~على مباشرة شيء مما كلفوه وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا كيف لا، وقد التجأ ~~إلى ركن منيع رفيع، حيث قال: # PageV06P108 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 56] # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) # إني توكلت على الله ربي وربكم أي فلا تصلون إلي بسوء، لتوكلي على الله ما ~~من دابة إلا هو آخذ بناصيتها أي مالك لها، قادر عليها، يصرفها كيف شاء. # قال القاشاني: بين وجوب التوكل على الله، وكونه حصنا حصينا، أولا بأن ~~ربوبيته شاملة لكل أحد، ومن يرب يدبر أمر المربوب ويحفظه، فلا حاجة له إلى ~~كلاءة غيره وحفظه. ثم بأن كل ذي نفس تحت قهره وسلطانه، أسير في يد تصرفه ~~ومملكته وقدرته عاجز عن الفعل والقوة والتأثير في غيره، لا حراك به بنفسه ~~كالميت فلا حاجة إلى الاحتراز منه- انتهى-. # والناصية: منبت الشعر من مقدم الرأس، وتطلق على الشعر النابت فيها أيضا، ~~تسمية للحال باسم المحل: يقال: نصوت الرجل: أخذت بناصيته. # وفي العناية: وقولهم: ناصيته بيده، أي منقاد له. والأخذ بالناصية عبارة ~~عن القدرة والتسلط، مجازا أو كناية. # وقوله تعالى: إن ربي على صراط مستقيم تعليل لما يدل عليه التوكل، من عدم ~~قدرتهم على إضراره. أي هو على طريق الحق والعدل في ملكه، فلا يسلطكم علي، ~~إذ لا يضيع عنده معتصم به، ولا يفوته ظلم. # قال في (العناية) : هو تمثيل واستعارة، لأنه مطلع على ms2694 أمور العباد، مجاز ~~لهم بالثواب والعقاب، كاف لمن اعتصم، كمن وقف على الجادة فحفظها، ودفع ضرر ~~السابلة بها. # وهو كقوله: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] ، والاقتصار على إضافة الرب إلى ~~نفسه، إما بطريق الاكتفاء لظهور المراد، وإما للإشارة إلى أن اللطف ~~والإعانة مخصوصة به، دونهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 57] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) # فإن تولوا أي تتولوا، بحذف إحدى التاءين فقد أبلغتكم ما أرسلت به # PageV06P109 # إليكم # أي فقامت الحجة عليكم ويستخلف ربي قوما غيركم استئناف بالوعيد لهم. أي: ~~فيهلكهم، ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم ولا تضرونه شيئا أي ~~بتوليكم لاستحالته عليه، بل تضرون أنفسكم. أو بذهابكم وهلاككم لا ينقص من ~~ملكه شيء إن ربي على كل شيء حفيظ أي رقيب عليه، مهيمن، فلا تخفى عليه ~~أعمالكم، فيجازيكم بحسبها. أو حافظ حاكم مستول على كل شيء، فلا يمكن أن ~~يضره شيء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 58] # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) # ولما جاء أمرنا أي عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، وهو الريح العقيم نجينا ~~هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وقد بين في غير ~~آية، منها قوله: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية [الحاقة: 6- 7] . # فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟ فالجواب: لا تكرير فيه، لأن الأول إخبار ~~بأن نجاتهم برحمة الله وفضله، والثاني بيان ما نجوا منه، وأنه أمر شديد ~~عظيم لا سهل، فهو للامتنان عليهم، وتحريض لهم على الإيمان. أو الأول إنجاء ~~من عذاب الدنيا، والثاني من عذاب الآخرة، تعريضا بأن المهلكين كما عذبوا في ~~الدنيا بالسموم، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ. ويرجح الأول ~~بملاءمته لمقتضى المقام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 59] # وتلك ms2695 عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله تأنيث اسم الإشارة، باعتبار ~~القبيلة. وصيغة البعيد لتحقيرهم، أو لتنزيلهم منزلة البعيد، لعدمهم. وإذا ~~كانت الإشارة لمصارعهم، فهي للبعيد المحسوس. وتعدى الجحود بالباء حملا له ~~على الكفر، لأنه المراد. أو بتضمينه معناه، كما أن (كفر) جرى مجرى (جحد) . ~~فتعدى بنفسه في قوله: كفروا ربهم [هود: 60] . وقيل: (كفر) ك (شكر) يتعدى ~~بنفسه وبالحرف. وظاهر كلام القاموس: أن (جحد) كذلك. # PageV06P110 # والمعنى: كفروا بالله، وأنكروا آياته التي في الأنفس والآفاق الدالة على ~~وحدانيته. وجمع (الرسل) ، مع أنه لم يرسل إليهم غير هود عليه الصلاة ~~والسلام، تفظيعا لحالهم، وإظهارا لكمال كفرهم وعنادهم، ببيان أن عصيانهم ~~له، عليه الصلاة والسلام، عصيان لجميع الرسل السابقين واللاحقين، لاتفاق ~~كلمتهم على التوحيد لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 136]- كذا في ~~(العناية) وأبي السعود. # واتبعوا أي أطاعوا في الشرك أمر كل جبار عنيد لا يستدل بدليل، ولا يقبله ~~من غيره. يريد رؤساءهم وكبراءهم، ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 60] # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة أي جعلت تابعة لهم في الدارين، ~~أي لازمة. # قال أبو السعود: والتعبير عن ذلك بالتبعية للمبالغة، فكأنها لا تفارقهم، ~~وإن ذهبوا كل مذهب، بل تدور معهم، حيثما داروا. ولوقوعه في صحبة اتباعهم ~~رؤساءهم. يعني: أنهم لما اتبعوهم أتبعوا ذلك جزاء وفاقا. # ألا إن عادا كفروا ربهم إذ عبدوا غيره- وتقدم تعدية (كفر) - ألا بعدا ~~لعاد قوم هود دعا عليهم بالهلاك أو باللعنة، وفيه من الإشعار بالسخط عليهم، ~~والمقت، ما لا يخفى فظاعته. وتكرير حرف التنبيه، وإعادة (عاد) للمبالغة في ~~تهويل حالهم، والحث على الاعتبار بنبئهم. و (قوم هود) عطف بيان ل (عاد) ~~فائدته النسبة بذكره عليه السلام، الذي إنما استحقوا الهلاك بسببه، كأنه ~~قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه. وتناسب الآي ms2696 بذلك أيضا فإن قبلها واتبعوا أمر ~~كل جبار عنيد [هود: 59] . وقبل ذلك (حفيظ) و (غليظ) ، وغير ذلك مما هو على ~~وزن (فعيل) المناسب ل (فعول) في القوافي- والله أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 61] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ~~(61) # وإلى ثمود عطف على ما سبق بيانه من قوله: وإلى عاد أي وأرسلنا إلى # PageV06P111 # ثمود، وهي قبيلة من العرب أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره هو أنشأكم من الأرض أي كونكم منها وحده، فإنه خلق آدم، ومواد ~~النطف التي خلق نسله منها، من التراب واستعمركم فيها أي عمركم فيها، أو ~~جعلكم عمارها، أي جعلكم قادرين على عمارتها، كقوله تعالى في الأعراف: ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا [الأعراف: ~~74] ، فاستغفروه أي من الشرك، ثم توبوا إليه بالتوحيد إن ربي قريب مجيب أي ~~قريب الرحمة لمن استغفره، مجيب دعاءه بالقبول. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 62] # قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ~~وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) # قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أي كانت تلوح فيك مخايل الخير، ~~وأمارات الرشد، فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاورا في الأمور، ومسترشدا في ~~التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك، وعلمنا أن لا خير فيك. ~~كذا في (الكشاف) . # أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا أي من الأوثان وإننا لفي شك مما تدعونا ~~إليه أي من التوحيد مريب أي موقع في الريبة، وهي قلق النفس، وانتفاء ~~الطمأنينة: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 63] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) # قال يا قوم أرأيتم أي ms2697 أخبروني إن كنت على بينة أي حجة ظاهرة، وبرهان ~~وبصيرة من ربي وآتاني منه رحمة أي هداية ونبوة، فمن ينصرني من الله أي ~~ينجيني من عذابه إن عصيته أي بالمجاراة معكم في أهوائكم، فما تزيدونني أي ~~باستتباعكم إياي غير تخسير أي غير أن تجعلوني خاسرا تعريضي لسخط الله. أو ~~فما تزيدونني، بما تقولون إلا تبصرة بكم بأن أنسبكم إلى الخسران. # PageV06P112 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 64] # ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب قريب (64) # ويا قوم هذه ناقة الله الإضافة للتشريف، والإعلام بمباينتها لما يجانسها ~~من حيث الخلقة والخلق لكم آية أي معجزة دالة على صدق نبوتي فذروها تأكل في ~~أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب من فرط غضب الله عليكم، ~~لاجترائكم على آياته المنسوبة إليه. # ثم أخبر بأنهم لم يسمعوا قوله، ولم يطيعوا، بعد رؤية هذه الآية، فقال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 65] # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) # فعقروها أي قتلوها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب أي ~~مردود. # قال في (الإكليل) : استدل به في إمهال الخصم ونحوه ثلاثة وفيه دليل على ~~أن ل (الثلاثة) نظرا في الشرع، ولهذا شرعت في (الخيار) ونحوه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 66] # فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ~~ربك هو القوي العزيز (66) # فلما جاء أمرنا أي عذابنا وهو الصيحة، كما سيبين نجينا صالحا والذين ~~آمنوا معه برحمة أي بسبب رحمة عظيمة منا ومن خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة ~~إن ربك هو القوي العزيز أي القادر على كل شيء، والغالب عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 67] # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) # وأخذ الذين ظلموا الصيحة أي من جهة السماء، فرجفوا لها رجفة الهلاك # PageV06P113 # فأصبحوا في ديارهم جاثمين أي ms2698 هامدين موتى لا يتحركون. ولا يخفى ما فيه من ~~الدلالة على شدة الأخذ وسرعته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 68] # كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) # كأن لم يغنوا أي كأنهم لم يقيموا فيها أي في مساكنهم ألا إن ثمود كفروا ~~ربهم أي فأهلكهم. ألا بعدا لثمود أي هلاكا ولعنة، لبعدهم عن صراطه. # وقد قدمنا الكلام على تفصيل نبئهم في الأعراف: بما يغني عن إعادته هنا، ~~فليراجع. # ثم أشار تعالى إلى نبأ لوط وهلاك قومه، وهو النبأ الرابع من أنباء هذه ~~السورة بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 69] # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ (69) # ولقد جاءت رسلنا أي الملائكة الذين أرسلناهم لإهلاك قوم لوط إبراهيم ~~بالبشرى أي بولد وولده. ثم بين أنهم قدموا على التبشير ما يفيد سرورا، ~~ليكون التبشير سرورا فوق سرور، بقوله تعالى: قالوا سلاما أي سلمنا عليك ~~سلاما. # قال سلام أي عليكم سلام، أو سلام عليكم. رفعه، إجابة بأحسن من تحيتهم، ~~لأن الرفع أدل على الثبوت من النصب. # ثم أشار إلى إحسان ضيافتهم بقوله: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ أي مشوي، أو ~~سمين يقطر ودكه، لقوله: بعجل سمين [الذاريات: 26] . # في (ما) ثلاثة أوجه: أظهرها أنها نافية، وفاعل (لبث) إما ضمير (إبراهيم) ~~، وأن جاء مقدر بحرف جر متعلق به، أي: ما أبطأ في، أو بأن أو عن (أن جاء) ، ~~وإما (أن جاء) أي فما أبطأ، ولا تأخر مجيئه بعجل. وثاني الأوجه أنها ~~مصدرية، وثالثها أنها بمعنى (الذي) . وهي فيهما مبتدأ، و (أن جاء) . خبره ~~على حذف مضاف. # أي: فلبثته، أو الذي لبثه قدر مجيئه. # PageV06P114 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 70] # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه أي لا يمدون إليه أيديهم نكرهم أي أنكرهم، ms2699 ~~وأوجس أي أحس منهم خيفة لظنه أنهم بشر أرادوا به مكروها. # والضيف إذا هم بفتك لا يأكل من الطعام، في عادتهم. قالوا أي له لما علموا ~~منه الخوف بإخباره لهم، كما في آية: قال إنا منكم وجلون. قالوا لا توجل ~~[الحجر: 52- 53] كما قيل هنا لا تخف أي إنا لا نأكل لأنا ملائكة، ولم ننزل ~~بالعذاب عليكم إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لإهلاكهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 71] # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) # وامرأته قائمة فضحكت أي سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب أي يولد له. والاسمان يحتمل وقوعهما ~~في البشارة، أو أنها حكيا بعد أن ولدا وسميا بذلك. وتوجيه البشارة إليها ~~هنا، مع ورود البشارة إلى إبراهيم في آية أخرى، كآية فبشرناه بغلام حليم ~~[الصافات: # 101] ، وبشروه بغلام عليم [الذاريات: 28] ، إيذان بمشاركتها لإبراهيم في ~~ذلك حين ورودها، وإشارة إلى أن ذكر أحدهما فيه اكتفاء عن الآخر، والمقام ~~أمس بذكره وأبلغ. أو للتوصل إلى سوق نبئها في ذلك، وخرق العادة فيه، كما ~~لوح به تعجبها في قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 72] # قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) # قالت يا ويلتى أي يا عجبي. وأصله للدعاء بالويل ونحوه، في جزع التفجع ~~لشدة مكروه يدهم النفس، ثم استعمل في التعجب. وألفه بدل من ياء المتكلم ~~ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في رواية، وبها قرأ الحسن (يا ويلتي) وقيل: هي ~~ألف الندبة، ويوقف عليها بهاء السكت. # أألد وأنا عجوز أي امرأة مسنة- والأفصح ترك الهاء معها- وسمع من بعض # PageV06P115 # العرب (عجوزة) - حكاه يونس- وهذا بعلي أي زوجي إبراهيم شيخا إن هذا أي ~~التولد من هرمين لشيء عجيب أي غريب، لم تجر به العادة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 73] # قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) # قالوا أتعجبين من أمر الله ms2700 أي أتستبعدين من شأنه وقدرته خلق الولد من ~~الهرمين؟ # قال الزمخشري: وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها، لأنها كانت في بيت ~~الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ~~ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة، وأن تسبح ~~الله وتمجده، مكان التعجب وإلى ذلك أشارت الملائكة، صلوات الله عليهم، في ~~قولهم: رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت أرادوا أن هذه وأمثالها مما ~~يكرمكم به رب العزة، ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فليست بمكان ~~عجب. والكلام مستأنف، علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: (إياك والتعجب) فإن ~~أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم- انتهى-. # فالجملة خبرية، وجوز كونها دعائية. و (أهل البيت) نصب على النداء أو ~~التخصيص، لأن أهل البيت مدح لهم، إذ المراد أهل بيت خليل الرحمن. # إنه حميد أي مستحق للمحامد، لما وهبه من جلائل النعم مجيد أي كريم واسع ~~الإحسان، فلا يبعد أن يعطي الولد بعد الكبر. وهو تذييل بديع لبيان أن مقتضى ~~حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن، وتمجده إذ شرفها بما ~~شرف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 74] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) # فلما ذهب عن إبراهيم الروع أي خيفة إرادة المكروه منهم بعرفانهم وجاءته ~~البشرى أي بدل الروع يجادلنا في قوم لوط أي في هلاكهم، استعطافا لدفعه. # روي أنه قال: أتهلك البار مع الأثيم، أتهلكها وفيهم خمسون بارا؟ حاشا لك! # فقيل له: إن وجد فيهم خمسون بارا فنصفح عن الجميع لأجلهم! # PageV06P116 # فقال: أو أربعون؟ # فقيل: أو أربعون! وهكذا إلى أن قال: أو عشرة، فقيل له. لا نهلكها من أجل ~~العشرة، إلا أنه ليس فيها عشرة أبرار، بل جميعهم منهمك في الفاحشة. فقال: ~~إنه فيها لوطا! فقيل: نحن أعلم بمن فيها لننجينه. # ويجادلنا جواب (لما) جيء به مضارعا على حكاية الحال. أو أن (لما) ك (لو) ~~تقلب المضارع ماضيا، كما أن (إن) تقلب الماضي مستقبلا أو الجواب محذوف، ms2701 ~~والمذكور دليله أو متعلق به. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 75] # إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) # إن إبراهيم لحليم أي غير عجول على الانتقام من المسيء أواه كثير التأسف ~~منيب أي راجع إلى الله في كل ما يحبه ويرضاه. والمقصود بتعداد صفاته ~~الجملية المذكورة، بيان الحامل على المجادلة، وهو رقة القلب وفرط الترحم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 76] # يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ~~(76) # يا إبراهيم أي قيل له: يا إبراهيم: أعرض عن هذا أي الجدال إنه قد جاء أمر ~~ربك أي حكمه بهلاكهم إنهم آتيهم عذاب غير مردود أي بجدال ولا بدعاء، ولا ~~بغيرهما. ### | فوائد: # قال بعض المفسرين: لهذه الآيات ثمرات: وهي أن حصول الولد المخصص بالفضل ~~نعمة، وهلاك العاصي نعمة، لأن البشرى قد فسرت بولادة إسحاق، كما في آخر ~~الآية، وهي: فبشرناها بإسحاق إلخ وفسرت بهلاك قوم لوط. # ومنها: استحباب نزول المبشر على المبشر، لأن الملائكة أرسلهم الله بذلك. # ومنها: أنه يستحب للمبشر تلقي ذلك بالطاعة، شكرا لله تعالى على ما بشر ~~به. # وحكى الأصم أنهم جاءوه في أرض يعمل فيها، فلما فرغ غرز مسحاته، وصلى ~~ركعتين. # PageV06P117 # ومنها: أن السلام مشروع، وأنه ينبغي أن يكون الرد أفضل، لقول إبراهيم: # سلام بالرفع، كما تقدم سره- انتهى- ومنها: مشروعية الضيافة، والمبادرة ~~إليها، واستحباب مبادرة الضيف بالأكل منها. # ومنها: استحباب خدمة الضيف، ولو للمرأة، لقول مجاهد: وامرأته قائمة- أي ~~في خدمة أضياف إبراهيم. قال في (الوجيز) : وكن لا يحتجبن، كعادة العرب ~~ونازلة البوادي، أو كانت عجوزا، وخدمة الضيفان من مكارم الأخلاق. # ومنها: جواز مراجعة المرأة الأجانب في القول، وأن صوتها ليس بعورة. كذا ~~في (الإكليل) . # ومنها: أن امرأة الرجل من أهل بيته، فيكون أزواجه عليه الصلاة والسلام من ~~أهل بيته. ويأتي ذلك أيضا في آية: فأسر بأهلك [هود: 81] و [الحجر: 65] . # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 77] # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ms2702 ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) # ولما جاءت رسلنا لوطا أي بعد منصرفها من عند إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام، وكان مقيما في (بلوط ممرا) التي ب (حبرون) المدينة المعروفة اليوم ~~ب (الخليل) سيء بهم أي ساءه مجيئهم، لأنهم أتوه على صورة مرد، حسان الوجوه، ~~فخاف أن يقصدهم قومه، لظنه أنهم بشر وضاق بهم ذرعا يقال: ضاق بالأمر ذرعه ~~وذراعه، وضاق به ذرعا، أي ضعفت طاقته، لم يجد من المكروه فيه مخلصا. # قال الجوهري: أصل الذرع بسط اليد، فكأنك تريد: مددت يدك إليه فلم تنله. ~~وقيل: وجه التمثيل أن القصير الذراع لا ينال ما يناله الطويل الذراع، ولا ~~يطيق طاقته فضرب مثلا للذي سقطت قوته، دون بلوغ الأمر والاقتدار عليه. # وقال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه، أن البعير يذرع بيديه ~~في سيره ذرعا، على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طوقه، طاق به ذرعا ~~عن # PageV06P118 # ذلك وضعف، ومد عنقه، فجل ضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع والطاقة. # و (ذرعا) تمييز، لأنه خرج مفسرا محولا، الأصل: ضاق ذرعي به، وشاهد الذراع ~~قوله: # وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا ولم يصبح لها وهو خاشع # وقال هذا يوم عصيب أي شديد. وكيف لا يشتد عليه، وقد ألم المحذور، كما قال ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 78] # وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) # وجاءه قومه يهرعون إليه أي يسرعون كأنما يدفعون دفعا. وقرئ مبنيا للفاعل. ~~ومن قبل أي قبل مجيئهم كانوا يعملون السيئات أي الفواحش ويكثرونها، فمرنوا ~~عليها، وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا مسرعين مجاهرين، لا يكفهم حياء ~~فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها. وقيل: إنها بيان لوجه ضيق صدره أي: لما ~~عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك قال أي لوط يا قوم هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك ms2703 غاية الكرم، أي فتزوجوهن. أو كان ~~ذلك مبالغة في تواضعه لهم، وإظهار لشدة امتعاضه، مما أوردوا عليه، طمعا في ~~أن يستحيوا منه، ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفه- هذا ملخص ما في ~~(الكشاف) ومن تابعه- وظاهر أنه، عليه السلام كان واثقا بأن قومه لا ~~يؤثرونهن بوجه ما، مهما أطرى وأطنب، وشوق ورغب، فكان إظهاره وقاية ضيفانه، ~~وفداءهم بهن، مع وثوقه المذكور وجزمه- مبالغة في الاعتناء بحمايتهم، وقياما ~~بالواجب في مثل هذا الخطب الفادح الفاضح، الذي يدوم عاره وشناره، من الدفاع ~~عنهم بأقصى ما يمكن لكيلا ينسب إلى قصور. وليعلم أن لا غاية وراء هذا لمن ~~لا ركن له من عشيرة أو قبيلة، فذلك غاية الغايات في حيطتهم ووقايتهم. # وفي قوله: هن أطهر لكم من التشويق، على مرأى من ضيفانه ومسمع، ما فيه من ~~زيادة الكرم والإكرام، ورعاية الذمام. وبالجملة فهو ترغيب بمحال الوقوع ~~باطنا، وإعذار لنزلائه ظاهرا- والله أعلم- وفي هذا إرشاد إلى التطهر بالطرق ~~المسنونة، وهي النكاح. وإشارة إلى تناهي وقاحة أولئك بما استأهلوا به أخذهم ~~الآتي. # PageV06P119 # فاتقوا الله أي أن تعصوه بما هو أشد من الزنى خبثا. # ولا تخزون في ضيفي أي ولا تهينوني وتفضحوني في شأنهم، فإنه إذا خزي ضيف ~~الرجل أو جاره، فقد خزي الرجل، وذلك من عراقة الكرم، وأصالة المروءة و ~~(تخزون) مجزوم بحذف النون، والياء محذوفة اكتفاء بالكسرة، وقرئ بإثباتها ~~على الأصل. # أليس منكم رجل رشيد أي فيرعوي عن القبيح، ويهتدي إلى الصواب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 79] # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق أي حاجة، إذ لا نريدهن. وفي تصدير ~~كلامهم باللام المؤذنة بأن ما بعدها جواب القسم، أي: والله لقد علمت- إشارة ~~إلى ما ذكرناه من أنه كان واثقا وجازما بعدم رغبتهم فيهن. وأيد ذلك قولهم: # وإنك لتعلم ما نريد استشهادا بعلمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 80] # قال لو أن لي بكم قوة أو ms2704 آوي إلى ركن شديد (80) # قال لو أن لي بكم قوة أي بدفعكم قوة، بالبدن أو الولد أو آوي إلى ركن ~~شديد أي عشيرة كثيرة، لأنه كان غريبا عن قومه، شبهها بركن الجبل في الشدة ~~والمنعة. # أي: لفعلت بكم ما فعلت، وصنعت ما صنعت. ### | تنبيه: # قال الإمام ابن حزم رحمه الله في (الملل) : # ظن بعض الفرق أن ما جاء # في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله لوطا، لقد كان ~~يأوي إلى ركن شديد» «1» # إنكار على لوط عليه السلام. ولا تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن ~~لوطا عليه السلام إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه PageV06P120 # مما هم عليه من الفواحش، من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين. وما جهل قط ~~لوط عليه السلام أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة، وأشد ركن. ولا جناح ~~على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض [البقرة: 251] فهذا الذي طلب لوط عليه ~~السلام. وقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار والمهاجرين منعه ~~حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكر على لوط أمرا هو فعله عليه السلام. ~~تالله! ما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبر أن لوطا كان ~~يأوي إلى ركن شديد، يعني من نصر الله له بالملائكة. ولم يكن لوط علم بذلك. ~~ومن اعتقد أن لوطا كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد، فقد كفر، إذ نسب ~~إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر. وهذا أيضا ظن سخيف إذ من الممتنع أن يظن ~~برب أراه المعجزات، وهو دائبا يدعو إليه، هذا الظن. انتهى-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 81] # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب (81) # قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن ms2705 يصلوا إليك أي إلى إضرارك بإضرارنا فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل أي بطائفة من آخره. أي ببقية سواد منه عند السحر، وهو ~~وقت استغراقهم في النوم، فلا يمكنهم التعرض له ولا لأهله. وقرئ فأسر بالقطع ~~والوصل. # ولا يلتفت منكم أحد أي لا ينظر إلى ورائه، لئلا يلحقه أثر ما نزل عليهم ~~إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم أي من العذاب، فإنها لما سمعت وجبة العذاب ~~التفتت فهلكت. # قال في (الإكليل) : فيه أن المرأة والأولاد من الأهل. # إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب أي موعدهم بالهلاك الصبح، والجملة ~~كالتعليل للأمر بالإسراء، أو جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب، أو ذكرت ~~ليتعجل في السير، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع في الإسراء، للتباعد عن ~~موقع العذاب. # PageV06P121 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 82] # فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) # فلما جاء أمرنا أي عذابنا جعلنا عاليها سافلها أي فقلبت تلك المدن ونبتها ~~بسكانها جميعا. وأمطرنا عليها حجارة من سجيل أي طين متحجر، كقوله: # حجارة من طين [الذاريات: 33] ، منضود أي يرسل بعضه في إثر بعض متتابعا. # قال المهايمي: اتصل بعضه ببعض، ليرجموا رجم الزناة، بما يناسب قسوتهم ~~ورينهم الذي اتصل بقلوبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 83] # مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) # مسومة عند ربك معلمة عنده وما هي أي تلك الحجارة من الظالمين أي بالشرك ~~وغيره ببعيد فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وملابسون بها. # وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وقيل: الضمير للقرى، أي هي قريبة من ~~ظالمي مكة، يمرون بها في أسفارهم إلى الشام، وقد صار موضع تلك المدن بحر ~~ماء أجاج لم يزل إلى يومنا هذا، ويعرف ب (البحر الميت) لأن مياهه لا تغذي ~~شيئا من جنس الحيوان، وب (بحر الزفت) أيضا، لأنه ينبعث من عمق مقره إلى ~~سطحه، فيطفو فوقه، وب (بحيرة لوط) والأرض التي تليها قاحلة لا تنبت شيئا. # قال أبو السعود: وتذكير (بعيد) على تأويل ms2706 (الحجارة) بالحجر، أو إجرائه ~~على موصوف مذكر، أي بشيء بعيد، أو لأنه على أنه المصدر ك (الزفير) و ~~(الصهيل) . # والمصادر يستوي في الوصف بها، المذكر والمؤنث. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 84] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) # وإلى مدين أي وأرسلنا إلى مدين، عطف على ما قبله و (مدين) بلد بين # PageV06P122 # الحجاز والشام، على مقربة من (معان) ويطلق على أهلها، وهم قوم من العرب ~~كانوا يعمرونها. # أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان أي لتبخسوا الناس أشياءهم بالباطل إني أراكم بخير أي نعمة ~~وثروة في رزقكم ومعيشتكم، وعافية وتمتع في وجودكم. يعني: فلا تتعرضوا لزوال ~~ذلك عنكم بما تأتونه مما تنهون عنه، كما قال سبحانه: وإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط أي مهلك، أو لا يشذ منه أحد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 85] # ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) # ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط أي العدل. # قال الزمخشري فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء، فما فائدة قوله: # أوفوا؟. # قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، ~~لأن في التصريح بالقبيح بغيا على المنهي، وتعييرا له. ثم ورد الأمر ~~بالإيفاء، الذي هو حسن في العقول، مصرحا بلفظه لزيادة ترغيب فيه، وبعث ~~عليه. وجيء به مقيدا (بالقسط) أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من ~~غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو الواجب. لأن ما جاوز العدل فضل، وأمر ~~مندوب إليه. وفيه توقيف على أن الموفي، عليه أن ينوي بالوفاء القسط، لأن ~~الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل. فهذه ثلاث فوائد. انتهى-. # ولا تبخسوا الناس أشياءهم أي لا تنقصوهم حقوقهم بطريق من الطرق، كالكيل ~~والوزن وغيرهما، فهو ms2707 تعميم بعد تخصيص، لأنه أعم من أن يكون في المقدار ~~وغيره. والبخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير: # أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ بخس درهم # ألا تستحي منا ملوك وتتقي ... محارمنا لا تتقي الدم بالدم # وروي (مكس درهم) . يريد زهير: أخذ الخراج، وما هو اليوم في الأسواق من ~~رسوم وظلم. وكان قوم شعيب يأخذون، من كل شيء يباع، شيئا. كما تفعل ~~السماسرة، أو كانوا يمكسون الناس، أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من # PageV06P123 # الأشياء، فنهوا عن ذلك- كذا في (الكشاف) # و (شرحه) قال القاشاني: لما رأى شعيب، عليه السلام، ضلالتهم بالشرك، ~~واحتجابهم عن الحق بالجبت، وتهالكهم على كسب الحطام بأنواع الرذائل، ~~وتماديهم في الحرص على جمع المال بأسوأ الخصال- نهاهم عن ذلك، وقال: إني ~~أراكم بخير في استعدادكم من إمكان حصول كمال وقبول هداية، وإني أخاف عليم ~~إحاطة خطيئاتكم، لاحتجابكم عن الحق، ووقوفكم مع الغير، وصرف أفكاركم ~~بالكلية إلى طلب المعاش، وإعراضكم عن المعاد، وقصور هممكم على إحراز ~~الفاسدات الفانيات، عن تحصيل الباقيات الصالحات، فلازموا التوحيد والعدالة، ~~واعتزلوا عن الشرك، والظلم، الذي هو جماع الرذائل وأم الغوائل. # ولا تعثوا في الأرض مفسدين أي لا تعملوا فيها الفساد. يعم أيضا تنقيص ~~الحقوق وغيره، كالسرقة، والدعاء إليه، والصد عن الإيمان ونحوها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 86] # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) # بقيت الله أي ثوابه الباقي على وفاء الكيل والوزن، أو ما أبقاه عليكم بعد ~~التنزه عن الحرام، أو ما تفضل عليكم من الربح بعد وفائهما خير لكم أي في ~~دينكم ودنياكم إن كنتم مؤمنين فإن المؤمن يبارك له، إذا تنزه عن الحرام. أو ~~مصدقين بما أقول. # وقال القاشاني: أي إن كنتم مصدقين ببقاء شيء، فما يبقى لكم عند الله من ~~الكمالات والسعادات الأخروية، خير لكم من تلك المكاسب الفانية التي تشقون ~~بها، وتشقون على أنفسكم في كسبها وتحصيلها، ثم تتركونها بالموت، ولا يبقى ~~منها معكم شيء ms2708 إلا وبال التبعات والعذاب اللازم، لما في نفوسكم من رواسخ ~~الهيئات. # وما أنا عليكم بحفيظ أي رقيب لأحفظكم عن القبائح وأكفكم عنها بسيطرة. ~~وإنما أنا مبلغ نذير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 87] # قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) # قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أي من الأصنام، ~~أجابوا به # PageV06P124 # أمرهم بالتوحيد، على الاستهزاء والتهكم بصلواته، والإشعار بأن مثله لا ~~يدعو إليه داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه. ~~وكان شعيب كثير الصلاة، فلذلك جمعوا وخصوا الصلاة بالذكر. وقرئ: (أصلاتك) ~~بالإفراد- قاله القاضي- أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا من نقص ونحوه إنك ~~لأنت الحليم الرشيد # أي الموصوف بالحلم والرشد في قومك يعنون أن ما تأمر به لا يطابق حالك، ~~وما شهرت به. # كما قال قوم صالح عليه السلام: قد كنت فينا مرجوا قبل هذا [هود: 62] ، أو ~~قالوا ذلك تهكما به، والمراد أنه على الضد من ذلك. قيل: وهذا أرجح، لأنه ~~أنسب بتهكمهم قبله والأدق هو الأول لمماثلته لما خوطب به صالح، وتعقيبه ~~بمثل ما عقب به، وهو قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 88] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي أي أخبروني إن كنت على برهان ~~يقيني مما أتاني ربي من العمل والنبوة ورزقني منه رزقا حسنا أي مالا حلالا ~~مكتسبا بلا بخس وتطفيف، أو حكمة ونبوة، وكمالا وتكميلا، بالاستقامة على ~~التوحيد. هل يصح لي أن أخون الوحي، وأترك النهي عن الشرك والظلم، والإصلاح ~~بالتزكية والتحلية. وهو اعتذار عما أنكروه عليه من تغيير المألوف والنهي عن ~~دين الآباء. وحذف جواب ms2709 (أرأيتم) لما دل عليه في مثله، كما مر في نبأ نوح ~~وصالح عليهما السلام، وعلى خصوصيته هنا من قوله: وما أريد أن أخالفكم إلى ~~ما أنهاكم عنه أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه، لأستبد به دونكم، فلو كان ~~صوابا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلا عن أن أنهى عنه- أفاده القاضي-. # وفي (التاج) : يقال: خالفه إلى الشيء: عصاه إليه، أو قصده بعد ما نهاه ~~عنه، وهو من ذلك. # PageV06P125 # قال القاشاني: أي ما أقصد إلى جر المنافع الدنيوية الفانية، بارتكاب ~~الظلم الذي أنهاكم عنه. # إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت أي إصلاح نفوسكم بالتزكية، والتهيئة لقبول ~~الحكمة، مادمت مستطيعا متمكنا منه. وما توفيقي إلا بالله أي وما كوني موفقا ~~للإصلاح إلا بمعونة الله وتأييده. عليه توكلت أي أعتمد وإليه أنيب أي أرجع ~~في السراء والضراء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 89] # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أي لا يكسبنكم عدواتي أن يصيبكم مثل ما أصاب ~~قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح من الغرق والريح والصيحة وما قوم لوط منكم ~~ببعيد فإن منازلهم قريبة منكم، وقد علمتم ما نزل بهم من قلب الأرض وإمطار ~~الحجارة. وذلك لأن مخالفة الرسل تقتضي أحد هذه الأمور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 90] # واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) # واستغفروا ربكم أي من عبادة الأصنام ثم توبوا إليه أي بالتوحيد، أو ~~بالرجوع عن البخس والتطفيف إن ربي رحيم أي للمستغفرين التائبين ودود أي ~~مبالغ في المحبة لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 91] # قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) # قالوا يا شعيب ما نفقه أي ما نفهم كثيرا مما تقول كالتوحيد، وحرمة البخس. ~~يعنون أنهم لا يقبلونه، أو ms2710 قالوا ذلك استهانة به، كما يقول الرجل لمن لا ~~يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول! أو جعلوا كلامه هذيانا وتخليطا لا ينفعهم ~~كثير منه و (الكثير) مراد به الكل، أو قالوه فرارا من المكابرة. # PageV06P126 # قال أبو السعود: الفقه معرفة غرض المتكلم من كلامه. أي: ما نفهم مرادك، ~~وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل الحق البين على أحسن وجه وأبلغه، وضاقت ~~عليهم الحيل، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلا، سوى الصدود عن منهاج الحق، ~~والسلوك إلى سبيل الشقاء، كما هو ديدن المفحم المحجوج، يقابل البينات بالسب ~~والإبراق والإرعاد. فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ، وأنواع ~~العلوم والمعارف، من قبيل ما لا يفهم معناه، ولا يدرك فحواه، وأدمجوا في ~~ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكون من المؤاخذة والعقاب. ولعل ~~ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأمم السالفة، ولذلك قالوا: # وإنا لنراك فينا ضعيفا أي لا قوة لك، فتمتنع منا إن أردنا بك سوءا ولولا ~~رهطك أي قومك وأنهم على ملتنا لرجمناك أي قتلناك برمي الأحجار، أو شر قتلة ~~وما أنت علينا بعزيز أي لا تعز علينا ولا تكرم، حتى نكرمك ونمنعك من الرجم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 92] # قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما ~~تعملون محيط (92) # قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله أي من أمره ووحيه ودينه واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا أي نسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر، لا يعبأ به. # و (الظهري) منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب، كما قالوا: (إمسي) ~~بالكسر في النسبة إلى (أمس) و (دهري) ، بالضم، في النسبة إلى (الدهر) إن ~~ربي بما تعملون محيط أي عالم، لا يخفى عليه، فيجازيكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 93] # ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) # ويا قوم اعملوا على مكانتكم أي غاية تمكنكم واستطاعتكم، ms2711 أو على جهتكم ~~وحالكم التي أنتم عليها، من كفركم وعداوتكم إني عامل أي على مكانتي التي ~~كنت عليها من الثبات على الإسلام والمصابرة. # PageV06P127 # سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب أي ~~منتظر لهلاككم. وفي زيادة (معكم) إظهار منه عليه السلام لكمال الوثوق ~~بأمره. # قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون؟ ~~قلت: إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري ~~بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: فما يكون إذا عملنا نحن ~~على مكانتنا، وعلمت أنت؟ فقال: سوف تعلمون! فوصل تارة بالفاء، وتارة ~~بالاستئناف، للتفنن في البلاغة، كم هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين ~~وأبلغهما الاستئناف. للإشعار بأنه مما يسأل عنه، ويعتني به، ولذا كان أبلغ ~~في التهويل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 94] # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا إنما ذكره ~~بالواو، كما في قصة عاد، إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف ~~قصتي صالح ولوط، فإنه ذكر بعد الوعد، وذلك قوله: وعد غير مكذوب [هود: 65] ، ~~وقوله: إن موعدهم الصبح [هود: 81] ، فلذلك جاء بفاء السببية. أفاده القاضي. # وأخذت الذين ظلموا الصيحة أي بالعذاب فأصبحوا في ديارهم جاثمين أي ميتين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 95] # كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) # كأن لم يغنوا أي يقيموا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود شبههم بهم، ~~لأن عذابهم كان أيضا بالصيحة، وكانوا قريبا منهم في المنزل، نظراءهم في ~~الكفر، وقطع الطريق، وكانوا أعرابا مثلهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 96] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي التسع وسلطان مبين وهو العصا. وكانت # PageV06P128 # أبهر معجزاته، فلذا خصت، أو هو الآيات، والعطف للإشارة إلى الجمع بين ms2712 ~~كونها آيات وسلطانا واضحا على رسالته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 97] # إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) # إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون أي بالكفر بموسى، أو طريقة فرعون ~~الجائرة. # قال الزمخشري: هذا تجهيل لمتبعيه، حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا ~~يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل. وذلك أنه ادعى الإلهية، وهو بشر ~~مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، فاتبعوه ~~وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. # وما أمر فرعون برشيد أي بمرشد، أو ذي رشد، وإنما هو غي وضلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 98] # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) # يقدم قومه يوم القيامة أي يتقدمهم إلى النار، كما كان يقدمهم في الدنيا ~~إلى الضلال فأوردهم النار أي يوردهم. وإيثار لفظ الماضي للدلالة على تحققه ~~والقطع به. وشبه فرعون بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وأتباعه ~~بالواردة، والنار بالماء الذي يردونه. # ثم قيل: وبئس الورد المورود أي بئس الذي يردونه النار، لأن الورد- وهو ~~النصيب من الماء- إنما يراد لتسكين الظمأ، وتبريد الكبد، والنار على الضد ~~من ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 99] # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) # وأتبعوا في هذه أي الدنيا لعنة ويوم القيامة أي يلعنون في الدنيا ~~والآخرة، فهي تابعة لهم، أين كانوا. ف (يوم) معطوف على محل (في) هذه، ~~لابتداء كلام. # PageV06P129 # بئس الرفد المرفود أي بئس العطاء المعطى وهي اللعنة في الدارين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 100] # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) # ذلك إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم من أنباء القرى أي المهلكة نقصه عليك ~~أي بالوحي منها قائم أي باق ينظر إليها، قد باد أهلها وحصيد أي ومنها عافى ~~الأثر كالزرع المحصود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 101] # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ms2713 أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) # وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم أي بتعريضها لما أوجبه من ~~الشرك وعبادة الأوثان والظلم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ~~من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب أي إهلاك وتخسير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 102] # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد فيه إشعار ~~بظلمهم وإعلام بسنته تعالى في أخذ الظالمين، التي لا تتبدل، وإنذار كل ظالم ~~ظلم نفسه أي غيره، من سوء العاقبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 103] # إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود (103) # إن في ذلك أي فيما قص في هذه السورة، أو في أخذ الظالمين لآية أي لعبرة ~~لمن خاف عذاب الآخرة فيعتبر بها عن موجباته ذلك يوم مجموع له الناس وذلك ~~يوم مشهود أي يشهده الأولون والآخرون، وأهل السماء والأرض. # PageV06P130 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 104] # وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) # وما نؤخره أي ذلك اليوم إلا لأجل معدود أي لمدة محدودة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 105] # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه أي بإذن الله تعالى، كقوله تعالى: لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا [النبأ: 38] ، فمنهم شقي وسعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 106] # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق الزفير إخراج النفس مع ~~صوت ممدود، والشهيق: رده. كني بهما عن الغم والكرب، لأنه يعلو معه النفس ~~غالبا. أو شبه صراخهم بأصوات الحمير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : الآيات 107 ms2714 الى 108] # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما ~~يريد. # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية. # وفي التوقيت ب (السموات والأرض) وجهان: # أحدهما: أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع، كقول العرب: (ما أقام ~~ثبير) ، و (ما لاح كوكب) و (ما طما البحر) ونحوها: لا تعليق قرارهم في ~~الدارين بدوام هذه السموات والأرض، فإن النصوص دالة على تأبيد قرارهم، ~~وانقطاع دوامهما. # PageV06P131 # وثانيهما: أن يراد سموات الآخرة وأرضها، إذ لا بد لأهلها من مظل ومقل قال ~~تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48] ، وقوله: وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] . # فإن قلت: ما معنى الاستثناء بالمشيئة، وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من ~~غير استثناء؟. # فالجواب: ما قدمناه في قوله تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله [الأعراف: 188] ، يعني أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب ~~القرآن، للدلالة على الثبوت والاستمرار. # والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك ~~بمشيئة الله تعالى بطبيعتها في نفسها، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل. # وقد أشار لهذا ابن كثير بقوله: يعني أن دوامهم ليس أمرا واجبا بذاته، بل ~~موكول إلى مشيئته تعالى. # وابن عطية بقوله: هذا على طريق الاستثناء الذي ندب الشارع إلى استعماله ~~في كل كلام كقوله: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله [الفتح: 27] ، فليس ~~يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع. # وللمفسرين هنا وجوه كثيرة، وما ذكرناه أحقها وأبدعها. # ولما قص تعالى قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحله بهم من نقمة، وما أعد لهم ~~من عذابه قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms2715 [سورة هود (11) : آية # 109] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء أي في شك من عبادتهم، في أنها ضلال مؤد ~~إلى مثل ما حل بمن قبلهم. وفيه تسلية له صلوات الله عليه، وعدة بالانتقام، ~~ووعيد لهم. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل أي فهم سواء في الإشراك، ~~وقد بلغك ما نزل بآبائهم، فسيحل بهم مثله. وهو استئناف معلل للنهي عن ~~المرية وإنا لموفوهم نصيبهم أي من العذاب، كما وفي لآبائهم غير منقوص. # PageV06P132 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 110] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (110) # ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة فاختلف فيه أي آمن به قوم، وكفر به ~~آخرون، كما اختلف هؤلاء في القرآن ولولا كلمة سبقت من ربك يعني ما أشير ~~إليه في قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] ، لقضي ~~بينهم أي باستئصالهم. وإنهم أي هؤلاء، وهم كفار مكة لفي شك منه أي القرآن ~~مريب أي موقع للناس في الريبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 111] # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير أي فلا يخفى عليه ~~شيء منه، وسيجزيهم عليه. والتنوين في (كلا) عوض عن المضاف، أي وإن كل ~~المختلفين فيه. ### | تنبيه: # في هذه الآية قراءات: قرئ (إنه) و (لما) مخففتين ومشددتين، وبتخفيف (إن) ~~وتشديد (لما) ، وبعكسها، وهذه الأربع قراءات كلها متواترة. # فأما الأولى: ففيها إعمال (إن) المخففة، وهي لغة ثابتة عن العرب، واللام ~~في (لما) لأمر الابتداء، داخلة في خبر (إن) و (ما) إما موصولة بمعنى ~~(اللذين) واقعة على من يعقل، واللام في (ليوفينهم) جواب قسم مضمر. أي: وإن ~~كلا الذين، والله! ليوفينهم. وإما نكرة موصوفة، والجملة القسمية وجوابها ~~صفة (ما) . أي: ms2716 وإن كلا لخلق، أو لفريق والله! ليوفينهم. وقيل: اللام ~~الأولى موطئة للقسم، ولما اجتمع اللامان، واتفقا في اللفظ، فصل بينهما ب ~~(ما) فهي زائدة لإصلاح اللفظ. وقيل: # اللام المذكورة هي الفارقة بين المخاففة والنافية. وقيل: إنها جواب القسم ~~كررت تأكيدا. # وأما الثانية: وهي تشديدهما، ف (إن) على حالها. وما بعدها منصوب على أنه ~~اسمها، و (لما) بمعنى (إلا) أو جازمة بمعنى (لم) ومجزومها محذوف. أي: لما # PageV06P133 # يمهلوا، أو لما يوفوا أعمالهم إلى الآن، وسيوفونها. # وأما الثالثة: وهي تخفيف (إن) وتشديد (لم) ف (إن) مخففة عاملة كما تقدم، ~~و (لما) بمعنى (إلا) أو جازمة أيضا أو (إن) نافية بمنزلة (ما) و (ما) بمعنى ~~(إلا) و (كلا) منصوب بمضمر، أي: وما أرى كلا إلا. # وأما الرابعة: وهي تشديد (إن) وتخفيف (لما) فواضحة ف (إن) هي المشددة ~~عملت عملها. # والكلام في (اللام) و (ما) مثل ما تقدم أولا من الوجوه الأربعة في ~~(اللام) والثلاثة في (ما) . # وثمة قراءات أخر فلتراجع في (السمين) وغيره. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 112] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) # فاستقم كما أمرت أي في القرآن، و (الكاف) للتشبيه، أو بمعنى (على) ومن ~~تاب معك أي من الشرك، وهم المؤمنون. ولا تطغوا أي تجاوزوا حدود الله إنه ~~بما تعملون بصير أي فيجازيكم به. قال ابن كثير: يأمر تعالى رسوله والمؤمنين ~~بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر، وينهى عن ~~الطغيان وهو البغي، فإنه مصرعة، ولو كان على مشرك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 113] # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أي أنفسهم بالشرك والمعاصي أي: لا تسكنوا ~~إليهم. ولا تطمئنوا إليهم. لما يفضي الركون من الرضا بشركهم وتقويتهم، ~~وتوهين جانب الحق. فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء أي أنصار ~~يمنعون عذابه عنكم بركونكم إليهم ms2717 ثم لا تنصرون أي لا تمنعون مما يراد بكم. ~~والقصد تبعيد المؤمنين عن موادة المشركين المحادين لله ولرسوله، والثقة ~~بهم، وهم أعظم عقبة # PageV06P134 # في الصد عن سبيل الله، لأن ذلك ينافي الإيمان. # قيل: الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم، والتهديد عليه، لأن هذا ~~الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى أهله، فكيف بمن ينغمس في حمأته؟. ### | تنبيه: # قال بعض المفسرين اليمانين: الآية صريحة بأن الركون إلى الظلمة محرم ~~وكبيرة، لأنه تعالى توعد بالنار. ولكن ما هو الركون الذي أراده تعالى؟ ~~قلنا: في ذلك وجوه؟ # فروي عن ابن عباس والأصم أن المعنى: لا تميلوا إلى الظلمة في شيء من ~~دينكم. # وقيل: ترضوا بأعمالهم. عن أبي العالية-. # وقيل: تلحقوا بالمشركين- عن قتادة-. # وقيل: تداهنوا الظلمة عن السدي وابن زيد-. # وقيل: الدخول معهم في ظلمهم، وإظهار الرضا بفعلهم، وإظهار موالاتهم. فأما ~~إذا دخل عليهم لدفع شرهم، فيجوز، لأنه تعالى أمر بالرفق في مخالطة الكفار، ~~والظلمة أولى. # قال الزمخشري: النهي يتناول الانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ~~ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، ~~والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمل ~~قوله: # ولا تركنوا فإن الركون هو الميل اليسير. وقوله: إلى الذين ظلموا أي إلى ~~الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين. # وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام، فقرأ بهذه الآية، فغشي عليه، فلما أفاق ~~قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟ انتهى. # قال اليماني: قد وسع العلماء في ذلك وشددوا، والحالات تختلف، والأعمال ~~بالنيات، والتفصيل أولى، فإن كانت المخالطة لدفع منكر، أو استعانة عليه، أو ~~رجاء تركهم الظلم، أو استكفاء شرورهم فلا حرج في ذلك، وربما وجب، وإن كان ~~لإيناسهم وإقرارهم فلا. انتهى-. # وأقول: كل هذا مبني على عموم الآية، وأما إن كانت في مشركي مكة، # PageV06P135 # اعتمادا على سباق الآية وسياقها، فالمراد منها ما ذكرناه أولا- والله ~~أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 114] # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ms2718 إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) # وأقم الصلاة طرفي النهار أي غدوة وعشية وزلفا من الليل أي وساعات منه، ~~وهي ساعاته القريبة من آخر النهار. من (أزلفه) إذا قربه، وازدلف إليه. ~~وصلاة الغدوة: الفجر وصلاة العشية: الظهر والعصر، لأن ما بعد الزوال عشي، ~~وصلاة الزلف المغرب والعشاء- كذا في الكشاف-. # والآية كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ~~[الإسراء: 78] . في جمعهما للصلوات الخمس جمعا بالغا غاية اللطف في بلاغة ~~الإيجاز وانتصاب (طرفي النهار) على الظرف لإضافته إليه. و (زلفا) قرأها ~~العامة بضم ففتح، جمع زلفة، كظلمة وظلم. وقرئ بضمهما، إما على أنه جمع زلفة ~~أيضا، ولكن ضمت عينه اتباعا لفائه أو على أنه اسم مفرد كعنق. أو جمع زليف ~~بمعنى زلفة كرغيف ورغف. # وقرئ بإسكان اللام، إما بالتخفيف، فيكون فيها ما تقدم، أو على أن السكون ~~على أصله، فهو كبسرة وبسر، من غير إتباع. # وقرئ (زلفى) كحبلى، بمعنى قريبة، أو على إبدال الألف من التنوين، إجزاء ~~للوصل مجرى الوقف. ونصبه إما على الظرفية، بعطفه على (طرفي النهار) لأن ~~المراد به الساعات، أو على عطفه على (الصلاة) فهو مفعول به. # والزلفة عند ثعلب، أول ساعات الليل. # وقال الأخفش: مطلق ساعات الليل، وأصل معناه القرب. يقال ازدلف أي اقترب و ~~(من الليل) صفة زلفا- كذا في العناية-. # إن الحسنات أي التي من جملتها، بل عمدتها، ما أمرت به من الصلوات يذهبن ~~السيئات أي التي قلما يخلو منها البشر، أي يكفرنها. ذلك أي إقامة الصلوات ~~في الأوقات المذكورة، ذكرى للذاكرين أي ذكرى له تعالى، وإحضار # PageV06P136 # للقلب معه، وتصفية من كدورات اللهو والنسيان لعظمته. # وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ~~ما دون أن أمسها، وأنا هذا. فاقض في ما شئت! فقال له عمر رضي الله عنه: لقد ~~سترك الله تعالى لو سترت على نفسك. قال فلم يرد ms2719 النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا. فقام الرجل، فانطلق فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، ~~وتلا عليه هذه الآية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات إلخ. # فقال رجل من القوم: يا رسول الله! هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة- ~~أخرجه البخاري «1» وغيره. # وفي رواية عن أبي أمامة «2» قال له صلى الله عليه وسلم: أتممت الوضوء ~~وصليت معنا؟ قال: # نعم قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك، فلا تعد. وقرأ الآية. # وفي رواية فنزلت الآية، والمراد بالنزول شمولها، بنزولها المتقدم، لما ~~وقع، لأنها كانت سببا في النزول- كما بيناه غير مرة-. # وفي الصحيح «3» عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيتم لو ~~أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات. هل يبقى من دونه شيء؟ ~~قالوا: لا. قال: # فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا. ورواه البخاري أيضا عن ~~جابر، وروي نحوه عن عثمان وسلمان. # وللإمام أحمد «4» عن معاذ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتبع ~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. # وله عن أبي ذر «5» مرفوعا (إذا علمت سيئة فأتبعها حسنة تمحها) قلت: ~~PageV06P137 # يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال (هي أفضل الحسنات) # أي: # فالحسنات مثل الصلاة والذكر والصدقة والاستغفار، ونحو ذلك من أعمال البر. ### | لطيفة: # أشار القاشاني عليه الرحمة إلى سر الصلوات الخمس في أوقاتها بما يجدر ~~الوقوف عليه، فقال: # لما كانت الحواس الخمس شواغل تشغل القلب بما يرد عليه في الهيئات ~~الجسمانية، وتجذبه عن الحضرة الرحمانية، وتحجبه عن النور والحضور، بالإعراض ~~عن جانب القدس، والتوجه إلى معدن الرجس، وتبدله الوحشة بالأنس، والكدورة ~~بالصفاء- فرضت خمس صلوات، يتفرغ فيها العبد للحضور، ويسد أبواب الحواس، ~~لئلا يرد على القلب شاغل يشغله، ويفتح باب القلب إلى الله تعالى بالتوجه ~~والنية، لوصول مدد النور، ويجمع همه عن التفرق ويستأنس بربه عن التوحش، مع ~~اتحاد الوجهة، وحصول الجمعية، فتكون تلك الصلوات خمسة أبواب مفتوحة للقلب، ~~على ms2720 جناب الرب، يدخل عليه بها النور بإزاء تلك الخمسة المفتوحة إلى جانب ~~الغرور، ودارا للعين الغرور، التي تدخل بها الظلمة ليذهب النور الوارد أثار ~~ظلماتها، ويكسح غبار كدوراتها. وهذا معنى قوله: إن الحسنات يذهبن السيئات: # وقد ورد في الحديث «1» # (إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر) # وأمر بإقامتها طرفي النهار، لينسحب حكمها ببقاء الجمعية، واستيلاء الهيئة ~~النورية، في أوله إلى سائر الأوقات، فعسى أن يكون من الذين هم على صلاتهم ~~دائمون، لدوام ذلك الحضور وبقاء ذلك النور، ويكسح ويزيل في آخرة ما حصل في ~~سائر الأوقات من التفرقة والكدورة. ولما كانت القوى الطبيعية المدبرة لأمر ~~الغذاء، سلطانها في الليل، وهي تجذب النفس إلى تدبير البدن بالنوم عن ~~عالمها الروحاني، وتحجزها عن شأنها الخاص بها، الذي هو مطالعة عالم القدس ~~بشغلها باستعمال آلات الغذاء، لعمارة الجسد، فتسلبها اللطافة، وتكدرها ~~بالغشاوة- احتيج إلى تلطيفها وتصفيتها باليقظة، وتنويرها بالصلاة، فقال: ~~وزلفا من الليل انتهى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 115] # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) # واصبر أي على مشاق ما أمرت به من التبليغ، أو على ما يقولون، أو على ~~PageV06P138 # الصلاة كقوله: واصطبر عليها [طه: 132] ، ولا مانع من شموله للكل. # فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أي في أعمالهم فيوفيهم أجورهم من غير بخس. ~~قال أبو السعود: وإنما عبر عن ذلك بنفي الإضاعة، لبيان كمال نزاهته تعالى ~~عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره عنه سبحانه، وإبراز الإثابة في معرض ~~الأمور الواجبة مع الإيماء إلى أن الصبر على ما ذكر من باب الإحسان. انتهى. # وأشار الشهاب في (العناية) هنا إلى لطيفة من البلاغة القرآنية، وهو أن ~~الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت عامة في ~~المعنى، وفي المنهيات جمعت للأمة. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 116] # فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع ms2721 الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) # فلولا كان أي فهلا وجد من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض أي بعمل الشرور والمنكرات، فإن لو كان منهم ناهون لم يؤخذ الباقون ~~إلا قليلا ممن أنجينا منهم استثناء منقطع. أي لكن قليلا ممن أنجينا من ~~القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهي. ### | لطيفة: # (البقية) إما بمعنى الباقية، والتأنيث لمعنى الخصلة أو القطعة. أو بقية ~~من الرأي والعقل. أو بمعنى الفضيلة، والتاء للنقل إلى الاسمية كالذبيحة. ~~وأطلق على الفضل (بقية) استعارة من البقية التي يصطفيها المرء لنفسه. ~~ويدخرها مما ينفقه، فإنه يفعل ذلك بأنفسها. ولذا قيل: (في الزوايا خبايا، ~~وفي الرجال بقايا) و (فلان من بقية القوم) أي من خيارهم وجوز كون (البقية) ~~مصدرا بمعنى (البقوى) ، كالتقية بمعنى التقوى، أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء ~~على أنفسهم، صيانة لها من سخطه تعالى وعقابه. # واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه أي ما صاروا منعمين فيه من الشهوات، حتى # PageV06P139 # فجأهم العذاب، واتباعه كناية عن الاهتمام به، وترك غيره، كما هو دأب ~~التابع للشيء. # والذين ظلموا أعم من المباشرين بأنفسهم للفساد، ومن تاركي النهي عنه، ~~وقصره الزمخشري على الثاني، لأنهم المقصود بالنعي قبله، حيث قال: أراد ب ~~(الذين ظلموا) تاركي النهي عن المنكرات، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من ~~أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، ~~واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرئاسة والثروة، وطلب أسباب ~~العيش الهنيء ورفضوا ما وراء ذلك، ونبذوه وراء ظهورهم. # وكانوا مجرمين أي باتباعهم المذكور، أو كافرين، قال القاضي: كأنه أراد أن ~~يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة، وهو فشو الظلم فيهم، واتباعهم ~~للهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقد أشير لذلك بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 117] # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون أي بأمرهم بالمعروف، ونهيهم ~~عن المنكر. و ms2722 (بظلم) الباء فيه إما للملابسة، وهو حال من الفاعل، أي استحال ~~في الحكمة أن يهلك القرى ظالما لها، وتنكيره للتفخيم، والإيذان بأن إهلاك ~~المصلحين ظلم عظيم. أو للسببية، والظلم: الشرك، أي لا يهلك القرى بسبب ~~إشراك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فسادا ~~آخر، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى. ولذا قيل: (يبقى الملك مع ~~الشرك، ولا يبقى مع الظلم) وهذا، وإن كان صحيحا، إلا أن مقام دعوة الرسل ~~إلى التوحيد، ومحو الشرك أولا، ثم إلى الاستقامة في المعاملات ثانيا- يقضي ~~بحمل (الظلم) هنا على ما هو أعم من الشرك، وأصناف المعاصي. وحمل الإصلاح ~~على إصلاحه، والإقلاع عنه بكون بعضهم متصدين للنهي عنه، وبعضهم متجهين إلى ~~الاتعاظ، غير مصرين على ما هم عليه من الشرك ونحوه- كذا أشار له أبو ~~السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 118] # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة أي مجتمعة على الحق والإيمان # PageV06P140 # والصلاح ولكنه لم يشأ ذلك ولا يزالون مختلفين أي في الحق، منهم المؤمن به ~~ومنهم الكافر به. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 119] # إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين (119) # إلا من رحم ربك أي لكن ناسا رحمهم بهدايتهم إلى التوحيد، وتوفيقهم ~~للكمال، فاتفقوا في المذهب والمقصد، ووافقوا في السيرة والطريقة، قبلتهم ~~الحق، ودينهم التوحيد والمحبة. # وقوله تعالى: ولذلك خلقهم في المشار إليه أقوال. أظهرها أنه للاختلاف ~~الدال عليه (مختلفين) . فالضمير حينئذ للناس، أي لثمرة الاختلاف، من كون ~~فريق في الجنة، وفريق في السعير، خلقهم. واللام لام العاقبة والصيرورة، لأن ~~حكمة خلقهم ليس هذا، لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: # 56] ، ولأنه لو خلقهم له، لم يعذبهم عليه. أو الإشارة له وللرحمة ~~المفهومة من (رحم) لتأويلها ب (أن والفعل) أو كونها بمعنى الخير. وتكون ~~الإشارة لاثنين، كما في قوله: عوان بين ذلك ms2723 [البقرة: 68] . والمراد لاختلاف ~~الجميع ورحمة بعضهم خلقهم. وهذا معزو إلى ابن عباس رضي الله عنهما. وإن كان ~~الضمير ل (من) فالإشارة للرحمة بالتأويل السابق- كذا في العناية-. # وأشار القاشاني إلى بقاء اللام على معناها، وهو التعليل بوجه آخر، حيث ~~قال: # وللاختلاف خلقهم ليستعد كل منهم لشأن وعمل، ويختار بطبعه أمرا وصنعة، ~~ويستتب بهم نظام العالم، ويستقيم أمر المعاش، فهم محامل لأمر الله، حمل ~~عليهم حمول الأسباب والأرزاق، وما يتعيش به الناس، ورتب بهم قوام الحياة ~~الدنيا، كما أن الفئة المرحومة مظاهر لكماله، أظهر الله بهم صفاته وأفعاله، ~~وجعلهم مستودع حكمه ومعارفه وأسراره. # وقوله تعالى: وتمت كلمة ربك أي أحكمت وأبرمت وثبتت وهي هذه: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين والمراد من الجنة والناس عصاتهما، ~~والتعريف للعهد، والقرينة عقلية لما علم من الشرع أن العذاب مخصوص بهم، وأن ~~الوعيد ليس إلا لهم، ولا حاجة إلى تقدير مضاف كما قيل. ب أجمعين حينئذ # PageV06P141 # ظاهر، وإن لم يحمل على العهد، وأبقى على إطلاقه ففائدة التأكيد بيان أن ~~ملء جهنم من الصنفين، لا من أحدهما فقط، ويكون الداخلوها منهما مسكوتا عنه ~~موكولا إلى علمه تعالى، فاندفع ما أورد على ظاهرها من اقتضائه دخول جميع ~~الفريقين جهنم. وبطلانه معلوم بالضرورة. أما على الأول فظاهر وأما على ~~الثاني فالمراد بلفظ (أجمعين) تعميم الأصناف، وذلك لا يقتضي دخول جميع ~~الأفراد، كما إذا قلت: ملأت الجراب من جميع أصناف، الطعام، فإنه لا يقتضي ~~ذلك إلا أن يكون فيه شيء من كل صنف من الأصناف، لا أن يكون فيه جميع أفراد ~~الطعام. # كقولك: امتلأ المجلس من جميع أصناف الناس، لا يقتضي أن يكون في المجلس ~~جميع أفراد الناس، بل يكون من كل فرد صنف، وهو ظاهر. وعلى هذا تظهر فائدة ~~لفظ (أجمعين) إذ فيه رد على اليهود وغيرهم، ممن زعم أنه لا يدخل النار- كذا ~~في العناية-. # ولما ذكر تعالى فيما تقدم من أنباء الأمم الماضية، والقرون الخالية، ما ~~جرى لهم مع أنبيائهم- أشار هنا إلى سر ذلك وحكمته، بقوله: ### | ### | القول في ms2724 تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية # 120] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك أي نقوي به قلبك لتصبر ~~على أذى قومك، وتتأسى بالرسل من قبلك، وتعلم أن العاقبة لك، كما كانت لهم. # و (كلا) مفعول (لنقص) و (من أنباء) بيان له. و (ما ثبت) بدل من (كلا) أو ~~خبر محذوف. # وجاءك في هذه أي السورة، أو الأنباء المقتصة الحق أي القصص الحق الثابت ~~وموعظة وذكرى للمؤمنين أي عبرة لهم يحترزون بها عما أهلك الأمم، وتذكير لما ~~يجب أن يتدينوا به، ويجعلوه طريقهم وسيرتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 121] # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) # وقل للذين لا يؤمنون أي بهذا الحق، ولا يتعظون ولا يتذكرون اعملوا على ~~مكانتكم أي حالكم من اتباع الأهواء إنا عاملون أي على حالنا من اتباع ما ~~جاءنا والاتعاظ والتذكر به. # PageV06P142 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 122] # وانتظروا إنا منتظرون (122) # وانتظروا أي العواقب إنا منتظرون أي ما وعدنا به من الفتح،. وقد أنجز ~~الله وعده. ونصر عبده، فله الحمد وحده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة هود (11) : آية 123] # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) # ولله غيب السماوات والأرض أي فلا تخفى عليه خافية مما يجري فيهما، فلا ~~تخفى عليه أعمالكم وإليه يرجع الأمر كله أي أمر العباد في الآخرة، فيجازيهم ~~بأعمالهم. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار بالانتقام ~~منهم فاعبده وتوكل عليه فإنه كافيك وما ربك بغافل عما تعملون بالياء ~~التحتية في قراء الجمهور، مناسبة لقوله للذين لا يؤمنون وفي قراءة بالتاء ~~الفوقية على تغليب المخاطب، أي أنت وهم. أي فيجازي كلا بما يستحقه- والله ~~أعلم-. # PageV06P143 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يوسف # سميت به، لأن معظم قصته مذكورة، ومعظم ما فيها قصته. # قال الشهاب: لما ms2725 ختمت السورة التي قبلها بقوله: وكلا نقص عليك من أنباء ~~الرسل ذكرت هذه بعدها، لأنها من أنبائهم. وقد ذكر أولا ما لقى الأنبياء ~~عليهم السلام من قومهم، وذكر في هذه ما لقى يوسف من إخوته، ليعلم ما قاسوه ~~من أذى الأجانب والأقارب، فبينهما أتم المناسبة. والمقصود تسلية النبي صلى ~~الله عليه وسلم بما لاقاه من أذى القريب والبعيد. انتهى-. # و (يوسف) اسم عبراني، تعريبه يزيد، أو زيادة. وذلك لما روى أن أمه ~~(راحيل) كانت قعدت عن الحمل مدة، ولحقها الحزن تلقاء ضراتها الوالدات، ولما ~~وهبها تعالى، بعد سنين، ولدا سمته (يوسف) وقالت: يزيدني به ربي ولدا آخر. # وهذه السورة مكية اتفاقا، وآيها مائة وإحدى عشرة بلا خلاف. # وقد روى البيهقي في (الدلائل) أن طائفة من اليهود، حين سمعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتلو هذه السورة، أسلموا لموافقتها ما عندهم # PageV06P144 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) # الر تقدم الكلام على مثله، وأنها إما حروف مسرودة على نمط التعديد، ~~والإشارة في قوله: تلك آيات الكتاب المبين إلى آيات السورة، نزل ما بعده، ~~لكونه مترقبا، منزلة المتقدم. والإشارة بالبعيد لعظمته، وبعد مرتبته. وإما ~~اسم للسورة، والإشارة في (تلك) إليها. والمراد ب (الكتاب) السورة لأنه ~~بمعنى المكتوب، فيطلق عليها. أو القرآن، لأنه كما يطلق على كله، يطلق على ~~بعضه. و (المبين) بمعنى الظاهر أمرها وإعجازها، إن أخذ من (بان) لازما ~~بمعنى ظهر وإن أخذ من المتعدي فالمفعول مقدر، أي أنها من عند الله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 2] # إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) # إنا أنزلناه أي الكتاب المنعوت بما ذكر قرآنا عربيا لعلكم تعقلون أي لكي ~~تفهموه، وتحيطوا بمعانيه، ولا يلتبس عليكم. كما قال تعالى: ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته [فصلت: 44] ، أو لتستعملوا فيه ~~عقولكم، فتعلموا أن اقتصاصه كذلك، ممن لم يتعلم القصص، معجز، لا يمكن إلا ~~بالإيحاء. # أو لعلكم تعقلون بإنزاله ms2726 عربيا، ما تضمن من المعاني والأسرار، التي لا ~~يتضمنها ولا يحتملها غيرها من اللغات وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات ~~وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس. قال بعضهم: نزل ~~أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك ~~في أشرف بقاع الأرض، وفي أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل له الشرف من كل ~~الوجوه. # PageV06P145 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 3] # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين (3) # نحن نقص عليك أحسن القصص أي أبدعه طريقة، وأعجبه أسلوبا، وأصدقه أخبارا، ~~وأجمعه حكما وعبرا بما أوحينا إليك أي بإيحائنا إليك هذا القرآن وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين أي عنه، لم يخطر ببالك. والتعبير عن عدم العلم بالغفلة ~~لإجلال شأن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جوز في هذا أن يكون مفعول نقص، ~~على أن (أحسن) نصب على المصدر. وأن يكون مفعول (أوحينا) على أن مفعول نقص ~~(أحسن) أو محذوف. وأن يكون بدلا من (ما) على أنها موصولة أو خبر محذوف ~~كذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 4] # إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) # إذ قال يوسف لأبيه يعني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. # والظرف بدل من المفعول قبله بدل اشتمال، أو مفعول لمحذوف. يا أبت إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين إنما ناجى يوسف أباه ~~بهذه الرؤيا، لاعتقاده كمال علمه، وشفقته عليه، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه ~~لأمكنه صرفها عنه. # قال القاشاني: هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير، لانتقال المتخيلة ~~من النفوس الشريفة التي عرض على النفس من الغيب سجودها له، إلى الكواكب ~~والشمس والقمر، وما كانت في نفس الأمر إلا أبويه وإخوته. (يا أبت) أصله يا ~~أبي، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة، وكسرها لأنه عوض عن ~~حرف يناسبها. وقرئ بفتحها لأنها ms2727 حركة أصلها، أو لأنه كان (يا أبتا) فحذف ~~الألف، وبقي الفتحة. وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، من ~~غير اعتبار التعويض. # وقوله: (رأيتهم) استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها، فلا تكرير: أو ~~تأكيد للأولى تطرية لطول العهد، كما في قوله: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما أنكم مخرجون [المؤمنون: 35] ، وإنما أجريت مجرى العقلاء في ~~ضميرهم وجمع صفتهم جمعا سالما، لوصفها بوصفهم، وهو السجود. # PageV06P146 # قال المهايمي: ولو صح كونها ناطقة فلا إشكال. قال: ولم أر من تعرض لهيئة ~~السجود، ولعله تحريك جانبها الأعلى إلى الأسفل، مستديرة ظهرت أو مستطيلة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 5] # قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) # قال يا بني صغره لصغر سنه، وللشفقة عليه، ولعذوبة المصغر، لا تقصص رؤياك ~~على إخوتك فيكيدوا لك كيدا أي فيفعلوا لأجلك أو لإهلاكك تحيلا عظيما متلفا ~~لك. إن الشيطان للإنسان عدو مبين أي ظاهر العداوة، فلا يألو جهدا في إغواء ~~إخوتك وحملهم على ما لا خير فيه. # قال القاشاني: هذا النهي من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب ~~من المجردات الروحانية في الروح، ويصل أثره إلى القلب، ولا يتشخص في النفس ~~مفصلا، حتى يقع العلم به كما هو، فيقع في النفس منه خوف واحتراز إن كان ~~مكروها، وفرح وسرور إن كان مرغوبا. ويسمى هذا النوع من الإلهام، إنذارات ~~وبشارات فخاف، عليه السلام، من وقوع ما وقع قبل وقوعه، فنهاه عن إخبارهم ~~برؤياه احترازا، ويجوز أن يكون احترازه كان من جهة دلالة الرؤيا على شرفه ~~وكرامته، وزيادة قدره على إخوته، فخاف من حسدهم عليه عند شعورهم بذلك. ~~انتهى. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) . قال الكيا: هذا يدل على جواز ترك إظهار ~~النعمة لمن يخشى منه حسد ومكروه. # وقال ابن العربي: فيه حكم بالعادة أن الإخوة والقرابة يحسدون. قال: وفيه ~~أن يعقوب عرف تأويل الرؤيا ولم يبال بذلك، فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرا ms2728 ~~منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه. # وقال بعض المفسرين اليمانين: قال الحاكم: هذا يدل على أنه يجب في بعض ~~الأوقات إخفاء فضيلة، تحرزا من الحسود. وهذا داخل في قولنا: إن الحسن إذا ~~كان سببا للقبيح قبح. ومنه آية الأنعام: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم [الأنعام: 108] . # PageV06P147 # وفي هذا ما ذكر عن زين العابدين: # إني لأكتم من علمي جواهره ... كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا # الأبيات المعروفة، ذكرها عن زين العابدين، والغزالي في (منهاج العابدين) ~~والديلمي في كتاب (التصفية) وهذا يعقوب صلوات الله عليه أمر يوسف أن لا يقص ~~رؤياه على إخوته، والمعنى واحد، فلا معنى لإنكار من ينكر ويزعم أن العلم لا ~~يحل كتمه. انتهى. # ومقصوده أن خوف شر الأشرار من الصوارف عن الصدع بالحق. # قال السيد ابن المرتضى اليماني في (إيثار الحق) : مما زاد الحق غموضا ~~وخفاء خوف العارفين، مع قلتهم، من علماء السوء، وسلاطين الجور، وشياطين ~~الخلق، مع جواز التقية عند ذلك، بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام. وما زال ~~الخوف مانعا من إظهار الحق، وما برح المحق عدوا لأكثر الخلق. # وذكر رحمه الله قبل في الاستدلال على التقية أنه تعالى أثنى على مؤمن آل ~~فرعون، مع كتم إيمانه، وسميت به سورة (المؤمن) . وصح أمر عمار به، وتقريره ~~عليه، ونزلت فيه: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] ، وقد صح ~~عن أبي هريرة «1» أنه قال في ذلك العصر الأول: حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته لكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا ~~البلعوم. قال الغزالي في خطبة (المقصد الأسنى) : من خالط الخلق جدير بأنه ~~يتحامى. لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 6] # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) # وكذلك يجتبيك ربك أي مثل ذلك الاصطفاء، بإراءة هذه ms2729 الرؤيا العظيمة الشأن، ~~يصطفيك للنبوة والسيادة ويعلمك من تأويل الأحاديث أي تعبير المنامات، وإنما ~~سمي التعبير تأويلا، لأنه جعل المرئي آئلا إلى ما يذكره المعبر بصدد ~~التعبير وراجعا إليه. والأحاديث اسم جمع للحديث، سميت به الرؤيا لأنها إما ~~حديث ملك أو نفس أو شيطان. ويتم نعمته عليك أي بما سيؤول إليه أمرك ~~PageV06P148 # وعلى آل يعقوب وهم أهله من بنيه، وحاشيتهم، أي يسبغ نعمته عليهم بك كما ~~أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم بمن هو مستحق للاجتباء ~~حكيم في صنعه. ### | تنبيهات: # الأول- قال أبو السعود كأن يعقوب عليه السلام أشار بقوله: ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام، من تعبيره لرؤيا صاحبي ~~السجن، ورؤيا الملك، وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله إليه من الرياسة ~~العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة. وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه ~~من جهة الوحي. أو أراد كون هذه الخصلة سببا لظهور أمره عليه السلام على ~~الإطلاق، فيجوز حينئذ أن تكون معرفته بطريق الفراسة، والاستدلال من الشواهد ~~والدلائل والأمارات والمخايل، بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا، لا ~~بد من توفيقه لتعبيرها، وتأويل أمثالها، وتمييز ما هو آفاقي منها، مما هو ~~أنفسي كيف لا، وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام في عالم المثال، ~~وقوة تصرفاتها فيه، فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك العالم، وبما ~~يحاكيه من الأمور الواقعة بحسبها في عالم الشهادة، وأقوى وقوفا على النسب ~~الواقعة بين الصور المعاينة في أحد ذينك العالمين، وبين الكائنات الظاهرة ~~على وفقها في العالم الآخر. وإن هذا الشأن البديع، لا بد أن يكون أنموذجا ~~لظهور أمر من اتصف به، ومدارا لجريان أحكامه، فإن لك نبي من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام معجزة، بها تظهر آثاره، وتجري أحكامه. # الثاني- استدل بالآية على أن (الجد) يطلق عليه اسم (الأب) ، فيدل أن من ~~نسب رجلا إلى جده وقال: (يا ابن فلان) ! أنه لا يكون قذفا. # الثالث- قال المهايمي: من فوائد هذا المقام استحباب كتمان ms2730 السر، وجواز ~~التحذير عن شخص بعينه، ومدح الشخص في وجهه إذا لم يضره، واعتبار السبب وإن ~~لم يؤثر وأن لكل حادث تأويلا عند الأولياء، وأنه تعبر الرؤيا من الصغار، ~~وإن كان من عالم الخيال، إذ تصور المخيلة معاني معقولة، بصور محسوسة، ~~فترسلها إلى الحس المشترك فيشاهدها. والصادقة منها ما تكون باتصال النفس ~~عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فيتصور بما فيها مما يناسب المعاني، ~~فإن كانت شديدة المناسبة استغنت عن التعبير، وإلا احتاجت إليه فالأخبار عن ~~هذه الرؤيا آية، وعما ترتب عليها آيات. # PageV06P149 ### | بحث في الرؤيا: # قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) في بحث (الفراسة) ما ~~مثاله: # ومن الفراسة علم الرؤيا. وقد عظم الله تعالى أمرها في جميع الكتب ~~المنزلة، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس [الإسراء: 60] ، وقال: إذ يريكهم الله في منامك ... [الأنفال: ~~43] الآية، وقال في قصة إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ~~[الصافات: 102] ، وقوله: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا [يوسف: 4] . # والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه ~~القوة في الإنسان فائدة. والله تعالى يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب وهو ~~الأكثر. أضغاث أحلام وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكن النفس في تلك ~~الحال كالماء المتموج. لا يقبل صورة. # وضرب وهو الأقل، صحيح، وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج ~~المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات ~~الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له ~~رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه. ثم من صح له ذلك، منهم من يرشح أن تلقى إليه في ~~المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال ~~اليونانيون. يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، ~~وذلك لأن له حظا من النبوة. # وقد قال عليه الصلاة والسلام «1» : (الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة) # وهذا العلم ms2731 يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه، فرب حكيم لا يرزق حذقا ~~فيه ورب نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم توجد له فيه قوة عجيبة. انتهى-. # وقال الأستاذ ابن خلدون: حقيقة الرؤيا مطالعة النفس الناطقة، في ذاتها ~~الروحانية، لمحة من صور الواقعات. فإنها عند ما تكون روحانية تكون صور ~~الواقعات فيها موجودة بالفعل، كما هو شأن الذوات الروحانية كلها، وتصير ~~روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية، والمدارك البدنية. وقد يقع لها ذلك ~~لمحة بسبب النوم، كما PageV06P150 # نذكر، فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه من الأمور المستقبلة، وتعود به إلى ~~مداركها. # فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا، وغير جلي بالمحاكاة، والمثال في الخيال ~~لتخلطه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير، وقد يكون الاقتباس قويا ~~يستغنى فيه عن المحاكاة، فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال ~~والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس، أنها ذات روحانية بالقوة، مستكملة بالبدن ~~ومداركه، حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودها بالفعل، فتكون حينئذ ذاتا ~~روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية، إلا أن نوعها من الروحانيات دون ~~الملائكة، أهل الأفق الأعلى، على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك ~~البدن ولا غيره، فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن. ومنه خاص، ~~كالذي للأولياء. ومنه عام للبشر على العموم، وهو أمر الرؤيا. وأما الذي ~~للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي ~~أعلى الروحانيات. ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي، وهي عند ~~ما يعرج على المدارك البدنية، ويقع فيها ما يقع من الإدراك، شبيها بحال ~~النوم شبها بينا، وإن كان حال النوم أدون منه بكثير، فلأجل هذا الشبه عبر ~~الشارع عن الرؤيا بأنها # (جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) # وفي رواية (ثلاثة وأربعين) # وفي رواية (سبعين) # وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات، وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه ~~المراتب، بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه، وهو للتكثير عند العرب، وما ذهب ~~إليه بعضهم # في رواية (ستة وأربعين) # من أن الوحي ms2732 كان في مبتدئه بالرؤيا ستة أشهر، وهي نصف سنة ومدة النبوة ~~كلها بمكة والمدنية ثلاث وعشرون سنة، فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين- ~~فكلام بعيد من التحقيق. لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء؟ مع أن ذلك إنما يعطي نسبة ~~زمن الرؤيا من زمن النبوة، ولا يعطي نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة. وإذا ~~تبين لك هذا مما ذكرناه أولا، علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول ~~الشامل للبشر، إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم، صلوات ~~الله عليهم، إذ هو الاستعداد البعيد. وإن كان عاما في البشر، ومعه عوائق ~~وموانع كثيرة من حصوله بالفعل. ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة، ففطر ~~الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم، الذي هو جبلي لهم، فتتعرض النفس ~~عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق، فتدرك بعض الأحيان منه ~~لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب. ولذلك جعلها الشارع من # PageV06P151 # المبشرات # فقال «1» : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) ! قالوا: وما المبشرات يا ~~رسول الله! قال (الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح، أو ترى له) . # وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم، فعلى ما أصفها لك: وذلك أن النفس ~~الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني، وهو بخار لطيف، ~~مركزه بالتجويف الأيسر من القلب- على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره- ~~وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة، وسائر الأفعال ~~البدنية، ويرتفع لطيفه إلى الدماغ، فيعدل من برده، وتتم أفعال القوى التي ~~في بطونه. فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري، وهي متعلقة ~~به، لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف. ولما لطف هذا ~~الروح الحيواني من بين المواد البدنية، صار محلا لآثار الذات المباينة له ~~في جسمانيته، وهي النفس الناطقة، وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته. # وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين: إدراك بالظاهر وهو بالحواس الخمس، ~~وإدراك بالباطن وهو بالقوى الدماغية. وأن هذا الإدراك ms2733 كله صرف لها عن ~~إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية، التي هي مستعدة له بالفطرة. ولما ~~كانت الحواس الظاهرة جسمانية، كانت معرضة للوسن والفشل، بما يدركها من ~~التعب والكلال، وتغشى الروح بكثرة التصرف، فخلق الله لها طلب الاستجمام، ~~لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة. وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني ~~من الحواس الظاهرة كلها، ورجوعه إلى الحس الباطن. ويعين على ذلك ما يغشى ~~البدن من البرد بالليل، فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن، وتذهب من ~~ظاهره إلى باطنه، فتكون مشيعة مركبها، وهو الروح الحيواني، إلى الباطن. ~~ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل. # فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة، ورجع إلى القوى الباطنة، وخفت عن ~~النفس شواغل الحس وموانعه، ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة، تمثل منها ~~بالتركيب والتحليل صورة خيالية وأكثر ما تكون معتادة، لأنها منتزعة من ~~المدركات المتعاهدة قريبا. ثم ينزلها الحس المشترك، الذي هو جامع الحواس ~~الظاهرة، فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة. # وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية، مع منازعتها القوى ~~الباطنية، PageV06P152 # فتدرك بإدراكها الروحاني لأنها مفطورة عليه. وتقتبس من صور الأشياء التي ~~صارت متعلقة في ذاتها حينئذ، ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة، فيمثلها ~~بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة. والمحاكاة من هذه هي المحتاجة ~~للتعبير، وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة، قبل أن تدرك من تلك ~~اللمحة ما تدركه هي- أضغاث أحلام. # وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : (الرؤيا ثلاث: رؤيا من ~~الله، ورؤيا من الملك، ورؤيا من الشيطان) # وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه فالجلي من الله، والمحاكاة الداعية إلى ~~التعبير من الملك، وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل، والشيطان ~~ينبوع الباطل. # هذه حقيقة الرؤيا، وما يسببها ويشيعها من النوم. وهي خواص للنفس ~~الإنسانية، موجودة في البشر على العموم، لا يخلو عنها أحد منهم، بل كل واحد ~~من الإنسان رأى في نومه ما صدر له في يقظته، مرارا غير واحدة، وحصل له ~~القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم، ولا ms2734 بد. وإذا جاز ذلك في عالم النوم، ~~فلا يمتنع في غيره من الأحوال، لأن الذات المدركة واحدة، وخواصها عامة في ~~كل حال. انتهى. # وذكر رحمه الله عند بحث (علم تعبير الرؤيا) أن التعبير لها كان موجودا في ~~السلف، كما هو في الخلف، وأن يوسف الصديق، صلوات الله عليه، كان يعير ~~الرؤيا، كما وقع في القرآن، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعن أبي بكر رضي الله عنه، والرؤيا مدرك من مدارك الغيب كما تقدم. ~~وأما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي، إذا أدرك مدركه، وألقاه إلى ~~الخيال فصوره، فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشيء. ومن ~~المرئي ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير، لجلائها ووضوحها، أو لقرب الشبه ~~فيها بين المدرك وشبهه. وللبحث تتمة سابغة، انظرها ثمة. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 7] # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # لقد كان في يوسف وإخوته أي في قصتهم وحديثهم آيات أي دلائل PageV06P153 # على قدرته تعالى، وحكمته في كل شيء للسائلين أي لمن سأل عن نبئهم. أو ~~آيات على نبوته صلوات الله عليه، لمن سأل عن نبئهم، فأخبرهم بالصحة من غير ~~تلق عن بشر أو أخذ عن كتاب. # وقال القاشاني: أي آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم ويعرفها، تدلهم أولا: ~~على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة الله تعالى، لا يتعلق بسعي ساع ولا ~~إرادة مريد، فيعلمون مراتب الاستعدادات في الأزل. # وثانيا- على أن من أراد الله به خيرا، لم يمكن لأحد دفعه. ومن عصمه الله، ~~لم يمكن لأحد رميه بسوء، ولا قصده بشر، فيقوى يقينهم وتوكلهم. # وثالثا- على أن كيد الشيطان وإغواءه أمر لا يأمن منه أحد، حتى الأنبياء، ~~فيكونون منه على حذر. وأقوى من ذلك كله أنها تطلعهم من طريق الفهم، الذي هو ~~الانتقال الذهني، على أحوالهم في البداية والنهاية، وما بينهما، وكيفية ~~سلوكهم إلى الله، فتثير شوقهم وإرادتهم، وتشحذ بصيرتهم، وتقوي عزيمتهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms2735 يوسف (12) : آية # 8] # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) # إذ قالوا ليوسف وأخوه وهو بنيامين شقيقه، وأمهما راحيل بنت لابان، خال ~~يعقوب. أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة أي والحال أنا جماعة أقوياء، أحق ~~بالمحبة من صغيرين، لا كفاية فيهما. والعصبة والعصابة: الجماعة من الرجال- ~~عشرة فصاعدا- سموا بذلك لكون الأمور تعصب بهم أي تشد فتقوى وذكرها ليس ~~لإفادة العدد فقط، بل للإشعار بالقوة، ليكون أدخل في الإنكار، لأنهم قادرون ~~على خدمته، والجد في منفعته فكيف يؤثر عليهم من لا يقدر على ذلك؟ # إن أبانا لفي ضلال مبين أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك لتفضيله المفضول ~~بزعمهم. وغاب عنهم أنه كان يحب يوسف لما يرى فيه من المخايل، لا سيما بعد ~~تلك الرؤيا. وبنيامين لكونه شقيقه وأصغرهم. ومن المعروف زيادة الميل لأصغر ~~البنين. # وقوله تعالى: # PageV06P154 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 9] # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا من مقول قولهم المحكي قبل، وإنما قالوا هذا ~~لأن خبر المنام بلغهم، ويروى أنه قصه عليهم، فتشاوروا في كيده، وقالوا ذلك، ~~وقالوا: لنرى بعد ما يكون من أحلامه، سخرية واستهزاء. وتنكير (أرضا) ~~وإخلاؤها من الوصف، للإبهام، أي في أرض مجهولة، لا يعرفها الأب، ولا يمكن ~~ليوسف أن يعرف طريق الوصول إليه. # وقوله: يخل لكم وجه أبيكم جواب الأمر، كناية عن خلوص محبته لهم، لأنه بدل ~~على إقباله عليهم بكليته، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف، فيشتغل بهم. # وتكونوا من بعده أي من بعد الفراغ من قتله أو طرحه قوما صالحين أي تائبين ~~إلى الله عما جنيتم، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه. أو تصلح ~~دنياكم، وتنتظم أموركم بعده بخلو وجه أبيكم. ### | تنبيهات: # الأول: قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق ~~الوالد، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني، ذي الحق ~~والحرمة ms2736 والفضل، والده، ليفرقوا بينه وبين ابنه على صغر سنه، وحاجته إلى ~~لطف والده، وسكونه إليه. يغفر الله لهم!. # الثاني- قال ابن كثير: اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف: وظاهر ~~السياق يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي ~~هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى: قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط [البقرة: 136] ، وهذا فيه احتمال، لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم ~~الأسباط، كما يقال للعرب قبائل. وللعجم شعوب. يذكر تعالى أنه أوحى إلى ~~الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط ~~من نسل رجل من إخوة يوسف. ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. ~~والله أعلم. # PageV06P155 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 10] # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) # قال قائل منهم أي صريحا ورضي به الباقون لا تقتلوا يوسف أي لأن القتل من ~~الكبائر التي يخاف معها سد باب الصلاح. وإنما أظهره في مكان الإضمار ~~استجلابا لشفقتهم عليه، أو استعظاما لقتله. وألقوه في غيابت الجب أي في ~~غوره. و (الجب) : البئر التي لا حجارة فيها: يلتقطه بعض السيارة أي بعض ~~الأقوام الذي يسيرون في الأرض، فيتملكه، فلا يمكنه الرجوع إلى أبيه، فيحصل ~~مطلوبكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح. # إن كنتم فاعلين أي عازمين مصرين على أن تفرقوا بينه وبين أبيه. وقد روي ~~أن القائل هو أخوهم الأكبر، بكر يعقوب (رؤوبين) . # ولما تواطأوا على رأيه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 11] # قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) # قالوا أي لأبيهم يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أي لم ~~تخافنا عليه، ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ أرادوا بذلك استنزاله ~~عن عادته في حفظه ms2737 منهم. وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب أن لا يأمنهم ~~عليه- كذا في الكشاف-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 12] # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (الرتع) : الأكل والشرب، ~~والسعي والنشاط، حيث يكون الخضر والمياه والزروع. يريدون: أن إلزامك إياه ~~أن يكون بمكانك، موجب لملاله القاطع لنشاطه على العبادة، واكتساب الكمالات. # PageV06P156 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 13] # قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ~~(13) # قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ~~يعني: # وإن زعمتم أنكم له حافظون، فحفظكم إنما يكون ما دمتم ناظرين إليه، لكن لا ~~يخلو الإنسان عن الغفلة، فأخاف غفلتكم عنه. # قال الزمخشري: اعتذر إليهم بشيئين. # أحدهما: أن ذهابهم به، ومفارقته إياه، مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ~~ساعة. # والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه، برعيهم ولعبهم، أو قل ~~به اهتمامهم، ولم تصدق بحفظه عنايتهم. # قال الناصر: وكان أشغل الأمرين لقلبه خوف الذئب عليه، لأنه مظنة هلاكه. # وأما حزنه لمفارقته ريثما يرتع ويلعب ويعود سالما إليه عما قليل، فأمر ~~سهل. # فكأنهم لم يشتغلوا إلا بتأمينه وتطمينه من أشد الأمرين عليه. انتهى- أي ~~فيما حكي عنهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 14] # قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة أي جماعة أقوياء، يمكننا أن ننزعه من يد ~~الذئب إنا إذا لخاسرون أي هالكون ضعفا وجبنا. أو عاجزون، أو مستحقون لأن ~~يدعى عليهم بالخسارة والدمار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 15] # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # فلما ذهبوا به أي بعد مراجعة أبيهم في شأنه وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت ~~الجب فيه تعظيم لما أزمعوا، إذ أخذوه ليكرموه، ويدخلوا السرور على أبيه، ~~ومكروا ما ms2738 مكروا. وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا أي أعلمناه بإلقاء في ~~روعه، أو # PageV06P157 # بواسطة ملك عند ذلك تبشيرا له، بأنك ستخلص مما أنت فيه، وتحدثهم بما ~~فعلوا بك. # وقوله: وهم لا يشعرون إما متعلق ب (أوحينا) أي أوحينا إليه ذلك وهم لا ~~يشعرون، إيناسا له، وإزالة للوحشة أو حال من الهاء في (لتنبئنهم) ، أي: # لتحدثنهم بذلك وهم لا يشعرون أنك يوسف، لعلو شأنك، كما سيأتي في قوله ~~تعالى: فعرفهم وهم له منكرون [يوسف: 58] . # روي أنهم نزعوا قميص يوسف الموشى الذي عليه، وأخذوه، وطرحوه في البئر، ~~وكانت فارغة لا ماء بها، وجلسوا بعد، يأكلون ويلهون إلى المساء. # وجواب (لما) في الآية محذوف، مثل فعلوا ما فعلوا، أو طرحوه فيها. وقيل: # الجواب (أوحينا) والواو الزائدة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 16] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) # وجاؤ أباهم عشاء يبكون بيان لمكرهم بأبيهم بطريق الاعتذار الموهم موته ~~القاطع عنه متمناه، لتنقطع محبته عنه، ولو بعد حين، فيرجع إليهم بالحب ~~الكلي. # وقدموا عشاء لكونه وقت الظلمة المانعة من احتشامه في الاعتذار الكذب، ومن ~~تفرسه من وجوههم الكذب وأوهموا، ببكائهم وتفجعهم عليه، إفراط محبتهم له ~~المانعة من الجرأة عليه. ثم نادوه باسم (الأب) المضاف إليهم ليرحمهم، فيترك ~~غضبه عليهم، الداعي إلى تكذيبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 17] # قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) # قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق أي في العدو والرمي بالنصل وتركنا يوسف ~~عند متاعنا أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما ليحفظه فأكله الذئب ~~أي كما حذرت. # وقوله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين تلطف عظيم في تقرير ما ~~يحاولونه. يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا في هذه الحالة، ولو كنا عندك ~~صادقين، # PageV06P158 # فكيف وأنت تتهمنا، وغير واثق بقولنا؟ # وقد استفيد من الآية أحكام: # منها: أن بكاء المرء لا يدل على صدقه، لاحتمال أن يكون تصنعا- نقله ابن ~~العربي-. # ومنها: مشروعية ms2739 المسابقة. وفيه من الطب رياضة النفس والدواب، وتمرين ~~الأعضاء على التصرف- كذا في الإكليل-. # قال بعض اليمانين: اللعب إن كان بين الصغار جاز بما لا مفسدة فيه، ولا ~~تشبه بالفسقة وأما بين الكبار، ففيه ثلاثة أقسام: # الأول: أن يكون في معنى القمار، فلا يجوز. # الثاني: أن لا يكون في معناه، وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد، ~~كالمناضلة بالقسي، والمسابقة على الخيل، فذلك جائز وفاقا. # الثالث: أن لا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها. ففي ذلك قولان للشافعية. ~~رجح الجواز، إن كان بغير عوض، أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا، لأنه صلى ~~الله عليه وسلم «1» صارع يزيد بن ركانة. # وروي أن عائشة قالت «2» : سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، ~~فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت سبقني وقال: هذه بتلك. # وفي الحديث «3» : ليس من اللهو ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ~~ورميه بقوسه. # انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 18] # وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون (18) # وجاؤ على قميصه بدم كذب بيان لما تآمروا عليه من المكيدة، وهو أنهم ~~PageV06P159 # أخذوا قميصه الموشى، وغمسوه في دم معز كانوا ذبحوه. و (كذب) مصدر بتقدير ~~مضاف، أي: ذي كذب. أو وصف به مبالغة، كرجل عدل. و (على) ظرف ل (جاءوا) مشعر ~~بتضمنه معنى (افتروا) . # وقوله: قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا أي من تغيب يوسف، وتفريقه عني، ~~والاعتذار الكاذب. # قال الناصر: وقواه على اتهامهم، أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي خاف يعقوب، ~~عليه السلام، هلاكه بسببه أولا، وهو أكل الذئب، فاتهمهم أن يكونوا تلقفوا ~~العذر من قوله لهم: وأخاف أن يأكله الذئب وكثيرا ما تتفق الأعذار الباطلة، ~~من قلق في المخاطب المعتذر إليه حتى كان بعض أمراء المؤمنين يلقنون السارق ~~الإنكار. # انتهى. # وفي (الإكليل) : استنبط، من هذا، الحكم بالأمارات، والنظر إلى التهمة، ~~حيث قال: بل سولت ### | .... ### | لطائف: # قال المهايمي: في الآية من الفوائد أن الجاه يدعو إلى الحسد، كالمال، وهو ~~يمنع ms2740 من المحبة الأصلية من القرابة ونحوها، بل يجعل عداوتهم أشد من عداوة ~~الأجانب، وأن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود، وبمن يراعيه، وأنه إنما يكون ~~برؤية الماكر نفسه أكمل عقلا من الممكور به. وأن الحاسد إذا ادعى النصح ~~والحفظ والمحبة، بل أظهره فعلا، لم يعتمد عليه. # وكذا من أظهر الأمانة قولا وفعلا يفعل الخيانة. وأن الإذلال والإعزاز بيد ~~الله، لا الخلق. وأن من طلب مراده بمعصية الله بعد عنه، وأن الخوف من الخلق ~~يورث البلاء وأن الإنسان، وإن كان نبيا، يخلق أولا على طبع البشرية. وأن ~~اتباع الشهوات يورث الحزن الطويل. وأن القدر كائن، وأن الحذر لا يغني من ~~القدر. # قيل للهدهد: كيف ترى الماء تحت الأرض، ولا ترى الشبكة فوقها؟ قال: إذا ~~جاء القضاء عمي البصر. # و (التسويل) تزيين النفس للمرء ما يحرص عليه، وتصوير القبيح بصورة الحسن. ~~فصبر جميل (صبر) خبر أو مبتدأ، لكونه موصوفا، أي فشأني صبر جميل. أو فصبر ~~جميل أجمل والصبر قوة للنفس على احتمال الآلام كالمصائب إذا # PageV06P160 # عرضت، والجميل منه هو ما لا شكوى فيه إلى الخلق ولا جزع، رضا بقضاء الله، ~~ووقوفا مع مقتضى العبودية. # والله المستعان على ما تصفون أي المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون ~~من هلاك يوسف- كذا قدروه- وحقق أبو السعود أن المعنى على إظهار حال ما ~~تصفون وبيان كونه كذبا، وإظهار سلامته، فإنه علم في الكذب قال سبحانه: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: 108] ، وهو الأليق بما سيجيء من ~~قوله تعالى: فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا [يوسف: 18 و 83] ، ~~وتفسير المستعان عليه باحتمال ما يصفون من هلاك يوسف، والصبر على الرزء ~~فيه- يأباه تكذيبه عليه السلام لهم في ذلك، ولا تساعده الصيغة، فإنها قد ~~غلبت في وصف الشيء بما ليس فيه، كما أشير إليه. انتهى. # وفي قوله: والله المستعان اعتراف بأن تلبسه بالصبر لا يكون إلا بمعونته ~~تعالى. # قال الرازي: لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع، وهي قوية. # والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا. فكأنهما في ms2741 تحارب وتجالد. ~~فما لم تحصل إعانته تعالى، لم تحصل الغلبة فقوله: فصبر جميل يجري مجرى ~~قوله: # إياك نعبد وقوله: والله المستعان يجري مجرى قوله: وإياك نستعين. # انتهى. # ثم ذكر تعالى ما جرى على يوسف في الجب، بعد ما تقدم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 19] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم أي الذي يرد الماء ويستقي لهم فأدلى دلوه أي ~~أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف للخروج، فلما رآه قال يا بشرى هذا ~~غلام وقرئ (يا بشراي) بالإضافة والمنادى محذوف. أو نزلت منزلة من ينادي ~~ويقال: إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء. # قال الزجاج: معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب هو تنبيه ~~المخاطبين، # PageV06P161 # وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجباه! فكأنك قلت: اعجبوا. # و (الغلام) : الطار الشارب: أو من ولادته إلى أن يشب. والتنوين للتعظيم. # وأسروه بضاعة أي أخفوه متاعا للتجارة ف بضاعة حال. وفي (الفرائد) أنه ضمن ~~أسروه معنى (جعلوه) أي جعلوه بضاعة مسرين، فهو مفعول به، أو مفعول له. أي: ~~لأجل التجارة. و (البضاعة) من البضع، وهو القطع لأنه قطعة وافرة من المال ~~تقتنى للتجارة: والله عليم بما يعملون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 20] # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين الضمير في (أسروه) و ~~(شروه) للسيارة لأنها بمعنى القوم السائرين. # وقد روي أنهم كانوا تجارا من بلدة مدين. فلما أصعد واردهم يوسف، وضموه ~~إلى بضاعتهم، باعوه لقافلة مرت بهم سائرة إلى مصر بعشرين درهما من الفضة، ~~ثم أتوا بيوسف إلى مصر. # و (دراهم) بدل من الثمن و (المعدود) ، كناية عن القليل، لأن الكثير يوزن ~~عندهم. و (الزهد) فيه بمعنى الرغبة عنه. ### | فوائد: # قال في (الإكليل) ، استنبط الناس من هذه الآية أحكام اللقيط، فأخذوا منها ~~أن اللقيط يؤخذ ms2742 ولا يترك. ومن قوله: هذا غلام أنه كان صغيرا، وأن الالتقاط ~~خاص به، فلا يلتقط الكبير، وكذا قوله وأخاف أن يأكله الذئب لأن ذلك أمر ~~يختص بالصغار. ومن قوله: وشروه بثمن بخس أن اللقيط يحكم بحريته. وأن ثمن ~~الحر حرام. قال بعضهم: وجه الاستدلال لأنهم باعوه بثمن حقير لكونه لقيطا، ~~وهو لا يملك، إذ لو ملك استوفوا ثمنه. # قال بعض الزيدية. ورد هذا الاستدلال بأن فعلهم ليس شريعة. وأما الآن فلا ~~شبهة أن ظاهر اللقيط الحرية، كما أن ظاهره الإسلام. # قال المهايمي: ومن الفوائد أن الفرج قد يحصل من حيث لا يحتسب، وأنه ينتظر ~~للشدة وأن من خرج لطلب شيء قد يجد ما لم يكن في خاطره. وأن الشيء الخطير قد ~~يعرض فيه ما يهونه. وأن البشرى قد يعقبها الحزن، والعزة قد يعقبها الذلة. ~~وبالعكس. # PageV06P162 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 21] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا يخبر تعالى عن لطفه بيوسف، إذ يسر له من اشتراه في مصر، فاعتنى به، ~~وأوصى أهله، وتوسم فيه الخير والصلاح. ومعنى أكرمي مثواه اجعلي مقامه حسنا ~~مرضيا. و (المثوى) محل الثواء، وهو الإقامة. # قال الشهاب: وإكرام مثواه كناية عن إكرامه على أبلغ وجه وأتمه، لأن من ~~أكرم المحل بإحسان الأسرة، واتخاذ الفراش ونحوه، فقد أكرم ضيفه بسائر ما ~~يكرم به. أو (المثوى) مقحم. كما يقال: المقام السامي. # روي أن القافلة لما نزلت مصر اشتراه منهم رئيس الشرط عند ملك مصر، فأقام ~~في بيت سيده، والعناية الربانية تحفه، والنجاح يحوطه فكان يرى سيده أن كل ~~ما يأتي به ينجحه الله تعالى على يده، فنال حظوة لديه، وأقامه قيما على كل ~~ما بملكه، وضاعف تعالى البركة في زرعه وماله وحوزته. # وكذلك مكنا ms2743 ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث أي كما جعلنا له ~~مثوى كريما في منزل العزيز وقلبه، جعلنا له تصرفا بالأمر والنهي، ومكانة ~~رفيعة في أرض مصر، ووجاهة في أهلها، ومحبة في قلوبهم، ليكون عاقبة ذلك ~~تعليمه تأويل الرؤيا التي ستقع من الملك، وتفضي بيوسف إلى الرياسة العظمى. # والله غالب على أمره أي لا يمنع عما يشاء ولا ينازع فيما يريد. أو على ~~أمر يوسف، أريد به من الفتنة ما أريد غير مرة، فلم يكن إلا ما أراد الله له ~~من العاقبة الحميدة. # ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي أن الأمر كله بيده، فيأتون ويذرون زعما أن ~~لهم شيئا من الأمر. أو لا يعلمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 22] # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين هذه الآية كالتي # PageV06P163 # قبلها، تخللت تضاعيف نظم القصة لمعنى بديع، وهو البدار إلى الإعلام ~~بنتائج صبر يوسف، وثمرات مجاهداته، وعجائب صنع الله تعالى في مراداته إذ ~~طوى له المنح في تلك المحن، وذخر له السيادة في تلك العبودية. ومعنى بلغ ~~أشده أي زمان اشتداد جسمه وقوته. # قال أبو عبيدة: العرب تقول: بلغ فلان أشده، إذا انتهى منتهاه في شبابه ~~وقوته قبل أن يأخذ في النقصان. و (الحكم) إما الحكمة وهو العلم المؤيد ~~بالعمل، أو الحكم بين الناس. # قال الزمخشري: وفي قوله تعالى: وكذلك نجزي المحسنين تنبيه على أنه كان ~~محسنا في عمله، متقيا في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على ~~إحسانه. # وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته، آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 23] # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ ~~الله إنه ربي ms2744 أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون هذا رجوع إلى شرح ما جرى على ~~يوسف في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه، من مراودتها له ~~وإبائه. # والمراودة: المطالبة. أي: طلبت منه أن يواقعها. وتعديتها ب (عن) لتضمينها ~~معنى المخادعة. والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر والستر، ~~وإيراد الموصول دون امرأة العزيز، لتقرير المراودة. فإن كونه في بيتها مما ~~يدعو إلى ذلك. # قيل لامرأة: ما حملك على ما لا خير فيه؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد. ~~ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام- كما سيأتي-. # و (هيت) قرئت ك (ليت وقيل وحيث) ، وبكسر الهاء وبهمزة ساكنة بعدها، وفتح ~~التاء وضمها. وهي في هذه اللغات اسم فعل بمعنى (تعال) . واللام لتبيين ~~المفعول أي المخاطب. ونقل عن الفراء أنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة ~~فتكلموا بها. # PageV06P164 # قال ابن الأبياري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت لغة ~~العرب والروم في (القسطاس) ونحوه. # ومعاذ الله منصوب على المصدر. أي: أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه، ~~لكونه زنى وخيانة فيما اؤتمنت عليه، وضرا لمن توقع النفع، وإساءة إلى ~~المحسن. # قال أبو السعود: وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل ~~بأنه منكر هائل،! يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، وما ذاك إلا لأنه ~~عليه السلام قد شاهد بما أراه الله تعالى من البرهان النير على ما هو عليه ~~في حد ذاته من غاية القبح، ونهاية السوء. # وقوله: إنه ربي أحسن مثواي تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية، مما ~~عسى أن يكون مؤثرا عندها، وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه ~~الذاتي الذي تكاد تقبله لما سولته لها نفسها. والضمير للشأن. وفائدة تصدير ~~الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن، ~~فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن ~~مترقبا لما يعقبه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. فكأنه قيل: إن الشأن ~~الخطير هذا، وهو ربي، أي سيدي العزيز، أحسن ms2745 مثواي، أي تعهدي، حيث أمرك ~~بإكرامي، فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟ وفيه إرشاد لها إلى ~~رعاية حق العزيز بألطف وجه. وقيل: الضمير لله عز وجل، وربي خبر إن، وأحسن ~~مثواي خبر ثان. أو هو الخبر والأول بدل من الضمير. والمعنى: أن الحال هكذا، ~~فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟ وفيه تحذير لها من عقاب الله عز ~~وجل. وعلى التقديرين، ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض ~~للامتناع عما دعته إليه، إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة ~~على استحالته، وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا. # وقوله تعالى: إنه لا يفلح الظالمون تعليل للامتناع المذكور، غب تعليل. # و (الفلاح) الظفر، أو البقاء في الخير. ومعنى (أفلح) دخل فيه، كأصبح ~~وأخواته. # والمراد ب (الظالمين) كل من ظلم، كائنا من كان، فيدخل في ذلك المجازون ~~للإحسان بالإساءة، والعصاة لأمر الله تعالى، دخولا أوليا، وقيل: الزناة، ~~لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله. انتهى. # وقال بعض اليمانين: ثمرات هذه الآية ثلاث: # PageV06P165 # الأولى- أن الواجب عند الدعاء إلى المعصية الاستعاذة بالله من ذلك، ~~ليعصمه منها، ويدخل فيه دعاء الشيطان، ودعاء شياطين الإنس، ودعاء هوى ~~النفس. # الثانية- أن السيد والمالك يسمى (ربا) . # الثالثة- أنه يجوز ترك القبيح لقبحه، ورعاية حق غيره، وخشية العار، أو ~~الفقر، أو الخوف، ونحو ذلك. ولا يقال: التشريك غير مفيد في كونه تاركا ~~للقبيح، وأنه لا يثاب وتدل أيضا على لزوم حسن المكافأة بالجميل، وأن من أخل ~~بالمكافأة عليه، كان ظالما. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 24] # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # ولقد همت به، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين (الهم) : يكون بمعنى القصد والإرادة، ~~ويكون فوق الإرادة ودون العزم، إذا أريد به اجتماع النفس على الأمر ~~والإزماع عليه، وبالعزم: # القصد إلى إمضائه، فهو أول العزيمة. وهذا معنى قولهم: الهم ms2746 همان: هم ثابت ~~معه عزم وعقد ورضا وهو مذموم مؤاخذ به وهم بمعنى خاطر، وحديث نفس، من غير ~~تصميم، وهو غير مؤاخذ به. لأنه خطور المناهي في الصدور، وتصورها في ~~الأذهان، لا مؤاخذة بها ما لم توجد في الأعيان. # روى الشيخان وأهل السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به. ~~ورواه الطبراني عن عمران ابن حصين رضي الله عنهما «1» . # فمعنى قوله تعالى: ولقد همت به أي بمخالطته، أي قصدتها وعزمت عليها عزما ~~جازما، لا يلويها عنه صارف، بعد ما باشرت مبادئها من المراودة، وتغليق ~~الأبواب، ودعوته إلى الإسراع إليها بقولها هيت لك مما اضطره إلى الهرب إلى ~~الباب. PageV06P166 # ومعنى قوله وهم بها لولا أن رأى برهان ربه أي لولا رؤيته برهان ربه لهم ~~بها. # كما همت به، لتوفر الدواعي. ولكنه رأى من تأييد الله له بالبرهان ما صرف ~~عنه السوء والفحشاء. # قال أبو حيان: ونظيره (قارفت الإثم لولا الله عصمك) . ولا نقول: إن جواب ~~(لولا) يتقدم عليها، وإن لم يقم دليل على امتناعه، بل صريح أدوات الشرط ~~العاملة مختلف فيها، حتى ذهب الكوفيون وأعلام البصريين إلى جواز تقدمه، بل ~~نقول: هو محذوف لدلالة ما قبله عليه. لأن المحذوف في الشرط يقدر من جنس ما ~~قبله. # انتهى. # فالآية حينئذ ناطقة بأنه لم يهم أصلا. وقيل: جواب (لولا) لغشيها ونحوه. # فمعنى (الهم) حينئذ ما قاله الإمام الرازي: من أنه خطور الشيء بالبال، أو ~~ميل الطبع. كالصائم في الصيف. يرى الماء البارد، فتحمله نفسه على الميل ~~إليه، وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه. وكالمرأة الفائقة حسنا وجمالا، ~~تتهيأ للشاب النامي القوي، فتقع بين الشهوة والعفة، وبين النفس والعقل، ~~مجاذبة ومنازعة (فالهم) هنا عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان جواذب ~~الحكمة، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحال أشد، كانت ~~القوة على لوازم العبودية أكمل. # انتهى. # وكذا قال أبو السعود: إن همه ms2747 بها بمعنى ميله إليها، بمقتضى الطبيعة ~~البشرية، وشهوة الشباب وقرمه، ميلا جبليا، لا يكاد يدخل تحت التكليف، لا ~~أنه قصدها قصدا اختياريا. ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال ~~كراهيته له، ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين؟ وهل هو إلا تسجيل ~~باستحالة صدور الهم منه- عليه السلام- تسجيلا محكما؟ وإنما عبر عنه بالهم، ~~لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر، بطريق المشاكلة، لا لشبهه كما قيل. ~~ولقد أشير إلى تباينهما، حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير، بأن قيل: ~~ولقد هما بالمخالطة، أو هم كل منهما بالآخر. وصدر الأول بما يقرر وجوده من ~~التوكيد القسمي، وعقب الثاني بما يعفو أثره من قوله عز وجل: لولا أن رأى ~~برهان ربه أي حجته الباهرة، الدالة على كمال قبح الزنى، وسوء سبيله. ~~والمراد برؤيته لها كمال إيقانه، ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين ~~اليقين. وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهان النير، على ما ~~هو عليه في حد ذاته أقبح ما يكون، وأوجب ما يجب أن # PageV06P167 # يحذر منه، ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام، والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه. # وجواب (لولا) محذوف، يدل عليه الكلام. أي: لولا مشاهدة برهان ربه في شأن ~~الزنى لجرى على موجب ميله الجبلي، ولكن حيث كان مشاهدا له من قبل، استمر ~~على ما هو عليه من قضية البرهان، وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه ~~السلام، لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة، بل لمحض العفة والنزاهة، مع ~~وفور الدواعي الداخلية، وترتيب المقدمات الخارجية، الموجبة لظهور الأحكام ~~الطبيعية. # انتهى. # فاتضح أن لا شبهة فيها على عصمة يوسف عليه السلام، فإن الأنبياء ليسوا ~~بمعصومين من حديث النفس، وخواطر الشهوة الجبلية، ولكنهم معصومون من طاعتها، ~~والانقياد إليها، ولو لم توجد عندهم دواع جبلية، لكانوا إما ملائكة أو ~~عالما آخر. ولما كانوا مأجورين على ترك المناهي، لأنهم يكونون مقهورين على ~~تركها طبعا، والعنين لا يؤجر ويثاب على ترك الزنى لأن الأجر لا يكون إلا ~~على عمل، ms2748 والترك بغير داعية ليس عملا، وأما الترك مع الداعية، فهو كف النفس ~~عما تتشوف إليه، فهو عمل نفسي. # وحقيقة عصمة الأنبياء هي نزاهتهم، وبعدهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات ~~التي بعثوا لتزكية الناس منها، لئلا يكونوا قدوة سيئة، مفسدين للأخلاق ~~والآداب، وحجة للسفهاء على انتهاك حرمات الشرائع، وليس معناها أنهم آلهة ~~منزهون عن جميع ما يقتضيه الطبع البشري. # هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات، ما تلقفوه من أهل ~~الكتب، ومن المتصولحين، من تلك الأقاصيص المختلقة على يوسف عليه السلام، في ~~همه، التي أنزه تأليفي عن نقلها، بردها، وكلها- كما قال العلامة أبو ~~السعود- خرافات وأباطيل، تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان، ويل لمن ~~لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها. وسبقه الزمخشري، فجود الكلام في ردها، ~~فلينظر، فإنه مما يسر الواقف عليه. # و (السوء) : المنكر والفجور والمكروه. (والفحشاء) : ما تناهى قبحه. # قال أبو السعود: وفي قوله تعالى لنصرف عنه ... إلخ آية بينة، وحجة قاطعة ~~على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بالمعصية، ولا توجه إليها قط، ~~وإلا لقيل: لنصرفه عن السوء والفحشاء. وإنما توجه إليه ذلك من خارج، فصرفه ~~الله تعالى بما فيه من موجبات العفة والعصمة. فتأمل. # PageV06P168 # و (المخلصين) قرئ بكسر اللام، بمعنى الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح أي ~~الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. # قال الشهاب: قيل: إن كل من له دخل في هذه القصة شهد ببراءته عليه السلام. ~~فشهد الله تعالى بقوله لنصرف ... إلخ، وشهد هو على نفسه بقوله: # هي راودتني ونحوه، وشهدت امرأة العزيز بقولها: ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم وسيدها بقوله: إنك كنت من الخاطئين وإبليس بقوله: لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين فتضمن إخباره بأنه لم يغوه، ومع هذا كله لم يبرئه ~~أهل القصص، انتهى عفا الله عنهم! ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 25] # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) # واستبقا الباب متصل بقوله: ولقد ms2749 همت به ... إلخ، وقوله: # كذلك إلخ، اعتراف جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته. والمعنى: ولقد ~~همت به، وأبى هو، واستبقا الباب، أي قصد كل سبق الآخر إلى الباب: فيوسف ~~عليه السلام ليخرج، وهي لتمنعه من الخروج ووحد (الباب) هنا مع جمعه أولا ~~لأن المراد بالباب البراني الذي منه المخلص. # وقدت قميصه من دبر أي اجتذبته من خلفه فانقد، أي انشق قميصه. # وألفيا سيدها لدى الباب أي صادفا بعلها ثمة قادما. # قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم تبرئة ~~لساحتها، وإغراء عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 26] # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين (26) # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين لأن قده منه أمارة الدفع عن نفسها به، أو تعثره في مقادم ~~قميصه بسبب إقباله عليها، فقد لإسراعه خلفها. # PageV06P169 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 27] # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين لأنه أمارة إدباره عنها ~~بسبب أنها تبعته، واجتذبت ثوبه إليها فقدته. # ومن الطائف ما قيل: إن هذا الشاهد أراد ألا يكون هو الفاضح لها، ووثق بأن ~~انقطاع قميصه إنما كان من دبر، فنصبه أمارة لصدقه وكذبها. ثم ذكر القسم ~~الآخر، وهو قده من قبل، على علم بأنه لم ينقد من قبل حتى ينفي عن نفسه ~~التهمة في الشهادة، وقصد الفضيحة، وينصفهما جميعا، فيذكر أمارة على صدقها ~~المعلوم نفيه، كما ذكره أمارة على صدقه المعلوم وجوده. ومن ثم قدم أمارة ~~على صدقها، على أمارة صدقه في الذكر، إزاحة للتهمة، ووثوقا بأن الأمارة ~~الثانية هي الواقعة، فلا يضره تأخيرها. وهذه اللطيفة بعينها- والله أعلم- ~~هي التي راعاها مؤمن آل فرعون في قوله: وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي ms2750 يعدكم [غافر: 28] . فقدم قسم الكذب على قسم الصدق، ~~إزاحة للتهمة التي خشي أن تتطرق إليه في حق موسى عليه السلام، ووثوقا بأن ~~القسم الثاني وهو صدقه، هو الواقع، فلا يضره تأخيره في الذكر لهذه الفائدة ~~ومن ثم قال: بعض الذي يعدكم ولم يقل: كل ما يعدكم، تعريضا بأنه معهم عليه، ~~وأنه حريص على أن يبخسه حقه وينحو هذا النحو تأخير يوسف عليه السلام، لكشف ~~وعاء أخيه الآتي ذكره، لأنه لو بدأ به لفطنوا أنه هو الذي أمر بوضع السقاية ~~فيه- والله أعلم- ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 28] # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يعني بالكيد: # الحيلة والمكر. وإنما استعظم كيدهن، لأنه ألطف وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا ~~في النفس، ولهن فيه نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال. ### | تنبيه: # قال ابن الفرس: يحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات والعلامات، فيما لا ~~تحضره البينات، كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وشبهها. # وقوله تعالى: # PageV06P170 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 29] # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) # يوسف أعرض عن هذا نودي بحذف حرف النداء، لقربه وكمال تفطنه للحديث. # أي: يا يوسف أعرض عن هذا الأمر واكتمه، ولا تحدث به، واستغفري لذنبك أي ~~الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه. # إنك كنت من الخاطئين أي من جملة القوم المتعمدين للذنب. يقال: # خطئ إذا أذنب متعمدا، وأخطأ إذا فعله من غير تعمد. ولهذا يقال: أصاب ~~الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب. وإيثار جمع السالم تغليبا للذكور على ~~الإناث، ودل هذا على أن العزيز كان رجلا حليما، إذ اكتفى من مؤاخذتها بهذا ~~المقدار. # قال ابن كثير: أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه. ويقال: إنه كان ~~قليل الغيرة. # قال الشهاب: وهو لطف من الله تعالى بيوسف عليه السلام. # وقال أبو حيان: ms2751 إنه مقتضى تربة مصر. انتهى. # وقد تقرر لدى المحققين أن لاختلاف أحوال العمران في الخصب والجدب، ~~وأقاليمه في الحرارة والبرودة وتوابعها- أثرا في أخلاق البشر وأبدانهم- ~~انظر المقدمة الرابعة والخامسة من (مقدمة ابن خلدون) . # ثم ذكر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة- وهو مصر- بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 30] # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها في ضلال مبين (30) # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه العزيز: الأمير، ~~مأخوذ من (العز) وهو الشدة والقهر، وقد غلب على أمير مصر والإسكندرية. # PageV06P171 # قد شغفها حبا أي خرق حبه شغاف قلبها، حتى وصل إلى الفؤاد. # و (الشغاف) كسحاب، حجاب القلب. # إنا لنراها في ضلال مبين أي في خطأ عن طريق الرشد والصواب. وإقحام ~~الرؤية، للإشعار بأن حكمهن بضلالها صادر عن رؤية وعلم، مع التلويح إلى ~~تنزههن عن مثل ذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 31] # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) # فلما سمعت بمكرهن أي اغتيابهن، وسوء قالتهن. استعير (المكر) ل (الغيبة) ~~(الغيبة) لشبهها له في الإخفاء أو (المكر) على حقيقته، وكن قلن ذلك لتريهن ~~يوسف. # أرسلت إليهن أي تدعوهن للضيافة مكرا بهن، وأعتدت أي أحضرت وهيأت لهن متكأ ~~أي ما يتكئن عليه من الوسائد، وآتت كل واحدة منهن سكينا أي ليعالجن بها ما ~~يأكلن من الفواكه ونحوها. وقالت أي ليوسف اخرج عليهن أي ابرز إليهن. # قال الزمخشري: قصدت بتلك- الهيئة- وهي قعودهن متكئات والسكاكين في ~~أيديهن- أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن، فتقع أيديهن على ~~أيديهن فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يدهن، فتبكتهن ~~بالحجة، وقد كان ذلك كما قال تعالى: فلما رأينه أكبرنه أي أعظمنه، وهبن ~~حسنه الفائق، وقطعن أيديهن أي جرحنها، كما تقول: كنت أقطع ms2752 اللحم فقطعت يدي، ~~تريد: جرحتها وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم حاش: أصله ~~حاشا، وحذفت ألفه تخفيفا، وبها قرأ أبو عمرو في الدرج، أي تنزيها له سبحانه ~~عن صفات النقص والعجز، وتعجبا من قدرته على مثل ذلك الصنع البديع. وإنما ~~نفين عنه البشرية لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية، على نهج القصر، بناء ~~على ما ركز في الطباع ألا أحسن من الملك، كما ركز فيها ألا أقبح من ~~الشيطان، ولذلك يشبه، كل متناه في الحسن والقبح، بهما. # PageV06P172 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 32] # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ~~آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) # قالت فذلكن الذي لمتنني فيه أي في الافتتان به ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم أي امتنع، طالبا للعصمة، مستزيدا منها. # قال الزمخشري: الاستعصام بناء مبالغة، يدل على الامتناع البليغ، والتحفظ ~~الشديد، كأنه في عصمة، وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه: استمسك، ~~واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب. وهذا بيان لما كان من يوسف ~~عليه السلام، لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه برىء مما أضاف ~~إليه أهل الحشو، مما فسروا به الهم والبرهان. انتهى. # ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن أي ليعاقبن بالسجن والحبس وليكونا من ~~الصاغرين أي الأذلاء المهانين. # ولما سمع يوسف تهديدها: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 33] # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه أي من مواتاتها، لأنه مشقة قليلة، ~~تعقبها راحات أبدية. ثم فزع إلى الله تعالى في طلب العصمة بقوله وإلا تصرف ~~عني كيدهن يعني: ما أردن مني أصب إليهن أي أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية ~~وأكن من الجاهلين أي بسبب ارتكاب ما يدعونني إليه من القبيح. # قال أبو السعود: هذا فزع منه، عليه السلام، إلى ألطاف الله تعالى. جريا ~~على سنن الأنبياء ms2753 والصالحين، في قصر نيل الخيرات، والنجاة من الشرور، على ~~جناب الله عز وجل، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم، ومبالغة في استدعاء لطفه ~~في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث: أدركني وإلا ~~هلكت. لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة، وفي نفسه داعية ~~تدعوه إلى هواهن. # انتهى. # PageV06P173 # قال القاشاني: وذلك الدعاء هو صورة افتقار القلب الواجب عليه أبدا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 34] # فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) # فاستجاب له ربه أي أجاب له دعاءه فصرف عنه كيدهن أي أيده بالتأييد ~~القدسي، فصرفه إلى جناب القدس، ودفع عنه، بذلك، كيدهن إنه هو السميع أي ~~لدعاء المتضرعين إليه، العليم أي بما يصلحهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 35] # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) # ثم بدا لهم أي ظهر للعزيز وأهله، من بعد ما رأوا الآيات أي الشواهد على ~~براءته، ليسجننه حتى حين أي إلى مدة يرون رأيهم فيها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 36] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) # ودخل معه السجن فتيان # روي أنهما غلامان كانا لفرعون مصر، أحدهما رئيس سقاته والآخر رئيس طعامه، ~~غضب عليهما فحبسهما، فكانا مع يوسف. ثم رآهما يوما وهما مهمومان فسألهما عن ~~شأنهما، فذكرا له أنهما رأيا رؤيا غمتهما، وليس لهما من يعبرها. فقال لهما: ~~أليس التأويل لله؟ قصا علي! # فذلك قوله تعالى: # قال أحدهما وهو صاحب شرابه: إني أراني أعصر خمرا أي عنبا، تسمية للعنب ~~بما يؤول إليه، أو الخمر بلغة عمان اسم للعنب، وذلك أنه قال: رأيت في ~~المنام كأن بين يدي وعاء فيه ثلاثة قضبان عنب، ثم نضجت عناقيدها وصارت ~~عنبا، وكانت كأس فرعون في يدي، فأخذت العنب، وعصرته في الكأس، وناولتها ~~لفرعون. # وقال الآخر وهو صاحب ms2754 طعامه: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ~~وذلك أنه قال له: رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال حواري، والطير تأكل من السلة ~~العليا فوق رأسي. # PageV06P174 # نبئنا بتأويله أي أخبرنا بتفسير ما رأينا، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا ~~إنا نراك من المحسنين أي الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أو من المحسنين إلى ~~أهل السجن، تداوي مريضهم، وتعزي حزينهم، وتوسع على فقيرهم، فأحسن إلينا ~~بكشف غمتنا، إن كنت قادرا على ذلك. # ثم أشار، عليه السلام، لهما بأن ما رأياه سهل التأويل، لوجود مثاله في ~~المنام، وأن له علما فوقه، وهو أن يبين لهما كل جليل ودقيق من الأمور ~~المستقبلة، وإن لم يكن هناك مقدمة المنام، حتى إن الطعام الموظف الذي ~~يأتيهما كل يوم، يبينه لهما قبل إتيانه، وإن ذلك ليس من باب الكهانة، بل من ~~الفضل الرباني لمن يصطفيه بالنبوة، وهذا معنى قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 37] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ~~(37) # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما أي قبل ~~أن يصلكما. والمراد بالطعام ما يبعث إلى أهل السجن. وتأويله ذكر ما هو، بأن ~~يقول: # يأتيكما طعام كيت وكيت، فيجدانه كذلك. وحقيقة (التأويل) تفسير الألفاظ ~~المراد منها خلاف ظاهرها ببيان المراد. # قال أبو السعود: فإطلاقه على تعيين ما سيأتي من الطعام، إما بطريق ~~الاستعارة. # فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل، بالنظر إلى ما ~~رئي في المنام، وشبيه له وإما بطريق المشاكلة، حسبما وقع في عبارتهما من ~~قولهما: نبئنا بتأويله. ومراده عليه السلام بذلك: بيان كل ما يهمهما من ~~الأمور المترقبة قبل وقوعها. وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه عريقا في ~~ذلك، بحسب الحال، مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه من ~~الرؤيتين المتعلقتين بالشراب والطعام. # ذلكما أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات مما ms2755 علمني ربي أي بالوحي ~~والإلهام، لا من التكهن والتنجيم. وفيه إشعار بأن له علوما جمة، ما سمعاه ~~شذرة من جواهرها. وقوله تعالى: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون. # PageV06P175 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 38] # واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ~~ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) # واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون هذه ~~الجملة إما مسوقة لبيان علة تعليم الله له بالوحي والإلهام، أي خصني بذلك ~~لترك الكفر، وسلوك طريق آبائي المرسلين، أو كلام مستأنف، ذكر تمهيدا ~~للدعوة، وإظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، ~~والوثوق به، والمراد بتركه ملة الكفر الامتناع عنها رأسا، كما يفصح عنه ~~قوله: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء أي ما صح ولا استقام ذلك لنا، فضلا ~~عن الوقوع. وإنما عبر عنه بذلك، لكونه أدخل بحساب الظاهر في اقتدائهما به ~~عليه السلام. والتخصيص بهم، مع أن الشرك لا يصح من غيرهم أيضا، لأنه يثبت ~~بالطريق الأولى. أو المرد نفي الوقوع منهم لعصمتهم. # وتكرير (هم) للدلالة على اختصاصهم، وتأكيد كفرهم بالآخرة. وزيادة (من) في ~~المفعول، أعني من شيء لتأكيد العموم، أي لا نشرك به شيئا من الأشياء، قليلا ~~أو حقيرا، صنما أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك. # وقوله: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس يعني عدم الإشراك بالله، وهو ~~التوحيد، من نعم الله العامة، التي يجب شكره تعالى على الهداية لها بالفطر ~~السليمة، ونصب الدلائل الأنفسية والآفاقية. # ثم بين أن أكثر الناس نبذوا هذه النعمة بعد ما حق عليهم شكرها. # ولما ذكر، عليه السلام، ما هو عليه من الدين القويم، تلطف في الاستدلال ~~على بطلان ما عليه قومهما من عبادة الأصنام، فضرب لهما مثلا يتضح به الحق ms2756 ~~حق اتضاح بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 39] # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار وصفهما بالصحبة ~~الضرورية المقتضية للمودة، وبذل النصيحة. أي: يا صاحبي فيه. فجعل الظرف # PageV06P176 # توسعا، مفعولا به. أي: أأرباب شتى تستعبد الناس خير لهم، أم أن يكون لهم ~~رب واحد قهار لا يغالب؟ # قال بعضهم: دلت الآية على أن الشرع كما جاء مطالبا بالاعتقاد، جاء هاديا ~~لوجه الحسن فيه. وذلك أن هذه الآية تشير إشارة واضحة إلى أن تفرق الآلهة ~~يفرق بين البشر في وجهة قلوبهم إلى أعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم. وهو يذهب ~~بكل فريق إلى التعصب لما وجه قلبه إليه، وفي ذلك فساد نظامهم كما لا يخفى. ~~أما اعتقاد جميعهم بإله واحد، فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد، ~~يخضع الجميع لحكمه، وفي ذلك نظام أخوتهم، وهي قاعدة سعادتهم فالشرع جاء ~~مبينا للواقع في أن معرفة الله بصفاته حسنة في نفسها، فهو ليس محدث الحسن. ~~انتهى. # وفي قوله: أأرباب متفرقون إشارة إلى ما كان عليه أهل مصر لعهده عليه ~~السلام، من عبادة أصنام شتى. # يقول بعضهم: كما أن مصر كانت تغلبت في العلوم والسلطة، كذلك في عبادة ~~الأصنام، فإن أهلها فاقوا كل من سواهم في الضلال. فكانوا يسجدون للشمس ~~وللقمر والنجوم والأشخاص البشرية والحيوانات، حتى الهوام وأدنى حشرات ~~الأرض. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 40] # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) # ما تعبدون من دونه أي من دون الله إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم يعني ~~أنكم سميتم، ما لا يستحق الإلهية، آلهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا ~~تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها ما أنزل الله بها من سلطان أي حجة ~~تدل على صحتها إن الحكم أي في أمر ms2757 العبادة والدين إلا لله لأنه مالك، وهو ~~لم يحكم بعبادتها، لأنه أمر ألا تعبدوا إلا إياه لأن العبادة غاية التذلل، ~~فلا يستحقها إلا من له غاية العظمة، ذلك أي التوحيد الدال على كمال عظمة ~~الله، بحيث لا يشاركه فيها غيره الدين القيم أي الحق المستقيم الثابت، ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون أي لجهلهم، ولذا كان أكثرهم مشركين. # PageV06P177 ### | تنبيه: # لا يخفى أن قوله تعالى: قال لا يأتيكما طعام إلى هنا، مقدمة لجواب ~~سؤالهما عن تعبير رؤياهما، مهد، عليه السلام، بها له ليدعوهما إلى التوحيد، ~~ليزدادا علما بعظم شأنه، وثقة بأمره، توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه من ~~هدايتهما، لا سيما وأن أحدهما ستعاجله منيته بالصلب، فرجا أن يختم له بخير، ~~قال الزمخشري: لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترض ذلك، فوصل به وصف نفسه ~~بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما ~~من الطعام، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد، ويعرض عليهما ~~الإيمان، ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله. وهذه طريقة، على كل ذي ~~علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة إذا استفتاه واحد منهم، أن يقدم الهداية ~~والإرشاد والموعظة الحسنة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به، وأوجب ~~عليه مما استفتي فيه، ثم يفتيه بعد ذلك. وفيه، أن العالم إذا جهلت منزلته ~~في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده- وغرضه أن يقتبس منه، وينتفع به في ~~الدين- لم يكن من باب التزكية. # انتهى. # وبعد تحقيق الحق، ودعوتهما إليه، وبيانه لهما مرتبة علمه، شرع في تفسير ~~ما استفسراه. ولكونه بحثا مغايرا لما سبق، فصله عنه بتكرير الخطاب فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 41] # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير ~~من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا أي يخرج من السجن، ويعود إلى ~~ما كان عليه من سقي سيده الخمر، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه أي ~~فيقتل ويعلق ms2758 على خشبة، فتأكل الطير من لحم رأسه. # قضي الأمر الذي فيه تستفتيان أي قطع وتم ما تستفتيان فيه. يعني: مآله، ~~وهو نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. والتعبير عنه ب (الأمر) ، وعن طلب تأويله ب ~~(الاستفتاء) تهويلا لأمره، وتفخيما لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في ~~النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب، وإيثار صيغة الاستقبال، مع سبق ~~استفتائهما في ذلك، لما أنهما بصدده، إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب ~~وطره. # PageV06P178 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 42] # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين (42) # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك أي قال يوسف للذي علم نجاته ~~من الفتيين، أي خلوصه من السجن والقتل، وهو الساقي: اذكرني عند ربك أي: ~~اذكر حالي وصفتي، وعلمي بالرؤيا، وما جرى علي، عند الملك سيدك، عسى يخلصني ~~مما ظلمت به. # و (الظن) بمعنى العلم واليقين، ورد كثيرا، والتعبير به إرخاء للعنان، ~~وتأدب مع الله تعالى. وقيل: الظن بمعناه المعروف، بناء على أن تأويل يوسف ~~بطريق الاجتهاد، والحكم بقضاء الأمر اجتهادي أيضا والأول أنسب بالسياق. ### | تنبيه: # دلت الآية على جواز الاستعانة بمن هو مظنة كشف الغمة، ولو مشركا. وقد جاء ~~ذلك في قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى [المائدة: 2] ، وقوله حكاية ~~عن عيسى: من أنصاري إلى الله [آل عمران: 52] و [الصف: 14] ، وفي # الحديث: (والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه) «1» # . وجلي أن ذلك من نظام الكون، والعمران البشري، ولذلك ميز الإنسان ~~بالنطق. # وأما ما # رواه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: لو لم يقل- يعني يوسف- الكلمة التي ~~قال، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى # - فقال الحافظ ابن كثير: حديث ضعيف جدا، وذكر من رجاله الضعفاء راويين ~~سماهما. ثم قال: وروي أيضا مرسلا عن الحسن وقتادة. قال: وهذه المرسلات ~~هاهنا لا تقبل، لو قبل المرسل من حيث هو، في غير هذا الموطن- والله أعلم- ~~انتهى ولقد ms2759 أجاد وأفاد عليه الرحمة. # وقوله تعالى: فأنساه الشيطان ذكر ربه يعني: فشغله الشيطان حتى نسي ذكر ~~يوسف عند الملك. فلبث أي مكث يوسف في السجن بضع سنين أي طائفة منها. ~~PageV06P179 # ولأهل اللغة أقوال في (البضع) : ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، ~~أو ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يعني ما بين الواحد إلى الأربعة وقيل غير ~~ذلك. # ولما دنا الفرج من يوسف عليه السلام، برحمته تعالى، وما هيأه من الأسباب: # رأى فرعون مصر هذه الرؤيا التي أشار إليها تعالى بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 43] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) # وقال الملك أي لملئه: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف أي هالكات ~~من الهزال. جمع عجفاء، بمعنى المهزولة، ضد السمينة، وسبع سنبلات أي وأرى ~~رؤيا ثانية سبع سنبلات خضر وأخر يابسات أي وسبعا أخر يابسات دقيقة، أي نبتت ~~وراءها، فابتلعت السنابل الخضر الممتلئة وإنما استغنى عن عددها وإعدامها ~~للخضر، للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات لأنها نظيرتها. # وقوله: يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون خطاب ~~للأشراف من قومه، وكان دعا، إثر استيقاظه، سحرة مصر وحكماءها، وقص عليهم ~~رؤياه هذه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 44] # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) # قالوا أي الملأ للملك أضغاث أحلام أي تخاليطها. جمع (ضغث) وهو في الأصل ~~ما جمع من أخلاط النبات وحزم، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من ~~أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتريها في المنام. و (الأحلام) جمع (حلم) ، ~~وهو ما يراه النائم، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنها غلبت في رؤيا الخير، ~~والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه. # وفي الحديث؟ الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان «1» . PageV06P180 # قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من ~~الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل، كأنه ms2760 كره أن يسمى ما ~~كان من الله، وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح ~~منها، لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل ~~الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل ~~للحالم في منامه من قضاء الشهوة، مما لا حقيقة له. انتهى. # والمراد بالجمع في (الأحلام) ما فوق الواحد، لأنهما حلمان، رأى كل واحد ~~منهما إثر استيقاظه منه، كما روي، وفهم بعضهم أنه حلم واحد، فالتمس للجمع ~~نكتة فقال: إما المبالغة في وصفه بالبطلان، أو تضمنه أشياء مختلفة. ولا ~~حاجة إليه، كما بينا. # وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين يحتمل أن يريدوا ب (الأحلام) المنامات ~~الباطلة خاصة. أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للرؤيا الصادقة. وأن ~~يعترفوا بقصور علمهم، وأنهم ليسوا في التعبير بنحارير. # قال الناصر: وهذا هو الظاهر. وحمل الكلام على الأول يصيره من وادي: # على لا حب لا يهتدى بمناره # كأنهم قالوا: ولا تأويل للأحلام الباطلة، فنكون به عالمين. وقول الملك ~~لهم أولا: إن كنتم للرءيا تعبرون دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين ~~بها، لأنه أتى بكلمة الشك، وجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي ~~أخرجه مخرج استفهام عن كونهم عالمين بالرؤيا أو لا، وقول الفتى: أنا أنبئكم ~~بتأويله إلى قوله: لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون دليل أيضا على ذلك- ~~والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 45] # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) # وقال الذي نجا منهما أي من صاحبي السجن، وهو الساقي: وادكر بعد أمة أي ~~تذكر بعد مدة. وكان تذكره، على ما روي، بعد سنتين أنا أنبئكم بتأويله أي ~~أخبركم به بالتلقي عمن عنده علمه، لا من تلقاء نفسي، ولذلك لم يقل: أنا ~~أفتيكم فيها، وعقبه بقوله فأرسلون أي فابعثوني إلى يوسف، وإنما لم # PageV06P181 # يذكره، ثقة بما سبق من التذكر، وما لحق من قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية ms2761 46] # يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) # يوسف أيها الصديق أي أرسل إليه، فأتاه فقال: يا يوسف! ووصفه بالمبالغة في ~~الصدق، حسبما ذاق أحواله، وتعرف صدقه في تأويل رؤياه، ورؤيا صاحبه، حيث جاء ~~كما أول، لكونه بصدد اغتنام معارفه، فهو من باب براعة الاستهلال أفتنا في ~~سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات أي في تأويل ~~رؤيا ذلك. ولم يغير لفظ الملك، لأن التعبير يكون على وفقه، كما بينوه. وفي ~~قوله: أفتنا مع أنه المستفتي وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له، بل لغيره ممن ~~له ملابسة بأمور العامة، وأنه في ذلك معبر وسفير، كما آذن بذلك قوله: لعلي ~~أرجع إلى الناس أي إلى الملك ومن عنده لعلهم يعلمون أي ذلك: فيعملون ~~بمقتضاه، أو يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك. وإنما ~~لم يبت الكلام، بل قال (لعلي) و (لعلهم) مجاراة معه على نهج الأدب، ~~واحترازا عن المجازفة، إذ لم يكن على يقين من الرجوع، فربما اخترم دونه. # لعل المنايا دون ما تعداني # ولا من علمهم بذلك، فربما لم يعلموه- أشار إليه أبو السعود-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : الآيات 47 الى 49] # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ~~(47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ~~(48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) # قال أي يوسف له في تأويلها تزرعون سبع سنين دأبا أي دائبين مواظبين كل ~~عام منها فما حصدتم أي من الزرع فذروه في سنبله أي لا تدرسوه، فإنه أبقى له ~~إلا قليلا مما تأكلون أي في تلك السنين، يعني بقدر ما تأكلون. # ثم يأتي من بعد ذلك أي السبع المذكورات سبع شداد أي سبع سنين # PageV06P182 # صعاب على الناس، لقوة القحط يأكلن ما قدمتم لهن أي ما رفعتم ms2762 لهن من ~~الحبوب المتروكة في سنابلها. ولما عبر عن البقرات بالسنين، نسب الأكل إلى ~~السنين. كما رأى في الواقعة البقرات يأكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر وهو ~~المرئي في المنام، والمعبر به، وهو تأويله. ولا يتعين المجاز العقلي- أي ~~يؤكل فيها- كما في: # (نهاره صائم) لجواز أن يكون مشاكلة حينئذ. إلا قليلا مما تحصنون أي ~~تحرزون وتخبئون للزراعة. # ثم يأتي من بعد ذلك أي السنين الموصوفة بالشدة. وأكل الغلال المدخرة عام ~~فيه يغاث الناس أي يمطرون من الغيث، أي يغاثون من القحط، أو يرفع عنهم ~~مكروهه من الغوث وفيه يعصرون أي ما كانوا يعصرونه على عادتهم من عنب وزيتون ~~ونحوهما. # قال أبو السعود: والتعرض لذكر (العصر) ، مع جواز الاكتفاء عنه بذكر ~~(الغيث) المستلزم له عادة، كما اكتفى به عن ذكر تصرفهم في الحبوب، إما لأن ~~استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب، إذ المذكورات يتوقف صلاحها على ~~مبادئ أخر غير المطر. وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به، ~~بشارة له، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس، في القراءة ~~بالفوقانية. وقيل: # معنى (يعصرون) يحلبون الضروع. انتهى. # واللفظ بعموم معناه يشمله، لأن الحلب فيه عصر الضرع ليخرج الدر. # قال الزمخشري: تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، ~~والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن ~~العام الثامن يجيء مباركا خصيبا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك جهة الوحي. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : هذه الآية من أصول التعبير. وفيها أيضا صحة رؤيا ~~الكفار، وجواز تسميته ملكا، وأن قولنا (الرؤيا لأول عابر) ليس عاما في كل ~~رؤيا، لأنهم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تسقط بقولهم ذلك، فتخص القاعدة بما ~~يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها، فيقع عليه. وفي قوله: ثم يأتي من بعد ~~ذلك عام ... إلخ زيادة على ما وقع السؤال عنه، فيستدل به على أنه لا بأس ~~بذلك في تعبير الرؤيا والفتوى. انتهى. # PageV06P183 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 50] # وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ms2763 ارجع إلى ربك فسئله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) # وقال الملك ائتوني به أي أخرجوه من السجن وأحضروه، لما علم من علمه ~~وفضله، فلما جاءه الرسول أي يستدعيه إلى الملك قال أي يوسف له: # ارجع إلى ربك أي سيدك الملك، فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن أي ~~ما شأنهن وخبرهن؟ أمره بأن يسأله ويستفهمه عن ذلك، ولم يكشف له عن القصة، ~~ولا أوضحها له، لأن السؤال مجملا، مما يهيج الملك على الكشف والبحث ~~والاستعلام، فتحصل البراءة. وإنما كان السؤال المجمل يهيج الإنسان، ويحركه ~~للبحث عنه، لأنه يأنف من جهله وعدم علمه به، ولو قال: سله أن يفتش عن ذلك، ~~لكان طلبا للفحص عنه، وهو مما يتسامح ويتساهل به، وفيه جرأة عليه، فربما ~~امتنع منه، ولم يلتفت إليه. # قال الزمخشري: إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة، ليظهر ~~براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره ~~عنده، ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن إلا ~~لأمر عظيم وجرم كبير، حق به أن يسجن ويعذب، ويستكف شره، وفيه دليل على أن ~~الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها. # قال عليه السلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم. # ومنه قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم للمارين به في معتكفه، وعنده ~~بعض نسائه: هي فلانة، اتقاء للتهمة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر ~~له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان. ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى ~~أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك ولو ~~كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت، لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، ولما ~~ابتغيت العذر، إن كان لحليما ذا أناة. انتهى. # رواه عبد الرزاق في مصنفه مرسلا عن عكرمة. PageV06P184 # وقد روي في المسند والصحيحين «1» مختصرا عن أبي هريرة قال: قال ms2764 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي- # مدحه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأناة، كان في طي هذه المدحة ~~بالأناة والتثبت تنزيهه وتبرئته مما لعله يسبق إلى الوهم أنه هم بامرأة ~~العزيز هما يؤاخذ به، لأنه إذا صبر وتثبت فيما له ألا يصبر فيه، وهو الخروج ~~من السجن، مع أن الدواعي متوافرة على الخروج منه، فلأن يصبر فيما عليه أن ~~يصبر فيه من الهم، أولى وأجدر- أفاده الناصر. # قال أبو السعود: وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز، مع ما لقي منها ما لقي، ~~من مقاساة الأحزان، محافظة على مواجب الحقوق، واحترازا عن مكرها، حيث ~~اعتقدها مقيمة في عدوة العداوة، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق ~~وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن ~~بتقطيع الأيدي، ولم يصرح بمراودتهن له، وقولهن (أطع مولاتك) واكتفى ~~بالإيماء إلى ذلك بقوله: إن ربي بكيدهن عليم يعني ما كدنه به، وفي إضافة ~~علمه إلى الله إشارة إلى عظمه، وأن كنهه غير مأمول الوصول إليه، لكن ما لا ~~يدرك كله، لا يترك كله. وفيه تشويق وبعث على معرفته، فهو تتميم لقوله: ~~(اسأل) ، ودلالة على أنه برىء مما قرف به للاستشهاد بعلمه تعالى عليه، وفيه ~~الوعيد لهن على كيدهن، وأنه تعالى مجاز عليه، وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 51] # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل: ~~فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملك: ما خطبكن- أي شأنكن- إذ راودتن يوسف ~~يوم الضيافة؟ يعني: هل وجدتن منه ميلا إليكن؟ PageV06P185 # قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء أي قبيح. بالغن في نفي جنسه عنه ~~بالتنكير، وزيادة (من) قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أي ثبت واستقر ~~وظهر بعد ms2765 خفائه. أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين أي في قوله: هي ~~راودتني عن نفسي. # قال الزمخشري: ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة، والنزاهة، واعترافهن ~~على أنفسهن، بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهن خصومه. وإذا اعترف ~~الخصم بأن صاحبه على الحق، وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال. انتهى-. # والفضل ما شهدت به الأعداء ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 52] # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) # ذلك تقول امرأة العزيز: ذلك الذي اعترفت به على نفسي ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب أي ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق ~~فيما سئلت عنه، أو ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع ~~المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فاعترفت ليعلم أني ~~بريئة. # وأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا يرضاه ولا يسدده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 53] # وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) # وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~تريد: # وما أبرئ نفسي مع ذلك، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته. أو تعني: ~~أني ما أبرئ نفسي من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت: ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن؟ وأودعته السجن. تريد الاعتذار مما كان منها ~~أن كل نفس لأمارة بالسوء، إلا نفسا رحمها الله بالعصمة، كنفس يوسف. # ثم إن تأويل قوله تعالى: ذلك ليعلم ... الآية- على أنه حكاية قول امرأة ~~العزيز- قال ابن كثير: هو القول الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة، ~~ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو ~~العباس ابن تيمية # PageV06P186 # رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف، ولم ~~يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سواه والمعنى: ذلك التثبت والتأني والتشمر ~~لظهور البراءة، ليعلم العزيز ms2766 أني لم أخنه بظهر الغيب في أهله، أو ليعلم ~~الله أني لم أخنه، لأن المعصية خيانة. ثم أكد أمانته بقوله: وأن الله لا ~~يهدي كيد الخائنين وأنه لو كان خائنا لما هدى الله عز وجل أمره، أي: سدده ~~وأحسن عاقبته، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته، وبالعزيز في ~~خيانة أمانة الله تعالى، حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه، ثم أراد أن ~~يتواضع لله، ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا، وبحالها في الأمانة معجبا ~~ومفتخرا، وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ~~ولطفه وعصمته فقال: وما أبرئ نفسي أي لا أنزهها من الزلل، ولا أشهد لها ~~بالبراءة الكلية، ولا أزكيها، فإن النفس البشرية تأمر بالسوء، وتحمل عليه ~~بما فيها من الشهوات، إلا ما رحم الله من النفوس التي يعصمها من الوقوع في ~~المساوئ. # هذا خلاصة ما قرروه على أنه كلام يوسف. قال ابن كثير: والقول الأول أقوى ~~وأظهر لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ~~عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك- والله أعلم-. ### | لطائف: # الأولى- محل قوله: (بالغيب) الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى- وأنا ~~غائب أو غائبة عنه، أو وهو غائب عني خفي عن عيني، أو هو ظرف، أي بمكان ~~الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب. # الثانية- قيل: معنى لا يهدي كيد الخائنين أي: لا يهديهم بسبب كيدهم، ~~أوقعت الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزا، للمبالغة، لأنه ~~إذا لم يهد السبب، علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى. # وقيل: المعنى لا يهديهم في كيدهم، كقوله تعالى: يضاهؤن قول الذين كفروا ~~[التوبة: 30] ، أي في قولهم. # وقيل: هداية الكيد مجاز عن تنفيذه وتسديده. # الثالثة- قال في (الإكليل) : وما أبرئ نفسي أصل في التواضع، وكسر النفس ~~وهضمها. # PageV06P187 # الرابعة- قال الزمخشري: لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة- ثم ساقها- وقال: ~~وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله. # قال الناصر: ولقد صدق في التوريك على نقلة هذه الزيادات بالبهت، وذلك شأن ~~المبطلة من كل طائفة. ويحق ms2767 الله الحق بكلماته ويبطل الباطل. # الخامسة: رأيت لابن القيم في (الجواب الكافي) في عجيب صبر يوسف وعفته، مع ~~الدواعي من وجوه، قال عليه الرحمة، بعد أن مهد مقدمة في مفاسد عشق الصور ~~العاجلة والآجلة: إنها أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا ~~فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد. والله تعالى إنما ~~حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس: وهم اللوطية والنساء، فأخبر عن عشق ~~امرأة العزيز ليوسف، وما راودته، وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها ~~يوسف، لصبره وعفته وتقواه، ومع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من ~~صبره الله عليه. فإن موافقة الفعل، بحسب قوة الداعي، وزوال المانع، وكان ~~الداعي هاهنا في غاية القوة وذلك لوجوه: # أحدها- ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل ~~العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن ~~الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يذم إذا صادف حلالا بل يحمد. # الثاني- أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدته أقوى. # الثالث- أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة. # الرابع- أنه كان في غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى ~~لغيره في وطنه، وبين أهله ومعارفه. # الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن كل واحد من هذين الأمرين ~~يدعو إلى مواقعتها. # السادس- أنها غير آبية ولا ممتنعة، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في ~~المرأة إباؤها وامتناعها، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير ~~من الناس يزيده الإباء والامتناع زيادة حب، كما قال الشاعر: # وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # فطباع الناس مختلفة في ذلك: فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة # PageV06P188 # ورغبتها، وتضمحل عند إبائها وامتناعها، ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته ~~بالمنع، ويشتد شوقه بكل ما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر بالضد نظير ما ~~يحصل من لذة الظفر بعد ms2768 امتناعه ونفاره. واللذة بإدراك المسألة بعد ~~استصعابها وشدة الحرص على إدراكها. # السابع- أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب، وذل الرغبة ~~إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. # الثامن- أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى، إن لم يطاوعها، ~~من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. # التاسع- أنه لا يخشى أن تنمي عليه هي، ولا أحد من جهتها، فإنها هي ~~الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء. # العاشر- أنه كان مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ~~ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي، كما قيل ~~لامرأة من العرب: ما حملك على كذا؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد. تعني: # قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا. # الحادي عشر- أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت ~~حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن، فقال: وإلا تصرف ~~عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين [يوسف: 33] . # الثاني عشر- أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد ~~ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة، من ~~ضيق السجن والصغار. # الثالث عشر- إن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يفرق به بينهما، ويبعد ~~كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف: أعرض عن هذا ~~[يوسف: 29] ، وللمرأة: استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [يوسف: 29] ، ~~وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهنا لم يظهر منه غيرة. # ومع هذه الدواعي فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن اختار ~~السجن على الزنى، فقال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه [يوسف: # 33] ، وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ~~ويصرف # PageV06P189 # عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه ~~وبنفسه، وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة. ~~انتهى كلام ابن القيم. # ثم أشار تعالى إلى ما امتن به على ms2769 يوسف من رفع قدره بصبره، وإعلاء منزلته ~~برحمته بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 54] # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين (54) # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي أي أخصه بها، دون العزيز، جريا على ~~عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز. قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب ~~إليه، وكرم نفسه، وسعة علمه فلما كلمه أي فلما أتوا به، وكلمه، أي خاطبه ~~الملك وعرفه، وشاهد فضله وحكمته وبراءته- وجوز أن يكون فاعل (كلمه) يوسف ~~عليه السلام- قال إنك اليوم لدينا مكين أي ذو مكانة ومنزل أمين أي مؤتمن ~~على كل شيء. # روي أن يوسف عليه السلام لما حضر الملك، وعبر له رؤياه ابتهج بحديثه هو ~~وخاصته، وقال لهم: هل نجد مثله رجلا مهبطا للإمداد الرباني؟ وقال ليوسف: ~~بعد أن عرفك الله هذا فلا يكون حكيم مثلك، وأنت على بيتي، وإلى كلمتك تنقاد ~~رعيتي، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي، وقد أقمتك على جميع أرض مصر. ونزع ~~خاتمه من يده، ووضعه في إصبعه، وألبسه ثياب بز، وجعل طوقا من ذهب في عنقه ~~وأركبه مركبته، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر، وينادى أمامه بالخضوع له، ~~وقال له الملك: لا يمضي أمر، ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك، وسماه ~~مخلص العالم، وزوجه بنت أحد العظماء لديه. وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة # - والله أعلم-. # قال بعضهم: إن من أمعن النظر في قصة يوسف عليه السلام، علم يقينا أن ~~التقي الأمين لا يضيع الله سعيه، بل يحسن عاقبته، ويعلي منزلته في الدنيا ~~والآخرة، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه، ولا يخاف صروفه ~~ونوائبه، فإن الله يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار ~~فإن يوسف عليه # PageV06P190 # السلام لما لم يخش للنوائب وعيدا ولا للتجارب تهديدا. ولم يخف للسجن ظلما ~~وشرا ولا للتنكيل به ألما وضرا، بل ألقى توكله على الرب، وصبر إزاء تلك ~~البلية ثابت القلب- نال بطهارته وتقواه تاج ms2770 الفخر ولسان الصدق طول أيام ~~الدهر. وها إن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام، ولم يعبث بنضارتها ~~كرور الأعوام، بل ادخرت لنا مثالا نقتفي أثره عند طروء التجارب، وملاذا ~~نعوذ به في المحن والمصائب، ومقتدى نتدرب به على التثبت في مواقف العثار، ~~وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار. فننال في الدنيا سمة المجد، ونفوز في ~~الآخرة بدار الخلد. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 55] # قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # قال أي يوسف للملك اجعلني على خزائن الأرض أي ولني خزائن أرضك. يعني جميع ~~الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فيتصرف لهم على الوجه ~~الأرشد والأصلح، ثم بين اقتداره في ذلك فقال: إني حفيظ عليم أي أمين أحفظ ~~ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف فيه. # قال الزمخشري: وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هم طلبة الملوك ممن ~~يولونه. # وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق، وبسط ~~العدل. والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره ~~لا يقوم مقامه في ذلك فطلب التولية ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا. # فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر، ويكون تبعا له، وتحت أمره ~~وطاعته؟ # قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم. وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن ~~يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائز. وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة ~~البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ~~ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق، فله أن يستظهر به. # وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم ~~التابع له والمطيع. انتهى. # PageV06P191 # وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه بالقيام ~~بحقوقه، وجواز التولية عن الكافر والظالم. وأصل في جواز مدح الإنسان نفسه ~~لمصلحته، وفي أن المتولي أمرا، شرطه أن يكون عالما به، خبيرا، ms2771 ذكي الفطنة- ~~كذا في (الإكليل) . # قال أبو السعود: وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله، عليه السلام، من ~~جعله على خزائن الأرض، إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له، غني عن التصريح، ولا ~~سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها، من قوله: إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين، وللتنبيه على أن كل ذلك من الله عز وجل، وإنما ~~الملك آلة في ذلك. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات ... إلخ. # ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في ~~كلام غيره. # و (الأهرام) بفتح الهمزة، جمع هرم بفتحتين وهي مبان مربعة الدوائر، ~~مخروطية الشكل، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة، بعيدة أميالا عن القاهرة، ~~معدودة من غرائب الدنيا دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام 1321 ~~ه. وقد استقر رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم. # ففي كتاب (الأثر الجليل لقدماء وادي النيل) : جميع الأهرام ليست إلا ~~مقابر ملوكية آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس، كما ~~تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، ~~وتراخي العصور، وقد أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك ~~(خوفو) والثاني (خفرع) والثالث للملك (منقرع) وجميعهم من العائلة ~~المنفيسية. ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد للكواكب، أو مدرسة ~~للمعارف الكهنوتية، أو غير ذلك. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 56] # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين (56) # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض أي أرض مصر يتبوأ منها أي ينزل من # PageV06P192 # بلادها حيث يشاء وذلك أنه عليه السلام لما ولاه النظر على خزائن مصر، ~~تجول في قطرها، وطاف قراها، والأمر أمره، والإشارة إشارته، عناية منه تعالى ~~ورحمة، كما قال: نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين أي الذين ~~أحسنوا عملا. ### | ### | القول ms2772 في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 57] # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون أي ثوابها خير من ثوب الدنيا ~~للمؤمنين المتقين. إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يدخر ~~لهؤلاء هو أعظم وأجل مما يخولون به في الدنيا من التمكين في الأرض والجاه ~~والثروة والملك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 58] # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون إشارة إلى ما وقع من ~~مصداق رؤيا يوسف. وذلك أن الأرض أخصبت سبع سنين، وأخرجت من بركاتها ما ~~يعادل رمل البحر كثرة، فجمع يوسف غلالها، وجعل في كل مدينة غلال ما حولها ~~من الحقول، ولما مضت هذه السبع، دخلت السنون المجدبة، فعم القحط مصر والشام ~~ونواحيهما، فأخذ الناس، من سائر البلاد، في المسير إلى مصر ليمتاروا منها، ~~لأنفسهم وعيالهم، لما علموا من وجود القوت فيها. وكان من جملة من سار ~~للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم يعقوب، لتناول القحط بلادهم- فلسطين- ~~فركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عنده ابنه بنيامين، شقيق يوسف، خشية أن ~~يلحقه سوء، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف. فلما هبطوا مصر، دخلوا على يوسف، ~~ولم يعرفوه لطول العهد، ومفارقته إياهم في سن الحداثة، وعدم استشعارهم في ~~أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، وأما هو فعرفهم. روي أنهم لما دخلوا عليه ~~سجدوا له بوجوههم إلى الأرض، تحية له فشرع يخاطبهم متنكرا لهم، وقال: من ~~أين قدمتم؟ # قالوا: من أرض كنعان، لنبتاع طعاما. فقال لهم: أنتم جواسيس، إنما جئتم ~~لتجسوا ثغور الأرض! قالوا: معاذ الله! ما جاء عبيدك إلا للميرة، لأن الجهد ~~أصابنا، ونحن إخوة، بنو أب واحد. قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، هلك ~~منا واحد. قال: # فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند ~~أبيه يتسلى به من الهالك. قال: لا بد من امتحان صدق كلامكم، فليبق واحد ~~منكم ms2773 # PageV06P193 # عندي رهينة ولتذهب بقيتكم فتأخذ ميرة لمجاعة أهلكم، وأتوا بأخيكم الصغير ~~إلي، ليتحقق صدقكم. ثم أخذ شمعون، واحتبسه عنده، وأذن للبقية، وأمر أن ~~يعطوا زادا للطريق، وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 59] # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) # ولما جهزهم بجهازهم بفتح الجيم، وقرئ بكسرها، أي أوقر ركائبهم بالطعام ~~والميرة. قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل أي أتمه ~~وأنا خير المنزلين أي المضيفين وقوله ذلك، تحريض لهم على الإتيان به، لا ~~امتنان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 60] # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي أي فيما تستقبلون ولا تقربون أي ولا ~~تقربوني بدخول بلادي مرة ثانية. فالياء محذوفة، والنون نون الوقاية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 61] # قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) # قالوا سنراود عنه أباه أي سنخادعه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في ~~ذلك. وفيه تنبيه على عزة المطلب. وصعوبة مناله- قاله أبو السعود- وإنا ~~لفاعلون أي ذلك. يعنون المراودة، أو الإتيان به، فيكون ترقيا إلى الوعد ~~بتحصيله بعد المراودة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 62] # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون (62) # وقال لفتيانه أي لخدامه الكيالين: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم يعني ~~ببضاعتهم، ما شروا به الطعام. روي أنها كانت فضة. أي اجعلوها في أمتعتهم من # PageV06P194 # حيث لا يشعرون. لعلهم يعرفونها أي لكي يعرفونها، إذا انقلبوا إلى أهلهم ~~أي وفتحوا أوعيتهم لعلهم يرجعون أي حسبما أمرتهم به، فإن التفضل عليهم ~~بإعطاء البدلين من أقوى الدواعي إلى الرجوع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 63] # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) # فلما رجعوا إلى أبيهم ms2774 قالوا يا أبانا منع منا الكيل أي أنذرنا بمنعه بعد ~~هذا، إن لم نأت بأخينا، فأرسل معنا أخانا نكتل أي نرفع المانع من الكيل، ~~ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه، وقرئ (يكتل) بالتحتية أي أخونا لنفسه مع ~~اكتيالنا، وإنا له لحافظون أي من أن يناله مكروه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 64] # قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) # قال أي يعقوب لهم هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل أي من ~~قبله، يوسف. يعني: هل أقدر أن آخذ عليكم العهد والميثاق، أكثر مما أخذت ~~عليكم في يوسف، وقد قلتم: وإنا له لحافظون [يوسف: 12] ، ثم خنتم بضمانكم؟ ~~فما يؤمنني من مثل ذلك؟ فلا أثق بكم، ولا بحفظكم وإنما أفوض الأمر إلى الله ~~فالله خير حافظا أي منكم ومن كل أحد وهو أرحم الراحمين أي أرحم من والديه ~~وإخوته، فأرجو أن يرحمني بحفظه. وهذا ميل منه إلى الإذن في إرساله معهم لما ~~رأى فيه من المصلحة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 65] # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم أي وجدوا دراهمهم، ثمن طعامهم ~~في متاعهم. # PageV06P195 # روي أن أحدهم فتح متاعه ليأخذ علفا لدابته، فرأى فضته في فم متاعه فقال ~~لإخوته: قد ردت دراهمي وها هي في متاعي ثم لما وصلوا كنعان، وأخذوا يفرغون ~~أوعيتهم، وجد كل واحد منهم صرة دراهمه في وعائه، فاستطارت قلوبهم، ودهشوا، ~~وحمدوا عناية الله بهم. # قالوا يا أبانا ما نبغي أي ماذا نبتغي وراء ذلك؟ هل من زيادة؟ أي: لا ~~مزيد على ما فعل، لأنه أكرمنا، وأحسن مثوانا، بإنزالنا عنده، ورد الثمن ~~علينا. والقصد إلى استنزاله عن رأيه. أو: لا نبغي في القول ولا نكذب فيما ~~حكينا لك، من إحسانه الداعي إلى امتثال ms2775 أمره. أو: ما نبغي وما ننطق إلا ~~بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا وقرئ على الخطاب. أي: أي ~~شيء تطلب وراء هذا من الدليل على صدقنا؟ # هذه بضاعتنا ردت إلينا جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ ~~اللطف غايته، كأنهم قالوا: كيف لا، وهذه بضاعتنا ردت إلينا تفضلا من حيث لا ~~ندري؟ # ونمير أهلنا معطوف على مقدر مفهوم. أي: فنستظهر بها، ونمير أهلنا إذا ~~رجعنا إلى الملك: أي: نأتيهم بميرة، أي بطعام. يقال: (ماره) أتاه بطعام ~~ومنه: # (ما عنده خير ولا مير) . # ونحفظ أخانا أي: فلا يصيبه شيء مما تخافه ونزداد كيل بعير أي باستصحابه ~~ذلك كيل يسير أي سهل على هذا الملك المحسن لسخائه، فلا يضايقنا فيه. أو ~~المعنى قصير المدة، ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير أو ~~المعنى: ذلك الذي يكال لنا دون أخينا شيء يسير قليل، فابعث أخانا معنا حتى ~~نتسع ونتكثر بمكيله.. # وقال ابن كثير: هذا من تمام الكلام وتحسينه. أي: إن هذا يسير في مقابلة ~~أخذ أخيهم لا يعدل هذا. فلا يكون من كلامهم، والجملة محتملة للكل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 66] # قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) # قال أي لهم أبوهم لن أرسله معكم أي بهذه المقالة حتى تؤتون موثقا # PageV06P196 # من الله لتأتنني به # أي عهدا منه، ويمينا به، لتردنه علي إلا أن يحاط بكم أي تغلبوا كلكم، فلا ~~تقدرون على تخليصه. وأصله من: (أحاط به العدو) سد عليه مسالك النجاة ودنا ~~ملاكه. # فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل أي شهيد رقيب. والقصد حثهم ~~على ميثاقهم بتخويفهم من نقضه بمجازاته تعالى. # قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة التي ~~لا غنى بهم عنها. ### | لطيفة: # قال الناصر: ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر، وهو قولهم: (البلاء ms2776 موكل ~~بالمنطق) فإن يعقوب عليه السلام قال أولا في حق يوسف: وأخاف أن يأكله الذئب ~~[يوسف: 13] ، فابتلي من ناحية هذا القول. وقال هاهنا ثانيا: إلا أن يحاط ~~بكم أي تغلبوا عليه. فابتلي أيضا بذلك، وأحيط بهم وغلبوا عليه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 67] # وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ~~(67) # وقال أي أبوهم: يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة أي ~~لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد، أنظار من يقف عليه من الجند، ومن يعس ~~للحاكم، فيريب بهم، لأن دخول قوم على شكل واحد، وزي متحد، على بلدهم غرباء ~~عنه، مما يلفت نظر كل راصد. وكانت المدن وقتئذ مبوبة لا ينفذ إليها إلا من ~~أبوابها، وعلى كل باب حرسه، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه، واتباع ~~البصر. وقيل: نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة- وسيأتي ~~بيانه-. # وما أغني عنكم من الله من شيء أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئا مما قضى ~~عليكم، فإن الحذر لا يمنع القدر. # قال أبو السعود: ولم يرد به عليه السلام إلغاء الحذر بالمرة، كيف لا وقد ~~قال عز قائلا: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] ، وقال: خذوا ~~حذركم [النساء: 71 و 102] . بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب # PageV06P197 # المراد لا محالة، بل هو تدبير في الجملة. وإنما التأثير وترتيب المنفعة ~~عليه من العزيز القدير، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر، بل هو استعانة بالله ~~تعالى، وهرب منه إليه. # إن الحكم إلا لله أي لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 68] # ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا ms2777 يعلمون ~~(68) # ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم أي: من الأبواب المتفرقة ما كان أي ذلك ~~الدخول يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها أي أبداها، ~~وإنه لذو علم لما علمناه أي: علم جليل، لتعليمنا إياه بالوحي، ونصب الأدلة، ~~حيث لم يعتقد أن الحذر، يدفع القدر، وأن التدبير، له حظ من التأثير. وفي ~~تأكيد الجملة ب (إن) و (اللام) وتنكير العلم، وتعليله بالتعليم المسند إلى ~~ذاته سبحانه، من الدلالة على شأن يعقوب عليه السلام، وعلو مرتبة علمه ~~وفخامته، ما لا يخفى- أفاده أبو السعود-. # ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي فيظنون الأسباب مؤثرات. # قال ابن حزم في (الملل) : كان أمر يعقوب عليه السلام بدخولهم من أبواب ~~متفرقة، إشفاقا عليهم، إما من إصابة العين، وإما من تعرض عدو، أو مستريب ~~بإجماعهم، أو ببعض ما يخوفه عليهم. وهو عليه السلام معترف أن فعله ذلك، ~~وأمره إياهم بما أمرهم به من ذلك، لا يغني عنهم من الله شيئا يريده عز وجل ~~بهم. ولكن لما كانت طبيعة البشر جارية في يعقوب عليه السلام، وفي سائر ~~الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى حاكيا عن الرسل أنهم قالوا: إن نحن ~~إلا بشر مثلكم [إبراهيم: 11] ، حملهم ذلك على بعض النظر المخفف لحاجة النفس ~~ونزعها وتوقها إلى سلامة من تحب، وإن كان ذلك لا يغني شيئا، كما كان عليه ~~السلام يحب الفأل الحسن «1» . PageV06P198 ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية- على ما # روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما- أن العين حق «1» ، وأن الحذر لا يرد ~~القدر. # ومع ذلك لا بد من ملاحظة الأسباب. انتهى. # وقال بعض اليمانين: لهذه الجملة ثمرات وهي: استحباب البعد عن مضار ~~العباد، والحذر عنها. فأما فعل الله تعالى فلا يغني الحذر عنه. ثم قال: وفي ~~(التهذيب) أن أبا علي أنكر الضرر بالعين، وهو مروي عن جماعة من المتكلمين. # وصحح الحاكم والأمير الحسين وغيرهما جواز ذلك، لأخبار وردت فيها. # ثم قال: واختلف من أين أتت المضرة الحاصلة بالعين، فمن قائل: بأنه يخرج ~~من ms2778 عين العائن شعاع يتصل بمن يراه، فيؤثر فيه تأثير السم. وضعفه الحاكم ~~بأنه لو كان كذلك، لما اختص ببعض الأشياء دون بعض، ولأن الجواهر متماثلة، ~~فلا يؤثر بعضها في بعض. ومن قائل: بأنه فعل العائن. قال: وهذا لا يصح، لأن ~~الجسم لا يفعل في جسم آخر شيئا إلا بمماسته، أو ما في حكمها من الاعتمادات، ~~ولأنه لو كان فعله، وقف على اختياره. ومن قائل: بأنه فعل الله، أجرى الله ~~العادة بذلك لضرب من الإصلاح. وصحح هذا الحاكم، وهو الذي ذكره الزمخشري ~~والأمير الحسين، وهو قول أبي هاشم، ذكره عنهما في (التهذيب) انتهى. # وقد أوضحه الرازي: بقوله: قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: إنه لا يمتنع ~~أن تكون العين حقا، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به ~~استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص، وذلك الشيء حتى ~~لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا المعنى غير ممتنع. ثم لا يبعد أيضا ~~أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة، وعدل عن الإعجاب، وسأل ربه أن يقيه ذلك، ~~فعنده تتعين المصلحة. ولما كانت هذه العادة مطردة، لا جرم قيل: العين حق. # انتهى. # أقول: وقد بسط الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) هذا البحث بما يشفي ~~ويكفي، في (بحث هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العين) بعد إيراده ما روي ~~في الصحيحين وغيرهما من حقية العين، وشهرة تأثيرها عند العرب، قال: ~~PageV06P199 # فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل، أمر العين، وقالوا: إنما ~~ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم ~~حجابا، وأكثفهم طباعا، وأبعدهم عن معرفة الأرواح والنفوس، وصفاتها وأفعالها ~~وتأثيراتها. وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا يدفع أمر العين ولا ~~ينكره، وإن اختلفوا في سببه، وجهة تأثير العين، فقالت طائفة: إن العائن إذا ~~تكيفت نفسه بالكيفية الردية، انبعثت من عينه قوة سمية، تتصل بالمعين ~~فيتضرر. قالوا: ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى ms2779 ~~تتصل بالإنسان فيهلك، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع ~~بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن. # وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة، غير ~~مرئية، فتتصل بالمعين، وتتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر. # وقالت: فرقة أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة ~~عين العائن لمن يعينه، من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا. ~~وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم. وهؤلاء قد سدوا على ~~أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أن ~~الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها ~~خواص وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن العاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه ~~أمر مشاهد محسوس. وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من ~~يحتشمه. # ويستحيي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه، إليه. وقد شاهد الناس ~~من يسقم من النظر، وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح. ولشدة ~~ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح، ~~والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروح الحاسد مؤذية ~~للمحسود أذى بينا، ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره. ~~وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة ~~الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف ~~بكيفية خبيثة تقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية. وأشبه الأشياء بهذا، ~~الأفعى. فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعث منها قوة ~~غضبية، وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى ~~تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر. كما # PageV06P200 # قال صلى الله عليه وسلم «1» # في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات: إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل # . ومنها ما يؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة ~~خبث تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة الموثرة. والتأثير ms2780 غير موقوف على ~~الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه، ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل ~~التأثير يكون تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية وتارة بتوجه ~~الروح نحو من يوثر فيه، وتارة بالأدعية والرقي والتعوذات، وتارة بالوهم ~~والتخيل. ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى فيوصف ~~له الشيء، فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره. وكثير من العائنين يؤثر في المعين ~~بالوصف من غير رؤية، وقد قال الله تعالى لنبيه: وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم [القلم: 51] ، وقال: قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق ~~ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد ~~[الفلق: 1- 5] ، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا. فلما كان الحاسد أعم ~~من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس ~~الحاسد والعين نحو المحسود والمعين، تصيبه العين تارة، وتخطئه تارة، فإن ~~صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه، ولا بد. وإن صادفته حذرا، شاكي ~~السلاح، لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها. ~~وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح، وهذا من الأجسام ~~والأشباح. # وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم يتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين ~~على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين. وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير ~~إرادته، بل بطبعه. وهذا أرادأ ما يكون من النوع الإنساني. وقد قال أصحابنا ~~وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه ~~إلى الموت. وهذا هو الصواب قطعا، انتهى. كلام ابن القيم، عليه الرحمة. # وقال الرازي: ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثره بحسب الكيفيات المحسوسة، ~~أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا ~~محضا، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق، والذي يدل عليه أن اللوح الذي ~~يكون قليل العرض، إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه، ~~ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي ms2781 عليه. وما ~~ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه، فعلمنا أن التأثرات النفسانية ~~موجودة. PageV06P201 # وأيضا إن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له، حصل في قلبه غضب، ويسخن ~~مزاجه جدا، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا لذلك التصور النفساني، ولأن مبدأ ~~الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب ~~تغير بدنه الخاص، لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها ~~إلى سائر الأبدان، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر ~~الأبدان. وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن يكون بعض ~~النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه، ويتعجب منه. فثبت ~~أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، والنفوس ~~النبوية نطقت به، فعنده لا يبقى في وقوعه شك. وإذا ثبت هذا، ثبت أن الذي ~~أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين، كلام ~~حق. لا يمكن رده. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 69] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون يخبر سبحانه بأن إخوة يوسف لما قدموا عليه، ضم إليه أخاه، بنيامين، ~~إما على الطعام، أو في المنزل، وأعلمه بأنه أخوه، وقال له: لا تبتئس. أي لا ~~تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، وجمعنا ~~بخير. # وقد روي أنهم لما قدموا عليه، ووقفوا بين يديه، رأى أخاه بنيامين معهم، ~~فأمر بإنزالهم في بيته، وحلولهم في كرامته وضيافته، وحضورهم معه في غدائه. ~~ثم دخل عليهم فقاموا وسجدوا له، وسألهم عن سلامة أبيهم، ورفع طرفه إلى ~~أخيه، فأدناه وآواه إليه، وآنسه بحديثه- كما ذكر في الآية- ثم أراد يوسف أن ~~يحتال على بقاء أخيه عنده، فتواطأ مع فتيانه، إذا جهز إخوته، أن يضعوا ~~سقايته في رحل أخيه # ، كما ms2782 بينه تعالى بقوله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 70] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) # فلما جهزهم بجهازهم أي من الطعام جعل السقاية في رحل أخيه وهي # PageV06P202 # جام فضة يشرب به يوسف، وضعه في ميرة أخيه. # وقد روي أن يوسف لما جهزهم وارتحلوا، أمهلهم حتى انطلقوا وبعدوا قليلا عن ~~المدينة، ثم أمر أن يسعى في إثرهم، ويؤذنوا بما فقد، # كما أشار إليه تعالى بقوله: ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : الآيات 71 الى # 72] # قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به ~~حمل بعير وأنا به زعيم (72) # قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون. # قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم معنى (أذن) ~~نادى. يقال: آذنه: أعلمه، وأذن أكثر الإعلام، ومنه (المؤذن) لكثرة ذلك منه. # و (العير) : الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير، أي تذهب وتجيء، وهو ~~اسم جمع للإبل، لا واحد له، فأطلق على أصابها. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم ~~كثر حتى قيل لكل قافلة (عير) . و (الصواع) هو السقاية المتقدمة، إناء فضة. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، ~~وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق. # قال ابن العربي: وفي إطلاق السرقة عليهم، وليسوا بسارقين، جواز دفع الضرر ~~بضرر أقل منه. # وقوله تعالى: ولمن جاء به حمل بعير أصل في الجعالة. # وقوله: وأنا به زعيم أصل في الضمان والكفالة. انتهى. # ولما اتهمهم المؤذن ومن معه من الفتيان: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 73] # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين أي ما جئنا ~~للسرقة، أو لمطلق فساد، وإنما جئنا للميرة، وما كنا نوصف بالسرقة. وإنما # PageV06P203 # استشهدوا بعلمهم على براءتهم، لما تيقنوه من حالهم، في كرتي مجيئهم. ### | القول ms2783 في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : الآيات 74 الى 75] # قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) # قالوا فما جزاؤه أي السارق إن كنتم كاذبين. # قالوا أي لثقتهم ببراءتهم جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي جزاء سرقته، ~~أخذ من وجد في رحله رقيقا. وهو قولهم: فهو جزاؤه تقريرا لذلك الحكم ~~وإلزامه، أي: فأخذه جزاؤه لا غيره. ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأ، والجملة ~~الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل جزاؤه من وجد ~~في رحله فهو هو. # كذلك نجزي الظالمين أي بالسرقة، تأكيد إثر تأكيد، وبيان لقبح السرقة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 76] # فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم (76) # فبدأ أي فتى يوسف بأوعيتهم أي ففتشها قبل وعاء أخيه أي بنيامين، نفيا ~~للتهمة ثم استخرجها أي السقاية من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف أي دبرنا ~~لتحصيل غرضه ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أي شرعه وقانونه. والجملة ~~استئناف وتعليل لذلك الكيد وصنعه. أي: ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء ~~الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف على السارق، لإيصال يوسف إلى أربه، ~~رحمة منه وفضلا. وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، ~~لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته ويستدل به على جواز تسمية ~~قوانين ملل الكفر (دينا) لها والآيات في ذلك كثيرة. # وقوله تعالى: إلا أن يشاء الله يعني: أن ذلك الأمر كان بمشيئة الله ~~وتدبيره، لأن ذلك كله كان إلهاما من الله ليوسف وإخوته، حتى جرى الأمر وفق ~~المراد. # PageV06P204 # نرفع درجات من نشاء أي بالعلم، كما رفعنا يوسف. وفي إيثار صيغة الاستقبال ~~إشعار بأن ذلك سنة إلهية مستمرة، غير مختصة بهذه المادة. # وفوق كل ذي ms2784 علم أي من أولئك المرفوعين عليم أي فوقه أرفع درجة منه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 77] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل هذا تنصل منهم إلى العزيز بالتشبيه ~~به أي: إن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف. # فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكانا أي منزلة، حيث ~~سرقتم أخاكم من أبيكم، ثم طفقتم تفترون على البريء. # والله أعلم بما تصفون أي من أمر يوسف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 78] # قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78) # قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من ~~المحسنين لما تعين أخذ بنيامين وإبقاؤه عند يوسف بمقتضى فتواهم، طفقوا ~~يعطفونه عليهم، بأن له أبا شيخا كبيرا يحبه حبا شديدا يتسلى به عن أخيه ~~المفقود، فخذ أحدنا بدله رقيقا عندك. # قال بعضهم: الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقا يتوسل به، كما توسلوا بكبر ~~يعقوب وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ. انتهى. # وفي ما عزموا عليه لإنقاذ أخيهم من شرك العبودية، المقضي عليه بها، ما ~~يشف عن حسن طوية، ووفاء بالوعد، ويعرب عن أمانة، وصدق بر، وشدة تمسك بموثق ~~أبيهم، محافظة على رضاه وإكرامه، وهكذا فليتمسك البار بمرضاة أبويه. # وقولهم: إنا نراك من المحسنين أي إلينا، فأتمم إحسانك بهذه التتمة. # أو من المتعودين بالإحسان، فليكن هذا منه. # PageV06P205 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 79] # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون أي إن ~~أخذنا بريئا بمتهم، لأنه لا يؤخذ أحد بجرم غيره. قال بعضهم: إلا ما ms2785 ورد في ~~العقل. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 80] # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا أي يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشد يأس. # كما دل عليه (السين والتاء) فإنهما يزادان في المبالغة. # قال أبو السعود: وإنما حصلت لهم هذه المرتبة من اليأس، لما شاهدوه من ~~عوذه بالله لما طلبوه، الدال على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة، وأنه ~~مما يجب أن يحترز عنه، ويعاذ بالله عز وجل، ومن تسميته (ظلما) بقوله: إنا ~~إذا لظالمون، و (خلصوا) بمعنى اعتزلوا وانفردوا عن الناس، خالصين، لا ~~يخالطهم سواهم، و (نجيا) حال من فاعل (خلصوا) أي: اعتزلوا في هذه الحالة ~~مناجين وإنما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إما لأن النجي (فعيل) بمعنى ~~(مفاعل) كالعشير والخليط، بمعنى المعاشر والمخالط، كقوله: وقربناه نجيا ~~[مريم: 52] ، أي مناجيا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقا. يقال: هم خليطك ~~وعشيرك أي مخالطوك ومعاشروك. وإما لأنه صفة على (فعيل) بمنزلة صديق، وبابه. ~~فوحد لأنه بزنة المصادر، كالصهيل والوحيد والذميل. وإما لأنه مصدر بمعنى ~~التناجي، أطلق على المتناجين مبالغة، أو لتأويله بالمشتق: والمصدر، ولو ~~بحسب الأصل، يشمل القليل والكثير، وتنزيل المصدر منزلة الأوصاف أبلغ في ~~المعنى، ولذا قال الزمخشري: # وأحسن منه- أي من تأويل نجيا بذوي نجوى أو فوجا نجيا أي مناجيا- إنهم ~~تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه، بجد واهتمام، كأنهم في # PageV06P206 # أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة ~~يذهبون، وما يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، ~~فاحتاجوا إلى التشاور. انتهى ### | لطيفة: # ذكر القاضي عياض في (الشفا) في (بحث إعجاز القرآن) : أن أعرابيا سمع رجلا ~~يقرأ: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا، فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل ~~هذا الكلام. # وقال الثعالبي في ms2786 كتاب (الإيجاز والإعجاز) في الباب الأول: من أراد أن ~~يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن ~~لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام. # ثم قال: فمن ذلك قوله عز ذكره، في إخوة يوسف فلما استيأسوا منه خلصوا ~~نجيا وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن، وأخذهم في ~~تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث. # فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة. # وقوله تعالى: قال كبيرهم أي في السن، كما هو المتبادر، وهو، فيما يروى، ~~(رؤبين) ، ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أي عهدا وثيقا ~~في رد أخيكم. وإنما جعل منه تعالى لكون الحلف كان باسمه الكريم. ومن قبل أي ~~قبل هذا ما فرطتم في يوسف أي قصرتم في شأنه و (ما) إما مزيدة، و (من) متعلق ~~بالفعل بعده، والجملة حالية. وإما مصدرية في موضع رفع بالابتداء و (من قبل) ~~خبره. أو في موضع نصب عطفا على معمول (تعلموا) . وإما موصولة بالوجهين، أي: ~~قدمتموه في حقه من الخيانة، ولم تحفظوا عهد أبيكم، بعد ما قلتم: وإنا له ~~لناصحون [يوسف: 11] ، وو إنا له لحافظون [يوسف: 63] . # فلن أبرح الأرض أي: فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي أي في الرجوع أو ~~يحكم الله لي أي بالخروج من مصر، أو بخلاص أخي بسبب ما. وهو خير الحاكمين ~~لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. # ثم أمر كبيرهم أن يخبروا أباهم بما جرى، فقال: # PageV06P207 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 81] # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين (81) # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق أي: نسب إلى سرقة صواع ~~الملك، وما شهدنا إلا بما علمنا أي ما شهدنا عليه بالسرقة، إلا بما تيقناه ~~من إخراج الصواع من رحله. ### | تنبيه: # استنبط بعضهم من هذا عدم جواز الشهادة على الكتابة بلا علم وتذكر. ms2787 وكذا ~~من سمع كلمه من وراء حجاب، لعدم العلم به- كذا في الإكليل- ولا يخفى أن مثل ~~هذا مما يستأنس به في مواقع الخلاف. # وما كنا للغيب حافظين أي: وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 82] # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) # وسئل القرية التي كنا فيها يعنون مصر. أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه ~~القصة. والعير التي أقبلنا فيها أي جئنا معها. وكان صحبهم قوم من كنعان ~~وإنا لصادقون أي فيما أخبرناك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 83] # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا معناه: فرجعوا إلى أبيهم، فقالوا له ما قال ~~لهم أخوهم. فقال: بل سولت، أي زينت وسهلت أنفسكم أمرا، ففعلتموه. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: أمرا أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ ~~بسرقته، لولا فتواكم وتعليمكم. # PageV06P208 # قال الناصر: هذا من الزمخشري إسلاف جواب عن سؤال، كان قائلا يقول: هم في ~~الوقعة الأولى سولت لهم أنفسهم أمرا بلا مراء، وأما في هذه الوقعة الثانية، ~~فلم يتعمدوا في حق بنيامين سوءا، ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته، ~~وما تركوه بمصر إلا بمغلوبين عن استصحابه، فما وجه قوله ثانيا بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا كما قال لهم أولا؟ وإذا ورد السؤال على هذا التقرير، فلا بد من ~~زيد بسط في الجواب، فنقول: كانوا عند يعقوب عليه السلام حينئذ متهمين، وهم ~~قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام، وقامت عنده قرينة تؤكد نفي ~~التهمة وتقويها، وهي أخذ الملك له في السرقة، ولم يكن ذلك إلا من دين إلا ~~من دين يعقوب وحده، لا من دين غيره من الناس، ولا من عادتهم. وإلى ذلك وقعت ~~الإشارة بقوله تعالى: # ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [يوسف: 76] ### | ، تنبيه # ا من الله تعالى على وجه اتهام يعقوب ms2788 لهم، فعلم أن الملك إنما فعل ذلك ~~بفتواهم له به، وظن أنهم أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة تعمدا ليتخلف أخوهم، ~~وكان الواقع أنهم استفتوا من قبل أن يدعي عليهم السرقة، فذكروا ما عندهم، ~~ولم يشعروا أن المقصود إلزامهم بما قالوا. # واتهام من هو بحيث تتطرق التهمة إليه لا حرج فيه، وخصوصا فيما يرجع إلى ~~الوالد من الولد. ويحتمل- والله أعلم- أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول ~~في حقهم، أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله، سرقة، من ~~غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونها سارقا بوجه معلوم، وهذا في شرعنا لا ~~يثبت لا سرقة عليه- والله أعلم-. # وقوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا واقع بمكانه من حالهم، وإن كان شرعهم ~~يقتضي ذلك مخالفا لشرعنا، فالعمدة على الجواب الأول. # وقوله تعالى: فصبر جميل أي: بلا جزع عسى الله أن يأتيني بهم جميعا أي ~~بيوسف وأخيه المتوقف بمصر، فتذهب أحزانه بمرة واحدة إنه هو العليم الحكيم ~~أي العليم بحالي وحالهم، الحكيم في تشديد الأمر لينظر مقدار الصبر فيفيض ~~بقدره الأجر، ومن الأجر المعجل تعجيل الفرج. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 84] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) # وتولى أي أعرض عنهم أي عن بنيه كراهة لما جاءوا به # PageV06P209 # وقال يا أسفى على يوسف أي يا حزني الشديد! و (الألف) بدل من ياء المتكلم ~~للتخفيف، وقيل: هي ألف الندبة، والهاء محذوفة. و (الأسف) أشد الحزن والحسرة ~~على ما فات، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، والحادث رزأهما. والرزء الأحدث ~~أشد على النفس، وأظهر أثرا- لأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ~~ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفا على من لحق به، ولأنه ~~لم يزل عن فكره، فكان غضا طريا عنده، كما قيل: # ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... وكل جديد يذكر بالقديم # ولأنه كان واثقا بحياتهما- دون حياته. # وابيضت عيناه من الحزن وذلك لكثرة بكائه. # قال الزمخشري: إذا كثر الاستعبار ms2789 محقت العبرة سواد العين، وقلبته إلى ~~بياض كدر. فهو كظيم أي مملوء من الغيظ على أولاده، ولا يظهر ما يسوؤهم. # (فعليل) بمعنى (مفعول) كقوله وهو مكظوم [القلم: 48] ، أو بمعنى شديد ~~التجرع للغيظ أو الحزن، لأنه لم يشكه إلى أحد قط. فهو بمعنى (فاعل) . ### | تنبيه: # دلت الآية على جواز التأسف والبكاء عند المصيبة. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ # قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد ~~صبره، وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن. # ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم # وقال «1» : إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا ~~بفراقك يا ابراهيم لمحزونون. # وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الصدور ~~والوجوه وتمزيق الثياب. # وعن الحسن أنه بكى على ولد، أو غيره فقيل له في ذلك؟ فقال: ما رأيت الله ~~جعل الحزن عارا على يعقوب. PageV06P210 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 85] # قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) # قالوا أي أولاد يعقوب، لأبيهم على سبيل الرفق به، والشفقة عليه: تالله ~~تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أي مريضا مشفيا على الهلاك، أو تكون من ~~الهالكين أي بالموت. يقولون: إن استمر بك هذا الحال، خشينا عليك الهلاك ~~والتلف، واستدل به على جواز الحلف بغلبة الظن. وقيل: إنهم علموه، لكنهم ~~نزلوه منزلة المنكر، فلذا أكدوه. وتفتؤا مضارع فتئ، مثلثة التاء. يستعمل مع ~~النفي ملفوظا أو منويا لأن موضعه معلوم، فيحذف للتخفيف كقوله: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي: لا أبرح. ومعنى (تفتأ) : لا تزال ولا تبرح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 86] # قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) # ل إنما أشكوا بثي # أي غمي وحالي. حزني إلى الله ms2790 # أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعيا له، وملتجئا ~~إليه، فخلوني وشكايتي. # أعلم من الله # أي لمن شكا إليه من إزالة الشكوى، ومزيد الرحمةا لا تعلمون # ما يوجب حسن الظن به، وهو مع ظن عبده به. # ولما علم من شدة البلاء مع الصبر، قرب الفرج، قوى رجاءهم، وأمرهم أن ~~يرحلوا لمصر، ويتطلبوا خبر يوسف وأخيه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 87] # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه أي تعرفوا من نبئهما، وتخبروا # PageV06P211 # خبرهما ولا تيأسوا من روح الله أي فرجه ورحمته المريحة من الشدة. إنه لا ~~ييأس من روح الله لم يقل (منه) إشارة إلى ظهور حصوله لمن لم ييأس- إلا ~~الكافرون أي بالله ورحمته، وقدرته على إفاضة الروح، بعد مضي المدة في الشدة ~~وسنته في إفاضة اليسر مع العسر، لا سيما في حق من أحسن الظن به. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 88] # فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) # فلما دخلوا عليه أي على يوسف بعد ما رجعوا من مصر، ولانفهامه من المقام ~~طوى ذكره إيجازا قالوا: يا أيها العزيز أي: الملك القادر، المتمنع مسنا ~~وأهلنا الضر أي: الشدة من الجدب. وجئنا ببضاعة مزجاة أي: بدراهم قليلة في ~~مقابلة ما نمتاره. استقلوا الثمن واستحقروه اتضاعا لهيبة الملك، واستجلابا ~~لرأفته وحنانه. وأصل معنى (التزجية) : الدفع والرمي، فكنوا به عن القليل ~~الذي يدفع، رغبة عنه، لذلك فأوف لنا الكيل أي: أتممه ووفره بهذه الدراهم ~~المزجاة، كما توفره بالدراهم الجياد. وتصدق علينا أي: برد أخينا، أو ~~بالإيفاء، أو بالمسامحة وقبول ما لا يعد عوضا. إن الله يجزي المتصدقين أي ~~يثيبهم أحسن المثوبة. ### | تنبيهات: # الأول- في الآية إرشاد إلى أدب جليل، وهو تقديم ms2791 الوسائل أمام المآرب، ~~فإنها أنجح لها. وهكذا فعل هؤلاء: قدموا ما ذكر من رقة الحال، والتمسكن، ~~وتصغير العوض، ولم يفجئوه بحاجتهم، ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم، ببعث ~~الشفقة، وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة الرحمة- كما قدمنا- ومن ثم، رق ~~لهم، وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرفهم نفسه، كما يأتي- الثاني- ~~يؤخذ من الآية جواز شكوى الحاجة لمن يرجى منه إزالتها. # الثالث- استدل بعضهم بقوله تعالى: فأوف لنا الكيل على أن أجرة الكيال على ~~البائع، لأنه إذا كان عليه توفية الكيل، فعليه مؤنته، وما يتم به. # الرابع- استدل بقوله تعالى: وتصدق علينا من قال: إن الصدقة لم تكن # PageV06P212 # محرمة على الأنبياء- كذا في الإكليل- وهذا بعد تسليم نبوة إخوة يوسف. ~~وفيها خلاف. وسيأتي في التنبيهات، آخر السورة، تحقيق ذلك. # الخامس- في قوله تعالى: إن الله يجزي المتصدقين حث على الإحسان، وإشارة ~~إلى أن المحسن يجزى أحسن جزاء منه تعالى، وإن لم يجزه المحسن إليه. # ثم بين تعالى رأفة يوسف بتعرفه إليهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 89] # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) # قال أي يوسف مجيبا لهم هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون أي ~~شبان غافلون؟ استفهام تقرير، يفيد تعظيم الواقعة. ومعناه: ما أعظم ما ~~ارتكبتم في يوسف، وما أقبح ما أقدمتم عليه! كما يقال للمذنب: هل تدري من ~~عصيت وهل تعرف من خالفت؟ وهذه الآية تصديق لقوله تعالى: وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون [يوسف: 15] . ### | لطائف: # الأولى- أبدى المهايمي مناسبة بديعة في قول يوسف لهم: هل علمتم إثر ~~قولهم: إن الله يجزي المتصدقين، وهو أنهم أرادوا بقولهم: إن الله يجزي ~~المتصدقين أنه يعطيهم في الآخرة ما هو خير من العوض الدنيوي، فأشار لهم ~~يوسف بأنكم تريدون دفع الضرر العاجل، بوعد الأجر الآجل، ولا تدفعون عن ~~أنفسكم الضرر الآجل، كأنكم تنكرونه، هل علمتم ضرر ما فعلتم بيوسف؟ # الثانية- قيل: من تلطفه بهم قوله: إذ أنتم جاهلون كالاعتذار عنهم، لأن ~~فعل القبيح على جهل بمقدار قبحه، أسهل من ms2792 فعله على علم. وهم لو ضربوا في ~~طرق الاعتذار لم يلفوا عذرا كهذا. ألا ترى أن موسى عليه السلام، لما اعتذر ~~عن نفسه لم يزد على أن قال: فعلتها إذا وأنا من الضالين [الشعراء: 20] ففيه ~~تخفيف للأمر عليهم. # الثالثة- قال الزمخشري: فإن قلت: ما فعلهم بأخيه؟ قلت: تعريضهم إياه للغم ~~والثكل، بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن ~~يكلم أحدا منهم إلا كلام الذليل للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى. انتهى. # PageV06P213 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 90] # قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) # قالوا أي: استغرابا وتعجبا من أن هذا لا يعلمه إلا يوسف: أإنك لأنت يوسف؟ ~~قال: أنا يوسف أي: الذي فعلتم به ما فعلتم، وهذا أخي أي من أبوي. # قال أبو السعود: زادهم ذلك مبالغة في تعريف نفسه، وتفخيما لشأن أخيه، ~~وتكملة لما أفاده قوله: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه حسبما يفيده قوله: # قد من الله علينا فكأنه قال: هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلال، ~~فأنا يوسف، وهذا أخي، قد من الله علينا بالخلاص مما ابتلينا به، والاجتماع ~~بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة، والأنس بعد الوحشة. # ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي بقوله: إنه من يتق أي ربه في جميع ~~أحواله ويصبر أي: على الضراء، وعن المعاصي. فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~أي أجرهم وفي وضع الظاهر موضع الضمير ### | ، تنبيه # على أن المنعوتين بالتقوى والصبر، موصوفون بالإحسان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 91] # قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) # قالوا تالله لقد آثرك الله علينا أي فضلك بما ذكرت من التقوى والصبر، ~~وسيرة المحسنين وإن كنا لخاطئين أي: وإن شأننا وحالنا أنا كنا متعمدين ~~للذنب، لم نتق ولم نصبر، ففعلنا بك ما فعلنا، ولذلك أوثرت علينا. وفيه ~~إشعار بالتوبة والاستغفار، ولذلك: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms2793 يوسف (12) : آية 92] # قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) # قال لا تثريب أي: لا تعيير ولا توبيخ ولا تقريح، عليكم اليوم أي: وإن ~~كنتم ملومين قبل ظهور منتهى فعلكم، ولا إثم عليكم، إذ يغفر الله لكم أي حقي ~~لرضاي عنكم، وحقه أيضا لواسع رحمته كما قال: وهو أرحم الراحمين أي: # PageV06P214 # فكأنه لا خطأ منكم. و (اليوم) متعلق بالتثريب، أو بالمقدر في (عليكم) من ~~معنى الاستقرار، والمعنى: ولا أثربكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة ~~التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام؟! فتعبيره ب (اليوم) ليس لوقوع التثريب ~~في غيره، لأن من لم يثرب أول لقائه واشتعال ناره، فبعده بطريق الأولى. # وقال الشريف المرتضى في (الدرر) : إن اليوم موضوع موضع الزمان كله كقوله: # اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا # ثم زادهم تكريما بأن دعا لهم بالمغفرة، لما فرط منهم بقوله: يغفر الله ~~لكم. # وقوله: وهو أرحم الراحمين تحقيق لحصول المغفرة لأنه عفا عنهم، فالله أولى ~~بالعفو والرحمة لهم، وبيان للوثوق بإجابة الدعاء. وجوز تعلق (اليوم) ب ~~(يغفر) . والجملة خبرية سيقت بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدد يومئذ من ~~توبتهم وندمهم على خطيئتهم. والوجه الأول أظهر. والثاني من الإغراب في ~~التوجيهات. ### | تنبيه: # قال بعضهم: إن تجاوز يوسف عن ذنب إخوته، وإبقاءه عليهم، ومصافاته لهم، ~~تعلمنا أن نغفر لمن يسيء إلينا، ونحسن إليه، ونصفي له الود، وأن نغضي عن كل ~~إهانة تلحق بنا، فيسبغ الله تعالى إذ ذاك علينا نعمه وخيراته في هذه ~~الدنيا، كما أوسع على يوسف ويورثنا السعادة الأخروية. وأما إذا أضمرنا ~~السوء للمسيئين إلينا، ونقمنا منهم، فينتقم الله منا، ويوردنا مورد الثبور، ~~فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. # ثم قال لهم يوسف: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 93] # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين # PageV06P215 # أراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال ms2794 السرور عليه بذلك، وتصديقه بإرسال ~~حلة من حلله التي كان يستشعر بها أو يتدثر، ليكون في مقابلة القميص الأول، ~~جالب الحزن، وغشاوة العين. و (الإلقاء على وجهه) بمعنى المبالغة في تقريبه ~~منه، لما ناله من ضعف بصره، فتتراجع إليه قوة بصره، بانتعاش قلبه، بشمه ~~واطمئنانه على سلامته. وللمفرحات تأثير عظيم في صحة الجسم، وتقوية الأعضاء، ~~وقد جود الكلام في ذلك الحكيم داود الأنطاكي في (تذكرته) في مادة مفرح بما ~~لا يستغنى عن مراجعته. # وفي (الكنوز) من كتب الطب: الفرح، إن كان بلطف، فإنه ينفع الجسم، ويبسط ~~النفس، ويريح العقل، فتقوى الأعضاء وتنتعش. انتهى. # ثم رأيت الرازي عول على نحو ما ذكرناه، وعبارته: قال المفسرون: لما عرفهم ~~يوسف سألهم عن أبيه، فقالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه. قال المحققون: ~~إنما عرف أن إلقاء القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى، ~~ولولا الوحي، لما عرف ذلك، لأن العقل لا يدل عليه. ويمكن أن يقال: لعل يوسف ~~عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء، وضيق القلب، ~~ضعف بصره، فإذا ألقي عليه قميصه، فلا بد أن ينشرح صدره، وأن يحصل في قلبه ~~الفرح الشديد. # وذلك يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى، فحينئذ يقوى بصره، ويزول عنه ذلك ~~النقصان. فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب. فإن القوانين الطبية تدل على ~~صحة هذا المعنى. انتهى. # ولعل الرازي عنى بالمحققين الصوفية، أو من يقف على الظاهر وقوفا بحتا، ~~ولا يخفى أن أسلوب التنزيل في كناياته ومجازاته أسلوب فريد، ينبغي التفطن ~~له. # وقد جوز في قوله: يأت بصيرا أن يكون معناه يصير بصيرا، أو يجيء إلي ~~بصيرا، على حقيقة الإتيان ف (بصيرا) حال. قيل: ينصره قوله: وأتوني بأهلكم ~~أجمعين أي: بأبي وغيره، وفيه نظر، لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى لا يدل ~~على اتحادهما في المعنى. ولا يقال: الأصل الحقيقة، لأن ذلك فيما يقتضيه ~~السياق، ولا اقتضاء هنا. فالأول أرق وأبدع، لما فيه من التجانس. # روي أن يوسف عليه السلام، ms2795 بعد أن دعا لهم بالمغفرة قال لهم: إن الله ~~بعثني أمامكم لأحييكم وقد مضت سنتا جوع في الأرض وبقي خمس سنين، ليس فيها ~~حرث ولا حصاد. فأرسلني الله أمامكم ليجعل لكم بقية في الأرض، ويستبقيكم # PageV06P216 # لنجاة عظيمة. وقد جعلني سبحانه أبا لفرعون، وسيدا لجميع أهله، ومتسلطا ~~على جميع أرض مصر، فبادروا وأشخصوا إلى أبي وأخبروه بجميع مجدي بمصر، وما ~~رأيتموه وقولوا له: كذا قال ابنك يوسف: قد جعلني الله سيدا لجميع المصريين، ~~فهلم إلي، فتقم في أرض جاسان، وتكون قريبا مني أنت وبنوك، وبنو بنيك، ~~ومواشيك، وجميع ما هو لك، وأعولك، هاهنا، فقد بقي خمس سنين مجدبة، فأخشى أن ~~يهلك الأهل والمال. # وكان نما الخبر إلى بيت فرعون. وقيل: جاء إخوة يوسف، فسر بذلك فرعون ~~وخاصته وأمره أيضا بأن يؤكد عليهم إتيانهم بأبيهم وأهلهم، ووعدهم خير أرض ~~في مصر تكون لهم، لئلا يأسفوا على ما خلفوا. ثم زود يوسف إخوته أحسن زاد. ~~وأعطاهم من الحلل والثياب والدراهم مقدارا وافرا، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك، ~~وأصحبهم عجلات لأطفالهم ونسائهم، وأوصاهم ألا يتخاصموا في الطريق- والله ~~أعلم-. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 94] # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) # ولما فصلت العير أي خرجت من مصر. يقال: فصل القوم عن المكان وانفصلوا، ~~بمعنى فارقوه قال أبوهم أي: لحفدته ومن حوله من قومه، من عظم اشتياقه ~~ليوسف، وانتظاره لروح الله: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون الريح: # الرائحة، توجد في النسيم. أي: لأتنسم رائحته مقبلة إلي. كناية عن تحققه ~~وجوده بما ألقى الله في روعه من حياته، وساق إليه من نسائم البشارة الغيبية ~~بسلامته. وقد كان عظم رجاؤه بذلك من مولاه، ووثق بنيل مأموله ومبتغاه، ~~ولذلك نهى نبيه عن الاستيئاس من روح الله. وإذا دنا أجل الضراء، أخذت تهب ~~نسائم الفرج حاملة عرف السراء، يدري ذلك كل من قوي إحساسه، وعظمت فطنته، ~~واستنارت بصيرته، فيكاد أن يلمس في نهاية الشدة زهر الفرج، ms2796 ولا يحنث إن آلى ~~أنه يجد من نسيمه أزكى الفرج. عرف ذلك من عرف، فأحرى بمن نالوا من النبوة ~~ذروة الشرف. # وإضافة الريح إلى الولد معروفة في كلامهم: # وفي حديث عند الطبراني: ريح الولد من ريح الجنة # : وقال الشاعر: # PageV06P217 # يا حبذا ريح الولد ... ريح الولد # ريح الخزامى في البلد # وقوله: لولا أن تفندون بمعنى إلا أنكم تفندون. أو لولاه لصدقتموني. # و (فنده) نسبه إلى الفند بفتحتين. وهو ضعف الرأي والعقل من الهرم وكبر ~~السن. # قال في (العناية) : مأخوذ من الفند، وهو الحجر والصخرة، كأنه جعل حجرا ~~لقلة فهمه، كما قال: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # ثم اتسع فيه فقيل: فنده، إذا ضعف رأيه، ولامه على ما فعله. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 95] # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) # قالوا أي حفدته ومن عنده: تالله إنك لفي ضلالك القديم أي لفي ذهابك عن ~~الصواب المتقدم، في إفراطك في محبة يوسف، ولهجتك بذكره، ورجائك للقائه، ~~وكان عندهم أنه مات أو تشتت، فاستحال الاجتماع به. وجعله فيه لتمكنه ودوامه ~~عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 96] # فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~من الله ما لا تعلمون (96) # فلما أن جاء البشير أي المخبر بما يسره من أمر يوسف ألقاه على وجهه أي: ~~طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب نفسه على وجهه، فارتد ~~بصيرا أي عاد بصيرا لما حدث فيه من السرور والانتعاش. قال: ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون أي: من حياة يوسف، وإنزال الفرج وجوز كون إني ~~أعلم كلاما مبتدأ. والمقول لا تيأسوا من روح الله إن كان الخطاب لبنيه. أو ~~إني لأجد ريح يوسف إن كان لحفدته ومن عنده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 97] # قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) # قالوا يا ms2797 أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين الضمير لبنيه. طلبوا أن ~~يستغفر # PageV06P218 # لهم لما فرط منهم، أو لحفدته ومن عنده لقولهم: إنك لفي ضلالك القديم ~~والأول أقرب وأصوب. # ولما كان من حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة، وعدهم ~~بذلك: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 98] # قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # قال سوف أستغفر لكم ربي، إنه هو الغفور الرحيم أي: سوف أدعوه لكم، فإنه ~~المتجاوز عن السيئات، الرحيم لمن تاب. # قال المهايمي: صرحوا بالذنوب دون الله، لمزيد اهتمامهم بها، وكأنهم غلب ~~عليهم النظر إلى قهره. وصرح يعقوب بذكر الرب دون الذنوب، إذ لا مقدار لها ~~بالنظر إلى رحمته التي ربي بها الكل. انتهى. # وهذا من دقائق لطائف التنزيل ومحاسنها فيه. ### | تنبيه: # قيل: في هذه الآيات دلالة على جواز التبشير ببشائر الدنيا واستحبابه، ~~وجواز السرور بحصول النعم الحاصلة في الدنيا. وفيها دلالة على إرجاء ~~الاستغفار والدعاء لوقت يرى أنه أحضر فيه قلبا من غيره أو أنه أفضل وأقرب ~~للإجابة. # وقد روي أنه أخر الاستغفار إلى السحر. # وتخصيص الأوقات الفاضلة بالاستغفار والدعاء معروف في السنة، ومنه شرع ~~الاستغفار في السحر، وعقب الصلوات، وقضاء الحج. وكان الدعاء في السجود، ~~وعند الأذان، وبينه وبين الإقامة، والإفطار من الصيام، أقرب للإجابة مما ~~عداه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 99] # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه إشارة إلى ورود يعقوب وآله على يوسف. ~~وذلك أنهم تخلوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان، وأركبوا أطفالهم # PageV06P219 # ونساءهم على العجل التي بعث بها فرعون، وصحبوا ماشيتهم وسرحهم، وهبطوا ~~أرض مصر- # وروي أنهم كانوا سبعين نفسا # - وتقدمهم يهوذا إلى يوسف ليدله على أرض (جاسان) فينزلوها. ثم خرج يوسف ~~في مركبته، فتلقى أباه في (جاسان) ولما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه وبكى ~~طويلا. والمراد بدخولهم على يوسف وصولهم لملتقاه خارج البلد، وبإيواء أبويه ~~ضمهما ms2798 إليه، واعتناقهما واصطحابه لهما في مركبه. قالوا: عنى بأبويه والده ~~وخالته، لأن أمه راحيل توفيت وهي نفساء بأخيه بنيامين، وتنزيل الخالة منزلة ~~الأم، لكونها مثلها في زوجة الأب، وقيامها مقامها وتوقيرها، كتنزيل العم ~~منزلة الأب في قوله: وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] . # وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين أي من القحط وأصناف المكاره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 100] # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ~~(100) # ورفع أبويه على العرش أي أجلسها معه على سرير ملكه تكريما لهما وخروا له ~~سجدا أي سجد له أبوه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر، تحية وتكرمة له. وكان ~~السجود عندهم للكبير يجري مجرى التحية عندنا. # وقال يا أبت هذا أي السجود تأويل أي تعبير رءياي من قبل أي التي رأيتها ~~أيام الصبا، وهي سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر قد جعلها ربي حقا أي ~~صدقا مطابقا للواقع في الحس وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن أي نجاني من ~~العبودية، وجعل الملك مطيعا لي مفوضا إلي خزائن الأرض، وفي الاقتصار على ~~التحدث بالخروج من السجن على جلالة ملكه، وفخامة شأنه من التواضع، وتذكر ما ~~سلف من الضراء، استدامة للشكر، ما فيه من أدب النفس الباهر، وفيه إشارة إلى ~~النعمة في الانطلاق من الحبس، لأنه كما قال عبد الملك بن العزيز، لما كان ~~في حبس الرشيد: # PageV06P220 # ومحلة شمل المكاره أهلها ... وتقلدوا مشنوءة الأسماء # دار يهاب بها اللئام وتتقى ... وتقل فيها هيبة الكرماء # ويقول علج ما أراد، ولا ترى ... حرا يقول برقة وحياء # ويرق عن مس الملاحة وجهه ... فيصونه بالصمت والإغضاء # وقال شاعر من المسجونين: # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى # إذا جاءنا السجان يوما ms2799 لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا # ويؤثر عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن: هذه منازل البلاء، ~~وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، وقبور الأحياء. # هذا وقد حاول كثير من الأدباء مدح السجن بسحر بيانهم، فقال علي بن الجهم: # قالوا: حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي. وأي مهند لا يغمد؟ # أو ما رأيت الليث يألف غابه ... كبرا وأوباش السباع تردد # والبدر يدركه المحاق فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدد # ولكل حال معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما تحمد # والسجن، ما لم تغشه لدنية ... شنعاء، نعم المنزل المتورد # بيت يجدد للكريم كرامة ... فيزار فيه ولا يزور ويحفد # وأحسن ما قيل في تسلية المسجونين قول البحتري: # أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الجور والإفك # أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك # نقله الثعالبي في (اللطائف واليواقيت) . # وجاء بكم من البدو أي البادية، وقد كانوا أصحاب مواش، من بعد أن نزغ أي ~~أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي أي بالحسد. وأسنده إلى الشيطان لأنه بوسوسته ~~وإلقائه. وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا. وإنما ذكره لأن النعمة بعد البلاء ~~أحسن موقعا. # PageV06P221 # إن ربي لطيف لما يشاء أي لطيف التدبير له، والرفق به، إنه هو العليم ~~بوجوه المصالح الحكيم في أفعاله وأقضيته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 101] # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # رب قد آتيتني من الملك أي بعضا منه عظيما، وهو ملك مصر، وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث أي تعبير الرؤيا، فاطر السماوات والأرض أي مبدعهما وخالقهما، أنت ~~وليي أي مالك أموري، في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين أي ~~من النبيين والمرسلين. دعا يوسف عليه السلام بهذا الدعاء لما تمت نعمة الله ~~عليه باجتماعه بأبويه وإخوته وما آثره به من العلم والملك، فسأل ربه عز ~~وجل، كما أتم عليه نعمته في الدنيا، أن يحفظها عليه باقي عمره، حتى إذا حان ms2800 ~~أجله قبضه على الإسلام، وألحقه بالصالحين. فلبس فيه تمن للموت، وطلب التوفي ~~منجزا كما قيل. # روى الإمام أحمد والشيخان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إن كان محسنا فيزداد، وإن كان مسيئا ~~فلعله يستعتب: # ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي # وفي رواية: وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي «1» . ### | تنبيهان: # الأول- في فقه هذه الآيات: قال بعض اليمانين: يستدل مما # روي أن يوسف خرج للقاء أبيه، على حسن التعظيم باللقاء # ، وكذا يأتي مثله في التشييع، ومنه ما روي في تشييع الضيف: ويستدل مما ~~روي أن المراد بأمه خالته- كما مر- أن من نسب رجلا إلى خالته فقال: يا ابن ~~فلانة! لم يكن قاذفا لها ويستدل من رفعهما على العرش- وهو السرير الرفيع- ~~جواز اتخاذه، ورفع الغير، تعظيما للمرفوع، ويستدل من قوله: # وجاء بكم من البدو على أن الانتقال منه نعمة، وذلك لما يحلق أهل البادية ~~من PageV06P222 # الجفاء، والبعد عن موارد العلوم، وعن رفاهة المدنية، ولطف المعاشرة، ~~والكمالات الإنسانية، وروي لجرير: # أرض الحراثة لو أتاها جرول ... أعني الحطيئة لاغتدى حراثا # ما جئتها من أي وجه جئتها ... إلا حسبت بيوتها أجداثا # وفي الحديث «1» : (من بدا جفا) أي: من حل البادية. وفي آخر «2» : (إن ~~الجفا والقسوة في الفدادين) . ففي هذا دليل على حسن النقلة من البوادي إلى ~~المدن. # بزيادة. # الثاني- قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر. ومجمله أن يوسف اختار ~~لمستقرهم أرض جاسان. فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته ~~وجميع ما لهم إلى أرض جاسان، ثم أدخل أباه على فرعون. فأكرمه وكلمه حصة. # وسأله عن عمره فأجابه: مائة وثلاثون سنة، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر، ~~وهي أرض رعمسيس، أي عين شمس، وملكها إياهم، ودعا له يعقوب ثم انصرف. ثم أخذ ~~يوسف خمسة من إخوته، فمثلهم بين يدي فرعون، فقال لهم: ما حرفتكم فأجابوه-: ~~كما أوصاهم يوسف-: نحن وآباؤنا رعاة غنم! فقال فرعون ليوسف: إن كنت تعلم أن ~~فيهم ذوي حذق، فأقمهم ms2801 وكلاء على ماشيتي. وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر ~~أهله طعاما على حسبهم. وأقاموا في أرض مصر بجاسان، فتملكوا فيها، ونموا ~~وكثروا جدا. وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، فكانت مدة عمره كله مائة ~~وسبعا وأربعين سنة. ولما دنا أجله قال ليوسف: لا تدفني بمصر إذا مت، بل ~~احملني منها إلى مدفن آبائي، فأجابه لذلك. ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه، ~~فأخذ ولديه وسار إلى أبيه، فانتعش أبوه بمقدمه، ورأى ولديه، فقال: # من هذان؟ فقال: ابناي رزقنيهما الله هاهنا. فقال: أدنهما مني، فأدناهما، ~~فقبلهم، ودعا لهما، وقال له: لم أكن أظن أني أرى وجهك، والآن أراني الله ~~نسلك أيضا. ثم أعلم يوسف بدنو أجله، وبشره بأن الله سيكون معكم، ويردكم إلى ~~أرض آبائكم. ثم دعا بقية بنيه، ودعا لهم بالبركة، وأوصاهم بأن يضموه إلى ~~قومه، ويدفنوه مع آبائه في PageV06P223 # المغارة التي في حبرون، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل فإن فيها دفن ~~إبراهيم، وسارة امرأته، وإسحاق ورفقة زوجته، وليأة امرأة يعقوب. ولما فرغ ~~يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه، فوقع يوسف على وجه أبيه، وبكى وقبله. ثم ~~أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه. ولما انقضت أيام التعزية به، استأذن يوسف ~~فرعون بأن يبرح لدفن أبيه: عملا بوصيته فأذن له وسار من مصر، وصحبه إخوته ~~آل أبيه وحاشيته، ووجهاء مصر، وأتباع فرعون في موكب عظيم، إلى أن وصلوا أرض ~~كنعان ودفنوه في المغارة- كما أوصى- ثم عاد بمن معه إلى مصر، ولم يزل يوسف ~~يرعى إخوته بالإكرام- كما أوصى- ثم عاد بمن معه إلى مصر، ولم يزل يوسف يرعى ~~إخوته بالإكرام والإحسان، إلى أن قرب أجله، فأوصاهم بأن ينقلوه معهم إذا ~~عادوا إلى الأرض التي كتبها الله لآبائهم. ثم توفي يوسف، وهو ابن مائة وعشر ~~سنين، فحنطوه، وجعلوه في تابوت بمصر. # هذا ما قصه قدماء المؤرخين، والله أعلم بالحقائق. وإنما لم يذكر هذا، ~~القرآن الكريم، لأن القرآن لم يبن على قانون التاريخ، فليس فيه شيء من ~~التاريخ من حيث هو قصص وأخبار، وإنما هي الآيات ms2802 والعبر، تجلت في سياق ~~الوقائع، ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة ~~فيها، كما سيأتي الإشارة إليه في قوله تعالى: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب [يوسف: 111] ، وقوله: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [هود: 120] ، ومضى في ~~المقدمة بسط هذا البحث، فراجعه. وسنذكر إن شاء الله في آخر السورة شيئا من ~~الحكم والعبر المقتبسة من نبأ يوسف، فانتظر. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 102] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، البعيد ~~درجة كماله في جميع ما لا يتناهى من المحاسن والأسرار حتى صار معجزا. # والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: هذا من أخبار الغيوب السابقة، ~~نوحيه إليك، ونعلمك به، لما فيه من العبرة والاتعاظ. # وقوله تعالى: وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون كالدليل على كونه ~~نبأ غيبيا ووحيا سماويا. أي: لم تعرف هذا النبأ إلا من جهة الوحي، لأنك لم # PageV06P224 # تحضر إخوة يوسف، حين أجمعوا أمرهم على إلقاء أخيهم في البئر، وهم يمكرون ~~به، إذ حثوه على الخروج معهم، يبغون له الغوائل، وبأبيهم في استئذانه ~~ليرسله معهم أي فلم تشاهدهم حتى تقف على ظواهر أسرارهم وبواطنها. # قال أبو السعود: وليس المراد مجرد نفي حضوره عليه الصلاة والسلام في مشهد ~~إجماعهم ومكرهم فقط، بل سائر المشاهد أيضا. وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع ~~القصة، وأخفى أحوالها كما ينبئ عنه قوله تعالى وهم يمكرون والخطاب- وإن كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم- لكن المراد إلزام المكذبين. والمعنى: ذلك ~~من أنباء الغيب نوحيه إليك، إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك، إذ عدم ~~سماعك ذلك من الغير، وعدم مطالعتك للكتب أمر لا يشك فيه المكذبون أيضا، ولم ~~تكن بين ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه كما هو، فتبلغه إليهم. وفيه ~~تهكم بالكفار، فكأنهم يشكون في ذلك ms2803 فيدفع شكهم. وفيه أيضا إيذان بأن ما ذكر ~~من النبأ هو الحق المطابق للواقع، وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو ~~عليه. يعني: أن مثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور والمشاهدة، ~~وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي. ومثله قوله تعالى: وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم [آل عمران: 44] ، وقوله: وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 103] # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) # وما أكثر الناس يريد به العموم، أو أهل مكة ولو حرصت أي جهدت كل الجهد ~~على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك، بمؤمنين أي ~~بالكتب والرسل، لميلهم إلى الكفر، وسبيل الشر. يعني: قد وضح بمثل هذا النبأ ~~نبوته صلوات الله عليه، وقامت الحجة، ومع ذلك فما آمن أكثر الناس، كما قال ~~تعالى: إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [الشعراء: 8- 67- 103- 121- ~~139- 158- 174- 190] . # قال الرازي: ما معناه: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، أن كفار قريش، ~~وجماعة من اليهود، طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام قص نبأ يوسف تعنتا، ~~فكان # PageV06P225 # يظن أنهم يؤمنون إذا تلي عليهم، فلما نزلت وأصروا على كفرهم، قيل له: وما ~~أكثر الناس إلخ. وكأنه إشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى: إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [القصص: 56] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 104] # وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) # وما تسئلهم عليه أي على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد، من أجر أي ~~أجرة إن هو أي ما هو، يعني القرآن، إلا ذكر للعالمين أي: عظة لهم، يتذكرون ~~به ويهتدون وينجون في الدنيا والآخرة يعني: أن هذا القرآن يشتمل على العظة ~~البالغة، والمراشد القويمة، وأنت لا تطلب في تلاوته عليهم مالا، ولا جعلا. ~~فلو كانوا عقلاء لقبلوا، ولم يتمردوا. # قال بعض اليمانين: في الآية دليل علي أن من تصدر للإرشاد، ms2804 من تعليم ووعظ، ~~فإن عليه اجتناب ما يمنع من قبول كلامه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 105] # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون أي: # وكم من آية على وحدانية الخالق، وقدرته الباهرة، ونعوته الجليلة، في ~~السموات: من كواكبها وأفلاكها. وفي الأرض: من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، ~~وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وقفار شاسعات، وحيوان ونبات، وثمار مختلفات، ~~وأحياء، وأموات، يشاهدونها، ولا يعتبرون بها. # قال الرازي: يعني أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على ~~نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد، والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون ~~عليها، ولا يلتفتون إليها. واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة ~~والرحمة، لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي إما الأجرام الفلكية، وإما ~~الأجرام العنصرية. أما الأجرام الفلكية فهي قسمان: أفلاك وكواكب أما ~~الأفلاك، فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع. وقد يستدل بكون ~~بعضها فوق البعض أو تحته، وقد يستدل بأحوال حركاتها، إما بسبب أن حركاتها ~~مسبوقة بالعدم، فلا بد من محرك قادر، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها ~~وبطئها، وإما بسبب اختلاف جهات # PageV06P226 # تلك الحركات وأما الأجرام الكوكبية: فتارة يستدل على وجود الصانع ~~بمقاديرها وأحيازها وحركاتها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها ~~في حصول الأضواء والأظلال، والظلمات والنور. # وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية: فإما أن تكون مأخوذة من ~~بسائط، وهي عجائب البر والبحر، وإما من المواليد وهي أقسام: # أحدها- الآثار العلوية، كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء ~~وقوس قزح. # وثانيها- المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها. # ثالثها- النبات وخاصية الخشب والورق والتمر، واختصاص كل واحد منها بطبع ~~خاص وطعم خاص، وخاصية مخصوصة. # ورابعها- اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها. # وخامسها- تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنفعة ~~الحاصلة فيها. # فهذه مجامع الدلائل. # ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين، وحكايات الأقدمين، وأن الملوك إذا ~~استولوا على الأرض وخربوا البلاد، وقهروا العباد، ماتوا ولم يبق منهم ms2805 في ~~الدنيا خبر ولا أثر، ثم بقي الوزر والعقاب. # ولما كان العقل البشري لا يفي بالإحاطة بشرح دلائل العالم الأعلى ~~والأسفل، ذكر في الكتاب العزيز مجملا. انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 106] # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # وما يؤمن أكثرهم أي: الناس، أو أهل مكة، بالله أي في إقرارهم بوجوده ~~وخالفيته إلا وهم مشركون أي: بعبادتهم لغيره، وباتخاذهم الأحبار والرهبان ~~أربابا، وبقولهم باتخاذه تعالى ولدا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. ### | تنبيه: # كما تدل الآية على النعي عليهم بالشرك الأكبر، وهو أن يعبد مع الله غيره. # PageV06P227 # فإنها تشير إلى ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفي، ~~الذي لا يشعر صاحبه به غالبا ومنه قول الحسن في هذه الآية: ذاك المنافق، ~~يعمل إذا عمل رئاء الناس، وهو مشرك بعمله. يعني: الشرك في العبادة. فصاحبه، ~~وإن اعتقد وحدانيته تعالى: - ولكن لا يخلص له في عبوديته بل يعمل لحظ نفسه، ~~أو طلب الدنيا، أو طلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق. فلله من عمله ~~وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. وهذا حال ~~أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فما # رواه ابن حبان في صحيحه: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل # . فالرياء كله شرك، وهو محبط للعبادة، مبطل ثواب العمل، ويعاقب عليه إذا ~~كان العمل واجبا. فإنه تعالى أمر بعبادته خالصة. قال تعالى: وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء [البينة: 5] ، فمن لم يخلص لله في ~~عبادته، لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور، فلا يقبل منه. # وروى مسلم «1» وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي ~~غيري، تركته وشركه. # وروى الإمام أحمد «2» عن محمود بن لبيد، رفعه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم ms2806 الشرك الأصغر! قالوا: وما الشرك الأصغر يا ~~رسول الله؟ قال: الرياء! # ومن الشرك نوع غير مغفور، وهو الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب ~~مخلوقا كما يجب الله. فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك الذي ~~قال سبحانه فيه: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا.. [البقرة: 165] ~~الآية، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم، وقد جمعتهم الجحيم: تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين، إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 97- 98] ، ومعلوم أنهم ما ~~سووهم به سبحانه في الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، ~~وإنما سووهم به في الحب والتأله، والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل ~~والظلم فكيف يسوى من خلق من التراب، برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك ~~الرقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج ~~بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بالذات، القادر بالذات، ~~الذي غناه وقدرته وملكه ووجوده PageV06P228 # وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام، من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح ~~من هذا وأي حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل له بخلقه، أفاده الشمس ابن القيم في ~~(الجواب الكافي) . # قال الحافظ ابن كثير: وثم شرك خفي لا يشعر به غالبا فاعله، كما روي عن ~~حذيفة أنه دخل على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه، ثم قال: وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون. # وفي الحديث «1» : من حلف بغير الله فقد أشرك- رواه الترمذي عن ابن عمر # وحسنه. # وفي الحديث الذي رواه أحمد «2» وأبو داود «3» وغيرهما عن ابن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرقي والتمائم والتولة شرك. # ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا عن زينب امرأة عبد الله قالت: كان عبد ~~الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على ~~أمر يكرهه؟ قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، ~~فأدخلتها تحت السرير. قالت: فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال: ~~ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه! ms2807 فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد ~~الله لأغنياء عن الشرك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقي ~~والتمائم والتولة شرك. قالت: قلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تفرق، ~~فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت؟! فقال: إنما ذاك ~~من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، كان يكفيك أن تقولي كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم أذهب البأس، رب الناس، اشف وأنت الشافي. لا ~~شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما. # وروى الإمام أحمد «4» عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من علق تميمة فقد أشرك! # وأخرج أيضا «5» عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. PageV06P229 # وبما ذكر يعلم أن لفظ الآية يتناول كل ما يصدق عليه مسمى الإيمان. مع ~~وجود مسمى الشرك فأهل الشرك الأكبر ما يؤمن أكثرهم بأن الله هو الخالق إلا ~~وهو مشرك به، بما يتخذه من الشفعاء، وما يعبده من الأصنام. وكذا أهل الشرك ~~الأصغر من المسلمين، كالرياء مثلا، ما يؤمن أحدهم بالله إلا وهو مشرك به، ~~بذلك الشرك الخفي. وعلى هذا، فالشرك يجامع الإيمان، فإن الموصوف بهما مما ~~تقدم، مؤمن فيما آمن به، ومشرك فيما أشرك به والتسمية في الشريعة لله عز ~~وجل ولرسوله، فلهما أن يوقعا أي اسم شاءا على أي مسمى شاءا. فكما أن ~~الإيمان في اللغة التصديق، ثم أوقعه الله عز وجل في الشريعة على جميع ~~الطاعات، واجتناب المعاصي، إذا قصد بكل ذلك، من عمل أو ترك، وجه الله تعالى ~~كذلك الشرك نقل عن شرك شيء مع آخر مطلقا، إلى الشرك في عبادته تعالى، وفي ~~خصائص ربوبيته. # قال ابن القيم: # حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق، والتشبه للمخلوق به، فالمشرك مشبه ~~للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر ~~والنفع، والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف والرجاء، والتوكل ~~به وحده. ms2808 فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ~~ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن غيره، مشبها بمن له الأمر ~~كله، جل وعلا. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر ~~الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا ~~نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم ~~والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل، ~~مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة، أن يكون له وحده. ويمنع عقلا ~~وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير، ~~بمن لا شبيه له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه، وتضمنه ~~غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره. مع أنه كتب على نفسه الرحمة، ~~ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين، لا قوام لها بدونهما: ~~غاية الحب، مع غاية الذل. هذا تمام العبودية. وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب ~~تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد بحسب ~~تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به ~~في خالص حقه، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في ~~كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، ~~ومضى على الفطرة من سبقت له من الله # PageV06P230 # الحسنى. إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود. فمن سجد لغيره فقد شبه ~~المخلوق به. ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، ~~فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا. فمن حلف ~~بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به، فمن ~~تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم، والخضوع، والرجاء، ~~وتعليق القلب به خوفا، ورجاء، والتجاء، واستعانة، فقد تشبه به، ونازعه في ~~ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق ms2809 بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل. # وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: العظمة ~~إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته. # وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، ~~وحاكم الحكام، ونحوه. # وفي الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم، أغيظ رجل على الله رجل يسمى ملك ~~الأملاك، لا ملك إلا الله. # فهذا غضب الله على من تشبه في الاسم، الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ~~ملك الملوك وحده يحكم عليهم كلهم، ويقضي عليهم، لا غيره. # وتتمة هذا البحث في (الجواب الكافي) لابن القيم، فانظره. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 107] # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) # أفأمنوا أي هؤلاء المشركون أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أي: عقوبة تنبسط ~~عليهم وتغمرهم أو تأتيهم الساعة بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون أي: # بإتيانها وهذا كقوله تعالى: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم ~~الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو يأخذهم في تقلبهم فما هم ~~بمعجزين، أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم [النحل: 45- 46- ~~PageV06P231 # 47] ، وقوله: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أوأمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون [الأعراف: 97- 98- 99] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 108] # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # قل هذه سبيلي أي هذه السبيل، التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، ~~سبيلي، أي طريقي ومسلكي وسنتي. والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان. ثم فسر ~~سبيله: بقوله: أدعوا إلى الله أي: إلى دينه وتوحيده، ومعرفته بصفات كماله، ~~ونعوت جلاله على بصيرة أي: مع حجة واضحة، غير عمياء. أنا ومن اتبعني أي: ~~آمن بي، يدعون إلى الله أيضا على بصيرة، لا على هوى. ms2810 وسبحان الله أي: # وأنزهه وأجله وأقدسه عن أن يكون له شريك أو ند أو كفء أو ولد أو صاحبة، ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وما أنا من المشركين أي: على دينهم. ### | تنبيهات: # الأول- قال السمين أدعوا إلى الله يجوز أن يكون مستأنفا، وهو الظاهر، وأن ~~يكون حالا من الياء. وعلى بصيرة حال من فاعل أدعوا أي: أدعو كائنا على ~~بصيرة وقوله: ومن اتبعني عطف على فاعل أدعوا ولذلك أكد بالضمير المنفصل. ~~ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف. أي: ومن اتبعني يدعو أيضا ويجوز أن ~~يكون على بصيرة خبرا مقدما، وأنا مبتدأ مؤخرا ومن اتبعني عطف عليه ومفعول ~~أدعوا إما منوي، أي الناس، أو منسي. # الثاني- دل قوله تعالى: على بصيرة على مزية هذا الدين الحنيف، ونهجه الذي ~~انفرد به، وهو أنه لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، ولكنه ادعى ~~وبرهن وحكى مذاهب المخالفين، وكر عليها بالحجة، وخاطب العقل، واستنهض ~~الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان، على أنظار العقول، ~~وطالبها بالإمعان فيها لتصل بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه ودعا إليه- انظر ~~(رسالة التوحيد) في تتمة ذلك. # PageV06P232 # الثالث- دلت الآية على أن سيرة أتباعه صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى ~~الله. # قال الرازي: كل من ذكر الحجة، وأجاب عن الشبهة، فقد دعا بمقدار وسعه إلى ~~الله. وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا ~~الشرط: # وأن يكون على بصيرة مما يقول، وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك، فهو محض ~~الغرور. انتهى. # ولا يخفى أن الدعوة إلى الله إنما هي بنشر مطالب الدين، وإذاعة آدابه ~~وتعليمه. # قال بعضهم: ينبغي للعالم أن يكون حديثه مع العامة، في حال مخالطته ~~ومجالسته لهم، في بيان الواجبات والمحرمات، ونوافل الطاعات، وذكر الثواب ~~والعقاب، على الإحسان والإساءة. ويكون كلامه معهم بعبارة قريبة واضحة ~~يعرفونها ويفهمونها. ويزيد بيانا للأمور التي يعلم أنهم ملابسون لها ولا ~~يسكت حتى يسأل عن شيء من العلم، وهو يعلم أنهم محتاجون إليه، ومضطرون إليه، ~~فإن علمه ms2811 بذلك سؤال منهم بلسان الحال، والعامة قد غلب عليهم التساهل بأمر ~~الدين، علما وعملا، فلا ينبغي للعلماء أن يساعدوهم على ذلك بالسكوت عن ~~تعليمهم وإرشادهم، فيعم الهلاك، ويعظم البلاء. وقلما تختبر عاميا- وأكثر ~~الناس عامة- إلا وجدته جاهلا بالواجبات والمحرمات، وبأمور الدين التي لا ~~يجوز ولا يسوغ الجهل بشيء منها. وإن لم يوجد جاهلا بالكل، وجد جاهلا ~~بالبعض. وإن علم شيئا من ذلك، وجدت علمه به علما مسموعا من ألسنة الناس، لو ~~أردت أن تقلبه له جهلا فعلت ذلك بأيسر مؤونة، لعدم الأصل والصحة فيما ~~يعلمه. وعلى الجملة، فيتأكد على العلماء أن يجالسوا الناس بالعلم، ويحدثوهم ~~به، ويبثوه لهم، ويكون كلام العالم معهم في بيان الأمر الذي جاءوا من أجله. ~~مثل ما إذا جاءوا لعقد نكاح، يكون كلامه معهم فيما يتعلق بحقوق النساء من ~~الصداق والنفقة والمعاشرة بالمعروف. أو لعقد بيع، يكون كلامه في صحيح ~~البيوع وآدابها، وفوائد التجارة النافعة، واجتناب الغش والخداع وهكذا. ولا ~~ينبغي للعالم أن يخوض مع الخائضين، ولا أن يصرف شيئا من أوقاته في غير ~~إقامة الدين. وبالسكوت عن التذكير والتعليم، يغلب الفساد، ويعم الضرر، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله. # وقوله تعالى: # PageV06P233 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 109] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أي لا ملائكة من ~~أهل السماء. رد لقول المشركين: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة [فصلت: 14] ، وهذا ~~كقوله تعالى: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون ~~في الأسواق [الفرقان: 20] ، وقوله: وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما ~~كانوا خالدين [الأنبياء: 8] . وقوله: قل ما كنت بدعا من الرسل [الأحقاف: 9] ~~الآية. # واحتج بقوله تعالى: إلا رجالا على أنه لم ينتظم في سلك النبوة امرأة. # والقرى: جمع قرية، وهي على ما في (القاموس) : المصر الجامع، وفي (كفاية ms2812 ~~المتحفظ) : القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارا، وتقع على المدن ~~وغيرهما. انتهى. # قال ابن كثير: والمراد بالقرى هنا المدن. أي: لا أنهم من أهل البوادي ~~الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا. وهذا هو المعهود المعروف: أن أهل المدن ~~أرق طباعا، وألطف من أهل بواديهم. وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين ~~يسكنون في البوادي. ولهذا قال تعالى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا ... الآية ~~[التوبة: 97] . # قال قتادة: إنما كانوا من أهل القرى لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور. # وقوله تعالى: أفلم يسيروا أي: هؤلاء المكذبون، في الأرض فينظروا أي نظر ~~تفكر. كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أي: من الأمم المكذبة. كقوله تعالى: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ... الآية [الحج: 46] ، ~~فإذا استمعوا خبر ذلك، رأوا أن الله أهلك الكافرين، ونجى المؤمنين. وهذه ~~كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أي: الشرك والفواحش، وآمنوا بالله ورسله وكتبه. # قال ابن كثير: أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة ~~في # PageV06P234 # الدار الآخرة، وهي خير لهم من الدنيا. كقوله تعالى: إنا لننصر رسلنا ~~والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] . # أفلا تعقلون أي تستعملون عقولكم، فتعلموا أن الآخرة خير، أو تعلموا كيف ~~عاقبة أولئك. # ثم بين تعالى أن العاقبة لرسله، وأن نصره يأتيهم إذا تمادى تكذيبهم، ~~تثبيتا لفؤاده صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية # 110] # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) # حتى إذا استيأس الرسل أي: من إجابة قومهم، وظنوا أي: علموا وتيقنوا. ~~يعني: الرسل. أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا يقرأ كذبوا بضم الكاف وتشديد ~~الذال. أي: كذبهم قومهم بما جاءوا به، لطول البلاء عليهم. ويقرأ بضم الكاف ~~وتخفيف الذال. فالضمير في ظنوا- على ما اختاروه- للقوم. أي: ظنوا أن الرسل ~~قد كذبوا. أي: ما وعدوا به من النصر. # وروي ms2813 عن ابن عباس أن الضمير للرسل. أي: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد ~~أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال: كانوا بشرا، وتلا قوله تعالى: ~~وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله [البقرة: 214] ، ~~وقد استشكلوه على ابن عباس، وتأولوا لكلامه وجوها: # قال الزمخشري: أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب، من شبه ~~الوسوسة، وحديث النفس، على ما عليه البشرية. انتهى. # وقيل: المراد بظنهم عليهم السلام ذلك، المبالغة في التراخي والإمهال، على ~~طريق الاستعارة التمثيلية، بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب، باعتبار ~~استلزام كل منهما، لعدم ترتب المطلوب، فاستعمل ما لأحدهما للآخر. # وقال الخطابي: لا شك أن ابن عباس لا يجيز على الرسل أنها تكذب بالوحي، ~~ولا تشك في صدق المخبر، فيحمل كلامه على أنه أراد أنهم، لطول البلاء عليهم، ~~وإبطاء النصر وشدة استنجاز ما وعدوا به- توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان # PageV06P235 # حسبانا من أنفسهم، وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من ذلك، فيكون ~~الذي بني له الفعل أنفسهم، لا الآتي بالوحي. والمراد ب (الكذب) : الغلط، لا ~~حقيقة الكذب، كما يقول القائل: كذبتك نفسك. # قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده قراءة مجاهد وظنوا أنهم قد كذبوا بفتح أوله ~~مع التخفيف أي: غلطوا. ويكون فاعل (وظنوا) الرسل. # وقال أبو نصر القشيري: ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل، فصرفوه عن ~~أنفسهم. أو المعنى: قربوا من الظن، كما يقال: بلغت المنزل، إذا قربت منه. # وقال الترمذي الحكيم: وجهه: أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، ~~أن يتخلف النصر، لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت ~~حدثا ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن ~~من هذه الجهة. # وحكى الواحدي عن ابن الأنباري أنه قال: ما روي عن ابن عباس غير معول ~~عليه، وأنه ليس من كلامه، بل تؤول عليه. # قال ابن حجر: وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح ثم للزمخشري في ~~توقفه عن ms2814 صحة ذلك عن ابن عباس، فإنه صح عنه، أي: فرواه البخاري «1» في ~~تفسير البقرة بلفظ: ذهب بها هناك، وأشار إلى السماء، وزاد الإسماعيلي عنه: ~~كانوا بشرا ضعفوا وأيسوا وظنوا أنهم قد كذبوا. # وروى البخاري «2» أن عائشة كانت تقرأ (كذبوا) مشددة، وتتأولها على المعنى ~~الأول، وأن عروة قال لها: لعلها (كذبوا) مخففة، فقالت: معاذ الله! قال ~~الحافظ ابن حجر: وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف، ولعلها لم ~~تبلغها ممن يرجع إليه في ذلك، وقد قرأها بالتخفيف أئمة الكوفة من القراء: ~~عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر ~~بن القعقاع، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي، والحسن ~~PageV06P236 # البصري ومحمد بن كعب القرظي في آخرين. # وقوله تعالى: فنجي من نشاء وهم الرسل والمؤمنون بهم. وقرئ (فننجي) ~~بالتخفيف والتشديد. وقرئ (فنجا) ولا يرد بأسنا أي عذابنا عن القوم المجرمين ~~أي: إذا نزل بهم. # وفيه بيان من شاء الله نجاتهم، لأنه يعلم من المقابلة أنهم من ليسوا ~~بمجرمين. وهم من تقدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يوسف (12) : آية 111] # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب الضمير ليوسف وإخوته، أو للأنبياء ~~وأممهم. ورجح الزمخشري الثاني بقراءة (قصصهم) بكسر القاف، جمع قصة. # والمفتوح مصدر بمعنى المفعول. وأجيب بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة ~~على قصص وأخبار مختلفة، وقد يطلق الجمع على الواحد، كما مر في أضغاث أحلام ~~وسنذكر وجوه العبر منها بعونه تعالى. # ما كان أي: القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة حديثا يفترى أي: ~~يختلق. ولكن تصديق الذي بين يديه أي: من الكتب المنزلة، فهو يصدق ما فيها ~~من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ ~~أو التقرير. # قال بعض المحققين: المراد به أن قصص القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة، ~~بدليل وجود أمثالها بين الناس، قبل ms2815 نزوله. فهي وإن اختلفت قليلا في بعض ~~التفاصيل والجزئيات، عما يرويه الناس، إلا أن توافقها في الجملة، وتصدقها ~~في الجوهر فلا تظنوا أيها المشركون أن النبي اخترعها بعقله، بل اسألوا عنها ~~أهل الكتاب، تجدوا أنها معروفة بينهم، ومروية في كتبهم، فوجود قصص القرآن ~~عند الناس من قبل، من أعظم ما يصدقه ويؤيده، لأن النبي صلوات الله عليه، لم ~~يطلع على كتب أهل الكتاب. ولا يتوهم من هذه الآية أن قصص القرآن يجب ألا ~~تختلف عن قصص # PageV06P237 # التوراة والإنجيل في شيء ما، كلا إذ لو صح هذا لما قال تعالى: إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون [النمل: 76] ، فقصصه ~~قد تختلف عما عندهم، وتبين لهم حقه من باطله. فلا منافاة بين تصديق القرآن ~~لقصصهم في الجملة، ومخالفته لها في بعض الجزئيات- كما قلنا- ويجوز أن يكون ~~المراد بقوله: تصديق الذي بين يديه تصديق الحق الذي عندهم، لا كل الذي ~~عندهم، وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة، وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها، مما ~~جاء القرآن لإزالته ومحقه، ويستحيل أن يكون مصدقا لما جاء لإبطاله. فتنبه ~~لذلك. ولا تكن من الغافلين. انتهى. # وقوله تعالى: وتفصيل كل شيء أي. تبيان كل ما يحتاج إليه من أحكام الحلال ~~والحرام، والآداب والأخلاق، ووجوه العبر والعظات، ولذا كان أعظم ما تنقذ به ~~القلوب من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد. وتبتغي به الرحمة من رب ~~العباد، كما قال تعالى: وهدى أي: من الضلالة ورحمة أي: من العذاب لقوم ~~يؤمنون أي يصدقون به، ويعلمون بأوامره، فإن الإيمان قول وعقد وعمل. # وخصهم لأنهم المنتفعون به. ### | خاتمة في مباحث مهمة: ### | المبحث الأول # - فيما قيل في وجوه العبر في هذا القصص. # قال في (اللباب) : الاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها الإنسان من ~~معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد. والمراد منه التأمل والتفكر. ووجه ~~الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه، ~~وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر بعد العبودية. وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد ms2816 ~~المدة الطويلة، واليأس من الاجتماع، قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإعلاء كلمته، وإظهار دينه. وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى ~~الإخبار عن الغيوب، فكانت معجزة له صلى الله عليه وسلم. # وقال بعضهم: إن قصة يوسف الصديق، جمة الفائدة وجليلة العائدة، تحدو بكل ~~امرئ أبي إلى الاقتداء بها. فإن من أطلق سوام الفكر في حياة يوسف عليه ~~السلام رآها رغيدة، وألفاها هنيئة، وما ذلك إلا لطيب سيرته، وحميد سريرته، ~~وتمسكه بعرى التقوى والفضيلة، ولا سيما فضيلة العفة والطهارة، التي ترفع ~~قدر صاحبها، وتنزله المنزلة السامية. فعلى المرء أن يقتفي أثر هذه الفضيلة ~~الجليلة، كيوسف، فيتسنم ذروة المجد في هذه الدنيا، وينال السعادة الدائمة ~~في الآخرة. انتهى. # PageV06P238 # قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص على النبي، ~~صلوات الله عليه، من أنباء الرسل، وأخبار من تقدمه، مما فيه التثبت المشار ~~إليه في قوله تعالى: وكلا نقص عليك ... [هود: 120] الآية. وإنما أفردت على ~~حدتها، ولم تنسق على قصص الرسل، مع أنهم في سورة واحدة، لمفارقة مضمونها ~~تلك القصص. ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم السلام، وكيفية ~~تلقي قومهم لهم، وإهلاك مكذبيهم؟ أما هذه القصة. فحاصلها: فرج بعد شدة، ~~وتعريف بحسن عاقبة الصبر فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه السلام بفقد ابنيه ~~وبصره، وشتات بنيه. وامتحن يوسف عليه السلام بالجب والبيع وامرأة العزيز ~~وفقد الأب والإخوة والسجن. ثم امتحن جميعهم بشمول الضر، وقلة ذات اليد مسنا ~~وأهلنا الضر ... [يوسف: 88] الآية. ثم تداركهم الله بإلفهم، وجمع شملهم، ~~ورد بصر أبيهم، وائتلاف قلوبهم، ورفع ما نزغ به الشيطان وخلاص يوسف عليه ~~السلام، وبكيد من كاده، واكتنافه بالعصمة، وبراءته عند الملك والنسوة، وكل ~~ذلك مما أعقبه جميل الصبر، وجلالة اليقين، وحسن تلقي الأقدار بالتفويض ~~والتسليم، على توالي الامتحان، وطول المدة. ثم انجر في أثناء هذه القصة ~~الجليلة إنابة امرأة العزيز، ورجوعها إلى الحق، وشهادتها ليوسف عليه ~~السلام، بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين. ms2817 ثم استخلاص العزيز إياه. ~~إلى ما انجر في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر، فقد انفردت هذه القصة ~~بنفسها، ولم تناسب ما ذكر من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم ~~السلام، وما جرى في أممهم، فلهذا فصلت عنهم. وقد أشار في سورة برأسها إلى ~~عاقبة من صبر ورضي وسلم ليتنبه المؤمنون إلى ما في طي ذلك. وقد صرح لهم ما ~~أجملته هذه السورة من الإشارة في قوله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ... # [النور: 55] إلى قوله: أمنا وكانت قصة يوسف عليه السلام بجملتها أشبه شيء ~~بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر، وهجرهم، وتشققهم مع قومهم، وقلة ~~ذات أيديهم، إلى أن جمع الله شملهم: واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [آل عمران: 103] ، وأورثهم الأرض، ~~وأيدهم ونصرهم، وذلك بجليل إيمانهم وعظيم صبرهم، فهذا ما أوجب تجرد هذه ~~القصة عن تلك القصص- والله أعلم-. # ثم إن حال يعقوب ويوسف عليهما السلام، في صبرهما، ورؤية حسن عاقبة الصبر ~~في الدنيا، ما أعد لهما من عظيم الثواب، أنسب بحال نبينا عليه السلام في # PageV06P239 # مكابدة قريش، ومفارقة وطنه، ثم تعقيب ذلك بظفره بعدوه، وإعزاز دينه، ~~وإظهار كلمته، ورجوعه إلى بلده، على حالة قرت بها عيون المؤمنين، وما فتح ~~الله عليه وعلى أصحابه. فتأمل ذلك! ويوضحه ختم السورة بقوله: حتى إذا ~~استيأس الرسل ### | .... # فحاصل هذا كله الأمر بالصبر، وحسن عاقبة أولياء الله فيه- كذا في تفسير ~~البرهان للبقاعي ملخصا- وجاء في كتاب (النظام والإسلام) في بحث التربية ~~والآداب في قصص القرآن ما مثاله: # طال الأمر على أمتنا، فأهملت ما في غضون كتابها من أساس التربية والحكمة، ~~وكيف تنتقى الرجال الأكفاء في مهام الأعمال. يا ليت شعري! ما الذي أصابها ~~حتى غضت النظر عن القصص التي قصها، وأهملت أمرها، وظن أهلها أنها أمور ~~تاريخية لا تفيد إلا المؤرخين. القصص في كل أمة، عليها مدار ارتقائها، سواء ~~كانت وضعية أم حقيقية، على ألسنة الحيوان أو الإنسان أو ms2818 الجماد. على هذا ~~تبحث الأمم، قديمها وحديثها. وناهيك بكتاب (كليلة ودمنة) وما والاه من ~~القصص الناسجة على منواله في الإسلام، ككتاب (فاكهة الخلفاء) و (مقامات ~~الحريري) . جاء القرآن بقصص الأنبياء، وهي- لا جرم. أعلى منالا، وأشرف ~~مزية. كيف لا وقد جمعت أحسن الأسلوب، واختيار المقامات المناسبة لما سيقت ~~إليه، والقدوة الحسنة للكمل المخلصين من الأنبياء ومن والاهم، وتحققها في ~~أنفسها، لوقوع مواردها، وإن حب التشبه طبيعة مرتكزة في الإنسان، لا سيما ~~لمن يقتدي بهم. فهذه خمس مزايا اختصت بها هذه القصص، ونقصت في سواها. أليس ~~من العيب الفاضح أن نقرأ قصص القرآن، فلا نكاد نفهم إلا حكايات ذهبت مع ~~الزمان، ومرت كأمس الدابر؟! وما لنا ولها إذن؟! تالله إن هذا لهو البوار! ~~ولم يكن هذا إلا للجهل بالمقصود من قصصها، وأنها عبرة لمن اعتبر، وتذكرة ~~لمن تفكر، وتبصرة لمن ازدجر. أما الرجوع إلى التاريخ، ومقارنته بما قصه ~~المؤرخون في كتبهم، وما سطره الأقدمون على مباينتهم، وما يقوله القاصون في ~~خرافتهم، فتلك سبيل حائد عن الجادة، يضل فيه الماهرون. يرشدك لذلك ما تسمعه ~~من نبأ فتية الكهف، وكيف يقول: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ~~ما يعلمهم إلا قليل [الكهف: 22] فانظر كيف أسند العلم لله، ولم يعول على ~~قول المؤرخين المختلفين ثم لم يبين الحقيقة لئلا يكون ذريعة للطعن في ~~التنزيل. فإن قال: خمسة، قالوا: ستة وإن قال: أربعة، # PageV06P240 # قالوا سبعة. فكتب المؤرخين كثيرة الاختلاف في القصص وما المقصود منها إلا ~~ليكون عبرة. وبالإجمال: فليس القصد من هذه القصص إلا منافعها، والعبر ~~المبصرة للسامعين لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. # ولسنا ممن يتبجح بالقول بلا بيان، فلا نعتمد إلا على البرهان. تأمل هذا ~~القصص، تجده لا يذكر إلا ما يناسب الإرشاد والنصح، ويعرض عن كثير من ~~الوقائع، إذ لا لزوم له، ولا معول عليها. فلا ترى قصة إلا وفيها توحيد وعلم ~~ومكارم أخلاق، وحجج عقلية، وتبصرة وتذكرة، ومحاورات جميلة ms2819 تلذ العقلاء. ~~ولاقتصر من تلك القصص على ما حكاه عن يوسف الصديق عليه السلام، وكيف جاوز ~~فيها كل ما لا علاقة له بالأخلاق، من مدنية المصريين وأحوالهم، إلى الخلاصة ~~والثمرة. ألا ترى كيف صدرت بحديث سجود الشمس والقمر والكواكب له في الرؤيا، ~~دلالة على أن للطفل استعدادا يظهر على ملامحة، وأقواله وأفعاله ورؤياه؟ ~~وهذا أعظم شيء اعتنى به قدماء الحكماء، من اليونان والفرس، كما ذكره ~~المؤرخون وعلماء الأخلاق: كانوا يختبرون أبناءهم، ويتأملون ملامحهم، ~~ليعرفوا ما استعدوا له من الصناعات والرئاسات والعلوم. ثم تأمل في قصة ~~الإخوة، وحديث القميص والجب والذئب والدم، لتعلم ما نشاهده كل يوم من ~~معاداة الأقران لمن ظهرت مبادئ الجمال النفسي، والخلق المرضي، والجلال ~~الظاهر على ملامحة. فيعيبونه بما يشينه في نفسه أو عرضه أو خلقه، دلالة على ~~أن هذه سنة في الكون لا تغادر نبيا، ولا حكيما، ولا عالما مهما حسنت أخلاقه ~~وجمل ظاهره وباطنه ... ! # كل العداوات قد ترجى إزالتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد # جرت تلك السنة في الأناسي: فإذا صبر الصالح فاز بالولاية عليهم، وأحبوه ~~بعد العداوة ولو بعد حين، وعادوا من آذاه! ثم انظر في حديث قصة امرأة ~~العزيز، وكيف عف مع الشباب، وكيف ساس نفسه وصدق ظن مولاه في الأمانة، وأرضى ~~إلهه، واتسم بالفضيلة، فتوازى جماله الباطني والظاهري ... ! ولنكتف بهذا ~~القدر الآن، ولنشرع في الكلام على الآداب والأخلاق وتربية الأمراء والعفو ~~والصفح، التي تضمنتها تلك القصة! فأما علم الأخلاق، وتربية رؤساء الأمم ~~منها، فتأمل في كلام الحكماء- أولهم وآخرهم- تجد إجماعهم على أن سياسة ~~أخلاق النفس أولا فالمنزل فالمدينة كل واحدة مقدمة للاحقتها ثمرة لسابقتها ~~إذ لا يعقل أن يسوس منزله من لم يسس نفسه، أو يسوس أمته من لم يدبر إدارة ~~منزله! # PageV06P241 # بايع الصحابة- عليهم رضوان الله- الخليفة الأول، فأخذ قماشا وذراعا وذهب ~~إلى السوق في الغداة، فاستاء الصحابة ولاموه فقال: إذا أضعت أهلي، فأنا ~~للمسلمين أضيع! ففرضوا له دريهمات من بيت المال، فقال: إذن أنظر في شؤونكم! ~~لذلك، نجد الغربيين- إذا ولوا رجلا إدارة ms2820 بلادهم- أكثروا السؤال عن قرينته ~~وإدارة منزله، علما منهم أن منزله أقرب إليه من الأمة. # فانظر هذه الحقائق من سيرة النبي يوسف الصديق كيف ذكرت في الكتب ~~السماوية، ورتبت في القرآن ترتيبا محكما، ذكرت فيها السياسات الثلاث مرتبة ~~هكذا: النفس فالمنزل فالمدينة، ترتيبا طبيعيا، تنبيها لبني الإسلام على ~~معرفة هذا العلم وانتقائهم الأكفاء للأعمال العامة. فأشير فيها لتربية ~~الأخلاق الفاضلة بالعفة في عنفوان الشباب مع الصديق. وليت شعري! كيف حفظ ~~أخلاق آبائه وقومه والأنبياء في وسط مدنية المصريين وزخرفهم وجمالهم، وعبد ~~الله وحده، ونسي ما يراه من أبي الهول وأبيس والأرباب المتفرقة ... ؟! يذكر ~~هذا تبصرة لمن أحاطت بهم أمواج الحدثان من كل جانب، أن يحافظوا على أصول ~~دينهم وقواعده، ثم ليفعلوا ما يشاءون في أمور دنياهم..! # ظهر صدق يوسف في أخلاقه الشخصية، فلم يكن ذلك كافيا لإدارة أموره العامة، ~~فأودع السجن وأحيط بالأحداث والجهلة من كل جانب، فأخذ يسوسهم كما يسوس ~~الرجل أهل منزله، وبث عقيدته بينهم، ظاهرا بمظهر الكمال والإحسان والعطف ~~عليهم: قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ... [يوسف: 37] الآية. وأخذ يقص عليهم ~~سيرة أسلافه، وحبه لمذهبهم، وبغضه لأصنام المصريين، ونحوهم، فقال: إني تركت ~~ملة قوم لا يؤمنون بالله ... [يوسف: 37] الآية. ثم أخذ يذكرهم أن تفرق وجهة ~~الأمة ضلال في السياسة، وأن توحيد وجهتها كياسة فيها، فقال: يا صاحبي السجن ~~أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: # 39] ، فتفريق الوجهة شتات الجامعة. لم تسد أمة في الوجود إلا برجال ~~يوحدون وجهتها أيا كانت فيؤمون مقصدا واحدا! والتفصيل لا يخفى على أولي ~~الألباب..! # وفي (آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي اثنتا عشرة جامعة بكل منهن قوم ~~اتحدت بها: كاللغة، والوطن، والدين، والأخلاق، والجنس، والحكيم المرشد، ~~والأب الأكبر ونحو ذلك مما امتازت به أمة أو جماعة. # ولما تم له، عليه السلام، الأمران- سياسة النفس والعشيرة- أخرج من # PageV06P242 # السجن معظما مبجلا وترقى من تعليم الصعلوك في السجن إلى تعليم الملوك على ~~العروش، وأخذ يربهم كيف يقتصدون الأموال، وعبر لهم السنبلات الخضر ~~واليابسات والبقرات السمان والعجاف، وأرشدهم إلى ms2821 خزن البر وسنابله لئلا ~~يفسد، وغير ذلك من الأمور العامة. وهذه هي المرتبة الثالثة سياسة الأمة ~~بأجمعها بعد قطع تينك العقبتين. # والبراعة والكياسة في علوم العمران، وتدبير أمر الأمة، إما بوحي وهذا خاص ~~به وبأمثاله من الأنبياء عليهم السلام، وإما بتعليم وتدريب وهو اللائق ~~بسائر الناس. # ترشد هذه السيرة الشريفة إلى أن الأخلاق الفاضلة ما تثبت عليها النفس مع ~~الحقير والعظيم والصغير والكبير، وأن الإنسان لا يستحقر تعليم الأصاغر، ~~فإنه لا بد يوما ما أن يصل إلى الأكابر، كما في حديث هرقل «1» مع أبي ~~سفيان، وتعليم الصديق من في السجن. فبلغ صاحب السجن فرعون المصريين. # ابتلي هذا النبي بالسراء والضراء فلم تتغير أخلاقه، وكان نموذج الكمال في ~~سعة بيت الملك والجلال، وموضع الثقة في ضيق قبر السجن وعشرة الأسافل التي ~~تتغير بها الأخلاق، وتنسى بها أصول الأعراق، وتنزل الكامل من عروش الفضيلة ~~إلى أسفل مقاعد الرذيلة، ومن أوج الكمال إلى حضيض النقص! وهذه قصة يوسف- ~~الذي تربى في مصر ونشأ فيها ولم تبهجه زخارف تلك المدنية إلى الرذيلة- جاءت ~~عبرة للناس كافة وإلى المصريين خاصة! بهذه الأخلاق اعتلى يوسف عرش العظمة ~~والجلال فساس مصر بعد أن كان مسوسا، وملك بعد أن كان مملوكا! ليس الجزاء ~~على الأخلاق والكمال خاصا بالآخرة، بل في الدارين: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا ~~نضيع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [يوسف: ### | 56- 57 # ] . # هذه هي الأخلاق الفاضلة، ذكرت في التنزيل نموذجا، في غضون هذه السيرة، ~~للأمم الإسلامية ليأخذوا ثمرتها ولا يضيعوا الزمن في أصلها وموردها في ~~التاريخ كما يجمد المفسر على الإعراب أو الصرف أو البلاغة وهذا غيض من فيض ~~من حكم هذه PageV06P243 # القصة، وبها نفهم ما ذكر في أولها: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن [يوسف: 3] ، دع قول الجاهلين، وفهم المتنسكين، وتجاوز خلط ~~المؤرخين، واختلافهم، واصغ إلى ما في هذه القصة من هيئة تربية الحكام ~~والأمراء، كما أشرنا سابقا، ولنزدك بيانا! ms2822 قال علماء الأخلاق والحكماء: لا ~~ينتظم أمر الأمة إلا بمصلحين، ورجال أعمال قائمين، وفضلاء مرشدين هادين، ~~لهم شروط معلومة، وأخلاق معهودة فإن كان القائم بالأعمال نبيا فله أربعون ~~خصلة ذكروها. كلها آداب وفضائل بها يسوس أمته. وإن كان رئيسا فاضلا لمدينة ~~فاضلة، اكتفوا من الشروط الأربعين ببعضها. # وسيدنا يوسف عليه السلام حاز من كمال المرسلين وجمال النبيين. ولقد جاء ~~في سيرته هذه ما يتخذه عقلاء الأمم هدى لاختيار الأكفاء في مهام الأعمال، ~~إذ قد حاز الملك والنبوة! ونحن لا قبل لنا بالنبوة لانقطاعها، وإنما نذكر ~~ما يليق بمقام رئاسة المدينة الفاضلة، ولنذكر منها ثلاث عشرة خصلة هي أهم ~~خصال رئيس المدينة الفاضلة لتكون ذكرى لمن يتفكر في القرآن، وتنبيها ~~للمتعلمين- العاشقين للفضائل- على نفائس الكتاب العظيم، وحبا في نظرهم في ~~القرآن، وليعلموا أن تلك القصص وقد أودعت ما لم يكن ليخطر على بال من سمعه ~~للتغني به ومجرد اللهو واللعب! أهم ما شرطه الحكماء في رئيس المدينة ~~الفاضلة: ### | 1- # العفة عن الشهوات، ليضبط نفسه وتتوافر قوته النفسية كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] . ### | 2- # الحلم عند الغضب، ليضبط نفسه قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها ~~يوسف في نفسه ولم يبدها لهم [يوسف: 77] . ### | 3- # وضع اللين في موضعه، والشدة في موضعها ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين، فإن لم تأتوني ~~به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون [يوسف: 59- 60] ، والصدر للين والعجز ~~للشدة. ### | 4- # ثقته بنفسه اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف: 55] . ### | 5- # قوة الذاكرة ليمكنه تذكر ما غاب ومضى له سنون، ليضبط السياسات ويعرف ~~للناس أعمالهم وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون [يوسف: 58] ~~. # PageV06P244 ### | 6- # جودة المصورة والقوة المخيلة حتى تأتي بالأشياء تامة الوضوح إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين [يوسف: 4] . ### | 7- # استعداده للعلم، وحبه له، وتمكنه منه واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، ذلك ms2823 من فضل الله علينا وعلى ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [يوسف: 38] ، ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما، وكذلك نجزي المحسنين [يوسف: 22] ، رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث [يوسف: 101] . ### | 8- # شفقته على الضعفاء وتواضعه مع جلال قدره وعلو منصبه. فخاطب الفتيين ~~المسجونين بالتواضع فقال: يا صاحبي السجن ... [يوسف: 39] الآية، وحادثهما ~~في أمور دينهما ودنياهما، فالأول بقوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله [يوسف: 37] . والثاني بقوله: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله ... [يوسف: 37] الآية، وشهدا له بقولهما: إنا نراك من المحسنين ~~[يوسف: 36] . ### | 9- # العفو مع القدرة قال لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم ~~الراحمين [يوسف: 92] . ### | 10- # إكرام العشيرة وأتوني بأهلكم أجمعين [يوسف: 93] . ### | 11- # قوة البيان والفصاحة بتعبيره رؤيا الملك، واقتداره على الأخذ بأفئدة ~~الراعي والرعية والسوقة، ما كان هذا إلا بالفصاحة المبنية على العلم ~~والحكمة فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين [يوسف: 54] . ### | 12- # حسن التدبير فما حصدتم فذروه في سنبله ... [يوسف: 47] الآية. # ثم تأمل في اقتدار يوسف عليه السلام على سياسة الملك، وكيف اجتذب إليه ~~القلوب بالإحسان وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم.. [يوسف: 62] الآية، ودبر ~~الحيلة العجيبة بمسألة الصواع والاتهام بالسرقة ليضم أخاه إليه فبدأ ~~بأوعيتهم ... [يوسف: 76] الآية، وعامل المحكومين بشرعهم ودينهم وملتهم ~~وعادتهم، كما عليه جميع الأمم الشرقية الحية من الرفق بالأمة المحكومة لهم، ~~فيسوسونهم بدينهم وعادتهم وشرعهم وأخلاقهم وأموالهم اتباعا لما رسمته ~~الشريعة الغراء مما # PageV06P245 # يناسب حكم سيدنا يوسف عليه السلام، وذلك أنه أمر أتباعه أن يسألوهم قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين [يوسف: 74] الآية، فكانت شريعة بني يعقوب أن ~~يستعبدوا السارق سنة عند صاحب المتاع، فعاملهم بما هم عليه، ولذلك يقول ~~الله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله، نرفع درجات ~~من نشاء، وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] ، امتدح على حسن خطته في السياسة ~~ومراعاته عادة أولئك القوم. وهذه- وإن كانت مسألة بسيطة الظاهر- فهي أم ~~السياسة ورأس علوم العمران، وأول ما يوصى به السواس والعقلاء! تالله! ما ~~أجمل القرآن ms2824 وما أبهج العلم! وليت شعري كيف يقول الله بعدها نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذي علم عليم [يوسف: 76] . ولولا ما فيها من مبدأ شريف وحكم ~~عالية مع وضوحها وبساطتها لذوي النظر السطحي والبله الغفل، ما أعطاها هذا ~~الجلال والإعظام ومدح العلم! فحيا الله العلم وأدام دولته.! # ومن العجب الغريب تدبير هذه الحيلة بإخفاء الصواع، ثم نظر أمتعتهم جميعا ~~فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه [يوسف: # 76] ، وهذه: - وأيم الله- هي بعينها ما يصنعه ملوك الأرض قاطبة اليوم من ~~السياسات والتلطف في الأمور الخفية، وإلباسها ألبسة مختلفة لسياسة بلادهم، ~~وطلبا لحصول المقاصد النافعة، ودخولا للبيوت من أبوابها ولكن بينهم وبين ~~هذا النبي بون بعيد ... ! فانظر كيف تعطي هذه القصة هذه الأمور العجيبة! ~~لعمري! إن من طالع ما أمليناه بإمعان عن هذه القصة يتخيل عند تلاوتها أنه ~~مشاهد أعمال الأمم الحاضرة والغابرة! وكأنما طالع آراء أهل المدينة ~~الفاضلة، وعرف الحكماء وسواس الأمم، وشاهد جمال العلم والأدب والحكمة ~~والموعظة الحسنة، حتى يعلم علم اليقين كيف قال الله في أول السورة نحن نقص ~~عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ~~[يوسف: 3] ، ويقول في آخرها: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك [يوسف: 102] ، ~~ويقول: # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين [يوسف: 108] ، ثم ذكر أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس من ~~روح الله فقال: حتى إذا استيأس الرسل ... [يوسف: 110] الآية، ثم أفاد أن ~~المقصود هو العبر والنظر لتأثير القصص وثمراتها، لا مجرد تفسيرها إذ مجرد ~~التفسير أمر بسيط يقنع به البسطاء. وإنما المقصد هو الاتعاظ والاعتبار ~~فقال: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى.. الآية. # PageV06P246 # وهذه ترشدك- إن كنت من ذوي الهمة العالية- أن تصبر نفسك مع الذين يتعلمون ~~أمدا طويلا، ولا تعجل بالرئاسة حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنال حظا وافرا من ~~الأخلاق والعلوم. فلا بأس بالوظائف ونفع الأمة مع دوام المثابرة على ms2825 العلم ~~والاستزادة منه! فلقد صبر هذا النبي عليه السلام أياما وأياما، ولبس ~~للحوادث أثوابا وأثوابا، حتى إذا غلب اليأس جاء الفرج والرفعة! فتأمل! كيف ~~كانت هذه السورة يقرؤها القارئون، ويسمعها الجاهلون وهم عن آياتها معرضون! ~~فإذا سمعوا صوتا حسنا ظنوا أن هذا هو جمال القرآن، فقالوا للقارئ: سبحان من ~~أعطاك! وفرحوا بما عندهم من العلم بظواهر ورونق القراءة، أو مجرد التفسير ~~ومعرفة القصة، ولم ينظروا إلى الحكم المودعة فيها! فقبح الجهل! يترك الرجل ~~أعمى وإن لبس الحلل وارتدى ثياب الفخار الكاذب والسراب الخداع.. # كم للإنسان من آيات وعبر في السموات والأرض فيعرض عنها! خلقت لنا الأبصار ~~والأسماع والعقول لننظر ماذا في السموات والأرض مما ذرأ المبدع في الكون، ~~وتلا القرآن- وهو كلام مبدع الكون- وتلطف في تصوير المعاني، وألبسها أجمل ~~لباس، فأعرض العقلاء فضلا عن العامة! فما للعامة لا يتعلمون! وما لذوي ~~البصائر لا ينصحون ولا يبينون؟ وما للناس لا يكادون يفقهون؟ # ذكرنا نموذجا عن هذه السورة استنشاطا لهمم العقلاء، وحثا لمن لهم ذكاء ~~وفطن وعقول راجحة- على الرجوع إلى كتابهم ونظرهم فيه، وإزالة لشبه من ارتاب ~~في هذه القصص فأعرض! وجلي أن قصص القرآن جميعها مملوءة بالحكم كهذه القصة، ~~وفي كل واحدة منها ما ليس في الأخرى كأنها ثمرات مختلف لونها! أين من يفقه ~~هذا ممن يقف مع ألفاظها وهم عن آياتها معرضون؟ ولا عجب فإن نفوس الأسافل ~~تأخذ الحكمة فترجعها من أفق سمائها إلى أرض ضعتها، كما يصير الماء في شجرة ~~الحنظل مرا. فيقصدها هذا للنغمات، وذلك لقصة بسيطة، وآخر تسلية وتضييعا ~~للزمن، وآخر يقف عند الألفاظ وإعرابها وصرفها وبلاغتها. # ولكن هذا أرقى مما قبله- فقد سار في الطريق وهي الألفاظ، ولكن هيهات أن ~~يصل للمقصود والثمرات إلا إذا أعد تلك القواعد مقدمة للمقصود وبحث فيه! ~~وآخرون يسمعون الآيات فيعرضونها على التاريخ، والمؤرخون مختلفون كما قدمنا. # وما مثل هؤلاء في سيرهم إلا كمثل رجل أوتي آلة بخارية ليسقي بها الحرث من ~~النهر، فجلس بجانبها وترك استعمالها وأخذ يتفكر: من أين هذا الحديد؟ ms2826 ولم ~~يجلب الماء؟ وإلى أي مسافة يرتفع، وما العلة فيه، ومن أين يأتي الفحم ~~الحجري، # PageV06P247 # وفي أي الطرق يسير إلى أن يصل إلينا؟ فيمر عليه شهر وشهران فيذبل زرعه ~~وتبور أرضه.! ذلك مثل من يقرأ القرآن ويجعل جل عنايته تطبيقه على كلام ~~المؤرخين أو قواعد النحويين أو الصرفيين وعلماء البلاغة فحسب! اللهم إلا ~~قدرا يسيرا للفهم! وهذا- لعمر الله- انتكاس على الرأس، واتخاذ الوسيلة ~~مقصدا، كمثل من أراد الحج فجعل همته إعداد الذخائر سنين فاختطفته المنون ~~وفارق الحياة ولم يحج! ذلك مثلهم.!! انتهى. ### | المبحث الثاني: # احتج من جوز المعصية على الأنبياء- وهم الكرامية والباقلاني- بما جرى من ~~إخوة يوسف وبيعهم أخاهم وكذبهم لأبيهم، وبما وقع من يوسف نفسه من أخذه أخاه ~~وإيحاشه أباه. # قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله في (الملل والنحل) : # ما احتجوا به لا حجة فيه: لأن إخوة يوسف، عليه السلام، لم يكونوا أنبياء، ~~ولا جاء قط- في أنهم أنبياء- نص لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا من ~~إجماع، ولا من قول أحد من الصحابة رضي الله عنهم! فأما يوسف عليه السلام ~~فرسول الله بنص القرآن، قال عز وجل: ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما ~~زلتم في شك مما جاءكم به.. إلى قوله- من بعده رسولا [غافر: 34] ، وأما ~~إخوته فأفعالهم تشهد بأنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم، فكيف أن يكونوا ~~أنبياء! ولكن الرسولين- أباهم وأخاهم- قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم! ~~وبرهان ما ذكرنا- من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء- قول الله تعالى حاكيا ~~عن الرسول أخيهم أنه قال لهم: أنتم شر مكانا [يوسف: 77] ، ولا يجوز البتة ~~أن يقوله لنبي من الأنبياء نعم، ولا لقوم صالحين!، إذ توقير الأنبياء فرض ~~على جميع الناس، لأن الصالحين ليسوا شرا مكانا! وقد عق ابن نوح أباه بأكثر ~~مما عق به إخوة يوسف أباهم، إلا أن إخوة يوسف لم يكفروا. ولا يحل لمسلم أن ~~يدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا إجماع أو نقل كافة بصحة نبوته! ولا فرق ~~بين التصديق بنبوة من ليس نبيا، وبين ms2827 التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم! فإن ~~ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم: (إنما ~~مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا نبي بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأولاد الأنبياء أنبياء!) فهذه غفلة شديدة وزلة عالم، ~~من وجوه: # PageV06P248 # أولها: أنه دعوى لا دليل على صحتها! وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ~~ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى عليه السلام، وكما أوتي يحيى الحكم ~~صبيا فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبيا وقد عاش عامين غير شهرين، وحاشا ~~لله من هذا ... ! # وثالثها: أن ولد نوح كان كافرا بنص القرآن: عمل عملا غير صالح. فلو كان ~~أولاد الأنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيا. وحاشا لله من هذا..! # ورابعها: لو كان ذلك، لوجب ولا بد أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم، ~~بل جميع أهل الأرض أنبياء، لأنه يلزم أن يكون الكل من ولد آدم لصلبه ~~أنبياء، لأن أباهم نبي، وأولاد أولادهم أنبياء لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد ~~أنبياء، وهكذا ... أبدا حتى يبلغ الأمر إلينا! وفي هذا من الكفر لمن قامت ~~عليه الحجة وثبت عليه- ما لا خفاء به. وبالله تعالى التوفيق..! # ثم قال ابن حزم: # وذكروا- يعني الكرامية ومن وافقهم- أيضا أخذ يوسف عليه السلام أخاه، ~~وإيحاشه أباه عليه السلام منه، وأنه أقام مدة يقدر فيها على أن يعرف أباه ~~خبره وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه، فلم يفعل وليس بينه وبينه إلا ~~عشر ليال! وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه ولم يعلم بذلك سائر إخوته، ثم ~~أمر من هتف أيتها العير إنكم لسارقون [يوسف: 70] ، وهم لم يسرقوا شيئا، ~~ويقول الله تعالى: ولقد همت به، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [يوسف: 24] ~~، وبخدمته لفرعون، وبقوله للذي كان معه في السجن اذكرني عند ربك [يوسف: 42] ~~. # قال ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، ونحن نبين ذلك بحول الله ~~تعالى وقوته، فنقول وبالله ms2828 تعالى نتأيد: اما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه ~~فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه وليعود إخوته إليه، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم ~~يعودوا إليه وهم في مملكة أخرى، وحيث لا طاعة ليوسف عليه السلام ولا لملك ~~مصر هنالك، وليكون ذلك سببا لاجتماعه وجمع شمل جميعهم! ولا سبب إلى أن يظن ~~برسول الله يوسف عليه السلام الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل- إلا أحسن ~~الوجوه. وليس مع من خالفنا نص بخلاف ما ذكرنا. ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل ~~عقوق أبيه، فكيف برسول الله صلوات الله عليه وأما ظنهم- أنه أقام مدة يقدر ~~فيها على تعريف أبيه خبره ولم يفعل- فهذا جهل شديد ممن ظن هذا لأن يعقوب في ~~أرض كنعان من # PageV06P249 # عمل فلسطين، في قوم رحالين خصاصين في لسان آخر وطاعة أخرى ودين آخر وأمة ~~أخرى! فلم يكن عند يوسف عليه السلام، علم بعد فراقه أباه بما فعل، ولا حي ~~هو أو ميت، أكثر من وعد الله تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به، ولا وجد أحدا يثق ~~به، فيرسل إليه، للاختلاف الذي ذكرنا. وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض ~~الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة، ولسانا واحدا وأمة واحدة، والطريق سابل، ~~والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبرد ناهضة وراجعة، فظن ~~كل بيضاء شحمة ولم يكن الأمر حينئذ كذلك، ولكن كما قدمنا! ودليل ذلك أنه ~~حين أمكنه لم يؤخره، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه، ~~وانقيادهم له للجوع الذي كان عم الأرض، وامتيازهم عنده، فانتظر وعد ربه ~~تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجب فأتوه ضارعين راغبين كما وعده تعالى في ~~رؤياه قبل أن يأتوه! وأما قول يوسف لإخوته إنكم لسارقون وهم لم يسرقوا ~~الصواع، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم، فقد صدق عليه السلام ~~لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه، ولم يقل عليه السلام: إنكم سرقتم الصواع، ~~وإنما قال: نفقد صواع الملك [يوسف: 72] ، وهو في ذلك صادق لأنه كان غير ~~واجد له فكان فاقدا له بلا شك! ms2829 وأما خدمته عليه السلام لفرعون فإنما خدمه ~~تقية وفي حق لاستنقاذ الله تعالى بحسن تدبيره، ولعل الملك أو بعض خواصه، قد ~~آمن به إلا أن خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير، وتوصل إلى الاجتماع ~~بأبيه وإلى العدل وإلى حياة النفوس إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ~~ذلك، ولا مرية في أن ذلك كان مباحا في شريعة يوسف عليه السلام بخلاف ~~شريعتنا، قال الله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] وأما ~~سجود أبويه فلم يكن ذلك محظورا في شريعتهما بل كان فعلا حسنا، وتحقيق رؤياه ~~الصادق من الله تعالى. ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم عليه ~~السلام. إلا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل وإنما كان ~~سجود كرامة فقط بلا شك، وأما قوله عليه السلام للذي كان معه في السجن ~~اذكرني عند ربك [يوسف: 42] ، فما علمنا الرغبة في الانطلاق من السجن محظورة ~~على أحد! وليس في قوله ذلك دليل على أنه أغفل الدعاء إلى الله عز وجل. لكنه ~~رغب هذا الذي كان معه في السجن في فعل الخير وحضه عليه! وهذا فرض من وجهين: ~~أحدهما وجوب السعي في كف الظلم عنه، والثاني: دعاؤه إلى الخير والحسنات. ~~وأما قوله تعالى فأنساه الشيطان ذكر ربه [يوسف: 42] ، فالضمير الذي في ~~(أنساه) وهو الهاء راجع إلى الفتى الذي كان معه في السجن، # PageV06P250 # أي: أن الشيطان أنساه أن يذكر ربه أمر يوسف عليه السلام ويحتمل أيضا أن ~~يكون أنساه الشيطان ذكر الله تعالى، ولو ذكر الله عز وجل لذكر حاجة يوسف ~~عليه السلام، وبرهان ذلك قول الله عز وجل وادكر بعد أمة [يوسف: 45] فصح ~~يقينا أن المذكر بعد أمة هو الذي أنساه الشيطان ذكر ربه حتى تذكر. وحتى لو ~~صح أن الضمير من (أنساه) راجع إلى يوسف عليه السلام لما كان في ذلك نقص ولا ~~ذنب. # إذ ما كان بالنسيان فلا يبعد عن الأنبياء! وأما قوله همت به، وهم بها ~~لولا أن رأى ms2830 برهان ربه [يوسف: 24] ، فليس كما ظن من لم يمعن النظر حتى قال ~~من المتأخرين من قال: (إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة) ومعاذ الله من ~~هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم! فكيف برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم!! فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق جيدة ~~الإسناد، قلنا: نعم! ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقط! والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس، أو ~~لعل ابن عباس لم يقطع بذلك إذ إنما أخذه عمن لا يدري من هو، ولا شك في أنه ~~شيء سمعه فذكره، لأنه رضي الله عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله، ~~ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به! لكن معنى الآية لا يعدو أحد ~~وجهين: إما أنه هم بالإيقاع بها وضربها: كما قال تعالى: وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه [غافر: 5] ، وكما يقول القائل: لقد هممت بك، لكنه عليه ~~السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها. وعلم أن ~~الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قد ~~القميص. والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله ولقد همت به ثم ابتدأ تعالى ~~خبرا آخر فقال وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وهذا ظاهر الآية بلا تكلف ~~تأويل، وبهذا نقول. وبرهان ربه هاهنا هو النبوة وعصمة الله عز وجل إياه، ~~ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة، وهذا لا شك فيه! ولعل من ينسب هذا إلى ~~النبي المقدس يوسف، ينزه نفسه الرذلة عن مثل هذا المقام فيهلك. وقد خشي ~~النبي صلى الله عليه وسلم الهلاك على من ظن به ذلك الظن، إذ قال للأنصاريين ~~حين لقيهما: هذه صفية «1» ! ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه ~~السلام هم بالزنى وهو يسمع قول الله تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء ms2831 والفحشاء ~~[يوسف: 24] ،! فنسأل من PageV06P251 # خالفنا عن الهم بالزنى: سوء هم أم غير سوء؟ فلا بد أنه سوء، ولو قال: إنه ~~ليس بسوء لعاند الإجماع فإذ هو سوء، وقد صرف عنه السوء، فقد صرف عنه الهم ~~بيقين! وأيضا فإنها قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا [يوسف: 35] وأنكر هو ~~ذلك فشهد الصادق المصدق إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ~~[يوسف: 26] ، فصح أنها كذبت بنص القرآن، وإذ كذبت بنص القرآن فما أراد بها ~~قط سوءا، فما هم بالزنى قط. ولو أراد بها الزنى لكانت من الصادقين، وهذا ~~بين جدا وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن ~~من الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن [يوسف: 33] فصح عنه أنه قط لم ~~يصب إليها. # انتهى كلام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان. وإنما نقلت كلامه برمته لأنه ~~كما قيل: # (وما محاسن شيء كله حسن ... !!) # PageV06P252 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرعد # سميت به لما فيها من قوله عز وجل: ويسبح الرعد بحمده [الرعد: 13] الدال ~~على الصفات السلبية والثبوتية، مع الإخبار عن الأمور الملكوتية، ومع كون ~~الرعد جامعا للتخويف والترجية، وهذه من أعظم مقاصد القرآن- قاله المهايمي. # وللسلف رأيان في أنها مكية أو مدنية ويقال: إنها مدنية إلا قوله: ولا ~~يزال الذين كفروا ... [الرعد: 31] الآية، ويقال: من أولها إلى آخر ولو أن ~~قرآنا [الرعد: 31] ، مدني وباقيها مكي. والله أعلم. # وآيها ثلاث وأربعون. # PageV06P253 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) # قال أبو السعود: المر اسم للسورة، ومحله: إما الرفع على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف، أي: هذه السورة مسماة بهذا الاسم، وهو أظهر من الرفع على الابتداء، ~~إذ لم يسبق العلم بالتسمية. وقوله تعالى تلك على الوجه الأول، مبتدأ مستقل، ~~وعلى الوجه الثاني، مبتدأ ثان، أو بدل من الأول أشير به إليه إيذانا ~~بفخامته. وإما ms2832 النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو: اقرأ أو اذكر، ف تلك ~~مبتدأ كما إذا جعل المر مسرودا على نمط التعديد، والخبر على التقادير، قوله ~~تعالى آيات الكتاب أي: الكتاب العجيب الكامل الغني عن الوصف به المعروف ~~بذلك من بين الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، فهو عبارة عن جميع ~~القرآن، أو عن الجميع المنزل حينئذ. وقوله تعالى: والذي أنزل إليك من ربك ~~أي: من الكتاب المذكور بكماله الحق أي: الثابت المطابق للواقع في كل ما نطق ~~به، الحقيق بأن يخص به الحقية لعراقته فيها، وقصور غيره عن مرتبة الكمال ~~فيها. وفي التعبير عنه بالموصول. وإسناد الإنزال إليه بصيغة المبني ~~للمفعول، والتعرض لوصف الربوبية مضافا إلى ضميره عليه السلام. من الدلالة ~~على فخامة المنزل التابعة لشأن جلالة المنزل وتشريف المنزل إليه، والإيماء ~~إلى وجه الخبر- ما لا يخفى ... ! انتهى ملخصا بزيادة. ### | لطيفة: # في الذي أنزل وجهان: أحدهما هو في موضع رفع، والحق خبره، أو الخبر من ربك ~~والحق خبر محذوف، أو خبر بعد خبر. وثانيهما محله الجر بالعطف على الكتاب ~~عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى، أو بتقدير زيادة الواو في ~~الصفة، والحق خبر محذوف، ومنع كثير من النحاة زيادة # PageV06P254 # الواو في الصفات. وآخرون على جوازها لتأكيد اللصوق، أي الجمع والاتصال. ~~لأنها كما تجمع المعطوف بالمعطوف عليه، كذلك تجمع الموصوف بالصفة، وتفيد أن ~~اتصافه به أمر ثابت، وقوله تعالى: ولكن أكثر الناس لا يؤمنون أي: بذلك الحق ~~لرفضهم التدبر فيه شقاقا وعنادا. وهذا كقوله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين [يوسف: 103] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 2] # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ~~(2) # يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بقدرته رفع السموات، أي ~~خلقهن مرتفعات عن الأرض ارتفاعا لا ينال ولا يدرك مداه! وقوله تعالى بغير ~~عمد ترونها أي أساطين. جمع عماد أو ms2833 عمود. وقوله تعالى ترونها إما استئناف ~~للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك، كقول الشاعر: # أنا بلا سيف ولا رمح تراني # أو صفة ل (عمد) جيء بها إبهاما لأن لها عمدا غير مرئية، وإليه ذهب كثير ~~من السلف، ورجح ابن كثير الأول وأنها لا عمد لها، قال: وهذا هو اللائق ~~بالسياق والظاهر من قوله تعالى ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ~~[الحج: # 65] ، والأكمل أيضا في القدرة! وقوله تعالى: ثم استوى على العرش تقدم ~~تفسيره في سورة الأعراف، وأنه يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا ~~تعطيل ولا تمثيل. وقوله تعالى وسخر الشمس والقمر أي ذللهما لما أراد منهما ~~من نفع العالم السفلي. وقوله تعالى كل يجري لأجل مسمى أي لغاية معينة ينقطع ~~دونها سيره، وهو قيام الساعة، كقوله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها [يس: ~~38] وقد بين ذلك في قوله تعالى إذا الشمس كورت [التكوير: 1] ، وإذا الكواكب ~~انتثرت [الانفطار: 2] ، والاقتصار على الشمس والقمر، لأنهما أظهر الكواكب ~~وأعظم من غيرهما فتسخير غيرهما يكون بطريق الأولى. وقد جاء التصريح ~~بتسخيرهما مع غيرهما في قوله تعالى: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ~~ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] ، وقوله تعالى يدبر الأمر أي: أمر ~~العالم العلوي والسفلي ويصرفه ويقضيه بمشيئته وحكمته على أكمل الأحوال. لا ~~يشغله شأن عن شأن. وقوله تعالى يفصل الآيات يعني: الآيات الدالة على وحدته ~~وقدرته # PageV06P255 # ونعوته الجليلة. أي يبينها في كتبه المنزلة. وقوله تعالى: لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون أي: لعلكم توقنون وتصدقون بأن هذا المدبر والمفصل، لا بد لكم ~~من المصير إليه، بالبعث بعد الموت للجزاء فإن من تدبر حق التدبر، أيقن أن ~~من قدر على إبداع ما ذكر من الآيات العلوية. قدر على الإعادة والجزاء!. ### | ### | لطائف: # # الأولى- جوز في قوله تعالى الله الذي رفع السماوات أن يكون الموصول خبرا، ~~وأن يكون صفة، والخبر يدبر الأمر ورجح في (الكشف) الأول، بأن قوله الآتي ~~وهو الذي مد الأرض [الرعد: 3] ، عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات ~~والسفليات وفي المقابل الخبرية متعينة، فكذا ms2834 هذا ليتوافقا. والجملة مقررة ~~لقوله والذي أنزل إليك من ربك الحق [الرعد: 1] ، وعدل عن ضمير الرب إلى ~~الجلالة لترشيح التقرير. كأنه قيل: كيف لا يكون المنزل ممن هذه أفعاله هو ~~الحق؟ وتعريف الطرفين لإفادة أنه لا مشارك له فيها. لا سيما وقد جعل صلة ~~للموصول. وهذا أشد مناسبة للمقام، من جعله وصفا مفيدا لتحقيق كونه مدبرا ~~مفصلا، مع التعظيم لشأنهما. # والمقصود بالإفادة قوله: لعلكم بلقاء ربكم توقنون فالمعنى أنه فعلها كلها ~~لذلك. # الثانية- قال القاضي: قوله تعالى رفع السماوات ... إلخ دليل على وجود ~~الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة ~~الجرمية، واختصاصها بما يقتضي ذلك، لا بد وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا ~~جسماني، يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر ~~من الآيات. # الثالثة- يدبر ويفصل يقرآن بالياء والنون. وهما مستأنفان. أو الأول حال ~~من ضمير (سخر) والثاني من ضمير (يدبر) أو كلاهما من ضمائر الأفعال ~~المذكورة. # ولما قرر الشواهد العلوية. أردفها بذكر الدلائل السفلية على قدرته ~~وحكمته. # فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 3] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) # وهو الذي مد الأرض أي بسطها وجعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض لإخراج ~~النعم الكثيرة منها. # PageV06P256 # قال الشهاب: استدل به بعضهم على تسطيح الأرض وأنها غير كرية بالفعل. # وأن من أثبته أراد به أنه مقتضى طبعها! ورد بأنه ثبت كريتها بأدلة عقلية، ~~لكنه لعظم جرمها يشهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح! وهكذا كل دائرة عظيمة. ~~ولا يعلم كريتها إلا هو تعالى: # وجعل فيها رواسي أي: جبالا ثوابت أوتادا لها يكثر فيها النبات وتنحفظ ~~تحتها المياه وأنهارا متفجرة منها، وذلك لتكثير النبات والأشجار وحفظ ~~الحيوان ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين أي: صنفين اثنين كالحلو ~~والحامض، والأسود والأبيض، والصغير والكبير، والبستاني والجبلي. # قال المهايمي: ليفيد كل صنف فائدة غير فائدة ms2835 الآخر، فكان كل صنف نعمة بعد ~~الإنعام بأصول الأصناف، وجعل لإتمام الإنعام بالأصناف المختلفة الطبائع ~~لئلا تجتمع فتضار متناولها فصولا مختلفة، إذ. # يغشي الليل النهار أي: يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض ~~منيرا فبطول الليل يحصل الشتاء، وبطول النهار يحصل الصيف، وبأحد الاعتدالين ~~يحصل الخريف، وبالآخر الربيع إن في ذلك أي: في مد الأرض وما بعده لآيات ~~لقوم يتفكرون أي لآيات باهرة لقوم يتفكرون فيستدلون بأن تكوين ما ذكر على ~~هذا النمط البديع لا بد له من قادر حكيم! أو يتفكرون فيعلمون أن تكثير ~~النعم لجلب محبة المنعم بصرفها إلى ما خلقت من أجله. والمحبة موجبة للرجوع ~~إليه. وفيه إشارة إلى أن من دبر ذلك لمعايشهم، أفلا ينعم عليهم بإرسال رسل ~~وإنزال كتب ترشدهم إلى ما فيه سعادتهم؟ بلى، وهو أحكم الحاكمين. ### | لطائف: # الأولى- قال الرازي: من الاستدلال بأحوال الجبال، أن يسببها تتولد ~~الأنهار على وجه الأرض. وذلك أن الحجر جسم صلب. فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر ~~الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل فيحصل تحت الجبل مياه ~~عظيمة. ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض. فمنفعة ~~الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه، ولهذا السبب. ففي أكثر الأمر ~~أينما ذكر الله الجبال، قرن بها ذكر الأنهار. مثل ما في هذه الآية، ومثل ~~قوله: وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا [المرسلات: 27] . # الثانية- أشار الرازي إلى أن الناس، كما ابتدءوا من زوجين اثنين بالشخص، # PageV06P257 # هما آدم وحواء، فكذا الأشجار والزروع خلقت أولا من زوجين اثنين ثم كثرت ~~والله أعلم. # الثالثة- في قوله يغشي الليل النهار استعارة تبعية تمثيلية مبنية على ~~تشبيه إزالة نور الجو بالظلمة، بتغطية الأشياء الظاهرة بالأغطية، أي يستر ~~النهار بالليل. # والتركيب وإن احتمل العكس أيضا- بالحمل على تقديم المفعول الثاني على ~~الأول- فإن ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل، إلا أن الأنسب بالليل أن ~~يكون هو الغاشي. # وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية، وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا- ~~باعتبار أن ظهوره في الأرض- فإن ms2836 الليل إنما هو ظلها. وفيما فوق موقع ظلها ~~لا ليل أصلا. ولأن الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد ~~والإنضاج، على أنهما أيضا زوجان متقابلان مثلها. # وقرئ (يغشي) من التغشية- أفاده أبو السعود. # ثم بين تعالى طائفة من الآيات بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 4] # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) # وفي الأرض قطع متجاورات أي: بقاع متقاربات مختلفة الطبائع. فمن طيبة إلى ~~سبخة، ومن صلبة إلى رخوة، مما يدل على قادر مدبر مريد حكيم في صنعه وجنات ~~من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان جمع صنو، وهي نخلة أصلها واحد ~~وفروعها شتى، وفي (القاموس) النخلتان، فما زاد في الأصل الواحد، كل واحدة ~~منهما صنو. ويضم أو عام في جميع الشجر، وإفراد الزرع لأنه مصدر في الأصل ~~يشمل القليل والكثير يسقى قرئ بالتحتية والفوقية بماء واحد أي: # بماء المطر أو بماء النهر ونفضل بعضها على بعض في الأكل فتتفاضل قدرا ~~وشكلا ورائحة وطعما. والأكل، قرئ بضم الهمزة والكاف وتسكينها وهو ما يؤكل، ~~وهو هنا الثمر والحب. والمجرور إما ظرف ل (نفضل) أو حال من بعضها، أي: نفضل ~~بعضها مأكولا، أو: وفيه الأكل إن في ذلك أي: الذي فصل لآيات على وحدانيته ~~تعالى وباهر قدرته لقوم يعقلون فإن من عقل ما تقدم جزم بأن من قدر على ~~إبداعها # PageV06P258 # وخلقها مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك البقاع ~~المتباينة المتجاورة، وجعلها حدائق ذات بهجة- قادر على إعادة ما أبداه، بل ~~هو أهون في القياس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 5] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أي: إن تعجب ms2837 من شيء فقولهم عجيب حقيق بأن يقتصر عليه التعجب ~~لأن من شاهد ما عدد من الآيات العجيبة التي تدل على قدرة يصغر عندها كل ~~عظيم- أيقن بأن من قدر على إنشائها ولم يعي بخلقها، كانت الإعادة أهون شيء ~~عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب. وجوز أن يكون خطابا لكل من ~~يصلح له، أي: # إن تعجب، يا من نظر في هذه الآيات، وعلم قدرة من هذه أفعاله، فازدد تعجبا ~~ممن ينكر، مع هذا، قدرته على البعث، وهو أهون من هذه! قال أبو السعود: ~~والأنسب بقوله: ويستعجلونك بالسيئة [الرعد: 6] ، هو الأول و (عجب) خبر قدم ~~على المبتدأ للقصر، والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمر عجيبا. # وقوله تعالى: أولئك أي المنكرون لقدرته على البعث الذين كفروا بربهم أي: ~~تمادوا في الكفر فإن من أنكر قدرته تعالى فقد أنكره لأن الإله لا يكون ~~عاجزا، وفيه تكذيب لخبره ولرسله عليهم السلام وأولئك الأغلال في أعناقهم ~~أي: السلاسل في أيمانهم مشدودة إلى أعناقهم يوم القيامة لأنهم غلوا أفكارهم ~~عن النظر في هذه الأمور كما جعلوا خالقهم مغلول القدرة على ذلك وهو القادر ~~الحكيم. وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 6] # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة أي: يستعجلونك بالعقوبة قبل العافية # PageV06P259 # والسلامة منها وذلك أنهم سألوا رسول الله صلوات الله عليه، أن يأتيهم ~~بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره. # قال الشهاب: والمراد بكونها قبل الحسنة، أن سؤالها قبل سؤالها، أو أن ~~سؤالها قبل انقضاء الزمان المقدر لها! وقد خلت من قبلهم المثلات أي: عقوبات ~~أمثالهم من المكذبين. فما لهم لا يعتبرون بها ولا يخشون حلول مثلها؟ أو ~~العقوبات التي يضرب بها المثل في الشدة. والجملة خالية أو مستأنفة. و ~~(المثلات) قراءة العامة فيها فتح الميم وضم الثاء جمع مثلة- كسمرة وسمرات- ~~وهي العقوبة الفاضحة. سميت بها لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة ms2838 ~~كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها أو هي مأخوذة من المثال بمعنى القصاص. ويقال: ~~أمثلته وأقصصته بمعنى واحد، أو هي من المثل المضروب لعظمها. وقرئ بفتح ~~الميم وسكون المثلثة، وهي لغة أهل الحجاز، وقرئ بضم الميم وسكون المثلثة، ~~وقرئ بفتحهما وبضمهما. # وقوله تعالى: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم من الناس من حمل المغفرة ~~على المتعارف منها، وهو مغفرة الذنوب مطلقا إلا حيث دل الدليل على التقييد ~~في غير الموحد فإن ظلمه- أعني شركه- لا يغفر ... وما عدا الشرك فغفرانه في ~~المشيئة. ومنهم من ذهب إلى المغفرة مراد بها معناها اللغوي. وهو الستر ~~والصفح، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة، أي: إنه ذو صفح عظيم لا يعاجل ~~بالعقوبة. مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. كما قال سبحانه: ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [فاطر: 45] ، وهذا ~~التأويل أنسب بالسياق الرهيب! وعجب من الشهاب حيث وافق الرازي في دعواه (إن ~~تأخير العقاب لا يسمى مغفرة لأنه مخالف للظاهر، ولاستعمال القرآن. وللزومه ~~كون الكفار كلهم مغفورا لهم لأجل تأخير عقابهم إلى الآخرة) ولا يخفاك صحة ~~تسميته مغفرة لأنه في اللغة الستر. # ومن أفراده الستر بالإمهال؟ ودعوى أنه مخالف للظاهر ولاستعمال القرآن، ~~تحكم بحت على أسلوب القرآن، وبإرجاعه إلى ما أصلوه. مع أن التحاكم إليه في ~~الفروع والأصول، وهو الحجة في اللغة والاستعمال! ودعوى فساد اللزوم وتهويل ~~خطبه- فارغة، لأنه لا محذور في ذلك. لا سيما وهو المناسب لاستعجالهم العذاب ~~المذكور قبل، فالتلازم صحيح! ثم من المقرر أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فهذه ~~الآية في # PageV06P260 # معناها كآية ولو يؤاخذ الله الناس.. إلخ. فما ذكر من التأويل مؤيد بهذه ~~الآية، فتفطن ولا تكن أسير التقليد..! # ولما بين تعالى سعة حلمه، قرنه ببيان قوة عقابه، ليعتدل الرجاء والخوف، ~~فقال سبحانه: وإن ربك لشديد العقاب أي: لمن شاء، كما قال تعالى: فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين [الأنعام: 147] ، ~~وقال تعالى: إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم [الأعراف: ms2839 167] ، وقال ~~سبحانه: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم ~~[الحجر: 49- 50] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 7] # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ~~(7) # ويقول الذين كفروا وهم المستعجلون بالسيئة المتقدمون. # قال أبو السعود: وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصول، ذما لهم ونعيا عليهم ~~كفرهم بآيات الله تعالى التي تخر لها صم الجبال، حيث لم يرفعوا لهم رأسا ~~ولم يعدوها من جنس الآيات وقالوا عنادا: # لولا أنزل عليه آية من ربه أي: مثل آيات موسى وعيسى عليهما السلام، أو ~~مثل ما يقترحون من جعل الصفا ذهبا، أو إزاحة الجبال وجعل مكانها مروجا ~~وأنهارا وإنما أنت منذر أي: مرسل للإنذار والتخويف من سوء عاقبة ما يأتون ~~ويذرون، وناصح كغيرك من الرسل، فما عليك إلا البلاغ، لا إجابة المقترحات ~~ولكل قوم هاد أي: نبي داع إلى الحق مرشد بالآية التي تناسب زمنه كقوله ~~تعالى: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24] ، تعريض بأنه صلى الله ~~عليه وسلم ليس بدعا من الرسل. فقد خلا قبله الهداة الداعون إلى الله، عليهم ~~السلام أو المعنى: لكل قوم هاد عظيم الشأن، قادر على هدايتهم، هو الله ~~سبحانه، فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم. وإيتاؤهم الإيمان وصدهم عن ~~الجحود. فإن ذلك لله وحده كقوله تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من ~~يشاء [البقرة: 272] ، أو المعنى: لكل قوم هاد قائد يهديهم إلى الرشد. وهو ~~الكتاب المنزل عليهم الداعي بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم. يعني: أن سر ~~الإرسال وآيته الفريدة وإنما هو الدعاء إلى الهدى وتبصير سبله، والإنذار من ~~الاسترسال في مساقط الردى. وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه. # PageV06P261 # فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى. وأما الآيات المقترحة فأمرها إلى ~~الله وقد لا يفيد إنزالها هداية! قال تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون [الإسراء: 59] ، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~[الأنعام: # 109] ، مع ما يستتبع الإصرار بعدها من ms2840 الأخذ بلا إمهال! سنة الله في ~~الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62] . # قال الشهاب: وجوز عطف (هاد) على (منذر) وجعل المتعلق مقدما عليه، للفاصلة ~~فيدل على عموم رسالته وشمول دعوته. وقد يجعل خبر مبتدأ مقدر، أي: # وهو هاد، أو وأنت هاد، وعلى الأول فيه التفات. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : الآيات 8 الى 9] # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) # الله يعلم ما تحمل كل أنثى جملة مستأنفة، جواب سؤال وهو: لماذا لم يجابوا ~~لمقترحهم فتنقطع حجتهم فلعلهم يهتدون بأنه آمر مدبر عليم نافذ القدرة فعال ~~لما تقتضيه حكمته البالغة دون آرائهم السخيفة؟ وهذا على أن (الهادي) بمعنى ~~(الداعي إلى الحق) . # وإن كان المراد به الله سبحانه، فالجملة تفسير لقوله (هاد) أو مقررة ~~مؤكدة لذلك- كذا في (العناية) . # وأشار الرازي إلى أن الآية: إما متصلة بما قبلها مشيرة إلى أنه تعالى ~~واسع العلم لا يخفى عليه أن اقتراحهم عناد وتعنت، وأنهم لا يزدادون بإظهار ~~مقترحهم إلا عنادا، فلذا لم يجابوا إليه. وإما متصلة بقوله: ويستعجلونك ~~يعني أنه تعالى عالم بجميع المعلومات. فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما ~~يعلم أن فيه مصلحة. # ثم إن لفظ (ما) في قوله تعالى: ما تحمل مصدرية أو موصولة، أي: # حملها أو ما تحمله من الولد: على أي حالة هو من ذكورة وأنوثة، وتمام ~~وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر ... وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة. # وما تغيض الأرحام أي: تنقص من الحمل وما تزداد أي: تأخذه زائدا. # قال الزمخشري: ومما تنقصه الرحم وتزداده، عدد الولد فإنها تشمل على واحد. ~~وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة. ويروى أن شريكا كان رابع أربعة في # PageV06P262 # بطن أمه، ومنه جسد الولد فإنه يكون تاما ومخدجا. ومنه مدة ولادته فإنها ~~تكون أقل من تسعة أشهر. وأزيد عليها، ومنه الدم فإنه يقل ويكثر. # وكل شيء عنده بمقدار أي: بقدر وحد لا ms2841 يجاوزه حسب قابليته كقوله تعالى: ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر [القمر: 49] ، وقوله: وخلق كل شيء فقدره تقديرا ~~[الفرقان: 2] ، وذلك أنه تعالى خص كل مكون بوقت وحل معينين، وهيأ لوجوده. ~~وبقائه أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك: عالم الغيب أي ما غاب عن الحس ~~والشهادة أي ما شهده الحس الكبير أي العظيم الشأن الذي كل شيء دونه المتعال ~~أي المستعلى على كل شيء بقدرته. أو المنزه عن صفات المخلوقين، المتعالي ~~عنها. # وأكثر القراء على حذف ياء المتعال تخفيفا، وصلا ووقفا، وقرئ بإثباته ~~فيهما على الأصل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 10] # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~(10) # سواء منكم من أسر القول أي في نفسه ومن جهر به أي لغيره ومن هو مستخف ~~بالليل أي: طالب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته وسارب بالنهار أي: ذاهب ~~في سربه، أي في طريقه يبصره كل أحد. ### | لطيفة: # قيل: إن (سواء) بمعنى الاستواء وهو يقتضي ذكر شيئين، وهنا إذا كان (سارب) ~~معطوفا على جزء الصلة أو الصفة، يكون شيئا واحدا. # وأجيب عنه بوجهين: (الأول) أن (سارب) معطوف على (من هو) لا على (مستخف) ~~كأنه قيل: سواء منكم إنسان هو مستخف وآخر هو سارب. و (الثاني) أنه عطف على ~~(مستخف) . إلا أن (من) في معنى الاثنين كقوله: # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # كأنه قيل: سواء منكم اثنان هما مستخف وسارب. وعلى الوجهين (من) موصوفة لا ~~موصولة. فيحمل الأولان على ذلك ليتوافق الكل. # وهناك وجه آخر وهو أن يكون الموصول محذوفا وصلته باقية والمعنى: ومن # PageV06P263 # هو مستخف بالليل ومن سارب بالنهار. وحذف الموصول المعطوف وبقاء صلته ~~شائع. خصوصا وقد تكرر الموصول في الآية ثلاثا. ومنه قوله تعالى وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم [الأحقاف: 9] . والأصل: ولا ما يفعل بكم. وإلا كان حرف ~~النفي دخيلا في غير موضعه. لأن الجملة الثانية لو قدرت داخلة في صلة الأول ~~بواسطة العاطف، لم يكن للنفي موقع وإنما صحب ms2842 في الأول الموصول لا الصلة، ~~ومنه قول حسان رضي الله عنه: # فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء! # أي: ومن يمدحه وينصره. # وهذا الأخير نقله الناصر في (الانتصاف) وهو وجيه جدا. وأما تضعيف غيره ~~له، بلزوم حذف الموصول وصدر الصلة معا، وأن النجاة، وإن ذكروا جواز كل ~~منهما، لكن اجتماعهما منكر- فهو المنكر. لأن أسلوب التنزيل هو الحجة، وإليه ~~التحاكم في كل فن ومحجة، والجمود على القواعد ورد ما خالفها، إليها- من ~~التعصب واللجاج، والغفلة عن مقام التنزيل في الاحتجاج!. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 11] # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) # له معقبات أي: لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب، ملائكة يتعاقبون عليه من ~~بين يديه ومن خلفه أي من جوانبه كلها، أو من أعماله، ما قدم وأخر يحفظونه ~~من أمر الله أي: يراقبون ما يلفظ من قول وما يأتي من عمل، خيرا أو شرا، ~~بأمره وإذنه، أو من أجل أمره لهم بحفظه. ف (من) تعليلية أو بمعنى باء ~~السببية ولا فرق بين العلة والسبب عند النجاة، وإن فرق بينهما أهل المعقول. # وفي (الصحيح) «1» : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. ~~ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر. فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم، ~~وهو أعلم PageV06P264 # بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقول: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. # وفي الحديث الآخر «1» : إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء، وعند ~~الجماع فاستحيوهم وأكرموهم!. # و (المعقبات) جمع معقبة من (عقب) مبالغة في (عقب) فالتفعيل للمبالغة ~~والزيادة في التعقيب فهو تكثير للفعل أو الفاعل، لا للتعدية. لأن ثلاثيه ~~متعد بنفسه أصل معنى (العقب) مؤخر الرجل. ثم تجوز به عن كون الفعل بغير ~~فاصل ومهلة. # كأن أحدهم يطأ عقب الآخر. قال الراغب: عقبه إذا تلاه. نحو دبره وقفاه ~~وقيل: هو من ms2843 (اعتقب) أدغمت التاء في القاف وردوه بأن التاء لا تدغم في ~~القاف من كلمة أو كلمتين. وقد قال أهل التصريف: إن القاف والكاف، كل منهما ~~يدغم في الآخر ولا يدغمان في غيرهما. والتاء في (معقبة) واحدة (المعقبات) ~~للمبالغة لا للتأنيث، لأن الملائكة لا توصف به. مثل نسابة وعلامة. أو هي ~~صفة جماعة وطائفة. ومن بين يديه ظرف مستقر صفة معقبات أو ظرف لغو متعلق ~~بها. # و (من) لابتداء الغاية أو حال من الضمير الذي في الظرف الواقع خبرا. ~~والكلام على هذه الأوجه يتم عند قوله ومن خلفه. ويجوز أن يكون ظرفا ل ~~يحفظونه أي: # معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، أي تحفظ ما قدم وأخر من الأعمال، ~~كناية عن حفظ جميع أعماله، ويجوز أن يكون يحفظونه صفة ل معقبات أو حالا من ~~الظرف قبله، بمعنى أن المعقبات محيطة بجميع جوانبه. ### | ### | تنبيه # ات: # الأول- ما قدمناه في معنى الآية هو الأشهر. وعن ابن عباس: هو السلطان ~~الذي له حرص من بين يديه ومن خلفه. # قال الزمخشري: أي يحفظونه في توهمه وتقديره، من أمر الله. أي من قضاياه ~~ونوازله. أو على التهكم به. # قال الرازي: وهذا القول اختاره أبو مسلم الأصفهاني. والمعنى: أنه يستوي ~~في علم الله تعالى السر والجهر. والمستخفي بظلمة الليل والسارب المستظهر ~~بالأعوان والأنصار. وهم الملوك والأمراء! فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله ~~أمره، ومن سار نهارا بالمعقبات وهم، الحراس والأعوان الذين يحفظونه- لم ~~ينجه حرسه من الله تعالى! PageV06P265 # والمعقب العون. لأنه إذا أبصر هذا ذاك، فلا بد أن يبصر ذاك هذا، فتصير ~~بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخر، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء ~~الله ومن قدره! وهم وإن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه، ~~فإنهم لا يقدرون على ذلك البتة! والمقصود من هذه الجملة: بعث السلاطين ~~والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره، عن حفظ الله وعصمته، ~~ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار، ولذلك قال تعالى بعد: وإذا أراد ~~الله بقوم ms2844 سوءا ... الآية. # الثاني: قدمنا أن الضمير في له معقبات لمن أسر أو جهر.. إلخ. وأرجعه ~~بعضهم لله، وما بعده (لمن) . قال الشهاب: فيه تفكيك للضمائر من غير داع. # وقيل: الضمير (لمن) الأخير، وقيل: للنبي لأنه معلوم من السياق. # الثالث- أشار الرازي في معنى الآية الأشهر إلى سر اختصاص الحفظة ببني ~~آدم، ما ملخصه: إنهم يدعون إلى الخيرات والطاعات بما يجده المرء من الدواعي ~~القلبية إليها، وإن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى ~~الحذر من المعاصي أقرب. لأن من آمن، يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم، ~~فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها، زجره الحياء منهم عن ~~الإقدام عليها، كما يزجره عنه إذا حضره من يعظمه من البشر. وإذا علم أن ~~الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال، كان ذلك أيضا رادعا له عنها. وإذا علم أن ~~الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل.! # إن الله لا يغير ما بقوم أي: من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~أي: من الأعمال الصالحة أو ملكاتها، التي هي فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها إلى أضدادها وإذا أراد الله بقوم سوءا أي: لسوء اختيارهم واستحقاقهم ~~لذلك فلا مرد له أي: فلا رد لقضائه فيهم وما لهم من دونه من وال أي: يلي ~~أمرهم فيدفع عنهم السوء الذي أراده الله بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما ~~بهم. وفيه دلالة على أن تخلف مراده تعالى محال. وإيذان بأنهم بما باشروه من ~~إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية. قد غيروا ما بأنفسهم من ~~الفطرة، واستحقوا لذلك حلول غضب الله تعالى وعذابه- أفاده أبو السعود. ### | تنبيه: # في هذه الآية وعيد شديد وإنذار رهيب قاطع، بأنه إذا انحرف الآخذون بالدين ~~والمنتمون إليه عن جادته المستقيمة، ومالوا مع الأهواء، وتركوا التمسك ~~بآدابه # PageV06P266 # وسنته القويمة، حل بهم ما ينقلهم إلى المحن والبلايا، ويفرق كلمتهم، ~~ويوهي قوتهم، ويسلط عدوهم! # وفي حديث قدسي عند ابن أبي حاتم: ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على ~~طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله، ms2845 إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ~~ما يكرهون. # ولابن أبي شيبة: ما من قرية ولا أهل بيت، كانوا على ما كرهت من معصيتي، ~~ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي، ~~إلى ما يحبون من رحمتي # . وقال القاشاني: لا بد في تغيير النعم إلى النقم، من استحقاق جلي أو ~~خفي. # وعن بعض السلف: إن الفارة مزقت خفي. وما أعلم ذلك إلا بذنب أحدثته، وإلا ~~ما سلطها الله علي! وتمثل بقول الشاعر: # لو كنت من مازن لم تستبح إيلي # أقول: المنقول عن بعض السلف مجمول على شدة الخوف منه تعالى، وإلا ~~فالتحقيق الفرق بين ما ينال الشخص والقوم، كما أشارت له الآية. وقد جود ~~الكلام في ذلك، الإمام، مفتي مصر في (رسالة التوحيد) في بحث الدين الإسلامي ~~فقال: # كشف الإسلام عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير ~~(العالم) والكون الصغير (الإنسان) . فقرر أن آيات الله الكبرى في صنع ~~العالم إنما يجري أمرها على السنن الإلهية! التي قدرها الله في علمه ~~الأزلي. لا يغيرها شيء من الطوارئ الجزئية. غير أنه لا يجوز أن يغفل شأن ~~الله فيها. بل ينبغي أن يحيي ذكره عند رؤيتها، # فقد جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر آيتان من ~~آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله» «1» # . وفيه التصريح بأن جميع آيات الكون تجري على نظام واحد لا يقضي فيه إلا ~~العناية الأزلية على السنن التي أقامته عليها. ثم أماط اللثام عن حال ~~الإنسان في النعم التي يتمتع بها الأشخاص أو الأمم، والمصائب التي يرزؤن ~~بها. ففصل بين الأمرين (الأشخاص والأمم) فصلا لا مجال معه للخلط بينهما. ~~PageV06P267 # فأما النعم التي يمتع الله بها بعض الأشخاص في هذه الحياة، والرزايا التي ~~يرزأ بها في نفسه فكثير منها كالثروة والجاه والقوة والبنين، أو الفقر ~~والضعة والضعف والفقد، وقد لا يكون كاسبها أو جالبها ما عليه الشخص في ~~سيرته ms2846 من استقامة أو عوج أو طاعة وعصيان! وكثيرا ما أمهل الله بعض الطغاة ~~البغاة، أو الفجرة الفسقة. # وترك لهم متاع الحياة الدنيا.، إنظارا لهم، حتى يتلقاهم ما أعد لهم من ~~العذاب المقيم في الحياة الأخرى! وكثيرا ما امتحن الله الصالحين من عباده، ~~وأثنى عليهم في الاستسلام لحكمه، وهم الذين إذا أصابتهم مصيبة، عبروا عن ~~إخلاصهم في التسليم بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون! فلا غضب زيد. ولا رضا ~~عمرو، ولا إخلاص سريرة، ولا فساد عمل مما يكون له دخل في هذه الرزايا، ولا ~~في تلك النعم الخاصة، اللهم إلا فيما ارتباطه بالعمل ارتباط المسبب بالسبب ~~على جاري العادة. # كارتباط الفقر بالإسراف، والذل بالجبن، وضياع السلطان بالظلم. وكارتباط ~~الثروة بحسن التدبير في الأغلب. والمكانة عند الناس بالسعي في مصالحهم على ~~الأكثر. # وما يشبه ذلك مما هو مبين في علم آخر..! # أما شأن الأمم فليس على ذلك فإن الروح الذي أودعه الله جميع شرائعه ~~الإلهية: من تصحيح الفكر، وتسديد النظر، وتأديب الأهواء، وتحديد مطامح ~~الشهوات، والدخول إلى كل أمر من بابه، وطلب كل رغيبة من أسبابها، وحفظ ~~الأمانة، واستشعار الأخوة، والتعاون على البر، والتناصح في الخير والشر، ~~وغير ذلك من أصول الفضائل: ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم، ومشرق سعادتها في ~~هذه الدنيا قبل الآخرة ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها [آل عمران: 145] ، ~~ولن يسلب الله عنها نعمته ما دام هذا الروح فيها. يزيد الله النعم بقوته ~~وينقصها بضعفه حتى إذا فارقها ذهبت السعادة على أثره وتبعته الراحة إلى ~~مقره! واستبدل الله عزة القوم بالذل، وكثرهم بالقل، ونعيمهم بالشقاء، ~~وراحتهم بالعناء، وسلط عليهم الظالمين أو العادلين فأخذهم بهم وهم في غفلة ~~ساهون: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا # [الإسراء: 16] ، أمرناهم بالحق ففسقوا عنه إلى الباطل، ثم لا ينفعهم ~~الأنين، ولا يجديهم البكاء، ولا يفيدهم ما بقي من صور الأعمال ولا يستجاب ~~منهم الدعاء ولا كاشف لما نزل بهم إلا أن يلجئوا إلى ذلك الروح ms2847 الأكرم ~~فيستنزلوه من سماء الرحمة يرسل الفكر والذكر والصبر والشكر إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 62] ، وما أجل ما قاله العباس بن عبد # PageV06P268 # المطلب في استسقائه. اللهم! إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يرفع إلا ~~بتوبة..! # على هذه السنن، جرى سلف الأمة، فبينما كان المسلم يرفع روحه بهذه العقائد ~~السامية. ويأخذ نفسه بما يتبعها من الأعمال الجليلة كان غيره يظن أنه يزلزل ~~الأرض بدعائه، ويشق الفلك ببكائه، وهو ولع بأهوائه. ماض في غلوائه، وما كان ~~يغني عنه ظنه من الحق شيئا..! # ولما خوف تعالى العباد بإنزال ما لا مرد له، أتبعه ببيان آيات قدرته ~~وقهره وجلاله. # فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 13] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد ~~بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال (13) # هو الذي يريكم البرق خوفا أي من الصواعق وطمعا أي المطر أن يحيي النبات ~~وينشئ السحاب الثقال أي الماء ويسبح الرعد بحمده أي يسبح سامعوه من العباد ~~الراجين للمطر متلبسين بحمده، أي: يضجون ب (سبحان الله والحمد لله) فيكون ~~على حذف مضاف أو إسنادا مجازيا للحامل والسبب، أو يسبح الرعد نفسه، بمعنى ~~دلالته على وحدانيته تعالى وفضله، المستوجب لحمده. فيكون الإسناد على ~~حقيقته والتجوز في التسبيح والتحميد. إذ شبه دلالته بنفسه على تنزيهه عن ~~الشرك والعجز بالتسبيح والتنزيه اللفظي. ودلالته على فضله ورحمته، بحمد ~~الحامد لما فيها من الدلالة على صفات الكمال. # قال الرازي: الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص. والتسبيح والتقديس وما يجري ~~مجراهما. ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه ~~وتعالى. فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود متعالي عن النقص والإمكان، ~~كان ذلك في الحقيقة تسبيحا وهو معنى قوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~[الإسراء: 44] . # والملائكة من ms2848 خيفته أي: وتسبح الملائكة من خوف الله تعالى وخشيته # PageV06P269 # وإجلاله ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء أي: فيهلك بها من يشاء. وقوله ~~تعالى: وهم يجادلون في الله يعني الكفرة المخاطبين في قوله تعالى: هو الذي ~~يريكم البرق وقد التفت إلى الغيبة إيذانا بإسقاطهم عن درجة الخطاب وإعراضا ~~عنهم، وتعديدا لجناياتهم لدى كل من يستحق الخطاب. كأنه قيل: هو الذي يفعل ~~أمثال هذه الأفاعيل العجيبة، من إراءة البرق وإنشاء السحاب الثقال وإرسال ~~الصواعق الدالة على كمال علمه وقدرته. ويعقلها من يعقلها من المؤمنين أو ~~الرعد نفسه والملائكة. ويعملون بموجب ذلك من التسبيح والحمد والخوف من ~~هيبته تعالى و (هم) أي الكفرة الذين حكيت هناتهم مع ذلهم وهوانهم وحقارة ~~شأنهم، يجادلون في شأنه تعالى، بإنكار البعث واستعجال العذاب، استهزاء ~~واقتراح الآيات. قالوا ولعطف الجملة على ما قبلها من قوله تعالى: هو الذي ~~يريكم. أفاده أبو السعود. # أي: يريكم ما ذكر من الآيات الباهرة الدالة على القدرة والوحدانية. وأنتم ~~تجادلون فيه و (الجدال) أشد الخصومة، من (الجدل) بالسكون- وهو فتل الحبل ~~ونحوه لأنه يقوى به وتشتد طاقته. وهو شديد المحال أي: والحال أنه شديد ~~المماحلة والمماكرة والمكايدة لأعدائه. يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون ~~من (محله) إذا كاده وعرضه للهلاك، ومنه (تمحل لكذا) إذا تكلف استعمال ~~الحيلة واجتهد فيه. ### | تنبيه: # ذكر في العلم الطبيعي: أن الصواعق شرارات تنطلق دفعة واحدة من تموجات ~~السحب ومصادمتها لبعضها: فيحصل في الهواء اهتزاز قوي، وأما الرعد فهو الصوت ~~الذي يحصل من ذلك الانطلاق ويصل إلينا ببطء على حسب بعد السحب الحاملة ~~للصواعق عنا. وعلى حسب اتساع السحب، يطول سماعنا لصوت الرعد وإذا لمع البرق ~~من السحابة، فقد تمت نتائج الصاعقة فمتى مضت برهة لطيفة بين لمعان البرق ~~وسماع الرعد، فقد أمن ضررها. فإن لم يمض بينهما شيء، بأن كان الإنسان قريبا ~~من محل الصاعقة وسمع الرعد مع مشاهدة البرق في آن واحد، أمكن أن يصاب ~~بالصاعقة في مرورها. وأما سبب انفجار الصاعقة فقالوا: من المعلوم أن انطلاق ~~الكهربائية ms2849 إنما يحصل باتحاد كهربائية الأجسام مع بعضها، فإذا قرب السحاب ~~من الأجسام الأرضية طلبت الكهربائية السحابية أن تتحد بالكهربائية الأرضية ~~فتنبجس # PageV06P270 # بينهما شرارة كهربائية هي البرق. وحينئذ يقال: إن الأجسام الأرضية صعقت: ~~هذا مجمل ما قالوه: # وقد حاول الرازي الجمع بين ما روي عن بعض السلف: أن الرعد ملك، وبين ما ~~ثبت في العلم الطبيعي بما يدفع المنافاة فقال: اعلم أن المحققين من الحكماء ~~يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح ~~معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار ~~العلوية. قال: وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح ~~الله، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون من ~~الحكماء. فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟ انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 14] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) # له دعوة الحق أي: الدعاء الحق بالعبادة والتضرع والإنابة وتوجيه الوجه ~~ثابت له تعالى لا لغيره. لأنه الذي يجيب المضطر ويكشف السوء فهو الحقيق بأن ~~يعبد وحده بالدعاء والالتجاء. فإضافة الدعوة للحق من إضافة الموصوف للصفة. # وفيها إيذان بملابستها للحق، واختصاصها به، وكونها بمعزل من شائبة ~~البطلان والضياع والضلال. كما يقال: كلمة الحق. # ثم بين تعالى مثال من يعبد من الأصنام ويدعي، في عدم النفع والجدوى ~~بقوله: والذين يدعون من دونه أي: الأصنام الذين يدعوهم المشركون من دونه ~~تعالى: لا يستجيبون لهم بشيء أي: من مطلوباتهم إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه وما هو ببالغه أي: إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه أي كاستجابة ~~الماء لمن مد يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط ~~كفه ولا بظمئه وحاجته إليه فلا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما ~~يدعونه، جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ms2850 ولا يقدر على نفعهم! ~~والغرض نفي الاستجابة على القطع بتصوير أنهم أحوج ما يكونون إليها تحصيل ~~مباغيهم، أخيب ما يكون أحد في سعيه لما هو مضطر إليه فضلا عن مجرد الحاجة، ~~وحاصله: أنه شبه آلهتهم- # PageV06P271 # حين استكفائهم إياهم ما أهمهم بلسان الاضطرار في عدم الشعور فضلا عن ~~الاستطاعة للاستجابة، وبقائهم لذلك في الخسران- بحال ماء بمرأى من عطشان ~~باسط كفيه إليه يناديه عبارة وإشارة. فهو لذلك في زيادة ظمأ وشدة خسران! ~~والتشبيه على هذا من المركب التمثيلي في الأصل، أبرز في معرض التهكم حيث ~~أثبت للماء استجابة، زيادة في التخسير والتحسير. فالاستثناء مفرغ من أعم ~~عام المصدر، أي: لا يستجيبون شيئا من الاستجابة والضمير في (هو) للماء و ~~(بالغه) للفم، وقيل: الأول للباسط والثاني للماء. وبسط الكف: نشر الأصابع ~~ممدودة كما في قوله: # تعود بسط الكف حتى لو أنه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله # وما دعاء الكافرين أي: عبادتهم والتجائوهم لآلهتهم إلا في ضلال أي: # في ضياع لا منفعة فيه لعدم إمكان إجابتهم. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 15] # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ~~إخبار عن عظمته تعالى وسلطانه الذي قهر كل شيء، بأنه يقاد لجلاله وإرادته ~~وتصريفه المكونات بأسرها من أهل الملإ الأعلى والأسفل، طائعين وكارهين لا ~~يقدرون أن يمتنعوا عليه، وكذا تنقاد له تعالى ظلالهم حيث تتصف على مشيئته ~~في الامتداد والتقلص والفيء والزوال! وقوله بالغدو والآصال إما ظرف ل ~~(يسجد) والباء بمعن (في) والمراد بهما الدوام لأنه يذكر مثله للتأييد وإما ~~حال من (الظلال) والمراد ما ذكر. أو يقال التخصيص لأن امتدادها وتقلصها ~~فيهما أظهر. هذا ما جرى عليها الأكثر في معنى (السجود) فيكون استعارة ~~للانقياد المذكور، أو مجازا مرسلا لاستعماله في لازم معناه، لأن الانقياد ~~مطلقا، لازم للسجود. # وفي (تنوير الاقتباس) : تأويل السجود بالصلاة والعبادة وجعل (طوعا وكرها) ~~نشرا على ترتيب اللف. قال (طوعا) أهل السماء من ms2851 الملائكة لأن عبادتهم بغير ~~مشقة و (كرها) أهل الأرض لأن عبادتهم بالمشقة، ثم قال. ويقال (طوعا) لأهل ~~الإخلاص و (كرها) لأهل النفاق. ثم قال: (وظلالهم) يعني وظلال من يسجد لله # PageV06P272 # أيضا، وتسجد غدوة عن أيمانهم، وعشية عن شمائلهم. # قال أبو السعود: وقد قيل: إن المراد حقيقة السجود، فإن الكفرة حال ~~الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى: وكرها يخصون السجود به سبحانه. قال ~~تعالى: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين [العنكبوت: 65] ، ~~ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال أفهاما وعقولا بها تسجد لله سبحانه، ~~كما خلقها للجبال حتى اشتغلت بالتسبيح وظهر فيها آثار التجلي كما قاله ابن ~~الأنباري. ويجوز أن يراده بسجودها ما يشهد فيها من هيئة السجود تبعا ~~لأصحابها. وأنت خبير بأن اختصاص سجود الكافر، حالة الضرورة والشدة، فالله ~~سبحانه لا يجدي، فإن سجودهم لأصنامهم حالة الرخاء مخل بالقصر المستقاد من ~~تقديم الجار والمجرور، فالوجه حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد ~~الكل في إبداع والإعدام له تعالى، أدخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من ~~دونه من تحقيق سجودهم له تعالى. # وتخصيص انقياد العقلاء بالذكر مع كون غيرهم أيضا كذلك لأنهم العمدة. # وانقيادهم دليل انقياد غيرهم. انتهى. # وهذه الآية كقوله تعالى: وله أسلم من في السماوات والأرض [آل عمران: 83] ~~، وقوله: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله.. # [النحل: 48] الآية. ### | تنبيه: # هذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عقد ~~قراءته واستماعه لهذه السجدة- كذا في (اللباب) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 16] # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) # قل من رب السماوات والأرض أي خالقهما قل الله أمر بالجواب من قبله صلى ~~الله عليه وسلم، إشعارا بتعينه للجواب، فهو والخصم ms2852 في تقريره سواء. أو أمره ~~بحكاية # PageV06P273 # اعترافهم، إيذانا بأنه أمر لا بد لهم منه. كأنه قيل: احك اعترافهم فبكتهم ~~بما يلزمهم من الحجة قل أي: إلزاما لهم وتبكيتا أفاتخذتم من دونه أولياء ~~أي: أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض، عبدتم من دونه غيره فجعلتم ما كان ~~يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم، سبب الإشراك؟ أفاده الزمخشري. # لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا أي: لا يقدرون على نفع أنفسهم ولا على ~~دفع الضر عنها. فكيف يستطيعونه لغيرهم! فإذن عبادتهم محض العبث والسفه! قل ~~هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور لما بين ضلالهم وفساد ~~رأيهم في الحجة المذكورة، بين أن الجاهل بها يكون كالأعمى، والعالم بها ~~كالبصير، والجهل بمثلها كالظلمات، والعلم بها كالنور! وكما أن كل أحد يعلم ~~بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير والظلمة لا تساوي النور، كذلك كل أحد ~~يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها! أم جعلوا لله ~~شركاء أي: # بل أجعلوا، والهمزة للإنكار وقوله: خلقوا كخلقه صفة ل (شركاء) داخلة في ~~حكم الإنكار فتشابه الخلق عليهم أي: خلق الله وخلقهم والمعنى: أنهم ما ~~اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا هؤلاء خلقوا ~~كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها. ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا ~~يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلا عما يقدر عليه الخالق. # قال الناصر: وفي قوله تعالى: خلقوا كخلقه في سياق الإنكار، تهكم بهم، لأن ~~غير الله لا يخلق خلقا البتة، لا بطريق المشابهة والمساواة لله، تقدس عن ~~التشبيه ولا بطريق الانحطاط والقصور. فقد كان يكفي في الإنكار عليهم، أن ~~الشركاء التي اتخذوها لا تخلق مطلقا، ولكن جاء في قوله تعالى: كخلقه تهكم ~~يزيد الإنكار تأكيدا! قل الله خالق كل شيء أي: لا خالق غير الله، ولا ~~يستقيم أن يكون له شريك في الخلق فلا يكون له شريك في العبادة! وهو الواحد ~~أي. المتوحد بالربوبية القهار الذي لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور! ثم ms2853 ~~ضرب تعالى مثلين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه بقوله: # PageV06P274 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 17] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) # أنزل من السماء أي المزن ماء أي مطرا فسالت أودية بقدرها أي: # بمقدار ملئها في الصغر والكبر، أي أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع ~~كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره فاحتمل السيل زبدا رابيا أي: فحمل ~~ورفع، من الذهب والفضة والنحاس، مما يسبك في النار ابتغاء حلية أي: طلب ~~زينة أو متاع كالأواني وآلات الحرب والحرث زبد مثله أي: مثل زبد السيل: وهو ~~خبثه الذي ينفيه الكير كذلك يضرب الله الحق والباطل أي مثلهما، أي: إذا ~~اجتمعا لا ثبات الباطل ولا دوام، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع ~~الذهب والفضة ونحوهما، مما يسبك في النار بل يذهب ويضمحل. وقد بين ذلك ~~بقوله تعالى: # فأما الزبد فيذهب جفاء أي مقذوفا مرميا به، أي: فلا ينتفع به بل يتفرق ~~ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح. وكذلك خبث ما ~~يوقد عليه من المعادن يذهب ولا يرجع منه شيء، ولا يبقى إلا ما ينتفع به من ~~الماء والمعدن كما قال: وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض أي يبقى فيها ~~منتفعا به كذلك يضرب الله الأمثال إلى أمثال الحق والباطل! ### | تنبيهات: # الأول- قدمنا أن هذه الآية مثل ضربه الله للحق وأهله. والباطل وحزبه، كما ~~ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلا لهما. فمثل الحق وأهله بالماء ~~الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع ~~المنافع. وبالمعدن الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني ~~والآلات المختلفة، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا. يثبت الماء في ~~مناقعه ويسلك بعضه ms2854 في عروق الأرض إلى العيون والقنى والآبار. وكذلك المعدن ~~يبقى أزمنة متطاولة وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن ~~المنفعة، بزبد السيل وخبث المعدن. فإنه- وإن علا وارتفع وانتفخ- إلا أنه ~~أخيرا يضمحل وكذلك الشبهات # PageV06P275 # والتمويهات الزائفة قد تقوى وتعظم. إلا أنها في الآخرة تبطل وتضمحل ~~وتزول. # ويبقى الحق ظاهرا لا يشوبه شيء من الشبهات. لأنه لا بقاء إلا للنافع وما ~~تصارع الحق والباطل، إلا وفاز الحق بقرنه..! # الثاني- قوله تعالى: بقدرها صفة (أودية) ، أو متعلق ب (سالت) أو (أنزل) . ~~وقرأ عامة القراء بفتح الدال، وقرأ زيد بن علي والأشهب وأبو عمرو، في ~~رواية، بسكونها. # الثالث- قوله تعالى: فاحتمل بمعنى حمل، فالمزيد بمعنى المجرد- كذا قيل. ~~ويظهر لي: أن إيثاره عليه لزيادة في معناه، وقوة في مبناه!. # الرابع- الأودية جمع واد. وهو مفرج بين جبال أو تلال أو آكام. والإسناد ~~إليه مجاز عقلي، كما في (جرى النهر) . # قال السمين: وإنما نكر الأودية وعرف السيل، لأن المطر ينزل في البقاع على ~~المناوبة فيسيل في بعض أودية الأرض دون بعض. وتعريف السيل لأنه قد فهم من ~~الفعل قبله وهو (فسالت) وهو لو ذكر لكان نكرة. فلما أعيد أعيد بلفظ التعريف ~~نحو: رأيت رجلا فأكرمت الرجل. انتهى. # وأصله لأبي حيان حيث قال: عرف السيل لأنه عنى به ما فهم من الفعل. # والذي يتضمنه الفعل من المصدر وإن كان نكرة، إلا أنه إذا عاد في الظاهر ~~كان معرفة. كما كان لو صرح به نكرة. وكذا يضمر إذا عاد على ما دل عليه ~~الفعل من المصدر نحو: من كذب كان شرا له، أي الكذب. ولو جاء هنا مضمرا لكان ~~جائزا عائدا على المصدر المفهوم من (فسالت) وأورد عليه: أنه كيف يجوز أن ~~يعني به ما فهم من الفعل وهو حدث، والمذكور المعرف عين، فإن المراد به ~~الماء السائل؟ # وأجيب: بأنه بطريق الاستخدام! قال الشهاب: وهو غير صحيح، لا تكلف- كما ~~قيل- لأن الاستخدام أن يذكر لفظ بمعنى ويعاد عليه ضمير بمعنى آخر. سواء كان ~~حقيقيا أو مجازيا وهذا ليس كذلك. لأن ms2855 الأول مصدر، أي حدث في ضمن الفعل، ~~وهذا اسم عين ظاهر يتصف بذلك الحدث، فكيف يتصور فيه الاستخدام؟ نعم! ما ~~ذكروه أغلبي لا مختص بما ذكر، فإن مثل الضمير اسم الإشارة، وكذا اسم الظاهر ~~كما في قول بعضهم: # أخت الغزالة إشرافا وملتفتا # PageV06P276 # فالحق أنه إنما عرف لكونه معهودا مذكورا بقوله أودية وإنما لم يجمع لأنه ~~مصدر بحسب الأصل. # الخامس- قوله تعالى: ومما يوقدون عليه في النار جملة أخرى معطوفة على ~~الجملة الأولى، لضرب مثل آخر. و (زبد) مبتدأ قدم عليه خبره، (من) في (مما) ~~للابتداء أي: نشأ منه، وجوز كونها للتبعيض أي: هو بعضه ورده أبو السعود ~~بأنه يخل بالتمثيل. وقوله في النار صفة مؤسسة لأن الموقد عليه يكون في ~~النار وملاصقا لها، وقيل: إنها مؤكدة. وقال أبو السعود: في زيادة النار ~~إشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصول الزبد. وعدم التعرض لإخراجه من ~~الأرض لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل، كما أن لعنوان إنزال الماء من ~~السماء دخلا فيه حسبما فصل فيما سلف، بل له إخلال بذلك. وسر التعبير ~~الموصول في قوله: ومما يوقدون.. # إلخ، الإيجاز بجمعه لأنواع المعادن مع إظهار الكبرياء بالتهاون بها، كأن ~~أشرف الجواهر خسيس عنده تعالى، إذا عبر عن سبكه بإيقاد النار به، المشعر ~~بأنه كالحطب الخسيس، وصوره بحالة هي أحط حالاته. وهذا لا ينافي كونه ضرب ~~مثلا للحق. لأن مقام الكبرياء يقتضي التهاون به، مع الإشارة إلى كونه ~~مرغوبا فيه متنفعا به بقوله: # ابتغاء حلية أو متاع فوفى كلا من المقامين حقه. # السادس- قدمنا أن قوله تعالى: كذلك يضرب الله الحق والباطل على حذف مضاف، ~~أي مثلهما، وسر الحذف الإنباء عن إكمال التماثل بين الممثل والممثل به، كأن ~~المثل المضروب عين الحق والباطل!. # السابع: بدأ بالزبد في البيان في قوله: فأما الزبد وهو متأخر في الكلام ~~السابق، لأن في التقسيم يبدأ بالمؤخر كما في قوله: يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه فأما الذين اسودت ... إلخ [آل عمران: 106] ، وقد راعى الترتيب فيه، ~~ولك أن تقول النكتة فيه أن الزبد ms2856 هو الظاهر المنظور أولا. وغيره باق متأخر ~~في الوجود لاستمراره. والآية من الجمع والتقسيم، على ما فصله الطيبي- كذا ~~في (العناية) . # الثامن- قوله تعالى: كذلك يضرب الله الأمثال تفخيم لشأن هذا التمثيل ~~وتأكيد لقوله: كذلك يضرب الله الحق والباطل إما باعتبار ابتناء هذا على ~~التمثيل الأول، أو بجعل ذلك إشارة إليهما- كذا في أبي السعود. # التاسع- أشار الحافظ ابن كثير إلى كثرة ضرب الأمثال النارية والمائية في ~~التنزيل والسنة، قال: # PageV06P277 # وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة مثلين- ناري ومائي- وهو قوله ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ... # [البقرة: 17] الآية، ثم قال: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ... # [البقرة: 19] الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين أحدهما قوله ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب ... [النور: 39] الآية، والسراب إنما يكون في ~~شدة الحر ولهذا جاء في (الصحيحين) : (فيقال لليهود يوم القيامة: فما ~~تريدون؟ # فيقولون؟ أي ربنا! عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار، فإذا ~~هي كسراب يحطم بعضها بعضا) «1» . ثم قال تعالى في المثل الآخر أو كظلمات في ~~بحر لجي ... [النور: 40] الآية، # وفي (الصحيحين) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب ~~أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها ~~أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا. وأصابت ~~طائفة منها أخرى. أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ! فذلك مثل من فقه ~~في دين الله ونفعه الله بما بعثني، ونفع به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع ~~بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به، فهذا مثل الماء. «2» . # وفي (مسند الإمام أحمد) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش ~~وهذه الدواب التي يقعن في النار، يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن ~~فيها. قال: فذلكم مثلي ms2857 ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار! ~~فتغلبوني فتتقحمون فيها «3» ... وأخرجاه في (الصحيحين) «4» أيضا. فهذا مثل ~~ناري. # انتهى. PageV06P278 # ولما بين سبحانه شأن كل من الحق والباطل حالا ومآلا، تأثره ببيان حال أهل ~~كل منهما مآلا. ترغيبا وترهيبا. بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 18] # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) # للذين استجابوا لربهم الحسنى أي: للمؤمنين الذين استجابوا لربهم بطاعته ~~وطاعة رسوله، المثوبة الحسنى كما قال تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~[يونس: 26] ، فالحسنى مبتدأ قدم عليه خبره الموصول والذين لم يستجيبوا له ~~وهم الكفرة لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أي: بما في ~~الأرض ومثله معه من أصناف الأموال، ليتخلصوا عما بهم، وفيه من تهويل ما ~~يلقاهم ما لا يحيط به البيان ولأجله عدل عن أن يقال: وللذين لم يستجيبوا ~~السوءى، كما تقتضيه المقابلة أولئك لهم سوء الحساب أي: في الدار الآخرة. ~~فيناقشون على الجليل والحقير ومأواهم جهنم وبئس المهاد أي: المستقر. وفي ~~قوله: ومأواهم جهنم إشعار بتفسير الحسنى بالجنة، لانفهامها من مقابلتها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 19] # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب (19) # أفمن يعلم أي يصدق أنما أنزل إليك من ربك يعني القرآن الحق كمن هو أعمى ~~أي: كمن لا يعلم ذلك، إلا أنه أريد تقبيح حاله فعبر عنه بالأعمى إنما يتذكر ~~أولوا الألباب أي: العقول المبرأة عن مشايعة الإلف ومتابعة الوهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 20] # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) # الذين يوفون بعهد الله أي: مما كلفهم به ولا ينقضون الميثاق أي: ما وثقوه ~~على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين العباد، ~~وهو تعميم بعد تخصيص، وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل- ~~أفاده أبو ms2858 السعود. # PageV06P279 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 21] # والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ~~(21) # والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل أي: من أرحامهم وقراباتهم وإخوانهم ~~المؤمنين، بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم ~~والنصيحة لهم وكف الأذى عنهم ويخشون ربهم أي: يعملون له أو يخافون وعيده ~~فلا يعصونه فيما أمر ويخافون سوء الحساب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 22] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أي: يدفعون بالكلام الحسن الكلام السيئ إذا ~~خاطبهم به الجاهلون كما قال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن ... [المؤمنون: 96] ~~الآية، أو يتبعون السيئة الحسنة لتمحوها أولئك لهم عقبى الدار أي: عاقبة ~~الدنيا وهي الجنة لأنها مرجع أهلها. فتعريف الدار للعهد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : الآيات 23 الى 24] # جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) # جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم أي: آمن ووحد ~~وعمل صالحا من هؤلاء. # قال أبو السعود: وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك ~~بمجرد حبل الأنساب. # وأصله للزجاج حيث قال: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها ~~أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال ~~الصالحة. # وقرئ- شاذا- بضم لام (صلح) . قال الزمخشري: والفتح أفصح. # PageV06P280 # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. # ثم بين تعالى مآل مقابل الفريق الأول بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 25] # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) # والذين ينقضون عهد الله ms2859 من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار أي: عذاب جهنم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 26] # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع (26) # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع هذا كقوله تعالى: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [المؤمنون: 55] ، وتنكير (متاع) للتقليل ~~كما في آية قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ~~[النساء: 77] ، وقال: بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى [الأعلى: ~~16- 17] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 27] # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه كقولهم: فليأتنا بآية كما ~~أرسل الأولون [الأنبياء: 5] ، وتقدم الكلام على هذا غير مرة. وقوله تعالى: ~~قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب جملة جرت مجرى التعجب من قولهم، ~~مشيرة إلى أنه من باب العناد والاقتراح لما لا تقتضيه الحكمة من الآيات ~~المحسوسة التي لا يمهل أحد بعد مجيئها، لا من باب طلب الهداية. وإلا فلو ~~كان بغيتهم طلب الهداية بآية لكفاهم إنزال هذا الكتاب من مثله، صلوات الله ~~عليه، آية، فإنه آية الآيات ... ! # PageV06P281 # ولكنهم قوم آثروا الضلال على الهدى، زاغوا عنه فأزاغ الله قلوبهم. فطوى ~~ما دل عليه هذه الجملة، إيجازا للعلم بها. # قال أبو السعود: قل: إن الله يضل من يشاء إضلاله مشيئة تابعة للحكمة ~~الداعية إليها، أي يخلق فيه الضلال لصرفه اختياره إلى تحصيله، ويدعه منهمكا ~~فيه، لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في ~~المكابرة، والعناد، والغلو في الفساد. فلا سبيل له إلى الاهتداء، ولو جاءته ~~كل آية. # ثم قال: ويهدي إليه من أناب أي: ms2860 أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من ~~دلائله الواضحة. وحقيقة الإنابة الدخول في نوبة الخير. وإيثار إيرادها في ~~الصلة على إيراد المشيئة، كما في الصلة الأولى، للتنبيه على الداعي إلى ~~الهداية بل إلى مشيئتها، والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى المكابرة. ~~وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد. وإيثار صيغة ~~الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية لسابقة الإنابة، كما أن إيثار صيغة ~~المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار ~~مكابرتهم، انتهى. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 28] # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) # الذين آمنوا بدل من من أناب أي: آمنوا بالله ورسوله وكتابه وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله أي تسكن وتخشى عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرا. والعدول إلى صيغة ~~المضارع لإفادة دوام الاطمئنان واستمراره ألا بذكر الله تطمئن القلوب أي: ~~بذكره دون غيره تسكن القلوب أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه وقدر بعضهم ~~مضافا. أي بذكر رحمته ومغفرته، أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته ورأى ~~آخرون أن المراد بذكر الله القرآن، لأنه يسمى ذكرا، كما قال تعالى: # وهذا ذكر مبارك أنزلناه [الأنبياء: 50] ، وقال سبحانه: إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] ، لأنه آية بينة تسكن القلوب وتثبت ~~اليقين فيها. وهذا المعنى يناسب قوله: لولا أنزل عليه آية من ربه [يونس: ~~20] ، أي: هؤلاء ينكرون كونه آية. والمؤمنون يعلمون أنه أعظم آية تطمئن لها ~~قلوبهم ببرد اليقين: # قال الشهاب: وهو أنسب الوجوه. # PageV06P282 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 29] # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب الموصول إما مبتدأ وطوبى ~~لهم مبتدأ ثان وخبر في موضع الخبر الأول، وإما خبر لمحذوف أي هم، وإما بدل ~~من أناب وجملة طوبى لهم دعائية أو خبرية. # قال الزمخشري: (طوبى) مصدر من (طاب) كبشرى وزلفى، ومعنى (طوبى لك) أصبت ~~خيرا وطيبا. ومحلها النصب أو الرفع. ms2861 كقولك. طيبا لك وطيب لك، وسلاما لك ~~وسلام لك. والقراءة في قوله وحسن مآب بالرفع والنصب تدلك على محليها. ~~واللام في لهم للبيان مثلها في (سقيا لك) ، والواو في طوبى منقلبة عن ياء، ~~لضمة ما قبلها. قال ثعلب: قرئ طوبى لهم بالتنوين. # قال الفاسي: ومن نون طوبى جعله مصدرا بغير ألف كسقيا وزعم بعضهم: # أنها كلمة أعجمية وفي (لسان العرب) عن قتادة أنها كلمة عربية، تقول ~~العرب: # طوبى لك إن فعلت كذا وكذا! وأنشد: # طوبى لمن يستبدل الطود بالقرى ... ورسلا بيقطين العراق وفومها # الرسل اللبن، والطود: الجبل، والفوم: الخبز والحنطة- كذا في (تاج العروس) ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 30] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت أي مضت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي ~~أوحينا إليك أي: لتبلغهم هذا الوحي العظيم والذكر الحكيم، كما بلغ من خلا ~~قبلك من المرسلين أممهم. وقوله: وهم يكفرون بالرحمن جملة حالية أو مستأنفة ~~أي: يكفرون بالبليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء والعدول إلى المظهر ~~الدال على الرحمة، إشارة إلى أن الإرسال ناشئ منها، كما قال تعالى وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] ، وإلى أنهم لم يشكروا نعمة هذا ~~الوحي الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية، وإلى أن الرحمن من أسمائه ~~الحسنى ونعوته العليا. وقد كانوا يتجافون هذا الاسم الكريم. ولهذا لم يرضوا ~~يوم # PageV06P283 # الحديبية «1» أن يكتبوا (بسم الله الرحمن الرحيم) وقالوا: ما ندري ما ~~الرحمن الرحيم؟ كما في الصحيح. وقد قال تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن [الإسراء: 110] . # وفي (صحيح مسلم) عن ابن عمر مرفوعا: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد ~~الرحمن) «2» . # قل هو أي: الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته ربي لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وإليه متاب أي: توبتي وإنابتي. فإنه لا يستحق ذلك غيره. ثم أشار ~~تعالى إلى ms2862 عظمة هذا الوحي وتفضيله على ما سواه بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 31] # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) # ولو أن قرآنا أي قرآنا ما سيرت به أي: بإنزاله أو بتلاوته الجبال أي ~~أذهبت عن مقارها، وزعزعت عن أماكنها أو قطعت به الأرض أي: شققت حتى تتصدع ~~وتصير قطعا أو كلم به الموتى أي خوطبت بعد أن أحييت بتلاوته عليها، والجواب ~~محذوف أي: لكان هذا القرآن لكونه غاية في الهداية والتذكير، ونهاية في ~~الإنذار والتخويف. وعلى هذا التقدير، فالقصد بيان عظم شأن القرآن وفساد رأي ~~الكفرة حيث لم يقدروا قدره العلي ولم يعدوه من قبيل الآيات. فاقترحوا غيره ~~مما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام. وقدر الزجاج الجواب (لما آمنوا به) ~~كقوله: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ... [الأنعام: 111] ~~الآية، وعليه فالقصد بيان غلوهم في المكابرة والعناد وتماديهم في الضلال ~~والفساد. # ونقل عن الفراء أن الجواب مقدم عليه وهو قوله: وهم يكفرون بالرحمن وما ~~بينهما اعتراض وفيه بعد وتكلف. وأشار بعضهم إلى أن مراده أنها دليل الجواب ~~PageV06P284 # والتذكير في (كلم) لتغليب المذكر من الموتى على غيره. # وقوله تعالى بل لله الأمر جميعا أي: له الأمر الذي عليه يدور فلك الأكوان ~~وجودا وعدما، يفعل ما يشاء. ويحكم ما يريد لما يدعو إليه من الحكم البالغة ~~وهو إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي، أي: لو أن قرآنا فعل به ما ذكر ~~لكان هذا القرآن. ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن، لأن الأمر كله ~~له وحده، وعلى تقدير الزجاج السالف، فالإضراب متوجه إلى ما سلف اقتراحهم مع ~~كونهم في العناد على ما شرح. أي: فليس لهم ذلك بل لله الأمر ms2863 جميعا. إن شاء ~~أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه الحكمة، من غير أن يكون ~~عليه تحكم أو اقتراح. # كذا في أبي السعود. # وقوله تعالى أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا أي: # أفلم يعلم ويتبين كقوله: # ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # وقوله: # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم # أي: ألم تعلموا! وييسرونني من إيسار الجزور، أي يقسمونني، ويروى: # يأسرونني من (الأسر) . أي: أفلم يعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم، ~~لأن الأمر له. ولكن قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على الاختيار. # ولا يزال الذين كفروا أي: من أهل مكة تصيبهم بما صنعوا قارعة أي: # بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه. وعدم بيانه لتهويله أو استهجانه ~~والقارعة: # الداهية التي تقرع وتقلق، يعنى ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائب ~~من القتل والأسر والنهب والسلب أو تحل أي: تلك القارعة قريبا أي: مكانا ~~قريبا من دارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها حتى يأتي وعد الله أي: ~~فتح مكة إن الله لا يخلف الميعاد أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ~~ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله [إبراهيم: 47] ، وفي الآية وجه آخر، وهو حمل للذين كفروا على جميع ~~الكفار أي: لا يزالون، بسبب تكذيبهم، تصيبهم القوارع في الدنيا أو تصيب من ~~حولهم ليعتبروا، كقوله تعالى: ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات ~~لعلهم يرجعون [الأحقاف: 27] ، وقوله: أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها، أفهم الغالبون [الأنبياء: 44] . # PageV06P285 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 32] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ~~(32) # ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا أي: أمهلتهم وتركتهم ملاوة ~~من الزمن، في أمن ودعة، كما يملى للبهيمة في المرعى ثم أخذتهم فكيف كان ~~عقاب أي: عقابي إياهم. وفيه من الدلالة على فظاعته ms2864 ما لا يخفى. والآية ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما لقي من المشركين من التكذيب ~~والاقتراح، على طريقة الاستهزاء به، ووعيد لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 33] # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أي: مراقب لأحوالها ومشاهد لها، لا ~~يخفى عليه ما تكسبه من خير أو شر. فهو مجاز، لأن القائم على الشيء عالم به، ~~ولذا يقال: وقف عليه- إذا علمه فلم يخف عليه شيء من أحواله، والخبر محذوف ~~تقديره: كمن ليس كذلك- وإنما حذف اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله: # وجعلوا لله شركاء أي: عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان وقوله: قل سموهم ~~تبكيت لهم إثر تبكيت، أي: سموهم من هم، وماذا أسماؤهم؟ فإنهم لا حقيقة لهم! ~~أوصفوهم وانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة؟. # وقال الرازي: إنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى ~~ألا يذكر ولا يوضع له اسم، فعند ذلك يقال: سمه إن شئت، يعني: أنه أخس من ~~يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل. فكأنه تعالى قال: سموهم ~~بالآلهة، على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم ~~تسموهم به، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها. # أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أي: بشركاء لا يعلمهم سبحانه. وإذا كان ~~لا يعلمهم، وهو عالم بكل شيء مما كان ومما يكون، فهم لا حقيقة لهم. فهو نفي ~~لهم بنفي لازمهم على طريق الكناية. # PageV06P286 # قال الناصر: وحقيقة هذا النفي أنهم ليسوا بشركاء وأن الله لا يعلمهم كذلك ~~لأنهم ليسوا كذلك. وإن كانت لهم ذوات ثابتة يعلمها الله، إلا أنها مربوبة ~~حادثة لا آلهة معبودة. ولكن مجيء النفي على هذا السنن ms2865 المتلو بديع لا تكتنه ~~بلاغته وبراعته ولو أتى الكلام على الأصل غير محلى بهذا التصريف البديع ~~لكان: وجعلوا لله شركاء وما هم بشركاء. فلم يكن بهذا الموقع الذي اقتضته ~~التلاوة. # وقوله تعالى: أم بظاهر من القول أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من ~~غير أن يكون لذلك حقيقة، كتسمية الزنجي كافورا من غير بياض فيه ولا رائحة ~~طيبة، لفرط الجهل وسخافة العقل، وهذا كقوله تعالى: ذلك قولهم بأفواههم ~~[التوبة: 30] ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها [يوسف: 40] ، وعن ~~الضحاك إن الظاهر بمعنى الباطل. كقوله: # وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر ... ### | تنبيه: # قال الزمخشري: هذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها، مناد على ~~نفسه بلسان طلق ذلق، أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه. # قال شارحوه: فإن قوله تعالى أفمن هو قائم على كل نفس لما كان كافيا في ~~هدم قاعدة الإشراك مع السابق واللاحق وما ضمن من زيادات النكت، وكان إبطالا ~~من طريق حق، مذيلا بإبطال من طرف النقيض على معنى: ليتهم إذ أشركوا بمن لا ~~يجوز أن يشرك به، أشركوا من يتوهم فيه ذلك أدنى توهم، وروعي فيه أنه لا ~~أسماء للشركاء ولا حقيقة لها فضلا عن المسمى على الكناية الإيمائية. ثم ~~بولغ بأنها لا تستأهل أن يسأل عنها على الكناية التلويحية استدلالا بنفي ~~العلم عن نفي المعلوم. # ثم منه إلى عدم الاستئهال مع التوبيخ، وتقدير أنهم يريدون أن ينبئوا عالم ~~السر والخفيات بما لا يعلمه وهو محال على محال وفي جعل اتخاذهم شركاء. ~~ومجادلة الرسول عليه الصلاة والسلام إنباء له تعالى، نكتة بل نكت سرية. ثم ~~أضرب عن ذلك وقيل: قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلا بظاهر من ~~القول لا طائل تحته بل هو صوت فارغ. # فمن تأمل حق التأمل، اعترف بأنه كلام خلق القوى والقدر، الذي تقف دون ~~أستار أسراره أفهام البشر ... ! # وقوله تعالى: بل زين للذين كفروا مكرهم إضراب عن الاحتجاج عليهم. # PageV06P287 # كأنه قيل: دع ذكر ما كنا فيه ms2866 من الدلائل على فساد قولهم. لأنه زين لهم ~~كفرهم ومكرهم، فلا ينتفعون بهذه الدلائل. # وقوله تعالى: # وصدوا عن السبيل أي: عن سبيل الله، وقرئ بفتح الصاد أي: صدوا الناس ومن ~~يضلل الله أي: يخلق فيه الضلال بسوء اختياره، أو يخذله فما له من هاد أي: ~~من أحد يهديه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 34] # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ~~(34) # لهم عذاب في الحياة الدنيا # وهو ما نالهم على أيدي المؤمنين، أو ما فيه من عذاب الحيرة والضلة. فإن ~~نفس غير المؤمنين في نكد مستمر وداء دوي لا برء له إلا الإيمان. كما فصل في ~~موضع آخر ولعذاب الآخرة أشق # أي: من عذاب الدنيا كما وكيفا وما لهم من الله من واق # أي: حافظ يعصمهم من عذابه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 35] # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # مثل الجنة التي وعد المتقون أي عن الكفر والمعاصي تجري من تحتها الأنهار، ~~أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار. # في الآية وجوه من الإعراب: # (الأول) : أن (مثل) مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يقص ويتلى عليكم صفة ~~الجنة، وجملة (تجري) مفسرة أو مستأنفة استئنافا بيانيا أو حال من ضمير ~~(وعد) أي: وعدها مقدرا جريان أنهارها. وهذا الوجه سالم من التكلف، مع ما ~~فيه من الإيجاز والإجمال والتفصيل. وقدر الخبر فيه مقدما لطول ذيل المبتدأ، ~~أو لئلا يفصل به بينه وبين ما يفسره، أو هو كالمفسر له. # (الثاني) : أن خبره (تجري) - على طريقة قولك: صفة زيد أسمر- قيل: هو غير ~~مستقيم معنى، لأنه يقتضي أن الأنهار في صفة الجنة. وهي فيها، لا في صفتها. # PageV06P288 # مع تأنيث الضمير العائد على المثل حملا على المعنى. # (الثالث) : أن ثمة موصوفا محذوفا، أي: مثل الجنة جنة تجري من تحتها ~~الأنهار، وقوله (وظلها) مبتدأ محذوف الخبر أي: كذلك. ### | ### | القول ms2867 في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 36] # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك لأنه يحصل لهم به من المعاني ~~والدلائل وكشف الشبهات ما لم يحصل لهم من تلك الكتب السالفة قيل: عنى بهم ~~الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ~~فإنهم يفرحون بما أنزل من القرآن لما يرون فيه من الشواهد على حقيته التي ~~لا يمترى فيه، ومن المعارف والمزايا الباهرة التي لا تحصى كما قال تعالى: ~~الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته [البقرة: 121] . ومن الأحزاب يعني ~~بقية أهل الكتاب والمشركين من ينكر بعضه وهو ما يخالف معتقدهم، وجوز أن ~~يراد (بالموصول) من يفرح به منهم لمجرد تصديقه لما بين يديه وتعظيمه له وإن ~~لم يؤمنوا. وب الأحزاب المشركون، خاصة المنكرين لما فيه من التوحيد. ولذا ~~أمر برد إنكارهم بقوله تعالى: # قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا أي: لا إلى غيره وإليه ~~مآب أي: مرجعي للجزاء، لا إلى غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 37] # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) # وكذلك أنزلناه حكما عربيا أي: حاكما بالحق، أو حكمة عربية ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق أي لئن تابعتهم ~~على دين، ما هو إلا أهواء بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج فلا ينصرك ~~ناصر ولا يقيك واق. وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث للسامعين على ~~الثبات في الدين والتصلب وأن لا يزل زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة. ~~وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الشكيمة بمكان- كذا في ~~(الكشاف) . # PageV06P289 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 38] # ولقد أرسلنا رسلا من ms2868 قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية أي: مثل إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب وغيرهم وهو رد لقولهم: لو كان نبيا لكان من جنس الملائكة كما ~~قالوا: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [الفرقان: 7] ، وإعلام، بأن ~~ذلك سنة كثير من الرسل، فما جاز في حقهم لم لا يجوز في حقه؟ وقد قال تعالى ~~له: # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي [الكهف: 110] . وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله أي: ما صح له ولا استقام ولم يكن في وسعه أن يأتي بما ~~يقترح عليه، إلا بإرادته تعالى في وقته، لأن الآيات معينة بإزاء الأوقات ~~التي تحدث فيها، من غير تغير وتبدل وتقدم وتأخر. فأمرها منوط بمشيئته ~~تعالى، المبنية على الحكم والمصالح التي عليها يدور أمر الكائنات لكل أجل ~~كتاب أي لكل وقت من الأوقات أمر مكتوب، فالشرائع معينة عند الله بحسب ~~الأوقات، في كل وقت يأتي، بما هو صلاح ذلك الوقت، رسول من عنده. وكذا جميع ~~الحوادث من الآيات. وغيرها فليس الأمر على إرادة الكفار واقتراحاتهم، بل ~~على حسب ما يشاؤه تعالى ويختاره وفيه رد لاستعجالهم الآجال وإتيان الخوارق ~~والعذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 39] # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # يمحوا الله ما يشاء أي: ينسخ ما يشاء نسخه من الشرائع لما تقتضيه الحكمة ~~بحسب الوقت ويثبت أي: بدله ما فيه المصلحة، أو يبقيه على حاله غير منسوخ ~~وعنده أم الكتاب أي: أصله. # قال الرازي: العرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له، ومنه أم ~~الرأس للدماغ وأم القرى لمكة. وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى. فكذلك ~~أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في الآية يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله وعنده أم ~~الكتاب ms2869 يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ. وما يبدل وما # PageV06P290 # يثبت. كل ذلك في كتاب. وعن قتادة: أن هذه الآية كقوله تعالى: ما ننسخ من ~~آية أو ننسها الآية. ### | تنبيه: # تمسك جماعة بظاهر قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت فقالوا: إنها ~~عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ. قالوا: يمحو الله من الرزق ويزيد ~~فيه. # وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. # قال الرازي: هو مذهب عمر وابن مسعود. والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ~~ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. انتهى. # أشار بذلك إلى آثار أخرجها ابن جرير عن عمر وابن مسعود. وليس في الصحيح ~~شيء منها. # ظهر لي في دمر في 12 ربيع الأول سنة 1324: # إن ما يستدل به الكثير من الآيات لمطلب ما، أن يدقق النظر فيه تدقيقا ~~زائدا، فقد يكون سياق الآية لأمر لا يحتمل غيره، ويظن ظان أنه يستدل بها في ~~بحث آخر، وقد يؤكده ما يراه من إطباق كثير من أرباب التصانيف على ذلك وإنما ~~المدار على فهم الأسلوب والسياق والسباق. # خذ لك مثلا قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب فكم ~~ترى من يستدل بها على العلم المعلق، ومحو ما في اللوح الذي يسمونه (لوح ~~المحو والإثبات) ويوردون من الإشكالات والأجوبة ما لا يجد الواقف عليه ~~مقنعا ولا مطمأنا. # مع أن هذه الآية، لو تمعن فيها القارئ، لعلم أنها في معنى غير ما ~~يتوهمون. # وذلك أنهم كانوا يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل ~~البعثة، أن يأتي بآية كآية موسى وعيسى. توهما أن ذلك هو أقصى ما يدل على ~~نبوة النبي في كل زمان ومكان فأعلمهم الله تعالى أن دور تلك الآيات الحسية ~~انقضى دورها وذهب عصرها. وقد استعد البشر للتنبه إلى الآية العقلية وهي آية ~~الاعتبار والتبصر. وإن تلك الآيات محيت كما محي عصرها. وقد أثبت تعالى ~~غيرها مما هو أجلى وأوضح وأدل على الدعوة. وهو قوله تعالى ms2870 قبلها: وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب. يمحوا الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب. # PageV06P291 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية # 40] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أي: من إنزال العذاب في حياتك أو نتوفينك ~~أي: قبل ذلك فإنما عليك البلاغ أي: تبليغ الوحي وعلينا الحساب أي: حسابهم ~~وجزاؤهم. قال أبو حيان: جواب الشرط الأول (فذلك شافيك) والثاني (فلا لوم ~~عليك) وقوله تعالى فإنما عليك ... إلخ دليل عليهما. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 41] # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أي: أرض الكفرة. ننقصها ~~عليهم بإظهار دين الإسلام في أطراف ممالكهم. # قال ابن عباس: أي: أو لم يروا أنا نفتح للرسول الأرض بعد الأرض يعني أن ~~انتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات على أنه تعالى ~~ينجز وعده، ونظيره قوله تعالى: أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها، أفهم الغالبون [الأنبياء: 44] ، وقوله: سنريهم آياتنا في الآفاق.. ~~[فصلت: 53] . # قال الشهاب: هذا مرتبط بما قبله. يعني لم يؤخر عذابهم لإهمالهم، بل لوقته ~~المقدر، أوما ترى نقص ما في أيديهم من البلاد وزيادة ما لأهل الإسلام. ولم ~~يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم به تعظيما له، وخاطبهم تهويلا وتنبيها عن ~~سنة الغفلة. ومعنى نأتي الأرض يأتيها أمرنا وعذابنا. انتهى. # وقيل: ننقصها من أطرافها بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم. فهؤلاء ~~الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع؟. ### | تنبيه: # يذكرون- هاهنا- رواية عن ابن عباس ومجاهد: أن نقصها من أطرافها هو # PageV06P292 # موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها. ويؤيد من يعتمد ذلك بأن الجوهري ~~حكى عن ثعلب: أن الأطراف يطلق على الأشراف جمع طرف وهو الرجل الكريم، ~~وشاهده قول الفرزدق: # واسأل بنا وبكم إذا وردت منى ms2871 ... أطراف كل قبيلة من يتبع # يريد أشراف كل قبيلة. فمعنى الآية: أولم يروا ما يحدث في الدنيا من ~~الاختلافات: موت بعد حياة، وذل بعد عز، ونقص بعد كمال! وإذا كان هذا مشاهدا ~~محسوسا، فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر عليهم فيذلهم بعد العزة! ~~ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها، ~~وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها ~~وكمالها وعمرانها، فموتهم نقص لها وخراب منها. كما قال أحمد بن غزال: # الأرض تحيى إذا ما عاش عالمها ... متى يمت عالم منها يمت طرف # كالأرض تحيى إذا ما الغيث حل بها ... وإن أبى عاد في أكنافها التلف # ولذا قال الأزهري كما في (لسان العرب) : أطراف الأرض نواحيها الواحد طرف، ~~وننقصها من أطرافها أي نواحيها ناحية ناحية، وعلى هذا من فسر (نقصها من ~~أطرافها) فتوح الأرضين. وأما من جعل (نقصها من أطرافها) موت علمائها فهو من ~~غير هذا، قال: والتفسير على القول الأول. # وقوله تعالى: والله يحكم أي: ما يشاء كما يشاء، وقد حكم للإسلام بالعز ~~والإقبال. وعلى الكفر بالذل والإدبار، حسبما يشاهد من المخايل والآثار. وفي ~~الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وبناء الحكم على الاسم الجليل، من الدلالة ~~على الفخمة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر، بالإشارة إلى العلة، ما لا ~~يخفى وهو جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها. # وقوله تعالى: لا معقب لحكمه اعتراض في اعتراض. لبيان علو شأن حكمه تعالى: ~~وقيل: نصب على الحالية كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه- كما تقول: # جاء زيد لا عمامة على رأسه، أي حاسرا. و (المعقب) من يكر على الشيء ~~فيبطله، وحقيقته من يعقبه ويقفيه بالرد والإبطال. أفاده أبو السعود. # وهو سريع الحساب أي فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بعد عذاب ~~الدنيا بالقتل والأسر. # PageV06P293 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 42] # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) # وقد ms2872 مكر الذين من قبلهم أي مكر الكفار الذين خلوا، إيقاع المكروه ~~بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاء، وقوله: فلله المكر جميعا إشارة إلى ضعف ~~مكرهم وكيدهم لاضمحلاله وذهاب أثره، وأنه مما لا يسوء، وأن المكر المرهوب ~~هو ما سيؤخذون به من إيقاع فنون النكال، وهم نائمون على فرش الإمهال، مما ~~لا يخطر لهم على بال كما يومئ إليه قوله تعالى: يعلم ما تكسب كل نفس أي ~~فيوفيها جزاءها المعد لها على ما كسبت من فنون المعاصي التي منها مكرهم، من ~~حيث لا يحتسبون وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار أي العاقبة الحميدة، وعلى من ~~تدور الدائرة، وهذا كقوله تعالى: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية ~~بما ظلموا ... [النمل: 50- 52] الآيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرعد (13) : آية 43] # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم فإنه أظهر ~~على رسالتي، من الحجج القاطعة والبينات الساطعة. وما فيه مندوحة عن شهادة ~~شاهد آخر. قيل: جعل هذا شهادة (وهو فعل والشهادة قول) على سبيل الاستعارة، ~~لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى. انتهى. ولا يخفى أن الشهادة أعم من القول ~~والفعل. على أن المراد من تلك الحجج هي آيات القرآن والذكر الحكيم، وهي ~~كلامه تعالى، وقد قال تعالى: ويستنبئونك أحق هو، قل إي وربي [يونس: 53] . # وقوله تعالى: ومن عنده علم الكتاب أي ومن هو من علماء أهل الكتاب فإنهم ~~يجدون صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم من بشارات الأنبياء ~~به. كما قال تعالى: الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~[الأعراف: 157] ، وقال تعالى: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~[الشعراء: 197] . # ويروى عن مجاهد أنه عنى ب من عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام. # PageV06P294 # ونوقش بأن السورة مكية، وإسلامه كان بالمدينة. وأجاب البعض بأن بعض السور ~~المكية ربما ms2873 وجد في مدني وبالعكس، وكأن هذه الآية من ذلك. # وقد روى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في (دلائل النبوة) : أن عبد الله بن ~~سلام أسلم قبل الهجرة، حيث رحل إلى مكة قبلها، واستيقن نبوته صلوات الله ~~عليه. ثم آب إلى المدينة وكتم إسلامه إلى أن كانت الهجرة. والله أعلم. # PageV06P295 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة إبراهيم # سميت به لاشتمالها على دعوات لإبراهيم عليه السلام، تمت بهذه الملة. # كالحج وجعل الكعبة قبله الصلاة. مع الدلالة على عظمتها، بحيث صارت من ~~المطالب المهمة للمتفق على غاية كمال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى ~~نبوة نبينا عليه أكمل التحيات وأفضل التسليمات مع غاية كماله، وهذا من أعظم ~~مقاصد القرآن! أفاده المهايمي. # وهي مكية النزول، قيل: إلا قوله تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا [إبراهيم: 28] . وهي اثنتان وخمسون آية. # PageV06P296 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) # الر كتاب خبر ل (الر) على كونه مبتدأ. أو خبر لمحذوف على كونه خبرا ~~لمضمر، أو مسرودا على نمط التعديد. وقوله تعالى: أنزلناه إليك صفة له لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور أي: من الضلال إلى الهدى بإذن ربهم أي: # أمره. وقوله تعالى: إلى صراط العزيز الحميد بدل من قوله: إلى النور ~~بتكرير العامل. أو مستأنف، كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إلى صراط ... إلخ ~~والعزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر القادر. والحميد المحمود في ~~أمره ونهيه لإنعامه فيهما بأعظم النعم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 2] # الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ~~(2) # الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض قرئ لفظ الجلالة بالرفع على ~~الابتداء وخبره ما بعده. أو على الخبرية لمحذوف. وقرئ بالجر، عطف بيان ل ~~العزيز الحميد وويل للكافرين أي: بما أنزلناه إليك من عذاب شديد يوم ~~القيامة ms2874 وهو عذاب النار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 3] # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة أي: يؤثرونها عليها ويصدون عن # PageV06P297 # سبيل الله # بتعويق الناس عن الإيمان ويبغونها عوجا أي يصفونها بالانحراف عن الحق ~~والصواب، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة، أو يبغون لها اعوجاجا، أي ~~يطلبون أن يروا فيها عوجا قادحا، على الحذف والإيصال أولئك في ضلال بعيد ~~أي: ضلوا عن طريق الحق ووقفوا دونه بمراحل، والبعد في الحقيقة للضال نفسه، ~~وصف به فعله للمبالغة، بجعل الضلال نفسه ضالا. وفي إيثار الظرف على (أولئك ~~ضالون ضلالا بعيدا) دلالة على تمكنهم فيه، باشتماله عليهم اشتمال المحيط ~~على المحاط، مبالغة في إثبات وصف الضلال. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 4] # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء وهو العزيز الحكيم (4) # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم ~~إليه فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به كما قال: ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته [فصلت: 44] . (فإن قلت) : ~~لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى ~~الناس جميعا قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] ، ~~بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة. فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم ~~الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضا. ~~(قلت) : لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى ~~نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فبقي أن ينزل ~~بلسان واحد فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه. فإذا فهموا ~~عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى ~~الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في ms2875 كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من ~~اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال ~~المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب ~~من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه، من ~~القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل ~~وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها ~~وكثرتها، وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل ~~أمة بلسانها، كما كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزا- لكان ذلك # PageV06P298 # أمرا قريبا من الإلجاء. ومعنى بلسان قومه بلغة قومه- كذا في (الكشاف) . # وقال بعض المحققين: يقول قائل: ألا تدل هذه الآية على أن بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم كانت للعرب خاصة؟ نقول: لا. لأنه جرت سنة الله أن يختار أمة ~~واحدة ويعدها لتهذيب الأمم الأخرى. كما يعد فردا واحدا منها لتهذيب سائر ~~أفرادها. ولما كانت الأمة العربية هي المختارة لتهذيب الأمم وتعديل عوجها ~~وإقامة منار العدل في ذلك العالم المظلم- فقد وجب أن التهذيب الإلهي ينزل ~~بلغتها خاصة حتى تستعد وتتهيأ لأداء وظيفتها. وقد أتم الله نعمته عليها، ~~فقامت بما عهد إليها بما أدهش العالم أجمع، ولله في خلقه شؤون. ### | تنبيه: # استدل بالآية من ذهب إلى أن اللغات اصطلاحية. قال: لأنها لو كانت توقيفية ~~لم تعلم إلا بعد مجيء الرسول، والآية صريحة في علمها قبله. # وقوله تعالى: فيضل الله من يشاء أي لمباشرته أسبابه المؤدية إليه، أو ~~يخذله ولا يلطف به لعلمه أنه لا ينجع فيه الإلطاف. ويهدي من يشاء لما فيه ~~من الإنابة والإقبال إلى الحق. و (الفاء) فصيحة، كأنه قيل: فبينوه، فأضل ~~الله من شاء إضلاله وهدى من شاء. والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما ~~أمر به، وجريان كل من أهل الخذلان والهداية على سنته، أمر محقق غني عن ~~الذكر والبيان وهو العزيز الحكيم أي: فلا يغالب، ولا يقضي إلا بما فيه ~~الحكمة. # ثم ms2876 أشير إلى تفصيل ما أجمل في قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 5] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله أي: أنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم، كقوم نوح ولوط. ~~ومنه: أيام العرب، لحروبها وملاحمها، لأنها تعظم بها الأيام. وقيل: أيامه ~~نعماؤه عليهم، فتكون الآية بعدها تفصيلا لها. وقيل: هي أعم من النعماء ~~والبلاء. والوجه الأول أولى، فيما أراه لاختصاص كل آية بمقام، والتأسيس خير ~~من التأكيد. وفي الالتفات # PageV06P299 # من التكلم إلى الغيبة، بالإضافة إلى الاسم الجليل، إيذان بفخامة شأنها. ~~قال أبو بكر ابن العربي: هذه الآية أصل في الوعظ المرقق للقلوب. # إن في ذلك أي: في التذكير بها لآيات لكل صبار شكور أي: يصبر على بلائه ~~ويشكر نعماءه. فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم ~~من النعم، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر. وقيل: أراد (لكل مؤمن) ~~لأن الشكر والصبر عنوان المؤمن. وتقديم (الصبار) على (الشكور) لتقدم متعلق ~~الصبر- أعني الإيمان على متعلق الشكر- أعني النعماء- وكون الشكر عاقبة ~~الصبر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 6] # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب أي: يبغونكم إياه ويذبحون أبناءكم أي: المولودين صغارا ~~ويستحيون نساءكم أي: يبقونهن في الحياة وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم الإشارة ~~إلى فعل آل فرعون.. ونسبته إليه تعالى للخلق أو الإقدار والتمكين. قيل: # كون قتل الأبناء، ابتلاء ظاهر. وأما استحياء النساء، وهن البنات أي ~~استبقاؤهن، فلأنهم كانوا يستخدمونهن ويفرقون بينهن وبين الأزواج، ms2877 أو لأن ~~بقاءهن دون البنين رزية في نفسه كما قيل: # ومن أعظم الرزء فيما أرى ... بقاء البنات وموت البنينا # ويجوز أن تكون الإشارة إلا الإنجاء من ذلك. و (البلاء) الابتلاء بالنعمة، ~~وهو بلاء عظيم. # قال الزمخشري: البلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا. قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] ، وقال زهير: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # ولذا جوز أن تكون الإشارة إلى جميع ما مر، الشامل للنعمة والنقمة. ### | لطيفة: # أشار أهل المعاني إلى نكتة مجيء ويذبحون هنا بالواو، وفي سورة البقرة # PageV06P300 # يذبحون [البقرة: 49] ، وفي الأعراف: يقتلون [الأعراف: 141] ، بدونها. # والقصة واحدة- بأنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه، فلم يعطف لما ~~بينهما من كمال الاتصال. وحيث عطف- كما هنا- لم يقصد ذلك. والعذاب، إن كان ~~المراد منه الجنس، فالتذبيح، لكونه أشد أنواعه، عطف عليه عطف جبريل على ~~الملائكة، تنبيها على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس. وإن كان المراد به ~~غيره، كاسترقاقهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة، فهما متغايران والمحل محل ~~العطف. # وجوز أيضا كون العطف هنا للتفسير وكأن التفسير وكأن التفسير- لكونه أوفى ~~بالمراد وأظهر- بمنزلة المغاير فلذا عطف. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 7] # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) # وإذ تأذن ربكم أي: آذن وأعلم إعلاما بليغا- من جملة ما قال موسى لقومه ~~لئن شكرتم أي: نعمه، بصرفها إلى ما خلقت له. كالعقل إلى تصحيح الاعتقاد فيه ~~واستعمال سائر النعم بمقتضاه لأزيدنكم أي: من النعم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد فيصيبكم منه ما يسلب تلك النعم ويحل أشد النقم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 8] # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) # وقال موسى أي: لقومه إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني ~~حميد أي: غني عن شكر عباده، المحمود بأجل المحامد. وإن كفره من كفره. # وهو تعليل لما حذف من جواب (إن) أي: إن تكفروا لم يرجع وباله إلا عليكم. ~~فإن ms2878 الله لغني عن شكر الشاكرين. # وفي (صحيح مسلم) «1» عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يرويه عن ربه عز PageV06P301 # وجل: أنه قال: «يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي ~~شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ~~فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط ~~إذا أدخل البحر» فسبحانه من غني حميد # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 9] # ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) # ألم يأتكم أي: في مؤاخذة من كفر نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح أي: # مع كثرتهم وعاد أي مع غاية قوتهم وثمود مع كثرة تحصنهم وصنائعهم والذين ~~من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه ~~مريب. # قال ابن جرير: هذا من تمام قول موسى لقومه، يعني: وتذكاره إياهم بأيام ~~الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل. # قال ابن كثير: وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله ~~تعالى لهذه الأمة فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان ~~هذا من كلام موسى لقومه لقصه عليهم، ولا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان في ~~التوراة والله أعلم. # وقوله تعالى: والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جملة من مبتدأ وخبر ~~وقعت اعتراضا، أو عطف (الذين) على قوم نوح، ولا يعلمهم.. إلخ اعتراض، ومعنى ~~الاعتراض، على الثاني: ألم يأتكم أنباء ms2879 الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة ~~فتعتبروا بها؟ إن في ذلك لمعتبرا. وعلى الأول. فهو ترق ومعناه: ألم يأتكم ~~نبأ هؤلاء ومن لا يحصى بعدهم؟ كأنه يقول: دع التفصيل فإنه لا مطمع فيه، ~~وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل. # PageV06P302 # وقوله تعالى: فردوا أيديهم في أفواههم يحتمل الأيدي والأفواه أن يكونا ~~الجارحتين المعروفتين. وأن يكونا من مجاز الكلام. وفي الأول وجوه: # أي: ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل، كقوله: ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [آل عمران: 119] ، أو وضعوها على أفواههم ضحكا ~~واستهزاء كمن غلبه الضحك. أو وضعوها على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء: ~~أن يكفوا ويسكتوا. أو أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل أن: # اسكتوا. و (في) بمعنى (إلى) أو وضعوا أيديهم على أفواه الرسل منعا لهم من ~~الكلام أو أنهم أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليقطعوا كلامهم. ومن ~~بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك. أو أشاروا بأيديهم إلى جوابهم ~~وهو قولهم إنا كفرنا أي: هذا جوابنا الذي نقوله بأفواهنا، والمراد إشارتهم ~~إلى كلامهم كما يقع في كلام المتخاطبين، أنهم يشيرون إلى أن هذا هو الجواب ~~ثم يقررونه، أو يقررون ثم يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب. قيل: وهو ~~أقوى الوجوه المتقدمة. لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل كل الإنكار، ~~جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول. ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم ~~يمهلوا، بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب. وفي تصديرهم الجملة ب (أن) ومواجهة ~~الرسل بضمائر الخطاب وإعادة ذلك، مبالغة في التأكيد. # وفي الثاني- أعني المعنى المجازي- وجوه: # قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج، وذلك ~~لأن إسماع الحجة إنعام عظيم، والإنعام يسمى يدا، يقال لفلان عندي يد إذا ~~أولاه معروفا وقد يذكر اليد والمراد منها صفقة البيع والعقد، كقوله تعالى: ~~إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] . ~~فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد، ~~وأيضا العهود التي كانوا يأتون ms2880 بها مع القوم أياد وجمع اليد في العدد ~~القليل هو الأيدي، وفي العدد الكثير الأيادي. فثبت أن بيانات الأنبياء ~~عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي. # وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم، فإذا لم تقبل صارت مردودة ~~إلى حيث جاءت ونظير قوله تعالى: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ~~ليس لكم به علم [النور: 15] ، فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه ~~كان الدفع ردا في الأفواه. انتهى. # PageV06P303 # وفي (الرازي) تتمة الأوجه فانظرها إن شئت. # قال في (العناية) : فإن قلت: قولهم إنا كفرنا جزم بالكفر لا سيما وقد أكد ~~ب (إن) ، فقولهم وإنا لفي شك ينافيه، قلت: أجيب بأن الواو بمعنى أو، أي أحد ~~الأمرين لازم وهو: إنا كفرنا جزما فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين ~~فيه. وأيا ما كان، فلا سبيل إلى الإقرار. وقيل: إن الكفر عدم الإيمان عمن ~~هو من شأنه، فكفرنا بمعنى لم نصدق، وذلك لا ينافي الشك، أو متعلق الكفر ~~الكتب والشرائع، ومتعلق الشك ما يدعونهم إليه من التوحيد مثلا. انتهى. # أي: فلا ينافي شكهم في ذلك كفرهم القطعي بالأول. # وقوله تعالى: مريب بمعنى موقع في الريبة، من (أرابه) أوقعه فيها أو ذي ~~ريبة، من (أراب) : صار ذا ريبة وهي صفة مؤكدة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 10] # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض أي: وهو مما لا مجال للشك ~~فيه لغاية ظهوره. # قال ابن كثير: هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة ~~بوجوده ومجبولة على الإقرار به. فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ~~ولكن قد يعرض لبعض الفطر شك واضطراب فيحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى ~~وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطر السموات ~~والأرض- أي ms2881 الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق- فإن شواهد الحدوث ~~والخلق والتسخير ظاهر عليهما. فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا هو ~~خالق كل شيء وإلهه ومليكه. والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب ~~العبادة له، شك؟ # وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، ~~فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي ~~يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى. انتهى. # وسبق لنا في سورة الأعراف البحث في أن معرفته تعالى ضرورية أو نظرية ~~فارجع إليه. # PageV06P304 # وفي إدخال همزة الإنكار على الظرف إيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك ~~بل وقوعه فيما لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلا، وفي العدول عن تطبيق الجواب ~~على كلام الكفرة بأن يقولوا: (أأنتم في شك مريب من الله) مبالغة في تنزيه ~~ساحة جلاله عن شائبة الشك وتسجيل عليهم بسخافة العقول. # وقوله تعالى: يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم أي: يدعوكم إلى الإيمان بإرساله ~~إيانا، لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم: (مما تدعوننا ~~إليه) . ولام (ليغفر) متعلقة ب (يدعو) أي: لأجل المغفرة لا لفائدته، تعالى ~~وتقدس، أو للتعدية أي: يدعوكم إلى المغفرة: كقولك: دعوتك لزيد. و (من) إما ~~تبعيضية أي: بعض ذنوبكم وهو ما بينهم وبين الله تعالى دون المظالم، أو صلة، ~~على مذهب الأخفش وغيره، من زيادتها في الإيجاب، أو للبدل أي: بدل عقوبة ~~ذنوبكم، أو على تضمين (يغفر) معنى (يخلص) . # وادعى الزمخشري مجيئه ب (من) هكذا في خطاب الكافرين دون المؤمنين في جميع ~~القرآن. قال: وكان ذلك للتفرقة بين خطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في ~~الميعاد. # قال في (الكشف) : وللتخصيص فائدة أخرى وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح ~~بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على ~~الإيمان. # وقوله تعالى: ويؤخركم إلى أجل مسمى أي: يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ~~قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا ~~بسلطان مبين ms2882 أي: آية مما نقترحه تدل على فضلكم علينا بالنبوة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 11] # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(11) # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~أي: بالرسالة والنبوة وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله أي: ~~بأمره وإرادته، # PageV06P305 # وهو لم يرد ذلك، لقوله: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون [الإسراء: 59] . # وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال الزمخشري: أمر منهم للمؤمنين كافة ~~بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به كأنهم قالوا: ومن حقنا أن ~~نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم وما يجري علينا منكم. ألا ترى إلى ~~قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 12] # وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ~~وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # وما لنا ألا نتوكل على الله ومعناه: وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه وقد ~~هدانا سبلنا أي: أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له، وأوجب عليه سلوكه ~~في الدين. وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في ~~التوكل، قالوا على سبيل التوكيد القسمي، مظهرين لكمال العزيمة: ولنصبرن على ~~ما آذيتمونا أي: من الكلام السيئ والأفعال السخيفة. وقوله: وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون فيه اهتمام بالتوكل عليه سبحانه، لأن مقام الدعوة ~~يقتضيه. ولذا أعيد ذكره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 14] # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد (14) # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. # ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد يخبر تعالى ms2883 عما ~~توعد به الكافرون رسلهم، لما رأوهم صابرين متوكلين، لا يهمهم شأنهم من ~~الإخراج من الأرض، والنفي من بين أظهرهم، أو العود في ملتهم. والمعنى: ~~ليكونن أحد الأمرين. # PageV06P306 # والسبب في هذا التوعد- كما قال الرازي- أن أهل الحق في كل زمان يكونون ~~قليلين، وأهل الباطل يكونون كثيرين. والظلمة والفسقة يكونون متعاونين ~~متعاضدين. فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة. فإن قيل: يتوهم من لفظ ~~(العود) أنهم كانوا في ملة الكفر قبل. أجيب: بأن (عاد) بمعنى صار. وهو كثير ~~الاستعمال بهذا المعنى، أو الكلام على ظنهم وزعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم ~~قبل إظهار الدعوة. أو الخطاب للرسل ولقومهم، فغلبوا عليهم في نسبة العود ~~إليهم. # وقوله تعالى: فأوحى إليهم ربهم ... إلخ وعد صادق للرسل، وبشارة حقة. كما ~~قال تعالى: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن ~~جندنا لهم الغالبون [الصافات: 171- 173] ، وقال تعالى: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها [الأعراف: # 137] ، والآيات في ذلك كثيرة. والإشارة في (ذلك) إلى الموحى به وهو إهلاك ~~الظالمين وإسكان المؤمنين. وقوله لمن خاف ... إلخ، أي: للمتقين لأنهم ~~الموصوفون بما ذكر كقوله: والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128] . و (المقام) ~~إما موقف الحساب، فهو اسم مكان، وإضافته إليه سبحانه لكونه بين يديه، أو ~~مصدر ميمي، بمعنى: حفظي وقيامي لأعمالهم ليجازوا عليها. أو مقحم للتفخيم ~~والتعظيم كما يقال: المقام العالي. وياء المتكلم في (وعيد) محذوفة للاكتفاء ~~بالكسرة عنها في غير الوقف. # قال السمين: أثبت الياء- هنا وفي (ق) في (ق) في موضعين: كل كذب الرسل فحق ~~وعيد [ق: 14] ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ق: 45] ، وصلا، وحذفها وقفا- ~~ورش عن نافع. وحذفها الباقون وصلا ووقفا. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 15] # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) # واستفتحوا أي: سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين ~~أعدائهم. من (الفتاحة) وهي الحكومة كقوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق [الأعراف: 89] ، فالضمير: للرسل، وقيل: للكفرة، وقيل: للفريقين فإنهم ~~سألوا أن ينصر المحق ويهلك المبطل. وقوله: وخاب كل جبار عنيد ms2884 أي: فنصروا ~~عند # PageV06P307 # استفتاحهم وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم. أو استفتح الكفار على ~~الرسل وخابوا ولم يفلحوا. وإنما قيل: وخاب كل جبار عنيد ذما لهم وتسجيلا ~~عليهم بالتجبر والعناد. أو استفتحوا جميعا فنصر الرسل وأنجز لهم الوعد، ~~وخاب أعداؤهم. و (الجبار) المتكبر على طاعة الله تعالى وعبادته و (العنيد) ~~المعاند للحق، كخليط بمعنى مخالط. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 16] # من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) # من ورائه جهنم جملة في محل جر صفة ل (جبار) كناية عن تطلبها له وترصدها ~~إياه، ومن تطلب شيئا وترصده أدركه لا محالة. وقيل: على تقدير مضاف، أي: من ~~وراء حياته وانقضاء عمره. ويسقى من ماء صديد وهو ما يسيل من جوف أهل النار، ~~قد خالط القيح والدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 17] # يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه ~~عذاب غليظ (17) # يتجرعه أي: يتكلف تجرعه لقهره عليه ولا يكاد يسيغه ولخبثه ويأتيه الموت ~~من كل مكان وما هو بميت أي: تحيط به أسبابه من الأهوال، وما هو بمستريح مما ~~نزل به ومن ورائه عذاب غليظ # أي: شديد متصل لا ينقطع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 18] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # مثل الذين كفروا بربهم، أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد المثل مستعار للصفة التي ~~فيها غرابة. شبه تعالى أعمالهم اللاتي كانوا يعملونها لأوثانهم أو يراءون ~~بها- كإنفاق الأموال وعقر الإبل للضيفان، في حبوطها- لكونها على غير تقوى ~~وإيمان- برماد # PageV06P308 # طيرته الريح العاصف. وقوله تعالى: لا يقدرون ... إلخ، مستأنف فذلك ~~للتمثيل بمعنى المقصود منه ومحصل وجهه، أي: لا يقدرون يوم القيامة مما ~~كسبوا من أعمالهم على شيء منها، أي لا يرون له أثرا من ثواب، كما لا يقدر، ms2885 ~~من الرماد المطير في الريح، على شيء. # قال أبو السعود: الاكتفاء ببيان عدم رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام، مع أن ~~لها عقوبات هائلة، للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنها شفعاء لهم عند الله ~~تعالى. # وفيه تهكم بهم. وفي توصيف الضلال بالبعد، إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق ~~الحق أو عن الثواب. # (واشتد به) من (شد) بمعنى عدا والباء للتعدية أو ملابسة. أو من (الشدة) ~~بمعنى القوة أي: قويت بملابسة حمله. و (العصف) قوة هبوب الريح. وصف به ~~زمانها على الإسناد المجازي ك (نهاره صائم) وخبر (مثل) محذوف أي: فيما يتلى ~~عليكم. وجملة (أعمالهم كرماد) مستأنفة جوابا لسؤال: كيف مثلهم؟ أو ~~(أعمالهم) بدل من (مثل) و (كرماد) الخبر. # وهذه الآية كقوله تعالى: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ~~[الفرقان: 23] ، وقوله تعالى: ثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ~~فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون # [آل عمران: 117] . وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ~~فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين [البقرة: 264] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : الآيات 19 الى 20] # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد، وما ذلك على الله بعزيز الخطاب للرسول صلوات الله عليه، والمراد به ~~أمته. أو لكل أحد من الكفرة لقوله (يذهبكم) والرؤية رؤية القلب. # PageV06P309 # وفي الآية وجهان من التأويل: أحدهما أنها سيقت لبيان قدرته تعالى على ~~معاد الأبدان يوم القيامة، بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق ~~الناس. أي أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها ~~وعظمتها وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات والآيات الباهرات ms2886 وهذه ~~الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد وبراري وقفار وبحار وأشجار ونبات ~~وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها: أولم يروا أن الله ~~الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى، بلى ~~إنه على كل شيء قدير [الأحقاف: 33] . # وقال تعالى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها ~~أول مرة، وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم ~~منه توقدون، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى ~~وهو الخلاق العليم. [يس: 77- 81] . # الوجه الثاني: ترهيب المشركين بأنهم غير معجزين، أي: إن يشأ يهلككم إذا ~~خالفتم أمره، ويخلق قوما خيرا منكم كقوله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: 38] ، وقوله: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ~~ويأت بآخرين، وكان الله على ذلك قديرا [النساء: 133] . # وقوله تعالى: بالحق أي: بالحكمة المنزهة عن العبث كقوله: ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا [آل عمران: 191] ، وقوله: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا [ص: 27] ، وقوله: ما خلق الله ذلك إلا بالحق [يونس: 5] ، وذلك ليتفكر ~~في خلقها ويستدل بها على وجود بارئها وقدرته ووحدته. # ثم أخبر تعالى عن تخاصم المجرمين في المحشر وتبرئهم من بعضهم، بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 21] # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) # وبرزوا لله جميعا أي: اجتمعوا لحسابه وقضائه يوم القيامة في براز من # PageV06P310 # الأرض. وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا، أو برزوا من قبورهم أي: ~~ظهروا لذلك فقال الضعفاء وهم الأتباع للذين استكبروا أي: على الرسل وهم ~~قادتهم- توبيخا لهم إنا كنا لكم تبعا أي: تابعين، مهما أمرتمونا ائتمرنا ~~فهل أنتم مغنون عنا ms2887 من عذاب الله من شيء أي: بعض الإغناء قالوا أي: ~~المستكبرون لو هدانا الله لهديناكم إحالة، لضلالهم وإضلالهم، على مقامه ~~سبحانه، أو لو هدانا باهتدائنا، ولكن زغنا فأزاغنا كما قال تعالى: فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] ، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من ~~محيص # أي: منجى ومهرب من العذاب ونظير الآية قوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين [سبأ: 31] . # واستظهر ابن كثير هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها لآية: وإذ ~~يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا نصيبا من النار [غافر: 47] . # ولا يخفى أن الآية في هذه السورة تصدق بالتخاصم في الموقف وفي النار، ~~لإفادتها أن ذلك أثر بروزهم، وهو صادق بما ذكرنا، فلا قرينة فيها لكون ذلك ~~في النار فقط، كما ادعاه. وربما كان قوله وبرزوا يدل للموقف بمعناه ~~المتقدم. ثم إن هذا التخاصم يجوز أن يكون متعدد المواطن لظاهر قوله: عند ~~ربهم وقوله: # في النار ويجوز أن يكون مرة واحدة. والمراد ب (النار) العذاب. ووقوفهم ~~عند ربهم، واليأس محيط بهم، وجهنم ترقبهم، عذاب وأي عذاب!. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 22] # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) # وقال الشيطان لما قضي الأمر وهو الحكم بنجاة السعداء وهلاك الأشقياء إن ~~الله وعدكم وعد الحق أي: على ألسنة رسله بأن في اتباعهم النجاة والسلامة، ~~أي: فوفى به وأنجز ووعدتكم فأخلفتكم أي: ووعدتكم وعد الباطل، وهو أن لا # PageV06P311 # بعث ولا جزاء. ولئن كان، فالأصنام شفعاؤكم. ولم يصرح ببطلانه لدلالة ~~قوله: # فأخلفتكم عليه. والإخلاف مستعار لعدم تحقق ما أخبر به وكذبه، أو مشاكلة. # وفي ms2888 الآية من الإيجاز البليغ شبه الاحتباك. حيث حذف أولا (فوفى به) ~~لدلالة قوله بعد فأخلفتكم عليه لأنه مقابله، وحذف ثانيا (وعد الباطل) ~~لدلالة وعد الحق. # وما كان لي عليكم من سلطان أي حجة وبرهان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي: ~~أسرعتم لطاعتي بمجرد ذلك، أي وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة ~~على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه فلا تلوموني أي: ~~بوعدي إياكم، إذ لم يكن بطرق القسر ولوموا أنفسكم أي: حيث استجبتم لي ~~باختياركم، حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل. ولم تستجيبوا ربكم، إذ دعاكم دعوة ~~الحق المقرونة بالبراهين والحجج. # قال القاشاني: لما ظهر سلطان الحق على شيطان الوهم وتنور بنوره، أسلم ~~وأطاع وصار محقا عالما بأن الحجة لله في دعوته للخلق إلى الحق، لا له. ~~ودعوته إلى الباطل بتسويل الحطام وتزيين الحياة الدنيا عليهم- واهية فارغة ~~من الحجة. وأقر بأن وعده تعالى بالبقاء بعد خراب البدن والثواب والعقاب عند ~~البعث، حق قد وفي به. # ووعدي بأن ليس إلا الحياة الدنيا باطل اختلقته. فاستحقاق اللوم ليس إلا ~~لمن قبل الدعوة الخالية عن الحجة فاستجاب لها. وأعرض عن الدعوة المقرونة ~~بالبرهان فلم يستجب لها. انتهى. # وحكي في (الإكليل) عن ابن الفرس: أن بعضهم انتزع من هذا إبطال التقليد في ~~الاعتقاد. قال: وهو انتزاع حسن. لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه، ولم ~~يطلبوا منه برهانا. فحكى الله تقبيحا لذلك الفعل منهم. انتهى. # ما أنا بمصرخكم أي: بمغيثكم ومنجيكم من العذاب وما أنتم بمصرخي أي: مما ~~أنا فيه. قال ابن الأعرابي: الصارخ: المستغيث، والمصرخ: # المغيث، يقال: صرخ فلان إذا استغاث وقال: وا غوثاه! وأصرخته أغثته. ~~فالهمزة للسلب. يعني أزلت صراخه، وهو مد الصوت. إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل أي: كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم- أي في الدنيا- يعني: ~~جحدت أن أكون شريكا لله عز وجل، وتبرأت منه ومنكم فلم يبق بيني وبينكم ~~علاقة كقوله تعالى: ويوم القيامة يكفرون بشرككم [فاطر: 14] ، وقوله: وإذا ~~حشر الناس # PageV06P312 # كانوا لهم أعداء ms2889 وكانوا بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6] ، وقوله: كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: ~~82] . إن الظالمين لهم عذاب أليم ابتداء كلام منه تعالى، أو تتمة كلام ~~الشيطان. # قال الزمخشري: وإنما حكى الله عز وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون ~~لطفا للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بد لهم من الوصول إليه ~~وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ~~ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. # ولما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، عطف بمآل ~~السعداء بقوله سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 23] # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # وأدخل الذين آمنوا أي بالله ورسوله وكتابه وعملوا الصالحات أي: # الطاعات جنات تجري من تحتها الأنهار أي: من تحت مساكنها وشجرها، أنهار ~~الخمر والماء والعسل واللبن خالدين فيها بإذن ربهم متعلق ب (أدخل) أي: # أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره تحيتهم فيها سلام متعلق ب (أدخل) ~~أي: # أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره تحيتهم فيها سلام أي: تحييهم ~~وتكرمهم الملائكة بالسلام عليهم، كقوله تعالى: وقال لهم خزنتها سلام عليكم ~~[الزمر: 73] ، وقوله: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم ~~[الرعد: 23- 24] . # ولما بين تعالى ما أعد للمشركين والمؤمنين من المآل الأخروي، ضرب مثلا ~~للشرك والإيمان- بأن مآل الثاني الثبات والاستقرار لأنه الذي ينفع الناس، ~~ومآل الأول إلى الدمار والاندحار- فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 25] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون (25) # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت يعني في # PageV06P313 # الأرض ضارب بعروقه فيها وفرعها أي أعلاها ورأسها في السماء تؤتي أكلها أي ~~ثمرها كل حين بإذن ربها أي بإرادته وتكوينه ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون أي: لأن فيها ms2890 زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني المعقولة بالصور ~~المحسوسة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 26] # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت أي: استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية من ~~فوق الأرض أي: لأن عروقها قريبة منه ما لها من قرار أي: استقرار. ### | تنبيه: # لحظ في الممثل به- أعني الشجرة- أوصاف جليلة لتلحظ في جانب الممثل له. ~~فمنها: كونها طيبة. أعم من طيب المنظر والصورة والشكل ومن طيب الريح. # وطيب الثمرة وطيب المنفعة. وكون أصلها ثابتا أي: راسخا باقيا في أمن من ~~الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء ليعظم الفرح به والسرور. وكون فرعها في ~~السماء فدل على كمال حال تلك الشجرة من جهة ارتفاع أغصانها وقوتها في ~~التصاعد، مما يبرهن على ثبات الأصل ورسوخ العروق، وجهة بعدها عن العفونات ~~والأقذار فتكون ثمرتها نقية طاهرة طيبة عن جميع الشوائب وكون ثمرتها تجتنى ~~كل حين فلا تنقطع بركاتها وخيراتها. ولا ريب أن وجود هذه الأوصاف مما يدل ~~على فخامة الموصوف وإنافة فضله. ولا تخفى مطابقة هذا الممثل به للممثل له- ~~أعني الحق- وهو الإسلام الذي جاء به خاتم الأنبياء عليهم السلام. # ولما كان المثل مضروبا للحق والباطل في الثبات وعدمه، والقصد أهلهما، صرح ~~بهما فذلك له، فقال في أهل المثل الأول: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 27] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة القول ~~الثابت هو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة وهو الحق. و (بالقول) ~~جوزوا تعلقه ب (يثبت) و (آمنوا) . والمعنى على الأول: ثبتهم بالبقاء على ~~ذلك، أو ثبتهم في سؤال # PageV06P314 # القبر به، وعلى الثاني فالباء سببية والمعنى: آمنوا بالتوحيد الخالص ~~فوحدوه ونزهوه عما لا يليق بجنابه. و (في الحياة) متعلق ب (يثبت أو ~~بالثابت) كما قاله أبو البقاء. # واقتصر الزمخشري وأتباعه على الأول حيث قال: # القول الثابت الذي ms2891 ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه فاعتقده ~~واطمأنت إليه نفسه. وتثبيتهم به في الدنيا، أنهم إذا فتنوا في دينهم لم ~~يزلوا. كما ثبت أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط ~~الحديد وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ~~ودينهم لم يتلعثموا ولم يبهتوا ولم تحيرهم أهوال الحشر. وقيل: معناه الثبات ~~عند سؤال القبر. # فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ~~قال: فذلك قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت.. رواه الشيخان ~~«1» وأهل السنن. # وعليه، فتفسير الآخرة بالقبر، لكون الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا. # وقال في أصحاب المثل الثاني: # ويضل الله الظالمين أي: يخلق فيهم الضلال عن الحق الذي ثبت المؤمنين عليه ~~حسب إرادتهم واختيارهم، ووصفهم بالظلم لوضعهم الشيء في غير موضعه، أو ~~لظلمهم أنفسهم حيث بدلوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ويفعل الله ما ~~يشاء أي: من التثبيت والإضلال حسبما تقتضيه حكمته البالغة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : الآيات 28 الى 30] # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا يعني كفار مكة، أتتهم نعمة الله ~~وهو التوحيد والإيمان والهداية ببعثة رسول من أنفسهم، فبدلوا شكرها كفرا ~~عظيما وغمصا لها وأحلوا قومهم أي: ممن أضلوه وصدوه عن الهدى فتابعهم ~~PageV06P315 # دار البوار أي: الهلاك جهنم عطف بيان لها يصلونها وبئس القرار، وجعلوا ~~لله أندادا أي من الأوثان فعبدوها ليضلوا عن سبيله أي: عن عبادته وحده قل ~~أي: تهديدا لأولئك الضالين المضلين تمتعوا أي: بشهوات الحياة الدنيا فإن ~~مصيركم إلى النار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 31] # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ms2892 وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم وهو يوم القيامة لا بيع فيه أي: ليتدارك به التقصير، أو ~~يفتدى به ولا خلال أي: مخالة. مصدر بمعنى المصاحبة أي لا مفاداة فيه ولا ~~خلة أحد بمغنية شيئا من شفاعة أو مسامحة بمال يفتدي به، كما قال تعالى: ~~واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون. # [البقرة: 123] . # قال الزمخشري: فإن قلت كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه لا بيع ~~فيه ولا خلال؟ قلت: من قبل أن الناس يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات ~~فيعطون بدلا ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا ~~بهداياهم أمثالها أو خيرا منها وأما الإنفاق لوجه الله خالصا، فلا يفعله ~~إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في اليوم لا بيع فيه ولا ~~خلال. أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة ولا بما ينفقون فيه أموالهم من ~~المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. انتهى. # قال أبو السعود: والظاهر أن (من) متعلقة ب (أنفقوا) وتذكير إتيان ذلك ~~اليوم لتأكيد مضمونه، من حيث أن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به ~~التقصير، معاوضة وتبرعا، وانقطاع آثار البيع والخلال الواقعين في الدنيا ~~وعدم الانتفاع بهما- من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم ~~فوائده من الإنفاق في سبيله تعالى. أو من حيث إن ادخار المال وترك إنفاقه، ~~إنما يقع غالبا للتجارات والمهاداة. # فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة، فلا وجه لادخاره إلى وقت الموت. وتخصيص ~~التأكيد بذلك لميل الطباع إلى المال، وكونها مجبولة على حبه والفتنة به. ~~ولا يبعد # PageV06P316 # أن يكون تأكيدا لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضا، من حيث إن تركها، كثيرا ~~ما يكون بالاشتغال بالبيوع والمخالات. كما في قوله تعالى: وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: 11] ، ولما ذكر أحوال الكافرين لنعم الله ~~تعالى، وأمر المؤمنين بإقامة ms2893 مراسم الطاعة شكرا لنعمه، شرع في تفصيل ما ~~يستوجب على كافة الأنام المثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام، حثا ~~للمؤمنين عليها وتقريعا للكفرة المخلين بها، الواضعين موضعها الكفر ~~والمعاصي، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 32] # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء أي المزن ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم أي تعيشون به وسخر لكم الفلك أي السفن لتجري في البحر ~~بأمره أي بإرادته وسخر لكم الأنهار أي فتجري حيث تشاؤون من شرب وسقي ~~وسواهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 33] # وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) # وسخر لكم الشمس والقمر دائبين أي يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما ~~الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات وسخر لكم الليل ~~والنهار أي يتعاقبان خلفه، لمعاشكم وسباتكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 34] # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم ~~كفار (34) # وآتاكم من كل ما سألتموه أي ما تحتاجون إليه مما تصلح أحوالكم ومعايشكم ~~به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال. # وقال القاشاني: من كل ما سألتموه بألسنة استعداداتكم، فإن كل شيء # PageV06P317 # يسأله بلسان استعداده. كما لا يفيض عليه مع السؤال بلا تخلف وتراخ وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها لعدم تناهيها إن الإنسان لظلوم أي بوضع نور ~~الاستعداد ومادة البقاء في ظلمة الطبيعة ومحل الفناء وصرفه فيها. أو بنقص ~~حق الله أو حق نفسه بإبطال الاستعداد كفار أي بتلك النعم التي لا تحصى، ~~باستعمالها في غير ما ينبغي أن يستعمل، وغفلته عن المنعم عليه به، واحتجابه ~~بها عنه. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 35] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) # وإذ قال ms2894 إبراهيم أي اذكر وقت قوله صلوات الله عليه. # قال أبو السعود: والمقصود من تذكيره، تذكير ما وقع فيه من مقالاته عليه ~~السلام على نهج التفصيل. والمراد به تأكيد ما سلف من تعجبه عليه السلام ~~ببيان فن آخر من جناياتهم، حيث كفروا بالنعم الخاصة بهم، بعد ما كفروا ~~بالنعم العامة. # وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام حيث أسكنهم بمكة، شرفها الله تعالى، ~~لإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى. وسأله ~~تعالى أن يجعله بلدا آمنا ويرزقهم من الثمرات. وتهوي قلوب الناس إليهم من ~~كل أوب سحيق. # فاستجاب الله دعاءه وجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء. فكفروا بتلك ~~النعم العظام. واستبدلوا بالبلد الحرام دار البوار. وجعلوا لله أندادا ~~وفعلوا ما فعلوا. # رب اجعل هذا البلد يعني البلد الحرام، مكة المكرمة آمنا أي ذا أمن. أو ~~آمنا أهله. واجنبني وبني أي بعدني وإياهم أن نعبد الأصنام ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 36] # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس أي كن سببا في إضلالهم. كما يقال: # فتنتهم الدنيا وغرتهم. إشارة إلى أنه افتتن بالأصنام خلائق لا تحصى. ~~والجملة تعليل لدعائه. وإنما صدره بالنداء إظهارا لاعتنائه به، ورغبته في ~~استجابته فمن تبعني أي على ملتي وكان حنيفا مسلما مثلي فإنه مني ومن عصاني ~~أي فخالف ملتي فإنك غفور رحيم أي فإنك ذو الأسماء الحسنى، والمجد الأسمى، ~~الغني عن الناس أجمعين. وتخصيص الاسمين إشارة إلى سبق الرحمة. # PageV06P318 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 37] # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) # ربنا إني أسكنت من ذريتي أي بعض أولادي. وهم إسماعيل ومن ولد منه بواد هو ~~وادي مكة غير ذي زرع أي لا يكون فيه زرع عند بيتك المحرم أي الذي حرمت ~~التعرض له ms2895 والتهاون به ربنا ليقيموا الصلاة أي لكي يأتوا بعبادتك مقومة في ~~ذلك الوضع. وهو متعلق ب أسكنت أي ما أسكنتهم هذا الوادي إلا ليقيموا الصلاة ~~عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك وحدك. # وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة. # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم أي تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا. # فيأنسوا ويتعارفوا فيتآلفوا ويعودوا على بعضهم بالمنافع وارزقهم من ~~الثمرات أي فتجلبها إليهم التجار لعلهم يشكرون أي: نعمة إقامتهم عند بيتك ~~المحرم بالصلاة فيها، على كمال الإخلاص والتوحيد، مع فراغ القلب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 38] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء لأن الكل خلقه ألا يعلم من خلق [الملك: 14] . # قال الزمخشري: المعنى: إنك أعلم، بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا، منا. # وأنت أرحم بنا منا بأنفسنا ولها. فلا حاجة إلى الدعاء والطلب. وإنما ~~ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك، وافتقارا إلى ما ~~عندك، واستعجالا لنيل أياديك، وولها إلى رحمتك. وكما يتملق العبد بين يدي ~~سيده رغبة في إصابة معروفه، مع توفر السيد على حسن الملكة. # وعن بعضهم: أنه رفع حاجته إلى كريم فأبطأ عليه النجح. فأراد أن يذكره ~~فقال: مثلك لا يذكر استقصارا ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين. ولكن ذا ~~الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها. انتهى. # PageV06P319 # وجوز في قوله تعالى: وما يخفى على الله من شيء إلخ، أن يكون من كلامه ~~تعالى، تصديقا لإبراهيم، أو من كلامه عليه السلام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 39] # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ~~(39) # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق أي ليقوما مقامي في ~~الدعوة إليه تعالى وبث الحنيفية وإقامة الصلاة بعد ذهابي إن ربي لسميع ~~الدعاء أي مجيبه. ms2896 # قال الزمخشري: وإنما ذكر حال الكبر، لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم، من ~~حيث إنها حال وقوع اليأس من الولادة. والظفر بالحاجة، على عقب اليأس، من ~~أجل النعم وأحلاها في نفس الظافر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 40] # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء أي عبادتي، كذا في ~~(التنوير) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 41] # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب أي مجازاة العباد على ~~أعمالهم. قرئ ولوالدي. بالإفراد وكأن هذا قبل تبين أمره له عليه السلام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 42] # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون يعني مشركي أهل مكة. أي لا ~~تحسبه، إذا أنظرهم وأجلهم، أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على عملهم، ~~بل هو يحصيه عليهم ويعده عليهم عدا. وفيه تسلية للرسول صلوات الله عليه، ~~ووعد له أكيد، ووعيد للكفرة وسائر الظالمين شديد. # PageV06P320 # إنما يؤخرهم أي بإمهالهم متمتعين بشهواتهم، ولا يعجل عقوبتهم ليوم تشخص ~~فيه الأبصار أي ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، لهول ما يرون. فلا تقر أعينهم ~~في أماكنها ولا تطرف. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 43] # مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) # مهطعين أي مسرعين إلى الداعي الذي يدعوهم إلى المحشر. وهذا بيان لكيفية ~~قيامهم من قبورهم، وعجلتهم إلى المحشر كقوله تعالى: مهطعين إلى الداع ~~[القمر: 8] ، وقوله: يوم يخرجون من الأجداث سراعا [المعارج: 43] . # مقنعي رؤسهم أي رافعيها إلى السماء لا يرتد إليهم طرفهم أي لا يطرفون. ~~ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان وأفئدتهم هواء أي لا قوة ~~فيها ولا ثبات، لشدة الفزع. # قال الزمخشري: الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به. فقيل: قلب ~~فلان هواء، إذا كان جبانا لا قوة في ms2897 قلبه ولا جراءة. ويقال للأحمق أيضا: ~~قلبه هواء. # والمعنى: أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها. والأبصار شاخصة. والرؤوس ~~مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته وخوف ما يقع فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 44] # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # قوله: وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب يعني يوم القيامة فيقول الذين ظلموا ~~ربنا أخرنا أي ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أجل قريب أي أمد من الزمان قريب ~~نجب دعوتك أي إلى الإقرار بتوحيدك وأسمائك الحسنى. ونتبع الرسل أي فيما ~~دعونا إليه من الشرائع. # أولم تكونوا أقسمتم على إضمار القول. أي فيقال لهم توبيخا وتبكيتا-: # أو لم تكونوا تحلفون من قبل يعني في الدنيا ما لكم من زوال أي من دار ~~الدنيا إلى دار أخرى للجزاء. كقوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت [النحل: 38] . # PageV06P321 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 45] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم كعاد وثمود وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~أي بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم ~~وضربنا لكم الأمثال أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم. أي ومع ذلك فلم يكن لكم ~~فيهم معتبر ولا مزدجر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 46] # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) # وقد مكروا أي بالنبي صلوات الله عليه مكرهم أي العظيم أي الذي استفرغوا ~~فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل وعند الله مكرهم أي جزاء مكرهم إن كان ~~مكرهم أي في العظم والشدة لتزول منه الجبال أي مسوى ومعدا لإزالة الجبال عن ~~مقارها، لتناهي شدته. # وجوز في (إن) كونها نافية واللام مؤكدة له. والمعنى: ومحال أن تزول ~~الجبال بمكرهم. ms2898 على أن الجبال مثل (أي استعارة تمثيلية) لآيات الله ~~وشرائعه. لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا. وينصره قراءة ابن ~~مسعود: (وما كان مكرهم) وقرئ لتزول بلام الابتداء أي هو من الشدة بحيث تزول ~~منه الجبال وتنقلع من أماكنها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 47] # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله أي من نصرهم المبين في قوله تعالى: # إنا لننصر رسلنا [غافر: 51] ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: # 21] ، وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~[النور: 55] الآية. # PageV06P322 # واستظهر أبو السعود: أن المعنى بالوعد هنا عذابهم الأخروي المتقدم في ~~قوله تعالى: إنما يؤخرهم ليوم إلخ [إبراهيم: 22] ، ولا يخفى أن الوعد قد ~~بين في مثل الآية الأخيرة والأوليين، في معناها. والبيان يرفع اللبس وإنما ~~أوثر تقديم المفعول الثاني، أعني (وعده) ، على الأول وهو (رسله) للإيذان ~~بالعناية به،. فإن الآية في سياق الإنذار والتهديد للظالمين بما توعدهم ~~الله به على ألسنة الرسل. فالمهم في التهديد ذكر الوعيد. كذا في (الانتصاف) ~~. # وفي (الكشف) تقديمه للاعتناء به وكونه المقصود بالإفادة. وما ذكره ممن ~~وقع الوعد على لسانه، إنما ذكر بطريق التبع للإيضاح، والتفصيل بعد الإجمال. ~~وهو من أسلوب الترقي كما في قوله: رب اشرح لي صدري [طه: 25] . وإن الله ~~عزيز أي غالب لا يماكر ذو انتقام من أعدائه، نصرا لأوليائه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 48] # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وذلك أنه تسير عن الأرض جبالها وتفجر ~~بحارها وتسوى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وتبدل السموات بانتثار كواكبها ~~وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا و (يوم) بدل من (يوم ~~يأتيهم) أو ظرف للانتقام أو مقدر ب (اذكر) أو (لا يخلف وعده) . # وبرزوا أي الخلائق أو الظالمون من أجداثهم لله الواحد القهار أي لحسابه ~~وجزائه. # قال أبو السعود: والتعرض للوصفين لتهويل الخطب وتربية المهابة ms2899 وإظهار ~~بطلان الشرك وتحقيق الانتقام في ذلك اليوم على تقدير كونه ظرفا له. وتحقيق ~~إتيان العذاب الموعود على تقدير كونه بدلا من (يوم يأتيهم العذاب) فإن ~~الأمر إذا كان لواحد غلاب، كان في غاية الشدة والصعوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 49] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد جمع (مقرن) وهو من جمع في قرن ~~(بفتحتين) الوثاق الذي يربط به. أي قرن بعضهم مع بعض حسب اقترانهم في # PageV06P323 # الجرائم والفساد. فيجمع بين النظراء والأشكال منهم، كل صنف إلى صنف. كما ~~قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] . وقال: وإذا النفوس ~~زوجت [التكوير: 7] ، أو: قرنوا مع الشياطين، لقوله تعالى: لنحشرنهم ~~والشياطين [مريم: 68] ، أو قرنت أيدهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. وقوله ~~تعالى: في الأصفاد أي القيود أو الأغلال جمع صفد (بفتحتين) بمعنى القيد أو ~~الغل. والقيد هو الذي يوضع في الرجل. والغل (بالضم) ما في اليد والعنق وما ~~يضم به اليد والرجل إلى العنق. والجار متعلق ب مقرنين أو حال من ضميره أي ~~مصفدين وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية # 50] # سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) # سرابيلهم من قطران تشبيه لهم بأكره ما يوجد منظرا عند العرب. وهو الإبل ~~الجربى التي تطلى بالقطران. وإعلام بأن لهم أعظم ما ينال الجلد داء وهو ~~تقرحه بالجرب. وأخبث ما يكون دواء لقبحه لونا وريحا، وهو القطران. فإنه ~~أسود منتن الريح. # قال الزمخشري: تطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي ~~القمص لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، ~~واللون الوحش، ونتن الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين ~~النارين. # وكل ما وعده الله وأوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهده من جنسه ما لا ~~يقادر قدره. وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي. والمسميات ثمة. فبكرمه الواسع ~~نعوذ من سخطه. ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه. انتهى. # ويؤيد ما بيناه من أن في الآية إشارة ms2900 إلى ابتلائهم بجرب جهنم: ما # رواه الإمام أحمد «1» ومسلم «2» عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: ~~قال رسول صلى الله عليه وسلم: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: ~~الفخر بالأحساب. والطعن في الأنساب. # والاستسقاء بالنجوم. والنياحة على الميت. والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب. PageV06P324 # وقد وقفت على رسالة لشمس البلغاء الخوارزمي أنفذها لمن شكا إليه داء ~~الجرب. جاء منها قوله: الجرب حكة مادتها يبوسة وحرارة ووقود والتهاب. وعسكر ~~من عساكر البلاء تمده القذارة. كما تزيد فيه اليبوسة والحرارة. وعلة تدل ~~على تضييع واجب النفس من التعهد. وعلى التفريط في العلاج والتفقد. تنطق بأن ~~صاحبها ضعيف المنة في التوفي. أسير في يد الحرص والتشهي. غاش لنفسه. قليل ~~البقيا على روحه. وهذه العلة تكسب صاحبها خزيا وحياء. وتورثه خجلا واسترخاء ~~ينظر إلى الناس بعين المريب. ويتستر عنهم كتستر المعيب. تنفر عنه الطباع، ~~وتستقذره النفوس. وتنبو عن مواكلته العيون. وأقل ما يصيبه أنه يحرم آلة ~~المطاعم وهي يداه. وآلة اللقاء والزيارة وهي رجلاه. ولو لم يكن من دقائق ~~آفاتها. ومن عجيب هباتها. إلا أنها تشيخ الفتيان. وتمسخ الإنسان. وتجعله ~~أميا بعد أن كان غير أمي. # وأعجميا وليس بأعجمي. تنفر عن نفسه نفسه. وتهرب من فراشه عرسه. ويتباعد ~~عنه أقرب الناس منه. ثم هي ربع من أرباع الخذلان وقسم من أقسام الحرمان. ~~قال الشاعر: # أعاذك الله من أشياء أربعة: ... الموت والعشق والإفلاس والجرب # وما الظن بداء قد سارت به الأمثال وقيلت فيه، دون سائر الأدواء، الأقوال. # قال أبو تمام: # لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب # وقال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # فجعله رأس الأدواء. ووصفه بأنه غاية البلاء. انتهى. وقوله تعالى: # وتغشى وجوههم النار أي تعلوها وتحيط بها النار التي تمس جسدهم المسربل ~~بالقطران. وتخصيص الوجوه لكونها أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه. # كالقلب في باطنه ولذلك قال: تطلع ms2901 على الأفئدة [الهمزة: 7] ، ولكونها مجمع ~~الحواس التي خلقت لإدراك الحق. وقد أعرضوا عنه، ولم يستعملوها في تدبره. ~~كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة، قد ملؤوها بالجهالات. ~~أفاده الزمخشري وأبو السعود. # PageV06P325 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 51] # ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) # ليجزي الله كل نفس ما كسبت الجار متعلق بمحذوف. أي يفعل بالمجرمين ما ~~يفعل ليجزي إلخ. و (النفس) مخصوصة بالنفس المجرمة بقرينة المقام. أو عام ~~للبرة والفاجرة. وعليه فيجوز تعلقه بقوله وبرزوا وما بينهما اعتراض أو ب ~~(ترى) إن الله سريع الحساب أي محاسبة الخلائق يوم القيامة. لأنه لا يشغله ~~شأن عن شأن. وجميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم. كقوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [لقمان: 28] ، أو المعنى سريع حسابه ~~أي مجيئه كقوله: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [الأنبياء: 1] ، ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة إبراهيم (14) : آية 52] # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) # هذا إشارة إلى القرآن أو السورة وقوله بلاغ للناس أي كفاية لهم لما فيه ~~من العظة والتذكير. وقوله ولينذروا به أي ليخوفوا وليوعظوا به عن الجرائم ~~التي أخذ بها الأولون وليعلموا أنما هو إله واحد أي يستدلوا بما فيه من ~~الحجج والدلائل على أنه لا إله إلا هو. وإنما قدم إنذارهم لأنهم إذا خافوا ~~ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد. لأن ~~الخشية أم الخير كله. أفاده الزمخشري: وليذكر أولوا الألباب أي ليتعظ به ~~ذوو العقول، فيقبلوا على ما فيه نجاتهم وسعادتهم. # PageV06P326 # بسم الرحمن الرحيم ### | سورة الحجر # سميت بها لاشتمالها على قوله تعالى: ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ~~[الحجر: 80] ، إلى قوله: ما كانوا يكسبون الدال على مؤاخذتهم لمجرد تكذيب ~~الرسل والإعراض عن آيات الله، بأدنى وجوه المؤاخذة، مع غاية تحصنهم. ففيه ~~غاية تعظيم الرسل والآيات. وهو من أعظم مقاصد القرآن: أفاده المهايمي. وهي ~~مكية وآياتها تسع وتسعون. # PageV06P327 ### | ### | القول في ms2902 تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) # الر تقدم الكلام في مثله تلك آيات الكتاب وقرآن مبين الإشارة إلى الر ~~لأنه اسم للسورة أي تلك السورة العظيمة آيات الكتاب الكامل وآيات قرآن عظيم ~~الشأن، مبين للحكم والأحكام ولسبيل الرشد والغي. من (أبان) المتعدي. أو ~~الظاهر معانيه أو أمر إعجازه، وكونه آية قاهرة من (أبان) اللازم. أو ~~الإشارة إلى آيات السورة أو إلى جميع آيات القرآن. وتعريف الكتاب للتعظيم ~~والتفخيم، كتنكير (قرآن) . وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 2] # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بظهور دينه. وأنه سوف يأتي أيام يتمنى الكافرون بها، أن لو سبق لهم الإسلام ~~فكانوا من السابقين. لما يرون من إعلاء كلمة الدين وظهوره على رغم ~~الملحدين. لأن من تأخر إسلامه منهم، وإن ناله من الفضل ما وعد به الحسنى، ~~ولكن لا يلحق السابقين لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك ~~أعظم درجة [الحديد: 10] ، وفيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم على الصدع ~~بالدعوة والصبر عليها، لما أن العاقبة له. وإنما جيء بصيغة التقليل، جريا ~~على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك. ترفعا واستغناء عن التصريح ~~بالغرض بناء على ادعاء ظهوره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 3] # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا أي بدنياهم وتنفيذ شهواتهم ويلههم الأمل أي # PageV06P328 # يشغلهم عن التوبة والتذكير، أمل استقامة الحال. وأن لا يلقوا إلا خيرا في ~~المآل فسوف يعلمون أي لمن تكون له العقبى. # قال الزمخشري: فيه تنبيه. # ثم بين تعالى سر تأخير عذابهم بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية # 4] # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم أي أجل مقدر ليتأمل في أسباب ~~الهلاك ليتخلص عنها، وذلك بما قام ms2903 من الحجة عليها، بتقدم الإنذار وتكرره ~~على سمعهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 5] # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) # ما تسبق من أمة أجلها أي لا تهلك قبله وما يستأخرون أي عنه، للزوم الحجة ~~وارتفاع الأعذار. ثم أخبر تعالى عن عتوهم في كفرهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 6] # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون أي يا أيها المدعي ذلك! ~~إنك لمجنون في دعائك إيانا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا. أو في ~~دعواك تنزيل الذكر. أو نادوه بذلك استهزاء وتهكما. أو هو من كلامه تعالى ~~تبرئة له عما نسبوه إليه من أول الأمر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 7 الى 8] # لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا ~~بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) # لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين أي هلا تأتينا بالملائكة ~~يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك كقوله: لولا أنزل إليه ملك فيكون معه # PageV06P329 # نذيرا # [الفرقان: 7] ، وقول فرعون: فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين [الزخرف: 53] . # ثم أشار إلى جواب مقالهم، ورد مقترحهم بقوله تعالى: ما ننزل الملائكة أي ~~عليهم فيأتونهم ويشاهدونهم إلا بالحق أي الحكمة التي جرت بها السنة الإلهية ~~وهو العذاب وما كانوا إذا منظرين أي مؤخرين. كقوله تعالى: وقال الذين لا ~~يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ~~ويقولون حجرا محجورا [الفرقان: 21- 22] . # ثم أشار إلى رد إنكارهم التنزيل مع تسلية وبشارة عظيمة، بقوله تعالى ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 9] # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أي من كل من بغى له كيدا. فلا يزال ~~نور ذكره يسري، وبحر هداه يجري، وظلال حقيته في علومه تمتد ms2904 على الآفاق، ~~ودعائم أصوله الثابتة تطاول السبع الطباق، رغما عن كيد الكائدين، وإفساد ~~المفسدين يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ~~[الصف: 8] ، وفي إيراد الجملة الثانية اسمية، دلالة على دوام الحفظ. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 10 الى # 11] # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزؤن (11) # ولقد أرسلنا أي رسلا من قبلك في شيع الأولين أي فرقهم وطوائفهم. # جمع (شيعة) وهي الفرقة المتفقة على مذهب وطريقة. و (الأولين) نعت لمحذوف. ~~أي الأمم. أو الكلام. من إضافة الصفة للموصوف. وما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزؤن أي كما يفعله هؤلاء المشركون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 12 الى 13] # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) # كذلك نسلكه أي الذكر المنزل في قلوب المجرمين أي الكافرين # PageV06P330 # وقوله: لا يؤمنون به أي بالذكر. حال من ضمير (نسلكه) أي مكذبا مستهزأ به ~~غير مقبول. # قال الزمخشري: كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها ~~باللئام. تعني مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. وقيل الجملة ~~بيان لما قبلها. وجوز في ضمير (نسلكه) أن يعود إلى الاستهزاء والتكذيب ~~المعلوم. # وقوله تعالى: وقد خلت سنة الأولين استئناف جيء به تكملة للتسلية، وتصريحا ~~بالوعيد والتهديد. أي قد مضت السنة فيهم من هلاكهم. وزهوق باطلهم، ونصر ~~الرسل، وغلبة جنود المؤمنين عليهم، واستعمارهم ديارهم. ثم بين تعالى أنهم ~~لا يتركون الاستهزاء بالرسل وإن أتتهم الآيات التي تشبه الملجئة لقوة ~~عنادهم وبغيهم، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 14 الى # 15] # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # ولو فتحنا عليهم أي على هؤلاء المستهزئين بابا من السماء فظلوا أي فصاروا ~~طول نهارهم فيه يعرجون أي يصعدون مستوضحين لما يرونه فيها من العجائب ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا أي ms2905 حيرت أو حبست من الإبصار، وما نراه شيء ~~نتخايله لا حقيقة له بل نحن قوم مسحورون. # قال الناصر في (الانتصاف) : المراد، والله أعلم، يعني من الآيتين، إقامة ~~الحجة على المكذبين بأن الله تعالى سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في ~~سويدائها. # كما سلك ذلك في قلوب المؤمنين المصدقين. فكذب به هؤلاء وصدق به هؤلاء. # كل على علم وفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة [الأنفال: # 422] ، ولئلا يكون للكفار على الله حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإعجاز كما ~~فهمها من آمن. فأعلمهم الله تعالى من الآن. وهم في مهلة وإمكان، أنهم ما ~~كفروا إلا على علم. معاندين باغين غير معذورين، والله أعلم. ولذلك عقبه ~~تعالى بقوله ولو فتحنا عليهم الآية، أي هؤلاء فهموا القرآن وعلموا وجوه ~~إعجازه وولج ذلك في قلوبهم ووقر، ولكنهم قوم سجيتهم العناد وسيمتهم اللدد، ~~حتى لو سلك بهم أوضح السبيل وأدعاها إلى الإيمان بضرورة المشاهدة، وذلك بأن ~~يفتح لهم باب في السماء ويعرج بهم إليه حتى يدخلوا منها نهارا. # PageV06P331 # وإلى ذلك الإشارة بقوله فظلوا لأن الظلول إنما يكون نهارا. لقالوا بعد ~~هذا الإيضاح العظيم المكشوف إنما سكرت أبصارنا وسحرنا محمد. وما هذه إلا ~~خيالات لا حقائق تحتها. فأسجل عليهم بذلك أنهم لا عذر لهم في التكذيب، من ~~عدم سماع ووعي ووصول إلى القلوب وفهم، كما فهم غيرهم من المصدقين، لأن ذلك ~~كله حاصل لهم. وإنما بهم العناد واللدد والإصرار، لا غيره. والله أعلم. # ثم بين تعالى دلائل وحدته وعظمته وقدرته الباهرة، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى # 18] # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) # ولقد جعلنا في السماء بروجا جمع (برج) يطلق على القصر والحصن وعلى ~~المنازل الأثني عشر التي تنتقل فيها الشمس في ظاهر الرؤية. # وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم وبالمنازل المذكورة وبالقصور، على ~~التشبيه بحصون الأرض وقصورها. فإن النجوم هياكل فخيمة عظيمة ms2906 وزيناها أي ~~السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء المرئية للناظرين أي إلى ~~حركاتها وأضوائها. أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على قدرة موجدها ~~ووحدانيته وحفظناها من كل شيطان رجيم، إلا من استرق أي اختلس السمع أي من ~~الملائكة السماوية فأتبعه أي تبعه ولحقه شهاب مبين أي لهب محرق ظاهر، فيرجع ~~أو فيحترق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : آية 19] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) # والأرض مددناها أي بسطناها وألقينا فيها رواسي أي جبالا ثوابت وأنبتنا ~~فيها من كل شيء موزون أي وزن بميزان الحكمة، وقدر بمقدار تقتضيه، لا يصلح ~~فيه زيادة ولا نقصان، أو بمعنى مستحسن متناسب من قولهم: كلام موزون. # وقد ذكر الشريف المرتضى في (الدرر) : أن العرب استعملته بهذا المعنى، ~~كقول عمر ابن أبي ربيعة. # وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا # PageV06P332 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 20 الى # 21] # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # وجعلنا لكم فيها معايش أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما، مما ~~تقتضيه ضرورة الحياة ومن لستم له برازقين أي من الأنعام والدواب وما ~~أشبهها. قال القاضي: وفذلكة الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل ~~معينين، مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان ~~المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على كمال قدرته وتناهي ~~حكمته والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد، بما أنعم عليهم في ذلك، ~~ليوحدوه ويعبدوه. ثم بالغ في ذلك وقال: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه ~~أضعاف ما وجد منه. # شبه اقتداره على كل شيء وإيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء، المعدة ~~لإخراج ما يشاء منها وما يخرجه إلا بقدر معلوم، استعارة تمثيلية. أو شبه ~~مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. ~~استعارة مكنية. ms2907 ومعنى ننزله أي نوجده ونخرجه في عالم الشهادة. والقدر ~~المعلوم الأجل المعين له، حسبما تقتضيه الحكمة، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 22 الى 23] # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) # وأرسلنا الرياح لواقح أي تلقح السحاب أي تجعلها حوامل بالماء. وذلك أن ~~السحاب بخار يصير، بإصابته الهواء البارد، حوامل للماء. قاله المهايمي: ~~فاللواقح، عليه، جمع (ملقح) بحذف الزوائد. أو تلقح الشجر بجري مائها فيه أو ~~تنميته ليثمر ويزهو. وجوز كون اللواقح جمع (لاقح) وهي الناقة الحامل. فشبهت ~~الريح التي تجيء بالمزن الممطرة بها. كما يشبه ما لا تكون كذلك ب (العقيم) ~~فيقل: ريح عقيم. فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين أي ~~بقادرين على إيجاده وإنزاله. و (الخزن) اتخاذ الخزائن يستعار للقدرة، كما ~~مر. أو بحافظين له في أمكنة ينابيعه، من سهول وجبال وعيون وآبار، بل هو ~~تعالى وحده الذي حفظه # PageV06P333 # وسلكه ينابيع في الأرض وجعله عذابا ورحم العباد بسقياه وإنا لنحن نحيي ~~ونميت ونحن الوارثون أي الباقون بعد هلاك الخلق كله. وقيل للباقي: وارث، ~~استعارة من (وارث الميت) لأنه يبقى بعد فنائه. ومنه قوله صلوات الله عليه ~~في دعائه: واجعله الوارث منا. كذا في (الكشاف) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 24 الى # 25] # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو ~~يحشرهم إنه حكيم عليم (25) # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين أي من تقدم ولادة ~~وموتا. ومن تأخر من الأولين والآخرين. أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم ~~يخرج بعد. أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر. لا يخفى علينا ~~شيء من أحوالكم. وهو بيان لكمال علمه، بعد الاحتجاج على كمال قدرته فإن ما ~~يدل على قدرته دليل على علمه. وفي تكرير قوله ولقد علمنا من كمال التأكيد ~~ما لا يخفى وإن ربك هو يحشرهم أي الأولين والآخرين على كثرتهم إنه ms2908 حكيم أي ~~يدبر أمرهم في الحشر على وفق الحكمة عليم أي بكل ما فيهم من خفايا الصفات ~~الذميمة سيجزيهم وصفهم [الأنعام: 139] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 27] # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من ~~نار السموم (27) # ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم من صلصال أي طين يابس مصوت من حمإ صفة ~~لصلصال. أي كائن من طين متغير مسود مسنون أي مصور من (سنة الوجه) وهي ~~صورته. أو مصبوب، من (سن الماء) صبه. أي مفرغ على هيئة الإنسان. كأنه ~~سبحانه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم ~~صيره جسدا ولحما ونفخ فيه من روحه والجان خلقناه من قبل أي من قبل الإنسان. # من نار السموم أي من نار الريح الشديد الحر. # قال أبو السعود: ومساق الآية، كما هو، للدلالة على كمال قدرته تعالى، ~~وبيان # PageV06P334 # بدء خلق الثقلين. فهو التنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها ~~إمكان الحشر، وهو قبول المواد للجمع والإحياء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 28 الى # 29] # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته أي ~~عدلت خلقته وأكملتها ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي تحية له ~~وتعظيما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 30 الى 33] # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) ~~قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته ~~من صلصال من حمإ مسنون (33) # فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يا ~~إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين، قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال ~~من حمإ مسنون. # يعني: وقد خلقتني من نار فأنا خير منه. كما صرح به ms2909 في آية غيرها. وفي ~~تكرير قوله: من صلصال إلخ تذكير للإنسان بأصله هذا المفضول، ليكون كابحا من ~~جماح غوايته، وشدة تمرده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 34 الى 38] # قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال ~~رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت ~~المعلوم (38) # قال فاخرج منها أي من زمرة الملائكة المعززين فإنك رجيم أي مطرود من كل ~~خير وكرامة. فإن من يطرد يرجم بالحجارة. أو شيطان يرجم بالشهب. وهو # PageV06P335 # وعيد يتضمن الجواب عن شبهته. فإن من عارض النص بالقياس فهو رجيم ملعون. # أفاده أبو السعود. # وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين أي الجزاء. وهو يوم القيامة قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم وهو ~~يوم البعث. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 39 الى # 41] # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم أي المعاصي في الأرض ولأغوينهم أجمعين، ~~إلا عبادك منهم المخلصين أي الذين أخلصتهم لطاعتك وجردتهم بالتوجه إليك. # وقرئ بكسر اللام أي الذين أخلصوا دينهم لك وأعمالهم من غير حظ لغيرك ~~فيها. # قال هذا صراط علي مستقيم أي حق نهجه ومراعاته لا اعوجاج فيه. وهو أن لا ~~سلطان لك على عبادي المخلصين، إلا الذين يناسبونك في الغواية والبعد عن ~~صراطي، فيتبعونك كما قال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 42 الى 44] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان أي قهر على الإغراء. # إلا من اتبعك من الغاوين أي المطبوعين على الغواية وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين قال المهايمي: لأن غوايتهم إنما كانت بترك متابعة الدليل مع متابعة ~~الأهوية الباطلة، لغلبتها عليهم لها سبعة أبواب لكل ms2910 باب منهم أي الغواة جزء ~~مقسوم أي حزب معين مفرز من غيره، حسبما يقتضيه استعداده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 48] # إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين (48) # إن المتقين في جنات وعيون، ادخلوها أي يقال لهم ادخلوها بسلام أي # PageV06P336 # سالمين أو مسلما عليكم آمنين أي من الآفات والزوال ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل أي حقد كان في الدنيا، لبعضهم على بعض إخوانا حال من فاعل ادخلوها أو ~~الضمير في (آمنين) على سرر أي مراتب عالية متقابلين لتساوي درجاتهم وتقارب ~~مراتبهم. فيتلذذ بعضهم برؤية وجه بعض متقابلين لا يمسهم فيها نصب أي تعب ~~وما هم منها بمخرجين لسرمدية مقامهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 49 الى # 52] # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ~~(52) # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم أي لمن تاب وآمن وعمل صالحا وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم أي لمن لم يتب من كفره. والجملة فذلكة لما سلف من الوعد ~~والوعيد وتقرير له. ونبئهم عن ضيف إبراهيم أي عن نبئه. والضيف كالزور، يقع ~~على الواحد والجمع. # قال في الكشاف: عطف ونبئهم على نبئ عبادي ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم ~~لوط، عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ويتحققوا عنده أن ~~عذابه هو العذاب الأليم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون أي ~~خائفون. وذلك لما رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 53 الى 56] # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسني ~~الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قال ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال ms2911 أبشرتموني على أن مسني الكبر أي ~~مع مس الكبر بأن يولد لي، والكبر مانع منه فبم تبشرون قال الزمخشري: هي ~~(ما) الاستفهامية دخلها معنى التعجب. كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني. أو ~~أراد إنكم تبشرونني بما هو غير متصور في العادة. فبأي شيء تبشرون؟ يعني لا ~~تبشروني في الحقيقة بشيء. لأن البشارة بمثل هذا، بشارة بغير شيء. # قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين أي الآيسين من ذلك. قال ومن # PageV06P337 # يقنط من رحمة ربه إلا الضالون # يعني لم أستنكر ذلك قنوطا من رحمته، ولكن استبعادا له في العادة التي ~~أجراها الله تعالى. والتصريح برحمة الله في أحسن مواقعه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 57 الى # 60] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) ~~إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ~~(60) # قال أي إبراهيم. بعد أن ذهب عنه الروع فما خطبكم أي أمركم الخطير الذي ~~لأجله أرسلتم، سوى البشارة أيها المرسلون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ~~أي إلى إهلاكهم. يعنون قوم لوط إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته ~~قدرنا إنها لمن الغابرين أي الباقين مع الكفرة، لتهلك معهم. وإسناد التقدير ~~لهم مجازي من باب قول خواص الملك (دبرنا كذا وأمرنا بكذا) وإنما يعنون دبر ~~ملك وأمر. هذا إذا كان (قدرنا) بمعنى أردنا وقضينا. وإن كان بمعنى علمنا، ~~فلا غرو في علم الملائكة ذلك، بإخباره تعالى إياهم به. # ومن الناس من يجعل (قدرنا) من كلامه تعالى، غير محكي عن الملائكة. قال في ~~(الانتصاف) وهو الظاهر لاستغنائه عن التأويل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 61 الى 64] # فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) # فلما جاء آل لوط المرسلون، قال إنكم قوم منكرون أي لا أعرفكم ولا أدري من ~~أي الأقوام أنتم وما أقدمكم. # وقال المهايمي: أي يخاف منكم تارة وعليكم أخرى. والظاهر أنه ms2912 قال ذلك لهم، ~~بعد معاناته الشدائد من قومه لأجلهم. كما فصل في سورة هود قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون أي العذاب الذي كنت تتوعدهم به، فيمرون به، ويكذبونك ~~وأتيناك بالحق أي اليقين مع هلاكهم وإنا لصادقون. # PageV06P338 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 65 الى 67] # فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث ~~تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء ~~أهل المدينة يستبشرون (67) # فأسر بأهلك أي فاذهب بهم في الليل بقطع من الليل أي في طائفة منه وهي ~~آخره واتبع أدبارهم أي كن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم ولا ~~يلتفت منكم أحد أي لينظر ما وراءه، فيرى من الهول ما لا يطيقه وامضوا حيث ~~تؤمرون، وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين أي يستأصلون عن ~~آخرهم، حال كونهم داخلين في الصبح وجاء أهل المدينة أي مدينة لوط، وهي سدوم ~~يستبشرون أي بأضيافه، طمعا فيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 68 الى 77] # قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا ~~أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) # فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ~~ذلك لآية للمؤمنين (77) # قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون أي بالإساءة إليهم. فإن الإساءة إليهم ~~فضيحة للمضيف واتقوا الله ولا تخزون، قالوا أولم ننهك عن العالمين أي عن أن ~~تجير أحدا منهم أو تدفع عنهم أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون ~~لكل أحد. # وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالنهي عن المنكر والحجر بينهم وبين ~~المتعرض له. فأوعدوه وقالوا: # لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين [الشعراء: 167] ، أفاده الزمخشري. # قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين تقدم الكلام عليه في سورة هود، مفصلا ~~لعمرك قسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ms2913 اعترض به تعبا من شدة غفلتهم ~~وتكريما للمخاطب إنهم لفي سكرتهم أي غفلتهم التي ذهبت معها أحلامهم يعمهون ~~أي يترددون فلا يفهمون ما يقال لهم. ولما لم يسمعوا منه، النصيحة المبقية ~~لهم، أسمعهم الله الصيحة المهلكة لهم فأخذتهم الصيحة أي صيحة العذاب # PageV06P339 # مشرقين أي داخلين في وقت شروق الشمس فجعلنا أي من تلك الصيحة المحركة ~~للأرض عاليها سافلها قال المهايمي لجعلهم الرجال العالين كالنساء السافلات. # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل أي طين متحجر، لرجمهم على لواطهم إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين أي الناظرين بطريق في الآيات وإنها يعني مدينة قوم لوط ~~المدمرة لبسبيل مقيم أي ثابت يسلكه الناس، لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك ~~الآثار. # قال الزمخشري: وهو تنبيه لقريش. كقوله: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، ~~وبالليل، أفلا تعقلون # [الصافات: 137- 138] . # إن في ذلك لآية للمؤمنين أي في هلاكهم لعبرة لهم. ### | تنبيهان: # الأول- قال ابن القيم: في (أقسام القرآن) : أكثر المفسرين من السلف ~~والخلف بل لا يعرف السلف فيه نزاعا- أن هذا، يعني قوله تعالى لعمرك قسم من ~~الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز ~~وجل بحياته. # وهذه مزية لا تعرف لغيره. # ولم يوفق الزمخشري لذلك. فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط. وإنه من قول ~~الملائكة. # فقال: هو على إرادة القول. أي قالت الملائكة للوط عليه السلام: # لعمرك ... الآية وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين بل ظاهر اللفظ ~~وسياقه إنما يدل على أن ما فهمه السلف أطيب، لا أهل التعطيل والاعتزال. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لعمرك أي حياتك: قال: وما أقسم الله تعالى ~~بحياة نبي غيره. والعمر والعمر واحد. إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإثبات ~~الأخف، لكثرة دور الحلف على ألسنتهم. وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة. فهو عمر ~~شريف عظيم أهل أن يقسم به، لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم. ولا ريب أن ~~عمره وحياته من أعظم النعم والآيات. فهو أهل أن يقسم به. والقسم به أولى من ~~القسم ms2914 بغيره من المخلوقات. ثم قال ابن القيم: وإنما وصف الله سبحانه ~~اللوطية بالسكرة، لأن للعشق سكرة مثل سكرة الخمر كما قال القائل: # PageV06P340 # سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران؟ # الثاني- قوله تعالى: إن في ذلك لآيات للمتوسمين قال السيوطي في (الإكليل) ~~: هذه الآية أصل في الفراسة. # أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ~~بنور الله» «1» . ثم قرأ هذه الآية. # وقد كان بعض قضاة المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام، جريا على طريق إياس ~~بن معاوية. انتهى. # وقد أجاد الكلام في الفراسة، الراغب الأصفهاني في كتاب (الذريعة) حيث قال ~~في الباب السابع: وأما الفراسة، فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه ~~وأقواله، على أخلاقه وفضائله ورذائله. # وربما يقال: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله. وقد نبه الله ~~تعالى على صدقها بقول: إن في ذلك لآيات للمتوسمين [الحجر: 75] ، وقوله: # تعرفهم بسيماهم [البقرة: 273] ، وقوله: ولتعرفنهم في لحن القول [محمد: # 30] ، ولفظها من قولهم (فرس السبع الشاة) فكأن الفراسة اختلاس المعارف. ~~وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، ~~بل ضرب من الوحي. وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم # بقوله «2» : «المؤمن ينظر بنور الله» # وهو الذي يسمى صاحبه المروع والمحدث. # وقال عليه الصلاة والسلام (إن يكن في هذه الأمة محدث، فهو عمر) «3» . # وقيل في قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب [الشورى: 51] الآية: إنما كان وحيا بإلقائه في الروع، وذلك للأنبياء ~~كما قال عز وجل: نزل به الروح الأمين، على قلبك [الشعراء: 193- 194] ، وقد ~~يكون بإلهام في حال اليقظة وقد يكون في حال المنام. ولأجل ذلك # قال عليه الصلاة والسلام: (الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة) «4» . # والضرب الثاني من الفراسة يكون بضاعة متعلمة وهي معرفة ما بين الألوان ~~والأشكال، وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية. ومن عرف ذلك كان ذا ~~فهم PageV06P341 # ثاقب بالفراسة. وقد عمل في ذلك كتب. من تتبع الصحيح منها، اطلع على ms2915 صدق ~~ما ضمنوه. والفراسة ضرب من الظن. وسئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما ~~فقال: الظن بتقلب القلب. والفراسة بنور الرب. ومن قوي فيه نور الروح ~~المذكور في قوله تعالى: ونفخت فيه من روحي [الحجر: 29] و [ص: 72] ، كان ممن ~~وصفه بقوله: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه [هود: 17] ، وكان ~~ذلك النور شاهدا، أصاب فيما حكم به. ومن الفراسة # قوله عليه الصلاة والسلام في المتلاعنين: (إن أمرهما بين، لولا حكم الله) ~~«1» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى # 81] # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ~~(79) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين (81) # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (إن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن ~~محذوف. أي: وإن الشأن كان أصحاب الأيكة. وهم قوم شعيب عليه السلام. # كانوا يسكنون أيكة، وهي بقعة كثيرة الأشجار، فظلموا بأنواع من الظلم، من ~~شركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان. فبعث الله إليهم شعيبا ~~عليه السلام فكذبوه. فانتقمنا منهم أي بعذاب الظلة، وهي سحابة أظلتهم بنار ~~تقاذفت منها، فأحرقتهم وإنهما يعني قرى قوم لوط والأيكة لبإمام مبين أي ~~طريق واضح. وقد كانوا قريبا من قوم لوط، بعدهم في الزمان ومسامتين لهم في ~~المكان. ولهذا لما أنذرهم شعيب قال: وما قوم لوط منكم ببعيد [هود: 89] . # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين يعني ثمود، كذبوا صالحا عليه السلام. ومن ~~كذب واحدا من الأنبياء عليهم السلام، فقد كذب الجميع. لاتفاقهم على التوحيد ~~والأصول التي لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار. و (الحجر) واد بين المدينة ~~والشام كانوا يسكنونه. معروف. يجتازه ركب الحج الشامي. # وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين يعني بالآيات ما دلهم على صدق دعوى ~~نبيهم. كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء. وكانت تسرح ~~PageV06P342 # في بلادهم. لها شرب ولكم شرب يوم معلوم [الشعراء: 155] ، فلما عتوا ~~وعقروها، قال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب [هود: 65] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر ms2916 (15) : الآيات 82 الى # 87] # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق ~~العليم (86) # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين أي من حوادث الدهر فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين أي وقت الصباح من اليوم الرابع. وفي سورة الأعراف: فأخذتهم الرجفة ~~[الأعراف: 78] أي الزلزلة وهي من توابع الصيحة. أو هي مجاز عنها. # فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون أي ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم ~~التي ضنوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما ~~دفعت عنهم تلك الأموال لما جاء أمره تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق أي إلا خلقا متلبسا بالحق والحكمة الثابتة، التي لا تقبل ~~التغير. وهي الاستدلال بها على الصانع وصفاته وأسمائه وأفعاله ليعرفوه ~~فيعبدوه، بحيث لا يلائم استمرار الفساد. ولذلك اقتضت الحكمة إرسال الرسل ~~مبشرين ومنذرين. وإن الساعة لآتية أي فيجزي كلا بما كانوا يعملون فاصفح ~~الصفح الجميل أي عاملهم معاملة الصفوح الحكيم، كقوله: فاصفح عنهم وقل سلام، ~~فسوف يعلمون [الزخرف: 89] . # وقوله تعالى: إن ربك هو الخلاق العليم تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على ~~إقامة الساعة. فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزق من ~~الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض كقوله تعالى: أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم [يس: 81] . # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم قال الرازي إنه تعالى لما ~~صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم ~~العظيمة التي خصه بها. لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه، سهل عليه ~~الصفح والتجاوز. # (والسبع المثاني) هو القرآن كله كما قاله ابن عباس في رواية طاوس. لقوله # PageV06P343 # تعالى: كتابا متشابها مثاني [الزمر: 23] ، والواو في قوله: والقرآن ~~العظيم لعطف الصفة كقول الشاعر: # إلى الملك القرم ms2917 وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # و (السبع) يراد بها الكثرة في الآحاد. كالسبعين في العشرات. و (المثاني) ~~جمع مثنى بمعنى التثنية أو الثناء. فإنه تكرر قراءته أو ألفاظه أو قصصه ~~ومواعظه. أو مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز. أو مثن على الله تعالى بأفعاله ~~العظمى وصفاته الحسنى. # وقد روي عن بعض السلف تفسير السبع بالسور الطوال الأول، وهذا لم يقصد به. ~~إلا أن اللفظ الكريم يتناولها، لا أنها هي المعنية. كيف لا وهذه السورة ~~مكية وتلك مدنيات؟ كالقول بأنها الفاتحة سواء. وأما # حديث «1» : (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته) عند الشيخين، # فنعناه أنها من السبع، لعطف قوله (والقرآن العظيم الذي أوتيته) ولو كان ~~القصر على بابه، لناقضه لمعطوف. لاقتضائه أنها هو لا غيره. وبداهة بطلانه ~~لا تخفى. # وسر الإخبار بأنها السبع، كون الفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن. وكل ~~ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها. كما بينه الإمام مفتي مصر في (تفسير ~~الفاتحة) فراجعه. هذا ما ظهر لي الآن في تحقيق الآية. # وللأثري الواقف مع ظاهر ما صح من الأخبار، الجازم بأن السبع في الآية هي ~~الفاتحة لظاهر الحديث- أن يجيب عن القصر بأن المراد بالمعطوف القرآن بمعنى ~~المقروء، لا بمعنى الكتاب كله. والله أعلم. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 88 الى # 90] # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك ~~للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين ~~(90) # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم يعني: قد أوتيت النعمة ~~العظمى، التي كل نعمة وإن عظمت، فهي إليها حقيرة. وهي القرآن العظيم. فعليك ~~PageV06P344 # أن تستغني ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به، من زخارف الدنيا وزينتها، ~~أصنافا من الكفار متمنيا لها. فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته. وفي ~~التعبير عما أوتوه (بالمتاع) إنباء عن وشك زوالها عنهم. # ولا تحزن عليهم أي لعدم إيمانهم، المرجو بسببه تقوي ضعفاء المسلمين بهم ~~واخفض ms2918 جناحك للمؤمنين أي تواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وضعفائهم. وطب ~~نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء. # وقل إني أنا النذير المبين أي المنذر المظهر للعذاب لمن لم يؤمن كما ~~أنزلنا على المقتسمين أي مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين. أو إنذارا ~~مثل ما أنزلنا. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح عليه ~~السلام، الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله فأخذتهم الصيحة، كما مر. ~~فالاقتسام من (القسم) لا من القسمة. # وهذا التأويل اختاره ابن قتيبة. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 91 الى # 93] # الذين جعلوا القرآن عضين (91) فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا ~~يعملون (93) # الذين جعلوا القرآن عضين أي أجزاء جمع (عضة) يعنى كفار مكة. قالوا: # سحر. وقالوا: كهانة. وقالوا: أساطير الأولين. وهو مبتدأ خبره فو ربك ~~لنسئلنهم أجمعين، عما كانوا يعملون أي من التقسيم فنجازيهم عليه. وجوز تعلق ~~(كما) بقوله: لنسئلنهم أي لنسألنهم أجمعين مثل ما أنزلنا. فيكون (كما) رأس ~~آية و (المقتسمون) حينئذ، إما من تقدم، أو المشركون. ويعنى بالإنزال عليهم ~~إنزال الهداية التي أبوها. وجوز جعل الموصول مفعولا أول للنذير، أو لما دل ~~عليه من أنذر. أي النذير. أو أنذر المعضين الذين يجزئون القرآن إلى سحر ~~وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين. وجوز جعل (كما) متعلقا بقوله ~~تعالى: ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب الذين جزءوا ~~القرآن إلى حق وباطل. حيث قالوا: قسم منه حق موافق لما عندنا. وقسم باطل لا ~~يوافقه. أو القرآن هو مقروؤهم. أي قسموا ما قرءوا من كتبهم وحرفوه. فأقروا ~~ببعضه وكذبوا ببعضه. # والله أعلم. # PageV06P345 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 94 الى # 96] # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) # فاصدع بما تؤمر أمر من (الصدع) بمعنى الإظهار والجهر، من (انصداع الفجر) ~~. أو من (صدع الزجاجة) ونحوها وهو تفريق أجزائها. أي: افرق بين الحق ~~والباطل وأعرض عن المشركين ms2919 أي الذين يرومون صدك عن التبليغ، فلا تبال بهم ~~إنا كفيناك المستهزئين أي حفظناك من شرهم، فلا ينالك منهم ما يحذر. وهذا ~~ضمان منه تعالى، له صلوات الله عليه، لينهض بالصدع نهضة من لا يهاب ولا ~~يخشى. كما قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] . # الذين يجعلون مع الله إلها آخر وصفهم بذلك، تسلية له عليه الصلاة ~~والسلام. وتهوينا للخطب عليه، بأنهم أصحاب تلك الجريمة العظمى، التي هي ~~أكبر الكبائر، التي سيخذلون بسببها. كما قال: فسوف يعلمون أي عاقبة أمرهم. ~~وقد جوز في الموصول أن يكون صفة (للمستهزئين) ومنصوبا بإضمار فعل. ومرفوعا ~~بتقدير (هم) . وفي الآية وعيد شديد لمن جعل معه تعالى معبودا آخر. وقد أشار ~~كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى: إنا كفيناك المستهزئين عنى به ما عجله ~~من إهلاكهم. كما روى ابن إسحاق عن عروة: أن عظماء المستهزئين كانوا خمسة ~~نفر. # وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم: من بني أسد أبو زمعة، كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه. # فقال: اللهم! أعم بصره وأثكله ولده # . ومن بني زهرة الأسود. ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة. ومن بني سهم ~~العاص بن وائل. # ومن خزاعة الحارث. فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الاستهزاء، أنزل الله تعالى: فاصدع بما تؤمر إلى قوله: فسوف يعلمون، # قال ابن إسحاق عن عروة، إن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يطوف بالبيت. فقام وقام رسول الله إلى جنبه. فمر به الأسود فأشار إلى بطنه ~~فاستسقى بطنه فمات منه. ومر به الوليد فأشار إلى أثر جراح بأسفل كعب رجله. ~~كان أصابه قبل ذلك بسنتين. فانتقض به فقتله. # ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار يريد الطائف. # فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه ومر به الحارث فأشار إلى رأسه ms2920 فامتخط ~~قيحا فقتله # . انتهى. # PageV06P346 # ومثله ما # رواه ابن مسعود: قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصلي في ظل ~~الكعبة. # وناس من قريش وأبو جهل قد نحروا جزورا في ناحية مكة: فبعثوا فجاؤوا ~~بسلاها وطرحوه بين كتفيه وهو ساجد. فجاءت فاطمة فطرحته عنه. فلما انصرف ~~قال: اللهم! عليك بقريش وبأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن ~~خلف وعقبة بن أبي معيط «1» . # قال ابن مسعود رضي الله عنه: فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجر (15) : الآيات 97 الى 99] # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ~~(98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين لما ذكر تعالى أن قومه يهزئون ويسفهون، أعلمه ~~بما يعلمه سبحانه منه، من ضيق صدره وانقباضه بما يقولون: لأن الجبلة ~~البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك. ثم أعلمه بما يزيل ضيق الصدر والحزن. ~~وذلك أمره من التسبيح والتحميد والصلاة. كما قال تعالى: واستعينوا بالصبر ~~والصلاة [البقرة: 45] ، وقال: ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] ~~ومعلوم أن في الإقبال على ما ذكر، استنزال الإمداد الرباني بالنصر ~~والمعونة. لقوله: إن الله مع الصابرين [البقرة: 153] و [الأنفال: 46] ، ~~وقوله: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] ، وقوله: إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون [النحل: 128] . # وقد روي في شمائله صلوات الله عليه أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ~~تأويلا لما ذكر. # قال أبو السعود: وتحلية الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيق ما تضمنته من ~~التسلية. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة ~~والسلام. # ما لا يخفى من إظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام، والإشعار بعلة الحكم، ~~أعني الأمر بالتسبيح والحمد. والمراد من (الساجدين) المصلين. من إطلاق ~~الجزء على PageV06P347 # الكل. و (اليقين) : الموت. فإنه متقين اللحوق بكل حي مخلوق. وإسناد ~~الإتيان إليه، للإيذان بأنه متوجه إلى الحي طالب للوصول إليه. والمعنى دم ~~على العبادة ms2921 ما دمت حيا. # كقوله تعالى في سورة مريم: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا [مريم: ~~31] . # وقيل: المراد ب (اليقين) تعذيب هؤلاء وأن ينزل بهم ما وعده. ولا ريب أنه ~~من المتيقن. إلا أن إرادة الموت منه، أولى. يدل له قوله تعالى إخبارا عن ~~أهل النار: # قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، ~~وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين [المدثر: 43 و 47] ، وما # في الصحيح عن أم العلاء، امرأة من الأنصار: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك، ~~أبا السائب! فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ فقال: ~~أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير «1» . ### | تنبيه: # قال الحافظ ابن كثير: يستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله: واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين على أن العبادة، كالصلاة ونحوها، واجبة على الإنسان ما دام ~~عقله ثابتا، كما # في صحيح البخاري «2» عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قال: صل قائما. فإن لم تستطع فقاعدا. فإن لم تستطع فعلى ~~جنب. # ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة. # فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل. ~~فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم، أعلم الناس بالله، وأعرفهم ~~بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا، مع هذا، أعبد الناس وأكثرهم ~~مواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة. انتهى. PageV06P348 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النحل # سميت بها لاشتمالها على قوله تعالى: وأوحى ربك إلى النحل النحل: 68] ، ~~المشير إلى أنه لا يبعد أن يلهم الله عز وجل بعض خواص عباده، أن يستخرجوا ~~الفوائد الحلوة الشافية من هذا الكتاب. بحمل كلماته على مواضع الشرف. وعلى ~~المعاني المثمرة، وعلى التصرفات العالية. مع تحصيل ms2922 الأخلاق الفاضلة وسلوك ~~سبيل التصفية والتزكية. وهذا أكمل ما يعرف به فضائل القرآن ويدرك به ~~مقاصده. قاله المهايمي. # وقال بعضهم: تسمية السورة بذلك تسمية بالأمر المهم. ليتفطن الغرض الذي ~~يرمى إليه. ك (الجمعة) لأهمية الاجتماع الأسبوعي وما ينجم عنه من مصالح ~~الأمور العامة، والحديد لمنافعه العظيمة. و (النحل) . و (العنكبوت) . و ~~(النمل) . للتفطن لصغار الحيوانات الحكيمة الصنائع. وهكذا. وسيأتي طرف من ~~حكمة النحل وأسراره عند آيته في هذه السورة. # وهي مكية. واستثنى ابن عباس آخرها. وعن الشعبي إلا قوله تعالى: وإن ~~عاقبتم [النحل: 126] ، الآيات وعن الشعبي: إلا قوله تعالى: والذين هاجروا ~~في الله [النحل: 41] ، الآيات. وآياتها مائة وثمان وعشرون. # وعن قتادة: تسمى سورة النعم. وذلك لما عدد الله فيها من النعم على عباده. # PageV06P349 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون تقرر في غير ما آية، ~~أن المشركين كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو إهلاكهم. كما فعل ~~يوم بدر، استهزاء وتكذيبا بالوعد. فقيل لهم: أتى أمر الله أي ما توعدونه ~~مما ذكر. # والتعبير عنه ب أمر الله للتفخيم والتهويل. وللإيذان بأن تحققه في نفسه ~~وإتيانه، منوط بحكمه النافذ وقضائه الغالب. وإتيانه عبارة عن دنوه ~~واقترابه، على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع. أو عن إتيان مباديه ~~القريبة، على نهج إسناد حال الأسباب إلى المسببات. والآية كقوله تعالى: ~~اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [الأنبياء: 1] ، وقوله: اقتربت ~~الساعة وانشق القمر [القمر: 1] ، وقوله: ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجاءهم العذاب. وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون [العنكبوت: 53] ، ثم إنه ~~تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه، من الأوثان ~~والأنداد، الذي أفضى بهم إلى الاستهزاء والعناد، واعتقاد أنها شفعاؤهم إذا ~~جاء الميعاد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 2] # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله ms2923 ~~إلا أنا فاتقون (2) # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله ~~إلا أنا فاتقون رد لاستبعادهم النبوة، بأن ذلك سنة له تعالى. ولذا ذكر صيغة ~~الاستقبال كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: ~~15] ، وقوله تعالى: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [الحج: 75] ، ~~والروح هو الوحي، الذي من جملته القرآن. لقوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشاء من عبادنا # PageV06P350 # [الشورى: 52] ، والتعبير عنه بالروح على نهج الاستعارة. فإنه يحيي القلوب ~~الميتة بالجهل ومن أمره بيان للروح، أو حال منه، أو صفة، أو متعلق ب (ينزل) ~~و (من) للسببية وأن أنذروا بدل من الروح. أي أخبروهم بالتوحيد والتقوى. ~~فقوله فاتقون من جملة المنذر به. أو هو خطاب للمستعجلين، على طريقة ~~الالتفات، والفاء فصيحة أي إذا كانت سنته تعالى ذلك، فاتقون، بما ينافيه من ~~الإشراك وفروعه، من الاستعجال. # قال الزمخشري: ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو، بما ذكر، مما لا ~~يقدر عليه غيره. من خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بد ~~له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه، وجر أثقاله وسائر حاجاته. وخلق ما لا ~~يعلمون من أصناف خلائقه. ومثله متعال عن أن يشرك به غيره. بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 3 الى # 6] # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~(5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) # خلق السماوات والأرض بالحق أي بالحكمة كما تقدم تعالى عما يشركون خلق ~~الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة فإذا هو بعد تكامله بشرا خصيم مبين أي ~~مخاصم لخالقه مجادل. يجحد وحدانيته ويحارب رسله. وهو إنما خلق ليكون عبدا ~~لا ضدا والأنعام خلقها لكم أي لمصالحكم وهي الأزواج الثمانية المفصلة في ~~سورة ms2924 الأنعام. # قال الزمخشري: وأكثر ما تقع على الإبل. # فيها دفء أي ما يدفئ أي يسخن به من صوف أو وبر أو شعر، فيقي البرد ومنافع ~~أي من نسلها ودرها وركوب ظهرها ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال أي زينة حين ~~تريحون أي تردونها من مراعيها إلى مراحها (بضم الميم) وهو مقرها في دور ~~أهلها بالعشي وحين تسرحون أي تخرجونها بالغداة إلى المراعي. # قال الزمخشري: من الله بالتجمل بها كما من بالانتفاع بها. لأنه من أغراض ~~أصحاب المواشي. بل هو من معاظمها لأن الرعيان، إذا روحوها بالعشي، وسرحوها ~~بالغداة، فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، ~~أنست أهلها # PageV06P351 # وفرحت أربابها. وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وكسبتهم الجاه والحرمة ~~عند الناس، ونحوه: لتركبوها وزينة [النحل: 8] ، يواري سوآتكم وريشا ~~[الأعراف: 26] . # فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر، ~~إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها. # انتهى. # ثم أشار إلى فائدة جامعة للحاجة والزينة فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 7 الى 8] # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف ~~رحيم (7) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) # وتحمل أثقالكم أي أحمالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس بكسر ~~الشين المعجمة وفتحها. وقراءتان وهما لغتان في معنى (المشقة) أي لم تكونوا ~~بالغيه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، فضلا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم إن ~~ربكم لرؤف رحيم أي حيث سخرها لمنافعكم. ثم أشار إلى ما هو أتم في دفع ~~المشقة وإفادة الزينة، فقال: والخيل والبغال والحمير عطف على (الأنعام) ~~لتركبوها وزينة عطف محل (لتركبوها) فهي مفعول له أو مصدر لمحذوف. أي ~~وتتزينوا بها زينة، أو مصدر واقع موقع الحال من فاعل (تركبوها) أو مفعوله. ~~أي متزينين بها أو متزينا بها. وسر التصريح باللام في المعطوف عليه، دون ~~المعطوف، هو الإشارة إلى أن المقصود المعتبر الأصلي في الأصناف، هو الركوب: # وأما التزين بها ms2925 فأمر تابع غير مقصود قصد الركوب. فاقترن المقصود المهم ~~باللام المفيدة للتعليل. تنبيها على أنه أهم الغرضين وأقوى السببين. وتجرد ~~التزين منها تنبيها على تبعيته أو قصوره عن الركوب. والله أعلم. كذا في ~~(الانتصاف) ### | تنبيه: # استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل. قائلين بأن التعليل ~~بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها. قالوا: ويؤيد ذلك ~~إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن الأنعام. فيفيد ذلك اتحاد ~~حكمها في تحريم الأكل. # قالوا: ولو كان أكل الخيل جائزا، لكن ذكره والامتنان به أولى من ذكر ~~الركوب، لأنه أعظم فائدة منه وأجاب المجوزون لأكلها، بأنه لا حجة في ~~التعليل بالركوب، لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها، لا ينافي غيره. # PageV06P352 # ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر ويكون ذكره أقدم من ذكر ~~الركوب. وأيضا لو كانت هذه الآية تدل على تحريم الخيل لدلت على تحريم الحمر ~~الأهلية. وحينئذ لا يكون ثم حاجة لتجديد التحريم لها، عام خبير. وقد قدمنا ~~أن هذه السورة مكية. # والحاصل أن الأدلة الصحيحة قد دلت على حل أكل لحوم الخيل. فلو سلمنا أن ~~هذه الآية متمسكا للقائلين بالتحريم، لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعة ~~لهذا الاحتمال، ودافعة لهذا الاستدلال. وقد ورد في حل أكل لحوم الخيل، ~~أحاديث منها ما # في الصحيحين «1» وغيرهما من حديث أسماء قالت: نحرنا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فرسا، فأكلناه. # وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والترمذي «2» وصححه والنسائي «3» وغيرهم من ~~جابر قال: أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم ~~الحمر الأهلية. وأخرج أبو داود نحوه. # وثبت أيضا في الصحيحين «4» من حديث جابر قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل. # وأما ما # أخرجه أبو داود «5» والنسائي «6» وغيرهما من حديث خالد بن الوليد قال: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم ~~الخيل والبغال والحمير # ، ففي إسناده صالح ms2926 بن يحيى. فيه مقال. ولو فرض صحته لم يقو على معارضة ~~أحاديث الحل. على أنه يمكن أن يكون متقدما على يوم خيبر، فيكون منسوخا. كذا ~~في (فتح البيان) . # وفي (الإكليل) : أخذ المالكية، من الاقتران المذكور، ردا على الحنفية في ~~قولهم بوجوب الزكاة فيها. أي الخيل. وقوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون أي من المخلوقات في القفار والبحار. وصيغة الاستقبال ~~للدلالة على التجدد والاستمرار. أو لاستحضار الصورة. PageV06P353 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 9] # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين. # في الآية فوائد: # الأولى: قال ابن كثير: لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل ~~الحسية نبه على الطرق المعنوية الدينية. وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من ~~الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية الدينية. كقوله تعالى: وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى [البقرة: 197] ، وقال تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26] . # ولما ذكر تعالى، في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها، التي ~~يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن ~~البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه. فبين ~~أن الحق منها موصلة إليه. فقال: وعلى الله قصد السبيل. كقوله تعالى: وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: ~~153] . وقال: # هذا صراط علي مستقيم [الحجر: 41] ، انتهى. وقوله سبحانه: إن علينا للهدى. # الثانية- قال أبو السعود: (القصد) مصدر بمعنى الفاعل. يقال سبيل قصد ~~وقاصد. أي مستقيم. على طريقة الاستعارة أو على نهج إسناد حال سالكه إليه، ~~كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. أي حق عليه سبحانه وتعالى، ~~بموجب رحمته ووعده المحتوم، بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه إلى ~~الحق، الذي هو التوحيد. بنصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب لدعوة الناس ~~إليه. أو مصدر بمعنى الإقامة والتعديل. قاله أبو البقاء. أي عليه، عز وجل، ~~تقويمها ms2927 وتعديلها. أي: جعلها بحيث يصل سالكها إلى الحق. لكن لا بعد ما كانت ~~في نفسها منحرفة عنه، بل إبداعها ابتداء كذلك على نهج (سبحان من صغر البعوض ~~وكبر الفيل) وحقيقته راجعة إلى ما ذكر من نصب الأدلة. وقد فعل ذلك حيث أبدع ~~هذه البدائع التي كل واحد منها لا حب يهتدى بمناره. وعلم يستضاء بناره. ~~وأرسل رسلا مبشرين ومنذرين. وأنزل عليهم كتبا من جملتها هذا الوحي الناطق ~~بحقيقة الحق. الفاحص عن كل ما جل من الأسرار ودق. الهادي إلى سبيل ~~الاستدلال بتلك # PageV06P354 # الأدلة المفضية إلى معالم الهدى. المنحية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى. # الثالثة- الضمير في ومنها جائر للسبيل. فإنها تؤنث. أي: وبعض السبيل مائل ~~عن الحق، منحرف عنه، لا يوصل سالكه إليه. وهو طرق الضلالة التي لا يكاد ~~يحصى عددها، المندرج كلها تحت الجائر. كقوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [الأنعام: 153] . # قال أبو السعود، بعد ما تقدم أي: وعلى الله تعالى بيان الطريق المستقيم ~~الموصل إلى الحق وتعديله، بما ذكر من نصب الأدلة ليسلكه الناس باختيارهم ~~ويصلوا إلى المقصد- وهذا هو الهداية المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى ~~المطلوب. لا الهداية المستلزمة للاهتداء البتة. فإن ذلك مما ليس بحق على ~~الله تعالى. لا بحسب ذاته ولا بحسب رحمته. بل هو مخل بحكمته، حيث يستدعي ~~تسوية المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، بحسب الاستعداد. وإليه أشير بقوله ~~تعالى: ولو شاء لهداكم أجمعين أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد، ~~هداية موصلة إليه البتة، مستلزمة لاهتدائكم أجمعين، لفعل ذلك. ولكن لم ~~يشأه. # لأن مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها. ولا حكمة في تلك المشيئة. لما أن ~~الذي عليه يدور فلك التكليف، وإليه ينسحب الثواب والعقاب، إنما هو الاختيار ~~الذي عليه يترتب الأعمال، التي بها نيط الجزاء. # ولما كان أشرف أجسام العالم السفلي، بعد الحيوان، النبات، تأثر ما مر من ~~الإنعام بالأنعام والدواب، التي يستدل بها على وحدته تعالى، بذكر عجائب ~~أحوال النبات، للحكمة نفسها. فقال ms2928 سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 10 الى 11] # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون (11) # هو الذي أنزل من السماء أي المزن ماء لكم منه شراب يسكن حرارة العطش ومنه ~~شجر أي ومنه يحصل شجر. والمراد به ما ينبت من الأرض، سواء كان له ساق أو ~~لا، فيه تسيمون أي ترعون أنعامكم ينبت أي الله عز وجل لكم به الزرع أي الذي ~~فيه قوت الإنسان والزيتون أي الذي فيه إدامه # PageV06P355 # والنخيل والأعناب أي اللذين فيهما، مع ذلك، مزيد التلذذ ومن كل الثمرات ~~أي يخرجها بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها ~~وروائحها. # ولهذا قال: إن في ذلك أي في إنزال الماء وإنبات ما فصل لآية لقوم يتفكرون ~~أي دلالة وحجة على وحدانيته تعالى. كما قال سبحانه أمن خلق السماوات والأرض ~~وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون [النمل: 60] . # قال أبو السعود- وأصله للرازي في شرح كون ما ذكره حجة-: فإن من تفكر في ~~أن الحبة أو النواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها ~~فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة في ~~الوقوع. ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار ~~المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطبائع، وعلى نواة ~~قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر، لا إلى نهاية. مع اتحاد المواد ~~واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية، بالنسبة إلى الكل- علم ~~أن من هذه أفعاله وآثاره، لا يمكن أن يشبهه شيء، في شيء من صفات الكمال. ~~فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في أخص صفاته، التي هي الألوهية واستحقاق ~~العبادة. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وحيث افتقر سلوك هذه الطريقة إلى ترتيب ~~المقدمات الفكرية، قطع الآية الكريمة بالتفكر. ms2929 انتهى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 12] # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) # وسخر لكم الليل والنهار أي لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها والشمس ~~والقمر لإصلاح ما نيط بهما صلاحه من المكونات والنجوم ليهتدى بها في ظلمات ~~البر والبحر. وقوله تعالى: مسخرات بأمره حال من الجميع. على معنى جعلها ~~مسخرات. لأن في التسخير معنى (الجعل) فصحت على أنه تجريد. # أو على أن التسخير لهم نفع خاص. # فمعناه نفعكم حال كونها مسخرات لما خلقت له، مما هو طريق لنفعكم. ف (سخر) ~~بمعنى (نفع) على الاستعارة أو المجاز المرسل. لأن النفع من لوازم # PageV06P356 # التسخير. أو على أن (مسخرات) مصدر ميمي، منصوب على أنه مفعول مطلق. # وسخرها مسخرات، على منوال ضربته ضربات أو يجعل قوله: مسخرات بأمره بمعنى ~~مستمرة على التسخير بأمره الإيجادي. لأن الإحداث لا يدل على الاستمرار. # وقرئ بنصب الليل والنهار وحدهما. ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر. ~~وقرئ والنجوم مسخرات بالرفع مبتدأ وخبر، وما قبله بالنصب إن في ذلك أي ~~تسخير ما ذكر لآيات لقوم يعقلون. # ولما نبه تعالى على معالم السموات، نبه على ما خلق في الأرض من الأمور ~~العجيبة، والأشياء المختلفة، من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات، ~~على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 13] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) # وما ذرأ عطف على قوله تعالى والنجوم رفعا ونصبا، على أنه مفعول (لجعل) أي ~~وما خلق لكم في الأرض أي من حيوان ونبات مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم ~~يذكرون. # ثم نبه تعالى ممتنا على تسخيره البحر، وتعداد النعم به، إثر امتنانه بنعم ~~البر، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 14] # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) # وهو ms2930 الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا هو السمك. # قال الزمخشري: ووصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله، ~~خيفة الفساد عليه. # قال الناصر: فكأن ذلك تعليم لأكله، وإرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يتناول ~~إلا # PageV06P357 # طريا. والأطباء يقولون: إن تناوله بعد ذهاب طراوته أضر شيء يكون. والله ~~أعلم. # انتهى. # قال الشهاب: ففيه إدماج لحكم طبي. وهذا لا ينافي تقديده وأكله مخللا، كما ~~توهم. انتهى. # أقول: الأظهر في سر وصفه بالطراوة، هو التنبيه على حسنه ولطفه، وعلى ~~التفكير في باهر قدرته وعجيب صنعه، سبحانه، في خلقه إياه، على كيفية تباين ~~لحوم حيوانات البر، مع اشتراكهما في الحيوانية. # وتستخرجوا منه حلية كاللؤلؤ والمرجان تلبسونها أي تلبسها نساؤكم، ~~والإسناد إليهم لأنهن من جملتهم في الخلطة والتابعية. ولأنهن إنما يتزين ~~بها من أجلهم. فكأنها زينتهم ولباسهم. أو معنى (تلبسون) تتمتعون وتلتذون. ~~على طريق الاستعارة والمجاز. ولو جعل من مجاز البعض لصح. أي تلبسها نساؤكم. # قال الناصر: ولله در مالك رضي الله عنه، حيث جعل للزوج الحجر على زوجته ~~فيما له بال من مالها. وذلك مقدر بالزائد على الثلث، لحقه فيه بالتجمل. ~~فانظر إلى مكنة حظ الرجال من مال النساء ومن زينتهن، حتى جعل حظ المرأة من ~~مالها وزينتها حلية له. فعبر عن حظه في لبسها بلبسه، كما يعبر عن حظها ~~سواء. # قال الشهاب: فإن قلت الظاهر أن يقال تحلونهن أو تقلدونهن كما قال: # تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم # وهي للنساء دون الرجال. قلت أما الأول فسهل. لأن المراد لازمه. أي ~~تحلونهن. والثاني، على فرض تسليمه، هم يتمتعون بزينة النساء، فكأنهم ~~لابسون. # وإذا لم يكن تغليبا، فهو مجاز، بمعنى: تجعلونها لباسا لبناتكم ونسائكم. ~~ونكتة العدول، أن النساء مأمورات بالحجاب وإخفاء الزينة عن غير المحارم. ~~فأخفي التصريح به ليكون اللفظ كالمعنى. انتهى. # وناقش صاحب (فتح البيان) ما قدروه في الآية حيث قال: وظاهر قوله تعالى: # تلبسونها أنه يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان أي يجعلونهما حلية ~~لهم كما يجوز للنساء. ولا ms2931 حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله ~~تلبسونها بقولهم: تلبسها نساؤهم. لأنهن من جملتهم، أو لكونهن يلبسنها ~~لأجلهم. وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ # PageV06P358 # والمرجان، ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة. فإن ~~ذلك ممنوع. ورد الشرع بمنعه، من جهة كونه تشبها بهن، لا من جهة كونه حلية ~~لؤلؤ أو مرجانا. انتهى. # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية دليل على إباحة لبس الرجال الجواهر ~~ونحوها. واستدل بها من قال بحنث الحالف لا يلبس حليا بلبس اللؤلؤ. لأنه ~~تعالى سماه (حليا) واستدل بها بعضهم على أنه لا زكاة في حلي النساء. فأخرج ~~ابن أبي حاتم عن أبي جعفر. أنه سئل: هل في حلي النساء صدقة؟ قال: لا. هي ~~كما قال: # حلية تلبسونها. انتهى. # قال في (فتح البيان) : وفي هذا الاستدلال نظر. والذي ينبغي التعويل عليه: # أن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع ~~المال فتلزم. # وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف. ولم يرد في الجواهر، على اختلاف ~~أصنافها، ما يدل على وجوب الزكاة فيها. وقوله تعالى: وترى الفلك أي السفن ~~مواخر فيه أي جواري جمع (ماخرة) بمعنى جارية. وأصل معنى (المخر) الشق لأنها ~~تشق الماء بمقدمها ولتبتغوا من فضله عطف على محذوف. أي لتنتفعوا بذلك ~~لتبتغوا من فضله أي من سعة رزقه، بركوبها للتجارة ولعلكم تشكرون أي فتصرفون ~~ما أنعم به عليكم إلى ما خلق لأجله. # قال أبو السعود: ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر، من حيث إن فيها ~~قطعا لمسافة طويلة، مع أحمال ثقيلة، في مدة قليلة، من غير مزاولة أسباب ~~السفر. بل من غير حركة أصلا. مع أنها في تضاعيف المهالك. وعدم توسيط الفوز ~~بالمطلوب بين الابتغاء والشكر، للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما ~~معا. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 15 الى 16] # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) ~~وعلامات وبالنجم هم ms2932 يهتدون (16) # وألقى في الأرض رواسي أي جبالا ثوابت أن تميد بكم أي تضطرب وأنهارا أي ~~جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى آخر. رزقا للعباد وسبلا أي طرقا يسلك ~~فيها من بلاد إلى غيرها، حتى في الجبال. كما قال تعالى: وجعلنا # PageV06P359 # فيها فجاجا سبلا # [الأنبياء: 31] ، لعلكم تهتدون أي بها إلى مآربكم وعلامات أي دلائل يستدل ~~بها المسافرون من جبل ومنهل وريح، برا وبحرا، إذا ضلوا الطريق وبالنجم هم ~~يهتدون أي في الظلام برا وبحرا. والعدول عن سنن الخطاب إلى الغيبة ~~للالتفات. وتقديم (بالنجم) للفاصلة. وتقديم الضمير للتقوي. وهذا أولى من ~~دعوى الزمخشري أن التقديم للتخصيص بقوم هم قريش لكونهم أصحاب رحلة وسفر. ~~وذلك لأن الخطاب في الآيات السابقة عاما فكذا يكون في لاحقها. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : هذه الآية أصل لمراعاة النجوم لمعرفة الأوقات والقبلة ~~والطرق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 17 الى 18] # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الله لغفور رحيم (18) # أفمن يخلق أي كل شيء، لا سيما تلك المصنوعات العظيمة المذكورة، وهو الله ~~الواحد الأحد كمن لا يخلق أي شيئا ما، وهو ما يعبدون من دونه، وهذا تبكيت ~~للمشركين وإبطال لإشراكهم بإنكار أن يساويه ويستحق مشاركته، ما لا يقدر على ~~خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما. # وزعم الزمخشري ومتابعوه أن قضية الإلزام أن يقال: (أفمن لا يخلق كمن ~~يخلق) ثم تكلموا في سره. وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى: وليس ~~الذكر كالأنثى [آل عمران: 36] ، فجدد به عهدا. أفلا تذكرون أي فتعرفوا فساد ~~ذلك. فإنه لوضوحه لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر. # ثم نبه، سبحانه وتعالى. على كثرة نعمه عليهم وإحسانه بما لا يحصى، إشارة ~~إلى أن حق عبادته غير مقدور، بقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء ~~الشكر إن الله لغفور رحيم أي حيث يتجاوز عن التقصير ms2933 في أداء شكرها، ولا ~~يقطعها عنكم لتفريطكم. ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. قاله الزمخشري. # ولحظ ابن جرير أن مغفرته تعالى ورحمته لهم، إذا تابوا وأنابوا. أي ~~فيتجاوز عن تقصيرهم بشكرها الحقيقي. ولا يعذبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى ~~طاعته. # PageV06P360 ### | لطيفة: # قال أبو السعود: كان الظاهر إيراد هذه الآية، عقيب ما تقدم من النعم ~~المعددة، تكملة لها على طريقة قوله تعالى: ويخلق ما لا تعلمون [النحل: 8] ، ~~ولعل فصل ما بينهما بقوله: أفمن يخلق [النحل: 17] ، للمبادرة إلى إلزام ~~الحجة، وإلقاء الحجر، إثر تفصيل ما فصل من الأفاعيل، التي هي أدلة ~~الوحدانية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 19 الى # 21] # والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # والله يعلم ما تسرون وما تعلنون أي من أعمالكم وسيجزيكم عليه والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أي فإنى تستحق الألوهية، وقد ~~نفي عنها أخص صفاتها؟ فإنها ذوات مفتقرة إلى الإيجاد. أو المعنى: أن الناس ~~يخلقونها بالنحت والتصوير. وهم لا يقدرون على نحو ذلك. فهم أعجز من عبدتهم. ~~كما قال الخليل عليه السلام: أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون ~~[الصافات: ### | 95- 96 # ] ، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم ما ينافي الألوهية بقوله: أموات غير أحياء ~~أي هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل. وقوله: غير أحياء ~~تأكيد أو تأسيس. لأن بعض الأموات مما يعتريه الحياة، سابقا أو لاحقا. ~~كأجساد الحيوان، والنطف التي ينشئها الله تعالى حيوانا. فذا احترز عنه ~~بقوله: غير أحياء أي لا يعتريها الحياة أصلا. فهي أموات على الإطلاق، حالا ~~ومآلا وما يشعرون أي تلك الأصنام المعبودة أيان يبعثون أي متى يكون بعثها. ~~وقد روي، أنها تبعث، ويجعل فيها حياة، فتبرأ من عابديها. ثم يؤمر بها وبهم ~~جميعا إلى النار. # وجوز عود الضمير إلى عابديها. أي: وما تشعر الأصنام متى يبعث عبدتهم ~~تهكما بحالها. لأن شعور الجماد محال. ms2934 فكيف بشعور ما لا يعلمه إلا الله؟ ~~وفيه إشعار بأن معرفته وقت البعث من لوازم الألوهية، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 22 الى 23] # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) ~~لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) # إلهكم إله واحد تصريح بالمدعى، وتمحيض للنتيجة، غب إقامة الدليل. # PageV06P361 # كما أفاده أبو السعود فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة أي ~~لوحدانيته تعالى، جاحدة لها، كما أخبر عنهم، متعجبين من ذلك بقوله: أجعل ~~الآلهة إلها واحدا، إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] ، وقال تعالى: وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه، إذا هم ~~يستبشرون [الزمر: # 45] ، وقوله تعالى: وهم مستكبرون أي عن عبادته تعالى: لا جرم أي حقا أن ~~الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين أي عن التوحيد، وهم ~~المشركون. أو عن الحق مطلقا فيتناول هؤلاء. وهذا كما قال تعالى: إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 24 الى 25] # وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) # وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين أي لم ينزل شيئا. إنما ~~هذا الذي يتلى علينا أحاديث الأولين، استمدها منها. كما قال تعالى: وقالوا ~~أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان: 5] ، ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم أي: قالوا ذلك ~~ليحملوا أوزارهم الخاصة بهم، وهي أوزار ضلالهم في أنفسهم، وبعض أوزار من ~~أضلوهم. كقوله تعالى: وليحملن أثقالهم، وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون [العنكبوت: 13] ، فاللام في قوله: ليحملوا لام ~~العاقبة. لأن ما ذكر مترتب على فعلهم ولا باعثا إما مجازا. وإما حقيقة، على ~~معنى أنه قدر صدوره منهم ليحملوا. وقد قيل: إنها للتعليل ms2935 وإنها لام أمر ~~جازمة. والمعنى: إن ذلك متحتم عليهم. فيتم الكلام عند قوله: أساطير الأولين ~~كذا في (العناية) . وقوله تعالى: # بغير علم قال الزمخشري: حال من المفعول: أي: من لا يعلم أنهم ضلال. وإنما ~~وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه، وإن لم يعلم، لأنه كان عليه أن يبحث ~~وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. فجهله لا يعذره ألا ساء ما يزرون ~~أي: ألا بئس ما يحملون. ففيه وعيد وتهديد. # PageV06P362 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 26] # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) # قد مكر الذين من قبلهم أي بأنبيائهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر ~~عليهم السقف من فوقهم أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه فهدمه عليهم حتى ~~أهلكهم و (الإتيان) يتجوز به عن (الإهلاك) كقوله تعالى: فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا [الحشر: 2] ، ويقال أتي فلان من مأمنه. أي جاءه الهلاك من جهة ~~أمنه. وأتى عليه الدهر: أهلكه وأفناه. ومنه الأتو. وهو الموت والبلاء. يقال ~~أتى على فلان أتو أي موت أو بلاء يصيبه. وقد جوز في الآية إرادة حقيقة ~~هلاكهم. # كالمحكي عن قوم لوط وصالح. عليهما السلام، فيما تقدم. أو مجازه على طريق ~~التمثيل، لإفساد ما أبرموه من هدم دينه تعالى. شبهت حال أولئك الماكرين في ~~تسويتهم المكايد، للإيقاع بالرسل عليهم السلام، وفي إبطاله تعالى تلك ~~الحيل، وجعله إياها أسبابا لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه ~~بالأساطين. فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت، فسقط عليهم السقف فهلكوا. ~~ووجه الشبه: أن ما عدوه سبب بقائهم، عاد سبب استئصالهم وفنائهم. كقولهم: من ~~حفر لأخيه جبا، وقع فيه منكبا. وقوله: من فوقهم متعلق ب (خر) . و (من) ~~لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف على أنه حال من (السقف) مؤكدة. وقيل: إنه ~~ليس بتأكيد. لأن العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط: إذا انهدم في ~~ملكه وإن لم يقع عليه وأتاهم العذاب أي الهلاك ms2936 والدمار من حيث لا يشعرون أي ~~لا يحتسبون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 27] # ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) # ثم يوم القيامة يخزيهم أي يذلهم ويهينهم بعذاب الخزي. لقوله تعالى: # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] ، ويقول أين شركائي ~~الذين كنتم تشاقون فيهم أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم. وفيه تقريع ~~وتوبيخ بالقول، واستهزاء بهم. إذ أضاف الشركاء إلى نفسه لأدنى ملابسة، بناء ~~على زعمهم، مع الإهانة بالفعل المدلول عليها بقوله يخزيهم أي ما لهم لا # PageV06P363 # يحضرونكم ليدفعوا عنكم! لأنهم كانوا يقولون: إن صح ما تقول فالأصنام تشفع ~~لنا. # فهو كقوله: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون [الأنعام: 22] ، وقيل: حكي عن ~~المشركين زيادة في توبيخهم. قال الذين أوتوا العلم وهم الأنبياء أو ~~العلماء، الذين كانوا يدعونهم إلى الحق فيشاقونهم: إن الخزي اليوم والسوء ~~أي الفضيحة والعذاب على الكافرين أي المشركين به تعالى. ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم. وإنما قال الذين أوتوا العلم هذا شماتة بهم. وزيادة إهانة بالتوبيخ ~~بالقول. وتقريرا لما كانوا يعظونهم، وتحقيقا لما أوعدوهم به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 28 الى 29] # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين (29) # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فلبئس ~~مثوى المتكبرين هذا إخبار عن حال المشركين الظالمي أنفسهم بتبديل فطرة ~~الله، عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم، بأنهم يلقون السلم، ~~أي ينقادون ويسالمون ويتركون المشاقة. والعدول إلى صيغة الماضي للدلالة على ~~تحقق الوقوع. وأصل الإلقاء في الأجسام. فاستعمل في إظهار الانقياد. إشعارا ~~بغاية خضوعهم واستكانتهم. # وجعل ذلك كالشيء الملقى بين يدي القاهر الغالب. على الاستعارة. وقوله ~~تعالى: # ما كنا ms2937 نعمل من سوء منصوب بقول مضمر، حال. أي قائلين ذلك. أو هو تفسير ~~(للسلم) الذي ألقوه، لأنه بمعنى القول. بدليل الآية الأخرى: فألقوا إليهم ~~القول [النحل: 86] ، كما يقولون يوم المعاد والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] ، يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ~~[المجادلة: 18] ، ثم أخبر تعالى أن الملائكة تجيبهم بقوله: بلى إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون أي فلا يفيد الإنكار والكذب على الأنفس فادخلوا أبواب ~~جهنم خالدين فيها أي مقدرا خلودكم. # قال ابن كثير: وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم. وينال أجسادهم، ~~في قبورها. من حرها وسمومها. فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في # PageV06P364 # أجسادهم، وخلدت في نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها. كما قال تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] ، وقوله: فلبئس مثوى المتكبرين أي ~~بئس المقيل والمقام لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله. فذكرهم ~~بعنوان التكبر، للإشعار بعليته لثوائهم فيها. ولما أخبر عن الأشقياء بأنهم ~~قالوا في جواب ماذا أنزل ربكم هو أساطير الأولين فجحدوا رحمته وكفروا ~~نعمته- تأثره بالإخبار عن السعداء الذين اعترفوا بخيره ورحمته، بقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 30] # وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) # وقيل للذين اتقوا وهم المؤمنون ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا أي أنزل خيرا، ~~أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبر سبحانه عما وعد به عباده بقوله: # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير أي لمن أحسن عمله، ~~مكافأة في الدنيا بإحسانهم. ولهم في الآخرة ما هو خير منها. فقوله: في هذه ~~الدنيا متعلق ب حسنة كتعلقه ب أحسنوا. قال الشهاب: والحسنة التي في الدنيا ~~الظفر وحسن السيرة وغير ذلك. وهذه الآية كقوله تعالى: من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ms2938 ما كانوا ~~يعملون [النحل: 97] ، وقوله: فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة [آل ~~عمران: 148] ، وقال تعالى: وما عند الله خير للأبرار [آل عمران: 198] ، ~~وقال: والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 17] ، ثم وصف تعالى الدار الآخرة بقوله: # ولنعم دار المتقين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 31 الى # 32] # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي ~~الله المتقين (31) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون (32) # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كقوله # PageV06P365 # تعالى: وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [الزخرف: 71] ، كذلك يجزي ~~الله المتقين ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، في مقابلة أولئك، بقوله ~~سبحانه الذين تتوفاهم الملائكة طيبين أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر ~~والمعاصي وكل سوء يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون أي لتدخل ~~أرواحكم الجنة فإنها في نعيم برزخي إلى البعث. أو المراد بشارتهم بأنهم ~~يدخلونها كقوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ... ~~[فصلت: 30] الآيات، ثم أشار إلى تقريع المشركين، وتهديدهم على تماديهم في ~~الباطل واغترارهم بالدنيا بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 33 الى # 34] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) # ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة # أي لقبض أرواحهم بالعذاب و يأتي أمر ربك # أي العذاب المستأصل. أو يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال ذلك # أي مثل فعل هؤلاء من الشرك والاستهزاءعل الذين من قبلهم # أي فتمادوا في ضلالهم حتى ذاقوا بأس الله ما ظلمهم الله # فيما أحل بهم في عذابه الآتي بيانه. وذلك لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام ~~حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فأصابهم ~~سيئات ما عملوا جزاء ms2939 سيئات أعمالهم من الشرك وإنكار الوحدانية وتكذيب الرسل ~~ونحوها وحاق بهم أي أحاط بهم ما كانوا به يستهزؤن من العذاب الذي توعدتهم ~~به الرسل. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 35 الى 36] # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) # PageV06P366 # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين، ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. # يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه واعتذارهم عنه بالاحتجاج ~~بالقدر، تكذيبا للرسول صلوات الله عليه وطعنا في الرسالة وذلك قولهم: لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء ~~أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من ~~تلقاء أنفسهم، مما لم ينزل الله به سلطانا ثم أعلم تعالى مشاكلتهم لمن ~~تقدمهم، بقوله: # لك فعل الذين من قبلهم # أي من الشرك والتحريم، متمسكين بمثل هذه الشبهة. # قال ابن كثير: مضمون كلامهم أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا، لأنكره ~~علينا بالعقوبة، ولما مكننا منه. قال الله تعالى رادا عليهم شبههم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم. بل ~~قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة، أي في ~~كل قرن وطائفة من الناس، رسولا. وكلهم يدعو إلى ms2940 عبادة الله، وينهى عن عبادة ~~ما سواه أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وهو ما يعبد من دونه سبحانه. فلم ~~يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم، من عهد نوح ~~أول رسول إلى أهل الأرض، إلى زمن خاتم النبيين صلوات الله عليه وعليهم. ~~ودعوة الكل واحدة كما قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [الأنبياء: 25] ، وكما أخبر هنا في هذه الآية. ~~فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء؟ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية. لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة ~~رسله. وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها. أي ~~لأنها من سر القدر الذي حظر الخوض فيه. ثم إنه تعالى أخبر أنه أنكر عليهم ~~بالعقوبة في الدنيا، بعد إنذار الرسل، بقوله: فمنهم من هدى الله الآية. وقد ~~تقدم لنا في سورة الأنعام نقل ما للأئمة في مثل هذه الآية. ونسوق هنا أيضا ~~ما قرأته للإمام ابن تيمية، عليه الرحمة، في أول الجزء الثاني من (منهاج ~~السنة) مما يتعلق بالآية، وإن يكن سبق لنا نقل عنه أيضا. فإن الآية من ~~معارك الأفهام. فلا علينا أن نجلو عن الشبه فيها صدأ # PageV06P367 # الأوهام. قال عليه الرحمة: هذا مقام يكثر خوض النفوس فيه. فإن كثيرا من ~~الناس، إذا أمر بما يجب عليه تعلل بالقدر وقال: حتى يقدر الله ذلك، أو ~~يقدرني الله على ذلك، أو حتى يقضي الله ذلك. وكذلك إذا نهي عن فعل ما حرم ~~الله قال: الله قضاه علي بذلك، ونحو هذا الكلام. والاحتجاج بالقدر حجة ~~باطلة داحضة. باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين. والمحتج به لا يقبل ~~من غيره مثل هذه الحجة، إذا احتج بها في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من ~~حقوقه. بل يطلب منه ما له عليه، ويعاقبه على عدوانه عليه. وإنما هو من جنس ms2941 ~~شبه السوفسطائية التي تعرض في العلوم. فكأنك تعلم فسادها بالضرورة. وإن ~~كانت تعرض كثيرا للكثير من الناس. # حتى قد يشك في وجود نفسه. وغير ذلك من المعارض الضرورية. فكذلك هذا يعرض ~~في الأعمال حتى يظن أنها شبهة في إسقاط الصدق والعدل الواجب، وغير ذلك. ~~وإباحة الكذب والظلم وغير ذلك. ولكن تعلم القلوب بالضرورة أن هذه شبهة ~~باطلة. ولهذا لا يقبله أحد عند التحقيق ولا يحتج بها أحد إلا مع عدم علمه ~~بالحجة بما فعله. فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة، وهو المأمور ~~وهو الذي ينبغي فعله، ولم يحتج بالقدر. وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم ~~يفعله ليس عليه أن يفعله، أو ليس بمصلحة أو ليس هو مأمورا به- لم يحتج ~~بالقدر. بل إذا كان متبعا لهواه بغير علم، احتج بالقدر. ولهذا لما قال ~~المشركون: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء [الأنعام: ~~148] ، قال الله تعالى: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن ~~وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 149] ، قل فلله الحجة البالغة فلو شاء ~~لهداكم أجمعين فإن هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة ~~داحضة وباطلة. فإن أحدهم لو ظلم الآخر أو حرج في ماله أو فرج امرأته أو قتل ~~ولده أو كان مصرا على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال: لو شاء الله لم أفعل ~~هذا- لم يقبلوا منه هذه الحجة. ولا هو يقبلها من غيره. وإنما يحتج بها ~~المحتج دفعا للوم بلا وجه. فقال الله تعالى: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~بأن هذا الشرك والتحريم من أمر الله، وأنه مصلحة ينبغي فعله إن تتبعون إلا ~~الظن فإنه لا علم عندكم بذلك، إن تظنون ذلك إلا ظنا وإن أنتم إلا تخرصون ~~وتفترون. فعمدتكم في نفس الأمر ظنكم وخرصكم. ليس عمدتكم في نفس الأمر كون ~~الله شاء ذلك وقدره. فإن مجرد المشيئة والقدرة لا تكون عمدة لأحد في الفعل. ~~ولا حجة لأحد على أحد ولا عذرا لأحد. إذا الناس ms2942 كلهم مشتركون في القدر. فلو ~~كان هذا حجة وعمدة لم يحصل فرق بين العادل والظالم والصادق # PageV06P368 # والكاذب والعالم والجاهل والبر والفاجر. ولم يكن فرق بين ما يصلح الناس ~~من الأعمال ما يفسدهم وما ينفعهم وما يضرهم. وهؤلاء المشركون المحتجون ~~بالقدر على ترك ما أرسل الله به رسله من توحيده، والإيمان به لو احتج به ~~بعضهم على بعض في سقوط حقوقه ومخالفة أمره، لم يقبله منه. بل كان هؤلاء ~~المشركون يذم بعضهم بعضا ويعادي بعضهم بعضا ويقاتل بعضهم بعضا على فعل من ~~يريد تركا لحقهم، أو ظلما. فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم ~~إلى حق الله على عباده وطاعة أمره، واحتجوا بالقدر. فصاروا يحتجون بالقدر ~~على ترك حق ربهم ومخالفة أمره، بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم وخالف أمرهم. # وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق الله على عباده؟ حقه على عباده أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ حقهم عليه ~~أن لا يعذبهم «1» . # فالاحتجاج بالقدر حال الجاهلية الذين لا علم عندهم بما يفعلون ويتركون إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون وهم إنما يحتجون به في ترك حق ربهم ~~ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقا لهم ولا في مخالفة أمرهم. ولهذا تجد ~~المحتجين والمستندين إليه من النساك والصوفية والفقراء والعامة والجند ~~والفقهاء وغيرهم، يفرون إليه عند اتباع الظن وما تهوى الأنفس. فلو كان معهم ~~علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلا. بل يعتمدون عليه، لعدم الهدى والعلم. وهذا ~~أصل شريف، من اعتنى به علم منشأ، الضلال والغي لكثير من الناس. ولهذا تجد ~~المشايخ والصالحين المتبعين للأمر والنهي، كثيرا ما يوصون أتباعهم بالعلم ~~بالشرع. فإن كثيرا ما يعرض لهم إرادات في أشياء ومحبة لها. فيتبعون فيها ~~أهواءهم ظانين أنه دين الله تعالى. وليس معهم إلى الظن والذوق والوجدان ~~الذي يرجع إلى محبة ms2943 النفس وإرادتها. فيحتجون تارة بالقدر وتارة بالظن ~~والخرص. وهم متبعون أهواءهم في الحقيقة. فإذا اتبعوا العلم، وهو ما جاء به ~~الشارع صلى الله عليه وسلم خرجوا عن الظن وما تهوى الأنفس، واتبعوا ما ~~جاءهم من ربهم وهو الهدى. كما قال تعالى: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123] ، وقد ذكر الله تعالى PageV06P369 # هذا المعنى عن المشركين في سورة الأنعام والنحل والزخرف كما قال تعالى: # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~[الزخرف: 20] ، فتبين أنه لا علم لهم بذلك، إن هم إلا يخرصون، وقال في سورة ~~الأنعام: قل فلله الحجة البالغة [الأنعام: 149] ، إرسال الرسل وإنزال الكتب ~~كما قال تعالى: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] ، ثم ~~أثبت القدر بقوله: فلو شاء لهداكم أجمعين فأثبت الحجة الشرعية وبين المشيئة ~~القدرية. وكلاهما حق وقال في النحل: وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [النحل: 35] فبين سبحانه ~~وتعالى- أن هذا الكلام تكذيب للرسل فيما جاءوهم به. ليس حجة لهم. فلو كان ~~حجة لاحتج به على تكذيب كل صدق وفعل كل ظلم. ففي فطرة بني آدم أنه ليس حجة ~~صحيحة. بل من احتج به احتج لعدم العلم واتباع الظن. كفعل الذين كذبوا الرسل ~~بهذه المدافعة. بل الحجة البالغة لله بإرسال الرسل وإنزال الكتب. كما # ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أحد أحب ~~إليه العذر في الله. من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحد أحب ~~إليه المدح من الله. من أجل ذلك مدح نفسه. ولا أحد أغير من الله. من أجل ~~ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» «1» . # فبين أنه سبحانه يحب المدح وأن يعذر ويبغض الفواحش، فيحب أن يمدح بالعدل ~~والإحسان. وألا يوصف بالظلم. ومن ms2944 المعلوم أنه من قدم إلى أتباعه بأن افعلوا ~~كذا ولا تفعلوا. وبين لهم وأزاح علتهم، ثم تعدوا حدوده وأفسدوا أمورهم، كان ~~له أن يعذبهم وينتقم منهم. فإذا قالوا: أليس الله قدر علينا هذا؟ لو شاء ~~الله ما فعلنا هذا. قيل لهم: أنتم لا حجة لكم ولا عندكم ما تعتذرون به، ~~يبين أن ما فعلتموه كان حسنا، أو كنتم معذورين فيه. فهذا الكلام غير مقبول ~~منكم. وقد قامت الحجة عليكم بما تقدم من البيان والإعذار. ولو أن ولي أمر ~~أعطى قوما مالا ليوصلوه إلى بلد، فسافروا به وتركوه في البرية ليس عنده أحد ~~وباتوا في مكان بعيد منه، وكان ولي الأمر قد أرسل جندا يغزون بعض الأعداء ~~فاجتازوا تلك الطريق، فرأوا PageV06P370 # ذلك المال فظنوه لقطة ليس له أحد فأخذوه وذهبوا- لكن يحسن منه أن يعاقب ~~الأولين لتفريطهم وتضييعهم حفظ ما أمرهم به، ولو قالوا له: أنت لم تعلمنا ~~أنك تبعث بعدنا جندا حتى يحترز المال منهم، قال: هذا لا يجب علي، ولو فعلته ~~لكن زيادة إعانة لكم. لكن كان عليكم أن تحفظوا ذلك كما تحفظون الودائع ~~والأمانات. # وكانت حجته عليهم قائمة ولم يكن يدعى فيهم ظالما. وإن كان لم يعنهم ~~بالإعلام بذلك الجند. لكن عمل المصلحة في إرسال الأولين والآخرين. والله ~~سبحانه وتعالى، وله المثل الأعلى، حكم عدل في كل ما جعله. ولا يخرج شيء عن ~~مشيئته وقدرته. فإذا أمر الناس بحفظ الحدود وإقامة الفرائض لمصلحتهم.، كان ~~ذلك من إحسانه إليهم وتعريفهم ما ينفعهم. وإذا خلق أمورا أخرى، فإذا فرطوا ~~واعتدوا بسبب خلقه الأمور الأخرى، كان عادلا حكما في خلق هذا وخلق هذا، ~~والأمر بهذا والأمر بهذا. وإن كان لم يمد الأولين بزيادة يحترسون بها من ~~التفريط والعدوان،. لا سيما مع علمه بأن تلك الزيادة، لو خلقها للزم منها ~~تفويت مصلحة أرجح، فإن الضدين لا يجتمعان. والمقصود هنا أنه لا يحتج أحد ~~بالقدر إلا حجة تعليل، لدعم اتباع الحق الذي بينه العلم. فإن الإنسان حي ~~حساس متحرك بالإرادة. ولهذا # قال النبي صلى ms2945 الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء الحارث وهمام) # فالحارث الكاسب العامل. والهمام المتحرك الهم. # والهم مبدأ الإرادة والقصد. فكل إنسان حارث همام. وهو المتحرك بالإرادة. ~~وذلك لا يكون إلا بعد الحس والشعور. فإن الإرادة مسبوقة بالشعور بالمراد. ~~فلا يتصور إرادة ولا حب ولا شوق ولا اختيار ولا طلب إلا بعد الشعور وما هو ~~من جنسه. # كالحس والعلم والسمع والبصر والشم والذوق واللمس ونحو هذه الأمور. فهذا ~~الإدراك والشعور هو مقدمة الإرادة والحب والطلب. والحي مفطور على حب ما ~~ينفعه ويلائمه، وبغض ما يكرهه ويضره. فإذا تصور الشيء الملائم النافع، ~~أراده وأحبه. وإن تصور الشيء الضار أبغضه ونفر عنه. لكن ذلك التصور قد يكون ~~علما وقد يكون ظنا وخرصا. فإذا كان عالما بأن مراده هو النافع، وهو المصلحة ~~وهو الذي يلائمه، كان على الهدى والحق. وإذا لم يكن معه علم بذلك، كان ~~متبعا للظن وما تهوى نفسه. فإذا جاءه العلم والبيان بأن هذا ليس مصلحة، أخذ ~~يحتج بالقدر، حجة لدد وتفريج، لا حجة اعتماد على الحق والعلم. فلا يحتج أحد ~~في باطنه أو ظاهره بالقدر، إلا لعدم العلم بما هو عليه الحق. وإذا كان كذلك ~~كان من احتج بالقدر على الرسل مقرا بأن ما هو عليه ليس معه به علم. وإنما ~~تكلم بغير علم. ومن تكلم بغير علم كان مبطلا في كلامه. ومن احتج بغير علم ~~كانت حجته داحضة. فإما أن يكون جاهلا، # PageV06P371 # فعليه أن يتبع العلم. وإما أن يكون قد عرف الحق واتبع هواه، فعليه أن ~~يتبع الحق ويدع هواه. فتبين أن المحتج بالقدر متبع لهواه بغير علم: ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله [القصص: 50] انتهى. # وله تتمة سابغة الذيل لا بأس بالوقوف عليها. # وقال القاشاني في هذه الآية: إنما قالوا ذلك عنادا وتعنتا عن فرط بالجهل ~~وإلزاما للموحدين بناء على مذهبهم. إذ لو قالوا ذلك عن علم ويقين لكانوا ~~موحدين لا مشركين بنسبة الإرادة والتأثير إلى الغير لأن من علم أنه لا يمكن ~~وقوع شيء بغير مشيئة ms2946 من الله، علم أنه لو شاء كل من في العالم شيئا، لم يشأ ~~الله ذلك، لم يمكن وقوعه. فاعترف بنفي القدرة والإرادة عما عدا الله تعالى، ~~فلم يبق مشركا، قال الله تعالى: ولو شاء الله ما أشركوا [الأنعام: 107] ، ~~وقوله تعالى: ذلك فعل الذين من قبلهم # [النحل: 35] ، أي في تكذيب الرسل بالعناد انتهى. # وقال الإمام مفتي مصر في تفسير سورة العصر، من هذا البحث ما مثاله: # فالعقل والشرع والحس والوجدان متضافرة على أن فعل العبد فعله. وكون جميع ~~الأشياء راجعة إلى الله تعالى ووجود الممكنات، إنما هو نسبتها إليه. ولا ~~يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه. مما قام عليه الدليل بل ~~كاد يصل إلى البداهة كذلك. ومثل هذا يقال في عظم قدرة الله تعالى. وأنه إن ~~شاء سلبنا من القدرة والاختيار ما وهبنا. فهو أمر نشاهده كل يوم. ندبر ~~شيئا، ثم يأتي من الموانع من تحقيقه ما لم يكن في الحسبان. ونتناول عملا ثم ~~تنقطع قدرتنا عن تتميمه. # كل ذلك لا نزاع فيه. شمول علم الله لما كان ولما يكون قام عليه الدليل. ~~ولا شبهة فيه عند المليين فوجب على المسلم أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء ~~على النحو الذي يعلمه، وأن يقرر بنسبة عمله إليه كما هو بديهي عنده. ويعلم ~~بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه باستعمال ذلك الاختيار الذي يجده من نفسه. ~~وليس عليه بعد ذلك أن يرفع بصره إلى ما وراءه. فقد نعى الله على المشركين ~~قولهم: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء [الأنعام: 148] ~~، ووردت الأحاديث متواترة المعنى في النهي عن الخوض في القدر وسره. فلو صبر ~~العبد حق الصبر، لوقف عند ما حد الله له، ولم ينزع بنفسه إلى تعدي حدود ~~الله التي ضربها لعباده. ولست أحب التكلم في هذه المسألة بأكثر من هذا. ~~وإلا خرجت من الصابرين، وخضت في القدر مع الخائضين. ومن ثار به الهوس فتوهم ~~أن علينا أن نعتقد أن العبد لا فعل له، فقد ms2947 خالف كتاب الله وعصى رسول الله. ~~وقد أقول (واعتمادي على الله فيما أقول) إن # PageV06P372 # من يقول ذلك. يخرج عن دين الله، ويعطل شرع الله، فليحذر مؤمن بالله أن ~~يقول ذلك. انتهى. # وقال في موضع آخر: الاحتجاج على ترك العمل بالقدر من عقائد الملحدين. # وقد جاء الكتاب الكريم بتشنيع اعتقادهم والنعي عليهم فيه. وقد حكى لنا ما ~~كانوا يقولون من نحو لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~[الأنعام: 148] ، فلا يسوغ لأحد منا، وهو يدعي أنه مؤمن بالقرآن، أن يحتج ~~بما كان يحتج به المشركون. انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 37 الى 38] # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل أي من يخلق فيه الضلالة بسوء ~~اختياره وما لهم من ناصرين أي ينصرونهم في الهداية، أو يدفعون العذاب عنهم. ~~ثم بين تعالى نوعا آخر من أباطيلهم. وهو إنكارهم البعث بقوله: وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم أي جاهدين فيها ف جهد مصدر في موقع الحال لا يبعث الله ~~من يموت، بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي أنه يبعثهم، ~~فيبتون القول بعدمه! وإنه وعدا عليه حق، فيكذبونه- وذلك لجهلهم بشئون الله ~~عز شأنه من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال. وبما يجوز عليه ~~وما لا يجوز: وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه. وعلى أن ~~البعث مما يقتضيه الحكمة. أفاده أبو السعود. # ثم ذكر حكمته تعالى في المعاد، وحشر الأجساد يوم التناد، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 39 الى 40] # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وهو الحق، وأنهم كانوا على ms2948 الضلالة قبله ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين أي في أباطيلهم. لا سيما في أيمانهم ~~بعدم # PageV06P373 # البعث. ولذا تقول لهم الزبانية يوم القيامة: هذه النار التي كنتم بها ~~تكذبون [الطور: 14] ، ثم بين عظيم قدرته. وأنه لا يعجزه شيء ما بقوله ~~سبحانه إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون أي فيوجد على ما ~~شاء تكوينه كقوله تعالى: # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [القمر: 50] ، وقوله: ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة [لقمان: 28] . # قال الزمخشري: (قولنا) مبتدأ و (أن نقول) خبره و (كن فيكون) من (كان) ~~التامة التي بمعنى الحدوث والوجود. أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول ~~له: # أحدث، فهو يحدث عقيب ذلك، لا يتوقف. وهذا مثل. لأن مرادا لا يمتنع عليه. # وأن وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر ~~المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل. ولا قول ثم. والمعنى: إن إيجاد ~~كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة. فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو في ~~شق المقدورات. # انتهى. # قال الشهاب: فسقط ما قيل: إن (كن) إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال. # وإن كان مع الموجود كان إيجادا للموجود. وفي الآية كلام لطيف مضى في سورة ~~البقرة، فارجع إليه. # ثم أخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين الذين فارقوا الدار والأهل والخلان، ~~رجاء ثوابه وابتغاء مرضاته، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 41] # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) # والذين هاجروا في الله أي مخلصين لوجهه، أو في حقه، وهم إما مهاجرة ~~الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد ~~الحبش بأمره صلى الله عليه وسلم، وذلك مخافة الفتنة وفرارا إليه تعالى ~~بدينهم، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلا سوى صغار أبنائهم، وهي أول هجرة في ~~الإسلام. ويؤيده كون السورة مكية. # أو هم مهاجرة المدينة، أخبر به قبل وقوعه أو بعده، إلا ms2949 أنها ألحقت ~~بالمكية. # وقوله تعالى من بعد ما ظلموا أي أوذوا وأريد فتنتهم عن الدين لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة يعني بالغلبة على من ظلمهم، وإيراثهم أرضهم وديارهم ولأجر # PageV06P374 # الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون # يعني مضطهديهم وظالميهم. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان إذا ~~أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه، يقول: خذ بارك الله لك فيه. هذا ما وعدك ~~الله في الدنيا. وما ادخر لك في الآخرة أفضل. ثم وصفهم تعالى بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 42 الى 44] # الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) # الذين صبروا أي على ما أوذوا في سبيل الله وعلى ربهم يتوكلون أي فلا ~~يخشون أحدا غيره. والوصفان المذكوران: الصبر والتوكل، من أمهات الصفات التي ~~يجب على الداعي إلى الحق، والمدافع عنه، أن يكونا خلقا له. إذ لا ظفر بغاية ~~إلا بهما. ولما عجبوا من إيحاء الله لرسوله، واصطفائه برسالته، قيل في درء ~~شبهتهم وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون يعني أهل الكتاب أو علماء الأخبار. ليعلموكم أنه لم يرسل للدعوة ~~العامة ملك من أهل السماء. فالذكر، إما بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر ~~والعظة، كقوله إن هو إلا ذكر [يس: 69] ، أو بمعنى الحفظ لأخبار الأمم ~~السالفة. وفي الآية دليل على وجوب الرجوع إلى العلماء فيما لا يعلم. واستدل ~~بها بعضهم على جواز التقليد في الفروع للعامي. وفي ذلك بحث طويل في (إيقاظ ~~الهمم) للفلاني فارجع إليه إن شئت. وأشار إلى طرف منه في (فتح البيان) . # وقوله تعالى: بالبينات والزبر أي بالآيات المبرهنة على صدقهم والكتب ~~المرشدة إلى مصالح الخلق. والجار متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله، أي ~~أرسلناهم. أو ب (ما أرسلنا) . أو ب (نوحي) أو ب (لا تعلمون) ، على أن الشرط ~~للتبكيت والإلزام ms2950 وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن المذكر والموقظ من سنة ~~الغفلة لتبين للناس ما نزل إليهم أي مما أمروا ونهوا ووعدوا وأوعدوا ولعلهم ~~يتفكرون أي ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين. أو يتأملون ~~ما فيه من العبر فيحترزون عما أصاب الأولين. ولذا تأثره بقوله: # PageV06P375 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 45] # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) # أفأمن الذين مكروا السيئات أي المكرات السيئات التي قصت عنهم. فهي صفة ~~لمصدر محذوف أو مفعول ل (مكروا) بتضمينه معنى (عملوا) أن يخسف الله بهم ~~الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أي من جهة لا يعلمون بها، كما لا ~~يشعر الممكور بقصد الماكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 46 الى 48] # أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم ~~لرؤف رحيم (47) أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) # أو يأخذهم في تقلبهم أي سعيهم في المعايش واشتغالهم بها فما هم بمعجزين ~~أي لا يعجزون ربهم على أي حال كانوا أو يأخذهم على تخوف أي توقع للهلاك ~~ومخافة له، فإنه يكون أبلغ وأشد. أو ننقص في أبدانهم وأموالهم وثمارهم حتى ~~يهلكوا. يقال: تخوفه: تنقصه وأخذ من أطرافه فإن ربكم لرؤف رحيم أي حيث يحلم ~~عنكم ولا يعاجلكم بالعقوبة. ثم أخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه ~~بانقياد سائر مخلوقاته، جمادات وحيوانات ومكلفين من الجن والإنس والملائكة ~~له سبحانه، بقوله: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء أي جسم قائم له ظل ~~يتفيؤا ظلاله أي يرجع شيئا فشيئا عن اليمين والشمائل أي عن جانبي كل واحد ~~منها، بكرة وعشيا سجدا لله أي منقادة له على حسب مشيئته في الامتداد ~~والتقلص وغيرهما، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له وهم داخرون أي صاغرون. ~~وغلب في جمعها من يعقل، فأتى بالواو. أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء. ms2951 فهو ~~إما تغليب أو استعارة: وكذا ضمير (هم) أيضا لأنه مخصوص بالعقلاء. # فيجوز أن يعتبر ما ذكر فيه، ويجعل ما بعده جاريا على المشاكلة. ### | لطيفة: # لابن الصائغ في سر توحيد اليمين وجمع الشمائل توجيه لطيف. وملخصه أنه نظر ~~إلى الغاية فيهما. لأن ظل الغداة يضمحل بحيث لا يبقى منه إلا اليسير. فكأنه # PageV06P376 # في جهة واحدة. وهو في العشي على العكس، لاستيلائه على جميع الجهات. # فلحظت الغايتان. هذا من جهة المعنى. # وأما من جهة اللفظ فجمع ليطابق (سجدا) المجاور له. كما أفرد الأول ~~لمجاورة ضمير (ظلاله) وقدم الإفراد لأنه أصل أخف. و (عن اليمين) متعلق ب ~~(يتفيأ) أو حال. كذا في (العناية) . # ثم بين سجود سائر المخلوقات سواء كانت لها ظلال أم لا، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 49] # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون (49) # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم أي ~~الملائكة، مع علو شأنهم لا يستكبرون أي عن عبادته والسجود له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 50] # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون أي من الطاعات والتدبير. # واستدل بقوله من فوقهم على ثبوت الفوقية والعلو، له تعالى. وقد صنف في ~~ذلك الحافظ الذهبي كتاب (العلو) وابن القيم كتاب (الجيوش الإسلامية) ~~وغيرهما. # وأطنب فيها الحكيم ابن رشد في (مناهج الدولة) فليرجع إليها. وكلهم متفقون ~~على أنه علو بلا تشبيه ولا تمثيل. وانفرد السلف بخطر التأويل والتعطيل. ~~وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 51] # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون. إعلام ~~بنهيه الصريح عن الإشراك. وبأمره بعبادته وحده، وإنما خصص هذا العدد لأنه ~~الأقل، فيعلم انتفاء ما فوقه بالدلالة. فإن قيل: الواحد والمثنى نص في ~~معناهما، لا يحتاج معهما إلى ذكر العدد، كما ms2952 يذكر مع الجميع. أي في نحو ~~رجال ثلاثة وأفراس أربعة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، فلم ~~ذكر العدد فيهما؟ أجيب بأن العدد # PageV06P377 # يدل على أمرين: الجنسية والعدد المخصوص. فلما أريد الثاني صرح به للدلالة ~~على أنه المقصود الذي سيق الكلام وتوجه له النهي دون غيره. فإنه قد يراد ~~بالمفرد الجنس نحو: نعم الرجل زيد. وكذا المثنى كقوله: # فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام # وقيل: ذكر العدد للإيماء بأن الاثنينية تنافي الألوهية. فهو في معنى ~~قوله: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] ، فلذا صرح بها، وعقبت ~~بذكر الوحدة التي هي من لوازم الألوهية. # قال الشهاب: ولا حاجة إلى جعل الضمير للمعبود بحق المراد من الجلالة على ~~طريق الاستخدام. # وقوله تعالى: وقال الله معطوف على قوله ولله يسجد أو على قوله وأنزلنا ~~إليك الذكر وقيل: إنه معطوف على ما خلق الله على أسلوب: # علفتها تبنا وماء باردا # أي: أولم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا ما قال الله؟. ولا يخفى تكلفه. ~~وفي قوله فإياي فارهبون التفات عن الغيبة، مبالغة في الترهيب. فإن تخويف ~~الحاضر مواجهة، أبلغ من ترهيب الغائب، لا سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية ~~المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 52 الى # 55] # وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما ~~بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف ~~تعلمون (55) # وله ما في السماوات والأرض معطوف على قوله إنما هو إله واحد أو على ~~الخبر، أو مستأنف. وله الدين واصبا أي العبادة لازمة له وحده. ولزومها له ~~ينافي خوف الغير، إذ يقتضي تخصيصه تعالى بالرهبة والخشية، وهذا كقوله: # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون [آل عمران: 83] . # أفغير الله تتقون أي وهو مالك النفع ms2953 والضر. وما بكم من نعمة فمن الله # PageV06P378 # أي فمن فضله وإحسانه ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون أي لا تتضرعون إلا ~~إليه، لعلمكم أنه لا يقدر على كشفه إلا هو سبحانه. والجؤار: رفع الصوت. ~~يقال: جأر إذا أفرط في الدعاء والتضرع، وأصله صياح الوحش. # ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون أي بنسبة النعمة إلى ~~غيره ورؤيتها منه. وكذا بنسبة الضر إلى الغير، وإحالة الذنب في ذلك عليه، ~~والاستعانة في رفعه به. وذلك هو كفران النعمة، والغفلة عن المنعم المشار ~~إليهما بقوله: ليكفروا بما آتيناهم أي من نعمة الكشف عنهم. واللام للعاقبة ~~والصيرورة فتمتعوا فسوف تعلمون أي وبال ذلك الكفر. وفيه إشعار بشدة الوعيد، ~~وأنه إنما يعلم بالمشاهدة، ولا يمكن وصفه، فلذا أبهم. # وللقاشاني وجه آخر قال: أو فسوف تعلمون، بظهور التوحيد، أن لا تأثير لغير ~~الله في شيء. ثم بين تعالى من مثالب المشركين قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 56 الى # 57] # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ~~(56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) # ويجعلون لما لا يعلمون. أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد نصيبا مما ~~رزقناهم أي من الزرع والأنعام وغيرهما تقربا إليها تالله لتسئلن عما كنتم ~~تفترون أي: من أنها آلهة يتقرب إليها. ومر نظير الآية في سورة الأنعام في ~~قوله سبحانه وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا [الأنعام: 136] ~~الآية، فانظر تفصيلها ثمة ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون # هذا بيان لعظيمة من عظائمهم، وهو جعلهم الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~بنات لله، فنسبوا له تعالى ولدا ولا ولد له. واجترءوا على التفوه بمثل ذلك ~~وعلى نسبة أدنى القسمين له من الأولاد، وهو البنات. وهم لا يرضونها لأنفسهم ~~لأنهم يشتهون الذكور، أي يختارونهم لأنفسهم ويأنفون من البنات. وقد نزه ~~مقامه الأقدس عن ذلك بقوله سبحانه أي عن إفكهم وقولهم. وفيه تعجب من ~~جراءتهم على التفوه بهذا المنكر من ms2954 القول، ومن مقاسمتهم لجلاله بالاستئثار ~~كما قال سبحانه ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى [النجم: 21- 22] . ~~وقال تعالى: ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى ~~البنات على البنين ما # PageV06P379 # لكم كيف تحكمون # [الصافات: 151- 154] . ثم أشار إلى شدة كراهتهم للإناث، بما يمثل عظم تلك ~~النسبة إلى الجناب الأقدس وفظاعتها، بقوله سبحانه وتعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 58 الى # 59] # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من ~~سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه أي صار أو دام النهار كله مسودا أي ~~متغيرا من الغم والحزن والغيظ والكراهية التي حصلت له عند هذه البشارة. ~~وسواد الوجه وبياضه يعبر عن المساءة والمسرة، كناية أو مجازا. وهو كظيم أي ~~مشتد الغيظ على امرأته لأنه، بزعمه، حصل له منها ما يوجب أشد الحياء حتى ~~أنه يتوارى من القوم أي يستخفي منهم من سوء ما بشر به أي من أجله وخوف ~~التعبير به. # ثم يفكر فيما يصنع به، وهو قوله تعالى: أيمسكه على هون أي محدثا نفسه ~~متفكرا في أن يتركه على هوان وذل، لا يورثه ولا يعتني به، ويفضل ذكور ولده ~~عليه أم يدسه في التراب أي يخفيه ويدفنه فيه حيا ألا ساء ما يحكمون أي حيث ~~يجعلون الولد، الذي هذا شأنه من الحقارة والهون عندهم، لله تعالى وتقدس. # ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 60] # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) # للذين لا يؤمنون بالآخرة أي مثل من ذكرت مساوئهم مثل السوء أي صفات الذل ~~من الحاجة إلى الأولاد وكراهة الإناث ووأدهن، خشية الإملاق، المنادى كل ذلك ~~بالعجز والقصور والشح البالغ. ووضع الموصول موضع الضمير، للإشعار بأن مدار ~~اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة ولله المثل الأعلى أي الوصف ms2955 العالي ~~الشأن، وهو الغني عن العالمين. والكمال المطلق والتقدس عن سمات المخلوقين: # وهو العزيز الحكيم. # ثم أخبر تعالى عن حلمه بخلقه، مع ظلمهم، بقوله: # PageV06P380 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 61 الى # 62] # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما ~~يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ~~(62) # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم أي بكفرهم ومعاصيهم التي منها ما عدد من ~~المساوئ المتقدمة ما ترك عليها أي على الأرض المدلول عليها بالناس، وبقوله ~~تعالى: من دابة أي لأهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى أي وقت معين تقتضيه الحكمة. يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له، ويصر من ~~يصر فيزداد عذابا فإذا جاء أجلهم أي المسمي لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~ويجعلون لله أي ينسبون إليه ما يكرهون أي من البنات ومن الشركاء. وهم ~~يأنفون من الأولى كما يكرهون مشاركة أحد لهم في مالهم. وهو تكرير لما سبق، ~~تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: # وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى أي يجعلون لله ذلك، مع دعواهم أن لهم ~~العاقبة الحسنى عند الله، إن كان ثم معاد. كما قصه تعالى عنهم بقوله ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [فصلت: 50] ، يعني جمع هؤلاء بين عمل السوء ~~وتمني المحال، بأن يجازوا على ذلك حسنا. # وقد روي أنه وجد في أحد أحجار الكعبة، لما جددت، مكتوبا (تعملون السيئات ~~وتجزون الحسنات. أجل. كما يجتنى من الشوك العنب) وأن لهم إلخ بدل من ~~(الكذب) أو بتقدير بأن لهم. # قال الشهاب: قوله تعالى: قوله وتصف ألسنتهم الكذب من بليغ الكلام وبديعه ~~كقولهم: (عينها تصف السحر) أي ساحرة. وقدها يصف الهيف، أي هيفاء. # قال أبو العلاء المعرى: # سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة يصف الكلالا # ثم رد كلامهم وأثبت ضده بقوله سبحانه لا جرم أن لهم النار ms2956 وأنهم مفرطون ~~أي معجلون إليها ومقدمون. من (الفرط) وهو السابق إلى الورد. يقال: أفرطته ~~في طلب الماء إذا قدمته. أو متروكون منسيون في النار. من (أفرطته) بمعنى ~~تركته # PageV06P381 # ونسيته، على ما حكاه الفراء. كقوله تعالى فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء ~~يومهم هذا [الأعراف: 51] . وقرأ نافع (مفرطون) بكسر الراء. اسم فاعل من ~~(أفرط) إذا تجاوز أي متجاوز الحد في معاصي الله. وقرأ أبو جعفر بكسر الراء ~~المشددة من (فرط في كذا) إذ قصر. ويقرب من الآية ما قص عنهم في قوله تعالى: ~~ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ [فصلت: 50] . وقال تعالى: ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ~~قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا [الكهف: 35- 36] . # ثم ذكر تعالى نعمته في إرسال الرسل وتكذيب أممهم، ليتأسى صلوات الله عليه ~~بهم بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 63 الى 64] # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم أي من الكفر ~~والتكذيب والعناد فهو وليهم اليوم أي قرينهم، يغويهم. أو المراد باليوم يوم ~~القيامة. والولي بمعنى الناصر. وجعله ناصرا فيه، مع أنهم لا ينصرون، مبالغة ~~في نفيه، وتهكم، على حد (عتابه السيف) ولهم عذاب أليم، وما أنزلنا عليك ~~الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه أي فالقرآن هو الفرقان الفاصل بين ~~الحق والباطل، وكل ما يتنازع فيه وهدى أي للقلوب ورحمة لقوم يؤمنون ثم أشار ~~إلى عظيم قدرته في آياته الكونية الدالة على وحدانيته، إثر قدرته في إحياء ~~القلوب الميتة بالكفر، بما أنزله من وحيه وهداه ورحمته، بقوله: ### | القول ms2957 في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 65 الى 66] # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) # PageV06P382 # والله أنزل من السماء أي المزن ماء فأحيا به الأرض بعد موتها أي بالنبات ~~والزرع، بعد جدبها ويبسها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أي هذا التذكير، ~~ويعقلون وجه دلالته وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين ~~فرث وهو ما في الكرش من الثفل ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين أي سهل المرور ~~في حلقهم. # بين تعالى آيته في الأنعام بما ذكر، ليستدل به على وحدانيته وانفراده ~~بالأولوهية. وليستدل به أيضا على الحشر. فإن العشب الذي يأكله الحيوان إنما ~~يتولد من الماء والتراب. فقلب الطين نباتا وعشبا، ثم تبديله دما في جوف ~~الحيوان، ثم تحويله إلى لبن، أعظم عبرة على قدرته تعالى على قلب هذه ~~الأجسام الميتة من صفة إلى صفة. وإنما ذكر الضمير في بطونه هنا، وأنثه في ~~سورة المؤمنين، لكون الأنعام اسم جمع، فيذكر ويفرد ضميره، باعتبار لفظه. ~~ويؤنث ويجمع باعتبار معناه. # وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 67] # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون بيان لآيته تعالى في الثمرات المذكورة، ومنته في المشروب منها ~~والمطعوم. و (السكر) مصدر سمي به الخمر. فهو بمعنى السكر كالرشد والرشد. # قال الفراء: السكر الخمر نفسها. والرزق الحسن الزبيب والتمر وما أشبههما، ~~ولا يقال: الخمر محرمة، فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟ لأن هذه السورة ~~مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة. وكان نزول هذه الآية في الوقت ~~الذي كانت الخمر فيه غير محرمة. وأجاب الرازي بجواب ثان. # وهو: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما ms2958 في هذه ~~الأشياء من المنافع. وخاطب المشركين بها. والخمر من أشربتهم. فهي منفعة في ~~حقهم. # قال: ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضا على تحريمها. وذلك لأنه ميز ~~بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا يكون السكر رزقا حسنا. ولا شك ~~أنه # PageV06P383 # حسن بحسب الشهوة فوجب أن يقال: الرجوع عن كونه حسنا بحسب الشريعة. # وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة. انتهى. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: دلت الآية على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ ~~من العنب كما هو مذهب الجمهور. # وفي (فتح البيان) قد حمل السكر جماعة من الحنفية على ما لا يسكر من ~~الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يشتد إلى حد السكر. كما في (الكشاف) ~~قالوا: إنما يمتن الله على عباده بما أحله لا بما حرمه عليهم. وهذا مردود ~~بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر. انتهى. # وليس هذا موضع بسط ذلك. قال ابن كثير: وقد ناسب ذكر العقل هاهنا في قوله ~~تعالى: لقوم يعقلون فإنه أشرف ما في الإنسان. ولهذا حرم الله على هذه الأمة ~~الأشربة المسكرة صيانة لعقولها. انتهى. # ولما بين تعالى أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ~~ثمرات النخيل والأعناب، دلائل قاهرة وبينات باهرة، على أن لهذا العالم إلها ~~واحدا قادرا مختارا حكما- أرشد إلى آيته الساطعة في النحل أيضا بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 68 الى 69] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~المراد من الوحي الإلهام والهداية إلى بنائها تلك البيوت العجيبة المسدسة، ~~من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض، مما لا يمكن مثله للبشر إلا ~~بأدوات وآلات. وقد أرشدها تعالى إلى ms2959 بنائها بيوتا تأوي إليها في ثلاثة ~~أمكنة: الجبال. # والشجر. وبيوت الناس، حيث يعرشون أي يبنون العروش، جمع (عرش) وهو البيت ~~الذي يستظل به كالعريش. وليس للنحل بيت في غير هذه الأمكنة: الجبال والشجر ~~وبيوت الناس. وأكثر بيوتها ما كان في الجبال وهو المتقدم في الآية ثم في ~~الشجر دون ذلك ثم في الثالث أقل. # PageV06P384 # فالنحل إذا نوعان: جبلية تسكن في الجبال والفيافي لا يتعهدها أحد من ~~الناس. وأهلية تأوي إلى البيوت وتتعهد في الخلايا. ومن بديع الإلهام فيها ~~اتخاذها البيوت قبل المرعى. فهي تتخذها أولا. فإذا استقر لها بيت خرجت منه، ~~فرعت. # وأكلت من الثمرات. ثم أوت إلى بيوتها. وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ثم ~~كلي من كل الثمرات أي من كل ثمرة تشتهيها، حلوها ومرها. فالعموم عرفي، أو ~~لفظ (كل) للتكثير. أو هو عام مخصوص بالعادة. ولو أبقي الأمر على ظاهره ~~لجاز. لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات، الأكل منها. لأن ~~الأمر للتخلية والإباحة. ### | لطيفة: # إنما أوثر (من) في قوله تعالى: من الجبال إلخ، على (في) دلالة على معنى ~~التبعيض. وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولا في كل ~~مكان منها. نبه عليه الزمخشري: # قال الناصر: ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه في تبعيض (من) المتعلقة ~~باتخاذ البيوت. بإطلاق الأكل. كأنه تعالى وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها. ~~فلم يحجر عليها فيه، وإن حجر عليها في البيوت وأمرت باتخاذها في بعض ~~المواضع دون بعض. لأن مصلحة الآكل حاصلة على الإطلاق باستمرار مشتهاها منه. ~~وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع. ولهذا المعنى دخلت (ثم) لتفاوت ~~الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت، والإطلاق لها في تناول الثمرات. ~~كما تقول راع الحلال فيما تأكله، ثم كل أي شيء شئت. فتوسط (ثم) لتفاوت ~~الحجر والإطلاق. # فسبحان اللطيف الخبير. # وقوله تعالى: فاسلكي سبل ربك ذللا أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل ~~العسل. فالسبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها أو على حقيقتها. ms2960 أي إذا أكلت ~~الثمار في المواضع النائية فاسلكي راجعة إلى بيوتك. سبل ربك. لا تتوعر عليك ~~ولا تضلين فيها. و (ذللا) جمع ذلول، حال من (السبل) أي مذللة ذللها الله لك ~~وسهلها. # فهي تسلك من هذا الجو العظيم. والبراري الشاسعة والأودية والجبال ~~الشاهقة. ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة. ~~وقوله تعالى يخرج من بطونها شراب استئناف، عدل به عن خطاب النحل لبيان ما ~~يظهر منها من عجيب صنعه تعالى، تعديدا للنعم، وتنبيها على العبر، وإرشادا ~~إلى الآيات العظيمة من هذا الحيوان الضعيف. وسمي العسل شرابا، لأنه يشرب مع ~~الماء وغيره مختلف ألوانه # PageV06P385 # أي فمنه أبيض وأصفر وأحمر، لاختلاف ما يؤكل من النور أو مزاجها فيه شفاء ~~للناس لأنه من جملة الأشفية والأدوية في بعض الأمراض. وله دخل في أكثر ما ~~به الشفاء والمعاجين. وقل معجون من المعاجين، لم يذكر الأطباء فيه العسل. ~~وقد قام الآن مقامه السكر، لكثرته بالنسبة إليه. # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رجلا جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال: # اسقه عسلا، فذهب فسقاه عسلا فقال: يا رسول الله! سقيته عسلا ما زاده إلا ~~استطلاقا. قال: اذهب فاسقه عسلا فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال: يا رسول ~~الله! ما زاده إلا استطلاقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله ~~وكذب بطن أخيك. اذهب فاسقه عسلا. فذهب فسقاه عسلا فبرأ «1» . # قال ابن كثير: قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات. فلما ~~سقاه عسلا وسكر حار تحللت فأسرعت في الاندفاع، فزاده إسهالا، فاعتقد ~~الأعرابي أن هذا يضره، وهو مصلحة لأخيه. ثم سقاه فازداد التحليل والدفع. ثم ~~سقاه فكذلك. فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، استمسك بطنه، وصلح ~~مزاجه واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته صلى الله عليه وسلم. انتهى. # وفي (العناية) للشهاب هنا، قصة عن طبقات الأطباء، فيها تأييد لقصة ~~الأعرابي فانظرها. # إن في ذلك لآية لقوم ms2961 يتفكرون أي فيعتبرون ويستدلون على وحدانيته سبحانه، ~~وانفراده بألوهيته. وأنه هو الذي ألهم هذه الدواب الضعيفة فعلمت مساقط ~~الأنداء، من وراء البيداء، فتقع على كل حرارة عبقة، وزهرة أنقة، ثم تصدر ~~عنها بما تحفظه رضابا، وتلفظه شرابا. # قال الحجة الغزالي (في الإحياء) : انظر إلى النحل كيف أوحى الله إليها ~~حتى اتخذت من الجبال بيوتا. وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل. وجعل ~~أحدهما ضياء والآخر شفاء. ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار ~~والأنوار، واحترازها PageV06P386 # من النجاسات والأقدار، وطاعتها لواحد من جملتها وهو أكبرها شخصا وهو ~~أميرها، ثم ما سخر الله لأميرها من العدل والإنصاف بينها، حتى أنه ليقتل ~~منها على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة- لقضيت من ذلك العجب إن كنت ~~بصيرا في نفسك، وفارغا من هم بطنك وفرجك. وشهوات نفسك في معاداة أقرانك، ~~وموالاة إخوانك. ثم دع عنك جميع ذلك، وانظر إلى بنيانها بيتا من الشمع، ~~واختيارها من جميع الأشكال الشكل المسدس، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ~~ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك. ~~وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير وما يقرب منه. فإن المربع تخرج منه ~~زوايا ضائعة. # وشكل النحل مستدير مستطيل. فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة. ثم لو ~~بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة. فإن الأشكال المستديرة إذا ~~اجتمعت لم تجتمع متراصة. ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء ~~من المستدير. # ثم تتراص الجملة منه بحيث لا تبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس. وهذه ~~خاصية هذا الشكل. فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل، على صغر جرمه، ذلك. ~~لطفا به وعناية بوجوده فيما هو محتاج إليه. ليهنأ عيشه فسبحانه ما أعظم ~~شأنه وأوسع لطفه وامتنانه. وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض ويقاتل بعضه بعضا ~~في الخلايا ويلسع من دنا من الخلية. وربما هلك الملسوع. وإذا أهلك شيء منها ~~داخل الخلايا أخرجته الأحياء إلى خارج. وفي طبعه أيضا النظافة. فلذلك يخرج ~~رجيعه ms2962 من الخلية لأن منتن الريح. وهو يعلم زماني الربيع والخريف. والذي ~~يعمله في الربيع أجود. والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان ~~صافيا عذبا. يطلبه حيث كان. ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعة. وإذا قل العسل ~~في الخلية، قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاده لأنه إذا نفد أفسد ~~النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور. وربما قتلت ما كان منها هناك. # قال حكيم من اليونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا. قالوا: وكيف ~~النحل في الخلايا؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأبعدته وأقصته ~~عن الخلية، لأنه يضيق المكان، ويفنى العسل، ويعلم النشيط الكسل. # والنحل يسلخ جلده كالحيات. وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة، ويضره ~~السوس. ودواؤه أن يطرح له في كل خلية كف ملح. وأن يفتح في كل شهر مرة، ~~ويدخن بأخثاء البقر. وفي طبعه أنه متى طار من الخلية، يرعى ثم يعود، فتعود ~~كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه. كذا في (حياة الحيوان) . # PageV06P387 # وذكر الإمام الغزالي أيضا في كتاب (الحكمة في خلق المخلوقات) : أن الله ~~تعالى جعل للنحل رئيسا تتبعه وتهتدي به فيما تناله من أقواتها. فإن ظهر مع ~~الرئيس الذي تتبعه رئيس آخر من جنسه، قتل أحدهما الآخر. وذلك لمصلحة ظاهرة ~~وهو خوف الافتراق. لأنهما إذا كانا أميرين، وسلك كل واحد منهما فجا، افترق ~~النحل خلفهما. ثم إنها ألهمت أن ترعى رطوبات من على الأزهار. فيستحيل في ~~أجوافها عسلا. فعلم من هذا التسخير ما فيه من مصالح العباد، من شراب فيه ~~شفاء للناس. # كما أخبر سبحانه وتعالى. وفيه غذاء وملاذ العباد. وفيه من أقوات فضلات ~~عظيمة جعلت لمنافع بني آدم. فهي مثل ما يفضل من اللبن الذي خلق لمصالح ~~أولاد البهائم وأقواتها. وما فضل من ذلك ففيه من البركة والكثرة ما ينتفع ~~به الناس. ثم انظر ما تحمله النحل من الشمع في أرجلها، لتوعي فيه العسل ~~وتحفظه. فلا تكاد تجد وعاء أحفظ للعسل من الشمع في الأجناح. فانظر في هذه ~~الذبابة، هل في علمها ms2963 وقدرتها جمع الشمع مع العسل؟ أو عندها من المعرفة ~~بحيث رتبت حفظ العسل مدة طويلة باستقراره في الشمع وصيانته في الجبال ~~والشجر في المواضع التي تحفظه ولا يفسد فيها! ثم انظر لخروجها نهارا لرعيها ~~ورجوعها عشية إلى أماكنها وقد حملت ما يقوم بقوتها ويفضل عنها، ولها في ~~ترتيب بيوتها من الحكمة في بنائها حافظ لما تلقيه من أجوافها من العسل، ~~ولها جهة أخرى تجعل فيها برازها مباعدا عن مواضع العسل. # وفيها غير هذا مما انفرد الله بعلمه. # قال أبو السعود: ولما ذكر سبحانه من عجائب أحوال ما ذكر من الماء والنبات ~~والأنعام والنحل. أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من أول عمره إلى آخره ~~وتطوراته فيما بين ذلك. وقد ضبطوا مراتب العمر في أربع: الأولى سن النشوء ~~والنماء. والثانية سن الوقوف وهي سن الشباب. والثالثة سن الانحطاط القليل ~~وهي سن الكهولة. والرابعة سن الانحطاط الكبير وهي سن الشيخوخة، فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 70 الى # 71] # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين ~~فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ~~(71) # والله خلقكم أي أنشأكم من العدم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~أي أضعفه وأردئه وهو الهرم. وقوله تعالى: لكي لا يعلم بعد علم شيئا اللام # PageV06P388 # للصيرورة والعاقبة. أي فيصير، إن كان عالما، جاهلا. فيريكم من قدرته أنه ~~كما قدر على نقله من العلم إلى الجهل، أنه قادر على إحيائه بعد إماتته. # قال في (العناية) : وكونه غير عالم بعد علمه، كناية عن النسيان. لأن ~~الناسي يعلم الشيء ثم ينساه، فلا يعلم بعد ما علم. أو العلم بمعنى الإدراك ~~والتعقل، والمعنى لا يترقى في إدراك عقله وفهمه لأن الشاب في الترقي. ~~والشيخ في التوقف والنقصان. # وفي (الكشاف) : ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان. وأن ms2964 يعلم ~~شيئا ثم يسرع في نسيانه، فلا يعلمه إن سئل عنه. وقيل لئلا يعقل بعد عقله ~~الأول شيئا. وقيل لئلا يعلم زيادة علم على علمه الأول. و (شيئا) منصوب على ~~المصدرية أو المفعولية. وجوز فيه التنازع بين (يعلم) و (علم) وكون مفعول ~~(علم) محذوفا لقصد العموم. أي لا يعلم شيئا ما بعد علم أشياء كثيرة. # إن الله عليم قدير، والله فضل بعضكم على بعض في الرزق أي: جعلكم متفاوتين ~~فيه، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم فما الذين فضلوا أي في ~~الرزق، وهم الملاك برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم أي بمعطيهم إياه فهم ~~فيه سواء أي فيستووا مع عبيدهم في الرزق. # والآية مثل، ضرب للذين جعلوا له تعالى شركاء. أي أنتم لا تسوون بينكم ~~وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم. ولا تجعلونهم فيه شركاء. ولا ترضون ذلك ~~لأنفسكم. فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي شركاء في الإلهية والتعظيم؟ كما قال ~~في الأخرى: ضرب لكم مثلا من أنفسكم، هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم [الروم: 28] ، أفبنعمة ~~الله يجحدون أي فيشركون معه غيره وهو المنعم عليهم. أو حيث أنكروا أمثال ~~هذه الحجج البالغة بعد ما أنعم بها عليهم. فإنه لا نعمة على العالم أجل من ~~إقامة الحجج وإيضاح السبل بإرسال الرسل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 72 الى 74] # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون ~~الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا ~~تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) # PageV06P389 # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا أي في جنسكم وشكلكم إناثا أزواجا لتأنسوا ~~بها وتحصل المودة والألفة والرحمة وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة أي بنات ~~وأولاد أولاد ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وهو منفعة الأصنام ~~وشفاعتها وبنعمت الله هم يكفرون أي ms2965 في إضافة نعمه إلى الأصنام، أو في تحريم ~~ما أحل لهم ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا أي من مطر أو نبات و (شيئا) نصب على المفعولية من (رزق) إن كان مصدرا. ~~وإن جعل اسما للمرزوق ف (شيئا) بدل منه بمعنى قليلا. و (من السموات) متعلق ~~ب (يملك) على كون الرزق مصدرا. أو هو صفة ل (رزقا) ولا يستطيعون أي أن ~~يتملكوه. أو لا استطاعة لهم أصلا. أو الضمير للمشركين. أي ولا يستطيعون، مع ~~أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد؟ # فلا تضربوا لله الأمثال أي فلا تجعلوا له أندادا وأمثالا. والضرب للمثل ~~فيه معنى الجعل. والأمثال جمع (مثل) بكسر فسكون على هذا، وقيل جمع (مثل) ~~بفتحتين والآية استعارة تمثيلية للإشراك به. حيث جعل المشرك به الذي يشبهه ~~بخلقه، بمنزلة ضارب المثل. فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة، وذاتا بذات. # كما أن ضارب المثل كذلك. فكأنه قيل: ولا تشركوا. وعدل عنه لما ذكر، دلالة ~~على التعميم في النهي عن التشبيه وصفا وذاتا. وفي لفظة (الأمثال) لمن لا ~~مثال له، نعي عظيم على سوء فعلهم. كذا في (شرح الكشاف) . # إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أي يعلم قبح ما تشركون وأنتم لا تعلمونه. ~~ولو علمتموه لما جرأتم عليه، فهو تعليل للنهي. أو يعلم كنه الأشياء وأنتم ~~لا تعلمونه، فدعوا رأيكم وقياسكم دون نصه. ولما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي ~~وهو الإشراك، عقبه بالكشف لذي البصيرة، عن حالهم في تلك الغفلة، وحال من ~~تابعهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 75] # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوون الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون يعني أن مثل ~~هؤلاء في # PageV06P390 # إشراكهم، مثل من ms2966 سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك يتصرف ~~في ماله كيف يشاء. ولا مساواة بينهما. مع أنهما سيان في البشرية والمخلوقية ~~لله سبحانه وتعالى. فما الظن برب العالمين حيث يشركون به أعجز المخلوقات. ~~وإيثار قوله: ومن رزقناه إلخ على (مالكا) للتنبيه على أن ما بيده، هو من ~~فضل الله ورزقه، وعلى تذكيره الإنفاق منه في السر والجهر، ليكون عاملا بأمر ~~الله فيه. # وقوله تعالى: الحمد لله أي على ما هدى أولياءه. وأنعم عليهم من التوحيد. ~~أو الحمد كله له لا يستحقه شيء من الأصنام. أو الحمد لله على قوة هذه الحجة ~~وظهور المحبة وأكثرهم لا يعلمونها، مع أنه في غاية ظهورها ونهاية وضوحها. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 76] # وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(76) # وضرب الله مثلا أي مثلا آخر يدل على ما دل عليه المثل السابق على وجه ~~أوضح رجلين أحدهما أبكم أي أخرس لا يقدر على شيء أي مما يقدر عليه المنطيق ~~المفصح عما في نفسه وهو كل على مولاه أي ثقيل على ما يلي أمره، لعدم ~~اهتمامه بإقامة مصالح نفسه أينما يوجهه لا يأت بخير أي حيث يرسله في أمر لا ~~يأت بنجحه وكفاية مهمه هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل أي ومن هو بليغ منطيق ~~ذو كفاية ورشد لينفع الناس، بحثهم على العدل الشامل لجميع الفضائل. # وهو أي في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام على صراط مستقيم أي على سيرة ~~صالحة ودين قويم، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي وأسهله. # قال الأزهري: ضرب تعالى مثلا للصنم الذي عبدوه وهو لا يقدر على شيء، فهو ~~كل على مولاه. لأنه يحمله إذا ظعن فيحوله من مكان إلى مكان. فقال الله ~~تعالى: هل يستوي هذا الصنم الكل، ومن يأمر بالعدل؟ استفهام معناه التوبيخ، ms2967 ~~كأنه قال لا تسووا بين الصنم وبين الخالق جل جلاله. انتهى. # وإليه أشار الزمخشري بقوله: وهذا مثل ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على # PageV06P391 # عباده ويشملهم مع آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية. وللأصنام ~~التي هي أموات لا تضر ولا تنفع. انتهى. # وناقش الرازي في حمله على الصنم بأن الوصف بالرجل وبالبكم وبالكل ~~وبالتوجه في جهات المنافع، يمنع من حملها على الوثن. وكذا الوصف في الثاني ~~بأنه على صراط مستقيم، يمنع من حمله على الله تعالى. انتهى. # وقد يقال في جوابه بأن الأوصاف الأول، وإن كانت ظاهرة في الإنسان (والأصل ~~في الإطلاق ما يتبادر وهو الحقيقة) إلا أن المقام صرفها إلى الوثن: لأن ~~الآيات في بيان حقارة ما يعبد من دونه تعالى، وكونه لا يصلح للألوهية بوجه ~~ما، لما فيه من صفات النقص. وأما الوصف في قوله على صراط مستقيم فكقوله ~~تعالى: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] ، فصح الحمل. # ثم رأيت للإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) ما يؤيد ما اعتمدناه حيث ~~قال، في بحث أمثال القرآن، في هذين المثلين ما صورته: # فالمثل الأول: يعني قوله تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا الآية، ضربه ~~الله سبحانه لنفسه وللأوثان. فالله سبحانه هو المالك لكل شيء. ينفق كيف ~~يشاء على عبيده سرا وجهرا وليلا ونهارا. يمينه ملأى لا يغيضها نفقة. سحاء ~~الليل والنهار. والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها ~~شركاء إلي ويعبدونها من دوني، مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ هذا ~~قول مجاهد وغيره. # وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ومثل المؤمن في الخير ~~الذي عنده ثم رزقه منه حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا. # والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء. لأنه لا خير عنده. فهل ~~يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟ والقول الأول أشبه بالمراد. فإنه أظهر ~~في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبا ~~بقوله: # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ms2968 رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون، فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون [النحل: ~~73- 74] ، ثم قال: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن لوازم ~~هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد ممن رزقه منه رزقا حسنا. والكافر ~~المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. فهذا مما ينبه عليه المثل ~~وأرشد إليه # PageV06P392 # فذكره ابن عباس منبها على إرادته. لا أن الآية اختصت به. فتأمله فإنك ~~تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن. فيظن الظان أن ~~ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله. # وأما المثل الثاني، فهو مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنفسه ولما يعبدون ~~من دونه أيضا. فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق. ~~بل وهو أبكم القلب واللسان. قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو ~~عاجز لا يقدر على شيء البتة. وعلى هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير. ولا ~~يقضي لك حاجة، والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد. فإن أمره بالعدل، وهو الحق يتضمن ~~أنه سبحانه عالم به معلم له، راض به آمر لعباده به، محب لأهله لا يأمر ~~بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل،. بل أمره ~~وشرعه عدل كله. وأهل العدل هم أولياءه وأحباؤه. # وهم المجاورون له عند يمينه، على منابر من نور. وأمره بالعدل يتناول ~~الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني. وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه. ~~كما في الحديث الصحيح «1» : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ~~ماض في حكمك عدل في قضاؤك. فقضاؤه هو أمره الكوني: إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون [يس: 82] ، فلا يأمر إلا بحق وعدل. وقضاؤه وقدره ~~القائم به حق وعدل. # وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم فالقضاء غير المقضي. والقدر غير ~~المقدر. ثم أخبر ms2969 سبحانه أنه على صراط مستقيم وهذا نظير قوله رسوله شعيب: # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم هود: 56] ، وقوله: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها نظير قوله ~~(ناصيتي بيدك) وقوله: إن ربي على صراط مستقيم نظير قوله (عدل في قضاؤك) ~~فالأول ملكه. والثاني حمده. وهو سبحانه له الملك وله الحمد. وكونه سبحانه ~~على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل ~~إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل. فهو على الحق في أقواله وأفعاله. فلا ~~يقضي على العبد بما يكون ظالما به ولا يؤخذ بغير ذنبه. ولا ينقصه من حسناته ~~شيئا. ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا. ~~ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره. ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه ~~ويكون له فيه PageV06P393 # العواقب الحميدة والغايات المطلوبة. فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك ~~كله. # قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: إن ربي على صراط مستقيم يقول: إن ربي ~~على طريق الحق يجازي المحسن من خلقه بإحسانه والمسيء بإساءته. لا يظلم أحدا ~~منهم ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به. # ثم حكي عن مجاهد من طريق شبل بن أبي نجيح عنه إن ربي على صراط مستقيم ~~قال: الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه. # وقال فرقة: هي مثل قوله: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] ، وهذا اختلاف ~~عبارة. فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. # وقال فرقة: في الكلام حذف تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم ~~عليه. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها. فليس كما زعموا ~~ولا دليل على هذا المقدر. وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه ~~على صراط مستقيم. وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على ~~صراط مستقيم، فقد أصابوا. # وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم أن ms2970 مرد العباد والأمور كلها ~~إلى الله لا يفوته شيء منها. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس ~~كذلك. وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجبه، ~~فهو حق. # وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره في ملكه وقبضته. وهذا وإن ~~كان حقا فليس هو معنى الآية. وقد فرق شعيب بين قوله: ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها [هود: 56] ، وبين قوله: إن ربي على صراط مستقيم [هود: 56] . # فهما معنيان مستقلان. # فالقول قول مجاهد. وهو قول أئمة التفسير. ولا تحتمل العربية غيره إلا على ~~استكراه. # وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز: # أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم # وقد قال تعالى: من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ~~[الأنعام: 39] ، وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط ~~المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو سبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في # PageV06P394 # قوله وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو ~~سبحانه عليه، هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قوله الحق وفعله، وبالله ~~التوفيق. # وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء: إنه مثل ضربه الله للمؤمن ~~والكافر. # وقد تقدم ما في هذا القول وبالله التوفيق. انتهى بحروفه. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 77] # ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير (77) # ولله غيب السماوات والأرض، وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير. # الآية إما جواب لاستعجالهم ما يوعدون، أو لاستبطائهم الساعة. أو لبيان ~~كماله في العلم والقدرة، تعريضا بأن معبوداتهم عرية منهما. فأشار إلى الأول ~~بقوله: # ولله غيب السماوات والأرض أي يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي ~~عليهم علمه. أو غيبهما هو يوم القيامة. فإن علمه غائب عن أهلها، لم يطلع ~~عليه أحد منهم، وأشار ms2971 إلى الثاني بقوله: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب و (الساعة) الوقت الذي تقوم فيه القيامة. و (اللمح) النظر بسرعة. ~~أي كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها (أو هو أقرب) من ذلك، أي أسرع ~~زمانا. بأن يقع في بعض زمانه. وفيه من كمال تقرير قدرته تعالى ما لا يخفى. ~~وقوله: إن الله على كل شيء قدير تعليل له، إشارة إلى أن مقدوراته تعالى لا ~~تتناهى، وأن ما يذكر بعض منها. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 78 الى 79] # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما ~~يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا عطف على قوله تعالى: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا منتظم معه في سلك أدلة التوحيد من قوله ~~تعالى: والله أنزل من السماء ماء وقوله تعالى: والله خلقكم وقوله تعالى: # PageV06P395 # والله فضل بعضكم على بعض أفاده أبو السعود. و (شيئا) منصوب على المصدرية ~~أو مفعول (تعلمون) والنفي منصب عليه. أي لا تعلمون شيئا أصلا من حق المنعم ~~وغيره. # وجعل لكم السمع أي فتدركون به الأصوات والأبصار فتحسون المرئيات والأفئدة ~~أي العقول لعلكم تشكرون أي لتصرفوها فيما خلقت له من التوحيد والاعتبار بها ~~والمشي على السنن الكونية. ثم نبه تعالى على آيته في خلقه الطير بقوله: ألم ~~يروا إلى الطير مسخرات أي مذللات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله أي ما ~~يمسكهن في الجو من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل، إلا هو سبحانه. ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون قال الحجة الغزالي في الحكمة في خلق ~~المخلوقات، في حكمة الطير، في هذه الآية، ما مثاله: # اعلم رحمك الله أن الله تعالى خلق الطير وأحكمه حكمة تقتضي الخفة ~~للطيران. ولم يخلق فيه ما يثقله. وخلق فيه ما يحتاج إليه وما فيه ms2972 قوامه ~~وصرف غذائه فقسم لكل عضو منه ما يناسبه. فإن كان رخوا أو يابسا أو بين ذلك، ~~انصرف إلى كل عضو من غذائه ما هو لائق به. فخلق للطير الرجلين دون اليدين ~~لضرورة مشيه وتنقله. وإعانة له في ارتفاعه عن الأرض وقت طيرانه، واسعة ~~الأسفل ليثبت في موطن على الأرض وهي خف فيه. أو بعض أصابع مخلوقة من جلد ~~رقيق صلب من نسبة جلد ساقيه. وجعل جلد ساقيه غليظا متقنا جدا ليستغني به عن ~~الريش في الحر والبرد. وكان من الحكمة، خلقه على هذه الصفة. لأنه في رعيه ~~وطلب قوته لا يستغني عن مواضع فيها الطين والماء. فلو كسيت ساقاه بريش ~~لتضرر ببلله وتلويثه. # فأغناه سبحانه عن الريش في موضع لا يليق به حتى يكون مخلصا للطيران. وما ~~خلق من الطير ذا أرجل طوال جعلت رقبته طويلة لينال غذاءه من غير حرج بها. ~~إذ لو طالت رجله وقصر عنقه لم يمكنه الرعي في البراري ولا في البحائر حتى ~~ينكب على صدره. وكثيرا ما يعان بطول المنقار أيضا مع طول العنق، ليزداد ~~مطلبه عليه سهولة. # ولو طال عنقه وقصرت رجلاه أثقله عنقه واختل رعيه. وخلق صدره ودائره ~~ملفوفا على عظم كهيئة نصف دائرة، حتى يخرق في الهواء بغير كلفة، وكذلك رؤوس ~~أجنحته مدورة إعانة له على الطيران. وجعل لكل جنس من الطير منقارا يناسب ~~رعيه ويصلح لما يغتذي به من تقطيع ولقط وحفر وغير ذلك. فمنه مخلب لتقطيع خص ~~به الكواسر وما قوته اللحم. ومنه عريض مشرشر جوانبه تنطبق على ما يلتقطه ~~انطباقا محكما. ومنه معتدل اللقط وأكل الخضر. ومنه طويل المنقار جعله صلبا ~~شديدا # PageV06P396 # شبه العظم وفيه ليونة، وما هي في العظم، لكثرة الحاجة إلى استعماله. وهو ~~مقام الأسنان في غير الطير من الحيوان. وقوى سبحانه أصل الريش وجعله قصبا ~~منسوبا فيما يناسبه من الجلد الصلب في الأجنحة ولأجل كثرة الطيران ولأن ~~حركة الطيران قوية فهو محتاج إلى الإتقان لأجل الريش. وجعل ريشه وقاية مما ~~يضره من حر أو برد. ms2973 ومعونة متخللة الهواء للطيران. وخص الأجنحة بأقوى الريش ~~وأثبته وأتقنه، لكثرة دعاء الحاجة إليه. وجعل في سائر بدنه ريشا غيره كسوة ~~ووقاية وجمالا له. # وجعل في ريشه من الحكمة، أن البلل لا يفسده والأدران لا توسخه. فإن أصابه ~~ماء كأن أيسر انتفاض يطرد عنه بلله فيعود إلى خفته. وجعل له منفذا واحدا ~~للولادة وخروج فضلاته لأجل خفته وخلق ريش ذنبه معونة له على استقامته في ~~طيرانه. # فلولاه لما مالت به الأجنحة في حال الطيران يمينا وشمالا. فكان له بمنزل ~~رجل السفينة الذي يعدل بها سيرها. وخلق في طباعه الحذر وقاية لسلامته. ولما ~~كان طعامه يبتلعه بلعا بل مضغ، جعل لبعضه منقارا صلبا يقطع به اللحم ويقوم ~~له مقام ما يقطع بالمدية. وصار يزدرد ما يأكله صحيحا. وأعين بفضل حرارة في ~~جوفه تطحن الطعام طحنا يستغنى به عن المضغ وثقل الأسنان. واعتبر ذلك بحب ~~العنب وغيره. # فإنه يخرج من بطون الحيوان صحيحا وينسحق في أجواف الطير. ثم إنه خلقه ~~يبيض ولا يلد لئلا يثقل عن الطيران. فإنه لو خلقت فراخه في جوفه حتى يكمل ~~خلقها لثقل بها وتعوق عن النهوض للطيران. أفلا ترى كيف دبر كل شيء من خلقه ~~بما يليق به من الحكمة؟ انتهى ملخصا. # ثم بين تعالى نعمته على البشر ليستدل به على وحدانيته، بقوله، عطفا على ~~ما مر: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 80] # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا أي موضعا تسكنون فيه وتأوون إليه لما لا ~~يحصى من وجوه منافعكم وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا أي بيوتا أخرى وهي ~~الخيام والفساطيط والقباب المتخذة من الجلود نفسها، أو من الوبر والصوف ~~والشعر أيضا. فإنها من حيث كونها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من ~~جلودها أو # PageV06P397 # الجلود مجاز عن المجموع تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم أي تجدونها ~~خفيفة المحمل ms2974 وقت ترحالكم ووقت نزولكم في مراحلكم. لا يثقل عليكم ضربها. # أو هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعا. قيل: والأول أولى. لأن ~~ظهور المنة في خفتها إنما يتحقق في حال السفر. وأما المستوطن فغير مثقل ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار ~~المعز أثاثا ومتاعا إلى حين الأثاث ما يتخذ للاستعمال بلبس أو فرش. والمتاع ~~ما يتخذه للتجارة. وقيل هما بمعنى. ومعنى (إلى حين) أي إلى أن تقضوا منه ~~أوطاركم. أو إلى أن يبلى ويفنى. أو إلى أن تموتوا. ### | تنبيه: # استدل بالآية على طهارة جلود المأكولات وأصوافها وأوبارها وأشعارها، إذا ~~خرجت في الحياة أو بعد التذكية. واستدل بعموم الآية من أباحها مطلقا ولو من ~~غير مذكاة. كذا في (الإكليل) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 81] # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) # والله جعل لكم مما خلق أي من الشجر والجبال والأبنية وغيرها ظلالا أي ~~أفياء تستظلون بها من حر الشمس وجعل لكم من الجبال أكنانا أي بيوتا ومعاقل ~~وحصونا تستترون بها وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر جمع سربال وهو كل ما يلبس ~~من القطن. والكتان والصوف ونحوها. وإنما خص الحر، اكتفاء بذكر أحد الضدين ~~عن ذكر الآخر. أو لأن الوقاية من الحر أهم عند العرب، لشدته بأكثر بلادهم ~~وخصوصا قطان الحجاز وهم الأصل في هذا الخطاب. قيل: يبعده ذكر وقاية البرد ~~سابقا في قوله: لكم فيها دفء [النحل: 5] وهو وجه الاقتصار على الحر هنا، ~~لتقدم ذكر خلافه وسرابيل تقيكم بأسكم كالدروع من الحديد والزرد ونحوها. # التي يتقى بها سلاح العدو في الحرب كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون أي ~~إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرة والباطنة والأنفسية ~~والآفاقية، فتسلموا وجوهكم إليه تعالى، وتؤمنو به وحده. # PageV06P398 # قال أبو السعود: وإفراد النعمة، إما لأن المراد بها المصدر، أو لإظهار أن ~~ذلك ms2975 بالنسبة إلى جانب الكبرياء شيء قليل. وقرئ (تسلمون) بفتح اللام أي من ~~العذاب أو الجراح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 82 الى 84] # فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ~~ولا هم يستعتبون (84) # فإن تولوا أي بعد هذا البيان وهذا الامتنان فإنما عليك البلاغ المبين، ~~يعرفون نعمت الله أي التي عددت، وأنها بخلقه ثم ينكرونها أي بعبادتهم غير ~~المنعم بها وقولهم هي من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا وأكثرهم الكافرون. # ثم أخبر تعالى عن شأنهم في معادهم بقوله: # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا وهو نبيها يشهد عليها بما أجابته من إيمان ~~وكفر فيما بلغها ثم لا يؤذن للذين كفروا أي في الاعتذار لأنهم يعلمون ~~بطلانه وكذبه، كقوله: هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: ~~35- 36] ، ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم العتبى. أي إزالة عتب ربهم ~~وغضبه. (والعتبى) بالضم الرضا وهو الرجوع عن الإساءة إلى ما يرضي العاتب. # يقال: استعتبه أعطاه العتبى بالرجوع إلى مسرته. والعتب لومك الرجل على ~~إساءة كانت له إليك. والمرء إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه ~~عليه من الموجدة والغضب ويرجع إلى الرضا عنه، فإذا لم يطلب العتاب منه، دل ~~ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 85 الى 86] # وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) # وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون أي يؤخرون وإذا ~~رأى الذين أشركوا شركاءهم يعني أوثانهم التي عبدوها قالوا ربنا هؤلاء # PageV06P399 # شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك # أي أربابا أو نعبدها فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون أي أجابوهم ~~بالتكذيب في تسميتهم شركاء وآلهة، تنزيها لله عن الشرك. # أو بالتكذيب في دعواهم ms2976 أنهم حملوهم على عبادتهم. # قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على هذه ~~الأصنام. وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم. فعند ~~هذا تكذبهم بتلك الأصنام. وهذه الآية كقوله تعالى: ومن أضل ممن يدعوا من ~~دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر ~~الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين [الأحقاف: 5- 6] ، وقال ~~تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا [مريم: 81- 82] ، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 87] # وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) # وألقوا أي وألقى الذين ظلموا إلى الله يومئذ السلم أي الاستسلام لحكمه ~~بعد إبائهم في الدنيا وضل عنهم ما كانوا يفترون. # أي من أن لله شركاء، وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى. فإن قيل: قد جاء ~~إنكارهم كقوله تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ~~[المجادلة: 18] والجواب: (كما قال القاشاني) : إن ذلك بحسب المواقف. # فالإنكار في الموقف الأول وقت قوة هيئات الرذائل وشدة شكيمة النفس في ~~الشيطنة وغاية البعد عن النور الإلهي، للاحتجاب بالحجب الغليظة والغواشي ~~المظلمة حتى لا يعلم أنه كان يراه ويطلع عليه. ونهاية تكدر نور الفطرة حتى ~~يمكنه إظهار خلاف مقتضاه، والاستسلام في الموقف الثاني بعد مرور أحقاب ~~كثيرة من ساعات اليوم، الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، حين زالت الهيئات ~~ورقت، وضعفت شراشر النفس في رذائلها، وقرب من عالم النور، لرقة الحجب ~~ولمعان نور فطرته الأولى، فيعترف وينقاد. هذا إذا كان الاستسلام والإنكار ~~لنفوس بعينها. وقد يكون الاستسلام للبعض الذين لم ترسخ هيئات رذائلهم ولم ~~تغلظ حجبهم ولم ينطفئ نور استعدادهم. والإنكار لمن رسخت فيه الهيئات وقويت ~~وغلبت عليه الشيطنة واستقرت، وكثف الحجاب وبطل الاستعداد، والله أعلم. # PageV06P400 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 88 الى 89] # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون (88) ويوم ms2977 نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون أي يضاعف لهم العذاب كما ضاعفوا كفرهم بصدهم غيرهم عن الإيمان، ~~كقوله تعالى: وهم ينهون عنه وينأون عنه [الأنعام: 26] ، وفي الآية دليل على ~~تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ~~ودرجاتهم. كما قال تعالى: لكل ضعف ولكن لا تعلمون [الأعراف: 38] . # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وهو نبيهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء أي اذكر ذلك اليوم، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام ~~الرفيع. وما يلحق الكافرين فيه من تمني كونهم ترابا، لهول المطلع. # وقد ذكر ذلك في آية النساء في قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم ~~الأرض ولا يكتمون الله حديثا [النساء: 41- 42] . وقوله تعالى: ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين مستأنف. أو حال بتقدير ~~(قد) . # قال الرازي: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، أنه تعالى لما قال وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا. فلا حجة لهم ولا معذرة. # وقال ابن كثير في وجه ذلك: إن المراد، والله أعلم، إن الذي فرض عليك ~~تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك عن ذلك يوم القيامة فلنسئلن الذين ~~أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] ، فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما ~~كانوا يعملون [الحجر: 92- 93] ، يوم يجمع الله الرسل. فيقول ماذا أجبتم، ~~قالوا لا علم لنا، إنك أنت علام الغيوب [المائدة: 109] . وقال تعالى إن ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [القصص: 85] . أي إن الذي أوجب عليك ~~تبليغ # PageV06P401 # القرآن لرادك إليه ومعيدك يوم القيامة وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا ~~أحد الأقوال، وهو متجه حسن. انتهى. # و (التبيان) من المصادر التي بنيت على هذه الصيغة ms2978 لتكثير الفعل والمبالغة ~~فيه. أي تبيينا لكل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام، ~~وما الناس محتاجون إليه في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم وهدى أي ~~هداية لمن استسلم وانقاد لسلامة فطرته إلى كماله ورحمة أي له بتبليغه إلى ~~ذلك الكمال بالتربية والإمداد، ونجاته من العذاب، وبشارة له بالسعادة ~~الأبدية. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 90] # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) # إن الله يأمر أي فيما نزله تبيانا لكل شيء بالعدل وهو القسط والتسوية في ~~الحقوق فيما بينكم. وترك الظلم وإيصال كل ذي حق حقه والإحسان أي التفضيل ~~بأن يقابل الخير بأكثر منه، والشر بأن يعفو عنه وإيتاء ذي القربى أي إعطاء ~~القرابة ما يحتاجون إليه وينهى عن الفحشاء أي عما فحش من الذنوب وأفرط ~~قبحها كالزنى والمنكر أي كل ما أنكره الشرع والبغي أي العدوان على الناس ~~يعظكم أي بما يأمركم وينهاكم لعلكم تذكرون أي تتعظون بمواعظ الله، فتعملون ~~بما فيه رضا الله تعالى. # وروى ابن جرير عن ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن، لخير وشر، هذه ~~الآية. # وروى الإمام أحمد «1» : أن عثمان بن مظعون مر على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو جالس بفناء بيته. فكشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له ~~ألا تجلس؟ فقال: بلى. فجلس. ثم أوحي إليه هذه الآية فقرأها عليه: قال ~~عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم. # ولما تليت الآية على أكثم بن صيفي قال لقومه: إني أراه يأمر بمكارم ~~الأخلاق وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه ~~أذنابا. # وعن عكرمة أن PageV06P402 # النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية فقال له: ~~يا ابن أخي! أعد علي. # فأعادها. فقال له الوليد: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن ~~أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، ms2979 وما هو بقول البشر. # وقد نقل أن بني أمية كانوا يسبون عليا، كرم الله وجهه، في خطبهم. فلما ~~آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أسقط ذلك منها وأقام هذه ~~الآية مقامه. وهو من أعظم مآثره. # قال الناصر: ولعل المعوض بهذه الآية عن تلك الهنات، لا حظ التطبيق بين ~~ذكر النهي عن البغي فيها، وبين الحديث الوارد في أن المناصب لعلي باغ. حيث # يقول صلى الله عليه وسلم «1» لعمار (وكان من حزب علي) : تقتلك الفئة ~~الباغية. # فقتل مع علي يوم صفين. انتهى. # ولما فيها أيضا من العدل والإحسان إلى ذوي القربى، وكونها أجمع آية ~~لاندراج ما ذكر فيها. والله أعلم. # ثم بين تعالى أمره بالوفاء بالعهد والميثاق، والمحافظة على الأيمان ~~المؤكدة، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 91] # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون. # روى ابن جرير عن بريدة قال: نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم. كان ~~من أسلم بايع النبي على الإسلام، فأمروا بالوفاء بهذه البيعة وأن لا ~~ينقضوها بعد توكيدها بالأيمان. # أي لا يحملنكم قلة المؤمنين وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم ~~على الإسلام. وظاهر أن العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه، مما يلتزمه ~~المرء باختياره. كالمبايعة على الإسلام. وعهد الجهاد وما التزمه من نذر وما ~~أكده بحلف. PageV06P403 # وعلى هذا، فتخصيص اليمين بالذكر، للتنبيه على أنه أولى أنواع العهد بوجوب ~~الرعاية. و (التوكيد والتأكيد) ، لغتان فصيحتان. والأصل الواو، والهمزة بدل ~~منها. # والواو في قوله: وقد جعلتم الله عليكم كفيلا للحال من فاعل تنقضوا أو من ~~فاعل المصدر وإن كان محذوفا. ومعنى كفيلا شهيدا رقيبا. و (الجعل) مجاز. # فإن من حلف به تعالى وهو مطلع عليه فكأنه جعله شاهدا. قال الشهاب: ولو ~~أبقى (الكفيل) على ظاهره، ms2980 وجعل تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته، وأنه يسلمهم ~~لها كما يسلم الكفيل من كفله، كما يقال (من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه) ~~تنبيها على أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب- لكان معنى ~~بليغا جدا. وقوله تعالى: إن الله يعلم ما تفعلون كالتفسير لما قبله. وفيه ~~ترغيب وترهيب. ### | ### | تنبيه: # # في الآية الحث على البر في الأيمان. وجلي أنها فيما فيه طاعة وبر وتقوى. # وأما فيما عدا ذلك فالخير في نقضها. وقد دل عليه ما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «1» أنه قال: إني، والله، ~~لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها # . (و # في رواية: وكفرت عن يميني # ) . فالحديث في معنى، والآية في معنى آخر. فلا تعارض، كما وهم. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 92] # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تأكيد لوجوب الوفاء ~~وتحريم النقض. أي لا تكونوا في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها، ~~بعد أن أحكمته وأبرمته، فجعلته أنكاثا، أي أنقاضا، جنونا منها وحمقا. # ففي التمثيل إشارة إلى أن ناقض يمينه خارج من الرجال الكمل، داخل في زمرة ~~النساء. بل في أدناهن، وهي الخرقاء. # وقوله تعالى: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم حال من الضمير في (ولا تكونوا) ~~أي لا تكونوا مشابهين لامرأة هذا شأنها، حال كونكم متخذين أيمانكم ~~PageV06P404 # مفسدة بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة أي سبب أن تكون جماعة، كقريش، هي ~~أزيد عددا وأوفر مالا من جماعة كالمؤمنين إنما يبلوكم الله به أي يعاملكم ~~معاملة من يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما ~~عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم ms2981 وقوتهم، وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم؟ ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون أي فيتميز المحق من المبطل، ~~بما يظهر من درجات الثواب والعقاب. وهو إنذار وتحذير من مخالفة ملة ~~الإسلام. ### | تنبيه: # قال أبو علي الزجاجي، من أئمة الشافعية: في هذه الآية أصل لما يقوله ~~أصحابنا، من إبطال الدور. لأن الله تعالى ذم من أعاد على الشيء بالإفساد ~~بعد إحكامه. نقله في (الإكليل) ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 93] # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون (93) # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة أي حنيفة مسلمة ولكن يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون أي في الدنيا، سؤال تبكيت ومجازاة، لا ~~استفسار وتفهم. وهو المنفي في غير هذه الآية. أو في موقف دون موقف كما مر. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 94] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم تصريح بالنهي عنه، بعد أن نهى عنه ضمنا، ~~لأخذه فيما تقدم قيدا للمنهي عنه، تأكيدا عليهم ومبالغة في قبح المنهي فتزل ~~قدم بعد ثبوتها أي فتزل أقدامكم عن محجة الحق، بعد رسوخها فيه وتذوقوا ~~السوء أي ما يسوءكم في الدنيا بما صددتم أي بصدودكم عن الوفاء، أو بصدكم ~~غيركم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم أي في الآخرة. # PageV06P405 ### | لطيفة: # تنكير (قدم) للإيذان بأن زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟ وأشار ~~في (البحر) إلى نكتة أخرى: قال: الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو ~~مجموع فيؤتى بما هو له مجموعا. وتارة يلاحظ فيه كل فرد فرد فيفرد ماله ~~كقوله: # وأعتدت لهن متكأ [يوسف: 31] ، أي لكل واحدة منهن متكئا. ولما كان المعنى: ~~لا يفعل هذا كل واحد منكم، أفرد قدم مراعاة لهذا المعنى. ثم قال وتذوقوا ~~مراعاة للفظ الجمع. # قال الشهاب: هذا توجيه للإفراد من جهة ms2982 العربية، فلا ينافي النكتة الأولى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 95] # ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (95) # ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا أي لا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله ~~عرضا من الدنيا يسيرا. وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم، إن ارتدوا إنما ~~عند الله هو خير لكم أي من إظهاركم في الدنيا وإثابتكم في الآخرة إن كنتم ~~تعلمون أي من ذوي العلم والتمييز. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 96] # ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون (96) # ما عندكم ينفد وما عند الله باق تعليل للخيرية بطريق الاستئناف. أي ما ~~عندكم مما تتمتعون به، يفرغ وينقص. فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه، ~~وما عنده تعالى من ثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع له. فإنه دائم لا يحول ~~ولا يزول ولنجزين الذين صبروا أجرهم أي على أذى المشركين ومشاق الإسلام ~~بأحسن ما كانوا يعملون أي بجزاء أحسن من أعمالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 97] # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم ~~أجرهم # PageV06P406 # بأحسن ما كانوا يعملون # هذا وعد منه تعالى لمن عمل صالحا. وهو العمل التابع لكتاب الله وسنة ~~رسوله، من ذكر أو أنثى، وهو ثابت على إيمانه إلى الموت، بأن يحييه الله ~~تعالى حياة طيبة. # قال المهايمي: أي فيتلذذ بعمله في الدنيا فوق تلذذ صاحب المال والجاه، ~~ولا يبطل تلذذه إعساره. إذ يرضيه الله بقسمته فيقنعه ويقل اهتمامه بحفظ ~~المال وتنميته. والكافر لا يهنأ عيشه بالمال والجاه إذ يزداد حرصا وخوف ~~فوات. ويجزون بالأحسن في الآخرة. فلا يقال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا. بل يكمل جزاء أعمالهم الأدنى بحيث يلحق بالأعلى. انتهى. # وعندي أن الحياة الطيبة هي ms2983 الحياة التي فيه ثلج الصدور بلذة اليقين ~~وحلاوة الإيمان والرغبة في الموعود والرضا بالقضاء. وعتق الروح مما كانوا ~~يستعبدون له. # والاستكانة إلى معبود واحد. والتنور بسر الوجود الذي قام به، وغير ذلك من ~~مزاياه المقررة في مواضعها. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة، فله الجزاء ~~الأحسن والثواب الأوفى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 98 الى 100] # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون (100) # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون. # لما كان القرآن هو الذكر الحكيم والحق المبين، وكان لكل حق محارب وهو ~~شيطان الجن أو الإنس يثير الشبهات بوساوسه. ويفسد القلوب بدسائسه. أمر صلى ~~الله عليه وسلم بأن يستعيذ بالله ويلتجئ إليه، عند تلاوة القرآن، من ~~وسوسته. لأن قوة الإنسان تضعف عن دفعه بسهولة، فيحتاج إلى الاستعانة عليه ~~بالله واللياذ بجواره منه. وقد بينت آية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته والله عليم حكيم [الحج: 52] ، أن هذه عادة الشيطان إثر ما ~~يتلوه كل نبي على أمته من الأحكام المتجددة التي يوحى بها السعادة البشر، ~~أنه يحول عنها الأنظار ويسعى لهدم ما أقيمت لأجله. # PageV06P407 # وإن الله يحكم آياته وينسخ شبه الشيطان، ليحق الحق ويبطل الباطل. فلما ~~كانت هذه عادته، ولها من الأثر ما لها، احتيج إلى الاستعاذة به تعالى منها، ~~عند قراءة الوحي ونشر تعاليمه. # ثم بين تعالى أن أثر وسوسته إنما يكون فيمن له سلطان عليهم. أي تسلط ~~وولاية من أوليائه المتبعين خطواته. وأما الذين آمنوا وتوكلوا على ربهم، ~~فصبروا على المكاره ولم يبالوا بما يلقون في سبيل الجهاد بالحق من العثرات، ~~فليس له عليهم سلطان. فهم يضادون أمانيه ms2984 ويهدمون كل ما يلقيه. لأن إيمانهم ~~يفيدهم النور الكاشف عن مكره، والتوكل على الله يفيدهم التقوية بالله، ~~فيمنع من معاندة الشيطان وقوة تأثيره. و (الرجيم) من أوصاف الشيطان ~~الغالبة. أي الملعون المرجوم باللعنة أو المطرود أو المرجوم بالكواكب. ~~والضمير في (به) لربهم والباء للتعدية. أو للشيطان والباء للسببية أي بسببه ~~وغروره ووسوسته. ورجح باتحاد الضمائر فيه. # وأشار بعضهم إلى أن المعنى أشركوه في عبادة الله تعالى، وكله مما يحتمله ~~اللفظ الكريم ويصح إرادته. ### | تنبيه: # في الآية مشروعية الاستعاذة قبل القراءة، وهو شامل لحالة الصلاة وغيرها. ~~وقال قوم بوجوبها لظاهر الأمر. وسرها في غيره صلى الله عليه وسلم التحصن به ~~تعالى أن لا يلبس الشيطان القراءة وأن لا يمنع من التدبر والتذكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 101 الى 102] # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ~~وهدى وبشرى للمسلمين (102) # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر، بل ~~أكثرهم لا يعلمون، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى ~~وبشرى للمسلمين. # التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، فتبديل الآية رفعها بآية أخرى. # والأكثرون على أن المعنى نسخ آية من القرآن لفظا أو حكما بآية أخرى ~~غيرها، لحكمة باهرة أشير إليها بقوله: والله أعلم بما ينزل من ناسخ قضت ~~الحكمة أن يتبدل المنسوخ الأول به. وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من ~~آيات الأنبياء # PageV06P408 # المتقدمين. كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية، بآية ~~أخرى نفسية علمية، وهي كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل إذا تنبه ~~لها وجرى على نظامه الفطري. وذلك لاستعداد الإنسان وقتئذ، لأن يخاطب عقله ~~ويستصرخ فمه ولبه. فلم يؤت من قبل الخوارق الكونية ويدهش بها كما كان لمن ~~سلف. فبدلت تلك بآية هو كتاب العلم والهدى من نبي أمي لم يقرأ ولم يكتب. # وكون ms2985 الكتاب بين الصدق قاطع البرهان ناصع البيان بالنسبة لمن أوتي ورزق ~~الفهم. # وهذا التأويل الثاني يرجحه على الأول، أن السورة مكية. وليس في المكي ~~منسوخ بالمعنى الذي يريدونه.، وللبحث تفصيل في موضع آخر. وقد أشرنا إلى ذلك ~~في آيتين من سورة البقرة في قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا إلخ ~~[البقرة: 23] ، وقوله: ما ننسخ من آية [البقرة: 106] ، والمقصود أنه تعالى، ~~لما رحم العالمين وجعل القرآن مكان ما تقدم، نسبوا الموحى إليه به إلى ~~الافتراء، ردا للحق، وعنادا للهدى، وتوليا للشيطان، وتعبدا لوسوسته، وما ~~ذاك إلا لجهلهم المتناهي، كما قال: بل أكثرهم لا يعلمون واعتراض قوله: ~~والله أعلم بما ينزل لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم. # ثم أمره تعالى بأن يصدع بالحق في شأنه بقوله: قل نزله أي القرآن المدلول ~~عليه بالآية روح القدس يعني جبريل عليه السلام. أضيف إلى القدس وهو الطهر. # كما يقال (حاتم الجود وزيد الخير وخبر السوء ورجل صدق) والمراد الروح ~~المقدس وحاتم الجواد وزيد الخير والخبر السيء والرجل الصادق. وإنما أضافوا ~~الموصوف إلى مصدر الصفة للمبالغة في كثرة ملابسته له واختصاصه به. والمقدس ~~المطهر من الأدناس البشرية وإضافة (الرب) إلى ضميره صلوات الله عليه في ~~قوله تعالى: من ربك للدلالة على تحقيق إفاضة آثار الربوبية. وقوله بالحق أي ~~متلبسا بالحق الثابت الموافق للحكمة التي اقتضاها دور عصره، وقوله تعالى: ~~ليثبت الذين آمنوا أي على الحق ونبذ وساوس الشياطين. وفي قوله تعالى: وهدى ~~وبشرى للمسلمين تعريض بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 103] # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين. # PageV06P409 # يخبر تعالى عن المشركين في قولهم غير ما نقل عنهم قبل من المقالة ~~الشنعاء، وكذبهم وبهتهم أن الرسول إنما يعلمه هذا الذي يتلوه من القرآن، ~~بشر. يعنون رجلا أعجميا كان بين أظهرهم يقرأ في ms2986 الكتب المتقدمة. ربما يتحدث ~~معه النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا. وإنما لم يصرح باسمه للإيذان بأن ~~مدار خطئهم ليس بنسبته صلوات الله عليه إلى التعلم من شخص معين بل من ~~البشر، كائنا من كان. ثم أشار تعالى وضوح بطلان بهتهم، بأن لسان الرجل الذي ~~ينسبون إليه التعليم أعجمي غير بين. وهذا القرآن الكريم لسان عربي مبين. ذو ~~بيان وفصاحة. ومن أين للأعجمي أن يذوق بلاغة هذا التنزيل، وما حواه من ~~العلوم، فضلا أن ينطق به، فضلا أن يكون معلما له! وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 104 الى 105] # إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) # إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم تهديد لهم ~~على كفرهم بالقرآن، بعد ما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه. وقوله تعالى: إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله رد لقولهم إنما أنت مفتر. وقلب ~~للأمر عليهم، ببيان أنهم هم المفترون لا هو. يعني إنما يليق افتراء الكذب ~~بمن لا يؤمن، لأنه لا يخاف عقابا يردعه عنه، وقوله تعالى: وأولئك هم ~~الكاذبون إشارة إلى الذين لا يؤمنون، ويدخل فيهم قريش دخولا أوليا. أي ~~الكاذبون في الحقيقة ونفس الأمر. أو الكاملون فيه. لأنه لا كذب أعظم من ~~تكذيب آياته تعالى، والطعن فيها بأمثال هاتيك الأباطيل. ولا يخفى ما في ~~الحصر، بعد القصر، من العناية بمقامه صلوات الله عليه. وقد كان أصدق الناس ~~وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا. معروفا بالصدق في قومه، لا يشك ~~في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا ب (الأمين محمد) . ولهذا لما سأل ~~هرقل ملك الروم «1» أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها، من صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كان فيما قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ~~ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ms2987 ويذهب فيكذب على ~~الله تعالى. PageV06P410 ### | تنبيه: # في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش. # والدليل عليه أن كلمة إنما للحصر. والمعنى أن الكذب والفرية لا يقدم ~~عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله، وإلا من كان كافرا. وهذا تهديد في ~~النهاية. # وروي «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. ثم قرأ ~~هذه الآية أفاده الرازي # . وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 106 الى 109] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم، ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين، أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأولئك هم الغافلون، لا جرم أنهم في ~~الآخرة هم الخاسرون. # لما بين تعالى فضل من آمن وصبر على أذى المشركين، في المحاماة عن الدين، ~~تأثره ببيان ما للردة وإيثار الضلال على الهدى، من الوعد الشديد، بهذه ~~الآيات. واستثنى المكره المطمئن القلب بالإيمان بالله ورسوله. فإنه إذا ~~وافق المشركين بلفظ، لإيلام قوي وإيذاء شديد وتهديد بقتل، فلا جناح عليه. ~~إنما الجناح على من شرح بالكفر صدرا أي طاب به نفسا واعتقده، استحبابا ~~للحياة الدنيا الفانية، أي إيثارا لها على الآخرة الباقية، فذاك الذي له من ~~الوعيد ما بينته الآيات الكريمة، من غضب الله عليهم أولا. وعذابه العظيم ~~لهم، وهو عذاب النار ثانيا. PageV06P411 # وعدم هدايتهم باختيارهم الكفر ثالثا. ورابعا بالطبع على قلوبهم بقساوتها ~~وكدورتها. فلم ينفتح لهم طريق الفهم، وعلى سمعهم وأبصارهم بسد ms2988 طريق المعنى ~~المراد من مسموعاتهم وطريق الاعتبار من مبصراتهم إلى القلب. فلم يؤثر فيهم ~~شيء من أسباب الهداية من طريق الباطن من فيض العلم وإشراق النور. ولا من ~~طريق الظاهر بطريق التعليم والتعلم والاعتبار من آثار الصنع. وخامسا بكونهم ~~هم الغافلين، بالحقيقة، لعدم انتباههم بوجه من الوجوه. وامتناع تيقظهم من ~~نوم الجهل بسبب من الأسباب. وجلي، أن كل نقمة من هذه الخمس، على انفرادها، ~~من أعظم الحواجز عن الفوز بالخيرات والسعادات. فكيف بها كلها! قال الرازي: ~~ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري ~~بطاعاته سعادات الآخرة. فإذا حصلت هذه الموانع عظم خسرانه. فلهذا قال: # لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون أي الذين ضاعت دنياهم التي استنفدوا ~~في تحصيلها وسعهم، وأتلفوا في طلبها أعمارهم، وليسوا من الآخرة في شيء إلا ~~في وبال التحسرات. ### | تنبيهات: # الأول: (من) في قوله تعالى: من كفر موصول مبتدأ خبره فعليهم غضب وقوله: ~~إلا من أكره استثناء مقدم من حكم الغضب. وقوله ولكن من شرح بالكفر صدرا ~~رجوع إلى صدر الآية وحكمها، بأسلوب مبين لمن كفر، موضح له. بمثابة عطف ~~البيان أو عطف التفسير. وهذا الوجه من الإعراب لم أره لأحد، ولا يظهر غيره ~~لمن ذاق حلاوة أسلوب القرآن. # الثاني: استدل بالآية على أن المكره غير مكلف. وأن الإكراه يبيح التلفظ ~~بكلمة الكفر، بشرط طمأنينة القلب على الإيمان. واستدل العلماء بالآية على ~~نفي طلاق المكره وعتاقه، وكل قول أو فعل صدر منه. إلا ما استثنى. أفاده ~~السيوطي في (الإكليل) . # الثالث: # روي عن ابن عباس: أنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فوافقهم مكرها. ثم جاء معتذرا. قال ابن جرير: ~~أخذ المشركون عمارا فعذبوه. حتى قاربهم في بعض ما أرادوا. فشكا ذلك إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان. ~~قال صلى الله عليه وسلم: إن عادوا فعد. # وقال ابن إسحاق: إن المشركين عدوا على من أسلم واتبع ms2989 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من # PageV06P412 # أصحابه. فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين. فجعلوا يحبسونهم ~~ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش. وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر. يفتنونهم عن ~~دينهم. فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه. ومنهم من يصلب لهم ويعصمه ~~الله منهم. وكان بلال رضي الله عنه عبدا لبعض بني جمح. يخرجه أمية بن خلف، ~~إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة. ثم يأمر بالصخرة العظيمة ~~فتوضع على صدره. ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد ~~اللات والعزى. فيقول (وهو في ذلك البلاء) : أحد. أحد حتى اشتراه أبو بكر ~~وأعتقه. # وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، رضي الله عنهم، إذا ~~حميت الظهرة يعذبونهم برمضاء مكة. فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقول: صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام. # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم. ~~والله! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن ~~يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة. حتى ~~يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. حتى إن الجعل ليمر ~~بهم فيقولون له: هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداء منهم، مما ~~يبلغون من جهده. # وقد ذكر ابن هشام في (السيرة) في بحث (عدوان المشركين على المستضعفين ممن ~~أسلم بالأذى والفتنة) غرائب في هذا الباب، فانظره. # قال ابن كثير: ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن ~~يوالي، إبقاء لمهجته. ويجوز له أن يأبى. كما كان بلال رضي الله عنه يأبى ~~عليهم، وهم يفعلون به الأفاعيل، وهو يقول: أحد، أحد. ويقول: والله! لو أعلم ~~كلمة أغيظ لكم منها لقلتها. رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد ms2990 ~~الأنصاري، لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: ~~نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربا إربا ~~وهو ثابت على ذلك. # وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي، أحد الصحابة ~~أنه أسرته الروم. فجاءوا به إلى ملكهم. فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي ~~وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب، على ~~أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفه عين، ما فعلت. فقال: إذا ~~أقتلك. # PageV06P413 # فقال: أنت وذاك. فأمر به فصلب. وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه، ~~وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى. ثم أمر به فأنزل. ثم أمر بقدر فأحميت. ~~وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه ~~فأبى. فأمر به أن يلقى فيها. فرفع بالبكرة ليلقى فيها فبكى. فطمع فيه ودعاه ~~فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة. تلقى في هذا القدر ~~الساعة. فأحببت أن يكون لي، بعدد كل شعرة في جسدي، نفس تعذب هذا العذاب في ~~الله. # وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنعه الطعام والشراب أياما. ثم أرسل إليه ~~بخمر ولحم خنزير فلم يقربه. ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال أما هو ~~فقد حل لي. ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك ~~وأطلق جميع أسارى المسلمين قال، فقبل رأسه. وأطلق معه جميع أسارى المسلمين ~~عنده. فلما رجع قال عمر بن الخطاب: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن ~~حذافة. وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 110] # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (110) # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم. # بيان للذين كانوا مستضعفين بمكة. ms2991 مهانين في قومهم، وافقوهم على الفتنة ~~ظاهرا، ثم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهاليهم وأموالهم ابتغاء ~~رضوان الله وغفرانه، وجاهدوا الكافرين وصبروا على مشاق الجهاد. أخبر تعالى ~~أن هؤلاء من بعد الفتنة المذكورة، أي إجابتهم إليها لغفور رحيم فيغفر لهم ~~ما فرط منهم. # ويرحمهم بالجزاء الحسن. # والجار في قوله: للذين متعلق بالخبر على نية التقديم والتأخير، والخبر ل ~~(إن) الأولى. والثانية مكررة للتأكيد. أو للثانية وخبر الأولى مقدر، وشمل ~~قوله هاجروا من هاجر إلى الحبشة من مكة فرارا بدينه من الفتنة. ومن هاجر ~~بعد إلى المدينة كذلك. كما شمل قوله: جاهدوا في بث الحق ونشر كلمة الإيمان ~~والدفاع عنه. أو قاتلوا في سبيل الله ولأجل هذا الاحتمال في الفعلين، قيل: ~~الآية مدنية، وقوله تعالى: # PageV06P414 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 111] # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ~~(111) # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها منصوب ب (رحيم) أو ب (اذكر) واليوم يوم ~~القيامة. ومعنى تجادل أي تحاج وتسعى في خلاصها. لا يهمها إلا ذاتها وشأنها. ~~ولا يغني عنها مال ولا أب ولا ابن ولا شيء ما وتوفى كل نفس ما عملت أي من ~~خير وشر وهم لا يظلمون في ذلك. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 112 الى 113] # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، ولقد ~~جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون اعلم أنه لما هدد الكفار ~~بالوعيد الشديد في الآخرة، أنذرهم بنقمته في الدنيا أيضا بالجوع والخوف. ~~ومعنى قوله تعالى: # وضرب الله مثلا قرية أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل ms2992 قوم أنعم ~~الله عليهم. فأبطرتهم النعمة. فكفروا وتولوا. فأنزل الله بهم نقمته. فيدخل ~~فيهم أهل مكة دخولا أوليا، أو لقوم معينين، وهم أهل مكة. والقرية إما مقدرة ~~بهذه الصفة غير معنية، إذ لا يلزم وجود المشبه به. أو معينة من قرى ~~الأولين. وقد ضمن (ضرب) معنى (جعل) و (مثلا) مفعول ثان و (قرية) مفعول أول. # قال أبو السعود: وتأخير (قرية) مع كونها مفعولا أول، لئلا يحول المفعول ~~الثاني بينها وبين صفتها وما يترتب عليها. إذ التأخير عن الكل مخل بتجاذب ~~أطراف النظم وتجاوبها. ولأن تأخير ما حقه التقديم مما يورث النفس ترقبا ~~لوروده، وتشوقا إليه. لا سيما إذا كان في المقدم ما يدعو إليه. فإن المثل ~~مما يدعو إلى المحافظة على تفاصيل أحوال ما هو مثل. فيتمكن المؤخر عند ~~وروده لديها فضل تمكن. والمراد بالقرية أهلها مجازا، أو بتقدير مضاف. ومعنى ~~كونها آمنة مطمئنة أنه لا يزعجها # PageV06P415 # خوف. و (الرغد) الواسع. و (الأنعم) جمع نعمة. # وفي قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف شبه أثر الجوع والخوف ~~وضررهما المحيط بهم، باللباس الغاشي للابس. فاستعير له اسمه، وأوقع عليه ~~الإذاقة المستعارة، لمطلق الإيصال، المنبئة عن شدة الإصابة، بما فيها من ~~اجتماع إدراكي اللامسة والذائقة، على نهج التجريد. فإنها لشيوع استعمالها ~~في ذلك، وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة. # قال ابن كثير: هذا مثل أريد به أهل مكة. فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، ~~يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف. كما قال تعالى: وقالوا ~~إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء رزقا من لدنا [القصص: 57] ، وهكذا قال هاهنا ويأتيها رزقها ~~رغدا أي هنيئا سهلا من كل مكان فكفرت بأنعم الله أي جحدت آلاء الله عليها، ~~وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم. كما قال تعالى: ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. جهنم يصلونها وبئس ~~القرار # [إبراهيم: 28- 29] ، ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين ms2993 خلافهما فقال: ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى ~~إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها من كل مكان. وذلك أنهم استعصوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأبوا إلا خلافه. فدعا «1» عليهم بسبع كسبع يوسف. ~~فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم. فأكلوا العلهز: # (هو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحر) وقوله والخوف وذلك أنهم بدلوا بأمنهم ~~خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة، من ~~سطوته وسراياه وجيوشه. # وجعل كل ما لهم في دمار وسفال. حتى فتحها الله عليهم. وذلك بسبب صنيعهم ~~وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله فيهم منهم. ~~وامتن به عليهم في قوله: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم.. [آل عمران: 164] الآية. وقوله تعالى: فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~الذين آمنوا، قد أنزل الله إليكم ذكرا. رسولا [الطلاق: 10] ، وقوله: كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~[البقرة: 151] ، إلى قوله: ولا تكفرون وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم ~~فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، بدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا، ~~ورزقهم بعد العيلة. # وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم. انتهى. PageV06P416 # ثم بين تعالى ضلال المشركين في تحريم ما أحل الله من البحائر والسوائب ~~وغيرها، مفصلا ما حرمه مما ليس فيه كانوا يحرمونه بأهوائهم. وهو مأذون ~~بأكله، كما قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 114] # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون ~~(114) # فكلوا مما رزقكم الله أي من الحرث والأنعام حلالا طيبا واشكروا نعمت الله ~~إن كنتم إياه تعبدون أي تريدون عبادته فاستحلوها، فإن عبادته في تحليلها. # واشكروه فإنه المنعم المتفضل بذلك وحده. # ثم ذكر ما حرمه عليهم، مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 115] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ms2994 الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به أي ذبح ~~على اسم غيره تعالى: فمن اضطر أي أجهد إلى ما حرم الله غير باغ ولا عاد أي ~~متعد قدر الضرورة وسد الرمق فإن الله غفور رحيم أي فلا يؤاخذه بذلك. # وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية. فأغنى ~~إعادته. # ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه ~~واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم. في البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ~~وغيرها، مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 116 الى 117] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله # PageV06P417 # الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم # أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم، بالحل والحرمة في قولكم ~~ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد ذلك ~~الوصف إلى وحي من الله. ف (الكذب) مفعول (تقولوا) وقوله: هذا حلال وهذا ~~حرام بدل من (الكذب) واللام صلة للقول. كما يقال: لا تقل للنبيذ إنه حلال، ~~أي في شأنه وحقه. فهي للاختصاص. وفيه إشارة إلى أنه مجرد قول باللسان، لا ~~حكم مصمم عليه. أو هذا حلال مفعول (تقولوا) و (الكذب) مفعول (تصف) واللام ~~في لما تصف تعليلية و (ما) مصدرية. ومعنى تصف تذكر. وقوله: لتفتروا بدل من ~~التعليل الأول. أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لأجل وصف ألسنتكم الكذب، ~~أي لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة. وليس بتكرار مع قوله: لتفتروا على ~~الله الكذب لأن هذا لإثبات الكذب مطلقا، وذلك لإثبات الكذب ms2995 على الله. # فهو إشارة إلى أنهم، لتمرنهم على الكذب، اجترءوا على الكذب على الله، ~~فنسبوا ما حللوه وحرموه إليه. وعلى هذا الوجه- كون الكذب مفعول (تصف) - ففي ~~وصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، لجعله عين الكذب. # ترقى عنها إلى أن خيل أن ماهية الكذب كانت مجهولة، حتى كشف كلامهم عن ~~ماهية الكذب وأوضحها، ف (تصف) بمعنى توضح. فهو بمنزلة الحد والتعريف الكاشف ~~عن ماهية الكذب. فالتعريف في الكذب للجنس. كأن ألسنتهم إذا نطقت كشفت عن ~~حقيقته وعليه قول المعرى: # سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة يصف الكلالا # ونحوه (نهاره صائم) إذا وصف اليوم بما يوصف به الشخص، لكثرة وقوع ذلك ~~الفعل فيه. و (وجهها يصف الجمال) لأن وجهها لما كان موصوفا بالجمال الفائق، ~~صار كأنه حقيقة الجمال ومنبعه، الذي يعرف منه. حتى كأنه يصفه ويعرفه، ~~كقوله: # أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صور الجود # فهو من الإسناد المجازي. أو نقول: إن وجهها يصف الجمال بلسان الحال. # فهو استعارة مكنية. كأنه يقول: ما بي هو الجمال بعينه. ومثله ورد في كلام ~~العرب والعجم. هذا زبدة ما في (شروح الكشاف) . # PageV06P418 # وما في الآية أبلغ من المثال المذكور، لما سمعت. أفاده في (العناية) . ~~واللام في لتفتروا لام الصيرورة والعاقبة المستعارة من التعليلية. إذ ما ~~صدر منهم ليس لأجل هذا، بل لأغراض أخر يترتب عليها ما ذكر. وجوز كونها ~~تعليلية، وقصدهم لذلك غير بعيد. وفي قوله تعالى: إن الذين يفترون الآية. ~~وعيد شديد بعدم ظفرهم وفوزهم بمطلوب يعتد به لا في الدنيا ولا في الآخرة. ~~أما في الدنيا، فلأن ما يفترون لأجله متاع قليل ينقطع عن قريب. وأما في ~~الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ~~[لقمان: 24] . ### | تنبيه: # قال الحافظ ابن كثير: يدخل في الآية كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند ~~شرعي أو حلل شيئا مما حرم الله. أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه ~~وتشهيه. # أخرج ابن أبي حاتم ms2996 عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل. فلم ~~أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. # قال في (فتح البيان) : صدق رحمه الله. فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها ~~فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية. أو ~~الجاهلين بعلم الكتاب والسنة. # وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول: إن الله أمر بكذا أو نهى ~~عن كذا. فيقول الله عز وجل: كذبت. أو يقول: إن الله حرم كذا أو أحل كذا: # فيقول الله له: كذبت. # قال ابن العربي: كره مالك وقوم أن يقول المفتي: هذا حلال وهذا حرام في ~~المسائل الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله عليه. ويقال في المسائل ~~الاجتهادية: إني أكره كذا وكذا، ونحو ذلك. # ولما ذكر تعالى ما حرمه علينا من الميتة والدم إلخ، بين ما كان حرمه على ~~اليهود في شريعتهم مما ليس فيه أيضا شيء مما حرمه المشركون، تحقيقا ~~لافترائهم بأن ما حظروه لا سند له في شريعة سابقة ولا لاحقة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 118 الى # 119] # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) # PageV06P419 # وعلى الذين هادوا يعني اليهود حرمنا ما قصصنا عليك من قبل أي في سورة ~~الأنعام في قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [الأنعام: 146] الآية، وما ~~ظلمناهم أي فيما حرمنا عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي فاستحقوا ذلك. ~~كقوله: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا [النساء: 160] ، وقد سلف لنا ما ذكروه في تفسيرها مما يجيء هنا، ~~فتذكر. قالوا: في الآية تنبيه على الفرق بينهم ms2997 وبين غيرهم في التحريم. # فإن هذه الأمة لم يحرم عليها إلا ما فيه مضرة لها. وغيرهم قد يحرم عليهم ~~ما لا ضرر فيه، عقوبة لهم بالمنع، كاليهود. ثم بين تعالى عظيم فضله في قبول ~~توبة من تاب من العصاة بقوله: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا ~~من بعد ذلك وأصلحوا أي العمل فيما بينهم وبين ربهم إن ربك من بعدها أي ~~التوبة لغفور رحيم ثم نوه تعالى بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، دعاء لهم ~~إلى سلوك طريقته في التوحيد، ورفض الوثنية، وتبرئة لمقامه، مما كانوا ~~يفترون عليه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 120 الى 121] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) # إن إبراهيم كان أمة أي إماما يقتدى به، كقوله تعالى: إني جاعلك للناس ~~إماما [البقرة: 124] ، أو كان وحده أمة من الأمم، لاستجماعه كمالات لا توجد ~~في غيره قانتا لله أي خاشعا مطيعا له، قائما بما أمره حنيفا أي مائلا عن كل ~~دين باطل إلى الدين الحق ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعمه أي قائما بشكر ~~نعم الله عليه، مستعملا لها على الوجه الذي ينبغي، كقوله تعالى: وإبراهيم ~~الذي وفى [النجم: 37] ، أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به اجتباه أي ~~اختاره واصطفاه للنبوة وهداه إلى صراط مستقيم وهو عبادة الله وحده لا شريك ~~له، على شرع مرضي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 122 الى 123] # وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) # PageV06P420 # وآتيناه في الدنيا حسنة أي من الذكر الجميل. كما قال: وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا [مريم: 50] ، ومن الصلاة والسلام عليه، كما قال: وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إبراهيم [الصافات: 108- 109] ، ومن تمتيعه بالحظوظ ليتقوى ~~على القيام بحقوق العبودية وإنه في الآخرة أي في عالم الأرواح لمن الصالحين ~~أي المتمكنين في مقام الاستقامة، بإيفاء ms2998 كل ذي حق حقه، الذين لهم الدرجات ~~العليا في الجنة. # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين أي بعد ~~هذه الكرامات والحسنات التي أعطيناه إياها في الدارين، شرفناه وكرمناه ~~بأمرنا، باتباعك إياه في التوحيد وأصول الدين التي لا تتغير في الشرائع. ~~كأمر المبدأ والمعاد والحشر والجزاء وأمثالها. لا في فروع الشريعة وأوضاعها ~~وأحكامها. فإنها تتغير بحسب المصالح واختلاف الأزمنة والطبائع، وما عليه ~~أحوال الناس من العادات والخلائق. # قاله القاشاني. # وفي (الإكليل) استدل أصحابنا بهذه الآية على وجوب الختان، وما كان من ~~شرعه، ولم يرد به ناسخ. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: في ثم هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم من الكرامة، وأجل ما أولي من النعمة، اتباع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ملته، من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة، من بين ~~سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها. # قال الناصر: وإنما تفيد ذلك ثم لأنها في أصل وضعها لتراخي المعطوف عليه ~~في الزمان. ثم استعملت في تراخيه عنه في علو المرتبة، بحيث يكون المعطوف ~~على رتبته وأشمخ محلا مما عطف عليه. فكأنه بعد أن عدد مناقب الخليل عليه ~~السلام، قال تعالى: وهاهنا ما هو أعلى من ذلك كله قدرا، وأرفع رتبة، وأبعد ~~رفعة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم الأمي، الذي هو سيد البشر، متبع ~~لملة إبراهيم، مأمور باتباعه بالوحي، متلوا أمره بذلك في القرآن العظيم. ~~ففي ذلك تعظيم لهما جميعا. # لكن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التعظيم أوفر وأكبر. على ما ~~مهدناه. وقوله تعالى: # PageV06P421 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية # 124] # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه يعني اليهود، فرض عليهم تقديسه ~~وإراحة أنفسهم ودوابهم فيه من ms2999 الأعمال. فاعتدوا فيه واحتالوا لحله. # قال القاشاني: أي ما فرض عليك، إنما فرض عليهم. فلا يلزمك اتباع موسى في ~~ذلك، بل اتباع إبراهيم، وقوله تعالى: وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون أي بالمجازاة على اختلافهم، يعني إفسادهم وزيغهم عن طريق ~~الحق. # ثم بين تعالى أدب الدعوة إلى دينه الحق، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 125] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة أي بالمقالة المحكمة الصحيحة. وهو الدليل ~~الموضح للحق، المزيح للشبهة والموعظة الحسنة أي العبر اللطيفة والوقائع ~~المخيفة، ليحذروا بأسه تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن أي جادل معانديهم ~~بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين وحسن الخطاب، من غير ~~عنف. فإن ذلك أبلغ في تسكين لهبهم. وقوله تعالى: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بالمهتدين أي عليك البلاغ والدعوة بالصفة المبينة فلا تذهب ~~نفسك، على من ضل منهم، حسرات، فإنه ليس عليك هداهم. لأنه هو أعلم بمن يبقى ~~على الضلال وبمن يهتدي إليه. فيجازي كلا منهما بما يستحقه. أو المعنى: # اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة. فإن الله تعالى هو أعلم بحال ~~من لا يرعوي عن الضلال بموجب استعداده المكتسب. وبحال من يصير أمره إلى ~~الاهتداء لما فيه من خير جبلي. فما شرعه لك في الدعوة، هو الذي تقتضيه ~~الحكمة. فإنه كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضالين. أفاده أبو السعود. ### | تنبيه: # دل قوله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن على الحث على الإنصاف في # PageV06P422 # المناظرة، واتباع الحق، والرفق والمداراة، على وجه يظهر منه أن القصد ~~إثبات الحق وإزهاق الباطل، وأن لا غرض سواه. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : آية 126] # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ms3000 للصابرين أي ~~الزموا سيرة العدالة، لا تجاوزوها. فإنها أقل درجات كمالكم. فإن كان لكم ~~قدم في الفتوة، وعرق راسخ في الفضل والكرم والمروءة، فاتركوا الانتصار ~~والانتقام ممن جنى عليكم، وعارضوه بالعفو مع القدرة، واصبروا على الجناية، ~~فإنه لهو خير للصابرين ألا تراه كيف أكده بالقسم واللام في جوابه، وترك ~~المضمر إلى المظهر حيث ما قال: # (لهو خير لكم) بل قال: لهو خير للصابرين للتسجيل عليهم بالمدح والتعظيم ~~بصفة الصبر. فإن الصابر ترقى عن مقام النفس وقابل فعل نفس صاحبه بصفة ~~القلب. # فلم يتكدر بظهور صفة النفس. وعارض ظلمة نفس صاحبه بنور قلبه. فكثيرا ما ~~يندم ويتجاوز عن مقام النفس. وتنكسر سورة غضبه فيصلح. وإن لم يكن لكم هذا ~~المقام الشريف، فلا تعاقبوا المسيء بسورة الغضب، بأكثر مما جنى عليكم، ~~فتظلموا، أو تتورطوا بأقبح الرذائل وأفحشها. فيفسد حالكم ويزيد وبالكم على ~~وبال الجاني. # أفاده القاشاني. ### | تنبيهات: # الأول: في (الإكليل) : قال ابن العربي: في الآية جواز المماثلة في ~~القصاص. # خلافا لمن قال: لا قود إلا بالسيف. ويستدل بها لمسألة الظفر. كما أخرج ~~ابن أبي حاتم عن ابن سيرين والنخعي أنهما استدلا بها عليها. ولفظ النخعي: ~~سئل عن الرجل يخون الرجل ثم يقع له في يده الدراهم؟ قال: إن شاء ذهب من ~~دراهمه بمثل ما خانه. ثم قرأ هذه الآية. ولفظ ابن سيرين: إن أخذ منكم رجل ~~شيئا، فخذوا مثله. # قال ابن كثير: وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم، واختاره ~~ابن جرير. فعمومها يشمل العدل في القصاص والمماثلة في استيفاء الحق. # الثاني: # قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل ~~كلها بمكة. وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد # PageV06P423 # أحد، حين قتل حمزة رضي الله عنه ومثل به. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما سمع المسلمون ~~ذلك قالوا: والله! لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من ~~العرب بأحد ms3001 قط. فأنزل الله الآية هذه، إلى آخر السورة. # قال الحافظ ابن كثير: هذا مرسل وفيه مبهم لم يسم. # ورواه الحافظ البزار من وجه آخر موصولا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة ابن عبد المطلب رضي الله عنه، ~~حين استشهد. فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. وقد مثل به. فقال: رحمة ~~الله عليك. إن كنت لما علمت، لوصولا للرحم فعولا للخيرات. والله لولا حزن ~~من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع (أو كلمة ~~نحوها) . أما والله! على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك. # فنزلت هذه الآية. فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عن يمينه، ~~وأمسك عن ذلك. # قال ابن كثير: وهذا إسناد فيه ضعف. لأن صالحا (أحد رواته) هو ابن بشير ~~المري، ضعيف عند الأئمة. وقال البخاري: هو منكر الحديث. # وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب، قال: لما كان ~~يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنمثلن بهم. فلما ~~كان يوم الفتح قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم. فنادى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا- ناسا سماهم- فنزلت ~~الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصبر ولا نعاقب. # أقول: بمعرفة ما قدمنا من معنى سبب النزول- في مقدمة التفسير- يعلم أن لا ~~حاجة إلى الذهاب إلى أنها مدنية ألحقت بالسورة- ولا إلى ما روي من هذه ~~الآثار. # إذ به يتضح عدم التنافي. والتقاء الآثار مع الآية فتذكره. # الثالث: قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن. فإنها ~~مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله تعالى وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها [الشورى: 40] . ثم قال فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: ~~40] الآية. وقال والجروح قصاص [المائدة: 45] ثم قال فمن تصدق ms3002 به فهو كفارة ~~له [المائدة: 45] انتهى. # ثم أكد تعالى الأمر بالصبر، ليقوي الثبات والاحتمال، لكل ما يلاقيه في ~~سبيل الحق، بقوله: # PageV06P424 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النحل (16) : الآيات 127 الى 128] # واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) ~~إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # واصبر وما صبرك إلا بالله أي بمعونته وتوفيقه ولا تحزن عليهم أي على ~~الكافرين، أي على كفرهم وعدم هدايتهم ولا تك في ضيق مما يمكرون أي في ضيق ~~صدر مما يمكرون من فنون المكايد إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ~~تعليل لما قبله. أي فإنه تعالى كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك بهم. # لأنه تعالى مع المتقين والمحسنين بالمعونة والنصر والتأييد، فيحفظهم ~~ويكلؤهم ويظهرهم على أعدائهم. قال ابن كثير: هذه معية خاصة كقوله تعالى إذ ~~يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا # [الأنفال: 12] . وقوله لموسى وهارون لا تخافا، إنني معكما أسمع وأرى [طه: ~~46] . وأما المعية العامة فالسمع والبصر والعلم كقوله تعالى وهو معكم أين ~~ما كنتم [الحديد: 4] . وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ~~[المجادلة: 7] . # قال أبو السعود: تكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته ~~سبحانه، من غير أن تكون إحداهما تتمة للأخرى. وإيراد الأولى فعلية للدلالة ~~على الحدوث. كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة ~~فيهم. # وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية متقدمة على التحلية. والمراد ~~بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين، وهو صلى الله عليه وسلم داخل في ~~زمرتهم دخولا أوليا. # وإما هو صلى الله عليه وسلم ومن شايعه. عبر عنهم بذلك، مدحا لهم وثناء ~~عليهم بالنعتين الجميلتين. # وفيه رمز إلى أن صنيعه صلى الله عليه وسلم مستتبع لاقتداء الأمة به، كقول ~~من قال لابن عباس رضي عنهما، عند التعزية بأبيه العباس: # اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية ms3003 عند صبر الراس # وبعد هذا البيت: # خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس # قال ابن عباس: ما عزاني أحد من تعزيته. # وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضار: أوص. قال: إنما الوصية من ~~المال، فلا مال لي. وأوصيكم بخواتيم سورة النحل ... # PageV06P425 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإسراء # وتسمى سورة بني إسرائيل وسورة سبحان، ولم يحك خلاف في كونها مكية. # نعم استثنى بعضهم منها: ويسئلونك عن الروح [الإسراء: 85] ، وآية وإن ~~كادوا ليفتنونك [الإسراء: 73] ، إلى قوله تعالى إن الباطل كان زهوقا، وآية ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن الآية [الإسراء: 88] ، وقوله وما جعلنا الرؤيا.. ~~الآية [الإسراء: 60] ، وقوله إن الذين أوتوا العلم من قبله [الإسراء: 107] ~~. لما ذكروه في أسباب نزولها. ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى، ~~وآياتها مائة وإحدى عشرة. # PageV06P426 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير. # يمجد تعالى نفسه بقوله سبحان وينزه ذاته العلية عما لا يليق بجلاله، ~~ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه فلا إله غيره. وقوله تعالى ~~الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام أي سيره منه ليلا. و (أسرى) بمعنى ~~(سرى) يقال: أسراه وأسرى به وسرى به. فهمزة (أسرى) ليست للتعدية. ولذا عدي ~~بالباء. # وفرق بعضهم بين أسرى وسرى بالمبالغة في (أسرى) لإفادة السرعة في السير ~~ولذا أوثر على (سرى) . # والإسراء سير الليل كله، كأسرى، فقوله تعالى ليلا للتأكيد أو للتجريد عن ~~بعض القيود. مثل: أسعفت مرامه. مع أن الإسعاف قضاء الحاجة. أو للتنبيه على ~~أنه المقصود بالذكر. وقد استظهره الناصر في (الانتصاف) قال: ونظيره في ~~إفراد أحد ما دل عليه اللفظ المتقدم مضمونا لغيره، قوله تعالى: لا تتخذوا ~~إلهين اثنين، إنما هو ms3004 إله واحد [النحل: 51] . فالاسم الحامل للتثنية دال ~~عليها وعلى الجنسية، وكذلك المفرد. فأريد التنبيه على أن أحد المعنيين، وهو ~~التثنية، مراد مقصود، وكذلك أريد الإيقاظ، لأن الوحدانية هي المقصودة في ~~قوله إنما هو إله واحد ولو اقتصر على قوله إنما هو إله لأوهم أن المهم ~~إثبات الإلهية له. والغرض من الكلام ليس إلا إثبات الوحدانية. # وقيل سر قوله ليلا إفادة تقليل الوقت الذي كان الإسراء والرجوع فيه. أي ~~أنه كان في بعض الليل أخذا من تنكيره. فقد نقل عن سيبويه أن الليل والنهار ~~إذا # PageV06P427 # عرفا كانا معيارا للتعميم، فلا تقول أرقت الليل، وأنت تريد ساعة منه، إلا ~~أن تقصد المبالغة. بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك. فلما عدل عن تعريفه هنا، ~~علم أنه لم يقصد استغراق السرى، وهذا هو المراد من البعضية. وجوز بعضهم أن ~~يكون (أسرى) من (السراة) وهي الأرض الواسعة. وأصله من الواو. أسرى مثل أجبل ~~وأتهم، أي ذهب به في سراة من الأرض، وهو غريب. وفي تخصيص الليل إعلام بفضله ~~لأنه وقت السر والنجوى والتجلي الأسمى، ولذلك كان أكثر عبادته صلى الله ~~عليه وسلم بالليل. والمراد (بعبده) خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وفي ذكره بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف والتنويه ~~والتنبيه على اختصاصه به عز وجل وانقياده لأوامره- ما لا يخفى. # والعبد، لغة، الإنسان مطلقا والمملوك والعبودية الذل والخضوع والرق ~~والطاعة، كالعبادة والعبودة. # قال ابن القيم في (طريق الهجرتين) : أكمل الخلق أكملهم عبودية. # وأعظمهم شهودا. لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه، وعدم استغنائه عنه طرفة ~~عين. # ولهذا كان من # دعائه صلى الله عليه وسلم: أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ~~ولا إلى أحد من خلقك. # ثم قال: ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة، وأعظمهم عنده جاها، ~~وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر. وكان # يقول: أيها الناس! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي. إنما أنا عبد. # وكان # يقول «1» : لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم. إنما أنا ms3005 عبد ~~فقولوا: عبد الله ورسوله. # وذكره سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته: مقام الإسراء، ومقام ~~الدعوة، ومقام التحدي. # فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وقال: وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~[الجن: 19] . وقال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا [البقرة: 23] . # وفي حديث الشفاعة: أن المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فنال ذلك بكمال عبوديته لله، وبكمال مغفرة الله ~~له. # انتهى. # وقوله تعالى من المسجد الحرام يعني مسجد مكة المكرمة. سمي حراما، كبلده، ~~لكونه لا يحل انتهاكه بقتال فيه، ولا بصيد صيده، ولا بقطع شجره ولا كلئه. ~~وقوله سبحانه إلى المسجد الأقصى هو مسجد بيت المقدس، وكان يعرف PageV06P428 # بهيكل سليمان لأنه الذي بناه وشيده والأقصى بمعنى الأبعد. سمي بذلك لبعده ~~عن مكة، وقوله تعالى الذي باركنا حوله أي جوانبه ببركات الدين والدنيا. لأن ~~تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء ومهبط وحيهم ومنمى الزروع والثمار. ~~فاكتنفته البركة الإلهية من نواحيه كلها. فبركته إذن مضاعفة، لكونه في أرض ~~مباركة، ولكونه من أعظم مساجد الله تعالى. والمساجد بيوت الله. ولكونه ~~متعبد الأنبياء ومقامهم ومهبط وحيه عليهم، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم أيضا. # وقيل في خصائص (الأقصا) : إنه متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم ~~النبيين، ومعراجه إلى السماوات العلى والمشهد الأسمى. بيت نوه الله به في ~~الآيات المفصلة، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة. لأجله أمسك الله الشمس ~~على يوشع أن تغرب ليتيسر فتحه على من وعدوا به ويقرب. وهو قبلة الصلاة في ~~الملتين، وفي صدر الإسلام بعد الهجرتين. وهو أولى القبلتين وثاني المسجدين ~~وثالث الحرمين. # لا تشد الرحال «1» بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين ~~إلا عليه. # انتهى. ومن فضائله ما # رواه الإمام أحمد «2» والنسائي والحاكم صححه، عن ابن عمرو قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثا. ~~فأعطاه اثنتين وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة. # سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه. # وسأله ملكا لا ms3006 ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه. # وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد- يعني ببيت ~~المقدس- خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك. # وروي أن ابن عمر كان إذا دخله لا يشرب من مائه. تجريدا لقصد الصلاة. # وقال الشيرازي في (عرائس البيان) كان بداية المعراج الذهاب إلى الأقصى. # لأن هناك الآيات الكبرى من أنوار تجليه تعالى لأرواح الأنبياء وأشباحهم. ~~وهناك PageV06P429 # بقربه طور سينا وطور زيتا ومقام إبراهيم وموسى وعيسى في تلك الجبال، ~~مواضع كشوف الحق. لذلك قال باركنا حوله. انتهى. # والالتفات في: باركنا لتعظيم ما ذكر، لأن فعل العظيم يكون عظيما. # لا سيما إذا عبر عنه بصيغة التعظيم. والنكتة العامة تنشيط السامعين. # وقوله تعالى: لنريه من آياتنا إشارة إلى حكمة الإسراء. أي لكي نري محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من آياتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من ~~الليل، مسيرة شهر، ومشاهدة بيت المقدس وتمثل الأنبياء له ووقوفه على ~~مقاماتهم العلية. # قيل: أراد تعالى أن يريه صلى الله عليه وسلم من الآيات الحسية بعد ما ~~أراه الآيات العقلية. لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ودفع الوساوس ~~من العقلية. إذ لا يشك أحد فيما كان سبيل معرفته الحس والعيان. وقد تعترض ~~الشبهة والوساوس في العقليات. لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو. فشاء عز وجل ~~أن يري رسوله آيات حسية فتدفع المنصفين إلى قبولها والإيمان بها والإقرار ~~له بالرسالة. إذ ليس ذلك عمل سحر ولا افتراء ولا أساطير الأولين، كذا ~~يستفاد من (التأويلات) لأبي منصور. # وما أحسن ما قاله ابن إسحاق: كان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر ~~منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه. فيه عبرة لأولي ~~الألباب، وهدى ورحمة وثباتا لمن آمن بالله وصدق. وكان من أمر الله سبحانه ~~وتعالى على يقين. فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ليريه من آياته ما أراد. ~~حتى عاين ms3007 ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. ~~انتهى. # وقوله تعالى: إنه هو السميع البصير أي السميع لأقوال عباده وأفعالهم فلا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ### | تنبيهات: # الأول: دلت هذه الآية على ثبوت الإسراء، وهو سير النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيت المقدس ليلا. وأما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ~~فهذه الآية لا تدل عليه ومنهم من يستدل عليه بأول سورة النجم. والكلام عليه ~~ثمة. # الثانية: ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان بعد المبعث، وأنه قبل هجرة ~~بسنة. # قاله الزهري وابن سعد وغيرهما. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل ~~الإجماع فيه. # وقال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة. # PageV06P430 # وفي (إنسان العيون) : أن تلك الليلة كانت ليلة سبع عشرة. وقيل سبع وعشرين ~~خلت من ربيع الأول، وقيل: ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان، وقيل سبع وعشرين ~~خلت من ربيع الآخر، وقيل: من رجب واختار هذا الأخير، الحافظ عبد الغني ~~المقدسي قال: وعليه عمل الناس. والله أعلم. # الثالث: في (زاد المعاد) لابن القيم: كان الإسراء مرة واحدة وقيل: مرتين، ~~مرة يقظة ومرة مناما. وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث ~~شريك وقوله (ثم استيقظت) وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان هذا ~~مرتين: مرة قبل الوحي لقوله # في حديث شريك (وذلك قبل أن يوحى إليه) # ومرة بعد الوحي كما دلت عليه سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: ~~مرة قبل الوحي ومرتين بعده. وكل هذا خبط وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من ~~أرباب النقل، الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه ~~مرة أخرى. فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. والصواب الذي عليه ~~أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء ~~الذين زعموا أنه كان مرارا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه ~~الصلوات خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ms3008 ثم يقول أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي. ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها ~~عشرا عشرا؟!. # الرابع: قال القاضي عياض، عليه الرحمة، في (الشفا) : اختلف السلف ~~والعلماء هل كان إسراء بروحه أو جسده على ثلاث مقالات: فذهبت طائفة إلى أنه ~~إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام. مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي. وإلى ~~هذا ذهب معاوية. وحكي عن الحسن (والمشهور عنه خلافه) وإليه أشار محمد بن ~~إسحاق. # وحجتهم قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك [الإسراء: 60] وما حكوا ~~عن عائشة: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله (بينا أنا نائم) ~~. وقول أنس: (وهو نائم في المسجد الحرام) وذكر القصة. ثم # قال في آخرها: (فاستيقظ وأنا بالمسجد الحرام) . # وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة. وهذا هو ~~الحق، وهذا قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمر وأبي هريرة ومالك بن صعصعة ~~وأبي حبة البدري وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وابن المسيب وابن ~~شهاب وابن زيد والحسن وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج. وهو دليل # PageV06P431 # قول عائشة. وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين. وهو قول ~~أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين. # وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس. وإلى السماء ~~بالروح: واحتجوا بقوله: سبحان الذي أسرى بعبده ... فجعل المسجد الأقصى غاية ~~الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي وإظهار ~~الكرامة له بالإسراء إليه. قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على ~~المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح. # ثم اختلفت هاتان الفرقتان: هل صلى ببيت المقدس أم لا؟ ففي حديث أنس وغيره ~~صلاته فيه. وأنكر ذلك حذيفة وقال: والله! ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا. # ثم قال القاضي عياض: والحق في هذا والصحيح، إن شاء الله، أنه إسراء ~~بالجسد والروح في القصة كلها. وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار. ~~ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل، إلا عند الاستحالة، وليس في ms3009 ~~الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة. إذ لو كان مناما لقال (بروح عبده) ولم ~~يقل (بعبده) وقوله: # ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] ، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا ~~معجزة. ولما استبعده الكفار ولا كذبوه. ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا ~~به. إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر. بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن ~~خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته، إلى ما ذكر في الحديث، من ذكر صلاته ~~بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس (أو في السماء) على ما روى غيره، وذكر ~~مجيء جبريل له بالبراق وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال: ومن معك؟ ~~فيقول: محمد. ولقائه الأنبياء فيها وخبرهم معه وترحيبهم به وشأنه في فرض ~~الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك. # وفي بعض هذه الأخبار: فأخذ، يعني جبريل. بيدي، فعرج بي إلى السماء إلى ~~قوله: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. وأنه وصل إلى سدرة ~~المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره. قال ابن عباس: هي رؤيا عين ~~رآها النبي صلى الله عليه وسلم، لا رؤيا منام. # وعن الحسن فيه بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فقمت ~~فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي. ذكر ذلك ثلاثا، فقال في الثالثة: فأخذ ~~بعضدي فجرني إلى باب المسجد، فإذا بدابة. وذكر خبر البراق. # PageV06P432 # وعن أم هانئ: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي تلك ~~الليلة. صلى العشاء الآخرة ونام بيننا. فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا قال: يا أم هانئ! لقد صليت ~~معكم العشاء الآخرة، كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه. ~~ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون. وهذا بين في أنه بجسمه. # وعن أبي بكر (من رواية شداد بن أوس عنه) أنه قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة أسري به: # طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم ms3010 أجدك. فأجابه: أن جبريل حمله ~~إلى المسجد الأقصى. # وعن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صليت ليلة أسري بي في ~~مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة- # وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة. فتحمل على ظاهرها. # وعن أبي ذر رضي الله عنه. عن النبي صلى الله عليه وسلم: فرج سقف بيتي ~~وأنا بمكة، فنزل جبريل ثم أخذ بيدي فعرج بي. # وعن أنس: أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم. # وعن أبي هريرة: لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي. فسألتني عن ~~أشياء لم أثبتها، فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه. ~~ونحوه عن جابر. # وقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال: ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها. # ثم قال القاضي عياض (في إبطال حجج من قال إنها نوم) احتجوا بقوله: # وما جعلنا الرؤيا فسماها (رؤيا) . قلنا: قوله: سبحان الذي أسرى بعبده ~~يرده لأنه لا يقال في النوم (أسرى) . # وقوله فتنة للناس يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء شخص. إذ ليس في الحلم فتنة ~~ولا يكذب به أحد. لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة واحدة ~~في أقطار متباينة. على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية. فذهب بعضهم ~~إلى أنها نزلت في قصة الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك. وقيل غير ~~هذا. # وأما قولهم: إنه قد سماها في الحديث مناما، وقوله # في حديث آخر: بين النائم واليقظان. # وقوله أيضا: وهو نائم. وقوله: ثم استيقظت- فلا حجة فيه. إذ يحتمل أن أول ~~وصول الملك إليه كان وهو نائم. أو أول حلمه والإسراء به وهو نائم. وليس في # PageV06P433 # الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه # (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام) # فلعل قوله (استيقظت) بمعنى أصبحت. أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته. ~~ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليلة. وإنما كان في بعضه. وقد يكون # قوله: ms3011 (استيقظت وأنا في المسجد الحرام) # لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السماوات والأرض، وخامر بطنه من ~~مشاهدة الملإ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى. فلم يستفق ويرجع إلى حال ~~البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام. # ووجه ثالث أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه. ولكنه أسرى ~~بجسده وقلبه حاضر، ورؤيا الأنبياء حق. تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. # وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا. قال: تغميض عينيه لئلا يشغله ~~شيء من المحسوسات عن الله، ولا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء، ~~ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات. # ووجه رابع، وهو أن يعبر بالنوم هاهنا عن هيئة النائم من الاضطجاع. ويقويه ~~قوله في رواية عبد بن حميد عن همام: (بينا أنا نائم وربما قال مضطجع) وفي ~~رواية هدبة عنه (بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجع) . وقوله في ~~الرواية الأخرى (بين النائم واليقظان) فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت ~~هيئة النائم غالبا. وذهب بعضهم إلى أن هذه الزيادات من النوم وذكر شق البطن ~~ودنو الرب، الواقعة في هذا الحديث، إنما هي من رواية شريك عن أنس. فهي ~~منكرة من روايته. انتهى كلام عياض. وبقيت له بقية من شاء فليراجعها. # الخامس: جملة الأقوال في الإسراء والمعراج. على ما حكاه ابن القيم في ~~(زاد المعاد) ، ستة: بروحه وجسده وهو الذي صححوه. وقيل: كان ذلك مناما. ~~وقيل بل يقال أسري به ولا يقال يقظة ولا مناما. وقيل كان الإسراء إلى بيت ~~المقدس يقظة وإلى السماء مناما، وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة ومرة ~~مناما. وقيل بل أسري به ثلاث مرات. وكان ذلك بعد البعث بالاتفاق. وأما ما ~~وقع في حديث شريك أن ذلك قبل أن يوحى إليه، فقيل هو غلط وقيل: الوحي هنا ~~مقيد وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة. والمراد قبل أن يوحى إليه في ~~شأن الإسراء، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام. وقد قدمنا أن عائشة ومعاوية ~~والحسن، نقل ms3012 الأكثرون عنهم أنها رؤيا منام، وكذا حكى ابن جرير عن حذيفة إلا ~~أن ابن القيم نبه على دقيقة غريبة. قال رحمه الله: نقل ابن إسحاق عن عائشة ~~ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه # PageV06P434 # ولم يفقد جسده. ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك. ولكن ينبغي أن يعلم الفرق ~~بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده. ~~وبينهما فرق عظيم. وعائشة ومعاوية لم يقولا كان مناما وإنما قالا: أسرى ~~بروحه ولم يفقد جسده. وفرق بين الأمرين. فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا ~~مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة. فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب ~~به إلى مكة وأقطار الأرض وروحه لم تصعد ولم تذهب. وإنما ملك الرؤيا ضرب له ~~المثال. والذين قالوا عرج برسول لله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفة ~~قالت: عرج بروحه وبدنه. وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه. وهؤلاء لم ~~يريدوا أن المعراج كان مناما. وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج ~~بها حقيقة. وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات ~~سماء سماء، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله عز وجل. ~~فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض. فالذي كان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة. ومعلوم أن هذا ~~أمر فوق ما يراه النائم. لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام ~~خرق العوائد حتى شق بطنه وهو حي لا يتألم كذلك عرج بذات روحه المقدسة حقيقة ~~من غير إماتة. ومن سواه صلى الله عليه وسلم، لا تنال ذات روحه الصعود إلى ~~السماء إلا بعد الموت والمفارقة. فالأنبياء إنما استقرت أرواحهم هناك بعد ~~مفارقة الأبدان. وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم صعدت إلى هناك في حال ~~الحياة ثم عادت. وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء. # ومع هذا فلها إشراف على البدن، وإشراق وتعلق به. ms3013 بحيث يرد السلام على من ~~سلم عليه. وبهذا التعلق رأى موسى قائما يصلي في قبره، ورآه في السماء ~~السادسة، ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره ثم رد إليه، وإنما ذلك مقام ~~روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى ~~أجسادها. فرآه يصلي في قبره ورآه في السماء السادسة. كما أنه صلى الله عليه ~~وسلم في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقرا هناك وبدنه في ضريحه غير مفقود. ~~وإذا سلم عليه المسلم، رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ولم يفارق ~~الملأ الأعلى. ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا، فلينظر إلى الشمس ~~في علو محلها وتعلقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها. هذا، ~~وشأن الروح فوق هذا. فلها شأن وللأبدان شأن. وهذه النار تكون في محلها، ~~وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها. مع أن الارتباط والتعلق الذي بين ~~الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم. فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف. # فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا # انتهى كلام ابن القيم. # PageV06P435 # وقال العلامة سعدي في (حواشي البيضاوي) : والمعراج بروحه في اليقظة- وهو ~~الذي أشار إليه ابن القيم- خارق أيضا للعادة. انتهى. # وتعقب العلامة القنوي له: بأنه نوع مراقبة وانسلاخ، والذي ذهب إليه ~~الصوفية ساقط. لأنه فوقه بكثير. بل غيره كما تبين قبل. وبالجملة، فالذي ~~فهمه الأكثرون من قول عائشة ومعاوية وحذيفة والحسن أن ذلك رؤيا منام. وما ~~ذكره ابن القيم من أنه إسراء بالروح- فيحتمله اللفظ المأثور عنهم. # ونظيره قول بعضهم: إن ذلك كان أمرا إعجازيا. والحقيقة أنه كشف روحاني. # وقد قرروا في عدم استحالة كونه يقظة بالروح والجسم أن خالق العالم قادر ~~على كل الممكنات. وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسده صلى ~~الله عليه وسلم ممكن. فوجب كونه تعالى قادرا عليه. وغاية ما في الباب أنه ~~خلاف العادة. # والمعجزات كلها كذلك. وفي (العقائد النسفية وحواشيها) : الخرق والالتئام ~~على السموات جائز. لأن الأجسام كلها متماثلة في تركبها ms3014 من الجواهر الفردة، ~~فيصح على كل ما يصح على الآخر. فالأجسام العنصرية قابلة للخرق والالتئام. ~~وكذا الأجسام الفلكية. والله تعالى قادرا على الممكنات كلها. فيكون قادرا ~~على الخرق في السموات، لأنه ممكن فيها. وفي الرازي براهين أخر. فانظرها. # جاء في كتاب (إظهار الحق) أن بعض أهل الكتاب مارى في المعراج، فبكت بأن ~~صعود الجسم العنصري إلى الأفلاك صرحت به التوراة الموجودة لديهم في (أخنوخ) ~~. وأنه نقل حيا إلى السماء لئلا يرى الموت. كما في الفصل الخامس من سفر ~~التكوين. وصرحت في صعود (إليا) في الفصل الثاني من سفر الملوك. وفي إنجيل ~~مرقس في الفصل السادس عشر التصريح برفع المسيح عليه السلام إلى السماء. ~~انتهى. # أقول: أخنوخ هو إدريس عليه السلام المنوه به في قوله تعالى: ورفعناه ~~مكانا عليا [مريم: 57] ، وإيليا نبي أرسل إلى آحاب أحد ملوك اليهود الكفرة، ~~الذين شهروا عبادة بعل وغيره من الأصنام بالسامرة. وتسمى الآن: سبسطية: من ~~قسم الأرض المقدسة زعموا أنه ظهرت على يد إيليا خوارق باهرة. وأنه قتل سدنة ~~بعل وهدم مذبحه. إلى أن ارتفع في مركبة نارية وخيل نارية نحو السماء. جانب ~~نهر الأردن في بطاح أريحا. شاهده خليفته اليشاع النبي بعده. كذا في تاريخ ~~الكتاب المقدس، و (إيليا) هو إلياس، و (اليشاع) هو اليسع المذكوران في ~~القرآن المجيد # PageV06P436 # وقد نوه بالأول في سورة الصفات بقوله تعالى: وإن إلياس لمن المرسلين، إذ ~~قال لقومه ألا تتقون. أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين، الله ربكم ورب ~~آبائكم الأولين ... [الصافات: 123- 126] . # السادس: قيل: إن المسجد الأقصى في زمن الإسراء كان خرابا. بشهادة ~~التاريخ. وذلك لأن سليمان عليه السلام بناه على مكان الصخرة. ثم خرب وألقيت ~~على الصخرة زبالة البلد عنادا لليهود. وبقي كذلك حتى فتح أمير المؤمنين عمر ~~رضي الله عنه القدس. نظر (تاريخ أبي الفداء) وغيره. فكيف أطلق عليه اسم ~~المسجد؟ وأجيب: بأن المسجد في حال هدمه يسمى مسجدا. باعتبار ما كان عليه ~~وما وضع له. كما أطلق المسجد على حرم مكة. وهو لم يكن يومئذ مسجدا. ms3015 وإنما ~~كان بيتا للأصنام. # لكن إبراهيم وإسماعيل، لما بنيا الكعبة للعبادة الصحيحة، كما بنى سليمان ~~هيكله هذا لها، سمي مسجدا بهذا الاعتبار. أو يقال: إنه أطلق عليهما اسم ~~المسجد للإشارة إلى ما يؤول إليه أمرهما. وهو كونهما مسجدين للمسلمين. # السابع: في التفاضل بين ليلة القدر وليلة الإسراء. سئل الإمام تقي الدين ~~أحمد ابن تيمية رضي الله عنه، عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة ~~القدر، وقال آخر: # بل ليلة القدر أفضل. فأيهما المصيب؟ # فأجاب: أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، إن أراد به أن ~~تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ونظائرها من كل عام ~~أفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ليلة القدر، بحيث يكون قيامها ~~والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر. فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، ~~وهو معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام. هذا إذا كانت ليلة الإسراء ~~يعرف عينها. فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا عشرها ولا على ~~عينها؟ بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع ~~للمسلمين تخصيص الليلة، التي يظن أنها ليلة الإسراء، بقيام ولا غيره. بخلاف ~~ليلة القدر فإنه # قد ثبت في الصحيحين «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قام ~~ليلة القدر إيمانا PageV06P437 # واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه # وفي الصحيحين «1» عنه: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. وقد ~~أخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر فإنه نزل فيها القرآن. # وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها، من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا ~~عبادة، فهذا صحيح. # وليس إذا أعطى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فضيلة في مكان أو زمان، يجب ~~أن يكون ذلك الزمان والمكان أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة، هذا إذا قدر ~~أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على ms3016 نبيه ليلة الإسراء كان أعظم من ~~إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه. ~~والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمر ومقادير النعم التي لا تعرف ~~إلا بوحي. ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم. # ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه نقل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها. لا ~~سيما على ليلة القدر. ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ~~ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها. ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت. ~~وإن كان الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم ومع هذا فلم يشرع تخصيص ~~ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية. بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول ~~الوحي، وكان يتحراه قبل النبوة، لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة، ~~مدة مقامه بمكة. ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها. ولا ~~خص المكان الذي ابتدئ فيه الوحي ولا الزمان بشيء. ومن خص الأمكنة والأزمنة ~~من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان ~~أحوال المسيح مراسم وعبادات. كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من ~~أحواله. وقد رأى عمر بن الخطاب جماعة يتبادرون مكانا يصلون فيه. فقال: ما ~~هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتريدون أن ~~تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا. فمن أدركته فيه ~~الصلاة فليصل، وإلا فليمض. وقد قال بعض الناس: إن ليلة الإسراء في حق النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر. وليلة القدر بالنسبة إلى الأمة ~~أفضل من ليلة الإسراء. # فهذه الليلة في حق الأمة أفضل لهم. وليلة الإسراء في حق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أفضل له. # انتهى نقله الشمس ابن القيم (في زاد المعاد) . PageV06P438 # الثامن: قال الشمس ابن القيم في (زاد المعاد) . اختلف الصحابة: هل رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن ms3017 عباس أنه رأى ~~ربه. وصح عنه أنه قال: # رآه بفؤاده وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك وقالا: إن قوله تعالى: ~~ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى [النجم: 13- 14] ، إنما هو جبريل. # وصح عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه # . أي حال بيني وبين رؤيته النور. # كما # قال في لفظ آخر: رأيت نورا. # وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ ~~الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس أنه رآه مناقضا لهذا. ~~ولا قوله رآه بفؤاده. # وقد صح عنه أنه قال: رأيت ربي تبارك وتعالى # . ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في ~~صلاة الصبح. ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه. # وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله وقال: نعم، رآه حقا. فإن رؤيا ~~الأنبياء حق ولا بد. ولكن لم يقل أحمد إنه رآه بعيني رأسه. ومن حكى عنه ذلك ~~فقد وهم عليه. # ولكن قال مرة: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده. فحكيت عنه روايتان وحكيت عنه ~~الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه. وهذه نصوص أحمد موجودة ليس ~~فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين. فإن كان استناده إلى قوله ~~تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] ، ثم قال: ولقد رآه نزلة أخرى ~~[النجم: 13] ، والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا ~~المرئي جبريل. رآه مرتين في صورته التي خلق عليها. وقول ابن عباس هذا. هو ~~مستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده. # والله أعلم. # التاسع: قال الجاحظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد ~~السراج المنير) - بعد ذكره حديث الإسراء من طريق أنس- وقد تواترت الروايات ~~في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة ~~وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد ms3018 الرحمن بن ~~قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة ~~وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ ~~وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، أجمعين، منهم من ساقه ~~بطوله ومنهم من اختصره، على ما وقع في المسانيد. وإن لم تكن رواية بعضهم ~~على شرط الصحة. فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون. وأعرض عنه الزنادقة ~~والملحدون. # انتهى. # PageV06P439 # وقد نقل الرازي عن بعض المعتزلة رده لجمل فيه- ساقها- صعب عليهم دركها. ~~ولا إشكال فيها في الحقيقة بحمده تعالى. ولكن هم وأمثالهم ممن ضعفت عنايتهم ~~بفن الحديث وغلب عليهم فن المعقول. ولقد فاتهم بسبب ذلك خير كثير. وليس في ~~الأحاديث الصحيحة ما يناقض المفعول أو الواقع، بوجه ما، يعلم ذلك الراسخون، ~~وفوق كل ذي علم عليم. # وقد بقي ممن رواه من الصحابة. غير من تقدم- سهل بن سعد وعبد الله بن ~~حوالة الأزدي وعبد الله بن أسعد بن زرارة وأبو الدرداء وعبد الله بن عمر. ~~وأما من رواه من التابعين مرسلا فكثير. منهم الحسن بن الحسين عليهما السلام ~~وكعب ومحمد بن الحنفية وعروة وسفيان الثوري والوليد بن مسلم وعبد الرحمن بن ~~أبي ليلى وآخرون. كما يعلم من مراجعة (الدر المنثور) للحافظ السيوطي. # وأما طرقه في الصحيحين. فقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : إنها تدور على ~~أنس بن مالك مع اختلاف أصحابه عنه. فرواه قتادة عنه عن مالك بن صعصعة. وليس ~~في أحاديث المعراج أصح منه. ورواه الزهري عنه عن أبي ذر. ورواه شريك بن أبي ~~نمر وثابت البناني عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. وفي سياق كل ~~منهم عنه ما ليس عند الآخر. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 2 الى # 3] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا، ~~ذرية من ms3019 حملنا مع نوح، إنه كان عبدا شكورا. # قال ابن كثير: لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم عطف ~~بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه. فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ~~ومحمد عليهما السلام، وبين ذكر التوراة والقرآن. وقال الرازي لما ذكر الله ~~تعالى في الآية الأولى إكرامه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن أسرى به، ذكر ~~في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه. ~~وقال الشهاب في (العناية) : عقبت آية الإسراء بهذه، استطرادا بجامع أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام أعطي التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه. ~~لأنه صح ثمة التكليم، وشرف باسم الكليم مدمجا فيه تفاوت ما # PageV06P440 # بين الكتابين ومن أنزلا عليه. وإن شئت فوازن بين أسرى بعبده. وآتينا موسى ~~وبين هدى لبني إسرائيل ويهدي للتي هي أقوم. و (الواو) استئنافية أو عاطفة ~~على جملة (سبحان الذي أسرى) إلخ لا على (أسرى) لبعده وتكلفه. # وضمير (وجعلناه) للكتاب أو لموسى و (لبني إسرائيل) متعلق ب (هدى) أو ب ~~(جعلناه) ، وهي تعليلية. # وقوله: ألا تتخذوا من دوني وكيلا أي وليا ومعبودا تكلون إليه أموركم. ~~لأنه تعالى أنزل على كل نبي أرسله، أن يعبده وحده لا شريك له، وقد قرئ: ~~(ألا يتخذوا) بالياء على الغيبة على حذف لام التعليل. والتقدير: جعلناه هدى ~~لئلا يتخذوا وقرئ بالتاء على الخطاب، وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن (أن) بمعنى أي. وهي مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي. # الثاني: أن (أن) زائدة، أي قلنا: لا تتخذوا. # الثالث: أن (لا) زائدة، زائدة والتقدير: مخافة أن تتخذوا. والوكيل ~~والموكول إليه. أي المفوض إليه الأمور. وهو الرب. ف (فعيل) بمعنى مفعول. و ~~(دون) بمعنى غير. و (من) زائدة. أو تبعيضية. وقوله: ذرية من حملنا مع نوح ~~نصب على الاختصاص أو النداء. وفيه تهييج وتنبيه على المنة. والإنعام عليهم ~~في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح في السفينة. وإيماء إلى علة النهي. ~~كأنه قيل: لا تشركوا به فإنه المنعم ms3020 عليكم والمنجي لكم من الشدائد. وأنهم ~~ضعفاء محتاجون إلى لطفه. # وفي التعبير ب (الذرية) الغالب إطلاقها على الأطفال والنساء، مناسبة تامة ~~لما ذكر. # وذكر حملهم في السفينة، للإشارة إلى أنه لم يكن لهم حينئذ وكيل يتكلون ~~عليه سواه. وقوله: عبدا شكورا أي لمعرفته بنعم الله واستعمالها على الوجه ~~الذي ينبغي. وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحث للذرية على ~~الاقتداء به. وقيل: إنه استطراد. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 4 الى # 5] # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا (4) فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب أي كتاب اللوح المحفوظ، أي حكمنا # PageV06P441 # فيه لتفسدن في الأرض مرتين يعني أرض فلسطين بيت المقدس التي بارك الله ~~حولها. والإفساد بالكفر والمعاصي. # قال السمين: في تعدية (قضينا) ب (إلى) تضمينه معنى أنفذنا. أي أنفذنا ~~إليهم بالقضاء المحتوم. ومتعلق القضاء محذوف. أي بفسادهم. وقوله: لتفسدن ~~جواب قسم محذوف مؤكد لمعنى القضاء، أو جواب لقوله: وقضينا لأنه ضمن معنى ~~القسم. ومنه قولهم (قضاء الله لأفعلن كذا) فيجرون القضاء والقدر مجرى ~~القسم، فيتلقيان بما يتلقى به القسم. و (مرتين) أي إفسادتين. منصوب على أنه ~~مصدر (لتفسدن) من غير لفظه. وعدل عنه، لأن تثنية المصدر وجمعه ليس بمطرد: ~~ولتعلن علوا كبيرا أي ولتستكبرن وتتعظمن عن طاعة الله تعالى، أو لتظلمن ~~الناس فإذا جاء وعد أولاهما أي موعود أولى المرتين، أي وما وعدوا به في ~~المرة الأولى، يعني وعد المؤاخذة على أولى المفسدتين: بعثنا عليكم عبادا ~~لنا أولي بأس شديد أي ذوي قوة وبطش في الحرب، شديد فجاسوا خلال الديار ~~ترددوا خلال أماكنكم ومحالكم للقتل والسبي والنهب وكان وعدا مفعولا أي ~~مقضيا لا صارف له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 6 الى 8] # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ~~(6) إن أحسنتم ms3021 أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ~~ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) # ثم رددنا لكم الكرة عليهم أي بعد هذه المؤاخذة الشديدة، رددنا، عند ~~توبتكم، لكم الغلبة التي كانت لكم في الأصل، عليهم: وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا أي قوما ورهطا. جمع (نفر) أو اسم جمع له. وأصله من ~~ينفر مع الرجل من قومه. وقوله تعالى: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها بمثابة التعليل لما قبله. أي فعلنا ذلك لتعلموا أنكم إن أحسنتم توبتكم ~~وأعمالكم، أحسنتم لأنفسكم، بإبقاء الغلبة لها والإمداد بالأموال والبنين ~~وتكثير النفير وإن أسأتم فلها أي فإساءتكم ضارة لها بغلبة الأعداء وسلب ~~الأموال والبنين والنفير # PageV06P442 # فإذا جاء وعد الآخرة أي مؤاخذة المرة الآخرة وعقوبتها. وقوله تعالى: ~~ليسوؤا وجوهكم متعلق بجواب (إذا) المحذوف. أي بعثناهم ليسوؤا وجوهكم، أي ~~ذواتكم بالإذلال والقهر. # قال الشهاب: عديت المساءة إلى الوجوه، وإن كانت عليهم، لأن آثار الأعراض ~~النفسانية إنما تظهر في الوجه. كنضارة الوجه وإشراقه بالفرح. وكلوحه وسواده ~~بالخوف والحزن. فالوجه، بمعنى الذات مجاز مرسل، أو استعارة تبعية. وقيل: # الوجوه بمعنى الرؤساء. وهو تكلف. واختير هذا على (ليسوؤكم) مع أنه أخصر ~~وأظهر، إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن، المدلول بقوله: ~~وليتبروا. # انتهى. # وقوله تعالى: وليدخلوا المسجد أي الأقصى كما دخلوه أول مرة وليتبروا أي ~~يدمروا ما علوا تتبيرا أي عظيما فظيعا، والتتبير: التدمير. وكل شيء كسرته ~~وفتته فقد تبرته. ثم أشار إلى أن فعله تعالى ليخلصوا توبتهم وأعمالهم ~~بقوله: # عسى ربكم أن يرحمكم أي إذ أخلصتم للإنابة، وأحسنتم الأعمال، وأقمتم ~~الكتاب وما نزل إليكم، لأنكم علمتم من سنته تعالى أنه لا ينزل بلاء إلا ~~بذنب ولا يرفعه إلا بتوبة، ولذا قال: وإن عدتم أي بعد هذه التوبة والإنابة ~~إلى الاستكبار عدنا أي إلى تسليط الأعداء وسلب الأموال والأولاد في الدنيا. # وجعلنا أي يوم القيامة جهنم للكافرين حصيرا أي ms3022 محبسا وسجنا يحصرهم في ~~العذاب والحرمان عن الثواب. # قال الشهاب: إن كان- (حصيرا) - اسما للمكان فهو جامد لا يلزم تذكيره ~~وتأنيثه. وإن كان بمعنى حاصرا أي محيطا بهم، وفعيل بمعنى فاعل، يلزم ~~مطابقته. # فإما لأنه على النسب. كلابن وتامر. أو لحمه على (فعيل) بمعنى (مفعول) . ~~أو لأن تأنيث جهنم غير حقيقي أو لتأويلها بمذكر. انتهى. # وقيل: حصيرا، أي بساطا كما يبسط الحصير. مثل قوله تعالى: لهم من جهنم ~~مهاد [الأعراف: 41] ، فهو تشبيه بليغ. والحصير بهذا المعنى بمعنى محصور ~~لحصر بعض طاقاته على بعض. كما قاله الراغب. ### | تنبيه: # روي أن بني إسرائيل كان الأمر مستتبا لهم في فلسطين إلى موت سليمان عليه # PageV06P443 # السلام. فلما ملك ابنه بعده، وذلك قبل المسيح بما ينيف على تسعمائة سنة، ~~وقع من الاختلال في عهده ما أفضى إلى تقريره عبادة الأوثان. فعوجل بعد خمس ~~سنين من ملكه بأخذ ملك مصر بيت المقدس وسلب كنوز هيكلها (المسجد الأقصى) ~~ونهب ما فيها. ولما ساء تصرفه تمرد عليه شعبه وخلعوا طاعته. فانقسمت مملكته ~~إلى قسمين: أحدهما دعى مملكة يهوذا وهي المؤلفة من سبطي يهوذا وبنيامين، ~~بقيا خاضعين لابن سليمان. # وثانيهما: دعي مملكة إسرائيل وهي المؤلفة من بقية الأسباط العشرة. وكان ~~أول ملك على مملكة إسرائيل رجل يقال له يربعام. خاف من رجوع رعاياه إلى ~~طاعة ابن سليمان إذا صعدوا إلى أورشليم في الأعياد الاحتفالية ليعبدوا الله ~~في الهيكل ويقربوا ذبائحهم هناك. فأقام في مملكته عجلين من ذهب. وأمر رعيته ~~بعبادتهما. # ورتب لهم أعيادا احتفالية وكهنة وقامت حروب هائلة بين ملوك هاتين ~~الطائفتين. # وكان يتخللهما من الملوك من ينزع عبادة الأوثان. إلا أنه لا يلبث الحال ~~حين يأتي ملك آخر فيعيد الوثنية. واستمرت مملكة إسرائيل نحوا من مائتين ~~وخمسين سنة. # وفي نهاية أمرهم عظمت خطيئاتهم فسلط عليهم ملك أشور ففتح السامرة- بلدهم- ~~وسباهم إلى أشور وانقرضت مملكة العشرة الأسباط ولم يسمع ذكرهم بعد. ثم أرسل ~~ملك أشور قوما من بلده وأسكنهم مدن السامرة ليعمروها مع من بقي من أهلها. ~~وأرسل معهم كاهنا من ms3023 اليهود ليقيم لمن بقي طقوسهم. فعادوا إلى شركهم وعبادة ~~الأوثان مع الله تعالى. وأما مملكة يهوذا فبقيت بعد انقراض مملكة إسرائيل ~~ما ينيف على عشرين سنة، وفي أواخر أيامها قام فيها ملك شرير. فزحف إليه ملك ~~بابل نبوخذ ناصر (بختنصر) فسبى قسما من شعبه، وكان السبي الأول. # ثم قام، بعد ذلك الملك الشرير، ابنه. فسار على طريقة أبيه. فعاد إليه ملك ~~بابل المذكور واستأسره هو وآله ورؤساءه وقسما من الشعب. وسلب الهيكل. وكان ~~هذا السبي الثاني بعد ثماني سنين من الأول. # ثم قام فيهم ملك أشر ممن تقدم- وهو آخر ملوكهم- وفي أيامه حاصر ملك بابل ~~المذكور أيضا بيت المقدس، وأسره إلى بابل، وأحرق المدينة والهيكل، وسبى كل ~~شعب يهوذا، ما عدا مساكين الأرض، إلى بابل. وهذا هو السبي الثالث والأخير. # وهكذا انقرضت هذه المملكة وكانت إقامتهم في بابل سبعين سنة. ثم أطلقوا من ~~الأسر فعادوا إلى بيت المقدس. وجددوا عمارتها وقيام الهيكل. وبقيت اليهود ~~تحت تسلط ملوك فارس إلى أن ظهر الإسكندر الكبير. وغلبت اليونان الفرس وجاء # PageV06P444 # الإسكندر إلى سورية فدخل بنو إسرائيل تحت حكم اليونان. وبعد وفاة ~~الإسكندر انقسم ملكه إلى أربعة أقسام: # منها مملكة سورية ومصر. وكانت بينهما حروب متصلة. والإسرائيليون، لما ~~كانوا بينهم، كانوا تارة تحت تملك مصر وأخرى تحت تسلط سورية. واتفق في خلال ~~ذلك أن رفض كثير من اليهود الديانة اليهودية، وتمسكوا بديانة اليونانيين. # ثم استولى الرومانيين على فلسطين. وجرت حروب هائلة بينهم وبين اليهود، ~~أفضى الأمر إلى تسلط الرومانيين عليهم. وتملكوا بيت المقدس. وهدم تيطس، أحد ~~ملوكهم، الهيكل إلى أساسه. وأحرق كتب اليهود وتشتت أمرهم، ولم يبق لهم ملك ~~ولا رئاسة بعده وزعموا أن ذلك بعد رفع المسيح بنحو أربعين سنة، وزعموا أن ~~الهيكل تراجع للعمارة ورمم، إلى أن سارت هيلانة، أم قسطنطين إلى القدس وبنت ~~كنيسة على القبر، الذي يزعم النصارى أنه قبر المسيح. وخربت الهيكل وأمرت أن ~~تلقي فيه قمامات البلد وزبالته فصار موضع الصخرة مزبلة. وبقي كذلك حتى قدم ~~عمر بن الخطاب ms3024 رضي الله عنه وفتح القدس. فأمر بتنظيفه وبنى في قبلته مسجدا، ~~إلى أن ملك الوليد بن عبد الملك، فجدد بناءه على أساسه القديم وبنى قبة ~~الصخرة. # وتفصيل هذه الماجريات معروفة في كتب التاريخ. ونحن لم نورد ما أوردناه ~~على أنه تفسير للآية. لأنها بإيجازها غنية عنه، وفي تفسيرنا لألفاظها كفاية ~~في فهمها، إلا أن أكثر المفسرين تطرفوا لبعض ما جريات اليهود هنا، فنقحنا ~~منها أحسن ما حرره المؤرخون المتأخرون، إيضاحا لأفاعيلهم التي أشارت إليها ~~الآيات الكريمة. # وقد قدمنا في سورة يوسف أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص ~~وأخبار. وإنما هي الآيات في العبر تجلت في سياق الوقائع. ولذلك لم تذكر قصة ~~بتفاصيلها. وإنما يذكر موضع العبرة فيها. كما قال تعالى: لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب [يوسف: 111] . # ثم بين تعالى مزية التنزيل الكريم التي فاق بها سائر ما أنزل، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 9] # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا (9) # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم أي للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها ~~أو للملة، أو للطريقة. # PageV06P445 # قال الزمخشري: وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع ~~الحذف لما في إبهام الموصوف بحذفه، من فخامة تفقد مع إيضاحه. # ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا أي يبشر ~~المخلصين في إيمانهم، وهم الذين يعملون الصالحات كلها، ويجتنبون السيئات أن ~~لهم في الدنيا والآخرة ثوابا وافرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 10 الى 11] # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الإنسان ~~بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي بالبعث والجزاء على الأعمال أعتدنا لهم ~~عذابا أليما أي في الآخرة، وهو عذاب النار. # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير أي مثل دعائه بالخير وكان الإنسان عجولا ~~قال أبو السعود: الآية بيان لحال المهدي إثر بيان حال ms3025 الهادي. وإظهار لما ~~بينهما من التباين. والمراد بالإنسان الجنس، أسند إليه حال بعض أفراده. أو ~~حكى عنه حاله في بعض أحيانه. فالمعنى، على الأول: أن القرآن يدعو الإنسان ~~إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير. ويحذره من الشر الذي لا شر ~~وراءه من العذاب الأليم، وهو- أي بعض منه وهو الكافر- يدعو لنفسه بما هو ~~الشر من العذاب المذكور، إما بلسانه حقيقة كدأب من قال: اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ~~[الأنفال: 32] ، ومن قال: # فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين [الأعراف: 70] ، إلى غير ذلك مما حكى ~~عنهم- وإما بأعمالهم السيئة المفضية إليه، الموجبة له مجازا. كما هو ديدن ~~كلهم. # وقوله: وكان الإنسان عجولا يعني بالإنسان من أسند إليه الدعاء المذكور من ~~أفراده. عجولا يسارع إلى طلب ما يخطر بباله، متعاميا عن ضرره. أو مبالغا في ~~العجلة يستعجل العذاب وهو آتيه لا محالة. ففيه نوع تهكم به. وعلى تقدير حمل ~~الدعاء على أعمالهم، تحمل العجولية على اللج والتمادي في استيجاب العذاب ~~بتلك الأعمال. # وعلى الثاني: أن القرآن يدعو الإنسان إلى ما هو خير. وهو في بعض أحيانه، ~~كما عند الغضب، يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شر. وكان # PageV06P446 # الإنسان بحسب جبلته عجولا ضجرا لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه. أو ~~يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيرا. وكان الإنسان عجولا غير متبصرا لا يتدبر في ~~أموره حق التدبر ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به، وما هو شر جدير ~~بالاستعاذة منه. انتهى. # ثم أشار تعالى إلى بعض وجوه الهداية في القرآن، بالإرشاد إلى مسلك ~~الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية، التي كل منها برهان نير لا ريب فيه. ~~ومنهاج بين لا يضل من ينتحيه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 12] # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ms3026 ~~(12) # وجعلنا الليل والنهار آيتين أي جعلناهما، بهيئاتهما وتعاقبهما واختلافهما ~~في الطول والقصر، علامتين تدلان على أن لهما خالقا حكيما: فمحونا آية الليل ~~أي بجعلها مظلمة وجعلنا آية النهار مبصرة أي مضيئة لتمييز الأشياء ~~المحسوسة. # والإضافة فيهما إما بيانية، أي الآية التي هي الليل والآية التي هي ~~النهار. وإما حقيقية. # وآية الليل والنهار نيراهما. والمراد بمحو القمر خلقه مطموس النور في ~~نفسه. أو نقص ما استفاده من الشمس شيئا فشيئا إلى المحاق. وبجعل الشمس ~~مبصرة إبداعها مضيئة بالذات. ذات أشعة تبصر بها الأشياء، فالإسناد في ~~(مبصرة) مجازي إلى السبب العادي، أو تجوز بعلاقة السبب. وقوله تعالى: ~~لتبتغوا فضلا من ربكم متعلق ب (جعلنا) أي لتطلبوا في النهار رزقا منه ~~سبحانه بالانتشار للمعاش والصناعات والأعمال والأسفار. ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب أي الحساب المتعلق بما في ضمن السنين من الأشهر والليالي والأيام، ~~أو الحساب الجاري في المعاملات، كالبيوع والإجارات. وفي العبادات، أي لتعرف ~~مضي الآجال المضروبة لذلك. إذ لو لاه لما علم أحد حسبان الأوقات ولتعطلت ~~الأمور. # قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل في علم المواقيت والهيئة ~~والتاريخ. وفي الآية لف ونشر غير مرتب. انتهى. # وقوله تعالى: وكل شيء أي مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم فصلناه ~~تفصيلا أي بيناه في القرآن بيانا بليغا لا التباس معه. كقوله تعالى: ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل: 89] ، فظهر كونه هاديا للتي هي أقوم ~~ظهورا بينا. # PageV06P447 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 13 الى 15] # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا (15) # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه أي ألزمناه عمله الصادر منه باختياره ~~خيرا وشرا، بحيث لا يفارقه أبدا. بل يلزمه لزوم الطوق في العنق، لا ينفك ~~عنه بحال. # قال الطبري: المعنى: وكل إنسان ألزمناه ما قضي أنه ms3027 عامله، وهو صائر إليه ~~من شقاء أو سعادة بعمله، في عنقه لا يفارقه. وإنما قوله: ألزمناه طائره في ~~عنقه مثل لما كانت العرب تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها. # وذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن ~~يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر، اعتبروا أحوال الطير: وهو ~~أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه. وإذا طار فهل يطير متيامنا أو متياسرا ~~أو صاعدا إلى الجو، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها، ويستدلون ~~بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة، فلما كثر ذلك ~~منهم، سمي الخير والشر بالطائر، تسمية للشيء باسم لازمه. # قال الطبري: فأعلمهم جل ثناؤه أن كل إنسان منهم قد ألزمه ربه طائره في ~~عنقه، نحسا كان ذلك الذي ألزمه من الطائر وشقاء يورده سعيرا أو كان سعدا ~~يورده جنان عدن. وإنما أضيف إلى العنق ولم يضف إلى اليد أو غيرها من أعضاء ~~الجسد، قيل لأن العنق هو موضع السمات وموضع القلائد والأطوقة وغير ذلك مما ~~يزين أو يشين، فجرى كلام العرب بنسبة الأشياء اللازمة ببني آدم وغيرهم من ~~ذلك، إلى أعناقهم. وكثر استعمالهم ذلك حتى أضافوا الأشياء اللازمة سائر ~~الأبدان إلى الأعناق. # كما أضافوا جنايات أعضاء الأبدان إلى اليد، فقالوا: ذلك بما كسبت يداه. ~~وإن كان الذي جر عليه لسانه أو فرجه. فكذلك. قوله: ألزمناه طائره في عنقه ~~وحاصله- كما قاله الرزي- أن قوله: في عنقه كناية عن اللزوم. كما يقال: ~~(جعلت هذا في عنقك) أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به. ويقال: (قلدتك ~~كذا وطوقتك كذا) أي صرفته إليك وألزمته إياك. ومنه (قلده السلطان كذا) أي ~~صارت الولاية، # PageV06P448 # في لزومها له، في موضع القلادة ومكان الطوق. ومنه يقال (فلان يقلد فلانا) ~~أي يجعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه. وقوله تعالى: ونخرج له ~~أي نظهر له يوم القيامة أي البعث للجزاء على الأعمال كتابا يلقاه منشورا أي ~~يجده مفتوحا فيه حسناته وسيئاته. ويقال له: ms3028 اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا أي شهيدا بما عملت. # قال القاشاني: كتابا هيكلا مصورا يصور أعماله يلقاه منشورا لظهور تلك ~~الهيئات فيه بالفعل مفصلة، لا مطويا كما كان عند كونها فيه بالقوة. يقال ~~له: # اقرأ كتابك أي اقرأه قراءة المأمور الممتثل لأمر آمر مطاع يأمره ~~بالقراءة. أو تأمره القوى الملكوتية. سواء كان قارئا أو غير قارئ. لأن ~~الأعمال هناك ممثلة بهيئاتها وصورها، يعرفها كل أحد. لا على سبيل الكتابة ~~بالحروف فلا يعرفها الأمى كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا لأن نفسه تشاهد ما ~~فعلته لازما إياها، نصب عينها، مفصلا لا يمكنها الإنكار. # وقوله تعالى: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه قال أبو السعود: فذلكة لما تقدم ~~من بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطرائق، ولزوم الأعمال لأصحابها. أي من ~~اهتدى بهدايته، وعمل بما فيه تضاعيفه من الأحكام، وانتهى عما نهاه عنه، ~~فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه، لا تتخطاه إلى غيره ممن لا يهتدي ومن ~~ضل أي عن الطريقة التي يهديه إليها: فإنما يضل عليها أي وبال ضلاله عليها، ~~لا على من عداه ممن لم يباشره. فقوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى مؤكد لما ~~قبله للاهتمام به. # قال أبو السعود: أي لا تحمل نفسه حاملة للوزر، وزر نفس أخرى، حتى يمكن ~~تخلص النفس الثانية عن وزرها. ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم. بل ~~إنما تحمل كل منهما وزرها. وهذا تحقيق لمعنى قوله عز وجل: وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه وأما ما يدل عليه قوله تعالى: من يشفع شفاعة حسنة ~~يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها [النساء: 85] ، ~~وقوله تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم [النحل: 25] ، من حمل الغير وزر الغير، وانتفاعه بحسنته، وتضرره ~~بسيئته، فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه، وتضرر بسيئته. فإن جزاء الحسنة ~~والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له. وإنما الذي يصل إلى من يشفع، جزاء ~~شفاعته، لا جزاء أصل الحسنة والسيئة. وكذلك جزاء الضلال مقصور ms3029 على الضالين. ~~وما يحمله المضلون، إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء الضلال. # PageV06P449 # وإنما خص التأكيد بالجملة الثانية قطعا للأطماع الفارغة. حيث كانوا ~~يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق، فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم. ~~انتهى. # وقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا بيان للعناية الربانية، إثر ~~بيان اختصاص آثار الهداية والضلال بأصحابها، وعدم حرمان المهتدي من ثمرات ~~هدايته، وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها. أي: وما صح وما استقام منا، بل ~~استحال في سنتنا المبنية على الحكم البالغة، أن نعذب قوما حتى نبعث إليهم ~~رسولا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال، لإقامة الحجة وقطعا للعذر. ~~والعذاب أعم من الدنيوي والأخروي، لقوله تعالى: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من ~~قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ~~[طه: 134] وقال تعالى: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير [الملك: 8- ~~9] ، وكذا قوله: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا، حتى إذا جاؤها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ~~[الزمر: 71] ، وقال تعالى: # وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، فذوقوا فما للظالمين من نصير [فاطر: ~~37] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى لا يعذب قوما عذاب ~~استئصال، ولا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسل. قال قتادة: إن الله ~~تعالى لا يعذب أحدا حتى يتقدم إليه بخبر أو بينة. ولا يعذب أحدا إلا بذنبه. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 16] # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا (16) # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا # بيان لوقوع التعذيب ms3030 بعد الرسالة. وأنه إنما كان للتمرد على الرسل والتنكب ~~عن منهجهم. وقد تدل الآية على أن التعذيب المتقدم مراد به الهلاك الدنيوي ~~لانحصارها فيه. والمعنى: إذا أردنا أن نعذب قوما عذاب استئصال أمرنا ~~مترفيها # يعني متنعميها، بالطاعة على لسان الرسول المبعوث إليهم ففسقوا فيها # بمخالفة أمره تعالى والخروج عن طاعته فحق عليها القول # فوجب عليها، بمعصيتهم وفسقهم وطغيانهم، وعيد الله الذي أوعد من كفر به ~~وخالف رسله، من الهلاك بعد # PageV06P450 # الإعذار والإنذار بالرسل والحجج. فدمرناها تدميرا # أي فخربناها تخريبا لا يكتنه كنهه ولا يوصف. وأهلكنا من كان فيها من ~~أهلها إهلاكا هائلا. كما جرى لبيت المقدس، لما انحرف اليهود عن شرعتهم، على ~~ما قدمنا بيانه، وإنما خص المترفين، وهم الجبارون والملوك والرؤساء، بالذكر ~~مع توجه الأمر إلى الكل، لأنهم الأصل في الخطاب والباقي تبع لهم. ولأن توجه ~~الأمر إليهم آكد. وإنما حذف مفعول أمرنا # لظهور أن المراد به الحق والخير. لا سيما بعد ذكر هداية القرآن لما يهدي ~~إليه. وفي إيثار (القرية) على أهلها زيادة تهويل وتفظيع، إشارة إلى التنكيل ~~بهم بهدم صروحهم ودورهم، وطمس أثرهم، وهو أوجع للقلب وأنكى للعدو. ولذلك ~~أتى إثره بالمصدر المؤكد فقال: تدميرا # أي كليا بحيث لم يبق لهم زرع أو ضرع. # قال القاشاني: إن لكل شيء في الدنيا زوالا. وزواله بحصول استعداد يقتضي ~~ذلك. وكما أن زوال البدن بزوال الاعتدال، وحصول انحراف يبعده عن بقائه ~~وثباته، فكذلك هلاك المدينة وزوالها بحدوث انحراف فيها من الجادة المستقيمة ~~التي هي صراط الله وهي الشريعة الحافظة للنظام. فإذا جاء وقت إهلاك قرية، ~~فلا بد من استحقاقها للإهلاك. وذلك بالفسق والخروج عن طاعة الله. فلما ~~تعلقت إرادته بإهلاكها، تقدمه أولا بالضرورة فسق مترفيها من أصحاب الترف ~~والتنعم بطرا وأشرا بنعمة الله، واستعمالا لها فيما لا ينبغي. وذلك بأمر من ~~الله وقدر منه، لشقاوة كانت تلزم استعداداتهم. وحينئذ وجب إهلاكهم. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 17] # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك ms3031 بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح أي وكثيرا ما أهلكنا من الأمم الكافرة ~~من بعد زمن نوح، كعاد وثمود وفرعون. ممن قصت أنباؤهم في القرآن العظيم ومن ~~لم تقص. والقرون جمع قرن يطلق على الزمن المعين وعلى أهله المقترنين فيه، ~~وعلى كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد. وخص نوح ولم يقل (من بعد آدم) لأنه أول ~~رسول آذاه قومه فاستأصلهم العذاب. ففيه تهديد وإنذار للمشركين. # وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا أي لا يخفى عليه شيء منها. فيدرك سرها ~~وعلنها وسيجازي عليها. # والآية تدل- كما قال الزمخشري: على أن الذنوب هي أسباب الهلكة، وذلك لأنه ~~لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علما أتم، دل على أنه جازاهم بها. # PageV06P451 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى # 19] # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا. # أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي. لا يوقن ~~بمعاد ولا يرجو ثوابا ولا عقابا من ربه على عمله، عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد. # أي ما نشاؤه من بسط الدنيا عليه أو تقتيرها لمن أراد الله أن يفعل به ~~ذلك. أو من إهلاكه بما يشاء تعالى من عقوباته المعجلة. ثم يصلي جهنم في ~~الآخرة مذموما على قلة شكره لمولاه، وسوء صنيعه فيما سلف له. مدحورا مطرودا ~~من الرحمة، مبعدا مقصيا في النار. ومن أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل ~~عملها الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه، فأولئك كان عملهم مشكورا بحسن ~~الجزاء. ### | تنبيه: # قال القفال رحمه الله: هذه الآية داخلة في معنى قوله: وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه فالآية ms3032 الأولى تشير إلى من جعل طائر نفسه شؤما. والثانية لمن ~~جعله يمنا وخيرا. وفي قوله تعالى: وسعى لها سعيها أي ما يحق ويليق بها من ~~الأعمال الصالحة، تبيين لقوله: ومن أراد الآخرة بأن إرادتها هو بالسعي ~~والنصب في مغالبة الباطل وإعلاء شأن الحق مع التلبس بالإيمان الصحيح. بفعل ~~المأمور واجتناب المنهي عنه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 20 الى 22] # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) # كلا نمد أي كل واحد من الفريقين. وقوله: هؤلاء وهؤلاء بدل من # PageV06P452 # (كلا) من عطاء ربك أي فضله. فيرزقهما جميعا من رزقه إلى بلوغهما الأمد ~~واستيفائهما الأجل. ما كتب لهما. ثم تختلف بهما الأحوال بعد الممات، وتفترق ~~بهما بعد الورود المصادر. ففريق مريدي العاجلة، إلى جهنم مصدرهم. وفريق ~~مريدي الآخرة، إلى الجنة مآبهم: وما كان عطاء ربك محظورا أي ممنوعا لا ~~يمنعه من عاص لعصيانه. والجملة كالتعليل لشمول الإمداد للفريقين انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض أي في الرزق في الدنيا وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا لأن فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ثم أشار ~~تعالى إلى ما به تنال درجات الآخرة من البراءة من الشرك، ومن الاعتصام ~~بالإيمان وشعبه، بقوله: لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا أي ~~لا تجعل معه شريكا في عبادته فتصير مذموما ملوما على الشرك، مخذولا من ~~الله. يكلك إلى ذاك الشريك ولا ينصرك وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده [آل عمران: 160] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 23 الى 24] # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ms3033 صغيرا (24) # وقضى ربك أي أمر أمرا مقطوعا به ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~أي: وبأن تحسنوا بالوالدين إحسانا. قال القاشاني: قرن سبحانه وتعالى إحسان ~~الوالدين بالتوحيد وتخصيصه بالعبادة، لكونهما مناسبين للحضرة الربوبية، ~~لتربيتها إياك عاجزا صغيرا ضعيفا لا قدرة لك ولا حراك بك. وهما أول مظهر ~~ظهر فيه آثار صفات الله تعالى من الإيجاد والربوبية. والرحمة والرأفة ~~بالنسبة إليك. ومع ذلك فإنهما محتاجان إلى قضاء حقوقهما، والله غني عن ذلك. ~~فأهم الواجبات بعد التوحيد، إذا، إكرامهما والقيام بحقوقهما ما أمكن إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا في هذا من المبالغة في إكرام الوالدين وبرهما ما لا يخفى. وإما هي ~~(إن) الشرطية زيدت عليها (ما) تأكيدا لها. # وأحدهما فاعل (يبلغن) وكلاهما عطف عليه. ومعنى عندك هو أن يكبرا ويعجزا، ~~وكانا كلا على ولدهما، ولا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه. وذلك ~~أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا. وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه، # PageV06P453 # في حال الطفولة. فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب ~~والاحتمال. حتى لا يقول لهما، إذا أضجره ما يستقذر منهما، أو يستثقل من ~~مؤنهما: أف فضلا عما يزيد عليه. أفاده الزمخشري. # وقوله: ولا تنهرهما أي تزجرهم عما لا يعجبك، بغلظة وقل لهما بدل التأفيف ~~والنهر قولا كريما أي حسنا كما يقتضيه حسن الأدب معهما. ومعنى قوله: واخفض ~~لهما جناح الذل # تذلل لهما وتواضع. وفيه استعارة مكنية وتخييلية. فشبه الذل بطائر تشبيها ~~مضمرا، وأثبت له الجناح تخييلا، والخفض ترشيحا. و (خفضه) ما يفعله إذا ضم ~~أفراخه للتربية. أو استعارة تصريحية في المفرد وهو الجناح، والخفض ترشيح. و ~~(الجناح) الجانب كما يقال (جناحا العسكر) وخفضه مجاز. كما يقال (لين ~~الجانب) و (منخفض الجانب) وإضافة الجناح إلى الذل للبيان. لأن صفة مبينة. ~~أي جناحك الذليل. وفيه مبالغة لأنه وصف بالمصدر. # فكأنه جعل الجناح ms3034 عين الذل. أو التركيب استعارة تمثيلية. فيكون مثلا ~~لغاية التواضع. وسر ذكر الجناح وخفضه، تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس. ومن من ~~قوله تعالى: من الرحمة ابتدائية على سبيل التعليل. أي من فرط رحمتك لهما، ~~وعطفك عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم، إلى من كان أفقر خلق الله إليهما ~~بالأمس. وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا له، غاية في الضراعة والمسكنة. ~~فيرحمه أشد رحمة. كما قال الخفاجي: # يا من أتى يسأل عن فاقتي ... ما حال من يسأل من سائله؟ # ما ذلة السلطان إلا إذا ... أصبح محتاجا إلى عامله # وقوله تعالى: وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي رب! تعطف عليهما برحمتك ~~ومغفرتك، كما تعطفا علي في صغري، فرحماني وربياني صغيرا حتى استقللت بنفسي، ~~واستغنيت عنهما. # قال الزمخشري: أي لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله بأن ~~يرحمهما رحمته الباقية. واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما ~~لك. والكاف للتعليل. أي لأجل تربيتهما لي. # قال الطيبي: الكاف لتأكيد الوجود. كأنه قيل: رب ارحمهما رحمة محققة ~~مكشوفة لا ريب فيها كقوله: مثل ما أنكم تنطقون [الذاريات: 23] ، وهو وجه ~~حسن. # PageV06P454 ### | تنبيه: # استحب بعض السلف أن يدعو المرء لوالديه في أواخر التشهد قبيل السلام، ~~لأنه وقت فاضل. وقد جمعت من الأدعية المأثورة للوالدين المتوفيين أو ~~أحدهما، جملة ضممتها لكتابي (الأوراد المأثورة) . لا أزال أدعو لهما بما في ~~السحر أو بين أذان الفجر وإقامة صلاته، لما أرى من مزية هذا الوقت على ~~غيره. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 25 الى 27] # ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) ~~وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) # ربكم أعلم بما في نفوسكم أي ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين والعقوق إن ~~تكونوا صالحين أي قاصدين للصلاح والبر دون العقوق فإنه كان للأوابين أي ~~التوابين الرجاعين إليه تعالى بالندم عما فرط منهم، والاستقامة على المأمور ~~غفورا ms3035 أي لهم ما اكتسبوا. ولا يخفى ما في صدر الآية من الوعد لمن أضمر ~~البر. والوعيد لمن أضمر الكراهة والاستثقال والعقوق. # قيل: الآية استئناف يقتضيه مقام التأكيد والتشديد. كأنه قيل: كيف يقوم ~~بحقهما وقد تبدر بوادر؟ قفيل: إذا بنيتم الأمر على الأساس، وكان المستمر ~~ذلك، ثم اتفقت بادرة من غير قصد إلى المساءة، فلطف الله يحجز دون عذابه. ~~ويجوز- كما قال الزمخشري- أن يكون هذا عاما لكل من فرطت منه جناية ثم تاب ~~منها. # ويندرج تحته الجاني على أبويه، التائب من جنايته، لوروده على أثره. ثم ~~وصى تعالى بغير الوالدين من الأقارب، بعد الوصية بهما، بقوله سبحانه: وآت ~~ذا القربى حقه أي من صلته وحسن المعاشرة والبر له بالاتفاق عليه. # قال المهايمي: لم يقل (القريب) لأن المطلق ينصرف إلى الكامل. والإضافة، ~~لما كانت لأدنى الملابسة، صدق (ذو القربى) على كل من له قرابة ما. # والمسكين أي الفقير من الأباعد. وفي الأقارب مع الصدقة صلة الرحم. وابن ~~السبيل أي المسافر المنقطع به. أي أعنه وقوه على قطع سفره. ويدخل فيه ما ~~يعطاه من حمولة أو معونة أو ضيافة. فإن ذلك كله من حقه ولا تبذر تبذيرا أي ~~بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم أو مكروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه # PageV06P455 # إحسانا إلى نفسك أو غيرك. أفاده المهايمي. وفي (الكشاف) : كانت الجاهلية ~~تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في ~~أشعارها. فأمر الله بالنفقة في وجوهها. مما يقرب منه ويزلف. # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين أي أمثالهم في كفران نعمة المال بصرفه ~~فيما لا ينبغي. وهذا غاية المذمة لأن لا شر من الشيطان. أو هم إخوانهم ~~أتباعهم في المصادقة والإطاعة. كما يطيع الصديق صديقه والتابع متبوعه، أو ~~هم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد. والجملة تعليل المنهي عنه عن ~~التبذير، ببيان أنه يجعل صاحبه مقرونا معهم. وقوله: وكان الشيطان لربه ~~كفورا من تتمة التعليل. قال أبو السعود: أي مبالغا في كفران نعمته تعالى. ~~لأن شأنه أن يصرف جميع ما ms3036 أعطاه الله تعالى من القوى، أي مبالغا في كفران ~~نعمته تعالى. لأن شأنه أن يصرف جميع ما أعطاه الله تعالى من القوى، إلى غير ~~ما خلقت له من أنواع المعاصي. والإفساد في الأرض، وإضلال الناس، وحملهم على ~~الكفر بالله وكفران نعمه الفائضة عليهم، وصرفها إلى غير ما أمر الله تعالى ~~به. وتخصيص هذا الوصف بالذكر. من بين سائر أوصافه القبيحة، للإيذان بأن ~~التبذير، الذي هو عبارة عن صرف نعم الله تعالى إلى غير مصرفها، من باب ~~الكفران، المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له. والتعرض ~~لوصف الربوبية للإشعار بكمل عتوه. فإن كفران نعمة الرب، مع كون الربوبية من ~~أقوى الدواعي إلى شكرها، غاية الكفران ونهاية الضلال والطغيان. انتهى. # وقد استدل بالآية من منع إعطاء المال كله في سبيل الخير، ومن منع الصدقة ~~بكل ماله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 28] # وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) # وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا أي وإن ~~أن أعرضت عن ذوي القربى والمسكين وابن السبيل، حياء من الرد، لانتظار رزق ~~من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، فلا تؤيسهم وقل لهم قولا لينا سهلا، وعدهم ~~وعدا جميلا. قال في (الكشف) : (ابتغاء) أقيم مقام فقدانه. وفيه لطف. فكأن ~~ذلك الإعراض لأجل السعي لهم. وهو من وضع المسبب موضع السبب. فإن الفقد سبب ~~للابتغاء. # PageV06P456 # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية الأمر بالقول اللين عند عدم ~~وجود ما يعطى منه، وفسره ابن زيد بالدعاء. والحسن وابن عباس بالعدة. انتهى. # وظاهر، أن القول الميسور يشمل الكل. وذهب المهايمي إلى أن الآية في منعهم ~~خوفا من أن يصرفوه فيما لا ينبغي. قال: أي وإن تحقق إعراضك عمن تريد ~~الإحسان إليهم، طلب رحمة من ربك في المنع عنهم لئلا يقعوا في التبذير، بصرف ~~المعطي إلى شرب الخمر أو الزنى، لما عرفت من عاداتهم، فقل لهم في الدفع ~~قولا سهلا ms3037 عليهم، إحسانا إليهم بدل العطاء. انتهى. # ولم أره لغيره. والنظم الكريم يحتمله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 29] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك أي لا تمسك يدك عن النفقة والعطية لمن له ~~حق ممن تقدم، بمنزلة المشدودة يده إلى عنقه، الذي لا يقدر على الأخذ بها ~~والإعطاء ولا تبسطها كل البسط أي بالتبذير والسرف. قال ابن كثير: أي لا ~~تسرف في الإنفاق فتعطي غير طاقتك وتخرج أكثر من دخلك فتقعد أي فتبقى ملوما ~~يلومك الفقراء والقرابة محسورا أي نادما، من (الحسرة) أو منقطعا بك لا شيء ~~عندك من (حسرة السفر) إذا بلغ منه الجهد وأثر فيه. # وفي النهيين استعارتان تمثيليتان شبه في الأولى فعل الشحيح في منعه، بمن ~~يده مغلولة لعنقه، بحيث لا يقدر على مدها. # وفي الثانية، شبه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئا. وهو ظاهر. # وجعل ابن كثير قوله تعالى: فتقعد ملوما محسورا من باب اللف والنشر ~~المرتب. # قال: أي فتقعد، إن بخلت، ملوما يلومك الناس ويذمونك. ويستغنون عنك كما ~~قال زهير في المعلقة: # ومن كان ذا مال فيبخل بماله ... على قومه يستغن عنه ويذمم # ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير. # وهي الدابة التي عجزت عن السير، فوقفت ضعفا وعجزا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 30] # إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يوسعه ويضيقه، حسب مشيئته # PageV06P457 # وحكمته إنه كان بعباده خبيرا بصيرا أي خبيرا ببواطنهم، بصيرا بظواهرهم. # قال المهايمي: ولما وجب إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل، لحفظ ~~أرواحهم، فالأولاد بحفظ الأرواح أولى، لذلك قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 31] # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم نهي لهم عما ms3038 كانوا ~~يفعلونه في الجاهلية من قتلهم أولادهم. وهو وأدهم بناتهم. أي دفنهن في ~~الحياة. # كانوا يئدونهن خشية الفاقة وهي الإملاق والفقر، بالإنفاق عليهم إذا ~~كبروا. فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم بقوله: نحن نرزقهم أي نحن المختصون ~~بإعطاء رزقهم في الصغر والكبر، وقوله تعالى: وإياكم أي الآن بإغنائكم. ~~وقوله تعالى: إن قتلهم أي للإملاق الحاضر والخشية في المستقبل كان خطأ ~~كبيرا أي لإفضائه إلى تخريب العالم. وأي خطء أكبر من ذلك. ### | تنبيه: # دل قوله تعالى: خشية إملاق على أن ذلك هو الحامل لهم على الوأد، لا خوف ~~العار كما زعموا. قال المبرد في (الكامل) : كانت العرب في الجاهلية تئد ~~البنات. ولم يكن هذا في جميعها. إنما كان في تميم بن مر، وقيس، وأسد، ~~وهذيل، وبكر بن وائل. # ثم قال: ودل على ما من أجله قتلوا البنات فقال: ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق وقال: ولا يقتلن أولادهن [الممتحنة: 12] ، فهذا خبر بين أن ذلك ~~للحاجة. وقد روى بعضهم أنهم إنما فعلوا ذلك أنفة. وذكر أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى أن تميما منعت النعمان الإتاوة. فوجه إليهم أخاه الريان بن المنذر، ~~فاستاق النعم وسبى الذراري. فوفدت إليه بنو تميم. فلما رآها أحب البقيا. ~~فأناب القوم وسألوه النساء. فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردت إليه، ~~وإن اختارت صاحبها تركت عليه. فكلهن اختار أباها إلا ابنة القيس بن عاصم ~~فإنها اختارت صاحبها عمرو ابن المشمرج. فنذر قيس ألا تولد له ابنة إلا ~~قتلها. فهذا شيء يعتل به من وأد، ويقول: فعلناه أنفة، وقد أكذب ذلك بما ~~أنزل الله تعالى في القرآن. # وقال ابن عباس رحمه الله (في تأويل هذه الآية) : وكانوا لا يورثون ولا # PageV06P458 # يتخذون إلا من طاعن بالرمح ومنع الحريم، يريد الذكران. والخطأ كالإثم، ~~لفظا ومعنى. ولما نهى عن قتل الأولاد، نهى عن قطع النسل بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 32] # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة أي فعلة قبيحة متناهية ms3039 في القبح. توجب ~~النفرة عن صاحبه، والتفرقة بين الناس وساء سبيلا أي بئس طريقا طريقه. فإنه ~~غصب الأبضاع المؤدي إلى اختلاف أمر الأنساب، وهيجان الفتن غصبا من غير سبب. ~~والسبب ممكن. وهو الصهر الذي شرعه الله، وقال المهايمي: ساء سبيلا لقضاء ~~الشهرة التي خلقت لطلب النسل، بتضييعه. ثم ذكر ما هو أعظم في التنفير، ~~والتفرقة فقال تعالى مجده: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 33] # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله أي قتلها وهي نفس الإنسان إلا بالحق أي ~~إلا بسبب الحق، فيتعلق ب لا تقتلوا أو حال من فاعل (لا تقتلوا) أو من ~~مفعوله. # وجوز تعلقه ب (حرم) أي حرم قتلها إلا بالحق. وحقها أن لا تقتل إلا بكفر ~~بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قودا بنفس ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا أي ومن قتل بغير حق، مما تقدم، ~~فقد جعلنا لوليه، الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه سلطانا أي ~~تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه. أو حجة يثب بها عليه، وحينئذ فلا يسرف ~~في القتل. أي فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة ~~الجاهلية. كان إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة. وقوله: إنه كان منصورا ~~تعليل للنهي. والضمير للولي. يعني: حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له ~~القصاص، فلا يستزد على ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 34] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) # PageV06P459 # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن أي لا تتصرفوا في ماله إلا ~~بالطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره وإصلاحه. وقوله تعالى: حتى ~~يبلغ أشده غاية جواز التصرف على الوجه الحسن: أي حتى يبلغ وقت اشتداده في ~~العقل وتدبير ماله ms3040 وصلاح حاله في دينه وأوفوا بالعهد أي العقد الذي تعاقدون ~~به الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضا. والبيوع ~~والأشربة والإجارات ونحوها إن العهد كان مسؤلا أي مطلوبا. يطلب من المعاهد ~~الثبات عليه، وعدم إضاعته أو: صاحبه مسؤول عن نقضه إياه. والمعنى: لا ~~تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن ~~أعطيتموه إياها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 35] # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ~~(35) # وأوفوا الكيل إذا كلتم أي أتموه إذا كلتم لغيركم ولا تبخسوه وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم أي بالميزان السوي بلا اعوجاج ولا خديعة ذلك خير أي لكم ~~في معاشكم لانتظام أموركم بالعدل، وإيفاء الحقوق أربابها وأحسن تأويلا أي ~~عاقبة ومآلا إذ ليس معه مظلمة يطالب بها يوم القيامة. ثم أمر تعالى برعاية ~~القسطاس المعنوي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 36 الى # 37] # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا (36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ~~(37) # ولا تقف ما ليس لك به علم أي لا تتبعه في قول أو فعل، تسنده إلى سمع أو ~~بصر أو عقل. من (قفا أثره) إذا تبعه. # قال الزمخشري: والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما ~~لا يعلم. ويدخل فيه النهي عن التقليد دخولا ظاهرا، لأنه اتباع لما لا يعلم ~~صحته من فساده، انتهى. # ولا يخفى ما يندرج تحت هذه الآية من أنواع كثيرة. كمذاهب الجاهلية في ~~الإلهيات والتحريم والتحليل. وكشهادة الزور والقذف ورمي المحصنات الغافلات ~~والكذب وما شاكلها إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا أي كان # PageV06P460 # صاحبها مسؤولا عما نسب إليها يوم القيامة. أو تسأل نفس الأعضاء لتشهد على ~~صاحبها. # قال المهايمي: قدم السمع لأن أكثر ما ينسب الناس أقوالهم إليه. وأخر ~~الفؤاد، لأن منتهى الحواس. ولم يذكر بقيتها لأنه لا يخالفها قول ms3041 أو فعل. # ولا تمش في الأرض مرحا أي مختالا. أي مشية المعجب المتكبر. إذ لا يفيدك ~~قوة ولا علوا. كما قال سبحانه: إنك لن تخرق الأرض أي لن تجعل فيها خرقا ~~بدوسك لها، وشدة وطأتك: ولن تبلغ الجبال طولا أي لن تحاذيها بتطاولك ومد ~~قامتك، كما يفعله المختال تكلفا، وفي هذا تهكم بالمختال، وإيذان بأن ذلك ~~مفاخرة مع الأرض وبعض أجزائها. # قال الناصر: وفي هذا التهكم والتقريع لمن يعتاد هذه المشية، كفاية في ~~الانزجار عنها. ولقد حفظ الله عوام زماننا عن هذه المشية. وتورط فيها ~~قراؤنا وفقهاؤنا. بينا أحدهم قد عرف مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين، أو ~~شد طرفا من رئاسة الدنيا، إذا هو يتبختر في مشيه، ويترجع ولا يرى أنه يطاول ~~الجبال، ولكن يحك بيافوخه عنان السماء، كأنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون. ~~وماذا يفيده أن يقرأ القرآن أو يقرأ عليه، وقلبه عن تدبره على مراحل، والله ~~ولي التوفيق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 38 الى 39] # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) # كل ذلك أي المنهي عنه من قوله: ولا تجعل مع الله إلها آخر إلى هذه ~~الغاية: كان سيئه عند ربك مكروها قال المهايمي: أما الشرك فلإخلاله بالكمال ~~المطلق الذي لا يتصور مع الشرك. وأما عبادة الغير فلما فيها من تعظيمه ~~المخصوص بذي الكمال المطلق فهو في معنى الشرك، وأما العقوق فلأنه كفران ~~نعمة الأبوين في التربية، أحوج ما يكون المرء إليها. ومنع الحقوق بالبخل ~~تفريط، والتبذير والبسط إفراط. وهما مذمومان، والذميم مكروه. والقتل يمنع ~~الحكمة من بلوغها إلى كمالها ... والزنى وإتلاف مال اليتيم في معناه. ونقض ~~العهد مخل بنظام العالم. # وكذا اقتفاء ما لا يعلم. والتكبر من خواص الحق. وعادة الملوك كراهة أن ~~يأخذ أحد من خواصه شيئا: ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة أي مما يحكم ~~العقل بصحته، وتصلح النفس بأسوته. # PageV06P461 # قال ms3042 المهايمي: أي من العلم المحكم الذي لا يتغير بشبهة: ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه. وأنه رأس كل ~~حكمة وملاكها. ومن عدمه لم ينفعه علومه وحكمه. # قال أبو السعود: وقد رتب عليه ما هو عائدة الإشراك أولا حيث قيل: فتقعد ~~مذموما مخذولا ورتب عليه هاهنا نتيجة في العقبى فقيل: فتلقى في جهنم ملوما ~~أي بالجهل العظيم مدحورا أي مبعدا مطرودا من الرحمة. وفي إيراد الإلقاء، ~~مبنيا للمفعول، جري على سنن الكبرياء، وازدراء بالمشرك وجعل له، من قبيل ~~خشبة يأخذها آخذ بكفه، فيطرحها في التنور. انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 40] # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~(40) # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا، إنكم لتقولون قولا ~~عظيما. # خطاب للذين قالوا من مشركي العرب (الملائكة بنات الله) والهمزة للإنكار. # قال الزمخشري: والمعنى: أفخصكم ربكم، على وجه الخلوص والصفاء، بأفضل ~~الأولاد وهم الذكور، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه، واتخذ أدونهم، وهن البنات، ~~وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن وتقتلونهن. فهذا خلاف الحكمة وما ~~عليه معقولكم وعادتكم. فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء، وأصفاها من ~~الشوب، ويكون أردؤها وأدونها للسادات. وقوله تعالى: إنكم لتقولون قولا ~~عظيما أي بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصة المحدثات. ثم بإيثاركم أنفسكم ~~عليه، حيث تجعلون له ما تكرهون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 41 الى # 42] # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) # ولقد صرفنا في هذا القرآن أي كررنا للناس البيان بوجوه كثيرة، وبينا فيه ~~من كل مثل ليذكروا أي ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم وما ~~يزيدهم أي التصريف المذكور إلا نفورا أي عن الحق وبعدا عنه، الذي يقربه ~~وجوه البيان. وقوله تعالى: قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ~~ذي العرش سبيلا # PageV06P462 # أي قل ms3043 لهؤلاء المشركين (الزاعمين أن لله شركاء من خلقه، العابدين معه ~~غيره، ليقربهم إليه زلفى) : لو كان الأمر كما تقولون، وأن معه آلهة تعبد ~~لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه، ~~ويبتغون الزلفى والطاعة لديه، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من ~~دونه. ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه. فإنه لا يحب ذلك ولا ~~يرضاه. بل يكرهه ويأباه. وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه. هذا ~~ما اختاره ابن كثير، وسبقه إليه ابن جرير. # وحاصله: أن السبيل بمعنى الوسيلة الموصلة إليه. وفيه إشارة إلى قياس ~~اقتراني تقريره هكذا: ولو كان كما زعمتم معه آلهة لتقربوا إليه. وكل من كان ~~كذلك ليس إلها، فهم ليسوا بآلهة. وقيل: معنى لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا أي ~~لطلبوا إليه سبيلا بالمغالبة والممانعة، كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض، ~~على طريقة قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] ~~وهذا الوجه قدمه الزمخشري على الأول. وقال أبو السعود: إنه الأظهر الأنسب ~~لقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 43 الى 44] # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما ~~غفورا (44) # سبحانه فإنه صريح في أن المراد بيان أنه يلزم مما يقولونه محذور عظيم، من ~~حيث لا يحتسبون. وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب، فليس مما يختص ~~بهذا التقرير، ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون. بل هو أمر يعتقدونه ~~رأسا. # انتهى. ومعنى سبحانه أي تنزه عن الولد والشريك تنزها حقيقا به وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا أي تعاظم عن ذلك تعاظما كبيرا. فإن مثل هذه الفرية ~~والبهتان، مما يتنزه عنه مقامه الأسمى. # قال الشهاب: وذكر العلو، بعد عنوانه ب (ذي العرش) . في أعلى مراتب ~~البلاغة. وقوله تعالى: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، ms3044 إنه كان حليما غفورا أي تنزه الله، ~~وتقدسه وتجله السموات والأرض ومن فيهن من المخلوقات عما يصفه به المشركون. # وتشهد جميعها له بالوحدانية في إلهيته وربوبيته، كما قال: تكاد السماوات # PageV06P463 # يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # [مريم: ### | 90- 91 # ] ، وقوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم أي ~~لأنها بخلاف لغاتكم. # قال ابن كثير: وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، على أشهر ~~القولين. ثم استدل بما صح من تسبيح الطعام، والحصا، مما خرج في الصحيحين ~~والمسانيد، مما هو مشهور. واختاره الراغب في (مفرداته) وقال: إنه تسبيح على ~~الحقيقة بدلالة قوله: ولكن لا تفقهون تسبيحهم ودلالة قوله: ومن فيهن بعد ~~ذكر السموات والأرض لا يصح أن يكون تقديره (يسبح له من في السموات ويسجد له ~~من في الأرض) لأن هذا من نفقهه، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره،. ثم يعطف ~~عليه بقوله: ومن فيهن والأشياء كلها تسبح له وتسجد بعضها بالتسخير وبعضها ~~بالاختيار. والآية تدل على أن المذكورات تسبح باختيار، لما ذكر من الدلالة. ~~انتهى. # وذهب كثيرون إلى أن التسبيح المذكور مجازي، على طريقة الاستعارة ~~التمثيلية أو التبعية. ك (نطقت الحال) . فإنه استعير فيه للتسبيح للدلالة ~~على وجود فاعل قادر حكيم واجب الوجود منزه عن الولد والشريك، كما يدل الأثر ~~على مؤثره. # فجعلت تلك الدلالة الحالية كأنه تنزيه له عما يخالفه. # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # قالوا: والخطاب في قوله تعالى: ولكن لا تفقهون تسبيحهم للمشركين. أي ~~لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم. وقد بالغ في رد القول الأول ~~واختيار الثاني، الإمام ابن حزم في كتابه (الملل والنحل) ولا بأس بإيراده، ~~لما فيه من الغرائب. # قال رحمه الله في الرد على من قال: (إن في البهائم رسلا) : إنما يخاطب ~~الله تعالى بالحجة من يعقلها. قال الله تعالى: يا أولي الألباب [البقرة: ~~179] ، وقد علمنا بضرورة الحس أن الله تعالى إنما خص بالنطق- الذي هو ~~التصرف في العلوم ومعرفة الأشياء على ms3045 ما هي عليه، والتصرف في الصناعات على ~~اختلافها- الإنسان خاصة. وأضفنا إليهم، بالخبر الصادق، الجن والملائكة. ثم ~~قال رحمه الله وقد قاد السخف بعضهم إلى أن جعل للجمادات تمييزا لمثل قوله ~~تعالى: وإن من شيء إلا # PageV06P464 # يسبح بحمده # ونحوه من الآيات. ولا حجة لهم فيه. لأن القرآن واجب أن يحمل على ظاهره، ~~كذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن خالف ذلك كان عاصيا لله عز ~~وجل، مبدلا لكلماته، ما لم يأت نص في أحدهما، أو إجماع متيقن، أو ضرورة حس ~~على خلاف ظاهره، فيوقف عند ذلك. ويكون من حمله على ظاهره حينئذ ناسبا الكذب ~~إلى الله عز وجل، أو كاذبا عليه وعلى نبيه عليه السلام، نعوذ بالله من كلا ~~الوجهين. # وإذ قد بينا قبل بالبراهين الضرورية أن الحيوان (غير الإنسان والجن ~~والملائكة) لا نطق له. نعني أنه لا تصرف له في العلوم والصناعات. وكان هذا ~~القول مشاهدا بالحس معلوما بالضرورة، لا ينكره إلا وقح مكابر لحسه، وبينا ~~أن كل ما كان بخلاف التمييز المعهود عندنا، فإنه ليس تمييزا. وكان هذا أيضا ~~يعلم بالضرورة والعيان والمشاهدة- فوجب أنه بخلاف ما يسمى في الشريعة ~~واللغة نطقا وقولا وتسبيحا وسجودا. فقد وجب أنها أسماء مشتركة اتفقت ~~ألفاظها. وأما معانيها فمختلفة، لا يحل لأحد أن يحملها على غير هذا. لأنه ~~إن فعل كان مخبرا أن الله تعالى قال ما يبطله العيان والعقل الذي به عرفنا ~~الله تعالى، ولو لاه ما عرفناه. # فاللفظ مشترك والمعنى هو ما قام الدليل عليه، بيان ذلك: أن التسبيح عندنا ~~إنما هو قول (سبحان الله وبحمده) وبالضرورة نعلم أن الحجارة والخشب والهوام ~~والشحرات والألوان لا تقول (سبحان الله بالسين والباء والحاء والألف والنون ~~واللام والهاء) هذا ما لا يشك فيه من له مسكة عقل. فإذ لا شك في هذا، ~~فباليقين علمنا أن التسبيح الذي ذكره الله تعالى هو حق وهو معنى غير ~~تسبيحنا نحن بلا شك. فإذ لا شك في هذا فإن التسبيح في أصل اللغة هو تنزيه ~~الله تعالى ms3046 عن السوء. فإذ قد صح هذا، فإن كل شيء في العالم بلا شك منزه لله ~~تعالى عن السوء الذي هو صفة الحدوث. وفي العالم شيء إلا وهو دال (بما فيه ~~من دلائل الصنعة واقتضائه صانعا لا يشبهه) على أن الله تعالى منزه عن كل ~~سوء ونقص وهذا هو الذي لا يفهمه ولا يفقهه كثير من الناس كما قال تعالى: ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم فهذا هو تسبيح كل شيء بحمد الله تعالى بلا شك. وهذا ~~المعنى حق لا ينكره موحد. فإن كان قولنا هذا متفقا على صحته. وكانت الضرورة ~~توجب أنه ليس هو التسبيح المعهود عندنا، فقد ثبت قولنا وانتفى قول من ~~خالفنا بظنه. # وأيضا فإن الله تعالى يقول: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم والكافر الدهري شيء لا يشك في أنه شيء وهو لا يسبح بحمد الله تعالى # PageV06P465 # البتة فصح ضرورة أن الكافر يسبح، إذ هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد ~~الله تعالى. وإن تسبيحه ليس هو قوله (سبحان الله وبحمده) بلا شك. ولكن ~~تنزيه الله تعالى بدلائل خلقه وتركيبه عن أن يكون الخالق مشبها لشيء مما ~~خلق. وهذا يقيني لا شك فيه. # فصح بما ذكرنا أن لفظة (التسبيح) هي من الأسماء المشتركة، وهي التي تقع ~~على نوعين فصاعدا. انتهى كلامه. # ومحصله نفي أن يكون للجمادات تسبيح وتمييز بالمعنى الموجود في الإنسان. ~~وهو حق لا شبهة فيه ولا يسوغ لأحد إنكاره. إلا أنه لا ينفي أن يكون له ~~تسبيح وفيه تمييز يناسبه. فيرجع الخلاف لفظيا. وقد وافق العلم الحديث الآن- ~~كما قاله بعض الفضلاء- على أن في الجماد أثرا من الحياة. وأن فيه جميع ~~الصفات الجوهرية التي تميز الأحياء. وأن ما فيه في الجواهر الفردة ودقائق ~~المادة ليست ميتة، بل هي عناصر حية متحركة لها صورة من صور الحياة الدنيا ~~المشاهدة في جميع أنواع المادة مثل الجذب والدفع. والتأثر بالمؤثرات ~~الخارجية، وتغير قوة التوازن، وتجمع الدقائق على أشكال منتظمة، طبقا ~~لتراكيب محدودة. وإفراز مركبات كيماوية مختلفة. وبالجملة ms3047 فما يقوله العلم ~~الجديد عن مشابهة الأجسام غير الحية للأجسام الحية يطابق تصورات الأقدمين ~~والشعراء في ذلك. انتهى. # وقوله تعالى: إنه كان حليما غفورا أي حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. مع كفرهم ~~وقصورهم في النظر. ولو تابوا لغفر لهم ما كان منهم. # ثم مثل تعالى حالة المشركين مع التنزيل الكريم، حينما يقرؤه عليهم ~~الرسول، صلوات الله عليه، يدعوهم إلى العمل بما فيه من التوحيد، ورفض الشرك ~~وغير ذلك من ضلالهم، بمن طمس على بصيرته وبصره وسمعه، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 45] # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(45) # وإذا قرأت القرآن أي على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أي لا يصدقون بالبعث ولا يقرون بالثواب والعقاب، جزاء على الأعمال ~~حجابا مستورا أي من الجهل وعمى القلب. فيحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقرؤه ~~عليهم فينتفعوا به، عقوبة منا لهم على كفرهم. # PageV06P466 # ومعنى كون الحجاب مستورا، أي عن العيون، فلا تدركه أبصارهم. وعن الأخفش: ~~إن (مفعولا) يرد بمعنى (فاعل) كميمون ومشؤوم بمعنى يامن وشائم. # كما أن (فاعلا) يرد بمعنى (مفعول) كماء دافق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 46] # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) # وجعلنا على قلوبهم أكنة أي أغطية كثيرة، جمع (كنان) أن يفقهوه أي كراهة ~~أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا أي صمما يمنعهم من استماعه. وذلك ما يتغشاها من ~~خذلان الله تعالى إياها، عن فهم ما يتلى عليهم والإنصات له. # قال أبو السعود: هذه تمثيلات معربة عن كمال جهلهم بشئون النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن الكريم، ومج أسماعهم له، جيء بها ~~بيانا لعدم فقههم لتسبيح لسان المقال، إثر بيان عدم فقههم لتسبيح لسان ~~الحال. وإيذانا بأن هذا التسبيح من الظهور بحيث لا يتصور عدم فهمه، إلا ~~لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها. تنبيها على أن ms3048 حالهم هذا أقبح من حالهم ~~السابق. # وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده أي غير مشفوع بذكره ذكره شيء من آلهتهم ~~ولوا على أدبارهم نفورا أي هربا من استماع التوحيد. قال القاشاني: # لتشتت أهوائهم، وتفرق همهم في عبادة متعبداتهم، من أصنام الجسمانيات ~~والشهوات. فلا يناسب بواطنهم معنى الوحدة لتألفها بالكثرة واحتجابها بها. ~~ثم أخبر تعالى عما يتناجى به المشركون، رؤساء قريش، بقوله متوعدا لهم: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 47 الى # 48] # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا (48) # نحن أعلم بما يستمعون به أي بسببه أو لأجله من الهزء والاستخفاف واللغو ~~إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ~~أي # PageV06P467 # سحر، فجن فاختلط كلامه انظر كيف ضربوا لك الأمثال أي مثلوك بالشاعر ~~والساحر والمجنون فضلوا أي عن الحق والهداية بك فلا يستطيعون سبيلا أي فلا ~~يهتدون لطريق الحق لضلالهم عنه وبعدهم منه. وأن الله قد خذلهم عن إصابته. # أو المعنى فلا يستطيعون سبيلا إلى طعن يمكن أن يقبله أحد، بل يخبطون بما ~~لا يرتاب في بطلانه أحد. كالمتحير في أمره لا يدري ماذا يصنع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 49 الى # 52] # وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا ~~حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) # وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا وهو ما بلي وتفتت أإنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا، قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي يعظم في ~~نفوسكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه. فإنه يحييكم ولا ~~يعجزه بعثكم. # فكيف، إذا كنتم عظاما مرفوتة ms3049 وقد كانت موصوفة بالحياة قبل، والشيء أقبل ~~لما عهد فيه مما لم يعهد فسيقولون أي بعد لزوم الحجة عليهم من يعيدنا، قل ~~الذي فطركم أول مرة، فسينغضون إليك رؤسهم أي يحركونها برفع وخفض، تعجبا ~~واستهزاء ويقولون متى هو أي ما ذكرته من الإعادة قل عسى أن يكون قريبا، يوم ~~يدعوكم فتستجيبون أي يوم يبعثكم فتنبعثون. قال القاضي: استعار لهما الدعاء ~~والاستجابة. للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما. وإن المقصود منهما الإحضار ~~للمحاسبة والجزاء. انتهى. # وقيل: إنهما حقيقة كما في آية: يوم يناد المناد من مكان قريب [ق: # 41] ، وفي قوله: يوم يدعوكم وجوه للمعربين. ككونه بدلا من (قريبا) على ~~أنه ظرف. أو منصوب ب (يكون) أو بمقدر ك (اذكر) أو (تبعثون) وقوله تعالى: # بحمده أي وله الحمد على ما أحضركم للجزاء وتحقق وعده الصدق وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا أي تستقصرون مدة لبثكم في القبور والمضاجع لذهولكم عن ذلك ~~الزمان. أو في الحياة الأولى، لاستقصاركم إياها، بالنسبة إلى الحياة ~~الآخرة. # PageV06P468 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 53 الى # 54] # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما ~~أرسلناك عليهم وكيلا (54) # وقل لعبادي أي الذين آمنوا معك. إرادة تقريب أصحابهم إلى الصواب، كأمر ~~البعث يقولوا في النصيحة، الكلمة التي هي أحسن أي فلا يخاشنوا أحدا ولا ~~يغلطوا بالقول إن الشيطان ينزغ بينهم أي يفسد ويهيج الشر والمراء: # لتقع بينهم المضارة إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا وقوله تعالى: ربكم ~~أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم خطاب لهؤلاء المشركين من قريش. أي ~~إن يشأ يرحمكم فيتوب عليكم برحمته وتنيبوا إليه. وإن يشأ يعذبكم بأن يخذلكم ~~عن الإيمان، فتموتوا على الشرك فيعذبكم عليه يوم القيامة. # وقوله تعالى: وما أرسلناك عليهم وكيلا أي موكولا إليك أمرهم. تقسرهم على ~~الإيمان. وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا، تبلغهم رسالاتنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء ms3050 (17) : آية 55] # وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا (55) # وربك أعلم بمن في السماوات والأرض أي فلا يخفى عليه شيء فيهما. فهو أعلم ~~بهؤلاء ضرورة. وفيه إشارة إلى رحمته تعالى ببعثة الرسل. لحاجة الخلق إليها. # وإلى مشيئته فيمن يصطفي لرسالته، ويختار لنبوته. ويعلمه أهلا لها. وقوله ~~تعالى: # ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض أي لاقتضاء علمه وحكمته ذلك. فإنه أعلم ~~بمن في السموات والأرض وأحوالهم. فآتى موسى التوراة وكلمه. وعيسى الإنجيل ~~وداود الزبور. فضلهم بما آتاهم على غيرهم. وقد آتى محمدا القرآن ففضله به ~~على الأنبياء كافة. وقوله تعالى: وآتينا داود زبورا أي يشتمل على الحكمة ~~وفصل الخطاب، ففضلناه به. قيل: الآية رد عليهم إذ استبعدوا أن يكون صلى ~~الله عليه وسلم نبيا، دون من يعدونه عظيما بينهم في الغنى والجاه، وذكر من ~~في السموات لإبطال قولهم: # لولا أنزل علينا الملائكة [الفرقان: 21] وذكر من في الأرض لرد قولهم: ~~لولا # PageV06P469 # نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # [الزخرف: 31] ، وتخصيص داود بالذكر، إشارة لتفضيل النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما دل عليه ما كتب فيه من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون [الأنبياء: ~~105] ففيه تلميح إلى ما وقع فيه من وصفه بما ذكر فيه. وإيثار الزبور على ~~الملك بيان لحيثية شرفه، وأن بما أوحي إليه من الكتاب والعلم، لا بالملك ~~والمال، كذا قالوا. والظاهر أنه للإشارة إلى أن داود عليه السلام لم يكن في ~~نشأته الأولى ممن يظن أنه يبلغ ما بلغ في الحكمة والملك. وقد اختصه الله ~~بهما وميزه الله على أهل عصره. وإذ كان ذلك اختصاصا ربانيا، فلا غرابة أن ~~يختص سبحانه من العرب، من علم أنه أرجحهم عقلا، وأكملهم فضلا، لختم نبوته، ~~وهداية بريته، بمنهاجه وشرعته. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 57] # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ms3051 ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا. # أي قل لهؤلاء المشركين، الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا من ~~زعمتموهم أربابا وآلهة من دونه، عند ضر ينزل بكم، وانظروا هل يقدرون على ~~دفع ذلك عنكم أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعونهم آلهة؟ أي فإنهم لا يقدرون ~~على ذلك ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. # روى الطبري عن ابن عباس أن الآية عني بها قوم مشركون، كانوا يعبدون ~~المسيح وعزيرا والملائكة. فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ~~ويخافون عذابه. ويتقربون إليه بالأعمال. ونظير هذه الآية في النهي عن أن ~~يشرك به تعالى الملائكة والأنبياء، قوله سبحانه: ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [آل ~~عمران: 79- 80] ، وفي قوله تعالى: # PageV06P470 # ويرجون رحمته ويخافون عذابه إشارة إلى أن العبادة لا تتم إلا بالرجاء ~~والخوف. # فبالرجاء تكثر الطاعات وبالخوف تقل السيئات. وقوله تعالى: محذورا أي ~~ينبغي أن يحذر منه ويخاف من حلوله. عياذا بالله منه. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 58] # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا، ~~كان ذلك في الكتاب مسطورا. # إخبار بأنه حتم وقضى أنه ما من قرية يتمرد أهلها على نبيهم، إلا ويبيدهم، ~~أو ينزل بهم من العذاب شديدة. وذلك لذنوبهم وخطيئاتهم وعدم استجابتهم ~~لنبيهم، كما قال تعالى: وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم [هود: 101] ، وقال ~~تعالى: # فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها ms3052 خسرا [الطلاق: 9] . وقال تعالى: وكأين ~~من قرية عتت عن أمر ربها ورسله [الطلاق: 8] الآيات. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 59] # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # وما منعنا أن نرسل بالآيات أي التي يقترحها قريش: إلا أن كذب بها الأولون ~~أي إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم. كعاد وثمود. وأنها لو أرسلت لكذبوا ~~بها تكذيب أولئك. فاستوجبوا الاستئصال. على ما مضت به السنة الإلهية. # وقد قضينا أن لا نستأصلهم، لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن. ثم ذكر بعض ~~الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة، فقال: وآتينا ثمود الناقة أي أعطينا ~~قوم صالح الناقة بسؤالهم مبصرة أي بينة، تبصر الغير برهانها فظلموا بها أي ~~فكفروا بها وظلموا أنفسهم بسبب عقرها، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم ~~وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي وما نرسل الآيات المقترحة إلا تخويفا ~~للناس، ليعلموا السنة الإلهية مع العاتين، فيتذكروا ويتوبوا. # روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يجعل لهم # PageV06P471 # الصفا ذهبا. وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له: إن شئت أن تستأني ~~بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا. فإن كفروا، هلكوا كما أهلكت من كان ~~قبلهم من الأمم. قال: لا بل استأني بهم «1» ، وأنزل الله قوله تعالى: وما ~~منعنا أن نرسل الآية. # ورواه النسائي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 60] # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ~~(60) # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس أي علما، فلا يخفى عليه شيء من كفرهم ~~وتكذيبهم. ومنه ما جرى منهم، إثر الرؤيا والإخبار بالشجرة، من الجحود ~~والهزء واللغو. كما قال سبحانه: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس قال الأكثرون: # يعني ما رآه النبي صلى الله عليه ms3053 وسلم ليلة الإسراء من الآيات. فلما ~~ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للناس، أنكر بعضهم ذلك وكذبوا. وجعل الله ~~ذلك ثباتا ويقينا للمخلصين. فكانت فتنة، أي اختبارا وامتحانا، وتمسك بهذا ~~من جعل الإسراء مناما، لكون الرؤيا مخصوصة بالمنام. وأجيب بأن قوله تعالى: ~~إلا فتنة للناس يرده. لأن رؤيا المنام لا يفتتن بها أحد ولا يكذب. وجاء في ~~اللغة (الرؤيا بمعنى الرؤية مطلقا) وهو معنى حقيقي لها. # وقيل: إنها حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا. وقد ذكر السهيلي أنه ~~ورد في كلام العرب بهذا المعنى. وأنه كالقربى والقربة. وقيل: إنه مجاز، إما ~~مشاكلة لتسميتهم له رؤيا، أو جار على زعمهم. أو على التشبيه بها لما فيها ~~من خرق العادة. # أو لوقوعها ليلا. أو لسرعتها. أفاده الشهاب. # وروى الطبري عن الحسن في الآية هذه قال: أسري به صلى الله عليه وسلم عشاء ~~إلى بيت المقدس فصلى فيه وأراه الله ما أراه من الآيات. ثم أصبح بمكة ~~فأخبرهم أنه أسرى به إلى بيت المقدس. فقالوا له: يا محمد! ما شأنك؟ أمسيت ~~فيه ثم أصبحت فينا تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس؟ فعجبوا من ذلك حتى ارتد ~~بعضهم عن الإسلام. # وقال قوم: الآية في رؤياه صلى الله عليه وسلم التي رأى أنه يدخل مكة. # فروى البري عن ابن عباس. قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ~~أنه دخل مكة هو وأصحابه. وهو يومئذ بالمدينة. فعجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم السير إلى مكة. قبل الأجل: فرده المشركون. فقالت PageV06P472 # أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان حدثنا أنه سيدخلها. ~~فكانت رجعته فتنتهم. # وذلك عام الحديبية. ثم دخل مكة في العام المقبل. وأنزل الله عز وجل: لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق # ولا يقال: إن السورة مكية وقصة الحديبية بعد الهجرة، لاحتمال أنه رأى تلك ~~الرؤيا بمكة، وتزلت عليه هذه الآية. ولكنه ذكرها عام الحديبية. لأنه كان إذ ~~ذاك بمكة. فعلم أن دخوله بعد خروجه منها. كذا قيل. ms3054 # وذهب بعضهم إلى أن كثيرا من السور المكية ضم إليها آيات مدنية، كما في ~~(الإتقان) والطبري رجح الأول وفاقا للأكثر. وقد قدمنا مرارا أن السلف قد ~~يريدون بقولهم: (نزلت الآية في كذا) . أن لفظ الآية مما يشمل ذلك. لا أنه ~~كان سببا لنزوله حقيقة. وعليه. فلا إشكال. # وقوله تعالى: والشجرة الملعونة في القرآن عطف على الرؤيا، والأكثرون على ~~أنها شجرة الزقوم المذكورة في سورة الصافات في قوله تعالى: أذلك خير نزلا ~~أم شجرة الزقوم، إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، ~~طلعها كأنه رؤس الشياطين [الصافات: 62- 65] الآيات، وفتنتهم فيها ما رواه ~~الطبري عن ابن عباس وقتادة أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم هذا- يعني النبي ~~صلوات الله عليه أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر! فكذبوا بذلك. وفي ~~رواية أن أبا جهل قال: أيخوفني بشجر الزقوم؟ ثم دعا بتمر وزبد وجعل يأكل ~~ويقول: تزقموا، فما نعلم الزقوم غير هذا. والمراد بلعنها في القرآن، لعن ~~طاعمها فيه، على أنه مجاز في الإسناد. أو الملعون بمعنى المؤذي لأنها تغلي ~~في البطون كغلي الحميم. فهو إما مجاز مرسل أو استعارة. وقوله تعالى: ~~ونخوفهم أي بذلك وبنظائره من الآيات فما يزيدهم أي التخويف إلا طغيانا ~~كبيرا أي تماديا فيما هم فيه من الضلال والكفر. # قال المهايمي: أي فلو أرسلنا إليهم الآيات المقترحة. لقالوا إنه أجل من ~~أحاط بأبواب السحر. فلا فائدة في إرسالها سوى تعجيل العذاب الدنيوي. لكنه ~~ينافي إظهار دينه على الدين كله. ثم أشار تعالى إلى أن هذا الطغيان من ~~اتباع الشيطان. # وأنه وحزبه، لعتوهم وتمردهم عن الحق، في النار، بقوله سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى # 62] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62) # PageV06P473 # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم أي تحية وتكريما فسجدوا إلا إبليس قال ~~أأسجد لمن خلقت طينا كما قال في ms3055 الآية الأخرى: أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين [ص: 76] ، قال أي جراءة على الرب وكفرا به أرأيتك هذا الذي ~~كرمت علي أي أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأن أمرتني بالسجود له، لم كرمته ~~علي؟ أو المعنى: أخبرني أهذا الذي كرمته علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا أي لأعمينهم وأهلكنهم بالإغواء، إلا المخلصين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 63 الى 65] # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ~~وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى ~~بربك وكيلا (65) # قال اذهب أي امض لشأنك الذي اخترته فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا أي جزاء مكملا واستفزز أي استخفف وأزعج من استطعت منهم أي أن تستفزه ~~فتخدعه بصوتك أي بدعائك إلى الفساد. وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيرا له حتى ~~كأنه لا معنى له: وأجلب عليهم بخيلك ورجلك أي صح عليهم. من الجلبة (بفتحات) ~~وهي الصياح. و (الخيل) الخيالة أي ركبان الخيل مجازا. وأصل معنى الخيل ~~الأفراس. (والرجل) اسم جمع للراجل وهو خلاف الفارس والمراد الأعوان ~~والأتباع مطلقا. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ~~ورجله؟ قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه، ~~بمغوار- بكسر الميم، الكثير الغارة وهي الحرب والنهب- أوقع على قوم فصوت ~~بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم. وأجلب عليهم بجنده من ~~خيالة حتى استأصلهم- أي فالكلام استعارة تمثيلية مركبة. استعير فيه المجموع ~~والهيئة للمجموع والهيئة. ووجهه ما ذكره من استئصالهم وإهلاكهم، أو غلبته ~~وتسخيره لهم. وجوز أن يكون التجوز في المفردات تجوزا بصوته عن دعائه إلى ~~الشر بالوسوسة. وبخيله ورجله عن كل راكب وماش من أهل العبث والفساد ~~بإغوائه. # وشاركهم في الأموال أي بحمله إياهم على إنفاقها في المعاصي وجمعها من ~~حرام والتصرف فيها تحريما وتحليلا بما لا ms3056 يرضى والأولاد أي بالتفاخر فيهم # PageV06P474 # وتضليلهم بصبغهم غير صبغة الدين، ووأدهم ونحو ذلك مما يعصى الله بسببه ~~وعدهم أي المواعيد الباطلة والأماني الكاذبة من سلامة العاقبة ودوام الغلبة ~~وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وهو تزيين الباطل بزينة الحق إن عبادي أي ~~المخلصين ليس لك عليهم سلطان أي تسلط بالإغواء وكفى بربك وكيلا أي كفيلا ~~لهم يتوكلون عليه ولا يلجئون في أمورهم إلا إليه. وهو كافيهم. # وقد أشار القاشاني إلى أن الآية تشير إلى انقسام الناس مع الشيطان على ~~أصناف. وعبارته: تمكن الشيطان من إغواء العباد على أقسام. لأن الاستعدادات ~~متفاوتة. فمن كان ضعيف الاستعداد استفزه. أي استخفه بصوته، يكفيه وسوسة ~~وهمس بل هاجس ولمة. ومن كان قوي الاستعداد، فإن أخلص استعداده عن شوائب ~~الصفات النفسانية، أو أخلصه الله تعالى عن شوائب الغيرية، فليس له إلى ~~إغوائه سبيل كما قال: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وإلا فإن كان منغمسا في ~~الشواغل الحسية، غارزا رأسه في الأمور الدنيوية، شاركه في أمواله وأولاده، ~~بأن يحرضه على إشراكهم بالله في المحبة. بحبهم كحب الله. ويسول له التمتع ~~بهم، والتكاثر والتفاخر بوجودهم. ويمنيه الأماني الكاذبة ويزين عليه الآمال ~~الفارغة. وإن لم ينغمس، فإن كان عالما بصيرا بتسويلاته، أجلب عليه بخيله ~~ورجله. أي مكر به بأنواع الحيل. وكاده بصنوف الفتن. وأفتى له في تحصيل ~~أنواع الحطام والملاذ بأنها من جملة مصالح المعاش. وغره بالعلم وحمله على ~~الإعجاب. وأمثال ذلك حتى يصير ممن أضله الله على علم. وإن لم يكن عالما بل ~~عابدا متنسكا، أغواه بالوعد والتمنية. وغره بالطاعة والتزكية أيسر ما يكون. ~~انتهى. # ثم بين تعالى بعضا من آيات وحدانيته وألوهيته بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 66] # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر أي يسير لكم السفن في البحر لتبتغوا ~~من فضله أي من رزقه. والآية صريحة في ركوب البحر للتجارة إنه كان بكم رحيما ~~حيث ms3057 سهل لكم أسباب ذلك. # قال أبو السعود: وهذا تذكير لبعض النعم التي هي من دلائل التوحيد، وتمهيد # PageV06P475 # لذكر توحيدهم عند مساس الضر، تكملة لما مر من قوله: فلا يملكون الآية، ~~وذلك قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 67] # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) # وإذا مسكم الضر في البحر أي خوف الغرق: ضل من تدعون إلا إياه أي ذهب عن ~~أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه وتعبدونه، إلا إياه وحده. فإنكم لا تذكرون ~~سواه. فطرة فطر الله الخلق عليها. # وهذه الآية مما يستدل بها على الرجوع إلى الفطرة الصحيحة. وقد استدل ~~لكثير من الأصول بها، كما يعلم ذلك من كلام الأئمة في مسائل شتى. كمسألة ~~وجود الخالق وعلوه، والمعاد وغيرها. وقوله تعالى: فلما نجاكم أي من الغرق: # إلى البر أعرضتم أي عن التوحيد: وكان الإنسان كفورا أي بأنعم الله. ~~والجملة كالتعليل للإعراض. قال الشهاب: وفيه لطف. حيث أعرض عن خطابهم ~~بخصوصهم. وذكر أن جنس الإنسان مجبول على هذا. فلما أعرضوا أعرض الله عنهم. ~~ثم خوفهم تعالى بقدرته العظيمة، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 68 الى 69] # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ~~فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أي يغوره بكم أو يرسل عليكم حاصبا أي ريحا ~~ترمي بالحصباء يرجمكم بها، فيكون أشد عليكم من الغرق: ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا أي من يتوكل بصرف ذلك عنكم أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي يقوي دواعيكم ~~لركوب البحر تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح أي ريحا شديدة لا تمر ~~بشيء إلا قصفته، فتكسر السفينة وسط البحر فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا ~~لكم علينا به تبيعا أي مطالبا بما فعلنا. ms3058 مثل من يطالب على مغرق سوانا. ~~وهذا كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 15] . # PageV06P476 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 70] # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # ولقد كرمنا بني آدم أي بالنطق والتمييز والعقل والمعرفة والصورة والتسلط ~~على ما في الأرض والتمتع به وحملناهم في البر والبحر أي يسرنا لهم أسباب ~~المعاش والمعاد بالسير في طلبها فيهما، وتحصيلها: ورزقناهم من الطيبات أي ~~فنون المستلذات التي لم يرزقها غيرهم من المخلوقات وفضلناهم على كثير ممن ~~خلقنا تفضيلا أي عظيما فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم، بأن يعبدوا المتفضل ~~بها وحده ويقيموا شرائعه وحدوده. ### | تنبيه: # ظاهر قوله تعالى: (على كثير) أن ثمة من لم يفضل البشر عليه. قيل وهم ~~الذوات المقدسة من الملأ الأعلى. أعني الملائكة. # قال القاشاني: وأما أفضلية بعض الناس، كالأنبياء على الملائكة المقربين، ~~فليست من جهة كونهم بني آدم. بل من جهة السر المودع فيهم المشار إليه ~~بقوله: # إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] ، وهو ما أعد لذلك البعض من المعرفة ~~الإلهية التامة. وحينئذ ليس هو بهذا الاعتبار من بني آدم كما قيل: # وإني وإن كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بأبوتي # وذهب قوم إلى تأويل (الكثير) ب (الكل) كما أول (القليل) بمعنى (العدم) في ~~قوله تعالى: فقليلا ما يؤمنون [البقرة: 88] ، والمعنى: وفضلناهم على الجم ~~الغفير ممن خلقنا أي جميع المخلوقات. # قال القاشاني: على أن تكون (من) للبيان والمبالغة في تعظيمه، بوصف المفضل ~~عليهم بالكثرة وتنكير الوصف وتقديمه على الموصوف. أي كثير وأي كثير، وهو ~~جميع مخلوقاتنا. لدلالة (من) على العموم. ولا يخفى أنه لا يلزم من تفضيل ~~جنس على جنس آخر تفضيل كل فرد منه على كل فرد من الآخر. والمسألة معروفة في ~~كتب الكلام. # وقوله تعالى: # PageV06P477 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 71 الى 72] # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في ms3059 هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~(72) # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو ~~كتاب أو دين. فيقال: يا أتباع فلان! يا أهل دين كذا وكتاب كذا وقيل: بكتاب ~~أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير! ويا أصحاب كتاب الشر! قالوا: وفيه ~~شرف لأصحاب الحديث. لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال القاشاني: أي نحضر كل طائفة من الأمم مع شاهدهم الذي يحضرهم ~~ويتوجهون إليه ويعرفونه، سواء كان صورة نبي آمنوا به، أو إمام اقتدوا به، ~~أو دين أو كتاب، أو ما شئت. على أن تكون (الباء) بمعنى (مع) . أو ننسبهم ~~إلى إمامهم وندعوهم باسمه، لكونه هو الغالب عليهم وعلى أمرهم، المستعلي ~~محبتهم إياه على سائر محباتهم. # ورجح ابن كثير، رحمه الله، القول بأن الإمام هو كتاب الأعمال، لقوله ~~تعالى: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [يس: 12] ، وقال تعالى: ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه [الكهف: 49] الآية، وقال تعالى: وترى كل أمة ~~جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون، هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية: 28- 29] ، وما ~~رجحه رحمه الله هو الصواب. لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأول ما ينبغي ~~الاهتمام به في معاني الآيات، هو الرجوع إلى نظائرها. وقوله تعالى: فمن ~~أوتي أي من هؤلاء المدعوين كتابه أي كتاب أعماله بيمينه فأولئك يقرؤن ~~كتابهم أي فرحا وابتهاجا بما فيه من العمل الصالح ولا يظلمون فتيلا أي لا ~~ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو ما في شق النواة، أو ما تفتله بين إصبعيك، ~~أو هو أدنى شيء، فإن الفتيل مثل في القلة، كقوله تعالى: ولا يظلمون شيئا ~~[مريم: 60] . # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا أي ومن كان في هذه ~~الحياة الدنيا أعمى عن الاهتداء إلى الحق، فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق ~~النجاة، وأضل سبيلا منه في الدنيا. لأن له في هذه الحياة آلات ms3060 وأدوات ~~وأسبابا # PageV06P478 # يمكنه الاهتداء بها. وهو في مقام الكسب باقي الاستعداد. ولم يبق هناك شيء ~~من ذلك. قيل: العمى حقيقة فيمن لا يدرك المبصرات، لفساد حاسته، مجاز في عمى ~~البصيرة وهو عدم الاهتداء إلى طريق النجاة. وقيل: هو حقيقة فيهما. وعليه ~~جوز أن يكون (أعمى) الثاني أفعل تفضيل. لأنه من عمى القلب لا عمى البصر. ~~ويجوز أن يصاغ من العيوب الباطنة أفعل تفضيل كالأحمق والأبله. ### | لطيفة: # قال الناصر: يحتمل أن تكون هذه الآية قسيمة الأولى. أي فمن أوتي كتابه ~~بيمينه فهو الذي يبصره ويقرؤه. ومن كان في الدنيا أعمى غير مبصر في نفسه، ~~ولا ناظر في معاده، فهو في الآخرة كذلك، غير مبصر في كتابه، بل أعمى عنه أو ~~أشد عمى مما كان في الدنيا، على اختلاف التأويلين. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 73 الى 74] # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إخبار عن تأييده ~~تعالى رسوله، صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وتولي أمره وحفظه. ~~فإن المشركين، لكثرة تفننهم في ضروب الأذى وشدة تعنتهم وقوة شكيمتهم، كادوا ~~أن يفتنوه. # ولكن عناية الله وحفظه، هو الذي ثبت قدمه في مثل مقامه في الدعوة إلى ~~الله الذي لا يثبت فيه أحد غيره. وقد روي أن ثقيفا قالوا لا نؤمن حتى ~~تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا ننحني في الصلاة، ولا نكسر أصنامنا ~~بأيدينا، وإن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فإن خشيت أن يسمع العرب: ~~(لم أعطيتهم ما لم تعطنا) فقل: الله أمرني بذلك. # وروي أن قريشا قالوا: لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس ~~آلهتنا. وقالوا أيضا: نؤمن بك إن تمس آلهتنا. # قال الإمام الطبري: يجوز أن تكون الفتنة فما ذكر. وأن تكون ms3061 غير ذلك. ولا ~~بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان. فالأصوب الإيمان بظاهره ~~حتى يأتي ما يجب التسليم له، ببيان ما عني بذلك منه. # PageV06P479 # قال الزجاج: معنى الكلام كادوا يفتنونك. ودخلت (أن) المخففة من الثقيلة و ~~(اللام) للتأكيد. والمعنى: أن الشأن قاربوا أن يفتنونك أي يخدعوك. ويصرفوك ~~عن القرآن أي عن حكمه. وذلك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. ~~وقوله: # لتفتري علينا غيره أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك ~~وإذا لاتخذوك خليلا أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك ~~موافق لهم على كفرهم، وراض بشركهم. ثم قال: ولولا أن ثبتناك أي على الحق ~~بعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم أي تميل إليهم شيئا قليلا وقوله شيئا ~~عبارة عن المصدر، أو ركونا قليلا. # وعن قتادة: لما نزلت هذه الآية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا ~~تكلني إلى نفسي طرفة عين) # . ثم توعده في ذلك أشد التوعد، فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 75] # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب ~~الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. و (الضعف) عبارة عن أن يضم إلى ~~الشيء مثله، ودل على إضمار العذاب، وصف العذاب بالضعف في كثير من الآيات. ~~كقوله تعالى: ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار [ص: 61] ، ~~وقال: لكل ضعف ولكن لا تعلمون [الأعراف: 38] . # والسبب في تضعيف العذاب أن أقسام نعم الله على الأنبياء أكثر. فكانت ~~ذنوبهم أعظم. فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر. ونظيره قوله تعالى: يا ~~نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] ~~. ### | تنبيهات: # الأول: قال القفال رحمه الله (بعد ذكره ما روي في سبب نزولها مما قدمناه) ~~: # ويمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاعف نزولها فيه، لأن من المعلوم ~~أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر ms3062 رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ~~ما يقدرون عليه. فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك فأنزل الله ~~تعالى: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون [الكافرون: 1- 2] ، وقوله: ~~ودوا لو تدهن فيدهنون [القلم: 9] ، وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنساء ~~الجميلة ليترك ادعاء النبوة. فأنزل # PageV06P480 # الله تعالى: ولا تمدن عينيك [طه: 131] ، ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه ~~فأنزل الله تعالى قوله: ولا تطرد الذين يدعون ربهم [الأنعام: 52] ، فيجوز ~~أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب. وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، ~~وأن يزيلوه عن منهجه. فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم والمنهج ~~المستقيم. # وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات، إلى شيء من تلك ~~الروايات. # والله أعلم. # الثاني: قال القاضي: معنى قوله تعالى: ولولا أن ثبتناك الآية، إنك كنت ~~على صدد الركون إليهم، لقوة خداعهم وشدة احتيالهم. لكن أدركتك عصمتنا فمنعت ~~أن تقرب من الركون، فضلا عن أن تركن إليهم. وهو صريح في أنه عليه الصلاة ~~والسلام ما هم بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها. ودليل على أن العصمة بتوفيق ~~الله وحفظه. # الثالث: قال الزمخشري: في ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد ~~الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين، دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه ~~بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته. وفيه دليل على أن أدنى مداهنة ~~للغواة، مضادة لله وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن، ~~إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها فهي جديرة بالتدبر. وبأن يستشعر ~~الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. # الرابع: جاء في (حواشي جامع البيان) ما مثاله بالحرف: من الفوائد الجليلة ~~في هذه الآية. أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك، بعد القدرة على هدمها ~~وإبطالها، يوما. # فإنها شعائر الكفر والشرك. وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع ~~القدرة البتة. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا ~~وطواغيت، تعبد من دون الله. والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذور ~~والتقبيل، لا يجوز إبقاء ms3063 شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته. ~~وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وأعظم شرك عندها ~~وبها. فإن اللات- على ما نقله ابن خزيمة عن مجاهد- رجل كان يلت لهم السويق ~~فمات. فعكفوا على قبره يعبدونه ويعظمونه. ولم يقولوا إن اللات خلقت السموات ~~والأرض، بل كان شركهم باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كشرك أهل الشرك ~~من أرباب المشاهد بعينه، من النذور لها ولشرك بها والتمسح بها وتقبيلها ~~واستلامها. وما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا # PageV06P481 # مجرد مس آلهتهم. كما قالوا نؤمن بك إن تمس آلهتنا.، وما التمسوا منه إلا ~~التمتيع باللات سنة من غير عبادة، فتوعد بهذا الوعيد الشديد والتهديد ~~الأكيد أن لو ركن إليهم. فالرزية كل الرزية ما ابتلي به القبوريون من أهل ~~هذا الزمان. فإنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام، إلا ~~فعلوه بالقبور. فإنا لله وإنا إليه راجعون. # بل كثير منهم، إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه، حلف بالله فاجرا، فإذا ~~قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك. أو بمعتقدك الولي الفلاني تلكأ وأبى واعترف ~~بالحق. # وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: (ثالث ~~ثلاثة) فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ ~~وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها ~~المسلمون تعدل هذه؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين ~~واجبا؟ فاللهم! انصر من نصر الحق واهدنا إلى سواء السبيل. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 76 الى 77] # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) # وإن كادوا أي أهل مكة ليستفزونك من الأرض أي ليزعجونك بمعاداتهم من مكة ~~ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك أي ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك إلا ~~قليلا أي زمانا قليلا سنة من ms3064 قد أرسلنا قبلك من رسلنا يعني أن كل قوم ~~أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم. ونصبت نصب المصدر ~~المؤكد. أي سن الله ذلك سنة ولا تجد لسنتنا تحويلا أي تغييرا. ولا يخفى أن ~~المراد بعدم لبثهم، إهلاكهم. سواء كان بالاستئصال، أو لا. قال ابن كثير: # وكذلك وقع. فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بين هجرته من بين أظهرهم، بعد ~~ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد. ~~فأمكنه منهم، وسلطه عليهم، وأظفره بهم. فقتل أشرافهم وسبى سراتهم. ولهذا ~~قال تعالى: سنة من قد أرسلنا أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم. ~~يخرج الرسول من بين أظهرهم ويأتيهم العذاب. ولولا أنه صلى الله عليه وسلم ~~رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به. كما قال تعالى: ~~وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] . # PageV06P482 # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 78] # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا لما ذكر تعالى، قبل، كيد المشركين وكيدودتهم استفزازه من الأرض، ~~أمره بأن يستعين بإقامة الصلوات والإقبال على عبادته تعالى، والابتهال إليه ~~على دفع كيدهم ومكرهم، وتأييده عليهم. ونظيره قوله تعالى: ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين [الحجر: 97- 98] ، ~~وقوله: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن ~~آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى [طه: 130] ، وقوله: واستعينوا ~~بالصبر والصلاة [البقرة: 45] ، هذا من حيث نظم الآية مع ما قبلها. وأما ~~معناها، فقوله: لدلوك الشمس أي لزوالها. قال ابن تيمية: الدلوك الزوال عند ~~أكثر السلف وهو الصواب. واللام للتأقيت. أي بيان الوقت بمعنى (بعد) وتكون ~~بمعنى (عند) أيضا. وقيل: للتعليل. لأن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة. وأما ~~غسق الليل فهو اجتماع الليل وظلمته. وأما ms3065 قرآن الفجر فهو صلاة الصبح. سميت ~~قرآنا لأنه ركنها. كما سميت ركوعا وسجودا. فهو من تسمية الكل باسم جزئه ~~المهم. فيدل على وجوب القراءة فيها صريحا، وفي غيرها بدلالة النص والقياس. ~~ومعنى مشهودا يشهده ملائكة الليل والنهار. ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في ~~آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. أو يشهده الكثير من المصلين في العادة! ~~ومن حقه أن يكون مشهودا بالجماعة الكثيرة. والأكثرون على أن قوله تعالى: ~~وقرآن الفجر منصوب بالعطف على (الصلاة) أي: وأقم صلاة الفجر. وجوز بعض ~~النحاة نصبه على الإغراء. أي: وعليك قرآن الفجر أو الزم. ### | تنبيهات: # الأول: هذه الآية جامعة للصلوات الخمس ومواقيتها، فدلوك الشمس يتناول ~~الظهر والعصر تناولا واحدا. وغسق الليل يتناول المغرب والعشاء تناولا ~~واحدا. وقرآن الفجر هي صلاة مفردة لا تجمع ولا تقصر. قيل: هذا يقتضي أن ~~يكون الدلوك مشتركا بين الظهر والعصر. والغسق مشتركا بين المغرب والعشاء. ~~فيدل على جواز # PageV06P483 # الجمع مطلقا بين الأولين، وكذا بين الأخيرين. فالجواب: هو كذلك بعذر ~~السفر أو المطر ونحوها. وأما في غيرها فلا وذلك لما بينته السنة من فعل كل ~~واحدة في الوقت الخاص بها، إلا بعذر. قال الحافظ ابن كثير: قد بينت السنة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله، تفاصيل هذه ~~الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم، مما تلقوه خلفا عن سلف، وقرنا بعد ~~قرن، كما هو مقرر في مواضعه. # وقال العلامة أبو السعود: ليس المراد إقامتها فيما بين الوقتين على وجه ~~الاستمرار، بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي عين لها ببيان جبريل عليه ~~السلام. كما أن أعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه السلام. ولعل ~~الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلوات من غير فصل بينها، لما أن ~~الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة. فبعضها متصل ببعض، بخلاف أول وقت ~~العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم، ينقطع أحدهما عن الآخر. ~~ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات. انتهى. # والظاهر أن مستند من جوز ms3066 الجمع في الحضر مطلقا هذه الآية مع أثر ابن ~~عباس. # جاء في (رحمة الأمة) ما مثاله: وعن ابن سيرين أنه يجوز الجمع من غير خوف ~~ولا مرض لحاجة. ما لم يتخذه عادة. واختار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في ~~الحضر من غير خوف ولا مطر ولا مرض. انتهى. # وقد روى الشيخان «1» وغيرهما عن ابن عباس قال: صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة سبعا وثمانيا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. # ومن رواية لمسلم: صلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، من غير ~~خوف ولا سفر. وكثير من الرواة حملوا ذلك على ليلة مطيرة. والمسألة شهيرة. # الثاني: قلنا إن هذه الآية إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، ومنها ~~قوله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل [هود: 114] ، فالطرف ~~الأول صلاة الفجر فإن صلاة الفجر في النهار. فإن الصائم يصوم النهار. وهو ~~يصوم من طلوع الفجر. والوتر تصلى بالليل # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «2» : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا ~~PageV06P484 # خفت الصبح فأوتر بركعة # . وإذا قيل: نصف النهار فالمراد به النهار المبتدئ من طلوع الشمس. فهذا ~~في هذا الموضوع، ولفظ (النهار) يراد به من طلوع الفجر، ويراد به من طلوع ~~الشمس. لكن قوله: وأقم الصلاة طرفي النهار أريد به من طلوع الفجر بلا ريب، ~~لأن ما بعد طلوع الشمس ليس على المسلمين فيه صلاة واجبة، بل ولا مستحبة. بل ~~الصلاة في أول الطلوع منهي عنها حتى ترتفع الشمس. وهل تستحب الصلاة لوقت ~~الضحى أو لا تستحب إلا لأمر عارض؟ فيه نزاع ليس هذا موضعه. فعلم أنه أراد ~~بالطرف الأول من طلوع الفجر. وأما الطرف الثاني فمن الزوال إلى الغروب. # فجعل الصلاة في هذا الوقت صلاة في الطرف الثاني وأشرك بينهما فيه. ثم ~~قال: # وزلفا من الليل فأجمل الغرب والعشاء في (زلف من الليل) . وهو ساعات من ~~الليل. فالمواقيت هنا ثلاثة. # وقال تعالى: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ms3067 الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء [النور: 58] ، فذكر الفجر وذكر الظهر وذكر صلاة العشاء. فمن الظهيرة ~~إلى ما بعد صلاة العشاء وقتان للصلاة. وقد ذكر الأول من هذا الوقت والآخر ~~من هذا الوقت. وقد دل على المواقيت في آيات أخر كقوله تعالى: فسبحان الله ~~حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ~~[الروم: 17- 18] ، فتبين أن له التسبيح والحمد في السموات والأرض، حين ~~المساء وحين الصباح وعشيا وحين الإظهار. فالمساء يتناول المغرب والعشاء، ~~والصباح يتناول الفجر، والعشي يتناول العصر، والإظهار يتناول الظهر. # وقال تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى [طه: 130] ، وفي الآية الأخرى: قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب، ومن الليل فسبحه وأدبار السجود حق: [39- 40] ، فقبل ~~طلوع الشمس هي صلاة الفجر. وقبل غروبها هي العصر، وبذلك فسرها النبي صلى ~~الله عليه وسلم # في الحديث «1» # المتفق على صحته عن جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ~~ترون القمر ليلة البدر. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ~~وصلاة قبل PageV06P485 # غروبها فافعلوا. ثم قرأ قوله تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها # وقوله تعالى: ومن الليل ومن آناء الليل مطلق في آناء الليل، يتناول ~~المغرب والعشاء. أفاد ذلك تقي الدين ابن تيمية في فتواه في (المواقيت ~~الكبرى) . # الثالث: هذه الآية من الآيات التي أمر تعالى فيها بإقامة الصلاة لوقتها. ~~قال ابن تيمية. عليه الرحمة، في فتواه المتقدمة: وقت الصلاة وقتان. وقت ~~الرفاهية والاختيار. ووقت الحاجة والعذر. فالوقت في حال الرفاهية خمسة ~~أوقات كما # في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~«1» : (وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ~~ووقت المغرب ما لم يغب نور الشفق. ووقت العشاء إلى نصف الليل. ووقت ms3068 الفجر ~~ما لم تطلع الشمس) وقد روي هذا الحديث من حديث أبي هريرة في السنن # . ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في المواقيت حديث من قوله إلا ~~هذا. وسائر ما روي فعل منه، والأحاديث الصحيحة المتأخرة من فعله توافق هذا ~~الحديث. ولهذا ما في هذا الحديث من المواقيت هو الصحيح عند الفقهاء ~~العارفين بالحديث. والنزاع بين العلماء في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر ~~وآخره، وآخر وقت المغرب. وآخر وقت العشاء وآخر وقت الفجر. # فالجماهير من السلف والخلف من فقهاء الحديث وأهل الحجاز وقت الظهر عندهم ~~من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. سوى الفيء الذي زالت عليه الشمس، ~~وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إلى أن ~~يصير ظل كل شيء مثليه، ثم يدخل وقت العصر عند الجمهور، وعند أبي حنيفة إنما ~~يدخل إذا صار ظل كل شيء مثليه، ونقل عنه، أن ما بين المثل إلى المثلين ليس ~~وقتا لا للظهر ولا للعصر. وعلى قول الجمهور، فهل آخر هذا أول هذا أو بينهما ~~قدر أربع ركعات مشترك؟ فيه نزاع. فالجمهور على الأول، والثاني منقول عن ~~مالك. وإذا صار ظل كل شيء مثليه، خرج وقت العصر في إحدى الروايتين عن أحمد. ~~وهو منقول عن مالك والشافعي مع خلاف في مذهبهما. والصحيح أن وقتها ممتد بلا ~~كراهة إلى اصفرار الشمس. وهو الرواية الثانية عن أحمد. كما نطق به حديث عبد ~~الله بن عمرو، مما عمل به النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، بعد عمله ~~بمكة. وهذا قول أبي PageV06P486 # يوسف ومحمد. فلم يكن للعصر وقت متفق عليه. ولكن الصواب المقطوع به، الذي ~~تواترت به السنن واتفق عليه الجماهير أن وقتها يدخل إذا صار ظل كل شيء ~~مثله. وليس مع القول الآخر نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لا صحيح ولا ~~ضعيف. ولكن الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة. لما اعتادوا تأخير الصلاة، ~~واشتهر ذلك، صار يظن من يظن أنه السنة. وقد احتج له بالمثل ms3069 المضروب ~~المسلمين وأهل الكتاب. ولا حجة فيه لاتفاق أهل الحساب على أن وقت الظهر ~~أطول من وقت العصر، الذي أوله إذا صار ظل كل شيء مثليه. # وأما أوقات الحاجة والعذر فهي ثلاثة: من الزوال إلى الغروب. ومن الغروب ~~إلى الفجر ومن الفجر إلى طلوع الشمس. فالأول وقت الظهر والعصر عند العذر. ~~واتسع فيها وفيهما من وجهين: أحدهما تقديم العصر إلى وقت الظهر، كما قدمها ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة. وكما كان يقدمها في سفرة تبوك. إذا ~~ارتحل بعد أن تزيغ الشمس. # وتقديم العشاء إلى المغرب في المطر. فهذا جمع تقديم. والثاني جمع تأخير، ~~العصر فيها إلى الغروب. # لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «1» : من أدرك ركعة من الفجر ~~قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب ~~الشمس فقد أدرك العصر # . مع # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) # وأنه لم يؤخر الصلاة قط إلى الاصفرار. ويوم الخندق كان التأخير إلى بعد ~~الغروب. وهو منسوخ في أشهر قولي العلماء بقوله تعالى: حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى [البقرة: 238] ، وهذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد في أشهر ~~الروايتين عنه وقيل: يخير حال القتال في التأخير والصلاة في الوقت بحسب ~~الإمكان. وهو الرواية الأخرى عنه. وقيل: بل يؤخرها. وهو قول أبي حنيفة أيضا # ففي الحديث الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تلك صلاة ~~المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك الصلاة المنافق. يرقب الشمس حتى إذا كانت ~~بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا) # . فوصف صلاة المنافق بالتأخير إلى حين الغروب والنقر. # فدل على المنع من هذا وهذا. فلما قال صلى الله عليه وسلم هذا وهذا، علم ~~أن الوقت وقتان. فمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك مطلقا. ~~وليس له أن يؤخر إلى ذلك الوقت مع إمكان الصلاة قبله. بخلاف من لا يمكنه ~~الصلاة قبل ذلك. PageV06P487 # كالحائض إذا ms3070 طهرت والمجنون يفيق. والنائم يستيقظ. والناسي يذكر. ودل ~~تقديم العصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب الزوال. ودل هذا ~~الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل الغروب. مع أنه بين بقوله ~~وفعله أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله. ما لم تصفر الشمس. فدل ذلك على أن ~~هذا الوقت المختص بها، وقت مع التمكن والرفاهية. ليس لأحد أن يؤخرها عنه ~~ولا يقدمها عليه. وقد عرف من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن ~~عباس أنهم قالوا: (في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس) : # تصلي الظهر والعصر. وإذا طهرت قبل طلوع الفجر، صلت المغرب والعشاء. ولم ~~يعرف عن صحابي خلاف ذلك. وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. # وهذا مما يدل على أنه كان الصحابة ترى أن الليل عند العذر مشترك بين ~~المغرب والعشاء إلى الفجر. والنصف الثاني عند العذر مشترك بين الظهر والعصر ~~من الزوال إلى الغروب. كما دل على ذلك السنة والقرآن- يعني الآية المذكورة ~~وأمثالها مما سقناه قبل- والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك، ويقولون ~~ليس لكل منهما إلا وقت يخصها، يقولون: الفرض إنما ثبت بالقرآن. والقرآن ~~أوجب مطلق الذكر في قوله: قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى: 14] ~~، فلا موجب لخصوص التكبير عندهم. بل مطلق الذكر. وإن كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يصل قط إلا بتكبير. ولا أحد من خلفائه ولا أحد من أئمة ~~المسلمين ولا آحادهم المعروفين يعرف أنه صلى إلا بتكبير. ومع هذا فيجوزونه ~~بمطلق الذكر. لأن القرآن مطلق في الذكر. فيقال لهم: القرآن مطلق في آناء ~~الليل وفي غسق الليل. ومطلق في الطرف الأول وفي الطرف الثاني، فدل على جواز ~~الصلاة في هذا وهذا لو قدر أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على التفريق ~~فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت غير مرة؟ وكذلك يقولون: قوله ~~تعالى: اركعوا واسجدوا [الحج: 77] ، مطلق. فهو الفرض. # والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد. فيفيد الوجوب دون ms3071 الفرضية. وكذلك ~~يقولون في الفاتحة: إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه، مع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده لم يصلوا إلا بالفاتحة. ومع # قوله: (لا صلاة إلا بأم القرآن) «1» . # و (إن كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. فهي خداج. فهي خداج) ~~«2» . PageV06P488 # ويقولون هذا يفيد الوجوب دون الفرضية. أو هذا خبر واحد فلا يقيد به مطلق ~~القرآن. ومعلوم أن القرآن مطلق في الوقت المشترك أعظم من هذا، وليس معهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب فعل كل واحدة من الأربع في الوقت الخاص ~~إلا فعله المتواتر، وقوله الذي هو من أخبار الآحاد. مع ما فيه من الإجمال، ~~كقوله «1» لما بين المواقيت الخمسة # (الوقت ما بين هذين) # وقوله «2» # (ما بين هذين وقت) # دلالته على وجوب الصلاة في هذا الوقت دون دلالة # قوله: (لا صلاة إلا بأم الكتاب) # وقوله (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج) # وكذلك # قوله «3» صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (سيكون بعدي أمراء يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها. فصلوا الصلاة لوقتها. ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) # . ولهذا احتج أحمد على وجوب فعلها في الوقت عند الرفاهية # بقوله: صلى الله عليه وسلم (فصلوا الصلاة لوقتها) # وهو الوقت الذي بينه لهم. والأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى ~~الليل. ولا صلاة الليل إلى النهار. وإنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر ~~والعصر إلى آخر النهار. ودل هذا على أن من فعل هذا لم يقاتل. لأنهم سألوه ~~عن الأمراء، أنقاتلهم؟ قال: (لا. ما صلوا) وهذه كانت صلاتهم. # ودل على أن هذه الصلاة لا تجوز بحال، وتفويت يوم الخندق منسوخ. وأما ~~الجمع بينهما في الوقت المشترك فهو ثابت السنة في مواضع متعددة. وبعضها مما ~~أجمع عليه المسلمون، والآثار المشهورة عن الصحابة تبين أن الوقت المشترك ~~وقت في حال العذر. كقول عمر بن الخطاب (الجمع بين الصلاتين، من غير عذر، من ~~الكبائر) فدل على أن الجمع بينهما للعذر جائز. وقال ms3072 عبد الرحمن بن عوف وابن ~~عباس وأبو هريرة: (فيمن طهرت في آخر النهار) : إنها تصلي الظهر والعصر. ~~(وفيمن طهرت في آخر الليل) : إنها تصلي المغرب والعشاء. وهو قول الثلاثة: ~~مالك والشافعي وأحمد، وأما التفويت فلا يجوز بحال، فمن جوز التفويت في بعض ~~الصور، فقوله ضعيف، وإن جوز الجمع. وأما من أوجب التفويت ومنع الجمع، فقد ~~جمع في قوله بين أصلين ضعيفين: بين إباحة ما حرمه الله ورسوله، وتحريمه ما ~~شرعه الله ورسوله. فإنه قد ثبت أن الجمع خير من التفويت. فهذا الأصل ينظم ~~كثيرا من المواقيت. وتفويت العصر إلى حين الاصفرار، وتفويت العشاء إلى ~~النصف الثاني أيضا، لا يجوز إلا لضرورة، والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة ~~في هذا الوقت، بل PageV06P489 # الصلاة بالتيمم قبل دخول وقت الضرورة خير من الصلاة بالوضوء في وقت ~~الضرورة. # وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره. وقالوا: لا يجوز تأخيرها ~~إلى الاصفرار. بل إذا لم يجد الماء إلا فيه، فإنه يصلي بالتيمم قبل ~~الاصفرار، ولا يصليها حين الاصفرار بالوضوء. انتهى كلامه عليه الرحمة. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 79] # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) # ومن الليل فتهجد به نافلة لك أمر له بصلاة الليل، إثر أمره بالصلوات ~~الخمس وفي من وجهان: أحدهما أنها متعلقة ب (تهجد) أي تهجد بالقرآن بعض ~~الليل. # والثاني أنها متعلقة بمحذوف عطف عليه (فتهجد) أي قم من الليل أي في بعضه ~~فتهجد بالقرآن. والتهجد ترك الهجود وهو النوم، و (تفعل) يأتي للسلب ك (تأثم ~~وتحرج) بمعنى ترك الإثم والحرج. قال الأزهري: المعروف في كلام العرب أن ~~الهاجد النائم. وأما المتهجد فهو القائم إلى الصلاة من النوم. وكأنه قيل له ~~(متهجد) لإلقائه الهجود عن نفسه كما يقال للعابد (متحنث) لإلقائه الحنث عن ~~نفسه. # انتهى. # ونقل عن ابن فارس: أن معناه صل ليلا. وكذا عن ابن الأعرابي قال: هجد ~~الرجل وتهجد، إذا صلى بالليل. والمعروف الأول. والضمير في (به) للقرآن ms3073 من ~~حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر أو للبعض المفهوم من (من) والباء بمعنى ~~(في) أي تهجد في ذلك البعض. وقوله تعالى: نافلة لك أي عبادة زائدة لك على ~~الصلوات الخمس. # قال الزمخشري: وضع (نافلة) موضع (تهجدا) لأن التهجد عبادة زائدة. فكان ~~التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات ~~المفروضة، فريضة عليك خاصة دون غيرك. لأنه تطوع لهم. انتهى. # قال أبو السعود: ولعله هو الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر صلاة الفجر، مع ~~تقدم وقتها على وقتها. # وقوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا أي يحمده القائم فيه وكل من ~~رآه وعرفه. وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. والمشهور أنه # PageV06P490 # مقام الشفاعة العظمى، للفصل بين الخلائق الذي يحمده فيه الأولون ~~والآخرون. كما وردت به الأخبار الصحيحة «1» . ومعنى النظم الكريم على هذا: ~~كما انبعثت من النوم الذي هو الموت الأصغر، بالصلاة والعبادة، فسيبعثك ربك ~~من بعد الموت الأكبر، مقاما محمودا عندك وعند جميع الناس. وفيه تهوين لمشقة ~~قيام الليل. أشار له أبو السعود. ### | تنبيه: # قال ابن جرير ذهب آخرون إلى أن ذلك المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إياه، هو أن يجلسه معه على عرشه، رواه ليث عن ~~مجاهد. وقد شنع الواحدي على القائل به، مع أنه رواه عن ابن مسعود أيضا ~~وعبارته- على ما نقلها الرازي- وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي ~~بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه: # الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال: # بعث الله الميت، أي أقامه من قبره. فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد ~~بالضد وهو فاسد. # الثاني: أنه تعالى قال: مقاما محمودا ولم يقل مقعدا. والمقام موضع القيام ~~لا موضع القعود. # الثالث: لو كان تعالى جالسا على العرش، بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة ~~والسلام لكان محدودا متناهيا. ومن كان كذلك فهو محدث. # الرابع: يقال: إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز، ms3074 لأن هؤلاء ~~الجهال والحمقى يقولون (في كل أهل الجنة) : إنهم يزورون الله تعالى وإنهم ~~يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا ~~كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين، لم يكن لتخصيص محمد صلى الله ~~عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة. # الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلانا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم ~~لإصلاح مهماتهم. ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه. فثبت أن هذا القول كلام ~~رذل سقط، لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين. انتهى كلام ~~الواحدي. PageV06P491 # وليته اطلع على ما كتبه ابن جرير حتى يمسك من جماح يراعه ويبصر الأدب مع ~~السلف مع المخارج العلمية لهم. وهاك ما قاله ابن جرير رحمه الله (بعد ما ~~نقل عن مجاهد قوله المتقدم) . # وأولى القولين بالصواب، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه مقام الشفاعة- ثم قال- وهذا وإن كان هو الصحيح في القول، في تأويل ~~المقام المحمود، لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والتابعين. فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا صلى الله عليه ~~وسلم على عرشه، قوله غير مدفوع صحته. لا من جهة خبر ولا نظر. وذلك لأنه لا ~~خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن ~~التابعين، بإحالة ذلك. # فأما من جهة النظر فإن جميع من ينتحل الإسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك ~~على أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عز وجل بائن من خلقه، كان قبل خلقه ~~الأشياء، ثم خلق الأشياء فلم يماسها، وهو كما لم يزل، غير أن الأشياء التي ~~خلقها، إذا لم يكن هو لها مماسا، وجب أن يكون لها مباينا. إذ لا فعال ~~للأشياء إلا وهو مماس للأجسام أو مباين لها، قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان ~~الله عز وجل فاعل الأشياء، ولم يجز في قولهم إنه يوصف بأنه مماس للأشياء، ~~وجب بزعمهم أنه لها مباين- فعلى مذهب ms3075 هؤلاء سواء أقعد محمدا صلى الله عليه ~~وسلم على عرشه أو على الأرض (إذ كان من قولهم إن بينونته من عرشه وبينونته ~~من أرضه بمعنى واحد. في أنه بائن منهما كليهما غير مماس لواحد منهما) وقالت ~~فرقة أخرى: كان الله تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا شيء ~~يباينه، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته وهو كما لم يزل قبل خلقه الأشياء لا ~~شيء يماسه ولا شيء يباينه. فعلى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على عرشه أو على أرضه (إذ كان سواء على قولهم. عرشه وأرضه، في ~~أنه لا مماس ولا مباين لهذا، كما أنه لا مماس ولا مباين لهذه) . # وقالت فرقة أخرى: كان الله عز ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه ولا ~~شيء يباينه ثم أحدث الأشياء وخلقها، فخلق لنفسه عرشا استوى عليه جالسا وصار ~~له مماسا، كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا ولا شيء ~~يحرمه ذلك. ثم خلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا وأعطى هذا ومنع هذا. قالوا: ~~فكذلك كان قبل خلقه الأشياء، لا شيء يماسه ولا يباينه. وخلق الأشياء فماس ~~العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه فهو مماس ما شاء من خلقه ومباين ما شاء ~~منه. فعلى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا على عرشه أو أقعده على منبر من ~~نور، إذ كان من قولهم: أن جلوس الرب على عرشه ليس بجلوس يشغل جميع العرش ~~ولا في إقعاد محمد صلى الله عليه وسلم # PageV06P492 # موجبا له صفة الربوبية، ولا مخرجه من صفة العبودية لربه. كما أن مباينة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مباينا له من الأشياء، غير موجبة له صفة ~~الربوبية ولا مخرجته من صفة العبودية لربه. من أجل أنه موصوف بأنه مباين ~~له، كما أن الله عز وجل موصوف- على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها. ~~هو مباين له. قالوا: فإذا كان معنى (مباين ومباين) لا يوجب لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم الخروج ms3076 من صفة العبودية، والدخول في معنى الربوبية فكذلك لا يوجب ~~له ذلك قعوده على عرش الرحمن. فقد تبين إذا بما قلنا أنه غير محال في قول ~~أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد، من أن الله تبارك وتعالى يقعد محمدا ~~على عرشه، فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعاد الله محمدا على عرشه، وإنما ~~ننكر إقعاده معه «حدثني» عباس بن عبد العظيم قال حدثنا يحيى بن كثير عن ~~الجريري، عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام قال، إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يوم القيامة، على كرسي الرب، بين يدي الرب تبارك وتعالى. وإنما ينكر ~~إقعاده إياه معه قيل: أفجائز عندك أن يقعده عليه لا معه؟ فإن أجاز ذلك صار ~~إلى الإقرار بأنه إما معه أو إلى أنه يقعده، والله للعرش مباين، أو لا مماس ~~ولا مباين، وبأي ذلك قال، كان منه دخولا في بعض ما كان ينكره. وإن قال: ذلك ~~غير جائز منه، خروجا من قول جميع الفرق التي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول ~~جميع من ينتحل الإسلام: إذ كان لا قول في ذلك إلا الأقوال الثلاثة التي ~~حكيناها. وغير محال في قول منها ما قال مجاهد في ذلك. انتهى كلام ابن جرير ~~رحمه الله. # وأقول: لك أن تجيب أيضا عن إيرادات الواحدي الخمسة، التي أفسد بها قول ~~مجاهد. أما جواب إيراده الأول، فإن مجاهدا لم يفسر مادة البعث وحدها ~~بالإجلاس. # وإنما فسر بعثه المقام المحمود بما ذكر. # وعن الثاني: بأن المقام هو المنزلة والقدرة والرفعة، معروف ذلك في اللغة. # وعن الثالث: بدفع اللازم المذكور، لأنه كما اتفق على أن له ذاتا لا ~~تماثلها الذوات فكذلك كل ما يوصف به مما ورد في الكتاب والآثار، فإنه لا ~~يماثل الصفات. # ولا يجوز قياس الخالق على المخلوق. # وعن الرابع: بأنه مكابرة. إذ كل أحد يعرف- في الشاهد- لو أن ملكا استدعى ~~جماعة للحضور لديه، ورفع أفضلهم على عرشه، أن المرفوع ذو مقام يفوق به ~~الكل. # وعن الخامس: بأنه من واد آخر غير ms3077 ما نحن فيه، إذ لا بعث لإصلاح المهمات # PageV06P493 # في الآخرة، وإنما معنى الآية: إنه يرفعك مقاما محمودا. وذلك يصدق على ما ~~قاله مجاهد وما قال الأكثر. فتأمل وأنصف. وقد أنشد الحافظ الذهبي في كتابه ~~(العلو لله العظيم) للإمام الدارقطني في ترجمته، قوله: # حديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده # وأما حديث بإقعاده ... على العرش أيضا فلا نجحده # أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده # وقال الذهبي في كتابه المنوه به، في ترجمة (محمد بن مصعب) العابد شيخ ~~بغداد ما مثاله: وقال المروذي سمعت أبا عبد الله الخفاف. سمعت ابن مصعب ~~وتلا عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال: نعم يقعده على العرش- ذكر الإمام ~~أحمد محمد بن مصعب فقال: قد كتبت عنه. وأي رجل هو! قال الذهبي: فأما قضية ~~قعود نبينا على العرش، فلم يثبت في ذلك نص، بل في الباب الحديث واه. وما ~~فسر به مجاهد الآية، كما ذكرناه. فقد أنكره بعض أهل الكلام. فقام المروذي ~~وقعد بالغ في الانتصار لذلك وجمع فيه كتابا وطرق قول مجاهد، من رواية ليث ~~بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، وأبي يحيى القتات وجابر بن يزيد. وممن أفتى ~~في ذلك العصر، بأن هذا الأثر يسلم ولا يعارض. أبو داود السجستاني صاحب ~~السنن وإبراهيم الحربي وخلق. بحيث إن ابن الإمام أحمد قال عقيب قول مجاهد: ~~أنا منكر على كل من رد هذا الحديث. وهو عندي رجل سوء متهم. سمعته من جماعة. ~~وما رأيت محدثا ينكره. وعندنا إنما تنكره الجهمية. وقد حدثنا هارون بن ~~معروف. ثنا محمد بن فضيل عن ليث، عن مجاهد في قوله: عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا قال: # يقعده على العرش. فحدثت به أبي رحمه الله فقال لم يقدر لي أن أسمعه من ~~ابن فضيل: بحيث إن المروذي روى حكاية بنزول، عن إبراهيم بن عرفة. وسمعت ابن ~~عمير يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا قد تلقته العلماء بالقبول. وقال ~~المروذي: قال أبو داود السجستاني: ثنا ابن أبي صفوان ms3078 الثقفي. ثنا يحيى بن ~~أبي كثير. ثنا سلم بن جعفر، وكان ثقة، ثنا الجريري ثنا سيف السدوسي عن عبد ~~الله ابن سلام، قال: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم صلى الله عليه وسلم ~~حتى يجلس بين يدي الله عز وجل على كرسيه. الحديث. وقد رواه ابن جرير في ~~تفسيره. (أعني قول مجاهد) وكذلك أخرجه النقاش في تفسيره. وكذلك رد شيخ ~~الشافعية ابن سريج على من أنكره. بحيث إن الإمام أبا بكر الخلال قال في ~~كتاب (السنة) من جمعه: أخبرني الحسن بن صالح العطار. عن محمد بن علي ~~السراج. قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم # PageV06P494 # فقلت: إن فلانا الترمذي يقول: إن الله لا يقعدك معه على العرش. ونحن ~~نقول: بل يقعدك. فأقبل علي شبه المغضب وهو يقول: بلى، والله! بلى، والله! ~~يقعدني على العرش. فانتبهت. بحيث إن الفقيه أبا بكر أحمد بن سليمان النجاد ~~المحدث قال: # (فيما نقله عنه القاضي أبو يعلى الفراء) : لو أن حالفا حلاف بالطلاق ~~ثلاثا إن الله يقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على العرش. واستفتاني، لقلت ~~له: صدقت وبررت. # قال الذهبي: فأبصر، حفظك الله من الهوى، كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى ~~وجوب الأخذ بأثر منكر. واليوم يردون الأحاديث الصريحة في العلو. بل يحاول ~~بعض الطغام أن يرد. قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] . انتهى. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 80 الى 81] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # وقل رب أدخلني مدخل صدق أي مدخلا حسنا مرضيا بلا آفة وأخرجني مخرج صدق أي ~~مخرجا حسنا مرضيا من غير آفة الميل إلى النفس، ولا الضلال بعد الهدى. وو ~~اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا أي عزا ناصرا للإسلام على الكفر، مظهرا له ~~عليه. # وقد رأى المهايمي ارتباط الآية بما قبلها في معناها حيث قال: وقل رب ~~أدخلني أي في هذه العبادات ms3079 فإنها لا توصلك إلى المقام المحمود، إلا إذا صدق ~~دخولك فيها وخروجك عنها، ولا يتم إلا بإمداد الله بعد استمدادك منه. وقولك: # رب أدخلني مدخل صدق أي بمشاهدتك في هذه العبادات، وتخليتي عن الرياء ~~والعجب، وتصفيتي بإخلاص العمل، وإخلاص طلب الأجر، ورؤية المنة لله، ورؤية ~~التقصير فيها. وأخرجني عنها مخرج صدق فلا تستعملني فيما يحبطها علي، ولا ~~تردني على نفسي. وإذا غلبني الشيطان أو النفس أو الخلق، أو وردت علي شبهة، ~~فاجعل لي من لدنك، لا من عند فكري، سلطانا أي حجة نصيرا ينصرني على ما ذكر. ~~ليبقي علي عبادتي فيوصلني إلى المقام المحمود. انتهى واللفظ الكريم محتمل ~~لذلك. ويظهر لنا أنه إشارة للهجرة كما ستراه. # وقل أي استبشارا بقرب الظفر والنصر، وترهيبا للمشركين جاء الحق # PageV06P495 # وهو الوعد بالسلطان النصير والإسلام ودولته وزهق الباطل أي ذهب وهلك. وهو ~~الشرك وجولته إن الباطل كان زهوقا أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت. ### | ### | تنبيه: # # سياق هذه الآيات مع سباقها أعني قوله تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من ~~الأرض يدل على أن نزولها في أوقات الاهتمام للهجرة إلى المدينة، ومبارحة ~~مكة، وأنه تعالى أمر نبيه بأن يبتهل إليه في تيسير إدخاله لمهاجره على ما ~~يرضيه، وإخراجه من بلده كذلك. وأن يجعل له حماية من لدنه، تعز جانبه وتعصمه ~~ممن يرومه بسوء. # وأسلوب التنزيل العزيز في مثل هذا الدعاء، هو إرادة الخبر بحصول المدعو، ~~ومشيئة الله بوقوعه عن قرب. ولذلك عقبه بقوله: وقل جاء الحق وزهق الباطل ~~إعلاما بأن الأمر تم، والفرج جاء، ودحر الباطل ورجع إلى أصله، وهو العدم. # روى الحافظ أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة. وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، تعبد من دون الله. ~~فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجوهها. وقال: جاء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ورواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود، ~~بنحوه. # قال في (الإكليل) فيه استحباب تلاوة هذه الآية عند ms3080 إزالة المنكر. # ثم بين تعالى خسار المشركين، بإعراضهم عما يشفي أمراضهم المعنوية، وهو ~~القرآن الكريم، ونجاح المؤمنين بالاستشفاء بهداه ورحمته، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 82] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~أي وننزل عليك من القرآن ما يستشفى به من الجهل والضلالة. ورحمة ببيان ~~الحقائق وإقامة البراهين للمؤمنين به، دون الكافرين. لأن المؤمنين يعملون ~~بما فيه من فرائض الله وشرائعه. فيدخلهم الجنة وينجيهم من العذاب. فهو لهم ~~رحمة ونعمة. ولا يزيد الظالمين، بكفرهم وشركهم، إلا خسارا. أي إهلاكا. ~~لأنهم كلما جاءهم أمر من الله أو نهي، كفروا به، فزادهم خسارا إلى ما كانوا ~~فيه قبل، ورجسا إلى رجسهم. # قال الشهاب: (الشفاء) استعارة تصريحية أو تخييلية. بتشبيه الكفر بالمرض. # و (من) بيانية. قدمت على المبين وهو (ما) اعتناء. # PageV06P496 ### | تنبيه: # ذهب بعضهم إلى أن القرآن مما يستشفى به من الأمراض الحسية لهذه الآية. # بحمل قوله شفاء على معنيين من باب عموم المجاز. أو حمل المشترك على ~~معنييه، وممن قرر ذلك الرازي. وعبارته: اعلم أن القرآن شفاء من الأمراض ~~الروحانية. # وشفاء أيضا من الأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية ~~فظاهر. # وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة. والأخلاق ~~المذمومة. أما الاعتقادات الباطلة، فأشدها فساد الاعتقادات في الإلهيات ~~والنبوات والمعاد والقضاء والقدر. والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في ~~هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها. لا جرم كان شفاء من هذا النوع ~~من المرض الروحاني وأما الأخلاق المذمومة، فالقرآن مشتمل على تفصيلها ~~وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة، ~~والأعمال المحمودة. فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض. فثبت أن ~~القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية. # وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرا من ~~الأمراض. ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقي ~~المجهولة والعزائم التي لا يفهم ms3081 منها شيء آثارا عظيمة في تحصيل المنافع ~~ودفع المفاسد- فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم، المشتمل على ذكر جلال ~~الله وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة والشياطين سببا ~~لحصول النفع في الدين والدنيا- كان أولى. ويتأكد ما ذكرنا # بحديث: (من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى) # وأما كونه رحمة للمؤمنين، فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مرضية بسبب ~~العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة. والقرآن منه ما يفيد الخلاص من شبهات ~~الضالين وتمويهات والمبطلين، وهو الشفاء. ومنه مما يفيد تعليم كيفية اكتساب ~~العلوم العالية والأخلاق الفاضلة، التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب ~~العالمين، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين، وهو الرحمة. ولما كانت إزالة ~~المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة، لا جرم بدأ الله تعالى، في ~~هذه الآية، بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة. انتهى. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في بحث الأدوية والأغذية المفردة، ~~التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم في حرف القاف: (قرآن) : قال الله ~~تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. والصحيح أن (من) هاهنا ~~لبيان الجنس، لا للتبعيض. # PageV06P497 # وقال تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ~~[يونس: 57] ، فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية. ~~وأدواء الدنيا والآخرة. وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به. وإذا أحسن ~~العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام، واعتقاد جازم، ~~واستيفاء شروطه- لم يقاومه الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض ~~والسماء، الذي لو أنزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها. فما من مرض ~~من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل للدلالة على دوائه وسببه ~~والحمية منه، لمن رزقه الله فهما في كتابه. فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه ~~الله. ومن لم يكفه فلا كفاه الله. # ثم قال في (حرف الكاف) : ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، ~~وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه. ثم ذكر ما كان يكتبه ms3082 شيخ الإسلام ~~ابن تيمية للرعاف. فانظره. # وذكر، قبل، في فاتحة الكتاب، من سر كونها شفاء، حقائق بديعة. وكذا في بحث ~~الرقي. وذكر أيضا أن من الأدوية التي تشفي من الأمراض، ما لم يهتد إليها ~~عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية ~~القلبية والروحانية وقوة القلب واعتماده على الله والتوكل عليه والالتجاء ~~إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له والصدقة والصلاة والدعاء ~~والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق وإغاثة الملهوف والتفريج عن ~~المكروب. فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها. ~~فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا ~~تجربته ولا قياسه وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة. ورأيناها تفعل ~~ما لا تفعل الأدوية الحسية وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية، ليس خارجا ~~عنها. ولكن الأسباب متنوعة، فإن القلب متى اتصل برب العالمين، وخالق الداء ~~والدواء، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء، كانت له أدوية أخرى غير ~~الأدوية التي يعاينها القلب البعيد منه، المعرض عنه. وقد علم أن الأرواح ~~متى قويت وقويت النفس والطبيعة، تعاونا على دفع الداء وقهره. فكيف ينكر لمن ~~قويت طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها ~~بذكره، وانصراف قواها كلها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكلها ~~عليه- أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، ويوجب لها هذه القوة دفع الألم ~~بالكلية. ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس وأعظمهم حجابا وأكثفهم نفسا، وأبعدهم ~~عن الله وعن حقيقة الإنسانية. # PageV06P498 # وقد أسهب، عليه الرحمة، أيضا في كتاب (إغاثة اللهفان) في بيان تضمن ~~القرآن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه، بما تنبغي مراجعته، ليزداد ~~المريد علما. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 83] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا إشارة ~~إلى السبب في وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال. وهو حب الدنيا وإيثارها ms3083 ~~على الأخرى، وكفران نعمه تعالى. بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج ~~عند مس شر قضى عليه. وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان. فإن المؤمن ينظر بعين ~~البصيرة، ويشاهده قدرة الله تعالى في كلتا الحالتين. ويتيقن في الحالة ~~الأولى أن الشكر رباط النعم. وفي الثانية أن الصبر دفاع النقم. فيشكر ~~ويصبر. ويعلم أن المنعم يقدر فلم يعرض عند النعمة بطرا وأشرا. ولم يغفل عن ~~المنعم ولم يجزع عند النقمة جزعا وضجرا. # فالآية وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة. كقوله تعالى: ~~ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور، ولئن أذقناه ~~نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور، إلا الذين ~~صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير [هود: 9- 11] . # قال الزمخشري: ونأى بجانبه تأكيد للإعراض. لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه ~~عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره. أو أراد ~~الاستكبار، لأن ذلك من عادة المستكبرين. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 84] # قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # قل كل يعمل على شاكلته أي على مذهبه وطريقته وخليقته وملكته الغالبة ~~عليه، الحاصلة له من استعداد حقيقته، التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة. ~~من # PageV06P499 # قولهم (طريق ذو شواكل) وهي الطرق التي تتشعب منه لتشاكلها. أي تشابهها في ~~الشكل. فسميت عادة المرء بها، لأنها تشاكل حاله. والدليل عليه قوله تعالى: # فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا أي أسد مذهبا وطريقة، من العاملين: عامل ~~الخير بمقتضى سجية القلب الفاضلة، وعامل الشر بمقتضى طبيعة النفس، ~~فيجازيهما بحسب أعمالهما. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 85] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) # ويسئلونك عن الروح قال القاشاني: أي الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره قل ~~الروح من أمر ربي أي ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهريين ~~البدنيين، الذين يتجاوز إدراكهم ms3084 الحس والمحسوس، بالتشبيه ببعض ما شعروا به، ~~والتوصيف. بل من عالم الأمر، أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن ~~الهيولى، والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين، فلا يمكنكم ~~إدراكه أيها المحجوبون بالكون، لقصور إدراككم وعلمكم عنه وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا هو علم المحسوسات. وذلك شيء نزر حقير بالنسبة إلى علم الله ~~والراسخين في العلم- هذا ما قاله القاشاني- وحاصل الجواب عليه: أن الروح ~~موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة، وتولد من أصل كأعضاء الجسد، حتى يمكن ~~تعريفه ببعض مبادئه، بل هو من عالم الأمر لا من عالم الخلق. فيكون الاقتصار ~~في الجواب على قوله: قل الروح من أمر ربي كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون ~~وما رب العالمين [الشعراء: 23] ، على قوله رب السماوات والأرض [الشعراء: ~~24] ، إعلاما بأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه، لا يعلمه إلا الله تعالى. ~~وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان. وبملازمته له يبقى. كما أومأ إليه قوله ~~تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أي علما قليلا تستعيدونه من طرق ~~الحواس. وهو هذا القدر الإجمالي. # قال الشهاب: والسؤال- على هذا- عن حقيقتها. والجواب إجمالي بأنها من ~~المبدعات من غير مادة. ولذا قيل: إنه من الأسلوب الحكيم. كما في قوله: # يسئلونك عن الأهلة [البقرة: 189] ، إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم، وإنما ~~يعلم منها هذا المقدار. فالمراد ب (الأمر) على هذا التفسير (قول كن) ولذا ~~قالوا لمثله: # عالم الأمر. انتهى. # PageV06P500 # قال أبو السعود عليه الرحمة: وليس هذا من قبيل قوله سبحانه: إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [يس: 82] ، فإن ذلك عبارة عن سرعة ~~التكوين. # سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق. بل إنه من الإبداعيات ~~الكائنة بمحض الأمر التكويني من غير تحصل من مادة. وحكى، عليه الرحمة، قولا ~~آخر وهو: أن الأمر بمعنى الشأن. قال: والإضافة للاختصاص العلمي لا ~~الإيجادي، لاشتراك الكل فيه. وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى. كما في ~~الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه. أي هو من ms3085 جنس ما استأثر الله بعلمه ~~من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر. وعليه، ف (من) ~~بيانية أو تبعيضية. ويكون نهيا لهم عن السؤال عنها، وتركا للبيان. وهذا رأي ~~كثيرين. أمسكوا عن الخوض فيها، وقالوا: إنها شيء استأثر الله بعلمه ولم ~~يطلع أحدا من خلقه. فلا يجوز البحث عنها بأكثر من أنها شيء موجود، بل غلا ~~بعضهم وقال: إن الإفاضة في بحث الروح بدعة في الدين. إذا لم يبينه الله ~~لرسوله بأكثر مما في الآية. فالاشتغال بالتفتيش عنه غلو فيما لم يرد به ~~قرآن ولم يقم عليه برهان، وما كان كذلك فهو عناد. # وأجاب الخائضون في بحثها، بأن الآية لا يدل معناها على ذكر دلالة قطعية، ~~ولا دلالة فيها على المنع من الخوض فيها، ولا على أنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن يعلمها. وغاية الأمر أنه أمر بترك الجواب عنها تفصيلا. إما لأن ~~الإمساك عن ذلك كان عند اليهود السائلين عنها، من دلائل نبوته صلى الله ~~عليه وسلم، أو لأن سؤالهم كان تعنتا. فإنها تطلق على معان: منها الراحة ~~وبرد النسيم. وعلى جبريل والقرآن وعيسى عليه السلام والحياة والقلب والرحمة ~~وغير ذلك. فأضمروا على أنه إذا أجاب بأحد هذه الأمور، قالوا: لم نرده، ~~وإنما أردنا كذا. # ثم الأقاويل فيها من الحكماء والعلماء الأقدمين مختلفة. ولا يتم الجواب ~~في محل الخلاف. فأتى بالجواب مجملا على وجه يصدق على كل من ذلك مرموزا، ~~ليعلمه العلماء بالله. واقتضت المصلحة العامة منع الكلام فيه لغيرهم. لأن ~~الأفهام لا تحتمله. خصوصا على طريقة الحكماء. إذ من غلب على طبعه الجمود لا ~~يقبله ولا يصدق به في صفة الباري. فكيف يصدق به في حق الروح الإنساني. بل ~~قال بعض المدققين: إن في الآية والجواب ببيان حقيقتها، وأنها من إبداعاته ~~الكائنة بتكوينه، من غير سبق مادة- وهو ما ذكرناه أولا- وفي الجواب بذلك ما ~~فيه الكفاية لذوي البصائر والدراية. ومقنع لمن كان له في النزاع، إذا فصل، ~~مطمع. وقد استحسن بعضهم هذا الجواب وقال مذيلا له: ms3086 فيكون قوله: قل الروح من ~~أمر ربي على أن # PageV06P501 # السؤال عن حقيقتها- مطابقا. إلا أنه إجمالي. أي من الممكنات التي يمكن ~~الوقوف على حقائقها، وإن كان بإعمال روية وإيقاظ فكر كباقي عالم الأمر. ~~وعلى أن السؤال عن قدمها وحدوثها كذلك. إلا أنه تفصيلي. وأيا ما كان، فلم ~~يترك بيانها، ولو كانت مما لا سبيل إلى معرفته لقيل: قل إنما علمها عند ربي ~~كما قيل في الساعة، أو نحو ذلك. بل لو لم يكن السبيل لمعرفته، ولو بوجه ما، ~~متيسرا لكثير من الناس، لم يكن لأمره بالتفكر فيها، والتبصر في أمرها، ~~للاستدلال بها عليه، والتوصل بواسطة معرفتها إليه، الذي هو الغاية القصوى ~~والثمرة العظمى- من فائدة. بل كان عبثا. فدل قوله تعالى: أولم يتفكروا في ~~أنفسهم [الروم: 8] ، وقوله: وفي أنفسكم، أفلا تبصرون [الذاريات: 21] ، ونحو ~~ذلك، أنها أمر تدركه العقول، وبه يكون إليه تعالى الوصول. # ثم إن الذين خاضوا في البحث عنها، أثرت عنهم أقوال شتى. وقد أفردت لذلك ~~تآليف قديمة وحديثة، والذي يهمنا معرفته ما عول عليه الأئمة المدققون، ~~الذين نقبوا عن أقوال المتقدمين، ونقدوها بمحك الكتاب والسنة، فنبذوا ما ~~يخالفهما وتمسكوا بما يوافقهما. # فمنهم الإمام ابن حزم. قال رحمه الله في كتابه (الملل والنحل) بعد سرد ~~مذاهب شتى: وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرة بالمعاد، إلى أن النفس جسم ~~طويل عريض عميق ذات مكان. عاقلة مميزة مصرفة للجسد. قال: وبهذا نقول. # والنفس والروح اسمان لمسمى واحد، ومعناهما واحد. ثم قال: وأما من ذهب إلى ~~أن النفس ليست جسما، فقول يبطل بالقرآن والسنة وإجماع الأمة. فأما القرآن، ~~فإن الله عز وجل قال: هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت [يونس: 30] ، وقال ~~تعالى: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم [غافر: 17] ، وقال تعالى: # كل امرئ بما كسب رهين [الطور: 21] ، فصح أن النفس هي الفعالة الكاسبة ~~المجيبة المخطئة. وقال تعالى: إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] ، وقال ~~تعالى: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] . وقال ~~تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ms3087 الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون ~~[البقرة: 154] ، وقال تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله [آل عمران: 169- ~~170] فصح أن الأنفس، منها ما يعرض على النار قبل يوم القيامة، فيعذب. ومنها ~~ما يرزق # PageV06P502 # وينعم فرحا، ويكون مسرورا قبل يوم القيامة. ولا شك أن أجساد آل فرعون ~~وأجساد المقتولين في سبيل الله، قد تقطعت أوصالها وأكلها السباع والطير ~~وحيوان الماء. # فصح أن الأنفس منقولة من مكان إلى مكان. ولا شك في أن العرض لا يلقى ~~العذاب ولا يحس، فليست عرضا. وصح أنها تنتقل في الأماكن قائمة بنفسها، وهذه ~~صفة الجسم لا صفة الجوهر عند القائل به، فصح، ضرورة، أنها جسم. # وأما # من السنن فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» # (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة) # وقوله صلى الله عليه وسلم «2» # ، إنه (رأى نسم بني آدم عند سماء الدنيا عن يمين آدم ويساره) # فصح أن الأنفس مرئية في أماكنها، # وقوله عليه السلام «3» # (إن نفس المؤمن إذا قبضت، عرج بها إلى السماء وفعل بها كذا. ونفس الكافر ~~إذا قبضت فعل بها كذا) # فصح أنها معذبة ومنعمة ومنقولة في الأماكن، وهذه صفة الأجسام ضرورة. # وأما من الإجماع، فلا اختلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن أنفس العباد ~~منقولة بعد خروجها من الأجساد، إلى نعيم أو إلى صنوف ضيق وعذاب. وهذه صفة ~~الأجسام. # ثم قال: ومعنى قول الله تعالى: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي. # إنما هو لأن الجسد مخلوق من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم ~~عظما ثم لحما ثم أمشاجا. وليس الروح كذلك. وإنما قال الله تعالى آمرا له ~~بالكون (كن فكان) . فصح أن النفس والروح والنسمة أسماء مترادفة لمعنى واحد، ~~وقد يقع الروح أيضا على غير هذا. فجبريل عليه السلام الروح الأمين. والقرآن ~~روح من عند الله. # وقال ابن حزم أيضا، قبل ذلك، في بحث عذاب القبر: ms3088 والذي نقول به في مستقر ~~الأرواح، هو ما قاله الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم لا نتعداه، فهو ~~البرهان الواضح وهو أن الله تعالى قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين [الأعراف: 172] ، وقال تعالى: PageV06P503 # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا [الأعراف: ~~11] ، فصح أن الله عز وجل خلق الأرواح جملة، وهي الأنفس. وكذلك # أخبر عليه السلام «1» # (إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) # - وهي العاقلة، الحساسة- وأخذ عز وجل عهدها وشهادتها- وهي مخلوقة مصورة ~~عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، على جميعهم السلام. وقبل أن ~~يدخلها في الأجساد. والأجساد يومئذ تراب وماء. ثم أقرها تعالى حيث شاء. لأن ~~الله تعالى ذكر ذلك بلفظة (ثم) التي توجب التعقيب والمهلة. ثم أقرها عز وجل ~~حيث شاء. وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت. لا تزال يبعث منها الجملة، ~~بعد الجملة. فينفخها في الأجساد المتولدة من المني، المنحدر من أصلاب ~~الرجال وأرحام النساء. كما قال تعالى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى [القيامة: 37- 38] ، وقال عز وجل: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما [المؤمنون: 12- ~~14] ، الآية وكذلك # أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» # أنه (يجمع خلق ابن آدم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ~~ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح) # فيبلوهم الله عز وجل في الدنيا كما شاء. ثم يتوفاها فترجع إلى البرزخ ~~الذي رآها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا: ~~أرواح أهل السعادة عن يمين آدم عليه الصلاة والسلام، وأرواح أهل الشقاوة عن ~~يساره عليه السلام. وذلك عند منقطع العناصر، وتعجل أرواح الأنبياء عليهم ~~السلام وأرواح ms3089 الشهداء إلى الجنة. # وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه، أنه ذكر هذا القول الذي ~~قلنا بعينه، وقال: على هذا أجمع أهل العلم. # ثم قال ابن حزم: ولا تزال الأرواح هنالك، حتى يتم عدد الأرواح كلها ~~بنفخها في أجسادها ثم برجوعها إلى البرزخ المذكور. فتقوم الساعة، ويعيد عز ~~وجل الأرواح ثانية إلى الأجساد. وهي الحياة الثانية. ويحاسب الخلق: فريق في ~~الجنة وفريق في السعير، مخلدين أبدا. انتهى. PageV06P504 ### | ### | فصل # # ومنهم شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، قال في: (تفسير ~~سورة الإخلاص) بعد أن ذكر نزاع المتكلمين المتفلسفة في الملائكة. هل هي ~~متحيزة أم لا؟ وكذلك نزاعهم في روح الإنسان التي تفارقه بالموت، على قول ~~الجمهور الذين يقولون: هي عين قائمة بنفسها ليست عرضا من أعراض البدن ~~كالحياة وغيرها. ولا جزءا من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه. فإن كثيرا من ~~المتكلمين زعموا أنها عرض قائم بالبدن، أو جزء من أجزاء البدن. لكن هذا ~~مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف. ولقول جماهير العقلاء من جميع ~~الأمم. # ومخالف للأدلة، وهذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام. # قال القاضي أبو بكر: أكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض. # وبهذا نقول: إذا لم يعن بالروح النفس، فإنه قال: الروح الكائن في الجسد ~~ضربان: # أحدهما الحياة القائمة به والآخر النفس. والنفس ريح ينبث به، والمراد ~~بالنفس، ما يخرج بنفس التنفس من أجزاء الهواء المتحلل من المسام. وهذا قول ~~الإسفرائيني وغيره. وقال ابن فورك: هو ما يجري في تجاويف الأعضاء. وأبو ~~المعالي خالف هؤلاء وأحسن في مخالفتهم فقال: إن الروح أجسام لطيفة مشابكة ~~للأجسام المحسوسة. # أجرى الله العادة بحياة الأجساد ما استمرت مشابكتها لها. فإذا فارقتها ~~تعقب الموت الحياة في استمرار العادة. ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~وسائر سلف الأمة وأئمة السنة، وأن الروح عين قائمة بنفسها. تفارق البدن ~~وتنعم، وتعذب. ليست هي البدن، ولا جزءا من أجزاءه كالنفس المذكور. # ثم الذين قالوا: إنها عين، تنازعوا: هل هي ms3090 جسم متحيز؟ على قولين: # كتنازعهم في الملائكة. فالمتكلمون منهم يقولون: جسم. والمتفلسفة يقولون: # جوهر عقلي ليس بجسم. وأصل تسميتهم المجردات والمفارقات، هو مأخوذ من نفس ~~الإنسان. فإنها لما كانت تفارق بدنه بالموت، وتتجرد عنه، سموها مفارقة ~~مجردة. ثم أثبتوا ما أثبتوه من العقول والنفوس وسموها. مفارقات ومجردات. # لمفارقتها المادة التي هي عندهم الجسم. وهذه المفارقات عندهم ما لا يكون ~~جسما ولا قائما بجسم. لكن النفس متعلقة بالجسم تعلق التدبير. والعقل لا ~~تعلق له بالأجسام أصلا. ولا ريب أن جماهير العقلاء على إثبات الفرق بين ~~البدن والروح التي تفارق. # PageV06P505 # والجمهور يسمون ذلك روحا وهذا جسما- لكن لفظ الجسم في اللغة ليس هو الجسم ~~في اصطلاح المتكلمين. بل الجسم هو الجسد. وهو الجسم الغليظ، أو غلظه. ~~والروح ليست مثل البدن في الغلظ والكثافة ولذلك لا تسمى جسما. فمن جعل ~~الملائكة والأرواح جسما بالمعنى اللغوي، فما أصاب في ذلك. وأما أهل ~~الاصطلاح من المتكلمة والمتفلسفة، فيجعلون مسمى الجسم أعم من ذلك. وهو ما ~~أمكنت الإشارة الحسية إليه. وما قيل إنه هنا وهناك وما قبل الأبعاد الثلاثة ~~ونحو ذلك. # ثم قال عليه الرحمة: وما يقوله هؤلاء المتفلسفة في النفس الناطقة، من ~~أنها لا يشار إليها ولا توصف بحركة ولا سكون ولا صعود ولا نزول، وليس داخل ~~العالم ولا خارجه- هو كلام باطل عند جماهير العقلاء. ولا سيما من يقول ~~منهم، كابن سينا وأمثاله: إنها لا تعرف شيئا من الأمور الجزئية. وإنما تعرف ~~الأمور الكلية. فإن هذا مكابرة ظاهرة. فإنها تعرف بدنها وتعرف كل ما تراه ~~بالبدن وتشمه وتسمعه وتذوقه وتقصده وتأمر به وتحبه وتكرهه، إلى غير ذلك مما ~~تتصرف فيه بعلمها وعملها. # فكيف يقال: إنها لا تعرف الأمور المعينة وإنما تعرف أمورا كلية!؟ وكذلك ~~قولهم: # إن تعلقها بالبدن ليس إلا مجرد تعلق التدبير والتصريف كتدبير الملك ~~لمملكته- من أفسد الكلام. فإن الملك يدبر أمر مملكته، فيأمر وينهى. ولكن لا ~~يصرفهم هو بمشيئته وقدرته، إن لم يتحركوا هم بإرادتهم وقدرتهم. # والملك لا يلتذ بلذة أحدهم ولا يتألم بتألمه، ms3091 وليس كذلك الروح والبدن. بل ~~قد جعل الله بينهما من الاتحاد والائتلاف ما لا يعرف له نظير يقاس به. ولكن ~~دخول الروح فيه ليس هو مماثلا لدخول شيء من الأجسام المشهودة. فليس دخولها ~~فيه كدخول الماء ونحوه من المائعات في الأوعية. فإن هذه إنما تلاقي السطح ~~الداخل في الأوعية لا بطونها ولا ظهورها وإنما يلاقي الأوعية منها أطرافها ~~دون أوساطها. # وليس كذلك الروح والبدن. بل الروح متعلقة بجميع أجزاء البدن باطنه ~~وظاهره. # وكذلك دخولها فيها ليس كدخول الطعام والشراب في بدن الآكل. فإن ذلك له ~~مجار معروفة، وهو مستحيل إلى غير ذلك من صفاته. ولا جريانها في البدن ~~كجريان الدم. # فإن الدم يكون في بعض البدن دون بعض. ففي الجملة كل ما يذكر من النظائر ~~لا يكون كل شيء منه متعلقا بالآخر. بخلاف الروح والبدن. لكن هي مع هذا في ~~البدن قد ولجت فيه. وتخرج منه وقت الموت. وتسل منه شيئا فشيئا. فتخرج من ~~البدن شيئا فشيئا. لا تفارقه كما يفارق الملك مدينته التي يدبرها. والناس ~~لما لم يشهدوا # PageV06P506 # لها نظيرا، عسر عليهم التعبير عن حقيقتها. وهذا تنبيه لهم على رب ~~العالمين، حيث لم يعرفوا حقيقته، ولا تصوروا كيف هو سبحانه وتعالى. وإن ما ~~يضاف إليه من صفاته هو على ما يليق به جل جلاله. فإن الروح، التي هي بعض ~~عبيده، توصف بأنها تعرج إذا نام الإنسان. وتسجد تحت العرش. وهي مع هذا في ~~بدن صاحبها لم تفارقه بالكلية. والإنسان. في نومه، يحس بتصرفات روحه تصرفات ~~تؤثر في بدنه. فهذا الصعود الذي توصف به الروح لا يماثل صعود المشهودات. ~~فإنها إذا صعدت إلى مكان فارقت الأول بالكلية. وحركتها إلى العلو حركة ~~انتقال من مكان. وحركة الروح بعروجها وسجودها ليس كذلك. انتهى. ### | فصل # وكتب بعض المنقبين عن مباحث المدققين العصريين في الروح ما مثاله: إن ~~نظرية الروحيين التي يستدلون عليها في أوربا بالحس في هذه الأيام، هي أن ~~للإنسان روحا هبطت عليه من الملأ الأعلى. لا يصل العقل إلى إدراك كنهها. ms3092 ~~وإنها متصلة بهذا الجسد الطيني، بواسطة هيكل لطيف شفاف على شكل الجسد ~~تماما. ولكنه ليس من طبيعته ولا محكوما بقوانينه. وإنه كغلاف للسر الإلهي ~~المسمى روحا. # ولعل في هذا ما يشبه قول الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه عن الروح (هي ~~صورة كالجسد) ويقولون: إن الروح وغلافها هذا يخرجان من الجسد عند حصول ~~الموت للشخص، إلى عالم غير هذا العالم. ولكنهما لا ينفصلان عنه كل ~~الانفصال، بل أرواح الموتى منتشرة حولنا في كل جهة. ولكنا لا نراها ~~بأعيننا، لعدم استعداد أعيننا لذلك. كما أنها ليست مستعدة لرؤية أشعة ~~(رونتجن) مع أنها موجودة كما تدل عليه الآية التي صنعها له. وقد دخلت ~~تطبيقاتها في علم الطب وأفادت العلم الطبيعي فائدة كبرى. ولكن يوجد أشخاص ~~فيهم استعداد خاص به يرون الأرواح رائحة غادية، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ~~رؤية حقيقية. انتهى. ملخصا. ### | تنبيه: # جميع ما قدمناه، بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان. # قال ابن القيم في كتاب (الروح) : وفي ذلك خلاف بين السلف والخلف. # وأكثر السلف، بل كلهم، على أن الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواح ~~بني آدم. بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه، أنه يقوم يوم القيامة ~~مع الملائكة، # PageV06P507 # وهو ملك عظيم. # وقد ثبت في الصحيح «1» عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حرة المدينة، وهو متكئ على عسيب، فمررنا على نفر من ~~اليهود. فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه عسى أن ~~يخبر فيه بشيء تكرهونه. وقال بعضهم: نسأله. فقام رجل فقال: يا أبا القاسم! ~~ما الروح؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلمت أنه يوحى إليه. ~~فقمت. فلما تجلى عنه قال: # ويسئلونك عن الروح الآية، # ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي. # وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس. وأما أرواح بني آدم فليست ~~من الغيب. وقد تكلم فيها طوائف الناس من أهل الملل ms3093 وغيرهم. فلم يكن الجواب ~~عنها من أعلام النبوة. فإن قيل: فقد روى أبو الشيخ عن السدي عن أبي مالك، ~~عن ابن عباس قال: بعثت قريش عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن أمية بن المغيرة ~~إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقالوا: إنه قد ~~خرج فينا رجل يزعم أنه نبي. وليس على ديننا. ولا على دينكم. قالوا: فمن ~~تبعه؟ قالوا: سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه. وأما أشراف قومه فلم ~~يتبعوه. فقالوا: إنه قد أظل زمان نبي يخرج، وهو على ما تصفون من أمر هذا ~~الرجل، فأتوه فاسألوه عن ثلاث خصال فأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي ~~صادق. وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب. سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في ~~آدم. فإن قال لكم: هي من الله، فقولوا: كيف يعذب الله في النار شيئا هو ~~منه.؟ فسأل جبريل عنها فأنزل الله الآية. يقول: هو خلق من خلق الله ليس هو ~~من الله. # قيل: مثل هذا الإسناد لا يحتج به. فإنه من تفسير السدي عن أبي مالك. وفيه ~~أشياء منكرة. وسياق هذه القصة في السؤال، من الصحاح والمسانيد، كلها تخالف ~~سياق السدي. # وقد رواها الأعمش والمغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ملأ من اليهود. وأنا أمشي معه. فسألوه عن ~~الروح، قال فسكت. # فظننت أنه يوحى إليه. فنزلت ويسئلونك عن الروح يعني اليهود قل الروح من ~~أمر ربي ... الآية. وكذلك هي في قراءة عبد الله. فقالوا كذلك نجد مثله في ~~التوراة أن الروح من أمر الله عز وجل. رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن ~~المغيرة. # وروى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس قال: PageV06P508 # أتت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الروح. فلم يجبهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشيء. فأنزل الله عز وجل الآية # . فهذا يدل على ضعف حديث السدي، ms3094 وأن السؤال كان بمكة، فإن هذا الحديث ~~وحديث ابن مسعود صريح أن السؤال كان بالمدينة مباشرة من اليهود. ولو كان قد ~~تقدم السؤال والجواب بمكة، لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ولبادر إلى ~~جوابهم بما تقدم من إعلام الله له، وما أنزل الله عليه. وقد اضطربت ~~الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظم اضطراب. فإما أن تكون من قبل ~~الرواة، أو تكون أقواله قد اضطربت فيها. ثم ساق ابن القيم الروايات عنه ~~مسندة، ثم قال: والروح في القرآن على عدة أوجه: # أحدها: الوحي، كقوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: ~~52] ، وقوله: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: 15] ، وسمى ~~الوحي روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح. # الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين، ~~كما قال: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] . # الثالث: جبريل كقوله تعالى: نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء: 193- ~~194] ، وقال تعالى: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~[البقرة: 97] ، وهو روح القدس، قال تعالى: قل نزله روح القدس [النحل: 102] ~~. # الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بأنها من أمر الله. وقد قيل ~~إنها الروح المذكورة في قوله تعالى: يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون [النبأ: 38] ، وإنها الروح المذكورة في قوله: تنزل الملائكة والروح ~~فيها بإذن ربهم [القدر: 4] . # الخامس: المسيح عيسى ابن مريم. قال تعالى: إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه [النساء: 171] ، أما أرواح بني ~~آدم فلم تقع تسميتها بالقرآن إلا بالنفس، قال تعالى: يا أيتها النفس ~~المطمئنة [الفجر: 27] ، وقال: ولا أقسم بالنفس اللوامة [القيامة: 2] ، ~~وقال: إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] ، وقال: أخرجوا أنفسكم [الأنعام: ~~93] ، وقال: # ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 7- 8] ، وقال: كل نفس ~~ذائقة الموت [آل عمران: 185] . # PageV06P509 # وأما في السنة فجاءت بلفظ النفس والروح. انتهى. # قال ابن كثير: رواية عبد الله في الصحيح المتقدمة، تقتضي ms3095 فيما يظهر ببادئ ~~الرأي، أن هذه الآية مدينة. وأنها إنما أنزلت حين سأله اليهود عن ذلك ~~المدينة. مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه ~~بالمدينة مرة ثانية. كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. أو إنه نزل عليه الوحي ~~بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية ~~ويسئلونك عن الروح انتهى. # وقد روى ابن جرير عن قتادة: أن الروح في الآية هو جبريل عليه السلام. # وحكاه عن ابن عباس. # أقول: الذي أراه متعينا في الآية، لسابقها ولا حقها، أن المراد بالروح ~~الوحي بالقرآن، وهو قريب من قول قتادة. ووجه تعينه أن هذه الآية في سياق ~~ذكر القرآن وتنزيله والمنة بكونه شفاء ورحمة، وقد سمى تعالى الوحي بالقرآن ~~روحا: قال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] وقال ~~تعالى: # يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: 15] فكانوا إذا سمعوا ~~الروح، وصدعوا بالإيمان به، يتعنتون في السؤال عنه، استبعادا لأن يكون من ~~لدنه سبحانه، ولأن يكون بشر مثله مبعوثا بأمره تعالى أن يبين لهم أنه وحي ~~أوحاه الله، وأنه روح من لدنه، وإلقاء من أمره. ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي [يونس: 53] وقوله تعالى: عم يتساءلون، ~~عن النبإ العظيم، الذي هم فيه مختلفون [النبأ: 1- 3] ، أي بعضهم ينكره ~~وبعضهم يتردد في صحته. # وذلك لأنهم قوم جاهليون، لا عهد لهم بالعلوم والمعارف، فضلا عن الوحي ~~وخصائص النبوة، للأمية والجهالة الفاشيتين فيهم. كما أشير إليه بقوله ~~تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أي مما تناله مشاعركم وتصل إليه ~~فطنكم. وما هو في جنب معلومات لا تحصى، إلا كالقطرة من البحر والذرة من ~~الكثيب. والقاعدة أن القرآن متجاوب الأطراف، يفسر بعضه بعضا. # وجميع ما ذكره المتقدمون، غير ما ذكرناه، جري مع ما يحتمله نظم الآية ~~الكريمة. وكذا رواية ابن مسعود أنه أجيب بها اليهود، لأنها لما كان لها ~~وجوه من المعاني، ومنها ما سألوا عنه، ألقموا بها، ms3096 والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # ثم أشار تعالى إلى نعمته فيما أوحاه من هذا التنزيل والهداية به، بقوله ~~سبحانه: # PageV06P510 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 86] # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك أي من القرآن الذي هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين: وإنما عبر عنه بالموصول، تفخيما لشأنه. ووصفا له بما هو في حيز ~~الصلة، وإعلاما بأنه ليس من قبيل كلام المخلوق ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ~~أي من يتوكل علينا برده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 87] # إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) # إلا رحمة من ربك أي ولكن رحمة من ربك تركته غير مشاء الذهاب به بل تولت ~~حفظه. # قال الزمخشري: وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا، بعد المنة ~~العظيمة في تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين ~~والقيام بشكرهما. وهما منة الله عليه بحفظه العلم ورسوخه في صدره، ومنته ~~عليه في بقاء المحفوظ: إن فضله كان عليك كبيرا أي تفضله بالإيحاء والتعليم ~~الرباني، والاصطفاء للرسالة، ثم أمره تعالى أن يخاطب أولئك المشركين الذين ~~لم يفقهوا قدر التنزيل، وأنه وحي رباني، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 88] # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # قل لئن اجتمعت الإنس والجن أي اتفقت على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا أي معينا. وفي تقاصر قوى هؤلاء ~~جميعهم عن ذلك، مع طول الزمن، دليل قاطع على أنه ليس ما اعتيد صدوره عن ~~البشر، بل هو كلام عالم الغيب والشهادة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 89] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(89) # ولقد صرفنا أي رددنا وكررنا وبينا للناس في هذا القرآن من كل مثل ms3097 أي # PageV06P511 # من كل معنى، هو كالمثل في غرابته وحسنه، ليتقرر ويرسخ في نفوسهم، ~~ويزدادوا تدبرا وإذعانا. فكان حالهم على العكس، إذ لم يزدادوا إلا كفرا، ~~كما قال سبحانه: # فأبى أكثر الناس إلا كفورا أي جحودا. # ولما تبين إعجاز القرآن، وأنه الآية الكبرى، ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا ~~يتعللون باقتراح الآيات، فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، ~~فيما حكاه تعالى عنهم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 90 الى 93] # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا (93) # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أي تشقق لنا من أرض مكة ~~عيونا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب أي بستان منهما فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا وإنما قدموا في عنتهم هذا المقترح، لأنهم كانوا يردون بلاد الشام ~~والعراق، ويرون ما فيها من البساتين والأنهار. # قال ابن جرير فيما رواه، إنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت ~~أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا. ولا أقل مالا. ولا أشد عيشا منا. ~~فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت ~~علينا وليبسط لنا بلادنا. # وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق. ثم زادوا في الاقتراح فقالوا: ~~أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا بالعذاب أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا أي كفيلا بما تقول، شاهدا بصحته أو يكون لك بيت من زخرف أي ~~ذهب: أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك أي وحده حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه أي كتابا من السماء، فيه تصديقك قل سبحان ربي أي تنزيها له. والمراد ~~به التعجب من اقتراحاتهم هل كنت ms3098 إلا بشرا رسولا أي كسائر الرسل. وكانوا لا ~~يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، حسبما يلائم حال قومهم. ~~ولم يمكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على الله بشيء منها. # PageV06P512 ### | تنبيه: # لا يخفى ما في اقتراح هذه الآيات من الجهل الكبير بسنة الله في خلقه، ~~وبحكمته وجلاله. وبيان ذلك- كما في كتاب (لسان الصدق) - أن ما اقترحه قريش ~~فيها (منه) ما أرادوا به مصلحتهم دون مصلحة العباد مما يخالف حكمة الله ~~تعالى المقتضية لإخلاء بعض البقاع من العيون النابعة والأنهار الجارية ~~والجنان الناضرة دون بعض. وإرساء الجبال الشم في موضع دون آخر، لمصالح ~~يعلمها هو جلت عظمته. ولا يعلمها الخلق. فليس مقترحهم هذا من العجز في شيء. ~~مع أن مثله لا تثبت به النبوة. فإننا نعلم أن أناسا قد استنبطوا العيون ~~وغرسوا الجنان من النخيل والأعناب ونحتوا الجبال ولم يكونوا بذلك أنبياء ~~(ومنه) ما يناقض إرادة الله سبحانه وهو قولهم: أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا فإن إنزال السماء قطعا مقتض لهلاك العالم بحذافيره. والله يريد ~~إبقاءه إلى أجل معلوم (ومنه) ما هو مستحيل في نفسه غير ممكن وقوعه أصلا وهو ~~قولهم: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فإن الإتيان بالله والملائكة حتى ~~يشاهدهم المشركون أو غيرهم مما لا يمكن أن يكون. فلا يجوز طلبه، وليس من ~~أنواع المعجز (ومنه) ما لا يصلح للأنبياء، ولو حصل لم يكن معجزا وهو قولهم: ~~أو يكون لك بيت من زخرف فإن هذا غير صالح للأنبياء. وليس بمعجز، لحصول مثله ~~عند أشباه فرعون (ومنه) ما وعدوا بعدم إيمانهم به لو حصل، وأردفوه بما لا ~~يجوز وهو قولهم: أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه فيه- على ما ذكر في الرواية- من الله العظيم إلى فلان وفلان وفلان، ~~لقوم من قريش بأسمائهم. أما بعد. فإن محمدا رسولي فآمنوا به. # والصعود في السماء لا مرية فيه، لأنهم قالوا: ولن نؤمن لرقيك فلو كان، ~~لكان عبثا. وإنزال كتاب عليهم على المعنى ms3099 المذكور يستلزم جعلهم أنبياء، لأن ~~ذلك وحي مثل التوراة والإنجيل. والوحي مختص بالأنبياء، والكفار عنه ~~معزولون. فلم يكن شيء مما اقترحوه في الآيات معجزا. وإنما هي أمور مستحيلة ~~في نفسها، أو لأمر آخر. اقترحوها تكبرا وتعنتا وجهلا. على أنهم بعد تلك ~~الأقوال كلها قال قائل منهم: # وأيم الله! لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. وقد قال تعالى: ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا [الأنعام: 111] ، فكان الأولى في جوابهم عما اقترحوه، هو ما أجاب ~~به صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ~~أي تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته. وما أنا إلا ~~بشر رسول. علي أن أبلغكم رسالات ربي # PageV06P513 # وأنصح لكم. وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إلي. وذلك ما ~~تحديتكم بالإتيان بسورة مثله في الهداية والإصلاح. كما أمرني ربي. ولا ~~أقترح عليه، سبحانه، ما لا يجوز أن يكون. أو ما يكون فعله عبثا، لخلوه عن ~~الفائدة. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 94] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) # وما منع الناس أي الذين حكى تعنتهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا أي إلا تعجبهم من بعثة إنسان رسولا. بمعنى ~~إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر. كما قال تعالى: أكان للناس عجبا أن ~~أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم [يونس: 2] والآيات في ذلك كثيرة. ثم نبه تعالى على لطفه ورحمته ~~بعباده، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا عنه ويفهموا منه، ويمكنهم ~~مخاطبته ومكالمته. حتى لو كانت الأرض مستقرا لملائكته، لكانت رسلهم منهم، ~~جريا على قضية الحكمة. # فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 95] # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ms3100 مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا (95) # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون أي على أقدامهم كما يمشي الإنس مطمئنين ~~أي ساكنين في الأرض قارين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا أي من جنسهم، ~~ليعلمهم الخير ويهديهم المراشد. ولما كنتم أنتم بشرا، بعثنا فيكم رسلا ~~منكم. كما قال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون [البقرة: 151] ~~. ### | تنبيه: # في الآية إشارة إلى حاجة من يستقر في الأرض إلى الرسالة. وقد قضت رحمة ~~الباري تعالى وعنايته بذلك، فمن على الخلق بالرسل وأتم حاجتهم بخاتم ~~أنبيائه فأنقذهم من الحيرة، وخلصهم من التخبط، وأخرجهم من الظلمات إلى ~~النور. # PageV06P514 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 96] # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم أي على أني بلغت ما أرسلت به إليكم، ~~وإنكم كذبتم وعاندتم. وقرر الرازي أن المعني بالشهادة هو الشهادة على ~~رسالته عليه الصلاة والسلام بإعجاز القرآن. أي كفى بما أكرمني به تعالى من ~~هذا المعجز، شاهدا على صدقي. ومن شهد تعالى على صدقه فهو صادق. فقولكم، ~~معشر المشركين، بعد هذا، يجب أن يكون الرسول ملكا، تحكم فاسد. # وناقشه أبو السعود بأن ما قرره لا يساعده قوله تعالى بيني وبينكم وما ~~بعده من التعليل. ثم قال أبو السعود. وإنما لم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة، ~~وإبانة للمباينة. # وقوله تعالى: إنه كان بعباده خبيرا بصيرا أي عالما بأحوالهم. فهو ~~مجازيهم. وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 97] # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~(97) # ومن يهد الله أي إلى الحق بما جاء من قبله إلى الهدى فهو المهتد، ومن ~~يضلل أي يخلق فيه الضلال بسوء اختياره، كهؤلاء المعاندين فلن تجد لهم ms3101 ~~أولياء من دونه أي أنصارا يهدونهم ويحفظونهم من قهره، وإنما أوثر ضمير ~~الجماعة في (لهم) حملا على معنى (من) وأوثر في ما قبله الإفراد، حملا على ~~اللفظ. وسر الاختلاف في المتقابلين الإشارة إلى وحدة طريق الحق، وقلة ~~سالكيه، وتعدد سبل الضلال وكثرة الضلال ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم أي ~~يسحبون عليها كقوله يوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر: 48] وقال ~~القاشاني: أي ناكسي الرؤوس لانجذابهم إلى الجهة السفلية! وعلى وجوداتهم ~~وذواتهم التي كانوا عليها في الدنيا. كقوله (كما تعيشون تموتون وكما تموتون ~~تبعثون) إذ (الوجه) يعبر به عن الذات الموجودة مع جميع عوارضها ولوازمها. ~~أي على الحالة الأولى من غير زيادة ونقصان. وقوله تعالى عميا وبكما # PageV06P515 # وصما # أي كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامون عن ~~استماعه- فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ ~~مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~[الإسراء: 72]- كذا في (الكشاف) مأواهم جهنم كلما خبت أي سكن لهيبها، بأن ~~أكلت جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرا أي توقدا. بأن نبدل جلودهم ولحومهم، ~~فتعود ملتهبة مستعرة. # قال الزمخشري: كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء، جعل الله جزاءهم أن ~~سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها. ثم يعيدها. لا يزالون على الإفناء ~~والإعادة ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث. ولأنه أدخل في الانتقام ~~من الجاحد. # وقد دل على ذلك بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 98] # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا أي لمحيون خلقا جديدا، بإعادة الروح فينا، إذا تلف ~~لحمنا وبقينا عظاما. # بل رقت عظامنا فصارت رفاتا. ثم احتج تعالى عليهم، ونبههم على قدرته على ~~ذلك بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 99] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ms3102 وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) # أولم يروا أي يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق ~~مثلهم أي يوم القيامة. ينشئهم نشأة أخرى ويعيدهم كما بدأهم. والمعنى: قد ~~علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على خلق ~~أمثالهم من الإنس. لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن. كما قال: أأنتم أشد خلقا أم ~~السماء ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء. بل هي أهون. # قال الشهاب: ولا حاجة إلى جعل (مثل) هنا كناية عنهم. كقوله: (مثلك لا # PageV06P516 # يبخل) مع أنه صحيح. ولو جعل خلق مثلهم عبارة عن الإعادة، كان أحسن وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه أي جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلا مضروبا ومدة ~~مقدرة لا بد من انقضائها. كما قال تعالى: وما نؤخره إلا لأجل معدود [هود: # 104] ، فأبى الظالمون أي بعد قيام الحجة عليهم ووضوح الدليل: إلا كفورا ~~أي جحودا وتماديا في باطلهم وضلالهم. ### | لطيفة: # قال الشهاب: هذه الجملة- جملة وجعل إلخ- معطوفة على جملة أولم يروا لأنها ~~وإن كانت إنشائية، فهي مؤولة بخبرية- كما في (شرح الكشاف) إذ معناها: قد ~~علموا بدلالة العقل أنه قادر على البعث والإعادة وجعل لهم أي لإعادتهم أجلا ~~وهو يوم القيامة يعني أنهم علموا إمكانها وإخبار الصادق بها وضربه لها ~~أجلا. فيجب التصديق به. أو جعل لهم أجلا، وهو الموت والانسلاخ عن الحياة. ~~ولا يخفى على عاقل أنه لم يخلق عبثا. فلا بد أن يجزى بما عمله في هذا ~~الدار. فلا معنى للإنكار. فظهر ارتباط المتعاطفين، لفظا ومعنى ولا ريب فيه ~~ظاهر على الثاني. وعلى الأول معناه: لا ينبغي إنكاره لمن تدبر. وقيل إنها ~~معطوفة على قوله: يخلق. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية # 100] # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي أي رزقه وسائر نعمه على خلقه: إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق أي لبخلتم بها مخافة نفادها ms3103 بالإنفاق. مع أنها لا ~~تفرغ ولا تنفد أبدا. لأن هذا من طباعكم وسجاياكم. ولهذا قال سبحانه وكان ~~الإنسان قتورا أي بخيلا. ### | تنبيهات: # الأول: هذه الآية بلغت بالمشركين، من الوصف بالشح، الغاية التي لا يبلغها ~~الوهم، كما قاله الزمخشري. # الثاني: ما اقتضاه آخر الآية من بخل كل أحد فأما بالنسبة إلى الجواد ~~الحقيقي سبحانه لأن المرء إما ممسك أو منفق. والثاني لا يكون إلا لغرض ~~للعاقل، إما دنيوي # PageV06P517 # كعوض مالي، أو معنوي كثناء جميل، أو خدمة واستمتاع، كما في النفقة على ~~الأهل. وما كان لعوض مالي كان مبادلة لا مباذلة. أو هو بالنظر إلى الأغلب، ~~وتنزيل غيره منزلة العدم كما قيل: # عدنا في زماننا ... عن حديث المكارم # من كفى الناس شره ... فهو في جود حاتم # أفاده الشهاب. # وقال ابن كثير: إن الله تعالى يصف الإنسان من حيث هو. إلا من وفقه الله ~~وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له. كما قال تعالى إن الإنسان خلق ~~هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين [المعارج: 19- ~~22] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز. # الثالث: ذكر هذه الآية إثر ما قبلها، لتقرير انفراده تعالى بملك خزائن ~~الرحمة، وسعة كرمه وجوده وإحسانه. كما انفرد بتلك القدرة الباهرة من خلق ~~السموات والأرض، كي تنجلي لهم قدرته العظمى، وسعة خزائنه الملأى. فيصلوا ~~بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحقية ما يدعوهم ~~إليه. # وذكر هذا المعنى في أسلوب بيان ما فطر عليه الإنسان، تذكيرا له بنقصه ~~وضعفه، وإشفاقه وحرصه. ليعلم أنه غير مخلوق سدى، يخلى بينه وبين ما تتقاضاه ~~به نفسه وهواه. والمعنى: أفلا تعتبرون بسعة رحمته وعميم فضله، مما يبرهن ~~على وحدانيته في ألوهيته، ولا ترون ما أنتم عليه من أنكم لو ملكتم ما لا ~~نفاد له من خزائنه، لضننتم بها. مما يدلكم على أنه هو مالك الملك، وأنكم ~~مسخرون لأمره. # وهذه الآية كقوله تعالى أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ~~أي لو أن لهم نصيبا ms3104 في ملك الله، لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير. # وقد جاء في الصحيحين «1» : (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل ~~والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه) ~~. # وقوله تعالى: PageV06P518 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 101] # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات واضحات الدلالة على صحة ما أرسله الله ~~به. وقد مضى الكلام عليها في سورة الأعراف في قوله تعالى فأرسلنا عليهم ~~الطوفان.. الآية، فسئل بني إسرائيل أي عنها: فإنهم يعلمونها، مما لديهم من ~~التوراة. فيظهر للمشركين صدقك، ويزداد المؤمن بك طمأنينة قلب. لأن الأدلة ~~إذا تظاهرت، كان ذلك أقوى وأثبت إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى ~~مسحورا أي فذهب إلى فرعون وأظهر آياته، ودعاه للإيمان به تعالى ولإرسال بني ~~إسرائيل معه. فقال له فرعون ما قال. وقوله مسحورا بمعنى سحرت فخولط عقلك. ~~أو بمعنى ساحر، على النسب أو حقيقة. وهو يناسب قلب العصا ثعبانا. # وعلى الأول هو كقوله إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : آية 102] # قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا (102) # قال لقد علمت أي يا فرعون ما أنزل هؤلاء أي الآيات التسع إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر أي بينات مكشوفات لا سحر ولا تخيل. ولكنك معاند مكابر. ونحوه ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] ، (والبصائر) جمع ~~بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة. أو المراد الحجج، بجعلها كأنها بصائر العقول. ~~وتكون بمعنى عبرة وإني لأظنك يا فرعون مثبورا أي هالكا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 103 الى # 104] # فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) # فأراد أي فرعون أن يستفزهم ms3105 من الأرض أي يفزعهم ويزعجهم بما يحملهم على ~~خفة الهرب فرقا منه. أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال. # والضمير لموسى وقومه. و (الأرض) أرض مصر. أو الأرض التي أذن لهم بالمسير # PageV06P519 # إليها وسكناها وهي فلسطين، وقوله تعالى: فأغرقناه ومن معه جميعا أي فحاق ~~به مكره. لأنه تعقبهم بجنوده بعد ما أذن لهم بالسفر من مصر إلى فلسطين، ~~ليرجعهم إلى عبوديته، فدمره الله تعالى وجنوده بالإغراق وقلنا من بعده أي ~~من بعد إغراقه لبني إسرائيل اسكنوا الأرض وهي أرض كنعان، بلد أبيهم إسرائيل ~~التي وعدوا بها. # قال ابن كثير: في هذا بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم. بفتح مكة، مع أن ~~السورة مكية نزلت قبل الهجرة. وكذلك وقع فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول ~~منها كما قال تعالى وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها [الإسراء: ~~76] . ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة، على أشهر القولين، وقهر ~~أهلها ثم أطلقهم حلما وكرما. كما أورث الله القوم، الذين كانوا يستضعفون من ~~بني إسرائيل، مشارق الأرض ومغاربها وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم ~~وثمارهم وكنوزهم كما قال كذلك وأورثناها بني إسرائيل [الشعراء: 59] وقال ~~هاهنا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض وقوله تعالى: فإذا جاء وعد ~~الآخرة أي قيام الساعة جئنا بكم لفيفا أي جمعا مختلطين أنتم وعدوكم. ثم ~~يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم. ثم نزه سبحانه ساحة القرآن أن ~~يكون مفترى. وبين اشتماله على ما يلائم الفطر ويطابق الواقع، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 105 الى # 106] # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) # وبالحق أنزلناه أي بالحقيقة أنزلناه كتابا من لدنا فأين تذهبون؟ كما قال ~~تعالى لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون [النساء: ~~166] ، وبالحق نزل أي متلبسا بالحق الذي هو ثبات نظام العالم على أكمل ~~الوجوه. وهو ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ومحاسن الأخلاق وكل ما خالف ~~الباطل. كقوله ms3106 تعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [فصلت: 42] ، ~~وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه أي نزلناه مفرقا منجما. # وقرئ بالتشديد. والقراءتان بمعنى لتقرأه على الناس على مكث أي على مهل ~~وتؤدة وتثبت، فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم ونزلناه تنزيلا أي من لدنا ~~على حسب الأحوال والمصالح. # PageV06P520 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 107 الى # 109] # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~(108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون ~~للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا. # قال الزمخشري: أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا ~~يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه. وإنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم ~~يصدقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وأفضل، وهم العلماء ~~الذين قرءوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع، قد آمنوا به وصدقوه. وثبت ~~عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم. فإذا تلي عليهم خروا سجدا وسبحوا ~~الله تعظيما لأمره، ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة، وبشر به من بعثة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه. # وهو المراد بالوعد في قوله إن كان وعد ربنا لمفعولا. # فإن قلت إن الذين أوتوا العلم تعليل لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون تعليلا ~~لقوله آمنوا به أو لا تؤمنوا، وأن يكون تعليلا ل (قل) على سبيل التسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطييب نفسه. كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة ~~بإيمان العلماء. وعلى الأول: إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم. ~~فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه. وإنما ذكر الذقن، ~~وهو مجتمع اللحيين، لأن الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه، الذقن. فإن ~~قلت: حرف ms3107 الاستعلاء ظاهر المعنى، إذا قلت خر على وجهه وعلى ذقنه، فما معنى ~~اللام في (خر لذقنه ولوجهه) قال: # فخر صريعا لليدين وللفم؟ # قلت: معناه جعل ذقنه ووجهه للخرور. واختصه به. لأن اللام للاختصاص. # فإن قلت: لم كرر يخرون للأذقان؟ قلت: لاختلاف الحالين، وهما خرورهم في ~~حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين. انتهى. ### | تنبيه: # دل نعت هؤلاء ومدحهم بخرورهم باكين، على استحباب البكاء والتخشع. # PageV06P521 # فإن كل ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله تعالى بها من أحبه من ~~عباده، يلزم الاتصاف بها. كما أن ما ذم منها من مقته منهم، يجب اجتنابه. # وقد عد الإمام الغزالي في (الإحياء) من آداب ظاهر التلاوة البكاء. قال: ~~البكاء مستحب مع القراءة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» # (اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتم سجدة سبحان، فلا تعجلوا بالسجود ~~حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم، فليبك قلبه. وإنما طريق تكلف البكاء أن ~~يحضر قلبه الحزن. فمن الحزن ينشأ البكاء، ووجه إحضار الحزن، أن يتأمل ما ~~فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود. ثم يتأمل تقصيره في أوامره ~~وزواجره فيحزن لا محالة ويبكي. فإن لم يحضره حزن وبكاء، كما يحضر أرباب ~~القلوب الصافية، فليبك على فقد الحزن والبكاء. فإن ذلك أعظم المصائب. ~~انتهى. # وذكر السيوطي في (الإكليل) أن الشافعي استدل بقوله تعالى ويقولون سبحان ~~ربنا الآية، على استحباب هذا الذكر في سجود التلاوة. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111] # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ~~(111) # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن رد لما أنكره المشركون من تسمية الرحمن، ~~وإذن بتسميته بذلك. أي سموه بهذا الاسم أو بهذا. و (أو) ms3108 للتخيير. أيا ما ~~تدعوا فله الأسماء الحسنى أي أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فهو حسن. وقد ~~وضع موضعه قوله فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل ~~عليه. إذ حسن جميع أسمائه يستدعي حسن ذينك الاسمين. فأقيم فيه دليل الجواب ~~مقامه، وهو أبلغ. # ومعنى كونها أحسن الأسماء، أنها مستقلة بمعاني الحمد والتقديس والتعظيم. ~~وهذه الآية كآية ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] ، ولا تجهر ~~بصلاتك أي بقراءة صلاتك. بتقدير مضاف، أو تسمية القراءة صلاة، لكونها من ~~أهم أركانها. كما تسمى الصلاة ركعة ولا تخافت بها أي تسر وتخفي PageV06P522 # وابتغ بين ذلك سبيلا أي بين الجهر والمخافتة، أمرا وسطا. فإن خير الأمور ~~أوساطها. # قال أبو السعود: والتعبير عن ذلك بالسبيل، باعتبار أنه أمر يتوجه إليه ~~المتوجهون، ويؤمه المقتدرون، ويوصلهم إلى المطلوب. # روى الشيخان «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بقراءته. # فإذا سمعها المشركون لغو وسبوا. فأمر بأن يتوسط في صوته، كيلا يسمع ~~المشركون، وليبلغ من خلفه قراءته. # ثم بين سبحانه استحقاقه للحمد لاختصاصه بنعوت الكمال وصفات الجلال، بقوله ~~تعالى: وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا أي لم يكن علة لموجود من جنسه، ~~لضرورة كون المعلول محتاجا إليه، ممكنا بالذات، معدوما بالحقيقة. # فكيف يكون من جنس الموجود حقا، الواجب بذاته من جميع الوجوه؟ ولم يكن له ~~شريك في الملك أي من يساويه في قوة القهر والمملكة من الشريك في الملك. # وإلا لكانا مشتركين في وجوب الوجود والحقيقة. فامتياز كل واحد منهما عن ~~الآخر، لا بد وأن يكون بأمر غير الحقيقة الواجبة. فلزم تركبهما، فكانا ~~كلاهما ممكنين لا واجبين. وأيضا فإن لم يستقلا بالتأثير، لم يكن أحدهما ~~إلها. وإن استقل أحدهما دون الآخر فذلك هو الإله دونه، فلا شريك له. وإن ~~استقلا جميعا، لزم اجتماع المؤثرين المستقلين على معلول واحد، إن فعلا معا. ~~وإلا لزم إلهية أحدهما دون الآخر، رضي بفعله أو لم يرض. أفاده القاشاني. # ولم يكن له ولي من الذل أي ناصر من الذل ومانع ms3109 له منه، لاعتزازه به. أو ~~لم يوال أحدا من أجل مذلة به، ليدفعها بموالاته وكبره تكبيرا أي عظمه عن أن ~~يلحقه شيء من هذه النقائص تعظيما جليلا. # تم ما علقناه على هذه السورة الكريمة، ضحوة السبت في 26 شوال سنة 1323 في ~~سدة جامع السنانية بدمشق الشام. يسر الله لنا بعونه الإتمام، والحمد لله ~~وحده. # تم الجزء السادس، ويليه، إن شاء الله تعالى، الجزء السابع، وفيه تفسير: # (18- سورة الكهف، و 19- سورة مريم، و 20- سورة طه، و 21- سورة الأنبياء، ~~و 22- سورة المؤمنون، 23- سورة النور، 24- سورة الفرقان، و 25- سورة ~~الشعراء، و 26- سورة النمل) . PageV06P523 ### | فهرس الجزء السادس # من كتاب تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل # PageV06P525 # فهرس الجزء السادس سورة يونس الآية 1 4 الآيتان 2 و 3 5 الآية 4 6 الآية ~~5 و 6 7 الآيات 7- 10 8 الآية 11 9 الآيات 12- 14 10 الآية 15 11 الآية 16 ~~12 الآية 17 13 الآية 18 14 الآيتان 19 و 20 15 الآيتان 21 و 22 16 الآيتان ~~23 و 24 17 الآيتان 25 و 26 19 الآيتان 27 و 28 20 الآيتان 29 و 30 21 ~~الآيتان 31 و 32 22 الآيتان 33 و 34 23 الآيتان 35 و 36 24 الآيتان 37 و 38 ~~26 الآية 39 27 الآيات 40- 44 28 الآيات 45- 47 29 الآيتان 48 و 49 30 ~~الآية 50 31 الآية 51 32 الآيتان 52 و 53 33 الآيات 54- 56 34 الآيتان 57 و ~~58 35 الآيات 59- 61 36 الآيات 62- 64 37 الآيتان 65 و 66 46 الآيتان 67 و ~~68 47 # PageV06P527 # الآيات 69- 71 49 الآيتان 72 و 73 50 الآيات 74- 77 51 الآيات 78- 81 53 ~~الآيات 82- 84 54 الآيتان 85 و 86 55 الآيتان 87 و 88 56 الآيتان 89 و 90 ~~57 الآيتان 91 و 92 58 الآية 93 61 الآية 94 62 الآيات 95- 98 63 الآية 99 ~~65 الآيات 100- 102 66 الآيات 103- 105 67 الآيتان 106 و ms3110 107 68 الآية 108 ~~69 الآية 109 70 سورة هود الآيتان 1 و 2 72 الآيات 3- 5 73 الآيتان 6 و 7 ~~74 الآية 8 76 الآيات 9- 11 77 الآية 12 78 الآيتان 13 و 14 80 الآيتان 15 ~~و 16 82 الآية 17 83 الآيتان 18 و 19 84 الآيات 20- 23 85 الآيات 24- 26 86 ~~الآية 27 87 الآيتان 28 و 29 89 الآيتان 30 و 31 90 الآيات 32- 34 91 ~~الآيات 35- 37 92 الآيات 38- 40 93 الآية 41 94 الآية 42 95 الآية 43 96 ~~الآية 44 97 الآية 45 101 # PageV06P528 # الآية 46 102 الآيتان 47 و 48 103 الآيات 49- 51 106 الآيتان 52 و 53 107 ~~الآيتان 54 و 55 108 الآيتان 56 و 57 109 الآيتان 58 و 59 110 الآيتان 60 و ~~61 111 الآيتان 62 و 63 112 الآيات 64- 67 113 الآيتان 68 و 69 114 الآيات ~~70- 72 115 الآيتان 73 و 74 116 الآيتان 75 و 76 117 الآية 77 118 الآية 78 ~~119 الآيتان 79 و 80 120 الآية 81 121 الآيات 82- 84 122 الآية 85 123 ~~الآيتان 86 و 87 124 الآية 88 125 الآيات 89- 91 126 الآيتان 92 و 93 127 ~~الآيات 94- 96 128 الآيات 97- 99 129 الآيات 100- 103 130 الآيات 104- 108 ~~131 الآية 109 132 الآيتان 110 و 111 133 الآيتان 112 و 113 134 الآية 114 ~~136 الآية 115 138 الآية 116 139 الآيتان 117 و 118 140 الآية 119 141 ~~الآيتان 120 و 121 142 الآيتان 122 و 123 143 سورة يوسف الآيتان 1 و 2 145 ~~الآيتان 3 و 4 146 الآية 5 147 # PageV06P529 # الآية 6 148 الآية 7 153 الآية 8 154 الآية 9 155 الآيات 10- 12 156 ~~الآيات 13- 15 157 الآيتان 16 و 17 158 الآية 18 159 الآية 19 161 الآية 20 ~~162 الآيتان 21 و 22 163 الآية 23 164 الآية 24 ms3111 166 الآيتان 25 و 26 169 ~~الآيتان 27 و 28 170 الآيتان 29 و 30 171 الآية 31 172 الآيتان 32 و 33 173 ~~الآيات 34- 36 174 الآية 37 175 الآيتان 38 و 39 176 الآية 40 177 الآية 41 ~~178 الآية 42 179 الآيتان 43 و 44 180 الآية 45 181 الآيات 46- 49 182 ~~الآية 50 184 الآية 51 185 الآيتان 52 و 53 186 الآية 54 190 الآية 55 191 ~~الآية 56 192 الآيتان 57 و 58 193 الآيات 59- 62 194 الآيات 63- 65 195 ~~الآية 66 196 الآية 67 197 الآية 68 198 الآيتان 69 و 70 202 الآيات 71- 73 ~~203 الآيات 74- 76 204 # PageV06P530 # الآيتان 77 و 78 205 الآيتان 79 و 80 206 الآيات 81- 83 208 الآية 84 209 ~~الآيات 85- 87 211 الآية 88 212 الآية 89 213 الآيات 90- 92 214 الآية 93 ~~215 الآية 94 217 الآيات 95- 97 218 الآيتان 98 و 99 219 الآية 100 220 ~~الآية 101 222 الآية 102 224 الآية 103 225 الآيتان 104 و 105 226 الآية ~~106 227 الآية 107 231 الآية 108 232 الآية 109 234 الآية 110 235 الآية ~~111 237 سورة الرعد الآية 1 254 الآية 2 255 الآية 3 256 الآية 4 258 ~~الآيتان 5 و 6 259 الآية 7 261 الآيتان 8 و 9 262 الآية 10 263 الآية 11 ~~264 الآيتان 12 و 13 269 الآية 14 271 الآية 15 272 الآية 16 273 الآية 17 ~~275 الآيات 18- 20 279 الآيات 21- 24 280 الآيات 25- 27 281 الآية 28 282 # PageV06P531 # الآيتان 29 و 30 283 الآية 31 284 الآيتان 32 و 33 286 الآيتان 34 و 35 ~~288 الآيتان 36 و 37 289 الآيتان 38 و 39 290 الآيتان 40 و 41 292 الآيتان ~~42 و 43 294 سورة إبراهيم الآيات 1- 3 297 الآية 4 298 الآية 5 299 الآية 6 ~~300 الآيتان 7 و ms3112 8 301 الآية 9 302 الآية 10 304 الآية 11 305 الآيات 12- ~~14 306 الآية 15 307 الآيات 16- 18 308 الآيتان 19 و 20 309 الآية 21 310 ~~الآية 22 311 الآيات 23- 25 313 الآيتان 26 و 27 314 الآيات 28- 30 315 ~~الآية 31 316 الآيات 32- 34 317 الآيتان 35 و 36 318 الآيتان 37 و 38 319 ~~الآيات 39- 42 320 الآيتان 43 و 44 321 الآيات 45- 47 322 الآيتان 48 و 49 ~~323 الآية 50 324 الآيتان 51 و 52 326 سورة الحجر الآيات 1- 3 328 الآيات ~~4- 8 329 الآيات 9- 13 330 الآيتان 14 و 15 331 الآيات 16- 19 332 # PageV06P532 # الآيات 20- 23 333 الآيات 24- 27 334 الآيات 28- 38 335 الآيات 39- 48 ~~336 الآيات 49- 56 337 الآيات 57- 64 338 الآيات 65- 77 339 الآيات 78- 81 ~~342 الآيات 82- 87 343 الآيات 88- 90 344 الآيات 91- 93 345 الآيات 94- 96 ~~346 الآيات 97- 99 347 سورة النحل الآيتان 1 و 2 350 الآيات 3- 6 351 ~~الآيتان 7 و 8 352 الآية 9 354 الآيتان 10 و 11 355 الآية 12 356 الآية 13 ~~و 14 357 الآيتان 15 و 16 359 الآيتان 17 و 18 360 الآيات 19- 23 361 ~~الآيتان 24 و 25 362 الآيتان 26 و 27 363 الآيتان 28 و 29 364 الآيات 30- ~~32 365 الآيات 33- 36 366 الآيات 37- 40 373 الآية 41 374 الآيات 42- 44 ~~375 الآيات 45- 48 376 الآيات 49- 51 377 الآيات 52- 55 378 الآيتان 56 و ~~57 379 الآيات 58- 60 380 الآيتان 61 و 62 381 الآيات 63- 66 382 الآية 67 ~~383 الآيتان 68 و 69 384 الآيتان 70 و 71 388 # PageV06P533 # الآيات 72- 74 389 الآية 75 390 الآية 76 391 الآيات 77- 79 395 الآية 80 ~~397 الآية 81 398 الآيات 82- 86 399 الآية 87 400 الآيتان 88 و 89 401 ~~الآية 90 402 الآية 91 403 الآية 92 404 الآيتان 93 و 94 405 الآيات 95- 97 ~~406 الآيات 98- 100 ms3113 407 الآيتان 101 و 102 408 الآية 103 409 الآيتان 104 و ~~105 410 الآيات 106- 109 411 الآية 110 414 الآيات 111- 113 415 الآيات ~~114- 117 417 الآيتان 118 و 119 419 الآيات 120- 123 420 الآيتان 124 و 125 ~~422 الآية 126 423 الآيتان 127 و 128 425 سورة الإسراء الآية 1 427 الآيتان ~~2 و 3 440 الآيتان 4 و 5 441 الآيات 6- 8 442 الآية 9 445 الآيتان 10 و 11 ~~446 الآية 12 447 الآيات 13- 15 448 الآية 16 450 الآية 17 451 الآيات 18- ~~22 452 الآيتان 23 و 24 453 الآيات 25- 27 455 الآية 28 456 # PageV06P534 # الآيتان 29 و 30 457 الآية 31 458 الآيات 32- 34 459 الآيات 35- 37 460 ~~الآيتان 38 و 39 461 الآيات 40- 42 462 الآيتان 43 و 44 463 الآية 45 466 ~~الآيات 46- 48 467 الآيات 49- 52 468 الآيات 53- 55 469 الآيتان 56 و 57 ~~470 الآيتان 58 و 59 471 الآية 60 472 الآيتان 61 و 62 473 الآيات 63- 65 ~~474 الآية 66 475 الآيات 67- 69 476 الآية 70 477 الآيتان 71 و 72 478 ~~الآيتان 73 و 74 479 الآية 75 480 الآيتان 76 و 77 482 الآية 78 483 الآية ~~79 490 الآيتان 80 و 81 495 الآية 82 496 الآيتان 83 و 84 499 الآية 85 500 ~~الآيات 86- 89 511 الآيات 90- 93 512 الآيتان 94 و 95 514 الآيتان 96 و 97 ~~515 الآيتان 98 و 99 516 الآية 100 517 الآيات 101- 104 519 الآيتان 105 و ~~106 520 الآيات 107- 109 521 الآيتان 110 و 111 22 # PageV06P535 ### | المجلد السابع # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكهف # ويقال لها سورة أصحاب الكهف. قال المهايمي: سميت بها لاشتمالها على قصة ~~أصحابه الجامعة فوائد الإيمان بالله، من الأمن الكلي عن الأعداء، والإغناء ~~الكلي عن الأشياء، والكرامات العجيبة، وهذا من أعظم مقاصد القرآن. وهي ~~مكية، وقيل إلا أولها إلى قوله: جرزا [الكهف: 1- 8] ، وقوله: واصبر ms3114 نفسك ~~... # [الكهف: 28] الآية، وإن الذين آمنوا [الكهف: 107- 110] ، إلى آخر السورة. # واختار الداني أنها مكية كلها. وآيها مائة وعشرة، وقد روي في فضلها ~~أحاديث كثيرة، ساقها الحافظ ابن كثير وغيره. # PageV07P003 ### | القول في تأويل قوله تعالى [سورة الكهف (18) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قدمنا أن كثيرا ما تفتح السور وتختم ~~بالحمد، إشارة إلى أنه المحمود على كل حال له الحمد في الأولى والآخرة ~~[القصص: 70] ، وتعليما للعباد أدب افتتاح كل أمر ذي بال واختتامه. وذلك ~~بالثناء على الله تبارك وتعالى بنعمه العظمى ومننه الكبرى. وفي إيثار إنزال ~~التنزيل من بين سائر نعوته العلية ### | ، تنبيه # على أنه أعظم نعمائه. فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ~~ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. ولا شيء في معناه يماثله. وفي ذكر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية، تنبيه على عظمة المنزل والمنزل عليه. ~~كما تدل عليه الإضافة الاختصاصية، كما تقدم في سورة الإسراء. وإشعار بأن ~~شأن الرسول أن يكون عبدا للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه ~~السلام. وتعريف الكتاب للعهد. أي الكتاب الكامل الغني عن الوصف بالكمال، ~~المعروف بذلك من بين الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به. وهو عبارة عن ~~جميع القرآن. أو عن جميع المنزل حينئذ. وتأخيره عن الجار والمجرور، مع أن ~~حقه التقديم عليه، ليتصل به قوله سبحانه ولم يجعل له عوجا أي شيئا من ~~العوج، باختلال في نظمه وتناف في معانيه. أو زيغ وانحراف عن الدعوة إلى ~~الحق. بل جعله مزيلا للعوج إذ جعله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 2 الى 3] # قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) # قيما أي قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع. فهو وصف له ~~بأنه مكمل لهم، بعد وصفه بأنه كامل في نفسه. أو قيما على ms3115 الكتب السالفة، # PageV07P004 # مهيمنا عليها. أو متناهيا في الاستقامة والاعتدال. فيكون تأكيدا لما دل ~~عليه نفي العوج. مع إفادة كون ذلك من صفاته الذاتية اللازمة له، حسبما تنبئ ~~عنه الصيغة. # وانتصابه بمضمر تقديره (جعله) كما ذكرنا. على أنه جملة مستأنفة. وفيه ~~وجوه أخر. ### | تنبيه: # ذهب القاشاني أن الضمير في (له) وما بعده لقوله: عبده قال: أي لم يجعل ~~لعبده زيغا وميلا. وجعله قيما، يعني مستقيما، كما أمر بقوله فاستقم كما ~~أمرت [هود: 112] ، أو قيما بأمر العباد وهدايتهم، إذ التكميل يترتب على ~~الكمال. لأنه، عليه الصلاة والسلام، لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها، أقيمت ~~نفوس أمته مقام نفسه. فأمر بتقويمها وتزكيتها. ولهذا المعنى سمي إبراهيم، ~~صلوات الله عليه، أمة. وهذه القيمية أي القيام بهداية الناس، داخلة في ~~الاستقامة المأمور هو بها في الحقيقة، انتهى. # والأظهر الوجه الأول. # وقوله تعالى لينذر بأسا شديدا من لدنه أي لينذر من خالفه ولم يؤمن به، ~~عذابا شديدا عاجلا أو آجلا. و (البأس) : القهر والعذاب، وخصصه بقوله من ~~لدنه إشارة إلى زيادة هوله. ولذلك عظمه بالتنكير. متعلق ب (أنزل) أو بعامل ~~(قيما) ويبشر المؤمنين أي به. وقال القاشاني: أي الموحدين، لكونهم في ~~مقابلة المشركين، الذين قالوا اتخذ الله ولدا. وقوله تعالى: الذين يعملون ~~الصالحات أي من الخيرات والفضائل أن لهم أي بأن لهم، بمقابلة إيمانهم ~~وأعمالهم المذكورة أجرا حسنا وهو الجنة ماكثين فيه أبدا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 4] # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا وهم مشركو العرب في قولهم (الملائكة ~~بنات الله) والنصارى في (دعواهم المسيح ابن الله) وخصهم بالذكر، وكرر ~~الإنذار متعلقا بهم، استعظاما لكفرهم. وترك إجراء الموصول على الموصوف كما ~~فعل في قوله تعالى ويبشر المؤمنين للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة، في ~~الكفر على أقبح الوجوه. # PageV07P005 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 5] # ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) # ما لهم ms3116 به من علم ولا لآبائهم أي ما لهم بالولد، أو باتخاذه، أو بالقول، ~~من علم. بل إنما يصدر عن جهل مفرط، وتوهم كاذب، وتقليد للآباء. لا عن علم ~~يقين، ويقين. ويؤيده قوله: كبرت كلمة أي ما أكبرها كلمة تخرج من أفواههم ~~وذلك لأن الولد مستحيل لا معنى له. إذ العلم اليقيني يشهد أن الوجود ~~الواجبي أحدي الذات، لا يماثله الوجود الممكن. والولد هو المماثل لوالده في ~~النوع، المكافئ له في القوة. وجملة (تخرج من أفواههم) صفة ل (كلمة) تفيد ~~استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم. قال الشهاب: لأن المعنى: كبر ~~خروجها. أي عظمت بشاعته وقباحته، بمجرد التفوه. فما بالك باعتقاده إن ~~يقولون إلا كذبا أي قولا كذبا لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلا. وذلك ~~لتطابق الدليل القطعي، والوجدان الذوقي على إحالته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 6] # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) # فلعلك باخع أي مهلك نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث يعني ~~القرآن أسفا أي لتأسف على توليهم وإعراضهم عنه. أو متأسفا عليهم. # و (الأسف) فرط الحزن والغضب. وفي (العناية) : لعل للترجي. وهو الطمع في ~~الوقوع أو الإشفاق منه. وهي هنا استعارة. أي وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ~~ذلك. لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم. وفي النظم الكريم استعارة ~~تمثيلية بتشبيه حاله معهم، وقد تولوا، وهو آسف من عدم هدايتهم، بحال من ~~فارقته أحبته. # فهم بقتل نفسه. أو كاد يهلك وجدا عليهم وتحسرا على آثارهم. وسر ذلك- كما ~~قال القاشاني- أن الشفقة على خلق الله والرحمة عليهم من لوازم محبة الله ~~ونتائجه. # ولما كان صلى الله عليه وسلم حبيب الله، ومن لوازم محبوبيته محبته لله ~~لقوله يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] ، وكلما كانت محبته للحق أقوى، كانت ~~شفقته ورحمته على خلقه أكثر. لكون الشفقة عليهم ظل محبته لله، وأشد تعطفه ~~عليهم. فإنهم كأولاده وأقاربه. بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي. ~~فلذلك بالغ في التأسف عليهم، حتى كاد يهلك نفسه. وقوله ms3117 تعالى: # PageV07P006 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 7] # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) # إنا جعلنا ما على الأرض أي من الحيوان والنبات والمعادن زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا أي ليظهر أيهم أقهر لشهواتها ودواعيها، وأعصى لهواها أي ~~رضاي، وأقدر على مخالفتها لموافقتي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 8] # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا أي ترابا مستويا لا نبات فيه. بعد ما ~~كان يبهج النظار، لا شيء فيه يختلف، ربي ووهادا. أي نفنيها وما عليها ولا ~~نبالي. # وفي الآية تسلية له صلوات الله عليه. كأنه قيل لا تحزن عليهم فإنه لا ~~عليك أن يهلكوا جميعا. لأنا نخرج جميع الأسباب من العدم إلى الوجود ~~للابتلاء. ثم نفنيها، ولا حيف ولا نقص. أو لا تحزن فإنا مفنون ذلك ومجازون ~~لهم بحسب أعمالهم، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 9] # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي آية ذات عجب. ~~على حذف مضاف. أو وصفا بالمصدر مبالغة ومن آياتنا حال منه وأم للاستفهام ~~التقريري بمعنى الهمزة. أي أنهم من بين آياتنا آية عجيبة. # وجعلها منقطعة مقدرة ب (بل والهمزة، والاستفهام للإنكار) - أي إنكار ~~حسبانهم آية عجيبة بالنسبة إلى آياته الكبرى- فيه بعد. لأن سياق النظم ~~الكريم، أعني سوقها مفصلة منوها بها، ما هو إلا لتقرير التعجب منها. والكهف ~~الغار الواسع في الجبل. والرقيم اسم كلبهم. وقيل لوح رقيم فيه حديثهم، وجعل ~~على باب الكهف. وقيل الجبل أو الوادي، أقوال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 10] # إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) # إذ أوى الفتية إلى الكهف أي خوفا من إيذاء الملك على ترك عبادة الأوثان # PageV07P007 # والذبح لها. وإيثار الإظهار على الإضمار لتحقيق حالهم بتغليبهم جانب الله ~~على جانب ms3118 أهويتهم في حال شبابهم فقالوا ربنا أي من ربانا بنعمة إيثار جانبه ~~على جانب أنفسنا آتنا من لدنك رحمة أي من خزائنك وهي المغفرة والرزق والأمن ~~من الأعداد وهيئ لنا من أمرنا وهو اختيار الكهف لمفارقة الكفار رشدا وهو ~~توحيدك وعبادتك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 11] # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا أي أنمناهم نومة ثقيلة لا ينبههم ~~صفير الخبير، ولا دعوة الداعي الخبير، في الكهف سنين ذوات عدد. أي كثيرة أو ~~معدودة. قال الشهاب: (ضربنا) مستعار استعارة تبعية لمعنى أنمناهم إنامة لا ~~ينتبه منها بالصياح. لأن النائم ينتبه من جهة سمعه. وهو إما من (ضربت القفل ~~على الباب) أو (ضربت الخباء على ساكنه) شبه، لاستغراقه في نومه حتى لا ~~ينتبه بمنبه، بمن كان خلف حجب مانعة من وصول الأصوات إليه. وقيل إنه ~~استعارة تمثيلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 12] # ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) # ثم بعثناهم أي أيقظناهم إيقاظا يشبه بعث الموتى لنعلم أي الحزبين أحصى ~~لما لبثوا أمدا أي لنعلم واقعا ما علمنا أنه سيقع. وهو أي الحزبين ~~المختلفين في مدة لبثهم، أشد إحصاء، أي إحاطة وضبطا لغاية مدة لبثهم ~~فيعلموا قدر ما حفظهم الله بلا طعام ولا شراب، وأمنهم من العدو، فيتم لهم ~~رشدهم في شكره، وتكون لهم آية تبعثهم على عبادته. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 13] # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) # نحن نقص عليك نبأهم بالحق شروع في تمام بسط قصتهم وتفصيلها. # و (الحق) الأمر المطابق للواقع إنهم فتية آمنوا بربهم أي بوحدانيته ~~إيمانا يقينيا علميا على طريق الاستدلال، مع اتفاق قومهم على الشرك وزدناهم ~~هدى أي بترجيح جانب الله على جانب أنفسهم. قال ابن كثير: الفتية- وهم ~~الشباب- أقبل # PageV07P008 # للحق وأهدى للسبيل، من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل. ~~ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ms3119 ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا. ~~وأما عامة شيوخ قريش فاستمروا على ضلالهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا ~~أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. وقد يروى عن هؤلاء ~~الفتية روايات مضطربة. أوثقها أن هؤلاء، كان قدم إلى مدينتهم من يدعو إلى ~~الإيمان بالله تعالى، وبما جاء به عيسى عليه السلام. ممن كان على قدم ~~الحواريين. فاستجاب لذلك الفتية المنوه بهم. وخلعوا الوثنية التي عليها ~~قومهم وفروا بدينهم خشية أن يفتنهم ملكهم عن دينهم أو يقتلهم. فاستخفوا عنه ~~في الكهف. واعتزلوا فيه يعبدون الله تعالى وحده. ثم روي أن الملك طلبهم. ~~فقيل: دخلوا هذا الكهف. فقال قومهم: لا نريد لهم عقوبة ولا عذابا أشد من أن ~~نردم عليهم هذا الكهف، فبنوه عليهم ثم ردموه. ثم إن الله بعث عليهم ملكا ~~على دين عيسى. فرفع ذلك البناء الذي كان ردم عليهم. فقال بعضهم لبعض: كم ~~لبثتم؟ فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم حتى بلغ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة وكان ورق ذلك الزمان لدولة أهله. فأرسلوا أحدهم يأتيهم بطعام. ~~فلما ذهب ليخرج رأى على باب الكهف شيئا أنكره فأراد أن يرجع. ثم مضى حتى ~~دخل المدينة. فأنكر ما رأى. ثم أخرج درهما فنظروا إليه فأنكروه وأنكروا ~~الدرهم. وقالوا: # من أين لك هذا؟ هذا من ورق غير هذا الزمان. # واجتمعوا عليه يسألونه. فلم يزالوا به حتى انطلقوا به إلى ملكهم. فأخبره ~~بأمره. فاستبشروا به وبأصحابه. وقيل له: انطلق فأرنا أصحابك. فانطلق ~~وانطلقوا معه ليريهم. فدخل قبل القوم فضرب على آذانهم ف قال الذين غلبوا ~~على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا هذا ما أورده ابن جرير أولا، وفيه كفاية عن ~~غيره. # وسنذكر في آخر نبئهم ما عند أهل الكتاب النصارى من شأنهم. # وقد قيل إنهم كانوا في مدينة يقال لها (طرسوس) من أعمال طرابلس الشام. # وفيها من الآثار القديمة العهد، في جبل بها، ما يزعم أهلها زعما متوارثا، ~~أنه لأصحاب الكهف. والله أعلم. ثم بين تعالى صبرهم على مخالفة قومهم، ms3120 ~~ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 14] # وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) # وربطنا على قلوبهم أي قويناها بالصبر على المجاهدة. وشجعناهم على # PageV07P009 # محاربة الشيطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران. ومخالفة النفس وهجر ~~المألوفات الجسمانية واللذات الحسية والقيام بكلمة التوحيد. وقيل جسرناهم ~~على القيام بكلمة التوحيد، وإظهار الدين القويم، والدعوة إلى الحق عند ~~ملكهم الجبار. لقوله تعالى: إذ قاموا أي بين يديه غير مبالين به. و (إذ) ~~ظرف ل (ربطنا) . قال الشهاب: (الربط) على القلب مجاز عن الربط بمعنى الشد ~~المعروف. أي استعارة منه. كما يقال، رابط الجأش. لأن القلق والخوف ينزعج به ~~القلب من محله، كما قال تعالى: وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10] ، فشبه القلب المطمئن لأمر، بالحيوان المربوط في محل. وعدى ~~(ربط) ب (على) وهو متعد بنفسه، لتنزيله منزلة اللازم فقالوا ربنا الذي ~~نعبده رب السماوات والأرض بحيث يدخل تحت ربوبيته كل معبود سواه لن ندعوا أي ~~نعبد من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا أي ذا بعد عن الحق، مفرط في الظلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 15] # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا (15) # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة عملوا أو نحتوا لهم آلهة، فيفيد أنهم ~~عبدوها. وفي الإشارة تحقير لهم لولا يأتون عليهم أي على عبادتهم أو إلهيتهم ~~أو تأثيرهم بسلطان بين أي حجة بينة وبرهان ظاهر. فإن الدين لا يؤخذ إلا به. ~~قال القاشاني: دليل على فساد التقليد، وتبكيت بأن إقامة الحجة على إلهية ~~غير الله، وتأثيره ووجوده، محال. كما قال: إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [النجم: 23] ، أي أسماء بلا مسميات، ~~لكونها ليست بشيء فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي لا مساوي له في ~~الظلم والكفر. ms3121 # إشارة إلى أنهم لا يأتون ببرهان. فهم ظالمون في حق الله، لافترائهم عليه ~~بأن في رتبته العليا شركاء يساوونه فيها. ثم خاطب بعضهم بعضا بقولهم: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 16] # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف أي وإذ اعتزلتم ~~القوم، # PageV07P010 # بترك متابعتهم، من إفراط ظلمهم، وهو موجب بغضهم. واعتزلتم معبوداتهم غير ~~الله، فإنهم كانوا يعبدونهم صريحا أو في ضمن عبادتهم له، فأووا إلى الكهف ~~الذي لا يطلعون عليكم فيه، فلا يؤذونكم، ولا تخافوا، من الكون فيه، فوات ~~الطعام والشراب، فإنكم إذا التجأتم إلى الله بعد ما دعوتموه بنشر الرحمة ~~وتهيئة الرشد ينشر لكم ربكم من رحمته أي ما يغني عن الطعام والشراب، ~~بالإمدادات الملكوتية والتأييدات القدسية ويهيئ لكم من أمركم وهو اختيار ~~جانبه على جانبكم مرفقا أي ما تنفعون به. قال المهايمي: يرفق بنفوسكم ~~فيعطيها من لذات عبادته ما ينسيها سائر اللذات. على أنها لذاتها لم تخل من ~~أذية. وهذه خالية عن الأذيات كلها. وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم ~~بفضل الله تعالى. ### | تنبيه: # زعم قوم أن الآية تفيد مشروعية العزلة واستحبابها مطلقا. وهو خطأ. فإنها ~~تشير إلى التأسي بأهل الكهف في الاعتزال، إذا اضطهد المرء في دينه وأريد ~~على الشرك. وممن رد الاحتجاج بهذه الآية على تفضيل العزلة، الإمام الغزالي ~~حيث قال في (إحيائه) : وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضا وهم مؤمنون. وإنما ~~اعتزلوا الكفار. أي ولا ريب في مشروعيته فرارا من الفتن. # فقول السيوطي في (الإكليل) : في الآية مشروعية العزلة والفرار من الظلمة ~~وسكون الغيران والجبال عند فساد الزمان- كلام مجمل لا بد من التفصيل فيه. ~~وأي عصر خلا من الفساد؟. وسياق الآية في الاضطهاد فحسب، فافهم ولا تغل. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 17] # وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال ms3122 وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا (17) # وترى الشمس إذا طلعت أي صعدت عند طلوعها تتزاور أي تميل عن كهفهم أي بابه ~~ذات اليمين أي يمين الكهف. وإذا غربت أي هبطت للغروب تقرضهم ذات الشمال أي ~~تقطعهم وتعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال وهم في فجوة منه أي سعة من ~~الكهف يصل إليهم الهواء من كل جانب # PageV07P011 # دون أذى الشمس. وقد دلت الآية على أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب ~~الشمال. فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف. وإذا غربت كانت على شماله. ~~فيقع شعاعها على جانبيه. يحلل عفونته ويعدل هواءه. ولا يقع عليهم فيؤذيهم. ~~قال الشهاب: (تقرضهم) من القرض بمعنى القطع. أي قطع الاتصال بهم لئلا تغبر ~~أبدانهم. قول الفارسي إنه من قرض الدراهم، والمعنى أنها تعطيهم من تسخينها ~~شيئا ثم يزول بسرعة كالقرض المسترد- مردود، بأنه لم يسمع له ثلاثي. # وفي (الروض الآنف) تقرضهم كناية عن تعدل بهم. وقيل: تتجاوزهم شيئا. # من (القرض) وهو القطع. أي تقطع ما هنالك من الأرض. وقوله تعالى ذلك من ~~آيات الله أي إرشادهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء، وشعاع الشمس ~~والريح تدخل عليهم فيه، لتبقى أبدانهم، آية من آياته الدالة على عنايته ~~وتوفيقه للمخلصين من يهد الله أي إلى الحق بالتوفيق له فهو المهتد ومن يضلل ~~أي يخلق فيه الضلال لصرف اختياره إليه فلن تجد له وليا أي ناصرا يلي أمره ~~فيحفظه من الضلال مرشدا أي يهديه إلى ما ذكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 18] # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود خطاب لكل أحد. أي تظنهم، يا مخاطب، أيقاظا ~~لانفتاح أعينهم، وهم رقود مستغرقون في النوم، بحيث لا ينبههم الصوت. # قال ابن كثير: ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله ms3123 على آذانهم بالنوم لم ~~تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى. فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها. ~~وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينا ويفتح عينا. ثم يفتح هذه ويطبق هذه ~~وهو راقد. كما قال الشاعر: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم # وأيقاظا جمع يقظ ويقظان. ورقود جمع راقد. وما قيل إنه مصدر أطلق على ~~الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود، لأن فاعلا لا يجمع على ~~فعول- مردود بما نص عليه النحاة كما صرح به في (المفصل) و (التسهيل) . # PageV07P012 # ونقلبهم أي في رقدتهم ذات اليمين وذات الشمال أي لئلا تتلف الأرض أجسادهم ~~وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد أي بفناء الكهف أو الباب. وقد شملت بركتهم ~~كلبهم. فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، قال ابن كثير: وهذا فائدة ~~صحبة الأخيار. فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل إنه كان كلب صيد ~~لهم، وهو الأشبه. واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ~~ولا دليل عليها ولا حاجة إليها. بل هي مما نهي عنه. فإن مستندها رجم ~~بالغيب. # ووجود الكلب على هذه الحالة من العناية بهم. فكما حفظهم بالتقليب عن ~~إهلاك الأرض، حفظهم عن الأعداء بكلب، مع غاية قوتك في مكافحة الحروب لوليت ~~منهم فرارا ولملئت منهم رعبا أي خوفا يملأ صدرك، لما ألبسوا من الهيبة. فلا ~~يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم وخافهم. وذلك كما قال ابن كثير. لئلا يدنو ~~منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي رقدتهم التي ~~شاءها تبارك وتعالى فيهم. لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة ~~الواسعة. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 19] # وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) # وكذلك بعثناهم أي وكما أنمناهم ms3124 تلك النومة، بعثناهم صحيحة أبدانهم ~~وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من هيئاتهم وأحوالهم شيئا، ادكارا بقدرته على ~~الإنامة والبعث جميعا. قال ابن كثير: وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين. ~~وقوله تعالى ليتسائلوا بينهم أي ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا حالهم وما صنع ~~الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى، ويزدادوا يقينا، ~~ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به. أفاده الزمخشري. # وبه يتبين أن البعث علة للتساؤل. ومن جعل اللام للعاقبة، لحظ أن الغرض من ~~فعله تعالى إظهار كمال قدرته قال قائل منهم كم لبثتم أي رقدتم. اعترافا ~~بجهل # PageV07P013 # نفسه أو طلبا للعلم من غيره، وإن لم يظهر كونه على اليقين قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم قال ابن كثير: كأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، ~~واستيقاظهم كان في آخر نهار. ولهذا قالوا: أو بعض يوم. وقال المهايمي: فمن ~~نظر إلى أنهم دخلوا غدوة وانتبهوا عشية، ظن أنهم لبثوا يوما، ومن نظر إلى ~~أنه قد بقيت من النهار بقية، ظن أنهم لبثوا بعض يوم. فهم مع ما أعطوا من ~~الكرامات يتكلمون بالظن. فالولي يجوز أن يتكلم بالظن فيما ليس من الأصول، ~~ويجوز أن يخطئ. وقال الزمخشري: # جواب مبني على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن ~~الغالب. # وأنه لا يكون كذبا. وإن جاز أن يكون خطأ. # قالوا ربكم أعلم بما لبثتم إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدة ~~لبثهم. كأن هؤلاء قد علموا بالأدلة، أو بإلهام من الله، أن المدة متطاولة، ~~وأن مقدارها مبهم. فأحالوا تعيينها على ربهم. فابعثوا أحدكم بورقكم هذه أي ~~المأخوذة للتزود. و (الورق) الفضة إلى المدينة أي التي فررتم عنها فلينظر ~~أيها أزكى طعاما أي أطيب. فليأتكم برزق منه وليتلطف أي في المبايعة واختيار ~~الطعام. أو في أمره بالتخفي، حتى لا يشعر بحالكم ودينكم ولا يشعرن بكم ~~أحدا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 20] # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) # إنهم ms3125 إن يظهروا عليكم يطلعوا على مكانكم يرجموكم أي يقتلوكم بالحجارة أو ~~يعيدوكم في ملتهم أي يدخلوكم فيها بالإكراه العنيف ولن تفلحوا إذا أبدا أي ~~إذا صرتم إلى ملتهم. قال القاشاني: ظهور العوام، واستيلاء المقلدة والحشوية ~~المحجوبين، وأهل الباطل المطبوعين، ورجمهم أهل الحق، ودعوتهم إياهم إلى ~~ملتهم- ظاهر. كما كان في أوائل البعثة النبوية. ### | لطائف: # الأولى- قال الزمخشري: فإن قلت: كيف وصلوا قولهم (فابعثوا) بتذاكر حديث ~~المدة؟ قلت: كأنهم قالوا ربكم أعلم بذلك. لا طريق لكم في علمه. فخذوا في ~~شيء آخر مما يهمكم. انتهى. # ورأى المهايمي أن قولهم فابعثوا من تتمة حديث المدة. قصد به # PageV07P014 # تفحصها. كأنهم لما أحالوا تعيينها على الله تعالى بقوله: ربكم أعلم بما ~~لبثتم قالوا هذه الإحالة لا تمنع من طلب العلم بالمدة. ولو في ضمن أمر آخر، ~~فاطلبوه في ضمن حاجة لنا. وهي أن تبعثوا أحدكم. بورقكم هذه لئلا نحوج إلى ~~السؤال عن المدة. لا سيما في مكان يمنع من الإجابة إلى المسؤول به، فيفضي ~~إلى الهلاك. # الثانية- قال في (الإكليل) : قوله تعالى فابعثوا الآية، أصل في الوكالة ~~والنيابة. قال ابن العربي: وهي أقوى آية في ذلك. # قال الكيا: وفيها دليل على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من ~~الطعام بينهم بالشركة، وإن تفاوتوا في الأكل. # الثالثة- دل قوله تعالى عنهم فلينظر أيها أزكى طعاما على مشروعية استجادة ~~الطعام واستطابته بأقصى ما يمكن، لصيغة التفضيل. فإن الغذاء الأزكى المتوفر ~~فيه الشروط الصحية يفيد الجسم ولا يتعبه ولا يكدره. ولذلك يجب طبا الاعتناء ~~بجودته وتزكيته، كما فصل في قوانين الصحة. # الرابعة- قال الرازي: (الرجم) بمعنى القتل، كثير في التنزيل كقوله ولولا ~~رهطك لرجمناك [هود: 91] ، وقوله: أن ترجمون [الدخان: 20] ، وأصله الرمي، أي ~~بالرجام وهي الحجارة. ولا يبعد إرادة الحقيقة في موارده كلها، زيادة في ~~التهويل. فإن الرجم أخبث أنواع القتل. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 21] # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ms3126 ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # وكذلك أعثرنا عليهم أي كما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة، ~~أطلعنا عليهم أهل المدينة حتى دخلها من بعثوه للطعام، وأخرج ورقهم ~~المتقادمة العهد ليعلموا أن وعد الله حق أي ليعلم الذين أطلعناهم على ~~حالهم، أن وعد الله بالبعث حق. لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال ~~من يموت ثم يبعث وأن الساعة أي الموعود فيها بالبعث لا ريب فيها إذ لا بد ~~من الجزاء بمقتضى الحكمة. ثم أشار تعالى إلى ما كان من أمرهم بعد وفاتهم، ~~وعناية قومهم بحفظ أجداثهم، بقوله سبحانه إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ~~ابنوا عليهم بنيانا أي على # PageV07P015 # باب كهفهم بنيانا عظيما. كالخانقاهات المشاهد والمزارات المبنية على ~~الأنبياء وأتباعهم، و (إذ) على ما يظهر لي، ظرف ل (اذكر) مقدرا. والجملة ~~مستأنفة لبيان ختم نبئهم بما جرى بعد مماتهم، إثر ما أوجز من نبئهم بعد ~~بعثهم والإعثار عليهم. # وجعله ظرفا ل أعثرنا أو لغيره مما ذكروا- ليس فيه قوة ارتباط ولا دقة ~~معنى. # وقوله تعالى فقالوا تفسير للمتنازع فيه. وقوله تعالى ربهم أعلم بهم جملة ~~معترضة. إما من الله، ردا على الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين فيهم ~~على عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، أو هي من كلام المتنازعين في ~~عهدهم. # كأنهم تذاكروا أمرهم العجيب وتحاوروا في أحوالهم ومدة لبثهم. فلما لم ~~يهتدوا أحالوا حقيقة نبيهم إليه تعالى قال الذين غلبوا على أمرهم أي من ~~المتنازعين، وهم أرباب الغلبة ونفوذ الكلمة لنتخذن عليهم مسجدا أي نصلي ~~فيه، تبركا بهم وبمكانهم. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: حكي في القائلين ذلك قولان (أحدهما) أنهم المسلمون منهم ~~(والثاني) أنهم المشركون. والظاهر أنهم هم أصحاب النفوذ. ولكن هل هم ~~محمودون أم لا؟ فيه نظر. لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال «1» : (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا ~~قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) # يحذر ما فعلوا. انتهى. # وعجيب من تردده في كونهم غير محمودين، مع إيراده الحديث الصحيح بعده، ~~المسجل ms3127 بلعن فاعل ذلك. وهو أعظم ما عنون به على الغضب الإلهي والمقت ~~الرباني. والسبب في ذلك أن البناء على قبر النبي والولي مدعاة للإقبال عليه ~~والتضرع إليه. ففيه فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة. وهل أصل عبادة ~~الأصنام إلا ذلك؟ كما قال ابن عباس في قوله تعالى: وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 23] ، قال: هؤلاء كانوا ~~قوما صالحين في قومهم. فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم. ~~فلما طال عليهم الأمد عبدوهم. فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى، قادهم ~~ذلك إلى عبادة الأصنام. قال الإمام محمد بن عبد الهادي عليه الرحمة، في ~~كتابه (الصارم المنكى) بعد إيراده ما تقدم: يوضحه أن الذين تكلموا في زيارة ~~الموتى من أهل الشرك، صرحوا بأن القصد PageV07P016 # هو انتفاع الزائر بالمزور. وقالوا: من تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه ~~بالميت وقبره. # فإذا فاض على روح الميت من العلويات الأنوار، فاض منها على روح الزائر ~~بواسطة ذلك التعلق والتوجه إلى الميت. كما ينعكس النور على الجسم الشفاف، ~~بواسطة مقابلته. # وهذا المعنى بعينه، ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور. وتلقاه عنهم من ~~تلقاه ممن لم يحط علما بالشرك وأسبابه ووسائله. ومن هاهنا يظهر سر مقصود ~~النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن تعظيم القبور واتخاذ المساجد عليها ~~والسرج. ولعنه فاعل ذلك وإخباره بشدة غضب الله عليه. ونهيه عن الصلاة ~~إليها، ونهيه عن اتخاذ قبره عيدا. وسؤاله ربه تعالى أن لا يجعل قبره وثنا ~~يعبد. فهذا نهيه عن تعظيم القبور. وذلك تعليمه وإرشادة للزائر أن يقصد نفع ~~الميت والدعاء له والإحسان إليه، لا الدعاء به ولا الدعاء عنده. # ثم قال عليه الرحمة: ومن ظن أن ذلك تعظيم لهم فهو غالط جاهل. فإن تعظيمهم ~~إنما هو بطاعتهم واتباع أمرهم ومحبتهم وإجلالهم. فمن عظمهم بما هو عاص لهم ~~به، لم يكن ذلك تعظيما. بل هو ضد التعظيم. فإنه متضمن مخالفتهم ومعصيتهم. ~~فلو سجد العبد لهم أو دعاهم من دون الله أو ms3128 سبحهم أو طاف بقبورهم واتخذ ~~عليها المساجد والسرج، وأثبت لهم خصائص الربوبية، ونزههم عن لوازم ~~العبودية، وادعى أن ذلك تعظيم لهم- كان من أجهل الناس وأضلهم. وهو من جنس ~~تعظيم النصارى للمسيح حتى أخرجوه من العبودية. وكل من عظم مخلوقا بما يكرهه ~~ذلك المعظم ويبغضه، ويمقت فاعله، فلم يعظمه في الحقيقة، بل عامله بضد ~~تعظيمه. فتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أن تطاع أوامره وتصدق أخباره ولا ~~يقدم على ما جاء به غيره. فالتعظيم نوعان: أحدهما ما يحبه المعظم ويرضاه ~~ويأمر به ويثني على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة. والثاني ما يكرهه ~~ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم بل هو غلو مناف للتعظيم. ولهذا لم يكن ~~الرافضة معظمين لعلي، بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك. ولم يكن ~~النصارى معظمين للمسيح. بدعواهم فيه ما ادعوا. والنبي صلى الله عليه وسلم. ~~قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه. # فأنكر على معاذ سجوده له وهو محض التعظيم. # وفي المسند «1» بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا ~~محمد! يا سيدنا! وابن سيدنا! PageV07P017 # وخيرنا! وابن خيرنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عليكم بتقواكم، ~~ولا يستهوينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله. ما أحب أن ~~ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل) . # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن ~~مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) # وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه. ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما ~~وهو مريض. # وقال «2» : (إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم. يقومون على ملوكهم) # وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه. ولقد غلا بعض الناس في تعظيم ~~القبور حتى قال: إن البلاء يندفع عن أهل البلد أو الإقليم، بمن هو مدفون ~~عندهم من الأنبياء والصالحين. وهو غلو مخالف لدين المسلمين، مخالف للكتاب ~~والسنة والإجماع. وللبحث تتمة مهمة فانظره. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف ms3129 (18) : آية 22] # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) # سيقولون أي الخائضون في قصتهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل ~~الكتاب الذين لا علم لهم بالحقيقة ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون أي بعض آخر ~~منهم خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب أي رميا وتلفظا بالذي غاب عنهم. يعني ~~ظنا خاليا عن اليقين. قال ابن كثير: كالذي يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا ~~يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم حكاية لقول فريق ~~آخر كان يرى عدتهم هذه قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل أي ممن أطلعه ~~الله عليه فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي لا تجادل أهل الكتاب في شأن ~~أصحاب الكهف، إلا جدالا ظاهرا لينا غير متعمق فيه. وذلك على قدر ما تعرض له ~~التنزيل الكريم من وصفهم بالرجم بالغيب وعدم العلم على الوجه الإجمالي، ~~وتفويض العلم إلى الله سبحانه، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف بهم، في الرد ~~عليهم كما قال PageV07P018 # وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب ~~عليه كبير فائدة. قيل: المماراة المجادلة. وقيل بالفرق. فالمجادلة المحاجة ~~مطلقا. # والمماراة المحاجة فيما فيه مرية أي تردد، لأنها من (مريت الناقة) إذا ~~مسحت ضرعها للحليب ولا تستفت فيهم منهم أحدا أي لا تسأل أحدا منهم عن ~~نبئهم. # لأن السؤال إما للاسترشاد، أو للتعنت والمحاورة. ولا علم لهم بذلك إلا ما ~~يقولونه رجما بالغيب. من غير استناد إلى كلام معصوم. والتعنت للرد على ~~الخصم وتزييف ما عنده، ينافي مكارم الأخلاق. والمعنى: جاءك الحق الذي لا ~~مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على ما تقدم من الكتب والأقوال. ### | تنبيهات: # الأول- ذهب أكثر المفسرين إلى أن قول الخائضين الأخير، وهو أنهم سبعة ~~وثامنهم كلبهم، هو الحق. لأنه لم يوصف بكونه رجما بالغيب كما وصف الأولان. # ولتخصيصه ms3130 بالواو في قوله: وثامنهم وهي الواو الداخلة على الجملة الواقعة ~~صفة للنكرة، لإفادة تأكيد لصوق الصفة بالموصوف. والدلالة على أن اتصافه بها ~~أمر ثابت مستقر. وأنه لا عدد وراءه. كما قال ابن عباس: حين وقعت الواو ~~انقطعت العدة. # وأقول: لا يخفى ضعف التمسك بهذين الوجهين لتقوية القول الأخير. فإن عدم ~~وصفه بالرجم بالغيب إنما هو لدلالة ما قبله عليه. وفي إعادته إخلال ~~بالبلاغة. # ومسألة الواو أوهى من بيت العنكبوت. فإن مثل هذا النزاع لا يكتفى بحسمه ~~بمثل هذا الإيماء الدقيق القريب من الإلغاز. كما لا يخفى على من تتبع مواقع ~~حسم الشبه في الكتاب والسنة وكلام البلغاء. لا سيما والواو من المحكي لا من ~~الحكاية. فيدل على ثبوته عند القائل لا عند الله، فلا يكون من الإيماء في ~~شيء. وجواب بعضهم بأنه تعالى لما حكى قولهم قبل أن يقولوه هكذا، لقنهم أن ~~يقولوه إذا أخبروا عنه بهذه العبارة، وبأنه لا مانع أن تكون من الحكاية- ~~بعيد غاية البعد، وتكلف ظاهر، وإغراب في القول. # ثم قيل: إن هذه الجملة لا تتعين للوصفية. لجواز كونها حالا من النكرة، ~~لأن اقترانها بالواو مسوغ. ويجوز أن يكون خبرا عن المبتدأ المحذوف. لأنه ~~يجوز في مثله إيراد الواو وتركها. على أنه إنما يتم ما ذكروه لو لم يتبع ~~قولهم بقوله تعالى: # قل ربي أعلم بعدتهم فإن في تأثره للأقوال المتقدمة كلها، برهانا ظاهرا ~~على أنهم لم يهتدوا لعدتهم، وإرشادا إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام، رد ~~العلم إليه تعالى. # PageV07P019 # وإشارة إلى أنه لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم بين وبرهان نير. ~~وإنه إذا أوقفنا على الفيصل قلنا به، وإلا وقفنا. وقد تأكد هذا بقوله ~~سبحانه بعده ما يعلمهم إلا قليل فإن فيه (دلالة على أنه يعلمهم البعض ممن ~~لم يشأ الحق تعيينه) . وهو إما نبي، أو من كان في مدتهم، أو من نقب عن ~~نبئهم بإثارة صحيحة أو تلق عن المعصوم. وفيه إعلام بأنه لم يضرب على الناس ~~بسد من جهالة شأنهم. ms3131 # وبالجملة، فالنظم الكريم، بأسلوبه هذا، لا يدل على أن الأخير هو الحق كما ~~علمت. وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله: أنا من القليل الذي ~~استثنى الله عز وجل. كانوا سبعة- فهو من الموقوف عليه. ولو رفع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصح سنده لقلنا به على أنه اختلف على ابن عباس في ~~عدتهم. فروي عنه أنهم ثمانية، حكاه ابن إسحاق عن مجاهد عنه. وروي عنه سبعة. ~~وهو حكاية قتادة وعكرمة عنه. ثم رأيت الرازي نقل عن القاضي أنه قال: إن ~~كان- ابن عباس- قد عرفه ببيان الرسول، صح. وإن كان قد تعلق بحرف الواو ~~فضعيف. انتهى. هذا ما ظهر لي الآن. # وبعد كتابتي لما تقدم بمدة، وقفت على نبئهم في (طبقات الشهداء المسيحيين) ~~وأن عدتهم سبعة عندهم كما ستراه في آخر الآيات فيهم. فسنح لي أن ابن عباس ~~إنما جزم بما جزم به، مما قوي عنده من إشارة الآية، كما ذكره أولئك ~~الأكثرون، ومن تواتر عدتهم من قومهم وممن أثر عنهم. ثم حققه وصدقه عدم ~~النكير فيه. وكذلك جزم بمثله الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله، حيث ~~قال في (قاعدة له في التفسير) : اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا ~~المقام- مقام حكاية الأقوال وتعليم ما ينبغي في مثل هذا. فإنه تعالى أخبر ~~عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث. فدل على صحته. إذ ~~لو كان باطلا لرده كما ردهما. ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل ~~تحته. فيقال في مثل هذا قل ربي أعلم بعدتهم فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من ~~الناس ممن أطلعه الله عليه. فبهذا قال فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي لا ~~تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك ~~إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ~~ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل. ويذكر فائدة الخلاف ~~وثمرته، لئلا يقع ms3132 النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم. ~~فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها، فهو ناقص. إذ قد ~~يكون الصواب في الذي تركه. أو # PageV07P020 # يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضا. ~~انتهى كلامه رحمه الله، وهو الفصل في هذا المقام. # الثاني- قال الرازي: ذكروا في فائدة الواو في قوله: وثامنهم وجوها: # الأول- ما ذكروه أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال. وقد ~~عرفت ما فيه. # وثانيها- أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد. وإذا كان كذلك، ~~فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا يدل على الاستئناف،، فقالوا: وثمانية. ~~فجاء هذا الكلام على هذا القانون. قالوا: ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات، ~~وهي قوله: # والناهون عن المنكر [التوبة: 112] ، لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد ~~المتقدمة. وقوله: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها [الزمر: 73] ، لأن أبواب ~~الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة. وقوله: ثيبات وأبكارا [التحريم: 5] ، لأن ~~قوله: # وأبكارا هو العدد الثامن مما تقدم. والناس يسمون هذه الواو. (واو ~~الثمانية) ومعناه ما ذكرناه. # قال القفال: وهذا ليس بشيء والدليل عليه قوله تعالى: هو الله الذي لا إله ~~إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر [الحشر: # 23] ، ولم يذكر الواو في النعت الثامن. انتهى. # وقال في (الانتصاف) : الصواب في الواو ما تقدم من كونها لتأكيد اللصوق. # لا كمن يقول إنها واو الثمانية. فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم. ويعدون ~~مع هذه الواو في قوله في الجنة وفتحت أبوابها قالوا لأن أبواب الجنة ثمانية ~~وأبواب النار سبعة وهب أن في اللغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر ~~العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي إلى الثامن فتصحبه الواو؟ وربما عدوا من ~~ذلك والناهون عن المنكر وهو الثامن من قوله: التائبون وهذا أيضا مردود بأن ~~الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون ~~بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط. ألا ترى اقترانهما في جميع ~~مصادرهما ومواردهما؟ ms3133 كقوله: # يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [التوبة: 71] ، وكقوله: وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر [لقمان: 17] ، وربما عد بعضهم من ذلك، الواو في قوله: # ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن. وهذا غلط فاحش. فإن هذه واو ~~التقسيم. # ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستد الكلام. فقد وضح أن الواو في # PageV07P021 # جميع هذه المواضع المعدودة، واردة لغير ما زعمه هؤلاء. والله الموفق.. ~~انتهى. # الثالث: حكي في (الإكليل) عن مجاهد في قوله تعالى: فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا إلا بما أظهرنا لك. ومثله قول السدي: إلا بما أوحي إليك. وإن ~~فيه تحريم الجدل بغير علم وبلا حجة ظاهرة. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 23 الى 24] # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت في ~~هذه الآية وجوه من المعاني. منها أن المعنى لا تقولن إلا وقت أن يشاء الله ~~بأن يأذن لك في القول، فتكون قائلا بمشيئته، فالمشيئة على هذا بمعنى الإذن. ~~لأن وقت مشيئة الله لشيء لا تعلم إلا بإذنه فيه أي إعلامه به. ومنها لا ~~تقولن لما عزمت عليه من فعل، إني فاعل ذلك غدا إلا قائلا معه إن شاء الله ~~تبرؤا من لزوم التحكم على الله، ومن الفعل بإرادتك بل بإرادة الله، فتكون ~~فاعلا بمشيئته. ولئلا يلزم الكذب لو لم يشأه الله تعالى. ومنها أن المعنى ~~لا تقولن ذلك قاطعا بفعله وباتا له. لأنه وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ~~[لقمان: 34] ، فلا ينبغي الجزم والبت على فعل أمر مستقبل مجهول كونه. وقوله ~~تعالى: إلا أن يشاء الله أي أن تقول ذلك القول البات نسيانا فحينئذ ارجع ~~إلى ربك بذكره. ولذا قال: واذكر ربك إذا نسيت وعلى هذه الوجوه كلها ف لا ~~تقولن نهي معطوف على النهيين قبله. قال الجاحظ في كتاب (الحيوان) : إنما ms3134 ~~ألزم جل وعلا عبده أن يقول: إن شاء الله، ليبقي عادة للمتألي، ولئلا يكون ~~كلامه ولفظه يشبه لفظ المستبد والمستغني، وعلى أن يكون عبده ذاكرا لله. ~~لأنه عبد مدبر، ومقلب ميسر، ومصرف مسخر. # وبقي وجه آخر. وهو أن المعنى لا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقول هذا ~~القول. والجملة خبرية قصد بها الإخبار عن سبق مشيئته تعالى لكل ما يعزم ~~عليه ويقوله. كقوله تعالى وما تشاؤن إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] وهذا ~~المعنى هو الظاهر ببادئ الرأي كما قاله في (الانتصاف) وفي هذا المعنى تلويح ~~بأنه صلوات الله عليه كان هم بأمر ما في نبأ هؤلاء الفتية، وعزم على أمر في ~~غد المحاورة به. # ولعله الاستفتاء عنهم. فلما نهى عنه أخبر بأن كل شيء كائن بمشيئته تعالى، ~~ليدخل فيه ما كان قاله دخولا أوليا. أي ما قلته وعزمت على فعله كان بمشيئة ~~الله، # PageV07P022 # إذ شاء الله أن تقوله. فالآية بمثابة العناية به والتلطيف بالخطاب، إثر ~~ما يومئ إليه النهي إليها من رقيق العتاب ولذلك اعترضت بين سابق النهي عن ~~استفتائهم، ولا حق الأمر بذكره تعالى إذا نسي، أي نسي ما وصي به. وبما ~~ذكرنا يعلم أن هذا المعنى له وجه وجيه. # فدعوى الناصر في (الانتصاف) أنه ليس هو الغرض، وأن الغرض النهي عن هذا ~~القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى- قصر للآية على أحد معانيها، وذهاب إلى ما ~~هو المشهور في تأويلها، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق، بل وفي بقية ~~المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها. وقد ظهر قوة المعنى الأخير ~~لموافقته لآية وما تشاؤن إلا أن يشاء الله [الإنسان: 30] ، والقرآن يفسر ~~بعضه بعضا. والله تعالى أعلم. # وقوله تعالى: وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا أي خيرا ومنفعة. # والإشارة، للنبأ المتحاور فيه. ### | تنبيهات: # الأول- # روي أنه صلوات الله عليه سئل عن أصحاب الكهف والروح وذي القرنين، فقال: ~~أجيبكم عنها غدا ولم يستثن. فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما، ثم نزلت ولا تقولن ~~الآية. # وقد زيف هذه الرواية ms3135 القاضي- كما حكاه الرازي- من أوجه. والحق له. لأنها ~~من مرويات ابن إسحاق عن شيخ مجهول. كما ساقه عنه ابن كثير وغيره، والله ~~أعلم. # الثاني- يشير قوله تعالى: وقل عسى أن يهدين ربي الآية، إلى أن هذا النبأ ~~ليس مما تنبغي العناية بتحقيقه وتدقيق أطرافه، وابتغاء الرشاد فيه، حتى ~~يتكلف لفتوى أهل الكتاب فيه. العزم على فعل شيء مما يلابسه في المستقبل، ~~لأنه من الأمور الغابرة التي حق الخائض فيها أن ينظر منها إلى وجه العبرة ~~والفوائد التي حوتها، كما أحكمته آيات التنزيل في شأنها. # الثالث اعترضت هذه الآداب أعني من قوله تعالى: فلا تمار إلى هنا قبل ~~تتميم نبئهم، مبادرة إلى الاهتمام بهذه الآداب والاحتفاظ بها، لتتمكن فضل ~~تمكن، وترسخ في النفس أشد رسوخ. والله أعلم. # الرابع روي عن ابن عباس في قوله تعالى: واذكر ربك إذا نسيت: إذا نسيت ~~الاستثناء بالمشيئة ثم ذكرت فاستثن، وذلك (كما قال القرطبي) لتدارك التبرك ~~والتخلص عن الإثم. # PageV07P023 # وقال في (الانتصاف) : أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة، متى ~~ذكرت ولو بعد الطول. وأما حلها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها. انتهى. # ودعوى أنه الظاهر هو أحد الوجوه فيها، مفرعا على أن المشيئة في الآية ~~قبلها، مشيئة القول، وهو أحد معاني الآية. وقد حكي عن ابن عباس جواز ~~الاستثناء وإن طال الزمان. ثم اختلف عنه. فقيل إلى شهر وقيل إلى سنة وقيل ~~أبدا. وفي (حصول المأمول) : ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس، ~~لعله لم يعلم بأنها ثابتة في (مستدرك الحاكم) وقال: صحيح على شرط الشيخين ~~بلفظ: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلا سنة) ومثله عند أبي موسى ~~المديني وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق. وبالجملة فالرواية عنه رضي الله ~~عنه قد صحت، لكن الصواب خلاف ما قاله. # قال ابن القيم في (مدارج السالكين) إن مراده أنه إذا قال شيئا ولم يستثن، ~~فله أن يستثني عند الذكر. وقد غلط عليه من لم يفهم كلامه. انتهى. # وهذا التأويل يدفعه ما تقدم ms3136 عنه. والاستثناء بعد الفصل اليسير وعند ~~التذكر، قد دلت عليه الأدلة الصحيحة. منها # حديث أبي داود «1» # وغيره (والله! لأغزون قريشا) ثم سكت ثم قال (إن شاء الله) # . ومنها # حديث «2» # (ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها) # فقال العباس (إلا الإذخر) . وهو في الصحيح. ومنها # قوله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية (إلا سهل ابن بيضاء) # انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 25 الى 26] # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا (26) # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا ~~حكاية PageV07P024 # لقول أهل الكتاب في عهده صلى الله عليه وسلم، في مدة لبثهم نائمين في ~~كهفهم الذي التجأوا إليه، ليتفرغوا لذكر الله وعبادته. وقد رد عليهم بقوله ~~سبحانه قل الله أعلم بما لبثوا وإليه ذهب قتادة ومطرف بن عبد الله. وأيده ~~قتادة بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه (وقالوا ولبثوا) قيل: وعليه فيكون ~~ضمير وازدادوا لأهل الكتاب. وإنه يظهر فيه وجه العدول عن المتبادر وهو ~~ثلاثمائة وتسع سنين. مع أنه أخصر وأظهر. # وذلك لأن بعضهم قال: ثلاثمائة: وبعضهم قال أزيد بتسعة. ولا يخفى ركاكة ما ~~ذكر، فإن الضمير للفتية. ووجه العدول موافقة رؤوس الآي المقطوعة بالحرف ~~المنصوب. ودعوى الأخصرية تدقيق نحوي لا تنهض بمثله البلاغة. وأما الأظهرية ~~فيأباها ذوق الجملتين ذوقا سليما. فإن الوجدان العربي يجد بينهما في ~~الطلاوة بعد المشرقين. ودعوى أن فيها إشارة إلى أنها ثلاثمائة بحساب أهل ~~الكتاب بالأيام، واعتبار السنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع بحساب العرب، ~~واعتبار القمرية، بيانا للتفاوت بينهما، إذ التفاوت بينهما في كل مائة سنة ~~ثلاث سنين- دعوى يتوقف تصحيحها على ثبوت أن أهل الكتاب ازدادوا بالسنة ~~الشمسية وأنه قص علينا ما أرادوه بالسنة الهلالية، فلذلك قال: وازدادوا ~~تسعا لنقف على تحديد ما عنوه، ومن أين يثبت ذلك؟ وما الداعي لهذا التعمق ~~المشوش؟ ms3137 والآية جلية بنفسها في دعواهم مدة لبثهم. وقد يريدون السنة الشمسية ~~أو الهلالية، وبأي منها قالوا: فقد رد عليهم بقوله: قل الله أعلم بما لبثوا ~~أي بمقدار لبثهم. فلا تقفوا ما ليس لكم به علم، وما هو غيب يرد إليه ~~سبحانه، كما قال: له غيب السماوات والأرض أي ما غاب فيهما وخفي من أحوال ~~أهلهما، أي أنه هو وحده العالم به أبصر به وأسمع أي ما أبصره لكل موجود! ~~وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء. # قال الزمخشري: جاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، ~~للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين ~~والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها ~~جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر. ### | لطيفة: # قال في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: أبصر به وأسمع المنتخب على جواز ~~إطلاق صيغة التعجب في صفات الله تعالى، كقولك: ما أعظم الله وما أجله. # انتهى. # PageV07P025 # يعني أن يشتق من الصفات السمعية صيغة التعجب قياسا على ما في الآية. # وقد يقال بالوقف. ينبغي التأمل. # وقوله تعالى: ما لهم أي أهل السموات والأرض في خلقه من دونه من ولي أي ~~يتولى أمورهم ولا يشرك في حكمه أي قضائه أحدا أي من مكوناته العلوية ~~والسفلية. بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم، فيما شاء ~~وأحب. # قال المهايمي: فيه إشارة إلى أن علمهم بهم إما من قبيل الغيب، فهو مختص ~~بالله. أو من قبيل المسموع، فهو أسمع. أو من قبيل البصر، فهو أبصر. انتهى. ~~وهو لطيف جدا. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 27] # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك أي بتبليغ ما فيه. ومنه ما أوحي إليك من ~~نبأ الفتية، فإنه الحق الذي لا يحتاج معه إلى استفتاء فيه. # قال القاشاني: يجوز أن تكون (من) لابتداء الغاية. و (الكتاب) ms3138 هو اللوح ~~الأول المشتمل على كل العلوم الذي منه أوحي إلى من أوحي إليه، وأن تكون ~~بيانا لما أوحي لا مبدل لكلماته أي لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل. # قال القاشاني: (كلماته) التي هي أصول التوحيد والعد وأنواعهما. # وقصده دفع ما يرد من وقوع نسخ بعض الشرائع السابقة باللاحقة وتبديلها ~~بها. # فأشار إلى أن النسخ إنما هو في الفروع لا الأصول. # والأظهر في معنى الآية أنه لا أحد سواه يبدل حكمه كقوله: لا معقب لحكمه ~~[الرعد: 41] ، وأما هو سبحانه فهو فعال لما يريد ولن تجد من دونه ملتحدا أي ~~ملجأ. # وذهب ابن جرير في تفسير هذه الآية مذهبا دقيقا قال: يقول تعالى لنبيه ~~واتبع ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركن تلاوته واتباع ما فيه من ~~أمر الله ونهيه والعمل بحلاله وحرامه، فتكون من الهالكين. وذلك أن مصير من ~~خالفه وترك اتباعه # PageV07P026 # يوم القيامة، إلى جهنم لا مبدل لكلماته يقول لا مغير لما أوعد بكلماته ~~التي أنزلها عليك، أهل معاصيه والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه ~~إليك. وقوله: # ولن تجد من دونه ملتحدا يقول وإن أنت لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ~~فتتبعه وتأتم به، فنالك وعيد الله الذي أوعد فيه المخالفين حدوده، لن تجد ~~من دون الله موئلا تئل إليه، ومعدلا تعدل عنه إليه. لأن قدرة الله محيطة بك ~~وبجميع خلقه، لا يقدر أحد منهم على الهرب من أمر أراد به. انتهى. ### | تنبيه: # لهؤلاء الفتية أصحاب الكهف ذكر في تواريخ المسيحيين، وعيد سنوي يقام ~~تذكارا لهم، في اليوم السابع والعشرين من شهر تموز. لكونهم اضطهدوا من قبل ~~الأمراء اليونانيين، لإيمانهم بالله تعالى وحده ودخولهم في الملة المسيحية ~~ورفضهم الوثنية التي كانت عليها اليونان. وقد رأيت في كتاب (الكنز الثمين ~~في أخبار القديسين) ترجمة عن أحوالهم واسعة تحت عنوان (فيما يخص السبعة ~~القديسين الشهداء الذين من أفسس) نقتطف منها ما يأتي، دحضا لدعوى من يفتري ~~أن نبأهم لا يعرف أصلا، كما قرأته في بعض كتب ms3139 الملحدين. # قال صاحب الترجمة: هؤلاء الشهداء السبعة كانوا إخوة بالجسد. وأسماؤهم: # مكسيميانوس ومالخوس. ومرتينيانوس. وديونيسيوس. ويوحنا. وسارابيون. ثم ~~قسطنطين. هؤلاء الشبان قربوا حياتهم ضحية من أجل الإيمان بالمسيح، بالقرب ~~من مدينة أفسس، نحو سنة (252) مسيحية. في زمن الاضطهاد القاسي الذي صنعه ضد ~~المسيحيين، الملك داكيوس. # وقد أجلهم المسيحيون كشهداء حقيقين. فيقام لهم في الكنائس مدائح تنشر ~~فيها صفاتهم الفاضلة يوم استشهادهم ثمة، في اليوم الرابع من شهر آب، المختص ~~بتذكار الأعجوبة التي بواسطتها قد ظهرت أجسادهم المقدسة في المغارة القريبة ~~من مدينة أفسس. # ثم قال: وأما نوع استشهادهم فليس بمعروف. لأن أعمالهم الجهادية في سبيل ~~الإيمان لم توجد مدونة في التواريخ الكنائسية المدققة. بل إن المؤكد عنهم ~~أن استشهادهم كان زمن الملك داكيوس، حذاء مدينة أفسس. حيث وجدت فيما بعد ~~أجسادهم في مغارة ليست بعيدة من أهل هذه المدينة. # ثم قال: فالبعض من الكتبة الكنائسيين يرتؤون بأنه لما اختفى هؤلاء الفتية ~~في # PageV07P027 # تلك المغارة هربا من الاضطهاد، عرف أمرهم فأغلق عليهم باب المغارة بصخور ~~عظيمة. وهكذا ماتوا فيها. وغيرهم يروون أنهم قتلوا من أجل الإيمان في مدينة ~~أفسس. وبعد موتهم نقلت أجسادهم ودفنت في المغارة المذكورة. وآخرون يظنون ~~أنهم حبسوا أنفسهم أحياء باختبائهم في المغارة المذكورة، ليموتوا برضاهم، ~~هربا من خطر أنواع العذاب القاسية التي كان يتكبدها المسيحيون في ذاك ~~الاضطهاد الوحشي. # ثم قال: فكيفما كان نوع استشهاد هؤلاء السبعة، فقد تحقق أن الله أراد أن ~~يكرمهم بإظهار أجسادهم بواسطة رؤيا سماوية. وذلك في 4 آب سنة 447 في زمن ~~ولاية الملك (ثاوضوسيوش الصغير) . # ثم قال: ودرج على أفواه الشعوب أن هؤلاء الفتية، بعد أن أغلق عليهم باب ~~المغارة بأمر داكيوس الملك، لم يموتوا ضمنها، لا موتا طبيعيا ولا قسريا. بل ~~رقدوا رقاد النوم مدة، نحو مائتي سنة. ثم نهضوا من نومهم الطبيعي سنة (447) ~~. # ثم قال: وقد ذهب بعض المؤرخين إلى تأويل ما روي من رقادهم الطويل، بأنه ~~لما ظهرت أجسادهم سالمة من البلى، بعد أن دفنوا في ذلك الغار ms3140 أحياء أو ~~أمواتا، بواسطة خارقة ما، ونقلت من مدفنهم الذي كانوا فيه، اعتبرت تلك ~~الأجساد كأنها صودفت مستيقظة من نوم لذيذ كانت راقدة فيه. إلا أن الذي يبطل ~~هذا التأويل ما نقله بعد عن القنداق، من أنهم نهضوا بعد أن رقدوا عدة من ~~السنين وانتصروا على ضلال أولئك الوثنيين. وبظهورهم كذلك أيدوا حقية ~~إيمانهم ووطدوا المؤمنين في رجاء القيامة في الحياة الأبدية. # هذا ما اقتطفناه من كتاب (الكنز الثمين) وبه تعلم ما لدى أهل الكتاب ~~المسيحيين من الاختلاف فيهم، الذي أشار له القرآن الكريم. وقد جاء في ~~(تاريخ الكنيسة) : إن أقوال وأعمال الشهداء في المسيحية لم ينقل منها إلا ~~القليل. لأن أكثرها أحرق بالنار مدة العشر سنوات. من سنة (293 إلى 303) وإن ~~من القرن الثامن فصاعدا، اعتنى الروم واللاتيون بجمع حياة الشهداء الأولين. ~~غير أن الأكثر حذاقة، حتى الذين في حضن الكنيسة الرومانية، يسلمون الآن بأن ~~أكثر الأخبار أحاديث ملفقة، غراما بالبلاغة. وجداول القديسين المسماة ~~(أقوال الشهداء) ليست بأكثر ثقة. التي ألفها أناس جهلاء غير قادرين، أو ~~دخلها منذئذ أكاذيب. فهذا القسم من تاريخ الكنيسة إذ ذاك مظلم خال من ~~النور. انتهى كلامه بالحرف. # PageV07P028 # وفيه ميل إلى النصفة من عدم الثقة بما لديهم من هذا الخلاف الذي حسم ~~مادته، واقتلعه من جذوره، القرآن الكريم. # قال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة [الكهف: 50] ، ~~الآية الآتية، معتذرا عما نقله، ما مثاله: روي في هذا آثار كثيرة عن السلف. ~~وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها. والله أعلم بحال كثير منها. ~~ومنها ما قد يقطع بكذبه، لمخالفته للحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن ~~كل ما عداه من الأخبار المتقدمة. لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ~~ونقصان. وقد وضع فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ~~ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين. كما لهذه الأمة من الأئمة ~~والعلماء، والسادة والأتقياء، والجهابذة النقاد، والحفاظ الذي دونوا الحديث ~~وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه ومنكره وموضوعه ومتروكه. وعرفوا الوضاعين ~~والكذابين ms3141 والمجهولين من أصناف الرجال. # كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر، أن ~~ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم. وجعل جنات ~~الفردوس مأواهم. وقد فعل. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 28] # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) # واصبر نفسك أي احبسها وثبتها مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أي مع ~~أصحابك الذين يذكرونه سبحانه طرفي النهار، بملازمة الصلاة فيهما يريدون ~~وجهه أي ذاته طلبا لمرضاته وطاعته، لا عرضا من أعراض الدنيا ولا تعد عيناك ~~عنهم أي لا تجاوز نظرك إلى غيرهم بالإعراض عنهم تريد زينة الحياة الدنيا أي ~~تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء تألفا لقلوبهم ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا أي جعلناه غافلا لبطلان استعداده للذكر بالمرة. أو وجدناه غافلا عنه. ~~وذلك لئلا يؤديك إلى الغفلة عنه واتبع هواه وكان أمره فرطا أي متروكا ~~متهاونا به مضيعا. أو ندما أو سرفا. وفي التعبير عن المأمور بالصبر معهم ~~والمنهي عن إطاعتهم، بالموصول، للإيذان بعلية ما في حيز الصلة. # PageV07P029 # قال ابن جرير: إن قوما من أشراف المشركين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~جالسا مع خباب وصهيب وبلال. فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا. وفي رواية ابن ~~زيد: أنهم قالوا له صلوات الله عليه: إنا نستحي أن نجالس فلانا وفلانا ~~وفلانا، فجانبهم وجالس أشراف العرب، فنزلت الآية واصبر نفسك. # وروى مسلم «1» عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ستة نفر. فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترءون ~~علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان (نسيت اسميهما) ~~فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. ~~فأنزل الله عز وجل ولا تطرد ms3142 الذين يدعون ربهم الآية. # قال ابن كثير: انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 29] # وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا (29) # وقل الحق من ربكم أي جاء الحق وهو ما أوحي إلي منه تعالى: فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر إما من تمام المقول المأمور به، والفاء لترتب ما بعدها على ~~ما قبلها، بطريق التهديد. أي عقيب تحقق أن ما أوحي إلي حق لا ريب فيه، وأن ~~ذلك الحق من جهة ربكم. فمن شاء أن يؤمن به، فليؤمن كسائر المؤمنين. ولا ~~يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعلل. ومن شاء أن يكفر به فليفعل. وفيه من ~~التهديد وإظهار الاستغناء عن متابعتهم، وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم، وجودا ~~وعدما- ما لا يخفى. # وإما تهديد من جهة الله تعالى، والفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على ~~الأمر. # والمعنى: قل لهم ذلك. وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدقك فيه ~~فليؤمن. # ومن شاء أن يكفر به أو يكذبك فيه فليفعل. أفاده أبو السعود. وفي ~~(العناية) : الأمر والتخيير ليس على حقيقته. فهو مجاز عن عدم المبالاة ~~والاعتناء به. والأمر بالكفر غير مراد. فهو استعارة للخذلان والتخلية، ~~بتشبيه حال من هو كذلك بحال المأمور بالمخالفة. ووجه الشبه عدم المبالاة ~~والاعتناء به فيهما. وهذا كقوله: (أسيئي بنا أو PageV07P030 # أحسني لا ملومة) وهذا رد عليهم في دعائهم إلى طرد الفقراء المؤمنين ~~ليجالسوه ويتبعوه. فقيل لهم: إيمانكم إنما يعود نفعه عليكم، فلا نبالي به ~~حتى نطردهم لذلك، بعد ما تبين الحق وظهر. وقوله تعالى: إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا وعيد شديد، وتأكيد للتهديد وتعليل لما يفيده من الزجر عن الكفر. أو ~~لما يفهم من ظاهر التخيير، من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بزجرهم ~~عنه. فإن إعداد جزائه من دواعي الإملاء والإمهال. وعلى الوجه الأول، هو ~~تعليل للأمر بما ذكر من ms3143 التخيير التهديدي. أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا ~~للظالمين أي هيأنا للكافرين بالحق، بعد ما جاء من الله سبحانه. والتعبير ~~عنه ب (الظالمين) للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره، تجاوز عن الحد ووضع ~~للشيء في غير موضعه. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: أحاط بهم سرادقها أي ~~فسطاطها. وهي الخيمة. شبه به ما يحيط بهم من النار. فإن انتشار لهب النار ~~في الجهات شبيه بالسرادق. ويطلق السرادق على الحظيرة حول الفسطاط للمنع من ~~الوصول إليه. شبه ما يحيط بهم من جهنم، بها. # يقال بيت مسردق، ذو سرادق وإن يستغيثوا أي من الظمأ لاحتراق أفئدتهم ~~يغاثوا بماء كالمهل أي كالحديد المذاب وكعكر الزيت، وقال القاشاني: من جنس ~~الغساق والغسلين، أي المياه المتعفنة التي تسيل من أبدان أهل النار، مسودة ~~يغاثون بها. أو غسالاتهم القذرة ويؤيده قوله تعالى ويسقى من ماء صديد ~~يتجرعه [إبراهيم: 17] ، يشوي الوجوه أي إذا قدم إليه ليشرب، من فرط حرارته. # وساءت أي النار مرتفقا أي متكأ. وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد. ~~وذكره لمشاكلة قوله: وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء. ~~وقد يكون تهكما، كقوله. # إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح # والصاب: شجر مر يحرق ماؤه العين. ومذبوح: مشقوق. وفي كتاب (تنزيل الآيات) ~~في الصحاح: بات فلان مرتفقا، أي متكئا على مرفق يده. وهو هيئة المتحزنين ~~المتحسرين. فعلى هذا لا يكون من المشاكلة ولا للتهكم، بل هو على حقيقته. ~~كما يكون للتنعم يكون للتحزن. وتعقبه في (العناية) فقال: وأما وضع اليد تحت ~~الخد للتحزن والتحسر، فالظاهر أن العذاب يشغلهم عنه. فلا يتأتى منهم حتى ~~يكون هذا حقيقة لا مشاكلة، فلذا لم يعرجوا عليه. ثم علل الحث على الإيمان ~~المفهوم من التخيير المتقدم، بقوله سبحانه: # PageV07P031 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 30 الى 31] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا ms3144 خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم ~~جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا ~~خضرا من سندس وهو ما رق من الديباج وإستبرق وهو ما كثف منه متكئين فيها على ~~الأرائك أي السرر على هيئة المتنعمين نعم الثواب أي الجنات المذكورة وحسنت ~~مرتفقا أي متكأ. وقيل المرتفق المنزل والمستقر، لآية إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما [الفرقان: 66] وآية، حسنت مستقرا ومقاما [الفرقان: 76] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 32] # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) # واضرب لهم مثلا أي للمؤمن والكافر رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وهي أعز ما يؤثره أولئك في تأزير كرومهم بالأشجار وجعلنا ~~بينهما أي بين الجنتين، أو بين النخيل والأعناب زرعا أي فحصل منهما الفواكه ~~والأقوات، فكانتا منشأ الثروة والجاه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 33] # كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) # كلتا الجنتين آتت أكلها أي ثمرها كاملة ولم تظلم أي لم تنقص منه شيئا ~~وفجرنا خلالهما أي فيما بينهما نهرا أي يسقي الأشجار والزروع، ويزيد في ~~بهجة مرآهما، تتميما لحسنهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 34] # وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) # وكان له أي لصاحب الجنتين ثمر أي أنواع من المال غير الجنتين. من (ثمر ~~ماله) إذا كثره فقال لصاحبه وهو يحاوره أي يراجعه الكلام، تعييرا له ~~بالفقر، # PageV07P032 # وفخرا عليه بالمال والجاه أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أي أنصارا وحشما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 35] # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) # ودخل جنته أي بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها. كما يدل عليه السياق ~~ومحاورته له. وإفراد الجنة هنا ms3145 مع أن له جنتين كما مر، إما لعدم تعلق الغرض ~~بتعددها، وإما لاتصال إحداهما بالأخرى، وإما لأن الدخول يكون في واحدة ~~فواحدة. # قيل: الإضافة تأتي لمعنى اللام. فالمراد بها العموم والاستغراق. أي كل ما ~~هو جنة له يتمتع بها. فيفيد ما أفادته التثنية مع زيادة. وهي الإشارة إلى ~~أنه لا جنة له غير هذه وهو ظالم لنفسه أي بما يوجب سلب النعمة، وهو الكفر ~~والعجب. وفي (العناية) ظلمه لها إما بمعنى تنقيصها وضررها، لتعريض نعمته ~~للزوال ونفسه للهلاك، أو بمعنى وضع الشيء في غير موضعه. لأن مقتضى ما شاهده ~~التواضع المبكي، لا العجب بها وظنها أنها لا تبيد أبدا. والكفر بإنكار ~~البعث كما يدل عليه قوله: قال ما أظن أن تبيد أي تهلك وتفنى هذه أي الجنة ~~أبدا لاعتقاده أبدية الدهر، وأن لا كون سوى ما تقع عليه مشاعره. ولذا قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 36] # وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) # وما أظن الساعة قائمة أي كائنة آتية، وقوله: ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا إقسام منه على أنه، إن رد إلى ربه، على سبيل الفرض ~~والتقدير، كما يزعم صاحبه، ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا ~~وتمنيا على الله، وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده. وإنه ما أولاه الجنتين ~~إلا لاستحقاقه واستئهاله. وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه. كقوله: إن لي ~~عنده للحسنى [فصلت: 50] ، لأوتين مالا وولدا [مريم: 77] ، ومنقلبا أي مرجعا ~~وعاقبة. # أفاده الزمخشري. # قال المهايمي: فكفر بالقول بقدم العالم ونفي حشر الأجساد واعتقد عكس ~~الجزاء إذ قال: لأجدن خيرا منها منقلبا والقول بقدم العالم ينفي اختيار ~~الصانع وإرادته. وبإنكار حشر الأجساد ينفي قدرته على الإعادة. وبعكس الجزاء ~~ينفي # PageV07P033 # الحكمة الإلهية. ثم بين تعالى ما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظا له، ~~وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 37] # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ms3146 من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) # قال له صاحبه أي الذي عيره بالفقر، تعييرا له على كفره وهو يحاوره أي ~~يراجعه كلام التعيير على الكفر، محاورته كلام التعيير على الفقر، في ضمن ~~النكر عليه أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة أي يجعل التراب نباتا ثم ~~جعله غذاء يتولد منه النطفة ثم سواك رجلا أي عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا ~~مبلغ الرجال. قال أبو السعود: والتعبير عنه تعالى بالموصول، للإشعار بعلية ~~ما في حيز الصلة، لإنكار الكفر. والتلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله ~~تعالى عز من قائل: # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [الحج: 5] ~~الآية، وكما قال تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: ~~28] الآية. قال ابن كثير: أي كيف تجحدون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، ~~كل أحد يعلمها من نفسه. فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان ~~معدوما ثم وجد. وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء. من المخلوقات، لأنه ~~بمثابته. # فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء. ولهذا ~~قال صاحبه المؤمن: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 38] # لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) # لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل ~~اعترف لله بالوحدانية والربوبية. ولا أشرك به أحدا معه من العلويات ~~والسفليات. وقد قرأ ابن عامر لكنا بإثبات الألف وصلا ووقفا. والباقون ~~بحذفها وصلا، وبإثباتها وقفا. فالوقف وفاق. وأصله لكن أنا. وقرئ كذلك فحذفت ~~الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها فصار (لكن) ثم ألحق الألف إجراء للوصل مجرى ~~الوقف. لأن الوقف على (أنا) بالألف، ولأن الألف تدل على أن الأصل (لكن أنا) ~~وبغيرها يلزم الألباس بينه وبين (لكن) المشددة. قال الزمخشري: ونحوه قول ~~القائل: # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكن إياك لا أقلي # PageV07P034 # أي لكن أنا لا أقليك. ويقرب منه قول الآخر: ms3147 # ولو ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي عظيم المشافر # أي ولكنك. وقوله تعالي: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 39 الى 41] # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك ~~مالا وولدا (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من ~~السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله أي هلا قلت عند دخولها ذلك. قال ~~الزمخشري. يجوز أن تكون (ما) موصولة مرفوعة المحل، على أنها خبر مبتدأ ~~محذوف. تقديره (الأمر ما شاء الله) أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف ~~بمعنى (أي شيء شاء الله كان) ونظيرها في حذف الجواب (لو) في قوله: ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال [الرعد: 31] ، والمعنى: هلا قلت عند دخولها، والنظر ~~إلى ما رزقك الله منها، الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكل خير فيها، ~~إنما حصل بمشيئة الله وفضله. وأن أمرها بيده. إن شاء تركها عامرة، وإن شاء ~~خربها. وقلت لا قوة إلا بالله إقرارا بأن ما قويت به على عمامتها وتدبير ~~أمرها، إنما هو بمعونته وتأييده. إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده، ~~إلا بالله تعالى. والقصد من الجملتين التبرؤ من الحول والقوة، إسناد ما ~~أوتيه إلى مشيئة الله وقوته وحده. ثم أشار له صاحبه بأن تعييره إياه ~~بالفقر، لا يبعد أن ينعكس فيه الأمر، بقوله: إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ~~فعسى ربي أن يؤتين أي في الدنيا أيضا خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا أي ~~مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتدميرها من صواعق وآفات علوية من ~~السماء فتصبح صعيدا زلقا أي ترابا أملس لا تثبت فيها قدم، لملاستها أو ~~يهلكها بآفة سفلية من جهة الأرض بأن يصبح ماؤها غورا أي غائرا في الأرض فلن ~~تستطيع له طلبا أي حيلة تدركه بها، بالحفر أو بغيره. ### | تنبيه: # كل من قوله تعالى: إن ترن وقوله: أن ms3148 يؤتين رسم بدون ياء. لأنها من ياءات ~~الزوائد. وأما في النطق، فبعض السبعة يثبتها وبعضهم يحذفها. # PageV07P035 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 42] # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) # وأحيط بثمره أي بإهلاكه فلم يبق له فيها ثمرة. قال الزمخشري: (أحيط به) ~~عبارة عن إهلاكه. وأصله من (من أحاط به العدو) لأنه إذا أحاط به فقد ملكه ~~واستولى عليه. ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله تعالى إلا أن يحاط بكم ~~[يوسف: 66] . # ومثله قولهم: (أتى عليه) إذا أهلكه. من (أتى عليهم العدو) إذا جاءهم ~~مستعليا عليهم. يعني إنه استعارة تمثيلية. شبه إهلاك جنتيه بما فيهما، ~~بإهلاك قوم بجيش عدو أحاط بهم وأوقع بهم بحيث لم ينج أحد منهم. كما أن (أتى ~~عليهم) بمعنى أهلكهم، استعارة أيضا، من إتيان عدو غالب مستعل عليهم بالقهر ~~فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها أي فعير نفسه أكثر من تعييره صاحبه ~~وتعيير صاحبه إياه. قال الزمخشري: تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر. ~~لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن. كما كني عن ذلك بعض الكف، والسقوط في ~~اليد. ولأنه في معنى الندم، عدي تعديته ب (على) كأنه قيل فأصبح يندم على ما ~~أنفق فيها، أي في عمارتها. فيكون ظرفا لغوا. ويجوز كونه ظرفا مستقرا متعلقه ~~خاص، وهو حال. أي متحسرا. والتحسر الحزن. وهو أخص من الندم. لأنه- كما قال ~~الراغب- الغم على ما فات وهي خاوية على عروشها أي ساقطة عليها. و (العروش) ~~جمع عرش وهو ما يصنع ليوضع عليه شيء. فإذا سقط سقط ما عليه. يعني أن كرومها ~~المعروشة، سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم، بحيث قاربت أن تصير ~~صعيدا زلقا ويقول عطف على (يقلب) يا ليتني لم أشرك بربي أحدا أي من ~~الأوثان. # وذلك أنه تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتي من جهة شركه وطغيانه. فتمنى لو لم ~~يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ### | القول في تأويل ms3149 قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 43] # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) # ولم تكن له فئة أي منعة وقوم ينصرونه من دون الله أي يقدرون على نصرته من ~~دون الله، كما افتخر بهم واستعز على صاحبه وما كان منتصرا أي ممتنعا بنفسه ~~وقوته عن انتقام الله. # PageV07P036 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 44] # هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # هنالك الولاية لله الحق أي في ذلك المقام وتلك الحال التي وقع فيها ~~الإهلاك. (الولاية) بفتح الواو، أي النصرة لله وحده، لا يقدر عليها أحد ~~غيره. # فالجملة مقررة ومؤكدة لقوله: ولم تكن له فئة ينصرونه لأنها بمعناها. أو ~~ينصر فيها أولياءه المؤمنين على المشركين وينتقم لهم ويشفي صدورهم من ~~أعدائهم، كما نصر على الكافر صاحبه المؤمن، وصدق قوله: فعسى ربي أن يؤتين ~~خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء ويعضده قوله تعالى: هو خير ~~ثوابا وخير عقبا أي لأوليائه. فلا ينقص لمؤمن درجة، في الدنيا، ولا يترك ~~لكافر عقوبة لشرفه، بل يعاقبه بذنبه ويظهر فضل المؤمن عليه. وقرئ (الولاية) ~~بكسر الواو بمعنى السلطان والملك. أي هنالك السلطان له والملك. لا يغلب ولا ~~يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر. يعني ~~أن يا ليتني لم أشرك بربي أحدا [الكهف: 42] ، كلمة ألجئ إليها فقالها، جزعا ~~مما دهاه من شؤم كفره. ولولا ذلك لم يقلها. كقوله تعالى: فلما رأوا بأسنا ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين [غافر: 84] . # وكقوله إخبارا عن فرعون حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين [يونس: 90- 91] ، أو (هنالك) إشارة إلى الآخرة. أي في تلك الدار ~~الولاية لله. كقوله: لمن الملك اليوم [غافر: 16] ويناسبه قوله: هو خير ~~ثوابا وخير عقبا. و (هنالك) على الأوجه المتقدمة، خبر مقدم و (الولاية) ~~مبتدأ مؤخر. # والوقف على (منتصرا) . وجوز ms3150 بعضهم كون (هنالك) معمولا ل (منتصرا) وإن ~~الوقف عليه. أي على (هنالك) وإن (الولاية لله) جملة من مبتدأ وخبر مستأنفة. # أي وما كان منتصرا في ذلك الوطن الذي حل به عذاب الله. فلم يكن منقذ له ~~منه. # وأقول: هذا الثاني ركيك جدا، مفكك لرؤوس الآي في السورة. فإنها قطعت كلها ~~بالاسم المنصوب. وشبهة قائله جوازه عربية. وما كل جائز عربية رقيق الحواشي ~~بلاغة. ولذلك لم يعول عليه الزمخشري ومن تابعه. و (الحق) قرئ بالرفع صفة ~~(للولاية) وبالنصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة المنصوب بعامل مقدر. # PageV07P037 # وبالجر صفة للفظ الجلالة. (عقبا) قرئ بسكون القاف وضمها. وهما العاقبة ~~كالعشر والعشر. ### | تنبيه: # يذكر كثير من المفسرين هنا وجها في هذا المثل. وهو أن الرجلين المذكورين ~~فيه كانا موجودين ولهما قصة. ولا دليل في ذلك ولا اتجاه. فإن التمثيل بشيء ~~لا يقتضي وجوده. وجوز في هذا المثل أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية ~~والتشبيه. وأن يكون المثل مستعارا للحال الغريبة، بتقدير (اضرب) مثلا، مثل ~~رجلين، من غير تشبيه واستعارة. وقد عني بأن الرجلين في التمثيل، مشركو مكة، ~~وما كانوا عليه من الفخر بأموالهم والبذخ بخولهم، وغمط المستضعفين من ~~المؤمنين. وما آل إليه أمر الفريقين، مما طابق المثل الممثل، مطابقة طبقت ~~الآفاق. # مصداقا لوعده تعالى، سيكون الأمر في الآخرة أعلى وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا [الإسراء: 21] . # ثم أشار تعالى إلى سرعة فناء ما يتمتعون به من الدنيا، ويختالون به بقوله ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 45] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي اذكر لهم ما تشبهه في زهرتها وسرعة ~~زوالها كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض أي فالتف بسببه ~~وتكاثف، حتى خالط بعضه بعضا، فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة فأصبح أي ~~بعد ذلك الزهو هشيما أي جافا يابسا مكسورا تذروه الرياح أي تفرقه وتنسفه ~~ذات ms3151 اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها، فإن ما ~~نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النمو. ثم يزولون زوال النبات ~~وكان الله على كل شيء مقتدرا أي على كل من الإنشاء والإفناء كامل القدرة. ~~ولما كان هذا المثل للحياة الدنيا من أبهج المثل وأبدعها، ضرب كثيرا في ~~التنزيل، كقوله تعالى في سورة يونس: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ... [يونس: 24] ~~الآية. وفي الزمر ألم تر # PageV07P038 # أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه ... # [الزمر: 21] الآية. وفي الحديد اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ... ~~[الحديد: 20] الآية. ثم بين تعالى شأن ما كانوا يفتخرون من محسنات الدنيا، ~~بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 46] # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) # المال والبنون زينة الحياة الدنيا وذلك لإعانتهما فيها، ووجود الشرف ~~بهما. # ثم أشار إلى أنهما ليسا من أسباب الشرف الأخروي، إذ لا يحتاج فيها ~~إليهما، بقوله: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا أي والأعمال التي تبقى ~~ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربك ~~من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من الأمل. فإن ~~ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال. وما ينال بالباقيات ~~الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي، لا يزول ولا يحول. ### | لطائف: ### | 1- # تقديم (المال) على (البنين) لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد. # ولكون الحاجة إليه أمس. ولأنه زينة بدونهم، من غير عكس. ### | 2- # إفراد (الزينة) مع أنها مسندة إلى الاثنين، لما أنها مصدر في الأصل. # أطلق على المفعول مبالغة. كأنها نفس الزينة. وإضافتها إلى الحياة ~~اختصاصية، لأن زينتها مختصة بها. ### | 3- # إخراج بقاء الأعمال وصلاحها، مخرج الصفات المفروغ عنها، مع أن حقهما أن ms3152 ~~يكونا مقصودي الإفادة، لا سيما في مقابلة إثبات الفناء لما يقابلهما من ~~المال والبنين على طريقة ما عندكم ينفد وما عند الله باق [النحل: 96] ، - ~~للإيذان بأن بقاءها أمر محقق لا حاجة إلى بيانه. بل لفظ (الباقيات) اسم لها ~~لا وصف. ولذلك لم يذكر الموصوف. وإنما الذي يحتاج إلى التعرض له خيريتها. ### | 4- # تكرير (خير) للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة. كذا يستفاد من ~~أبي السعود، مع زيادة. # PageV07P039 ### | 5- # وقع في كلام السلف تفسير (الباقيات الصالحات) بالصلوات وأعمال الحج ~~والصدقات والصوم والجهاد والعتق وقوله (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر) والكلام الطيب، وبغيرهما، مما روي مرفوعا وموقوفا. ~~والمرفوع من ذلك كله لم يخرج في الصحيحين. وكله على طريق التمثيل. وإن ~~اللفظ الكريم يتناولها لكونها من أفراده. # ثم أشار تعالى إلى تحذير المشركين من أهوال القيامة، التي هي الوعد الحق ~~والفيصل الصدق، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 47] # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) # ويوم نسير الجبال أي اذكر يوم نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو. كما ~~ينبئ عنه قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: ~~88] ، أو نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منبثا وترى الأرض بارزة لبروز ما ~~تحت الجبال، أي ظهوره، بنسفها وبروز ما عداه بزوال الجبال والكثب. # حتى تبدو للعيان سطحا مستويا، لا بناء ولا شجر ولا معلم ولا ما سوى ذلك ~~وحشرناهم أي جمعناهم إلى موقف الحساب فلم نغادر أي نترك منهم أحدا أي لا ~~صغيرا ولا كبيرا. كما قال: قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم ~~معلوم [الواقعة: 49- 50] ،، وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ~~[هود: 103] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 48] # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا (48) # عرضوا على ربك صفا # أي مصطفين مترتبين في المواقف، لا يحجب بعضهم بعضا كل في رتبته، قاله ~~القاشاني. # وقال ms3153 أبو السعود: (صفا) أي غير متفرقين ولا مختلطين. فلا تعرض فيه لوحدة ~~الصف وتعدده. # قال الزمخشري: شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان، # PageV07P040 # مصطفين ظاهرين. يرى جماعتهم كما يرى كل واحد. لا يحجب أحد أحداقد جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة # أي بلا مال ولا بنين. أو لقد بعثناكم كما أنشأناكم. # والكلام على إضمار القول. أي وقلنا. تقريعا للمنكرين للمعاد، وتوبيخا لهم ~~على رؤوس الأشهادل زعمتم # أي بإنكاركم البعث لن نجعل لكم موعدا # أي وقتا لإنجاز ما وعدناكم من البعث والنشور والحساب والجزاء. فلم يعلموا ~~لذلك أصلا، بل عملوا ما يزدادون به افتضاحا. و (بل) للخروج من قصة إلى ~~أخرى. فالإضراب انتقالي، لا إبطالي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 49] # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) # ووضع الكتاب أي صحائف الأعمال بين يدي الله بحضرة الخلائق فترى المجرمين ~~مشفقين أي خائفين أن يفتضحوا مما فيه أي من أعمالهم السيئة المسطرة ويقولون ~~يا ويلتنا أي هلكتنا وحسرتنا على ما فرطنا في أعمارنا. قال القاشاني: يدعون ~~الهلكة التي هلكوا بها، من أثر العقيدة الفاسدة والأعمال السيئة مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أي أي شأن حصل له، فلا يترك ~~ذنبا صغيرا ولا كبيرا إلا ضبطه وحفظه. والاستفهام مجاز عن التعجب في إحصائه ~~كل المعاصي، وعده مقاديرها وأوصافها، وعدم تسامحه في شيء منها. # قال البقاعي عليه الرحمة إن لام الجر رسمت مفصولة (يعني في الرسم ~~العثماني) ، إشارة إلى أنهم لشدة الكرب يقفون على بعض الكلمة. وهذا من ~~لطائفه رحمه الله. ووجدوا ما عملوا حاضرا # أي مكتوبا في الصحف تفصيلا، من خير وشر. كما قال تعالى يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا [آل عمران: 30] الآية. وقال ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم ~~وأخر # [القيامة: 13] . # ولا يظلم ربك أحدا أي فيكتب عليه ما لم يعمله، ms3154 أو يزيد في عقابه. ثم أشار ~~تعالى إلى أن الكفر والعصيان مصدره طاعة الشيطان، وإيثاره على الرحمن. # والشيطان أعدى الأعداء وأفسق الفساق. فلا يتولاه إلا من سفه نفسه، وحاد ~~عن جادة الصواب، فقال سبحانه: # PageV07P041 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 50] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50) # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن أي العتاة ~~المردة الشياطين ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته أفتتخذونه وذريته أولياء ~~من دوني وهم لكم عدو أي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي، وهم لكم عدو ~~يبغون بكم الغوائل ويوردونكم المهالك؟ وهذا تقريع وتوبيخ لمن آثر اتباعه ~~وإطاعته. ولهذا قال تعالى: بئس للظالمين أي الواضعين الشيء في غير موضعه ~~بدلا بئس البدل من الله إبليس، لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته. قال ابن ~~كثير: # وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين، ~~السعداء والأشقياء، في سورة يس وامتازوا اليوم أيها المجرمون إلى قوله أفلم ~~تكونوا تعقلون [يس: 59- 62] ، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 51] # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا (51) # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض استئناف مسوق لبيان عدم استحقاق إبليس ~~وذريته، للاتخاذ المذكور في أنفسهم، بعد بيان الصوارف عن ذلك، من خباثة ~~المحتد والفسق والعداوة. أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض، ~~حين خلقتهما ولا خلق أنفسهم أي وما أشهدت بعضهم أيضا خلق بعض منهم. ونفي ~~الإشهاد كناية عن نفي الاعتضاد بهم والاستعانة على خلق ما ذكر- أبلغ. إذ من ~~لم يشهد فإنى يستعان به؟ فأنى يصح جعله شريكا؟ ولذلك قال سبحانه وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا أي وما كنت متخذهم أعوانا لخلق ما ذكر، بل تفردت بخلق ~~جميع ذلك بغير معين ولا ظهير أي وإذا لم يكونوا عضدا في الخلق، فما لكم ~~تتخذونهم ms3155 شركاء في العبادة؟ واستحقاق العبادة من توابع الخالقية. # والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها. والخالقية منفية عن غيره تعالى، ~~فينتفي لازمها وهو استحقاق عبادة ذلك الغير، وهم المضلون، فلا يكونون ~~أربابا. إنما وضع (المضلين) موضع الضمير، ذما لهم وتسجيلا عليهم بالإضلال، ~~وتأكيدا لما سبق # PageV07P042 # من إنكار اتخاذهم أولياء. ونحو هذه الآية قوله تعالى قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~[سبأ: 22- 23] الآية. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 52] # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) # ويوم يقول أي الحق تعالى: نادوا شركائي الذين زعمتم أي في دار الدنيا، ~~أنهم شركاء لينقذوكم مما أنتم فيه. يقال لهم ذلك على رؤوس الأشهاد تقريعا ~~وتوبيخا لهم فدعوهم أي فنادوهم للإعانة، لبقاء اعتقاد شركهم فلم يستجيبوا ~~لهم أي فلم يعينوهم، لعجزهم عن الجواب، فضلا عن الإعانة. وفي إيراده، مع ~~ظهوره، تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به ~~وجعلنا بينهم أي بين الكفار وآلهتهم موبقا أي مهلكا يشتركون فيه، وهو ~~النار. أو عداوة هي في الشدة نفس الهلاك. كقول عمر رضي الله عنه (لا يكن ~~حبك كلفا، ولا بغضك تلفا) ، ويؤيد هذا قوله تعالى: واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: ### | 81- 82 # ] ، قال ابن كثير: وأما إن جعل الضمير في قوله بينهم عائدا إلى المؤمنين ~~والكافرين كما قال عبد الله بن عمرو (إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به) ~~- فهو كقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون [الروم: 14] ، وقال ~~يومئذ يصدعون [الروم: 43] ، وقال تعالى: وامتازوا اليوم أيها المجرمون [يس: ~~59] ، وقال تعالى: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم، فزيلنا بينهم إلى قوله: وضل عنهم ما كانوا يفترون [يونس: 28- 30] ~~. ### | القول في تأويل قوله ms3156 تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 53] # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) # ورأى المجرمون النار أي جهنمهم المحيطة بأنواع الهلاك ووضع المظهر مقام ~~المضمر تصريحا بإجرامهم، وذما لهم بذلك فظنوا أنهم مواقعوها أي أيقنوا ~~بأنهم. # PageV07P043 # واقعون فيها ولم يجدوا عنها مصرفا أي معدلا ينصرفون إليه. إشارة إلى ما ~~يعاجلهم من الهم والحزن، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه، عذاب ناجز. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 54] # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(54) # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل أي نوعنا في هذا القرآن، ~~الجامع للمهمات وأنواع السعادات، لمصلحة الناس ومنفعتهم، من كل مثل، ينبه ~~على مراقي السعادات ومهاوي الضلالات لينذروا به وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~أي مجادلة ومخاصمة ومعارضة للحق بالباطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 55] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) # وما منع الناس أي أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم وكل من شاكلهم أن يؤمنوا ~~أي من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا الشرك إذ جاءهم الهدى أي القرآن والحق ~~الواضح النير ويستغفروا ربهم أي عن المعاصي السالفة إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أي طلب إتيانها، أو انتظار إتيانها، وهي عذاب الاستئصال أو يأتيهم ~~العذاب قبلا أي يرونه عيانا ومواجهة، وهو عذاب الآخرة. أو أعم. و (القبل) ~~بضمتين بمعنى العيان كما في قراءة (قبلا) بكسر القاف وفتح الباء. أو (قبلا) ~~بمعنى: أنواعا متنوعة جمع (قبيل) وقرئ بفتحتين أي مستقبلا. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 56] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين أي وما نرسلهم، قبل إنزال العذاب، ~~إلا لتبشر من آمن بالزلفى والكرامة، وإنذار من كفر بأن تأتيه سنة من مضى ~~ويجادل الذين كفروا ms3157 بالباطل كاقتراح الآيات ليدحضوا به الحق أي ليزيلوا ~~بالجدال، الحق # PageV07P044 # الثابت عن مقره. وليس ذلك بحاصل لهم. وأصل (الإدحاض) إزلاق القدم ~~وإزالتها عن موطئها. فاستعير من زلل القدم المحسوس، لإزالة الحق المعقول. ~~قال الشهاب: # ولك أن تقول: فيه تشبيه كلامهم بالوحل المستكره. # ثم أنشد لنفسه: # أتانا بوحل لإنكاره ... ليزلق أقدام هذي الحجج # واتخذوا آياتي وما أنذروا أي وإنذارهم. أو والذي أنذروا به من العقاب ~~هزوا أي استهزاء وسخرية وهو أشد التكذيب. وصف بالمصدر مبالغة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 57] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها كناية عن عدم تدبرها والاتعاظ ~~بها، بأبلغ أسلوب ونسي ما قدمت يداه أي ما عمله من الكفر والمعاصي، وصرف ما ~~أنعم به، إلى غير ما خلقت له، فلم يتفكر في عاقبة ذلك إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه أي جعلنا عليها حجبا وأغطية كثيرة، كراهة أن يفقهوه، أي ~~يقفوا على كنه ما خلقت النعم من أجله وفي آذانهم وقرا أي وجعلنا فيها ثقلا ~~يمنعهم من استماعه. والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم، بأنهم مطبوع على ~~قلوبهم. وذلك لإيثارهم الضلال على الهدى كما قال تعالى: فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم [الصف: 5] . # وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا أي فلا يكون منهم اهتداء، ~~البتة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 58] # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا (58) # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا. # PageV07P045 # الآيات في هذا المعنى كثيرة. كقوله تعالى: ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [فاطر: 45] ، وقوله: وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم [الرعد: 6] ، وربك ms3158 مبتدأ والغفور خبره وتقديم الوصف ~~بالمغفرة على الرحمة، لأنه أهم بحسب الحال. إذ المقام مقام بيان تأخير ~~العقوبة عنهم، بعد استيجابهم لها. كما يعرب عنه قوله عز وجل: لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا والموعد المذكور هو يوم بدر. أو الفتح المشار إليه في كثير من ~~الآيات. أو يوم القيامة. والكل لاحق بهم. و (الموئل) الملجأ والمنجى. أي ~~ليس لهم عنه محيص ولا مفر. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 59] # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # وتلك القرى أي قرى عاد وثمود وأضرابهم أهلكناهم لما ظلموا بالكفر ~~والطغيان وجعلنا لمهلكهم موعدا أي وقتا معينا لا محيد لهم عنه. وهذا ~~استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد، ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر ~~العذاب. ثم أشار تعالى إلى نبأ موسى من الخضر عليهما السلام، ذلك النبأ ~~الذي تضمن من الفوائد والحكم وأعلام النبوة، ما لا يخفى على متبصر. كما ~~ستقف على شذرات من ذلك. # فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 60] # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا أي اذكر ~~وقت قول موسى لفتاه، لا أبرح، أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. أي ~~المكان الذي فيه ملتقى البحرين. فأجد فيه الخضر. أو أسير زمانا طويلا إن لم ~~أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلب. # قال المهايمي أي اذكر للذين إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا، ~~لتكبرهم عليك، إنكم لستم بأعلم من موسى ولا أرشد منه. ولست أقل من الخضر في ~~الهداية بل أعظم. لأنها هداية في الظاهر والباطن. وهداية الخضر إنما هي في ~~الباطن. ولا تحتاجون في تحصيله إلى تحمل المشاق، واحتاج إليه موسى. # و (الفتى) الشاب. قال الشهاب: العرب تسمي الخادم فتى، لأن الغالب استخدام ~~من # PageV07P046 # هو في سن الفتوة. وكان يوشع خادم موسى عليه السلام ومحبا له، وإذا غيرة ~~على ms3159 كرامته. ولذلك اختصه موسى رفيقا له وخادما. وصار خليفة من بعده على بني ~~إسرائيل. وفتح عليه تعالى بيت المقدس ونصره على الجبارين. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 61] # فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) # فلما بلغا مجمع بينهما أي البحرين نسيا حوتهما أي خبر حوتهما، وتفقد ~~أمره، وكانا تزوداه. # فاتخذ سبيله أي طريقه في البحر سربا أي مثل السرب في الأرض، واضح المسلك، ~~معجزة جعلت علامة للمطلوب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 62] # فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) # فلما جاوزا أي مجمع بينهما، وهو المكان الذي نسيا فيه الحوت قال لفتاه ~~آتنا غداءنا أي ما نتغدى به لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا أي تعبا ومشقة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 63] # قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) # قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت أي خبر الحوت. وإسناد ~~النسيان إليهما، أولا، إما بمعنى نسيان طلبه، والذهول عن نفقده، لعدم ~~الحاجة إليه. # وإما للتغليب، بناء على أن الناسي إنما كان يوشع وحده. فإنه نسي أن يخبر ~~موسى بشأنه العجيب، فيكون كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ~~[الرحمن: # 22] ، وإنما يخرج من المالح وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره أي لك. و ~~(أن أذكره) بدل من الهاء في (أنسانيه) أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وقد ~~قرأ حفص بضم الهاء من غير صلة وصلا، والباقون بكسرها واتخذ سبيله في البحر ~~عجبا أي أمرا عجيبا، إذ صار الماء عليه سربا. # PageV07P047 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 64] # قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64) # قال أي موسى ذلك أي المكان الذي اتخذ فيه سبيله هربا ما كنا نبغ أي نطلب ~~فيه الخضر. لأنه أمارة المطلوب. وقرئ في السبع بإثبات الياء بعد الغين، ms3160 ~~وصلا لا وقفا. وبإثباتها في الحالين. وبحذفها كذلك فارتدا على آثارهما أي ~~رجعا ماشيين على آثار أقدامهما يتبعانها قصصا أي اتباعا لئلا يفوتهما ~~الموضع ثانيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 65] # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) # فوجدا أي فأتيا الموضع المنسي فيه الحوت، فوجدا عبدا من عبادنا التنكير ~~للتفخيم، والإضافة فيه للتشريف. والجمهور على أنه الخضر. وسنتكلم على جملة ~~من نبئه، بعونه تعالى، بعد تمام القصة آتيناه رحمة من عندنا أي آتيناه رحمة ~~لدنية، اختصصناه بها وعلمناه من لدنا علما أي علما جليلا آثرناه. وهو علم ~~لدني يكون بتأييد رباني. وسنذكر إن شاء الله تعالى العلم اللدني في آخر هذا ~~النبأ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 66] # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) # قال له موسى هل أتبعك أي أصحبك على أن تعلمن مما علمت أي من لدن ربك رشدا ~~أي علما ذا رشد. أي هدى وإصابة خير. # قال القاضي: وقد راعي في ذلك غاية التواضع والأدب. فاستجهل نفسه، واستأذن ~~أن يكون تابعا له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه، بتعليم بعض ما أنعم الله ~~عليه. أي وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 67 الى 68] # قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) # قال إنك لن تستطيع معي صبرا أي بوجه من الوجوه. ثم علل معتذرا بقوله # PageV07P048 # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي من أمور ستراها، إن صحبتني، ظواهرها ~~مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 69] # قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا أي لا أخالفك في شيء. # قال الزمخشري: رجا موسى عليه السلام، لحرصه على العلم وازدياده، أن ~~يستطيع معه صبرا، بعد إفصاح ms3161 الخضر عن حقيقة الأمر. فوعده بالصبر معلقا ~~بمشيئة الله. علما منه بشدة الأمر وصعوبته، وإن الحمية التي تأخذ المصلح ~~عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق. هذا مع علمه أن النبي المعصوم، الذي أمره ~~الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، بريء من أن يباشر ما فيه ~~غميزة في الدين. وأنه لا بد، لما يستسمج ظاهره، من باطل حسن جميل. فكيف إذا ~~لم يعلم؟ انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 70] # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي لا تفاتحني ~~بالسؤال عن شيء أنكرته مني، ولم تعلم وجه صحته، حتى أبتدئك ببيانه. وهذا من ~~آداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 71] # فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا (71) # فانطلقا أي على ساحل البحر يطلبان سفينة حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ~~قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا أي عظيما من إتلاف السفينة وقتل ~~الجماعة الكثيرة بغير ذنب، وكفران نعمة الحمل بغير نول. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 72] # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ذكره الخضر بما تقدم من الشرط. # PageV07P049 # يعني هذا الصنيع فعلته قصدا. وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر ~~علي فيها. لأنك لم تحط بها خبرا إذ لها سر لا تعلمه أنت. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 73] # قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) # قال أي موسى لا تؤاخذني بما نسيت من الشرط. فإن المؤاخذة به تفضي إلى ~~العسر. والمراد التماس عدم المؤاخذة لقيام المانع وهو النسيان ولا ترهقني ~~من أمري عسرا أي لا تحمل علي من أمري، في تحصيل العلم منك، عسرا، لئلا ~~يلجئني إلى تركه. أي لا ms3162 تعسر علي متابعتك، بل يسرها علي، بالإغضاء وترك ~~المناقشة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 74] # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا (74) # فانطلقا أي بعد أن خرجا من السفينة إلى الساحل حتى إذا لقيا غلاما فقتله ~~قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس أي أنها لم تقتل نفسا فتقتل. بل هي زكية ~~طاهرة من موجبات القتل لقد جئت شيئا نكرا أي منكرا. أو أنكر من الأول. لأن ~~ذلك كان خرقا يمكن تداركه بالسد، وهذا لا سبيل إلى تداركه بوجه ما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 75] # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا تأكيد في التذكار بالشرط الأول. # ونكتة زيادة لك هو- كما قال الزمخشري- زيادة المكافحة بالعتاب على رفض ~~الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. كما لو أتى إنسان بما نهيته ~~عنه، فلمته وعنفته، ثم أتى به مرة أخرى فإنك تزيد في تعنيفه. قال في (المثل ~~السائر) : # وهذا موضع تدق عن العثور عليه مبادرة النظر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 76] # قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) # قال أي موسى إن سألتك عن شيء بعدها أي بعد هذه المرة فلا # PageV07P050 # تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا # أي وجدت من جهتي عذرا. إذ أعذرت إلي مرة بعد مرة، فخالفتك ثلاث مرات، ~~بمقتضى طبع الاستعجال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 77] # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية اختلف في تسميتها. # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : الخلاف فيها كالخلاف في مجمع البحرين. ~~ولا يوثق بشيء منه استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما أي امتنعوا من أن ~~يطعموهما الطعام الذي هو حق ضيافتهما عليهم. وقرئ ms3163 يضيفوهما من الإضافة. # يقال: ضافه إذا نزل به، وأضافه وضيفه: أنزله ليطعمه في منزله، على وجه ~~الإكرام فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض أي ينهدم بقرب. من (انقض الطائر) ~~إذا أسرع سقوطه. والإرادة مستعارة للمداناة والمشارفة. لما فيها من الميل. ~~استعارة تصريحية أو مكنية وتخييلية، أو هي مجاز لغوي مرسل بعلاقة سبب ~~الإرادة، لقرب الوقوع. # وقد أوسع الزمخشري، عليه الرحمة من الشواهد على مثل هذا المجاز. فانظره ~~فأقامه أي عمره وأصلحه. قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي لو طلبت على عملك ~~جعلا حتى تنتعش به. ففيه لوم على ترك الأجرة، مع مسيس الحاجة إليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 78] # قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) # قال هذا فراق بيني وبينك الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني ~~أو إلى الاعتراض الثالث. أو إلى الوقت الحاضر. سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا أي بمال ما لم تصبر على ظاهره، وبعاقبته. وهو خلاص السفينة من ~~اليد العادية، وخلاص أبوي الغلام من شره، مع الفوز بالبدل الأحسن، واستخراج ~~اليتيمين للكنز. قال أبو السعود: وفي جعل صلة الموصول. عدم استطاعة موسى ~~عليه الصلاة والسلام للصبر، دون أن يقال (بتأويل ما فعلت) أو (بتأويل ما ~~رأيت) ونحوهما، نوع تعريض به عليه السلام وعتاب. ثم أخذ الخضر في تفسير ما ~~أشكل # PageV07P051 # أمره على موسى، وما كان أنكر ظاهره. وقد أظهر الله الخضر، عليه السلام، ~~على باطنه. فقال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 79] # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) # أما السفينة أي التي خرقتها فكانت لمساكين يعملون في البحر أي لفقراء ~~يحترفون بالعمل في البحر، لنقل الناس من ساحل إلى آخر: فأردت أن أعيبها ~~وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا أي إنما خرقتها لأعيبها. لأنهم كانوا ~~يمرون بها على ملك من الظلمة، يأخذ كل سفينة سليمة جيدة، غصبا. فأردت أن ~~أعيبها ms3164 لأرده عنها، لعيبها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 80 الى 81] # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) ~~فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) # وأما الغلام أي الذي قتلته فكان أبواه مؤمنين فخشينا أي لو تركناه أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا أي ينزل بهما طغيانه وكفره ويلحقه بهما. لكونه طبع ~~على ذلك. فيخشى أن يعديهما بدائه فأردنا أي بقتله أن يبدلهما ربهما خيرا ~~منه زكاة أي طهارة عن الكفر والطغيان وأقرب رحما أي رحمة بأبويه، وبرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 82] # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما ~~فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما أي قوتهما بالعقل وكمال الرأي ~~ويستخرجا كنزهما ليتصرفا فيه رحمة من ربك أي تفضل بها عليهما. # و (رحمة) مفعول له. أو مصدر مؤكد ل (أراد) فإن إرادة الخير رحمة وما # PageV07P052 # فعلته # أي ما رأيت مني عن أمري أي عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله ~~تعالى: ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا أي من الأمور التي رأيتها. أي مآله ~~وعاقبته. قال أبو السعود (ذلك) إشارة إلى العواقب المنظومة في سلك البيان. ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتها في الفخامة. وتسطع مخفف (تستطع) ~~بحذف التاء. ### | تنبيهات: # في بعض ما اشتمل عليه هذا النبأ من الأحكام واللطائف والفوائد الساميات: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآيات أنه لا بأس بالاستخدام ~~واتخاذ الرفيق والخادم في السفر. واستحباب الرحلة في طلب العلم. واستزادة ~~العالم من العلم واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل. ونسبة النسيان، ~~ونحوه من الأمور المكروهة، إلى الشيطان، مجازا وتأدبا عن نسبتهما إلى الله ~~تعالى. وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه ms3165 في المرتبة. واعتذار ~~العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه. وتقديم ~~المشيئة في الأمر، واشتراط المتبوع على التابع. وأنه يلزم الوفاء بالشروط. ~~وأن النسيان غير مؤاخذ به. وأن (للثلاث) اعتبارا في التكرار ونحوه. وأنه لا ~~بأس بطلب الغريب الطعام والضيافة. وأن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام. ~~وجواز أخذ الأجر على الأعمال. وأن المسكين لا يخرج عن المسكنة بكونه له ~~سفينة أو آلة يكتسب بها، أو شيء لا يكفيه. وأن الغصب حرام. # وأنه يجوز إتلاف بعض مال الغير، أو تعييبه، لوقاية باقيه، كمال المودع ~~واليتيم. وإذا تعارض مفسدتان ارتكب الأخف. وأن الولد يحفظ بصلاح أبيه. وأنه ~~تجب عمارة ما يخاف منه، ويحرم إهمالها إلى أن تخرب. وأنه يجوز دفن المال في ~~الأرض. # انتهى. # وقال البيضاوي: ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعلمه. ولا يبادر ~~إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سرا لا يعرفه. وأن يداوم على التعلم، ويتذلل ~~للمعلم، ويراعي الأدب في المقال. وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه حتى ~~يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه. انتهى. # ومن فوائد الآية- كما في (فتح الباري) - استحباب الحرص على لقاء العلماء ~~وتجشم المشاق في ذلك. وإطلاق (الفتى) على التابع واستخدام الحر. وطواعية ~~الخادم لمخدومه. وعذر الناسي. وجواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض # PageV07P053 # ونحوه. ومحل ذلك إذا كان على غير سخط من المقدور. ومنها أن المتوجه إلى ~~ربه يعان فلا يسرع إليه النصب. وفيها جواز طلب القوت. وطلب الضيافة. وقيام ~~العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية. وفيها حسن الأدب مع الله وأن ~~لا يضاف إليه ما يستهجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن ~~السفينة فأردت أن أعيبها وعن الجدار فأراد ربك ومثل هذا # قوله «1» صلى الله عليه وسلم: «والخير بيديك والشر ليس إليك» # . انتهى. # ومن فوائدها إطلاق (القرية) على (المدينة) لقوله: أهل قرية ثم قوله: # لغلامين يتيمين في المدينة. # الثاني- ذكر الناصر في (الانتصاف) : شذرات من لطائف بعض الآي المذكورة ~~فنأثرها ms3166 عنه. # قال عليه الرحمة: ورد في الحديث أن موسى عليه السلام لم ينصب، ولم يقل: ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، إلا منذ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له. # فلعل الحكمة في إنساء يوشع أن يتيقظ موسى عليه السلام، لمنة الله تعالى ~~على المسافر في طاعة وطلب علم، بالتيسير عليه وحمل الأعباء عنه. وتلك سنة ~~الله الجارية في حق من صحت له نية في عبادة من العبادات، أن ييسرها، ويحمل ~~عنه مؤنتها، ويتكفل به ما دام على تلك الحالة. وموضع الإيقاظ أنه وجد بين ~~حالة سفره للموعد وحالة مجاوزته، بونا بينا، والله أعلم وإن كان موسى عليه ~~السلام متيقظا لذلك، فالمطلوب إيقاظ غيره من أمته، بل من أمة محمد عليه ~~الصلاة والسلام، إذا قص عليهم القصة. فما أورد الله تعالى قصص أنبيائه ~~ليسمر بها الناس، ولكن ليشمر الخلق لتدبرها واقتباس أنوارها ومنافعها، ~~عاجلا وآجلا. والله أعلم. # ثم قال عليه الرحمة: ومما يدل على أن موسى عليه السلام إنما حمله على ~~المبادرة بالإنكار، الالتهاب والحمية للحق، أنه قال حين خرق السفينة ~~أخرقتها لتغرق أهلها، ولم يقل (لتغرقنا) فنسي نفسه واشتغل بغيره، في الحالة ~~التي كل أحد فيها يقول (نفسي نفسي) لا يلوي على مال ولا ولد. وتلك حالة ~~الغرق. # فسبحان من جبل أنبياءه وأصفياءه على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة ~~بهم. # صلوات الله عليهم أجمعين، وسلامه. PageV07P054 # ثم قال عليه الرحمة على قوله الزمخشري: فإن قلت قوله: فأردت أن أعيبها ~~مسبب عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدم عليه؟ (قلت) ~~النية به التأخير. وإنما قدم للعناية. ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ~~ولكن مع كونها للمساكين. فكان بمنزلة قولك. (زيد ظني مقيم) . # فقال عليه الرحمة: كأنه جعل السبب في إعابتها كونها لمساكين. ثم بين ~~مناسبة هذا السبب للمسبب، بذكر عادة الملك في غصب السفن. وهذا هو حد ~~الترتيب في التعليل أن يرتب الحكم على السبب، ثم يوضح المناسبة فيما بعد. ~~فلا يحتاج إلى جعله مقدما، ms3167 والنية تأخيره. والله أعلم. # ثم قال: ولقد تأملت من فصاحة هذه الآي، والمخالفة بينها في الأسلوب عجبا. ~~ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله: فأردت أن أعيبها ~~وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله: فأردنا أن ~~يبدلهما ربهما، فخشينا أن يرهقهما ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب ~~الأدب مع الله تعالى، لأن المراد (ثم عبت) فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه. ~~وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك ~~(أمرنا بكذا أو دبرنا كذا) وإنما يعنون (أمر الملك ودبر) ويدل على ذلك قوله ~~في الثالثة: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب، ولم ~~تأت على نمط واحد مكرر، يمجها السمع وينبو عنها، ثم انطوت هذه المخالفة على ~~رعاية الأسرار المذكورة. فسبحان اللطيف الخبير. # الثالث- قال الخفاجي: في إعادة لفظ (الأهل) هنا، يعني في قوله تعالى: # استطعما أهلها إثر قوله أتيا أهل قرية سؤال مشهور. وقد نظمه الصلاح ~~الصفدي سائلا عنه السبكي في قصيدة منها: # رأيت كتاب الله أعظم معجز ... لأفضل من يهدى به الثقلان # ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معاني # ولكنني في (الكهف) أبصرت آية ... بها الفكر، في طول الزمان عناني # وما هي إلا (استطعما أهلها) فقد ... نرى (استطعماهم) مثله ببيان # فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير؟ إن ذاك لشان # يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ (أهل) ولم يقل (استطعماها) لأنه صفة # PageV07P055 # القرية. أو (استطعماهم) لأنه صفة (أهل) فلا بد له من وجه. وقد أجابوا عنه ~~بأجوبة مطولة نظما ونثرا. والذي تحرر فيه أنه ذكر (الأهل) أولا ولم يحذف ~~إيجازا، سواء قدر أو تجوز في القرية، كقوله: وسئل القرية [يوسف: 82] ، لأن ~~الإتيان ينسب للمكان. نحو (أتيت عرفات) ولمن فيه نحو (أتيت بغداد) فلو لم ~~يذكر كان فيه التباس مخل. فليس ما هنا نظير تلك الآية لامتناع سؤال نفس ~~القرية، فلا يستعمل استعمالها. وأما (الأهل) الثاني فأعيد لأنه غير الأول. ms3168 ~~وليست كل معرفة أعيدت عينا كما بينوه. لأن المراد به بعضهم. إذ سؤالهم فردا ~~فردا مستبعد. فلو لم يذكر، فهم غير المراد. أما لو قيل: (استطعماهم) فظاهر. ~~وأما لو قيل (استطعماها) فإن النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب، كما أثبتوه ~~في محله. وأما إتيان جميع القرية فهو حقيقة في الوصول إلى بعض منها. كما ~~يقال: (زيد في البلد) أو (في الدار) وقيل: إن الأهل أعيد للتأكيد كقوله: # ليت الغراب غداة ينعب بيننا ... كان الغراب مقطع الأوداج # أو لكراهة اجتماع ضميرين متصلين، لبشاعته واستطالته، وثمة أجوبة أخرى. # الرابع- أبدى بعضهم سرا للتعبير أولا (بتستطع) ثم أخيرا (بتسطع) بحذف ~~التاء قال: لما أن فسر الخضر لموسى، وبين له تأويل ما لم يصبر معه، ووضحه ~~وأزال المشكل، قال (تسطع) بحذف التاء. وقيل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا. ~~فقال: # سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا فقابل الأثقل بالأثقل والأخف ~~بالأخف. # كما قال: فما اسطاعوا أن يظهروه [الكهف: 97] ، وهو الصعود إلى أعلاه، وما ~~استطاعوا له نقبا وهو أشق من ذلك. فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى. # انتهى. # وقال الشهاب: وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف ~~الأخير منه. وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى صلى الله عليه وسلم ما ~~لقيه ببيان سببه- فيبعد أنه في الحكاية، لا المحكي. انتهى. # وما ألطف قول الشهاب في مثله: هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك. # الخامس- قال الإمام السبكي رحمه الله: ما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام ~~من قتل الغلام لكونه طبع كافرا، مخصوص به. لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن، ~~وخلاف الظاهر الموافق للحكمة. فلا إشكال فيه. وإن علم من الشريعة أنه لا ~~يجوز قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين. ولو فرضنا أن الله أطلع بعض ~~أوليائه، كما # PageV07P056 # أطلع الخضر عليه السلام، لم يجز له ذلك، وما ورد عن ابن عباس (لما كتب ~~إليه نجدة الحروري: كيف قتله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~الوالدان؟ فكتب إليه: إن كنت علمت من ms3169 حال الولدان، ما علمه عالم موسى، فلك ~~أن تقتل) فإنما قصد به ابن عباس المحاجة والإحالة على ما لم يمكن قطعا، ~~لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر عليه الصلاة والسلام. وليس مقصوده أنه إن حصل ~~ذلك يجوز. لأنه لا تقتضيه الشريعة. وكيف يقتل بسبب لم يحصل؟ والمولود لا ~~يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي. وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعا مستقلا ~~به. وهو نبي. # وليس في شريعة موسى أيضا، ولذا أنكره. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ ~~الضررين بأخفهما، فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع. فلا يسوغ الإقدام ~~على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة، قبل أن يتعاطى شيئا من ~~ذلك. # وإنما فعل الخضر ذلك لاطلاع الله تعالى عليه. # وقال ابن بطال: قول الخضر (وأما الغلام فكان كافرا) هو باعتبار ما يؤول ~~إليه أمره أن لو عاش حتى يبلغ. واستحباب مثل هذا القتل لا يعلمه إلا الله. ~~ولله أن يحكم في خلقه بما يشاء قبل البلوغ وبعده. # أقول: مفاد الآية، أن إنكار موسى لقتل الغلام لكونه جناية بغير موجب. ~~ولذا قال (بغير نفس) لا لكونه صغيرا لم يبلغ الحنث. لأن الآية لا تفيده. ~~وقد يكون كبيرا. فقد قال اللغويون: الغلام الطار الشارب، أو من حين يولد ~~إلى أن يشب، والكهل أيضا. ومن الأخير قول موسى في قصة الإسراء # عن النبي «1» صلى الله عليه وسلم: «أبكي لأن غلاما بعث بعدي» # . إلخ نعم ربما يشعر بصغره حديث البخاري: وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما ~~فذبحه قال موسى: أقتلت نفسا لم تعمل بالحنث. ولكن لا نص فيه، فتأمل. # السادس: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية، هو موسى بن عمران ~~صاحب الآيات الشهيرة وصاحب التوراة. وذهب نوف البكالي- تابعي صدوق ابن ~~امرأة كعب الأحبار أو ابن أخيه- إلى أنه ليس بموسى بن عمران كما في البخاري ~~«2» . ووقع في رواية ابن إسحاق عن سعيد بن جبير، عند (النسائي) قال: ~~PageV07P057 # كنت عند ابن عباس ms3170 وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عباس! إن ~~نوفا يزعم عن كعب الأحبار أن موسى الذي طلب العلم إنما هو موسى بن منسا. أي ~~ابن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. فقال ابن عباس: أسمعت ذلك منه يا سعيد؟ ~~قلت: # نعم. قال: كذب نوف. وفي رواية البخاري: كذب عدو الله. وإنما قال ذلك ~~مبالغة في الإنكار والتنفير من تصديق مقالته. # قال الرازي: كان ليوسف ولدان إفراثيم. ومنسا. فولد إفراثيم نون وولد نون ~~يوشع صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته. وأما ولد منسا، قيل إنه جاءته النبوة ~~قبل موسى بن عمران. ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم. ~~والخضر هو الذي خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار، وموسى بن منسا معه. ~~هذا هو قول جمهور اليهود. واحتج القفال على صحة القول بأنه موسى صاحب ~~التوراة أنه لم يذكر في القرآن وهو المراد. فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف ~~إليه. ولو كان المراد غيره لوجب تعريفه بصفة تميزه وتزيل الاشتباه عنه، ~~والله أعلم. انتهى. # وأما ابن عباس فكان سنده في ذلك، كما في البخاري، ما حدثه به أبي بن كعب ~~ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى سئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟ ~~فقال: # لا. أو حدثته نفسه بذلك. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. وأراد ~~تعريفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه، لئلا يحتم على ما لا علم له ~~به. وإذا صح أن موسى هو صاحب التوراة، فيكون المراد بفتاه يوشع. وكان موسى ~~اختصه برفقته لكونه صادقا في خدمته، والغيرة على كرامته، والحب له. ولذا ~~صار خليفته بعده، وفتح عليه بيت المقدس ونصر على الجبارين، كما هو معروف. # السابع: قال الأكثرون: إن صاحب موسى المعبر عنه بقوله تعالى عبدا من ~~عبادنا هو الخضر. قالوا: سمي بذلك لأنه ما جلس على الأرض إلا اخضرت. وقد صح ~~عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب ms3171 موسى. # فقال ابن عباس: هو خضر، فمر أبي بن كعب. فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت ~~أنا وصاحبي هذا، في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه. فهل سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان ~~أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى. عبدنا خضر. فسأل ~~موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت فارجع ~~فإنك ستلقاه. فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر. فقال موسى ذلك ما كنا نبغ ~~فارتدا على آثارهما قصصا # PageV07P058 # فوجدا خضرا. وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. # الثامن: اختلف أهل العلم في نسب الخضر وفي كونه نبيا وفي طول عمره وبقاء ~~حياته على أقوال كثيرة. فمن قائل بأنه ابن آدم لصلبه أو ابن قابيل أو ابن ~~اليسع، أو غير ذلك، وكله مما ليس فيه أثارة من علم، وقد احتج من قال إنه ~~نبي بقوله تعالى: وما فعلته عن أمري لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر الله. ~~والأصل عدم الواسطة. وقيل: كان وليا. وقيل: مقامه دون النبوة وفوق الصديقية ~~فهو مقام برزخي، له وجه إلى النبوة ووجه إلى الولاية. وقيل: إنه ملك من ~~الملائكة. وأما تعميره فيروى عن ابن عباس أنه أنسئ للخضر في أجله حتى يكذب ~~الدجال. # قال النووي في (التهذيب) قال الأكثرون: هو حي موجود بين أظهرنا. وذلك ~~متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته، ~~والاجتماع به، والأخذ عنه، وسؤاله، ووجوده في المواضع الشريفة، أكثر من أن ~~تحصى وأشهر من أن تذكر. # وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات. # وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: وأما رواية اجتماعه مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتعزيته لأهل البيت، فلا يصح من طرقها شيء. ولا يثبت اجتماعه مع ~~أحد من الأنبياء، إلا مع موسى. وجميع ما ms3172 ورد في حياته لا يصح منه شيء، ~~باتفاق أهل النقل. وأما ما جاء من المشايخ فهو مما يتعجب منه. كيف يجوز ~~لعاقل أن يلقى شيخا لا يعرفه فيقول له: أنا فلان فيصدقه؟؟؟. انتهى كلامه ~~ملخصا. # وتمسك من قال بتعميره بقصة عين الحياة، واستند إلى ما وقع من ذكرها في ~~صحيح البخاري وجامع الترمذي. ولكن لم يثبت ذلك مرفوعا. # وقال أبو حيان في (تفسيره) : الجمهور على أن الخضر مات. وبه قال ابن أبي ~~الفضل المرسي. لأنه لو كان حيا لزمه المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والإيمان به واتباعه. # وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا ~~اتباعي # . وبذلك جزم ابن المناوي وإبراهيم الحربي وأبو طاهر العبادي. وممن جزم ~~بأنه غير موجود الآن، أبو يعلى الحنبلي وأبو الفضل بن ناصر والقاضي أبو بكر ~~بن العربي، وأبو بكر بن النقاش وابن الجوزي. واستدل على ذلك بأدلة. منها ~~قوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد [الأنبياء: 34] ، قال أبو الحسين ~~ابن المناوي: بحثت عن تعمير الخضر، وهل هو باق أم لا! فإذا أكثر المغفلين ~~مفترون بأنه باق من أجل ما روي في # PageV07P059 # ذلك، والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية. والسند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ~~ثقتهم. وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة. وخبر رياح كالريح. وما عدا ذلك من ~~الأخبار، كلها واهية الصدر والأعجاز. لا يخلو حالها من أمرين: إما أن تكون ~~أدخلت على الثقات استغفالا، أو يكون بعضهم تعمد ذلك. وقد قال تعالى: وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد. # قال صاحب (فتح البيان) : والحق ما ذكرناه عن البخاري وأضرابه في ذلك. ولا ~~حجة في قول أحد كائنا من كان إلا الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ~~ولم يرد في ذلك نص مقطوع به، ولا حديث مرفوع إليه صلى الله عليه وسلم، حتى ~~يعمد عليه ويصار إليه. وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد، وطول التعمير لأحد ~~من البشر. وهما قاضيان على غيرهما ولا يقضي غيرهما عليهما. ms3173 ومن قال إنه نبي ~~أو مرسل أو حي باق، لم يأت بحجة نيرة ولا سلطان مبين. وإذا جاء نهر الله ~~بطل نهر معقل. انتهى. # وقال تقي الدين بن تيمية عليه الرحمة والرضوان في بعض فتاويه، في ترائي ~~الجن للإنس في بعض البلاد، ما مثاله: وفيه كثير من الجن وهم رجال الغيب ~~الذين يرون أحيانا في هذه البقاع قال تعالى وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا [الجن: 6] . # وكذلك الذين يرون الخضر أحيانا هو جني رأوه. وقد رآه غير واحد ممن أعرفه ~~وقال (إنني) وكان ذلك جنيا لبس على المسلمين الذين رأوه. وإلا فالخضر الذي ~~كان مع موسى عليه السلام مات. ولو كان حيا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويجاهد ~~معه. فإن الله فرض على كل نبي أدرك محمدا، أن يؤمن به ويجاهد معه. كما قال ~~الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [آل عمران: 81] . قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق على أمته لئن ~~بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. # ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر، ولا أنه أتى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدرا، من أن يلبس الشيطان عليهم. ~~ولكن لبس على كثير من بعدهم. فصار يتمثل لأحدهم في صورة النبي ويقول: أنا ~~الخضر. وإنما هو شيطان. # كما أن كثيرا من الناس يرى ميته خرج، وجاء إليه، وكلمه في أمور، وقضاء ~~حوائج، # PageV07P060 # فيظنه الميت نفسه. وإنما هو شيطان. تصور بصور. انتهى. # التاسع- دل قوله تعالى: وعلمناه من لدنا علما، على أن من العلم علما ~~غيبيا وهو المسمى بالعلم اللدني. فالآية أصل فيه. وقد ألف حجة الإسلام ~~الغزالي، ms3174 عليه الرحمة، رسالة في إثبات هذا العلم. رد على من أنكر وجوده. ~~وذكر عليه الرحمة أولا طرفا من مراتب العلوم الظاهرية المعروفة. ثم جود ~~الكلام في إثباته. ولا بأس بإيراد شذرة مما قرره فيه. قال قدس سره. اعلم أن ~~العلم الإنساني يحصل من طريقين: أحدهما من التعليم الإنساني والثاني من ~~التعليم الرباني. أما الطريق الأول، وهو التعليم الإنساني، فطريق معهود ~~مسلوك محسوس. ويكون على وجهين: # أحدهما من خارج وهو التحصيل بالتعلم. والآخر من داخل وهو الاشتغال ~~بالتفكر. # والتفكر في الباطن بمنزلة التعليم في الظاهر. فإن التعلم استفادة الشخص ~~من الشخص الجزئي. والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي. والنفس الكلي أشد ~~تأثيرا وأقوى تعليما من جميع العقلاء والعلماء. والعلوم مركوزة في أصل ~~النفوس بالقوة. كالبذر في الأرض والجوهر في قعر البحر، أو في قلب المعدن. ~~والتعلم هو طلب خروج ذلك الشيء الذي بالقوة إلى الفعل. والتعليم هو إخراجه ~~من القوة إلى الفعل. فنفس المتعلم تتشبه بنفس العالم وتتقرب إليه بالنسبة. ~~فالعالم بالإفادة كالزارع. والمتعلم بالاستفادة كالأرض. والعلم الذي هو ~~بالقوة كالبذر. والذي هو بالفعل، كالنبات. وإذا كملت نفس المتعلم يكون ~~كالشجر المثمر أو كالجوهر الظاهر من قعر البحر. وإذا غلبت القوى البدنية ~~على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم في طول المدة. ويحمل التعب في ~~طلب الفائدة، وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل ~~التفكر عن كثير التعلم، فإن نفس العاقل تجد من الفوائد بتفكر ساعة، ما لا ~~تجد نفس الجاهل بتعلم سنة. فإذن بعض الناس يحصلون العلم بالتعلم وبعضهم ~~بالتفكر. ثم قال قدس سره: والطريق الثاني وهو التعليم الرباني. وذلك على ~~وجهين: إلقاء الوحي وهو النفس إذا كملت بذاتها تزول عنها دنس الطبيعة ودرن ~~الحرص والأمل. وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا وينقطع نسبها عن الأماني ~~الفانية. وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها. وتتمسك بجود مبدعها. وتعتمد على ~~إفادته وفيض نوره. فالله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا ~~كليا، وينظر إليها نظرا إلهيا، ويتخذ منها لوحا، ومن ms3175 النفس الكلي قلما ~~وينقش فيها علومه. ويصير العقل الكلي كالمعلم والنفس القدسي كالمتعلم. # فتحصل جميع العلوم لتلك النفس وتنتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر. # PageV07P061 # ومصداق هذا قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وعلمك ما لم تكن ~~تعلم # [النساء: 113] ، فعلم الأنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق. لأن ~~محصوله عن الله تعالى بلا واسطة ووسيلة. وبيان هذه الكلمة يوجد في قصة آدم ~~والملائكة عليهم الصلاة والسلام. فإنهم طول عمرهم حصلوا بفنون الطرق كثير ~~العلوم. حتى صاروا أعلم المخلوقين وأعرف الموجودات. وآدم لما جاء، ما كان ~~عالما. لأنه ما تعلم ولا رأى معلما. فتفاخرت الملائكة عليه وتجبروا وتكبروا ~~وقالوا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة: 30] ، ونعلم حقائق الأشياء. فرجع ~~آدم إلى باب خالقه وأخرج قلبه عن جملة المكونات، وأقبل بالاستعانة على الرب ~~تعالى، فعلمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء [البقرة: 31] ، أو صغر حالهم عند آدم وقل علمهم وانكسرت سفينة ~~جبروتهم، فغرقوا في بحر العجز: # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] ، فقال تعالى: يا ~~آدم أنبئهم بأسمائهم [البقرة: 33] ، فأنبأهم آدم عن مكنونات العلم ومستترات ~~الأمر. # فتقرر الأمر عند العقلاء أن العلم الغيبي المتولد عن الوحي، أقوى وأكمل ~~من العلوم المكتسبة. صار علم الوحي إرث الأنبياء وحق الرسل، حتى أغلق الله ~~باب الوحي في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فكان رسول الله خاتم ~~النبيين، وكان أعلم الناس وأفصح العرب والعجم، وكان # يقول: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) # وقال لقومه «1» : (أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله) # وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى، لأنه حصل عن التعليم الرباني، وما ~~اشتغل قط بالتعلم والتعليم الإنساني فقال تعالى: علمه شديد القوى [النجم: ~~5] . # والوجه الثاني- هو الإلهام. والإلهام تنبيه النفس الكلي للنفس الجزئي على ~~قدر صفاته وقبوله وقوته واستعداده. والإلهام أثر الوحي فإن الوحي هو تصريح ~~الأمر الغيبي. والإلهام هو تعريضه. والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علما ~~نبويا. والذي عن الإلهام يسمى علما لدنيا. والعلم اللدني هو ms3176 الذي لا واسطة ~~في حصوله بين النفس وبين الباري. وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على ~~قلب صاف فارغ لطيف. وذلك أن العلوم كلها محصولة في جوهر النفس الكلي الأولي ~~الذي هو من الجواهر المفارقة الأولية المحضة، بالنسبة إلى العقل الأول ~~كنسبة حواء إلى آدم PageV07P062 # عليهما السلام. وقد تبين أن العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى ~~البارئ تعالى من النفس الكلي. والنفس الكلي أعز وألطف وأشرف من سائر ~~المخلوقات. # فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام. فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام ~~زينة الأولياء. # فكما أن النفس دون العقل، فالوحي دون النبي. وكذلك الإلهام دون الوحي. ~~فهو ضعيف بنسبة الوحي، قوى بإضافة الرؤيا. والإلهام علم الأنبياء ~~والأولياء. فإن علم الوحي خاص بالرسل موقوف عليهم. كما كان لآدم وموسى ~~وإبراهيم ومحمد وغيرهم من الرسل صلوات الله عليهم. وفرق بين الرسالة ~~والنبوة. فالنبوة هي قبول النفس القدسي حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر ~~العقل الأول. والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين ~~والمتابعين. وربما يتفق القبول لنفس من النفوس، ولا يتأتى لها التبليغ لعذر ~~من الأعذار وسبب من الأسباب. والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية، كما ~~حصل للخضر عليه السلام حيث أخبر الله تعالى فقال: وعلمناه من لدنا علما ~~[الكهف: 65] . # ثم قال عليه الرحمة: فإذا أراد الله بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه وبين ~~النفس الكلي الذي هو اللوح. فيظهر فيها أسرار بعض المكونات. وينتقش فيها ~~معاني تلك المكونات. فيعبر النفس عنها كما يشاء إلى من يشاء من عباده. # وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني. وما لم تبلغ النفس هذه الرتبة لا ~~يكون حكيما. لأن الحكمة من مواهب الله تعالى: ويؤتي الحكمة من يشاء، من ~~عباده ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ~~[البقرة: 269] ، وهم الواصلون مرتبة العلم اللدني، المستغنون عن كثيرة ~~التحصيل وتعب التعلم. فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا، ويتعبون يسيرا ~~ويستريحون طويلا. # ثم قال عليه الرحمة: اعلم أن العلم اللدني هو سريان نور الإلهام. ~~والإلهام يكون بعد التسوية. ms3177 كما قال تعالى: ونفس وما سواها [الشمس: 7] ، ~~والتسوية تصحيح النفس والرجوع إلى فطرتها. وهذا الرجوع يكون على ثلاثة ~~أوجه: أحدها- تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها. والثاني- ~~الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ~~هذه الحقيقة # فقال: (من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم) . # والثالث- التفكر. فإن النفس، إذا تعلمت وارتاضت بالعلم والعمل، ثم أخذت ~~تتفكر بمعلوماتها، بشرط التفكر، ينفتح عليه باب الغيب. كالتاجر الذي يتصرف ~~في ماله بشرط التجارة، ينفتح عليه أبواب الربح. وإذا # PageV07P063 # سلك طريق الخطأ يقع في مهالك الخسران. فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير ~~من ذوي الألباب، وتنفتح روزنة من عالم الغيب في قلبه فيصير عالما كاملا ~~عاقلا ملهما مؤيدا. كما # قال صلى الله عليه وسلم: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) # انتهى ملخصا. # وفي خلال كلامه عليه الرحمة، جمل من إشارات الصوفية وعباراتهم. ولا ~~يأباها العقل السليم ولا قواعد العلم الظاهر. لأنها في هذه المثابة بدرجة ~~الاعتدال والتوسط. كذلك كان مشربه قدس الله سره. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 83] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) # ويسئلونك عن ذي القرنين وهو الإسكندر الكبير المقدوني وسنذكر وجه تلقيبه ~~بذلك قل سأتلوا عليكم منه ذكرا أي نبأ مذكورا معجزا، أنزله الله علي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 84] # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) # إنا مكنا له في الأرض أي بالقوة والرأي والتدبير والسعة في المال ~~والاستظهار بالعدد وعظم الصيت وكبر الشهرة. وآتيناه من كل شيء سببا، أي ~~طريقا موصلا إليه. والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 85 الى 86] # فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) # فأتبع سببا قرئ بقطع الهمزة ms3178 وسكون التاء. وقرئ بهمزة الوصل وتشديد التاء. ~~فقيل هما بمعنى ويتعديان لمفعول واحد. وقيل: (أتبع) بالقطع يتعدى لاثنين. ~~والتقدير: فأتبع سببا سببا آخر. أو فأتبع أمره سببا كقوله: وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة [القصص: 42] . # وقال أبو عبيدة: اتبع (بالوصل) في السير وأتبع (بالقطع) معناه اللحاق ~~كقوله: فأتبعه شهاب ثاقب [الصافات: 10] ، وقال يونس: أتبع (بالقطع) للجد ~~الحثيث في الطلب و (بالوصل) مجرد الانتقال. والفاء في قوله: (فأتبع) فاء # PageV07P064 # الفصيحة. أي فأراد بلوغ المغرب فأتبع سببا يوصله، لقوله: حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس أي أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض ~~وجدها تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة وهو الطين الأسود، وقرئ (حامية) أي ~~حارة. وقد تكون جامعة للوصفين و (وجد) يكون بمعنى (رأى) لما ذكره الراغب ~~ووجد عندها قوما أي أمة. ثم أشار تعالى إلى أنه مكنه منهم، وأظهره بهم، ~~وحكمه فيهم، وجعل له الخيرة في شأنهم، بقوله: قلنا يا ذا القرنين إما أن ~~تعذب أي بالقتل وغيره وإما أن تتخذ فيهم حسنا بالعفو. ثم بين تعالى عدله ~~وإنصافه، ليحتذى حذوه، بقوله سبحانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 87] # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) # قال أما من ظلم أي بالبغي والفساد في الأرض بالشرك والضلال والإضلال فسوف ~~نعذبه ثم يرد إلى ربه أي في الآخرة فيعذبه عذابا نكرا أي منكرا لم يعهد ~~مثله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 88] # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) # وأما من آمن وعمل صالحا فله أي في الدارين جزاء الحسنى يقرأ بالرفع ~~والإضافة. وهو مبتدأ، أو مرفوع بالظرف أي فله جزاء الخصلة الحسنى. ويقرأ ~~بالرفع والتنوين والحسنى بدل أو خبر مبتدأ محذوف. ويقرأ بالنصب والتنوين. ~~أي: # فله الحسنى جزاء. فهو مصدر في موضع الحال. أي مجزيا بها. أو هو مصدر على ~~المعنى. أي يجزي بها جزاء، أو تمييز. ويقرأ ms3179 بالنصب من غير تنوين. وهو مثل ~~المنون إلا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين. أفاده أبو البقاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 89 الى 90] # ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم من دونها سترا (90) # ثم أتبع سببا أي طريقا راجعا من مغرب الشمس، موصلا إلى مشرقها # PageV07P065 # حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي ~~من المباني والجبال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 91] # كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # كذلك أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك. أو أمره ~~فيهم، كأمره في أهل المغرب من الحكم المتقدم. أو صفة مصدر محذوف (وجد) أي ~~وجدها تطلع وجدانا كوجدانها تغرب في عين حمئة. أو معمول (بلغ) أي بلغ ~~مغربها كما بلغ مطلعها، ولا يحيط بما قاساه غير الله. أو صفة (قوم) أي على ~~قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس، في الكفر والحكم وقد أحطنا بما ~~لديه خبرا أي علما. نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه. لا يخفى علينا ~~منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض. وفي التذييل بهذا، إشارة إلى ~~كثرة ما لديه من العدد والعدد، بحيث لا يحيط بها إلا علمه تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 92 الى # 93] # ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) # ثم أتبع سببا أي طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب حتى إذا بلغ بين ~~السدين قرئ بفتح السين وضمها. أي بين الجبلين اللذين سد ما بينهما وجد من ~~دونهما قوما أي من ورائهما أمة من الناس لا يكادون يفقهون قولا لكون لغتهم ~~غريبة مجهولة، ولقلة فطنتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 94 الى 95] # قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا ~~على أن تجعل بيننا ms3180 وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة ~~أجعل بينكم وبينهم ردما (95) # قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض أي في أرضنا بالقتل ~~والإضرار فهل نجعل لك خرجا أي جعلا نخرجه من أموالنا. وقرئ (خراجا) وهو ~~بمعناه على أن تجعل بيننا وبينهم سدا أي حاجزا يمنع خروجهم علينا قال ما # PageV07P066 # مكني فيه ربي خير # أي ما جعلني فيه مكينا من المال والملك، أجل مما تريدون بذله. فلا حاجة ~~بي إليه فأعينوني بقوة أي بعملة وصناع وآلات أجعل بينكم وبينهم ردما أي ~~حاجزا حصينا. وأصل معنى الردم سد الثلمة بالحجارة ونحوها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 96 الى 98] # آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ~~(97) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ~~(98) # آتوني زبر الحديد أي ناولوني قطعه حتى إذا ساوى بين الصدفين أي بين جانبي ~~الجبلين قال انفخوا أي في الأكوار والحديد حتى إذا جعله أي المنفوخ فيه ~~نارا أي كالنار بالإحماء قال آتوني أفرغ عليه قطرا أي نحاسا مذابا ليلصق ~~بالحديد، ويتدعم البناء به ويشتد فما اسطاعوا أن يظهروه أي يعلوه بالصعود ~~لارتفاعه وملاسته وما استطاعوا له نقبا لثخنه وصلابته قال هذا أي السد رحمة ~~من ربي على القاطنين عنده. لأمنهم من شر من سد عليهم به، ورحمة على غيرهم، ~~لسد الطريق عليهم فإذا جاء وعد ربي بدحره وخرابه جعله دكاء بالمد أي أرضا ~~مستوية، وقرئ (دكا) أي مدكوكا مسوي بالأرض. وكان وعد ربي حقا أي كائنا لا ~~محالة. وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين. ### | تنبيهات: # الأول: قدمنا أنه ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار. # وإنما هي الآيات والعبر والأحكام والآداب تجلت في سياق الوقائع. ولذا يجب ~~صرف العناية إلى وجوه تلك الفوائد والثمرات، وما يستنبط من تلك ms3181 الآيات. وقد ~~أشار نبأ ذي القرنين الإسكندر إلى فوائد شتى. نذكر ما فتح علينا منها، ونكل ~~ما لم نحط به علما إلى العليم الخبير. # فمن فوائدها: الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض. ورزقه من يشاء ~~بغير حساب ملكا ومالا. لما له من خفي الحكم وباهر القدرة. فلا إله سواه. # ومنها: الإشارة إلى القيام بالأسباب، والجري وراء سنة الله في الكون من ~~الجد والعمل. وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر فإن ما قص عن ~~الإسكندر من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمس، ومطلعها وشمالها وعدم فتوره ~~ووجدانه اللذة في # PageV07P067 # مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار، وركوب الأوعار والبحار، ثم إحرازه ذلك ~~الفخار، الذي لا يشق له غبار، أكبر عبرة لأولي الأبصار. # ومنها: تنشيط الهمم لرفع العوائق. وأنه ما تيسرت الأسباب، فلا ينبغي أن ~~يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر، عذرا في الخمول والرضاء بالدون. بل ينبغي ~~أن ينشط ويمثل في مرارته، حلاوة عقباه من الراحة والهناء. كما قضى الإسكندر ~~عمره ولم يذق إلا حلاوة الظفر ولذة الانتصار: إذ لم يكن من الذين تقعدهم ~~المصاعب عن نيل ما يبتغون. # ومنها: وجوب المبادرة لمعالي الأمور من الحداثة. إذ من الخطأ التسويف فيه ~~إلى الاكتهال. فإن الإسكندر لما تبوأ ملك أبيه كان في حدود العشرين من ~~عمره. # وأتى ما أتى وهو في ريعان الشباب وقوة الفناء. فهاجم أعظم ملوك عصره ~~وأكبر جيوشهم. كأنه القضاء المبرم. ولم يقف في وجه عدد ولا عدد. وخاض غمرات ~~الردى غير هياب ولا وجل. وأضاف كل العالم الشرقي إلى المملكة اليونانية وهو ~~شاب. وقضى وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، كما دونه محققو المؤرخين. # ومنها: أن من قدر على أعدائه وتمكن منهم، فلا ينبغي له أن تسكره لذة ~~السلطة بسوقهم بعصا الإذلال، وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال. بل يعامل ~~المحسن بإحسانه والمسيء بقدر إساءته. فإن ما حكي عن الإسكندر من قوله قال ~~أما من ظلم [الكهف: 87] ، إلى آخره، نهاية في العدل وغاية الإنصاف. # ومنها: أن على الملك، إذا ms3182 اشتكى إليه جور مجاورين، أن يبذل وسعه في ~~الراحة والأمن، دفاعا عن الوطن العزيز، وصيانة للحرية والتمدن، من مخالب ~~التوحش والخراب، قياما بفريضة دفع المعتدين وإمضاء العدل بين العالمين. كما ~~لبى الإسكندر دعوة الشاكين في بناء السد. وقد أطبق المؤرخون على أنه بنى ~~عدة حصون وأسوار، لرد غارات البرابرة، وصد هجماتهم. # ومنها: أن على الملك التعفف عن أموال رعيته، والزهد في أخذ أجرة، في ~~مقابلة عمل يأتيه، ما أغناه الله عنه، ففي ذلك حفظ كرامته وزيادة الشغف ~~بمحبته. # كما تأبى الإسكندر تفضلا وتكرما. # ومنها: التحدث بنعمة الله تعالى إذا اقتضاه المقام. كقوله الإسكندر في ~~مقام تعففه عن أموالهم، والشفقة عليهم ما مكني فيه ربي خير [الكهف: 95] ، ~~كقول سليمان فما آتاني الله خير مما آتاكم [النمل: 36] ، وقد قيل: إن دخل ~~الإسكندر من البلاد التي فتحها كان نحو ستين مليون ليرة إنكليزية. # PageV07P068 # ومنها: تدعيم الأسوار والحصون في الثغور، وتقويتها بذوب الرصاص وبوضع ~~صفائح النحاس، خلال الصخور الصم، صدقا في العمل ونصحا فيه. لينتفع به على ~~تطاول الأجيال. فإن البناء غير الرصين لا ثمرة فيه. # ومنها: مشاطرة الملك العمال في الأعمال ومشارفتهم بنفسه إذا اقتضى الحال، ~~تنشيطا لهمتهم وتجرئة لهم وترويحا لقلوبهم. وقد كان الإسكندر يقاسم الرجال ~~الأتعاب، ويدير العمل بنفسه، كما بينه الذكر الحكيم في قوله: آتوني أفرغ ~~عليه قطرا. # ومنها: تعريف الغير ثمرة العمل المهم، ليعرفوا قدره فيظهروا شكره. ولذا ~~قال هذا رحمة من ربي. # ومنها: الإعلام بالدور الأخروي، وانقضاء هذا الطور الأولي، لتبقى النفوس ~~طامحة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمدي. ولذا قال فإذا جاء وعد ربي. # ومنها: الاعتبار بتخليد جميل الثناء، وجليل الآثار. فإن من أنعم النظر ~~فيما قص عنه في هذه الآيات الكريمة، يتضح له جليا حسن سجاياه وسمو مزاياه. ~~من الشجاعة وعلو الهمة والعفة والعدل. ودأبه على توطيد الأمن وإثابته ~~المحسنين وتأديبه للظالمين. والإحسان إلى النوع البشري، لا سيما في زمان ~~كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة، وحشية فاسدة. # ومنها: الاهتمام بتوحيد الكلمة لمن ms3183 يملك أمما متباينة. كما كان يرمي إليه ~~سعى الإسكندر. فإنه دأب على توحيه الكلمة بين الشعوب ومزج تلك الأمم ~~المختلفة ليربطها بصلات الحب والعوائد. وقد حكي أنه كان يجيش من كل أمة ~~استولى عليها، جيشا عرمرما، يضيفه إلى جيشه المكدوني اليوناني. ويأمر رجاله ~~أن يتزوجوا من بناتهم، لتوثيق عرى المحبة والارتباط، وإزالة البغض ~~والشحناء. # ومنها: الاعتبار بما يبلغه الإنسان، وما فيه من بليغ الاستعداد. يقضي على ~~المرء أن يعيش أولا طفلا مرضعا. لا يعلم ما حوله ولا يطلب غير ما تحتاج ~~إليه طبيعته الضعيفة، قياما بما تقتضيه أسباب الحياة، وهو ملقى إذ ذاك لا ~~إرادة له. وعرضة لأسقام تذيقه الآلام، وقد تجرعه كأس الحمام قبل أن يرى ~~ويدرك شيئا من هذا النظام. فإذا استظهرت فيه عوامل الحياة على دواعي ~~الممات، وسرت بجسمه قوى الشبيبة، وصرف ما أنعم الله عليه، إلى ما خلق ~~لأجله، ترعرع إنسانا عظيما ظافرا بمنتهى أمله. # التنبيه الثاني- في ذي القرنين. اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر بن # PageV07P069 # فيليس، وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) في الكلام على الفلاسفة: ومن ~~ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيليس وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قص ~~الله تعالى نبأه في القرآن بل بينهما قرون كثيرة وبينههما في الدين أعظم ~~تباين. فذو القرنين كان رجلا صالحا موحدا لله تعالى يؤمن بالله تعالى ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكان يغزو عباد الأصنام وبلغ مشارق ~~الأرض ومغاربها. وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا ~~المقدوني، فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح ~~نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. # وكان أرسطاطاليس وزيره. وكان مشركا يعبد الأصنام. انتهى. كلامه. # وفيه نظر. فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه ~~الإسكندر الأكبر ابن فيليس باني الإسكندرية بتسعمائة وأربع وخمسين سنة قبل ~~الهجرة، وثلاثمائة واثنين وثلاثين سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وقد ~~أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا. وأما دعوى أنه كان مشركا يعبد ~~الأصنام، فغير مسلم، ms3184 وإن كان قومه وثنيين، لأنه كان تلميذا لأرسطاطاليس. ~~وقد جاء في ترجمته- كما في طبقات الأطباء وغيرها- أنه كان لا يعظم الأصنام ~~التي كانت تعبد في ذلك الوقت وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر وأريد السعاية به ~~إلى الملك. فلما أحس بذلك شخص عن أثينا. لأنه كره أن يبتلى أهلها بمثل ما ~~ابتلوا به سقراطيس معلم أفلاطون. فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم. وجاهرهم ~~بمخالفتهم في عبادة الأصنام. # وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها. فثوروا عليه العامة ~~واضطروا الملك إلى قتله. فأودعه السجن ليكفهم عنه. ثم لم يرض المشركون إلا ~~بقتله. # فسقاه السم خوفا من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. كما في (طبقات ~~الأطباء وتراجم الفلاسفة) فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد ~~شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به ~~أو يكتمونه. # كالنجاشي ملك الحبشة. فإنه جاهر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله. ~~فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد. قال القاضي ~~صاعد: كان فيثاغورس- أستاذ سقراط- بقول ببقاء النفس وكونها، فيما بعد، في ~~ثواب أو عقاب. على رأي الحكماء الإلهيين. فتأمل قوله (على رأي الحكماء ~~الإلهيين) يتحقق ما ذكرناه. # وأما قول الفخر الرازي: (إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالا قويا. وهو ~~أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب ~~الحكم # PageV07P070 # بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه) فلا يخفى دفع هذا ~~اللزوم. فإن من كان تابعا لمذهب فمدح لأمر ما يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن ~~يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا ~~يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي ~~نشأ عليه مقلدا. أفلا يمكن أن يكون حرا في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق ~~الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر ms3185 ~~وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه. هذا على فرض أن متبوعه ~~مذموم. وقد عرفت أن متبوعه (أعني أرسطاطاليس) ، كان موحدا. وهو معروف في ~~التاريخ لا سترة فيه. # على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي ~~المقصودة بالذات، وكفى بها كمالا. وللرازي فرض يغتنم بها التنويه بالحكماء ~~والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها- سامحه الله- في هذا الأسلوب. # عرف ذلك من عرف. # التنبيه الثالث: اختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين. فقيل لأنه طاف قرني ~~الدنيا. يعني جانبيها شرقها وغربها. أو لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان. أو ~~لأنه ملك الروم وفارس. # قال الزمخشري: ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته، كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ~~ينطح أقرانه. # أقول: هذا اللقب من الكناية عن كل ذي قوة وبأس وسلطان. لأن ذا القرون من ~~المواشي أقواها وأشدها. والكناية بالقرن عن القوة والسلطان معروفة عند ~~اليهود، الذين هم السائلون. وقد وقع في توراتهم في نبوة دانيال عليه السلام ~~قوله عن الملك: (فإذا أنا بكبش واقف عند النهر. وله قرنان) ثم قوله: ~~(وبينما كنت متأملا إذا بتيس معز قد أقبل من المغرب على وجه الأرض كلها. ~~وللتيس قرن عجيب المنظر بين عينيه) قالوا: القرن هنا رمز إلى القوة ~~والسلطان. والتيس رمز إلى مملكة اليونان. # وقرنه رمز إلى أول ملك على هذه المملكة وهو الإسكندر الكبير. وما أشار ~~إليه من سرعة مسير هذا التيس إيماء إلى كثرة ما دهم البلاد به من الغارات ~~المتواصلة. قوله: # (خرج من المغرب) إشارة إلى خروجه من مكدونية، التي هي إلى غرب فارس، وذلك ~~حين تقدم على جيوش داريوس وكسره. وتعقبه إلى داخل مملكته. والقصد أن هذا ~~اللقب (ذو القرنين) شهير وليس من أوضاع العرب خاصة. كما زعمه بعضهم. بل هو ~~معروف عند العبرانيين أيضا. وقد يظهر أنه من رموزهم الخاصة التي سرت إلى ~~العرب. وأقرتهم عليها. # PageV07P071 # التنبيه الرابع- قال الرازي: اختلفوا في ذي القرنين. هل كان من الأنبياء ~~أم لا؟ # منهم من قال: إنه كان نبيا. واحتجوا ms3186 عليه بوجوه: # الأول- قوله: إنا مكنا له في الأرض والأولى حمله على التمكين في الدين. ~~والتمكين الكامل في الدين هو النبوة. # الثاني- قوله: وآتيناه من كل شيء سببا ومن جملة الأشياء النبوة. # فمقتضى العموم في قوله: وآتيناه من كل شيء سببا هو أنه تعالى آتاه من ~~النبوة سببا. # الثالث- قوله تعالى: قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم ~~حسنا والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون نبيا. # ومنهم من قال إنه عبدا صالحا وما كان نبيا. انتهى. # ثم قال الرازي بعد: يدل قوله تعالى: قلنا يا ذا القرنين على أنه تعالى ~~تكلم معه من غير واسطة. وذلك يدل على أنه كان نبيا. وحمل هذا اللفظ على أن ~~المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء- فهو عدول عن الظاهر. انتهى. # ولا يخفى ضعف الاستدلال بهذه الأدلة على نبوته. لأن مقام إثباتها يحتاج ~~إلى تنصيص وتخصيص. وأما تعمق الجري وراء العمومات، لاستفادة مثل ذلك، فغير ~~مقنع. # وأما قوله تعالى: قلنا يا ذا القرنين فقدمنا أنه كناية عن تمكينه تعالى ~~له منهم. لا أنه قول مشافهة. وإلا لو كان ذلك لكان مخيرا منه تعالى وملقنا ~~ما يفعل بهم. فأنى يسوغ له نقضه باجتهاد آخر. ولا يقال إن الأصل في الإطلاق ~~الحقيقة. لأنا نقول به، ما لم يمنع منه مانع، من نحو ما ذكرناه. وللتنزيل ~~الكريم أسلوب خاص، عرفه من أنعم النظر في بديع بيانه. نعم. لو كان مراد ~~القائل بنبوته أنه من الملهمين- ذهابا في النبوة إلى المعنى الأعم من ~~الإيحاء بشرع، ومن الإلهام، لكان قريبا. # فتكون نبوته من القسم الثاني وهو الإلهام. ويطلق الصوفية على مثله ~~الوارد. وجاء في الحديث تسمية صاحبه «1» محدثا. وإطلاق النبوة عليه، وإن ~~كان محظورا في الإسلام، إلا أنه كان معروفا قبله في العباد الأخيار. ~~PageV07P072 # التنبيه الخامس- حكي في قوله تعالى: ويسئلونك عن ذي القرنين قولان في أن ~~السائلين هم اليهود أو غيرهم. ورجح الأول من وجهين: # أولهما- أن للإسكندر عند اليهود شأنا وقدرا. وذلك لما حكي أنه لما فتح ms3187 ~~غزة ودنا من بيت المقدس، خرج إليه رئيس أحبارها وقدم إليه الطاعة. فدخلها ~~إسكندر وسمع نبوة التوراة فسر وأحسن إلى اليهود. وتعقب بعض المؤرخين هذه ~~الرواية بأنها غير مأثورة في كتب اليونان، ولم يروها أحد من مؤرخيهم. # ثانيهما- أن عنوان (ذو القرنين) من رموز الإسرائيليين كما قدمناه عنهم. # التنبيه السادس- قالوا: المراد ب (العين الحمئة) البحر المحيط. وتسميته ~~عينا لكونه بالنسبة لعظم قدرته تعالى، كقطرة. وإن عظم عندنا. قالوا: رأى ~~الشمس في منظره تغرب في البحر. وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها ~~كأنها تغرب فيه. وهي لا تفارق فلكها. # وللإمام ابن حزم عليه الرحمة- رأي آخر في الآية. ذكره في كتاب (الملل) في ~~بحث كروية الأرض قال: ذو القرنين هو كان في العين الحمئة الحامية كما تقول ~~(رأيتك في البحر) تريد أنك إذا رأيته كنت أنت في البحر. وبرهان هذا أن مغرب ~~الشمس لا يجهل مقدار عظيم مساحته إلا جاهل. ومقدار ما بين أول مغربها ~~الشتوي إذا كانت من آخر رأس الجدي إلى آخر مغربها الصيفي إذا كانت من رأس ~~السرطان- مرئي مشاهد. ومقداره ثمان وأربعون درجة من الفلك. وهو يوازي من ~~الأرض كلها بالبرهان الهندسي أقل من مقدار السدس. يكون من الأميال نحو ~~ثلاثة آلاف ميل ونيف. وهذه المساحة لا يقع عليها في اللغة اسم (عين) البتة. ~~لا سيما أن تكون (عينا حمئة) حامية. وباللغة العربية خوطبنا. فلما تيقنا ~~أنها (عين) بإخبار الله عز وجل، الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، علمنا يقينا أن ذا القرنين انتهى به السير في الجهة التي مشى ~~فيها من المغارب إلى العين المذكورة. # وانقطع له إمكان المشي بعدها لاعتراض البحار له هنالك. وقد علمنا ~~بالضرورة أن ذا القرنين وغيره من الناس، ليس يشغل من الأرض إلا مقدار مساحة ~~جسمه فقط. # قائما، أو قاعدا أو مضطجعا. ومن هذه صفته، فلا يجوز أن يحيط بصره من ~~الأرض، بمقدار مكان المغارب كلها، لو كان مغيبها في عين من الأرض. كما يظن ~~أهل الجهل. ms3188 ولا بد من أن يلقى خط بصره من حدبة الأرض، ومن نشر من أنشازها، ~~ما يمنع الخط من التمادي، إلا أن يقول قائل: إن تلك العين هي البحر فلا ~~يجوز أن # PageV07P073 # يسمى البحر في اللغة (عينا حمئة) ولا حامية. وقد أخبر الله عز وجل أن ~~الشمس تسبح في الفلك. وأنها إنما هي من الفلك سراج. وقول الله تعالى هو ~~الصدق الذي لا يتناقض فلو غابت في عين من الأرض، كما يظن أهل الجهل، أو في ~~البحر، لكانت الشمس قد زالت عن السماء وخرجت عن الفلك، وهذا هو الباطل. فصح ~~يقينا، بلا شك، أن ذا القرنين كان هو في العين الحمئة والحامية، حين انتهى ~~إلى آخر البر في المغارب. لا سيما مع ما قام البرهان عليه، من أن جرم الشمس ~~أكبر من جرم الأرض. # وبرهان آخر قاطع وهو قوله تعالى: وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما ~~فصح ضرورة أنه وجد القوم عند العين لا عند الشمس. انتهى كلام ابن حزم. # التنبيه السابع- قال الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. # وقيل: جبلان بين أرمينية وأذربيجان. وقيل: هذا المكان في منقطع أرض ~~الترك. # وحكى محمد بن جرير الطبري في (تاريخه) أن صاحب أذربيجان، أيام فتحها، وجه ~~إنسانا إليه من ناحية الخزر. فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع، وراء خندق عميق ~~وثيق منيع. # وذكر ابن خرداد في كتاب (المسالك والممالك) أن الواثق بالله رأى في ~~المنام كأنه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه. فخرجوا من باب ~~الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه. فوصفوا أنه بناء من لبن من حديد، مشدود ~~بالنحاس المذاب، وعليه باب مقفل. ثم إن ذلك الإنسان، لما حاول الرجوع، ~~أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند. # قال أبو الريحان: مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي الغربي من ~~المعمورة. والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. كلام الرازي. # وقال الإمام ابن حزم في (الملل والنحل) جزء أول صحيفة (120) في تفنيد ~~دعوى اليهود أن الجنة التي أهبط منها آدم في الأرض، ما ms3189 مثاله. فإن قيل: ذكر ~~في القرآن سد يأجوج ومأجوج. ولا يدرى مكانه ولا مكانهم. قلنا: مكانه معروف ~~في أقصى الشمال في آخر المعمورة منه. وقد ذكر أمر يأجوج ومأجوج في كتب ~~اليهود التي يؤمنون بها ويؤمن بها النصارى. وقد ذكر يأجوج ومأجوج والسد ~~أرسطاطاليس في كتابه في (الحيوان) عند كلامه على الغرانيق. وقد ذكر سد ~~يأجوج ومأجوج بطليموس في كتابه المسمى (جغرافيا) وذكر طول بلادهم وعرضها. ~~وقد بعث إليه الواثق أمير المؤمنين سلام الترجمان في جماعة معه حتى وقفوا ~~عليه. ذكر ذلك # PageV07P074 # أحمد بن الطيب السرخسي وغيره. وقد ذكره قدامة بن جعفر والناس. فهيهات خبر ~~من خبر. وحتى لو خفي مكان يأجوج ومأجوج والسد، فلم يعرف في شيء من المعمور ~~مكانه، لما ضر ذلك خبرنا شيئا. لأنه كان يكون مكانه حينئذ خلف خط الاستواء ~~حيث يكون ميل الشمس ورجوعها، وبعدها كما هو في الجهة الشمالية. # بحيث تكون الآفاق كبعض آفاقنا المسكونة، والهواء كهواء بعض البلاد التي ~~يوجد فيها النبات والتناسل. واعلموا أن كل ما كان في عنصر الإمكان، فأدخله ~~مدخل في عنصر الامتناع بلا برهان- فهو كاذب مبطل جاهل، أو مجاهل. لا سيما ~~إذا أخبر به من قد قام البرهان على صدق خبره. وإنما الشأن في المحال ~~الممتنع الذي تكذبه الحواس والعيان أو بديهة العقل. فمن جاء بهذا فإنما جاء ~~ببرهان قاطع على أنه كذاب مفتر. ونعوذ بالله من البلاء. انتهى كلام ابن ~~حزم. # قال بعض المحققين: اعلم أنه كثيرا ما يحدث في الثورات البركانية أن تنخسف ~~بعض البلاد أو ترتفع بعض الأراضي حتى تصير كالجبال. وهذا أمر مشاهد حتى في ~~زمننا هذا. فإذا سلم أن سد ذي القرنين المذكور في هذه الآية غير موجود ~~الآن، فربما كان ذلك ناشئا من ثورة بركانية خسفت به وأزالت آثاره. ولا يوجد ~~في القرآن ما يدل على بقائه إلى يوم القيامة. أما قوله تعالى: هذا رحمة من ~~ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء فمعناه أن هذا السد رحمة من الله بالأمم ~~القريبة منه. ms3190 لمنع غارات يأجوج ومأجوج عنهم، ولكن يجب عليهم أن يفهموا أن ~~مع متانته وصلابته لا يمكن أن يقاوم مشيئة الله القوي القدير، فإن بقاءه ~~إنما هو بفضل الله. ولكن إذا قامت القيامة وأراد الله فناء هذا العالم، فلا ~~هذا السد ولا غيره من الجبال الراسيات يمكنها أن تقف عثرة، لحظة واحدة أمام ~~قدرة الله. بل يدكها جمعاء دكا في لمح البصر. فمراد ذي القرنين بهذا القول ~~تنبيه تلك الأمم على عدم الاغترار بمناعة هذا السد، أو الإعجاب والغرور ~~بقوتهم. فإنها لا شيء يذكر بجانب قوة الله. فلا يصح أن يستنتج من ذلك أن ~~هذا السد يبقى إلى يوم القيامة، بل صريحه أنه إذا قامت القيامة في أي وقت ~~كان، وكان هذا السد موجودا، دكه الله دكا. وأما إذا تأخرت فيجوز أن يدك ~~قبلها بأسباب أخرى. كالزلازل إذا قدم عهده. وكالثورات البركانية كما قلنا. # وليس في الآية ما ينافي ذلك. وأما قوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~فالمراد منه خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض، كما يخرج الشيء المحبوس أو ~~المضغوط إذا انفجر. واستعمال لفظ (الفتح) مجازا شائع في اللغة. ومنه قولك ~~(فتحوا البلاد) وقوله تعالى فتحنا عليهم أبواب كل شيء [الأنعام: 44] ، فليس # PageV07P075 # للأشياء أبواب. وكذلك يأجوج ومأجوج لا باب لهم. بل هم من كل حدب ينسلون. # والغالب أن المراد بخروجهم هذا، خروج المغول التتار، وهم من نسل يأجوج ~~ومأجوج وهو الغزو الذي حصل منهم للأمم في القرن السابع الهجري. وناهيك بما ~~فعلوه إذ ذاك في الأرض، بعد أن انتشروا فيها، من الإفساد والنهب والقتل ~~والسبي. # والراجح أن السد كان موجودا بإقليم داغستان التابع الآن لروسيا، بين ~~مدينتي دربند وخوزار. فإنه يوجد بينهما مضيق شهير منذ القدم، يسمى عند كثير ~~من الأمم القديمة والحديثة ب (السد) وبه موضع يسمى (باب الحديد) وهو أثر سد ~~حديدي قديم بين جبلين من جبال القوقاز الشهيرة عند العرب (بجبل قاف) وقد ~~كانوا يقولون إن فيه السد كغيرهم من الأمم. ويظنون أنه في نهاية الأرض. ~~وذلك ms3191 بحسب ما عرفوه منها. ومن ورائه قبيلتا يأجوج ومأجوج. انتهى. # وجاء في (صفوة الاعتبار) أن السور الذي وصلوا إليه أيام الواثق من بني ~~العباس، هو سور الصين الذي هو إحدى عجائب مملكة الصين. فإن طوله نحو ألف ~~ومائتين وخمسين ميلا، وسمكه من الأسفل نحو خمسة وعشرين قدما، ومن أعلاه نحو ~~خمسة عشر قدما. وارتفاعه ما بين خمسة عشر إلى عشرين قدما. وفي أماكن منه ~~حصون يبلغ ارتفاع بعضها إليه أربعين قدما. بني لرد الهجمات على المملكة ~~الصينية الأصلية، من المغول والقبائل الشمالية. والسور الآن خراب في جهات ~~كثيرة. فإن كان هو المراد بالسد في الآية، لزم حمل الصفات المذكورة فيه، من ~~كونه من زبر الحديد، ومفرغا عليه النحاس، على بقاع من ذلك السور. والصدفان ~~حينئذ طرفان من ذلك السور. كما تؤول صفات يأجوج ومأجوج، إلى ما يصح إطلاقها ~~به على التتر والمنشورية. ويكون وعد الله الذي يدك فيه السد هو قرب الساعة. ~~ولا شك أنها قربت بإعلام الشارع. وحينئذ يكون الفساد الموعود به في النصوص ~~من أولئك القوم، هو ما وقع من التتر من الفساد في الممالك. كما في عهد ~~جنكزخان، وما عثاه هو وأصحابه في الدنيا والله أعلم. انتهى. # وجاء في الجغرافية العمومية، في المقالة السابعة والأربعين في تخطيط ~~آسيا، بلاد القوقاسيين أي أهالي كوه قاف، أي جبل قاف: إن في تلك الأقطار ~~يمتد هذا الجبل كالسور العظيم، وفيه مجازان يسميان عند القدماء الأبواب ~~القوقازية والأبواب الألبانية. فالمجاز الأول وهو الأبواب القوقازية هو ~~الذي كان يخشى منه هجوم المتبربرين على كل من دولة الرومانيين والعجم. ثم ~~إن الحصن الذي كان يسد هذا المجاز يسمى بأسماء مختلفة عند القدماء. وأما ~~الأبواب الألبانية فأشهر الآراء فيها أنهم مجاز دربند. على امتداد بحر ~~الخزر. # PageV07P076 # ثم قال: وهناك حكاية مشهورة بين أهالي (كوه قاف) تقتضي أن هذا الجبل كان ~~مسدودا بسد عظيم يمنع غارة المتبربرين وهذا السد العظيم تارة يعزى لإسكندر، ~~وتارة لأنوشروان ويستدلون على ذلك بآثار موجودة إلى الآن، ترى لمن يروم ms3192 ~~ذلك. # التنبيه الثامن- قال أبو البقاء: يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، لم ينصرفا ~~للعجمة والتعريف. ويجوز همزهما وترك همزهما. وقيل: هما عربيان ف (يأجوج) ~~يفعول مثل يربوع. (ومأجوج) مفعول مثل معقول. وكلاهما من (أج الظليم) إذا ~~أسرع. أو من (أجت النار) إذا التهبت. ولم ينصرفا للتعريف والتأنيث- أي ~~للقبيلة كمجوس. فالكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق. وعلى العجمة، لا يتأتى ~~تصريفه. # ولا يعتبر وزنه إلا بتقدير كونه عربيا، كما في (تذكرة أبي علي) . # قال الرازي: واختلفوا في أنهما من أي الأقوام؟ فقيل: إنهما من الترك. ~~وقيل: # يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم. ثم من الناس من وصفهم بقصر ~~القامة وصغر الجثة، انتهى. # وقال بعض المحققين: كان يوجد من وراء جبل من جبال القوقاز، المعروف عند ~~العرب ب (جبل قاف) ، في إقليم داغستان، قبيلتان. تسمى إحداهما (آقوق) ، ~~والثانية (ماقوق) فعربهما العرب ب (يأجوج ومأجوج) وهما معروفان عند كثير من ~~الأمم وورد ذكرهما في كتب أهل الكتاب. ومنهما تناسل كثير من أمم الشمال ~~والشرق في روسيا وآسيا. # التنبيه التاسع- توسع من لم يشترط الصحة ولا الحسن في مصنفاته من الرواة، ~~في تخريج ما روي عن يأجوج ومأجوج. وكله إما من الإسرائيليات أو المنكرات أو ~~الموضوعات. ومن ذلك # حديث (إن يأجوج أمة ومأجوج أمة. كل أمة أربعمائة ألف أمة. لا يموت الرجل ~~منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه. كل قد حمل السلاح إلخ) رواه ~~ابن عدي في (الضعفاء) عن حذيفة مرفوعا. # وقال: موضوع منكر، ومحمد بن إسحاق العكاشي كذاب يضع، وقد أخرجه ابن أبي ~~حاتم وابن مردويه. # وقال الحافظ ابن جرير هاهنا، عن وهب بن منبه، أثرا طويلا عجيبا، في سير ~~ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له. وفيه طول وغرابة ونكارة في ~~أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم. # PageV07P077 # وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك، أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها. # انتهى. # فجزى الله البخاري أحسن الجزاء، على نبذه تلك الروايات، واشتراطه الصحة ~~في المرويات، فقد جنت الآثار المنكرة على ms3193 الأمة أنكر الآثار. ومن طالع ~~مقدمة صحيح مسلم صدق قوله: «أن راوي الضعاف غاش آثم مضل» وبالله المستعان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية # 99] # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا أي نفخ فيه ~~للبعث في النشأة الثانية. فجمعناهم للجزاء والحساب جمعا عجيبا لا يكتنه ~~كنهه. # قال إمام: النفخ في الصور تمثيل لبعث الله الناس يوم القيامة بسرعة لا ~~يمثلها إلا نفخة في بوق، فإذا هم قيام ينظرون. وعلينا أن نؤمن بما ورد من ~~النفخ في الصور، وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور. والبحث وراء ~~هذا عبث لا يسوغ للمسلم. أي لأنه من عالم الغيب، أي الأمور المغيبة عنا، ~~التي لم نكلف بالبحث عن حقائقها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 100] # وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) # وعرضنا جهنم أي أظهرناها وأبرزناها يومئذ أي يوم إذ جمعنا الخلائق كافة ~~للكافرين أي منهم. حيث جعلناهم بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظا وزفيرا عرضا ~~أي فظيعا هائلا لا يقادر قدره. قال أبو السعود: وتخصيص العرض بهم، مع أنها ~~بمرأى من أهل الجمع قاطبة، لأن ذلك لأجلهم خاصة. وفي عرضها وإراءتهم ما ~~فيها من العذاب والنكال، قبل دخولها، مزيد غضب عليهم ونكاية. # لكونه أبلغ في تعجيل الهم والحزن. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 101] # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا تمثيل # PageV07P078 # لتعاميهم عن الآيات الدالة على توحيده، أو عن القرآن وتأمل معانيه ~~وتبصرها. # ولتصامهم عن الحق واتباع الهدى. وقوله تعالى: وكانوا لا يستطيعون سمعا ~~أبلغ من (وكانوا صما) لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به. وهؤلاء كأنهم ~~أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع. أفاده الزمخشري. وفي توصيفهم ~~بالجملتين نكتة أخرى، بها تعلم أنه لا يستغنى بالثانية عن الأولى، كما زعم، ~~وذلك- كما ms3194 حققه الشهاب- إن قوله تعالى: لا يستطيعون سمعا لما أفاد أنهم ~~كفاقدي حاسة السمع، ومن هو كذلك إنما يعرف الذكر بإشارة أو كتابة أو ~~نحوهما، مما يدرك بالنظر، وذكر أن أعينهم محجوبة عن النظر فيما يدل عليه ~~أيضا. فهم لا سبيل لهم إلى معرفة ذكره أصلا. وهذا من البلاغة بمكان. # قال أبو السعود: والموصول يعني (الذين) نعت للكافرين، أو بدل أو بيان جيء ~~به لذمهم بما في حيز الصلة، وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم ~~لهم. فإن ذلك إنما هو لعدم استعمال مشاعرهم فيما عرض لهم في الدنيا من ~~الآيات، وإعراضهم عنها، مع كونها أسبابا منجية عما ابتلوا به في الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 102] # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا (102) # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء هذا رجوع إلى طليعة ~~السورة في قوله تعالى: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا [الكهف: 4] ، فهو ~~من باب رد العجز على الصدر المقرر في البديع، جيء بالاستفهام الإنكاري، ~~إنكارا لما وقع منهم وتوبيخا لهم. ومفعول (حسب) الثاني محذوف. أي أفحسبوا ~~اتخاذهم نافعا لهم؟ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 82] ، ~~كما قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم [سبأ: 41] ، إنا أعتدنا أي هيأنا جهنم ~~للكافرين نزلا أي شيئا يتمتعون به عند ورودهم. و (النزل) ما يقام للنزيل أي ~~الضعيف. وفيه استعارة تهكمية. إذ جعل ما يعذبون به في جهنم كالزقوم ~~والغسلين، ضيافة لهم. # وقال أبو السعود: وفيه تخطئة لهم في حسبانهم، وتهكم بهم. حيث كان اتخاذهم ~~إياهم أولياء، من قبيل إعتاد العتاد، وإعداد الزاد، ليوم المعاد. فكأنه ~~قيل: إنا أعتدنا لهم، مكان ما أعدوا لأنفسهم، من العدة والذخر، جهنم عدة. ~~وفي إيراد (النزل) إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له. ~~أي لأن الضيف لا # PageV07P079 # يستقر في منزل الضيافة. وينتقل إلى ما هو إهناء له في دار إقامته. فكان ~~تنبيها على أنهم سيذوقون ما ms3195 هو أشد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 103 الى 106] # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما ~~كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا أي ضاع ~~وبطل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم أي التي ~~جاءت بالعمل بها رسلهم ولقائه أي بالبعث والحساب والجزاء فحبطت أعمالهم ~~لكفرهم المذكور فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا أي فنزدريهم ولا نجعل لهم ~~مقدارا واعتبارا، لأن مداره الأعمال الصالحة، وقد حبطت بالمرة ذلك أي الأمر ~~ذلك. وقوله: جزاؤهم جهنم جملة مبينة له، أو (ذلك) مبتدأ، والجملة خبره، ~~والعائد محذوف. أي جزاؤهم به. أو (جزاؤهم) خبر و (جهنم) عطف بيان له بما ~~كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا أي مهزوءا بهما. وذلك موجب لشدة المقت ~~والغضب والنكال. ثم بين ما لمقابلهم من الحسنى بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : الآيات 107 الى 108] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين ~~فيها لا يبغون عنها حولا (108) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها ~~لا يبغون عنها حولا. أي تحولا، لبلوغهم الكمال في نعيمها. فلا شوق لهم فيما ~~وراءها. وفيه ### | تنبيه # على شدة رغبتهم فيها، وحبهم لها. مع أنه قد يتوهم، فيمن هم مقيم في مكان ~~دائما، أنه يسأمه أو يمله. فأخبر أنهم، مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا ~~يختارون عن مقامهم متحولا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 109] # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا (109) # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي أي لكتابتها لنفد البحر أي مع كثرته # PageV07P080 # ولم يبق منه شيء قبل أن تنفد كلمات ربي أي لكونها غير ms3196 متناهية، فلا تنفد ~~نفاد المتناهي. # قال أبو السعود. وفي إضافة (الكلمات) إلى اسم الرب، المضاف إلى ضميره صلى ~~الله عليه وسلم في الموضعين، من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا ~~يخفى. وإظهار (البحر) و (الكلمات) في موضع الإضمار، لزيادة التقرير. وقوله ~~تعالى: ولو جئنا بمثله مددا أي بمثل البحر عونا وزيادة، لنفد أيضا. # قال أبو السعود: كلام من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن، جيء به ~~لتحقيق مضمونه، وتصديق مدلوله، مع زيادة مبالغة وتأكيد، وهذا كقوله تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله، إن الله عزيز حكيم [لقمان: 27] . ### | تنبيه: # دلت الآية على أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء وكما شاء. وأن كلماته لا ~~نهاية لها. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره من الأئمة: لم يزل الله ~~متكلما إذا شاء وهو يتكلم بمشيئته وقدرته يتكلم بشيء بعد شيء. وهو مذهب سلف ~~الأمة، وأئمة السنة، وكثير من أهل الكلام، كالهشامية والكرامية وأصحاب أبي ~~معاذ. # وطوائف غير هؤلاء يقولون: إن الكلام صفة ذات وفعل، وهو يتكلم بمشيئته ~~وقدرته كلاما قائما بذاته. وهذا هو المعقول من صفة الكلام لكل متكلم. فكل ~~حي وصف بالكلام كالملائكة والبشر والجن وغيرهم، فكلامهم لا بد أن يقوم ~~بأنفسهم، وهم يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم، والكلام صفة كمال لا صفة نقص. ومن ~~تكلم بمشيئة أكمل ممن لا يتكلم بمشيئة. فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون ~~الخالق؟ وأما الجهمية والمعتزلة فيقولون: ليس له كلام قائم بذاته. بل كلامه ~~مخلوق منفصل عنه. والكلابية يقولون: هو متكلم بكلام ليس له عليه قدرة، ولا ~~يكون بمشيئته. والأشعرية يقولون: إن الكلام معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد. ~~وكل هذه أقوال باطلة مخالفة للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. مبتدعة مبنية ~~على أصل واحد. وهو قولهم إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية. فلا يقوم ~~به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته. وهو أصل باطل مخالف للنقل والعقل. ~~والقرآن الكريم يدل على بطلانه في ms3197 أكثر من مائة موضع. وأما الأحاديث ~~الصحيحة فلا يمكن ضبطها في هذا الباب. والصواب في هذا الباب وغيره، هو مذهب ~~سلف الأمة وأئمتها؟ أنه سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء وأنه يتكلم بمشيئته ~~وقدرته. وأن كلماته لا نهاية لها. وأنه # PageV07P081 # نادى موسى بصوت سمعه موسى. وإنما ناداه حين أتى، لم يناده قبل ذلك. وأن ~~صوت الرب لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم وقدرته لا ~~تماثل قدرتهم. وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته. ليس في مخلوقاته ~~شيء من ذاته وصفاته القائمة بذاته. ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وأن أقوال ~~أهل التعطيل والاتحاد، الذين عطلوا الذات والصفات أو الكلام أو الأفعال، ~~باطلة. وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات والصفات، باطلة. ~~هذا ما أفاده تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان. # وقال أيضا في قوله تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي الآية: # كلمات الله لا نهاية لها. وهذا تسلسل، جائز كالتسلسل في المستقبل. فإن ~~نعيم الجنة دائم لا نفاد له. فما من شيء إلا وبعده شيء بلا نهاية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكهف (18) : آية 110] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # قل أي لهؤلاء المشركين والكافرين من أهل الكتاب إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد أي خصصت بالوحي وتميزت عنكم به. فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه أي يخاف المصير إليه، أو يأمل لقاءه ورؤيته، أو جزاءه الصالح ~~وثوابه فليعمل عملا صالحا أي في نفسه، لائقا بذلك المرجو، وهو ما كان ~~موافقا لشرع الله ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي من خلقه إشراكا جليا. كما ~~فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه. ولا إشراكا خفيا. كما يفعله أهل ~~الرياء، ومن يطلب به أجرا من المدح وتحصيل المال والجاه. # قال أبو السعود: وإيثار وضع المظهر موضع المضمر في الموضعين، مع التعرض ~~لعنوان الربوبية، ms3198 لزيادة التقرير، وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهي، ~~ووجوب الامتثال فعلا وتركا. # ودلت الآية- كما قال ابن كثير- على أن للعمل المتقبل ركنين: كونه موافقا ~~شرع الله المنزل، ومخلصا أريد به وجهه تعالى، لا يخلط به غيره. وتسمية ~~الرياء شركا أصغر، ثبت في السنة، وصح فيها حبوط العمل بالرياء. ودخول ~~الرياء في الآية، باعتبار عموم معناها، وإن كان السياق في الشرك الجلي، ~~للخطاب مع الجاحدين. # والله تعالى هو الموفق والمعين. # PageV07P082 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة مريم # سميت بها لاشتمالها على نبئها الخارق. وقال المهايمي: لأن قصتها تشير إلى ~~أن من اعتزل من أهله لعبادة الله، وطلب بها إشراق نوره، يرجى أن يكشف له عن ~~صفات الحق وعن عالم الملكوت، وتظهر له الكرامات العجيبة. وهذا من أعظم ~~مقاصد القرآن. وهي مكية النزول. واستثنى بعضهم منها آية السجدة [مريم: 58] ~~، وآية وإن منكم إلا واردها [مريم: 71] . # وقد روى محمد بن إسحاق، في السيرة، من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ~~ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة، أن جعفر بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه. وآياتها ثمان وتسعون. # PageV07P083 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) # كهيعص سلف في أول سورة البقرة الكلام على هذه الأحرف، المبتدأ بها. # وأولى الأقوال بالصواب أنها أسماء للسورة المبتدأ بها. وكونها خبر مبتدأ ~~محذوف. # أي: هذا كهيعص أي مسمى به، وقوله تعالى: ذكر رحمت ربك عبده زكريا مبتدأ ~~خبره محذوف. أي فيما يتلى عليك. أو خبر محذوف. أي هذا المتلو ذكرها. # و (زكريا) والد يحيى عليهما السلام. بدل من (عبده) أو عطف بيان له. قال ~~المهايمي: أي ذكر الله لنا ما رحم به زكريا عليه السلام بمقتضى كمال ~~ربوبيته. # فأعطاه ولدا كاملا في باب النبوة. فبشره بنفسه تارة وبملائكته أخرى. ~~وتولى تسميته ولم يشرك فيها من تقدمه. وذكرها لنا كبير هبة لنا، ms3199 في تعريف ~~مقام النبوة، وقدرة الله وعنايته بصفوته. إذ نادى ربه نداء خفيا ظرف ل ~~(رحمة) أو بدل اشتمال من (زكريا) والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره. ~~والمراد به الدعاء. وقد راعى أدب الدعاء، وهو إخفاؤه، لكونه أبعد عن ~~الرياء، وأدخل في الإخلاص. ثم فسر الدعاء بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 4] # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # قال رب إني وهن العظم مني أي ضعف. قال الزمخشري: وإنما ذكر العظم لأنه ~~عمود البدن. وبه قوامه، وهو أصل بنائه. فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته. ولأنه ~~أشد ما فيه وأصلبه. فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده، لأن الواحد هو ~~الدال على معنى الجنسية، المنبئة عن شمول الوهن بكل فرد من أفراده. وقرئ ~~(وهن) بكسر # PageV07P084 # الهاء وضمها واشتعل الرأس شيبا قال الزمخشري: شبه الشيب بشواظ النار في ~~بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ- باشتعال ~~النار. # ثم أخرجه مخرج الاستعارة. ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو ~~الرأس. # وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا. فمن ~~ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. وظاهره أن فيه استعارتين مبنيتين ~~على تشبيهين: أولاهما تصريحية تبعية في (اشتعل) بتشبيه انتشار المبيض في ~~المسود باشتعال النار، كما قال ابن دريد في (مقصورته) . # إما ترى رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا # واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا # والثانية مكنية. بتشبيه الشيب، في بياضه وإنارته، باللهب. وهذا بناء على ~~أن المكنية قد تنفك عن التخييلية، وعليه المحققون من أهل المعاني. وقيل: إن ~~الاستعارة هنا تمثيلية. فشبه حال الشيب بحال النار، في بياضه وانتشاره ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا أي ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت لم أعود منك إلا ~~الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط. وهذا توسل منه إلى الله تعالى بما سلف له ~~معه من الاستجابة، إثر تمهيد ما ms3200 يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة، من كبر السن ~~وضعف الحال. فإنه تعالى بعد ما عود عبده بالإجابة دهرا طويلا. لا يكاد ~~يخيبه أبدا. لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره. ### | تنبيه: # استفيد من هذه الآيات آداب الدعاء وما يستحب فيه. فمنها الإسرار بالدعاء، ~~لقوله (خفيا) ومنها استحباب الخضوع في الدعاء وإظهار الذل والمسكنة والضعف ~~لقوله: واشتعل الرأس شيبا ومنها التوسل إلى الله تعالى بنعمه وعوائده ~~الجميلة لقوله: ولم أكن إلخ كما قدمنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 5 الى 6] # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # وإني خفت الموالي من ورائي أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم ~~صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ # PageV07P085 # العباد، وحفظ آداب الدين. والتمسك بهديه المتين وكانت امرأتي عاقرا أي لا ~~تلد من حين شبابها فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب أي هب لي ~~ولدا، يلي من الأمر ما كنت إليه وارثا، لي ولآل يعقوب، في العلم والنبوة. ~~وفي قوله من لدنك إعلام بأنه من محض الفضل وخرق العادة. لعدم صلاحية زوجه ~~للحمل. وتنويه به لكونه مضافا إلى الله تعالى، وصادرا من عنده. و (آل ~~يعقوب) أولاده الأنبياء، عليهم السلام. واجعله رب رضيا أي مرضيا عندك قولا ~~وفعلا. # ثم بين تعالى استجابة دعاء زكريا بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 7] # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا أي مثلا ~~وشبيها. وعن ابن عباس: لم تلد العواقر قبله مثله. وروي أنه لم يعص، ولم يهم ~~بمعصية قط. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 8] # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) # قال رب أنى يكون ms3201 لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا أي ~~حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها. وقيل: إلى رياضته. وهي الحال المشار ~~إليها بقول الشاعر: # ومن العناء رياضة الهرم قال الراغب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 9] # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا أي من إنسان ~~ونطفة وعلقة وعناصر، ثم وجدت. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم طلب أولا، وهو وامرأته على صفة العتي والعقر، # PageV07P086 # فلما أسعف بطلبته استبعد واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد ~~المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون. وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا، كان على ~~منهاج واحد، في أن الله غني عن الأسباب. انتهى. # وقال أبو السعود: إنما قاله عليه السلام، مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه ~~بقدرة الله، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في سورة آل عمران، ~~استعظاما لقدرة الله تعالى، وتعجيبا منها، واعتدادا بنعمته تعالى عليه في ~~ذلك، بإظهار أنه من محض لطف الله عز وعلا وفضله. مع كونه في نفسه من الأمور ~~المستحيلة عادة، لا استبعادا له. وقيل: كان ذلك منه استفهاما عن كيفية ~~حدوثه. أي: أيكون الولد ونحن كذلك؟ فقيل: كذلك. أي يكون الولد وأنتما كذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 10] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) # قال رب اجعل لي آية أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوع الحمل، ليطمئن ~~قلبي قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا أي: أن لا تقدر على تكليمهم، ~~حال كونك سويا، بلا مرض في بدنك، ولا في لسانك. ### | لطيفة: # إنما ذكر (الليالي) هنا، و (الأيام) في آل عمران، للدلالة على أنه استمر ~~عليه المنع من كلام الناس، والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام بلياليها. ~~والعرب تتجوز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر. والنكتة في الاكتفاء ب (الليالي) ~~هنا وب (الأيام) ثم، أن ms3202 هذه السورة مكية سابقة النزول. وتلك مدنية. ~~والليالي عندهم سابقة على الأيام. لأن شهورهم وسنيهم قمرية، إنما تعرف ~~بالأهلة. ولذلك اعتبروها، في التاريخ، كما ذكره النحاة، فأعطي السابق ~~للسابق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 11] # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) # فخرج على قومه من المحراب أي مصلاه أو غرفته فأوحى إليهم أي أشار إليهم ~~رمزا أن سبحوا بكرة وعشيا أي صلوا لله طرفي النهار، وقوله تعالى: # PageV07P087 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 12] # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) # يا يحيى استئناف، طوى قبله جمل كثيرة، مسارعة إلى الإنباء بإنجاز الوعد ~~الكريم. وهو وجود هذا الغلام المبشر به، وتعليمه التوراة التي كانوا ~~يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا. فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم عليه وعلى ~~والديه. أي: قلنا (يا يحيى) خذ الكتاب بقوة أي تعلم التوراة بجد وحرص ~~واجتهاد. وآتيناه الحكم صبيا أي الحكمة وفهم التوراة والعلم والاجتهاد في ~~الخير، وهو صبي، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 13 الى 14] # وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا ~~(14) # وحنانا من لدنا أي وآتيناه حنانا: وهو التحنن والتعطف والشفقة. وتنوينه ~~للتفخيم. أي رحمة عظيمة يشفق بها على الخلق. أو حنانا من الله عليه وزكاة ~~أي طهارة من الذنوب، وعصمة بليغة منها وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن ~~جبارا عصيا أي متكبرا عاقا لهما، أو عاصيا لربه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 15] # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # وسلام عليه # أي من الله يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا # أي ليستقبل النعيم الأبدي. و (السلام) بمعنى السلامة والأمان من الآفات. ~~وفيه معنى التحية والتشريف. وفي ذكر الأحوال الثلاث، زيادة في العناية به، ~~صلوات الله وسلامه عليه. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms3203 مريم (19) : آية 16] # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) # واذكر في الكتاب # أي القرآن مريم # أي نبأها إذ انتبذت # أي اعتزلت وانفردت من أهلها مكانا شرقيا # أي شرقي بيت المقدس. لئلا يشغلوها عن العبادة. # PageV07P088 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 17] # فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) # فاتخذت من دونهم حجابا # أي لئلا تحجبها رؤية الخلق عن أنوار الحق فأرسلنا إليها روحنا # أي جبريل المنسوب إلى مقام عظمتنا، لغاية كماله، لينفخ فيها فتمثل لها # أي فتصور لرؤيتها بشرا سويا # أي سوي الخلق، كامل الصورة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 18] # قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) # قالت إني أعوذ بالرحمن منك # أي أعتصم به منك. إنما خافته لانفرادها في خلوتها، وظنها أنه يريدها على ~~نفسها. وفي ذلك من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه إن كنت تقيا # أي تتقي الله تعالى، وتبالي بالاستعاذة به. وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ~~السياق عليه. أي فإني عائذة به. أو فلا تتعرض لي. وإنما ذكرته بالله تعالى، ~~لأن المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل. فخوفته أولا بالله عز وجل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 19] # قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) # قال إنما أنا رسول ربك # أي لا تخافي ولا تتوقعي ما توهمت. فإني رسول ربك الذي استعذت به، بعثني ~~إليك لأهب لك غلاما زكيا # أي لأكون سببا في هبته. و (الزكي) الطاهر من الذنوب أو النامي على الخير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 20] # قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا أي تعجبت من هذا ~~وقالت: كيف يكون لي غلام، أي على أي صفة يوجد مني، ولست بذات زوج ولا يتصور ~~مني الفجور؟ # قال الزمخشري: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه. كقوله ~~تعالى: ms3204 من قبل أن تمسوهن [البقرة: 237] ، أو لامستم النساء [النساء: # PageV07P089 # 43] و [المائدة: 6] ، والزنى ليس كذلك. إنما يقال فيه (فجر بها، وخبث ~~بها) وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. وإنما اقتصر ~~في سورة آل عمران على قوله ولم يمسسني بشر [آل عمران: 47] ، لكون هذه ~~السورة متقدمة النزول عليها. فهي محل التفصيل. بخلاف تلك. فلذا حسن ~~الاكتفاء فيها. # وقيل: جعل المس ثم، كناية عنهما، على سبيل التغليب. و (البغي) الفاجرة ~~التي تبغي الرجال. ووزنه (فعول) ولذا لم تلحقه التاء، لأنه يستوي فيه ~~المذكر والمؤنث، وإن كان بمعنى فاعل كصبور. أو فعيل بمعنى فاعل، ولم تلحقه ~~التاء لأنه للمبالغة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 21] # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) # قال أي الملك كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس أي برهانا ~~يستدلون به على كمال قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع خلقهم. فخلق أباهم آدم ~~من غير ذكر ولا أنثى. وخلق حواء من ذكر بلا أنثى. وخلق بقية الذرية من ذكر ~~وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر. فتمت القسمة الرباعية الدالة ~~على كمال قدرته وعظيم سلطانه ورحمة منا أي عليك بهذه الكرامة، وعلى قومك ~~بالهداية والدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، فيهتدون بهديه ويسترشدون ~~بإرشاده. وقوله وكان أمرا مقضيا من تتمة كلام جبريل لمريم. يخبرها أن هذا ~~أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. أو من خبره تعالى لنبيه صلوات ~~الله عليه. وأنه كنى به عن النفخ في فرجها. كما قال تعالى: ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا [التحريم: 12] ، وقال والتي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا [الأنبياء: 91] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 22] # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا أي لما صارت حاملا به، اعتزلت بسببه مكانا ~~بعيدا من قومها، فرارا من القالة. وقد روي عن السلف أن جبريل لما قال ms3205 لها، ~~عن الله تعالى، ما قال، مما تقدم، استسلمت لقضاء الله تعالى فاطمأنت إلى ~~قوله. # فدنا منها فنفخ في جيب درعها. فسرت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بإذن ~~الله تعالى. # PageV07P090 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 23] # فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ~~(23) # فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة أي: فألجأها ألم الولادة إلى الاستناد ~~بالجذع لتعتمد عليه وتستتر به. و (أجاء) - قال الزمخشري- منقول من (جاء) ~~إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. وقرئ (المخاض) بكسر ~~الميم وكلاهما مصدر (مخضت المرأة) إذا تحرك الولد في بطنها للخروج قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا أي الحمل وكنت نسيا منسيا أي شيئا تافها، شأنه أن ينسى ~~ولا يعتد به. منسيا لا يخطر على بال أحد. وهو نعت للمبالغة. وإنما قالت ~~ذلك، لما عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها ~~فيه على السداد. فلحقها فرط الحياء وخوف اللائمة إذا بهتوها وهي عارفة ~~ببراءة الساحة، وبضد ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال ~~والإكرام- قال الزمخشري- لأنه مقام دحض، قلما تثبت عليه الأقدام، أن تعرف ~~اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر، تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند ~~الناس لجهلهم به- عيبا يعاب به ويعنف بسببه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 24] # فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) # فناداها من تحتها أي من مكان أسفل منها، تحت أكمة، وهو جبريل. # وقيل: هو عيسى، وقرئ (من) بفتح الميم موصولة ألا تحزني قد جعل ربك تحتك ~~سريا أي سيدا نبيلا رفيعا، وقيل: نهرا يسري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 25] # وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) # وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا أي حضر أوان اجتنائه. # قال الزمخشري: فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى ~~بالسري والرطب! قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث إنهما ms3206 طعام وشراب، ولكن من ~~حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة، والبعد من الريبة، وأمن ~~مثلها، مما # PageV07P091 # قرفوها به، بمعزل. وأن لها أمورا إلهية خارجة عن العادات، خارقة لما ~~ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أن ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 26] # فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # فكلي واشربي وقري عينا أي بالكمال والولد المبارك، الموجود بالقدرة، ~~الموهوب بالعناية. قال الزمخشري: أي جمعنا لك في السري والرطب فائدتين: # إحداهما الأكل والشرب والثانية سلوة الصدر، لكونها معجزتين. وهو معنى ~~قوله فكلي واشربي وقري عينا أي وطيبي نفسا ولا تغتمي. وارفضي عنك ما أحزنك ~~وأهمك فإما ترين من البشر أحدا أي من المحجوبين عن الحقائق بظواهر الأسباب، ~~الذين لا يفهمون قولك ولا يصدقون بحالك. لوقوفهم مع العادة واحتجابهم عن ~~نور الحق. فإذا سألوك فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا أي ~~لا تكلميهم في أمرك شيئا. ولا تماديهم فيما لا يمكنهم قبوله. وإنما أمرت ~~بذلك لكراهة مجادلة السفهاء، والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام. فإنه نص ~~قاطع في براءة ساحتها، فقوله: صوما. أي صمتا. وقوله: فلن أكلم إلخ تفسير ~~للنذر بذكر صيغته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 27] # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي عظيما منكرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 28] # يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا استئناف لتجديد ~~التعبير، وتأكيد التوبيخ، وتقرير لكون ما جاءت به فريا. و (هارون) هو النبي ~~الشهير، صلوات الله عليه يعنون أنها مثله في الصلاح. لأن الأخ والأخت ~~يستعمل بمعنى (المشابه) كثيرا. # PageV07P092 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية ms3207 29] # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) # فأشارت إليه، قالوا منكرين لجوابها كيف نكلم من كان في المهد صبيا ولم ~~يعهد تكليم عاقل الصبي في المهد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 30 الى 31] # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما ~~كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) # قال إني عبد الله أنطقه الله بذلك. أولا تحقيقا للحق في شأنه وتنزيها لله ~~تعالى عن الولد، ردا على من يزعم ربوبيته ونبوته آتاني الكتاب أي الإنجيل ~~وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت أي كثير الخير حيثما وجدت. أبلغ وحي ~~ربي لتقوم النفوس وكبح الشهوات والأخذ بما هو مناط السعادات. والتعبير بلفظ ~~الماضي في الأفعال الثلاثة، إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم، أو جعل ~~الآتي، لا محالة، كأنه وجد وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا أي أمرني ~~بالعبادة وإنفاق المال مدة حياتي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 32 الى 36] # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ~~ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما ~~كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) ~~وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا أي مستكبرا عن طاعته وأمره والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك أي الذي فصلت نعوته الجليلة ~~وخصائصه الباهرة عيسى ابن مريم أي لا ما يصفه به النصارى. وهو تكذيب لهم، ~~فيما يزعمونه، على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني. حيث جعله موصوفا بأضداد ~~ما يصفونه قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي: ومن هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ~~ولد؟ # PageV07P093 # وهذا كقوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ms3208 ~~كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين [آل عمران: 59- 60] ، ثم أشار ~~إلى تتمة كلام عيسى من الأمر بعبادته تعالى وحده، بقوله سبحانه وإن الله ~~ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم أي قويم. من اتبعه رشد وهدى. ومن خالفه ~~ضل وغوى. ### | تنبيهات في فوائد هذه القصة: # الأول- لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره ~~وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاد ولدها ~~عيسى عليهما السلام منها من غير أب. فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة. ولهذا ~~ذكرهما في آل عمران، وهاهنا، وفي سورة الأنبياء. يقرن بين القصتين لتقارب ~~ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه. وأنه على ما يشاء ~~قدير. و (مريم) هي بنت عمران. من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر ~~تعالى ولادة أمها لها في سورة آل عمران. وأنها نذرتها محررة للعبادة. وأنه ~~تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا فنشأت في بني إسرائيل نشأة ~~عظيمة. فكانت إحدى الناسكات المتبتلات. وكانت في كفالة زكريا ورأى لها من ~~الكرامات ما بهره فقد كان يجد عندها كلما دخل عليها المحراب رزقا. كما تقدم ~~في سورة آل عمران. # الثاني- استدل بقوله تعالى: فأرسلنا إليها روحنا # [مريم: 17] ، من قال بنبوة مريم. واستدل بقوله تعالى عنها يا ليتني مت ~~قبل هذا [مريم: 23] ، على جواز تمني المنون لمثل تلك الحال. وبقوله تعالى ~~وهزي إليك بجذع النخلة [مريم: 25] على التسبب في الرزق، وتكلف الكسب وإليه ~~أشار القائل: # ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب # ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه ... إليها، ولكن كل شيء، له سبب # في الآية أصل لما يقوله الأطباء، إن الرطب ينفع النساء. واستدل بقوله ~~تعالى: # فأشارت إليه بعد فلن أكلم اليوم إنسيا على أن الحالف (لا يتكلم أو لا ~~يكلم فلانا) لا يحنث بالإشارة. وعلى أن السكوت عن السفيه واجب، كما استنبطه ~~الزمخشري، قال: ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. وفي ms3209 قوله تعالى ما كان ~~أبوك امرأ سوء معنى قولهم في المثل: من أشبه أباه فما ظلم. وفيه أيضا تنبيه ~~على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش. # الثالث- نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى: والسلام علي # PageV07P094 # [مريم: 33] ، إلخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان. ومنه السلامة في ~~النعم وزوال الآفات. فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى فعله ~~بيحيى. ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة. وأعظم أحوال ~~الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة: وهي يوم الولادة ويوم ~~الموت ويوم البعث. فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع ~~السعادة من قبله تعالى، طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل ~~الأحوال. # الرابع- قال القاشاني: وإنما تمثل لها بشرا سوي الخلق حسن الصورة، لتتأثر ~~نفسها به وتستأنس. فتتحرك على مقتضى الجبلة. ويسري الأثر من الخيال في ~~الطبيعة. فتتحرك شهوتها فتنزل كما يقع في المنام من الاحتلام وتنقذف نطفتها ~~في الرحم فيتخلق منه الولد. وقد مر أن الوحي قريب من المنامات الصادقة، ~~لهذه القوة البدنية وتعطلها عن أفعالها عنده كما في النوم. فكل ما يرى في ~~الخيال من الأحوال الواردة على النفس الناطقة المسماة في اصطلاحنا (قلبا) ~~والاتصالات التي لها بالأرواح القدسية، يسري في النفس الحيوانية والطبيعية ~~وينفعل منه البدن. وإنما أمكن تولد الولد من نطفة واحدة. لأنه ثبت في ~~العلوم الطبيعية أن مني الذكر في تكون الولد، بمنزلة الإنفحة في الجبن. ~~ومني الأنثى بمنزلة اللبن، أي العقد من مني الذكر والانعقاد من مني الأنثى. ~~لا على معنى أن مني الذكر ينفرد بالقوة العاقد ومني الأنثى بالقوة ~~المنعقدة، بل على معنى أن القوة العاقدة في مني الذكر أقوى. # والمنعقدة في مني الأنثى أقوى. وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا. ولم ~~ينعقد مني الذكر حتى يصير جزءا من الولد. فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى ~~قويا ذكوريا، كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس القوية القوى، وكان مزاج ~~كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى ms3210 أحر كثيرا من الذي ينفصل ~~من كليتها اليسرى. # فإذا اجتمعا في الرحم كان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب، قام ~~المنفصل في الكلية اليمنى، مقام الذكر في شدة قوة العقد. والمنفصل من ~~الكلية اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيتخلق الوالد هذا. وخصوصا ~~إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس، متقوية، يسري أثر اتصالها به إلى ~~الطبيعة والبدن، ويغير المزاج ويمد جميع القوى في أفعالها بالمد الروحاني، ~~فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس. والله أعلم. # ثم قال في قوله تعالى: وكان أمرا مقضيا في اللوح مقدرا في الأزل. وعن # PageV07P095 # ابن عباس: فاطمأنت إليه بقوله: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # فدنا منها فنفخ في جيب الدرع، أي البدن، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا. ~~كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال. وقيل: إن الروح ~~المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصالها بها وتعلقه ~~بنطفتها. والحق أنه روح القدس. # لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده كما قال: لأهب لك غلاما زكيا # . واتصال روح عيسى بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم، ~~واستقرارها فيه، ريثما؟ تزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح. انتهى. # الخامس- التمثل مشتق من المثل. ومعناه التصور. وفيه دليل على أن الملك ~~يتشكل بشكل البشر. # قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو ~~أزاله عنه. # لم يعيده إليه بعد. # وجزم ابن عبد السلام: بالإزالة دون الفناء وفرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون ~~انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى في الجسد حيا. لأن موت الجسد ~~بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ~~ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. # وقال البلقيني: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه. بل يجوز أن ~~يكون الآتي جبريل بشكله الأصلي. إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل. ~~وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن، إذا ms3211 جمع بعد أن كان منتفشا. ~~فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير. وهذا على سبيل التقريب. ~~والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه أنه ظهر ~~بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا ~~يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. # والله أعلم. كذا قال ابن حجر في فتح الباري. # ولا يخفى أن هذا البحث من الرجم بالغيب، واقتفاء ما لم يحط بكنهه. # فالخوض فيه عبث ينتهي خائضه إلى حيث ابتدأ. لأنه من عالم الغيب الذي لا ~~يصل علمنا إليه ولن يصل إليه بمجرد العقل. ولم يرد عن المعصوم صلى الله ~~عليه وسلم فيه نص قاطع. # وكل ما كان كذلك فليس من شأننا أن نبحث فيه. فاعرف ذلك فإنه ينفعك في ~~مواضع عديدة. # PageV07P096 # السادس- قال بعضهم: أصل كلمة (عيسى) يسوع. فحرفه اليهود إلى (عيسو) تهكما ~~فحوله العرب إلى (عيسى) تشبها باسم موسى. ولبدل الواو بالألف سبب مبني على ~~قواعد اللغة العبرانية، بل والعربية. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 37] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) # فاختلف الأحزاب من بينهم أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ~~ووضوح حاله. وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. # فأصرت اليهود منهم على بهت أمه وقرفه بالسحر. وانقسمت النصارى في أمره ~~انقساما يفوت الحصر. وكله ضلال وشرك وكفر. وقد هدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنه. وهذا من فضله تعالى ومنه فويل للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم يعني بالذين كفروا، المختلفين. عبر عنهم بالموصول إيذانا ~~بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم. وفي (مشهد) ستة أوجه. لأنه مصدر ميمي أو ~~اسم زمان أو مكان. وعلى كل فهو إما من (الشهود) أي الحضور أو (الشهادة) . ~~وهذا معنى قول الزمخشري: أي في شهودهم هول الحساب والجزاء إلى يوم القيامة. ~~أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود. أو ms3212 من شهادة ذلك ~~اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ~~بالكفر وسوء الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. # وقيل: معناه ما شهدوا به في عيسى وأمه فعظمه لعظم ما فيه أيضا. كقوله ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم [الكهف: 5] ، وفيه وعيد لهم وتهديد شديد. # وذلك لأنه لا أظلم ممن كذب با لحق لما جاءه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 38] # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) # أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا تعجب من حدة سمعهم وأبصارهم يومئذ. # ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم يوم يأتوننا للحساب والجزاء جدير بأن يتعجب ~~منهما بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا. والآية كقوله تعالى ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] الآية، أي ~~يقولون # PageV07P097 # ذلك حين لا يجدي عنهم شيئا. ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لأجدى لكن ~~الظالمون اليوم أي في الدنيا في ضلال مبين لإغفالهم الاستماع والنظر. فحيث ~~يطلب منهم الهدى لا يهتدون. قال الزمخشري: أوقع الظاهر أعني (الظالمين) ~~موقع الضمير، إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر، ~~حين يجدي عليهم ويسعدهم. ### | تنبيه: # إنما أول التعجب في الآية بما ذكر، وأنه مصروف للعباد الذين يصدر منهم ~~التعجب، لأن صدوره من الله تعالى محال. إذ هو كيفية نفسانية تنشأ عن ~~استعظام ما لا يدرى سببه. ولذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب. والمعنى ~~تعجبوا من سمعهم وأبصارهم حيث لا ينفعهم ذلك. فهي كقوله تعالى: فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد [ق: 22] ، أفاده الشهاب. # وهذه طريقة المتكلمين في تأويل ما يشترك في الإضافة إليه تعالى وإلى خلقه ~~من الصفات المروية. وطريقة السلف المحققين إثبات ما ورد به السمع مع نفي ~~التشبيه. إذ لا اتحاد بين صفات الخالق وصفات المخلوق. فما يضاف إليه تعالى ~~هو على النحو الذي يجب أن يكون عليه جل جلاله. فما يقدر في حق المخلوقين من ~~الصفات مستلزما للمحال، لا يجب ms3213 أن يكون في حقه تعالى مستلزما لذلك. كما أن ~~العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا، يستلزم النقص والحاجة، ما يجب ~~تنزيه الله عنه. وكذلك الوجود والقيام بالنفس فينا، يستلزم احتياجا إلى ~~خالق يجعلنا موجودين. والله منزه في وجوده عما يحتاج إليه وجودنا. فنحن ~~وصفاتنا وأفعالنا. # مقرونون بالحاجة إلى الغير. والحاجة لنا أمر ذاتي لا يمكن أن يخلو عنه. ~~وهو سبحانه، الغنى له أمر ذاتي لا يمكن أن يخلو عنه. فهو بنفسه حي قيوم ~~واجب الوجود، ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء. فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا ~~وأفعالنا وما اتصفنا به من الكمال، من العلم والقدرة وغير ذلك، هو مقرون ~~بالحاجة والحدوث والإمكان، لم يجب أن لا يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ~~وأن لا يقدر ولا يعلم. لكون ذلك ملازما للحاجة فينا. فكذلك كل ما جاء به ~~السمع من الصفات، إذا قدر أنه في حقنا ملازم لحاجة وضعف، لم يجب أن يكون في ~~حق الله تعالى ملازما لذلك. هذا ما قرره الإمام تقي الدين بن تيمية في خلال ~~بعض فتاويه. وكلامه هذا بمثابة القاعدة الكلية لأمثال هذا الموضوع. فاحفظه. # PageV07P098 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 39 الى 40] # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن ~~نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر أي فرغ من الحساب وفصل بين أهل الجنة ~~والنار، وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه وهم في غفلة أي وهم اليوم ~~مستغرقون في غفلة عما يفعل بهم في الآخرة وهم لا يؤمنون أي لا يصدقون به ~~اليوم وسيعاينونه. ثم أمر تعالى رسوله أن يتلوا عليهم نبأ إبراهيم لكونهم ~~ينتمون إليه فيعتبروا في توحيد الخالص، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 42] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه ms3214 كان صديقا بليغ التصديق بما يجب لله من ~~الوحدانية والتنزيه نبيا إذ قال لأبيه أي متلطفا في دعوته إلى التوحيد ~~ونهيه عن عبادة الأصنام يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # أي فلا يدفع ضرا ولا يجلب نفعا. # قال أبو السعود: ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج، وأقوم سبيل. ~~واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل. لئلا يركب متن المكابرة ~~والعناد. ولا ينكب، بالكلية، عن محجة الرشاد. حيث طلب منه علة عبادته لما ~~يستخف به عقل كل عاقل، من عالم وجاهل ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته ~~التي هي الغاية القاصية من التعظيم. مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء ~~التام، والإنعام العام. الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب. ونبه ~~على أن العاقل يجب أن يفعل كل ما يفعل، لداعية صحيحة وغرض صحيح. والشيء لو ~~كان حيا مميزا سميعا بصيرا، قادرا على النفع والضر، مطيقا بإيصال الخير ~~والشر، لكن كان ممكنا، لاستنكف العقل السليم عن عبادته. وإن كان أشرف ~~الخلائق. لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبة. فما ~~ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر؟. # PageV07P099 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 43] # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك أي وحق القاصر اتباع الإنسان ~~الكامل فاتبعني أهدك صراطا سويا أي معتدلا لا إفراط فيه بعبادة من لا ~~يستحق، ولا تفريط بترك عبادة من يستحق، وكذا في باب الأخلاق والأعمال. قال ~~المهايمي: # أي وإن كان حق الأبن اتباع الأب في العرف، لكنه باطل. لأن الحق اتباع ~~الصواب. # قال الزمخشري: ثنى عليه السلام بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا. فلم ~~يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق. ولكنه قال: إن معي طائفة ~~من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علم الدلالة على ms3215 الطريق السوي. فلا ~~تستنكف. وهب أني وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك ~~من أن تضل وتتيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 44] # يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) # يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصيا. # ثلث عليه السلام بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بتصويره بصورة يستنكرها كل ~~عاقل، ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة، مستجلب لضرر عظيم، فإنه في ~~الحقيقة عبادة الشيطان. لما أنه الآمر به والمسول له، وقوله: إن الشيطان ~~إلخ تعليل لموجب النهي وتأكيد له، ببيان أنه مستعص على ربك الذي أنعم عليك ~~بفنون النعم. ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاص. والإظهار في موضع الإضمار ~~لزيادة التقرير. والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه ~~ملاكها. والتعرض لعنوان الرحمانية، لإظهار كمال شناعة عصيانه. أفاده أبو ~~السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 45] # يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) # يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن لكونك عصيته وواليت عدوه، فيقطع ~~رحمته عنك، كما قطعها عن الشيطان فتكون للشيطان وليا أي مقارنا له ومشاركا ~~معه في عذابه. # PageV07P100 # قال الزمخشري: ربع عليه السلام بتخويفه سوء العاقبة، وبما يجره ما هو فيه ~~من التبعة والوبال. ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرح بأن العقاب لا ~~حق له، وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال أخاف أن يمسك عذاب فذكر الخوف والمس ~~ونكر العذاب. وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه، أكبر من ~~العذاب. وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله يا أبت توسلا إليه ~~واستعطافا. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 46] # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ~~(46) # قال أي أبوه، مصرا على عناده لفرط غلوه في الضلال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم أي: أمعرض ومنصرف أنت عنها. وإنما قدم الخبر على ms3216 المبتدأ، لأنه كان ~~أهم عنده. وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة، على ضرب من التعجب. # كان الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل، فضلا عن ترغيب الغير عنها. وفيه ~~تسلية للرسول صلوات الله عليه، عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه. # وقوله لئن لم تنته لأرجمنك تهديد متناه. أي لئن لم تنته عن القول فيها، ~~وعن نصحك، لأرجمنك بالحجارة واهجرني مليا أي تباعد عني زمانا طويلا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 47] # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا أي مبالغا في اللطف بي. # وفي جوابه بقوله عليه السلام سلام عليك مقابلة السيئة بالحسنة. كما قوله ~~تعالى: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] ، أي لا أصيبك بمكروه ~~بعد. # ولكن سأدعو ربي أن يغفر لك. كما قال: واغفر لأبي [الشعراء: 86] ، قال ~~الزمخشري: وفي الآية دليل على جواز متاركة المنصوح، والحال هذه. ويجوز أن ~~يكون دعا له بالسلامة، استمالة له. ألا ترى أنه وعده بالاستغفار؟ # وفي (الإكليل) : استدل بعضهم بالآية على جواز ابتداء الكافر بالسلام. # وقال ابن كثير: قد استغفر إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه مدة طويلة، ~~وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام. وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ~~في قوله: # PageV07P101 # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب [إبراهيم: 41] ، وقد ~~استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام. وذلك ~~اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك. حتى أنزل الله تعالى: قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من ~~دون الله إلى قوله: إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] ، ~~يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ~~ذلك ورجع عنه، فقال تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، ~~إلى قوله: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما ~~تبين له أنه ms3217 عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم [التوبة: ### | 113- 114 # ] ، وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 48] # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ~~(48) # وأعتزلكم أي أتباعد عنك وعن قومك بالهجرة وما تدعون من دون الله أي من ~~أصنامكم. # قال الزمخشري: المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» : الدعاء هو العبادة. # ويدل عليه قوله تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله [مريم: 49] ، ~~وأدعوا ربي أي أعبده وحده عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا أي خائبا ضائع ~~السعي. وفيه تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم، مع التواضع لله بكلمة عسى، وما ~~فيه من هضم النفس ومراعاة حسن الأدب، والتنبيه على أن الإجابة والإثابة ~~بطريق التفضل منه تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 49] # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا (49) # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وذلك بالمهاجرة إلى الشام وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا أي جعلنا له بنين وحفدة، أنبياء قرت عينه بهم ~~في حياته. بدل من فارقهم من أقربائه الكفرة الفجرة. وقوله تعالى: ~~PageV07P102 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 50] # ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) # ووهبنا لهم من رحمتنا أي ما عرف فيهم من النبوة والذرية وسعة الرزق وحوزة ~~الأرض المقدسة وجعلنا لهم لسان صدق عليا أي ثناء حسنا. عبر ب (اللسان) عما ~~يوجد باللسان. كما عبر ب (اليد) عما يطلق باليد وهي العطية. # وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو، للدلالة على أنهم أحقاء بما يثني عليهم، ~~وأن مجاهدتهم لا تخفى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 51 الى # 52] # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا بكسر اللام أي أخلص العبادة عن ~~الشرك، وأسلم وجهه لله. وقرئ بفتحه. ms3218 أي أخلصه الله، أي اصطفاه، كما قال إني ~~اصطفيتك على الناس [الأعراف: 144] ، وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب ~~الطور الأيمن أي من جانبه الأيمن من موسى، حين ذهب يبتغى من تلك النار ~~جذوة، فرآها تلوح فقصدها فوجدها ثمة. فنودي عندها وقربناه نجيا أي مناجيا، ~~أي كليما. إذ كلمناه بلا واسطة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 53] # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ليشد أزره في أداء الرسالة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 54 الى 55] # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) # واذكر في الكتاب إسماعيل وهو ابن إبراهيم عليهما السلام. وإنما فصل ذكره ~~عن ذكر أبيه وأخيه، لإبراز كمال الاعتناء بأمره، بإيراده مستقلا. وقوله: ~~إنه كان صادق الوعد تعليل للأمر. وإيراده عليه السلام بهذا الوصف، وإن ~~شاركه فيه # PageV07P103 # بقية الأنبياء، تشريفا له وإكراما. ولأنه المشهور من خصاله. وناهيك أنه ~~وعد من نفسه الصبر على الذبح، فوفى به حيث قال: ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين [الصافات: 102] ، وهذا أعظم ما يتصور فيه. وفيه تنبيه بعظم هذه ~~الخلة. ولذا كان ضدها نفاقا، كما صرحت به الأخبار. وكان رسولا نبيا وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة أي كان يبدأ أهله في الأمر بالصلاح والعبادة ~~ليجعلهم قدوة لمن وراءهم. # ولأنهم أولى من سائر الناس وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] ، وأمر ~~أهلك بالصلاة [طه: 132] ، قوا أنفسكم وأهليكم نارا [التحريم: 6] ، ألا ترى ~~أنهم أحق بالتصدق عليهم؟ فالإحسان الديني أولى. أفاده الزمخشري. وكان عند ~~ربه مرضيا أي لاتصافه بالنعوت الجليلة التي منها ما ذكر. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 56 الى 57] # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا هو شرف ~~النبوة والزلفى عند الله تعالى. فالعلو معنوي. أو رفعه بجسده حيا إلى ~~السماء. ms3219 قال الشهاب: قيل: والثاني أقرب لأن الرفعة المقترنة بالمكان لا ~~تكون معنوية، وفيه نظر لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه، كقوله: # وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافية # انتهى. ومما يؤيد الثاني ما روي في الصحيحين «1» عن أنس في حديث المعراج ~~أنه صلوات الله عليه رأى إدريس في السماء الرابعة. وإدريس هو إلياس الآتي ~~ذكره في سورة الصافات. ويسمى في التوراة إيليا. ولرفعه إلى السماء فيها نبأ ~~عجيب، قد يكون التنزيل الكريم في هذه الآية أشار إليه والله أعلم. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 58] # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) PageV07P104 # أولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه ~~السلام. وما فيه من معنى البعد، للإشعار بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في ~~الفضل. # وقوله تعالى الذين أنعم الله عليهم أي بفنون النعم الدينية والدنيوية من ~~النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن ~~هدينا واجتبينا أي هديناهم للحق واجتبيناهم للنبوة والكرامة إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله ~~وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة. مع ما لهم من علو الرتبة. وسمو ~~الزلفى عنده تعالى. وفي الآية استحباب السجود والبكاء عند سماع التلاوة. # قال ابن كثير: أجمع العلماء على مشروعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، ~~واتباعا لمنوالهم. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قرأ سورة مريم فسجد. وقال: هذا السجود فأين البكي. # ولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود ~~الله وأوامره ذكر من نبذ دعوتهم ممن خلفهم، وما سينالهم، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 59] # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) # فخلف ms3220 من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة وقرئ (الصلوات) بالجمع أي المتضمنة ~~للسجود والأذكار، المستدعية للبكاء. وإذا أضاعوها، فهم لما سواها من ~~الواجبات أضيع. لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد واتبعوا الشهوات ~~أي فأتوا بما ينافي البكاء والأمور المرضية من الأخلاق والأعمال، من ~~الانهماك في المعاصي التي هي بريد الكفر فسوف يلقون غيا أي شرا. قال ~~الزمخشري: كل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي من يفعل خيرا، يحمد الناس أمره. ومن يفعل الشر لا يعدم اللوائم على ~~فعله. وقيل: أراد الشاعر بالخير المال. وبالغي الفقر أي ومن يفتقر. ومنه ~~القائل: # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي. ولأم المخطئ الهبل # أي الثكل. ويجوز أن يكون المعنى جزاء غي. كقوله تعالى: يلق أثاما ~~[الفرقان: 68] ، أي شرا وعقابا. فأطلق عليه كما أطلق الغي على مجازاته ~~المسببة # PageV07P105 # عنه، مجازا. أو غيا ضلالا عن طريق الجنة. فهو بمعناه المشهور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 60 الى 61] # إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) ~~جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) # إلا من تاب أي عن ترك الصلوات واتباع الشهوات وآمن وعمل صالحا فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب متعلق ~~بمضمر العائد إلى الجنات. أو من (عباده) أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين ~~بالغيب. أي غائبة عنهم غير حاضرة. أو غائبين عنها لا يرونها، وإنما آمنوا ~~بها بمجرد الأخبار. أو بمضمر هو سبب للوعد أي وعدها إياهم بسبب إيمانهم، ~~أفاده أبو السعود إنه كان وعده مأتيا أي لا يخلفه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 62 الى 63] # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما أي لا يسمعون فيها ms3221 فضول كلام لا طائل ~~تحته. وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن أهلها. قال الزمخشري رحمه الله: فيه ~~تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه. حيث نزه الله عنه الدار التي لا ~~تكليف فيها. وما أحسن قوله سبحانه: وإذا مروا باللغو مروا كراما [الفرقان: ~~72] ، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين [القصص: 55] ، نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض ~~فيما لا يعنينا. # ومعنى إلا سلاما أي تسليما. تسليم الملائكة عليهم، أو بعضهم على بعض، على ~~الاستثناء المنقطع كما قال: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما ~~سلاما [الواقعة: 25- 26] ، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث ~~من عبادنا من كان تقيا وهم المتصفون بشعب الإيمان، المسرودة في مواضع شتى ~~من آي القرآن. ولما قص سبحانه من أنباء الأنبياء عليهم السلام ما قص، مثبتا ~~له، وعقبه بما أحدثه الخلف، وذكر جزاءهم- عقبه بحكاية نزول جبريل عليه # PageV07P106 # السلام، ردا لما زعمه المشركون من أنه كان يقلوه فلا يزوره، تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم، وإعلاما بأن الحال ليس على ما زعمه هؤلاء الخلف. فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 64] # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا (64) # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا أي ينسى شيئا ما، بل لا يفيض علما ولا ينزل ملكا إلا لحكمة يستعد ~~لها الحال، أي فليس عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن لتركه تعالى لك ~~وتوديعه إياك. وفي إعادة اسم (الرب) المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق، ~~مضافا إلى ضميره عليه السلام، من تشريفه والإشعار بعلة الحكم، ما لا يخفى. ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 65] # رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ~~(65) # رب السماوات والأرض وما بينهما أي من ms3222 التوابع والنجيمات والسحب وغير ذلك. # قال بعض علماء الفلك: الآية تدل على أن السموات أكثر من سبع. وأن ذكر ~~السبع ليس للحصر كما قدمناه في البقرة، من أن السموات عني بها الكواكب، ~~والأرض كوكب منها. قال أبو السعود: الآية بيان لاستحالة النسيان عليه ~~تعالى. فإن من بيده ملكوت السموات والأرض وما بينهما، كيف يتصور أن يحوم ~~حول ساحة سبحاته الغفلة والنسيان. وهو خبر محذوف. أو بدل من (ربك) . فاعبده ~~واصطبر لعبادته أي اثبت لها على الدوام. وقوله هل تعلم له سميا أي مثلا ~~وكفؤا، فتلتفت إليه وتقبل بوجهك نحوه، فيفيض عليك مطلوبك. والجملة تقرير ~~لوجوب عبادته وحده. أي إذا صح أن لا مثل له، ولا يستحق العبادة غيره، لم ~~يكن بد من التسليم لأمره، والقيام بعبادته، والاصطبار على مشاقها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 66] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أي يقول بطريق الإنكار ~~والاستبعاد: أأخرج حيا بعد ما لبثت في القبر مدة. # PageV07P107 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 67] # أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) # أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا أي قبل جعله ترابا ~~ونطفة. # وكان عدما صرفا لا وجود له في الأعيان. فلا تبعد إعادته. # قال أبو السعود: وفي الإظهار موضع الإضمار، زيادة التقرير بأن الإنسانية ~~من دواعي التفكر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المنحية بالقلع عن القول ~~المذكور. # وهو السر في إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان. أي ما أعجب ~~الإنسان في إنكاره وعدم تذكره لما ذكر، وهو الذي أعطى العقل لينظر في ~~العواقب، وأنعم عليه بخلق السموات والأرض وما بينهما، ليعرف المنعم فيشكره، ~~ويعبده فيجازى على فعله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 68] # فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) # فو ربك لنحشرنهم والشياطين أي لنحشرن المنكرين للبعث مع الشياطين الذين ~~أغووهم وأضلوهم عن الحق ms3223 ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا جمع (جاث) . # من (جثا) إذا قعد على ركبتيه. وذلك لهول المطلع. فلا يستطيعون قياما. ~~كقوله تعالى وترى كل أمة جاثية [الجاثية: 28] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 69] # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا أي لنخرجن إلى النار، من ~~كل فرقة، الذي هو أشد على الرحمن، الذي رحمه بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ~~وتعريف مضار الشهوات بالعقل والنقل، عتيا أي جراءة بإيثار الشهوات على أمره ~~وعدم مبالاته به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 70] # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وهم المنتزعون. فإنهم أولى الشيع. # PageV07P108 # إذ ضلوا وأضلوا، لأجل لذات الدنيا وشهواتها. فصاروا أولى بالصلي بها. ~~فيخصون بعذاب مضاعف. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 71] # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) # وإن منكم إلا واردها أي ليس أحد منكم، من بر وفاجر، إلا وهو يردها. # كان على ربك حتما مقضيا أي حكما جزما مقطوعا به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 72] # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) # ثم أي بعد الورود والإحضار للتعريف ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا أي لا يمكنهم التجاوز عنها. # قال الزمخشري: فيه دليل على أن المراد بالورود، الجثو حواليها. وأن ~~المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة، بعد تجاثيهم. وتبقى الكفرة في مكانهم ~~جاثين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 73] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما أي موضعا ومكانا وأحسن نديا أي مجتمعا للقوم، والمعنى أن هؤلاء ~~الكفرة إذا تليت عليهم آياته تعالى بينة الحجة واضحة البرهان على مقاصدها، ~~أعرضوا وأخذوا يحتجون على فضل ما هم عليه بكونهم أوفر ms3224 حظا من الدنيا، ~~لكونهم أحسن منازل وأرفع دورا وأعمر ناديا وأكثر طارقا وواردا، أي فكيف ~~نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون في دار الأرقم بن ~~أبي الأرقم على الحق؟ كما قال تعالى مخبرا عنهم: وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] ، وقال قوم نوح أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون [الشعراء: 111] ، وقال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين. ~~[الأنعام: 53] . # PageV07P109 # وكذلك رد عليهم شبهتهم بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 74] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا أي متاعا ورءيا أي منظرا وهيئة، ~~من عظم الجاه، فما أغنى عنهم من عذاب الله شيئا. كما قال تعالى عن قوم ~~فرعون المغرقين كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم [الدخان: ### | 25- 26 # ] ، ورءيا فعل بمعنى مفعول كالطحن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 75] # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا أي من كان مغمورا بالجهل ~~والغفلة عن عواقب الأمور. وهم المذكورون قبل، ومن شاكلهم، فليمدد له الرحمن ~~أي يمد له ويمهله بطول العمر وإعطاء المال. وإخراجه على صيغة الأمر للإيذان ~~بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة، لقطع المعاذير. كما ينبئ عنه قوله ~~تعالى: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [فاطر: 37] ، أو للاستدراج كما ~~ينطق به قوله تعالى: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما [آل عمران: # 178] ، وقيل المراد به الدعاء بالمد والتنفيس والإمهال. أي فأمهله الله ~~فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله، إما بعذاب يصيبه، وإما الساعة بغتة. ~~وقد بين سبحانه غاية المد بقوله: # حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا ~~وأضعف ms3225 جندا أي فئة وأنصارا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 76] # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا (76) # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والباقيات الصالحات أي الأعمال التي تبقى # PageV07P110 # فوائدها خير عند ربك ثوابا وخير مردا أي مرجعا. وتكرير (الخير) لمزيد ~~الاعتناء ببيانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 77] # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين أي في الآخرة مالا وولدا أي انظر ~~إلى هذا القائل المجترئ على الغيب، ما أكفره! ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 78] # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا أي بذلك، لأنه لا يتوصل إلى العلم به ~~إلا بأحد هذين الطريقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 79 الى 80] # كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا ~~فردا (80) # كلا سنكتب ما يقول أي نحفظه عليه للمؤاخذة به ونمد له من العذاب مدا ~~بمضاعفته له، جزاء لاستهزائه ونرثه ما يقول أي ننزع عنه ما آتيناه من مال ~~وولد، فلا يبقيان له حتى يمكنها قطع العذاب عنه ويأتينا فردا أي في الحشر، ~~لا يصحبه مال ولا ولد. فما يجدي عليه تمنيه وتأليه. # وقد روى البخاري «1» : عن خباب رضي الله عنه، قال: كنت قينا- حدادا- في ~~الجاهلية بمكة. فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى ~~تكفر بمحمد. قلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال. فذرني حتى أموت، ثم ~~أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك. فنزلت الآية. قال ابن عباس: # فضرب الله مثله في القرآن. PageV07P111 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 81] # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا أي ليتعززوا بهم، بأن يكونوا ~~لهم وصلة إليه عز وجل، وشفعاء عنده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 82] # كلا سيكفرون ms3226 بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) # كلا أي ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا سيكفرون بعبادتهم أي ~~ستجحد الآلهة استحقاقهم للعبادة ويكونون عليهم ضدا أي يريدون إهلاكهم، إذ ~~أوقعوهم في هلاك دعوى الشرك، كما قال تعالى ومن أضل ممن يدعوا من دون الله ~~من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس ~~كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين [الأحقاف: 5- 6] . وقال تعالى: ~~وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك، فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون [النحل: 86] ، قيل: المراد ~~بالآلهة من عبد من ذوي العلم. لإطلاق ضمير العقلاء عليهم ونطقهم. وقيل: ~~الأصنام. بأن يخلق الله فيهم قوة النطق، فيطلق عليهم ما يطلق على العقلاء. ~~وقيل: الأعم منهما، وهو الأظهر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 83] # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين أي بأن سلطناهم عليهم ومكناهم ~~من إضلالهم. أو قيضناهم لهم يغلبون عليهم تؤزهم أزا أي تغريهم وتهيجهم على ~~المعاصي، بالتسويلات وتحبيب الشهوات، تهيجا شديدا. # قال الزمخشري: الأز والهز والاستفزاز أخوات. ومعناها التهييج وشدة ~~الإزعاج والمراد تعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الآيات التي ذكر ~~فيها العتاة والمردة من الكفار، وأقاويلهم وملاحاتهم ومعاندتهم للرسل، ~~واستهزاؤهم واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشك عنه، وانهماكهم ~~لذلك في اتباع الشياطين وما تسول لهم. # فهذه الآية كالتذييل لما قبلها وقوله تعالى: # PageV07P112 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 84] # فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) # فلا تعجل عليهم أي بوقوع العذاب بهم لتطهر الأرض منهم. و (الفاء) للإشعار ~~بكون ما قبلها مظنة لوقوع المنهي عنه، محوجة إلى النهي. يقال: عجلت عليه ~~بكذا إذا استعجلته منه. وقوله تعالى: إنما نعد لهم عدا تعليل لموجب النهي، ~~ببيان اقتراب هلاكهم. أي إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، ونحوه قوله تعالى: ~~ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة ms3227 من نهار ~~[الأحقاف: 35] . # قال الشهاب: العد كناية عن القلة. وقلته لتقضيه وفنائه، كما قال المأمون ~~(ما كان ذا عدد، ليس له مدد، فما أسرع ما نفد) ولا ينافي هذا ما مر من أنه ~~يمد لمن كان في الضلالة. أي يطول. لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم. وهو ~~قليل باعتبار عاقبته وعند الله. ولله در القائل: # إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا حرس # وكيف يفرح بالدنيا ولذتها ... فتى يعد عليه اللفظ والنفس ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 85] # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي وافدين عليه. وأصل الوفود القدوم ~~على العظماء للعطايا والاسترفاد. ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم، المزور ~~والزائر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 86] # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا أي عطاشا. وفي ذكرهم بالسوق إشعار بإهانتهم ~~واستخفافهم. كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. والورد: الذهاب إلى الماء، ~~ويطلق على الذاهبين إليه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 87] # لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) # لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا الضمير لأصنامهم المتقدم # PageV07P113 # ذكرها في قوله: واتخذوا من دون الله آلهة [مريم: 81] ، رد على عابديهم في ~~دعواهم أنهم شفعاؤهم عند الله. واتخاذ العهد هو الإيمان والعمل الصالح. أي ~~لكن من آمن وعمل صالحا فإنه يشفع للعصاة على ما وعد الله تعالى. وجوز أن ~~يكون (العهد) بمعنى الإذن والأمر. يقال: أخذت الإذن في كذا واتخذته بمعنى. ~~من باب (عهد الأمير إلى فلان بكذا) إذا أمره به. أي لا يشفع إلا المأمور ~~بالشفاعة، المأذون له فيها. وتعضده مواضع في التنزيل وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~[النجم: 26] ، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [سبأ: 23] ، يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا [طه: 109] ، ونحو هذه ms3228 ~~الآية قوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون [الزخرف: 86] ، ولما قرر تعالى في هذه السورة عبودية عيسى عليه ~~السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، عطف عليه حكاية جنايتهم من دعوى النبوة ~~له، مهولا لأمرها. وكذا جناية أمثالهم من اليهود والعرب ممن يسمي بعض ~~المخلوقات ابنا أو بنتا له، تعالى وتقدس- عطف قصته على قصته بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 88 الى # 89] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا أي عظيما منكرا. وفي رد ~~مقالتهم وتهويل أمرها بطريق الالتفات، إشعار بشدة الغضب المفصح عن غاية ~~التشنيع، والتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجراءة والجهل. ثم وصف شدة شأن ~~مقولهم بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 90 الى 93] # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا ~~للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) # تكاد السماوات يتفطرن منه أي يتشققن وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن أي ~~لأن دعوا للرحمن ولدا وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ~~ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما # PageV07P114 # تكون من الحي الذي له مزاج. وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال ~~وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك، كما قال: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن ~~كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا أي مملوكا له يأوي إليه ~~بالعبودية والذل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : الآيات 94 الى 95] # لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) # لقد أحصاهم وعدهم عدا أي حصرهم وأحاط بهم إحاطة لا يخرج بها أحد عن حيطة ~~علمه وقبضة قدرته وكلهم آتيه يوم القيامة فردا أي منفردا مجردا من الأتباع ~~والأنصار، وعمن زعم أن له من الشفعاء. فإنهم منهم برآء. ms3229 ولما فصل مساوئ ~~الكفرة، تأثره بمحاسن البررة، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية # 96] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي يغرس لهم في ~~قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، من غير تعرض للأسباب التي تكسب الود. كذا ~~قالوا في تأويله. وقال أبو مسلم: معناه أنه يهب لهم ما يحبون. قال: والود ~~والمحبة سواء. آتيت فلانا محبته. وجعل لهم ما يحبون وجعلت له وده. ومن ~~كلامهم: # وددت لو كان كذا. أي أحببت. فمعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في ~~الجنة. ثم قال أبو مسلم: وهذا القول الثاني أولى لوجوه: أحدها- كيف يصح ~~القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من ~~المسلمين؟ # وثانيها- أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله ~~إنعاما في حق المؤمنين؟ وثالثها- أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم. فكان حمل ~~الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. انتهى. وقد حاول الرازي التمويه في ~~اختيار الأول والجواب عن الثاني. والحق أحق. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 97] # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) # فإنما يسرناه بلسانك أي سهلنا هذا القرآن بلغتك لتبشر به المتقين أي ~~الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، بالجنة وتنذر به قوما ~~لدا # PageV07P115 # أي تخوف بهذا القرآن عذاب الله قومك من بني قريش. فإنهم أهل لدد وجدل ~~بالباطل، لا يقبلون الحق (واللدد) شدة الخصومة. والباء في قوله بلسانك ~~بمعنى (على) . أي على لغتك. أو ضمن (التيسير) معنى (الإنزال) أي يسرنا ~~القرآن، منزلين له بلغتك، ليسهل تبليغه وفهمه وحفظه. # قال الزمخشري: هذه خاتمة السورة ومقطعها. فكأنه قال: بلغ هذا المنزل، أو ~~بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه إلخ، أي فالفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم ~~الكريم. # وقال الرازي: بين به بهذا، عظيم موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد ~~والنبوة، والحشر والنشر، والرد على فرق المضلين المبطلين. ms3230 وأنه يسر ذلك ~~لتبشير المتقين وإنذار من خالفهم، وقد ذكرهم بأبلغ وصف سيء وهو اللدد. لأن ~~الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه. # ثم إنه تعالى ختم هذه السورة بموعظة بليغة، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة مريم (19) : آية 98] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # وكم أهلكنا قبلهم من قرن أي قوم لد، مثل هؤلاء، إهلاكا عظيما هل تحس منهم ~~من أحد أي تشعر به وتراه أو تسمع لهم ركزا أي صوتا خفيا. # والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم دورهم وأوحشت منهم منازلهم. وكذلك ~~هؤلاء صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يتداركوا بالتوبة. # PageV07P116 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة طه # وهي مكية. وقيل: إلا قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون [طه: 130] الآية. ~~وقوله: ولا تمدن عينيك [طه: 131] الآية، وآياتها مائة وخمس وثلاثون. # PageV07P117 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) # طه قدمنا أن الحق في هذه الحروف التي افتتحت بها سورها، أنها أسماء لها. ~~وفيه إشارة إلى أنها مؤلفة منها. ومع ذلك ففي عجزهم عن محاكاتها أبلغ آية ~~على صدقها. ونبه الإمام ابن القيم رحمه الله على نكتة أخرى في (الكافية ~~الشافية) بقوله: # وانظر إلى السور التي افتتحت بأح ... رفها ترى سرا عظيم الشان # لم يأت قط بسورة إلا أتى ... في إثرها خبر عن القرآن # إذ كان إخبارا به عنها. وفي ... هذا الشفاء لطالب الإيمان # ويدل أن كلامه هو نفسها ... لا غيرها، والحق ذو تبيان # فانظر إلى مبدأ الكتاب وبعدها ال ... أعراف ثم كذا إلى لقمان # مع تلوها أيضا ومع حم مع ... يس وافهم مقتضى الفرقان # ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى أي لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، ~~وتحسرك على أن يؤمنوا و (الشقاء) في معنى التعب. ومنه المثل: أشقى من رائض ~~مهر. # وقوله تعالى: إلا تذكرة لمن يخشى أي تذكيرا له. أي ms3231 ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتتعب بتبليغه، ولكن تذكرة لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار. # والقصد أنه ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا ~~محالة. وقد جرت السنة الإلهية في خطاب الرسول في مواضع من التنزيل، أن ~~ينهاه عن الحزن عليهم وضيق الصدر بهم، كقوله تعالى: فلا يكن في صدرك حرج ~~[الأعراف: 2] ، فلعلك باخع نفسك على آثارهم [الكهف: 6] ، ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر [آل عمران: 176] ، وهذه الآية من هذا الباب أيضا. # PageV07P118 # وفي ذلك كله من تكريم الرسول صلوات الله عليه، وحسن العناية به والرأفة، ~~ما لا يخفى. ثم أشار إلى تضخيم شأن هذا المنزل الكريم، لنسبته إلى المتفرد ~~بصفاته وأفعاله، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 4 الى 5] # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن قرئ بالرفع على المدح. أي ~~هو الرحمن. وبالجر على أنه صفة للموصول. وقوله على العرش استوى أي علا ~~وارتفع. قاله ابن جرير. وقد ذهب الخلف إلى جعل ذلك مجازا عن الملك ~~والسلطان. # كقولهم (استوى فلان على سرير الملك) وإن لم يقعد على السرير أصلا. # وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا. # قال ابن كثير: والمسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، من إمرار ما جاء في ~~ذلك من الكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا ~~تمثيل. # وقد أسلفنا ما حققته أئمة الفلك الحديث من أن العرش جرم حقيقي موجود. # وأنه مركز العوالم كلها. أي مركز الجذب والتدبير والتأثير والنظام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 6] # له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) # له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. # بيان لشمول قهره وملكته للكل. أي كلها تحت ملكته وقهره وسلطنته وتأثيره. ~~لا توجد ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتغير ولا تثبت إلا بأمره. ms3232 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 7] # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى. # بيان لكمال لطفه. أي علمه نافذ في الكل. يعلم ظواهرها وبواطنها والسر وسر ~~السر. فكذلك إن تجهر وإن تخفت، فيعلمه بجهر وخفت. # PageV07P119 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 8] # الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # الله أي ذلك المنزل الموصوف بهذه الصفات هو الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى أي الفضلى، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم ~~والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 9 الى # 10] # وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) # وهل أتاك حديث موسى من عطف القصة أو استئناف. والقصد تقرير أمر التوحيد ~~الذي انتهى إليه الآية قبله، ببيان أنه دعوى كل نبي لا سيما أشهرهم نبأ، ~~وهو موسى عليه السلام. فقد خوطب بقوله تعالى: إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~[طه: 14] وبه ختم تعالى نبأه في هذه السورة بقوله: إنما إلهكم الله الذي لا ~~إله إلا هو [طه: 98] ، أو تقرير لسعة علمه المبين في قوله تعالى: وإن تجهر ~~بالقول [طه: 98] ، أو تقرير لسعة علمه المبين في قوله تعالى: وإن تجهر ~~بالقول [طه: 7] إلخ لقوله بعد وسع كل شيء علما [طه: 98] ، أو لهما معا. # أو لحمله، صلوات الله عليه، على التأسي بموسى في الصبر والثبات. لكونه ~~ابتلي بأعظم من هذا فصبر، وكانت العاقبة له. وقد أشير في طليعة نبأ موسى ~~عليه السلام، إلى كيفية ابتداء الوحي إليه، وتكليمه تعالى إياه. وذلك بعد ~~أن قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم. وصار بأهله ~~قاصدا بلاد مصر، بعد ما طالت غيبته عنها ومعه زوجته. فأضل الطريق. وكانت ~~ليلة شاتية، ونزل منزلا بين شعاب وجبال في برد وشتاء. وبينما هو كذلك إذ ms3233 ~~آنس من جانب الطور نارا، كما قصه تعالى بقوله: إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا أي أبصرتها إبصارا بينا لا شبهة فيه لعلي آتيكم منها ~~بقبس أي بشعلة مقتبسة تصطلون بها: أو أجد على النار هدى أي هاديا يدلني على ~~الطريق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 11 الى 12] # فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى (12) # فلما أتاها أي النار نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد # PageV07P120 # المقدس طوى # أي فيجب فيه رعاية الأدب، بتعظيمه واحترامه لتجلي الحق فيه، كما يراعى ~~أدب القيام عند الملوك (وطوى) اسم للوادي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 13 الى 15] # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(15) # وأنا اخترتك أي اصطفيتك للنبوة فاستمع لما يوحى أي للذي يوحي. # أو للوحي. ثم بينه بقوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أي خصني ~~بالعبادة وأقم الصلاة لذكري أي لتذكرني فيها بقلبك ولسانك وسائر جوارحك، ~~بأن تجعل حركاتها دالة على ما في القلب واللسان. قال أبو السعود: خصت ~~الصلاة بالذكر وأفردت بالأمر بالعبادة، لفضلها وإنافتها على سائر العبادات، ~~بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وذلك قوله تعالى ~~لذكري أي لتذكرني. فإن ذكري كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة ~~والصلاة. أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار. أو لذكري خاصة لا تشوبه ~~بذكر غيري. أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي. لا ترائي بها، ولا تقصد بها غرضا ~~آخر. أو لتكون ذاكرا لي، غير ناس. انتهى. # ثم أشار إلى وجوب إفراده بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره، بقوله إن الساعة ~~آتية أي واقعة لا محالة أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى أي بسعيها عن ~~اختيار منها. واللام متعلقة ب (آتية) . ولما كان خفاء الساعة من اليقينيات ~~وفي (كاد) ms3234 معنى القرب من ذلك، لعدم وضعها للجزم بالفعل، تأولوا الآية على ~~وجوه: # أحدها- أن (كاد) منه تعالى واجب. والمعنى أنا أخفيها عن الخلق. كقوله عسى ~~أن يكون قريبا [الإسراء: 51] ، أي هو قريب. # ثانيها- قال أبو مسلم: (أكاد) بمعنى أريد كقوله: كذلك كدنا ليوسف [يوسف: ~~76] . # ومن أمثالهم المتداولة (لا أفعل ذلك ولا أكاد) أي ولا أريد أن أفعله. قال ~~الشهاب: تفسير (أكاد) ب (أريد) هو أحد معانيها. كما نقله ابن جني في ~~(المحتسب) عن الأخفش. واستدلوا عليه بقوله. # كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصبابة ما مضى # PageV07P121 # بمعنى أرادت. لقوله (تلك خير إرادة) . # ثالثها- أن (أكاد) صلة في الكلام. قال زيد الخيل. # سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكاد قرنه يتنفس # رابعها- أن المعنى أكاد أخفيها فلا أذكرها إجمالا ولا أقول هي آتية. وذلك ~~لفرط إرادته تعالى إخفاءها. إلا أن في إجمال ذكرها حكمة، وهي اللطف ~~بالمؤمنين، لحثهم على الأعمال الصالحة، وقطع أعذار غيرهم حتى لا يعتذروا ~~بعدم العلم. وثمة وجوه أخر لا تخلو من تكلف، وإن اتسع اللفظ لها. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 16] # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) # فلا يصدنك عنها أي عن تصديق الساعة من لا يؤمن بها واتبع هواه أي ما ~~تهواه نفسه من الشهوات وترك النظر والاستدلال. فتردى أي فتهلك. # قال الزمخشري: يعني أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير. إذ لا شيء أطم ~~على الكفرة، ولا هم أشد له نكيرا من البعث. فلا يهولنك وفور دهمائهم، ولا ~~عظم سوادهم. ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك. واعلم أنهم، وإن كثروا تلك الكثرة، ~~فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه. لا البرهان وتدابره. وفي هذا حث ~~عظيم على العلم بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى ~~مع التقليد وأهله. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 17 الى # 18] # وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على ms3235 غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى (18) # وما تلك بيمينك يا موسى شروع فيما سيؤتيه تعالى من البرهان الباهر. وفي ~~الاستفهام إيقاظ له وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب الصنع قال هي عصاي ~~أتوكؤا عليها أي أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة ~~وأهش بها على غنمي أي أخبط بها الورق وأسقطه عليها لتأكله ولي فيها مآرب ~~أخرى أي حاجات أخر. # PageV07P122 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 19 الى # 21] # قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) # قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها ~~سيرتها الأولى أي هيئتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تنتفع من قبل. أي ليس ~~القصد تخويفك، بل إظهار ما فيها من استعداد قبول الحياة، ومشاهدة معجزة ~~وبرهان لك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 22 الى 23] # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) # واضمم يدك إلى جناحك أي إبطك تخرج بيضاء أي نيرة من غير سوء أي قبيح وعيب ~~كبياض البرص مما ينفر عنه. واعتمد الزمخشري أن قوله تعالى من غير سوء كناية ~~عن البرص. كما كني عن العورة بالسوأة، قال: والبرص أبغض شيء إلى العرب، ~~وبهم عنه نفرة عظيمة. وأسماعهم لاسمه مجاجة. فكان جديرا بأن يكنى عنه. ولا ~~ترى أحسن ولا ألطف ولا أحر للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه. انتهى. آية ~~أخرى أي معجزة أخرى غير العصا لنريك من آياتنا الكبرى متعلق بمضمر ينساق ~~إليه النظم الكريم. أي أريناك ما أريناك الآن، مع أن حقهما أن يظهرا بعد ~~التحدي والمناظرة، لنريك أولا بعض آياتنا الكبرى، فيقوى قلبك على مناظرة ~~الطغاة. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 24] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) # اذهب إلى فرعون تخلص إلى ما هو المقصود من تمهيد المقدمات السالفة. فصل ~~عما قبله من الأوامر إيذانا بأصالته. ms3236 أي اذهب إليه بما رأيته من الآيات ~~الكبرى، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي. أفاده أبو السعود. # وقوله تعالى: إنه طغى أي جاوز الحد في التكبر والعتو، حتى تجاسر على # PageV07P123 # العظيمة التي هي دعوى الربوبية. فلا بد من تنبيهه على طغيانه بالدلائل ~~العقلية، التي صدقتها المعجزات. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 25 الى # 28] # قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) # قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي إنما ~~سأل ذلك، لما كان يتخوفه من آل فرعون في القتيل. ولما بعث به من صدع جبار ~~عنيد، أطغى الملوك وأبلغهم تمردا وكفرا، مما يحوج إلى عناية ربانية. وسأل ~~أن يمد بمنطق فصيح، لما في لسانه من عقدة كانت تمنعه من كثير من الكلام كما ~~قال وأخي هارون هو أفصح مني لسانا [القصص: 34] ، وقول فرعون ولا يكاد يبين ~~[الزخرف: 52] ، ثم سأل عليه السلام ربه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له ~~ردءا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 29 الى 31] # واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري أي قو به ظهري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 32 الى 35] # وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا ~~بصيرا (35) # وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا أي كي نتعاون على تسبيحك ~~وذكرك. لأن التعاون- لأنه مهيج الرغبات- يتزايد به الخير ويتكاثر إنك كنت ~~بنا بصيرا أي عالما بأحوالنا، وبأن المدعو به مما يفيدنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 36 الى 37] # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى أي أجيب دعاؤك. وقوله تعالى ولقد مننا عليك ~~مرة أخرى كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله، وزيادة توطين نفس موسى ms3237 عليه ~~السلام بالقبول، ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعم التامة من غير ~~سابقة # PageV07P124 # دعاء منه وطلب، فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع، أولى وأحرى. ~~وتصديره بالقسم، لكمال الاعتناء بذلك. أفاده أبو السعود. # وقوله تعالى: مرة أخرى أي في وقت آخر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 38 الى # 39] # إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني (39) # إذ أوحينا أي ألقينا بطريق الإلهام إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت ~~أي الصندوق فاقذفيه في اليم أي البحر، متوكلة على خالقه فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي لدعواه الألوهية وعدو له لدعوته إلى نبذ ما يدعيه. # قال الزمخشري: لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته- أن لا تخطئ جرية اليم، ~~الوصول به إلى الساحل، وإلقاءه إليه- سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم ~~كأنه ذو تمييز أمر بذلك، ليطيع الأمر ويمتثل رسمه. فقيل: فليلقه اليم ~~بالساحل أي على سبيل الاستعارة بالكناية. بتشبيه اليم بمأمور منقاد. وإثبات ~~الأمر تخييل، وقوله تعالى: # وألقيت عليك محبة مني أي: واقعة مني، زرعتها في قلب من يراك. ولذلك أحبك ~~فرعون ولتصنع على عيني أي ولتربى بيد العدو على نظري بالحفظ والعناية. # ف (على عيني) استعارة تمثيلية للحفظ والصون، لأن المصون يجعل بمرأى. قيل: # و (على) بمعنى الباء لأنه بمعنى بمرأى مني، في الأصل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 40] # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله أي يضمن حضانته ورضاعته. # فقبلوا قولها. وذلك لأنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع ~~فأباها كما قال تعالى: وحرمنا عليه المراضع [القصص: 12] ، فجاءت أخته فقالت ms3238 ~~هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون [القصص: 12] ، # PageV07P125 # فجاءت بأمه كما قال فرجعناك إلى أمك أي مع كونك بيد العدو كي تقر عينها ~~أي برؤيتك ولا تحزن أي بفراقك. فهذه منن زائدة على النجاة من القتل. # ثم أشار إلى ما من عليه بالنجاة من القتل الذي لا يدفع بتلبيس، بقوله ~~وقتلت نفسا أي من آل فرعون، وهو القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، إذ ~~وكزه موسى فقضى عليه. أي: فاغتممت للقصاص فنجيناك من الغم أي غم القتل بأن ~~صرفنا عنك ما تخشاه. وذلك أنه عليه السلام فر من آل فرعون حتى ورد ماء ~~مدين. وقال له ذلك الرجل الصالح لا تخف نجوت من القوم الظالمين [القصص: 25] ~~، وفتناك فتونا أي ابتليناك ابتلاء. على أن (الفتون) مصدر كالشكور، أو ~~ضروبا من الفتن على أنه جمع (فتنة) أي فجعلنا لك فرجا ومخرجا منها. وهو ~~إجمال لما سبق ذكره. # فلبثت سنين في أهل مدين أي معزز الجانب مكفي المؤونة في عشرة أتقى رجل ~~منهم وأصلحهم، وهو نبيهم عليه السلام ثم جئت على قدر يا موسى أي بعد أن ~~قضيت الأجل المضروب بينك وبين شعيب من الإجارة، جئت بأهلك على وفق ما سبق ~~في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك في وقت يعينه قد وقته لذلك. فما جئت إلا ~~على ذلك القدر، غير مستقدم ولا مستأخر. فالأمر له تعالى. وهو المسير عباده ~~وخلقه فيما يشاء. # قال أبو السعود: وقوله تعالى يا موسى تشريف له عليه الصلاة والسلام، ~~وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة ~~المحكية أولا. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 41 الى # 42] # واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) # واصطنعتك لنفسي تذكير لقوله تعالى: وأنا اخترتك وتمهيد لإرساله عليه ~~السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه و (الاصطناع) افتعال من (الصنع) بمعنى ~~الصنيعة. يقال: اصطنع الأمير فلانا لنفسه، أي جعله محلا لإكرامه باختياره ~~وتقريبه منه، بجعله من خواص نفسه وندمائه، ms3239 فاستعير استعارة تمثيلية من ذلك ~~المعنى المشبه به إلى المشبه. وهو جعله نبيا مكرما كليما منعما عليه بجلائل ~~النعم. قال أبو السعود: والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: ~~وفتناك ونظيريه السابقين، تمهيد لإفراد لفظ (النفس) اللائق بالمقام، فإنه ~~أدخل في تحقيق معنى # PageV07P126 # (الاصطناع) و (الاستخلاص) . ثم بين ما هو المقصود ب (الاصطناع) بقوله ~~سبحانه اذهب أنت وأخوك بآياتي أي بمعجزاتي. كالعصا وبياض اليد وحل العقدة، ~~مع ما استظهره على يده ولا تنيا في ذكري أي لا تفترا ولا تقصرا في ذكري بما ~~يليق بي من النعوت الجليلة، عند تبليغ رسالتي والدعاء إلي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 43 الى 44] # اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44) # اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى أي ~~عقابي. # فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. وقد بين ~~ذلك في قوله تعالى: فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: ### | 18- 19 # ] ، وبمثل ذلك أمر نبينا صلوات الله عليه في قوله: ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ، وظاهر أن ~~الرجاء في (لعله) إنما هو منهما، لا من الله. فإنه لا يصح منه. ولذا قال ~~القاضي: أي باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما. فإن ~~الراجي، مجتهد والآيس متكلف. والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في ~~الاجتهاد- مع علمه بأنه لا يؤمن- إلزام الحجة، وقطع المعذرة، وإظهار ما حدث ~~في تضاعيف ذلك من الآيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 45 الى 46] # قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى (46) # قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أي يبادرنا بالعقوبة أو أن يطغى أي ~~يزداد طغيانا بالعناد، في دفع حججنا، ثم يأمر بقتلنا، أو بالتخطي إلى أن ~~يقول في شأنك ما لا ينبغي، لجرأته وقسوة ms3240 قلبه. واقتصر على الثاني الزمخشري. ~~وأفاد أن في المجيء به هكذا على الإطلاق، وعلى سبيل الرمز، بابا من حسن ~~الأدب، وتحاشيا عن التفوه بالعظيمة: قال لا تخافا أي من فرطه وطغيانه إنني ~~معكما أي بالحفظ والنصرة أسمع وأرى أي ما يجري بينكما وبينه. فأرعاكما ~~بالحفظ. # فالمفعول محذوف للقرينة، أو نزل منزلة اللازم تتميما لما يستقبل به ~~الحفظ. كأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر، سامع وبصير. وإذا كان الحافظ كذلك، ~~تم الحفظ والتأييد، وذهبت المبالاة بالعدو. # PageV07P127 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 47] # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك ~~بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل أي بإطلاقهم من الأسر ~~والعبودية. وتسريحهم معنا إلى وطننا فلسطين ولا تعذبهم أي بإبقائهم على ما ~~هم عليه من التسخير والتذليل في الأمور الشاقة قد جئناك بآية من ربك أي ~~تحقق رسالتي إليك منه تعالى بذلك والسلام على من اتبع الهدى أي فصدق بآيات ~~الله المبينة للحق. وفيه من ترغيبه في اتباعهما، على ألطف وجه، ما لا يخفى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 48] # إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) # إنا قد أوحي إلينا أي من ربنا أن العذاب على من كذب أي بآياته تعالى ~~وتولى أي أعرض عنها. وفيه من التلطيف في الوعيد، حيث لم يصرح بحلول العذاب ~~به، ما لا مزيد عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 49 الى 50] # قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) # قال أي فرعون فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~أي منح كل شيء من الأنفس البشرية، صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة ~~به، فسواه بها وعدله، ثم هداه بأن وهبه العقل الذي يميز بين الخير والشر. # وهذه الآية في معناها كآية ونفس وما سواها فألهمها ms3241 فجورها وتقواها ~~[الشمس: ### | 7- 8 # ] وآية، وهديناه النجدين [البلد: 10] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 51 الى 52] # قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى (52) # قال أي فرعون فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ~~ربي ولا ينسى أي ما حال القرون السالفة وما جرى عليهم؟ وهذا السؤال إما ~~لصرف موسى عليه السلام عما يدعوه إليه أمام ملئه، وإشغاله بما لا يعني ما ~~أرسل به، وإما # PageV07P128 # لتوهم أن الرسول يعلم الغيب، فأراد أن يقف على نبأ ما مضى، ويفتح بابا ~~للتخطئة والتكذيب، بالعناد واللجاج. فأجابه موسى عليه السلام بأن هذا سؤال ~~عن الغيب وقد استأثر الله به. فلا يعلمه إلا هو. وليس من وظيفة الرسالة. ~~وإنما علمها مكتوب في اللوح المحفوظ، محصى غير منسي. ويجوز أن يكون في كتاب ~~تمثيلا لتمكنه وتقريره في علم الله عز وجل، بما استحفظه العالم وقيده ~~بالكتبة. قال في العناية: فيشبه علمه تعالى بها علما ثابتا لا يتغير، بمن ~~علم شيئا وكتبه في جريدته، حتى لا يذهب أصلا، فيكون قوله لا يضل ربي ولا ~~ينسى ترشيحا للتمثيل، واحتراسا أيضا. لأن من يفعل ذلك إنما يفعله لخوف ~~النسيان. والله تعالى منزه عنه. # ف (الكتاب) على هذا بمعناه اللغوي. وهو الدفتر، لا اللوح المحفوظ. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 53] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى (53) # الذي جعل لكم الأرض مهدا أي فراشا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى أي أصنافا من نبات مختلفة الأجناس، في ~~الطعم والرائحة والشكل والنفع. ### | لطيفة: # جعل الزمخشري قوله تعالى: فأخرجنا من باب الالتفات. وناقشه الناصر بأن ~~الالتفات إنما يكون في كلام المتكلم الواحد. يصرف كلامه على وجوه شتى. # وما نحن فيه ليس كذلك. فإن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام قوله ms3242 ~~لفرعون علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ثم قوله: الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا إلى قوله: فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى فإما أن يجعل من قول ~~موسى، فيكون باب قول خواص الملك (أمرنا وعمرنا) وإنما يريدون الملك، وليس ~~هذا بالتفات. وإما أن يكون كلام موسى قد انتهى عند قوله: ولا ينسى ثم ابتدأ ~~الله تعالى وصف ذاته بصفات إنعامه على خلقه، فليس التفاتا أيضا. وإنما هو ~~انتقال من حكاية إلى إنشاء خطاب. وعلى هذا التأويل ينبغي للقارئ أن يقف ~~وقيفة عند قوله ولا ينسى ليستقر بانتهاء الحكاية. ويحتمل وجها آخر وهو أن ~~موسى وصف الله تعالى بهذه الصفات على لفظ الغيبة. فقال الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا # PageV07P129 # وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى # فلما حكاه الله تعالى عنه، أسند الضمير إلى ذاته. لأن الحاكي هو المحكي ~~في كلام موسى. # فمرجع الضميرين واحد. وهذا الوجه وجه حسن رقيق الحاشية. وهذا أقرب الوجوه ~~إلى الالتفات. لكن الزمخشري لم يعنه. والله أعلم. انتهى كلام الناصر. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 54 الى # 55] # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) # كلوا وارعوا أنعامكم حال من ضمير (فأخرجنا) على إرادة القول إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى منها أي من الأرض خلقناكم أي خلقنا أصلكم وهو آدم. # أو خلقنا أبدانكم من النطفة المتولدة عن الأغذية، والمتولدة من الأرض ~~بوسائط وفيها نعيدكم أي بالإماتة إعادة البذر إلى الأرض ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى أي بردهم كما كانوا، أحياء. ثم أشار تعالى إلى عتو فرعون وعناده، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 56 الى 58] # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى (58) # ولقد أريناه آياتنا ms3243 كلها أي من العصا واليد والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم والسنين فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا ~~موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت ~~مكانا سوى أي مستويا واضحا يجمعنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 59 الى 60] # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم ~~أتى (60) # قال موعدكم يوم الزينة وهو يوم مشتهر عندهم باجتماع الناس فيه وأن يحشر ~~الناس ضحى أي ضحوة النهار ليكون الأمر مكشوفا لا سترة فيه فتولى # PageV07P130 # فرعون # أي انصرف عن المجلس فجمع كيده أي ما يكيد به موسى، من السحرة وأدواتهم ثم ~~أتى أي الموعد ومعه ما جمعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 61 الى 63] # قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من ~~افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران ~~يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) # قال لهم موسى أي مقدما لهم النصح والإنذار، لينقطع عذرهم ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم، إيجاد أشياء لا حقائق لها، ~~وأنها مخلوقة وليست مخلوقة. فتكونوا قد كذبتم على الله تعالى: فيسحتكم أي ~~يستأصلكم بعذاب أي هائل لغضبه عليكم وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى قالوا أي بطريق التناجي والإسرار إن هذان لساحران يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى أي بمذهبكم الأفضل. وهو ~~ما كانوا عليه. يعنون أن قصد موسى وهارون هو عزل فرعون عن ملكه، يجعله عبدا ~~لغيره، واستقرارهما في مكانه، وجعل قومهما مكانكم. وإلجائكم إلى مبارحة ~~أرضكم، وإبطال طريقتكم بسحرهما الذي يريدان إعجازكم به. والمثلى تأنيث ~~الأمثل، بمعنى الأفضل. ودعواهم ذلك، لأن كل حزب بما لديهم فرحون. ### | لطيفة: # في قوله تعالى: إن هذان لساحران قراءات: # الأولى- (إن هذين لساحران) بتشديد النون من (إن) و (هذين) بالياء وهي ~~قراءة أبي عمرو، وهي جارية على السنن المشهور ms3244 في عمل (إن) . # الثانية- إن هذان لساحران بتخفيف (إن) وإهمالها عن العمل، كما هو الأكثر ~~فيها إذا خففت. وما بعدها مرفوع بالابتداء والخبر. واللام لام الابتداء ~~فرقا بينها وبين النافية. ويرى الكوفيون أن اللام هذه بمعنى (إلا) و (إن) ~~قبلها نافية، واستدلوا على مجيء اللام للاستثناء بقوله: # أمس أبان ذليلا بعد عزته ... وما أبان لمن أعلاج سودان # والثالثة- إن هذان لساحران بتشديد (إن) و (هذان) بالألف. وخرجت على أوجه: # PageV07P131 # أحدها- موافقة لغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث. وهم بنو ~~الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة وآخرون. قال قائلهم: # تزود منا بين أذناه طعنة وقال آخر: # إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها # ثانيها- إن (إن) بمعنى (نعم) حكاه المبرد. واستدل بقول الراجز: # يا عمر الخير جزيت الجنه ... اكس بنياني وأمهنه # وقل لهن: إن أن إنه ... أقسم بالله لتفعلنه # وقول عبد الله بن قيس الرقيات: # ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه # ورد على المبرد أبو علي الفارسي، بأنه لم يتقدم ما يجاب ب (نعم) وأجاب ~~الشمني، بأن التنازع فيما بينهم، وإسرار النجوى، يتضمن استخبار بعضهم من ~~بعض. فهو جواب للاستخبار الضمني. ولا يخفى بعده. فإن إسرار النجوى فيما ~~بينهم ليس في الاستخبار عن كونهما ساحرين، بل هم جزموا بالسحر فقالوا: # أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك [طه: 57] ، ثم أسروا النجوى فيما يغلبان ~~به موسى. إلا أن يقال: محط الجواب قوله: فأجمعوا كيدكم إلخ، وما قبله ~~توطئة. # وقد رد في (المغني) هذا التخريج بأن مجيء (نعم) شاذ حتى نفاه بعضهم. # ومنعه الدماميني بأن سيبويه والحذاق حكوه عن الفصحاء. وعليه، فاللام في ~~لساحران لام الابتداء، لحقت للخبر. وأبى البصريون دخولها على الخبر. # وزعموا أنها في مثله داخلة على مبتدأ محذوف، أو زائدة، أو دخلت مع (إن) ~~التي بمعنى (نعم) لشبهها بالمؤكدة لفظا. # وأقول: فيه تكلف. والشواهد على اقتران الخبر باللام كثيرة. # وثالثها- أنه لما كان الإعراب لا يظهر في الواحد، وهو (هذا) جعل كذلك في ~~التثنية، ليكون المثنى كالمفرد. لأنه فرع ms3245 عليه. واختار هذا القول الإمام ~~العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، وزعم أن بناء ~~المثنى، إذا كان مفردة مبنيا، أفصح من إعرابه. قال: وقد تفطن لذلك غير واحد ~~من حذاق النحاة. ثم اعترض بأمرين: # PageV07P132 # أحدهما- أن السبعة أجمعوا على الياء في قوله تعالى: إحدى ابنتي هاتين ~~[القصص: 27] ، مع أن هاتين تثنية (هاتا) وهو مبني. # والثاني- أن (الذي) مبني وقد قالوا في تثنيته (اللذين) في الجر والنصب. # وهي لغة القرآن، كقوله تعالى: ربنا أرنا الذين أضلانا [فصلت: 29] ، وأجاب ~~الأول بأنه إنما جاء (هاتين) بالياء على لغة الإعراب لمناسبة (ابنتي) قال: ~~فالإعراب هنا أفصح من البناء، لأجل المناسبة. كما أن البناء في إن هذان ~~لساحران أفصح من الإعراب لمناسبة الألف في (هذان) للألف في (ساحران) . ~~وأجاب عن الثاني بالفرق بين (اللذان) و (هذان) بأن (اللذان) تثنية اسم ~~ثلاثي، فهو شبيه (بالزيدان) و (هذان) تثنية اسم على حرفين. فهو عريق في ~~البناء لشبهه بالحروف. قال رحمه الله: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ (إن ~~هذان) لحن وإن عثمان رضي الله عنه قال (إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب ~~بألسنتها) وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه. # أحدها- إن الصحابة كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرون ~~اللحن في القرآن، مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟. # والثاني- أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا ~~يستقبحون بقاءه في الصحف؟. # والثالث- أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم. لأن المصحف ~~الكريم يقف عليه العربي والعجمي. # والرابع- أنه قد ثبت في الصحيح أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب (التابوت) ~~بالهاء على لغة الأنصار، فمنعوه من ذلك ورفعوه إلى عثمان رضي الله عنهم. ~~فأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش. ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قرأ: عتى حين، على لغة هذيل، أنكر ذلك عليه وقال: أقرئ ~~الناس بلغة قريش. # فإن الله تعالى إنما أنزله بلغتهم، ولم ينزله بلغة هذيل. انتهى كلام تقي ~~الدين ms3246 مخلصا. # هذا حاصل ما في (المغني) و (الشذور) و (حواشيهما) وفي الآية وجوه أخرى ~~استقصتها المطولات. وما ذكرناه أرقها. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 64] # فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) # فأجمعوا كيدكم تصريح بالمطلوب، إثر تمهيد المقدمات. والفاء فصيحة. # PageV07P133 # أي إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين، يريدان بكم ما ذكر من ~~الإخراج، والإذهاب، فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا عليه، بحيث لا يتخلف عنه ~~واحد منكم. أفاده أبو السعود. وقوله تعالى: ثم ائتوا صفا أي مصطفين، ليكون ~~أهيب في صدور الرائين وقد أفلح أي فاز بالإنعامات العظيمة من فرعون وملئه ~~اليوم من استعلى أي علا وغلب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 65 الى 66] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا ~~حبالهم وعصيهم أي التي ألقوها يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى أي حيات تسعى ~~على بطونها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 67 الى 69] # فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما ~~في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) # فأوجس أي أحس في نفسه خيفة موسى وذلك لما جبل عليه الإنسان من النفرة من ~~الحيات. أو خاف من توهم الخلق المعارضة، بأن لهم من حبالهم وعصيهم حيات. ~~كما أن له من عصاه حية قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ~~ما صنعوا أي تلتقطه بفمها إنما صنعوا كيد ساحر في مقابلة آية ربانية ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى أي لا يفوز بمطلوبه، أي مكان جاء لدفع الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 70 الى 71] # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم ms3247 له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) # فألقي السحرة سجدا أي فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا فألقي السحرة ~~سجدا، تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر، وإنما هي آية ربانية قالوا آمنا # PageV07P134 # برب هارون وموسى قال # أي فرعون آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر أي ~~فاتفقتم معه ليكون لكم الملك فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف أي من جانبين ~~متخالفين ولأصلبنكم في جذوع النخل أي التي هي أقوى الأخشاب وأخشنها ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى يعني أنكم إنما آمنتم برب موسى خوفا من شدة عذابه. أو ~~من تخليده في العذاب ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى فإن رب موسى لم يقطع من ~~أحد يده ورجله من خلاف، ولم يصلبه في جذوع النخل، ولم يبقه مصلوبا، قاله ~~المهايمي. وضعفه الزمخشري بأن فرعون يريد نفسه وموسى عليه السلام، بدليل ~~قوله: آمنتم له أي لموسى. واللام مع الإيمان، في كتاب الله، لغير الله ~~تعالى كقوله تعالى: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين وقصده إظهار اقتداره وبطشه، ~~وما ضرى به من تعذيب الناس بأنواع العذاب. وتوضيع موسى عليه السلام ~~واستضعافه مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 72] # قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ~~إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) # قالوا لن نؤثرك أي نختارك بالإيمان والاتباع على ما جاءنا أي من الله على ~~يد موسى من البينات والذي فطرنا أي وعلى الذي خلقنا. واختيار هذا الوصف ~~للإشعار بعلة الحكم. فإن خالقيته تعالى لهم، وكون فرعون من جملة مخلوقاته، ~~مما يوجب عدم إيثارهم له عليه، سبحانه وتعالى. وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون ~~بقوله آمنتم له وقيل هو قسم محذوف الجواب فاقض ما أنت قاض أي اصنع ما أنت ~~صانعه. وهذا جواب عن تهديده بقوله فلأقطعن ms3248 إلخ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ~~أي فيها وهي لا بقاء لها، ولا سلطان لك بعدها. # وإنما البغية الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 73] # إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى (73) # إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى أي ثوابا. # PageV07P135 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 74] # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) # إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها أي فينقضي عذابه ولا يحيى ~~أي حياة طيبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 75] # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى أي المنازل ~~الرفيعة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 76] # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى أي تطهر ~~من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة. ### | لطائف: # من (الكشاف) و (حواشيه للناصر) . # الأولى- في تخيير السحرة بين إلقاء موسى وإلقائهم، استعمال أدب حسن معه، ~~وتواضع له وخفض جناح. وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم. وكأن الله عز ~~وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى- صلوات الله عليه- اختيار إلقائهم، أولا، مع ما ~~فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكايد السحر، ويستنفدوا ~~أقصى طرقهم ومجهودهم. فإذا فعلوا أظهر الله سلطانه، وقذف بالحق على الباطل ~~فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين. وعبرة ~~بينة للمعتبرين. وقبل ذلك تأدبوا معه بقولهم فاجعل بيننا وبينك موعدا لا ~~نخلفه ففوضوا ضرب الموعد إليه، وكما ألهم الله عز وجل موسى ها هنا، أن ~~يجعلهم مبتدئين بما معهم، ليكون إلقاؤه العصا، بعد، قذفا بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق، كذلك ألهمه من الأول، ms3249 أن يجعل موعدهم يوم زينتهم ~~وعيدهم، ليكون الحق أبلج على رؤوس الأشهاد، فيكون أفضح لكيدهم وأهتك لستر ~~حرمهم. # PageV07P136 # الثانية- جوز في إيثار قوله تعالى: ما في يمينك على (عصاك) وجهان: ~~أحدهما- أن يكون تعظيما لها. أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة. ~~فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها. وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده. ~~فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وثانيهما- أن يكون تصغيرا لها أي لا تبال ~~بكثرة حبالهم وعصيهم. وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك. فإنه ~~بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وإنما المقصود ~~بتحقيرها في جنب القدرة، تحقير كيد السحرة بطريق الأولى. لأنها إذا كانت ~~أعظم منة وهي حقيرة في جانب قدرة الله تعالى، فما الظن بكيدهم وقد تلقفته ~~هذه الحقيرة الضئيلة؟. # ولأصحاب البلاغة طريق في علو المدح بتعظيم جيش عدو الممدوح، ليلزم من ذلك ~~تعظيم جيش الممدوح وقد قهره واستولى عليه. فصغر الله أمر العصا، ليلزم منه ~~كيد السحرة الداحض بها في طرفة عين. # واعلم أنه لا بد من نكتة تناسب الأمرين- التعظيم والتحقير- وتلك، والله ~~أعلم، هي إرادة المذكور مبهما، لأن ما في يمينك أبهم من (عصاك) وللعرب مذهب ~~في التنكير والإبهام، والإجمال، تسلكه مرة لتحقير شأن ما أبهمته، وأنه عند ~~الناطق به أهون من أن يخصه ويوضحه. ومره لتعظيم شأنه، وليؤذن أنه من عناية ~~المتكلم والسامع بمكان، يغني في الرمز والإشارة. فهذا هو الوجه في إسعاده ~~بهما جميعا. # ثم قال الناصر: وعندي في الآية وجه سوى قصد التعظيم والتحقير. والله ~~أعلم. وهو أن موسى عليه السلام، أول ما علم أن العصا آية من الله تعالى، ~~عند ما سأله عنها بقوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى ثم أظهر له تعالى ~~آيتها، فلما دخل وقت الحاجة إلى ظهور الآية منها، قال تعالى: وألق ما في ~~يمينك ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قال الله تعالى له: وما تلك بيمينك ~~وقد أظهر له آيتها، فيكون ذلك تنبيها له وتأنيسا، حيث خوطب بما عهد أن ~~يخاطب به وقت ms3250 ظهور آيتها. وذلك مقام يناسب التأنيس والتثبيت. ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: # فأوجس في نفسه خيفة موسى؟ انتهى. # ولأبي حيان نكتة أخرى. وهي ما في اليمين من الإشعار باليمن والبركة. ولا ~~يقال جاء في سورة الأعراف ألق عصاك والقصة واحدة. لأنه يجاب بأنه مانع من # PageV07P137 # رعاية هذه النكتة فيما وقع هنا، وحكاية ما جاء بالمعنى. # هذا وقال الشهاب الخفاجي: فيما ذكروه نظر لأنه إنما يتم إذا كان الخطاب ~~بلفظ عربي أو مرادف له، يجري فيه ما يجري فيه. والأول خلاف الواقع. والثاني ~~دونه خرط القتاد، فتأمل. # أقول إنما استبعد الثاني، لتوهم أن لا بلاغة ولا نكات إلا في اللغة ~~العربية. مع أن الأمر ليس كذلك. وحينئذ فيتعين الثاني. وهو ظاهر. وبه ~~تستعاد تلك اللطائف. # ثم أشار تعالى إلى عنايته بموسى وقومه، من إنجائهم وإهلاك عدوهم، وقد طوى ~~هنا ما فصل في آيات أخر بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 77] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي أي سر بهم من مصر ليلا فاضرب لهم ~~طريقا في البحر يبسا أي يابسا. فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق وجاوزه إلى ~~ساحله لا تخاف دركا أي لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك ولا ~~تخشى أي غرقا من بين يديك، ووحلا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 78 الى # 79] # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما ~~هدى (79) # فأتبعهم فرعون بجنوده لأنه ندم على الإذن بتسريحهم من مصر، وأنهم قهروه ~~على قلتهم كما قال: إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون [الشعراء: ~~54- 55] ، فتبعهم ومعه جنوده حتى لحقوهم، ونزلوا في الطريق الذي سلكوه. ~~ففاجأهم الموج كما قال تعالى: فغشيهم من اليم ما غشيهم أي علاهم منه ~~وغمرهم، ما لا يحاط بهوله وأضل فرعون قومه وما هدى أي أوردهم الهلاك،؟ ~~لعتوه وعناده في الدنيا والآخرة. ms3251 وما هداهم سبيل الرشاد. # ثم ذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل ومننه الكبرى، وما وصاهم من المحافظة ~~على شكرها، وحذرهم من التعرض لغضبه بكفرها، بقوله سبحانه: # PageV07P138 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 80 الى 81] # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل ~~عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وهو فرعون وقومه. فقد كانوا ~~يسومونكم سوء العذاب. يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم. وذلك بأن أقر أعينكم ~~منهم، بإغراقهم، وأنتم تنظرون. وواعدناكم جانب الطور الأيمن أي بمناجاة ~~موسى وإنزال التوراة عليه. واليهود السامرية تزعم أن هذا الجبل في (نابلس) ~~ويسمونه (جبل الطور) ويذكر في الجغرافيا بلفظ (عيبال) ولهم عيد سنوي فيه ~~يصعدون إليه، ويقربون فيه القرابين. والله أعلم. # قال الزمخشري: وإنما عدى المواعدة إليهم، لأنها لابستهم واتصلت بهم، حيث ~~كانت لنبيهم ونقبائهم. وإليهم رجعت منافعها التي قام بهم دينهم وشرعهم، ~~وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه. # و (جانب) مفعول فيه، أو مفعول به على الاتساع. أو بتقدير مضاف. أي إتيان ~~جانب. ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم أي من لذائذه. ~~فإن المن كالعسل. والسلوى من الطيور الجيد لحمها ولا تطغوا فيه أي فيما ~~رزقناكم، بأن يتعدى فيه حدود الله، ويخالف ما أمر به فيحل عليكم غضبي ومن ~~يحلل عليه غضبي فقد هوى أي هلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 82] # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى أي تاب عما كان فيه من كفر ~~أو شرك أو معصية أو نفاق، وعمل صالحا بجوارحه، ثم اهتدى، أي استقام وثبت ~~على الهدى المذكور. وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. ونحوه قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] و [الأحقاف: 13] ، وفي ~~الآية ترغيب لمن وقع في وهدة الطغيان.، ببيان ms3252 المخرج له منه، كي لا ييأس. ~~وقوله تعالى: # PageV07P139 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 83] # وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) # وما أعجلك عن قومك يا موسى أي أي شيء عجل بك عنهم، على سبيل الإنكار، ~~وكان قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور، على الموعد ~~المضروب، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه ورضاه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 84] # قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) # قال هم أولاء على أثري أي قادمون ينزلون بالطور، وإنما سبقتهم بما ظننت ~~أنه خير. ولذا قال: وعجلت إليك رب لترضى أي عني، بمسارعتي إلى الامتثال ~~بأمرك. واعتنائي بالوفاء بعهدك. وزيادة (رب) لمزيد الضراعة والابتهال، رغبة ~~في قبول العذر. أفاده أبو السعود. # فإن قيل: كان مقتضى جواب السؤال من موسى أن يقول (طلب زيادة رضاك أو ~~الشوق إلى كلامك) فالجواب. أن هذا من الغفلة عن سر الإنكار. وذلك لأن ~~الإنكار بالذات إنما هو للبعد والانفصال عنهم. فهو منصب على القيد. كما عرف ~~في أمثاله. فالسؤال في المعنى عن الانفصال الذي يتضمنه (أعجلك) المتعدي ب ~~(من) . وإنكار العجلة لأنها وسيلة له. فالجواب هم أولاء على أثري. وقوله ~~وعجلت إلخ تتميم. وقيل الجواب إنما هو قوله: وعجلت إلخ، وما قبله تمهيد له. # وقال الناصر: إنما أراد الله تعالى بسؤاله عن سبب العجلة، وهو أعلم، أن ~~يعلم موسى أدب السفر. وهو أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم في المسير، ليكون ~~نظره محيطا بطائفته، ونافذا فيهم، ومهيمنا عليهم. وهذا المعنى لا يحصل في ~~تقدمه عليهم، ألا ترى الله عز وجل كيف علم هذا الأدب، لوطا، فقال: واتبع ~~أدبارهم [الحجر: 65] ، فأمره أن يكون أخيرهم. على أن موسى عليه السلام إنما ~~أغفل هذا الأمر مبادرة إلى رضاء الله عز وجل، ومسارعة إلى الميعاد. وذلك ~~شأن الموعود بما يسره، يود لو ركب إليه أجنحة الطير. ولا أسر من مواعدة ~~الله تعالى له صلى الله عليه وسلم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله ms3253 تعالى: [سورة طه (20) : آية 85] # قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) # قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك أي ابتليناهم بعد ذهابك للمناجاة وأضلهم # PageV07P140 # السامري # يعني اليهودي الذي وسوس لهم أن يعبدوا عجلا يتخذوه إلها، لما طالت عليهم ~~غيبة موسى ويئسوا من رجوعه. و (السامري) في لغة العرب، بمعني اليهودي. وقد ~~قال بالظن، من ادعى تسميته أو حاول تعيينه. وأما الطائفة السامرية الآن فهم ~~فئة من اليهود في (نابلس) قليلة العدد تخالف بقية اليهود في جل عاداتها. # وقد تضمنت هذه الجملة- أعني إخباره تعالى لموسى بالفتنة- الأمر- برجوعه ~~لقومه، وإصلاحه ما فسد من حالهم، كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 86] # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا أي حزينا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا أي بإنزال التوراة علي، ورجوعي بها إليكم أفطال عليكم العهد أي زمان ~~الإنجاز، أو مجيئي أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي أي ~~وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 87 الى 88] # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي (88) # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا قرئ بالحركات الثلاث على الميم. # قال الزمخشري: أي ما أخلفنا موعدك، بأن ملكنا أمرنا. أي لو ملكنا أمرنا، ~~وخلينا وراءنا، لما أخلفناه. ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده ولكنا حملنا ~~بفتح الحاء مخففا، وبضمها وكسر الميم مشددا أوزارا أي أثقالا وأحمالا من ~~زينة القوم أي من حلي القبط، قوم فرعون، وهو حلي نسائهم فقذفناها أي في ~~النار لسبكها فكذلك ألقى السامري أي كان إلقاؤه فأخرج لهم أي من تلك الحلي ~~المذابة عجلا ms3254 جسدا له خوار أي صوت عجل. وقد قيل: إنه صار حيا، وخار # PageV07P141 # كما يخور العجل. وقيل: لم تحله الحياة وإنما جعل فيه منافذ ومخارق، بحيث ~~تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل. أفاده الرازي. # وقوله: فقالوا أي السامري ومن افتتنوا به هذا إلهكم وإله موسى فنسي أي ~~غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. ثم أنكر تعالى على من ضل بهذا العجل وأضل. ~~مسفها لهم فيما أقدموا عليه، مما لا يشتبه بطلانه على أحد، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 89] # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) # أفلا يرون ألا يرجع أي العجل إليهم قولا أي لا يردد لهم جوابا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا أي دفع ضر ولا جلب نفع، أي فكيف يتخذ إلها؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 90] # ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) # ولقد قال لهم هارون من قبل أي قبل رجوع موسى إليهم يا قوم إنما فتنتم به ~~أي ضللتم بعبادته وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري في عبادته سبحانه، ~~ونبذ العجل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 91 الى 93] # قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هارون ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) # قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال أي موسى يا هارون ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أي في الغضب لله، وشدة الزجر عن الكفر. و ~~(لا) مزيدة. أو المعنى ما حملك على أن لا تتبعني، بحمل النقيض على النقيض. ~~فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل على مقابله. أو ما منعك أن تلحقني وتخبرني ~~بضلالهم، فتكون مفارقتك مزجرة لهم أفعصيت أمري وهو ما أمره به من أن يخلفه ~~في قومه، ويصلح ما يراه فاسدا. # PageV07P142 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 94] # قال ms3255 يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) # ل # أي هارون ابن أم # بكسر الميم وفتحها. أراد (أمي) وذكرها أعطف لقلبه تأخذ بلحيتي ولا برأسي # أي بشعره. وكان قبض عليهما يجره إليه من شدة غضبه: ني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرائيل # أي بتركهم لا راعي لهم لم ترقب قولي # أي لم تراعه في الاستخلاف والوجود بين ظهرانيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 95] # قال فما خطبك يا سامري (95) # قال فما خطبك يا سامري أي ثم أقبل على السامري وقال له منكرا: ما شأنك ~~فيما صنعت؟ وما دعاك إليه؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 96 الى 97] # قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت ~~لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن ~~تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ~~(97) # قال بصرت بما لم يبصروا به أي فطنت لما لم يفطنوا له فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول فنبذتها أي في الحلي المذاب حتى حي وكذلك سولت لي نفسي أي حسنته ~~وزينته قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك أي لعذابك موعدا ~~لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم ~~نسفا أي لنطيرنه رمادا في البحر، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر. ### | تنبيهات: # الأول- اعلم أن هارون عليه السلام، سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه. لأنه ~~زجرهم عن الباطل، أولا بقوله إنما فتنتم به ثم دعاهم لمعرفة الله تعالى ~~ثانيا بقوله: وإن ربكم الرحمن ثم دعاهم ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله ~~تعالى: # PageV07P143 # فاتبعوني ثم دعاهم إلى الشرائع رابعا بقوله: وأطيعوا أمري وهذا هو ~~الترتيب الجيد. لأنه لا بد قبل كل شيء في إماطة الأذى عن الطريق، وهو إزالة ~~الشبهات. ثم معرفة الله تعالى، ms3256 فإنها هي الأصل. ثم النبوة ثم الشريعة. فثبت ~~أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه. أفاده الرازي. # وقد برأ الله تعالى بهذه الآيات البينات، هارون عليه السلام مما افتراه ~~عليه كتبة التوراة، من أنه هو السامري الذي اتخذ العجل وأمر بعبادته، كما ~~هو موجود عندهم. وهو من أعظم الفري، بلا امتراء. # الثاني- عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول في قوله تعالى: فقبضت قبضة ~~من أثر الرسول هو جبريل عليه السلام. وأراد بأثره، التراب الذي أخذه من ~~موضع حافر دابته. ثم اختلفوا: أن السامري متى رآه؟ فقيل: إنما رآه يوم فلق ~~البحر. وقيل: # وقت ذهابه بموسى إلى الطور. # واختلفوا أيضا في: أن السامري كيف اختص برؤية جبريل عليه السلام، ومعرفته ~~من بين سائر الناس؟ فقيل إنما عرفه لأنه رآه في صغره، وحفظه من قتل آل ~~فرعون له، وكان ممن رباه. وكل هذا ليس عليه أثارة من علم ولا يدل عليه ~~التنزيل الكريم. ولذا قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا ~~الذي ذكره المفسرون. فههنا وجه آخر وهو: أن يكون المراد بالرسول موسى عليه ~~السلام. وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر ~~فلان ويقبض أثره، إذا كان يمتثل رسمه. والتقدير، أن موسى عليه السلام لما ~~أقبل على السامري باللوم، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في ~~باب العجل، فقال (بصرت بما لم يبصروا به أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس ~~بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أي شيئا من سنتك ودينك. ~~فقذفته، أي طرحته. فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في ~~الدنيا والآخرة. وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب، كما يقول الرجل لرئيسه ~~وهو مواجه له: ما يقول الأمير في كذا؟ # وبماذا يأمر الأمير؟. # وأما دعاؤه موسى عليه السلام رسولا، مع جحده وكفره، فعلى مثل مذهب من حكى ~~الله تعالى عنه قوله: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون [الحجر: # 6] ، وإن لم يؤمنوا بالإنزال. انتهى. # قال الرازي: ms3257 ما ذكره أبو مسلم أقرب إلى التحقيق مما ذكره المفسرون، ~~لوجوه: # PageV07P144 # أحدها- أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم الرسول. ولم يجر له فيما ~~تقدم ذكر، حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه. فإطلاق لفظ (الرسول) لإرادة ~~جبريل عليه السلام، كأنه تكليف بعلم الغيب. # وثانيها- أنه لا بد فيه من الإضمار. وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول. # والإضمار خلاف الأصل. # وثالثها- أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع ~~الناس برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا ~~الأثر؟ والذي ذكروه من أن جبريل عليه السلام هو الذي رباه، فبعيد. لأن ~~السامري، إن عرف جبريل حال كمال عقله، عرف قطعا أن موسى عليه السلام نبي ~~صادق. فكيف يحاول الإضلال؟ وإن كان ما عرفه حال البلوغ، فأي منفعة لكون ~~جبريل عليه السلام مربيا له حال الطفولية، في حصول تلك المعرفة؟ انتهى. # التنبيه الثالث في قوله لا مساس وجوه: # أحدها- إني لا أمس ولا أمس. # وثانيها- المراد المنع من أن يخالط أحدا أو يخالطه أحد، عقوبة له. # ثالثها- ما ذكره أبو مسلم من أنه يجوز في حمله (ما أريد مسي النساء) ~~فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله. فلا يكون له ولد يؤنسه، فيخليه الله ~~تعالى من زينتي الدنيا اللتين ذكرهما بقوله: المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا [الكهف: 46] ، أي لأن المس يكنى به عن النكاح كما في آية من قبل أن ~~تمسوهن [البقرة: 237] ، والله أعلم. # ولما فرغ موسى عليه السلام من إبطال ما دعا إليه السامري، عاد إلى بيان ~~الدين الحق، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 98] # إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) # إنما إلهكم أي المستحق للعبادة والتعظيم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل ~~شيء علما أي أحاط علمه كل شيء. ثم أشار تعالى إلى فضله، فيما قصه على خاتم ~~رسله صلوات الله عليه، من أنباء الأنبياء، تنويها بشأنه، وزيادة في ~~معجزاته، وتكثيرا للاعتبار ms3258 والاستبصار في آياته، بقوله سبحانه: # PageV07P145 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 99] # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) # كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا أي كتابا ~~عظيما جامعا لكل كمال، وسمي القرآن ذكرا لما فيه من ذكر ما يحتاج إلى الناس ~~من أمر دينهم ودنياهم، ومن ذكر آلاء الله ونعمائه. ففيه التذكير والمواعظ، ~~ولما فيه من الذكر والشرف له صلوات الله عليه ولقومه. # قال الرازي: وقد سمى تعالى كل كتبه (ذكرا) فقال فسئلوا أهل الذكر [النحل: ~~43] ، ثم، كما بين تعالى نعمته بذلك، بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه ولم يؤمن ~~به، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 100 الى 101] # من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم ~~القيامة حملا (101) # من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا أي إثما. يعني عقوبة ثقيلة. # شبهت بالحمل الثقيل لثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها خالدين فيه أي في ~~احتماله المستمر وساء لهم يوم القيامة حملا. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 102 الى 103] # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) # يوم ينفخ في الصور بدل من يوم القيامة أو منصوب بمحذوف. والنفخ في الصور ~~تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا يمثلها إلا نفخة في بوق فإذا ~~هم قيام ينظرون [الزمر: 68] ، وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور. ~~وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور. والبحث وراء هذا، عبث لا يسوغ ~~للمسلم. # أفاده بعض المحققين. # ونحشر المجرمين أي نسوقهم إلى جهنم يومئذ زرقا أي زرق الوجوه. # الزرقة تقرب من السواد. فهو بمعنى آية وتسود وجوه. [آل عمران: 106] . # PageV07P146 # وقال أبو مسلم: المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم. والأزرق شاخص، لأنه ~~لضعف بصره، يكون محدقا نحو الشيء يريد أن يتبينه. وهذه حال الخائف المتوقع ~~لما يكره. وهو ms3259 كقوله تعالى: إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار [إبراهيم: # 42] ، نقله الرازي. والأول أظهر. يتخافتون بينهم أي يتسارون من الرعب ~~والهول، أو من الضعف، قائلين إن لبثتم أي في الدنيا إلا عشرا أي عشر ليال. # قال الزمخشري: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، إما لما يعاينون من الشدائد ~~التي تذكرهم أيام النعمة والسرور، فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر. لأن ~~أيام السرور قصار. وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت. والذاهب، وإن طالت مدته، ~~قصير بالانتهاء. # ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت: أطال الله بقاءك (كفى بالانتهاء ~~قصرا) . وإما لاستطالتهم الآخرة، وأنها أبد سرمد، يستقصر إليها عمر الدنيا، ~~ويتقال لبث أهلها فيها، بالقياس إلى لبثهم في الآخرة. وقد استرجح الله قول ~~من يكون أشد ثقالا منهم، في قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 104] # نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) # نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعدلهم رأيا إن لبثتم إلا ~~يوما ونحوه قوله تعالى: قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم فسئل العادين [المؤمنون: 112- 113] ، انتهى. # قال أبو السعود: ونسبة هذا القول إلى أمثلهم، استرجاع منه تعالى له، لكن ~~لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. أي: ولكونه منتهى ~~الأعداد القليلة. وكذلك لبثهم بالنسبة إلى الخلود السرمدي، وإلى تقضي ~~الغائب الذي كأن لم يكن. ولا ينافي هذا ما جاء في آية ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة [الروم: 55] ، لأن المراد بالساعة الحصة ~~من الزمان القليل، فتصدق باليوم. كما أن المراد باليوم مطلق الوقت. ولذلك ~~نكر، تقليلا له وتحقيرا. # قال الشهاب: ليس المراد بحكاية قول من قال (عشرا) أو (يوما) أو (ساعة) ~~حقيقة اختلافهم في مدة اللبث، ولا الشك في تعيينه. بل المراد أنه لسرعة ~~زواله، عبر عن قلته بما ذكر. فتفنن في الحكاية، وأتى في كل مقام بما يليق ~~به. # PageV07P147 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 105 الى ms3260 107] # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) # ويسئلونك عن الجبال أي هل تبقى يوم القيامة أو تزول فقل ينسفها ربي نسفا ~~أي يزيلها عن مقارها. فيسيرها مقذوفة في الفضاء. وقد تمر على الرؤوس مر ~~السحاب. حتى تتساوى مع سطح الأرض. كما قال فيذرها أي فيذر مقارها ومراكزها. ~~أو الأرض المدلول عليها بقرينة الحال قاعا أي سهلا مستويا صفصفا أي أملس لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا أي نتوءا يسيرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 108] # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ~~(108) # يومئذ يتبعون الداعي أي يجيبون الداعي إلى المحشر، فينقلبون من كل صوب ~~إليه لا عوج له أي لا يعوج له مدعو، ولا ينحرف عنه. بل يستوون إليه. # متبعين لصوته، سائرين بسيره. # في شروح (الكشاف) : هذا كما يقال (لا عصيان له) أي لا يعصى. و (لا ظلم ~~له) أي لا يظلم. وضمير (له) للداعي. وقيل: للمصدر. أي لا عوج لذلك الاتباع ~~وخشعت الأصوات للرحمن أي انخفضت لهيبته ولهول الفزع فلا تسمع إلا همسا أي ~~صوتا خفيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 109] # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا أي قبل قوله. # والمعنى: يومئذ لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد، إلا إذا أذن الله له. ولا ~~يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب. # قال بعض المحققين: وإنما يكون الكلام ضربا من التكريم، لمن يأذن الله له ~~به، يختص به من يشاء. ولا أثر له فيما أراد الله البتة. # PageV07P148 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 110] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما أي بمعلوماته، أو بذاته ~~العلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 111] # وعنت الوجوه للحي ms3261 القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) # وعنت الوجوه للحي القيوم أي ذلت وخضعت خضوع العناة، أي الأسارى. # لأنها في أسر مملكته وذل قهره وقدرته. لا تحيا ولا تقوم إلا به. # ولما كانت الوجوه يومئذ، منها الظالمة لنفسها ومنها الصالحة، أشار إلى ما ~~يجزي به الكل، بقوله سبحانه وقد خاب من حمل ظلما أي خسر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 112] # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما أي نقص ثواب ولا هضما أي ~~ولا كسرا منه، بعدم توفيته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 113] # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ~~ذكرا (113) # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد أي بعبارات شتى، تصريحا ~~وتلويحا، وضروب أمثال، وإقامة براهين لعلهم يتقون أي الكفر والمعاصي بالفعل ~~أو يحدث لهم ذكرا أي اتعاظا واعتبارا، يؤول بهم إلى التقوى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 114] # فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما (114) # فتعالى الله الملك الحق أي تناهى في العلو والعظمة، بحيث لا يقدر قدره، # PageV07P149 # ولا يغدر أمره في ملكه الذي يعلو كل شيء، ويصرفه بمقتضى إرادته وقدرته. ~~وفي عدله الذي يوفي كل أحد حقه بموجب حكمته ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه أي: بل أنصت. فإذا فرغ الملك من قراءته فاقرأه بعده. وقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقنه جبريل الوحي، يتبعه عند تلفظ كل ~~حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ. فأرشد إلى أن لا يساوقه في ~~قراءته، وأن يتأنى عليه ريثما يسمعه ويفهمه. ثم ليقبل عليه بالحفظ بعد ذلك. ~~ونحوه قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 16- 19] ، ثم أمره تعالى باستفاضة العلم واستزادته منه بقوله: ms3262 ~~وقل رب زدني علما أي سله زيادة العلم. فإن مدده غير متناه. # وهذا- كما قال الزمخشري- متضمن للتواضع لله تعالى والشكر له، عند ما علم ~~من ترتيب التعلم. أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم، وأدبا جميلا ما كان ~~عندي، فزدني علما إلى علم. فإن لك في كل شيء حكمة وعلما. قيل: ما أمر الله ~~رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. # ثم أشار تعالى إلى أخذه العهد على بني آدم، من اتباعهم كل هدى يأتيهم منه ~~سبحانه، وترتب الفوز عليه. وإلى أن الإعراض عنه من وسوسة الشيطان، العدو ~~لهم ولأبيهم قبلهم. وترتب الشقاء عليه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 115] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هذا الزمان، أن لا يقرب من الشجرة ~~فنسي أي العهد ولم نجد له عزما أي تصميما في حفظه. إذ لو كان كذلك، لما ~~أزله الشيطان ولما استطاع أن يغره. كما بينه الله تعالى بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 116 الى # 117] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم ~~إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا ~~عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى أي بالابتلاء. وإسناد الشقاء ~~إليه خاصة، # PageV07P150 # لأصالته في الأمور، واستلزام شقائه بشقائها. فاختصر الكلام لذلك، مع ~~المحافظة على الفاصلة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 118 الى # 119] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى أي لا تتصون ~~من حر الشمس. # قال أبو السعود: هذا تعليل لما يوجبه النهي. فإن اجتماع أسباب الراحة ~~فيها. # مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل مبادئ البقاء فيها. والجد في ms3263 ~~الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها. والعدول عن التصريح بأن له عليه السلام ~~فيها تنعما بفنون النعم. من المآكل والمشارب، وتمتعا بأصناف الملابس البهية ~~والمساكن المرضية، مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها، ما لا يخفى. إلى ~~ما ذكر من نفي نقائضها التي هي الجوع والعطش والعري والضحو، لتذكير تلك ~~الأمور المنكرة والتنبيه على ما فيها من أنواع الشقوة التي حذره عنها، ~~ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها. # انتهى. ### | لطيفة: # قال الناصر: في الآية سر بديع من البلاغة، يسمى قطع النظير عن النظير. ~~وذلك أنه قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بينهما من التناسب. ~~والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها: ولو قرن كلا بشكله لتوهم ~~المعدودات نعمة واحدة. وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا، ~~فقال الكندي الأول: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي: كري كرة بعد إجفال # فقطع ركوب الجواد عن قوله (لخيلي كري كرة) وقطع تبطن الكاعب عن ترشف ~~الكأس، مع التناسب. وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها. # على أن هذه الآية سرا لذلك، زائدا على ما ذكر، وهو قصد تناسب الفواصل. # ولو قرن الظمأ بالجوع فقيل: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، لانتثر سلك ~~رؤوس الآي. وأحسن به منتظما. انتهى. وهذا السر الذي سماه (قطع النظير عن ~~النظير) # PageV07P151 # يسمى بالوصل الخفي. ومما قيل في وجه القطع: أن فيه التنبيه على أن ~~الأولين، أعني الشبع والكسوة أصلان. وأن الأخيرين متممان. فالامتنان على ~~هذا أظهر. ولذا فرق بين القرينتين. فقيل (إن لك) و (أنك) وأيضا روعي مناسبة ~~الشبع والكسوة. # لأن الأول يكسو العظام لحما. وأما الظمأ والضحى فمن واد واحد. وقيل: إن ~~الغرض تعديد هذه النعم. ولو قرن كل بما يشاكله، لتوهم المقرونان نعمة ~~واحدة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 120 الى # 121] # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ms3264 وملك لا يبلى ~~(120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى (121) # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد أي من أكل منها ~~خلد ولم يمت وملك لا يبلى فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان ~~عليهما أي يلزقان من ورق الجنة أي فحصل لهما هذا الخزي، بدل عز الملك ~~المخلد. وهذه الأوراق الفانية، بدل نفائس الملابس الخالدة وعصى آدم ربه أي ~~بارتكاب النهي، وترك العزم في حفظ العهد فغوى أي عن المأمور به. حيث اعتز ~~بقول العدو. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 122 الى 123] # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) # ثم اجتباه ربه أي اصطفاه ووفقه للإنابة فتاب عليه وهدى قال أي بعد قبول ~~توبته اهبطا منها جميعا أي انزلا من الجنة إلى الأرض بعضكم لبعض عدو أي ~~متعادين. # قال المهايمي: فالمرأة عدوة الزوج، في إلجائه إلى تحصيل الحرام. والزوج ~~عدوها في إنفاقه عليها. وإبليس يوقع الفتنة بينهما، ويدعوهما إلى أنواع ~~المفاسد التي لا ترتفع إلا باتباع الأمر السماوي. فإما يأتينكم مني هدى أي ~~من كتاب ورسول. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى أي لا في الدنيا ولا ~~الآخرة. قال أبو السعود: ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله (هداي) مع ~~الإضافة إلى ضميره # PageV07P152 # تعالى، لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 124 الى 127] # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى (127) # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ms3265 اليوم تنسى ~~وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى اعلم أنه ~~لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه في معاشه ومعاده، أخبر عن حال من أعرض ~~عنه ولم يتبعه، من شقائه في الدنيا والآخرة. وهذا الشقاء بقسميه، هو نوع من ~~أفانين العذاب اللاحقة لمن تولى عن هدى الله الذي بعث به خاتم أنبيائه، ولم ~~يقبله ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمر ~~ربه. # وفي الآية مسائل: # الأولى- قال الرازي في قوله تعالى: عن ذكري: الذكر يقع على القرآن وعلى ~~سائر كتب الله تعالى. ويحتمل أن يراد به الأدلة. وقال ابن القيم في (مفتاح ~~دار السعادة) : أي عن الذكر الذي أنزلته. و (الذكر) هنا مصدر مضاف إلى ~~الفاعل. # ك (قيامي وقراءتي) لا إلى المفعول. وليس المعنى: ومن أعرض عن أن يذكرني. ~~بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر. وأحسن من هذا الوجه أن يقال: الذكر ~~هنا مضاف إضافة الأسماء، لا إضافة المصادر إلى معمولاتها. والمعنى: ومن ~~أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرا. قال تعالى: وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه [الأنبياء: 50] ، وقال تعالى: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم [آل عمران: 58] . وقال تعالى: وما هو إلا ذكر للعالمين [القلم: 52] ~~. وقال تعالى: # إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم [فصلت: 41] . وقال تعالى: إنما تنذر من ~~اتبع الذكر [يس: 11] ، وعلى هذا فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي لا ~~يقصد بها إضافة العامل إلى معموله. ونظيره في إضافة اسم الفاعل غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب [غافر: 3] ، فإن هذه الإضافات لم يقصد بها قصد ~~الفعل # PageV07P153 # المتجدد، وإنما قصد الوصف الثابت اللازم. ولذلك جرت أوصافا على أعرف ~~المعارف، وهو اسم الله تعالى في قوله تعالى: تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم غافر الذنب [غافر: 2- 3] الآية. # الثانية- قرئ (ضنكا) بالتنوين على أنه مصدر وصف به، ولذا لم يؤنث ~~لاستوائه في القبيلين. كما قال ابن مالك: # ونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا # وفي القاموس: الضنك ms3266 الضيق في كل شيء، للذكر والأنثى. يقال: ضنك ككرم، ~~ضنكا وضناكة وضنوكة، ضاق. وقال السمين: (ضنكا) صفة معيشة. # وأصله المصدر فلذلك لم يؤنث. ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. ~~وقرأ الجمهور (ضنكا) بالتنوين وصلا، وإبداله ألفا وقفا، كسائر المعربات. ~~وقرأت فرقة (ضنكي) بألف كسكري. وفي هذه الألف احتمالان: فإما أن تكون بدلا ~~من التنوين، وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن تكون ألف التأنيث بني ~~المصدر على (فعلى) نحو دعوى. # الثالثة- ذكروا في هذه المعيشة الضنك التي للكافر أقوالا: إنها في الدنيا ~~أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين. والأظهر الأول لمقابلته بالوعيد ~~الأخروي. قال ابن كثير: أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح ~~لصدره. بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، ~~وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة ~~وشك. فلا يزال في ريبه يتردد: # فهذا من ضنك المعيشة. انتهى. # وذلك لأن الاعتقاد بالدين الحق واليقين الصحيح لراحة الضمائر والأنفس، ~~فوق كل الأهواء والذات والمآرب. فالضنك المعني بها، إذن هو الضنك الحيوي ~~والقلق الدنيوي، من اضطراب القلب وعدم سكون النفس إلى الاعتقاد الحق ~~والإيمان بالدين القيم الذي هو دين الإسلام. فكل من لم يؤمن به فهو في ضيق ~~صدر وهموم ومحابس، لا يجد منها مخارج إلا به ولا يرتاب في ذلك إلا من كابر ~~حسه وناقض وجدانه. فإن دين الإسلام هو دين الفطرة. دين اليسر. دين العقل. ~~دين النور الذي تنشرح به الصدور وتطمئن به القلوب وتشفى به الأنفس من ~~أدوائها، وتهتدي به من ضلالها وحيرتها، وتستنير به من ظلماتها. ولذلك سمي ~~هدى ونورا وشفاء ورحمة. # ألق نظرك على الأديان كلها، وقابل بينها وبينه، لتدرك ذلك. # PageV07P154 # هذه اليهودية، يرى في اشتراعها في الآصار والأغلال والتكاليف الشاقة في ~~المعيشة الحيوية ما لا يطاق. قيود في المأكل والمشرب. وحجر في المنكح ~~والمبيت والمعاشرة. وضغط على الأنفس بتقسيمها إلى طاهرين يحضرون ~~الاحتفالات، ونجسين مبعدين لا ms3267 يلمسون ولا يلمسون. دع عنك خرافات الاعتقادات ~~والافتراء بالأهواء في التشريعات وتشعبها في الأهواء إلى شعب تتباين في ~~العبادات. # وهذه النصرانية، الذي أساسها تعديل الشرعة الموسوية قام رهبانها بعد رفع ~~المسيح، ومضي عصر الحواريين. فأطلقوا لأتباعهم كل قيد في اليهودية. وأمروهم ~~بنبذ أحكام التوراة نكاية لليهود. وأخذوا يشرعون للناس ما لا ينطبق على أصل ~~التوراة ولا بعثة عيسى. فإنه عليه السلام قال (ما جئت لأهدم الناموس- ~~التوراة- بل لأتممه) : فترى ما أحدث من طقوس الكنيسة وتعاليمها، اعتقادا ~~وعبادة وسلطة وسيطرة جائرة على العقل والفكر، وربط الأمور بأيدي الكهنة حلا ~~وإبراما، تبعا لرغائب الأنفس والشهوات، مما يتضجر منه كل مسيحي ذاق جوهر ~~الدين المسيحي حقا. إذ جوهره مع ابتداعهم على طرفي نقيض، فإنى لا يضيق ذرعه ~~ولا تضنك معيشته! لذلك لما استقر سلطان الإسلام بالأندلس، واحتك النصارى ~~بالمسلمين في الحروب الصليبية، واستمدوا من معارف الإسلام وعلومه ما قلد ~~جيدهم مننا لا تنكر أخذوا يقاومون الكنيسة في حظرها على المعارف والفنون، ~~ومعاداتها للعلوم. وجرى بإغراء الكهنة، من الدماء المسفوكة ما اسودت به صحف ~~التاريخ. ثم كان الفوز لدعاة الإصلاح. وتفرقوا أحزابا. ولا يزالون يتقربون ~~إلى الإسلام، بنبذهم سخائف ما ورثوه. ولذا تراهم في عيشة ضنك يسعون لأرقى ~~مما هم عليه، علما بأن الدخائل والبدع في دينهم، أفسدت عليهم ما أفسدت. ولن ~~يتسنى لهم الرقي إلا بالرجوع إلى دين الفطرة. وهم يسعون إليه، وإن كانوا لا ~~يشعرون، أو يشعرون ويتجاهلون. هذه رشحات من المعيشة الضنك لأمتين عظيمتين، ~~وهما تنتميان إلى كتابين منزلين.. # فما ظنك بالمجوس والوثنيين وفرقهم التي لا تحصى. ولا يزال عقلاؤهم يطلبون ~~التملص منها، لكثرة خرافاتها وضررها، نفسا ومالا وعرضا. فأهلها في شقاء ~~وعذاب لا يشاكله عذاب. ومن نجا من ويلاتها بالإسلام، لا يعد ولا يحصى. وقس ~~على هؤلاء، الطائفة المسماة بالماديين. وهم الدهريون والطبيعيون. فإنهم بلا ~~ريب أضيق صدرا وأضنك معيشة وأشد اضطرابا وأعظم فرقة. فلا يمكن أن يوجد ~~اثنان على رأي واحد. بل يتصور كل منهم إلهه كما يهوى وكما تخيله ms3268 له رغائبه ~~وشهواته. قال بعضهم: هؤلاء الذين يحصرون دينهم في أن يعرف الإنسان الله، ~~ويكون مستقيما في أعماله، إذا سئلوا: ما هو الدين الطبيعي الذي تعترفون به؟ ~~فيجيبون إنما هو الذي # PageV07P155 # يرشد إليه العقل عريا عن الوحي. فيقال لهم: العقل، من حيث هو، ضعيف متغير ~~قاصر. يرى اليوم صوبا ما يراه في الغد خطأ. ويحكم اليوم على أمر أنه حلال ~~مباح، ويرى غدا أنه حرام لا يجوز إتيانه. تحمله أغراضه على استحلال ما يلذ ~~له وتجعله مستنفرا مما يضاد أهواءه، فكيف يكون صاحبه مستقيما في أعماله؟ ~~وما هي القاعدة المطردة الثابتة للاستقامة عند هؤلاء؟ وكل يرى نفسه ويخيل ~~له أنه مستقيم!! فالصيني مثلا يرى نفسه مستقيما ولو باع أو قتل أولاده. ~~والهندي يرى هذه الاستقامة في نفسه، ولو أحرق المرأة على جثة رجلها. ~~والوثني يرى نفسه مستقيما، ولو ارتكب الفحشاء تكرمة للزهرة. # هذا، وإن أكبر الفلاسفة ضلوا في مواد ما يشرعون. ولم يهتدوا لجادة ~~الاستقامة الحقة. فإنى يمكن لعامة الناس أن يكون لكل منهم دين طبيعي يقلبه ~~كيف شاء، ويجعله كشيء مرن، يمده إلى ما طاب له، ويقصره عن كل ما عافه. # فيختلف هذا الدين باختلاف العقول والأهواء فيهم. وكيف نسمي شريعة ثابتة ~~عامة، ما كان وقفا على إرادة كل فرد وأهوائه؟ وإذا سلمنا، مجاراة، أنه يوجد ~~من كان ميالا طبعا إلى الاستقامة والعدل والعفة، فيحمله طبعه على ذلك، ~~فماذا نقول فيمن كان بالطبع محبا للانتقام والاعتداء والشهوات. لا سيما ~~والعقل ضعيف والنفس أمارة بالسوء، فإنى يكون العقل وحده وازعا عن ارتكاب ~~المعاصي والجرائم. فما قضى سبحانه بشريعته لمخلوقاته رحمة منه بهم، إلا ~~لضعفهم وميلهم إلى الشر. وضعف الإنسان وانحرافه يقضي بإلزامه شريعة يخضع ~~لها. فهي ضرورية له ضرورة نظام الأجرام الفلكية لها. وملازمة له ملازمة ~~النطق والإدراك والحرية، ولزوم الامتداد والثقل والجذب والدفع للأجرام ~~الجامدة. وأول بينة على ملازمة الشريعة طبع الإنسان، ما يجده في نفسه ~~ووجدانه من انغراسها فيه انغراسا نظريا. حتى لا يمكنه أن يجرد نفسه. مثلا، ms3269 ~~كيف يمكن للإنسان، ولو مهما تعامى في الشر، أن يجرد نفسه عن تصور أنه خاضع ~~لشريعة تنهاه عن القتل واختلاس مال غيره والاعتداء عليه بأي نوع كان؟ ~~فالشريعة مكتوبة على قلوبنا في ألواح لحمية. ومن بحث عن عموم سكان البسيطة، ~~وجد إجماع القبائل والشعوب قاطبة على شرائع، وإن اختلفت في بعض موادها. ~~والحرية التي منحت للإنسان إنما قيدت محاسنها بالشرائع والخضوع لها. # وإلا فهي دمار لنظام العالم، وجائحة للأدب، وآفة لما غرس البارئ في عقول ~~الناس أجمعين، من عهد آدم إلى يومنا هذا. وذلك لاستلزامها إفساد الطبع ~~الإنساني، والإجحاف بالشرائع الأدبية. لأن الإنسان متى علم أن ليس له إله ~~يثيب على الخير # PageV07P156 # ويعاقب على الشر، أطلق لنفسه عنان الفساد، واطرح العذار في مضمار الشهوات ~~وإحراز الرغائب، قضاء لما يحسبه من سعادته، واعتقاد أن نفسه ليست خالدة. # وليس لسعادته موضوع خارج عن هذه العاجلة. ولاستلزامها أيضا هدم الاجتماع ~~الإنساني والذهاب بشأفته. إذ لا ترعى بعد الله ذمة بين الملأ، ولا حرمة ~~للسنن والشرائع، ولا بر بالملوك، ولا عدل بالرعية، ولا محبة ولا صدق ولا ~~وفاء ولا نحو ذلك مما هو ضروري بالذات لقيام الألفة البشرية ونظام العمران. # وبالجملة، فلا يظنن أحد أن العالم يدوم أو يبقى فيه شيء من النظام أو ~~الهيئة الاجتماعية، إذا لم يكن الناس مقيدين بشريعة إلهية، تصد الفاجر عن ~~الفجور. فكما أن الهواء ضروري للحياة الطبيعية، فكذا الشريعة ضرورية للحياة ~~الأدبية. فلا حياة للموجودات الحية دون هواء، فكذا لا انتظام ولا هيئة في ~~العالم دون الشريعة. انتهى. # وقال إمام مدقق، في بحث تصحيح الاعتقاد وضرورته لطمأنينة النفس وسعادتها، ~~ما مثاله: إنا نرى أمام أعيننا بعضا من الناس قد رزقوا صحة عظيمة وثروة ~~جسمية وتهذبوا بأنواع العلوم والمعارف، ولكنهم كثير والضجر شديد والحيرة. ~~لا يكادون يشعرون بالراحة ولا يلتذون بملذة. كأن لهم في لذة ألما، وبإزاء ~~كل فرح ترحا، يحسون بكآبة قد رانت على صدورهم: فلا يعلمون سببها ولا يعرفون ~~موجبها. كآبة لا تزايلهم إلا بزوال عقولهم عنهم، ms3270 بكأس من الرحيق. فلذلك ~~تراهم شديدي الكلف به كثيري التحرق لفقدانه، لأنه دواؤهم الوحيد. ما سر هذا ~~الأرق والضجر، مع هذه الصحة الجسمية وتلك الثروة المالية، وهما الأمران ~~اللذان عليهما، كما يزعمون، مدار السعادة الإنسانية؟ ما هذه الحيرة ~~الوجدانية والوحشة الضميرية، مع تهذبهم بأنواع العلم، وهو كما يزعمون، ~~الشافي للناس من نزعات الوسواس؟. # أما يدلنا هذا الضجر السري على أن النفس تائقة لأمر ما، إن غاب على ~~الإنسان علمه، فقد دله عليه أثره. وإن ذلك الأمر ليس هو صحة البدن ولا وفرة ~~المال ولا كثرة البنين، ولا سكنى القصور، ولا أكل الصنوف، ولا سماع ~~العيدان، ولا مغازلة الغيد. بل هو أمر آخر لا تعد هذه الملاذ بالنسبة له ~~إلا هباء، ولا الأكوان بجانبه إلا فناء.. ما هو هذا الأمر السامي الذي لو ~~حصلت عليه النفس اطمأنت وسكنت، وهامت به وسكرت، ورضيت به وقنعت. هو لا شك ~~صحة المعتقد، وإليك الدليل: # ليست النفس من طبيعة هذه الأجسام الصماء. ولا من طينة هذه المادة ~~العمياء، حتى تأنس إلى شيء من أشياء هذه الأرض الحقيرة، أو تهتم بملاذها ~~مهما # PageV07P157 # كانت كبيرة. بل هي من طبيعة نورانية محضة. فلا تأنس إلا لنور يجلي عنها ~~ظلمات الأشياء الأرضية الكثيفة، لتشرف على حضرة القدس المنيفة، وتطل على ~~حظائرها الشريفة. النفس أجل من أن تقنع بالمشتهيات الجسمانية، وأكبر من أن ~~ترضى بملاذها المموهة الفانية. فمهما غالط الإنسان نفسه، بجمع المال ورفاهة ~~الحال، ليرتاح سره ويسكن اضطرابه، فإن النفس لا تفتأ تقيم عليه الحجة بعد ~~الحجة، ليهتدي إلى وضح المحجة. فإن تبصر في أمره، واكتنه حقيقة سره، وأنال ~~نفسه بغيتها من إبلاغها نورها المرجو لها، سكن فؤاده وآب إليه رشاده. ولو ~~كان جسمه بين القنا والقنابل. وحاله من الفقر في أخس المنازل. فما هو ~~السبيل إلى إبلاغ هذه النفس الهائمة أمنيتها، وإمتاعها بطلبتها، من صحة ~~العقيدة؟ السبيل لذلك هو العقل السليم. العقل في النوع الإنساني خصيصة من ~~أجل خصائصه، ومنحة من أفضل منح الله عليه، لو استعمل فيما ms3271 وضع له، واعتنى ~~بصحته واعتداله. بالعقل يسبر الإنسان غور هذا الوجود العظيم، على ضخامة ~~أجزائه وعظم أبعاده، ويستكنه سير النواميس السائدة عليه، فيستدل بها على ~~وجود الخالق عز وجل، وعلى تنزه أفعاله عن العبث، وصنائعه عن اللهو. كما ~~يستدل به على علمه وتدبيره ورحمته وحكمته، استدلالا محسوسا لا يقبل شبهة ~~ولا يداخله ريبة. بالعقل يدرس الإنسان أحوال الجمعيات البشرية. فيرى نواميس ~~رقيها وهبوطها، وأسباب رفعتها وضعتها. ويتبصر في أحوال الأنبياء الذين ~~أرسلهم الله إلى خلقه هادين مرشدين. فيستدل بالتدقيق فيما جاءوا به، وفي ~~الآثار التي تركوها، على معنى النبوة وضرورتها للبشر. وحكمة الله تعالى في ~~اختلاف المدارك والإحساسات، وفي تباين الملل والديانات. بالعقل يميز ~~الإنسان بين أحوال الماضي والحال. فيفرق تبعا لذلك بين الديانات الخاصة ~~وبين الديانات العامة. ويعثر بتعضيد العلم والبدائه، على الديانة التي يجب ~~أن تكون خاتمة الأديان كلها، وباقية بقاء النوع الإنساني، وهي شريعة خاتم ~~النبيين صلوات الله عليه وسلامه. # الرابعة- رأيت للإمام ابن القيم، رحمه الله، كلاما على هذه الآية في ~~كتابيه: # (الجواب الكافي) و (مفتاح دار السعادة) فأحببت نقله هنا لفوائده وللعناية ~~بهذه الآية، فإنها جديرة بذلك. قال في (الجواب الكافي) في فصل أبان فيه ~~العقوبات المترتبة على المعاصي: ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ ~~والعذاب في الآخرة. قال: وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر. ولا ريب أنه من ~~المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق ~~الإثبات، فإن عمومها من حيث المعنى. فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على ~~الإعراض عن # PageV07P158 # ذكره. فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا ~~بأوصاف النعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، ~~والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما تواريه عنه سكرات الشهوات ~~والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر. فسكر هذه ~~الأمور أعظم من سكر الخمر. فإنه يفيق صاحبه، ويصحو. وسكر الهوى وحب الدنيا ~~لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات. ms3272 فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض ~~عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي البرزخ ~~ويوم المعاد. ولا تقر العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ~~ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قرت عينه بالله، قرت به كل ~~عين. ومن لم تقر عينه بالله، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. والله تعالى ~~إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحا، كما قال تعالى: من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون [النحل: 97] ، فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح، الجزاء في ~~الدنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة. فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء ~~في الدارين. ونظير هذا قوله تعالى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، ولدار ~~الآخرة خير، ولنعم دار المتقين [النحل: 30] ، ونظيرها قوله تعالى: وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ~~فضل فضله [هود: 3] ، ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا ~~على الحياة الطيبة في الدارين، فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته ~~وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته، من ترك الشهوات المحرمة ~~والشبهات الباطلة، هو النعيم على الحقيقة. ولا نسبة لنعيم البدن إليه، فقد ~~كان بعض من ذاق هذه اللذة يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، ~~لجالدونا عليه بالسيوف. وقال آخر: إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان ~~أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إن في الدنيا جنة، هي ~~في الدنيا كالجنة في الآخرة. من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. # وقد «1» أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الجنة بقوله: (إذا مررتم ~~برياض الجنة فارتعوا. # قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. # وقال «2» : ما بين بيتي ومنبري روضة من PageV07P159 # رياض الجنة) # ولا تظن أن قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ~~[الانفطار: 13- 14] ، يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في ms3273 نعيم في دورهم ~~الثلاثة. وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة. وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب ~~من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته؟ ~~وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ وقد أثنى الله تعالى على خليله ~~عليه السلام بسلامة قلبه فقال: وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ~~[الصافات: ### | 83- 84 # ] ، وقال حاكيا عنه أنه قال: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم [الشعراء: 88- 89] ، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل ~~والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة. فسلم من كل آفة تبعده من ~~الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره. وسلم من كل ~~إرادة تزاحم مراده. وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله. فهذا القلب السليم في ~~جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد انتهى ملخصا. # وقال رحمه الله في (مفتاح دار السعادة) : فسر غير واحد من السلف قوله ~~تعالى: فإن له معيشة ضنكا بعذاب القبر. وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة ~~على عذاب القبر. ولهذا قال نحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى ~~وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # أي تترك في العذاب كما تركت العمل بآياتنا. فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار ~~البوار، ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~[غافر: 46] ، فهذا في البرزخ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ~~فهذا في القيامة الكبرى. ونظيره قوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون فقول الملائكة ~~اليوم تجزون عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت. ~~ونظيره قوله تعالى: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق [الأنفال: 50] ، فهذه الإذاقة في البرزخ. وأولها ms3274 حين الوفاة، ~~فإنه معطوف على قوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف لدلالة ~~الكلام عليه كنظائره. وكلاهما واقع وقت الوفاة. # PageV07P160 # وفي الصحيح «1» ، عن البراء بن عازب في قوله يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [إبراهيم: 27] ، قال: نزلت في ~~عذاب القبر. # والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر. والمقصود أن الله سبحانه ~~أخبر أن من أعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى، بأن له ~~معيشة ضنكا، وتكفل لمن حفظ عهده أن يحيه حياة طيبة ويجزيه أجره في الآخرة ~~فقال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة. ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] ، فأخبر سبحانه عن فلاح ~~من تمسك بعده علما وعملا في العاجلة بالحياة الطيبة، وفي الآخرة بأحسن ~~الجزاء. وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ، ونسيانه في ~~العذاب في الآخرة. وقال سبحانه: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو ~~له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون [الزخرف: 36- 37] ، ~~فأخبر سبحانه أن ابتلاءه بقرينه من الشياطين وضلاله به، إنما كان لسبب ~~إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله. فكان عقوبة هذا الإعراض، أن ~~قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه. وهو يحسب أنه مهتد. ~~حتى إذا وافى ربه يوم القيامة من قرينه، وعاين هلاكه وإفلاسه قال: يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين [الزخرف: 38] ، وكل من أعرض عن ~~الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله، فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة. # فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله، إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال ~~تعالى: ويحسبون أنهم مهتدون [الزخرف: 37] ؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله في ~~الضلال، الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول. ولو ظن ~~أنه مهتد، فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى. فإذا ضل فإنما أتي من ~~تفريطه وإعراضه. وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم ms3275 بلوغ الرسالة، وعجزه عن ~~الوصول إليها، فذاك له حكم آخر. # والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول. وأما الثاني فإن الله لا يعذب أحدا ~~إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~[الإسراء: # 15] ، وقال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل [النساء: 165] ، # و PageV07P161 # قال تعالى في أهل النار: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [الزخرف: ~~76] ، وقال تعالى: أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت ~~لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى ~~العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين [الزمر: 56- 59] ، وهذا كثير في القرآن. # الخامسة- قال ابن القيم: اختلف في قوله تعالى: ونحشره يوم القيامة أعمى ~~قال رب لم حشرتني أعمى هل هو من عمى البصيرة أو من عمى البصر؟ والذين قالوا ~~هو من عمى البصيرة، إنما حملهم على ذلك قوله تعالى: أسمع بهم وأبصر يوم ~~يأتوننا [مريم: 38] ، وقوله: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد [ق: 22] ، وقوله: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين [الفرقان: 22] ، وقوله: لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ~~[التكاثر: 6- 7] ، ونظائر هذا مما يثبت لهم الرؤية في الآخرة لقوله: # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي [الشورى: 45] ، ~~وقوله: يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر ~~هذا أم أنتم لا تبصرون [الطور: 13- 15] ، وقوله: ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها [الكهف: 53] . # والذين رجحوا أنه من عمى البصر، قالوا: السياق يدل عليه لقوله: قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا وهو لم يكن بصيرا في كفره قط، بل قد تبين له ~~حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق. فكيف يقول وقد كنت بصيرا وكيف ~~يجاب بقوله كذلك أتتك آياتنا فنسيتها؟ بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من ~~عمي ms3276 البصر وأنه جوزي من جنس عمله. فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث الله به ~~رسوله وعميت عنه بصيرته، أعمى الله به بصره يوم القيامة، وتركه في العذاب، ~~كما ترك الذكر في الدنيا، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة. # وعلى تركه ذكره، تركه في العذاب. وقال تعالى: ومن يهد الله فهو المهتد، ~~ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما [الإسراء: 97] ، وقد قيل في هذه الآية أيضا: إنهم عمي وبكم وصم ~~عن الهدى. كما قيل في هذه الآية قوله: ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: # 124] ، قالوا: لأنهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون. # ومن نصر أنه العمى والبكم والصمم، المضاد للبصر والسمع والنطق، قال: هو # PageV07P162 # عمي وصمم وبكم مقيد لا مطلق. فهو عمي عن رؤية ما يسرهم وسماعه. وهذا قد ~~روي عن ابن عباس قال: لا يرون شيئا يسرهم. وقال آخرون: هذا الحشر حين ~~تتوفاهم الملائكة، يخرجون من الدنيا كذلك. فإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف ~~قاموا كذلك. ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مروي عن الحسن. # وقال آخرون: هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها، سلبوا الأسماع ~~والأبصار والنطق، حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى: اخسؤا فيها ولا تكلمون ~~[المؤمنون: 108] ، فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم فيبصرون بأجمعهم، عميا ~~بكما صما، لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون. ولا يسمع فيها بعدها إلا ~~الزفير والشهيق. وهذا منقول عن مقاتل. # والذين قالوا: المراد به العمي عن الحجة، إنما مرادهم أنهم لا حجة لهم، ~~ولم يريدوا أن لهم حجة، هم عمي عنها، بل هم عمي عن الهدى كما كانوا في ~~الدنيا. # فإن العبد يموت على ما عاش عليه. ويبعث على ما مات عليه. وبهذا يظهر أن ~~الصواب هو القول الآخر، وأنه عمي البصر. وأن الكافر يعلم الحق يوم القيامة ~~عيانا، ويقر بما كان يجحد في الدنيا. فليس هو أعمى عن الحق يومئذ. # وفصل الخطاب أن الحشر هو الضم والجمع. ويراد به تارة الحشر إلى ms3277 موقف ~~القيامة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «1» (إنكم محشورون إلي حفاة عراة) ~~وكقوله تعالى: وإذا الوحوش حشرت [التكوير: 5] ، وكقوله تعالى: وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا [الكهف: 47] ، ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر. # فحشر المتقين جمعهم وضمهم إلى الجنة. وحشر الكافرين جمعهم وضمهم إلى ~~النار. لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم ~~الفصل الذي كنتم به تكذبون [الصافات: 20- 21] ، ثم قال تعالى: احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم ... [الصافات: 22] ، الآية وهذا الحشر الثاني. وعلى هذا فهم ~~ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف والحشر الثاني، يسمعون ويبصرون ~~ويجادلون ويتكلمون، وعند الحشر الثاني يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما. ~~ولكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته. فالقرآن يصدق بعضه ~~بعضا ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] . ~~انتهى. PageV07P163 # السادسة- قوله تعالى: وكذلك اليوم تنسى أي لما أعرضت عن آيات الله ~~وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها ~~وأغفلتها. # كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم ~~هذا [الأعراف: 51] ، فإن الجزاء من جنس العمل. فالنسيان مجاز عن الترك. # قال ابن كثير: فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه، والقيام بمقتضاه، ~~فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص. وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى. فإنه قد ~~وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك. # روى الإمام أحمد عن سعد بن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال «1» : «ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه، وهو ~~أجذم» . # السابعة- قوله تعالى: وكذلك نجزي من أسرف ... الآية، أي وهكذا نجزي ~~المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة. وعذاب الآخرة أشد وأبقى، ~~من ضنك العيش في الدنيا. لكونه دائما. ثم أشار تعالى إلى تقرير ما تقدم من ~~لحوق العذاب، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 128] # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ms3278 إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (128) # أفلم يهد لهم أي لهؤلاء المكذبين كم أهلكنا قبلهم من القرون أي الأمم ~~المكذبة للرسل يمشون في مساكنهم يريد قريشا، أي يتقلبون في بلاد عاد وثمود ~~ولوط ويعاينون آثار هلاكهم، وأن ليس لهم باقية ولا عين ولا أثر إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى أي العقول السليمة. كما قال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] ، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 129] # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) # ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى بيان لحكمة تأخير عذابهم مع ~~إشعار قوله: أفلم يهد لهم ... الآية، بإهلاكهم مثل هلاك (أولئك) ~~PageV07P164 # والكلمة السابقة، قال القاشاني: هو القضاء السابق أن لا يستأصل هذه الأمة ~~بالدمار والعذاب في الدنيا، لكون نبيهم نبي الرحمة. وقوله سبحانه: وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] . # وقال الزمخشري: الكلمة السابقة هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة. يقول: # لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عادا وثمودا لازما لهؤلاء الكفرة. و ~~(اللزام) إما مصدر (لازم) كالخصام، وصف به مبالغة. أو اسم آلة لأنها تبنى ~~عليه كحزام وركاب، واسم الآلة يوصف به مبالغة أيضا، كقولهم: مسعر حرب، ~~ولزاز خصم بمعنى ملح على خصمه. من (لز) بمعنى ضيق عليه. # وجوز أبو البقاء فيه كونه جمع (لازم) . كقيام جمع قائم. # وقوله تعالى: وأجل مسمى عطف على (كلمة) أي ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو ~~لعذابهم، وهو يوم القيامة أو يوم بدر، لما تأخر عذابهم أصلا. # قال أبو السعود: وفصله عما عطف عليه، للإشعار باستقلال كل منهما، بنفي ~~لزوم العذاب ومراعاة فواصل الآية الكريمة. # وقد جوز عطفه على المستكن في (كان) العائد إلى الأخذ العاجل، المفهوم من ~~السياق، تنزيلا للفصل بالخبر منزلة التأكيد. لكان الأخذ العاجل، وأجل مسمى ~~لازمين لهم، كدأب عاد وثمود وأضرابهم. ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ ~~العاجل. ms3279 وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 130] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى أي إذا كان تأخير عذابهم ليس بإهمال بل ~~إمهال، فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر، فالفاء سببية. والمراد بالصبر ~~عدم الاضطراب لما صدر منهم، لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة. وفي ~~التسبيح المأمور به وجهان: # الأول- أنه التنزيه. والمعنى: ونزه ربك عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من ~~النقائص، حامدا له على ما ميزك بالهدى، معترفا بأنه المولى للنعم كلها. ومن ~~صيغه # PageV07P165 # المأثورة (سبحان الله وبحمده) . وعليه فسر تخصيص هذه الأوقات الإشارة إلى ~~الدوام، مع أن لبعض الأوقات مزية يفضل بها غيرها. # الثاني- أنه الصلاة وهو الأقرب لآية واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: # 45] ، والآيات يفسر بعضها بعضا. والمعنى: صل وأنت حامد لربك على هدايته ~~وتوفيقه، قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الفجر. وقبل غروبها، يعني صلاة الظهر ~~والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار، بين زوال الشمس وغروبها ~~ومن آناء الليل فسبح أي من ساعاته، يعني المغرب والعشاء. وإنما قدم الوقت ~~فيهما، لاختصاصهما بمزيد الفضل. وذلك لأن أفضل الذكر ما كان بالليل لاجتماع ~~القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب تعالى. ولأن الليل وقت السكون والراحة، ~~فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت ~~أفضل عند الله وأقرب. # قوله تعالى: وأطراف النهار تكرير لصلاة الفجر والمغرب، إيذانا باختصاصهما ~~بمزيد مزية. ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس، والمرجح مشاكلته ل آناء الليل ~~أو أمر بصلاة الظهر. فإنه نهاية النصف الأول من النهار، وبداية النصف ~~الأخير. وجمعه باعتبار النصفين. أو لأن النهار جنس فيشمل كل نهار، أو أمر ~~بالتطوع في أجزاء النهار. # وقال الرازي: إنما أمر، عقيب الصبر، بالتسبيح، لأن ذكر الله تعالى يفيد ~~السلوة والراحة. إذ لا راحة للمؤمنين ms3280 دون لقاء الله تعالى. قلت: وقد أشير ~~إلى حكمة الأمر بالصبر والتسبيح بقوله تعالى: لعلك ترضى أي رجاء أن تنال ما ~~به ترضى نفسك، من رفع ذكرك. ونقهرك على عدوك وبلوغ أمنيتك من ظهور توحيد ~~ربك وهذا كقوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: 79] ، ~~وقوله تعالى: ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5] . # ثم أشار تعالى إلى أن ما متع به الكفار من الزخارف، إنما هو فتنة لهم فلا ~~ينبغي الرغبة فيه، وإن ما أويته أجل وأسمى، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 131] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم أي أصنافا من الكفرة زهرة # PageV07P166 # الحياة الدنيا # أي زينتها. منصوب على البدلية من أزواجا أو ب متعنا على تضمينه معنى: ~~أعطينا وخولنا لنفتنهم فيه أي لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك ونبتليهم. ~~فإن ذلك فان وزائل وغرور وخدع تضمحل. # قال أبو السعود: لنفتنهم متعلق ب متعنا جيء به للتنفير عنه ببيان سوء ~~عاقبته مآلا، إثر إظهار بهجته حالا. أي لنعاملهم معاملة من يبتليهم ~~ويختبرهم فيه. # أو لنعذبهم في الآخرة بسببه ورزق ربك خير وأبقى أي ثوابه الأخروي خير في ~~نفسه مما متعوا به وأدوم، كقوله تعالى: ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~[القصص: 80] ، أو المعنى ما أوتيت من النبوة والهدى، خير مما فتنوا به ~~وأبقى، لأنه لا مناسبة بين الهدى الذي تتبعه السعادة في الدارين، وبين زهرة ~~يتمتع بها مدة ثم تذبل وتفنى. وفي التعبير ب (الزهرة) إشارة لسرعة ~~الاضمحلال، فإن أجلها قريب. # ومن لطائف الآية ما قاله الزمخشري رحمه الله، ونصه: مد النظر تطويله وأن ~~لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه، وإعجابا به وتمنيا أن يكون له. كما ~~فعل نظارة قارون حين قالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ~~[القصص: 79] ، حتى واجههم أولو العلم والإيمان ب ويلكم ثواب ms3281 الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا [القصص: 80] . # وفيه: أن النظر غير الممدود معفو عنه. وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ~~ثم غض الطرف. ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وإن من أبصر ~~منها شيئا أحب أن يمد إليه نظره ويملأ منه عينيه، قيل: ولا تمدن عينيك. أي ~~لا تفعل ما أنت معتاد له وضار به. ولقد شدد العلماء من أهل التقوى في وجب ~~غض البصر عن أبنية الظلمة، وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم ~~إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، ~~وكالمغري لهم على اتخاذها. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية # 132] # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ~~(132) # وأمر أهلك بالصلاة يعني (بأهله) أهل بيته أو التابعين له. أي مرهم ~~بإقامتها لتجذب قلوبهم إلى خشية الله واصطبر عليها أي على أدائها، لترسخ ~~بالصبر عليها ملكة الثبات على العبادة، والخشوع والمراقبة، التي ينتج عنها ~~كل خير. ثم أشار تعالى إلى أن الأمر بها، إنما هو لفلاح المأمور ومنفعته، ~~ولا يعود على # PageV07P167 # الآمر بها نفع ما، لتعاليه وتنزهه بقوله لا نسئلك رزقا نحن نرزقك أي لا ~~نسألك مالا. بل نكلفك عملا ببدنك نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا. ~~ومعنى: نحن نرزقك، أي نحن نعطيك المال ونكسبك ولا نسألكه. قاله ابن جرير. # وقال أبو مسلم: المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة. ولا يريد ~~منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج. وهو كقوله تعالى: وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ~~[الذاريات: ### | 56- 57 # ] ، وقال بعض المفسرين: معنى الآية. أقبل مع أهلك على الصلاة واستعينوا ~~بها على خصاصتكم. ولا تهتموا بأمر الرزق والمعيشة، فإن رزقك مكفي من عندنا، ~~ونحن رازقوك. وهذا المعنى لا تدل عليه الآية منطوقا ولا مفهوما. وفيه حض ~~على القعود عن الكسب، ومستند للكسالى القانعين بسكنى المساجد عن السعي ~~المأمور به. وقد ms3282 قال تعالى: في وصف المتقين رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ~~عن ذكر الله [النور: 37] ، إشارة إلى جمعهم بين الفضيلتين. ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة [البقرة: 201] . # وقوله تعالى: والعاقبة للتقوى أي والعاقبة الحسنة من عمل كل عامل، لأهل ~~التقوى والخشية من الله، دون من لا يخاف له عقابا ولا يرجو له ثوابا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : آية 133] # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ~~(133) # وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه يعنون ما تعنتوا في اقتراحه مما تقدم، في ~~سورة بني إسرائيل، من قوله تعالى: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ... [الإسراء: 90- 91] الآية. # وقول تعالى: أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى أي: أو لم يأتهم بيان ما ~~في الكتب التي قبل هذا الكتاب، من أنباء الأمم من قبلهم، التي أهلكناهم لما ~~سألوا الآيات، فكفروا بها لما أتتهم، كيف عجلنا لهم العذاب، وأنزلنا بهم ~~بأسنا بكفرهم بها. يقول: فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية، أن يكون حالهم حال ~~أولئك. هذا ما قاله ابن جرير. # وذهب غيره إلى أن المعنى: أو لم يأتهم آية هي أم الآيات وأعظمها، وهي ~~معجزة القرآن المبينة لما في الكتب الأولى من التوراة والإنجيل والزبور. مع ~~أن الآتي # PageV07P168 # بها أمي لم يرها ولم يتعلم ممن علمها. فنقب منها على الصحيح من أنبائها ~~فصدقه، وعلى الباطل المحرف ففنده. وفيه إشعار بكفاية التنزيل في الإعجاز ~~والبرهان كما قال تعالى في سورة العنكبوت: وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه، قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [العنكبوت: 50- ~~51] ، ولذلك قال أحد حكماء الإسلام. إن الخارق للعادة الذي يعتمد عليه ~~الإسلام في دعوته إلى التصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم هو الخارق ~~الذي تواتر خبره ولم ينقطع أثره. وهو الدليل وحده. ms3283 وما عداه مما ورد في ~~الأخبار، سواء صح سندها أو اشتهر أو ضعف أو وهي، فليس مما يوجب القطع عند ~~المسلمين. فإذا أورد في مقام الاستدلال، فهو على سبيل التقوية للعقد لمن ~~حصل أصله، وفضل من التأكيد لمن سلمه من أهله. ذلك الخارق المتواتر المعول ~~عليه في الاستدلال لتحصيل اليقين، هو القرآن وحده. والدليل على أنه معجزة ~~خارقة للعادة، تدل على أن موحيه هو الله وحده وليس من اختراع البشر، هو أنه ~~جاء على لسان أمي لم يتعلم الكتاب ولم يمارس العلوم، وقد نزل على وتيرة ~~واحدة هاديا للضال مقوما للمعوج كافلا بنظام عام لحياة من يهتدي به من ~~الأمم، منقذا لهم من خسران كانوا فيه. وهلاك كانوا أشرفوا عليه. وهو مع ذلك ~~من بلاغة الأسلوب على ما لم يرتق إليه كلام سواه، حتى لقد دعي الفصحاء ~~والبلغاء، أن يعارضوه بشيء من مثل، فعجزوا ولجئوا إلى المجالدة بالسيوف، ~~وسفك الدماء واضطهاد المؤمنين به، إلى أن ألجأوهم إلى الدفاع عن حقهم، وكان ~~من أمرهم ما كان من انتصار الحق على الباطل وظهور شمس الإسلام تمد عالمها ~~بأضوائها، وتنشر أنوارها في أجوائها. وهذا الخارق قد دعا الناس إلى النظر ~~فيه بعقولهم. وطولبوا بأن يأتوا في نظرهم على آخر ما تنتهي إليه قوتهم، ~~فإما وجدوا طريقا لإبطال إعجازه أو كونه لا يصلح دليلا على المدعي، فعليهم ~~أن يأتوا به، قال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله [البقرة: 23] ، وقال أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] ، وقال غير ذلك، مما هو مطالبة ~~بمقاومة الحجة بالحجة. ولم يطالبهم بمجرد التسليم على رغم من العقل. # معجزة القرآن جامع من القول والعلم. وكل منهما مما يتناوله العقل بالفهم. # فهي معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في ~~أحنائها. ونشر ما انطوى في أثنائها. وله منها حظه الذي لا ينتقص. فهي معجزة # PageV07P169 # أعجزت كل طوق أن يأتي بمثلها. ولكنها دعت ms3284 كل قدرة أن تتناول ما تشاء ~~منها. # أما معجزة موت حي بلا سبب معروف للموت، أو حياة ميت أو إخراج شيطان من ~~جسم، أو شفاء علة من بدن، فهي مما ينقطع عنده العقل ويجمد لديه الفهم. ~~وإنما يأتي بها الله على يد رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم ولم تضيء عقولهم ~~بنور العلم. # وهكذا يقيم الله بقدرته من الآيات للأمم على حسب الاستعدادات. # وقال فاضل آخر: قضت مراحم الله جل شأنه أن يكون الأكوان في الطبيعة على ~~ترتيب محكم. ينطق بلسان الصمت للمتبصر، ويظهر بلباس الوضوح للمتفكر، ويحبب ~~إليه الانتقال منه إلى غيره بدون أن يشعر بملل ولا سآمة، ولا يؤوب من ~~استبصاره بندامة، بدون هذا الاعتبار بالعقل، لا يأتي للنفس أن تصح عقيدتها، ~~ولا يتأتى لها تبعا لذلك أن تسكن من اضطرابها. هذا، ولا ننكر أنه قد مضى ~~على النوع الإنساني زمن كان فيه العقل في دور الطفولية. وكان يكفيه في ~~الإيمان أن يندهش لأمر خارق للطبيعة، يعطل من سير نواميسها وقتا ما. وكان ~~الله سبحانه وتعالى يرأف بعباده فيرسل إليهم رسلا يمتعهم بخصائص تعجز عن ~~اكتناه سرها عقولهم. # وتندهش لها ألبابهم، فيستدلون بهذه المعجزات على صدق الرسول وضرورة ~~اتباعه، وأما الآن، حيث بلغ العقل أشده، والنوع الإنساني رشده، فلا تجدي ~~فيه معجزة، ولا تنفع فيه غريبة. لأن الشكوك قد كثرت مع كثرة المواد ~~العلمية. فإن حدث حادث من هذا القبيل رموا فاعله بالتدليس أولا، ثم إذا ظهر ~~لهم براءته منه أخذوا يعللون معجزته بكل أنواع التعليلات. هذا من جهة. ومن ~~جهة أخرى، فإن طائفة الاسبيريت الروحيين في أوربا تعمل الآن من الأعمال ~~المدهشة الخارقة لنواميس الطبيعة، ما لو رآه الجهلاء لظنوا به أنه من أكبر ~~المعجزات، من أن القوم لا يدعون النبوة، ولا يزعمون الرسالة. نعم، لا ننكر ~~أن أعمال هذه الطائفة ليست من نوع معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~ولكنه بدون شك، يقلل من أهميتها في نظر الذين يقفون مع ظواهر الأشياء. # ومما يدل على أن هذه القرون ms3285 الأخيرة لا تروج فيها مسائل المعجزات، تكذيب ~~علماء أوربا بكل المعجزات السابقة. وهو، وإن كان تهورا منهم، إلا أنهم ~~مصيبون في قولهم إننا في زمان لا يجدي فيه الاعتقاد إلا النور العقلي ~~والدليل العلمي. لهذه الأسباب جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى السبيل ~~الحق، ببداءة العقل، وقواعد العلم. صارفة النظر عن المعجزات وإظهار ~~المدهشات. لعلم الله سبحانه وتعالى بأنه سيأتي زمان تؤثر فيه المقررات ~~العلمية على القوة العقلية، ما لا تؤثر عليها الخوارق للنواميس الطبيعية. ~~انتهى. # PageV07P170 # ثم أشار تعالى إلى منته في إرسال الرسول صلوات الله عليه، والإعذار ~~ببعثته، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة طه (20) : الآيات 134 الى 135] # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ~~أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله أي من قبل إتيان البينة، أو محمد عليه ~~السلام لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل أي ~~بالعذاب الدنيوي ونخزى أي بالعذاب الأخروي. أي ولكنا لم نهلكهم قبل ~~إتيانها. # فانقطعت معذرتهم. فعند ذلك، قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء قل أي لأولئك الكفرة المتمردين كل أي منا ومنكم متربص أي ~~منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم فتربصوا فستعلمون أي عن قرب من أصحاب ~~الصراط السوي أي المستقيم ومن اهتدى أي من الزيغ والضلالة. أي هل هو النبي ~~وأتباعه، أم هم وأتباعهم. # وقد حقق الله وعده. ونصر عبده. وأعز جنده. وهزم الأحزاب وحده. فله الحمد ~~في الأولى والآخرة. # PageV07P171 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأنبياء # سميت بذلك لاشتمالها على فضائل جليلة، لجماعة منهم عليهم السلام. # وهي مكية واستثنى منها بعضهم آية أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها [الأنبياء: 44] ، وهي مائة واثنتا عشرة آية. وروى البخاري عن عبد ~~الله ابن مسعود قال: بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء، هن من العتاق ~~الأول، وهن من ms3286 تلادي. # قال ابن الأثير: أي من أول ما أخذته وتعلمته بمكة. والتالد: المال القديم ~~الذي ولد عندك، وهو نقيض الطارف. # PageV07P172 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) # اقترب للناس حسابهم أي دنا لأهل مكة ما وعدوا به في الكتاب من الحساب ~~الأخروي وهو عذابهم وهم في غفلة أي عما يراد بهم معرضون أي مكذبون به. ~~وإنما كان مقتربا لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، قريب. وقد قال ~~تعالى: إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا [المعارج: 6- 7] ، وقال تعالى ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون [الحج: 47] ، ولا يخفى ما في عموم (الناس) من الترهيب البليغ. # وإن حق الناس أن ينتبهوا لدنو الساعة، ليتلافوا تفريطهم بالتوبة والندم. ~~كما أن في تسمية يوم القيامة، بيوم الحساب زيادة إيقاظ، لأن الحساب هو ~~الكاشف عن حال المرء، ففي العنوان ما يرهب منه، ولو قيل بأن الحساب أعم من ~~الدنيوي والأخروي لم يبعد، ويكون فيه إشارة إلى قرب محاسبة مشركي مكة ~~بالانتصاف منهم والانتصار عليهم، كما أشير إليه في آية فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح [المائدة: 52] ، ووعد به النبي وصحبه في آيات كثيرة. إلا أن شهرة ~~الحساب فيما بعد البعث الأخروي، حمل المفسرين على قصر الآية عليه. والله ~~أعلم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 2] # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون تقريع لهم على ~~مكافحة الحكمة بنقيضها. وتسجيل عليهم بالجهل الفاضح. فإن من حق ما يذكر ~~أكمل تذكير، وينبه على الغفلة أتم ### | تنبيه، # أن تخشع له القلوب وتستخذي له الأنفس. # قال الزمخشري: بعد أن وصفهم بالغفلة مع الإعراض، قرر إعراضهم عن تنبيه # PageV07P173 # المنبه وإيقاظ الموقظ، فأن الله يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا. ويحدث لهم ~~الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة، ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة، ~~لعلهم ms3287 يتعظون. # فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر، التي ~~هي أحق الحق وأجد الجد، إلا لعبا وتلهيا واستسخارا. و (الذكر) هو الطائفة ~~النازلة من القرآن. انتهى. ### | تنبيه: # استدل بهذه الآية من ذهب إلى حدوث كلامه تعالى المسموع. وهم المعتزلة ~~والكرامية والأشعرية. فأما المعتزلة فقالوا إنما كان القرآن حادثا لكونه ~~مؤلفا من أصوات وحروف. فهو قائم بغيره وقالوا: معنى كونه متكلما، أنه موجد ~~لتلك الحروف والأصوات في الجسم. كاللوح المحفوظ أو كجبريل أو النبي عليه ~~الصلاة والسلام، أو غيرهم كشجرة موسى. # وأما الكرامية، فلما رأوا ما التزمه المعتزلة مخالفا للعرف واللغة، ذهبوا ~~إلى أن كلامه صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته ~~تعالى. فذهبوا إلى حدوث الدال والمدلول. وجوزوا كونه تعالى محلا للحوادث. # والأشعرية قالوا: إن الكلام المتلو دال على الصفة القديمة النفسية، التي ~~هي الكلام عندهم حقيقة. # قالوا: فما نزل على الأنبياء من الحروف والأصوات، وسمعوها وبلغوها إلى ~~أممهم، هو محدث موصوف بالتغير والتكثر والنزول. لا مدلولها التي هي تلك ~~الصفة القديمة. والمسألة شهير ما للعلماء فيها. والقصد أن الآية المذكورة ~~رآها من ذكر، حجة فيما ذهب إليه. وقد عد الإمام ابن تيمية، عليه الرحمة ~~والرضوان، هذا الاحتجاج من الأغلاط، وعبارته في كتابه (مطابقة المنقول ~~للمعقول) : # احتج من يقول بأن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة، بهذه الآية، مع أن ~~دلالة الآية على نقيض قولهم، أقوى منها على قولهم. فإنها تدل على أن بعض ~~الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولهم. والحدوث في لغة العرب العام ~~ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام. فإن العرب يسمون ما تجدد حادثا، وما ~~تقدم على غيره قديما. وإن كان بعد أن لم يكن كقوله تعالى: كالعرجون القديم ~~[يس: # 39] ، وقوله تعالى عن إخوة يوسف تالله إنك لفي ضلالك القديم [يوسف: # 95] ، وقوله تعالى وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم [الأحقاف: # PageV07P174 # 11] ، وقوله تعالى عن إبراهيم أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون [الشعراء: 75- 76] ، انتهى. # وقال العارف ابن عربي ms3288 في الباب التاسع والستين والثلاثمائة من (فتوحاته) ~~في هذه الآية: المراد أنه محدث الإتيان، لا محدث العين. فحدث علمه عندهم ~~حين سمعوه. وهذا كما تقول حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أنه كان موجودا قبل ~~أن يأتي. وكذلك القرآن جاء في مواد حادثة تعلق السمع بها. فلم يتعلق الفهم ~~بما دلت عليه الكلمات. فله الحدوث من وجه والقدم من وجه. # فإن قلت: فإن الكلام لله والترجمة للمتكلم. فالجواب نعم. وهو كذلك بدليل ~~قوله تعالى مقسما (إنه) يعني القرآن: لقول رسول كريم [الحاقة: 40] فأضاف ~~الكلام إلى الواسطة والمترجم، كما أضافه تعالى إلى نفسه بقوله: فأجره حتى ~~يسمع كلام الله [التوبة: 6] ، فإذا تلي علينا القرآن فقد سمعنا كلام الله ~~تعالى. وموسى لما كلمه ربه سمع كلام الله. ولكن بين السماعين بعد المشرقين. # فإن الذي يدركه من يسمع كلام الله بلا واسطة، لا يساويه من يسمعه ~~بالوسائط. # انتهى. # وبالجملة فالمذهب المأثور عن أهل السنة والجماعة أئمة الحديث والسلف، كما ~~قاله ابن تيمية في (منهاج السنة) أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ~~بكلام يقوم به. وهو متكلم بصوت يسمع. وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس ~~الصوت المعين قديما. # وبعبارة أخرى: أنه تعالى لم يزل متصفا بالكلام. يقول بمشيئته وقدرته شيئا ~~فشيئا. فكلامه حادث الآحاد، قديم النوع. # ثم قال رحمه الله: فإن قيل لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قلنا نعم. # وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل ومن لم يقل إن البارئ يتكلم ويريد ~~ويحب ويبغض ويرضى ويأتي ويجيء- فقد ناقض كتاب الله. ومن قال: إنه لم يزل ~~ينادي موسى في الأزل فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل. لأن الله تعالى ~~يقول: فلما جاءها نودي [النمل: 8] ، وقال: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون [يس: 82] ، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال. # ثم قال رحمه الله: قالوا- يعني أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما- وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل # PageV07P175 # على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته، ms3289 وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئا ~~بعد شيء، فنحن نقول به. وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، ~~وأنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فنحن نقول به. وقد أخذنا بما في ~~قول كل من الطائفتين من الصواب، وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل ~~منهما. فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به، قلنا: ومن ~~أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح ~~العقل. وهو قول لازم لجميع الطوائف: ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ~~ولفظ (الحوادث) مجمل فقد يراد به الأعراض والنقائص، والله منزه عن ذلك. ~~ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك، مما دل عليه ~~الكتاب والسنة. # ثم قال: والقول بدوام كونه متكلما ودوام كونه فاعلا بمشيئته، منقول عن ~~السلف وأئمة المسلمين من أهل البيت وغيرهم. كابن المبارك وأحمد بن حنبل ~~والبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم. # ثم قال فنحن قلنا بما يوافق العقل والنقل من كمال قدرته ومشيئته: وإنه ~~قادر على الفعل بنفسه كيف شاء. وقلنا إنه لم يزل موصوفا بصفات الكمال ~~متكلما ذاتا. # فلا نقول إن كلامه مخلوق منفصل عنه، فإن حقيقة هذا القول أنه لا يتكلم. ~~ولا نقول إنه شيء واحد، أمر ونهي وخبر. فإن هذا مكابرة للعقل. ولا نقول إنه ~~أصوات منقطعة متضادة أزلية، فإن الأصوات لا تبقى زمانين. وأيضا فلو قلنا ~~بهذا القول والذي قبله، لزم أن يكون تكليم الله للملائكة ولموسى ولخلقه يوم ~~القيامة، ليس إلا مجرد خلق الإدراك لهم، لما كان أزليا لم يزل ومعلوم أن ~~النصوص دلت على ضد ذلك. ولا نقول إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما. ~~فإنه وصف له بالكمال بعد النقص وإنه صار محلا للحوادث التي كمل بها بعد ~~نقصه. ثم حدوث ذلك الكمال لا بد له من سبب. والقول في الثاني كالقول في ~~الأول. ففيه تجدد جلاله ودوام أفعاله. انتهى ملخصا. # ثم بين تعالى ms3290 ما كانوا يتناجون به من ضلالهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 3] # لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون (3) # لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أي أسروا # PageV07P176 # هذا الحديث ليصدوا عن سبيل الله. و (الذين) بدل من واو (أسروا) أو مبتدأ ~~خبره (أسروا) أو منصوب على الذم أفتأتون السحر أي تنقادون له وتتبعونه. ~~وقوله وأنتم تبصرون حال مؤكدة للإنكار والاستبعاد. قال الزمخشري رحمه الله: # اعتقدوا أن رسول الله لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر ~~وجاء بالمعجزة هو ساحر، ومعجزته سحره. فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: ~~أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر. # قال أبو السعود: وزل عنهم أن إرسال البشر إلى عامة البشر، هو الذي تقتضيه ~~الحكمة التشريعية. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 4] # قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # قال ربي حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. وقرئ (قل) على ~~الأمر له صلوات الله عليه يعلم القول في السماء والأرض، وهو السميع أي لما ~~أسروه العليم أي به فيجازيهم. ثم بين خوضهم في فنون الاضطراب وعدم اقتصارهم ~~على ما تقدم من دعوى السحر، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 5] # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) # بل قالوا أضغاث أحلام أي أخلاط يراها في النوم بل افتراه أي اختلقه بل هو ~~شاعر أي ما أتى به شعر يخيل للناس معاني لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل ~~المحجوج، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد فليأتنا ~~بآية كما أرسل الأولون أي مثل الآية التي أرسل بها الأولون. أي حتى نؤمن ~~له. ثم أشار تعالى إلى كذبهم في دعوى الإيمان بمجيء الآية، كما يشير إليه ~~طلبهم لها، بقوله سبحانه وتعالى. ### | القول في تأويل ms3291 قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 6] # ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) # ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها، أفهم يؤمنون أي لم تؤمن أمة من الأمم # PageV07P177 # المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات. أفهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ~~ما سألوا، وأعطوا ما اقترحوا، مع كونهم أعتى منهم وأطغى. وفيه تنبيه على أن ~~عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم. إذ لو أتى به ولم يؤمنوا، استوجبوا ~~عذاب الاستئصال، كمن قبلهم. وقدمنا أن رقي النوع البشري في العهد النبوي، ~~اقتضى أن تكون الآية عقلية، لا كونية. فتذكر. # ثم أوضح جواب شبهتهم في منافاة البشرية للرسالة، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 7] # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (7) # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم أي لا ملائكة. وقرئ بالياء وفتح ~~الحاء فسئلوا أهل الذكر أي العلماء بالتوراة والإنجيل إن كنتم لا تعلمون أي ~~أن الرسل بشر، فيعلموكم إن المرسلين لم يكونوا ملائكة. وفي الآية دليل على ~~جواز الاستظهار بأقوال أهل الكتاب ومروياتهم، لحج الخصم وإقناعه. ### | تنبيه: # قال الرازي: فأما ما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية، في أن للعامي أن ~~يرجع إلى فتيا العلماء، وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر- فبعيد. لأن ~~هذه الآية خطاب مشافهة. وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة. ومتعلقة ~~باليهود والنصارى على التعيين. انتهى. # ثم بين تعالى كون الرسل كسائر الناس، في أحكام الطبيعة البشرية، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 8] # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام أي جسدا مستغنيا عن الطعام، بل محتاجا ~~إلى ذلك لجبر ما فات بالتحليل كما قال تعالى: وما أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20] ، وفي هذا ~~التعريف الرباني عن حال المرسل، أكبر رادع لأولئك المنزوين عن الناس ~~المتصيدين # PageV07P178 # به قلوب الرعاع والعامة والحمقى ومن لا يزن عند ربه جناح ms3292 بعوضة. إذ يرون ~~تناول الطعام في المحافل وتكثير سواد الناس في المجامع والخروج للأسواق ~~لقضاء الحاجات، من أعظم الهوادم لصروح الاعتقاد فيهم. فتراهم يأنفون من ~~شراء حوائجهم بأيديهم، وهو السنة. ومن المشي بالأسواق، وهو المأذون فيه. ~~ومن إجابة الدعوة، وهي واجبة، لأوهام في أنفسهم شيدوها. ومحافظة على السمعة ~~حموا جانبها. فتبا لهم من قوم مبتدعين، يعبدون قلوب الخلق ولا يعبدون الله. ~~ويريدون حالة فوق ما عليه رسل الله. وما ذلك إلا لله. فما أجرأهم على ~~منازعة الجبار! وما أصبرهم على النار! وقوله تعالى: # وما كانوا خالدين أي في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون كما قال ~~تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد [الأنبياء: 34] ، وخاصتهم أنهم يوحى ~~إليهم من الله عز وجل. تنزل عليهم الملائكة بما يحكمه في خلقه مما يأمر به ~~وينهى عنه. وكونهم بشرا في تمام النعمة الإلهية. وذلك ليتمكن المرسل إليهم ~~من الأخذ عنهم والانتفاع بهم. إذ الجنس أميل إلى الجنس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 9] # ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # ثم صدقناهم الوعد أي في غلبتهم على أعدائهم كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ~~[المجادلة: 12] ، فأنجيناهم ومن نشاء أي من أتباعهم ومن قضت الحكمة بإبقائه ~~وأهلكنا المسرفين أي المجاوزين الحدود في الكفر. ثم نبه تعالى على شرف ~~القرآن، محرضا لهم على معرفة قدره، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 10] # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي شرفكم وحديثكم الذي تذكرون به فوق ~~شرف الأشراف أفلا تعقلون أي هذه النعمة وتتلقونها بالقبول كما قال تعالى: ~~وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسئلون [الزخرف: 44] ، وقيل: معنى ذكركم موعظتكم ~~فالذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول. قال أبو السعود: وهو الأنسب بسباق ~~النظم الكريم وسياقه. فإن قوله تعالى أفلا تعقلون إنكار توبيخي، فيه بعث ~~لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ # PageV07P179 # والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة. ثم أشار ms3293 تعالى إلى ~~نوع تفصيل لإجمال هلاك المسرفين المتقدم له، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 11 الى 13] # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا ~~بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا ~~أي عذابنا النازل بهم إذا هم منها يركضون أي يهربون مسرعين. ثم قيل لهم ~~استهزاء بلسان الحال أو المقال لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه أي من ~~التنعم والتلذذ و (في) ظرفية أو سببية ومساكنكم أي التي كثر فيها إسرافكم ~~لعلكم تسئلون أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات والنوازل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 14 الى 16] # قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم ~~حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) # قالوا أي لما أيقنوا بنزول العذاب يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك ~~دعواهم أي تلك الكلمة وهي (يا ويلنا) دعوتهم فلا تختص بوقت الدهشة، بل تدوم ~~عليهم ما أمكنهم النطق حتى جعلناهم حصيدا أي كنبات محصود خامدين أي هالكين ~~بإخماد نار أرواحهم وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي بل ~~للإنعام عليهم. وما أنعمنا عليهم بذلك إلا ليقوموا بشكرها وينصرفوا إلى ما ~~خلقوا له. قال الزمخشري عليه الرحمة: أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا ~~المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق، مشحونة بضروب البدائع ~~والعجائب، كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب. # وإنما سويناها للفوائد الدينية، والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار ~~واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا ~~تعد والمرافق التي لا تحصى. وقال أبو السعود: في هذه الآية إشارة إجمالية ~~إلى أن تكوين العالم وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحكم البالغة، ~~المستتبعة للغايات الجليلة. وتنبيه على # PageV07P180 # أن ما حكي من العذاب الهائل والعقاب ms3294 النازل بأهل القرى، من مقتضيات تلك ~~الحكم، ومتفرعاتها. عن حسب اقتضاء أعمالهم إياه. وإن للمخاطبين المقتدين ~~بآثارهم ذنوبا مثل ذنوبهم. أي ما خلقناهما وما بينهما على هذا النمط البديع ~~والأسلوب المنيع، خالية عن الحكم والمصالح. وإما عبر عن ذلك باللعب واللهو، ~~حيث قيل لاعبين لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة. # بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره عنه تعالى. بل إنما ~~خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه. ودليلا يقوده ~~إلى تحصيل معرفتنا التي هي الغاية القصوى، بواسطة طاعتنا وعبادتنا. كما ~~ينطق به قوله تعالى: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا [هود: 7] ، وقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 17] # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين استئناف مقرر لما ~~قبله من انتفاء اللعب واللهو. أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب ~~لاتخذناه من عندنا. كديدن الجبابرة في رفع العروش وتحسينها، وتسوية الفروش ~~وتزيينها. لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة. فيستحيل اتخاذنا له ~~قطعا. وقوله تعالى: إن كنا فاعلين جوابه محذوف دل عليه ما قبله. أي ~~لاتخذناه. وقيل: إن (إن) نافية. # أي ما كنا فاعلين. أي لاتخاذ اللهو، لعدم إرادتنا إياه. فيكون بيانا ~~لانتفاء التالي، لانتفاء المقدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 18] # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) # بل نقذف بالحق على الباطل إضراب عن اتخاذ اللهو بل عن إرادته. وتنزيه منه ~~لذاته العلية كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب أو نريده، بل من ~~شأننا أن ندحض الباطل بالحق فيدمغه أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى ~~المحكية فإذا هو زاهق أي هالك بالكلية. وقد استعير لإرسال الحق على الباطل ~~(القذف) الذي هو ms3295 الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة. ولمحقه للباطل (الدمغ) ~~الذي هو # PageV07P181 # كسر الشيء الرخو الأجوف. وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدي إلى زهوق ~~الروح، استعارة تصريحية تبعية. ويصح أن يكون تمثيلا لغلبة الحق على الباطل ~~حتى يذهبه، برمي جرم صلب على رأس دماغها رخو ليشقه، وذكر فإذا هو زاهق ~~لترشيح المجاز. لأن من رمى فدمغ تزهق روحه. فهو من لوازمه. قال أبو السعود: # وفي (إذا) الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في ~~الذهاب والبطلان، ما لا يخفى. فكأنه زاهق من الأصل وفي الآية إيماء إلى علو ~~الحق وتسفل الباطل. وأن جانب الأول باق والثاني فان ولكم الويل مما تصفون ~~أي مما تصفونه به من اتخاذ الولد ونحوه، مما تتنزه عظمته عنه. ثم أخبر ~~تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا، وبراءتهم من ~~البنوة المفتراة عليهم، إثر إخباره عن ملكه للخلق كافة، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 19] # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~(19) # وله من في السماوات والأرض أي ملكا وتدبيرا ومن عنده وهم الملائكة لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون أي لا يعيون ولا يتعبون منها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 20] # يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # يسبحون الليل والنهار لا يفترون أي من تنزيهه وعبادته، ثم أشار تعالى إلى ~~تقرير وحدانيته في ألوهيته ونفي الأنداد، إثر تقريره أمر الرسالة- فإن ما ~~سلف من أول السورة كان في تحقيق شأن النبوة بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 21] # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون أي يبعثون الموتى ويخرجونهم من العدم ~~إلى الوجود. # أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى. # كلا فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك. فكيف جعلوها لله ندا، وعبدوها ~~معه؟ # PageV07P182 # قال الزمخشري: رحمه الله: فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما ~~كانوا يدعون ms3296 ذلك لآلهتهم؟ كيف، وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى؟ وذلك أنهم ~~كانوا مع إقرارهم لله عز وجل بأنه خالق السموات والأرض ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] ، وبأنه القادر على المقدورات ~~كلها وعلى النشأة الأولى، منكرين للبعث. ويقولون: من يحي العظام وهي رميم ~~[يس: 87] ، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر كثاني القديم. # فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة رأسا؟. # قلت: الأمر كما ذكرت. ولكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها ~~الإنشار. لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشار من ~~جملة المقدورات. انتهى. # قال في (الانتصاف) : فيكون المنكر عليهم صريح الدعوى ولازمها. وهو أبلغ ~~في الإنكار. # ثم قال الزمخشري: وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل وإشعار بأن ~~ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صح معها ~~الاقتدار على الإبداء والإعادة. انتهى. ### | لطيفة: # سر قوله تعالى من الأرض هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية. ~~وجوز إرادة التخصيص. أي الآلهة التي من جنس الأرض. لأنها إما أن تنحت من ~~بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض. وإنما خصص الإنكار بها، لأن ما هو ~~أرضي مصنوع بأيديهم كيف يدعي ألوهيته؟ ثم بين تعالى بطلان تعدد الآلهة ~~بإقامة البرهان على انتفائه، بل على استحالته، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 22] # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) # لو كان فيهما أي يتصرف في السموات والأرض آلهة إلا الله أي غيره لفسدتا ~~أي لبطلتا بما فيهما جميعا، واختل نظامهما المشاهد، كما قال تعالى في سورة ~~(المؤمنون) وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض [المؤمنون: 91] ، قال أبو السعود: وحيث انتفى التالي، علم # PageV07P183 # انتفاء المقدم قطعا. بيان الملازمة أن الإلهية مستلزمة للقدرة على ~~الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييرا وتبديلا، وإيجادا وإعداما ~~وإحياء وإماتة. # فبقاؤهما على ما هما عليه ms3297 إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع ~~المعلول المعين بعلل متعددة. وإما بتأثير واحد منها، فالبواقي بمعزل من ~~الإلهية قطعا،. # واعلم أن جعل التالي فسادهما بعد وجودهما، لما أنه اعتبر في المقدم تعداد ~~الآلهة فيهما. وإلا فالبرهان يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق. فإنه لو ~~تعدد الإله، فإن توافق الكل في المراد، تطاردت عليه القدر، وإن تخالفت ~~تعاوقت. فلا يوجد موجودا أصلا. وحيث انتفاء التالي تعين انتفاء المقدم. ~~انتهى. # وتفصيله كما في (المقاصد) أنه لو وجد إلهان بصفات الألوهية، فإذا أراد ~~أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا، فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أولا. ~~وكلاهما محال. أما الأول فلأنه لو فرض تعلق إرادته بذلك الضد، فإما أن يقع ~~مرادهما وهو محال، لاستلزامه اجتماع الضدين. أو لا يقع مراد واحد منهما، ~~وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين الموصوفين بكمال القدرة على ما هو المفروض، ~~ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروض امتناع خلو المحل عنهما، كحركة جسم ~~وسكونه في زمان معين، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر وهو محال. لاستلزامه ~~الترجيح بلا مرجح، وعجز من فرض قادرا حيث لم يقع مراده. وهذا البرهان يسمى ~~برهان التمانع. وإليه الإشارة بقوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فإن أريد بالفساد عدم التكون، فتقريره أنه لو تعدد الإله لم تتكون ~~السماء والأرض. لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما أو بأحدهما. ~~والكل باطل. أما الأول فلأن من شأن الإله كمال القدرة. وأما الآخران فلما ~~مر. وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام، فتقريره أنه لو تعدد ~~الإله لكان بينهما التنازع والتغالب. وتميز صنع كل عن صنع الآخر، بحكم ~~اللزوم العادي. فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام، الذي باعتباره صار ~~الكل بمنزلة شخص واحد. ويختل الانتظام الذي به بقاء الأنواع. وترتب الآثار، ~~انتهى. # هذا وقد قيل: إن المطلب هنا برهاني، والمشار إليه في الآية إقناعي. ولا ~~يفيد العلم اليقيني فلا يصح الاستدلال بها على هذا المطلب، وممن فصل ذلك ~~التفتازاني في (شرح العقائد ms3298 النسفية) قادحا لما أشار إليه نفسه في (شرح ~~المقاصد) من كون الآية برهانا، كما ذكرناه عنه. وملخص كلامه أن مجرد التعدد ~~لا يستلزم الفساد بالفعل، لجواز الاتفاق على هذا النظام، أي بالاشتراك أو ~~بتفويض أحدهما إلى الآخر # PageV07P184 # فلا يستلزم التعدد التمانع بالفعل بل بالإمكان. والإمكان لا يستلزم ~~الوقوع، فيجوز أن لا يقع بينهما ذلك التمانع بل يتفقان على إيجادهما. ورد ~~عليه بأن إمكان التمانع يستلزم التمانع بالفعل في كل مصنوع بطريق إرادة ~~الإيجاد بالاستقلال. وكلما لزم التمانع لم يوجد مصنوع أصلا. فإنه لو وجد ~~على تقدير التمانع المذكور اللازم للتعدد فإما بمجموع القدرتين، فيلزم ~~عجزهما. أو بكل منهما فيلزم التوارد. أو بأحدهما فيلزم الرجحان من غير ~~مرجح، لاستواء نسبة كل ممكن إلى قدرة كل من الإلهين والكل محال ضرورة، ~~وحاصل الاستدلال أنه لو تعدد الآلهة لم يتكون مصنوع لأن التعدد مستلزم ~~لإمكان التخالف المستلزم للتوارد أو العجز. فظهر أن الآية حجة قطعية لكون ~~الملازمة فيها قطعية. وحقق بعضهم قطعية الملازمة بالعادة القاضية التي لم ~~يوجد آخر منها قط في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة، أن يطلب كل الانفراد ~~بالملك والعلو على الآخر وقهره، فكيف بالإلهين والإله يوصف بأقصى غايات ~~التكبر، فكيف لا يطلب الانفراد بالملك كما أخبر سبحانه بقوله ولعلا بعضهم ~~على بعض؟ وهذا إذا تؤمل لا تكاد النفس تخطر نقيضه بالبال، فضلا عن إخطار ~~فرضه، مع الجزم بأن الواقع هو الآخر. فعلى هذا التقدير، فالملازمة علم ~~قطعي. هذا ملخص ما جاء في رد مقالة السعد في الحواشي. وقد شنع عليه في ~~مقالته المتقدمة غير واحد. وبالغ معاصره عبد اللطيف الكرماني في الانتقاد. # قال العلامة المرجاني: وقد سبقه في هذا أبو المعين النسفي في كتابه ~~(التبصرة) وتابعه صاحب (الكشف) حيث شنع على أبي هاشم الجبائي تشنيعا بليغا. ~~حتى نسبه إلى الكفر بقدحه في دلالة الآية قطعا على هذا المدعي، ولا يخفى أن ~~الأفهام لا تقف عند حد. ولا تزال تتباين وتتخالف ما اختلفت الصور والألوان، ~~ولا تكفير ولا تضليل، ما ms3299 دام المرء على سواء السبيل. # وقد أوضح بيان هذه الملازمة مفتي مصر في رسالة (التوحيد) إيضاحا ما عليه ~~من مزيد، وعبارته: ومما يجب له تعالى صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا. ~~أما الوحدة الذاتية فقد أثبتناها فيما تقدم بنفي التركيب في ذاته خارجا ~~وعقلا. وأما الوحدة في الصفة، أي أنه لا يساويه في صفاته الثابتة له موجود، ~~فلما بينا من أن الصفة تابعة لمرتبة الوجود، وليس في الموجودات ما يساوي ~~واجب الوجود في مرتبة الوجود. فلا يساويه فيما يتبع الوجود من الصفات. وأما ~~الوحدة في الوجود وفي الفعل، ونعني بها التفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من ~~إيجاد الممكنات، فهي ثابتة، لأنه لو تعدد واجب الوجود لكان لكل من الواجبين ~~تعين يخالف تعين الآخر # PageV07P185 # بالضرورة. وإلا لم يتحصل معنى التعدد. وكلما اختلفت التعينات اختلفت ~~الصفات الثابتة للذوات المتعينة، لأن الصفة إنما تتعين وتنال تحققها الخاص ~~بها، بتعين ما يثبت له بالبداهة. فيختلف العلم والإرادة باختلاف الذوات ~~الواجبة. إذ يكون لكل واحدة منها علم وإرادة يباينان علم الأخرى وإرادتها ~~ويكون لكل واحدة علم وإرادة يلائمان ذاتها وتعينها الخاص بها. هذا التخالف ~~ذاتي، لأن علم الواجب وإرادته لا زمان لذاته من ذاته لا لأمر خارج. فلا ~~سبيل إلى التغير والتبدل فيهما كما سبق. وقد قدمنا أن فعل الواجب إنما يصدر ~~عنه على حسب علمه وحكم إرادته، فيكون فعل كل صادرا على حكم يخالف الآخر ~~مخالفة ذاتية. فلو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم وإراداتهم. ~~وهو خلاف يستحيل معه الوفاق. وكل واحد بمقتضى وجوب وجوده وما يتبعه من ~~الصفات، له السلطة على الإيجاد في عامة الممكنات. فكل له التصرف في كل منها ~~على حسب علمه وإرادته. ولا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون الأخرى. فتتضارب ~~أفعالهم حسب التضارب في علومهم وإرادتهم، فيفسد نظام الكون، بل يستحيل أن ~~يكون له نظام، بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات. لأن كل ممكن لا بد أن ~~يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم والإرادات المختلفة. فيلزم أن يكون للشيء ~~الواحد ms3300 وجودات متعددة وهو محال ف لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا لكن ~~الفساد ممتنع بالبداهة. فهو جل شأنه واحد في ذاته وصفاته لا شريك له في ~~وجوده ولا في أفعاله. انتهى. # وأشار حجة الإسلام الغزالي في كتاب (الاقتصاد في الاعتقاد) في بحث ~~الوحدة، إلى أن هذه الآية لا أبين منها في برهان التوحيد، وأنه لا مزيد على ~~بيان القرآن. قال الكلنبوي: الفساد المذكور في هذه الآية إما بمعنى خروج ~~السماء والأرض عن هذا النظام المشاهد من بقاء الأنواع وترتيب الآثار كما هو ~~الظاهر. وإما بمعنى عدم تكونهما في الأصل كما قالوا. ثم إن كل من يخاطب بها ~~يعرف أن منشأ الفساد هو تعدد الإله. فهي بعبارتها تنفي آلهة متعددة غير ~~الواجب تعالى، وبدلالتها تنفي تعدد الآلهة. انتهى. # وقوله تعالى فسبحان الله رب العرش عما يصفون أي من وجود شرك له فيهما ~~والفاء لترتب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالدليل المتقدم. أي ~~فسبحوه سبحانه اللائق به، ونزهوه عما يفترون. وفيه تعجب ممن يشرك مع ~~المعبود الأعظم البارئ لأعظم المكونات وهو العرش، غيره ممن لا يقدر على شيء ~~البتة. # PageV07P186 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 23] # لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) # لا يسئل عما يفعل أي هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد ~~لعظمته وجلاله وكبريائه وعلوه وحكمته وعدله ولطفه وهم يسئلون الضمير ~~للعباد. أي يسئلون عما يفعلون كقوله: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا ~~يعملون [الحجر: 92- 93] . # قال الزمخشري: إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في ~~مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيبا وإجلالا، مع ~~جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم، كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ~~ورازقهم، أولى بأن لا يسأل عن أفعاله، مع ما علم واستقر في العقول من أن ما ~~يفعله كله مفعول بحكمة، ولا يجوز عليه خطأ، ثم قال وهم يسئلون أي هم ~~مملوكون مستعبدون خطاءون. فما أخلقهم بأن يقال لهم: لم ms3301 فعلتم؟ في كل شيء ~~فعلوه. انتهى. # قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله تعالى: وهو يجير ولا يجار عليه ~~[المؤمنون: 88] . ### | تنبيه: # قال الإمام الغزالي في (المضنون به على غير أهله) : وأما معنى قول الله ~~تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، وقوله تعالى: لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا [طه: 125] ، فالسؤال قد يطلق ويراد به الإلزام. يقال: ناظر فلان ~~فلانا وتوجه عليه سؤاله. وقد يطلق ويراد به الاستخبار، كما يسأل التلميذ ~~أستاذه. والله تعالى لا يتوجه عليه السؤال بمعنى الإلزام. وهو المعني بقوله ~~لا يسئل عما يفعل إذ لا يقال (لم) قول إلزام. فأما أن لا يستخبر ولا ~~يستفهم، فليس كذلك. وهو المراد بقوله: لم حشرتني أعمى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 24] # أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) # أم اتخذوا من دونه آلهة كرره استعظاما لكفرهم، وإظهارا لجهلهم، وانتقالا # PageV07P187 # إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة، مع خلوها عن خصائص الإلهية. وتبكيتهم ~~بإقامة البرهان على دعواهم. ولذا قال تعالى: قل هاتوا برهانكم أي دليلكم ~~على ما تفترون. أما من جهة العقل والنقل، فإنه لا صحة لقول لا برهان له ولا ~~دليل عليه. # قال أبو السعود: وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم ~~برهانا، ضرب من التهكم بهم. وقوله تعالى هذا ذكر من معي وذكر من قبلي إنارة ~~لبرهانه، وإشارة إلى أنه مما نطقت له الكتب الإلهية قاطبة، وشهدت به ألسنة ~~الرسل المتقدمة كافة. وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال ~~عجزهم. أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد، المتضمن للبرهان القاطع ~~العقلي، ذكر أمتي أي عظتهم، وذكر الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضا ~~برهانكم. انتهى. # ثم أشار تعالى أنه لا ينجع فيهم المحاجة بتحقيق الحق وإبطال الباطل بقوله ~~سبحانه: بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون أي عن النظر الموصل إلى ~~الهدى. ثم بين تعالى أن التوحيد ms3302 دعوى كل نبي، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 25] # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~(25) # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه وقرئ (يوحى) بالياء وفتح الحاء ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. كما قال: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [الزخرف: 45] ، وقال: ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت [النحل: 36] ، فكل نبي بعثه ~~الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. والفطرة شاهدة بذلك أيضا، ~~والمشركون لا برهان لهم وحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. ~~ثم بين تعالى بطلان ما يفتريه بعض المشركين من أن الملائكة بناته، تعالى ~~علوا كبيرا، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 26 الى 27] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون (27) # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه، بل عباد مكرمون أي مقربون لا يسبقونه ~~بالقول أي يتبعون قوله، فلا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به كما ~~هو # PageV07P188 # شأن العبيد المؤدبين وهم بأمره يعملون فلا يعصونه في أمر. إشارة إلى ~~مراعاتهم في أدب العبودية في الأفعال أيضا، كالأقوال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 28] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون (28) # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم أي مما قدموا وأخروا. فهو المحيط بهم علما ~~ولا يحيطون بشيء من علمه [البقرة: 255] ، فكيف يخرجون عن عبوديته؟ # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى أي أن يشفع له، مهابة منه تعالى. # قال المهايمي: كيف يخرجون عن عبوديته ولا يقدرون على أدنى وجوه معارضته. ~~لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى. إذا الشفاعة لغير المرتضى نوع معارضة معه. ~~وكيف يعارضونه وهم من خشيته أي قهره مشفقون أي خائفون. # قال ابن كثير: وقوله: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، كقوله: من ms3303 ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] ، وقوله: ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له [سبأ: 23] ، في آيات كثيرة في معنى ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 29] # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين الضمير ~~في (منهم) للملائكة. لتقدم ذكرهم واقتضاء السياق، وكونه أبلغ في الرد ~~والتهديد. # قال الزمخشري: رحمه الله: وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده، ~~وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية، فاجأ ~~بالوعيد الشديد. وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم. إن كان ذلك على سبيل الفرص ~~والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون كما قال: ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون [الأنعام: 88] ، قصد بذلك تفظيع أمر الشرك، وتعظيم شأن ~~التوحيد. انتهى. # PageV07P189 # وفي قوله كذلك نجزي الظالمين إشعار بظلم من يقول تلك العظيمة. كيف لا؟ ~~وقد استهان برتبة الإلهية وجاوز بها مقامها الأسمى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 30] # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون. # هذا شروع في آياته الكونية، الدالة على وحدته في ألوهيته، التي عمي عنها ~~المشركون، فلم يروها رؤية اعتبار وتدبر. ومعنى قوله: كانتا رتقا أي لا تمطر ~~ولا تنبت ففتقناهما أي بالمطر والنبات. فالفتق والرتق استعارة. ونظيره قوله ~~تعالى: # والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع [الطارق: 11- 12] ، و (الرجع) لغة هو ~~الماء و (الصدع) هو النبات لأنه يصدع الأرض أي يشقها. وقوله تعالى فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه [عبس: 24] ، أي كيف انفردنا في إحداثه وتهيئته ليقيم ~~بنيته أنا صببنا الماء صبا [عبس: 25] ، أي من المزن بعد أن لم يكن ثم شققنا ~~الأرض شقا [عبس: 26] ، أي ثم بعد أن كانت الأرض رتقا متماسكة الأجزاء، ~~شققناها شقا ms3304 مرئيا مشهودا، كما تراه في الأرض بعد الري. أو شقا بالنبات. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله ~~تعالى فاطر السماوات والأرض [الأنعام: 14] ، وكقوله: قال بل ربكم رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن [الأنبياء: 56] ، فأخبر عن الإيجاد بلفظ ~~(الفتق) وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ (الرتق) . # قال الرازي: وتحقيقه أن العدم نفي محض. فليس فيه ذوات مميزة وأعيان ~~متباينة. بل كأنه أمر واحد متصل متشابه. فإذا وجدت الحقائق، فعند الوجود ~~والتكوين يتميز بعضها عن بعض، وينفصل بعضها عن بعض. فهذا الطريق حسن. # جعل (الرتق) مجازا عن العدم و (الفتق) عن الوجود. انتهى. # وقال بعض علماء الفلك: معنى قوله تعالى كانتا رتقا أي شيئا واحدا. # ومعنى ففتقناهما فصلنا بعضهما عن بعض. # قال: فتدل الآية على أن الأرض خلقت كباقي الكواكب السيارة من كل وجه. # PageV07P190 # أي أنها إحدى هذه السيارات. وهي مثلها في المادة وكيفية الخلق وكونها ~~تسير حول الشمس وتستمد النور والحرارة منها. وكونها مسكونة بحيوانات ~~كالكواكب الأخرى. وكونها كروية الشكل. فالسيارات أو السماوات هي متماثلة من ~~جميع الوجوه، كلها مخلوقة من مادة واحدة، وهي مادة الشمس. وعلى طريقة ~~واحدة. # كلامه. # وقد يرجح الوجه الأول في تفسير الآية لقوله تعالى بعده وجعلنا من الماء ~~كل شيء حي فإن ذلك مما يبين أن لسابقه تعلقا بالماء. وعلى هذا فالرؤية في ~~قوله تعالى أولم ير بصرية. وعلى قول أبي مسلم وما بعده، علمية. على حد قوله ~~تعالى لنبيه صلوات الله عليه ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [الفيل: # 1] ، مع أنه لم يشاهد الحادثة، بل ولد بعدها. وإنما تيقنها بالأخبار ~~الصادقة. # وكذلك ما هنا من الفتق والرتق، بمعنييه الأخيرين، مما أخبر به الحق تعالى ~~على لسان من قامت الحجة على صدقه وعصمته. فكان مما يسهل عليهم تصديقه ~~فعلمه. # ومعنى قوله تعالى وجعلنا من الماء كل شيء حي صيرنا كل شيء حي بسبب من ~~الماء، لا يحيا دونه. فيدخل فيه النبات والشجر. لأنه من الماء صار ناميا. ~~وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور ms3305 والثمر. وإسناده الحياة إلى ظهور النبات ~~معروف في آيات شتى. كقوله تعالى ويحي الأرض بعد موتها [الروم: 19] ، وخص ~~بعضهم الشيء بالحيوان، لآية والله خلق كل دابة من ماء [النور: 45] ، ولا ~~ضرورة إليه. # بل العموم أدل على القدرة، وأعظم في العبرة، وأبلغ في الخطاب، وألطف في ~~المعنى. # وقوله تعالى: أفلا يؤمنون إنكار لعدم إيمانهم بالله تعالى وحده، مع ظهور ~~ما يوجبه حتما من الآيات الظاهرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 31] # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ~~(31) # وجعلنا في الأرض رواسي أي جبالا ثوابت أن تميد بهم أي لئلا تتحرك وتضطرب ~~بهم. فلولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب مما في جوفها من المواد ~~الدائمة الجيشان. # PageV07P191 # وقوله تعالى: وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون الضمير في (فيها) ~~للأرض. وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية مقام الامتنان حقه. أو ~~للرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق. وعلى الثاني اقتصر ابن كثير. قال: فقد ~~يشاهد جبل هائل بين بلدين، وإذا فيه فجوة يسلك الناس فيها، رحمة منه تعالى ~~وسبلا بدل من فجاجا أشير به إلى أنه مع السعة نافذ مسلوك، وأنه خلق ووسع ~~لأجل السابلة، ومعنى يهتدون أي إلى مصالحهم. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 32] # وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) # وجعلنا السماء سقفا أي على الأرض كالقبة عليها محفوظا أي عاليا محروسا أن ~~ينال أو محفوظا من التغير بالمؤثرات، مهما تطاول الزمان. كقوله تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا [النبأ: 12] ، وهم عن آياتها معرضون. أي عما وضع ~~الله فيها من الأدلة والعبر، بالشمس والقمر وسائر النيرات، ومسايرها ~~وطلوعها وغروبها، على الحساب القويم. والترتيب العجيب، الدال على الحكمة ~~البالغة والقدرة الباهرة. وأي جهل أعظم من جهل من أعرض عنها ولم يذهب به ~~وهمه إلى تدبرها والاعتبار بها والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ~~ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو، عزت ~~قدرته ms3306 ولطف علمه؟؟. # وقرئ (عن آيتها) على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس، أي ~~هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة ~~بقمريها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها. وهم عن كونها ~~آية بينة على الخالق، معرضون. أفاده الزمخشري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 33] # وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) # وهو الذي خلق الليل أي ليسكنوا فيه والنهار ليتحركوا لمعاشهم وينشطوا ~~لأعمالهم والشمس والقمر أي ضياء وحسبانا كل في فلك يسبحون أي كل واحد منهما ~~يجري في الفلك، كالسابح في الماء. و (الفلك) في اللغة كل شيء دائر. # PageV07P192 # قال بعض علماء الفلك: تشير الآية إلى حركة هذه الكواكب كآية فلا أقسم ~~بالخنس الجوار الكنس [التكوير: 15- 16] ، وهما تدلان على أن حركة الكواكب ~~ذاتية. لا كما كان يقول القدماء من أن الكواكب مركوزة في أفلاكها التي تدور ~~بها، وبدورانها تتحرك الكواكب. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 34] # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون نزلت حين قالوا ~~(نتربص به ريب المنون) فكانوا يقدرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، لما يأملون ~~ذهاب الدعوة النبوية، وتبدد نظامها، بفقد واسطة عقدها. فنفى الله تعالى عنه ~~الشماتة بهذه الآية، بما قضى أنه لا يخلد في الدنيا بشرا، لكونه مخالفا ~~للحكمة التكوينية. وأعلم بحفظ تنزيله وحراسته من المؤثرات ما بقيت الدنيا ~~بقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] . # قال ابن كثير: فقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن ~~الخضر عليه السلام مات، وليس بحي إلى الآن. لأنه بشر سواء كان وليا، أو ~~نبيا أو رسولا. انتهى. # وتقدم بسط ذلك في سورة الكهف فتذكر. وفي معنى الآية قول عروة الصحابي رضي ~~الله عنه: # إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا # فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا # وقول الشافعي: # تمنى أناس ms3307 أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد # فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى: ... تهيا لأخرى مثلها، وكأن قد ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 35] # كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) # كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير أي نختبركم بما يجب فيه الصبر ~~من المصائب، وما يجب فيه الشكر من النعم فتنة أي اختبارا. وهو مصدر # PageV07P193 # مؤكد ل (لنبلوكم) من غير لفظه وإلينا ترجعون أي فنجازيكم على حسب ما يوجد ~~منكم من الصبر أو الشكر، قال الزمخشري: وإنما سمى ذلك ابتلاء، وهو عالم بما ~~سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار، أي فهو ~~استعارة تمثيلية. قال القاضي: وفي الآية إيماء بأن المقصود من هذه الحياة ~~الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب تقريرا لما سبق. وقدم الشر لأنه اللائق ~~بالمنكر عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 36] # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون عنى بهذه الآية مستهزئو قريش، كأبي جهل وأضرابه ممن ~~كان يسخر من رسالته صلوات الله عليه، ويتغيظ لسب آلتهم وتسفيه أحلامهم. كما ~~قال تعالى: وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ~~ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا [الفرقان: 41- 42] ، وإضافة ذكر (للرحمن) من إضافة المصدر لمفعوله أي ~~بتوحيده. أو للفاعل، أي بإرشاده الخلق ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم. ~~أو بالقرآن. هم كافرون، أي فهم أحق أن يهزأ بهم. وتكرير الضمير للتأكيد ~~والتخصيص. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 37] # خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) # خلق الإنسان من عجل كقوله تعالى: وكان الإنسان عجولا [الإسراء: # 11] ، جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق منه. كقولك (خلق زيد من ~~الكرم) ms3308 تنزيلا لما طبع عليه من الأخلاق، منزلة ما طبع هو منه من الأركان، ~~إيذانا بغاية لزومه له، وعدم انفكاكه عنه فالآية استعارة مكنية، بتشبيه ~~العجل لكونه مطبوعا عليه، بمادته. ويجوز أن تكون تصريحية. والمراد بالإنسان ~~الجنس. ومن (عجلته) مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد سأريكم آياتي أي ~~نقماتي في الدنيا كوقعة بدر. وفي الآخرة عذاب النار فلا تستعجلون أي ~~بالإتيان بها. # PageV07P194 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 38] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) # ويقولون متى هذا الوعد أي الموعود من العذاب الأخروي، بطريق الاستهزاء ~~والإنكار، لا لتعيين وقته إن كنتم صادقين في إتيانه. قال الزمخشري: كانوا ~~يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار. فأراد نهيهم عن ~~الاستعجال وزجرهم. فقدم أولا ذم الإنسان على إفراط العجلة وأنه مطبوع ~~عليها. ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا. فإنكم ~~مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم. ثم بين هول ما يستعجلونه وفظاعة ما ~~فيه، وأن عجلتهم لجهلهم بمغبته، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 39 الى # 40] # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ~~ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم أي لا ~~يدفعونها عن أشرف أعضائهم وأقواها. فتقديم الوجه لشرفه، ولكون الدفع عنه ~~أهم من غيره أيضا ولا هم ينصرون أي بدفع أحد عنهم. وجواب (لو) محذوف أي: # لما استعجلوا. وقيل (لو) للتمني. لا جواب لها بل تأتيهم بغتة فتبهتهم أي ~~فجأة فتحيرهم. لأنهم إن أرادوا الصبر عليها لم يقدروا عليه. وإن أرادوا ~~ردها فلا يستطيعون ردها أي بسبب من الأسباب ولا هم ينظرون أي يمهلون ~~ليستريحوا طرفة عين لتمام مدة الإنظار قبله. ثم أشار إلى تسليته عليه ~~الصلاة والسلام عن استهزائهم، في ضمن وعيد لهم، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 41] # ولقد استهزئ ms3309 برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(41) # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق أي نزل بالذين سخروا منهم ما كانوا به # PageV07P195 # يستهزؤن # أي عذابه أو جزاؤه، على وضع السبب موضع المسبب، إيذانا بكمال الملابسة ~~بينهما، أو عين استهزائهم، إن أريد بذلك العذاب الأخروي، بناء على تجسم ~~الأعمال. فإن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية، تبرز في النشأة ~~الأخرى بصور جوهرية، مناسبة لها في الحسن والقبح. أفاده أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 42 الى 43] # قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم ~~لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) # قل من يكلؤكم أي يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أي من بأسه أي يفجأكم. ~~وتقديم (الليل) لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي لفظ (الرحمن) ~~تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته، وتلقين للجواب. وقيل إنه إيماء إلى ~~شدته. كغضب الحليم. وتنديم لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته. ودلالة على شدة ~~خبثهم. قال المهايمي: ولا يمنع من ذلك عموم رحمته. إذ بتعذيبكم يعتبر أهل ~~عصركم ومن بعدهم. فيكون لإصلاح أمورهم الموجب لرحمته عليهم، ولا يغترون في ~~ذلك بعموم رحمته حتى يرجى منعها عن ذلك بل هم عن ذكر ربهم معرضون أي لا ~~يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، ويعدوا ما هم عليه من الأمن والدعة ~~حفظا وكلاءة، حتى يسألوا عن الكالئ أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون أي لهؤلاء المستعجلي ربهم بالعذاب ~~آلهة تمنعهم، إن نحن أحللنا بهم عذابنا وأنزلنا بهم بأسنا، من دوننا. ~~ومعناه: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا. ثم وصف جل ثناؤه تلك الآلهة ~~بالضعف والمهانة وما هي به من صفتها. ومعناه: كيف تستطيع آلهتهم التي ~~يدعونها من دوننا أن تمنعهم منا، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة ~~منا بالنصر والتأييد. أفاده ابن ms3310 جرير. # ف (فيصحبون) بمعنى يجارون يقال (صحبك الله) أي أجارك وسلمك، كما في ~~(الأساس) . قال ابن جرير: أي لا يصحبون بالجوار لأن العرب محكي عنها (أنا ~~لك جار من فلان وصاحب) بمعنى أجيرك وأمنعك. وهم إذا لم يصحبوا بالجوار لم ~~يكن لهم مانع من عذاب الله، مع سخطه عليهم، فلم يصحبوا بخير ولم ينصروا. # PageV07P196 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 44] # بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) # بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر إضراب عما توهموا، ببيان أن ~~الداعي إلى غيهم وعنادهم هو ما متعوا به في الحياة الدنيا ونعموا به هم ومن ~~قبلهم حتى طال عليهم الأمد. لا تأتيهم واعظة من عذاب ولا زاجرة من عقاب حتى ~~حسبوا أنهم على شيء وأنهم لا يغلبون أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها أي ننقص أرض الكفر فنخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وغلبتنا لهم ~~وإجلائهم عنها وقتلهم بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ويحذروا منا أن ~~ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف. ~~أفاده ابن جرير. وهذا كقوله تعالى: ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون [الأحقاف: 27] ، وقوله تعالى: أفهم الغالبون أي ~~أفهؤلاء المشركون المستعجلون بالعذاب، الغالبون لنا، وقد رأوا قهرنا من ~~أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرض؟ # وفي التعريف تعريض بأنه تعالى هو الغالب المعروف بالقهر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 45] # قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) # قل إنما أنذركم بالوحي أي تنزيل الله الذي يوحيه إلي من عنده وأخوفكم به ~~بأسه، لا بالإتيان بما تستعجلون، لأن ذلك ليس إلي، على ما فيه من الحكمة في ~~هذه البعثة التي بنيت على البراهين العقلية، لا الخارقات الحسية كما قدمنا. ~~ثم أشار إلى كمال جهلهم وعنادهم، بأن هذا الإنذار لا يجديهم، بقوله تعالى: ~~ولا يسمع الصم الدعاء ms3311 إذا ما ينذرون أي فهم لا يصغون بسمع قلوبهم إلى تذكر ~~ما في وحي الله من المواعظ والذكرى، فيتذكرون بها ويعتبرون فينزجرون إذا ~~تلي عليهم، بل يعرضون عن الاعتبار به والتفكير فيه، فعل الأصم الذي لا يسمع ~~ما يقال له فيعمل به. وتقييد تصامهم بقوله إذا ما ينذرون مع أنهم لا يسمعون ~~نذارة ولا بشارة، إما لأن المقام مقام إنذار، أو لأن من لا يسمع إذا خوف، ~~كيف يسمع في غيره، فهو أبلغ. # PageV07P197 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 46] # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين أي ولئن ~~أصابهم شيء أدنى من عقوبته تعالى، لأذعنوا وذلوا وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم ~~في التصام والإعراض وعبادة تلك الآلهة وتركهم عبادة من خلقهم. ### | لطيفة: # في صدر الآية مبالغات. ذكر المس. وما في النفحة من معنى القلة. فإن أصل ~~النفح هبوب رائحة الشيء. والبناء الدال على المرة. والتنكير. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 47] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه. أي ~~نقيم الموازين العادلة الحقيقية التي توزن بها صحائف الأعمال. وقيل: وضع ~~الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ~~والنصفة، من غير أن يظلم مثقال ذرة. وإنما وصفت الموازين بالقسط وهو مفرد، ~~لأنه مصدر وصف به للمبالغة، كأنها في نفسها قسط. أو على حذف المضاف أي ذوات ~~القسط. وقيل إنه مفعول له. واللام في (ليوم القيامة) للتعليل أو بمعنى (في) ~~أي لجزاء يوم القيامة أو لأهله أو فيه فلا تظلم نفس شيئا أي من حقوقها. أي ~~شيئا ما من الظلم. بل يوفى كل ذي حق حقه وإن كان العمل أو الظلم مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها أي أحضرنا ذلك العمل ms3312 المعبر عنه بمثقال حبة الخردل. ~~للوزن. # وأنث لإضافته إلى الحبة وكفى بنا حاسبين أي وحسب من شهد ذلك الموقف بنا ~~حاسبين. لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم، وما سلف في الدنيا من صالح أو سيء، ~~منا. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 48 الى 49] # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ~~ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين شروع في قصص # PageV07P198 # الأنبياء، تسلية له صلوات الله عليه وعليهم، فيما يناله من أذى قومه، ~~وتقوية لفؤاده على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونها. قال أبو ~~السعود: نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم، إلى قوله المسرفين [الأنبياء: 7- 9] ، وإشارة إلى كيفية إنجائهم ~~وإهلاك أعدائهم. # وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. والمراد ب ~~(الفرقان) التوراة وكذا ب (الضياء) و (الذكر) . أي وبالله لقد آتيناهما ~~وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل. وضياء يستضاء به ~~في ظلمات الجهل وذكرا يتعظ به الناس. وتخصيص (المتقين) بالذكر لأنهم ~~المستضيئون بأنواره. انتهى. # الذين يخشون ربهم بالغيب أي يخافون عذابه، وهو غير مشاهد لهم. وفيه تعريض ~~بالكفرة حيث لا يتأثرون في الإنذار، ما لم يشاهدوا ما أنذروه وهم من الساعة ~~مشفقون أي وجلون أن تأتي الساعة التي تقوم فيها القيامة فيردوا على ربهم، ~~قد فرطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم بما لا قبل لهم به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 50] # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # وهذا أي القرآن الكريم ذكر أي يتذكر به من يتذكر مبارك أي كثير الخير ~~والنفع أنزلناه أفأنتم له منكرون أي مع ظهور كون إنزاله كإيتاء التوراة. # وفي الاستفهام الإنكاري توبيخ لهم بأنه لا ينبغي لهم إنكاره وهم عارفون ~~بمزايا إعجازه. وتقديم (له) للفاصلة أو للحصر. لأنهم معترفون بغيره مما في ~~أيدي أهل الكتاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 51] # ولقد آتينا ms3313 إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) # ولقد آتينا إبراهيم رشده أي هدايته للحق وهو التوحيد الخالص من قبل أي من ~~قبل موسى وهارون وكنا به عالمين أي علمنا أنه أهل لما آتيناه. أو علمنا أنه ~~جامع لمكارم الأخلاق التي آتيناه إياها، فأهلناه لخلتنا وأخلصناه ~~لاصطفائنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 52] # إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) # إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون أي ما هذه ~~الصور # PageV07P199 # الحقيرة التي عكفتم على عبادتها. استفهام تحقير لها وتوبيخ على العكوف ~~على عبادتها، بأنها تماثيل صور بلا روح، مصنوعة لا تضر ولا تنفع، فكيف ~~تعبد؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 53 الى 54] # قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين (54) # قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين أي فقلدناهم وتأسينا بهم. قال لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين أي لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى ~~دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع. وفي الإتيان ب (في) الظرفية دلالة على ~~تمكنهم في ضلالهم، وأنه ضلال قديم موروث. فهو أبلغ من (ضالين) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 55 الى 56] # قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) # قالوا أجئتنا بالحق أي بالجد في دعوى الرسالة ونسبتنا إلى الضلال أم أنت ~~من اللاعبين قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين قال الزمخشري رحمه الله: الضمير في (فطرهن) للسموات والأرض أو ~~للتماثيل. وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم. أي ~~لدلالته صراحة على كونها مخلوقة غير صالحة للألوهية، بخلاف الأول، وجوابه ~~عليه السلام إما إضراب عما بنوا عليه مقالتهم في اعتقاد كونها أربابا لهم، ~~كما يفصح عنه قولهم نعبد أصناما فنظل لها عاكفين [الشعراء: 71] ، كأنه قيل ~~ليس الأمر كذلك بل ربكم ... الآية. أو ms3314 إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان ~~على ما ادعاه. وقوله من الشاهدين أي المبرهنين عليه بالحجة، لا لقولكم ~~العاطل منها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 57] # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) # وتالله لأكيدن أصنامكم لاحتالن لفضيحتها بإظهار عجزها بعد أن تولوا ~~مدبرين أي عنها بفراغكم من عبادتها. # PageV07P200 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 58] # فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) # فجعلهم جذاذا أي قطعا مكسرة، بعد أن ولوا عنها، ليعلموا أنها لا تتحلم ~~إلى هذا الحد. فهو عجزهم في الدفع عن أنفسهم. فتوقع عابدهم الدفع عن نفسه ~~غاية السفه إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون أي فيسألونه: لم فعل بآلهتهم؟ ~~فإذا ظهر عجزه عن النطق، فمن دونه أعجز منه في ذلك. فضلا عن الدفع للذي ~~أظهر عجزهم فيه. فرجعوا فأتوا بيت الأصنام فوجدوها جذاذا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 59] # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) # قالوا من فعل هذا أي هذا الفعل الفظيع بآلهتنا إنه لمن الظالمين أي ~~لجرأته على إهانتها وهي الجديرة عندهم بالتعظيم. أو لإفراطه في التجذيذ ~~والحطم، وتماديه في الاستهانة بها. أو بتعريض نفسه للهلكة. والاستفهام ~~للإنكار والتوبيخ والتشنيع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 60 الى 61] # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين ~~الناس لعلهم يشهدون (61) # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس ~~لعلهم يشهدون أي يحضرون عقوبته. # قال ابن كثير: وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يبين ~~في هذا المحفل العظيم كثيرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا ~~تدفع عن نفسها ضرا ولا تملك لها نصرا. فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 62 الى 63] # قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) # قالوا أأنت فعلت هذا ms3315 بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا يعني ~~الذي # PageV07P201 # تركه لم يكسره. فإن ترددتم أنه فعلي أو فعله فسئلوهم أي يجيبوكم إن كانوا ~~ينطقون أي والأظهر عجزهم الكلي المانع من القول بإلهيتها. والقول فيه، أن ~~قصد إبراهيم صلوات الله عليه، لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى ~~الصنم. وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه ~~عن إلزامهم الحجة، وتبكيتهم. ولقائل أن يقول: عاظته تلك الأصنام حين أبصرها ~~مصطفة مرتبة. وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد، لما رأى من زيادة تعظيمهم له. ~~فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي متسبب لاستهانته بها وحطمه لها والفعل كما ~~يسند إلى مباشره، يسند إلى الحامل عليه. فيكون تمثيلا أراد به عليه السلام ~~تنبيههم على غضب الله تعالى عليهم، لإشراكهم بعبادته الأصنام. ويحكى أنه ~~قال: فعله كبيرهم هذا، غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها. فكأنه ~~قيل: فعله ذلك الكبير على مقتضى مذهبكم، والقضية ممكنة. وأظهر هذه الأوجه ~~هو الأول. وعليه اقتصر الإمام ابن حزم في كتابه (الفصل) في الرد على من جوز ~~على الأنبياء المعاصي، وعبارته: # وأما قوله عليه السلام بل فعله كبيرهم هذا فإنما هو تقريع لهم وتوبيخ كما ~~قال تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] ، وهو في الحقيقة مهان ~~ذليل مهين معذب في النار. فكلا القولين توبيخ لمن قيلا له، على ظنهم أن ~~الأصنام تفعل الخير والشر. وعلى ظن المعذب في نفسه في الدنيا أنه عزيز ~~كريم. ولم يقل إبراهيم هذا على أنه محقق لأن كبيرهم فعله. إذ الكذب، إنما ~~هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وقصدا إلى تحقيق ذلك. وجلي أن مراده ~~عليه السلام، على كل، إنما هو توجيههم نحو التأمل في أحوال أصنامهم كما ~~ينبئ عنه قوله فسئلوهم إن كانوا ينطقون أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا. ~~قال أبو السعود: وإنما لم يقل عليه السلام (إن كانوا يسمعون أو يعقلون) مع ~~أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا، ms3316 لما أن نتيجة السؤال هو الجواب، ~~وأن عدم نطقهم أظهر، وتبكيتهم بذلك أدخل. وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق به ~~قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 64] # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) # فرجعوا إلى أنفسهم أي فراجعوا عقولهم، ومراجعة العقل مجاز عن التفكير ~~والتدبر، والمراد بالنفس النفس الناطقة، والرجوع إليها عبارة عما ذكر ~~فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ~~ولا ينفع، لا من # PageV07P202 # كسرها، فلم تنسبوه إلى الظلم بقولكم إنه لمن الظالمين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 65] # ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) # ثم نكسوا على رؤسهم أي حياء من نقصهم، وخضوعا وانفعالا من إبراهيم، ~~قائلين لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي ليس من شأنهم النطق، فكيف تأمرنا ~~بسؤالهم؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 66 الى 67] # قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) # قال أفتعبدون من دون الله، ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله أفلا تعقلون أي قبح صنيعكم في عبادة ما لا يضر ولا ~~ينفع. ### | تنبيه: # ذكر في الكشاف في قوله تعالى: ثم نكسوا على رؤسهم أربعة أوجه. # وحاصله كما في العناية- أن التنكيس قلب الشيء بجعل أعلاه أسفله. فإما أن ~~يستعار للرجوع عن الفكرة المستقيمة في تظليم أنفسهم، إلى الفكرة الفاسدة في ~~تجويز عبادتها، مع عجزها فضلا عن كونها في معرض الألوهية. فقوله لقد علمت ~~معناه لم يخف علينا وعليك أنها كذلك وأنا اتخذناها آلهة مع العلم به. # والدليل عليه قوله أفتعبدون إلخ، أو أن التنكيس الرجوع عن الجدال الباطل ~~إلى الحق في قولهم لقد علمت لأنه نفي لقدرتها واعتراف بأنها لا تصلح ~~للألوهية، وسمي (نكسا) وإن كان حقا، لأنه ما أفادهم مع الإصرار. ولكنه نكس ~~بالنسبة لما كانوا عليه من الباطل. أو النكس مبالغة ms3317 في إطراقهم خجلا وقولهم ~~لقد علمت لحيرتهم أتوا بما هو حجة عليهم. أو النكس مبالغة في الحيرة ~~وانقطاع الحجة. # أف صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر. وفيه لغات كثيرة كما في كتب ~~اللغة. قال الزمخشري: أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ~~وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم. ولما عجزوا عن المحاجة أخذوا في ~~المضارة، شأن المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة لم يكن أحد أبغض إليه من المحق، ~~ولم يبق له مفزع إلا مناصبته. # PageV07P203 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 68] # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) # قالوا حرقوه أي لأنه استحق أشد العقاب عندهم، والنار أهول ما يعاقب به ~~وانصروا آلهتكم أي بالانتقام لها إن كنتم فاعلين أي به شيئا من السياسة، ~~فلا يليق به غيرها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 69] # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) # قلنا أي تعجيزا لهم ولأصنامهم، وعناية بمن أرسلناه، وتصديقا له في إنجاء ~~من آمن به يا نار كوني بردا أي باردة على إبراهيم، مع كونك محرقة للحطب ~~وسلاما على إبراهيم أي ولا تنتهي في البرد إلى حيث يهلكه، بل كوني غير ~~ضارة. وجوز كون سلاما منصوبا بفعله. والأمر مجاز عن التسخير، كما في قوله ~~كونوا قردة [البقرة: 65] ، ففيه استعارة بالكناية بتشبيهها بمأمور مطيع، ~~وتخييلها الأمر والنداء، ولذا قال أبو مسلم: المعنى أنه سبحانه وتعالى جعل ~~النار بردا وسلاما، لا أن هناك كلاما، كقوله أن يقول له كن فيكون [يس: 82] ~~، أي فيكونه. فإن النار جماد ولا يجوز خطابه. وهو ظاهر. ### | تنبيه: # قال الرازي: لهم في كيفية برودة النار ثلاثة أقوال: أحدها- أن الله تعالى ~~أزال عنها ما فيها من الحر والاحتراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق. ~~والله على كل شيء قدير. # وثانيها- أن الله تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى ~~النار إليه. كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة. وكما أنه ركب بنية النعامة ~~بحيث لا يضرها ابتلاع ms3318 الحديدة المحماة. وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في ~~النار ثالثها- أنه سبحانه خلق بينه وبين النار حائلا يمنع من وصول أثر ~~النار إليه. # قال المحققون: والأول أولى لأن ظاهر قوله: يا نار كوني بردا أن نفس النار ~~صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها، لا أن النار بقيت كما كانت. # PageV07P204 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 70 الى # 71] # وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين (71) # وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين أي أرادوا أن يكيدوه بالإضرار، فما ~~كانوا إلا مغلوبين مقهورين. قال الزمخشري: غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه ~~بالمبكت. وفزعوا إلى القوة والجبروت فنصره وقواه ونجيناه ولوطا أي لأنه ~~هاجر معه إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين وهي أرض الشام. بورك فيها ~~بكثرة الأنبياء وإنزال الشرائع التي هي طريق السعادتين. وبكثرة النعم ~~والخصب والثمار وطيب عيش الغني والفقير. وقد نزل إبراهيم عليه السلام ~~بفلسطين، ولوط عليه السلام بسدوم. ثم بين بركته تعالى على إبراهيم بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 72] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) # ووهبنا له إسحاق أي بدعوته رب هب لي من الصالحين [الصافات: # 100] ، ويعقوب نافلة أي زيادة وفضلا من غير سؤال. ثم أشار إلى أن منشأ ~~البركة فيهما الصلاح بقوله: وكلا جعلنا صالحين بالاستقامة والتمكين في ~~الهداية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 73] # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # وجعلناهم أئمة أي قدوة يقتدى بهم في أمور الدين، إجابة لدعائه عليه ~~السلام بقوله: ومن ذريتي [البقرة: 124] ، يهدون بأمرنا أي يهدون الناس إلى ~~الحق بأمرنا لهم بذلك وإذننا. قال الزمخشري: فيه أن من صلح ليكون قدوة في ~~دين الله، فالهداية محتومة عليه، مأمور هو بها، من جهة الله. ليس له أن يخل ~~بها ويتثاقل عنها. وأول ذلك أن يهتدي بنفسه، لأن الانتفاع بهداه أعم، ~~والنفوس إلى الاقتداء بالمهدي أميل وأوحينا إليهم فعل الخيرات ms3319 أي أن تفعل ~~الخيرات، مما يختص بالقلوب أو الجوارح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا ~~لنا عابدين أي بالتوحيد الخالص والعمل الصالح. # PageV07P205 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 74 الى 75] # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) # ولوطا آتيناه حكما أي حكمة. وهو ما يجب فعله وعلما أي بما ينبغي علمه ~~للأنبياء. وقد بعثه الله تعالى إلى سدوم فكذبه أهلها وخالفوه فأهلكهم الله ~~ودمر عليهم ما قص خبرهم في غير ما موضع في كتابه العزيز، وقد أشار إلى ذلك ~~في ضمن بيان عنايته به وكرامته له بقوله: ونجيناه من القرية أي من عذابها ~~التي كانت تعمل الخبائث يعني اللواطة، وكانت أشنع أفعالهم. وبها استحقوا ~~الإهلاك. # ولذا ذهب بعض الفقهاء إلى رمي اللوطي منكسا من مكان عال، وطرح الحجارة ~~عليه، كما فعل بهم إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا أي في ~~أهلها إنه من الصالحين أي العاملين بالعلم، الثابتين على الاستقامة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 76] # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) # ونوحا إذ نادى من قبل أي دعا ربه في إهلاك قومه لما كذبوه بقوله: أني ~~مغلوب فانتصر [القمر: 10] ، رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: ~~26] ، فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم وهو الطوفان، أو من الشدة ~~والتكذيب والأذى. فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز ~~وجل فلم يؤمن به إلا القليل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 77] # ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم ~~أجمعين (77) # ونصرناه من القوم أي نصرناه نصرا مستتبعا للانتصار والانتقام من قومه ~~الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين أي فلم يبق منهم ~~أحد كما دعا نبيهم. # PageV07P206 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 78] # وداود وسليمان إذ يحكمان في ms3320 الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث أي الزرع إذ نفشت فيه غنم القوم أي ~~رعته ليلا وكنا لحكمهم شاهدين أي لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، ~~عالمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 79] # ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين (79) # ففهمناها أي الفتوى أو الحكومة المفهومين من السياق سليمان أي فكان ~~القضاء فيها قضاءه، لا قضاء أبيه. روي عن ابن عباس أن غنما أفسدت زرعا ~~بالليل، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فقال سليمان: بل تؤخذ الغنم فتدفع ~~إلى أصحاب الزرع فيكون لهم أولادها وألبانها ومنافعها. ويبذر أصحاب الغنم ~~لأهل الزرع مثل زرعهم فيعمروه ويصلحوه، فإذا بلغ الزرع الذي كان عليه، ليلة ~~نفشت فيه الغنم، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها. وكذا روي عن ~~ابن مسعود موقوفا لا مرفوعا. والله أعلم بالحقيقة. وقوله تعالى: وكلا آتينا ~~حكما وعلما أي وكل واحد منهما آتيناه حكمة وعلما كثيرا، لا سليمان وحده. ~~ففيه دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم، من عدم كون حكم ~~داود عليه السلام حكما شرعيا. ### | تنبيهات: # الأول- استدل بالآية على أن خطأ المجتهد مغفور له، وعكس بعضهم، فاستدل ~~بالآية على أن كل مجتهد مصيب. # قال: لأنها تدل بظاهرها على أنه لا حكم لله في هذه المسألة قبل الاجتهاد. # وأن الحق ليس بواحد. فكذا غيرها إذ لا قائل بالفصل. إذ لو كان له فيها ~~حكم تعين. # وهذا مذهب المعتزلة، كما بين في الأصول. ورد بأن مفهوم قوله: ففهمناها ~~سليمان لتخصيصه بالفهم دون داود عليه السلام، يدل على أنه المصيب للحق # PageV07P207 # عند الله. ولولاه لما كان لتخصيصه بالفهم معنى. والمستدلون يقولون: إن ~~الله لما لم يخطئه، دل على أن كلا منهما مصيب. وتخصيصه بالفهم لا يدل على ~~خطأ داود عليه السلام، لجواز كون كل مصيبا. ولكن هذا أرفق وذاك أوفق، ~~بالتحريض على التحفظ من ضرر الغير. فلذلك استدل بهذه الآية كل. فكما لم ~~يعلم ms3321 حكم الله فيها، لم يعلم تعين دلالتها. كذا في (العناية) . # وجاء في (فتح البيان) ما مثاله: لا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، ~~وأما كون كل واحد منهما مصيبا فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها، بل صرح ~~الحديث المتفق عليه في الصحيحين «1» وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله ~~أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مخطئا. ~~فكيف يقال إنه مصيب لحكم الله موافق له؟ فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف ~~باختلاف المجتهدين. # وإلا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين، واللازم باطل ~~فالملزوم مثله. وأيضا يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد ~~المجتهدين، بالحل والحرمة، حلالا وحراما في حكم الله سبحانه. وهذا اللازم ~~باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وأيضا يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال ~~يتجدد عند وجود كل مجتهد، له اجتهاد في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده ~~الله سبحانه وتعالى فيها إلا بانقطاع المجتهدين. واللازم باطل فالملزوم ~~مثله. والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة. لكن لا ~~يصرون على الخطأ. كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان، لما ظهر له أنه الصواب. # قال الحسن: لولا هذه الآية، لرأيت الحكام قد هلكوا. ولكن الله حمد هذا ~~بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. # الثاني- دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام. وهو ~~مذهب الجمهور. ومنعه بعضهم. ولا مستند له. لأن قضاء داود لو كان بوحي لما ~~أوثر قضاء ابنه سليمان عليه. ومما يدل على وقوعه دلالة ظاهرة قوله تعالى: ~~عفا الله عنك لم أذنت لهم [التوبة: 43] ، فعاتبه على ما وقع منه. ولو كان ~~ذلك بالوحي لم يعاتبه. # ومنه ما صح عنه صلوات الله عليه من قوله «2» : (لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت PageV07P208 # لما سقت الهدي) ومثل ذلك لا يكون فيما عمله بالوحي، ونظائر ذلك كثيرة في ~~الكتاب والسنة. وأيضا، فالاستنباط أرفع درجات العلماء. فوجب أن يكون للرسول ~~فيه مدخل. وإلا لكان كل واحد من ms3322 آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. # قال الرازي: إذا غلب على ظن نبي أن الحكم في الأصل معلل بمعنى، ثم علم أو ~~ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله ~~تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل. وعنده مقدمة يقينية، وهي أن مخالفة ~~حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب. فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق ~~العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون. وعند هذا، إما أن يقدم على الفعل والترك ~~معا، وهو محال، لاستحالة الجمع بين النقيضين. أو يتركهما وهو محال، ~~لاستحالة الخلو عن النقيضين. أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة ~~العقل، أو يرجح الراجح على المرجوح، وذلك هو العمل بالقياس- وهذه النكتة هي ~~التي عليها التعويل في العمل بالقياس. وهي قائمة أيضا في حق الأنبياء عليهم ~~السلام. انتهى. # الثالث- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بها على جواز الاجتهاد في ~~الأحكام ووقوعه للأنبياء. وقد ذكرناه قبل. وأن المجتهد قد يخطئ، وأنه مأجور ~~مع الخطأ غير آثم، لأنه تعالى أخبر بأن إدراك الحق مع سليمان، ثم أثنى ~~عليهما. وقد تقدم أولا. واستدل بها من قال برجوع الحاكم بعد قضائه من ~~اجتهاد إلى أرجح منه. # وفيها تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار. لأن النفش لا ~~يكون إلا بالليل، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن شريح والزهري وقتادة. ومن عمم ~~الضمان فسره بالرعي مطلقا. وذهب قوم منهم الحسن إلى أن صاحب الزرع تدفع ~~إليه الماشية، ينتفع بدرها وصوفها حتى يعود الزرع كما كان. كما حكم به ~~سليمان في هذه الواقعة. إذ لم يرد في شرعنا ناسخ مقطوع به عندهم. انتهى. # الرابع: روى ابن جرير عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: إن ~~شياه هذا قطعت غزلا لي. فقال شريح: نهارا أم ليلا؟ فإن كان نهارا فقد برئ ~~صاحب الشياه. وإن كان ليلا فقد ضمن، ثم قرأ هذه الآية. # قال ابن كثير: وهذا الذي قاله شريح شبيه بما # رواه «1» الإمام أحمد وأبو ms3323 داود «2» PageV07P209 # وابن ماجة «1» من حديث الليث بن سعد عن الزهري عن حرام بن محيصة، أن ناقة ~~البراء بن عازب دخلت حائطا. فأفسدت فيه. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أهل الحوائط، حفظها بالنهار. وما أفسد المواشي بالليل ضامن على أهلها # . وقد علل هذا الحديث. وروى ابن أبي حاتم أن إياس بن معاوية، لما استقضى ~~أتاه الحسن، فبكى. # فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد! بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو ~~في النار. ورجل مال به الهوى فهو في النار. ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. ~~فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان عليهما السلام ~~والأنبياء، حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم. قال الله تعالى: وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث ... الآية. فأثنى الله على سليمان، ولم يذم ~~داود. # ثم قال (يعني الحسن) : إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثا: لا يشتروا به ~~ثمنا قليلا. ولا يتبعوا فيه الهوى. ولا يخشوا فيه أحدا. ثم تلا يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله [ص: # 26] ، وقال: فلا تخشوا الناس واخشون [المائدة: 44] ، وقال: ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا [البقرة: 41] . # ثم قال ابن كثير: # وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. ~~وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) # فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في ~~النار. # وفي السنن «2» : (القضاة ثلاثة: قاض في الجنة وقاضيان في النار. رجل علم ~~الحق وقضى به فهو في الجنة. ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل ~~علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار) . # ثم بين سبحانه ما خص كلا من داود وسليمان من كراماته، إثر بيان كرامته ~~العامة لهما، بقوله: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين أي ~~سخرنا PageV07P210 # الجبال والطير يقدسن الله معه، بصوت ms3324 يتمثل له أو يخلق فيها. قال ابن ~~كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه (الزبور) وكان إذا ترنم به تقف الطير في ~~الهواء فتجاوبه. # وترد عليه الجبال تأويبا، ولهذا لما مر «1» النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب جدا، فوقف ~~واستمع لقراءته # وقال: لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود. قال: يا رسول الله! لو ~~علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا. # قال أبو عثمان الهندي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي ~~موسى رضي الله عنه. انتهى. # وتقديم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل في ~~الإعجاز، لأنها جماد. والتذييل بقوله وكنا فاعلين إشارة إلى أنه ليس ببدع ~~في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبا. وهذه الآية كقوله ~~تعالى في سورة (ص) واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال ~~معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب [ص: 17- 19] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 80] # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) # وعلمناه صنعة لبوس لكم أي عمل الدروع الملبوسة. قيل كانت الدروع قبله ~~صفائح، فحلقها وسردها. أي جعلها حلقا وأدخل بعضها في بعض كما قال تعالى: ~~وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد [سبأ: 10- 11] ، أي لا توسع ~~الحلقة فتقلق المسمار. ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة. ولهذا قال لتحصنكم من ~~بأسكم أي لتحفظكم من جراحات قتالكم فهل أنتم شاكرون أي لنعم الله عليكم، ~~لما ألهم عبده داود فعلمه ذلك رحمة بكم فيما يحفظ عليكم في المعامع حياتكم. ~~وفي إيراد الأمر بالشكر على صورة الاستفهام، مبالغة في التقريع والتوبيخ، ~~لما فيه من الإيماء إلى التقصير في الشكر. PageV07P211 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 81] # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل ~~شيء عالمين (81) # ولسليمان الريح عاصفة أي سخرناها له تجري بأمره إلى الأرض التي ms3325 باركنا ~~فيها وهي بيت المقدس وكنا بكل شيء عالمين أي ما تقتضيه الحكمة البالغة فيه. ~~وهذا كقوله تعالى: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب [ص: 36] . # قال الزمخشري رحمه الله: فإن قلت: وصفت هذه الريح بالعصف تارة وبالرخاوة ~~أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم. # فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال: غدوها شهر ورواحها ~~شهر [سبأ: 12] ، فكان جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في ~~عملها، مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ~~ومعجزة إلى معجزة. # قال في (الانتصاف) : وهذا كما ورد في وصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة ~~بأنها ثعبان. والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها. ووجه ~~ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في ~~عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح والعصا، على هذا التقرير، ~~معجزتان. # والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 82] # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) # ومن الشياطين من يغوصون له أي في البحر لاستخراج نفائسه، تكميلا لخزائنه ~~وتزيينا لقومه ويعملون عملا دون ذلك أي غير ذلك كبناء المدن والقصور ~~واختراع الصنائع العجيبة كما قال تعالى: يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان [سبأ: 13] ، وكنا لهم حافظين أي مؤيدين ومعينين. ### | تنبيه: # الشياطين المذكورون، إما مردة الإنس وأشداؤهم، وإما مردة الجن لظاهر # PageV07P212 # اللفظ. وعليه قال الجبائي: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا ~~يقدرون على عمل الثقيل؟ وإنما يمكنهم الوسوسة. وأجاب بأنه تعالى كثف ~~أجسامهم خاصة وقواهم، وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزا لسليمان عليه السلام. # والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 83 الى 84] # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~(84) # وأيوب إذ نادى ربه أني ms3326 مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ~~ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين. # أي اذكر أيوب وما أصابه من البلاء ودعاءه ربه في كشف ما نزل به، ~~واستجابته تعالى دعاءه وما امتن به عليه في رفع البلاء. وما ضاعف له بعد ~~صبره من النعماء، لتعلم أن النصر مع الصبر، وأن عاقبة العسر اليسر. وأن لك ~~الأسوة بمثل هذا النبي الصبور، فيما ينزل أحيانا بك من ضر. وأن البلاء لم ~~ينج منه الأنبياء. بل هم أشد الناس ابتلاء. كما # في الحديث «1» # (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل) . # وإن من أسباب الفرج دعاءه تعالى والابتهال إليه والتضرع له، وذكره ~~بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. وإن البلاء لا يدل على الهوان والشقاء. فإن ~~السعادة والشقاء في هذا العالم لا يترتبان على صالح الأعمال وسيئها. لأن ~~الدنيا ليست دار جزاء. وإن عاقبة الصدق في الصبر، هي توفية الأجر ومضاعفة ~~البر. وقد روي أن أيوب عليه السلام، لما امتحن بما فقد معه أرزاقه وهلك به ~~جميع آل بيته، وبما لبث يعاني من قروح جسده آلاما، وصبر وشكر، رحمه مولاه ~~فعادت له صحة بدنه وأوتي أضعاف ما فقده. ورزق عدة أولاد، وعاش عمرا طويلا ~~أبصر أولاد أولاده إلى الجيل الرابع. ولذا قال تعالى: وذكرى للعابدين أي ~~تذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا ~~والآخرة. وبالجملة فالسر هو تثبيت قلوب المؤمنين PageV07P213 # وحملهم على الصبر في المجاهدة في سبيل الحق. وقد روى المفسرون هاهنا في ~~بلاء أيوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر ~~وزن. ولا تعار من الثقة أدنى نظر. نعم يوجد في التوراة سفر لأيوب فيه من ~~شرح ضره، بفقد كل مقتنياته ومواشيه وآل بيته، وبنزول مرض شديد به، عدم معه ~~الراحة ولذة الحياة، غرائب. إلا أنها مما لا يوثق بها جميعها. لما داخلها ~~من المزيج، وتوسع بها في الدخيل، حتى اختلط الحابل بالنابل. وإن كان يؤخذ ms3327 ~~من مجموعها بلاء فادح وضر مدهش. ولو علم الله خيرا في أكثر مما أجمله في ~~تنزيله الحكيم، لتفضل علينا بتفصيله. ولذا يوقف عند إجماله فيما أجمل، ~~وتفصيله فيما فصل. ### | تنبيه: # قال بعضهم: أكثر المحققين على أن أيوب كان بعد زمن إبراهيم عليهما ~~السلام. وأنه كان غنيا من أرباب العقار والماشية. وكان أميرا في قومه. وأن ~~أملاكه ومنزله في أرض خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه المتسلسلة في الجنوب ~~الشرقي من البحر الميت. ومن جبل سعير بين بلاد أدوم وصحراء العربية. والله ~~أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 85 الى # 86] # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم ~~من الصالحين (86) # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل من الصابرين أي على القيام بأمر الله، ~~وعلى شدائد النوب، وعلى احتمال الأذى في نصرة دينه تعالى، ففيهم أعظم أسوة ~~وأدخلناهم في رحمتنا أي في النبوة أو في نعمة الآخرة إنهم من الصالحين أي ~~الكاملين في الصلاح. # قال ابن كثير: أما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام. ~~وقد تقدم ذكره في سورة مريم. وكذا إدريس عليه السلام. وأما ذو الكفل ~~فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. # وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحا، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا، وتوقف ~~ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. # وذهب بعض المحققين إلى أن ذا الكفل هو حزقيل عليه السلام. # PageV07P214 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 87 الى 88] # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين (88) # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ~~ننجي المؤمنين أي اذكر ذا النون يعني صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، ~~وصبره على ما أصابه، ثم ms3328 إنابته ونجاته، ليتثبت في نبئه فؤادك ويقوى على ~~الصبر على ما يقوله الطغاة جنانك. وهذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة ~~(الصافات) وفي سورة (ن) . وذلك أن يونس بن متى عليه السلام، أمره الله أن ~~ينطلق إلى أهل نينوى- من أرض الموصل، كرسي سلطنة الآشوريين ليدعوهم إلى ~~الإيمان به تعالى وحده، وإلى إقامة القسط ونشر العدل وحسن السيرة. وكانوا ~~على الضد من ذلك، تعاظم كفرهم وتزايد شرهم. فخشي أن لا يتم له الأمر معهم، ~~فأبق من بيت المقدس إلى يافا. ونزل في سفينة سائرة إلى ترشيش ليقيم فيها. ~~فأرسل الله ريحا شديدة على البحر أشرفت السفينة معه على الغرق. فتخفف ~~الركاب من أمتعتهم فلم يفد، فوقع في أنفسهم أن في السفينة شخصا سيهلكون ~~بسببه، فاقترعوا لينظروا من هو فخرجت القرعة على يونس، فقذفوه في البحر ~~وسكن جيشانه وتموجه. وهيأ الله حوتا ليونس فابتلعه، فمكث في جوف الحوت ~~ثلاثة أيام. ثم دعا ربه فاستجاب له، وألقاه الحوت على الساحل. ثم أوحى الله ~~إلى يونس ثانية بالمسير إلى نينوى، ودعوتها إلى الله تعالى، فوصلها ونادى ~~فيهم بالتوحيد والتوبة. وتوعدهم إن لم يؤمنوا أن تنقلب بهم نينوى، فلما ~~تحققوا ذلك آمنوا. فرفع الله عنهم العذاب، قال تعالى فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين [يونس: 98] . ### | تنبيهات: # الأول- يونس عليه السلام يسمى في التوراة (يونان) وهو عبراني. ويقال إنه ~~من جت حافر وهي قرية في سبط زبولون، في شمال الأرض المقدسة. وإنه نبئ قبل ~~المسيح بنحو ثمانمائة سنة. والله أعلم. # PageV07P215 # الثاني- أكثر المفسرين (كما حكاه الرازي) على أن يونس ذهب مغاضبا لربه. ~~وأنه ظن بإباقه إلى الفلك، وتركه المسير إلى نينوى أولا، أن يترك ولا يقاص. # قال بعض المحققين: إنما خالف يونس أولا الأمر الإلهي وترخص فيه، مخافة أن ~~يظن أنه نبي كاذب إذا تاب أهل نينوى وعفا الله عن جرمهم. وإيثار صيغة ~~المبالغة في (مغاضبا) للمبالغة. لأن أصله يكون بين اثنين، يجهد كل ms3329 منهما في ~~غلبة الآخر. # فيقتضي بذل المقدور والتناهي. فاستعمل في لازمه للمبالغة، دون قصد ~~(مفاعلة) وقد استدل بظاهر هذه الآية وأمثالها، من ذهب إلى جواز صدور الخطأ ~~من الأنبياء، إلا الكذب في التبليغ، فإنه لا يجوز عليهم الخطأ فيه، لأنه ~~حجة الله على عباده. وإلا ما يجري مجرى بيان الوحي، فإنه لا يجوز عليهم ~~الخطأ في حال بيان المشروع. وهو قول الكرامية في المرجئة (كما في شرح نهج ~~البلاغة لابن أبي الحديد) وقول الباقلاني من الأشعرية: (على ما حكاه ابن ~~حزم في الملل) . وأما الجمهور المانعون من ذلك، فلهم في هذه الآية وأشباهها ~~تأويلات. ونحن نؤثر ما قاله ابن حزم في هذا المقام، لأنه أطلق لسانا، قال ~~رحمه الله (بعد أن حكى مذهب الكرامية المذكور) : # وذهب أهل السنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز ~~البتة أن يقع من نبي معصية بعمد لا صغيرة ولا كبيرة. # ثم قال: وهذا القول الذي ندين الله تعالى به. ولا يحل لأحد أن يدين ~~بسواه. # ونقول: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد. ويقع منهم أيضا قصد الشيء ~~يريدون به وجه الله تعالى، والتقرب به منه. فيوافق خلاف مراد الله تعالى. ~~إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك ~~ولا بد، إثر وقوعه منهم. وربما يبغض المكروه في الدنيا، كالذي أصاب آدم ~~ويونس والأنبياء عليهم السلام، بخلافنا في هذا. فإننا غير مؤاخذين بما ~~سهونا فيه، ولا بما قصدنا به وجه الله عز وجل، فلم يصادف مراده تعالى. بل ~~نحن مأجورون على هذا الوجه أجرا واحدا. # ثم قال (في الكلام على يونس عليه السلام) : وأما إخبار الله تعالى أن ~~يونس ذهب مغاضبا، فلم يغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه غاضب ربه. فمن ~~زاد هذه الزيادة كان قائلا على الله الكذب، وزائدا في القرآن ما ليس فيه. ~~هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل، أنه يغاضب ربه تعالى. ~~فكيف ms3330 أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء؟ فعلمنا يقينا أنه إنما غاضب قومه، ولم ~~يوافق ذلك مراد الله عز وجل، فعوقب بذلك. وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد ~~بذلك إلا رضاء الله عز # PageV07P216 # وجل. وأما قوله تعالى: فظن أن لن نقدر عليه فليس على ما ظنوه من الظن ~~السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال. إلا أن ~~يكون قد بلغ الغاية من الجهل. فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم؟ ومن ~~المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر ~~عليه. # وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه. ولا شك في أن من نسب هذا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم الفاضل، فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه. فكيف ~~إلى يونس بن متى الذي # يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» # (لا تفضلوني على يونس بن متى) ؟ # فقد بطل ظنهم بلا شك، وصح أن معنى قوله فظن أن لن نقدر عليه أي لن نضيق ~~عليه كما قال تعالى وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه [الفجر: 16] ، أي ~~ضيق عليه. فظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته ~~لقومه، إذ ظن أنه محسن في فعله ذلك: # وإنما نهى الله عز وجل، محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن يكون كصاحب ~~الحوت، فنعم، نهاه الله عز وجل عن مغاضبة قومه، وأمره بالصبر على أذاهم ~~وبالمطاولة لهم. وأما قوله تعالى: # أنه استحق الذم والملامة، لولا النعمة التي تداركه بها، للبث معاقبا في ~~بطن الحوت، فهذا نفس ما قلناه من أن الأنبياء عليهم السلام يؤاخذون في ~~الدنيا على ما فعلوه، مما يظنونه خيرا وقربة إلى الله عز وجل، إذا لم يوافق ~~مراد ربهم. وعلى هذا الوجه أقر على نفسه بأنه كان من الظالمين. والظلم وضع ~~الشيء في غير موضعه. فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم المغاضبة في غير ~~موضعها، اعترف في ذلك بالظلم. لا ms3331 على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم. انتهى ~~كلام ابن حزم. # وأقول: إن الذي يفتح باب الإشكالات هو التعمق في الألفاظ. والتنطع في ~~شرحها وتوليد معاني ولوازم لها، والتوسع في وجوهها توسعا يميت رونق التركيب ~~ونصاعة بلاغته. ومعلوم أن التنزيل الكريم فاق سائر أساليب الكلام المعهودة ~~بأسلوبه البديع. ولذا كانت آية تأخذ بمجامع القلوب رقة وانسجاما. وبلاغة ~~وانتظاما. فلا ترى في كلمه إلا المختارات لطفا، ولا في جمله إلا الفخيمات ~~تركيبا، ولا في إشاراته إلا الأقوى رمزا، ولا في كناياته إلا الأعلى مغزى. ~~ومن ذلك سنته في الملام والوعيد من إفراغ القول في أبلغ قالب شديد، مما ~~يؤخذ منه شدة الخطب، وقوة العتب وذلك لعزة الجناب الإلهي والمقام الرباني. ~~فالعربي البليغ طبعا، الذائق جبلة، PageV07P217 # إذا تلي عليه مجمل نبأ يونس عليه السلام في هذه الآية، يدهش لما ترمي ~~إليه من قوة العتب والملام، وأنه بإباقه غاضب مولاه، غضبا لا يماثل الغضب ~~على العصاة. فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأنه ظن أن ينسى فلا يؤاخذ. ~~ويفلت فلا يحصر. # فأتاه ما لم يكن على بال. ووقع في شرك قدرة المتعال، ثم تداركته النعمة، ~~ولحقته الرحمة. هذا مجمل ما يفهم من الآية منطوقا ومفهوما. فافهم ما ذكرته ~~لك. فإنه يبلغك من التحقيق أملك. # الثالث: عد بعض الملاحدة ابتلاع الحوت يونس محالا. فكتب بعض المحققين ~~مجيبا بأن هذا إنكار لقدرة الله فاطر السموات والأرض. الذي له في خلقه ~~غرائب. ومنها الحيتان المتنوعة الهائلة الجثث، التي لم يزل يصطاد منها في ~~هذا العصر، وفي بطونها أجساد الناس بملابسهم. وكتب آخر: لم يتعرض لتعيين ~~نوع الحوت الذي ابتلع يونس. ولعله فيما قال قوم من المحققين. من النوع ~~المعروف عند بعضهم (بالزفا) وهو من كبار الحيتان يكون في بحر الروم، واسع ~~الحلقوم، حتى أنه ليبتلع الرجل برمته، دون أن يشدخه أو يجرحه. حتى يبقى في ~~الإمكان أن يخرج منه وهو حي: ومع ذلك فلم يكن بغير معجزة بقاؤه ثلاثة أيام ~~في جوف هذا الحوت، ولبث مالكا رشده ms3332 متمكنا من التسبيح والدعاء. انتهى. # الرابع: الجمع في قوله: في الظلمات إما على حقيقته، وهي ظلمة بطن الحوت ~~وظلمة البحر وظلمة الليل. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. أو ~~مجاز، يجعل الظلمة لشدتها وتكاثفها في بطن الحوت كأنها ظلمات. # والمراد منها أحد المذكورات، أو بطن الحوت. وقدمه الزمخشري ونظره بآية ~~ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات [البقرة: 17] . # الخامس: قوله تعالى: فاستجبنا له أي دعاؤه ونجيناه من الغم يعني بأن قذفه ~~الحوت إلى الساحل، قيل لم يقل (فنجيناه) كما قال في قصة أيوب عليه السلام ~~فكشفنا [الأنبياء: 84] ، لأنه دعا بالخلاص من الضر، فالكشف المذكور يترتب ~~على استجابته ويونس عليه السلام لم يدع، فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ~~ورد بأن (الفاء) في قصة أيوب تفسيرية. والعطف هنا أيضا تفسيري. # والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة. ثم لا نسلم أن يونس لم يدع بالخلاص ~~ولو لم يكن دعاء لم تتحقق الاستجابة. واستظهر الشهاب في سر الإتيان بالفاء ~~ثمة. والواو هنا غير التفنن المذكور. أن يقال: إن الأول دعاء بكشف الضر ~~وتلطف في السؤال. # PageV07P218 # فلما أجمل في الاستجابة، وكان السؤال بطريق الإيماء، ناسب أن يؤتى بالفاء ~~التفصيلية. وأما هنا، فإنه لما هاجر من غير أمر، على خلاف معتاد الأنبياء ~~عليهم السلام. كان ذلك ذنبا. كما أشار إليه بقوله: من الظالمين فما أومأ ~~إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه من سيئات الأبرار. فالاستجابة ~~عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته: وليس ما بعده تفسيرا له، بل زيادة إحسان ~~على مطلوبه. ولذا عطف بالواو. انتهى. # السادس: قوله وكذلك ننجي المؤمنين أي إذا كانوا في غموم، وأخلصوا في ~~أدعيتهم منيبين، لا سيما بهذا الدعاء: وقد روي في الترغيب آثار: منها عند ~~أحمد والترمذي (دعوة «1» ذي النون، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا ~~استجاب له) . وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 89] # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) # وزكريا أي واذكر ms3333 خبره إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا أي حين طلب أن يهبه ~~ربه ولدا يكون من بعده نبيا، ولا يتركه فردا وحيدا بلا وارث، وقد تقدمت ~~القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضا. وقوله: وأنت خير ~~الوارثين ثناء مناسب للمسألة. قال الغزالي في (شرح الأسماء الحسنى) : ~~الوارث هو الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك. وذلك هو الله سبحانه، ~~إذ هو الباقي بعد فناء خلقه، وإليه مرجع كل شيء ومصيره. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 90] # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # فاستجبنا له أي دعاءه ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه أي أصلحناها ~~للولادة بعد عقرها، معجزة وكرامة له. وقوله تعالى: PageV07P219 # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى، ~~المتعلقة بالأنبياء المذكورين، أي كانوا يبادرون في كل باب من الخير. ~~وإيثار (في) على (إلى) للإشارة إلى ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير. لأن ~~(إلى) تدل على الخروج عن الشيء والتوجه إليه ويدعوننا رغبا ورهبا أي ذوي ~~رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإجابة وكانوا لنا خاشعين أي مخبتين ~~متضرعين. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 91] # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~(91) # والتي أحصنت فرجها أي اذكر نبأ التي أحصنته إحصانا كليا، عن الحلال ~~والحرام جميعا. كما قالت: ولم يمسسني بشر [آل عمران: 47] و [مريم: # 20] . والتعبير عنها بالموصول، لتفخيم شأنها، وتنزيهها عما زعموه في ~~حقها، بادئ بدء فنفخنا فيها من روحنا أي نفخنا الروح في عيسى فيها. أي ~~أحييناه في جوفها. # فنزل نفخ الروح في عيسى، لكونه في جوف مريم، منزلة نفخ الروح فيها. ونفخ ~~الروح في الجسد عبارة عن إحيائه. وقيل: المعنى فعلنا النفخ فيها من جهة ~~روحنا جبريل عليه السلام، أي أمرناه فنفخ. أو فنفخنا فيها بعض روحنا، أي ~~بعض الأرواح المخلوقة ms3334 لنا. وذلك البعض هو روح عيسى، لأنها وصلت في الهواء ~~الذي نفخه في رحمها وجعلناها وابنها أي نبأهما آية للعالمين أي في كمال ~~قدرته واختصاصه من شاء بما شاء. وقد كان من آيتهما إتيان الرزق لمريم في ~~غير أوانه. # وتثمير النخل اليابس. وإجراء العين، ونطق ابنها في المهد. وإحياء الموتى. ~~وإبراء الأكمه والأبرص. # قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل (ءايتين) كما قال: وجعلنا الليل والنهار ~~آيتين [الإسراء: 12] ؟ قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. وهي ولادتها ~~إياه من غير فحل. انتهى. وقيل: المعنى (وجعلناها آية وابنها آية) . # فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. ولما أنهى ما ذكر تعالى من شأن جماعة ~~من الأنبياء صلوات الله عليهم، أشار إلى أن عقائدهم وأصول دينهم واحدة، ~~بقوله سبحانه وتعالى: # PageV07P220 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 92] # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) # إن هذه أي علة التوحيد والاستسلام لمعبود واحد لا شريك له أمتكم أي ملتكم ~~التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها. والخطاب للناس كافة أمة ~~واحدة أي غير مختلفة. بل هي ملة واحدة. أي أن جميع الأنبياء ورسل الله على ~~ملة واحدة ودين واحد. كما قال تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: # 19] ، وأنا ربكم أي لا إله لكم غيري فاعبدون أي ولا تشركوا بي شيئا. ### | تنبيه: # قلنا: إن الأمة هنا بمعنى الملة، وهو الدين المجتمع عليه، كما في قوله ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة [الزخرف: 23] ، أي على دين يجتمع عليه. والأمة ~~بهذا المعنى هو ما رجحه كثير من المفسرين في هذه الآية، وفي آية يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 51- 52] ، وتطلق (الأمة) بمعنى ~~الجماعة. كما هي في قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون أي ~~جماعة. [الأعراف: # 181] . وكما في قوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر [آل عمران: 104] ، ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقا، وإنما ms3335 ~~هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع، يعتبرون بها واحدا، وتسوغ أن ~~يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة. وتطلق الأمة بمعنى السنين كما في قوله ~~تعالى: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة [هود: 8] ، وفي قوله وادكر بعد ~~أمة [يوسف: 45] ، وبمعنى الإمام الذي يقتدى به، كما في قوله: إن إبراهيم ~~كان أمة قانتا لله [النحل: 120] ، وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] ، وهذا المعنى الأخير لا يخرج ~~عن معنى الجماعة، على ما ذكرنا. وإنما خصصه العرف تخصيصا. كذا حققه العلامة ~~محمد عبده رحمه الله في تفسير آية كان الناس أمة واحدة [البقرة: 213] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 93] # وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) # وتقطعوا أمرهم بينهم، كل إلينا راجعون أي تفرق الناس في دينهم الذي # PageV07P221 # أمرهم الله به، ودعاهم إليه، فصاروا فيه أحزابا ومللا. # قال الزمخشري رحمه الله: والأصل (وتقطعتم) إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة ~~على طريقة الالتفات. كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه، إلى آخرين، ويقبح عندهم ~~فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله؟ والمعنى ~~جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، كما يتورع الجماعة الشيء ويقتسمونه. ~~فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا ~~شتى. # ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة، إليه يرجعون. فهو محاسبهم ومجازيهم، ~~المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية # 94] # فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) # فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون أي فمن ~~عمل من هؤلاء، الذين تفرقوا في دينهم، بما أمر الله به من العمل الصالح، ~~وأطاعه في أمره ونهيه، وهو مقر بوحدانية الله، مصدق وعده ووعيده، متبرئ من ~~الأنداد والآلهة، فلا كفران لسعيه، بل يشكر الله عمله هذا، ويثيبه ثواب أهل ~~طاعته. وقوله تعالى: # وإنا له أي لسعيه المشكور كاتبون أي مثبتوه في صحيفة أعماله، ولا ms3336 نضيعه. ### | تنبيه: # الكفران مصدر من (كفر فلان النعمة كفرا وكفرانا) وأوثر (لا كفران) على ~~(لا نكفر) للمبالغة. لأن نفي الجنس مستلزم له وأبلغ في التنزيه بعمومه. ~~وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به. والآية كقوله تعالى: ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] . # ثم أشار إلى مقابل هؤلاء، وهم من أعرض عن ذكره تعالى، بلحوق الوعيد لهم، ~~لما جرت به سنته تعالى، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 95] # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون أي وحرام على أهل قرية فسقوا عن # PageV07P222 # أمر ربهم، فأهلكهم بذنوبهم، أن يرجعوا إلى أهلهم، كقوله تعالى: ألم يروا ~~كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون [يس: 31] ، وقوله: فلا ~~يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون [يس: 50] ، وزيادة (لا) هنا لتأكيد ~~معنى النفي من (حرام) وهذا من أساليب التنزيل البديعة البالغة النهاية في ~~الدقة. وسر الإخبار بعدم الرجوع مع وضوحه، هو الصدع بما يزعجهم ويؤسفهم ~~ويلوعهم من الهلاك المؤبد، وفوات أمنيتهم الكبرى، وهي حياتهم الدنيا. وجعل ~~أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها، و (لا) فيها على بابها. وهي مع ~~(حرام) من قبيل نفي النفي. # فيدل على الإثبات. والمعنى: وحرام على القرية المهلكة، عدم رجوعها إلى ~~الآخرة. # بل واجب رجوعها للجزاء. فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما ~~تقدم أنه لا كفران لسعي أحد. وأنه سبحانه سيحييه، وبعمله يجزيه. واللفظ ~~الكريم يحتمله ويتضح فيه. إلا أن الأول لرعاية النظائر من الآي أولى. وأما ~~ما ذكر سواهما، فلا يدل عليه السياق ولا النظير. وفيه ما يخل بالبلاغة من ~~التعقيد وفوات سلاسة التعبير. # ثم أشار إلى تحقق نصر الرسل وغلبتهم، وكثرة أتباعهم حتى يحيطوا بأعدائهم ~~من كل جانب، وينزلوا بهم ما تشخص لهم أبصارهم، يورثهم طول الندامة، بقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 96] # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ms3337 ينسلون (96) # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج علم لكل أمة كثيرة العدد مختلطة من أجناس شتى ~~وهم من كل حدب ينسلون أي من كل نشز من الأرض يسرعون، متجندين لقهر أعدائهم، ~~تحت راية نبيهم أو أميره أو خليفته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : آية 97] # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) # واقترب الوعد الحق أي طلعت طلائع النصر والقهر، ودحر الباطل والكفر فإذا ~~هي شاخصة أبصار الذين كفروا أي لهول ما حل بساحتهم والدهشة منه، قائلين يا ~~ويلنا قد كنا في غفلة من هذا أي لم نعلم أنه حق بل كنا ظالمين أي # PageV07P223 # لأنفسنا، بالإخلال بالنظر والإباء والعناد. ثم أشار إلى شأنهم في الآخرة ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 98 الى # 100] # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء ~~آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ~~(100) # إنكم وما تعبدون من دون الله أي من الأوثان والأصنام حصب جهنم أي ما يرمى ~~به إليها أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون أي ~~فلا منجى لهم منها. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون ~~لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة. حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه ~~العدو باب من العذاب. ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة، ويستنفعون ~~بشفاعتهم. # فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم لهم ~~فيها زفير أي ترديد نفس تنتفخ منه الضلوع وهم فيها لا يسمعون أي من الهول ~~وشدة العذاب. ثم بين تعالى حال المؤمنين إثر حال الكافرين، حسبما جرت به ~~سنة التنزيل، من شفع الوعد بالوعيد، وإيراد الترغيب مع الترهيب، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 101 الى 103] # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ms3338 عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها ~~وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم ~~الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أي الخصلة الحسنى، وهي السعادة أو التوفيق ~~أولئك عنها مبعدون لأنهم في غرفات الجنان آمنون. إذ وقاهم ربهم عذاب السعير ~~لا يسمعون حسيسها أي صوتا يحس به منها، لبعدهم عنها وعما يفزعهم وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر أي للحشر كما قال تعالى ويوم ~~ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض [النمل: 87] ، وتتلقاهم ~~الملائكة أي تستقبلهم مهنئين لهم قائلين هذا يومكم # PageV07P224 # الذي كنتم توعدون # أي في الدنيا، وتبشرون بنيل المثوبة الحسنى فيه. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 104 الى 107] # يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون (105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين (107) # يوم نطوي السماء أي اذكره. أو ظرف ل لا يحزنهم أو ل تتلقاهم. # والطي ضد النشر. وقوله: كطي السجل للكتب أي كما يطوى السجل وهو الكتاب. ~~واللام في (للكتب) لام التبيين. ولذلك قرئ (الكتاب) بالإفراد. أو بمعنى ~~(من) وفيه قرب من الأول، أو (الكتب) بمعنى المكتوب. أي كطي الصحيفة على ~~مكتوبها. فاللام بمعنى (على) وهو ما اختاره ابن جرير. ### | ### | تنبيه: # # ما نقل عن ابن عباس أن السجل اسم رجل كان يكتب للنبي صلوات الله عليه، ~~كما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، فأثر منكر لا يصح. # قال ابن كثير: وقد صرح بوضعه جماعة من الحفاظ، وإن كان في سنن أبي داود. ~~منهم شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي. # وكذلك تقدم في رده الإمام ابن جرير وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه ~~السجل. وكتاب النبي صلوات الله عليه، معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل. # وصدق رحمه الله في ذلك. وهو من أقوى الأدلة ms3339 على نكارة هذا الحديث. # وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث. والصحيح عن ~~ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. انتهى. # وهذه الآية كآية وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون [الزمر: 67] ، وطي ~~السماء كناية عن انكدار نجومها، ومحو رسومها، بفساد تركيبها واختلال ~~نظامها. # فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم. فيخرب العالم بأسره ~~كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين أي منجزين إياه. ثم ~~أشار إلى تحقيق # PageV07P225 # مصداقه، بإعزاز المنبئ عنه، وإيراثه ملك جاحده بقوله تعالى: ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون أي العاملون بطاعته. ~~المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة ~~الشيطان على طاعته. # و (الزبور) علم على كتاب داود عليه السلام، ويقال: المراد به كل كتاب ~~منزل. # والذكر- قالوا- التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتب فيه كل شيء ~~قبل الخلق، والله أعلم. وقوله تعالى: إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين إشارة ~~إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. أو ~~إلى العبرة في إيراث الأرض الصالحين ودحر المجرمين. و (البلاغ) الكفاية. ~~وقوله لقوم عابدين أي يعبدون الله، بما شرعه وأحبه ورضيه. ويؤثرون طاعته ~~على طاعة الشياطين وشهوات النفس وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين أي وما ~~أرسلناك بهذه الحنيفية والدين الفطري، إلا حال كونك رحمة للخلق، فإن ما ~~بعثت به سبب لسعادة الدارين. وفي جعله نفس الرحمة مبالغة جلية. وجوز كون ~~(رحمة) مفعولا له. أي للرحمة، فهو نبي الرحمة. ### | تنبيه: # قال الرازي: إنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا. أما في الدين ~~فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر ~~دينهم، لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم. فبعث الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز ~~والثواب. فدعاهم إلى الحق ms3340 وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز ~~الحلال من الحرام. ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق، فلا ~~يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قرينا له. قال ~~الله تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، إلى قوله تعالى: وهو عليهم عمى ~~[فصلت: 44] ، وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال ~~والحروب، ونصروا ببركة دينه. انتهى. # وقد أشرت إلى وجه الرحمة في بعثته صلوات الله عليه، في (الشذرة) التي ~~جمعتها في سيرته الزكية، في بيان افتقار الناس جميعا إلى رسالته، فقلت: كل ~~من لحظ بعين الحكمة والاعتبار، ونفذت بصيرته إلى مكنون الأسرار، علم حاجة ~~البشر كافة إلى رسالة خاتم النبيين، وأكبر منة الله به على العالمين، فقد ~~بعث صلوات الله عليه وسلامه على حين فترة من الرسل، وإخافة للسبل، وانتشار ~~من الأهواء، وتفرق # PageV07P226 # من الملل، ما بين مشبه لله بخلقه، وملحد في اسمه، ومشير إلى غيره، كفر ~~بواح، وشرك صراح، وفساد عام، وانتهاب للأموال والأرواح واغتصاب للحقوق، وشن ~~للغارات، ووأد للبنات وأكل للدماء والميتات، وقطع للأرحام، وإعلان بالسفاح، ~~وتحريف للكتب المنزلة، واعتقاد لأضاليل المتكهنة. وتأليه للأحبار والرهبان، ~~وسيطرة من جبابرة الجور وزعماء الفتن وقادة الغرور، ظلمات بعضها فوق بعض، ~~وطامات طبقت أكناف الأرض، استمرت الأمم على هذه الحال، الأجيال الطوال، حتى ~~دعا داعي الفلاح، وأذن الله تعالى بالإصلاح. فأحدث بعد ذلك أمرا، وجعل بعد ~~عسر يسرا. فإن النوائب إذا تناهت انتهت، وإذا توالت تولت. وذلك أن الله ~~تعالى أرسل إلى البشر رسولا ليعتقهم من أسر الأوثان، ويخرجهم من ظلمة الكفر ~~وعمى التقليد إلى نور الإيمان، وينقذهم من النار والعار، ويرفع عنهم ~~الآصار، ويطهرهم من مساوئ الأخلاق والأعمال، ويرشدهم إلى صراط الحق. قال ~~تعالى: # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران: 164] ، انتهى. وقوله ~~تعالى: ### | القول ms3341 في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنبياء (21) : الآيات 108 الى 112] # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا ~~فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد أي ما يوحى إلي، إلا استئثاره ~~تعالى بالوحدانية في الألوهية. ومعنى القصر على ذلك، أنه الأصل الأصيل، وما ~~عداه راجع إليه وغير منظور إليه في جنبه. فهو قصر دعائي فهل أنتم مسلمون أي ~~منقادون لما يوحى من التوحيد، مستسلمون له فإن تولوا أي عن التوحيد فقل ~~آذنتكم على سواء أي أعلمتكم وهديتكم على كلمة سواء بيننا وبينكم، نؤمن بها ~~ونجني ثمرات سعادتها في الدارين. أو المعنى دللتكم على صراط مستقيم، ~~وبلغتكم الأمر به. فإن آمنتم به فقد سعدتم، وإلا فإن وعد الجاحدين آتيكم، ~~وليس بمصروف # PageV07P227 # عنكم. وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك، لأن الله تعالى لم يعلمني علمه، ولم ~~يطلعني عليه كما قال: وإن أدري أي وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون أي من ~~الفتح عليكم، وإيراث أرضكم غيركم، ولحوق الذل والصغار بعصيانكم إنه يعلم ~~الجهر من القول ويعلم ما تكتمون أي فسيجزيكم على ذلك وإن أدري لعله فتنة ~~لكم أي وما أدري لعلل تأخير جزائكم استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، أو ~~ابتلاء لينظر كيف تعملون. ف (الفتنة) إما مجاز عن الاستدراج بذكر السبب ~~وإرادة المسبب، أو هو بمعناه الأصلي. فهو استعارة مصرحة. وقول تعالى: ومتاع ~~إلى حين أي تمتيع لكم إلى أجل مقدور. والتمتيع بمعنى الإبقاء والتأخير قال ~~وقرئ (قل) رب احكم بالحق أي افصل بيننا وبينهم بالحق. وذلك بنصر من آمن بما ~~أنزلت، على من كفر به، كقوله تعالى: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين [الأعراف: 89] ، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون أي من ~~الكذب والافتراء ms3342 على الله ورسوله. بنصر أوليائه، وقهر أعدائه. وقد أجاب ~~سبحانه دعوته، وأظهر كلمته، فله الحمد في الأولى والآخرة، إنه حميد مجيد. # قال الرازي: قال القاضي: إنما ختم الله هذه السورة بقوله: قال رب احكم ~~بالحق لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان لهم الغاية، وبلغوا النهاية ~~في أذيته وتكذيبه. فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفا أن المقصود ~~مصلحتهم. # فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم، فعليك بالانقطاع إلى ربك، ليحكم بينك ~~وبينهم بالحق. إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره. وإما بتأخير ذلك. فإن ~~أمرهم، وإن تأخر فما هو كائن قريب. وما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك ~~في حروبه، كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول، كالاستعجال ~~للأمر بمجاهدتهم. وبالله التوفيق. # PageV07P228 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحج # سميت به لاشتمالها على أصل وجوبه والمقصود من أركانه، وهو الطواف، إذ ~~الإحرام نية، والوقوف بعرفات من استعداده، والسعي من تتمته، والحلق خروج ~~عنه. # وذكر فيها منافعه وتعظيم شعائره وغير ذلك، مما يشير إلى فوائده وأسراره. ~~أفاده المهايمي. # وعن مجاهد، عن ابن عباس: أنها مكية سوى ثلاث آيات هذان خصمان [الحج: 19- ~~22] ، إلى تمام الآيات الثلاث، فإنهن نزلن بالمدينة، وفي آثار أخرى أنها ~~كلها مدنية، كما في الإتقان وآياتها ثمان وسبعون آية. # PageV07P229 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يأمر تعالى عباده ~~بتقواه التي هي من جوامع الكلم، في فعل المأمورات واجتناب المنهيات. # قال المهايمي: أي احفظوا تربيته عليكم، بصرف نعمه إلى ما خلقها لأجله، ~~لئلا تقعوا في الكفران الموجب لانقلاب التربية عليكم، بالانتقام منكم. # انتهى. # أي فالتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية والتربية، مع الإضافة ~~إلى ضمير المخاطبين، لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب الامتثال به ترغيبا ~~وترهيبا. أي احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم، وقوله تعالى إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم تعليل لموجب الأمر، ms3343 بذكر بعض عقوباته الهائلة. فإن ملاحظة ~~عظمها وهولها، وفظاعة ما هي من مبادئه ومقدماته، من الأحوال والأهوال، التي ~~لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس التقوى، مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته ~~وملازمته لا محالة. و (الزلزلة) التحريك الشديد والإزعاج العنيف، بطريق ~~التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها عن مراكزها. وإضافتها للساعة، ~~من إضافة المصدر إلى فاعله مجازا، كأنها هي التي تزلزل. أو إلى ظرفه، وهي ~~الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها [الزلزلة: 1] ، ~~وفي التعبير عنها ب (الشيء) ، إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها، ~~والعبارة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام. أفاده أبو السعود. # وقد وصف عظمها في كثير من السور والآيات. كسورة التكوير وسورة الانفطار ~~وسورة الانشقاق وسورة الزلزال وغيرها. وقد أشير إلى شيء من بليغ هولها ~~بقوله سبحانه: # PageV07P230 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 2] # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت # أي عن إرضاعها. أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وتضع كل ذات حمل حملها # أي ما في بطنها لغير تمام وترى الناس سكارى # أي كأنهم سكارى وما هم بسكارى # أي على التحقيق ولكن عذاب الله شديد # أي ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله، هو الذي أذهب عقولهم، وطير تمييزهم، ~~وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. قاله الزمخشري. ### | لطيفة: # قال الناصر في (الانتصاف) : العلماء يقولون: إن من أدلة المجاز صدق ~~نقيضه، كقولك (زيد حمار) إذا وصفته بالبلادة. ثم يصدق أن تقول (وما هو ~~بحمار) فتنفي عنه الحقيقة. فكذلك الآية. بعد أن أثبت السكر المجازي نفي ~~الحقيقي أبلغ نفي مؤكد بالباء. والسر في تأكيده التنبيه على أن هذا السكر ~~الذي هو بهم في تلك الحالة، ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا ~~قبله مثله. # والاستدراك بقوله: ولكن عذاب الله شديد # راجع إلى قوله ms3344 وما هم بسكارى # كأنه تعليل لإثبات السكر المجازي. كأنه قيل إذا لم يكونوا سكارى من ~~الخمر، وهو السكر المعهود، فما هذا السكر الغريب وما سببه؟ فقال: سببه شدة ~~عذاب الله تعالى. انتهى. # ثم أشير لحال المنكرين للساعة، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 3] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم أي يخاصم في شأنه تعالى بغير علم. # فيزعم أنه غير قادر على إحياء من قد بلي وصار ترابا، ونحو ذلك من ~~الأباطيل ويتبع أي في جداله كل شيطان مريد أي عات متمرد. كرؤساء الكفر ~~الصادين # PageV07P231 # عن الحق. ثم أشار لوصف آخر لهذا الشيطان المتبع، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 4] # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير أي قضى على ~~الشيطان أنه يضل من تولاه بأن اتخذه وليا، وتبعه، ولا يهديه إلى الحق، بل ~~يسوقه إلى عذاب جهنم الموقدة. وسوقه إياه إليه، بدعائه إلى طاعته ومعصية ~~الرحمن. ### | تنبيه: # قيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث، وكان جدلا قال الزمخشري: وهي عامة ~~في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز، من الصفات ~~والأفعال. ولا يرجع إلى علم، ولا يعض فيه بضرس قاطع. # وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة فهو يخبط خبط عشواء، غير ~~فارق بين الحق والباطل. انتهى. # ثم بين تعالى الحجة القاطعة لما يجادلون فيه، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 5] # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد ms3345 علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث أي من إمكانه وكونه مقدورا له ~~تعالى. أو من وقوعه فإنا خلقناكم من تراب أي خلقنا أول آبائكم، أو أول ~~موادكم، وهو المني، من تراب. إذ خلق من أغذية متولدة منه. وغاية أمر البعث ~~أنه خلق من التراب ثم من نطفة أي تولدت من الأغذية الترابية ثم من علقة أي ~~قطعة من الدم جامدة ثم من مضغة أي قطعة من اللحم بقدر ما يمضغ مخلقة # PageV07P232 # وغير مخلقة # أي مصورة وغير مصورة والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر ~~فيها شيء من الأعضاء. ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا لنبين لكم أي بهذا ~~التدريج، قدرتنا وحكمتنا، وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة، قبلها ~~أخرى. وأن من قدر على تغييره وتصويره أولا، قدر على ذلك ثانيا. ونقر في ~~الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى وهو وقت الوضع. # قال أبو السعود: استئناف مسوق لبيان حالهم، بعد تمام خلقهم. وعدم نظم هذا ~~وما عطف عليه في سلك الخلق المعلل بالتبيين، مع كونهما من متمماته، ومن ~~مبادئ التبيين أيضا. لما أن دلالة الأول على كمال قدرته تعالى على جميع ~~المقدورات، التي من جملتها البعث المبحوث عنه، أجلى وأظهر. أي ونحن نقر في ~~الأرحام بعد ذلك ما نشاء أن نقره فيها إلى أجل مسمى. # ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم أي كمال قوتكم وعقلكم. قال أبو السعود ~~علة ل نخرجكم معطوفة على علة أخرى مناصبة لها. كأنه قيل: ثم نخرجكم لتكبروا ~~شيئا فشيئا. ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والتمييز ومنكم من يتوفى أي بعد ~~بلوغ الأشد أو قبله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف. والأرذل ~~الأردأ لكيلا يعلم من بعد علم شيئا # أي من بعد علم كثير، شيئا من الأشياء، أو شيئا من العلم، مبالغة في ~~انتقاص علمه وانتكاس حاله واللام لام العاقبة. # قال البيضاوي: ms3346 والآية- يعني ثم نخرجكم إلخ- استدلال ثان على إمكان البعث، ~~بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة. فإن من ~~قدر على ذلك قدر على نظائره. # ثم أشار تعالى إلى حجة أخرى على صحة البعث، بقوله وترى الأرض هامدة أي ~~ميتة يابسة فإذا أنزلنا عليها الماء أي المطر اهتزت أي تحركت بالنبات وربت ~~أي انتفخت وعلت، لما يتداخلها من الماء ويعلو من نباتها وأنبتت من كل زوج ~~أي صنف بهيج أي حسن رائق يسر ناظره وهذه الحجة الثالثة، لظهورها وكونها ~~مشاهدة معاينة، يكررها الله تعالى في كتابه الكريم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 6 الى # 7] # ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) # ذلك بأن الله هو الحق أي ذلك الذي ذكر من خلق الإنسان على أطوار # PageV07P233 # مختلفة، وتصريفه في أحوال متباينة، وإحياء الأرض بعد موتها، حاصل بسبب أن ~~الله هو الحق وحده في ذاته وصفاته وأفعاله. المحقق لما سواه من الأشياء، ~~فهي من آثار ألوهيته وشؤونه الذاتية وحده وما سواه مما يبعد باطل، لا يقدر ~~على شيء من ذلك وأنه يحي الموتى أي يقدر على إحيائها، إذ أحيى النطفة ~~والأرض الميتة وأنه على كل شيء قدير فإن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء ~~العجيبة، لا يمتنع عليها شيء وأن الساعة آتية لا ريب فيها أي لاقتضاء ~~الحكمة إياها. فهي في وضوح دلائلها التكوينية، بحيث ليس فيها مظنة أن يرتاب ~~في إتيانها وأن الله يبعث من في القبور أي من الأموات، أحياء إلى موقف ~~الحساب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 8 الى 10] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني ~~عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ~~(9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # ومن الناس من يجادل في الله بغير ms3347 علم ولا هدى ولا كتاب منير أي يجادل في ~~شأنه تعالى من غير تمسك بعلم ضروري، ولا باستدلال ونظر صحيح، يهدي إلى ~~المعرفة. ولا بوحي مظهر للحق. أي بل بمجرد الرأي والهوى، وهذه الآية في حال ~~الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر المقلدين- بفتح اللام- كما أن ما قبلها في ~~حال الضلال الجهال المقلدين- بكسر اللام- فلا تكرار أو أنهما في الدعاة ~~المضلين واعتبر تغاير أوصافهم فيها، فلا تكرار أيضا. # قال في (الكشف) : والأول أظهر وأوفق بالمقام. وكذا اختاره أبو مسلم فيما ~~نقله عنه الرازي، ثم قال: فإن قيل كيف يصح ما قلتم، والمقلد لا يكون ~~مجادلا؟ # قلنا: قد يجادل تصويبا لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها، ~~وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد. # وقوله ثاني عطفه حال من فاعل (يجادل) أي عاطفا لجانبه إعراضا واستكبارا ~~عن الحق، إذا دعي إليه. # قال الزمخشري: ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء. كتصعير الخد ولي ~~الجيد. # وقوله: ليضل عن سبيل الله أي ليصد عن دينه وشرعه، متعلق ب (يجادل) # PageV07P234 # علة له له في الدنيا خزي أي إهانة ومذلة، كما أصابه يوم بدر من الصغار ~~والفشل ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق أي النار المحرقة ذلك بما قدمت يداك ~~على الالتفات، أو إرادة القول. أي: يقال له يوم القيامة: ذلك الخزي ~~والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والضلال والإضلال. وإسناده إلى (يديه) ، ~~لما أن الاكتساب عادة يكون بالأيدي. وأن الله ليس بظلام للعبيد أي بل هو ~~العدل في معاقبة الفجار، وإثابة الصالحين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 11] # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) # ومن الناس من يعبد الله على حرف شروع في حال المذبذبين، إثر بيان حال ~~المجاهرين. أي ومنهم من يعبده تعالى على طرف من الدين، لا في وسطه وقلبه. # وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة. كالذي ~~ينحرف ms3348 إلى طرف الجيش. فإن أحس بظفر وغنيمة قر وإلا فر فإن أصابه خير أي ~~دنيوي من صحة وسعة اطمأن به أي ثبت على ما كان عليه ظاهرا وإن أصابته فتنة ~~أي ما يفتتن به من مكروه ينزل به انقلب على وجهه أي رجع إلى ما كان عليه من ~~الكفر خسر أي بهذا الانقلاب الدنيا والآخرة أي ضيعهما بذهاب عصمته، وحبوط ~~عمله، بالارتداد ذلك هو الخسران المبين أي الواضح الذي لا يخفى على ذي ~~بصيرة. ### | تنبيه: # قال ابن جرير: يعني جل ذكره بقوله ومن الناس إلخ أعرابا كانوا يقدمون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرين من باديتهم. فإن نالوا رخاء، من عيش ~~بعد الهجرة، والدخول في الإسلام، أقاموا على الإسلام. وإلا ارتدوا على ~~أعقابهم. وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل. ثم أسنده من طرق. # وهذا مما يؤيد أن السورة مدنية كما قاله جمع. وتقدم ذلك. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 12] # يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) # يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه أي حال ثابتة من فاعل (انقلب) # PageV07P235 # والأولى (خسر) ولذلك قرئ (خاسر) أي ارتد عن دين الله يدعو من دونه آلهة ~~لا تضره، إن لم يعبدها في الدنيا، ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها- وقال أبو ~~السعود (يدعو) استئناف مبين لعظيم الخسران ذلك هو الضلال البعيد أي عن الحق ~~والهدى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 13] # يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) # يدعوا أي هذا المنقلب على وجهه، إذا أصابته فتنة لمن ضره أقرب من نفعه أي ~~وثنا أو صنما، ضره في الدنيا بالذل والخزي وفي الآخرة بالعذاب، أسرع إليه ~~من نفعه الذي يتوقعه بعبادته، وهو الشفاعة والتوسل به إلى الله تعالى. ~~فاللام زائدة في المفعول به، وهو (من) كما زيدت في قوله تعالى: ردف لكم ~~[النمل: 72] ، في وجه. وذكر أن ابن مسعود ms3349 كان يقرؤه (يدعو من ضره) بغير ~~لام. وهي مؤيدة للزيادة. و (ضره) مبتدأ، و (أقرب) خبر. وفي الآية وجوه ~~كثيرة هذا أظهرها. وإثبات الضرر له هنا، باعتبار معبوديته. ونفيه قبل، ~~باعتبار نفسه. والآية بمثابة الاستدراك أو الإضراب عما قبلها، بإثبات ضر ~~محقق لاحق لعابده، تسفيها وتجهيلا لاعتقاده فيه أنه يستنفع به حين يستشفع ~~به وإيراد صيغة التفضيل، مع خلوه عن النفع بالمرة، للمبالغة في تقبيح حاله، ~~والإمعان في ذمه لبئس المولى أي الناصر له ولبئس العشير أي المصاحب له. # ولما بين سوء حال الكفرة من المجاهرين والمذبذبين، أعقبه بكمال حسن حال ~~المؤمنين، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 14] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد (14) # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد أي من الأفعال المبنية على الحكمة، التي من جملتها إثابة ~~من أطاعه وتعذيب من عصاه. # PageV07P236 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 15] # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~أي بحبل إلى ما يعلوه ثم ليقطع أي ليختنق فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ أي ~~غيظه. والمعنى من استبطأ نصر الله وطلبه عاجلا، فليقتل نفسه. لأن له وقتا ~~لا يقع إلا فيه. فالآية في قوم من المسلمين استبطئوا نصر الله، لاستعجالهم ~~وشدة غيظهم، وحنقهم على المشركين. وجوز أن تكون في قوم من المشركين، ~~والضمير في (ينصره) للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: من كان منهم يظن أن ~~لن ينصر الله نبيه، فليختنق وليهلك نفسه، ثم لينظر في نفسه، هل يذهبن ~~احتياله هذا في المضارة والمضادة، ما يغيظه من النصرة؟ كلا. فإن الله ناصر ~~رسوله لا محالة. قال تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ms3350 في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد [غافر: # 51] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 16 الى 17] # وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) # وكذلك أنزلناه أي القرآن الكريم آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد يخبر تعالى عن أهل ~~هذه الأديان المختلفة، أنه يقضي بينهم في الآخرة بالعدل. فيدخل من آمن منهم ~~به وعمل صالحا، الجنة. ومن كفر به، النار. فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، ~~حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكنه ضمائرهم. وتقدم في سورة البقرة ~~التعريف ب (الصابئين) والمراد ب (الذين) أشركوا كفار العرب خاصة. لأن ~~المشركين في إطلاق التنزيل، بمثابة العلم لهم. # PageV07P237 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 18] # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس بيان لعظمته تعالى وانفراده ~~بألوهيته وربوبيته. بانقياد هذه العوالم العظمى له، وجريها على وفق أمره ~~وتدبيره. فالسجود فيها مستعار من معناه المتعارف، لمطاوعة الأشياء له ~~تعالى، فيما يحدث فيها من أفعاله، ويجريها عليه من تدبيره وتسخيره لها. ~~ووجه الشبه الحصول على وفق الإرادة من غير امتناع منها فيهما. وقوله وكثير ~~من الناس إما معطوف على ما قبله، إن جوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه ~~جميعا، فيكون السجود في الجمادات الانقياد، وفي العقلاء العبادة. أو مبتدأ ~~خبره محذوف. أو فاعل لمضمر، إن لم يجوز ذلك. وقوله تعالى: # وكثير حق عليه العذاب أي من الناس. ms3351 أي بكفره واستعصائه ومن يهن الله أي ~~بأن كتب عليه الشقاوة حسبما علمه من صرف اختياره إلى الشر فما له من مكرم ~~أي يكرمه بالسعادة إن الله يفعل ما يشاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 19] # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) # هذان خصمان اختصموا في ربهم يعني فريق المؤمنين وفريق الكافرين المنقسم ~~إلى الفرق الخمس المبينة في الآية قبل. و (الخصم) في الأصل مصدر. # ولذا يوحد وينكر غالبا. ويستوي فيه الواحد المذكر وغيره ومعنى (اختصموا ~~في ربهم) أي في دينه وعبادته. والاختصام يشمل ما وقع أحيانا من التحاور ~~الحقيقي بين أهل الأديان المذكورة، والمعنوي. فإن اعتقاد كل من الفريقين ~~بحقية ما هو عليه، وبطلان ما عليه صاحبه، وبناء أقواله وأفعاله عليه، خصومة ~~للفريق الآخر. وإن لم يجز بينهما التحاور والخصام. ثم أشار إلى فصل خصومتهم ~~المذكور في قوله تعالى: إن الله يفصل بينهم يوم القيامة بقوله سبحانه: # PageV07P238 # فالذين كفروا قطعت أي قدرت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم أي ~~الماء الحار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 20 الى 24] # يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول ~~وهدوا إلى صراط الحميد (24) # يصهر أي يذاب به ما في بطونهم أي من الأمعاء والأحشاء والجلود ولهم مقامع ~~أي سياط يضربون بها من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ~~وذوقوا عذاب الحريق إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا ~~إلى الطيب من القول كما قال تعالى: تحيتهم فيها سلام [يونس: 10] و ~~[إبراهيم: 23] ، وقولهم: ms3352 الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] ، وهدوا إلى صراط الحميد أي المحمود، وهو ~~الجنة. أو الحق تعالى، المستحق لغاية الحمد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 25] # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام أي مكة الذي جعلناه ~~للناس سواء العاكف أي المقيم فيه والباد أي الطارئ ومن يرد فيه بإلحاد أي ~~بميل عن القصد بظلم أي بغير حق نذقه من عذاب أليم أي جزاء على هتكه حرمته. ~~ويشمل الإلحاد الإشراك ومنع الناس من عمارته، واقتراف الآثام. وتدل الآية ~~على أن الواجب على من كان فيه، أن يضبط نفسه، ويسلك طريق السداد والعدل في ~~جميع ما يهم به ويقصده. وقد ذهب بعض السلف إلى أن السيئة في الحرم أعظم ~~منها في غيره، وأنها تضاعف فيه. وأن هم بها فيه أخذ بها. ومفعول # PageV07P239 # (يرد) إما محذوف، أي يرد شيئا أو مرادا ما، والباء للملابسة. أو هي زائدة ~~و (إلحادا) مفعوله. أو للتعدية لتضمينه معنى (يتلبس) . و (بظلم) حال ~~مرادفة. أو بدل مما قبله، بإعادة الجار. أو صلة له. أي ملحدا بسبب الظلم. ~~وعلى كل، فهو مؤكد لما قبله. ومن قوله نذقه إلخ يؤخذ خبر (إن) ويكون مقدرا ~~بعد قوله والباد مدلولا عليه بآخر الآية، كما ارتضى ذلك أبو حيان في ~~(البحر) . ثم أشار تعالى إلى تقريع وتوبيخ من عبد غيره وأشرك به في البقعة ~~المباركة، التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 26] # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة، أي ~~منزلا ومرجعا لعبادته تعالى وحده ف (أن) في ms3353 قوله تعالى أن لا تشرك بي شيئا ~~مفسرة ل بوأنا من حيث إنه متضمن لمعنى (تعبدنا) لأن التبوئة للعبادة. أي ~~فعلنا ذلك لئلا تشرك بي شيئا وطهر بيتي أي من الأصنام والأوثان والأقذار ~~للطائفين والقائمين والركع السجود أي لمن يطوف به ويقيم ويصلي. أو المراد ~~بالقائمين وما بعده (المصلين) ، ويكون عبر عن الصلاة بأركانها، للدلالة على ~~أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك، فكيف وقد اجتمعت؟. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 27 الى # 28] # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ~~ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) # وأذن في الناس بالحج أي ناد فيهم به، قال الزمخشري: والنداء بالحج أن ~~يقول: حجوا، أو عليكم الحج يأتوك رجالا أي مشاة، جمع (راجل) وعلى كل ضامر ~~أي ركبانا على كل بعير مهزول، أتعبه بعد الشقة فهزله. والعدول عن (ركبانا) ~~الأخصر، للدلالة على كثرة الآتين من الأماكن البعيدة، وقوله تعالى: # يأتين صفة لكل ضامر، لأنه في معنى الجمع. وقرئ (يأتون) صفة للرجال # PageV07P240 # والركبان. أو استئناف، فيكون الضمير للناس من كل فج عميق أي طريق واسع ~~بعيد ليشهدوا منافع لهم أي ليحصروا منافع لهم دينية ودنيوية ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام أي على ما ملكهم منها، ~~وذللها لهم، ليجعلوها هديا وضحايا. قال الزمخشري: كنى عن البحر والذبح، ~~بذكر اسم الله. لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا. ~~وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه- زاد ~~الرازي- وأن يخالف المشركون في ذلك. فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان، ~~قال القفال: وكأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما ~~يعادلها. فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته، طلبا لمرضاة الله تعالى، ~~واعترافا بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. والأيام المعلومات أيام العشر. أو ~~يوم النحر ms3354 وثلاثة أيام أو يومان بعده. أو يوم عرفة والنحر ويوم بعده. أقوال ~~للأئمة. # قال ابن كثير: ويعضد الثاني والثالث قوله تعالى على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام يعني به ذكر الله عند ذبحها. انتهى. # أقول- لا يبعد أن تكون (على) تعليلية، والمعنى: ليذكروا اسم الله وحده في ~~تلك الأيام بحمده وشكره وتسبيحه، لأجل ما رزقهم من تلك البهم. فإنه هو ~~الرزاق لها وحده والمتفضل عليهم بها: ولو شاء لحظرها عليهم ولجعلها أوابد ~~متوحشة. وقد امتن عليهم بها في غير موضع من تنزيله الكريم. كقوله سبحانه: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها ~~لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون [يس: 71- 72] والسر في إفراده هذه النعمة، ~~والتذكير بها دون غيرها من نعمه وأياديه، أن بها حياة العرب وقوام معاشهم. ~~إذ منها طعامهم وشرابهم ولباسهم وأثاثهم وخباؤهم وركوبهم وجمالهم. فلولا ~~تفضله تعالى عليهم بتذليلها لهم، لما قامت لهم قائمة. # لأن أرضهم ليست بذات زرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة، ولا جزيرتهم متحضرة ~~متمدنة. ومن كانوا كذلك، فيجدر بهم أن يذكروا المتفضل عليهم بما يبقيهم، ~~ويشكروه ويعرفوا له حقه. من عبادته وحده وتعظيم حرماته وشعائره. فالاعتبار ~~بها من ذلك، موجب للاستكانة لرازقها، والخضوع له والخشية منه. نظير الآية- ~~على ما ظهر لنا- قوله تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف [قريش: 3- 4] ، هذا أولا. وثانيا قد يقال: إنما أفردت لتتبع ~~بما هو البر # PageV07P241 # الأعظم والخير الأجزل. وهو مواساة البؤساء منها. فإن ذلك من أجل ما يرضيه ~~تعالى، ويثيب عليه. والله أعلم. # فكلوا منها أي من لحومها. والأمر للندب. وإزاحة ما كان عليه أهل الجاهلية ~~من التحرج فيه. وقد ثبت «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نحر هديه، ~~أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها. # وعن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم. فرخص للمسلمين. # فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. # قال في (الإكليل) : والأمر للاستحباب حيث لم يكن الدم ms3355 واجبا بإطعام ~~الفقراء. وأباح مالك الأكل من الهدى الواجب، إلا جزاء الصيد والأذى والنذر، ~~وأباحه أحمد، إلا من جزاء الصيد والنذر. وأباح الحسن الأكل من الجميع تمسكا ~~بعموم الآية. وذهب قوم إلى أن الأكل من الأضحية واجب، لظاهر الأمر. وقوم ~~إلى أن التصدق منها ندب، وحملوا الأمر عليه. ولا تحديد فيما يؤكل أو يتصدق ~~به، لإطلاق الآية. انتهى. # وأطعموا البائس أي الذي أصابه بؤس أي شدة الفقير أي الذي أضعفه الإعسار، ~~والأمر هنا للوجوب. وقد قيل به في الأول أيضا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 29 الى 31] # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين ~~به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق (31) # ثم أي بعد الذبح ليقضوا تفثهم أي ليؤدوا إزالة وسخهم من الإحرام، بالحق ~~والتقصير وقص الأظفار ولبس الثياب وليوفوا نذورهم أي ما ينذرونه من أعمال ~~البر في حجهم وليطوفوا بالبيت العتيق أي طواف الإفاضة. وهو طواف ~~PageV07P242 # الزيارة الذي هو من أركان الحج. ويقع به تمام التحلل. و (العتيق) القديم. ~~لأنه أول بيت وضع للناس. أو المعتق من تسلط الجبابرة ذلك خبر محذوف. أي ~~الأمر ذلك. وهو وأمثاله من أسماء الإشارة، تطلق للفصل بين الكلامين، أو بين ~~وجهي كلام واحد. # قال الشهاب: والمشهور في الفصل (هذا) كقوله: هذا، وإن للطاغين لشر مآب ~~[ص: 55] ، واختيار (ذلك) هنا لدلالته على تعظيم الأمر وبعد منزلته. وهو من ~~الاقتضاب القريب من التخلص، لملائمة ما بعده لما قبله، كما هنا ومن يعظم ~~حرمات الله أي أحكامه. أو الحرم وما يتعلق بالحج من المناسك. و (الحرمات) ~~جمع حرمة وهو ما لا يحل هتكه، بل يحترم شرعا فهو خير له عند ربه أي ثوابا. # و (خير) اسم تفضيل حذف متعلقة. أي من غيره، أو ليس ms3356 المراد به التفضيل فلا ~~يحتاج لتقديره، قاله الشهاب. والثاني هو الأظهر، لأنه أسلوب التنزيل في ~~مواضع لا يظهر التفاضل فيها. وإيثاره، مع ذلك، لرقة لفظه، وجمعه بين الحسن ~~والروعة وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم أي آية تحريمه. وذلك قوله في ~~سورة المائدة حرمت عليكم الميتة والدم [المائدة: 3] ، والمعنى: أن الله قد ~~أحل لكم الأنعام كلها، إلا ما استثناه في كتابه. فحافظوا على حدوده. وإياكم ~~أن تحرموا مما أحل لكم شيئا. كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ~~ذلك. وأن تحلوا مما حرم الله. كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. ~~أفاده الزمخشري. فاجتنبوا الرجس من الأوثان تفريع على ما سبق من تعظيم ~~حرماته تعالى. فإن ترك الشرك واجتناب الأوثان من أعظم المحافظة على حدوده ~~تعالى. و (من) بيانية. أي فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، كما تجتنب ~~الأنجاس. وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها. قال ~~الزمخشري: سمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق ~~التشبيه. يعني أنكم، كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن ~~تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه [المائدة: 90] ، جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، ~~والرجس مجتنب. وقوله تعالى: واجتنبوا قول الزور تعميم بعد تخصيص. فإن عبادة ~~الأوثان رأس الزور. كأنه لما حث على تعظيم الحرمات، أتبعه ذلك، ردا لما ~~كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب. وتعظيم الأوثان والافتراء على ~~الله تعالى بأنه حكم بذلك، وإعلاما بأن توحيد الله ونفي الشركاء عنه، وصدق ~~القول، أعظم الحرمات وأسبقها خطوا حنفاء لله مخلصين له الدين، # PageV07P243 # منحرفين عن الباطل إلى الحق غير مشركين به أي شيئا من الأشياء. ثم ضرب ~~للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال تعالى ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أي سقط منها فقطعته الطيور في الهواء أو ~~تهوي به الريح أي تقدمه في مكان سحيق أي بعيد مهلك لمن هوى فيه. و (أو) ~~للتخيير ms3357 أو التنويع. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب ~~والمفرق. فإن كان تشبيها مركبا، فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه ~~إهلاكا ليس بعده نهاية. بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته ~~الطير، فتفرق مزعا في حواصلها. أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح ~~البعيدة. وإن كان مفرقا، فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك ~~الإيمان وأشرك بالله، بالساقط من السماء. والأهواء التي تتوزع أفكاره، ~~بالطير المختطفة. # والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة، بالريح التي تهوي بما عصفت به في ~~بعض المهاوي المتلفة. فكتب الناصر عليه: أما على تقدير أن يكون مفرقا ~~فيحتاج تأويل تشبيه المشرك بالهاوي من السماء، إلى التنبيه على أحد أمرين: ~~إما أن يكون الإشراك المراد ردته، فإنه حينئذ كمن علا إلى السماء بإيمانه ~~ثم هبط بارتداده وإما أن يكون الإشراك أصليا، فيكون قد عد تمكن المشرك من ~~الإيمان ومن العلو به ثم عدوله عنه اختيارا، بمنزلة من علا إلى السماء ثم ~~هبط كما قال تعالى: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات [البقرة: 257] ، فعدهم مخرجين من النور وما دخلوه قط، ولكن كانوا ~~متمكنين منه. وفي تقريره تشبيه الأفكار المتوزعة للكافر، بالطير المختطفة، ~~وفي تشبيه تطويح الشيطان بالهوي مع الريح في مكان سحيق- نظر. لأن الأمرين ~~ذكرا في سياق تقسيم حال الكافر إلى قسمين. فإذا جعل الأول مثلا لاختلاف ~~الأهواء والأفكار، والثاني مثلا لنزغ الشيطان، فقد جعلهما شيئا واحدا. لأن ~~توزع الأفكار واختلاف الأهواء، مضاف إلى نزغ الشيطان، فلا يتحقق التقسيم ~~المقصود. والذي يظهر في تقرير التشبيهين غير ذلك. فنقول: لما انقسمت حال ~~الكفر إلى قسمين لا مزيد عليهما، الأول منهما المتذبذب والمتمادي على الشك ~~وعدم التصميم على ضلالة واحدة. فهذا القسم من المشركين مشبه بمن اختطفته ~~الطير وتوزعته، فلا يستولي طائر على مزعة منه إلا انتهبها منه آخر، وذلك ~~حال المذبذب. لا يلوح له خيال إلا اتبعه ونزل عما كان عليه. والثاني مشرك ms3358 ~~مصمم على معتقد باطل. لو نشر بالمنشار لم يكع ولم يرجع. # لا سبيل إلى تشكيكه، ولا مطمع في نقله عما هو عليه، فهو فرح مبتهج ~~بضلالته. # PageV07P244 # فهذا مشبه في إقراره على كفره، باستقرار من هوت به الريح إلى واد سافل ~~فاستقر فيه. # ويظهر تشبيهه بالاستقرار في الوادي السحيق، الذي هو أبعد الأحباء عن ~~السماء، وصف ضلاله بالبعد في قوله تعالى: أولئك في ضلال بعيد [إبراهيم: 3] ~~، وضلوا ضلالا بعيدا [النساء: 167] ، أي صمموا على ضلالهم فبعد رجوعهم إلى ~~الحق فهذا تحقيق القسمين والله أعلم. انتهى كلامه. # ولا يخفى أن في النظم الكريم مساغا له. إلا أنه لا قاطع به. نعم، هو من ~~بديع الاستنباط، ورقيق الاستخراج. فرحم الله ناسجه. # قال ابن كثير: وقد ضرب تعالى للمشركين مثلا آخر في سورة الأنعام. وهو ~~قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا، قل إن هدى الله هو الهدى [الأنعام: 71] الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 32] # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) # ذلك ومن يعظم شعائر الله أي علائم هدايته، وهو الدين. أو معالم الحج ~~ومناسكه. أو الهدايا خاصة، لأنها من معالم الحج وشعائره تعالى. كما تنبئ ~~عنه آية والبدن جعلناها لكم من شعائر الله # [الحج: 36] ، وهو الأوفق لما بعده. # وتعظيمها أن يختارها عظام الأجرام حسانا سمانا، غالية الأثمان. ويترك ~~المكاس في شرائها. فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن: الهدي ~~والأضحية والرقبة. # وعن سهل «1» : كنا نسمن الأضحية في المدينة وكان المسلمون يسمنون. # رواه البخاري. # وعن أنس «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين ~~أقرنين. رواه البخاري PageV07P245 # وعن البراء «1» مرفوعا. أربع لا تجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، ~~والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي: رواه ~~أحمد وأهل السنن. # فإنها أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب أي من ms3359 أفعال ذوي التقوى. # والإضافة إلى القلوب، لأن التقوى وضدها تنشأ منها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 33] # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق أي لكم في ~~الهدايا منافع درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى وقت نحرها. # وقد روي في الصحيحين «2» عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رجلا يسوق بدنة قال: اركبها. قال: إنها بدنة قال: # أركبها، ويحك. في الثانية أو الثالثة. # وقوله: ثم محلها أي محل الهدايا وانتهاؤها إلى البيت العتيق وهو الكعبة ~~كما قال تعالى: هديا بالغ الكعبة [المائدة: 95] ، وقال: والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله [الفتح: 25] . # قال في (الإكليل) : فيه أن الهدي لا يذبح إلا بالحرم. وقيل: المعنى: محل ~~هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت العتيق. فيقتضي أن الحاج بعد طواف الإفاضة. # يحل له كل شيء. وكذا روي عن ابن عباس: ما طاف أحد بالبيت إلا حل، لهذه ~~الآية. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 34] # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. # أي شرعنا لكل أمة أن ينسكوا. أي يذبحوا لوجهه تعالى، على وجه التقرب. # وجعل العلة، أن يذكر اسمه. تقدست أسماؤه. على النسائك. ف (منسكا) مصدر ~~PageV07P246 # ميمي على أصله. أو بمعنى المفعول. وفي الآية تنبيه على أن القربان يجب أن ~~يكون نعما. # فإلهكم إله واحد فله أسلموا أي أخلصوا له الذكر خاصة، لا تشوبوه بإشراك. ~~وبشر المخبتين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 35 الى 36] # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع ~~والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم ms3360 تشكرون (36) # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خافت لتأثرهم عند ذكره مزيد تأثر ~~والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والبدن ~~جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها # أي في ذبحها تضحية خير من المنافع الدينية والدنيوية فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن. وعن ابن عباس: قياما على ~~ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى. يقول: بسم الله، والله أكبر، لا إله إلا ~~الله: اللهم منك ولك. وفي الصحيحين «1» عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ ~~بدنة وهو ينحرها. فقال: ابعثها قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه ~~وسلم: # وفي صحيح مسلم «2» عن جابر في صفة حجة الوداع، قال فيه: فنحر رسول صلى ~~الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين بدنة # . جعل يطعنها بحربة في يده فإذا وجبت جنوبها أي سقطت على الأرض، وهو ~~كناية عن الموت فكلوا منها وأطعموا القانع أي السائل والمعتر أي المتعرض ~~بغير سؤال. أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال، والمعتر ~~المتعرض بسؤال وقد استنبط من الآية أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فيأكل ~~ثلثا ويهدي ثلثا ويتصدق بثلث. PageV07P247 # كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون أي ذللناها لكم، لتشكروا إنعامنا، والشكر ~~صرف العبد ما أنعم عليه، إلى ما خلق لأجله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 37] # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم أي لن يصيب رضاءه ~~لحومها المتصدق بها، ولا دماؤها المهراقة، من حيث أنها لحوم ودماء. ولكن ~~بمراعاة النية والإخلاص، ابتغاء وجهه الأعلى، ويقرب من هذه الآية قوله ~~تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم [البقرة: 177] ، إلى آخرها كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم أي لتعرفوا عظمته فتوحدوه بالعبادة على ما ~~أرشدكم إلى طريق تسخيرها، وكيفية التقرب بها على لسان أكرم رسله المبعوث ~~بسعادة الدارين. # وإنما كرره تذكيرا ms3361 للنعمة وتعليلا بما بعده. وفي التعليل المذكور شاهد ~~لما قدمناه أولا في معنى قوله تعالى: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام [الحج: 28] ، فتذكر. وقوله تعالى: وبشر المحسنين ~~أي المخلصين في أعمالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 38] # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) # إن الله يدافع عن الذين آمنوا كلام مستأنف، مسوق لتوطين قلوب المؤمنين، ~~ببيان أن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم، بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج، ~~ليتفرغوا إلى أداء مناسكه. كذا قاله أبو السعود. وسبقه الرازي إليه. # والأولى أن يقال: إنه طليعة لما بعده من الإذن بالقتال، مبشرة بغاية ~~النصرة والحفظ والكلاءة والعاقبة للمؤمنين. تشجيعا لهم على قتال من ظلمهم، ~~وتشويقا إلى استخلاص بيته الحرام، ليتسنى لهم إقامة شعائره وأداء مناسكه. ~~وقوله تعالى: إن الله لا يحب كل خوان أي في أمانة الله كفور أي لنعمته ~~بعبادته غيره، فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم. وصيغة المبالغة فيهما، لأنه في ~~حق المشركين، وهم كذلك ولأن خيانة أمانة الله وكفران نعمته لا يكون حقيرا، ~~بل هو أمر عظيم. # PageV07P248 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 39 الى 40] # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) # أذن للذين يقاتلون أي يقاتلهم المشركون. والمأذون فيه محذوف، لدلالة ~~المذكور عليه. وقرئ بكسر التاء. بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله أي بغير حق سوى ~~التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين، لا موجب الإخراج ~~والتسيير. ومثله هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله [المائدة: 59] ، وهو من ~~تأكيد المدح بما يشبه الذم. # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ms3362 صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر ~~فيها اسم الله كثيرا أي لولا كفه تعالى المشركين بالمسلمين، وإذنه بمجاهدة ~~المسلمين للكافرين، لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، ~~وعلى متعبداتهم فهدموها. # قال ابن جرير: ومنه كفه تعالى ببعضهم التظالم. كالسلطان الذي كف به رعيته ~~عن التظالم بينهم ومنه كفه تعالى لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب ~~بحق من له قبله حق. ونحو ذلك. وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض. لولا ~~ذلك لتظالموا. فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم، وما سمى جل ثناؤه. و ~~(الصوامع) مباني الرهبانية لخلوتهم. (والبيع) معابد النصارى. و (الصلوات) ~~روي عن ابن عباس أنه عنى بها كنائس اليهود. سميت بها لأنها محلها. وقيل هي ~~بمعناها الحقيقي. و (هدمت) بمعنى عطلت. أو فيه مضاف مقدر ولينصرن الله من ~~ينصره أي ينصر دينه وأولياءه. # قال القاضي: وقد أنجز الله وعده، بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد ~~العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم. إن الله لقوي عزيز. # PageV07P249 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 41] # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور أي مرجعها إلى حكمه وتقديره. وفيه تأكيد ~~لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمتهم. ثم أشار تعالى إلى تسلية نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، عما يناله من أذى المشركين، وحاضا له على الصبر على ما ~~يلحقه منهم من التكذيب، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 42 الى 44] # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وهم قوم هود وثمود وهم قوم صالح ~~وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وهم قوم شعيب وكذب موسى وإنما لم يقل ~~(وقوم موسى) كسابقه، لأن ms3363 موسى ما كذبه قومه بنوا إسرائيل، وإنما كذبه غير ~~قومه وهم القبط. وفيه شيء آخر كأنه قيل، بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم ~~وكذب موسى مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك بغيره؟ أفاده الزمخشري. # قال الناصر: ويحتمل عندي، والله أعلم، أنه لما صدر الكلام بحكاية ~~تكذيبهم، ثم عدد أصناف المكذبين وطوائفهم، ولم ينته إلى موسى إلا بعد طول ~~الكلام، حسن تكريره ليلي قوله فأمليت للكافرين فيتصل المسبب بالسبب، كما ~~قال في آية (ق) بعد تعديدهم كل كذب الرسل فحق وعيد [ق: 14] ، فربط العقاب ~~والوعيد، ووصلهما بالتكذيب، بعد أن جدد ذكره، والله أعلم. # وإيراد من زعم بأن موسى كذبه قومه بعبادة العجل، إيراد من لم يفهم معنى ~~التكذيب الذي هو رد دعوة النبي وعدم الإيمان به والإصرار على الكفر بوحيه، ~~والقيام في وجهه وصد الناس عن اتباعه. وما وقع من قوم موسى هو تخليط، وخطأ ~~اجتهاد، وتعنت ولجاج مع الاستظلال بظل دعوته، والانتظام في سلك إجابته. ~~وقوله # PageV07P250 # تعالى: فأمليت للكافرين أي أمهلتهم ثم أخذتهم أي بالعقوبة فكيف كان نكير ~~أي إنكاري عليهم بالإهلاك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 45] # فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر ~~مشيد (45) # فكأين من قرية أي فكم من أهالي قرية أهلكناها أي بالعذاب وهي ظالمة أي ~~مشركة كافرة فهي خاوية أي ساقطة على عروشها أي سقوفها وبئر معطلة أي وكم من ~~بئر متروكة لا يستقى منها، لهلاك أهلها وقصر مشيد أي مرفوع. من (شاد ~~البناء) رفعه. أو معناه مطلي ومعمول بالشيد، بالكسر، وهو الجص، أي مجصص، ~~أخليناه عن ساكنيه، ومن شواهد الأول قول عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كل ... سا، فللطير في ذراه وكور ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 46] # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) # أفلم يسيروا أي أهل مكة في تجارتهم في الأرض ms3364 فتكون لهم أي بما يشاهدونه ~~من مواد الاعتبار قلوب يعقلون بها أي ما يجب أن يعقل من التوحيد أو آذان ~~يسمعون بها أي ما يجب أن يسمع من الوحي والتخويف فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الضمير في (فإنها) للقصة. أو مبهم يفسره ~~(الأبصار) . والمعنى: ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم باتباع ~~الهوى والانهماك في الغفلة. وفائدة ذكر (الصدور) هو التأكيد مثل يقولون ~~بأفواههم [آل عمران: 167] ، وطائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] ، إلا أنه ~~لتقرير معنى الحقيقة، وهنا لتقرير معنى المجاز. # وقال الزمخشري: الفائدة زيادة التصوير والتعريف وعبارته: الذي قد تعورف ~~واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس ~~نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل. فلما أريد إثبات ما هو خلاف ~~المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة، ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا ~~التصوير إلى زيادة # PageV07P251 # تعيين وفضل تعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار. كما تقول ~~(ليس المضاء للسيف، ولكنه للسانك الذي بين فكيك) ، فقولك (الذي بين فكيك) ~~تقرير لما ادعيته للسانه، وتثبيت. لأن محل المضاء هو هو لا غير. وكأنك قلت: ~~ما نفيت المضاء عن السيف. وأثبته للسانك، فلتة ولا سهوا مني، ولكن تعمدت به ~~إياه بعينه تعمدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 47] # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) # ويستعجلونك بالعذاب أي المبين في آية وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: # 32] ، ولن يخلف الله وعده أي فيصيبهم ما أوعدهم به، ولو بعد حين وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون أي هو تعالى حليم لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة ~~عند خلقه، كيوم واحد عنده، بالنسبة إلى حلمه. لعلمه بأنه على الانتقام ~~قادر، وأنه لا يفوته شيء. وإن أنظر وأملى. ولهذا قال بعده: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية ms3365 48] # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) # وكأين من قرية أمليت لها أي أمهلتها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير إلى ~~حكمي مرجع الكل فأجزيهم بأعمالهم. فتأثر هذه الآية ما قبلها صريح في بيان ~~خطئهم في الاستعجال المذكور، ببيان كمال سعة حلمه تعالى، وإظهار غاية ضيق ~~عطنهم، المستتبع لكون المدة القصيرة عنده تعالى، مددا طوالا عندهم، حسبما ~~ينطق به قوله تعالى: إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا [المعارج: 6- 7] ، ولذلك ~~يرون مجيئه بعيدا، ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره، ويجترءون على الاستعجال به، ~~ولا يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها، وقوعا وإخبارا، ما عنده تعالى من ~~المقدار. أفاده ابن كثير وأبو السعود. # وفي (العناية) : لما ذكر استعجالهم، وبين أنه لا يتخلف ما استعجلوه، ~~وإنما أخر حلما، لأن اليوم ألف سنة عنده. فما استطالوه ليس بطويل بالنسبة ~~إليه، بل هو أقصر من يوم. فلا يقال: إن المناسب حينئذ أن ألف سنة كيوم، ~~والقلب لا وجه له. # PageV07P252 # وقال الرازي: لما حكى تعالى من عظم ما هم عليه من التكذيب، أنهم يستهزءون ~~باستعجال العذاب، بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: وإن ~~يوما عند ربك يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته كألف سنة لو عد في كثرة ~~الآلام وشدتها. فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة، وأنه بهذا ~~الوصف لما استعجلوه. # قال الرازي: وهذا قول أبي مسلم، وهو أولى الوجوه. انتهى. # وقد حكاه الزمخشري بقوله: وقيل معناه: كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من ~~أيام عذابه، في طول ألف سنة من سنيكم. لأن أيام الشدائد مستطالة، أي تعد ~~طويلة كما قيل: # تمتع بأيام السرور فإنها ... قصار. وأيام الهموم طوال # أو كان ذلك اليوم الواحد، لشدة عذابه، كألف سنة من سني العذاب. انتهى. # واعتمد الوجه الأول أبو السعود. وناقش فيما بعده بأنه لا يساعده سياق ~~النظم الجليل ولا سياقه. فإن كلا منهما ناطق بأن المراد هو العذاب الدنيوي. ~~وأن الزمان الممتد هو الذي مر عليهم قبل حلوله بطريق الإملاء والإمهال. ms3366 لا ~~الزمان المقارن له. # ألا يرى إلى قوله تعالى: وكأين من قرية إلخ، فإنه صريح في أن المراد هو ~~الأخذ العاجل الشديد، بعد الإملاء المديد. انتهى. وفيه قوة. فالله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 49 الى 51] # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51) # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة ورزق كريم وهي الجنة والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب ~~الجحيم أي والذين سعوا في رد آياتنا، وصد الناس عنها مشاقين. فالمعاجزة ~~مستعارة للمشاقة مع المؤمنين ومعارضتهم. فكلما طلبوا إظهار الحق طلب هؤلاء ~~إبطاله. كما يقال (جاراه في كذا) . قال تعالى أم حسب الذين يعملون السيئات ~~أن يسبقونا [العنكبوت: 4] ، وقرئ (معجزين) بتشديد الجيم. بمعنى أنهم عجزوا ~~الناس # PageV07P253 # وثبطوهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالقرآن. وكلتا ~~القراءتين متقاربة المعنى. # وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله. ومن معاجزة الله التعجيز عن ~~آيات الله، والعمل بمعاصيه، وخلاف أمره. وكان من صفة القوم الذين نزلت فيهم ~~الآيات أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسوله. ويغالبون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه. وقد ضمن الله ~~له نصره عليهم. فكان ذلك معاجزتهم الله. كذا في الشهاب وابن جرير. ثم أشار ~~تعالى إلى تسلية رسوله صلوات الله عليه، عما كان يلاقيه من صد شياطين قومه ~~عن سبيل الله، بأن تلك سنة كل رسول وأن العاقبة له، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 52] # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى أي رغب في انتشار ~~دعوته، وسرعة علو شرعته ms3367 ألقى الشيطان في أمنيته أي بما يصد عنها، ويصرف ~~المدعوين عن إجابتها فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يبطله ويمحقه ثم يحكم ~~الله آياته أي يثبتها فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض [الرعد: 17] ، والله عليم يعلم الإلقاءات الشيطانية، وطريق نسخها من ~~وجه وحيه. حكيم يحكم آياته بحكمته. ثم أشار إلى أن من مقتضيات حكمته أنه ~~يجعل الإلقاء الشيطانى فتنة للشاكين المنافقين والقاسية قلوبهم عن قبول ~~الحق، ابتلاء لهم ليزدادوا إثما. ورحمة للمؤمنين ليزدادوا ثباتا واستقامة، ~~فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 53] # ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد (53) # ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض أي شك وارتياب والقاسية ~~قلوبهم وهم العتاة المتمردون وإن الظالمين لفي شقاق أي خلاف للحق بعيد عن ~~موافقته جدا، بسبب ظلمهم وشركهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 54] # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) # PageV07P254 # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي ~~بالانقياد، والخشية. والضمير للقرآن أو لله تعالى: وإن الله لهاد الذين ~~آمنوا إلى صراط مستقيم أي إلى طريق الحق والاستقامة، فلا تزل أقدامهم بقبول ~~ما يلقي الشيطان، ولا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن، لصفائها. هذا هو ~~الصواب في تفسير الآية. ولها نظائر تظهر المراد منها كما أشرنا إليه، لو ~~احتاجت إلى نظير. ولكنها بينة بنفسها، غنية عن التطويل في التأويل، لولا ما ~~أحوج المحققين إلى رد ما دسه بعض الرواة هنا من الأباطيل. ونحن نسوق ما قيل ~~فيها من ذلك، ثم نتبعه بنقد المحققين، لئلا يبقى في نفس الواقف حاجة. # قال ابن جرير الطبري: قيل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه، في بعض ما ms3368 ~~يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن، ما لم ينزل الله عليه. فاشتد ذلك على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك، بهذه ~~الآيات # . ثم ذكر من قال ذلك. # فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جلس في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من ~~الله شيء فينفروا عنه. فأنزل الله عليه والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما ~~غوى [النجم: 1- 2] ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ ~~أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19- 20] ، ألقى عليه ~~الشيطان كلمتين (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) فتكلم بها، ثم مضى ~~فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه، ورضوا بما ~~تكلم به. # قالا: فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة. فلما بلغ ~~الكلمتين المذكورتين قال: ما جئتك بهاتين. فحزن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فأنزل الله تبارك وتعالى عليه يعزيه وما أرسلنا من قبلك الآية. # وقال القاضي عياض في (الشفا) : اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا ~~الحديث مأخذين: أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه. # أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ~~ثقة بسند سليم متصل. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل ~~غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء ~~المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير. وتعلق بذلك # PageV07P255 # الملحدون مع ضعف بعض نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف ~~كلماته. ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد ~~منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها، واهية ضعيفة، والمرفوع ~~فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب (الشك ~~في الحديث) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، وذكر القصة. # قال أبو ms3369 بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإسناد متصل، يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد. ~~وغيره يرسله عن سعيد ابن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن ~~عباس. فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى ~~هذا. وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيما ذكرناه، الذي لا يوثق ~~به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، ~~لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله: والذي منه # في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة (النجم) وهو بمكة. # فسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن. # هذا توهينه من طريق النقل. # وأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته عليه السلام، ~~ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة. إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح غير ~~الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ~~ليس منه، حتى ينبهه عليه جبريل عليهما السلام. وذلك كله ممتنع في حقه عليه ~~السلام. أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر. ~~أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان- وهو استحالة هذه القصة نظرا ~~وعرفا. وذلك أن الكلام، لو كان كما روي، بعيد الالتئام، متناقض الأقسام ~~ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى ~~على أدنى متأمل. فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح ~~الكلام علمه؟ ووجه ثالث- أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين ~~وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم من أول وهلة، وتخليط العدو على ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشمات بهم الفينة ~~بعد الفينة. وارتداد من في قلبه ms3370 مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة. ولم يحك ~~أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل. ولو كان # PageV07P256 # ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة. ولأقامت بها اليهود عليهم ~~الحجة. # كما فعلوه مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة. ~~وكذلك ما روي في قصة القضية. ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت. ولا ~~تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت. فما روي عن معاند فيها ~~كلمة. # ولا عن مسلم بسببها بنت شفة. فدل على بظلها، واجتثاث أصلها. ولا شك في ~~إدخال بعض شياطين الإنس والجن، على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس به على ضعفاء ~~المسلمين. # ووجه رابع- ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: وإن كادوا ليفتنونك عن ~~الذي أوحينا إليك [الإسراء: 73] الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي ~~رووه. # لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته ~~لكاد يركن إليهم. فمضمون هدا ومفهومه، أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، ~~وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا، فكيف كثيرا؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية ~~أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم. وهذا ضد مفهوم الآية، ويضعف ~~الحديث، لو صح، فكيف ولا صحة له؟ وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم ~~الحديث، لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته. ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك ~~أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. فمنها ما رواه قتادة ومقاتل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصابته سنة عند قراءة هذه السورة. فجرى هذا ~~الكلام على لسانه بحكم النوم. وهذا لا يصح. إذ لا يجوز على النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثله في حالة من أحواله. ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي ~~الشيطان عليه في نوم ولا يقظة، لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو. # وقد قال عليه السلام «1» # (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) . # وفي حديث الكلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث نفسه، فقال ذلك الشيطان ~~على ms3371 لسانه. # وفي رواية ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: ومنها لما أخبر بذلك ~~قال: إنما ذلك من الشيطان # . وكل هذا لا يصح أن يقوله عليه السلام لا سهوا ولا قصدا. ولا يتقوله ~~الشيطان على لسانه. # وقيل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله أثناء تلاوته، على تقدير ~~التقرير والتوبيخ للكفار. كقول إبراهيم هذا ربي [الأنعام: 77] ، على أحد ~~التأويلات. وكقوله: PageV07P257 # بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] ، بعد السكت وبيان الفصل بين ~~الكلامين. ثم رجع إلى تلاوته. وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على ~~المراد، وأنه ليس من المتلو. وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر. # ومما يظهر في تأويله، إن سلمنا القصة، أن يراد بالغرانيق الملائكة. ورجاء ~~الشفاعة من الملائكة صحيح. فلما تأوله المشركون على أن المراد بها آلهتهم، ~~ولبس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم، نسخ الله ما ألقى ~~الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين. انتهى كلام القاضي ملخصا. # وقال أبو بكر الباقلاني: وقيل: كان صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن، ~~فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات. ونطق بتلك الكلمات، محاكيا نغمته، ~~بحيث سمعه من دنا إليه، فظنها من قوله تعالى وأشاعها. # قال: وهذا أحسن الوجوه. ويؤيده ما روي عن ابن عباس من تفسير (تمنى) ب ~~(تلا) وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل. وقال قبله: إن هذه الآية نص في ~~براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه، وأن الشيطان زاده في قوله ~~صلوات الله عليه، لا أنه عليه السلام قاله. # قال: وقد سبق إلى ذلك الطبري فصوب هذا المعنى وحوم عليه. واستحسان ابن ~~العربي ذلك، على فرض صحة القصة، وإلا فقد قال: ذكر الطبري في ذلك روايات ~~كثيرة باطلة لا أصل لها. وقال تقي الدين بن تيمية: في الآية قولان والمأثور ~~عن السلف يوافق القرآن بذلك. والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ~~ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ~~لترتجى) وقالوا: إن هذا لم يثبت. ومن ms3372 علم أنه ثبت قال: هذا ألقاه الشيطان ~~في مسامعهم، ولم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن السؤال وارد على ~~هذا التقدير أيضا. # وقالوا في قوله: إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: هو حديث النفس ~~وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف، فقالوا: هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن ~~القدح فيه وقالوا: الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير ~~والحديث. # والقرآن يوافق ذلك. فإن نسخ الله لما يلقي الشيطان، وإحكامه آياته، إنما ~~يكون لرفع ما وقع في آياته، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا تختلط آياته ~~بغيرها. وجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ~~إنما يكون ذلك ظاهرا يسمعه الناس، لا باطنا في النفس. والفتنة التي تحصل ~~بهذا النوع من النسخ، من جنس # PageV07P258 # الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ. وهذا النوع أدل على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وبعده عن الهوى، من ذلك النوع. فإنه إذا كان يأمر بأمر ~~ثم يأمر بخلافه وكلاهما من عند الله، وهو مصدق في ذلك، فإذا قال عن نفسه أن ~~الثاني هو الذي من عند الله وهو الناسخ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ~~ليس كذلك، كان أدل على اعتماده للصدق وقول الحق. وهذا كما قالت عائشة «1» ~~رضي الله عنها: لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ألا ترى أن الذي يعظم ~~نفسه بالباطل يريد أن ينصر كل ما قاله ولو كان خطأ. فبيان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن الله أحكم آياته ونسخ ما ألقاه الشيطان، هو أدل على تحريه ~~للصدق وبراءته من الكذب. وهذا هو المقصود بالرسالة. فإنه الصادق المصدوق ~~صلى الله عليه وسلم تسليما. انتهى. # وفي كلامه رحمه الله نظر من وجوه: # أولا- دعواه أن المأثور يوافق القرآن. فإنه ذهاب إلى أن الإلقاء إلقاء في ~~الآيات. ولا تدل الآية عليه، لا مطابقة ولا التزاما. بل القول بذلك ms3373 ينافي ~~التنزيل والوحي منافاة النار للماء، كما ستراه. # وثانيا- دعواه أن تلك الرواية نقلها ثابت لا يمكن القدح فيه. فقد قدح ~~فيها من لا يحصى من المتقدمين والمتأخرين. ويكفي أن تلميذه الحافظ ابن كثير ~~قال: # قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق. وما كان من رجوع كثير من ~~المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش أسلموا. ولكنها من طرق ~~كلها مرسلة. ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وتعداد طرقها، بعد ضعف أصلها، لا ~~يفيد. وهذه شبهة يعتمدها كثير من الواقفين مع الروايات. يظنون أن الضعيف ~~بكثرة طرقه يقوى. والحال أن الضعيف ضعيف كيفما جاء. وقد سرت هذه الشبهة ~~للحافظ ابن حجر. فأخذ يقوي بعض طرقها ويصححها من جهة الإسناد. كما ستمر بك ~~مناقشته. ولو كان لها أدنى رائحة من الصحة لأخرجها البخاري معلقة أو ~~موقوفة، أو أرباب السنن. # وثالثا- اعترافه بأن السؤال وارد على تقدير ثبوتها، وإلقاء الشيطان ذلك ~~في مسامعهم، مما يبرهن أن فيها مغامز تنبذها العقول، كما نبذتها صحة ~~النقول. PageV07P259 ### | ### | فصل # # وقال الفخر الرازي في (تفسيره) : هذه الرواية باطلة موضوعة، عند أهل ~~التحقيق. واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه: # أحدها- قوله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم ~~لقطعنا منه الوتين [الحاقة: 44- 46] . # وثانيها- قوله: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي [يونس: 15] . # وثالثها- قوله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3- 4] . # ورابعها- قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ~~علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا [الإسراء: 73] ، وكلمة (كاد) عند بعضهم ~~معناها أنه لم يحصل. # وخامسها- قوله: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا [الإسراء: ~~74] ، وكلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. فدل على أن ذلك الركون ~~القليل لم يحصل. # وسادسها- قوله: كذلك لنثبت به فؤادك [الفرقان: 32] . # وسابعها- قوله: سنقرئك فلا تنسى [الأعلى: 6] . # وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة ~~فقال: هذا وضع من ms3374 الزنادقة. وصنف فيه كتابا. # وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة ~~النقل. ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وأيضا فقد روى ~~البخاري «1» في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة (النجم) وسجد فيها ~~المسلمون والمشركون والإنس والجن. وليس فيه حديث الغرانيق. وروي هذا الحديث ~~من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق. # وأما المعقول فمن وجوه: # أحدها- أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان، فقد كفر ~~لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان. PageV07P260 # وثانيها- أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ ~~القرآن عند الكعبة آمنا أذى المشركين له. حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه. ~~وإنما كان يصلي، إذا لم يحضروها، ليلا، أو في أوقات خلوة. وذلك يبطل قولهم. # وثالثها- أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من ~~القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر. فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم ~~حتى خروا سجدا؟ مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم. # ورابعها- قوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وذلك لأن ~~إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول، أقوى من نسخة بهذه الآيات ~~التي تبقى الشبهة معها. فإذا أراد الله إحكام الآيات، لئلا يلتبس ما ليس ~~بقرآن قرآنا، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا، أولى. # وخامسها- وهو أقوى الوجوه، أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه. # وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، ويبطل قوله تعالى: # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي، وبين ~~الزيادة فيه. فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال، أن هذه القصة موضوعة. # أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها. لكنهم ما بلغوا حد التواتر. # وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة. # ثم أطال ms3375 الرازي في تفصيل المباحث. ونقل عن أبي مسلم الأصفهاني ما توسع به ~~البحث فانظره إن شئت. ### | فصل # وكتب الأستاذ الإمام مفتي مصر، الشيخ محمد عبده رحمه الله في هذه الآية ~~مقالة بديعة، نقتبس منها شذرات. # قال: يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي (القرآن) ما رفع الإسلام من شأن ~~الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي وقدوة ~~البشر، في الفضائل وصالح الأعمال. وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما ~~نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم. ولا يخفى على أحد من أهل النظر، في هذا ~~الدين القويم، أنه # PageV07P261 # قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه ~~الله وجوههم نحوها من قول أو عمل. وخص خاتمهم محمدا صلى الله عليه وسلم فوق ~~ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز. وعصمة الرسل في التبليغ عن الله، ~~أصل من أصول الإسلام. شهد به الكتاب وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة. وما ~~خالف فيه بعض الفرق، فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه إلى ~~خلقه. ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان، حق لا يرتاب فيه ملي يفهم ما ~~معنى الدنى. ومع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانا يعملون على هدمه وتوهين ~~ركنه. أولئك عشاق الرواة وعبدة النقل. نظروا نظرة في قوله تعالى وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي الآية وفيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن ~~(تمنى) بمعنى (قرأ) و (الأمنية القراءة) فعمي عليهم وجه التأويل، على فرض ~~صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم. فقيض ~~لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند ما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، ~~وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم وزرايته على آلهتهم، أخذه الضجر من ~~إعراضهم. ولحرصه على إسلامهم تمنى ألا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك ~~طريقا إلى استمالتهم. فاستمر به ما تمناه حتى نزلت ms3376 عليه سورة (النجم) إلى ~~آخر ما رواه ابن جرير أولا. وقد شايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع ~~الناس إلف الغريب، والتهافت على العجيب. فولعوا بهذه التفاسير، ونسوا ما ~~رآه جمهور المحققين في تأويلها. وذهب إليه الأئمة في بيانها. # جاء في صحيح البخاري «1» : وقال ابن عباس في إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته إذا حدث ألقي الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم ~~الله آياته. ويقال (أمنيته قراءته) إلا أماني يقرءون ولا يكتبون. انتهى. # فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعد ما فسرها بالحديث ~~رواية عن ابن عباس. وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين. فما يدعيه الشراح ~~أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهر العبارة. ثم حكاية ~~تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده. وسيأتي ~~أن المراد بالحديث حديث النفس. PageV07P262 # وقال صاحب الإبريز: إن تفسير (تمنى) بمعنى (قرأ) و (الأمنية) بمعنى ~~(القراءة) مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ورواها ~~علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ~~وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث، وأن المحققين على تضعيفه. ~~انتهى. # وهذا ما في الرواية عن ابن عباس وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين ~~يضعفون راويها. وأما قصة الغرانيق، فمع ما فيها من الاختلاف، فقد طعن فيها ~~غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحاق: إنها من وضع الزنادقة. كما تقدم عن ~~الرازي، ونحوه عن القاضي عياض رحمه الله، من وهنها وسقوطها من عدة أوجه. # وأما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من طرق على شرط الصحيح، ~~وأنه يحتج بها من يرى الاحتجاج بالمرسل، فقد ذهب عليه كما قال في الإبريز ~~أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين. فالحديث الذي يريد خرمها ~~ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك ms3377 ~~الصفة، من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ~~ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به، فيما ~~هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان ~~بالمرسل وما جاءوا به. فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. # هذا ما قاله الأئمة، جزاهم الله خيرا، في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا ~~أصل لها. ولا عبرة برأى من خالفهم. فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، ~~وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا. وشهرة المبطل في بطله، لا تنفخ القوة ~~في قوله. ولا تحمل على الأخذ برأيه. # ثم قال الأستاذ رحمه الله: والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي ~~تحتملها ألفاظها وتدل عليه عباراتها. والله أعلم: # لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئا من القرآن، أن قوله ~~تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآيات، يحكي قدرا قدر للمرسلين ~~كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه. ويصف شنشنة عرفت فيهم، وفي أممهم. فلو صح ~~ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى: أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط ~~الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم. ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله ~~كلام # PageV07P263 # الشيطان ويحكم الله آياته إلخ، وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص ~~الله تعالى لأنبيائه، واختيارهم من خاصة أوليائه! فلندع هذا الهذيان، ولنعد ~~إلى ما نحن بصدده. # ذكر الله لنبيه حالا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته ~~فيهم. # وذلك بعد أن قال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود [الحج: ~~42] ، إلى آخر الآيات ثم قال: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين أولئك أصحاب الجحيم وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي [الحج: ### | 49- 52 # ] ، إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم. ثم تبعه الأمر ~~الإلهي بأن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لقومه: ms3378 إنني لم أرسل إليكم إلا ~~لأنذركم بعاقبة ما أنتم عليه، ولأبشر المؤمنين بالنعيم. وأما الذين يسعون ~~في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة، ليحولوا عنها ~~الأنظار ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجزوا ~~بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي يسابقوهم ليعجزوهم ويسكتوهم ~~عن القول بذلك. وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها، كما يقع ~~عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم. ~~وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم من المعاجزة ~~في الآيات، قد ابتلي به الأنبياء السابقون. فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له ~~خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف، ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما ~~يبتغي، بما يلقون في سبيله من العثرات. فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما ~~لقيه الأنبياء جميعا، يجب أن تفسر الآية. وذلك يكون على وجهين: # الأول- أن يكون (تمنى) بمعنى (قرأ) و (الأمنية) بمعنى (القراءة) وهو معنى ~~قد يصح. وقد ورد استعمال اللفظ فيه قال حسان بن ثابت في عثمان رضي الله ~~عنهما: # تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى كتاب الله أول ليله ... تمني داود الزبور على رسل # غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من ~~قولك (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه، ولا يكون قد ~~أراده. أو نسبت إليه ما لم يقله تعللا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه. وذلك من ~~عمل # PageV07P264 # المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء ~~الريبة، فالإلقاء بهذا المعنى دأبهم، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان لأنه مثير ~~الشبهات بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ~~ينسب إليه. ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدث ~~قومه عن ربه، أو تلا وحيا أنزل إليه في هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، ~~يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه. ويتقولون عليه ms3379 ما لم يقله، وينشرون ~~ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ~~ويبطل الباطل. وما زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في ~~الحق، ولا يعتدون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء المستهزئين إلى أن يظهر الحق ~~بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة. فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من ~~أصولها، ويثبت آياته ويقررها. وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز ~~الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك ~~الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها. ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد ~~والمجاحدة، فيتخذونها سندا يعتمدون عليها في جدلهم. ثم يتمحص الحق عند ~~الذين أوتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلمون أنه الحق من ~~ربك فيصدقون به، فتخبت وتطمئن له قلوبهم. والذين أوتوا العلم هم الذين ~~رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين. ~~وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ ~~بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وسواء أرجعت الضمير في (أنه ~~الحق) إلى ما جاءت به الآيات المحكمات من الهدى الإلهي أو إلى القرآن، وهو ~~أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين. هؤلاء الذين أوتوا العلم ~~هم الذين آمنوا. وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم. ولم يجعل للوهم ~~عليها سلطانا، فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم. وأما الذين كفروا وهم ضعفاء ~~العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل وقساة الطباع، الذين لا ~~تلين أفئدتهم ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب في الحق أو ~~الكتاب. لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه. حتى ~~تأتي ساعة هلاكهم بغتة، فيلاقوا حسابهم عند ربهم. أو إن امتد بهم الزمن، ~~ومادهم الأجل، فسيصيبهم عذاب يوم عقيم. يوم حرب يسامون فيه سوء العذاب، ~~القتل أو الأسر. ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر. # فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ms3380 ~~إلى مصارع الهلكة. وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته. ما أقرب هذه ~~الآيات في # PageV07P265 # مغازيها، إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب [آل عمران: 7] ، وقد قال بعد ذلك إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار # [آل عمران: 116] ، ثم قال: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد [آل عمران: 12] ، إلخ الآيات. وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح ~~للأخرى. فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. ~~والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق ~~من ربهم. فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، فتخبت له قلوبهم، وإن الله ~~لهاديهم إلى صراط مستقيم. وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال ~~وقيل بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة ~~الفرقان. وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد، لن يغني عنهم من الله شيئا. # فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم. فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم. # فسيغلبون في هراشهم. وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع ~~الباطل من يوم أن رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، ~~وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه. وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل ~~عمران، لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير الآيات ~~وما أرسلنا إلى آخرها، على تقدير أن (تمنى) بمعنى (قرأ) وأن (الأمنية) ~~بمعنى (القراءة) والله أعلم. # الوجه الثاني في تفسير الآيات- أن التمني على معناه المعروف. وكذلك ~~الأمنية. وهي أفعولة بمعنى المنية. وجمعها. أماني كما هو مشهور. قال أبو ~~العباس أحمد بن يحيى: التمني حديث ms3381 النفس بما يكون وبما لا يكون. قال: ~~والتمني سؤال الرب. # وفي الحديث (إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه) # وفي رواية (فليكثر) قال ابن الأثير: (التمني) تشهي حصول الأمر المرغوب ~~فيه، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون. وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذا ~~قدرته وأحببت أن يصير إلي. وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه، فهو ~~يرجع إلى ما ذكرناه ويتبعه معنى الأمنية. ما أرسل الله من رسول ولا نبي ~~ليدعو قوما إلى هدي جديد، أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب ~~جاء به نفسه إن كان رسولا # PageV07P266 # أو جاء به غيره إن كان نبيا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه، إلا وله ~~أمنية في قومه. وهي أن يتبعوه وينحازوا إلى ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من ~~دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه. وما من رسول أرسل إلا وقد كان ~~أحرص على إيمان أمته. وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم، وشرابه ~~الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه. ويغدو عنه ويروح علينا. وقد كان نبينا ~~صلى الله عليه وسلم من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى. قال الله ~~تعالى: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [الكهف: ~~6] ، وقال وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] ، وقال: أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين [يونس: 99] ، وفي الآيات ما يطول سرده، مما يدل ~~على أمانيه صلى الله عليه وسلم المتعلقة بهداية قومه، وإخراجهم من ظلمات ما ~~كانوا فيه، إلى نور ما جاء به. وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه ~~الأمنية السامية، ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده ~~العقبات. ووسوس في صدور الناس. وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل ~~والإحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، ~~وجادلوه بالسلاح والقول حتى لقد يقهرونه. فإذا ظهروا عليه، والدعوة في ~~بدايتها،. # وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الأتباع ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، ~~وكان فيما ألقوه من ms3382 العوائق بينه وبين ما عمد إليه، فتنة لهم. # غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أواسط قومهم، أو من المستضعفين فيهم، ~~ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان. وليكون الاختيار ~~المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله. ولكيلا يشارك الحق الباطل في ~~وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله. أنصار الباطل في كل زمان، هم أهل ~~الأنفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان، ~~والغرور بالزخارف. # والزهو بكثرة المعارف. وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء ~~وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم. فإذا ~~دعا إلى الحق داع، عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه ~~النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله، بخلوصها من هذه الشواغل. وقلما ~~توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظافروه على ~~دعوته، قام أولئك المغرورون يقولون ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~[هود: 27] ، فإذا استدرجهم الله على سنته، وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين ~~سجالا، افتتن الذين # PageV07P267 # في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا هم بما أصابوا من الظفر في دفاعهم. ~~ولكن الله غالب على أمره. فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات، ويرفع ~~هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها ويثبت دعائمها، ~~وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم من ذلتهم عزة، وتكون كلمة الله هي ~~العليا وكلمة الشيطان هي السفلى فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض [الرعد: 17] ، وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها ~~الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم عما كان يلاقي من ~~قومه، ووعد له بأنه سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع ~~استلفاتهم إلى سيرة من سبقهم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين [العنكبوت: ms3383 2] ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب [البقرة: # 214] . # هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية. يدل عليه ما سبق من الآيات، ويرشد ~~إلى سياق القصص السابق في قوله وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح [الحج: # 42] ، إلخ. وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح. # وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز. وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد ~~عن هذا بكثير. قال (بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطمعهم في إيمانهم، ~~وشأن نبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك، على نحو يقرب مما ذكرناه في الوجه ~~الثاني) : # ثم إن الأمة تختلف كما قال تعالى: ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من ~~كفر [البقرة: 253] ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له ~~في الرسالة، الموجبة لكفره. وكذا المؤمن أيضا لا يخلو أيضا من وساوس، لأنها ~~لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، ~~وبحسب المتعلقات إذا تقرر هذا فمعنى (تمنى) أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم ~~الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي. وإلقاء الشيطان ~~فيها، يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ~~ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم، ويحكم فيها الآيات الدالة على ~~الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك عز وجل في قلوب المنافقين والكافرين ~~ليفتتنوا به. فخرج من # PageV07P268 # هذا أن الوساوس تلقى أولا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على ~~المؤمنين، وتدوم على الكافرين. انتهى. # وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه، تتبين الأحق بالترجيح. ولو ~~صح ما قاله نقلة قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتقض الاعتماد عليه، ~~كما قاله القاضي البيضاوي وغيره. ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في ~~المنسوخ. يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولانهدم أعظم ركن للشرائع ~~الإلهية وهو العصمة. وما يقال في المخرج ms3384 عن ذلك، ينفر منه الذوق ولا ينظر ~~إليه العقل على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في ~~نظمهم ولا في خطبهم. ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم. ~~إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح. وهذا يدل على أن ~~القصة من اختراع الزنادقة، كما قال ابن إسحاق. وربما كانت منشأ ما أورده ~~ياقوت. ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسما لطائر مائي ~~أسود أو أبيض. أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه والغرنيق (بالضم وكزنبور ~~وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل. وتسمى ~~الخصلة من الشعر المفتلة (الغرنوق) كما يسمى به ضرب من الشجر. ويطلق ~~الغرنوق والغرانيق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات. # ويقال (لمة غرانقة) و (غرانقية) أي ناعمة تفيئها الريح. أو الغرنوق ~~الناعم المستتر من النبات إلخ. ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة ~~والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء ~~الكلام. فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلقات الملبسين، ~~ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استعبد منه لضعفاء الأحلام. فراج ذلك على ~~من يذهله الولوع بالرواية، عما تقتضيه الدراية ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [آل عمران: 8] . انتهى كلام ~~الأستاذ رحمه الله. # وممن جزم بوضع هذه القصة جزما باتا، الإمام ابن حزم رحمه الله، حيث قال ~~في كتابه (الملل) في الرد على من لم يوجب العصمة على الأنبياء ما مثاله: ~~استدلوا بالحديث الكاذب الذي لم يصح قط في قراءته عليه السلام في والنجم ~~إذا هوى وذكروا تلك الزيادة المفتراة التي تشبه من وضعها من قولهم (وإنها ~~لهي الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى) ثم قال بعد: وأما الحديث الذي فيه ~~(الغرانيق) فكذب بحت موضوع. لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى ~~للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا ms3385 يعجز عنه أحد. وأما قوله تعالى وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي # PageV07P269 # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # الآية، فلا حجة لهم فيها. لأن الأماني الواقعة في النفس لا معنى لها. وقد ~~تمنى النبي صلى الله عليه وسلم إسلام عمه أبي طالب، ولم يرد الله عز وجل ~~كون ذلك. فهذه الأماني التي ذكرها الله عز وجل لا سواها، وحاشا لله أن ~~يتمنى نبي معصية. وبالله تعالى التوفيق. # وهذا الذي قلنا هو ظاهر الآية دون مزيد تكلف، ولا يحل خلاف الظاهر إلا ~~بظاهر آخر وبالله تعالى التوفيق. انتهى، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 55] # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم (55) # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه أي في شك وجدال من التنزيل الكريم، لما ~~طبع على قلوبهم حتى تأتيهم الساعة أي القيامة بغتة أي فجأة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم أي يوم لا يوم بعده. كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام، فما لا ~~يوم بعده يكون عقيما. والمراد به الساعة أيضا. كأنه قيل (أو يأتيهم عذابها) ~~فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل. أفاده أبو السعود. أي لأنه بمعنى ~~(شديد) لا مثل له في شدته. وتقدم فيما نقلنا وجه آخر وهو أن المعنى: لا ~~يزال الذين كفروا في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه حتى تأتي ~~ساعة هلاكهم بغتة، فيلاقون حسابهم عند ربهم. أو إن امتد بهم الزمن، ومادهم ~~الأجل، فسيصيبهم عذاب يوم عقيم. يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو ~~الأسر. فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة. بل يسلبون ما كان لديهم، ~~ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته. ~~انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 56] # الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم ~~(56) # الملك يومئذ أي يوم تزول مريتهم لله أي وحده، ms3386 بحيث لا يكون لأحد تصرف لا ~~حقيقة ولا صورة يحكم بينهم أي بالمجازاة، ثم فسر الحكم # PageV07P270 # بقوله تعالى فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 57 الى # 59] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في ~~سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير ~~الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أي في الجهاد أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا أي من الجنة ~~ونعيمها وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه، وإن الله لعليم ~~حليم. # قال في الإكليل: استدل بقوله تعالى ثم قتلوا أو ماتوا فضالة بن عبيد ~~الأنصاري الصحابي على أن المقتول والميت في سبيل الله سواء في الفضل. أخرجه ~~ابن أبي حاتم وهو رأي قاله جماعة. وخالفه آخرون ففضلوا المقتول وأخرجه ابن ~~أبي حاتم عن سليمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فمن مات ~~مرابطا أجرى الله عليه مثل ذلك الأمر، وأجرى عليه الرزق، وأمن من الفتانين. ~~واقرءوا ما شئتم والذين هاجروا في سبيل الله إلى حليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 60] # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله أي ومن جازى ~~ظالما بمقدار ظلمه، ولم يزد في الاقتصاص منه، ثم تعدى عليه الظالم ثانيا، ~~لينصرن الله ذلك المظلوم. وإنما سمي الابتداء بالعقاب، الذي هو الجزاء، ~~للازدواج والمشاكلة. أو لأنه سبب الجزاء وفي قوله تعالى: إن الله لعفو غفور ~~تعريض بالحث على العفو والمغفرة. فإنه تعالى مع كمال قدرته، لما كان يعفو ~~ويغفر، فغيره أولى بذلك. وتنبيه على قدرته على النصر. إذ لا يوصف بالعفو ~~إلا القادر على ضده. # فظهر سر مطابقة (العفو الغفور) لهذا الموضع. # PageV07P271 ### | القول ms3387 في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 61 الى 62] # ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع ~~بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله ~~هو العلي الكبير (62) # ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي ذلك النصر ~~بسبب أنه قادر. ومن آيات قدرته البالغة، إيلاج أحد الملوين في الآخر، ~~بزيادته في أحدهما ما ينقص من ساعات الآخر وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله ~~هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير أي ذلك ~~الصنع الباهر بأنه المعبود الحق الذي لا مثل له ولا ند، وأن الذي يدعوه ~~المشركون هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء. بل هو المصنوع. أي فتتركون ~~عبادة من منه النفع وبيده الضر، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته. وأن ~~الله هو ذو العلو على كل شيء، والعظيم الذي كل شيء دون عظمته، فلا أعلى منه ~~ولا أكبر. ثم أشار إلى آية من آيات صنعه الباهر، تقريرا لألوهيته، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 63 الى 65] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~(63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ألم ~~تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء ~~أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ~~له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ألم تر أن الله ~~سخر لكم ما في الأرض أي جعلها معدة لمنافعكم والفلك أي وسخر لكم البحر، حتى ~~أن الفلك تجري في البحر بأمره أي بتيسيره لمنافعكم ويمسك السماء أن تقع على ~~الأرض إلا بإذنه أي بمشيئته وقدرته. أي ms3388 ما يمسكها ويحفظها إلا ذلك، رحمة ~~بكم، فاشكروا آلاءه وحده إن الله بالناس لرؤف رحيم أي في آلائه وآياته ~~المذكورة، وما أبان فيها من طرق الاستدلال على وحدانيته، لا إله إلا هو. ~~وكذلك من آيات ألوهيته ما تضمنه قوله تعالى: # PageV07P272 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 66] # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور أي جحود للنعم، ~~بعبادة غير بارئها. أو إشراكه معه، مع أنه هو الخالق لكل ذلك، والقادر ~~عليه، وغيره لا يملك شيئا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 67] # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم (67) # لكل أمة جعلنا أي وضعنا منسكا أي شريعة ومتعبدا هم ناسكوه فلا ينازعنك في ~~الأمر أي في ذلك الجعل والوضع والحوار في تنوعه في كل أمة، وعدم وحدته، أو ~~في أمر ما جئتهم به، زعما بأنه يستغني عنه بما شرع قبله. لأنه جهل بحكمته ~~تعالى في تكوين الأمم وتربيتها بالشرائع المناسبة لزمنها ومكانها، وحياتها ~~ومنشئها. ولذلك كانت هذه الشريعة أهدى الشرائع للامتنان بها، حينما بلغ ~~الإنسان أعلى طور الرشد ولذلك وجبت الدعوة إليها خاصة كما قال سبحانه وادع ~~إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم أي اثبت على دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ~~عنه. أو معناه: ثابر على الدعوة إلى ما أمرت به. فلا تضرك منازعتهم. وعلى ~~الكل اتباعك وعدم مخالفتك، لاستقرار الأمر على شرعتك. لأنها الطريق القويم. # هذا، وقال ابن جرير: أصل المنسك في كلام العرب، الموضع المعتاد الذي ~~يعتاده الرجل ويألفه، لخير أو شر. يقال (إن لفلان منسكا يعتاده) يراد مكانا ~~يغشاه ويألفه لخير أو شر. وقد اختلف أهل التأويل في معنى (النسك) هنا، ~~فقيل: عيدا. # وقيل: إراقة الدم (ثم استظهر) أن المعنى إراقة الدم أيام النحر بمنى. لأن ~~المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت ~~إراقة الدم ms3389 في هذه الأيام، أي فلا ينازعك هؤلاء المشركون في ذبحك ومنسكك ~~بقولهم (أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله) ؟ انتهى. # وعليه، فيكون المراد بالجعل في قوله تعالى جعلنا الجعل القدري لا ~~التشريعي. كما قال: لكل وجهة هو موليها # [البقرة: 48] ، أي هؤلاء إنما # PageV07P273 # يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته. فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك ~~عما أنت عليه من الحق. وهذا كقوله تعالى: ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ ~~أنزلت إليك وادع إلى ربك [القصص: 87] ، أشار له ابن كثير. ونقل الرازي عن ~~ابن عباس، في رواية عطاء، أن المراد بالمنسك الشريعة والمنهاج. قال: وهو ~~اختيار القفال، لقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] ، ~~وهو الذي آثرناه أولا لظهوره فيه. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 68 الى # 71] # وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ~~ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) # وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما ~~كنتم فيه تختلفون أي من أمر الدين ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء ~~والأرض إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا أي حجة وما ليس لهم به علم أي من ضرورة العقل أو استدلاله ~~وما للظالمين من نصير أي يدفع عنهم ما يراد بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 72 الى 74] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله ms3390 لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله ~~لقوي عزيز (74) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات أي حال كونها واضحة الدلالة على حقيقتها ~~وما تضمنته تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر أي الإنكار أو الفظيع من ~~التهجم # PageV07P274 # والبسور. أو الشر الذي يقصدونه بظهور مخايله يكادون يسطون بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا أي يبطشون بهم من فرط الغيظ والغضب. قال في (فتح البيان) : ~~وكذلك أهل البدع المضلة، إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليه، من ~~آيات الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة، مخالفا لما اعتقده من الباطل، ~~رأيت في وجهه من المنكر، ما لو تمكن من أن يسطو بذلك لفعل به ما لا يفعله ~~بالمشركين والله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم، النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير يا أيها الناس ضرب ~~«أي بين» مثل أي حال مستغرب فاستمعوا له أي تدبروه حق تدبره. فإن الاستماع ~~بلا تدبر وتعقل لا ينفع إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له أي لخلقه متعاونين. وتخصيصه الذباب، لمانته وضعفه ~~واستقذاره. وهذا من أبلغ ما أنزل في تجهيل المشركين. حيث وصفوا بالإلهية ~~التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها، ~~صورا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه الله تعالى وأذله، ولو ~~اجتمعوا لذلك وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه أي هذا الخلق الأقل ~~الأذل، لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا ضعف ~~الطالب أي الصنم يطلب ما سلب منه والمطلوب أي الذباب بما سلب. وهذا ~~كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف. ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف. ~~فإن الذباب حيوان وهو جماد. وهو غالب وذلك مغلوب. # وجوز أن يراد بالطالب عابد الصنم، وبالمطلوب معبوده. قيل: وهو أنسب ~~بالسياق لأنه لتجهيلهم وتحقير معبوداتهم. فناسب إرادتهم والأصنام من هذا ms3391 ~~التذييل. واختار الوجه الأول الزمخشري. لما فيه من التهكم، بجعل الصنم ~~طالبا على الفرض تهكما وأنه أضعف من الذباب لأنه مسلوب وجماد، وذلك حيوان ~~بخلافه. # وهذه الجملة التذييلية إخبار أو تعجب. وقوله تعالى ما قدروا الله حق قدره ~~أي ما عرفوه حق معرفته، حيث أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه ~~إن الله لقوي عزيز أي قادر وغالب. فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها به. أو ~~لقوي بنصر أوليائه، عزيز ينتقم من أعدائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : الآيات 75 الى 76] # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) # PageV07P275 # الله يصطفي أي يختار من الملائكة رسلا ومن الناس أي فلا نكران لاصطفائه ~~من البشر من شاء لرسالته. ولا وجه لقولهم: أأنزل عليه الذكر من بيننا [ص: ~~8] ، قال أبو السعود: كأنه تعالى. لما قرر وحدانيته، في الألوهية، ونفى أن ~~يشاركه فيها شيء من الأشياء بين أن له عبادا مصطفين للرسالة، يتوسل ~~بإجابتهم والاقتداء بهم، إلى عبادته عز وجل. وتقدمه بنحوه البيضاوي إن الله ~~سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم أي ما عملوه وما سيعملونه وإلى ~~الله ترجع الأمور أي لأنه مالكها. فلا يسأل عما يفعل، من الاصطفاء وغيره، ~~وهم يسألون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية # 77] # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون (77) # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا أي صلوا. وعبر عن الصلاة بهما، ~~لأنهما أعظم أركانها. أو اخضعوا له تعالى، وخروا له سجدا، لا لغيره واعبدوا ~~ربكم وافعلوا الخير أي تحروه. كصلة الأرحام ومواساة الأيتام والحض على ~~الإطعام والاتصاف بمكارم الأخلاق لعلكم تفلحون أي لكي تسعدوا وتفوزوا ~~بالجنة. ### | تنبيهات: # الأول- لم يختلف العلماء في السجدة الأولى من هذه السورة. واختلفوا في ~~السجدة الثانية- هذه- فروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي ~~الدرداء وأبي موسى أنهم قالوا: في الحج سجدتان. وبه قال ms3392 ابن المبارك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق، يدل عليه ما # روي «1» عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله أفي الحج سجدتان؟ قال: ~~نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما. أخرجه الترمذي وأبو داود # . وعن عمر بن الخطاب «2» أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين وقال: إن ~~هذه السورة فضلت بسجدتين. أخرجه مالك في (الموطأ) وذهب قوم إلى أن في الحج ~~سجدة واحدة، وهي الأولى، وليست هذه بسجدة وهو قول الحسن وسعيد بن ~~PageV07P276 # المسيب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك. بدليل أنه قرن ~~السجود بالركوع. فدل ذلك أنه سجدة صلاة، لا سجدة تلاوة- كذا في (لباب ~~التأويل) أي لأن المعهود في مثله من كل آية، قرن الأمر بالسجود فيها ~~بالركوع، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة، بالاستقراء نحو واسجدي واركعي [آل ~~عمران: 43] ، وإذا جاء الاحتمال سقط الاستدلال. # وما روي من الحديث المذكور، قال الترمذي رحمه الله: إسناده ليس بالقوي. # وكذا قال غيره كما في (شرح الهداية) لابن الهمام. # قال الخفاجي: لكن يرد عليه ما في (الكشف) أن الحق أن السجود حيث ثبت، ليس ~~من مقتضى خصوص في تلك الآية، لأن دلالة الآية غير مقيدة بحال التلاوة ~~البتة. بل إنما ذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قوله. فلا مانع ~~من كون الآية دالة على فرضية سجود الصلاة. ومع ذلك يشرع السجود عند ~~تلاوتها، لما ثبت من الرواية فيه. # الثاني- قال في (اللباب) اختلف العلماء في عدة سجود التلاوة. فذهب ~~الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة. لكن الشافعي قال: ~~في الحج سجدتان. وأسقط سجدة (ص) . وقال أبو حنيفة في الحج سجدة. وأثبت سجدة ~~(ص) وبه قال أحمد، في إحدى الروايتين عنه. فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة. ~~وذهب قوم إلى أن المفصل ليس فيه سجود. يروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس. ~~وبه قال مالك. # فعلى هذا يكون سجود القرآن إحدى عشرة سجدة. يدل عليه ما # روي عن أبي الدرداء «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم ms3393 قال: في القرآن إحدى ~~عشرة سجدة. أخرجه أبو داود # وقال: # إسناده واه. ودليل من قال (في القرآن خمس عشرة سجدة) ما # روي عن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن خمس عشرة سجدة. منها ثلاث في المفصل. وفي سورة الحج سجدتان أخرجه ~~أبو داود «2» . # وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في اقرأ وإذا السماء انشقت أخرجه مسلم «3» # . انتهى. PageV07P277 # والخمس عشرة: في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج، ~~والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وص، وحم، السجدة، والنجم، والانشقاق، واقرأ. # والمفصل من سورة الحجرات إلى آخر القرآن، في أصح الأقوال. سمي مفصلا ~~لكثرة الفصل بين سوره. # الثالث- سجود التلاوة سنة للقاري والمستمع. وبه قال مالك والشافعي وأحمد. # لقول ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها ~~السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته. رواه الشيخان «1» ~~. # وقال عمر «2» : إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. رواه البخاري ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحج (22) : آية 78] # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # وجاهدوا في الله حق جهاده عام في جهاد الكفار والظلمة والنفس. و (حق) ~~منصوب على المصدرية. والأصل (جهادا فيه حقا) فعكس، وأضيف الحق إلى الجهاد ~~مبالغة، ليدل على أن المطلوب القيام بمواجبه وشرائطه على وجه التمام ~~والكمال بقدر الطاقة. وعن الرضي: إن (كل) و (جد) و (حق) إذا وقعت تابعة ~~لاسم جنس، مضافة لمثل متبوعها لفظا ومعنى، نحو (أنت عالم كل عالم) أو (جد ~~عالم) أو (حق عالم) أفادت أنه تجمع فيه من الخلال ما تفرق في الكل. وأن ما ~~سواه باطل أو هزل. وقوله تعالى: هو اجتباكم ms3394 أي اختاركم لدينه ولنصرته. وفيه ~~تنبيه PageV07P278 # على المقتضى للجهاد والداعي إليه. لأن المختار إنما يختار من يقوم ~~بخدمته. وهي بما ذكر. ولأن من قر به العظيم، يلزمه دفع أعدائه ومجاهدة ~~نفسه، بترك ما لا يرضاه وما جعل عليكم في الدين من حرج أي في جميع أمور ~~الدين من ضيق، بتكليف ما يشق القيام به. كما كان على من قبلنا، فالتعريف في ~~(الدين) للاستغراق. قال في (الإكليل) : هذا أصل القاعدة (المشقة تجلب ~~التيسير) ملة أبيكم إبراهيم منصوب على المصدرية، بفعل دل عليه ما قبله من ~~نفي الحرج. بعد حذف مضاف أي وسع دينكم توسيع ملة أبيكم إبراهيم. أو على ~~الإغراء بتقدير (اتبعوا أو الزموا) أو الاختصاص بتقدير (أعني) ونحوه. أو هو ~~بدل أو عطف بيان مما قبله. فيكون مجرورا بالفتح، أفاده الشهاب. قال القاضي ~~وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كالأب لأمته، ~~من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية. أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته. فغلبوا ~~على غيرهم. # وقال القاشاني: معنى أبوته كونه مقدما في التوحيد، مفيضا على كل موحد، ~~فكلهم من أولاده. وقوله تعالى: هو سماكم المسلمين من قبل أي من قبل نزول ~~القرآن في الكتب المتقدمة. والجملة مستأنفة. وقيل: إنها كالبدل من قوله هو ~~اجتباكم ولذا لم يعطف وفي هذا أي القرآن. أي فضلكم على الأمم وسماكم بهذا ~~الاسم الأكرم وقيل: الضمير ل (إبراهيم) عليه السلام. # قال القاضي: وتسميتهم ب (مسلمين) في القرآن، وإن لم يكن منه، كان بسبب ~~تسميته من قبل، في قوله ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [البقرة: 128] ، أي لدخول ~~أكثرهم في الذرية. فجعل مسميا لهم مجازا. ليكون الرسول شهيدا عليكم أي بأنه ~~قد بلغكم رسالات ربكم وتكونوا شهداء على الناس أي بتبليغ الرسل رسالات الله ~~إليهم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ~~ونعم النصير أي: وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وأنفقوا مما آتاكم ~~بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وثقوا به، ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا ~~منه، ms3395 فهو خير مولى وناصر. # PageV07P279 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المؤمنون # سميت بهم لاشتمالها على جلائل أوصافهم ونتائجها، في أولها وفي قوله: # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون [المؤمنون: 57] ، إلى قوله: سابقون ~~أفاده المهايمي. وهي مكية. واستثنى بعضهم منها آية حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب [المؤمنون: 64] ، إلى قوله: مبلسون وآيها مائة وثماني عشرة. # وقد روى الإمام أحمد ومسلم «1» وغيرهما عن عبد الله بن السائب قال: صلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة الصبح. فاستفتح سورة المؤمنون. حتى إذا جاء ~~ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى، أخذته سعلة فركع. PageV07P280 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) # والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # قد أفلح المؤمنون أي دخلوا في الفوز الأعظم الذين هم في صلاتهم خاشعون أي ~~متذللون مع خوف وسكون للجوارح، لاستيلاء الخشية والهيبة على قلوبهم والذين ~~هم عن اللغو معرضون. أي عن الفضول وما لا يعني من الأقوال والأفعال، معرضون ~~في عامة أوقاتهم، لاستغراقهم بالجد والذين هم للزكاة فاعلون أي للتجرد عن ~~رذيلة البخل. # قيل: السورة مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة؟ وجوابه: إن الذي فرض ~~بالمدينة إنما هو النصب والمقادير الخاصة. وإلا فأصل التفضل بالعفو مشروع ~~في أوائل البعثة، فلا حاجة إلى دعوى إرادة زكاة النفوس من الشرك والعصيان، ~~لعدم التبادر إليه والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين لأنه الحق المأذون فيه فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون أي الكاملون في العدوان المرتكبونه على أنفسهم. ### | تنبيهات: # الأول- دلت الآية على تعليق فلاح العبد على حفظ فرجه، وأنه لا سبيل له ~~إلى الفلاح بدونه، وتضمنت هذه الآية ثلاثة أمور: من لم يحفظ فرجه لم يكن من ~~المفلحين. وأنه من الملومين. ومن العادين. ففاته ms3396 الفلاح واستحق اسم العدوان ~~ووقع في اللوم. فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها، أيسر من بعض ذلك. وقد أمر ~~الله تعالى نبيا أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم. وأن يعلمهم أنه ~~مشاهد # PageV07P281 # لأعمالهم، مطلع عليها، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولما كان مبدأ ~~ذلك من قبل البصر، جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج. فإن الحوادث مبدؤها ~~من النظر. كما أن معظم النار مبدؤها من مستصغر الشرر. ثم تكون نظرة، ثم ~~تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة. ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: # اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه ~~على هذه الأبواب الأربعة. ويلازم الرباط على ثغورها. فمنها يدخل عليه ~~العدو، فيجوس خلال الديار ويتبروا ما علوا تبيرا. # الثاني- روي عن الإمام أحمد أنه قال: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من ~~الزنى. # واحتج # بحديث عبد الله «1» بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: # أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن ~~يطعم معك. قال قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك # . والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من كل نوع أعلاه ليطابق جوابه سؤال ~~السائل. فإنه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعه وما هو ~~أعظم كل نوع، فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا. # وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه. وأعظم ~~أنواع الزنى أن يزني بحليلة جاره. فإن مفسدة الزنى تتضاعف بتضاعف ما انتهكه ~~من الحق. فالزنى بالمرأة التي لها زوج، أعظم إثما وعقوبة من الزنى بالتي لا ~~زوج لها إذا فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب عليه، لم يكن ~~منه، وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثما وجرما من الزنى بغير ذات الزوج ~~فإذا كان زوجها جارا له، انضاف إلى ذلك سوء الجوار، وأذى جاره بأعلى أنواع ~~الأذى. وذلك من أعظم البوائق. # وقد ثبت عن النبي ms3397 «2» صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يدخل الجنة من لا ~~يأمن جاره بوائقه. # ولا بائقة أعظم من الزنى بامرأته # . فالزنى بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزنى بامرأة الجار. ~~فإن كان الجار أخا له، أو قريبا من أقاربه، انضم إلى ذلك قطيعة الرحم، ~~فيتضاعف الإثم. فإن كان الجار غائبا في طاعة الله، كالصلاة وطلب العلم ~~والجهاد، تضاعف الإثم. فإن اتفق أن تكون المرأة رحما منه، انضاف إلى ذلك ~~قطيعة رحمها. PageV07P282 # فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا، كان الإثم أعظم. فإن كان شيخا كان أعظم ~~إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند ~~الله، كأوقات الصلاة وأوقات الإجابة، تضاعف الإثم. # وعلى هذا، فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها في الإثم والعقوبة والله ~~المستعان. # الثالث- أجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره، ومن ~~ظن أن تلوط الإنسان مع مملوكه جائز، واحتج على ذلك بقوله تعالى: # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وقاس ذلك على أمته ~~المملوكة، فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد. فإن تاب وإلا قتل وضربت ~~عنقه. # وتلوط الإنسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره. في الإثم والحكم. أفاد هذا ~~وما قبله بتمامه الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي) . وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 8 الى # 11] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) ~~أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون أي قائمون عليها بحفظها وإصلاحها. # والآية تحتمل العموم في كل ما اؤتمنوا عليه وعوهدوا، من جهة الله تعالى ~~ومن جهة الخلق والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم. ولذا عدت ~~الخيانة في الأمانة من آيات النفاق في الحديث المشهور «1» والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون أي يحافظون عليها. وذلك أن لا يسهوا عنها ويؤدوها في ~~أوقاتها، ms3398 ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم ~~به أوصافها. وليس هذا تكريرا لما وصفهم به أولا. فإن الخشوع في الصلاة، غير ~~المحافظة عليها. وتقديم الخشوع اهتماما به. حتى كأن الصلاة، لا يعتد بها ~~بدونه، أو لعموم هذا له. وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة، تعظيم ~~لشأنها أولئك أي الجامعون لهذه الأوصاف هم الوارثون الذين يرثون الفردوس أي ~~الجنة هم فيها خالدون أي لا يخرجون منها أبدا. PageV07P283 # ثم أشار تعالى إلى مبدأ خلقه الإنسان وتقليبه في أطوار شتى، حتى نما ~~كاملا، وإلى ما خلقه من عالم السماء والأرض، وسخره لمنافعه، ليشكر مولاه ~~ويعبده، كما أمره وهداه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى 13] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~(13) # ولقد خلقنا الإنسان أي ابتدأنا خلقه من سلالة أي خلاصة من طين أي تراب ~~خلط بماء فصار نباتا فأكله إنسان فصار دما ثم جعلناه نطفة أي بأن خلقناه ~~منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة بالتصفية في قرار أي مستقر، وهو رحم المرأة ~~الذي نقل إليه مكين أي متمكن لا يمج ما فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية # 14] # ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) # ثم خلقنا النطفة علقة أي بالاستحالة من بياض إلى حمرة كالدم الجامد ~~فخلقنا العلقة مضغة أي قطعة لحم بقدر ما يمضغ فخلقنا المضغة عظاما أي بأن ~~صلبناها وجعلناها عمودا للبدن، على هيئات وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة ~~فكسونا العظام لحما أي جعلناه محيطا بها ساترا لها كاللباس ثم أنشأناه خلقا ~~آخر أي بتمييز أعضائه وتصويره، وجعله في أحسن تقويم فتبارك الله أي تعاظم ~~قدرة وحكمة وتصرفا أحسن الخالقين أي المقدرين. ف (الخلق) بمعنى التقدير ~~كقوله: # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # لا بمعنى الإيجاد. إذ لا خالق غيره، إلا أن يكون ms3399 على الفرض. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 15 الى 17] # ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا ~~فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) # ثم إنكم بعد ذلك أي بعد ما ذكر من الأمور العجيبة وتحصيل هذه الكمالات ~~لميتون أي لصائرون إلى الموت. # PageV07P284 # قال المهايمي: والحكيم لا يتلف ما استكمله بأنواع التكميل، ولذلك سيبعثه ~~كما قال ثم إنكم يوم القيامة تبعثون أي من قبوركم للحساب والمجازاة ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق أي سبع سموات هي طرق للملائكة والكواكب فيها مسيرها. # قال بعض علماء الفلك (في تفسير هذه الآية) : أي سبعة أفلاك، للسبع سموات، ~~لكل سماء طريق تجري بما معها من الأقمار. قال: فبذلك دلنا الله سبحانه بأن ~~العالم الشمسي ينقسم إلى سبع طرائق، خلاف طريق الأرض الذي يعينه قوله تعالى ~~فوقكم فالمسافة ابتداء من منتصف البعد بين الشمس وعطارد تقريبا، إلى منتهى ~~فلك نبتون، تنقسم إلى سبعة أقسام بحسب بعد كل سيار. كل قسم تجري فيه سماء ~~بما معها. ويسمى هذا الطريق فلكا. وما كنا عن الخلق غافلين أي عن ذلك ~~المخلوق، الذي هو السموات، أو جميع المخلوقات. فالتعريف على الأول، عهدي. ~~وعلى الثاني استغراقي. أي ما كنا مهملين أمر الخلق، بل نحفظه وندبر أمره ~~حتى يبلغ منتهى ما قدر له من الكمال، حسبما اقتضته الحكمة، وتعلقت به ~~المشيئة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 18] # وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ~~(18) # وأنزلنا من السماء ماء بقدر أي بتقدير يصلون معه إلى منفعتهم. أو بمقدار ~~ما علمناه من حاجاتهم فأسكناه في الأرض أي جعلناه قارا فيها، يتفجر من ~~الأماكن التي أراد سبحانه إحياءها كقوله فسلكه ينابيع في الأرض [الزمر: 21] ~~، وإنا على ذهاب به لقادرون أي إزالته بالتغوير وبغيره، كما قدرنا على ~~إنزاله. ففي تنكير (ذهاب) إيماء إلى كثرة طرقه، ومبالغة في الإبعاد به. # قال الزمخشري: فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيدوها بالشكر ms3400 ~~الدائم، ويخافوا نفارها، إذا لم تشكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 19 الى # 20] # فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ~~(19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) # فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها أي في الجنات فواكه # PageV07P285 # كثيرة ومنها تأكلون وشجرة # بالنصب عطف على (جنات) وقرئت مرفوعة على الابتداء. أي ومما أنشئ لكم شجرة ~~تخرج من طور سيناء وهو جبل بفلسطين، أو بين مصر وأيلة (بفتح الهمزة) محل ~~معروف يسمى اليوم (العقبة) وهو على مراحل من مصر. قاله الشهاب و (الشجرة) ~~شجرة الزيتون، نسبت إلى الطور لأنه مبدؤها. أو لكثرتها فيه تنبت بالدهن أي ~~ملتبسة بالدهن المستصبح به وصبغ للآكلين أي وبإدام يغمس فيه الخبز ف ~~(الصبغ) كالصباغ ما يصطبغ به من الإدام. ويختص بكل إدام مائع، يقال (صبغ ~~اللقمة: دهنها وغمسها) وكل ما غمس فقد صبغ. كذا في (المصباح) و (التاج) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 21 الى # 22] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # وإن لكم في الأنعام لعبرة أي تعتبرون بحالها وتستدلون بها نسقيكم مما في ~~بطونها أي من الألبان ولكم فيها منافع كثيرة أي في ظهورها وأصوافها وشعورها ~~ونتاجها ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون أي بخلقه وتسخيره وإلهامه. ~~فله الحمد. # قال الزمخشري: والقصد بالأنعام أي الإبل، لأنها هي المحمول عليها في ~~العادة. وقرنها بالفلك التي هي السفائن، لأنها سفائن البر. # قال ذو الرمة: # سفينة بر تحت خدي زمامها قال الشهاب: وجعل الإبل سفائن البر معروف مشهور. ~~وهي استعارة لطيفة وقد تصرفوا فيها تصرفات بديعة. كقول بعض المتأخرين: # لمن شحر قد أثقلتها ثمارها ... سفائن بر والسراب بحارها # ولما بين تعالى دلائل التوحيد، تأثره بقصص بعثة الرسل لعلو كلمته، فقال ~~سبحانه: # PageV07P286 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى # 25] # ولقد أرسلنا نوحا إلى ms3401 قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~(24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ~~أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا أي الداعي إلى عبادة ~~الله وحده. بدعوى الرسالة منه إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم أي أن ~~يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى: وتكون لكما الكبرياء في الأرض ~~[يونس: 78] ، ولو شاء الله أي إرسال رسول لأنزل ملائكة أي من السماء ما ~~سمعنا بهذا أي بمثل ما يدعو إليه في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة ~~فتربصوا به حتى حين أي لعله يرجع أو يفيق من جنته أو يتمادى فنكيد له. قال ~~الرازي: واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عن شبههم هذه الخمسة، لركاكتها ~~ووضوح فسادها. وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولا إلا لأنه من ~~جنس الملك. وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات. فسواء كان من جنس ~~الملك أو جنس البشر، فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا. بل جعل ~~الرسول من جملة البشر أولى. لما مر بيانه في السور المتقدمة. وهو أن ~~الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة. وأما قولهم يريد أن يتفضل عليكم فإن أرادوا ~~به إرادته لإظهار فضله، حتى يلزمهم الانقياد لطاعته، فهذا واجب على الرسول. ~~وإن أرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد، ~~فالأنبياء منزهون عن ذلك. وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم ~~التقليد، على عدم وجود الشيء. وهو في غاية السقوط. لأن وجود التقليد لا يدل ~~على وجود الشيء. فعدمه من أن يدل على عدمه؟ وأما قولهم به جنة فقد كذبوا. ~~لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله. وأما قولهم ms3402 فتربصوا به فضعيف. لأنه ~~إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة، وجب عليهم قبول قوله في الحال، ولا ~~يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته. لأن الدولة لا تدل على الحقيقة. وإن لم ~~يظهر المعجز لم يجز قبول قوله، سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر. ولما كانت هذه ~~الأجوبة في نهاية الظهور، لا جرم تركها الله سبحانه، انتهى. # PageV07P287 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 26 الى 30] # قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ~~فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت ~~أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) ~~وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن ~~كنا لمبتلين (30) # قال أي بعد ما أيس من إيمانهم رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع ~~الفلك بأعيننا أي ملتبسا بحفظنا وكلاءتنا، لا تلحقها آفة ولا يعترضها نقص. # عبر بكثرة آلة الحس التي بها يحفظ الشيء، ويراعى من الاختلال والزيغ، عن ~~المبالغة في الحفظ والرعاية، على طريق التمثيل، وقيل: المعنى بمرأى منا ~~ومشهد في حفظنا وكلاءتنا. بناء على أن المراد بالعين البصر، وأنه يسمى ~~البصر عينا لأجل أنه مما يتعلق به ويقوم به. من باب تسمية الشيء باسم محله. ~~وباسم ما هو قائم به. # قال الإمام ابن فورك في (متشابه الحديث) - بعد حكاية نحو ما تقدم-: وقد ~~اختلف أصحابنا فيما يثبت لله عز وجل من الوصف له بالعين. فمنهم من قال: إن ~~المراد به البصر والرؤية. ومنهم من قال: إن طريق إثباتها صفة لله تعالى ~~بالسمع. # وسبيل القول فيها كسبيل القول في اليد والوجه. انتهى. # ومذهب السلف أن الصفات يحتذي فيها حذو الذات، فكما أنها منزهة عن التشبيه ~~والتمثيل والتكييف، فكذلك الصفات إثباتها منزه عن ذلك وعن التحريف ~~والتأويل. وقوله تعالى ووحينا أي أمرنا وتعليمنا كيف تصنع ms3403 فإذا جاء أمرنا ~~أي عذابنا وفار التنور كناية عن الشدة. كقولهم (حمي الوطيس) . و (التنور) ~~كانون الخبز حقيقة. وأطلقه بعضهم على وجه الأرض ومنبع الماء، للآية مجازا ~~فاسلك فيها أي فأدخل في الفلك من كل أي من كل أمة زوجين اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي في الدعاء لهم بالنجاة، ~~عند مشاهدة هلاكهم إنهم مغرقون أي في بحر الهلاك، كما غرقوا في بحر الضلال ~~وظلمهم أنفسهم، بعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فإذا استويت أنت ومن معك ~~على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني أي في ~~السفينة أو منها منزلا مباركا وأنت خير المنزلين أي لمن أنزلته منزل قربك ~~إن # PageV07P288 # في ذلك # أي فيما فعل بنوح وقومه لآيات أي يستدل بها ويعتبر أولو الأبصار وإن كنا ~~لمبتلين أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أو مختبرين بهذه الآيات ~~عبادنا، لننظر من يعتبر ويدكر. كقوله تعالى: ولقد تركناها آية فهل من مدكر ~~[القمر: 15] ، و (إن) مخففة على الأصح- وقيل نافية. واللام بمعنى (إلا) ~~والجملة حالية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 31] # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين هم عاد أو ثمود. قال الشهاب: ليس في الآية ~~تعيين لهؤلاء. لكن الأول مأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأيده في ~~(الكشف) بمجيء قصتهم بعد قصة نوح في سورة الأعراف وهود وغيرهما. وعليه أكثر ~~المفسرين. ومن ذهب إلى أنهم ثمود قوم صالح عليه السلام، استدل بذكر الصيحة ~~لأنهم المهلكون بها. كما صرح به في هذه السورة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 32 الى # 41] # فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ~~(33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم ms3404 إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل ~~افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) ~~قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا ~~للقوم الظالمين (41) # فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم أي نعمناهم ~~في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما ~~تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أي لعزة أنفسكم، بالتذلل ~~لمثلكم أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم # PageV07P289 # ترابا وعظاما أنكم مخرجون # أي من الأجداث أحياء كما كنتم هيهات هيهات لما توعدون تكرير لتأكيد ~~البعد. أي بعد الوقوع أو الصحة لما توعدون من البعث إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا أي يموت بعض ويولد بعض. لينقرض قرن ويأتي قرن آخر. ما ~~نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين # قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة أي ~~العقوبة الهائلة، أو صيحة ملك بالحق فجعلناهم غثاء أي كغثاء السيل فبعدا ~~للقوم الظالمين أي هلاكا لهم. إخبار أو دعاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 42 الى 45] # ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ~~(43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين (45) # ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها أي وقتها الذي عين ~~لهلاكها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترا أي متواترين، واحدا بعد واحد كل ~~ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا أي في الإهلاك وجعلناهم أحاديث ~~أي أخبارا يسمر بها ويتعجب ms3405 منها. يعني أنهم فنوا ولم يبق إلا خبرهم، إن ~~خيرا وإن شرا. # وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثا حسنا لمن وعى # فبعدا لقوم لا يؤمنون ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين أي ~~حجة واضحة ملزمة للخصم. والمراد به الآيات نفسها. عبر عنها بذلك على طريقة ~~العطف، تنبيها على جمعها لعنوانين جليلين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 46 الى 48] # إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) # إلى فرعون وملائه فاستكبروا أي عن الانقياد وإرسال بني إسرائيل مع موسى ~~لأرض كنعان، وتحريرهم من تلك العبودية لهم وكانوا قوما عالين أي متمردين # PageV07P290 # فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين أي المغرقين في البحر. ### | فائدة: # قال الزمخشري البشر يكون واحدا وجمعا بشرا سويا # [مريم: 17] ، لبشرين [المؤمنون: 47] ، فإما ترين من البشر [مريم: 26] ، و ~~(مثل) و (غير) يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث إنكم إذا مثلهم ~~[النساء: # 140] ، ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12] ، ويقال أيضا: هما مثلاه وهم أمثاله ~~إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم [الأعراف: 194] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 49 الى 50] # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) # ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة لعلهم أي قومه يهتدون أي إلى طريق ~~الحق، بما فيها من الشرائع والأحكام وجعلنا ابن مريم وأمه آية أي دلالة على ~~قدرتنا الباهرة. لأنها ولدته من دون مسيس. فالآية أمر واحد نسب إليهما. أو ~~المعنى: وجعلنا ابن مريم آية بما ظهر منه من الخوارق، وأمه آية بأنها ولدته ~~من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها وآويناهما أي جعلنا مأواهما ~~أي منزلهما إلى ربوة أي أرض مرتفعة، ذات قرار أي مستقر من أرض منبسطة ~~مستوية. وعن قتادة: ذات ثمار وماء. يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ~~ساكنوها ومعين أي وماء معين ظاهر جار. من (معن الماء إذا ms3406 جرى) أو مدرك ~~بالعين (من عانه) إذا أدركه بعينه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية # 51] # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم نداء ~~وخطاب لجميع الأنبياء باعتبار زمان كل وعهده. فدخل فيه عيسى دخولا أوليا. ~~أو يكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة. ~~وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم. واحتجاجا على الرهابنة في رفض ~~الطيبات. وقوله # PageV07P291 # واعملوا صالحا أي عملا صالحا. فإنه الذي به سعادة الدارين. وقوله إني بما ~~تعملون عليم أي ذو علم لا يخفى علي منها شيء. فأنا مجازيكم بجميعها، ~~وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الأعمال واجتهدوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 52] # وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) # وإن هذه أمتكم أي واعلموا أن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمة ~~واحدة أي ملة واحدة، وهي شريعة الإسلام. إسلام الوجه لله تعالى بعبادته ~~وحده. # كقوله: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] ، (فالأمة) هنا بمعنى ~~الملة والدين وأنا ربكم أي من غير شريك فاتقون أي فخافوا عقابي، في مفارقة ~~الدين والجماعة. قيل: إنه اختير على قوله: (فاعبدون) الواقع في سورة ~~الأنبياء، لأنه أبلغ في التخويف، لذكره بعد إهلاك الأمم، بخلاف ما ثمة وهذا ~~بناء على أنه تذييل للقصص السابقة، أو لقصة عيسى عليه الصلاة والسلام، لا ~~ابتداء كلام. فإنه حينئذ لا يفيده. إلا أن يراد أنه وقع في الحكاية لهذه ~~المناسبة. كذا في (العناية) . # ثم قص ما وقع من أمم الرسل بعدهم من مخالفة الأمر، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 53 الى # 54] # فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم ~~حتى حين (54) # فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا أي جعلوا دينهم بينهم قطعا وفرقا منوعة كل حزب ~~بما لديهم فرحون أي كل فرقة من فرق هؤلاء ms3407 المختلفين المتقطعين دينهم، فرح ~~بباطله، مطمئن النفس، معتقد أنه على الحق فذرهم في غمرتهم أي في جهالتهم، ~~ومشيهم مع هواهم، ونبذهم كتاب الله حتى حين أي إلى وقت يستفيقون فيه من ~~سباتهم، بظهور دين الله وعلو كلمته وهزم عدوه. وشبه جهالتهم بالماء الذي ~~يغمر القامة، لأنهم مغمورون فيها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 55 الى 56] # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون (56) # أيحسبون أنما نمدهم به أي نعطيهم إياه، ونجعله مددا لهم من مال وبنين # PageV07P292 # نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون # أي كلا. لا نفعل ذلك. بل هم لا يشعرون أصلا. كالبهائم لا فطنة لهم ولا ~~شعور، ليتأملوا ويعرفوا أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار إلى زيادة ~~الإثم. وهم يحسبونه معاجلة فيما لهم فيه إكرام. ثم بين سبحانه من له ~~المسارعة في الخيرات من أوليائه وعباده، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى # 61] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون أي من خوف عذابه حذرون والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون أي شركا جليا، ولا خفيا والذين ~~يؤتون ما آتوا أي يعطون ما أعطوه من الصدقات وقلوبهم وجلة أي خائفة أنهم ~~إلى ربهم راجعون أي من رجوعهم إليه تعالى، فتخشى أن تحاسب على ما قصرت من ~~الحقوق، أو غفلت عنه من الآداب أولئك يسارعون في الخيرات أي في نيل الخيرات ~~التي من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة. كما في قوله ~~تعالى: فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة [آل عمران: # 148] ، وقوله تعالى: وآتيناه أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين [العنكبوت: 27] ، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم، خلا أنه غير ~~الأسلوب، ms3408 حيث لم يقل أولئك نسارع لهم في الخيرات بل أسند المسارعة إليهم، ~~إيماء إلى كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم. وإيثار كلمة (في) ~~على كلمة (إلى) للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات. لا أنهم خارجون ~~عنها، متوجهون إليها، بطريق المسارعة كما في قوله تعالى: وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة [آل عمران: 133] الآية أفاده أبو السعود. # وهم لها سابقون أي إياها سابقون. أي ينالونها قبل الآخرة، حيث عجلت لهم ~~في الدنيا، فتكون اللام لتقوية العمل. كما في قوله تعالى هم لها عاملون ~~[المؤمنون: 63] ، وقيل: المراد بالخيرات الطاعات. والمعنى: يرغبون في ~~الطاعات والعبادات أشد الرغبة. وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون ~~الناس، والله أعلم، وقوله تعالى: # PageV07P293 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 62 الى 63] # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) # ولا نكلف نفسا إلا وسعها جملة مستأنفة، سيقت للتحريض على ما وصف به ~~السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الخيرات، ببيان سهولته، وكونه غير ~~خارج عن حد الوسع والطاقة. أي سنتنا جارية على ألا نكلف نفسا من النفوس إلا ~~ما في وسعها. أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة أعمال أولئك الصالحين، ببيان ~~أنه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم. فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات ~~مراتب السابقين، فلا عليهم، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم، أفاده ~~أبو السعود، ولدينا كتاب ينطق بالحق وهو كتاب الأعمال. كقوله تعالى: هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية: 29] ، ~~وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا أي مما عليه هؤلاء الموصوفون من ~~المؤمنين ولهم أعمال أي سيئة كثيرة من دون ذلك أي الذي ذكر من كون قلوبهم ~~في غفلة، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم هم لها عاملون أي معتادون لا يزايلونها. ### | تنبيه: # أغرب الإمام أبو مسلم الأصفهاني فيما نقله عنه الرازي، فذهب إلى ms3409 أن قوله ~~تعالى بل قلوبهم في غمرة من هذا ... إلى آخر الآية، من تتمة صفات المؤمنين ~~المشفقين. كأنه سبحانه قال بعد وصفهم ولا نكلف نفسا إلا وسعها ونهايته ما ~~أتى به هؤلاء المشفقون، ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم ينطق بالحق وهم لا ~~يظلمون. # بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم، بل قلوبهم في غمرة من هذا هو أيضا وصف ~~لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم ~~مقبولة أو مردودة، ولهم أعمال من دون ذلك. أي لهم أيضا من النوافل ووجوه ~~البر سوى ما هم عليه. إما أعمالا قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في ~~المستقبل. ثم إنه تعالى رجع. # قال الرازي: وقول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به ~~من ذكر المشفقين، كان أولى من رده إلى ما بعد منه، وقد يوصف المرء لشدة ~~فكره في أمر آخرته، بأن قلبه في غمرة، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في ~~قبول عمله أو رده، وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر. انتهى. # PageV07P294 # وبعد فإن نظم الآية الكريمة يحتمل لذلك. ولكن لم يرد وصف الغمرة في حق ~~المؤمنين أصلا بل لم يوصف بها إلا قلوب المجرمين، كما تراه في الآيات أولا. # فالذوق الصحيح ورعاية نظائر الآيات، يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد ~~الإباء. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية # 64] # حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) # حتى إذا أخذنا مترفيهم أي متنعميهم بالعذاب أي بالانتقام، مثل أخذهم يوم ~~بدر إذا هم يجأرون أي يصرخون باستغاثة أو الآية. كقوله تعالى: # ذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ~~ذا غصة وعذابا أليما [المزمل: 11- 13] . وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 65 الى 67] # لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) # لا تجأروا اليوم أي يقال لهم تبكيتا لهم: ms3410 لا تجأروا، فإن الجؤار غير نافع ~~لكم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون ~~أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض مستكبرين به أي بالبيت الحرام والذي سوغ ~~الإضمار، شهرتهم بالاستكبار به، وأن لا مفخر لهم إلا أنهم قوامه. وجوز ~~تضمين (مستكبرين) معنى (مكذبين) والضمير للتنزيل الكريم. أي مكذبين تكذيب ~~استكبار. ولم يذكروا احتمال إرجاع الضمير (للنكوص) إشارة إلى زيادة عتوهم، ~~وأنهم يفتخرون بهذا الإعراض ولا يرهبون مما ينذرون به، كقوله: ولى مستكبرا ~~[لقمان: 7] ، وليس ببعيد. فتأمل. سامرا تهجرون يعني أنهم يسمرون ليلا بذكر ~~القرآن وبالطعن فيه، وتسميته سحرا وشعرا ونحو ذلك. وهو معنى (تهجرون) من ~~(الهجر) بالضم، وهو الفحش في القول. أو معناه تعرضون. من (الهجر) بالفتح. ### | تنبيه: # قال أبو البقاء: (سامرا) حال أيضا وهو مصدر. كقولهم (قم قائما) وقد جاء ~~من المصادر على لفظ اسم الفاعل نحو العاقبة والعافية. وقيل: هو واحد في ~~موضع الجميع. انتهى. # PageV07P295 # فيكون واحدا أقيم مقام الجمع. وقيل هو اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب. ~~قال الشهاب: وعلى كونه مصدرا فيشمل القليل والكثير أيضا، باعتبار أصله. ~~ولكن مجيء المصدر على وزن (فاعل) نادر. وقرئ (سمرا) بضم وتشديد. # (سمار) بزيادة ألف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 68] # أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) # أفلم يدبروا القول أي القرآن، ليعلموا أنه الحق المبين، فيصدقوا به وبمن ~~جاء به أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أي من الهدى والحق، فاستبدعوه ~~واستبعدوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال. مع أن المجيء بما لم ~~يعهد، لا يوجب النفرة. لأن المألوف قد يكون باطلا، فتقتضي به الحكمة ~~التحذير منه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 69 الى # 70] # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون (70) # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أي جاحدون بما أرسل به. وهذا توبيخ ~~آخر يشير إلى عظيم جهالتهم، بأنهم ms3411 ما عرفوا شأنه ولا دروا سر ما بعث به مما ~~يؤسف له. كما قال: يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزؤن [يس: 30] ، أم يقولون به جنة أي جنون، أو جن يخبلونه. وهذا توبيخ ~~آخر، فيه تعجيب من تلونهم في الجحود، وتفننهم في العناد، ثم أشار إلى أنه ~~لم يحملهم على ذلك إلا أنفتهم للحق كبرا وعتوا بقوله بل جاءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون أي لما فيهم من الزيغ والانحراف. # قال القاشاني: ولما أبطلوا استعداداتهم وأطفأوا نورها بالرين والطبع، على ~~مقتضى قوى النفس والطبع، واشتد احتجابهم بالغواشي الظلمانية عن نور الهدى ~~والعقل، لم يمكنهم تدبر القول ولم يفهموا حقائق التوحيد، والعدل فنسبوه إلى ~~الجنة ولم يعرفوه، للتقابل بين النور والظلمة، والتضاد بين الباطل والحق، ~~وأنكروه وكرهوا الحق الذي جاء به. # PageV07P296 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 71 الى 74] # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ~~(72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون (74) # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن أي ولو كان ما ~~كرهوه من الحق الذي هو التوحيد والعدل المبعوث بهما الرسول صلوات الله ~~عليه، موافقا لأهوائهم المتفرقة في الباطل، الناشئة من نفوسهم الظالمة ~~المظلمة، لفسد نظام الكون لانعدام العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ~~والتوحيد الذي به قوامهما فلزم فساد الكون لأن مناط النظام ليس إلا ذلك، ~~وفيه من تنويه شأن الحق، والتنبيه على سمو مكانه، ما لا يخفى بل أتيناهم ~~بذكرهم إضراب عن توبيخهم بكراهته، وانتقال إلى لومهم بالنفور عما ترغب فيه ~~كل نفس من خيرها. أي ليس هو مكروها بل هو عظة لهم لو اتعظوا. أو فخرهم أو ~~متمناهم لأنهم كانوا يقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله ~~المخلصين [الصافات: 168- 169] ، فهم عن ذكرهم معرضون أي بالنكوص عنه. وأعاد ~~الذكر تفخيما. وأضافه ms3412 لهم لسبقه. وفي سورة الأنبياء ذكر ربهم [الأنبياء: ~~42] ، لاقتضاء ما قبله له أم تسألهم خرجا أي جعلا على أداء الرسالة، فلأجل ~~ذلك لا يؤمنون فخراج ربك خير أي عطاؤه وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون أي منحرفون. ~~قال القاشاني: الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه، هو طريق التوحيد المستلزم ~~لحصول العدالة في النفس، ووجود المحبة في القلب. وشهود الوحدة. والذين ~~يحتجبون عن عالم النور بالظلمات، وعن القدس بالرجس، إنما هم منهمكون في ~~الظلم والبغضاء والعداوة، والركون إلى الكثرة. فلا جرم أنهم عن الصراط ~~ناكبون منحرفون إلى ضده. فهو في واد وهم في واد. وقال الزمخشري: قد ألزمهم ~~الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف ~~أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ~~ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعي بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم ~~يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم، واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى ~~دين الإسلام، الذي هو الصراط المستقيم. مع إبراز المكنون من # PageV07P297 # أدوائهم، وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضلال من ~~غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون، بعد ظهور الحق، وثبات التصديق من الله ~~بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية # 75] # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون. # قال ابن جرير: أي ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ~~ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع والهزال للجوا في طغيانهم يعني في عتوهم ~~وجرأتهم على ربهم يعمهون يعني يترددون. وأشار ابن كثير إلى معنى آخر فقال: # يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم، بأنه لو أزاح عنهم الضر، وأفهمهم القرآن، ~~لما انقادوا له، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ولو ~~علم الله ms3413 فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23] ، ~~وقال: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه [الأنعام: ### | 27- 28 # ] الآية. فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، لو كان كيف يكون. # انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 76] # ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. # قال ابن جرير: أي ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا ~~وسخطنا، وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف فما ~~استكانوا لربهم. أي فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه، وينيبوا إلى ~~طاعته. # وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ الله ~~قريشا بسني الجدب، إذ دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن الحسن ~~قال: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء، فإنما هي نقمة. فلا تستقبلوا ~~نقمة الله بالحمية. ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله. وقرأ هذه ~~الآية ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. # PageV07P298 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 77] # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد يعني ما نزل بهم من القتال والقتل ~~يوم بدر، أو باب المجاعة والضر، وهو ما روي عن مجاهد واختاره ابن جرير إذا ~~هم فيه مبلسون أي حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في ~~حين لا ينفعهم الندم والحزن. ثم أشار تعالى إلى قدرته على البعث بآياته ~~المبصرة في الأنفس والآفاق، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 78] # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة أي لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا ~~قليلا ما تشكرون أي نعمة الله في ذلك، بصرفها لما ms3414 خلقت له. وهو أن يدرك. # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # والقلة في الآية هذه ونظائرها، بمعنى النفي، في أسلوب التنزيل الكريم. ~~لأن الخطاب للمشركين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 79 الى # 81] # وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله ~~اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) # وهو الذي ذرأكم في الأرض أي خلقكم وبثكم بالتناسل فيها وإليه تحشرون أي ~~تجمعون يوم القيامة، بعد تفرقكم إلى موقف الحساب وهو الذي يحيي أي خلقه، أي ~~يجعلهم أحياء، بعد أن كانوا نطفا أمواتا، ينفخ الروح فيها، بعد الأطوار ~~التي تأتي عليها ويميت وله اختلاف الليل والنهار أي بالطول والقصر. # فهو متوليه ولا يقدر على تصريفهما غيره أفلا تعقلون أي: إن من أنشأ ذلك ~~ابتداء من غير أصل، لا يمتنع عليه إحياء الأموات بعد فنائهم. ثم بين تعالى ~~أنهم لم يعتبروا بآياته، ولا تدبروا ما احتج عليهم من الحجج الدالة على ~~قدرته على فعل كل ما يشاء، بقوله: بل قالوا مثل ما قال الأولون أي من الأمم ~~المكذبة رسلها. # PageV07P299 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 82 الى # 83] # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أي أحياء، كهيئتنا قبل ~~الممات لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين أي ما ~~سطروه في كتبهم، مما لا حقيقة له: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 85] # قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~(85) # قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون أي ~~فتعلمون أن من ابتدأ ذلك، قدر على إعادته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 86 الى 87] # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ms3415 لله قل أفلا ~~تتقون (87) # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله، قل أفلا تتقون أي ~~عقابه على شرككم به، وتكذيبكم خبره وخبر رسوله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 88 الى 89] # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير أي يغيث من أراد، ممن قصد بسوء ولا ~~يجار عليه أي ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء، فيدفع عنه عذابه وعقابه إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون أي تخدعون عن توحيده وطاعته، مع ~~ظهور الأمر وتظاهر الأدلة ف (السحر) مستعار للخديعة. وتكرير إن كنتم تعلمون ~~لاستهانتهم، وتجهيلهم، لكمال ظهور الأمر. # PageV07P300 # قال في (الإكليل) : قال مكي: في هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار ~~والمبطلين، وإقامة الحجة وإظهار الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في ~~الحجج على من خالف في دين الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 90 الى 94] # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما ~~يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون أي في دعواهم أن له ولدا ومعه شريكا ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا ~~بعضهم على بعض لأنه يجب أن يتخالفا بالذات، وإلا لما تصور العدد- ~~والمتخالفان بالذات يجب أن يتخالفا في الأفعال فيذهب كل بما خلقه، ويستبد ~~به، ويظهر بينهم التحارب والتغالب، فيفسد نظام الكون، كما تقدم بيانه في ~~آية لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] ، سبحان الله عما ~~يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون قل رب إما تريني ما يوعدون أي ~~من العذاب. أي إن كان ms3416 لا بد من أن تريني. لأن (ما) و (النون) للتأكيد رب ~~فلا تجعلني في القوم الظالمين أي نجني من عذابهم. وفيه إيذان بكمال فظاعة ~~ما وعدوه من العذاب، وكونه بحيث يجب أن يستعيذ منه من لا يمكن أن يحيق به. ~~ورد لإنكارهم إياه واستعجالهم به، استهزاء. وتكرير النداء، لإظهار زيادة ~~الابتهال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 95 الى 100] # وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن ~~أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون (98) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) # لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون (100) # وإنا على أن نريك ما نعدهم أي من العذاب لقادرون أي: وإنما نؤخره لحكمة ~~بلوغ الكتاب أجله ادفع بالتي هي أحسن أي بالخلة التي هي أحسن # PageV07P301 # الخلال. وهو العفو الصفح السيئة يعنى أذى المشركين نحن أعلم بما يصفون أي ~~فسيرون جزاءه وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين أي وساوسهم المغرية على ~~الباطل والشرور والفساد، والصد عن الحق وأعوذ بك رب أن يحضرون أي يحضروني ~~في حال من الأحوال حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ~~فيما تركت أي حتى إذا احتضر وشاهد أمارات العذاب، وعاين وحشة هيئات ~~السيئات، تمنى الرجوع، وأظهر الندامة، ونذر العمل الصالح في الإيمان الذي ~~ترك. وقوله تعالى كلا إنها كلمة يعني قوله (رب ارجعون) إلخ هو قائلها أي لا ~~يجاب إليها ولا تسمع منه، يعني أنه لم يحصل إلا على الحسرة والندامة، ~~والتلفظ بألفاظ التحسر والندم، والدعوة دون المنفعة والفائدة والإجابة. ~~والآية نظيرها قوله تعالى: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ~~[المنافقون: 10] ، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون أي حائل يحول بينهم وبين ~~الرجعة، يلبثون فيه إلى يوم القيامة. ### | لطيفة: # الواو في (ارجعون) ms3417 قيل لتعظيم المخاطب وهو الله تعالى، ورده ابن مالك ~~بأنه لا يعرف أحدا يقول (رب ارحموني، ونحوه) لما فيه من إيهام التعدد. ~~مدفوع بأنه لا يلزم من عدم صدوره عنا كذلك، ألا يطلقه الله تعالى على نفسه. ~~كما في ضمير المتكلم. وقيل إنه لتكرير قوله (ارجعني) كما قيل في (قفا) و ~~(أطرقا) إن أصله (قف قف) على التأكيد، وبه فسر قوله تعالى: ألقيا في جهنم ~~[ق: 24] ، قال الشهاب: فيكون من باب استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة، بقطع ~~النظر عن معناه، وهو كثير في الضمائر. كاستعمال الضمير المجرور الظاهر مكان ~~المرفوع المستتر في (كفى به) حتى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أخرى، ومن لفظ ~~إلى آخر. وما نحن فيه من هذا القبيل. فإنه غير الضميران المستتران إلى ضمير ~~مثنى ظاهر. فلزم الاكتفاء بأحد لفظي الفعل، وجعل دلالة الضمير على المثنى ~~على تكرير الفعل، قائما مقامه في التأكيد، من غير تجوز فيه ولابن جني في ~~(الخصائص) كلام يدل على ما ذكرناه. # انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : آية 101] # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ أي لشدة الهول من هجوم ما شغل # PageV07P302 # البال حتى زال به التعاطف والتآلف، إذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 34- 37] ، ونفي نفع ~~النسب، إذا دهم مثل ذلك معروف. # كما قال: # لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع # ولا يتساءلون أي لا يسأل بعضهم بعضا، لعظم الفزع وشدة مآبهم من الأهوال، ~~وذهولهم عما كان بينهم من الأحوال، فتنقطع العلائق والوصل التي كانت بينهم، ~~وجلي أن نفي التساؤل إنما هو وقت النفخ، كما دل عليه قوله فإذا أي فوقت ~~القيام من القبور وهو المطلع يشتغل كل بنفسه. وأما ما بعده فقد يقع ~~التساؤل، كما قال تعالى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون [الصافات: 27] و ~~[الطور: 25] ، لأن يوم القيامة يوم ممتد. ففيه مشاهد ومواقف. فيقع ms3418 في بعضها ~~تساؤل وفي بعضها دهشة تمنع منه. ### | تنبيه: # روى هنا بعض المفسرين أخبارا في نفع النسب النبوي. وحبذا لو روي شيء منها ~~في الصحيحين، أو في مسانيد من التزم الصحة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 102 الى # 104] # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ~~(104) # فمن ثقلت موازينه أي رجحت حسناته فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم أي بتضييع ما منحت من الاستعداد لأن تربح في ~~تجارة الكمال، بفطرة الإيمان وصالح الأعمال، ولله در القائل: # إذا كان رأس المال عمرك، فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب # في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار أي تحرقها. وتخصيص الوجوه لأنها أشرف ~~الأعضاء. فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار وهم فيها كالحون ~~أي مشوهون، قبيحو المنظر. ويقال لهم تعنيفا وتوبيخا: # PageV07P303 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 105 الى # 106] # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا أي ~~ملكتنا شقوتنا أي التي اقترفناها بسوء اختيارنا وكنا قوما ضالين أي عن ~~الحق، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب، قال أبو السعود: وهذا، كما ترى، ~~اعتراف منهم، بأن ما أصابهم قد أصابهم بسوء صنيعهم، وأما ما قيل من أنه ~~اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من الشقاوة الأزلية، فمع أنه باطل في نفسه، ~~لما أنه لا يكتب عليهم من السعادة والشقاوة إلا ما علم الله تعالى أنهم ~~يفعلونه باختيارهم، ضرورة أن العلم تابع للمعلوم- يرده قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 107 الى 110] # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون ~~(108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم ms3419 منهم تضحكون (110) # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون أي أخرجنا من النار، وارجعنا إلى ~~الدنيا. فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فإنا ~~متجاوزون الحد في الظلم. ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم، ~~لما سألوا الرجعة إلى الدنيا، ولما وعدوا الإيمان والطاعة قال اخسؤا فيها ~~أي ذلوا فيها كخسء الكلاب ولا تكلمون أي في رفع العذاب، فإنه لا يرفع ولا ~~يخفف. ثم أشار إلى علة ذلك بقوله تعالى إنه كان فريق من عبادي وهم المؤمنون ~~يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا ~~حتى أنسوكم أي بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكري وكنتم منهم تضحكون. # ثم أشار تعالى لبيان حسن حالهم، وأنهم انتفعوا بما آذوهم، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 111 الى 114] # إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) قال ~~إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) # PageV07P304 # إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون قال أي الله أو الملك ~~المأمور بسؤالهم كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~فسئل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا، لو أنكم كنتم تعلمون أي شيئا ما. أو ~~لو كنتم من أهل العلم. # والجواب محذوف، ثقة بدلالة ما سبق عليه. أي لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها، ~~كما علمتم اليوم ولعملتم بموجبه ولم تخلدوا إليها. # قال الرازي: الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، فقد كانوا ينكرون ~~اللبث في الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا. ويظنون أن بعد ~~الموت يدوم الفناء، ولا إعادة. فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة وهم ~~فيها مخلدون، سألهم: كم لبثتم في الأرض؟ تنبيها لهم على أن ما ظنوه دائما ~~طويلا، فهو يسير، بالإضافة إلى ما أنكروه. فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما ~~كانوا يعتقدونه في الدنيا. من حيث أيقنوا خلافه. ms3420 فليس الغرض مجرد السؤال، ~~بل ما ذكر. # قال الزمخشري: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا، بالإضافة إلى خلودهم، ولما ~~هم فيه من عذابها. لأن الممتحن يستطيل أيام محنته، ويستقصر ما مر عليه من ~~أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور. وأيام السرور قصار، أو لأن ~~المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا، ~~ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. وقرئ (فسل العادين) والمعنى: لا نعرف ~~من عدد تلك السنين، إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم. لما نحن فيه من ~~العذاب، وما فينا أن نعدها، فسل من فيه أن يعد، ويقدر أن يلقى إليه فكره. ~~وقيل: فسل الملائكة الذين يعدون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المؤمنون (23) : الآيات 115 الى 118] # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله ~~الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها آخر ~~لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) وقل رب ~~اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا أي بغير حكمة، حتى أنكرتم البعث وأنكم إلينا ~~لا ترجعون أي للجزاء فتعالى الله أي تعاظم عما تصفون، لأنه الملك الحق أي ~~المتصرف وحده، الذي قصد بالخلق معرفته وعبادته. والذي لا يترك الجزاء بل ~~يحق الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم أي العظيم المجيد. وقرئ # PageV07P305 # بالرفع ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه ~~لا يفلح الكافرون قال ابن جرير: أي: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح ~~العبادة إلا له، معبودا آخر لا حجة لما بما يقول ولا بينة. فإنما حساب عمله ~~السيئ عند ربه. وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه. فإنه لا ينجح أهل الكفر ~~بالله، عنده، ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم، قال الزمخشري: وقوله لا ~~برهان له به كقوله: ما لم ينزل به سلطانا [آل عمران: 151] ، وهي ms3421 صفة لازمة، ~~نحو قوله يطير بجناحيه [الأنعام: 38] ، جيء بها للتوكيد، لا أن يكون في ~~الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان. ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط ~~والجزاء. كقولك (من أحسن إلى زيد- لا أحق بالإحسان منه- فالله مثيبه) . # قال في (الانتصاف) : إن كان صفة، فالمقصود بها التهكم بمدعي إله مع الله، ~~كقوله بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا [آل عمران: 151] ، فنفى إنزال ~~السلطان به، وإن لم يكن في نفس الأمر سلطان، لا منزل ولا غير منزل. # وقال الرازي: نبه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز ~~إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد. انتهى. # ثم أمر تعالى نبيه بالابتهال إليه واستغفاره والثناء عليه، بقوله وقل رب ~~اغفر وارحم وأنت خير الراحمين أي خير من رحم ذا ذنب، فقبل توبته. # PageV07P306 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النور # سميت به لاشتمالها على ما أمكن من بيان النور الإلهي، بالتمثيل المفيد ~~كمال المعرفة الممكنة لنوع الإنسان، مع مقدماتها، وهي أعظم مقاصد القرآن- ~~قاله المهايمي، وهي مدنية. وقال القرطبي: إن آية يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأذنكم [النور: 58] ، إلخ مكية وهي أربع وستون آية. # PageV07P307 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) # سورة أنزلناها خبر محذوف. أي هذه السورة. والتنكير للتفخيم وفرضناها أي ~~أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون أي تتذكرونها فتعملون بموجبها. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله، في ~~تفسير هذه الآيات: هذه السورة فرضها تعالى بالبينات والتقدير والحدود، التي ~~من يتعد حلالها إلى الحرام فقد ظلم نفسه. ومن قرب من حرامها فقد اعتدى ~~وتعدى الحدود. وبين فيها فرض العقوبة وآية الجلد وفريضة الشهادة على الزنى ~~وفريضة شهادة المتلاعنين. كل منهما يشهد أربع شهادات بالله. ونهى فيها عن ~~تعدي حدود الله في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان. سواء كان في ~~منزله أو ولايته. ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه. ms3422 إذ الحقوق نوعان: نوع لله ~~فلا يتعدى حدوده، ونوع للعبادة فيه أمر فلا يفعل إلا بإذن المالك، فليس ~~لأحد أن يفعل شيئا في حق غيره إلا بإذن الله. وإن لم يأذن المالك فإذن الله ~~هو الأصل، وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الإذن فيه. ولهذا ضمنها ~~الاستئذان في المساكن والمطاعم وفي الأمور الجامعة. كالصلاة والجهاد ~~ونحوهما. ووسطها بذكر النور الذي هو مادة كل خير وصلاح كل شيء. وهو ينشأ عن ~~امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وعن الصبر على ذلك، فإنه ضياء. فإن حفظ ~~الحدود بتقوى الله، يجعل لصاحبه نورا. كما قال تعالى: # اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ~~... [الحديد: 28] الآية. فضد النور الظلمة، ولهذا عقب ذكر النور وأعمال ~~لمؤمنين بأعمال الكفار. وأهل البدع والضلال. فقال: والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب [النور: 39] الآية، إلى قوله: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج ... ~~[النور: 40] الآية، وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة. وظلم العبد نفسه من ~~الظلم. فإن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، ونقصا # PageV07P308 # في الرزق، وبغضا في قلوب الخلق. كما روي ذلك عن ابن عباس، يوضحه أن الله ~~ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور، وأعمال الكفار بالظلمة. والإيمان اسم جامع ~~لكل ما يحبه الله. والكفر اسم جامع لكل ما يبغضه، وإن كان لا يكفر العبد ~~إذا كان معه أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي. كما لا يصير مؤمنا ~~إذا كان معه بعض فروع الإيمان. ولغض البصر اختصاص بالنور كما # في حديث أبي هريرة الذي صححه الترمذي «1» : أن العبد إذا أذنب.. الحديث. # وفيه: فذلك الران الذي ذكر الله. وفي الصحيح «2» : إنه ليغان على قلبي ~~وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. والغين حجاب رقيق أرق من الغيم، ~~فأخبر أنه يستغفر ليزيل الغين، فلا يكون نكتة سوداء. كما أنها إذا أزيلت لا ~~تصير رينا. وقال حذيفة: إن الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء. # فكلما ازداد العبد إيمانا، ازداد قلبه بياضا، وفي خطبة الإمام ms3423 أحمد، في ~~الرد على الزنادقة: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من ~~أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يحيون بكتاب ~~الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى.. إلخ. وقد قرن الله سبحانه بين ~~الهدى والضلال بما يشبه هذا. كقوله تعالى: وما يستوي الأعمى والبصير ولا ~~الظلمات ولا النور [فاطر: 19- 20] ، وقال: مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع [هود: 24] ، وقال: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا # [البقرة: 17] الآيات، وهذا النور الذي يكون للمؤمن في الدنيا على حسن ~~عمله واعتقاده، يظهر في الآخرة، كما قال تعالى: يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم.. [الحديد: 12- 15] الآية، فذكر النور هنا عقيب أمره بالتوبة، ~~كما في سورة النور عقيب أمره بغض البصر والتوبة. وذكر ذلك بعد أمره بحقوق ~~الأهلين والأزواج وما يتعلق بالنساء. وقال في سورة الحديد يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنات إلى قوله: وبئس المصير [الحديد: 12- 15] ، فأخبر سبحانه أن ~~المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون به، ويطلبون الاقتباس من ~~نورهم، فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم. # كما أنهم في الدنيا لما فقدوا النور كمثل الذي استوقد نارا [البقرة: 17] ~~الآية. # وقوله تعالى: PageV07P309 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 2] # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة شروع في تفصيل ما ذكر ~~من الآيات البينات وبيان أحكامها. أي كل من زنى من الرجال والنساء، فأقيموا ~~عليه هذا الحد. وهو أن يجلد، أي يضرب على جلده مائة جلدة، عقوبة لما صنع ~~ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أي رقة ورحمة في طاعته فيما أمركم به، من ~~إقامة الحد عليهما، على ما ألزمكم به إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر أي ~~تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم مبعوثون لحشر القيامة وللثواب ~~والعقاب. فإن من كان بذلك مصدقا، فإنه لا يخالف الله في أمره ms3424 ونهيه، خوف ~~عقابه على معاصيه وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي وليحضر جلدهما طائفة ~~من أهل الإيمان بالله ورسوله، قال ابن جرير: العرب تسمي الواحد فما زاد ~~طائفة. # قال ابن تيمية عليه الرحمة: فأمر تعالى بعقوبتهما بحضور طائفة من ~~المؤمنين. وذلك بشهادته على نفسه أو شهادة المؤمنين عليه. لأن المعصية إذا ~~ظهرت كانت عقوبتها ظاهرة. كما # في الأثر: (من أذنب سرا فليتب سرا. ومن أذنب علانية فليتب علانية) # وليس من الستر الذي يحبه الله، كما # في الحديث (إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها. فإذا أعلنت ولم ~~تنكر، ضرت العامة) # فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن. ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع ~~والفجور غيبة. كما روي عن الحسن وغيره، لأنه لما أعلن استحق العقوبة. ~~وأدناها أن يذم عليها لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته. ولو لم يذكر إلا ~~بما فيه لاغتر به الناس. فإذا ذكر انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته. قال ~~الحسن: أترغبون عن ذكر الفاجر؟ اذكروا بما فيه كي يحذره الناس. و (الفجور) ~~اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح، يدل السامع له على فجور قلب ~~قائله. ولهذا استحق الهجرة، إذا أعلن ببدعة أو معصية، أو فجور أو تهتك أو ~~مخالطة لمن هذا حاله. بهذا لا يبالي بطعن الناس عليه. فإن هجره نوع تعزير ~~له. فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر أسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة ~~على السيئات وهجرة السيئات، كقوله والرجز فاهجر [المدثر: 5] ، وقوله: ~~واهجرهم هجرا جميلا [المزمل: 10] ، وقوله: # فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم [النساء: # PageV07P310 # 40] ، وقد روي عن عمر أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب به ~~أخوه إلى أميرها عمرو بن العاص ليحده، جلده سرا، فبعث إليه عمر ينكر عليه. ~~ولم يعتد بذلك حتى أرسل إلى ابنه، فأقدمه المدينة وجلده علانية، وعاش ابنه ~~مدة ثم مرض ثم مات ولم يمت من الجلد، ولا ضربه بعد الموت، كما يزعمه ~~الكذابون. # وقوله تعالى: ولا تأخذكم ms3425 بهما رأفة في دين الله نهى تعالى عما يأمر به ~~الشيطان في العقوبات عموما وفي الفواحش خصوصا. فإن هذا الباب مبناه على ~~المحبة والشهوة، والرأفة التي يزينها الشيطان بانعطاف القلوب على أهل ~~الفواحش، حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الدياثة، إذا رأى من ~~يهوى بعض المتصلين به، أو يعاشره عشرة منكرة ولو كان ولده، رق به وظن أن ~~هذا من رحمة الخلق. وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم دين وإعانة على الإثم ~~والعدوان. وترك للتناهي عن المنكر. وتدخل النفس به في القيادة التي هي أعظم ~~من الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع قومها، في استحسان ما كانوا يتعاطونه من ~~إتيان الذكران والمعاونة لهم على ذلك، وكانت في الظاهر مسلمة على دين زوجها ~~لوط، وفي الباطن منافقة على دين قومها. لا تقلي عملهم كما قلاه لوط. وكما ~~فعل النسوة بيوسف. فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إلى من فعل الفاحشة ~~معها ولهذا قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه [يوسف: 33] ، وذلك بعد ~~قولهن إنا لنراها في ضلال مبين ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب. فإن ~~الشهوة توجب السكر كما قال تعالى: إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر: 72] ، ~~وفي الصحيحين «1» ومن حديث أبي هريرة (العينان تزنيان) إلخ فكثير من الناس ~~يكون مقصوده بعض هذه الأنواع كالنظر والاستمتاع والمخاطبة. ومنهم من يرتقي ~~إلى المس والمباشرة. ومنهم من يقبل وينظر. وكل ذلك حرام. وقد نهانا الله ~~سبحانه أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما دونه من هجر؟ ~~ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقلاهم على ما يتمتع به ~~الإنسان من أنواع الزنى المذكورة في الحديث. والمحب، وإن كان يحب النظر ~~والاستمتاع بصورة المحبوب وكلامه، فليس دواؤه في ذلك، لأنه مريض. والمريض ~~إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه، فأخذتنا به رأفة، فقد ~~أعناه على ما يهلكه ويضره وقال تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45] ، أي فيها الشفاء ~~والبرء PageV07P311 # من ms3426 ذلك. بل الرأفة به أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريها، مثل الصلاة ~~وما فيها من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يزيد علته. ولا يظن أنه إذا ~~استمتع بمحرم يسكن بلاؤه. بل ذلك يوجب له زيادة في البلاء. فإنه وإن سكن ما ~~به عقيب استمتاعه، أعقبه ذلك مرضا عظيما لا يتخلص منه، بل الواجب دفع أعظم ~~الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء. ومن المعلوم أن ألم العلاج ~~النافع أيسر من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية أدوية ~~نافعة. وهي من رأفة الله بعباده، الداخلة في قوله تعالى: وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين [الأنبياء: # 107] ، فمن ترك هذه الرحمة النافعة، لرأفة بالمريض، فهو الذي أعان على ~~عذابه، وإن كان لا يريد إلا الخير، إذ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض ~~النساء بمرضاهن وبمن يربينهن من أولادهن في ترك تأديبهم على ما يأتونه من ~~الشر ويتركونه من الخير. ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ~~ذلك المرض وبرودة القلب والدياثة. وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق ~~نفسه ونظرائه. # وهو بمنزلة جماعة مرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم، فوجد كبيرهم مرارته، ~~فترك شربه. ونهى عن سقيه للباقين. ومنهم من تأخذه الرأفة لكون أحد الزانيين ~~محبوبا له. إما لقرابة أو مودة أو إحسان، أو لما يرجوه منه، أو لما في ~~العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول «1» # (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) # وليس كما قال. بل ذلك وضع الشيء في غير موضعه. بل # قد ورد «2» # (لا يدخل الجنة ديوث) # فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها ولأهلها، ولا يغضب عند رؤيتها ~~وسماعها، لم يكن مريدا للعقوبة عليها. فيبقى العذاب عليها يوجب ألم قلبه، ~~قال تعالى: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله الآية. في دين الله هو طاعته ~~وطاعة رسوله. المبني على محبته ومحبة رسوله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما. فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة ms3427 لدين الله. ~~فالرحمة مأمور بها بخلاف الرأفة في دين الله. والشيطان يريد من الإنسان ~~الإسراف في أموره كلها. فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة، زين له الرحمة حتى ~~لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار،. وإن رآه مائلا إلى الشدة، زين له الشدة ~~في غير ذات الله، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما PageV07P312 # يحبه. ويترك من اللين والصلة والإحسان والبر ما يأمر الله به. فالأول ~~مذنب والثاني مسرف. وفليقولا جميعا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~[آل عمران: 147] ، الآية. وقوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فالمؤمن ~~بذلك يفعل ما يحبه الله، وينهى عما يبغضه الله. ومن لم يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فإنه يتبع هواه.، فتارة تغلب عليه الشدة ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله [القصص: 50] ، والنظر والمباشرة، وإن كان بعضه من اللمم، فإن ~~دوام ذلك وما يتصل به، من المعاشرة والمباشرة قد تكون أعظم بكثير من فساد ~~زنى لا إصرار فيه. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك. كما قال ~~تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: ~~165] الآية. ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. ~~والله تعالى إنما ذكره عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط. وقد جمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحدود فيما # رواه أبو داود من حديث ابن عمر «1» # (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره. ومن خاصم في ~~باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط لله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه، ~~حبس في ردعة الخبال حتى يخرج مما قال) # . فالشافع في الحدود مضاد لله في أمره. فلا يجوز أن يأخذ المؤمن رأفة ~~بأهل البدع والفجور والمعاصي، وجماع ذلك كله قوله: أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين [المائدة: 54] ، وقوله: # أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] ، فإن هذه الكبائر كلها من شعب ~~الكفر كما # في الصحاح «2» # (لا يزني الزاني حين ms3428 يزني وهو مؤمن) # إلخ. ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة بهم. ولا منافاة بين كون ~~الواحد يحب من وجه ويبغض من وجه، ويثاب من وجه ويعاقب من وجه. خلافا ~~للخوارج والمعتزلة. ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يرحم من وجه ~~آخر، فيحسن إليه ويدعى له. # وهذا الجانب أغلب في الشريعة، كما في صفة الرب سبحانه وتعالى. # ففي الصحيح «3» # (إن رحمتي تغلب غضبي) # وقال: PageV07P313 # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم [الحجر: 49- ~~50] ، وقال: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [المائدة: 98] ~~، فجعل الرحمة صفة مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من ~~مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين. ~~وقال تعالى: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم [النساء: 15] الآية، وفي ~~الحديث «1» بيان السبيل الذي جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام في ~~البكر، وفي الثيب الرجم لكن الذي في الحديث الجلد والنفي للبكر من الرجال ~~وأما الآية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء إلى الموت، والسبيل للنساء ~~خاصة. ومن الفقهاء من لا يوجب مع الحد تغريبا، ومنهم من يفرق بين الرجل ~~والمرأة. كما أن أكثرهم لا يوجبون الجلد مع الرجم. ومنهم من يوجبهما جميعا. ~~كما «2» فعل بشراحة الهمدانية، حيث جلدها ثم رجمها. وقال: # جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة نبيه. رواه البخاري. والله سبحانه ذكر في ~~سورة النساء ما يختص بهن من العقوبة. ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال: والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان توابا ~~رحيما [النساء: # 16] ، فإن الأذى يتناول الصنفين. وأما الإمساك فيختص بالنساء، لأن المرأة ~~يجب أن تصان بما لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك الزينة ~~وترك التبرج، لأن ظهورها يسبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن، وقوله: ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [النساء: 15] ، دل على شيئين: على نصاب الشهادة ~~وعلى أن الشهداء على نسائنا منا. وهذا لا نزاع فيه. وأما شهادة الكفار ~~بعضهم على بعض ms3429 ففيها روايتان عن أحمد. الثانية أنها تقبل. اختارها أبو ~~الخطاب. وهو قول أبي حنيفة. وهو أشبه بالكتاب والسنة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز شهادة أهل ملة على ملة، إلا أمتي) # فمفهومه جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض. ولكن فيه: أن ~~المؤمنين تقبل شهادتهم على من سواهم، لقوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس ~~[البقرة: 143] ، وفي آخر الحج مثلها وفي البخاري «3» من حديث أبي سعيد ~~(يدعى نوح) الحديث. وكذلك فيهما «4» من حديث أنس، شهادتهم على PageV07P314 # الجنازتين خيرا وشرا، # فقال (أنتم شهداء الله في أرضه) # الحديث. ولهذا، لما كان أهل السنة والجماعة لم يشوبوا الإسلام بغيره، ~~كانت شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة، بخلاف أهل البدع والأهواء، ~~كالخوارج والروافض، فإن بينهم من العداوة والظلم ما يخرجهم عن هذه الحقية ~~التي جعلها الله لأهل السنة، قال فيهم (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ~~ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) واستدل من جوز ~~شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بهذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ~~[المائدة: 106] الآية، قالوا: دلت على قبول شهادتهم على المسلمين. ففيه ~~تنبيه على قبول شهادة بعضهم على بعض بطريق الأولى. ثم نسخ الظاهر لا يوجب ~~نسخ الفحوى، والتنبيه على الأقوى. كما نص عليه أحمد وغيره من أئمة الحديث ~~الموافقين للسلف. ولهذا يجوز في الشهادة للضرورة ما لا يجوز في غيرها. كما ~~تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال. حتى نص أحمد على قبول شهادتين ~~في الحدود التي تكون في مجامعهن الخاصة. فالكفار الذي لا يختلط بهم ~~المسلمون أولى، والله أمرنا أن نحكم بينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم «1» ~~رجم الزانيين من اليهود، ومن غير سماع إقرار منهم ولا شهادة مسلم. ولولا ~~قبول شهادة بعضهم على بعض لم يجز ذلك. وفي تولي بعضهم مال بعض، نزاع، فهل ~~يتولى الكافر العدل في دينه، مال ولده الكافر؟ على قولين والصواب المقطوع ~~به أن بعضهم أولى ببعض وقد مضت السنة بذلك وسنة خلفائه. وقوله تعالى: ms3430 ~~فآذوهما أمر. # بالأذى مطلقا، ولم يذكر صفته ولا قدره. ولفظ (الأذى) يستعمل في الأقوال ~~كثيرا. # كقوله لن يضروكم إلا أذى [آل عمران: 111] ، والإعراض هو الإمساك عن ~~الإيذاء. فالمذنب لا يزال يؤذي وينهى ويوبخ إلا أن يتوب. وأدنى ذلك هجره. ~~فلا يكلم بالكلام الطيب. وهذه محكمة فمن أتى الفاحشة وجب إيذاؤه بالكلام ~~الزاجر إلى أن يتوب. وليس ذلك محدودا بقدر ولا صفة. إلا ما يكون زاجرا له ~~داعيا إلى حصول المقصود، وهو توبته وصلاحه. وعلقه تعالى على التوبة ~~والإصلاح، فإذا لم يوجدا، فلا يجوز أن يكون الأمر بالإعراض موجودا. فأما من ~~تاب بترك الفاحشة ولم يصلح، فتنازعوا: هل من شرط التوبة صلاح العمل؟ على ~~قولين. وهذه تشبه قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~[التوبة: 5] ، فعلق تخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح. مع أنهم إذا ~~تكلموا بالشهادتين وجب الكف PageV07P315 # عنهم. ثم إن صلوا وزكوا، وإلا عوقبوا على ترك الفعل. لأن الشارع في ~~التوبة شرع الكف عن أذاه. ويكون الأمر فيه موقوفا على التمام. وكذلك التائب ~~من الفاحشة. # وهذه الآية مما يستدل به على التعزير بالأذى. والأذى، وإن كان كثيرا ~~يستعمل في الكلام، فليس مختصا به. # كقوله لمن بصق في القبلة «1» (إنك قد آذيت الله ورسوله) # وكذا # قوله في حق فاطمة «2» # (ويؤذيني ما آذاها) # وقوله «3» # لمن أكل البصل (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) # وهل يكون من توبته اعترافه بالذنب؟ # فإذا ثبت الذنب بإقراره فجحد وكذب الشهود أو ثبت بشهادة شهود. فيه نزاع. # فذكر أحمد أنه لا توبة لمن جحد. واستدل بقصة علي بن أبي طالب: أنه أتى ~~بجماعة ممن شهد عليهم بالزندقة، فاعترف منهم ناس فتابوا. فقبل توبتهم. وجحد ~~جماعة فقتلهم. # وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة «4» # (فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه) # فمن أذنب سرا فليتب سرا، كما # في الحديث «5» # (ومن ابتلي بشيء من هذه القاذروات فليستتر) # إلخ، # وفي الصحيح «6» # (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) # الحديث. فإذا ظهر من العبد الذنب فلا بد ms3431 من ظهور التوبة. ومع الجحود لا ~~تظهر التوبة. فإن الجاحد يزعم أنه غير مذنب. ولهذا كان السلف يستعملون ذلك ~~فيمن أظهر بدعة أو فجورا، فإن هذا أظهر حال الضالين، وهذا أظهر حال المغضوب ~~عليهم. ومن أذاه منعه، مع القدرة، من الإمامة والحكم والفتيا والرواية ~~والشهادة. وأما بدون القدرة، فليفعل المقدور عليه. ولم يعلق الأذية على ~~استشهاد أربعة، وليس هذا من حمل المطلق على المقيد. لأن ذلك لا بد أن يكون ~~فيه الحكم واحدا، مثل الإعتاق. فإذا كان متفقا في الجنس دون النوع كإطلاق ~~الأيدي في التيمم، وتقييدها إلى المرافق في الوضوء، فلا يحمل. ولم يحمل ~~الصحابة والتابعون المطلق على المقيد في قوله تعالى: PageV07P316 # وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~[النساء: 23] ، وقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف [النساء: 22] ، قالوا: الشرط في الربائب خاصة. قالوا: أبهموا ما أبهم ~~الله. والمبهم هو المطلق. والمشروط فيه هو المقيد. # لكن تنازعوا: هل الموت كالدخول؟ على قولين. وذلك لأن الحكم مختلف، والقيد ~~ليس متساويا في الأعيان. فإن تحريم جنس، ليس مثل تحريم جنس يخالفه. كما أن ~~تحريم الدم والميتة ولحم الخنزير، لما كان أجناسا، فليس تقييد الدم ~~بالمسفوح موجبا تقييد الميتة والخنزير أن يكون مسفوحا. وهنا القيد قيد ~~الربيبة بدخول أمها. # والدخول بالأم لا يوجد مثله في حليلة الأب وأم المرأة. إذ بالدخول في ~~الحليلة، بها نفسها. وفي أم المرأة ببنتها. وكذلك المسلمون لم يحملوا ~~المطلق على المقيد في نصاب الشهادة. بل لما ذكر الله في آية الدين فرجل ~~وامرأتان [البقرة: 282] ، وفي الرجعة رجلين [الطلاق: 2] ، أقروا كلا منهما ~~على حاله. لأن سبب الحكم مختلف وهو المال والبضع. كما أن إقامة الحد في ~~الفاحشة والقذف بها اعتبر فيه أربعة، فلا يقاس بذلك عقود الأثمان والأبضاع، ~~وذكر في حد القذف ثلاثة أحكام: # جلد ثمانين، وترك قبول شهادتهم أبدا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين ~~تابوا [النور: ### | 4- 5 # ] الآية. والتوبة لا ترفع الجلد إذا طلبه المقذوف، وترفع الفسق ms3432 بلا تردد. # والأكثر قالوا: ترفع المنع من قبول الشهادة. وإذا اشتهر عن شخص الفاحشة ~~لم يرجم، كما # في الصحيح «1» # (إن جاءت به يشبه الزوج فقد كذب عليها وإن جاءت به يشبه الرجل الذي رماها ~~به، فقد صدق عليها) # فجاءت به على النعت المكروه. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) # فقيل لابن عباس: هذه التي # قال فيها (لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها) # فقال: لا. تلك امرأة كانت تعلن السوء في الإسلام فقد أخبر أنه لا يرجم ~~أحدا إلا ببينة، ولو ظهر على الشخص السوء. ودل الحديث على أن الشبه له ~~تأثير في ذلك، ولم تكن بينة. وكذلك ثبت عنه في الجنازة لما أثنوا عليها ~~شرا، والأخرى خيرا. # فقال (أنتم شهداء الله في أرضه) # وفي المسند عنه «2» أنه قال (يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار) ~~قالوا يا رسول الله! وبم ذاك؟ قال بالثناء الحسن وبالثناء السيئ فقد جعل ~~الاستفاضة حجة وبينة في هذه الأحكام # . ولم يجعلها حجة في الرجم. وكذلك تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين في ~~PageV07P317 # الوصية في السفر. وكذلك تقبل شهادة الصبيان في الجراح إذا أدوها قبل ~~التفرق، في إحدى الروايتين. وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل والمرأة أو الصبي ~~في لحاف، أو بيت مرحاض، أو محلولي السراويل، ويوجد مع ذلك ما يدل على ذلك، ~~من وجود اللحاف فقد خرج عن العادة إلى مكانهما أو يكون مع أحدهما أو معهما ~~ضوء قد أظهره، فرآه فأطفأه فإن إطفاءه دليل على استخفائه بما يفعل. فإن لم ~~يكن ما يستخفي به إلا ما شهد به الشاهد، كان ذلك من أعظم البيان على ما شهد ~~به فهذا باب عظيم النفع في الدين. وهو مما جاءت الشريعة التي أهملها كثير ~~من القضاة والمتفقهة، زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا بشهود عاينوا، أو إقرار ~~مسموع. وهذا خلاف ما تواترات به السنة وسنة الخلفاء الراشدين. وما فطرت ~~عليه القلوب التي تعرف المعروف وتنكر المنكر. ويدل عليه قوله ms3433 تعالى: يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا الآية. ففيها دلالات: إحداها ~~أنه لم يأمر بالتبين عند مجيء كل فاسق بكل نبأ إذ من الأنباء ما ينهى فيه ~~عن التبين. ومنه ما يباح فيه ترك التبين. ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة ~~لبعض الناس، لأنه علل بخشية الإصابة، بجهالة. فلو كان كل ما أصيب بنبإ ~~كذلك، لم تحصل التفرقة بين العدل والفاسق. # بل هذه دلالة واحدة على أن الإصابة بنبإ كذلك لم تحصل التفرقة بين العدل ~~والفاسق، بل هذه دلالة واحدة على أن الإصابة بنبإ العدل الواحد لا ينهى عنه ~~مطلقا. # وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد في جنس العقوبات. فإن سبب نزول ~~الآية يدل على ذلك. فإنها نزلت بإخبار واحد. أن قوما قد حاربوا بالردة أو ~~نقض العهد. # وفيه أيضا أنه متى اقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه فقد استبان ~~الأمر وزال الأمر بالتثبت. فيجوز إصابة القوم إذا. فكيف خبر العدل مع دلالة ~~أخرى؟ ولهذا كان أصح القولين، أن مثل هذا لوث في القسامة فإذا انضاف أيمان ~~المقسمين صار ذلك بينة تبيح دم المقسم عليه. وقوله بجهالة جعل المحذور هو ~~الإصابة لقوم بلا علم. فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور. وهذا هو المناط الذي ~~دل عليه القرآن كما قال: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون [الزخرف: 86] ، وقال: ~~ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] ، وأيضا علل بخوف الندم وهو إنما ~~يحصل على عقوبة البريء من الذنب كما # في السنن «1» # (ادرءوا الحدود بالشبهات. فإن الإمام، أن PageV07P318 # يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) # فإذا حصل عنده علم أنه لم يعاقب إلا مذنبا، فإنه لا يندم ولا يكون فيه ~~خطأ. وقد ذكر الشافعي وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين: أحدهما ~~الزنى، والثاني المخنث «1» ، فيما # روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول ~~لعبد الله أخيها: إن فتح الله لكم الطائف غدا، أدلك على ابنة غيلان. فإنها ms3434 ~~تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوهم من ~~بيوتكم) . أخرجاه # وفي لفظ (لا يدخل هؤلاء عليكم) # وفي رواية (أرى هذا يعرف مثل هذا. لا يدخلن عليكم بعد اليوم) # وقال ابن جريج: هو هيت. وقال غيره: هنب. وقيل: ماتع. وذكر بعضهم أنهم ~~ثلاثة: نهم وهيت وماتع. # ولم يكونوا يرمون بالفاحشة الكبرى. إنما كان تخنيثهم لينا في القول، ~~وخضابا في الأيدي والأرجل، ولعبا كلعب النساء. وفي السنن: أنه أمر بمخنث ~~فنفي إلى النقيع. # فإذا كان الله أمر بإخراج هؤلاء من البيوت، فمعلوم أن الذي يمكن الرجال ~~من نفسه، شر من هؤلاء: وهو أحق بالنفي. فإن المخنث فيه فساد للرجال ~~والنساء. لأنه إذا تشبه بالنساء، فقد يعاشرنه وهو رجل، فيفسدهن. ولأنها إذا ~~رأت الرجل يتخنث فقد تترجل وتعاشر الصنفين. وقد تختار مجامعة النساء كما ~~يختار هو مجامعة الرجال. # وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به، بمشاهدته وعشقه فإذا خرج ~~إلى بلد ووجد هناك من يفعل به، فهنا يكون نفيه بحبسه في مكان ليس معه غيره ~~فيه. # وإن خيف خروجه، قيد إذ هذا هو معنى نفيه. ولهذا تنازع العلماء في نفي ~~المحارب: هل هو طرده بحيث لا يأوي إلى بلد، أو حبسه، أو بحسب ما يراه ~~الإمام من هذا وهذا؟ فعن أحمد ثلاث روايات: الثالثة أعدل وأحسن. فإن نفيه ~~بحيث لا يأوي إلى بلد لا يمكن، لتفرق الرعية واختلافهم واختلاف هممهم. ~~وحبسه قد لا يمكن لأنه يحتاج إلى مؤونة. وروي أن هنبا لما اشتكى الجوع أمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما ~~يقيته، والذي جاءت به الشريعة من النفي هو نوع من الهجرة وليس كنفي الثلاثة ~~«2» الذين خلفوا، ولا هجرهم. فإنه لم يمنعهم من مشاهد الناس وحضور مجامعهم ~~في الصلاة وغيرها. وذلك أن الله خلق الآدميين محتاجين إلى معاونة بعضهم ~~بعضا. فمن كانت مخالطته تضر، استحق PageV07P319 # الإخراج من بينهم، لأنه مضرة بلا مصلحة. فإن الصبي إذا رأى صبيا يفعل ms3435 ~~شيئا تشبه به. والاجتماع بالزناة واللوطية: فيه أعظم الفساد والضرر على ~~الرجال والنساء والصبيان. فيجب أن يعقب اللوطي والزاني بما فيه تقريعه ~~وإبعاده. وجماع الهجرة هي هجرة السيئات وأهلها. وكذلك هجران الدعاء إلى ~~البدع وهجران الفساق وهجران من يخالط هؤلاء كلهم ويعاونهم. وكذلك من يترك ~~الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه فإنه يعاقب بهجرهم له، لما لم يخالطهم في ~~البر. فمن لم يهجر هؤلاء كان تاركا للمأمور فاعلا للمحذور. فهذا ترك ~~المأمور من الاجتماع. وهذا فعل المحذور منه. فعوقب كل منهما بما يناسب ~~جرمه. وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك، ~~يفعل بحسب الاستطاعة. فإن لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين، جاهد من ~~يقدر على جهاده. وإذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين، عاقب من يقدر على ~~عقوبته. فإذا لم يكن النفي والحبس عن جميع الناس، كان النفي والحبس على حسب ~~القدرة. ويكون هو المأمور به، فالقليل من الخير، خير من تركه. ودفع بعض ~~الشر خير من تركه كله. وكذلك المتشبهة بالرجال تحبس، كحالها إذا زنت فإن ~~جنس الحبس مما شرع في جنس الفاحشة. # ومما يدخل في هذا: أن عمر نفى نصر ابن حجاج من المدينة إلى البصرة، لما ~~شبب به النساء. وكان أولا قد أمر بأخذ شعره ليزيل جماله الفاتن، فلما رآه ~~من أحسن الناس وجنتين، غمه ذلك فنفاه إلى البصرة. فهذا لم يصدر منه ذنب ~~يعاقب عليه، لكن كان في النساء من يفتتن به، فأمر بإزالة جماله الفاتن. فإن ~~انتقاله من وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب. وهذا من باب التفريق ~~بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه. وليس من باب المعاقبة. وقد ~~كان عمر ينفي في الخمر إلى خيبر، زيادة في عقوبة شاربها. ومن أقوى ما يهيج ~~الفاحشة. إنشاد أشعار الذين في قلوبهم مرض من العشق ومحبة الفواحش، وإن كان ~~القلب في عافية، جعل فيه مرضا، كما قال بعض السلف: الغناء رقية الزنى. ~~ورقية الحية هي التي تستخرج بها الحية ms3436 من جحرها. وقية العين والحمة ورقية ~~الزنى. أي تدعو إليه وتخرج من الرجل الأمر الخبيث. كما أن الخمر أم ~~الخبائث. قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء ~~البقل. وقال تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~[الإسراء: 64] ، واستفزازه إياهم بصوته يكون بالغناء، كما قاله من قاله من ~~السلف، وبغيره من الأصوات كالنياحة وغير ذلك. # فإن هذه الأصوات توجب انزعاج القلوب والنفوس الخبيثة إلى ذلك، وتوجب ~~حركتها # PageV07P320 # السريعة واضطرابها. حتى يبقى الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان ~~بالكرة. والنفس متحركة. فإن سكنت فبإذن الله، وإلا فهي لا تزال متحركة. ~~وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس، لا تزال تتحرك عليه. # وفي الحديث المرفوع (القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا) # وفي الحديث الآخر «1» # (مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض، تحركها الريح) # وفي البخاري عن ابن عمر «2» : كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(لا، ومقلب القلوب) # ولمسلم «3» عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (اللهم مصرف ~~القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك) # وفي الترمذي «4» : كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول (يا مقلب القلوب، ~~ثبت قلبي على دينك) قيل: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف ~~علينا؟ فقال (نعم. القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف ~~يشاء) # انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا ~~الآية، وجوب الحد على الزاني والزانية، وأنه مائة جلدة. أي في البكر كما ~~بينته السنة. # واستدل بعمومه من أوجب المائة على العبد والذمي وعلى المحصن، ثم يرجم. # فأخرج أحمد عن علي أنه أتى بمحصنة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ~~ثم قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~واستدل الخوارج بالآية على أن حد المحصن الجلد دون الرجم. قالوا: لأنه ليس ~~في كتاب الله. واستدل أبو حنيفة بها على أنه لا تغريب، إذ ms3437 لم يذكره. وفي ~~الآية رد على من قال: إن العبد إذا زنى بحرة يرجم. وبأمة يجلد. وعلى من ~~قال: لا تحد العاقلة إذا زنى بها مجنون، والكبيرة إذا زنى بها صبي، أو ~~عكسه، لا يحد. وعلى من قال: لا حد على الزاني بحربية أو بمسلمة في بلاد ~~الحرب أو في عسكر أهل البغي. أو بنصرانية مطلقا. أو بأمة امرأته. أو محرم. ~~أو من استدخلت ذكر نائم. واستدل بعمومها من أوجبه على المكره والزاني بأمة ~~ولده والميتة. # قال ابن الفرس: ويستدل بقوله فاجلدوا على أنه يجرد عن ثيابه. لأن الجلد ~~PageV07P321 # يقتضي مباشرة البدن. وبقوله مائة جلدة على أنه لا يكتفي بالضرب بها ~~مجموعة ضربة واحدة، صحيحا كان أو مريضا. وفي قوله تعالى: ولا تأخذكم بهما ~~رأفة الحث على إقامة الحدود والنهي عن تعطيلها. وأنه لا يجوز العفو عنها ~~للإمام ولا لغيره، وفيه رد على من أجاز للسيد العفو. فاستدل بالآية من قال: ~~إن ضرب الزنى أشد من ضرب القذف والشرب. وفي قوله تعالى وليشهد عذابهما إلخ، ~~استحباب حضور جمع، عند جلدهما. وأقله أربعة عدد شهود الزنى. وقيل: عشرة، ~~وقيل ثلاثة وقيل: اثنان. انتهى. # وتقدم عن ابن جرير أن الطائفة تصدق بالواحد، لغة. فتذكر. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 3] # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين (3) # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين. # لما أمر الله بعقوبة الزانيين، حرم مناكحتهما على المؤمنين، هجرا لهما ~~ولما معها من الذنوب كقوله: والرجز فاهجر [المدثر: 5] ، وجعل مجالس فاعل ~~ذلك المنكر، مثله بقوله: إنكم إذا مثلهم [النساء: 140] ، وهو زوج له قال ~~تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] ، أي عشراءهم وأشباههم. # ولهذا يقال: (المستمع شريك المغتاب) ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم ~~يشربون الخمر. وكان فيهم جليس لهم صائم، فقال ابدءوا به في الجلد ألم يسمع ~~قول الله تعالى ms3438 فلا تقعدوا معهم [النساء: 140] ، فإذا كان هذا في المجالسة ~~والعشرة العارضة حين فعلهم المنكر، يكون مجالسهم مثلا لهم، فيكف بالعشرة ~~الدائمة: # (والزوج) يقال له: العشير. كما # في الحديث «1» # (ويكفرن العشير) # وأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك. أما المشرك فلا إيمان له يزجره ~~عن الفواحش ومجامعة أهلها. وأما الزاني ففجوره يدعوه إلى ذلك، وإن لم يكن ~~مشركا. وفيها دليل على أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان. وإن لم يكن مشركا ~~كما # في الصحيح (لا يزني PageV07P322 # الزاني حين يزني وهو مؤمن) # وذلك أنه أخبر أنه لا ينكح الزانية إلا زان أو مشرك. ثم قال تعالى وحرم ~~ذلك على المؤمنين فعلم أن الإيمان يمنع منه. وأن فاعله إما مشرك وإما زان، ~~ليس من المؤمنين الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك. وذلك أن المزاناة فيها فساد ~~فراش الرجل وفي مناكحتها معاشرة الفاجرة دائما. والله قد أمر بهجر السوء ~~وأهله ما داموا عليه. وهذا موجود في الزاني. فإنه إن لم يفسد فراش امرأته ~~كان قرين سوء لها، كما قال الشعبي: من زوج كريمته من فاسق، فقد قطع رحمها. ~~وهذا مما يدخل على المرأة ضرارا في دينها ودنياها. فنكاح الزانية أشد من ~~جهة الفراش. # ونكاح الزاني أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم. فتبقى المرأة الحرة ~~العفيفة في أسر الفاجر الزاني الذي يقصر في حقوقها، ويعتدي عليها، ولهذا ~~اتفقوا على اعتبار الكفاءة في الدين، وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة. ~~واختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك. فإن من نكح زانية فقد رضي لنفسه بالقيادة ~~والدياثة. ومن نكحت زانيا فهو لا يحصن ماءه، بل يضعه فيها وفي غيرها من ~~البغايا. فهي بمنزلة المتخذة خدنا. فإن مقصود النكاح حفظ الماء في المرأة. ~~وهذا لا يحفظ ماءه. والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير ~~مسافحين، فقال: وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير ~~مسافحين [النساء: 24] ، وهذا مما لا ينبغي إغفاله. فإن القرآن قد قصه وبينه ~~بيانا مفروضا. كما قال تعالى: سورة أنزلناها ms3439 وفرضناها فأما تحريم نكاح ~~الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء. وفيه آثار عن السلف. وليس مع من أباحه ما ~~يعتمد عليه، وقد ادعى بعضهم أنها منسوخة بقوله: # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24] ، وزعموا أن البغي ~~من المحصنات. وتلك حجة عليهم، فإن أقل ما في الإحصان العفة. وإذا اشترط فيه ~~الحرية، فذاك تكميل للعفة والإحصان. ومن حرم نكاح الأمة لئلا يرق ولده، ~~فكيف يبيح البغي الذي يلحق به من ليس بولده؟ وأين فساد فراشه من رق ولده؟ ~~وكذلك من زعم أن النكاح هنا هو الوطء وهذا حجة عليهم. فمن وطئ زانية أو ~~مشركة بنكاح، فهو زان. وكذلك من وطئها زان. فإن ذم الزاني بفعله الذي هو ~~الزنى. حتى لو استكرهها أو استدخلت ذكره وهو نائم كانت العقوبة للزاني دون ~~قرينه. والمقصود أن الآية تدل على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة. ~~وأن ذلك حرام على المؤمنين. وليس هذا مجرد كونه فاجرا، بل لخصوصية كونه ~~زانيا. وكذلك في المرأة. ليس بمجرد فجورها، بل لخصوص زناها، بدليل أنه جعل ~~المرأة زانية إذا تزوجت زانيا كما جعله زانيا إذا تزوج زانية. وهذا إذا ~~كانا مسلمين يعتقدان تحريم # PageV07P323 # الزنى. وإلا إن كانا مشركين، فينبغي أن يعلم ذلك. ومضمونه أن الزاني لا ~~يجوز إنكاحه حتى يتوب. وذلك يوافق اشتراطه الإحصان، والمرأة الزانية لا ~~تحصن فرجها. # ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه. فمن نكح زانية فهو زان، أي ~~تزوجها. # ومن نكحت زانيا فهي زانية، أي تزوجته. فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم ~~على الزواني، فتكون خدنا له لا يأتي غيرها، فإن الرجل إذا كان زانيا لا يعف ~~امرأته فتتشوق إلى غيره فتزني كما هو الغالب على نساء الزاني ومن يلوط ~~بالصبيان. فإن نساءهم يزنين ليقضين إربهن وليراغمن أزواجهن. ولهذا يقال: ~~عفوا تعف نساؤكم. وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم. فكما تدين تدان، والجزاء من ~~جنس العمل، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. فإن الرجل إذا رضي أن ينكح ~~زانية، رضي بأن تزني امرأته. # والله ms3440 سبحانه قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة. فأحدهما يحب لنفسه ما يحب ~~للآخر. فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت عمله، وكذلك الرجل. ومن ~~رضي بالزنى فهو بمنزلة الزاني، فإن أصل الفعل هو الإرادة. ولهذا في الأثر ~~«1» من غاب عن معصية فرضيها كان كمن شهدها. # وفي الحديث «2» # «المرء على دين خليله» # وأعظم الخلة خلة الزوجين. وأيضا، فإن الله تعالى جعل في نفوس بني آدم من ~~الغيرة ما هو معروف فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته، أعظم من غيرته على ~~نفسه أن يزني. فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغيا وهو ديوثا، كيف يكره أن ~~يكون هو زانيا؟ ولهذا لم يوجد من هو ديوث أو قواد يعف عن الزنى، فإن الزنى ~~له شهوة في نفسه. والديوث له شهوة في زنى غيره. فإذا لم يكن معه إيمان يكره ~~من زوجته ذلك، كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنى؟ فمن استحل أن يترك ~~امرأته تزني، استحل أعظم الزنى. ومن أعان على ذلك فهو كالزاني. ومن أقر ~~عليه، مع إمكان تغييره، فقد رضيه. ومن تزوج غير تائبة فقد رضي أن تزني. إذ ~~لا يمكنه منعها. فإن كيدهن عظيم. ولهذا جاز له، إذا أتت بفاحشة مبينة، أن ~~يعضلها لتفتدي. لأنها بزناها طلبت الاختلاع منه وتعرضت لإفساد نكاحه. فإنه ~~لا يمكنه المقام معها حتى تتوب. ولا يسقط المهر بمجرد زناها. كما دل عليه # قوله «3» صلى الله عليه وسلم للملاعن «لما قال مالي» قال: لا مال لك ~~عندها إن كنت صادقا فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت PageV07P324 # كاذبا عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها لأنها إذا زنت قد تتوب. لكن زناها ~~يبيح إعضالها حتى تفتدي إن اختارت فراقه، أو تتوب. # وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته، إلا إذا أعجبه ذلك الغير. فلا ~~يزال يزني بما يعجبه، فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة. لا هي أيم ولا ذات زوج. ~~فيدعوها ذلك إلى الزنى، ويكون الباعث لها مقابلة زوجها على وجه القصاص. ~~فإذا كان من العادين لم ms3441 يكن قد أحصن نفسه. # وأيضا فإن داعية الزاني تشتغل بما يختاره من البغايا، فلا تبقى داعيته ~~إلى الحلال تامة، ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة، فتكون عنده كالزانية ~~المتخذة خدنا، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها. وعلى هذا، فالمساحقة ~~زانية، كما # في الحديث: (زنى النساء سحاقهن) # والذي يعمل عمل قوم لوط زان، فلا ينكح إلا زانية أو مشركة. ولهذا يكثر في ~~نساء اللوطية من تزني، وربما زنت بمن يتلوط به مراغمة له وقضاء لوطرها. ~~وكذلك المتزوجة بمخنث ينكح كما تنكح، هي متزوجة بزان، بل هو أسوأ الشخصين ~~حالا. فإنه مع الزنى صار ملعونا على نفسه للتخنيث، غير اللعنة التي تصيبه ~~بعمل قوم لوط. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط. وفي ~~الصحيح «1» أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وكيف يجوز ~~لها أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره؟ فهو يؤتى كما تؤتى المرأة. ~~وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزاني بغير امرأته عنها. فإذا لم ~~يكن له غيرة على نفسه، ضعفت غيرته على امرأته وغيرها. ولهذا يوجد من كان ~~مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله، والمرأة إذا رضيت ~~بالمخنث واللوطي، كانت على دينه، فتكون زانية، وأبلغ. فإن تمكين المرأة من ~~نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه. فإذا رضيت ذلك من زوجها رضيته من ~~نفسها. # ولفظ الآية الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك يتناول هذا كله بطريق عموم اللفظ، أو بطريق التنبيه. وفحوى ~~الخطاب الذي هو أقوى من مدلول اللفظ. وأدنى من ذلك أن يكون بطريق القياس، ~~كما بيناه في حد اللوطي وغيره. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله. وكله تأييد ~~لما ذهب إليه الإمام أحمد من أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة ~~البغي، ما دامت كذلك، فإن تابت صح العقد عليها، وإلا فلا. وكذلك لا يصح ~~تزويج المرأة الحرة PageV07P325 # العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب ms3442 توبة صحيحة. لقوله تعالى وحرم ~~ذلك على المؤمنين كما فضله تقي الدين. # وقد روى هنا الحافظ ابن كثير آثارا مرفوعة وموقوفة، كلها مؤكدة لهذا. ثم ~~قال بعدها: فأما الحديث الذي # رواه النسائي «1» عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن عندي امرأة من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس. قال. # (طلقها) قال: لا صبر لي عنها. قال (استمتع بها) # . فقال النسائي: هذا الحديث غير ثابت. وعبد الكريم أحد رواته ضعيف الحديث ~~ليس بالقوي. وقال الإمام أحمد: هو حديث منكر. وقال ابن قتيبة: إنما أراد ~~أنها سخية لا تمنع سائلا. وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم. فقال: وقيل: ~~سخية تعطي. ورد هذا بأنه لو كان المراد لقال: # لا ترد يد ملتمس. وقيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد ~~أن هذا واقع منها، وأنها تفعل الفاحشة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا، وقد ~~تقدم الوعيد على ذلك. ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا ~~مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بفراقها. فلما ذكر أنه يحبها أباح البقاء معها. لأن محبته لها محققة. ووقوع ~~الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل للتوهم الآجل. والله أعلم. ~~انتهى. ### | لطيفة: # سر تقديم (الزانية) في الآية الأولى و (الزاني) في الثانية: أن الأولى في ~~حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع. والثانية ~~في نكاح الزناة إذا وقع ذلك على الصحة. والأصل في النكاح الذكور، وهم ~~المبتدئون بالخطبة، فلم يسند إلا لهم، لهذا وإن كان الغرض من الآية تنفير ~~الأعفاء من الذكور والإناث، من مناكحة الزناة ذكورا وإناثا، زجرا لهم عن ~~الفاحشة، ولذلك قرن الزنى والشرك. ومن ثم كره مالك رحمه الله مناكحة ~~المشهورين بالفاحشة، وقد نقل أصحابه الإجماع في المذهب على أن للمرأة أو ~~لمن ms3443 قام من أوليائها فسخ نكاح الفاسق. ومالك أبعد الناس من اعتبار الكفاءة ~~إلا في الدين. وأما في النسب فقد بلغه أنهم فرقوا بين عربية ومولى، ~~فاستعظمه وتلا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] ، انتهى كلام ~~الناصر في (الانتصاف) ومراد السلف بالكراهة، ما تعرف بالكراهة التحريمية. ~~فيقرب بذلك مذهب المالكية. PageV07P326 # ثم بين تعالى حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، بقوله ~~سبحانه وتعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 4 الى # 5] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # والذين يرمون أي يقذفون بالزنى المحصنات أي المسلمات الحرائر العاقلات ~~البالغات العفيفات عن الزنى ثم لم يأتوا بأربعة شهداء أي يشهدون على ما ~~رموهن به فاجلدوهم ثمانين جلدة أي كل واحد من الرامين. وتخصيص النساء لخصوص ~~الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع. وإلا فرق فيه بين الذكر والأنثى ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا أي في أي واقعة كانت، لظهور كذبهم وأولئك هم ~~الفاسقون أي لخروجهم عما وجب عليهم من رعاية حقوق المحصنات إلا الذين تابوا ~~من بعد ذلك أي القذف وأصلحوا أي أعمالهم فإن الله غفور رحيم أي بقبول ~~توبتهم وعفوه عنهم. ### | تنبيهات: # الأول: قال ابن تيمية: ذكر تعالى عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم يقيدهم ~~بكونهم (منا) ولا (ممن نرضى) ولا (من ذوي العدل) ولهذا تنازعوا: هل شهادة ~~الأربعة التي لا توجب الحد مثل شهادة أهل الفسوق؟ هل تدرأ الحد عن القاذف؟ # على قولين: أحدهما تدرأ كشهادة الزوج على امرأته أربعا. فإنها تدرأ حد ~~القذف ولا توجب الحد على المرأة. ولو لم تشهد المرأة، فهل تحد أو تحبس حتى ~~تقر أو تلاعن، أو يخلى سبيلها؟ فيه نزاع. فلا يلزم من درء الحد عن القاذف، ~~وجوب حد الزنى فإن كلاهما حد. والحدود تدرأ بالشبهات. وأربع شهادات ms3444 للقاذف ~~شبهة قوية، ولو اعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلاثا درئ الحد عن القاذف ~~ولم يجب الحد عليه عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن، مثل أن يكون ~~مشهورا بالفاحشة، لم يحد قاذفه حد القذف. ولم يحد هو حد الزنى بمجرد ~~الاستفاضة. وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد. ولا يقام حد الزنى على مسلم ~~إلا بشهادة مسلمين. لكن يقال لم يقيدهم بالعدالة، وقد أمرنا الله أن نحمل ~~الشهادة المحتاج # PageV07P327 # إليها لأهل العدل والرضا وهم الممتثلون ما أمر الله به بقوله: كونوا ~~قوامين بالقسط [النساء: 135] الآية، وقوله: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى # [الأنعام: 152] ، وقوله: ولا تكتموا الشهادة [البقرة: 283] ، وقوله: ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282] ، وقوله والذين هم بشهاداتهم قائمون ~~[المعارج: 33] ، فهم يقومون بها بالقسط لله، فيحصل مقصود الذي استشهدوه. # والوجه الثاني- كون شهادتهم مقبولة لأنهم أهل العدل والرضا. فدل على وجوب ~~ذلك في القبول والأداء. وقد نهى الله سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله: # إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] الآية. لكن هذا نص في أن الفاسق ~~الواحد يجب التبين في خبره. وأما الفاسقان فصاعدا. فالدلالة عليه تحتاج إلى ~~مقدمة أخرى، وما ذكره من عدد الشهود لا يتعين في الحكم باتفاق العلماء في ~~مواضع. وعند الجمهور يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك. # ويحكم بشاهد ويمين كما مضت بذلك السنة. ويدل على هذا أن الله لم يعتبر ~~عند الأداء هذا القيد، لا في آية الزنى، ولا في آية القذف. بل قال: ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد، ولم ~~يأمر به عند خبر الفاسقين. فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه ~~خبر الواحد. ولهذا قال العلماء: إذا استراب الحاكم في الشهود، فرقهم وسألهم ~~عما تبين به اتفاقهم واختلافهم. انتهى. # الثاني: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : ذهب الجمهور إلى أن شهادة ~~القاذف بعد التوبة تقبل. ويزول عنه اسم الفسق. سواء كان بعد إقامة الحد أو ~~قبله، ms3445 لقوله تعالى: إلا الذين تابوا روى البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية: ~~فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل. وتأولوا قوله تعالى أبدا على أن المراد ~~ما دام مصرا على قذفه. لأن (أبد كل شيء) على ما يليق به. كما لو قيل: لا ~~تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن المراد ما دام مصرا على الكفر. وبالغ الشعبي ~~فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد عليه، سقط عنه. وذهبت الحنفية إلى أن ~~الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة. # فإذا تاب سقط عنه اسم الفسق، وأما شهادته فلا تقبل أبدا. وقال بذلك بعض ~~التابعين. انتهى. # قال الزمخشري: والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها، أن تكون الجمل الثلاث ~~بمجموعهن جزاء الشرط. كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم، وردوا # PageV07P328 # شهادتهم وفسقوهم. أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا ~~عن القذف وأصلحوا، فإن الله يغفر لهم، فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ~~ولا مفسقين. انتهى. # وأخرج البخاري في صحيحه في (كتاب الشهادات) في باب شهادة القاذف والسارق ~~والزاني، عن عمر رضي الله عنه أنه جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا، بقذف ~~المغيرة بالزنى، لما شهدوا بأنهم رأوه متبطن المرأة. ولم يبت زياد الشهادة. # ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وفي رواية قال لهم: من أكذب نفسه ~~قبلت شهادته فيما يستقبل. ومن لم يفعل، لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ~~ونافع. وأبى أبو بكرة أن يرجع. # قال المهلب: يستنبط من هذا أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرطا في قبول توبته. ~~لأن أبا بكرة لم يكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا بها. # الثالث: قال الرازي: اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون؟ # قال الشافعي رحمه الله: التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. # فقال الإصطخري: يقول كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله. وقال أبو إسحاق: لا ~~يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا فيكون قوله (كذبت) كذبا، والكذب معصية، ~~والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل. ندمت ~~على ms3446 ما قلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه. # الرابع: قال الرازي في قوله تعالى: وأصلحوا قال أصحابنا: إنه بعد التوبة، ~~لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحل، حتى تقبل شهادته وتعود ولايته. ثم ~~قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة، التي تتغير فيها ~~الأحوال والطباع. # كما يضرب للعنين أجل سنة. وقد علق الشرع أحكاما بالسنة من الزكاة والجزية ~~وغيرهما. انتهى. # وقال الغزالي في (الوجيز) : يكفيه أن يقول: تبت ولا أعود. إلا إذا أقر ~~على نفسه بالكذب، فهو فاسق، يجب استبراؤه ككل فاسق يقول: تبت. فإنه لا يصدق ~~حتى يستبرأ مدة فيعلم بقرائن الأحوال صلاح سريرته. انتهى. # وبه يعلم أن التقدير بسنة لا دليل عليه، بل المدار على علم صلاحه وظهور ~~استقامته، ولو على أثر الحد. # PageV07P329 # قال الحافظ ابن حجر: روى سعيد بن منصور من طريق حصين بن عبد الرحمن قال: ~~رأيت رجلا جلد حدا في قذف بالزنى. فلما فرغ من ضربه أحدث توبة. فلقيت أبا ~~الزناد فقال لي: الأمر عندنا بالمدينة إذا رجع القاذف عن قوله، فاستغفر ~~ربه، قبلت شهادته وعلقه البخاري. # الخامس: ننقل هنا ما أجمله السيوطي في (الإكليل) مما يتعلق بأحكام الآية. # قال رحمه الله: في هذه الآية تحريم القذف، وأنه فسق، وأن القاذف لا تقبل ~~شهادته، وأنه يجلد ثمانين إذا قذف محصنة أي عفيفة. ومفهومه أنه إذا قذف من ~~عرفت بالزنى لا يحد للقذف. ويصرح بذلك قوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وفيها ~~أن الزنى لا يقبل فيه إلا أربعة رجال، لا أقل. ولا نساء. وسواء شهدوا ~~مجتمعين أو متفرقين. واستدل بعموم الآية من قال: يحد العبد أيضا ثمانين. ~~ومن قال: يحد قاذف الكافر والرقيق وغير البالغ والمجنون وولده. واحتج بها ~~على أن من قذف نفسه ثم رجع لا يحد لنفسه. لأنه لم يرم أحدا واستدل بها من ~~قال: إن حد القذف من حقوق الله، فلا يجوز العفو عنه. انتهى. # ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تحقيقا في بحث قبول الشهادة ~~بعد ms3447 التوبة، جديرا بأن يؤثر. قال رحمه الله: وقوله تعالى ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا نص في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم أبدا. واحدا كانوا أو ~~عددا. بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل، لأنها نزلت في أهل ~~الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير. وكان الذين قذفوا عائشة ~~عددا، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت صحبة صفوان بن المعطل، بعد قفول ~~العسكر، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت، فرفعوا هودجها معتقدين أنها ~~فيه لخفتها، ولم تكن فيه. # فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها. وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش. # فلما رآها أعرض بوجهه عنها وأناخ راحلته حتى ركبتها. ثم ذهب إلى العسكر ~~فكانت خلوته بها للضرورة. كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر ~~الهجرة مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة، وقصة عائشة. # ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين. ودلت ~~الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب الجمهور. فإنه كان من ~~جملتهم مسطح وحسان وحمنة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد شهادة أحد ~~منهم، ولا المسلمون بعده لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها. ومن لم ~~يتب حينئذ، فإنه # PageV07P330 # كافر مكذب بالقرآن. وهؤلاء ما زالوا مسلمين. وقد نهى الله عن قطع صلتهم. ~~ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة. # وقصة عائشة أعظم من قصة المغيرة. لكن من رد شهادة القاذف بعد التوبة ~~يقول: # أرد شهادة من حد في القذف. وهؤلاء لم يحدوا. والأولون يجيبون بأجوبة: ~~أحدها- أنه قد روي في السنن أنهم حدوا. الثاني أن هذا الشرط غير معتبر في ~~ظاهر القرآن، وهم لا يقولون به. الثالث- أن الذين اعتبروا الحد واعتبروه ~~وقالوا: قد يكون القاذف صادقا وقد يكون كاذبا. فإعراض المقذوف عن طلب الحد ~~قد يكون لصدق القاذف. فإذا طلبه ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه. ~~ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ms3448 ظهور كذب كل أحد. فإن الله ~~عز وجل هو الذي برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سموات يتلى، فإذا كانت ~~شهادتهم مقبولة، فغيرهم أولى. وقصة عمر التي حكم فيها بين المهاجرين ~~والأنصار، في شأن المغيرة، دليل على الفصلين جميعا. لما توقف الرابع فجلد ~~الثلاثة دونه ورد شهادتهم لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل شهادتهما. ~~والثالث، وهو أبو بكرة، مع كونه من أفضلهم، لم يتب فلم يقبل المسلمون ~~شهادته. وقد قال عمر: تب أقبل شهادتك. لكن إذا كان القرآن قد بين أنهم إن ~~لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا، ثم قال بعد ذلك وأولئك هم ~~الفاسقون إلا الذين تابوا فمعلوم أن قوله هم الفاسقون وصف ذم لهم زائد على ~~رد الشهادة. # وأما تفسير العدالة فإنها الصلاح في الدين والمروءة. وإذا وجد هذا في شخص ~~كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين، وأما أنه لا يستشهد أحد في وصية ولا ~~رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة، فليس في كتاب الله ~~وسنة رسوله ما يدل على ذلك، بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء ~~الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها. ومن كان كذلك كان من أولياء الله ~~المتقين. # ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها، بل قد ~~يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه إلا الله، مما يكون ~~تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنى ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته، ~~إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل ~~الواجبات، وليس الأمر كذلك في الشريعة. وبالجملة، فهذا معتبر في باب الثواب ~~والعقاب والمدح والذم والموالاة والمعاداة، وهذا أمر عظيم. وباب الشهادة ~~مداره على أن يكون الشهيد مرضيا، أو يكون ذا عدل بتحري القسط والعدل في ~~أقواله وأفعاله. والصدق # PageV07P331 # في شهادته وخبره. وكثيرا ما يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات. ~~كما أن الصفات التي اعتبروها كثيرا ما توجد بدون هذا كما قد رأينا ms3449 كل واحد ~~من الصنفين كثيرا. لكن يقال: إن ذلك مظنة الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ~~ودليل عليها وعلامة لها. # فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث «1» المتفق على صحته «عليكم ~~بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة..» الحديث. # فالصدق مستلزم للبر، كما أن الكذب مستلزم للفجور. فإذا وجد الملزوم، وهو ~~تحري الصدق، وجد اللازم وهو البر. وإذا انتفى اللازم وهو البر انتفى ~~الملزوم وهو الصدق. وإذا وجد الكذب وهو الملزوم وجد الفجور وهو اللازم. ~~وإذا انتتفى اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم وهو الكذب، ولهذا يستدل بعدم ~~بر الرجل على كذبه. وبعدم فجوره على صدقه. فالعدل الذي ذكروه من انتفى ~~فجوره. وهو إتيان الكبيرة والإصرار على الصغيرة. وإذا انتفى ذلك فيه، انتفى ~~كذبه الذي يدعوه إلى الفجور. والفاسق هو من عدم بره، وإذا عدم بره عدم ~~صدقه. ودلالة هذا الحديث مبنية على أن الداعي إلى البر يستلزم البر، ~~والداعي إلى الفجور يستلزم الفجور. فالخطأ كالنسيان والعمد كالكذب. انتهى. # ثم بين تعالى حكم الرامين لأزواجهم خاصة، بعد بيان حكم الرامين بغيرهن، ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 6 الى # 7] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين (7) # والذين يرمون أزواجهم أي بالزنى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنى ~~والخامسة أي والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين أي فيما رماها به من الزنى. فيسقط عنه حد القذف، ويجب عليها الحد ~~وهو الرجم. إلا إن لاعنت أيضا. كما قال سبحانه: PageV07P332 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 8 الى 10] # ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وأن ms3450 الله تواب حكيم (10) # ويدرؤا عنها العذاب أي الدنيوي وهو الرجم أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين أي فيما رماها به من الزنى والخامسة أن غضب الله عليها إن كان ~~أي الزوج من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم أي ~~لحرجتم وشق عليكم كثير من أموركم، ولكن لرحمته ولطفه، شرع لكم من الفرج ~~والمخرج، ما أنزله وأحكمه. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، ~~إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز ~~وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم ~~أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها ~~به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك ~~بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه ~~أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى. ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن ~~تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. # الثاني- # روي في الصحيح «1» # أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وأن رجلا قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف ~~يفعل؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قضى الله فيك وفي امرأتك. ~~وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. # فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح الصحيح في معنى ما ~~روي من أنها نزلت فيهما معا. PageV07P333 # وإذا راجعت ما كتبناه في (المقدمة) في معنى سبب النزول، زال الإشكال ~~فارجع إليه. # الثالث- قال السيوطي في (الإكليل) : هذه الآية أصل في اللعان،. ففيها أن ~~شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد ~~وأمته. واستدل بعمومها من ms3451 قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب ~~والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. ~~واستدل بقوله: # ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها ~~وبقوله فشهادة أحدهم من قال: إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله أربع شهادات ~~بالله إلخ فيه أن صيغته أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال ~~أشهد (بأحلف أو أقسم ونحوه) أو الله (بالرحمن ونحوه) أو زاد (بعلم الله ~~ونحوه) ومن لم يوجب زيادة (الذي لا إله إلا هو) ومن لم يجز إسقاط (إني لمن ~~الصادقين) ولا أبدلها (بما كذبت عليها ونحوه) ولا الاكتفاء بدون أربع، ~~خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة، ~~أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى: ويدرؤا عنها العذاب الآية، فيه ~~أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وأن لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد ~~بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إلخ. وفيه أيضا أنه لا ~~يجوز لها أن تبدل أشهد (بأحلف) أو الغضب (باللعنة) إلى آخر ما تقدم. واستدل ~~به على أنه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. # الرابع: اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان: جلد ورجم. فالجلد حد البكرين ~~الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة، وتغريب ~~الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. # والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية ~~والدخول في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة ~~تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في (الوجيز) وقد اعترض جماعة ~~الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا: إن الله لم يأمر به في كتابه ~~العزيز. # فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله تعالى: واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، ms3452 فإن شهدوا فأمسكوهن ~~في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. والذان يأتيانها منكم # PageV07P334 # فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما # [النساء: 15- 16] ، وهذا الحكم قد نسخ- أي بين- بالحكم الثاني وهو قوله ~~تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة ~~من المؤمنين [النور: 2] ، هذه حجة الخوارج. أما حجة الإجماع فهي ورود ~~الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن، ~~وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا ~~في كتاب (المقابلات) وسبقه الرازي في (تفسيره) فطول النفس في سوق شبهة ~~الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه: أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها ~~الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. # فأولى بالمتواتر. وثانيا- قال- إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب ~~تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك ~~الآيات. انتهى. # قال صاحب (المقابلات) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في ~~أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية ~~في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان ~~إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي ~~اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار. أما حكم الزنى في القوانين الحديثة ~~فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى ~~كلامه. # وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. # التنبيه الرابع: من مباحث اللفظ في الآية أن يقال: قد وردت الفاصلة في ~~غير هذا الموضع ب (تواب رحيم) فعلام فصلت هنا ب (تواب حكيم) مع أن التوبة ~~مع الرحمة، فيما يظهر؟ (والجواب) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة ~~التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت ~~هذه الآية ب (تواب حكيم) إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب ~~المعصية، وبين ms3453 الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن ~~الأثير في (المثل السائر) . # ثم أشار تعالى إلى نبأ الإفك، وتبرئة عائشة رضي الله عنها، بقوله سبحانه: # PageV07P335 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 11] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) # إن الذين جاؤ بالإفك أي بأبلغ ما يكون من الكذب، وقيل هو البهتان لا تشعر ~~به حتى يفجأك. والمراد به ما أفك به الصديقة، أم المؤمنين رضي الله عنها؟ # فاللام للعهد ويجوز حمله على الجنس. قيل: فيفيد القصر، كأنه لا إفك إلا ~~هو. وفي لفظ (المجيء) إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون ~~له أصل عصبة منكم أي جماعة منكم، خبر (إن) و (منكم) نعت لها. وبه أفاد ~~الخبر. # وقوله تعالى: لا تحسبوه شرا لكم مستأنف، والهاء ضمير الإفك أو القذف. # والخطاب لرسول الله صلوات الله عليه، ولآل الصديق رضي الله عنهم، ولمن ~~ساءه ذلك من المؤمنين. تسلية لهم من أول الأمر. وقوله تعالى: بل هو خير لكم ~~زيادة في التسلية والتكريم. أي لا تظنوه يلحق تهمة بكم أو يوقع نقيصة فيكم، ~~بل قد جر لكم خيرا عظيما. # قال الزمخشري: ومعنى كونه خيرا لهم، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم. ~~لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحدة ~~منها مستقلة، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، ~~وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم ~~في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه. وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم ~~القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها. لكل امرئ منهم ~~ما اكتسب من الإثم أي جزاؤه، وذلك الذم في الدنيا إلى يوم القيامة، والجلد ~~ثمانين. ولعذاب الآخرة أشد والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم أي ms3454 قام بعظمه ~~وإشاعته، بعد ابتدائه بالخوض فيه، وهو رأس المنافقين عبد الله بن أبي، ~~لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه ~~سبيلا إلى الغميزة. # روى الطبري عن ابن زيد قال: أما الذي تولى كبره فعبد الله بن أبي ابن ~~سلول الخبيث. هو الذي ابتدأ هذا الكلام وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى ~~أصبحت، ثم جاء يقود بها. والعذاب العظيم يعم عذابي الدارين، كما قلنا. # PageV07P336 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 12] # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ~~(12) # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا أي بالذين منهم من ~~المؤمنين والمؤمنات، كقوله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] ، قال ~~الشهاب: وهذا من بديع الكلام. وقد وقع في القرآن كثيرا. وهو بحسب الظاهر ~~يقتضي أن. كل واحد يظن بنفسه خيرا، وليس بمراد. بل أن يظن بغيره ذلك. # وتوجيهه أنه مجاز لجعله اتحاد الجنس كاتحاد الذات ولذا فسر قوله ولا ~~تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ، ب (لا تقتلوا من كان من جنسكم) أو يجعلهم ~~كنفس واحدة، فمن عاب مؤمنا فكأنما عاب نفسه، ويجوز أن يقدر فيه مضاف. أي: ~~ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر. وقال الكرماني # في حديث (أموالكم عليكم حرام) # إنه كقولهم (بنو فلان قتلوا أنفسهم) أي قتل بعضهم بعضا، مجازا أو إضمارا ~~للقرينة الصارفة عن ظاهره. و (لولا) تحضيضية بمعنى (هلا) وقالوا هذا إفك ~~مبين أي هذا الذي سمعناه، من رمي أم المؤمنين، إفك مبين جلي لمن عقل وفكر ~~فيه. قال العلامة الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل (لولا إذ سمعتموه ظننتم ~~بأنفسكم خيرا وقلتم) ؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة؟ وعن الضمير إلى ~~الظاهر؟ # قلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات. وليصرح بلفظ (الإيمان) دلالة ~~على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها، ~~قول عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه على أن حق المؤمن، إذا سمع قالة في أخيه، أن ~~يبني الأمر فيها على ms3455 الظن، لا على الشك. وأن يقول بملء فيه- بناء على ظنه ~~بالمؤمن الخير-: # هذا إفك مبين. هكذا باللفظ المصرح ببراءة ساحته. كما يقول المستيقن ~~المطلع على حقيقة الحال. وهذا يدل من الأدب الحسن الذي قل القائم به ~~والحافظ له. # وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بأخوات! انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 13] # لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) # لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله أي ~~في حكمه وشريعته المؤسسة على الدلائل الظاهرة المستيقنة هم الكاذبون أي # PageV07P337 # الكاملون في الكذب، المشهود عليهم بذلك. قال الزمخشري: وهذا توبيخ وتعنيف ~~للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره. واحتجاج عليهم بما هو ظاهر ~~مكشوف في الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة والتنكيل به، إذا قذف ~~امرأة محصنة من عرض نساء المؤمنين. فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، ~~حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبة حبيب الله؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 14] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) # ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم أي لعوجلتم بالعقاب، بسبب ما خضتم فيه من الإفك. ولكنه واسع ~~الفضل والرحمة. يمهل المذنب للتوبة، ويحلم عنه للأوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 15] # إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم (15) # إذ تلقونه أي وقت تلقي بعضكم من بعض بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم وتحسبونه هينا أي لا تبعة له ولا عقوبة على مشيعه وهو عند الله ~~عظيم أي والحال أنه عظيم في الوزر واستجرار العذاب. قال المهايمي: لأن ~~الجراءة على رسول الله وعلى أوليائه، تشبه الجراءة على الله تعالى. قال ~~الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله: بأفواهكم والقول لا يكون إلا ms3456 بالفم؟ قلت: ~~معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ~~ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم، ويدور في أفواهكم، من غير ترجمة عن علم به ~~في القلب. كقوله تعالى: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران: 167] ~~. انتهى. أي فالقيد ليس تأكيدا صرفا، (كنظر بعينه) بل ليفيد نفيه عما عداه. ~~وقيل إنه توبيخ، كما تقول (قاله بملء فيه) فإن القائل ربما رمز، وربما صرح ~~وتشدق. وقد قيل هذا في قوله: بدت البغضاء من أفواههم [آل عمران: 118] وقيل: ~~فائدته ألا يظن أنه كلام نفسي. فهو تأكيد لدفع المجاز. والسياق يقتضي ~~الأول. كذا في (العناية) . # PageV07P338 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 16] # ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ~~(16) # ولولا إذ سمعتموه قلتم أي تكذيبا لمشيعيه ما يكون لنا أي ما يصح لنا بوجه ~~ما أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم أي تنزيها لك، وبراءة إليك مما جاء ~~به هؤلاء. فإنه بهتان عظيم يستحيل صدقه. قال الزمخشري: كلمة (سبحانك) ~~للتعجب من عظم الأمر. فإن قلت: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ قلت: الأصل ~~في ذلك، أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه. ثم كثر حتى استعمل في كل ~~متعجب منه. أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه السلام فاجرة. ~~انتهى. # فعلى الأول، هو من المجاز المتفرع على الكناية، وهو كثير. وقد ذكره ~~النووي في (الأذكار) وكذا (لا إله إلا الله) تستعمل للتعجب أيضا. وأما ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التعجب فلم ترد ولم تسمع في ~~لسان الشرع. وقد صرح الفقهاء بالمنع. # وإنما وقع من العوام وبعض المحدثين كقوله: # فمن رأى حسنه المفدى ... في الحال صلى على محمد # وعلى الثاني، هو حقيقة. كذا في (العناية) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 17 الى 18] # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم ms3457 حكيم (18) # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين فإن الاتصاف بالإيمان ~~يصد عن كل مقبح ويبين الله لكم الآيات أي الدالة على الشرائع ومحاسن ~~الآداب، دلالة واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها. أي ينزلها كذلك مبينة، ظاهرة ~~الدلالة على معانيها والله عليم حكيم. # ثم أشار تعالى إلى تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فعلق بذهنه ~~منه شيء، ألا يتكلم به ولا يذيعه، بقوله سبحانه متوعدا: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 19] # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) # PageV07P339 # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي تنتشر الخصلة المفرطة في القبح، وهي ~~الفرية والرمي بالزنى ونحوه، كاللواط وما عظم فحشه في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا أي من الحد وغيره، مما يتفق من البلايا الدنيوية والآخرة أي ~~من عذاب النار والله يعلم أي ما في القلوب من الأسرار والضمائر وأنتم لا ~~تعلمون يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 20] # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم تكرير للمنة، بترك ~~المعاجلة بالعقاب، للدلالة على عظم الجريمة. وحذف الجواب وهو مستغني عنه ~~بذكره مرة. وهو (لمسكم) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 21 الى # 22] # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان أي بإشاعة الفاحشة ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ms3458 ورحمته ما ~~زكى أي ما طهر من دنسها منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء من عباده ~~بإلهامه التوبة والإنابة والله سميع عليم ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا ~~وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم. # قال الزمخشري: (يأتل) من (ائتلى) إذا حلف، افتعال من الألية وهو القسم ~~وقيل من قولهم (ما ألوت جهدا) إذا لم تدخر منه شيئا. ويشهد للأول قراءة ~~الحسن (ولا يتأل) والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين ~~للإحسان. أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم وبينهم شحناء ~~لجناية اقترفوها، # PageV07P340 # فليعودوا عليهم بالعفو والصفح. وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ~~ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم وسيأتي سبب نزولها فيمن عني بها. # ثم بين تعالى وعيد القاذفين للبريئات، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 23 الى 24] # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~(24) # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات أي العفائف عن الفاحشة، النقيات القلوب ~~عنها المؤمنات لعنوا في الدنيا بالذم والحد ورد الشهادة إلا إذا تابوا ~~والآخرة أي حيث يلعنهم ثمة الملائكة ومن شاء الله ولهم عذاب عظيم يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون أي يعترفون بها بإنطاق ~~الله تعالى إياها أو بظهور آثار ما عملوه عليها. بحيث يعلم من يشاهدهم ما ~~عملوه. # وذلك بكيفية يعلمها الله. فهو استعارة. ورجع الأول لقوله: قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء [فصلت: 21] ، فظاهره الحقيقة، وحمله على الثاني ~~بعيد. قيل: # سيأتي في (يس) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون [يس: 65] ، والختم على الأفواه ينافي شهادة الألسنة. والجواب ~~أن الختم على الأفواه معناه المنع عن التكلم بما يريده وينفعه، بحسب زعمه، ~~اختيارا. كالإنكار والاعتذار، أو أن هذا في حال، وذلك في حال، ms3459 أو كل منهما ~~في حق قوم غير الآخرين، أو هذا في حق القذفة، وذاك في حق الكفرة- وليس ~~بشيء- إذ لا منافاة فالسر في التصريح بالألسنة هنا، وعدم ذكرها هناك، أن ~~الآية لما كانت في حق القاذف بلسانه، وهو مطالب معه بأربعة شهداء، ذكر هنا ~~خمسة أيضا، وصرح باللسان الذي به عمله ليفضحه، جزاء له من جنس فعله. كذا في ~~(العناية) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 25] # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) # يومئذ أي يوم إذ تشهد عليهم بما ذكر يوفيهم الله دينهم أي جزاءهم الحق أي ~~الواجب الثابت ويعلمون أن الله هو الحق المبين أي المظهر للأمور كما هي في ~~أنفسها. ثم أشار تعالى إلى ما يؤكد التبرئة من شاهد العرف والعادة، في أنه ~~لا يضم الشكل إلا إلى شكله، ولا يساق الأهل إلا إلى أهله، بقوله سبحانه: # PageV07P341 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 26] # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # الخبيثات أي من النساء للخبيثين أي من الرجال والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أي بحيث لا يكاد يتجاوز كل واحد إلى ~~غيره. # و (الطيب) ضد الخبيث وهو الأفضل من كل شيء والأحسن والأجود. قال أبو ~~السعود: وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين، وخيرة ~~الأولين والآخرين، تبين كون الصديقة رضي الله عنها من أطيب الطيبات ~~بالضرورة. واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات، حسبما نطق به قوله ~~تعالى: أولئك مبرؤن مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم وهو الجنة. وبهذه ~~الآية تم نبأ أهل الإفك. # واعلم أن ما اشتملت عليه الآيات من الأحكام والفوائد والمطالب والآداب، ~~لا تفي بها مجلدات. إلا أنا نشير إلى شيء من ذلك، نقتبسه من أهم المراجع، ~~تتميما لما أجملناه في تأويلها. # فالأول: أن نبأ الإفك كان في غزوة المريسيع (تصغير مرسوع، بئر أو ماء ~~لخزاعة) وكانت في شعبان سنة خمس. وسببها ms3460 أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن ~~الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب ~~يريد حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمن معه من أصحابه. وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، ~~فأغار عليهم، فسبى ذراريهم وأموالهم. وكانت عائشة رضي الله عنها قد خرجت ~~معه، عليه الصلاة والسلام، في هذه الغزوة، بقرعة أصابتها وكانت تلك عادته ~~مع نسائه. فلما رجعوا من الغزوة، نزلوا في بعض المنازل. # فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقدا لأختها كانت إعارتها إياه. فرجعت تلتمسه ~~في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها. فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، ~~فظنوها فيه، فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت ~~فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها. وأيضا، فإن النفر لما تساعدوا ~~على حمل الهودج، لم ينكروا خفته. ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف ~~عليهما الحال. فرجعت عائشة إلى منزلهم وقد أصابت العقد، فإذا ليس لها داع ~~ولا مجيب. # فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها والله غالب على ~~أمره، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا ~~بقول # PageV07P342 # صفوان بن المعطل (بفتح الطاء المشددة سلمى ذكواني صحابي فاضل متقدم ~~الإسلام) : إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في ~~صحيح أبي حاتم وفي السنن. # فلما رآها عرفها. وكان يراها قبل نزول الحجاب. فاسترجع وأناخ راحلته، ~~فقربها إليها، فركبتها. وما كلمها كلمة واحدة. ولم تسمع منه إلا استرجاعه. ~~ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك ~~الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به. ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي ~~متنفسا. فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه. فجعل يستحكي الإفك ~~ويستوشيه ms3461 ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه. وكان أصحابه يتقربون إليه. فلما ~~قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ساكت لا يتكلم. ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه ~~أن يفارقها ويأخذ غيرها، تلويحا لا تصريحا. # وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء. فعلي، ~~لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس فأشار ~~بحسم الداء. وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، ~~وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها، ما هي فوق ذلك وأعظم منه، وعرف ~~من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه ~~أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته، من النساء وبنت صديقه بالمنزل الذي أنزلها ~~به أرباب الإفك. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه ~~من أن يجعل تحته امرأة بغيا. # وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز ~~عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا. # وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن ~~يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله. ومن قويت معرفة الله ومعرفة رسوله وقدره ~~عند الله في قلبه- قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ~~ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في ذلك ~~المقام، من المعرفة به وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم ~~الخلق عليه، امرأة خبيثة بغيا. # فمن ظن به سبحانه هذا الظن، فقد ظن به السوء. وعرف أهل المعرفة بالله ~~ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها. كما قال تعالى: الخبيثات ~~للخبيثين فقطعوا قطعا لا يشكون فيه، أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة. # فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه ms3462 وسلم توقف في أمرها وسأل عنها ~~وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده فيما يليق به. وهلا قال: سبحانك ~~هذا بهتان عظيم، كما قاله فضلاء الصحابة؟ فالجواب: أن هذا من تمام الحكم ~~الباهرة التي جعل الله # PageV07P343 # هذه القصة سببا لها، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع ~~الأمة إلى يوم القيامة. ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين. ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. واقتضى تمام ~~الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في ~~شأنها. لا يوحي إليه في ذلك بشيء ليتم حكمته التي قدرها وقضاها، ويظهر على ~~أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق ~~وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده. ويزداد المنافقون ~~إفكا ونفاقا. ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من ~~الصديقة وأبيها. وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن ~~أبيها، والافتقار إلى الله، والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له. ولينقطع ~~رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق. ~~ولهذا وقت لهذا المقام حقه، لما قال لها أبوها: قومي إليه، وقد أنزل الله ~~عليه براءتها، فقالت: # والله! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. # وأيضا، فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت وتمخضت واستشرفت ~~قلوب المؤمنين أعظم استشراف، إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها. # وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع. فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأهل بيته، والصديق، وأهله وأصحابه، والمؤمنون. فورد عليهم ~~ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه. فوقع منهم أعظم موقع وألطفه. ~~وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء. فلو أطلع الله رسوله على ~~حقيقة الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم ~~وأضعافها، بل أضعاف أضعافها. # وأيضا، فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عندهم، ~~وكرامتهم ms3463 عليه. وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع ~~والمنافحة عنه، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ~~ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحده المتولي لذلك، الثائر لرسوله وأهل بيته. # وأيضا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى. والتي ~~رميت زوجته فلم يكن يليق أن يشهد ببراءتها. مع علمه، أو ظنه الظن المقارب ~~للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وحاشاه وحاشاها. ولذلك لما استعذر من ~~أهل الإفك، # قال: من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي؟ والله! ما علمت على أهلي إلا ~~خيرا # . ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلا ~~معي. فكان عنده # PageV07P344 # من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين. ولكن لكمال ~~صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفى مقام الصبر والثبات وحسن ~~الظن بالله حقه. حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره وظهر ~~لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه. # ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح ~~بالإفك، فحدوا ثمانين ثمانين. ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي، مع أنه رأس ~~الإفك. فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة. والخبيث ليس أهلا لذلك. ~~وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل: بل كان ~~يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه وقيل: الحد ~~لا يثبت إلا بالإقرار أو بينة. وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه ~~إنما كان يذكر من أصحابه ولم يشهدوا عليه. ولم يكن يذكره بين المؤمنين. ~~وقيل: حد القذف حق الآدمي، لا يستوفي إلا بمطالبته: وإن قيل إنه حق لله فلا ~~بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي. وقيل: بل ترك حده لمصلحة ~~هي أعظم من إقامته. # كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا. وهي تأليف قومه ms3464 ~~وعدم تنفيرهم عن الإسلام. فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم. فلم يؤمن إثارة ~~فتنة في حده، ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ~~ثابت وحمنة بنت جحش. وهؤلاء من المؤمنين الصادقين، تطهيرا لهم وتكفيرا. ~~وترك عدو الله ابن أبي إذا فليس هو من أهل ذاك- هذا ما أفاده الإمام ابن ~~القيم رحمه الله في (زاد المعاد) وهو خلاصة الروايات في هذا الباب. # ثم قال رحمه الله: ومن تأمل قول الصديقة، وقد نزلت براءتها، فقال لها ~~أبوها: # قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله! لا أقوم إليه ولا ~~أحمد إلا الله- علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها. وإفراده ~~بالحمد في ذلك المقام، وتجديدها التوحيد، وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ~~ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له. ~~ولثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، قالت ما قالت. إدلالا ~~للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات ~~الإدلال، فوضعته موضعه. ولله! ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا ~~الله فإنه هو الذي أنزل براءتي. ولله! ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب ~~شيء إليها، ولا صبر لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا. ثم صادفت ~~الرضاء منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه، مع ~~شدة محبتها له. وهذا غاية الثبات والقوة. انتهى. # PageV07P345 # وطرق حديث الإفك متعددة عن أم المؤمنين عائشة وعن ابن الزبير وأم رومان ~~وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر. ورواه من التابعين عشرة كما في (فتح ~~الباري) وذلك في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها. ما بين مطول وموجز. ومن ~~الثاني ما # أخرجه الإمام «1» أحمد عن أم رومان قالت: بينا أنا عند عائشة، إذ دخلت ~~عليها امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل. فقالت عائشة: ولم؟ ~~قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث قالت: وأي حديث؟ قالت: كذا كذا. قالت: وقد ~~بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ms3465 قالت: نعم، قالت وبلغ أبا بكر؟ ~~قالت: نعم. فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها. فما أفاقت وإلا وعليها ~~حمى بنافض. قالت: فقمت فدثرتها. قالت: # فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: فما شأن هذه؟ فقلت: يا رسول الله ~~أخذتها حمى بنافض. قال: # فلعله في حديث تحدث به؟ قالت: فاستوت عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت ~~لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني. فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب ~~وبنيه حين قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف: 18] . # قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عذرها. فرجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر. فدخل فقال: يا عائشة! إن الله تعالى ~~قد أنزل عذرك. فقالت: بحمد الله لا بحمدك. فقال لها أبو بكر: تقولين هذا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. # قالت: وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل يعوله أبو بكر. فحلف ألا يصله. # فأنزل الله تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة [النور: 22] ، إلى ~~آخر الآية. فقال أبو بكر: بلى، فوصله. تفرد به البخاري «2» . # المطلب الثاني: قال في (الإكليل) في قوله تعالى إن الذين جاؤ بالإفك ~~[النور: 11] ، نزلت في براءة عائشة مما قذفت به. فاستدل بها الفقهاء على أن ~~قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن قال العلماء: قذف عائشة كفر. لأن الله سبح ~~نفسه عند ذكره. فقال: سبحانك هذا بهتان عظيم [النور: 16] ، كما سبح نفسه ~~عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد. وفي قوله تعالى: لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [النور: 12] ، تحريم ظن السوء، ~~وأنه لا يحكم بالظن. وإن من عرف بالصلاح لا يعدل به عنه لخبر مخبر. وأن ~~القاذف مكذب PageV07P346 # شرعا، ما لم يأت بالشهداء. وفي قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة [النور: 19] الآية، الحث على ستر المؤمن وعدم هتكه. أخرج ابن أبي ~~حاتم عن خالد بن معدان، قال من حدث بما أبصرت عيناه وسمعت أذناه فهو من ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في ms3466 الذين ءامنوا، وأخرج عن عطاء قال: من أشاع ~~الفاحشة فعليه النكال وإن كان صادقا. # وأخرج عن عبد الله بن أبي زكريا، أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل ~~يتكلم عنده في الرجل، فيشتهي ذلك ولا ينكر عليه. # وفي قوله تعالى: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة [النور: 22] الآية. # النهي عن الحلف ألا يفعل خيرا، وأن عن حلف من يمين فرأى غيرها خيرا منها، ~~يستحب له الحنث. وفيه الأمر بالعفو والصفح. # واستدل من ذهب إلى أن قوله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات [النور: 23] ~~الآية، نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، يقتل قاذفهن، إذا لم ~~يذكر له توبة، كما ذكرت في قاذف غيرهن في أول السورة انتهى. # وقال ابن كثير: ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله عنها، والصحيح ~~أن الآية عامة لكل المؤمنات، ويدخل فيهن أمهات المؤمنين دخولا أوليا، لا ~~سيما من كانت سبب نزولها، وهي عائشة. # قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة، على أن من سبها بعد ~~هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن. وفي بقية أمهات ~~المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي. والله أعلم. # الثالث- قال الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: الخبيثات للخبيثين الآية ~~أخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال الخبيثين. فلا تكون خبيثة لطيب. فإنه ~~خلاف الحصر. وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا يكون طيب لخبيثة، فإنه خلاف ~~الحصر. إذ قد ذكر أن جميع الخبيثات للخبيثين. فلا يبقى خبيثة لطيب ولا طيب ~~لخبيثة. # وأخبر أن جميع الطيبات للطيبين. فلا يبقى طيبة لخبيث. فجاء الحصر من ~~الجانبين، موافقا لقوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة [النور: 3] ~~الآية. ولهذا قال من قال من السلف (ما بغت امرأة نبي قط) فإن السورة نزل ~~صدرها بسبب أهل الإفك. # PageV07P347 # ولهذا لما صارت شبهة، استشار النبي صلى الله عليه وسلم في طلاقها. إذ لا ~~يصلح له أن تكون امرأته غير طيبة، # وقد روي «1» # أنه (لا يدخل الجنة ديوث) # وهو الذي يقر السوء في ms3467 أهله، ولهذا كانت الغيرة على الزنى مما يحبها الله ~~وأمر بها. حتى # قال النبي صلى الله عليه وسلم «2» : أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، ~~والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن،. ولهذا أذن ~~الله للقاذف إذا كان زوجا، أن يلاعن، لأجل ما أمر به من الغيرة، ولأنها ~~أفسدت فراشه، وإن حبلت من الزنى، فعليه اللعان، لئلا يلحق به من ليس منه # . ومضت السنة بالتفريق بينهما، سواء حصلت الفرقة بالتلاعن أو بحاكم أو ~~عند انقضاء لعان الزوج. لأن أحدهما ملعون أو خبيث. فاقترانهما يقتضي مقارنة ~~الخبيث للطيب. # وفي صحيح مسلم «3» من حديث عمران في الناقة التي لعنتها المرأة، أنه أمر ~~فأخذ ما عليها وأرسلت. وقال: لا تصحبنا ناقة ملعونة. ولما اجتاز بديار ثمود ~~قال «4» : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. لئلا يصيبكم ~~ما أصابهم # . فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب. # وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر ~~المعاصي. لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ويخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب ~~الله عز وجل، وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم، ماقتا لهم شانئا ما هم فيه ~~بحسب الإمكان. كما في قوله «5» : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إلخ. وقال ~~تعالى: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون [التحريم: 11] الآية، وكذلك ~~ما ذكره عن يوسف وعمله لصاحب مصر لقوم كفار. وذلك أن مقارنة الكفار إنما ~~يفعلها المؤمن في موضعين: أحدهما: أن يكون مكرها عليها. والثاني: أن يكون ~~في ذلك مصلحة دينية، راجحة على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة ~~راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة ~~الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة. وفي الحقيقة: المكره هو من يدفع الفساد ~~باحتمال أدناهما. # وهو الأمر الذي أكره عليه قال تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~PageV07P348 # [النحل: 106] ، وقال تعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء [النور: 33] ، ~~وقال تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ms3468 [النساء: 97] ، إلى ~~قوله: # غفورا وقال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان [النساء: 75] ، فقد دلت الآية على النهي عن مناكحة ~~الزاني، والمناكحة نوع خاص من المصاحبة. والمناكحة في أصل اللغة المجامعة. ~~فقلوبهما تجتمع إذا عقد النكاح بينهما، ويصير بينهما من التعاطف ما لم يكن ~~قبل ذلك. # حتى يثبت ذلك حرمة المصاهرة في غير الربيبة، بمجرد ذلك في التوارث وعدة ~~الوفاة وغير ذلك. وأوسط ذلك اجتماعهما خاليين في مكان واحد، وهو المعاشرة ~~المقررة للصداق، كما أفتى به الخلفاء. وآخر ذلك اجتماع المباضعة. وهذا، وإن ~~اجتمع بدون عقد نكاح، فهو اجتماع ضعيف، بل اجتماع القلوب أعظم من مجرد ~~اجتماع البدنين بالسفاح ودل قوله تعالى: الطيبات للطيبين على ذلك من جهة ~~المعنى ومن جهة اللفظ ودل أيضا على النهي عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم، كما ~~دل على هذا غير ذلك من النصوص. مثل قوله تعالى: احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم [الصافات: 22] . أي نظراءهم وأشباههم. والزواج أعم من النكاح ~~المعروف. قال تعالى: أو يزوجهم ذكرانا وإناثا [الشورى،: 50] ، وقال من كل ~~زوج بهيج [الحج: 5] ، وقال وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] ، وقال ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين [الذاريات: 49] ، وقال وخلقناكم أزواجا [النبأ: 8] . وقال: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم [التغابن: 14] ، وإن كان في الآية نص في ~~الزوجة التي هي الصاحبة وفي الولد منها. فمعنى ذلك: في كل مشابه ومقارن في ~~كل نوع وتابع وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~[الإسراء: 111] الآية. تبارك الذي نزل الفرقان على عبده [الفرقان: 1] ، ~~الآيتين. فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع طاعة الله على مراد ~~الله. # ويدل عليه # الحديث الذي في السنن (لا تصاحب إلا مؤمنا. ولا يأكل طعامك إلا تقي) «1» # وفيها (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) «2» # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد) «3» # إلى قوله PageV07P349 # (ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير) # والضفير الحبل وهذا أمر ببيعها ولو بأدنى ما يقابله. # قال أحمد: إن ms3469 لم يبعها كان تاركا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. والإماء ~~اللاتي يفعلن هذا، يكون عامتهن للخدمة. فكيف بأمة التمتع؟ وإذا وجب إخراج ~~الأمة الزانية عن ملكه، فكيف بالزوجة الزانية؟ والعبد نظير الأمة، بدليل # قوله «1» صلى الله عليه وسلم (لعن الله من آوى محدثا) # فهذا يوجب لعنة كل من آوى محدثا. سواء كان إحداثه بالزنى أو السرقة، أو ~~غير ذلك، وسواء كان الإيواء بملك اليمين، أو نكاح، أو غير ذلك، لأن أقل ما ~~فيه ترك إنكار المنكر. والمؤمن يحتاج إلى امتحان من يريد أن يصاحبه ~~ويقارنه، بالنكاح وغيره. قال تعالى: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~[الممتحنة: 10] ، وكذلك المرأة التي زنى بها الرجل، فإنه لا يتزوجها إلا ~~بعد التوبة في الأصح. كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار. لكن إذا أراد أن ~~يمتحنها. هل هي صحيحة التوبة؟ فقال ابن عمر: يراودها. فإن أجابته لم تصح ~~توبتها. وإن لم تجبه فقد تابت. ونص عليه أحمد. وقيل: هذا فيه طلب الفاحشة. ~~وقد تنقض التوبة. وقد تأمره نفسه بتحقيق ذلك. ويزين لهما الشيطان، لا سيما ~~إن كان يحبها وتحبه، وقد ذاقته وذاقها. ومن قال بالأول قال: الأمر الذي ~~يقصد به امتحانها، لا يكون أمرا بما نهى الله عنه. # ويمكنه أن لا يطلب الفاحشة بل يعرض. والتعريض للحاجة جائز بل واجب في ~~مواضع كثيرة. وأما نقضها، فإذا جاز أن تنقض التوبة معه، جاز أن تنقضها مع ~~غيره والمقصود أن تكون ممتنعة ممن يراودها. وأما تزيين الشيطان له الفعل. ~~فهذا داخل في كل أمر يفعله الإنسان من الخير يجد فيه محنة. فإذا أراد ~~المؤمن أن يصاحب أحدا، وقد ذكر عنه الفجور، وقيل إنه تاب، أو كان ذلك مقولا ~~صدقا أو كذبا، فإنه يمتحنه بما يظهر به بره وفجوره، وكذلك إذا أراد أن يولي ~~أحدا ولاية، امتحنه، كما أمر عمر بن عبد العزيز غلامه أن يمتحن ابن أبي ~~موسى، لما أعجبه سمته. فقال له: # قد علمت مكاني عند أمير المؤمنين. فكم تعطيني إذا أشرت عليه بولايتك؟ ~~فبذل له ms3470 مالا عظيما. فعلم أنه ليس ممن يصلح للولاية. وكذلك في المعاملات. ~~وكذلك الصبيان والمماليك الذين عرفوا، أو قيل عنهم الفجور، وأراد الرجل أن ~~يشتريه فإنه يمتحنه. ومعرفة أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس، وتارة ~~بالجرح والتعديل، وتارة بالاختبار والامتحان. PageV07P350 # ثم قال ابن تيمية رحمه الله وكما عظم الله الفاحشة، عظم ذكرها بالباطل- ~~وهو القذف. فقال بعد ذلك والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة [النور: 4] الآية. ثم ذكر رمي الرجل امرأته وما أمر ~~فيه من التلاعن. ثم ذكر قصة أهل الإفك وبين ما في ذلك من الخير للمقذوف، ~~وما فيه من الإثم للقاذف، وما يجب على المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن يظنوا ~~بإخوانهم من المؤمنين الخير، ويقولون: هذا إفك مبين. لأن دليله كذب ظاهر. ~~ثم أخبر أنه قول بلا حجة فقال: لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء. فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون [النور: 13] ، ثم أخبر أنه لولا فضله ~~عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا به. وقوله: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم [النور: 15] . فهذا بيان لسبب العذاب. وهو تلقي ~~الباطل بالألسنة، والقول بالأفواه. # وهما نوعان محرمان: القول بالباطل والقول بلا علم. ثم قال سبحانه: ولولا ~~إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [النور: # 16] . فالأول تحضيض على الظن الحسن، وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف. ففي ~~الأول قوله: اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم [الحجرات: 12] ، # وقوله صلى الله عليه وسلم «1» # (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) # وقوله: ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [النور: 12] ، دليل على حسن ~~مثل هذا الظن الذي أمر الله به # وفي الصحيح قوله «2» لعائشة (ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا) ~~؟ # فهذا يقتضي جواز بعض الظن، كما احتج البخاري بذلك، لكن مع العلم بما عليه ~~المرء المسلم من الإيمان الرادع له عن فعل الفاحشة، يجب أن يظن به الخير ~~دون الشر. # وفي الآية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان، ونهي ms3471 عن قول الإنسان ما ليس له ~~به علم، لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] ، والله جعل ~~في فعل الفاحشة والقذف من العقوبة، ما لم يجعله في شيء من المعاصي. لأنه ~~جعل فيه الرجم وقد رجم قوم لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة اللواط. وجعل ~~العقوبة على القاذف بها ثماني جلدة، والرمي بغيرها فيه الاجتهاد. ويجوز عند ~~بعض العلماء أن يبلغ الثمانين، كما # قال علي: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري # . وكما قال عبد الرحمن بن عوف: إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى. PageV07P351 # وحد الشرب ثمانون، وحد المفتري ثمانون. وقوله تعالى: إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة [النور: 19] ~~. # وهذا ذم لمن يحب ذلك. وذلك يكون بالقلب فقط، ويكون مع ذلك باللسان ~~والجوارح. وهو ذم لمن يتكلم بها أو يخبر بها. محبة لوقوعها في المؤمنين، ~~إما حسدا أو بغضا، أو محبة للفاحشة. فكل من أحب فعلها، ذكرها. وكره العلماء ~~الغزل من الشعر الذي يرغب فيها. وكذلك ذكرها غيبة محرم، سواء كان بنظم أو ~~نثر. # وكذلك التشبه بمن يفعلها، منهي عنه مثل الأمر بها. فإن الفعل يطلب بالأمر ~~تارة وبالإخبار تارة. فهذان الأمران للفجرة الزناة واللوطية، مثل ذكر قصص ~~الأنبياء والصالحين للمؤمنين. أولئك يعتبرون من الغيرة بهم، وهؤلاء من ~~الاغترار يعتبرون. # فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص أشباههم ما يكون به لهم ~~فيه قدوة. ومن ذلك قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث [لقمان: 6] ~~الآية. قيل: أراد الغناء. وقيل: أراد قصص ملوك الكفار. وبالجملة كل ما رغب ~~النفوس في الطاعة ونهاها عن المعصية، فهو من الطاعة. وما رغب في المعصية ~~ونهى عن الطاعة، فهو من المعصية، فأما ذكر الفاحشة وأهلها بما يجب أو يستحب ~~في الشريعة، مثل النهي عنها وعنهم، والذم لها ولهم وذكر أهلها مطلقا حيث ~~يسوغ ذلك في وجوههم ومغيبهم- فهذا حسن يجب تارة ويستحب أخرى. كما قص ms3472 الله ~~قصص المؤمنين والفجار ليعتبروا بالأمرين. وقد ذكر الله عن أنبيائه وعباده ~~الصالحين، من ذكر الفاحشة وعلائقها على وجه الذم ما فيه عبرة. فقال تعالى: # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة [النمل: 54] ، إلخ. في مواضع، وهذا ~~فيه من التوبيخ ما فيه، وليس من باب القذف واللمز. ثم توعدوه بإخراجه من ~~القرية. # وهذا حال أهل الفجور، إذا كان بينهم من ينهاهم طلبوا إخراجه. وقد عاقب ~~الله على الفاحشة اللوطية بما أرادوا أن يقصدوا به أهل التقوى. حيث أمر ~~بنفي الزاني والمخنث. فمضت السنة، بنفي هذا وهذا. وهو سبحانه وتعالى أخرج ~~المتقين من بينهم عند نزول العذاب. وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف في ~~قوله: وراودته التي هو في بيتها عن نفسه [يوسف: 23] ، إلى قوله: فصرف عنه ~~كيدهن إنه هو السميع العليم [يوسف: 34] ، وما ذكره بعده من قول يوسف: ما ~~بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن [يوسف: 50] ، وهذا من باب الاعتبار الذي ~~يوجب النفور عن المعصية والتمسك بالتقوى. وكذلك ما بينه في آخرها بقوله ~~تعالى: # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [يوسف: 111] الآية، ومع هذا، فمن # PageV07P352 # الناس من يحب سماعها لما فيه من ذكر العشق وما يتعلق به، لمحبته لذلك ~~ولرغبته في الفاحشة، حتى إن منهم من يسمعها النساء لمحبتهم للسوء، ولا ~~يختارون أن يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهي عن ذلك. حتى قال بعض ~~السلف: كل ما حصلته في سورة يوسف أنفقته في سورة النور. وقد قال تعالى: ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~[الإسراء: 82] ، وقال: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا [التوبة: # 124] الآيات. فكل أحد يحب سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة، ويبغض سماع ~~ذلك إعراضا عن دفع هذه المحبة، فهو مذموم ومن هذا ذكر أحوال الكفار والفجار ~~وغير ذلك مما فيه ترغيب في المعصية وصد عن سبيل الله، ومنه سماع كلام أهل ~~البدع، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك، فهذا الباب تجتمع فيه الشبهات ~~والشهوات. ms3473 والله تعالى ذم هؤلاء في مثل قوله: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا [الأنعام: 112] ، وقوله: والشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء: ~~224] . وقوله: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين [الشعراء: 221] ، وما بعدها، ~~وقوله: ومن الناس من يشتري لهو الحديث [لقمان: 6] ، وقوله مستكبرين به ~~سامرا تهجرون [المؤمنون: 67] ، وقوله: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ~~[الأعراف: 146] ، وقوله: وإن تطع أكثر من في الأرض [الأنعام: 116] ، ومثل ~~هذا كثير في القرآن، فأهل المعاصي كثير في العالم، بل هم أكثر، كما قال ~~تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [التوبة: 67] الآية، وفي ~~النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قولا وعملا ما يعلمه إلا الله، وأهلها ~~يدعون الناس إليها ويقهرون من يعصيهم، ويزينونها لمن يطيعهم. فهم أعداء ~~الرسل وأندادهم. فالرسل يدعون إلى الطاعة بالرغبة والرهبة. ويجاهدونهم ~~عليها. وينهون عن المعاصي ويحذرون منها بالرغبة والرهبة. ويجاهدون من ~~يفعلها. قال تعالى: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~[التوبة: 67] الآية. ثم قال: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر [التوبة: 71] الآية، وقوله تعالى: الذين آمنوا ~~يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت [النساء: 76] ~~، ومثل هذا في القرآن كثير والله سبحانه قد أمرنا بالأمر والنهي عن المنكر. ~~والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر ~~بالمعروف. والنهي # PageV07P353 # عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلمه لا يمكنه النهي عنه. وقد أوجب ~~الله علينا فعل المعروف وترك المنكر. فإن حب الشيء وفعله، وبغض ذلك وتركه ~~لا يكون إلا بعد العلم بهما، حتى يصح القصد إلى فعل المعروف وترك المنكر. ~~فإن ذلك مسبوق بعلمه، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض، ولا ~~فعل ولا ترك. لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلمه علما مفصلا يمكن معه ~~فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا. ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما ~~أمر به من الواجبات مثل صفة الصلاة ms3474 والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. فإذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها. فكما أنا لا ~~نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة، فلا نكون مطيعين إذا لم نعلم وجودها. بل ~~الجهل بوجودها كالعلم بعدمها. وكل منهما معصية. فإن الجهل بالتساوي كالعلم ~~بالتفاضل في بيع الأموال الربوية. وأما معرفة ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفي ~~بمعرفته في بعض المواضع مجملا. فإن الإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر ~~وإنكاره. وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك. وإلى الجواب عما يعارض به ~~أصحابها، وإلى دفع أهوائهم. # وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك. ولا يكون ذلك إلا بالصبر، كما ~~قال تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 1- 3] ، وأول ذلك أن تذكر الأقوال ~~والأفعال على وجه الذم لها والنهي عنها. وبيان ما فيها من الفساد. فإن ~~الإنكار بالقلب واللسان، قبل الإنكار باليد، وهذه طريقة القرآن فيما يذكره ~~تعالى عن الكفار والعصاة، كما أن فيما يذكره عن أهل العلم والإيمان على وجه ~~المدح والحب وبيان منفعته والترغيب فيه، نحو قوله تعالى: وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا [مريم: 88- 89] الآيات. وهذا كثير جدا. ~~فالذي يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم. إما كافر وإما فاجر. وليس منهم من هو ~~بعكسه. ولكن لا يثاب على مجرد عدم ذلك. وإنما يثاب على قصده لترك ذلك ~~وإرادته، وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه لله. وهذا العلم والقصد والبغض ~~هو من الإيمان الذي يثاب عليه، وهو أدنى الإيمان، كما # قال صلى الله عليه وسلم «1» # (من رأى منكم منكرا) إلى قوله: (وذلك أضعف الإيمان) # وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته، وذلك لا يكون إلا بعد العلم به ~~وبقبحه. ثم بعد ذلك يكون الإنكار باللسان ثم يكون باليد. # والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (وذلك أضعف الإيمان) PageV07P354 # فيمن رأى المنكر. فأما إذا رآه ولم يعلم أنه منكر، ولم يكرهه، لم يكن هذا ~~الإيمان موجودا في القلب في حال وجوده ورؤيته، بحيث ms3475 يجب بغضه وكراهته، ~~والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين إذا وجدوا. وإذا لم يكن المنكر ~~موجودا لم يجب ذلك ويثاب من أنكره عند وجوده، ولا يثاب من لم يوجد عنده حتى ~~ينكره وكذلك ما يدخل في ذلك من الأقوال والأفعال والمنكرات، قد يعرض عنها ~~كثير من الناس، إعراضهم عن جهاد الكفار والمنافقين. وعن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. فهؤلاء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات، ~~فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها. حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله، فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يجتمع في كثير من الناس هذان الأمران: ~~بغض الكفر وأهله، وبغض الفجور وأهله، وبغض نهيهم وجهادهم، كما يحب المعروف ~~وأهله، ولا يحب أن يأمر به، ولا يجاهد عليه بالنفس والمال. وقد قال تعالى: ~~إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون [الحجرات: 15] . وقال تعالى: قل ~~إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله [التوبة: 24] الآية. قال: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم [المجادلة: 22] الآية. وكثير من الناس، بل أكثرهم، كراهتهم للجهاد ~~على المنكرات أعظم من كراهتهم للمنكرات، ولا سيما إذا كثرت المنكرات وقويت ~~فيها الشبهات والشهوات. فربما مالوا إليها تارة، وعنها أخرى. فتكون نفس ~~أحدهم لوامة بعد أن كانت أمارة. ثم إذا ارتقى إلى الحال الأعلى في هجر ~~السيئات، وصارت نفسه مطمئنة، تاركا للمنكرات والمكروهات، لا تحب الجهاد ~~ومصابرة العدو على ذلك، واحتمال ما يؤذيه من الأقوال والأفعال فإن هذا شيء ~~آخر داخل في قوله: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم [النساء: 77] ، ~~إلى قوله: وكان الله على كل شيء مقيتا [النساء: # 85] ، والشفاعة: الإعانة. إذ المعين قد صار شفيعا للمعان. فكل من أعان ~~على بر أو تقوى كان له نصيب منه. ومن أعان على الإثم ms3476 والعدوان كان له كفل ~~منه. وهذا حال الناس فيما يفعلونه بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم، من الإعانة ~~على البر والتقوى والإعانة على الإثم والعدوان، ومن ذلك الجهاد بالنفس ~~والمال على ذلك من الجانبين. كما قال تعالى قبل ذلك: يا أيها الذين آمنوا ~~خذوا حذركم [النساء: 71] ، إلى # PageV07P355 # قوله: إن كيد الشيطان كان ضعيفا [النساء: 76] ، ومن هاهنا يظهر الفرق في ~~السمع والبصر من الإيمان وآثاره والكفر وآثاره. والفرق بين المؤمن البر ~~وبين الكافر الفاجر. فإن المؤمنين يسمعون إقبال أهل الإيمان فيشهدون رؤيتهم ~~على وجه العلم والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ولأخبارهم وآثارهم، كرؤية ~~الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وسمعهم لما بلغهم عن الله. والكافر ~~والمنافق يسمع ويرى على وجه البغض والجهل كما قال تعالى: وإن يكاد الذين ~~كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر [القلم: 51] الآية. وقال: فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت [محمد: 20] ، وقال: # ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون [هود: 20] ، وقال: فعموا وصموا ~~ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم [المائدة: 71] ، وقال تعالى في ~~حق المؤمنين والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ~~[الفرقان: 73] ، وقال في حق الكفار فما لهم عن التذكرة معرضين [المدثر: # 49] ، والآيات في هذا كثيرة جدا. وكذلك النظر إلى زينة الدنيا فتنة. قال ~~تعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه [طه: 131] ، وفي آخر الحجر. وقوله فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ~~[التوبة: # 55] الآية، وقال: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور: 30] الآية، وقال: # ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا [الكهف: 28] الآية، وقال ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 17] الآيات، وقال قل انظروا ماذا ~~في السماوات والأرض [يونس: 101] الآية، وقال أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السماء والأرض [سبأ: 9] الآية. وكذلك قال الشيطان: إني أرى ما ~~لا ترون [الأنفال: 48] ، وقال فلما تراءا الجمعان [الشعراء: 61] الآيات. # وقال: إذ يريكهم الله في ms3477 منامك قليلا [الأنفال: 43] ، الآيات. فالنظر إلى ~~متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها، منهي عنه. والنظر إلى ~~المخلوقات العلوية والسفلية على وجه الاعتبار مأمور به. وأما رؤية ذلك عند ~~الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدفع شر أولئك، فمأمور به. وكذلك ~~رؤية الاعتبار شرعا في الجملة. فالعين الواحدة ينظر إليها تارة نظرا مأمورا ~~به. إما للاعتبار وإما لبغض ذلك. والنظر إليه لبغض الجهاد منهي عنه. وكذلك ~~المولاة والمعاداة. وقد يحصل للعبد فتنة بنظر منهي عنه، وهو يظن أنه نظر ~~عبرة. وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة، كالذين قال الله فيهم: ومنهم ~~من يقول ائذن لي ولا تفتني # PageV07P356 # [التوبة: 49] ، فإنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يتجهز لغزو الروم فقال: إني مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء ~~الروم. فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول. وأما ما يكون من الفعل ~~بالجوارح، فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، داخل في ~~هذا. بل يكون عذابه أشد. فإن الله قد توعد بالعذاب على مجرد المحبة. وهذه ~~قد لا يقترن بها قول ولا فعل. فكيف إذا اقترن؟ # بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله تعالى من فعل الفاحشة والقذف بها ~~وإشاعتها في الذين آمنوا. ومن رضي عمل قوم حشر معهم. كما حشرت امرأة لوط ~~معهم. ولم تكن تفعل فاحشة اللواط. فإنه لا يقع من المرأة. ولكن لما رضيت ~~فعلهم، عمها معهم العذاب. فمن هذا الباب قيل: من أعان على الفاحشة ~~وإشاعتها، مثل القواد. لما يحصل له من رئاسة أو سؤدد أو سحت يأكله. وكذلك ~~أهل الصناعات التي تنفق، مثل المغنين وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية ~~وغيرها، فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. فإنها إذا شاعت ~~تمكنوا من أغراضهم من الرياسة والمال وفعل الفاحشة وتمكنوا من دفع من ~~ينكرها، بخلاف ما إذا كانت قليلة. ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى ~~معصية الله وينهى عن طاعته، منهي عنه محرم. ms3478 كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر [العنكبوت: 45] ، أي ما فيها من ذكر ~~الله وطاعته وامتثال أمره أكبر من ذلك. وقال في الخمر والميسر: ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة [المائدة: 91] ، أي يوقعهم ذلك في معصيته التي هي ~~العداوة والبغضاء، وهذا من أعظم المنكرات التي تنهى عنه الصلاة، والخمر ~~تدعو إلى الفحشاء والمنكر، كما هو الواقع. فإن شارب الخمر تدعوه نفسه إلى ~~الجماع حلالا كان أو حراما. فإن الله سبحانه لم يذكر الجماع، لأن الخمر لا ~~يدعو إلى الحرام بعينه من الجماع. والسكر يزيل العقل الذي يميز به بين ~~الحلال والحرام. والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام. ولهذا يكثر شارب ~~الخمر من مواقعة الفواحش. ما لا يكثر من غيرها، حتى ربما يقع على ابنته ~~وابنه ومحارمه. وقد يستغني بالحلال إذا أمكنه. ويدعو شرب الخمر. إلى أكل ~~أموال الناس بالسرقة والمحاربة وغير ذلك. لأنه يحتاج إلى الخمر وما يستتبعه ~~من مأكول وغير ذلك من فواحش وغناء. وشرب الخمر يظهر أسرار الرجال، حتى ~~يتكلم شاربه بما في باطنه وكثير من الناس إذا أرادوا استفهام ما في قلوب ~~الرجال من الأسرار، سقوهم الخمر، وربما يشربون معهم ما لا يسكرون به. وأيضا ~~فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره. فجميع الأمور التي تصد عنها وتوقعها ~~من # PageV07P357 # المفاسد داخل في قوله تعالى: ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة [المائدة: # 91] ، وكذلك إيقاع العداوة والبغضاء هو منتهى قصد الشيطان ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» # (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر) قالوا: بلى يا رسول الله قال: (إصلاح ذات البين. فإن ~~فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) # وقد ذكرنا في غير هذا أن الفواحش والظلم وغير ذلك من الذنوب يوقع العداوة ~~والبغضاء وأن كل عداوة أو بغضاء فأصلها من المعصية والشيطان يأمر بالمعصية ~~ليوقع فيما هو أعظم منها ولا يرضى إلا بغاية ما قدر على ذلك. وأيضا ~~فالعداوة والبغضاء ms3479 شر محض، لا يحبهما عاقل. بخلاف المعاصي فإن فيها لذة. ~~والنفوس تريدها، والشيطان يدعو إليها، ليوقعها في شر لا تهواه. والله ~~سبحانه قد بين ما يريد الشيطان بالخمر والميسر، ولم يذكر ما يريده الإنسان. ~~ثم قال في سورة النور لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر [النور: 21] ، وكذلك في البقرة، نهى عن اتباع ~~خطواته، وهو اتباع أمره بالاقتداء والاتباع. وأخبر أنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر والسوء والقول على الله لا علم. وقال فيها: الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268] ، فذكر أن الشيطان يأمر بذلك وبعد هذا ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا [البقرة: 268] ، وقال إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي [النحل: 90] ، ~~وقال عن نبيه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر [الأعراف: 157] الآية، ~~وقال عن أمته يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر [آل عمران: 104] ، وذكر مثل ~~ذلك في مواضع كثيرة فتارة يخص اسم المنكر بالنهي، وتارة يقرنه بالفحشاء، ~~وتارة يقرن معهما البغي. وكذلك المعروف، تارة يخصه بالأمر، وتارة يقرن به ~~غيره. # كقوله تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس [النساء: 114] الآية، وذلك أن الأسماء قد يكون عمومها ~~وخصوصها بحسب الإفراد والتركيب. كلفظ (الفقير والمسكين) . إذا عرف هذا فاسم ~~المنكر يعم كل ما كرهه الله ونهى عنه. واسم المعروف يعم كل ما يحبه الله ~~ويرضاه. وإذا قرن المنكر بالفحشاء، فالفحشاء مبناها على المحبة. والمنكر هو ~~الذي تنكره القلوب. فقد يظن أن ما في الفاحشة من المحبة يخرجها عن الدخول ~~فيه. فإن PageV07P358 # الفاحشة وإن كانت مما تنكره القلوب فإنها تشتهيها النفوس. وكذلك البغي، ~~قرن بها لأنه أبعد عن محبة النفوس. ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس ~~عذاب صاحب الفحشاء. ومنشؤه من قوة الغضب. ولكل من النفوس لذة بحصول ~~مطلوبها. فالفواحش والبغي مقرونان بالمنكر. وأما الإشراك والقول على الله ~~بلا علم، فإنه منكر محض. ليس في النفوس ميل إليهما. بل إنما يكونان عن عناد ms3480 ~~وظلم. فهما منكر محض بالفطرة ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء ~~والمنكر [النور: 21] ، سواء كان الضمير عائدا إلى الشيطان أو إلى المتبع. ~~فإن من أتى ذلك، فإن كان الشيطان أمره فهو متبعه عابد له. وإن كان الآتي هو ~~الآمر. فالأمر بالفعل أبلغ من فعله. فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه. # ومن الفحشاء والمنكر استماع العبد مزامير الشيطان. والمغني هو مؤذنه الذي ~~يدعو إلى طاعته فإن الغناء رقية الزنى. وكذلك من اتباع خطوات الشيطان، ~~القول على الله بلا علم. كحال أهل البدع والفجور وكثير ممن يستحل مؤاخاة ~~النساء والمرد وإحضارهم في سماع الغناء ودعوى محبة صورهم لله وغير ذلك، مما ~~فتن به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين. ثم إنه سبحانه نهى المظلوم ~~بالقذف، أن يمنع ما ينبغي فعله من الإحسان إلى القرابة والمساكين وأهل ~~التوبة. وأمره بالعفو. فإنه كما يحب أن يغفر له فليغفر، ولا ريب أن صلة ~~الأرحام واجبة، وإيتاء المساكين واجب، ومعونة المهاجرين واجبة، فلا يجوز ~~ترك ما يجب من الإحسان للإنسان بمجرد ظلمه: كما لا يمنع ميراثه وحقه من ~~الصدقات والفيء، بمجرد ذنب من الذنوب وقد يمنع من ذلك لبعض الذنوب. # وفي الآية دليل على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي الأرحام الذين لا ~~يرثون بفرض ولا تعصيب. # فإنه قد ثبت في الصحيح «1» عن عائشة في قصة الإفك، أن أبا بكر الصديق حلف ~~ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان أحد الخائضين في الإفك في شأن عائشة. ~~وكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر. وقد جعله الله من ذوي القربى الذين نهى عن ~~ترك إيتائهم. والنهي يقتضي التحريم. فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل، كان ~~الفعل واجبا، لأن الحلف على ترك الجائز جائز. انتهى كلام ابن تيمية رحمه ~~الله تعالى. PageV07P359 # الرابع- قال الزمخشري: لو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة، لم ~~تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة، رضوان الله عليها، ولا ~~أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ ms3481 والزجر ~~العنيف واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه- ما أنزل فيه، على ~~طرق مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها كان في بابه ولو لم ينزل إلا هذه ~~الثلاث يعني قوله تعالى: إن الذين يرمون [النور: 23] ، إلى قوله تعالى: هو ~~الحق المبين لكفى بها. حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا. وتوعدهم ~~بالعذاب العظيم في الآخرة. وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما ~~أفكوا وبهتوا. # وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك، أن ~~الله هو الحق المبين. فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، بما لم يقع ~~في وعيد المشركين، عبدة الأوثان، إلا ما هو دونه في الفظاعة. وما ذاك إلا ~~لأمر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة. وكان يسأل عن ~~تفسير القرآن. # حتى سئل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته، إلا من ~~خاض في أمر عائشة، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى ~~أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد وشهد شاهد من أهلها [يوسف: 26] ، وبرأ ~~موسى «1» من قول اليهود فيه، بالحجر الذي ذهب بثوبه. وبرأ مريم بإنطاق ~~ولدها حين نادى في حجرها إني عبد الله [مريم: 30] ، وبرأ عائشة بهذه الآيات ~~العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه ~~المبالغات. فانظركم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم وخيرة ~~الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين. # ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم وتقدم قدمه وإحرازه لقصب ~~السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك. وليتأمل كيف غضب الله له في ~~حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه. # (فإن قلت) إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل: المحصنات؟ (قلت) : # فيه وجهان: أحدهما- أن يراد بالمحصنات أزواج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأن يخصصن بأن من ms3482 قذفهن، فهذا الوعيد لاحق به. وإذا أردن وعائشة ~~كبراهن منزلة وقربة عند رسول PageV07P360 # الله صلى الله عليه وسلم، كانت المرادة أولا والثاني- أنها أم المؤمنين، ~~فجمعت. إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة ~~والإيمان انتهى. # قال الناصر: والأظهر أن المراد عموم المحصنات والمقصود بذكرهن على ~~العموم، وعيد من وقع في عائشة، على أبلغ الوجوه، لأنه إذا كان هذا وعيد ~~قاذف آحاد المؤمنات، فما الظن بوعيد من قذف سيدتهن وزوج سيد البشر صلى الله ~~عليه وسلم؟ على أن تعميم الوعيد أبلغ وأفظع من تخصيصه. وهذا معنى قول زليخا ~~ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم [يوسف: 25] ، فعممت ~~وأرادت يوسف، تهويلا عليه وإرجافا. والمعصوم من عصمه الله تعالى. انتهى. # الخامس: قال الإمام ابن تيمية في (منهاج السنة) ذهب كثير من أهل السنة ~~إلى أن عائشة رضي الله عنها أفضل نسائه عليه الصلاة والسلام واحتجوا بما # في الصحيحين «1» عن أبي موسى وعن أنس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» # . والثريد هو أفضل الأطعمة، لأنه خبز ولحم. كما قال الشاعر: # إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد # وذلك أن البر أفضل الأقوات. واللحم أفضل الإدام، كما في الحديث الذي رواه ~~ابن قتيبة وغيره. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيد إدام أهل الدنيا والآخرة ~~اللحم) # فإذا كان اللحم سيد الإدام، والبر سيد الأقوات، ومجموعهما الثريد، كان ~~الثريد أفضل الطعام. # وقد صح من غير وجه # عن الصادق المصدوق أنه قال (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر ~~الطعام) «2» # وفي الصحيح «3» عن عمرو بن العاص قال: قلت: # «يا رسول الله! أي النساء أحب إليك؟ قال (عائشة) قلت: ومن الرجال؟ قال ~~(أبوها) PageV07P361 # قلت: ثم من؟ قال: (عمر) وسمى رجالا» # . وهؤلاء يقولون: # قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة: ما أبدلني الله خيرا منها # : إن صح معناه ما أبدلني خيرا لي منها: فإن خديجة نفعته ms3483 في أول الإسلام ~~نفعا لم يقم غيرها فيه مقامها. فكانت خيرا له من هذا الوجه لكونها نفعته ~~وقت الحاجة، وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين. فحصل لها من العلم ~~والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة. فكانت أفضل لهذه الزيادة ~~فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت من العلم والسن ما لم ~~يبلغه غيرها فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~تبلغ عنه شيئا، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا بعائشة، ولأن الدين لم يكن ~~قد كمل حتى تعلمه، ويحصل لها من كمالاته ما حصل لمن علم وآمن به بعد كماله، ~~ومعلوم أن من اجتمع همه على شيء واحد، كان أبلغ فيه ممن تفرق همه في أعمال ~~متنوعة. فخديجة رضي الله تعالى عنها خير له من هذا الوجه. لكن أنواع البر ~~لم تحصر في ذلك. ألا ترى أن من كان من الصحابة أعظم إيمانا، وأكثر جهادا ~~بنفسه وماله. كحمزة وعلي وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وغيرهم، هم أفضل ممن ~~كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وينفعه في نفسه أكثر منهم. كأبي رافع ~~وأنس بن مالك وغيرهما. وفي الجملة، الكلام في تفضيل عائشة وخديجة ليس هذا ~~موضع استقصائه. لكن المقصود هنا أن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ~~ومحبتها، وإن نساءه صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن، ~~كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين. # وقد ثبت في الصحيح «1» # أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، لما يعلمون من محبته إياها. ~~حتى أن نساءه غرن من ذلك. وأرسلن إليه فاطمة رضي الله عنها تقول له «2» : # نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة: فقال لفاطمة: أي بنية أما تحبين ~~ما أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه، الحديث في الصحيحين «3» # وفي الصحيحين PageV07P362 # أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة! هذا جبريل يقرأ عليك ~~السلام قالت: وعليه السلام ورحمة الله # . ترى ما لا نرى. ووهبت ms3484 «1» سودة بنت زمعة يومها لعائشة رضي الله عنهما، ~~بإذنه صلى الله عليه وسلم. وكان في مرضه «2» الذي مات فيه # يقول: أين أنا اليوم؟ استبطاء ليوم عائشة. ثم «3» استأذن نساءه أن يمرض ~~في بيت عائشة رضي الله عنها، فمرض فيه # . وفي «4» بيتها توفي بين سحرها ونحرها وفي حجرها. وكانت «5» رضي الله ~~عنها مباركة على أمته. حتى قال أسيد بن حضير، لما أنزل الله آية التيمم ~~بسببها: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. ما نزل بك أمر قط تكرهينه إلا ~~جعل الله فيه للمسلمين بركة. وقد كانت «6» نزلت آية براءتها قبل ذلك، لما ~~رماها أهل الإفك. فبرأها الله من فوق سبع سموات، وجعلها من الصينات. وبالله ~~التوفيق. انتهى. # وأغرب الإمام ابن حزم، فذهب إلى أن أفضل الناس بعد الأنبياء، نساؤه صلى ~~الله عليه وسلم. # معلوم أن عائشة فضلاهن، وقد أسهب في ذلك في كتابه (الملل) فارجع إليه. # السادس- قال القاشاني رحمه الله تعالى: إنما عظم تعالى أمر الإفك وغلظ في ~~الوعيد عليه، بما لم يغلظ في غيره من المعاصي، وبالغ في العقاب عليه بما لم ~~يبالغ به في باب الزنى وقتل النفس المحرمة، لأن عظم الرذيلة وكبر المعصية، ~~إنما يكون على حسب القوة التي هي مصدرها. وتتفاوت حال الرذائل في حجب ~~صاحبها عن الحضرة الإلهية والأنوار القدسية، وتوريطه في المهالك ~~الهيولانية، والمهاوي الظلمانية، على حسب تفاوت مبادئها، فكلما كانت القوة ~~التي هي مصدرها ومبدؤها أشرف. كانت الرذيلة الصادرة منها أردأ. وبالعكس لأن ~~الرذيلة ما قابل الفضيلة. فلما كانت الفضيلة أشرف، كان ما يقابلها من ~~الرذيلة أخس، والإفك رذيلة القوة الغضبية. فبحسب شرف الأولى على الباقيتين، ~~تزداد رداءة رذيلتها. PageV07P363 # وذلك أن الإنسان إنما يكون بالأولى إنسانا، وترقيه إلى العالم العلوي، ~~وتوجهه إلى الجناب الإلهي وتحصيله للمعارف والكمالات، واكتسابه للخيرات ~~والسعادات- إنما يكون بها. فإذا فسدت بغلبة الشيطنة عليها، واحتجبت عن ~~النور باستيلاء الظلمة، حصلت الشقاوة العظمى، وحقت العقوبة بالنار. وهو ~~الرين والحجاب الكلي. # ألا ترى أن الشيطنة المغوية للآدمي أبعد عن الحضرة الإلهية، ms3485 من السبعية ~~والبهيمية؟ وأبعد بما لا يقدر قدره، فالإنسان برسوخ رذيلته النطفية يصير ~~شيطانا، وبرسوخ الرذيلتين الأخريين، يصير حيوانا كالبهيمة أو السبع، وكل ~~حيوان أرجى صلاحا، وأقرب فلاحا من الشيطان. ولهذا قال تعالى: هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم [الشعراء: 221- 222] ، ونهى ها هنا ~~عن اتباع خطوات الشيطان. فإن ارتكاب مثل هذه الفواحش لا يكون إلا بمتابعته ~~ومطاوعته، وصاحبه يكون من جنوده وأتباعه،. فيكون أخس منه وأذل، محروما من ~~فضل الله الذي هو نور هدايته، محجوبا من رحمته التي هي إفاضة كمال وسعادة، ~~ملعونا في الدنيا والآخرة، ممقوتا من الله والملائكة. تشهد عليه جوارحه ~~بتبدل صورها وتشوه منظرها. خبيث الذات والنفس. متورطا في الرجس. فإن مثل ~~هذه الخبائث لا تصدر إلا من الخبيثين. كما قال تعالى: الخبيثات للخبيثين ~~وأما الطيبون المنزهون عن الرذائل، فإنما تصدر عنهم الطيبات والفضائل. ~~انتهى. # السابع- في سر قرن الزنى بالشرك في قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة [النور: 3] ، وتحقيق القول في الآية. قال الإمام ابن القيم رحمه ~~الله في (إغاثة اللهفان) : نجاسة الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من ~~النجاسات. من جهة أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدا. ولهذا أحظى الناس بهذه ~~النجاسة، أكثرهم شركا. فكلما كان الشرك في العبد أغلب. كانت هذه النجاسة ~~والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا، كان منها أبعد، كما قال تعالى ~~عن يوسف الصديق عليه السلام كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين [يوسف: # 24] ، فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها. بل هو من أعلى أنواع التعبد. ~~ولا سيما إذ استولى على القلب وتمكن منه، صار تتيما. والتتيم التعبد. فيصير ~~العاشق عابدا لمعشوقه. وكثيرا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه والسعي في ~~مرضاته وإيثار محابه، على حب الله وذكره والسعي في مرضاته، بل كثيرا ما ~~يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية ويصير متعلقا بمعشوقة من الصور. كما هو ~~مشاهد فيصير المعشوق هو إلهه من دون الله عز وجل. يقدم رضاه وحبه على ms3486 رضا ~~الله وحبه. ويتقرب إليه ما # PageV07P364 # لا يتقرب إلى الله. وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة الله. ويتجنب ~~سخطه ما لا يتجنب من سخط الله تعالى. فيصير آثر عنده من ربه حبا وخضوعا ~~وذلا وسمعا وطاعة، ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه ~~العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، ~~فكلما قوي شرك العبد بلي بعشق الصور وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه. والزنى ~~واللواطة كمال لذته، إما يكون من العشق. ولا يخلو صاحبهما منه. وإنما ~~لتنقله من محل إلى محل، لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد. بل ينقسم على ~~سهام كثيرة لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبده. فليس في الذنوب أفسد للقلب ~~والدين من هاتين الفاحشتين. ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله، فإنهما من ~~أعظم الخبائث فإذا الصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب. ~~وكلما ازداد خبثا ازداد من الله بعدا. ولهذا قال المسيح، فيما رواه الإمام ~~أحمد في (كتاب الزهد) لا يكون البطالون من الحكماء. ولا يلج الزناة ملكوت ~~السماء. ولما كانت هذه حال الزنى كان قريبا للشرك في كتاب الله تعالى. قال ~~الله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [النور: 3] . # والصواب القول بأن هذه الآية محكمة. يعمل بها لم ينسخها شيء. وهي مشتملة ~~على خبر وتحريم. ولم يأت من ادعى نسخها بحجة البتة. والذي أشكل منها على ~~كثير من الناس، واضح بحمد الله تعالى. فإنهم أشكل عليهم قوله: الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة [النور: 3] ، هل هو خبر أو نهي أو إباحة؟ فإن كان ~~خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة. وإن كان نهيا فيكون قد نهى ~~الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة، فيكون نهيا له عن نكاح المؤمنات ~~العفائف. وإباحة له نكاح المشركات والزواني، والله سبحانه لم يرد ذلك قطعا. ~~فلما أشكل عليهم ms3487 ذلك. طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه. فقال بعضهم: المراد ~~من النكاح الوطء والزنى. فكأنه قال: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة. ~~وهذا فاسد. فإنه لا فائدة فيه. ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك. ~~فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية. فأي فائدة في الإخبار بذلك. ~~ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه.، ثم قالت طائفة: هذا عام ~~اللفظ خاص المعنى. والمراد به رجل واحد «1» وامرأة واحدة. وهي عناق ~~وصاحبها، فإنه أسلم واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاحها فنزلت ~~هذه الآية. PageV07P365 # وهذا أيضا فاسد. فإن هذه الصورة المعينة، وإن كانت سبب النزول، فالقرآن ~~لا يقتصر به على محال أسبابه. ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها. ~~وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] ، ~~وهذا أفسد من الكل. فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين. ولا تناقض إحداهما ~~الأخرى. بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح ~~المعتدة والمحرمة وذوات المحارم. فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟ (فإن قيل) : ~~فما وجه الآية؟ قيل: # وجهها، والله أعلم. أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح ~~له نكاح المرأة بهذا الشرط. كما ذكر ذلك سبحانه في سورتي النساء والمائدة. ~~والحكم المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه. والإباحة قد علقت على شرط ~~الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به. فالمتزوج إما أن ~~يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه. فإن لم ~~يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه، ~~ونكح ما حرم عليه، لم يصح إنكاح. فيكون زانيا، فظهر معنى قوله لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة وتبين غاية البيان. وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو ~~موجب القرآن وصريحه، فهو موجب الفطرة ومقتضى العقل. فإن الله سبحانه حرم ~~على عبده أن يكون قرنانا ديوثا زوج بغي. فإن الله تعالى فطر الناس على ~~استقباح ذلك ms3488 واستهجانه. ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا (زوج قحبة) ~~فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك. فظهرت حكمة التحريم وبان معنى الآية. ~~والله الموفق. # ومما يوضح التحريم.، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة، أن هذه ~~الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج، وفساد النسب الذي جعله الله ~~تعالى بين الناس لتمام مصالحهم. وعدوه من جملة نعمه عليهم، فالزنى يفضي إلى ~~اختلاط المياه واشتباه الأنساب. فمن محاسن الشريعة تحريم نكاح الزانية حتى ~~تتوب وتستبرأ. وأيضا، فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه والله سبحانه جعل ~~النكاح سببا للمودة والرحمة، والمودة خالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة ~~للطيب، زوجا له؟ والزوج سمي زوجا من الازدواج فالزوجان، الاثنان المتشابهان ~~والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعا وقدرا. فلا يحصل معها الازدواج ~~والتراحم والتواد. # فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن يكون زوج ~~قحبة. فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزاني ~~البارحة؟ وقال: ما الزاني لا حرمة له. فهب أن الأمر كذلك، فماء الزوج له ~~حرمة # PageV07P366 # فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد، والمقصود أن الله سبحانه ~~سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات. وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة، ~~وإن كان حلالا. وسمي فاعله جنبا لبعده عن قراءة القرآن وعن الصلاة وعن ~~المساجد. فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما يبعد ~~القلب عن الله تعالى وعن الدار الآخرة. بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى ~~يحدث طهرا. كاملا بالتوبة. # وطهرا لبدنه بالماء. وقول اللوطية أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~[الأعراف: 82] ، من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود وما نقموا منهم إلا ~~أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [البروج: 8] ، وقوله سبحانه: قل يا أهل ~~الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ~~[المائدة: 59] ، وهكذا المشرك إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد، وأنه ~~لا يشوبه بالإشراك، وهكذا المبتدع إنما ينقم على السني تجريده ms3489 متابعة ~~الرسول وأنه لم يشبها بآراء الرجال ولا بشيء مما خالفها، فصبر الموحد ~~المتبع للرسول، على ما ينقمه عليه أهل الشرك والبدعة، خير له وأنفع، وأسهل ~~عليه، من صبره على ما ينقمه الله ورسوله، عليه من موافقة أهل الشرك ~~والبدعة. # إذا لم يكن بد من الصبر، فاصطبر ... على الحق. ذاك الصبر تحمد عقباه ### | لطيفة: # كتب ابن القاضي شرف الدين ابن المقري، صاحب (الروض) إلى أبيه، وقد قطع ~~نفقته: # لا تقطعن عادة بر، ولا ... تجعل عتاب المرء في رزقه # فإن أمر الإفك من مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه # وقد جرى منه الذي قد جرى ... وعوتب الصديق في حقه # فأجابه أبوه شرف الدين بقوله: # قد يمنع المضطر من ميتة ... إذا عصى بالسير في طرقه # لأنه يقوى على توبة ... توجب إيصالا إلى رزقه # لو لم يتب من ذنبه مسطح ... ما عوتب الصديق في حقه # ولما فصل تعالى الزواجر عن الزنى، وعن رمي العفائف عنه. بين من الزواجر ~~ما عسى # PageV07P367 # يؤدي إلى أحدهما. وذلك في مخالطة الرجال بالنساء، ودخولهم عليهن، وفي ~~أوقات الخلوات، وفي تعليم الآداب الجميلة، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 27 الى 28] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم (28) # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا أي ~~تستعلموا وتستكشفوا الحال. هل يراد دخولكم أم لا؟ من (الاستئناس) وهو ~~الاستعلام. من (آنس الشيء) إذا أبصره ظاهرا مكشوفا. أو المعنى: حتى يؤذن ~~لكم فتستأنسوا. من (الاستئناس) الذي هو خلاف الاستيحاش. لما أن المستأذن ~~مستوحش من خفاء الحال عليه، فيكون عبر بالشيء عما هو لازم له، مجازا أو ~~استعارة. وجوز أن يكون من (الإنس) والمعنى: حتى تعلموا هل فيها إنسان؟. ~~وتسلموا على أهلها أي ليؤمنهم عما يوحشهم ذلكم أي الاستئذان والتسليم ms3490 خير ~~لكم أي من الدخول بغتة لعلكم تذكرون أي فتتعظوا وتعملوا بموجبه فإن لم ~~تجدوا فيها أحدا أي من الآذنين فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم أي واصبروا حتى ~~تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها، ولكم فيها ~~حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها. # قال الزمخشري: وذلك لأن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الداخل على عورة، ~~ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على ~~الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد ~~عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك. فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب ~~والتغلب. انتهى. # وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع، سواء ~~كان الأمر ممن يملك الإذن أو لا، كالنساء والولدان، فارجعوا ولا تلحوا ~~بتكرير الاستئذان، لأن هذا مما يجلب الكراهة في قلوب الناس، ولذا قال ~~تعالى: هو أي الرجوع أزكى لكم أي أطهر مما لا يخلو عنه الإلحاح والوقوف على ~~الأبواب، من دنس الدناءة. وأنمى لمحبتكم. # PageV07P368 # قال الزمخشري: وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن كل ~~ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل ~~في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس. ### | لطيفة: # قال ابن كثير: قال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه ~~الآية فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع. فأرجع وأنا ~~مغتبط. انتهى. والله بما تعملون عليم # أي فيجزيكم على نيتكم الحسنة، في الزيارة، أو المكر والخيانة بأهل المزور ~~أو ماله. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية وجوب الاستئذان عند دخول بيت ~~الغير، ووجوب الرجوع إذا لم يؤذن له، وتحريم الدخول إذا لم يكن فيها أحد. # ويستفاد من هذا تحريم دخول ملك الغير، والكون فيه، وشغله بغير إذن صاحبه ~~فيدخل تحته من المسائل والفروع ما لا يحصى. واستدل بالآية الأكثر على الجمع ~~بين الاستئذان ms3491 والسلام. والأقل على تقديم الاستئذان على السلام بتقديمه في ~~الآية. # وأجاب الأكثرون، بأن الواو لا تفيد ترتيبا، واستدل بها من قال: له ~~الزيادة في الاستئذان على ثلاث، حتى يؤذن له أو يصرح بالمنع، وفهم من الآية ~~أن الرجل لا يستأذن عند دخول بيته على امرأته. انتهى. # وقال ابن كثير: ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء ~~الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره، # وفي الصحيحين «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (لو أن امرأ ~~اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح) # وأخرج «2» الجماعة عن جابر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين ~~كان على أبي. فدققت الباب، فقال (من ذا) فقلت: أنا قال (أنا، أنا) كأنه ~~كرهه. # وإنما كرهه، لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها، حتى يفصح باسمه أو كنيته ~~التي هو مشهور بها. وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه ب (أنا) فلا يحصل به المقصود ~~الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية. وعن ابن مسعود قال: ~~عليكم PageV07P369 # الإذن على أمهاتكم. وعن طاوس قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ~~ذات محرم. وكان يشدد النكير في ذلك. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن ~~الرجل على امرأته؟ قال: لا. قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا ~~فالأولى أن يعلمها بدخوله، ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا ~~تحب أن يراها عليها. وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله ~~إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر ~~يكرهه. ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن ~~يطرق الرجل أهله طروقا. # ثم بين تعالى ما رخص فيه عدم الاستئذان، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 29] # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ms3492 ما ~~تبدون وما تكتمون (29) # ليس عليكم جناح أن تدخلوا أي بغير استئذان بيوتا غير مسكونة أي غير معدة ~~لسكنى طائفة مخصوصة، بل ليتمتع بها كائنا من كان، كالخانات والحمامات وبيوت ~~الضيافات فيها متاع لكم أي منفعة وحاجة والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ~~وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل، لفساد أو اطلاع على عورات. # أفاده أبو السعود. # ثم أرشد سبحانه إلى آداب عظيمة تتناول المستأذنين عند دخولهم وغيرهم، ~~بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 30] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم أي مقتضى إيمانكم الغض عما حرم الله تعالى ~~النظر إليه ويحفظوا فروجهم أى عن الإفضاء بها إلى محرم، أو عن الإبداء ~~والكشف ذلك أي الغض والحفظ أزكى لهم أي أطهر للنفس وأتقى للدين إن الله ~~خبير بما يصنعون أي بأفعالهم وأحوالهم. وكيف يجيلون أبصارهم، وكيف يصنعون ~~بسائر حواسهم وجوارحهم. فعليهم، إذ عرفوا ذلك، أن يكونوا منه # PageV07P370 # على تقوى وحذر، في كل حركة وسكون. أفاده الزمخشري. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تحريم النظر إلى النساء ~~وعورات الرحال وتحريم كشفها. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: كل شيء في ~~القرآن من (حفظ الفرج) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ~~ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة. انتهى. # وليس بمتعين. وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى. أو ~~الحفظ عن الإبداء يستلزم الحفظ عن الإفضاء. # الثاني- إن قيل: لم أتى ب (من) التبعيضية في غض الأبصار وقيدها به دون ~~حفظ الفروج؟ مع أنه غير مطلق ومقيد في قوله تعالى: والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون: 5] ، لأن المستثنى ~~في الحفظ هو الأزواج والسراري، وهو قليل بالنسبة لما عداه. فجعل كالعدم ولم ~~يقيد به. مع أنه معلوم من الآية الأخرى. بخلاف ما يطلق فيه البصر، فإنه ~~يباح في ms3493 أكثر الأشياء، إلا نظر ما حرم عن قصد. فقيد (الغض به) ومدخول (من) ~~التبعيضية ينبغي أن يكون أقل من الباقي. وقيل: إن الغض والحفظ عن الأجانب. ~~وبعض الغض ممنوع بالنسبة إليهم، وبعضه جائز. بخلاف الحفظ فلا وجه لدخول ~~(من) فيه. كذا في (العناية) . # الثالث- سر تقديم غض الأبصار على حفظ الفروج، هو أن النظر بريد الزنى ~~ورائد الفجور، كما قال الحماسي: # وكنت، إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما، أتعبتك المناظر # ولأن البلوى فيه أشد وأكثر. ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. فبودر إلى ~~منعه. ولأنه يتقدم الفجور في الواقع، فجعل النظم على وفقه. # الرابع- غض البصر من أجل الأدوية لعلاج أمراض القلوب. وفيه حسم لمادتها ~~قبل حصولها. فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. ومن أطلق لحظاته، دامت ~~حسراته. # كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر # قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (الجواب الشافي) : في غض البصر عدة ~~منافع: # PageV07P371 # أحدها- امتثال أمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده. وليس ~~للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى. وما سعد من ~~سعد في الدنيا والآخرة، إلا بامتثال أوامر ربه. وما شقي من شقي في الدنيا ~~والآخرة إلا بتضييع أوامره. # الثاني- أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه، إلى ~~قلبه. # الثالث- أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله، فإن إطلاق البصر ~~يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر. ~~فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه. # الرابع- أنه يقوي القلب ويفرحه. كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. # الخامس- أنه يكسب القلب نورا. كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر ~~سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر. فقال: قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم [النور: 30] ، ثم قال إثر ذلك: الله نور السماوات ~~والأرض [النور: 35] . أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن، الذي امتثل أوامره ~~واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما ~~أنه ms3494 إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان. فما شئت من بدعة ~~وضلالة، واتباع هوى واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب ~~الشقاوة. فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب. فإذا فقد ذلك النور ~~بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام. # السادس- أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل ~~والصادق والكاذب. وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع ~~السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، ~~واعتاد أكل الحلال- لم تخطئ له فراسة. # وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة، والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما ~~هو من جنس عمله. ومن ترك شيئا لله عوضه خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم ~~الله، عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه بصره لله. ويفتح له باب ~~العلم والإيمان والمعرفة، والفراسة الصادقة المصيبة التي، إنما تنال ببصيرة ~~القلب. وضد هذا مما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة. فقال ~~تعالى: # PageV07P372 # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر: 72] ، فوصفهم بالسكرة التي هي فساد ~~العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، فالتعلق بالصور يوجب إفساد العقل، ~~وعمه البصيرة يسكر القلب، كما قال القائل: # سكران: سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران؟ # وقال الآخر: # قالوا: جننت بمن تهوى فقلت لهم: ... العشق أعظم مما بالمجانين # العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين # السابع- أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة. ويجمع الله له بين سلطان ~~البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة، كما # في الأثر (الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله) # . وضد هذا تجده في المتبع هواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها ~~وحقارتها. وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه. كما قال الحسن: # إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن المعصية لا تفارق ~~رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. وقد جعل الله سبحانه العز قرين ~~طاعته. والذل قرين معصيته، فقال تعالى: ولله ms3495 العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~[المنافقون: 8] ، وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين [آل عمران: 139] ، والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن. وقال تعالى: من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه [فاطر: 10] ، أي من كان يريد العزة فليطبها بطاعة الله وذكره، من ~~الكلم الطيب، والعلم الصالح. وفي دعاء القنوت (إنه لا يذل من واليت، ولا ~~يعز من عاديت) «1» . ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه. # وله من العز بحسب طاعته، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه. وله من الذل ~~بحسب معصيته. # الثامن- أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب. فإنه يدخل مع النظرة وينفذ ~~معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي، فيمثل له صورة ~~المنظور إليه، يزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه. ويوقد ~~على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي، التي لم يكن يتوصل إليها ~~بدون تلك الصورة. فيصير القلب في اللهب،. فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي ~~PageV07P373 # يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات. فإن القلب قد أحاطت به نيران ~~بكل جانب. فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب ~~الشهوات بالصور المحرمة، أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم ~~فيه، إلى حشر أجسادهم، كما أراها الله نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام ~~في «1» الحديث المتفق على صحته. # التاسع- أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها. وإطلاق البصر ~~يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها. فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع ~~هواه وفي الغفلة عن أمر ربه، قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا [الكهف: 28] ، وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور ~~الثلاثة بحسبه. # العاشر- أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر. # وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا فسد القلب فسد النظر. وإذا فسد النظر ~~فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح. فإذا خربت العين وفسدت، خرب القلب وفسد، ~~وصار ms3496 كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ. فلا يصلح لسكنى ~~معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه. وإنما يسكن ~~فيه أضداد ذلك. فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر، تطلعك على ما وراءها. ~~انتهى. # ثم أمر الله تعالى النساء بما أمر به الرجال. وزاد في أمرهن، ما فرضه من ~~رفض حالة الجاهلية المألوفة قبل لهن، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 31] # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون (31) PageV07P374 # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن أي بالتستر والتصون عن ~~الزنى كما تقدم. قال الزمخشري: النساء مأمورات أيضا بغض الأبصار. ولا يحل ~~للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته. وإن اشتهت غضت بصرها ~~رأسا. ولا تنظر من المرأة إلا إلى مثل ذلك. وغض بصرها من الأجانب أصلا، ~~أولى بها وأحسن. ومنه # حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة «1» رضي الله عنها قالت: «كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة. فأقبل ابن أم مكتوم. وذلك بعد أن أمرنا ~~بالحجاب. # فدخل علينا. فقال: احتجبا. فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا! ~~قال: # أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي # وصححه ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الزمخشري: الزينة ما تزينت ~~به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب. فما كان ظاهرا منها، كالخاتم والفتخة ~~والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب. وما خفي منها كالسوار والخلخال، ~~والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلا ms3497 لهؤلاء ~~المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها، للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر. ~~لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد، لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء. ~~وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن. فنهى عن إبداء ~~الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل ~~أن النظر إليها غير ملابسة لها، لا مقال في حله- كان النظر إلى المواقع ~~أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة، شاهدا على أن النساء حقهن أن ~~يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. # (فإن قلت) : لم سومح مطلقا في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن سترها فيه حرج. # فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف ~~وجهها، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح. وتضطر إلى المشي في الطرقات ~~وظهور قدميها. وخاصة الفقيرات منهن. وهذا معنى قوله إلا ما ظهر منها يعني: ~~إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور. انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : فسر ابن عباس قوله تعالى: إلا ما ظهر منها ~~بالوجه والكفين، كما أخرجه ابن أبي حاتم. فاستدل به من أباح النظر إلى وجه ~~المرأة PageV07P375 # وكفيها، حيث لا فتنة. ومن قال: إن عورتها ما عداهما. وفسره ابن مسعود ~~بالثياب، وفسر الزينة بالخاتم والسوار والقرط والقلادة والخلخال. أخرجه ابن ~~أبي حاتم أيضا. # فهو دليل لمن لم يجز النظر إلى شيء من بدنها، وجعلها كلها عورة وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن أي وليسترن بمقانعهن، شعورهن وأعناقهن وقرطهن وصدورهن، ~~بإلقائها على جيوبهن أي مواضعها، وهي النحر والصدر. # قال الزمخشري: كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها. ~~وكن يسدلن الخمر من ورائهن، فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى ~~يغطينها. ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور، تسمية بما يليها ويلابسها، ومنه ~~قولهم (ناصح الجيب) ### | لطيفة: # قال أبو حيان: عدي (يضربن) ب (على) لتضمنه معنى الوضع. وجعله الراغب مما ~~يتعدى بها دون تضمين. و (الخمر) جمع خمار يقال (لغة) لما يستر به. # وخصصه العرف بما تغطي ms3498 به المرأة رأسها. ومنه (اختمرت) المرأة و (تخمرت) . # و (الجيب) ما جيب، أي قطع من أعلى القميص. وهو ما يسميه العامة طوقا. ~~وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها، فليس من كلام ~~العرب. كما ذكره ابن تيمية. كذا في (العناية) ثم كرر النهي عن إبداء الزينة ~~لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه، باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد ~~الضرورة باعتبار المنظور، بقوله تعالى: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أي ~~فإنهم المقصودون بالزينة. ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج. لكن ~~بكراهة على المشهور. # وقال الإمام أبو الحسن بن القطان في كتاب (إحكام النظر) : عن أصبغ، لا ~~بأس به، وليس بمكروه. وروي عن مالك لا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع. ثم ~~ذكرنا أن ما روي من أن ذلك يورث العمى، فحديث لا يصح. لأن فيه (بقية) وقد ~~قالوا (بقية أحاديثه غير نقية) ولم يؤثر عن العرب كراهة ذلك. وللنابغة ~~والأعشى وأبي عبيدة وابن ميادة وعبد بني الحساس والفرزدق، في ذلك ما هو ~~معروف. # وقوله تعالى: أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أي لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن ~~الفتنة من قبلهم. فإن آباءهن أولياؤهن الذين يحفظونهن عما يسوءهن. وآباء ~~بعولتهن يحفظون على أبناءهم ما يسوءهم. وأبناؤهن شأنهم خدمة الأمهات، وهم ~~منهن. وأبناء # PageV07P376 # بعولتهن شأنهم خدمة الآباء وخدمة أحبابهم. وإخوانهن هم الأولياء بعد ~~الآباء. # وبنوهم أولياء بعدهم. وكذا بنوا أخواتهن، هم كبني إخوانهن في القرابة ~~فيتعيرون بنسبة السوء إلى الخالة. تعيرهم بنسبته إلى العمة. هذا ما أشار له ~~المهايمي. # وأجمل ذلك الزمخشري بقوله: وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون، ~~لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالفتهم. # ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ولما في الطباع من النفرة عن ممارسة ~~القرائب. وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. ~~وقوله تعالى أو نسائهن قيل: هن المؤمنات. أخذا من الإضافة. فليس ms3499 للمؤمنة أن ~~تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية. وقيل: النساء كلهن. فإنهن سواء في حل نظر ~~بعضهن إلى بعض. # قال في (الإكليل) : فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم. وروى ابن أبي ~~حاتم عن عطاء أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما قدموا بيت المقدس، كان ~~قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات. # وقال الرازي: القول الثاني هو المذهب وقول السلف الأول محمول على ~~الاستحباب والأولى. # وقوله تعالى: أو ما ملكت أيمانهن أي لاحتياجهن إليهم. فلو منع دخولهم ~~عليهن اضطررن. قاله المهايمي. وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء. وإليه ذهب ~~قوم. # قالوا: لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي ~~محارمهن. # واحتجوا أيضا بما # رواه أبو داود «1» عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد ~~وهبه لها. قال: «وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها، لم يبلغ رجليها، وإذا ~~غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ما تلقى ~~قال: «إنه ليس عليك بأس. إنما هو أبوك وغلامك» . # وجاء في (تاريخ ابن عساكر) أن عبد الله بن مسعدة كان أسود شديد الأدمة. # وقد كان وهبه النبي صلوات الله عليه لابنته فاطمة. فربته ثم أعتقته، ثم ~~كان، بعد مع معاوية على علي. نقله ابن كثير، فاحتمل أن يكون هو هو. والله ~~أعلم. # وذهب قوم إلى أنه عنى بذلك الإماء المشركات، وأنه يجوز لها أن تظهر ~~زينتها إليهن وإن كن مشركات. قالوا: وسر إفراد الإماء مع شموله قوله أو ~~نسائهن لهن PageV07P377 # الإعلام بأن المراد من في صحبتهن من الحرائر والإمام لظهور الإضافة في ~~(نسائهن) بالحرائر. كقوله: شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] ، فعطفن عليهن ~~ليشاركنهن في إباحة النظر عليهن، والقول الأول أقوى. لأن الأصل هو العمل ~~بالعام حتى يقوم دليل على تخصيصه. لا سيما والحكمة ظاهرة فيه وهي رفع ~~الحرج. وهذا الذي قطع به الشافعي وجمهور أصحابه. # قال في (الإكليل) : وعلى الأول استدل بإضافة اليمين على أنه ليس لعبد ~~الزوج النظر. واستدل من أباحه ms3500 بقراءة أو ما ملكت أيمانكم. # وقوله: أو التابعين أي الخدام لأنهن في معنى العبيد غير أولي الإربة أي ~~الحاجة إلى النساء من الرجال كالشيخ الهرم والبله واستدل بهذا من أباح نظر ~~الخصي. وقوله تعالى: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء أي لم ~~يفهموا أحوالهن، لصغرهم. فيستدل به على تحريم نظر المراهق الذي فهم ذلك ~~كالبالغ. # كما في (الإكليل) . # قال الزمخشري: (يظهروا) إما من (ظهر على الشيء) إذا اطلع عليه، أي لا ~~يعرفون ما العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها. وإما من (ظهر على فلان) ~~إذا قوي عليه و (ظهر على القرآن) أخذه وأطاقه أي لم يبلغوا أوان القدرة على ~~الوطء. # و (الطفل) مفرد وضع موضع الجمع بقرينة وصفه بالجمع. ومثله (الحاج) بمعنى ~~الحجاج. وقال الراغب: إنه يقع على الجمع. ### | ### | تنبيه: # # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بعضهم بقوله تعالى ولا يبدين زينتهن ~~إلا إلخ على أنه لا يباح النظر للعم والخال، لعدم ذكرهما في الآية. أخرج ~~ابن المنذر عن الشعبي وعكرمة، قالا: لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان ~~لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال. # وقال الرازي: القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر. وهو قول ~~الحسن البصري. قال: لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب. وقال في ~~سورة الأحزاب: لا جناح عليهن في آبائهن [الأحزاب: 55] الآية، ولم يذكر فيها ~~البعولة ولا أبناءهم. وقد ذكروا هاهنا. وقد يذكر البعض لينبه على الجملة. # ثم قال: في قول الشعبي من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في ~~التستر. # PageV07P378 # ثم أشار تعالى إلى أن الزينة، كما يجب إخفاؤها عن البصر، يجب عن السمع، ~~إن كانت مما تؤثر فيه ميلا، بقوله سبحانه: # ولا يضربن بأرجلهن أي الأرض ليعلم ما يخفين أي عن الأبصار من زينتهن ~~كالخلخال. وهذا نهي عما كان يفعله بعضهن. وذلك من ضرب أرجلهن الأرض ليتحرك ~~خلخالهن فيعلم أنهن متحلين به. فإن ذلك مما يورث الرجال ميلا إليهن، ويوهم ~~أن لهن ميلا إليهم. # قال الزمخشري: وإذ نهين عن ms3501 إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي، ~~علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. قيل: وإذا نهي عن ~~استماع صوت حليهن. فعن استماع صوتهن بالطريق الأولى. وهذا سد لباب ~~المحرمات، وتعليم للأحوط الأحسن، لا سيما في مظان الريب وما يكون ذريعة ~~إليها. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: يدخل في هذا النهي كل شيء من زينتها كان مستورا، فتحركت ~~بحركة، لتظهر ما خفي منها. ومن ذلك ما ورد من نهيها عن التعطر والتطيب عند ~~خروجها من بيتها ليشم الرجال طيبها. # فروى الترمذي «1» عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل ~~عين زانية. والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» # . يعني زانية. # قال: ومن الباب عن أبي هريرة. وهذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود ~~والنسائي. # وروى الترمذي «2» أيضا عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة، لا نور ~~لها» # . ومن ذلك أيضا، نهيهن عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج. # فروى أبو داود «3» عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للنساء: استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق. ~~عليكن بحافات الطريق. فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى أن ثوبها ليتعلق ~~بالجدار من لصوقها به # . وقوله تعالى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون أي ارجعوا إليه ~~بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه، فإن مقتضى إيمانكم ذلك PageV07P379 # لعلكم تفلحون أي لكي تفوزوا بسعادة الدارين. ولما زجر تعالى عن السفاح ~~ومباديه القريبة والبعيدة، أمر بالنكاح. فإنه، مع كونه مقصودا بالذات من ~~حيث كونه مناطا لبقاء النوع، خير مزجرة عن ذلك. فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 32] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) # وأنكحوا الأيامى ms3502 منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم أي زوجوا من لا زوج له ~~من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح غلمانكم وجواريكم، والخطاب للأولياء ~~والسادات و (الأيامى) جمع أيم. من لا زوجه له أو لا زوج لها. يكون للرجل ~~والمرأة. يقال: آم وآمت وتأيما، إذا لم يتزوجا، بكرين كانا أو ثيبين. # قال أبو السعود: واعتبار الصلاح في الأرقاء، لأن من لإصلاح له منهم، ~~بمعزل من أن يكون خليقا بأن يعتني مولاه بشأنه، ويشفق عليه، ويتكلف في نظم ~~مصالحه بما لا بد منه شرعا وعادة، من بذل المال والمنافع. بل حقه ألا ~~يستبقيه عنده. وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر، فلأن الغالب ~~فيهم الصلاح. على أنهم مستبدون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم. ~~فإذا عزموا النكاح، فلا بد من مساعدة الأولياء لهم إذ ليس عليهم في ذلك ~~غرامة، حتى يعتبر في مقابلتها غنيمة عائدة إليهم. عاجلة أو آجلة: وقيل: ~~المراد هو الصلاح للنكاح والقيام بحقوقه. وقوله تعالى: إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله إزاحة لما عسى يكون وازعا من النكاح من فقر أحد ~~الجانبين. أي لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة. # فإن في فضل الله عز وجل غنية عن المال. فإنه غاد ورائح. يرزق من يشاء من ~~حيث لا يحتسب. أو وعد منه سبحانه بالإغناء. لكنه مشروط بالمشيئة. كما في ~~قوله تعالى: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء [التوبة: 28] ، والله ~~واسع عليم أي غني ذو سعة، لا يرزؤه إغناء الخلائق، إذ لا نفاذ لنعمته ولا ~~غاية لقدرته. عليم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة. انتهى ~~كلام أبي مسعود. ### | تنبيهات: # الأول- الأمر في الآية للندب. لما علم من أن النكاح أمر مندوب إليه. وقد # PageV07P380 # يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك. # وفي (الإكليل) : استدل الشافعي بالأمر على اعتبار الولي. لأن الخطاب له، ~~وعدم استقلال المرأة بالنكاح. واستدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا ~~شرط، ونكاح العبد الحرة. واستدل بها من قال بإجبار السيد ms3503 على نكاح عبده ~~وأمته. # الثاني- قدمنا أن قوله تعالى: يغنهم الله من فضله مشرط بالمشيئة. فلا ~~يقال إنه تعالى لا يخلف الميعاد، وكم من متزوج فقير. والتقييد بالمشيئة ~~بدليل سمعي، وهو الآية المتقدمة. أو إشارة قوله تعالى: عليم حكيم لأن مآله ~~إلى المشيئة. أو عقلي وهو أن الحكيم لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. # قال الناصر في (الانتصاف) : ولقائل أن يقول: إذا كانت المشيئة هي ~~المعتبرة في غنى المتزوج، فهي أيضا المعتبرة في غنى الأعزب، فما وجه ربط ~~وعد الغني بالنكاح، مع أن حال الناكح منقسم في الغنى على حسب المشيئة. فمن ~~مستغن به، ومن فقير، كما أن حال غير الناكح كذلك منقسم؟. # فالجواب، وبالله التوفيق: إن فائدة ربط الغنى بالنكاح، أنه قد ركز في ~~الطباع السكون إلى الأسباب والاعتماد عليها، والغفلة عن المسبب، جل وعلا. ~~حتى غلب الوهم على العقل فخيل أن كثرة العيال سبب يوجب الفقر حتما، وعدمها ~~سبب يوجب توفير المال جزما. وأن كل واحد من هذين السببين غير مؤثر فيما ~~ربطه الوهم به. فأريد قلع هذا الخيال المتمكن من الطبع، بالإيذان بأن الله ~~تعالى قد يوفر المال وينميه، مع كثرة العيال التي هي سبب في الأوهام، لنفاد ~~المال. وقد يقدر الإملاق مع عدمه، الذي هو سبب في الإكثار عند الأوهام. ~~والواقع يشهد لذلك بلا مراء. فدل ذلك قطعا على أن الأسباب التي يتوهمها ~~البشر، مرتبطات بمسبباتها، ارتباطا لا ينفك- ليست على ما يزعمونه. وإنما ~~يقدر الغنى والفقر مسبب الأسباب. غير موقوف تقدير ذاك إلا على مشيئة خاصة. ~~وحينئذ لا ينفر العاقل المتيقظ من النكاح. لأنه قد استقر عنده أن لا أثر له ~~في الإقتار. وأن الله تعالى لا يمنعه ذلك من إغنائه، ولا يؤثر أيضا الخلو ~~عن النكاح لأجل التوفير، لأنه قد استقر أن لا أثر له فيه، وأن الله تعالى ~~لا يمنعه مانع أن يقتر عليه. وأن العبد إن تعاطى سببا فلا يكن ناظرا إليه، ~~ولكن إلى مشيئة الله تعالى وتقدس. فمعنى قوله حينئذ إن يكونوا فقراء ms3504 الآية، ~~أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل الله. فعبر عن نفي كونه مانعا، من الغنى، # PageV07P381 # بوجوده معه. ولا يبطل المانعية إلا وجود ما يتوهم ممنوعا مع ما يتوهم ~~مانعا ولو في صورة من الصور على أثر ذلك. فمن هذا الوادي أمثال قوله تعالى: ~~فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [الجمعة: 10] ، فإن ظاهر الأمر طلب ~~الانتشار عند انقضاء الصلاة، وليس ذلك بمراد حقيقة. ولكن الغرض تحقيق زوال ~~المانع وهو الصلاة، وبيان أن الصلاة متى قضيت، فلا مانع. فعبر عن نفي ~~المانع بالانتشار، بما يفهم تقاضي الانتشار مبالغة في تحقيق المعنى عند ~~السامع. والله أعلم. # فتأمل هذا الفصل واتخذه عضدا حيث الحاجة إليه. انتهى. # الثالثة- (في الإكليل) : استدل بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح ~~بالعجز عن النفقة، لأنه قال (يغنهم الله) ولم يفرق بينهم. # ثم أرشد تعالى العاجزين عن أسباب النكاح، إلى ما هو أولى لهم، بعد بيان ~~جواز مناكحة الفقراء، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 33] # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله أي وليجتهد في ~~العفة الذين لا يجدون نكاحا، أي أسبابه، أو استطاعة نكاح أي تزوج. فهو على ~~المجاز، أو تقدير المضاف. أو المراد (بالنكاح) ما ينكح به. # قال الشهاب: فإن (فعالا) يكون صفة بمعنى مفعول. ككتاب بمعنى مكتوب. واسم ~~آلة كركاب لما يركب به. وهو كثير. كما نص عليه أهل اللغة. وقوله تعالى: حتى ~~يغنيهم الله من فضله ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ~~ليكون انتظار ذلك وتأميله، لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم. # وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفاء. وأدنى من الصلحاء. وما أحسن ما رتب ~~هذه الأوامر. ms3505 حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة، ويبعد عن مواقعة المعصية، ~~وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، وقع به الاستغناء بالحلال عن ~~الحرام. ثم # PageV07P382 # بالحمل على النفس الأمارة بالسوء، وعزفها عن الطموح الى الشهوة عند العجز ~~عن النكاح، إلى أن يرزق القدرة عليه. أفاده الزمخشري. ### | ### | ### | تنبيه: # # قال في (الإكليل) : في الآية استحباب الصبر عن النكاح لمن لا يقدر على ~~مؤنته. واستدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة. # ولما أمر تعالى للسادة بتزويج الصالحين من عبيدهم وإمائهم، مع الرق، ~~رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحرارا فيتصرفوا في أنفسهم ~~كالأحرار: # فقال تعالى: والذين يبتغون الكتاب أي الكتابة مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~حرصا على تحريرهم الذي هو الأصل فيهم، وحبا بتحقيق المساواة في الأخوة ~~الجنسية. والمكاتبة أن يقول السيد: كاتبتك. أي جعلت عتقك مكتوبا على نفسي، ~~بمال كذا تؤديه في نجوم كذا. ويقبل العبد ذلك، فيصير مالكا لمكاسبه ولما ~~يوهب له، وإنما وجب معه الإمهال، لأن الكسب لا يتصور بدونه. واشترط النجوم ~~لئلا تخلو تلك المدة عن الخدمة وعوضها جميعا. وقوله تعالى: إن علمتم فيهم ~~خيرا أي كالأمانة، لئلا يؤدوا النجوم من المال المسروق. والقدرة على الكسب ~~والصلاح، فلا يؤذى أحدا بعد العتق. وقوله تعالى: وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم أمر للموالي ببذل شيء من أموالهم. وفي حكمه، حط شيء من مال الكتابة. ~~ولغيرهم بإعطائهم من الزكاة إعانة لهم على تحريرهم. # تنبيه: # قال في (الإكليل) : في الآية مشروعية الكتابة. وأنها مستحبة. وقال أهل ~~الظاهر: واجبة لظاهر الآية. وأن لندبها أو وجوبها، شرطين: طلب العبد لها ~~وعلم الخير فيه وفسره مجاهد وغيره بالمال والحرفة والوفاء والصدق والأمانة. # ثم نهى تعالى عن إكراه الجواري على الزنى كما اعتادوه في الجاهلية، بقوله ~~سبحانه: ولا تكرهوا فتياتكم أي إماءكم، فإنه يكنى بالفتى والفتاة، عن العبد ~~والأمة، # وفي الحديث «1» # (ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل. عبدي وأمتي) # وقوله تعالى: على البغاء أي الزنى. يقال: بغت بغيا وبغاء، إذا عهرت. ms3506 وذلك ~~PageV07P383 # لتجاوزها إلى ما ليس لها. وقوله تعالى: إن أردن تحصنا ليس لتخصيص النهي ~~بصورة إرادتهن التعفف عن الزنى، وإخراج ما عداها من حكمه، بل للمحافظة على ~~عادتهم المستمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه، مع ~~وفور شهوتهن الآمرة بالفجور، وقصورهن في معرفة الأمور، الداعية إلى ~~المحاسن، الزاجرة عن تعاطي القبائح، انتهى كلام أبي السعود. أي وحينئذ فلا ~~مفهوم للشرط، وهذا كجواب بعضهم: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند ~~إرادة التحصن. # والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب. كما أن الخلع ~~يجوز في غير حالة الشقاق. ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق، ~~لا جرم لم يكن لقوله تعالى: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به [البقرة: 229] ، مفهوم. ومن هذا القبيل قوله وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~[النساء: # 101] ، والقصر لا يختص بحال الخوف. ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب. # فكذا هاهنا انتهى. # قال أبو السعود: وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه ~~من القبائح، ما لا يخفى. فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه ~~حرمه من إمائه، وفضلا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه. لا سيما عند إرادتهن ~~التعفف. وإيثار كلمة (إن) على (إذا) مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما، ~~للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه، عند كون إرادة التحصن في حيز التردد ~~والشك. فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع؟ وقوله تعالى: لتبتغوا ~~عرض الحياة الدنيا قيد للإكراه، لكن لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه، بل ~~باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم، كما قبله. جيء به تشنيعا لهم فيما هم عليه ~~من احتمال الوزر الكبير، لأجل النزر الحقير. # أي لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع ~~الزوال، الوشيك الاضمحلال. يعني من كسبهن وأولادهن. # وقوله تعالى: ومن يكرههن جملة مستأنفة ms3507 سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب ~~العمل به ببيان خلاص المكرهات عن عقوبة المكره عليه عبارة، ورجوع غائلة ~~الإكراه إلى المكرهين إشارة، أي ومن يكرههن على ما ذكر من البغاء. فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم أي لهن. كما وقع في مصحف ابن مسعود. وعليه قراءة ~~ابن عباس رضي الله عنهم. وكما ينبئ عنه قوله تعالى: من بعد إكراههن # PageV07P384 # أي كونهن مكرهات. على أن الإكراه مصدر من المبني للمفعول فإن توسيطه بين ~~اسم (إن) وخبرها، للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة. وكان الحسن ~~البصري رحمه الله تعالى، إذا قرأ هذه الآية يقول: لهن، والله! لهن، والله! ~~وفي تخصيصهما (بهن) وتعيين مدارهما، مع سبق ذكر المكرهين أيضا في الشرطية، ~~دلالة بينة على كونهم محرومين منهما بالكلية، كأنه قيل: لا للمكره. ولظهور ~~هذا التقدير، اكتفى به عن العائد إلى اسم الشرط. فتجويز تعلقهما بهم بشرط ~~التوبة استقلالا، أو معهن، إخلال بجزالة النظم الجليل، وتهوين لأمر النهي ~~في مقام التهويل. وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم، إما باعتبار ~~أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة ما يحكم ~~الجبلة البشرية. # وإما باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار ~~بالمرة. وإما لغاية تهويل أمر الزنى، وحث المكرهات على التثبت في التجافي ~~عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن ~~تداركهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن. فما حال من يكرههن في ~~استحقاق العذاب؟ # انتهى كلام أبي السعود وقد أجاد في تحقيق المرام رحمه الله تعالى: ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : في الآية النهي عن إكراه الإماء على الزنى. وأن ~~المكره غير مكلف ولا آثم. وأن الإكراه على الزنى يتصور. وإن مهر البغي ~~حرام. وفيه رد على من أوجب الحد على المكره له. # ثم حذر سبحانه من مخالفة ما نهى عنه، مما بينه أشد البيان، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 34] # ولقد أنزلنا إليكم آيات ms3508 مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) # ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات أي واضحات أو مفسرات لكل ما تهم حاجتكم ~~إليه من عبادات ومعاملات وآداب. ومنه ما ذكر قبل، من النهي عن الإكراه. # فلا يخفى المراد منها ومثلا من الذين خلوا من قبلكم أي خبرا عظيما عن ~~الأمم الماضية وما حل بهم، بظلمهم وتعديهم حدود الله وموعظة للمتقين أي ~~فيتعظون به وينزجرون عما لا ينبغي لهم. كما قال تعالى: فجعلناهم سلفا ومثلا # PageV07P385 # للآخرين # [الزخرف: 56] ، أي عبرة يعتبرون بها. وإيثار (المتقين) لحث المخاطبين على ~~الانتظام في سلكهم، فإنهم الفائزون. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 35] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) # الله نور السماوات والأرض أي منورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار. ~~فهو مجاز من إطلاق الأثر على مؤثرة. كما يطلق السبب على مسببه. أو مدبرهما، ~~من قولهم للرئيس الفائق في التدبير (نور القوم) لأنهم يهتدون به في الأمور ~~فيكون مجازا. أو استعارة استعير (النور) بمعنى المنور، للمدبر، لعلاقة ~~المشابهة في حصول الاهتداء. أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره- ~~كما قاله الغزالي- فيكون أطلق عليه تعالى مجازا مرسلا باعتبار لازم معناه. # قال أبو السعود: وعبر عن المنور بالنور ### | ، تنبيه # ا على قوة التنوير وشدة التأثير. # وإيذانا بأنه تعالى ظاهر بذاته، وكل ما سواه ظاهر بإظهاره. كما أن النور ~~نير بذاته وما عداه مستنير به. وأضيف (النور) إلى السماوات والأرض للدلالة ~~على سعة إشراقه. # أو المراد بهما العالم كله مثل نوره أي صفة نوره العجيبة الشأن. قال أبو ~~السعود: # أي نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة به وهو القرآن المبين. ~~كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال والتبيين. وقد صرح ms3509 بكونه نورا ~~أيضا في قوله تعالى: وأنزلنا إليكم نورا مبينا [النساء: 174] ، وبه قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما، والحسن، وزيد بن أسلم رحمهم الله تعالى: كمشكاة أي ~~كصفة كوة- طاقة- غير نافذة في الجدار، في الإنارة والتنوير فيها مصباح أي ~~سراج ضخم ثاقب- شديد الإضاءة- وقيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل، ~~والمصباح الفتيلة المشتعلة المصباح في زجاجة أي قنديل من الزجاج الصافي ~~الأزهر الزجاجة كأنها كوكب دري أي متلألئ وقاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته ~~يوقد من شجرة مباركة أي كثيرة المنافع، بأن رويت فتيلته بزيتها زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية. # PageV07P386 # أي لا شرقية تقع عليها الشمس وقت الشروق فقط، ولا غربية تقع عليها عند ~~الغروب. ولا تصيبها في الغداة بل في مكان عليها الشمس مشرقة من أول طلوعها ~~إلى آخر غروبها. كصحراء أو رأس جبل. فزيتها أضوأ يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه ولمعانه نور على نور أي ~~ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة بما فصل عن صفة ~~المشكاة. نور عظيم كائن على نور كذلك. ف (نور) خبر مبتدأ محذوف، والجار ~~متعلق بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة ~~للتمثيل، وتصريح لما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه. وليس معنى نور على نور نور ~~واحد فوق آخر مثله، ولا مجموع نورين اثنين فقط، بل هو عبارة عن نور متضاعف ~~كتضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر. فإن المصباح إذا كان في مكان ~~متضايق كالمشكاة، كان أضوأ له وأجمع لنوره. بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ~~ينبث فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة. وكذلك الزيت ~~وصفاؤه. وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا، مرتبة أخرى عادة. ~~يهدي الله لنوره من يشاء أي لهذا النور الثاقب العظيم الشأن، بأن يوفقهم ~~للإيمان به وفهم دلائل حقيته. # قال أبو السعود: وإظهاره في مقام الإضمار. لزيادة تقريره، وتأكيد فخامته ~~الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز ms3510 وجل ويضرب الله ~~الأمثال للناس أي ليدنو لهم المعقول من المحسوس، توضيحا وبيانا. ولذلك مثل ~~نوره المعبر عنه بالقرآن، بنور المشكاة والله بكل شيء عليم أي فلا يخفى ~~عليه شيء. # وفيه وعد ووعيد. لأن علمه تعالى، عبارة عن مجازاته في أمثال هذه الآي. ### | تنبيه: # هذه الآية الكريمة- آية النور- من الآيات التي صنفت فيها مصنفات خاصة. # منها (مشكاة الأنوار) للإمام الغزالي، وقد نقل عنه الرازي في (تفسيره) ~~هنا جملة سابغة الذيل. ورأيت للإمام ابن القيم في كتابه (الجيوش الإسلامية) ~~ما يجمل إيراده، تعزيزا للمقام واستظهارا بزيادة العلم. # قال رحمه الله: سمى الله سبحانه وتعالى نفسه نورا وجعل كتابه نورا ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم نورا ودينه نورا. واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار ~~أوليائه نورا يتلألأ، قال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض وقد فسر ~~بكونه منور السموات والأرض، وهادي # PageV07P387 # أهل السموات والأرض. فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنما هو ~~فعله. # وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق له اسم النور الذي هو ~~أحد الأسماء الحسنى. والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين. إضافة صفة إلى ~~موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله. فالأول كقوله عز وجل وأشرقت الأرض بنور ~~ربها [الزمر: 69] ، فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى، إذا جاء لفصل ~~القضاء. ومنه # قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء المشهور: «أعوذ بنور وجهك ~~الكريم أن تضلني لا إله إلا أنت» . # وفي الأثر الآخر: أعوذ بوجهك- أو بنور وجهك- الذي أشرقت له الظلمات # . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله. كما ~~أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. # وفي (معجم الطبراني) و (السنة) له و (كتاب عثمان الدارمي) وغيرها، عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه. قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض ~~من نور وجهه. وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقرب إلى تفسير الآية، ~~من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض. وأما من فسرها بأنه منور ms3511 ~~السموات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السموات ~~والأرض بهذه الاعتبارات كلها. # وفي صحيح «1» مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ~~«قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: إن الله لا ينام، ~~ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور. لو كشفه لأحرقت سبحات ~~وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . # وفي صحيح «2» مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «هل رأيت ربك؟ قال: نور، أنى أراه» # . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: معناه كان ثمة نور، ~~وحال دون رؤيته نور، فأنى أراه؟ قال: ويدل عليه أن في بعض الألفاظ الصحيحة: ~~هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نورا. وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس ~~حتى صحفه بعضهم فقال: # نوراني أراه. على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة. وهذا خطأ لفظا ~~ومعنى. # وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله (أنى أراه) كالإنكار للرؤية، حاروا في ~~الحديث، ورده بعضهم باضطراب PageV07P388 # لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في ~~كتاب (الرؤية) له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج. وبعضهم ~~استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك. وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة. فإن ~~ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث ~~قال: إنه صلى الله عليه وسلم رآه عز وجل. ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد ~~لفظ ابن عباس رضي الله عنهما. ويدل على صحته ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ~~ذر رضي الله عنه: # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر (حجابه النور) # فهذا النور، والله أعلم. النور المذكور في # حديث أبي ms3512 ذر رضي الله عنه (رأيت نورا) . # ثم قال ابن القيم: وقوله تعالى: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح هذا مثل ~~لنوره في قلب عبده المؤمن. كما قال أبي بن كعب وغيره: وقد اختلف في الضمير ~~في (نوره) فقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم. أي مثل نور محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: مفسره المؤمن. أي مثل نور المؤمن. # والصحيح أن يعود على الله تعالى. والمعنى: مثل نور الله سبحانه في قلب ~~عبده. وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا، ~~مع ما تضمنه عود الضمير المذكور- وهو وجه الكلام- يتضمن التقادير الثلاثة، ~~وهو أتم لفظا ومعنى. # وهذا النور يضاف إلى الله تعالى. إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه. ويضاف ~~إلى العبد. # إذ هو محله وقابله. فيضاف إلى الفاعل والقابل. ولهذا النور فاعل وقابل، ~~ومحل وحامل، ومادة. وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. ~~فالفاعل وهو الله تعالى مفيض الأنوار. الهادي لنوره من يشاء. والقابل: ~~العبد المؤمن. والمحل: قلبه. # والحامل: همته وعزيمته وإرادته. والمادة: قوله وعمله. وهذا التشبيه ~~العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على ~~عبده المؤمن، بما أناله من نوره، ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم. ~~وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: إحداهما طريقة التشبيه المركب وهي ~~أقرب مأخذا وأسلم من التكلف. # وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن، من غير تعرض لتفصيل كل جزء من ~~أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به. وعلى هذا عامة أمثال القرآن. ~~فتأمل صفة المشكاة، وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، ~~وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها. ومادته من ~~أصفى الأدهان وأتمها وقودا، من زيت شجرة في وسط القراح، لا شرقية ولا ~~غربية، بحيث # PageV07P389 # تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط القراح، محمية بأطرافه ~~تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها. فمن شدة إضاءة زيتها ~~وصفائها وحسنها، يكاد يضيء ms3513 من غير أن تمسه نار. فهذا المجموع المركب هو مثل ~~نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به. والطريقة الثانية، ~~طريقة التشبيه المفصل. فقيل: المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه. شبه قلبه ~~بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها. وكذلك قلب المؤمن. فإنه قد جمع الأوصاف ~~الثلاثة. فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق برقته وبصفائه. تتجلى فيه ~~صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه. ويتباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما ~~فيه من الصفاء. وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله ~~تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى. ويقوم بالحق لله تعالى. وقد جعل الله ~~تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: القلوب آنية الله في أرضه فأحبها ~~إليه أرقها وأصلبها وأصفاها. والمصباح هو نور الإيمان في قلبه. والشجرة ~~المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق. وهي مادة المصباح التي ~~يتقد منها. والنور على النور، نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور ~~الوحي والكتاب. فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورا على نور. ~~ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة، قبل أن يسمع ما فيه بالأثر. ثم يبلغه الأثر ~~بمثل ما وقع في قلبه ونطق به. فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة ~~والوحي. فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة. بل يتصادقان ويتوافقان. فهذا ~~علامة النور على النور. انتهى. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 36 الى 38] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه أي أمر أن تعظم عن اللغو، أو ~~ترفع بالبناء قدرا. ويتلى فيها اسمه، ولا يعبد فيها غيره، لأنها شيدت على ms3514 ~~اسمه جل شأنه. والظرف صفة (لمشكاة) أو (لمصباح) أو (لزجاجة) أو متعلق ب ~~(توقد) أو # PageV07P390 # بمحذوف. أي سبحوه في بيوت. أو ب (يسبح) . ولفظ (فيها) تكرار للتوكيد. # قال أبو السعود: لما ذكر شأن القرآن الكريم في بيانه للشرائع والأحكام، ~~ومبادئها وغاياتها المترتبة عليها من الثواب والعقاب، وأشير إلى كونه في ~~غاية ما يكون من التوضيح، حيث مثل بنور المشكاة- عقب ذلك بذكر الفريقين ~~وتصوير بعض أعمالهم المعربة عن كيفية حالهم في الاعتداء وعدمه، والمراد ~~بالبيوت، المساجد كلها يسبح له فيها بالغدو يعني قبل طلوع الشمس والآصال ~~جمع أصيل وهو العشي قبل غروب الشمس رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله أي بالتسبيح والتحميد وإقام الصلاة أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير ~~وإيتاء الزكاة أي المال الذي يتزكى مؤتيه من دنس الشح ورذيلة البخل، وتطهر ~~نفسه ويصفو سره يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار # أي تضطرب وتتغير من الهول والفزع. كما في قوله تعالى وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] ، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم ~~من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب اللام متعلقة ب (يسبح) أو (لا ~~تلهيهم) أو بمحذوف يدل عليه السوق. أي يفعلون ما يفعلون مما ذكر، ليجزيهم. ~~وفي آخر الآية تقرير وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان، ~~لأن (بغير حساب) كناية عن السعة. # والمراد أنه لا يدخل تحت حساب الخلق وعدهم. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها ~~عن اللغو والقاذورات. وفيها استحباب ذكر الله والصلاة في المساجد. وفي قوله ~~رجال إشارة إلى أن الأفضل للنساء الصلاة في قعر بيوتهن. كما صرح به الحديث، ~~إلا في نحو العيدين لحديث «1» : ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، وقوله لا ~~تلهيهم الآية، فيه أن التجارة لا تنافي الصلاة. لأن مقصود الآية أنهم ~~يتعاطونها، ومع ذلك لا تلهيهم عن الصلاة وحضور الجماعة. أخرج ابن أبي حاتم ~~عن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا ~~المسجد. فقال ابن عمر: ms3515 فيكم نزلت رجال لا تلهيهم الآية. وأخرج عن الضحاك ~~والحسن وسالم وعطاء ومطرف مثل ذلك. انتهى. وقوله تعالى: PageV07P391 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 39] # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) # والذين كفروا عطف على ما ينساق إليه ما قبله. كأنه قيل: الذين آمنوا ~~أعمالهم حالا ومآلا كما وصف، والذين كفروا أعمالهم أي التي يحسبونها تنفعهم ~~وتأخذ بيدهم من العذاب كسراب وهو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس، وقت ~~الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري بقيعة بمعنى القاع، وهو المنبسط ~~من الأرض. أو جمع قاع (كجيرة) في (جار) يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا أي لا محققا ولا متوهما. كما كان يراه من قبل، فضلا عن وجدانه ~~ماء، وبه تم بيان أحوال الكفرة بطريق التمثيل. وقوله تعالى: # ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أي وجد عقاب الله وجزاءه ~~عند السراب، أو العمل. وفي التعبير بذلك زيادة تهويل. وقيل: المعنى وجده ~~محاسبا إياه. فالعندية بمعنى الحساب، على طريق الكناية لذكر التوفية بعده. ~~قيل: هذه الجملة معطوفة على لم يجده ولا حاجة إلى عطفه على ما يفيده من نحو ~~(لم يجد ما عمله نافعا) . # قال الشهاب: ويحتمل أن يكون بيانا لحال المشبه به، الكافر فيعطف بحسب ~~المعنى على التمثيل بتمامه. ولو قيل على الأول إنه من تتمة وصف السراب. # والمعنى: وجد مقدوره تعالى من الهلاك بالظمأ عند السراب، فوفاه ما كتب ~~له، من لا يؤخر الحساب- كان الكلام متناسبا. واختار الثاني أبو السعود حيث ~~قال: هو بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك بطريق التكملة، لئلا يتوهم ~~أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط، كما هو شأن الظمآن. ويظهر أنه ~~يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا قدر عنده للخيبة أصلا. فليست الجملة ~~معطوفة على لم يجده شيئا بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل، من ms3516 عدم وجدان ~~الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا. كما في قوله تعالى وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا فإن قيل: لم خص (الظمآن) بالذكر، مع ~~أنه يتراءى لكل أحد كذلك؟ # فكان الظاهر (الرائي) بدله. وأجيب بأنه إنما قيده به ولم يطلقه لقوله: ~~ووجد الله عنده إلخ، لأنه من تتمة أحوال المشبه به. وهو أبلغ. لأن خيبة ~~الكافر أدخل وأعرق. ونحوه ثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا # [آل عمران: 117] ، إلخ، # PageV07P392 # فإن الكافرين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية. يعني أنه شبه أعمال الكفار ~~التي يظنونها نافعة، ومآلها الخيبة، برؤية الكافر الشديد العطش في المحشر، ~~سرابا يحسبه شرابا، فينتظم عطف (وجد الله) أحسن انتظام كما نوروه. كذا في ~~(الكشف) الثالثة- قال الشهاب: وهذا تشبيه بليغ وقع مثله في قوله مالك بن ~~نويرة: # لعمري إني وابن جارود كالذي ... أراق شعيب الماء والآل يبرق # فلما أتاه، خيب الله سعيه ... فأمسى يغض الطرف عيمان يشهق # ثم أشار تعالى إلى تمثيلهم بنوع آخر، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 40] # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~(40) # أو كظلمات في بحر لجي أي عميق كثير الماء يغشاه موج من فوقه موج أي ~~متراكم بعضه على بعض من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض أي متكاثفة متراكمة. ~~وهذا بيان لكمال شدة الظلمات إذا أخرج يده أي وجعلها بمرأى منه، قريبة من ~~عينه لينظر إليها لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور أي: # ومن لم يشأ الله أن يهديه لنوره الذي هو القرآن، فما له هداية ما. وهذا ~~في مقابلة قوله تعالى في مثل المؤمنين يهدي الله لنوره من يشاء والجملة ~~تقرير للتمثيل قبل، وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم، إذ لم يجاهدوا ~~لنيل ذلك، قال تعالى: والذين جاهدوا ms3517 فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69] . ### | لطيفة: # قال ابن كثير: هذان المثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار. كما ضرب ~~للمنافقين في أول البقرة مثلين: ناريا ومائيا. وكما ضرب لما يقر في القلوب ~~من الهدى والعلم، في سورة الرعد، مثلين مائيا وناريا. # ثم قال: أما الأول فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم أصحاب الجهل المركب الذين ~~يحسبون أنهم على شيء. فمثلهم كالسراب. والثاني لأصحاب الجهل البسيط وهم ~~المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم، الذين لا يعقلون. فلا يعرف أحدهم حال من ~~يقوده ولا يدري أين يذهب. بل كما يقال في المثل للجاهل (أين تذهب؟ قال: # PageV07P393 # معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري) انتهى. # وما ذكره مما يحتمله اللفظ الكريم، وليس بمتعين. ومستنده في ذلك ما ذكره ~~شيخه الإمام ابن القيم، عليهما الرحمة والرضوان، في (الجيوش الإسلامية) ولا ~~بأس بإيرادها لما اشتملت عليه من بدائع الفوائد. قال: انظر كيف انتظمت هذه ~~الآيات طرائق بني آدم أتم انتظام، واشتملت عليه أكمل اشتمال. فإن الناس ~~قسمان: # أهل الهدى والبصائر الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه على من قل ~~نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئا له حاصل فينتفع به. وهي كسراب ~~بقيعة إلخ، وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل ~~الصالح، الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره، ولم يعارضوها ~~بالشبهات. وأطاعوه في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات. # فلا هم في علمهم، من أهل الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون ~~[الذاريات: 11] ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم، الذين حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون. أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا ~~في نوره أهل الظلمات في آرائهم يعمهون. وفي ضلالهم يتهوكون. وفي ريبهم ~~يترددون. مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم من الحكمة وفصل الخطاب إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه [غافر: # 56] ، أوجبه لهم ms3518 اتباع الهوى، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان. # القسم الثاني- أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به والظلم ~~باتباع أهوائهم. الذين قال الله تعالى فيهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى [النجم: 23] ، وهؤلاء قسمان: أحدهما، ~~الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال. فهؤلاء أهل الجهل ~~المركب، الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون ~~أهله. وهم يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون. فهم لاعتقادهم الشيء ~~على خلاف ما هو عليه، بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا. وهكذا هؤلاء. أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون ~~صاحبه أحوج ما هو إليه. ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان، كما هو حال من ~~أم السراب فلم يجده ماء. بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين ~~وأعدل العادلين. سبحانه وتعالى. فحسب له ما عنده من العلم والعمل، فوفاه ~~إياه بمثاقيل الذر. وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباء منثورا. ~~إذ لم يكن خالصا # PageV07P394 # لوجهه، ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وصارت تلك الشبهات الباطلة ~~التي كان يظنها علوما نافعة، كذلك هباء منثورا. فصارت أعماله وعلومه حسرات ~~عليه. و (السراب) ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب ~~على وجه الأرض كأنه ماء يجري و (القيعة) و (القاع) هو المنبسط من الأرض ~~الذي لا جبل فيه ولا فيه واد. فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي ~~وأعماله، بسراب يراه المسافر في شدة الحر، فيؤمه، فيخيب ظنه ويجده نارا ~~تلظى. فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس واشتد بهم العطش، بدت ~~لهم كالسراب. فيحسبونه ماء. فإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية ~~العذاب، فعتلوهم إلى نار الجحيم فسقوا ماء حميما، فقطع أمعاءهم. وذلك الماء ~~الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع، والأعمال التي كانت لغير الله تعالى ~~صيرها الله تعالى حميما ms3519 سقاهم إياه. كما أن طعامهم من ضريع لا يسمن ولا ~~يغني من جوع وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا ~~تسمن ولا تغني من جوع وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا [الكهف: 103- 104] ، وهم الذين عنى بقوله: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا [الفرقان: 33] ، وهم الذين عنى بقوله تعالى: كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار [البقرة: 167] . # القسم الثاني من هذا الصنف، أصحاب الظلمات. وهم المنغمسون في الجهل. # بحيث قد أحاط بهم من كل وجه، فهم بمنزلة الأنعام بل هم أضل سبيلا. فهؤلاء ~~أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير ~~نور من الله تعالى: كظلمات جمع ظلمة وهي ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة ~~الظلم واتباع الهوى وظلمة الشك والريب وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله ~~تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به ~~الناس من الظلمات إلى النور. فإن المعرض عما بعث الله به تعالى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات: قوله: ظلمة. وعمله ~~ظلمة. ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى ظلمة. وقلبه مظلم ووجهه مظلم ~~وكلامه مظلم. وحاله مظلم. وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من النور، جد في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره، فهرب ~~إلى ظلمات الآراء التي هي به أنسب وأولى كما قيل: # خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم # PageV07P395 # وقوله تعالى: في بحر لجي اللجي العميق. منسوب إلى لجة البحر وهو معظمه. ~~وقوله تعالى: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب تصوير لحال المعرض عن ~~وحيه. فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره، بتلاطم أمواج ذلك البحر، ~~وأنهم أمواج بعضها فوق بعض. والضمير الأول قوله: يغشاه راجع إلى البحر، ~~والضمير ms3520 الثاني في قوله: من فوقه عائد إلى الموج. ثم إن تلك الأمواج مغشاة ~~بسحاب. فها هنا ظلمات: ظلمة البحر اللجي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة ~~السحاب الذي فوق ذلك كله إذا أخرج من في هذا البحر يده لم يكد يراها واختلف ~~في معنى ذلك. فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة رؤيتها. وهو أبلغ من ~~نفيه الرؤية. وإنه قد ينفي وقوع الشيء ولا تنفى مقاربته. فكأنه قال لم ~~يقارب رؤيتها بوجه. # قال هؤلاء: (كاد) من أفعال المقاربة. لها حكم سائر الأفعال في النفي ~~والإثبات. فإذا قيل: كاد يفعل، فهو إثبات مقاربة الفعل. وإذا قيل: لم يكد ~~يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل. # وقالت طائفة أخرى: بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد. وفي ذلك ~~إثبات رؤيتها بعد أعظم العسر، لأجل تلك الظلمات: قالوا: لأن (كاد) لها شأن ~~ليس لغيرها من الأفعال. فإنها إذا أثبتت نفت. وإذا نفت أثبتت. فإذا قلت: ~~(ما كدت أصل إليك) فمعناه: وصلت إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول. # وإذا قلت (كاد زيد يقوم) فهي نفي لقيامه. كما قال تعالى وأنه لما قام عبد ~~الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا [الجن: 19] . # ومنه قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم [القلم: 51] ، ~~وأنشد بعضهم في ذلك لغزا: # أنحوي هذا العصر! ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود؟ # إذا استعملت في صورة النفي أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود # وقالت فرقة ثالثة، منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره: إن استعمالها مثبتة، ~~يقتضي نفي خبرها. كقولك كاد زيد يقوم واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق ~~الأولى، فهي عنده تنفي الخبر. سواء كانت منفية أو مثبتة. (فلم يكد زيد ~~يقوم) أبلغ عنده في النفي من (لم يقم) واحتج بأنها إذا نفيت- وهي من أفعال ~~المقاربة- فقد نفيت مقاربة الفعل. وهو أبلغ من نفيه. وإذا استعملت مثبتة ~~فهي تقتضي مقاربة # PageV07P396 # اسمها لخبرها. وذلك يدل على عدم وقوعه. واعتذر عن مثل قوله تعالى فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] ، وعن مثل قوله ms3521 (وصلت إليك وما كدت أصل) و ~~(سلمت وما كدت أسلم) بأن هذا وارد على كلامين متباينين. أي: فعلت كذا بعد ~~أن لم أكن مقاربا له، فالأول يقتضي وجود العمل، والثاني يقتضي أنه لم يكن ~~مقاربا له، بل كان آيسا منه. فهما كلامان مقصود بهما أمران متباينان. # وذهبت فرقة رابعة إلى الفرق بين ماضيها ومستقبلها. فإذا كانت في الإثبات ~~فهي لمقاربة الفعل. سواء كانت بصيغة الماضي أو المستقبل. وإن كانت في طرف ~~النفي، فإن كانت بصيغة المستقبل، كانت لنفي الفعل ومقاربته. نحو قوله: لم ~~يكد يراها وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات نحو قوله: فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون [البقرة: 71] ، فهذه أربعة طرق للنحاة في هذه اللفظة. # والصحيح أنها فعل يقتضي المقاربة. ولها حكم سائر الأفعال. ونفي الخبر لم ~~يستفد من لفظها ووضعها. فإنها لم توضع لنفيه. وإنما استفيد من لوازم ~~معناها. # فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل، لم يكن واقعا، فيكون منفيا باللزوم. وأما ~~إذا استعملت منفية، فإن كانت في كلام واحد، فهي لنفي المقاربة. كما إذا قلت ~~(لا يكاد البطال يفلح) و (لا يكاد البخيل يسود) و (لا يكاد الجبان يفرح) ~~ونحو ذلك. # وإن كانت في كلامين، اقتضت وقوع الفعل، بعد أن لم يكن مقاربا. كما قال ~~ابن مالك: فهذا التحقيق في أمرها. # والمقصود إن قوله: لم يكد يراها إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة ~~الظلمة، وهو الأظهر. فإذا كان لا يقارب رؤيتها، فكيف يراها؟ قال ذو الرمة: # إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى في حب مية يبرح # أي لم يقارب البراح. وهو الزوال، فكيف يزول؟ فشبه سبحانه أعمالهم أولا، ~~في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم، بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد. فإذا ~~جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه. شبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها، لكونها ~~باطلة خالية عن نور الإيمان، بظلمات متراكمة في لجج البحر المتلاطم ~~الأمواج: الذي قد غشيه السحاب من فوقه. فيا له تشبيها ما أبدعه! وأشد ~~مطابقته بحال أهل البدع والضلال! ms3522 وحال من عبد الله سبحانه وتعالى على خلاف ~~ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه! وهذا التشبيه هو ~~تشبيه لأعمالهم الباطلة بالمطابقة والتصريح، # PageV07P397 # ولعلومهم وعقائدهم الفاسدة باللزوم. وكل واحد من السراب والظلمات، مثل ~~لمجموع علومهم وأعمالهم. فهي سراب لا حاصل لها، وظلمات لا نور فيها. وهذا ~~عكس مثل أعمال المؤمن وعلومه، التي تلقاها من مشكاة النبوة. فإنها مثل ~~الغيث الذي به حياة البلاد والعباد. ومثل النور الذي به انتفاع أهل الدنيا ~~والآخرة. ولهذا يذكر سبحانه هذين المثلين في القرآن في غير موضع، لأوليائه ~~وأعدائه. انتهى. كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. # ثم أشار تعالى إلى تعديل الدلائل على ربوبيته ووحدانيته في ألوهيته، ~~وظهور أمره وجلالته، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 41] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض أي ينزهه ويقدسه وحده، ~~أهلوهما والطير صافات أي يصففن أجنحتهن في الهواء كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~أي كل واحد مما ذكر، قد هدى وأرشد إلى طريقته ومسلكه، في عبادة الله عز ~~وجل. فالضمير في (علم) لكل. أو للفظ الجلالة، كالضمير في صلاته وتسبيحه. # قال الزمخشري: ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه، كما ألهمها ~~سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. # وتقدم في سورة الإسراء كلام في تسبيح الجمادات، فارجع إليه والله عليم ~~بما يفعلون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 42] # ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) # ولله ملك السماوات والأرض، وإلى الله المصير أي هو الإله الحاكم المتصرف ~~فيهما، الذي لا تنبغي العبادة فيهما إلا له، وإليه يوم القيامة، مصير ~~الخلائق، فيحكم بينهم، ويجزي الذين أساءوا بما عملوا. # PageV07P398 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 43] # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق ms3523 يخرج ~~من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) # ألم تر أن الله يزجي سحابا أي يسوقها برفق. ومنه البضاعة المزجاة، يزجيها ~~كل أحد. أي يدفعها لرغبته عنها، أو لقدرته على سوقها وإيصالها ثم يؤلف بينه ~~بضم بعضه إلى بعض. فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة ثم يجعله ركاما أي ~~متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق أي المطر يخرج من خلاله وهي فرجه ومخارج ~~القطر منه وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ~~من يشاء قال ابن كثير: يحتمل المعنى: فيصيب بما ينزل من السماء من نوعي ~~المطر والبرد رحمة بهم ويصرفه عن آخرين حكمة وابتلاء. ويحتمل المعنى: # فيصيب بالبرد من يشاء نقمة لما فيه من نثر الثمار وإتلاف الزروع. ويصرفه ~~عمن يشاء رحمة بهم. انتهى. # وخلاصته أن الضمير إما للأقرب، على الثاني، أوله ولما قبله، على الأول. ### | لطيفة: # قد ذكرت (من) الجارة في الآية ثلاث مرات. فالأولى ابتدائية اتفاقا. ~~والثانية زائدة أو تبعيضية أو ابتدائية، على جعل مدخولها بدلا مما قبله ~~بإعادة الجار. والثالثة فيها هذه الأقوال. وتزيد برابع، وهو أنها لبيان ~~الجنس. والتقدير: ينزل من السماء بعض جبال، التي هي البرد. # يكاد سنا برقه أي لمعانه يذهب بالأبصار أي يخطفها لشدته وقوته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 44] # يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # يقلب الله الليل والنهار أي يأتي بكل منهما بدل الآخر خلفا له. أو يأخذ ~~من طول أحدهما فيجعله في الآخر رحمة بالعباد، لانتظام معايشهم إن في ذلك ~~لعبرة لأولي الأبصار. # PageV07P399 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 45 الى # 46] # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله ms3524 يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) # والله خلق كل دابة من ماء كل حيوان يدب على الأرض من ماء، وهو جزء مادته. ~~أو ماء مخصوص هو النطفة، فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل لأن من الحيوانات ~~ما لا يتولد من نطفة. وقيل: من ماء متعلق ب (دابة) وليست صلة (لخلق) فمنهم ~~من يمشي على بطنه كالحياة. وتسمية حركتها مشيا، مع كونها زحفا، بطريق ~~الاستعارة أو المشاكلة ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، ~~يخلق الله ما يشاء أي مما ذكر وغيره، على من يشاء من الصور والأعضاء ~~والهيئات والحركات إن الله على كل شيء قدير لقد أنزلنا آيات مبينات، والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو صراط تلك الآيات، صراط الحق والهدى ~~والنور. # وهم المؤمنون الصادقون الذين استجابوا لله والرسول، وإذا دعوا إلى حكمها ~~استكانوا. # ثم أشار إلى ما كان يقع من المنافقين من أثر النفاق، تحذيرا من صنيعهم، ~~بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 47 الى 50] # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك أي ~~دعوى الإيمان وما أولئك بالمؤمنين أي في قلوبهم. ثم برهن عليه بقوله وإذا ~~دعوا إلى الله أي كتابه ورسوله أي سنته وحكمه ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون أي عن المجيء إليه وإن يكن لهم الحق أي الحكومة لهم، لا عليهم يأتوا ~~إليه مذعنين أي مسرعين طائعين. وقوله تعالى: أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا # PageV07P400 # أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله # أي في الحكم فيظلموا فيه. قال أبو السعود: # إنكار واستقباح لإعراضهم المذكور. وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من ~~القبائح المحققة فيهم، والمتوقعة منهم. ms3525 وترديد المنشئية بينها. فمدار ~~الاستفهام ليس نفس ما وليته الهمزة و (أم) من الأمور الثلاثة، بل هو ~~منشئيتها له. كأنه قيل: أذلك، أي إعراضهم المذكور، لأنهم مرضى القلوب ~~لكفرهم ونفاقهم، أم لأنهم ارتابوا في أمر نبوته عليه السلام، مع ظهور ~~حقيتها؟ أم لأنهم يخافون الحيف ممن يستحيل عليه ذلك؟ إشارة إلى استجماعهم ~~تلك الأوصاف الذميمة، التي كل واحد منها كفر ونفاق. # ثم بين اتصافهم مع ذلك بالوصف الأسوأ وهو الظلم، بقوله تعالى: بل أولئك ~~هم الظالمون أي الذين رسخ فيهم خلق الظلم لأنفسهم ولغيرهم. فالإضراب ~~انتقالي. # والمعنى: دع هذا كله، فإنهم هم الكاملون في الظلم، الجامعون لتلك ~~الأوصاف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 51 الى 52] # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون. # قال السيوطي في (الإكليل) : فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، ~~وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول: سمعنا وأطعنا. انتهى. # ثم أشير إلى حكاية شيء من أحوال أولئك المنافقين الممتنعين عن قبول حكمه، ~~وذلك إقسامهم الكاذب، ليستدل به على إيمانهم الباطن، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 53] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة ~~إن الله خبير بما تعملون (53) # PageV07P401 # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم # أي بالخروج من ديارهم وأموالهم وأهليهم ليخرجن # أي مجاهدين. و (جهد) منصوب على الحالية. أو هو مصدر (لأقسموا) من معناه. ~~وهو مستعار من (جهد نفسه) إذا بلغ وسعها. أي أكدوا الأيمان وشددوها قل لا ~~تقسموا طاعة معروفة # أي لا تقسموا على ذلك وتشددوا لترضونا. فإن الأمر المطلوب منكم طاعة ~~معروفة، لا تنكرها النفس. إذ لا حرج فيها. # فأطيعوا بالمعروف من غير ms3526 حلف، كما يطيع المؤمنون. وقيل: معناه طاعتكم ~~طاعة معروفة. أي أنها قول بلا عمل. إذ عرف كذبكم في أيمانكم. كما قال تعالى ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم [التوبة: 96] ، الآية وقال تعالى: اتخذوا أيمانهم ~~جنة [المجادلة: 16] ، الآية فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما ~~قال تعالى: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون [الحشر: 11- 12] ، ~~وقوله تعالى: إن الله خبير بما تعملون # أي من الأعمال الظاهرة والباطنة، التي منها الأيمان الكاذبة، وما تضمرونه ~~من النفاق ومخادعة المؤمنين، التي لا تخفى على من يعلم السر وأخفى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 54] # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا أي تولوا عن الإطاعة فإنما ~~عليه ما حمل أي كلفه من أداء الرسالة. فإذا أدى فقد خرج من عهدة تكليفه. # وعليكم ما حملتم أي ما أمرتم به من الطاعة والتلقي بالقبول والإذعان ~~والقيام بمقتضاه وإن تطيعوه تهتدوا أي لأنه يدعوكم إلى الصراط المستقيم. ~~فإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى. وإن لم ~~تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين أي التبليغ البين بنفسه، أو الموضح لما أمرتم به. # ولما تضمن قوله تعالى: تهتدوا إشارة إلى وعد كريم ومستقبل فخيم، استأنف ~~التصريح به تقريرا له، بقوله سبحانه: # PageV07P402 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 55] # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ms3527 فأولئك هم الفاسقون ~~(55) # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض أي ~~يورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم. أو ~~خلفاء من الذين لم يكونوا على حالهم من الإيمان والأعمال الصالحة كما ~~استخلف الذين من قبلهم أي من الأمم المؤمنة برسلها. التي أهلك الله عدوها، ~~وأورثها أرضها وديارها. كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم فلسطين، بعد إهلاك ~~الجبابرة وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم أي فليجعلن دينهم ثابتا مقررا، ~~مرفوع اللواء، ظاهرا على غيره، قاهرا لمن ناوأه. # قال أبو السعود: وفي إضافة (الدين) إليهم. وهو دين الإسلام، ثم وصفه ~~بارتضائه لهم، تأليف لقلوبهم ومزيد ترغيب فيه، وفضل تثبيت عليه وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك أي بعد هذا ~~الوعد الكريم الموجب لتحصيل ما تضمنه من السعادتين فأولئك هم الفاسقون أي ~~الكاملون في فسقهم. حيث كفروا تلك النعمة العظيمة. وجسروا على غمطها. ### | تنبيه: # في هذه الآية من الدلالة على صحة النبوة للإخبار بالغيب على ما هو عليه ~~قبل وقوعه- ما لا يخفى. فقد أنجز الله وعده، وأظهرهم على جزيرة العرب، ~~وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب. ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم ~~واستولوا على الدنيا، وصاروا إلى حال يخافهم كل من عداهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : الآيات 56 الى 57] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة معطوف على (أطيعوا الله) وما اعترض بينهما # PageV07P403 # كان تأكيدا، أو على مقدر يستدعيه السوق. أي: فآمنوا واعملوا صالحا ~~وأقيموا. أو فلا تكفروا وأقيموا. إلخ. ثم كرر طاعة الرسول، تأكيدا لوجوبها، ~~بقوله وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ~~أي معجزين لله تعالى، بل مدركون ومأواهم النار ولبئس المصير. # ثم أشير إلى تتمة الأحكام السابقة، إثر تمهيد ما يجب امتثاله من الأحكام، ~~ومن الترغيب والترهيب، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms3528 النور (24) : آية # 58] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم أي من العبيد والجواري ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم أي هي ثلاث عورات ~~لكم. إشارة إلى علة وجوب الاستئذان بأنهن أوقات يختل فيها التستر عادة، ~~ويكون النوم فيها مع الأهل غالبا. فالهجوم على أهل البيت في هذه الأحوال، ~~مما تأباه النفوس وتكرهه أشد الإباء والكراهة ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن، طوافون عليكم أي ليس عليكم جناح في ترك نهيهم عن الدخول بلا إذن. ~~ولا عليهم جناح من الدخول بدونه، بعد هذه الأوقات، وإن احتمل فيها الإخلال ~~بالتستر لندرته. وذلك لأنهم طوافون عليكم، فيعسر عليهم الاستئذان في كل مرة ~~بعضكم على بعض أي بعضكم طائف على بعض طوافا كثيرا. أو بعضكم يطوف على بعض. # قال الزمخشري: يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة، يطوفون ~~عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام. فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت ~~لأدى إلى الحرج. كذلك يبين الله لكم الآيات، والله عليم حكيم يشرع ما فيه ~~الحكمة وصلاح الحال وانتظام الشأن. ### | تنبيه: # في الآية إقرار ما جرت به العادة من أن النوم وقته بعد العشاء وقبل الفجر ~~ووقت # PageV07P404 # الظهيرة. وقد يستدل بها على أن كشف العورة في الخلوة جائز. كذا في ~~(الإكليل) . # وقال الرازي: الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن ~~لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما بقوله ~~تعالى: # ثلاث عورات لكم والثاني بال ### | تنبيه # على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة، وبين ما عداها، بأنه ليس ms3529 ذاك إلا ~~لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وإنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس ~~كذلك ما عدا هذه الأوقات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 59] # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) # وإذا بلغ الأطفال أي الذين رخص لهم في ترك الاستئذان في غير الأوقات ~~المذكورة منكم أي من الأحرار، دون المماليك، فإنهم باقون على الرخصة الحلم ~~أي حد البلوغ بالاحتلام، أو بالسن الذي هو مظنة الاحتلام فليستأذنوا أي في ~~سائر الأوقات أيضا كما استأذن الذين من قبلهم أي الذين بلغوا الحلم من ~~قبلهم، وهم الرجال أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا [النور: 27] . # والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن، إلا في العورات ~~الثلاثة. # فإذا اعتاد الأطفال ذلك، ثم خرجوا عن حد الطفولة، بأن يحتلموا أو يبلغوا ~~السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا ~~على أن يستأذنوا في جميع الأوقات، كما يستأذن الرجال الكبار الذين لم ~~يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. # وهذا مما الناس منه في غفلة. وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن عباس: ~~آية لا يؤمن بها أكثر الناس: آية الإذن. وإني لآمر جارتي أن تستأذن علي. # وسأله عطاء: أستأذن على أختي؟ قال: نعم، وإن كانت في حجرك تمونها. # وتلا هذه الآية. # وعنه: ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله. وقوله: إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم [الحجرات: 13] ، فقال ناس: أعظمكم بيتا. وقوله: وإذا حضر القسمة ~~[النساء: 8] . كذا في (الكشاف) . # PageV07P405 ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : في الآية أن التكليف إنما يكون بالبلوغ. وأن البلوغ ~~يكون بالاحتلام. وأن الأولاد البالغين لا يدخلون على والديهم إلا ~~بالاستئذان، كالأجانب. # انتهى. # وقال التقي السبكي في (إبراز الحكم، في شرح حديث رفع القلم) : أجمع ~~العلماء على أن الاحتلام يحصل به البلوغ في حق الرجل. ويدل لذلك قوله ~~تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم ms3530 الحلم فليستأذنوا وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا # الحديث «1» # (وعن الصبي حتى يحتلم) وهي رواية ابن أبي السرح عن ابن عباس # . قال: والآية أصرح. # فإنها ناطقة بالأمر بعد الحلم. # وورد أيضا عن علي رضي الله عنه، رفعه (لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم ~~إلى الليل) «2» رواه أبو داود # . والمراد بالاحتلام خروج المني. # سواء كان في اليقظة أم في المنام، بحلم أو غير حلم. ولما كان في الغالب ~~لا يحصل إلا في النوم بحلم، أطلق عليه الحلم والاحتلام، ولو وجد الاحتلام ~~من غير خروج مني، فلا حلم له. # ثم قال: # وقوله في الحديث (حتى يحتلم) # دليل البلوغ بذلك. وهو إجماع. # وهو حقيقة في خروج المني بالاحتلام، ومجاز في خروجه بغير احتلام يقظة أو ~~مناما. # أو منقول فيما هو أعم من ذلك، ويخرج منه الاحتلام بغير خروج مني، إن ~~أطلقناه عليه منقولا عنه. ولكونه فردا من أفراد الاحتلام. انتهى. # وفي (القاموس) : الحلم (بالضم) والاحتلام: الجماع في النوم. والاسم الحلم ~~كعنق. انتهى. # وقال الراغب: سمي البلوغ حلما، لكون صاحبه جديرا بالحلم: أي الأناة ~~والعقل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 60] # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ~~PageV07P406 # والقواعد من النساء أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد، لكبرهن اللاتي لا ~~يرجون نكاحا أي لا يطمعن فيه، لرغبة الأنفس عنهن فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن أي الظاهرة مما لا يكشف العورة، لدى الأجانب. أي يتركن التحفظ في ~~التستر بها. فلا يلقين عليهن جلابيبهن ولا يحتجبن غير متبرجات بزينة أي ~~مظهرات لزينة خفية. يعني الحلي في مواضعه المذكورة في قوله تعالى: ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو المعنى غير قاصدات بالوضع، التبرج. ولكن ~~التخفف إذا احتجبن إليه وأن يستعففن أي من وضع تلك الثياب خير لهن لأنه ~~أبلغ في الحياء وأبعد من التهمة والمظنة. ولذا يلزمهن، عند المظنة، ألا ~~يضعن ذلك. كما يلزم مثله ms3531 في الشابة والله سميع عليم أي فيسمع مقالهن مع ~~الأجانب، ويعلم مقاصدهن من الاختلاط ووضع الثياب. وفيه من الترهيب ما لا ~~يخفى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية # 61] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج أي في القعود ~~عن الغزو، لضعفهم وعجزهم. وهذه الآية كالتي في سورة الفتح وكآية براءة ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله [التوبة: 91] ، وهذا ما ذهب إليه عطاء وعبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم. وزعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده، مردود بأن المراد أن كلا ~~من الطائفتين منفي عنه الحرج. ومثال هذا- كما قال الزمخشري- أن يستفتيك ~~مسافر عن الإفطار في رمضان. وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر. قلت له: ~~ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك، يا حاج أن تقدم الحلق عن النحر. ~~يعني أنه إذا كان في العطف غرابة، لبعد الجامع في بادئ النظر، وكان الغرض ~~بيان حكم حوادث # PageV07P407 # تقاربت في الوقوع، والسؤال عنها والاحتياج إلى البيان لكونها في معرض ~~الاستفتاء، والإفتاء، كان ذلك جامعا بينها، محسنا للعطف، وإن تباينت. # قال الشهاب: وبهذا يظهر الجواب عن زعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده. # لأن ملائمته لما بعده قد عرف وجهها. وأما ملائمته لما قبله فغير لازمة، ~~إذ لم يعطف عليه. انتهى. # وقيل: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم ms3532 ~~وأولادهم، وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم، فيطعمونهم منها. فخالج قلوب ~~المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك. وخافوا أن يلحقهم فيه حرج. وكرهوا أن يكون ~~أكلا بغير حق، لقوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: ~~188] ، فقيل لهم: ليس على الضعفاء، ولا على أنفسكم، يعني عليكم، وعلى من في ~~مثل حالكم من المؤمنين، حرج في ذلك. # وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم، لما عسى يؤدي إلى ~~الكراهة من قبلهم. ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله إليه ~~وهو لا يشعر. والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه، فيضيق على ~~جليسه. # والمريض لا يخلو عن حالة تؤنف. # وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم ~~المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم. فكانوا يتحرجون. فقيل: ليس على ~~هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت. # هذا ما ذكروه. ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك، ونفي الحرج عنه كله. # ولا يستلزم نفي الحرج عن مؤاكلة المريض على هذه الأوجه الأخر، أن يشرك ~~أكيله الصحيح في غمس يده من إنائه مما حظر منه الطب، وغدت الأنفس تعافه. بل ~~يراد به حضوره مع الصحيح على مائدة، واختصاصه بقصعة على حدة. وما أحسن عادة ~~الانفراد بالقصاع، مما تطيب معه نفس المرضى والأصحاء في الاجتماع. وقوله ~~تعالى: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أي بيوت أزواجكم وعيالكم. أضافه ~~إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج وهذا قول الفراء. # وقال ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم. فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن ~~الولد كسب والده، ماله كماله. # قال صلى الله عليه وسلم «1» # «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» . PageV07P408 # قال: والدليل على هذا، أنه تعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد. لأنه إذا ~~كان سبب الرخصة هو القرابة، كان الذي هو أقرب منهم أولى. انتهى. # وعليه، فلا يقال إنه ليس في أكل الإنسان من بيت نفسه حرج، فما فائدة ذكره ~~بأن المراد بالأنفس من ms3533 هو بمنزلتها من العيال والأولاد، كما في قوله: ولا ~~تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] . # وفي (الكشف) : فائدة إقحام النفس، أن المراد به ليس على الضعفاء ~~المطعمين، ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات، أو من هو في مثل حالهم وهم ~~الأصدقاء- حرج. # وقيل إنه على ظاهره. والمراد إظهار التسوية بينه وبين قرنائه. # قال الشهاب: وهو حسن. ولا يرد عليه أنه حينئذ لم يذكر فيه الأكل من بيوت ~~الأزواج والأولاد، لأنه داخل في قوله: من بيوتكم. انتهى. # أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم ~~مفاتحه يعني أموال المرء، إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها له، أن يأكل ~~من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح كونها في يده وحفظه أو ~~صديقكم أي أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحدا وجمعا. وكذلك الخليط ~~والقطين والعدو. # كذا في (الكشاف) . # قال الناصر: وقد قال الزمخشري: إن سر إفراده في قوله تعالى: فما لنا من ~~شافعين ولا صديق حميم [الشعراء: 100- 101] ، دون الشافعين، والتنبيه على ~~قلة الأصدقاء، ولا كذلك الشافعون فإن الإنسان قد يحمي له، ويشفع في حقه من ~~لا يعرفه، فضلا عن أن يكون صديقا. # ويحتمل في الآيتين، أن يكون المراد به الجمع. فلا كلام. ويحتمل أن يراد ~~الإفراد، فيكون سره ذلك. والله أعلم. # قال الزمخشري: يحكى عن الحسن أنه دخل داره. وإذا حلقة من أصدقائه وقد ~~استلوا سلالا من تحت سريره، فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبون عليها ~~يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا، وضحك وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم. ~~يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم. # PageV07P409 # وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ منه ~~ما شاء. فإذا حضر مولاها فأخبرته، أعتقها سرورا بذلك. # وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: من عظم حرمة الصديق، أن جعله ~~الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة، بمنزلة النفس والأب والأخ ~~والابن. ms3534 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصديق أكبر من الوالدين. إن الجهنميين لما ~~استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات. فقالوا فما لنا من شافعين ولا صديق ~~حميم [الشعراء: 100- 101] . وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك، قام ~~ذلك مقام الإذن الصريح. وربما سمج الاستئذان وثقل. كمن قدم إليه طعام، ~~فاستأذن صاحبه في الأكل منه. انتهى. # ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا أي مجتمعين أو متفرقين. روي أن ~~قوما من الأنصار إذا نزل بهم ضيف، لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وإن قوما كانوا ~~تحرجوا من الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على ~~بعض. فأبيح لهم ذلك. # وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة، يرى أحدهم أن مخزاة عليه، أن ~~يأكل وحده في الجاهلية. حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحقل وهو جائع، حتى ~~يجد من يؤاكله ويشاربه. واشتهر هذا عن حاتم لقوله: # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # قال الشهاب: وفي الحديث (شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده) ~~والنهي في الحديث لاعتياده بخلا بالقرى، ونفي الحرج عن وقوعه أحيانا، بيان ~~لأنه لا إثم فيه، ولا يذم به شرعا، كما ذمت به الجاهلية. # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي إذا دخلتم بيتا من هذه البيوت ~~لتأكلوا، فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم، قرابة ودينا. قاله ~~الزمخشري. # أشار رحمه الله، إلى أن المراد بالأنفس من هم بمنزلتها، لشدة الاتصال ~~كقوله ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ويحتمل أن المسلم، إذا ردت تحيته ~~عليه، فكأنه سلم على نفسه. كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله، كأنه قاتل ~~نفسه. وأما إبقاؤه على ظاهره لأنه إذا لم يكن في البيت أحد، يسره أن يقول: ~~السلام علينا وعلى عباد الله # PageV07P410 # الصالحين. كما روي عن ابن عباس- فبعيد غير مناسب لعموم الآية. كذا في ~~(الشهاب) . # وقال الناصر: في التعبير عنهم، بالأنفس ### | ، تنبيه # على السر الذي اقتضى إباحة الأكل من هذه البيوت المعدودة، وأن ذلك إنما ~~كان، لأنها ms3535 بالنسبة إلى الداخل كبيت نفسه، لاتحاد القرابة.. فليطب نفسا ~~بانبساط فيها تحية من عند الله أي ثابتة بأمر، مشروعة من لدنه مباركة أي ~~مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامها طيبة أي تطيب بها نفس المستمع كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون أي ما فيها من الأحكام أو الآداب ~~القائدة إلى سعادة الدارين. # ولما أمر تعالى بالاستئذان عند الدخول، أرشد إلى الاستئذان عند الانصراف ~~من مجلسه صلوات الله عليه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 62] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، إن الله ~~غفور رحيم. # قال الزمخشري: أراد عز وجل أن يريهم عظم الجناية ذهاب الذاهب من مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه. فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه، ~~ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله. وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره. ~~وذلك مع تصدير الجملة (بإنما) وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول، ~~أحاطت صلته بذكر الإيمانين. # ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا، حيث أعاده على أسلوب آخر، وهو قوله: ~~إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله وضمنه شيئا آخر. وهو ~~أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرض بحال المؤمنين وتسللهم ~~لواذا. # ومعنى قوله: لم يذهبوا حتى يستأذنوه لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ~~ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استوصب أن ~~يأذن له. # PageV07P411 # والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس. فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز. ~~وذلك نحو مقاتلة عدو، أو تشاور في خطب مهم، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تسامح ~~في حلف وغير ms3536 ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه وقرئ (أمر جميع) . وفي ~~قوله: # وإذا كانوا معه على أمر جامع أنه خطب جلل، لا بد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوة، يظاهرونه عليه ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم ~~ومعارفهم وتجاربهم، في كفايته. فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال، مما يشق ~~على قلبه، ويشعث عليه رأيه فمن ثم غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في ~~الاستئذان، مع العذر المبسوط، ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ~~ويعنيهم، وذلك قوله: لبعض شأنهم وذكر الاستغفار للمستأذنين، دليل على أن ~~الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب، ولا يستأذنوا فيه. # وقيل: نزلت في حفر الخندق. وكان قوم يتسللون بغير إذن. وقالوا: كذلك ~~ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدمهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا ~~يخذلونهم في نازلة من النوازل، ولا يتفرقون عنهم، والأمر في الإذن مفوض إلى ~~الإمام. إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن. على حسب ما اقتضاه رأيه. ### | ### | تنبيه: # # استدل بالآية على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه صلى الله عليه وسلم. ~~وتسمى هذه المسألة مسألة التفويض. وهي مبسوطة في الأصول، وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 63] # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا أي إذا احتاج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر، فدعاكم، فلا تفرقوا عنه إلا ~~بإذنه. ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع ~~بغير إذن الداعي، قال الزمخشري. # وكذا قال ابن الأثير في (المثل السائر) أي إذا حضرتم في مجلسه، فلا يكن # PageV07P412 # حضوركم كحضوركم في مجالسكم. أي لا تفارقوا مجلسه إلا بإذنه، والزموا معه ~~الأدب. # وذهب قوم إلى أن المراد بالدعاء الأمر. منهم ابن أبي الحديد حيث قال في ~~(الفلك الدائر) : إن المعنى المتقدم، وإن دلت عليه قرينة ms3537 متقدمة، كما قال ~~ابن الأثير- ففي الآية قرينة أخرى متأخرة تقتضي حمله على محمل آخر غير هذا. ~~ولعله الأصح. وهي أن يراد بالدعاء الأمر. يقال: دعا فلان قومه إلى كذا، أي ~~أمرهم به وندبهم إليه وقال سبحانه يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] ، أي ندبكم. وقال سبحانه: وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم [نوح: 7] ، أي أمرتهم وندبتهم والقرينة المتأخرة ~~قوله: فليحذر الذين يخالفون عن أمره انتهى. وكذا قال المهايمي: أي لا ~~تجعلوا أمره بينكم كأمركم بينكم يجاب تارة دون أخرى. لأنه واجب الطاعة. لا ~~يسقط بالانسلال عن جملة المدعو. # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا أي ينسلون قليلا قليلا. (واللواذ) ~~الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا. يعني ينسلون عن الجماعة في ~~الخفية على سبيل الملاوذة، واستتار بعضهم ببعض. و (لواذا) حال. أي ملاوذين. # هذا، وقيل معنى الآية: لا تجعلوا نداءه وتسميته، كنداء بعضكم بعضا باسمه ~~ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرة. ولكن بلقبه المعظم. مثل: يا نبي الله! ~~ويا رسول الله! مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. # وضعف بأنه لا يلائم السياق واللحاق. وتكلف بعضهم لربطه بما قبله، بأن ~~الاستئذان يكون بقولهم: يا رسول الله! إنا نستأذنك. ولأن من معه في أمر ~~جامع يخاطبه ويناديه. والأول أظهر وأولى كما في (العناية) . # نعم، في التنزيل عدة آيات، في إيجاب مشافهته صلوات الله عليه بالأدب ~~ومخاطبته بالتوقير، وجعله من ضرورة الإيمان ومقتضاه. كآية يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقولوا راعنا [البقرة: 104] الآية، ويا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [الحجرات: 2] ، إلى قوله: إن الذين ينادونك ~~من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [الحجرات: 4] ، فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أي يعرضون عنه ولا يأتون به. فضمن (المخالفة) معنى الإعراض والصد. أو ~~عن صلته. وقيل: # PageV07P413 # إذا تعدى (خالف) ب (عن) ضمن الخروج. وأصل معنى المخالفة أن يأخذ كل واحد ~~طريقا غير طريق الآخر ms3538 في حاله أو فعله، كما قاله الراغب أن تصيبهم فتنة أي ~~محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم أي في الآخرة أو فيهما. ### | تنبيه: # استدل به على وجوب وزن الأمور بميزان شريعته وسنته، وأصول دينه. فما وافق ~~قبل، وما خالف رد على قائله وفاعله، كائنا من كان. كما # ثبت في الصحيحين «1» عنه صلوات الله عليه وسلامه (من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد) # واستدل بالآية أيضا أن الأمر للوجوب. فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر ~~مقتض لأحد العذابين. قيل: هذا إنما يتم إذا أريد بالأمر الطلب لا الشأن كما ~~في قوله: على أمر جامع وقد جوزا فيه مع إرادتهما معا. وتفصيل البحث في ~~(الرازي) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النور (24) : آية 64] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # ألا إن لله ما في السماوات والأرض، قد يعلم ما أنتم عليه أيها المكلفون ~~من المخالفة والموافقة، والنفاق والإخلاص. وإنما أكد علمه ب (قد) لتأكيد ~~الوعيد. # ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم أي فلا يخفى ~~عليه خافية. لأن الكل خلقه وملكه. فيحيط علمه به ضرورة. ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] . PageV07P414 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفرقان # الجمهور على أنها مكية. وعن الضحاك: مدنية. وعن بعضهم: مكية إلا ثلاث ~~آيات والذين لا يدعون إلى رحيما [الفرقان: 68- 70] . # قال المهايمي: سميت بالفرقان لاشتمالها على أنه ظهر كثرة خيرات الحق ~~بالفرقان، الذي هو التمييز بين الحق والباطل. والأظهر أنه لذكره فيها ~~بمعانيه الآتية المتسع لها اللفظ لا خصوص ما ذكره، وآياتها سبع وسبعون. # PageV07P415 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. # يحمد تعالى نفسه الكريمة ويثني عليها، لما أنزله من الفرقان، كما قال ~~الحمد لله الذي أنزل على ms3539 عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا ~~شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات [الكهف: 1- 2] الآية. # قال الزمخشري: (البركة) كثرة الخير وزيادته. ومنها تبارك الله وفيه ~~معنيان: تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه، في صفاته ~~وأفعاله. # والفرقان مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما. وسمي به القرآن لفصله ~~بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ولكن مفروقا مفصلا بعضه عن ~~بعض في الإنزال. # ألا ترى إلى قوله: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا [الإسراء: 106] ، انتهى. # قال الناصر: والأظهر ها هنا هو المعنى الثاني. لأنه في أثناء السورة بعد ~~آيات وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] ، ~~قال الله تعالى كذلك أي أنزلناه مفرقا كذلك لنثبت به فؤادك فيكون وصفه ~~بالفرقان في أول السورة- والله أعلم-. كالمقدمة والتوطئة لما يأتي بعد. ~~انتهى. # قال أبو السعود: وإيراده صلى الله عليه وسلم بذلك العنوان، لتشريفه ~~والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون ~~إلا عبدا للمرسل ردا على النصارى، والكناية في (ليكون) للعبد أو للفرقان. و ~~(النذير) صفة بمعنى منذر، أو مصدر بمعنى الإنذار، كالنكر مبالغة. # PageV07P416 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 2] # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا أي أحدثه إحداثا مراعي فيه التقدير والتسوية لما ~~أريد منه. # كخلق الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ~~ومزاولة الأعمال المفيدة. وكذلك كل حيوان وجماد خلق على الصورة المقدرة. ~~بأمثلة الحكمة والتدبير لأمر ما، ومصلحته مطابقا لما قدر له، غير متجاف ~~عنه. # ولما تضمن هذا إثبات التوحيد والنبوة، تأثره بالبرهنة عليهما، وتضليل ~~المخالفين فيهما، بقوله سبحانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 3] # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ms3540 وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا أي لا يملكون دفع ضر ولا جلب ~~نفع ولا إماتة أحد وإحياءه أولا وبعثه ثانيا. ومن كان كذلك فبمعزل عن ~~الألوهية، لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها. وفيه تنبيه على أن الإله ~~يجب أن يكون قادرا على البعث والجزاء. أفاده القاضي. # قال الشهاب: قدم الموت لمناسبته للضر المتقدم وفسر الموت والحياة ~~بالإماتة والإحياء والإنشار، إما بيانا لحاصل المعنى، لأن ملك الموت له ~~القدرة على الإماتة، أو إشارة إلى أنه بمعنى الأفعال. كما في قوله أنبتكم ~~من الأرض نباتا [نوح: 17] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى 5] # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ~~(5) # PageV07P417 # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما أي بجعل الصدق إفكا، والبريء عن الإعانة معينا وزورا أي باطلا لا ~~مصداق له، يعلمون من أنفسهم أنه باطل وبهتان وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ~~أي ما سطروه، كتبها لنفسه وأخذها فهي تملى عليه أي تلقى عليه ليحفظها بكرة ~~وأصيلا أي دائما. # قال ابن كثير: وهذا الكلام، لسخافته وكذبه وبهته منهم، يعلم كل أحد ~~بطلانه. فإنه قد علم بالضرورة: أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ~~يكن يعاني شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره. وقد نشأ بين ~~أظهرهم من أول مولده، إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم يعرفون ~~مدخله ومخرجه وصدقه وبره ونزاهته وأمانته. وبعده عن الكذب والفجور وسائر ~~الأخلاق الردية، حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره، وإلى أن بعث با (لأمين) ~~لما يعلمون من صدقه وبره. فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ms3541 ~~ورموه بهذه الأقوال، التي يعلم كل عاقل براءته منها. # وحاروا بما يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر. وتارة يقولون: ~~شاعر. وتارة يقولون: مجنون. وتارة يقولون: كذاب، قال الله تعالى: انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا [الإسراء: 48] و [الفرقان: 9] ، ~~وقال تعالى في جواب ما افتروه هنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 6] # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض أي الخفي فيهما. إشارة إلى ~~علمه تعالى بحالهم بالأولى. ومن مقتضاه رحمته إياهم بإنزاله، لزيادة حاجتهم ~~وافتقار أمثالهم إلى إخراجهم من الظلمات بأنواره. وفي طيه ترهيب لهم بأن ما ~~يسرونه من الكيد للنبي عليه الصلاة والسلام، مع ما يتقولونه ويفترونه، لا ~~يعزب عن علمه. فسيجزيهم عليه بزهوق باطلهم ومحو أثرهم، وسموق حقه وظهور ~~أمره إنه كان غفورا رحيما تعليل لما هو مشاهد من تأخير عقوبتهم، مع ~~استيجابهم إياها. # أي فهو يمهل ولا يعاجل لمغفرته ورحمته. أو الوصفان كناية عن كمال قدرته ~~على الانتقام منهم. لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر. هذا ما ~~يستفاد من (الكشاف) ومن تابعه، لبيانه مطابقة ذلك لما قبله. # وقال ابن كثير: قوله تعالى إنه كان غفورا رحيما دعاء لهم إلى التوبة ~~والإنابة، # PageV07P418 # وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه. ~~فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتانهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن ~~الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم سبحانه إلى التوبة، والإقلاع عما هم فيه، ~~إلى الإسلام والهدى. كما قال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ~~[المائدة: 73- 74] ، وقال تعالى: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق [البروج: 10] ، قال الحسن البصري: ~~انظروا إلى هذا الكرم والجود. قتلوا أولياءه وهو يدعوهم ms3542 إلى التوبة ~~والرحمة. # ثم أشار تعالى إلى تعنتهم بخصوص المنزل عليه، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 7] # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام أي كما نأكل ويمشي في الأسواق أي ~~يتردد فيها لشئونه كما نمشي. قال الزمخشري: يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا ~~مستغنيا عن الأكل والتعيش. أي فيخالف حاله حالنا. قال أبو السعود: وهل هو ~~إلا لعمههم وركاكة عقولهم، وقصور أنظارهم على المحسوسات. فإن تميز الرسل ~~عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأمور نفسانية. كما أشير إليه بقوله ~~تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي [الكهف: 110] ، ثم نزلوا عن اقتراحهم ~~أن يكون ملكا، إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك حتى يتساندا في الإنذار ~~فقالوا لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ثم نزلوا أيضا إلى اقتراح أن ~~يرفد بكنز، إن لم يرفد بملك، فقالوا: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 8] # أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا (8) # أو يلقى إليه كنز أي من السماء يستظهر به، ولا يحتاج إلى طلب المعاش، # PageV07P419 # ويكون دليلا على صدقه. ثم نزلوا فاقتنعوا باقتراح ما هو أيسر منه، فقالوا ~~أو تكون له جنة يأكل منها أي بستان يرتزق منه وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا # أي مغلوبا على عقله. وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 9] # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) # انظر كيف ضربوا لك الأمثال استعظام للأباطيل التي اجترءوا على التفوه ~~بها. # والتعجب منها. أي انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقوال الخارجة عن العقول ~~فضلوا فلا يستطيعون سبيلا أي القدح في نبوتك، بأن يجدوا قولا يستقرون عليه. # أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقا إليه. # قال ابن كثير: كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ضال، حيثما ms3543 توجه. # لأن الحق واحد، ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضا. # ثم نبه تعالى على أنه إن شاء آتاه خيرا مما يقترحون، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 10] # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا (10) # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا أي إن شاء جعل لك خيرا مما قالوا. وهو أن يجعل لك مثل ما وعدك في ~~الآخرة من الجنات والقصور. ولكن قضت حكمته ذلك ليكون الرضوخ للحق لا للمال. ~~وليصدع بأن الأمر مبني على النظر والاستدلال، لا ما يلهي المشاعر والخيال. ~~مما يتطرق إلى الشغب فيه الجدال، فسبحان الحكيم المتعال. وقوله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 11] # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) # بل كذبوا بالساعة إضراب انتقالي عن توبيخهم بحكاية جنايتهم السابقة، ~~وانتقال منه إلى توبيخهم بحكاية جنايتهم الأخرى، للتخلص إلى بيان ما لهم في # PageV07P420 # الآخرة بسببها، من فنون العذاب، بقوله وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا أي ~~نارا شديدة الاستعار، أي التوقد والالتهاب. # وقيل: هذا الإضراب عطف على ما حكى عنهم وهو وقالوا مال هذا الرسول على ~~معنى: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة. والحال أنا قد ~~أعتدنا لكل من كذب بها سعيرا. فإن جراءتهم على التكذيب بها، وعدم خوفهم مما ~~أعد لمن كذب بها، أعجب من القول السابق. # ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قيل: بل كذبوا بالساعة، فكيف يلتفتون إلى ~~هذا الجواب؟ وكيف يصدقون بتعجيل ما وعدك الله في الآخرة وهم لا يؤمنون ~~بها؟. # ثم وصف تعالى السعير بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 12] # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا أي إذا كانت بمرأى منهم ~~(أي قريبة منهم) ونسبة الرؤية إليها لا إليهم، للإيذان بأن التغيظ والزفير ~~منها، لهيجان غضبها عليهم ms3544 عند رؤيتها إياهم، حقيقة أو تمثيلا. و (من) في ~~قوله من مكان بعيد إشعار بأن بعد ما بينها وبينهم من المسافة، حين رأتهم، ~~خارج عن حدود البعد المعتاد في المسافات المعهودة. فيه مزيد تهويل لأمرها. ~~أفاده أبو السعود. و (التغيظ) إظهار الغيظ وهو أشد الغضب، وقد يكون مع صوت ~~كما هنا. # شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره، وهو صوت يسمع من جوفه، تصريحا أو ~~مكنيا أو تمثيلا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 13 الى # 14] # وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) # وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل ~~دعوا هنالك ثبورا أي هلاكا. أي نادوه نداء المتمني الهلاك. ليسلموا مما هو ~~أشد منه. كما قيل: أشد من الموت ما يتمنى معه الموت. فيقال لهم لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا لكثرة أنواعه المتوالية. فإن عذاب ~~جهنم ألوان وأفانين. أو كثرته باعتبار تجدد أفراده وإن كان متحدا. أو كثرته ~~كناية عن دوامه. لأن # PageV07P421 # الكثير شأنه ذلك كما قيل في ضده وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ~~[الواقعة: 32- 33] ، وقيل: وصف الثبور بالكثرة، لكثرة الدعاء أو المدعو به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 15 الى 16] # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون، كانت لهم جزاء ومصيرا لهم ~~فيها ما يشاؤن خالدين، كان على ربك وعدا مسؤلا أي حقيقا أن يسأل ويطلب ~~ويتنافس فيه. وما في (على) من معنى الوجوب، لامتناع الخلف في وعده تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 18] # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء ولكن متعتهم ms3545 وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أي الله تعالى للمعبودين، ~~تقريعا لعبدتهم أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل أي عن السبيل ~~بأنفسهم، لإخلالهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن المرشد قالوا سبحانك تعجبا ~~مما قيل لهم. لأنهم إما ملائكة معصومون أو جمادات لا قدرة لها على شيء. أو ~~تنزيها له عن الأنداد ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء أي ~~نعبدهم فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا غيرك، أو (من أولياء) أي ~~أتباعا للعبادة ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر استدراك مسوق لبيان ~~أنهم هم الضالون، بعد بيان تنزههم عن إضلالهم. وقد نعى عليهم سوء صنيعهم ~~حيث جعلوا أسباب الهداية أسبابا للضلالة. أي ما أضللناهم. ولكن متعتهم ~~وآباءهم بأنواع النعم، ليعرفوا حقها ويشكروها. فانهمكوا في الشهوات حتى ~~نسوا الذكر، أي ذكرك. أو التذكر في آلائك، والتدبر في آياتك، فجعلوا أسباب ~~الهداية، بسوء اختيارهم، ذريعة إلى الغواية- أفاده أبو السعود وكانوا قوما ~~بورا أي هالكين. ثم أشار تعالى لاحتجاجه على عبدتهم وإلزامهم ما يبكتهم، ~~بقوله: # PageV07P422 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 19] # فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا (19) # فقد كذبوكم أي المعبودون، أيها الكفرة بما تقولون أي في قولكم إنهم آلهة. ~~أو في قولكم هؤلاء أضلونا فما تستطيعون أي ما تملكون صرفا أي دفعا للعذاب ~~عنكم بوجه ما ولا نصرا أي لأنفسكم من البوار ومن يظلم منكم أيها المكلفون، ~~كدأب هؤلاء نذقه عذابا كبيرا. ثم أجاب عن شبههم السابقة، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 20] # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~أي ليحتاجون إلى التغذي بالطعام ويتجولون في الأسواق للتكسب والتجارة. وليس ~~ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم. ms3546 فإنه تعالى جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات ~~الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة ~~القاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به ~~من الله. # ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى [يوسف: 109] ، وقوله: وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام [الأنبياء: 8] . ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية إباحة دخول الأسواق للعلماء وأهل ~~الصلاح خلافا لمن كرهها لهم. # وقوله تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون، وكان ربك بصيرا قال ~~الزمخشري: هذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه ~~من أكله الطعام ومشيه في الأسواق. بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل. يقول: ~~وجرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم، أيها الناس، ببعض. والمعنى أنه ~~ابتلى المرسلين # PageV07P423 # بالمرسل إليهم. وبمناصبتهم لهم العداوة. وأقاويلهم الخارجة عن حد ~~الإنصاف، وأنواع أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل. ونحوه ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور [آل عمران: 186] ، وفي قوله تعالى: وكان ربك بصيرا زيادة ~~تسلية وعدة جليلة. أي هو عالم فيما يبتلي به وغيره، فلا يضق صدرك. فإن في ~~صبرك سعادة وفوزا في الدارين. # ثم أشار إلى نوع آخر من أقاويلهم الباطلة، وإبطالها، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 21] # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) # وقال الذين لا يرجون لقاءنا أي الرجوع إليه بالبعث والحشر لولا أنزل ~~علينا الملائكة أي للرسالة، أو لتخبرنا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أو ~~نرى ربنا أي فيخبرنا بذلك لقد استكبروا في أنفسهم أي في شأنها حتى تفوهوا ~~بمثل هذه العظيمة وعتوا أي تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان عتوا كبيرا أي ~~بالغا أقصى غايته حيث أملوا رتبة التكليم الرباني من غير توسط الرسول ~~والملك. ولم يكتفوا بهذا الذكر ms3547 الحكيم والخارق العظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 22] # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) # يوم يرون الملائكة أي عند الموت أو في القيامة لا بشرى يومئذ للمجرمين ~~ويقولون حجرا محجورا أي كما كانوا يقولون عند لقاء العدو وشدة النازلة حجرا ~~أي أسال الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ومحجورا تأكيد ل حجرا وقيل هو ~~من قول الملائكة ومعناه حراما محرما عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل ~~الله ذلك حراما عليكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 23] # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل أي مما كانوا يراءون به ابتغاء السمعة ~~والشهرة، # PageV07P424 # ويرونه من مكارمهم فجعلناه هباء منثورا أي مثل الغبار المنثور في الجو، ~~في حقارته وعدم نفعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 24 الى 25] # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ~~ونزل الملائكة تنزيلا (25) # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ويوم تشقق السماء بالغمام أي ~~ينصدع نظامها فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما يرى اليوم. فيخرب ~~العالم بأسره. و (الباء) بمعنى (مع) أي مع السحب الجوية أو بمعنى (عن) أي ~~تنفطر عن الغمام الذي يسود الجو ويظلمه، ويغم القلوب مرآه ونزل الملائكة ~~تنزيلا فيحيطون بالخلائق في المحشر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 26 الى 29] # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا (29) # الملك يومئذ الحق للرحمن أي فلا يدعيه ثم غيره. ويكون له سبحانه السلطة ~~القاهرة الشاملة وكان يوما على الكافرين عسيرا ويوم يعض الظالم على يديه أي ~~تشتد حسراته وتتصاعد زفراته يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا يعني ms3548 من أضله عن الذكر، وصده عن سبيل الله لقد ~~أضلني عن الذكر أي القرآن، أو موعظة الرسول إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا أي مبالغا في إضلاله، يعده ويمنيه في الدنيا، ما يحسره عليه في ~~العقبى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 30] # وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) # وقال الرسول أي إثر ما شاهد من عتوهم وعنادهم يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا أي متروكا، معرضا عنه. وجملة وقال الرسول عطف على # PageV07P425 # وقال الذين لا يرجون وما بينهما اعتراض، سيقت لانتظام ما قالوه، وطلب ~~النصر عليهم واستنزال الفرج الإلهي مما أضاقوا به الصدور، وجلبوه من ~~الكدور، وللإشارة إلى ما يحيق بهم من شقاء الدارين. ### | تنبيه: # الآية، وإن كانت في المشركين، وإعراضهم هو عدم إيمانهم، إلا أن نظمها ~~الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل به، والأخذ بآدابه. الذي هو حقيقة ~~الهجر. لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك. إذ لا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها. ~~ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها. # ومن (فوائد) الإمام ابن القيم رحمه الله. قوله في هذه الآية: هجر القرآن ~~أنواع: # أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. # والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. # والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا ~~يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم. # والرابع: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها. # فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. # قال: وكل هذا داخل في هذه الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. انتهى. # وفي (الإكليل) : إن في الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم ~~تعاهده بالقراءة فيه. وكذا قال أبو السعود: فيه تلويح بأن من حق المؤمن أن ~~يكون كثير التعاهد للقرآن، كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. ثم قال: وفيه ~~من التحذير ما لا يخفى. فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذا شكوا إلى ~~الله تعالى ms3549 قومهم، عجل لهم العذاب ولم ينظروا. ثم ذكر تعالى ما يكون أسوة ~~لنبيه، وتسلية له، ووعدا بالنصرة، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 31] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا أي إلى ما يبلغك ~~ما تتمناه ونصيرا أي لك على كل من يناوئك. ثم أشار تعالى إلى مقترح خاص ~~بالتنزيل الكريم، بقوله: # PageV07P426 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 32 الى # 33] # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة أي دفعة واحدة في وقت ~~واحد. وقد بين سبحانه بطلان هذه المماراة الحمقاء بقوله كذلك لنثبت به ~~فؤادك أي نقويه به على القيام بأعباء الرسالة، والنهوض لنشر الحق بين قادة ~~الجهالة. فإن ما يتواتر إنزاله لذلك، أبعث للهمة وأثبت للعزيمة وأنهض ~~للدعوة، من نزوله مرة واحدة ورتلناه ترتيلا أي فصلناه تفصيلا بديعا، لا ~~يلحق شأوه ولا يدرك أمده. # قال القاشاني: الترتيل هو أن يتخلل بين كل نجم وآخر، مدة يمكن فيها ترسخه ~~في قلبه، وأن يصير ملكة لا حالا ولا يأتونك بمثل أي بصفة عجيبة من باطلهم ~~في قدح أو مقترح إلا جئناك بالحق أي الذي يقمع تلك الصفة. كما قال بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه [الأنبياء: 18] ، وأحسن تفسيرا أي بيانا وهداية، ~~عناية بك وبما أرسلت من أجله، وخذلانا لأعداء الحق وخصوم الرشاد. ### | تنبيه: # يذكر المفسرون هاهنا أن الآية رد على الكفرة في طلبهم نزول القرآن جملة، ~~كنزول بقية الكتب جملة. ويرون أن القول بنزول بقية الكتب دفعة، صحيح. # فيأخذون لأجله في سر مفارقة التنزيل له. والحال أن القول بنزولها دفعة ~~واحدة لا أصل له، وليس عليه أثارة من علم، ولا يصححه عقل. فإن تفريق الوحي ~~وتمديد مدته بديهي الثبوت. لمقدار مكث النبي. إذ ما دام بين ms3550 ظهراني قومه، ~~فالوحي يتوارد تنزله ضرورة. ومن راجع التوراة والإنجيل الموجودين، يتجلى له ~~ذلك واضحا لا مرية فيه. وعذر القائل به ظنه أن الآية تعريض بنزول غيره ~~كذلك. وما كل كلام معرض به. # وإنما الآية حكاية لاقتراح خاص، وتعنت متفنن فيه. والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 34 الى 36] # الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) ولقد ~~آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) # الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ولقد آتينا # PageV07P427 # موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا # فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا وهم فرعون وقومه. والآيات ~~الخوارق التسع. أي فذهبا إليهم. فأرياهموها فكذبوها فدمرناهم تدميرا أي ~~بالإغراق في البحر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 37 الى 39] # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين ~~عذابا أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ~~ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) # وقوم نوح لما كذبوا الرسل يعني نوحا. وجمع تعظيما لرسالته. أو هو ومن ~~تقدمه عليهم السلام أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما وعادا يعني قوم هود وثمود بالصرف وعدمه. قراءتان. على معنى الحي أو ~~القبيلة وأصحاب الرس اسم بئر. ونبيهم قيل: شعيب، وقيل: غيره. ويروي هنا ~~بعضهم آثارا منكرة لا تصح. كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله. فلا ~~يحل الجراءة على روايتها، ولا تنزيل الآية عليها. لأنه من قفو ما ليس للمرء ~~به علم. ومثله يحظر الخوض فيه. وقرونا أي أقواما بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا ~~له الأمثال أي الأنباء التي تزجر عن الكفر والفساد وكلا تبرنا تتبيرا أي ~~إهلاكا عظيما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 40] # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت ms3551 مطر السوء أي أهلكت بالحجارة وهي قرى ~~قوم لوط أفلم يكونوا يرونها أي في مرورهم، ينظرون إلى آثار عذاب الله ~~ونكاله؟ # وفيه توبيخ لهم على تركهم الذكر، عند مشاهدة ما يوجبه بل كانوا لا يرجون ~~نشورا أي كفرة، لا يتوقعون عاقبة وجزاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 41 الى 42] # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا (42) # PageV07P428 # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا أي يستهزئون ~~قائلين ذلك. والإشارة للاستحقار. لأن كلمة (هذا) تستعمل له. وعائد الموصول ~~محذوف. أي بعثه. و (رسولا) حال منه إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها أي أنه كاد ليصرفنا عن عبادتها صرفا كليا، لولا أن ثبتنا عليها. # قال الزمخشري: فيه دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دعوتهم، وبذل قصارى الوسع والطاعة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات ~~عليهم، حتى شارفوا بزعمهم، أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط ~~لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ~~جواب منه تعالى لآخر كلامهم. وفيه وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن ~~طالت مدة الإمهال. ولا بد للوعيد أن يلحقهم، فلا يغرنهم التأخير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 43] # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا تعجيب للنبي صلوات الله ~~عليه من شناعة حالهم، بعد حكاية قبائحهم من الأقوال والأفعال. # قال الزمخشري: من كان في طاعة الهوى في دينه، يتبعه في كل ما يأتي ويذر، ~~ولا يتبصر دليلا، ولا يصغي إلى برهان، فهو عابد هواه وجاعله إلهه. فيقول ~~تعالى لرسوله: هذا الذي لا يرى معبودا إلا هواه، كيف تستطيع أن تدعوه إلى ~~الهدى؟ # أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام؟ وتقول لا بد أن تسلم، شئت ms3552 أو أبيت. ولا ~~إكراه في الدين. وهكذا كقوله وما أنت عليهم بجبار [ق: 45] ، لست عليهم ~~بمصيطر [الغاشية: 22] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 44] # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~(44) # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~أي منهم. لأن الأنعام تصرف قواها إلى طلب ما ينفعها، والنفرة مما يضرها. ~~وهؤلاء عطلوا قواهم وهي العقول التي يهتدى بها للحق، ويميز بها بين الخير ~~والشر. ثم أشار # PageV07P429 # تعالى إلى بعض دلائل التوحيد، وما فيها من النعم العظمى الجديرة بأن ~~تتلقى بالشكر لا بالكفر، كحال هؤلاء الكفرة بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 45] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل أي عجيب صنعه أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به ~~الناس ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله، من الطول والامتداد. من ~~(السكنى) أو غير متقلص من (السكون) بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد فلم ~~ينتفع به أحد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا أي علامة يستدل بأحوالها في مسيرها ~~على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان، زائلا ومتسعا ومتقلصا. فيبنون ~~حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه، على حسب ذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 46 الى # 47] # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) # ثم قبضناه إلينا أي أزلناه بعد ما أنشأناه ممتدا، ومحوناه بمحض قدرتنا ~~ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعه قبضا يسيرا أي على مهل، قليلا قليلا ~~حسب ارتفاع دليله على وتيرة معينة مطردة مستتبعة لمصالح المخلوقات ~~ومرافقها. # وفي هذا القبض اليسير، شيئا بعد شيء، من المنافع ما لا يعد ولا يحصر. ولو ~~قبض دفعة واحدة، لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا، وهو الذي جعل ~~لكم الليل لباسا ms3553 أي ساترا كاللباس والنوم سباتا أي راحة للأبدان تستعيض به ~~ما خسرته من قواها وجعل النهار نشورا أي زمان انتشار لطلب المعاش. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 48 الى 49] # وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) # وهو الذي أرسل الرياح بشرا أي ناشرات للسحاب وفي قراءة (بشرا) بضم ~~الموحدة بدل النون وسكون الشين، أي مبشرات بين يدي رحمته أي قدام المطر. # وهي استعارة بديعة. استعيرت الرحمة للمطر ثم رشحت. كقوله: يبشرهم ربهم # PageV07P430 # برحمة منه # [التوبة: 21] ، وجعلها بين يديه تتمة لها. لأن البشير يتقدم المبشر به. ~~ويجوز أن تكون تمثيلية. و (بشرا) من تتمة الاستعارة، داخل في جملتها. ومن ~~قرأ (نشرا) كان تجريدا لها. لأن النشر يناسب السحاب وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا أي مطهرا، لقوله: ليطهركم به [الأنفال: 11] . وهذه الآية أصل في ~~الطهارة بالماء. # قال القاضي: وتوصيف الماء به إشعار بالنعمة فيه، وتتميم للمنة فيما بعده. # فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته. وتنبيه على أن ~~ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها، فبواطنهم بذلك أولى لنحيي به بلدة ~~ميتا أي بإنبات النبات ونسقيه أي ذلك الماء مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ~~قال الكرخي: خص الأنعام بالذكر، لأنها ذخيرتنا ومدار معاش أكثر أهل المدر. ~~ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض. فإنها سبب لحياتها ~~وتعيشها، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 50 الى 52] # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ~~(52) # ولقد صرفناه أي كررنا هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ~~بينهم ليذكروا أي ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا أي كفران النعمة وجحودها ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا أي نبيا ms3554 ينذر أهله فيخف عليك أعباء النبوة. لكن لم نشأ ذلك، فلم ~~نفعله. بل قصرنا الأمر عليك حسبما ينطق به قوله تعالى: ليكون للعالمين ~~نذيرا [الفرقان: 1] ، إجلالا لك وتعظيما، وتفضيلا لك على سائر الرسل. # وقال المهايمي: أي لكن لم نشأ. لأنه يقتضي تفرق الأمم وتكثر الاختلافات. # فجعلنا الواحد نذيرا للكل ليطيعوه أو يقاتلهم. والكفار يريدون أن يطيعهم ~~الرسل أو يتركوهم على ما هم عليه فلا تطع الكافرين أي فقابل ذلك بالثبات ~~والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق والتشدد والتصبر. ولا تطعهم فيما يريدونك ~~عليه. وأراد بهذا النهي، تهييجه وتهييج المؤمنين، وتحريكهم. أي إثارة غيرته ~~وغيرتهم. وإلا فإطاعته لهم غير متصورة. # PageV07P431 # وقال أبو السعود: كأنه نهي له، عليه الصلاة والسلام، عن المداراة معهم، ~~والتلطف معهم. أي لأن في ذلك إضعافا للحق وتغشية عليه. وطول أمد في سريانه. # ولذا قال وجاهدهم به أي بالقرآن وما نزل إليك من الحق جهادا كبيرا أي لا ~~يخالطه فتور، بأن تلزمهم بالحجج والآيات، وتدعوهم إلى النظر في سائر ~~الآنات، لتتزلزل عقائدهم، وتسمج في أعينهم عوائدهم. وهذه الآية من أصرح ~~الأدلة في وجوب مجادلة المبطلين، ودعوتهم إلى الحق بقوة، والتفنن في ~~محاجتهم بأفانين الأدلة. فإن الحق يتضح بالأدلة. كما أن الشهور تشتهر ~~بالأهلة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 53] # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) # وهو الذي مرج البحرين أرسلهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان هذا ~~عذب فرات أي شديد العذوبة قامع للظمإ وهذا ملح أجاج أي بليغ الملوحة وجعل ~~بينهما برزخا أي حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر وحجرا محجورا أي منعا من ~~وصول أثر أحدهما إلى الآخر، وامتزاجه به، حتى بعد دخول أحدهما في الآخر ~~مسافة. ### | لطيفة: # تلطف هنا المهايمي في تأويل الآية، بمعنى يصلها بالآية قبلها، في أسلوب ~~غريب. قال رحمه الله في قوله تعالى وجاهدهم به جهادا كبيرا: يؤثر في ~~بواطنهم فيكون كبيرا يفوق ما يؤثر في الظواهر (و) إن زعموا أنه كيف يجاهد ms3555 ~~بالدلائل من يورد شبهات تجاورها؟ قيل: غاية أمرها أن يكونا كالبحرين ~~المختلفين المتجاورين. وقد رفع الله الالتباس بينهما بعد ما جاور بينهما ~~وهما محسوسان، فكيف لا يرفع الالتباس بين البحرين المعقولين إذ هو الذي مرج ~~أي جاور البحرين اللذين بينهما غاية الخلاف إذ هذا عذب فرات أي قاطع للعطش ~~وهو مثل بحر الدلائل المفيدة للذوق، القاطعة عطش الطلب وهذا ملح أجاج أي ~~مبالغ في الملوحة. وهو مثل بحر الشبهات الموجبة للنفرة جدا لأهل الذوق (و) ~~أما لأهل النظر فقد جعل بينهما برزخا أي مانعا من الخلط. وهو النظر في مواد ~~المقدمات وصورها ليعلم بذلك صحة الدلائل (و) أما فساد الشبهات فيعلم ~~بالاعتراضات التي # PageV07P432 # لا جواب عنها، كما أنه جعل بينهما حجرا أي منعا من وصول أثر أحدهما إلى ~~الآخر محجورا أي ممنوعا أن يمنع. وإن زعموا أن كل فرقة ترى ممسكاته تفيده ~~الذوق وتقطع عنه الطلب ويتنفر عن متمسكات صاحبه أشد من التنفر عن الملح ~~الأجاج، قيل: ليس هذا بالنظر إلى نفس الدلائل، بل بواسطة التعصب من جهة ~~الآباء والمشايخ والأصحاب. وقد أوجد الله لإزالة العذر عنه مثالا، في قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 54] # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) # وهو الذي خلق من الماء بشرا أي كما أخرج من المقدمات نتائج العلوم فجعله ~~أي البشر نسبا أي أصلا أو فرعا أو حاشية لقوم وصهرا أي لآخرين يتعصب من أجل ~~نسبه وصهره، فيعتقد باطلهم حقا. كذلك أهل الشغب يتعصبون لآبائهم ومشايخهم ~~وكان ربك قديرا أي وهو وإن صعب إزالته، فإن ربك الذي أمرك بالجهاد الكبير، ~~قدير على إزالته. كما قدر في النسب والصهر. فلا يبالي المؤمنون لهما. انتهى ~~كلام المهايمي رحمه الله. # وهو منزع في باب الإشارة غريب، أثرناه عنه للطافته. وأما معنى الآية في ~~عظيم اقتداره سبحانه، حيث خلق البشر وقسمهم من نطفة واحدة قسمين ذوي نسب، ~~أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان. ms3556 وذوات صهر أي ~~إناثا يصاهر بهن، فظاهر. ونظيره قوله تعالى: فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى [القيامة: 39] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 55] # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~(55) # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~أي معينا للشيطان على عصيان ربه. والمراد بالكافر الجنس، فهو إظهار في مقام ~~الإضمار، لنفي كفرهم عليهم، ولرعاية الفواصل الكريمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 56 الى 57] # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) # PageV07P433 # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسئلكم عليه أي على تبليغ الرسالة ~~المفهوم من أرسلناك من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا أي يتقرب إليه ~~بالإيمان والطاعة. أي إلى رحمته أو جنابه. فاتخاذ السبيل، مراد به لازم ~~معناه. لأن من سلك طريق شيء، قرب إليه، بل وصل. # قال الزمخشري: مثال إلا من شاء والمراد: إلا فعل من شاء. واستثنائه عن ~~الأجر قول ذي شفقة عليك، قد سعى لك في تحصيل مال: (ما أطلب منك ثوابا على ~~ما سعيت، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه) فليس حفظك المال لنفسك من جنس ~~الثواب. ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه، فأفاد فائدتين: # إحداهما- قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله. كأنه يقول لك: إن كان حفظك ~~لمالك ثوابا، فإني أطلب الثواب. # والثانية- إظهار الشفقة البالغة، وأنك إن حفظت مالك اعتد بحفظك ثوابا ~~ورضي به، كما يرضى المثاب بالثواب. # ولعمري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد ~~وفوقه. انتهى. # والاستثناء على هذا متصل ادعاء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 58] # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) # وتوكل على الحي الذي لا يموت أي في دفع شرهم ومكرهم وسبح بحمده وكفى به ~~بذنوب عباده ms3557 خبيرا أي عليما لا يعزب عنه منها شيء، فيجزيهم عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 59] # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام أي من أيامه تعالى، أو ~~أيام الخلق، قولان للسلف ثم استوى على العرش أي علا فوقه علوا يليق بجلاله ~~المقدس. وتقدم تفسيره الرحمن مرفوع على المدح. أي هو الرحمن، وهو في ~~الحقيقة وصف آخر للحي، كما قرئ بالجر. وقيل: الموصول مبتدأ والرحمن خبره. # PageV07P434 # وقيل: الرحمن بدل من المستكن في استوى وقوله تعالى: فسئل به خبيرا فيه ~~أوجه: منها (الباء) في (به) صلة (اسأل) ومنها أنها صلة (خبيرا) و (خبيرا) ~~مفعول (اسأل) أي فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته. أو فسل رجلا خبيرا به ~~وبرحمته. # وعليه ففائدة سؤاله هو تصديقه وتأييده. # قال الشهاب: ويصح تنازعهما- أي اسأل وخبيرا- في الباء. وفيه حينئذ نوع من ~~البديع غريب يسمى المتجاذب. وهو كون لفظ واحد بين جملتين يصح جعله من ~~الأولى والثانية. وقد ذكره السعد في أواخر (شرح المفتاح) وهذا مما غفل عنه ~~أصحاب البديعيات. انتهى. ومنها أن الباء للتجريد. كقولك رأيت به أسدا. أي ~~برؤيته. أي اسأل بسؤاله خبيرا والمعنى: إن سألته وجدته خبيرا. # قال في (الكشف) : وهو أوجه، ليكون كالتتميم لقوله الذي خلق، إلخ فإنه ~~لإثبات القدرة، مدمجا فيه العلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 60] # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا (60) # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أي من المسمى به؟ لأنهم ما ~~كانوا يعرفونه تعالى بهذا الاسم ولا يطلقونه عليه. أو الاستفهام للتعجب ~~والاستغراب، تفننا في الإباء. أي وما هذه الأسماء والأعلام التي تصدعنا ~~بها، وتقرع آذننا بالإذعان لها. أنسجد لما تأمرنا وزادهم أي الأمر بالسجود، ~~المراد به الإذعان بالإيمان نفورا أي استكبارا عن الإيمان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 61] # تبارك الذي جعل في ms3558 السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) # تبارك الذي جعل في السماء بروجا أي نجوما أو هي البروج الاثنا عشر، التي ~~ترى صورها في الأشكال الحاصلة من اجتماع بعض الكواكب على نسب خاصة، وتنتقل ~~فيها الشمس في ظاهر الرؤية. وجعل فيها سراجا وهي الشمس وقمرا منيرا أي ~~مضيئا بالليل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 62] # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) # PageV07P435 # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة أي ذوي عقبة يعقب كل منهما الآخر لمن ~~أراد أن يذكر أي يتفكر فيستدل بذلك على عظم قدرته أو أراد شكورا أي يشكر ~~على النعمة فيهما، من السكون بالليل والتصرف بالنهار. ويكون فيهما بما ~~يقتضيه ما خلقا له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 63 الى 64] # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا أي هينين. أو مشيا هينا. أي ~~بسكينة وتواضع. لا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون تبعا لهم أشرا وبطرا. وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما أي إذا خاطبهم السفهاء بالقول السيء لم ~~يقابلوهم بمثله، بل قالوا كلاما فيه سلام من الإيذاء والإثم. سواء كان ~~بصيغة السلام كقولهم (سلام عليكم) ، أو غيرها مما فيه لطف في القول أو عفو ~~أو صفح. كظم للغيظ. # دفعا بالتي هي أحسن والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما أي يكون لهم في ~~الليل فضل صلاة وإنابة، كما قال تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ~~وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 17- 18] ، وقوله تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع [السجدة: 16] الآية، وقوله أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~[الزمر: 9] ، و (البيتوتة) لغة، الدخول في الليل. يقال: بات يفعل كذا يبيت ~~ويبات، إذا فعله ليلا. وقد تستعار البيتوتة للكينونة مطلقا. إلا أن الحقيقة ~~أولى، لكثرة ما ورد في معناها مما تلونا. ولذلك قال السلف: ms3559 في الآية مدح ~~قيام الليل والثناء على أهله. # وفي قوله لربهم إشارة إلى الإخلاص في أدائها وابتغاء وجهه الكريم. لما أن ~~ذلك هو الذي يستتبع أثرها من العمل الصالح وفعل الخير وحفظ حدود الله ~~وقياما جمع قائم أو مصدر أجري مجراه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 65 الى 66] # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما (66) # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما أي هلاكا # PageV07P436 # دائما. والمراد من قولهم ذلك، فزعهم منها، ووجلهم الشديد المستتبع ~~لتمسكهم بالتقوى، واعتصامهم بالسبب الأقوى. لا مجرد قلقلة اللسان، بلا تأثر ~~من الجنان. # فإنهم لم يبتهلوا إلى المولى، ويتعوذوا به من سعيرها، إلا لعلمهم بسوء ~~حالها. # ومقتضى العلم بالشيء إيفاؤه حقه والعمل بموجبه. ولذا قال تعالى إنها ساءت ~~مستقرا ومقاما أي موضع استقرار وإقامة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية # 67] # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما أي لم ~~يجاوزوا الحد في الإنفاق، ولم يضيقوا على أنفسهم وأهليهم وما يعروهم بخلا ~~ولؤما. بل كانوا في ذلك متوسطين، وخير الأمور أوسطها. # قال الزمخشري: وصفهم الله بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير. وبمثله أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط [الإسراء: 29] ، # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«من فقه الرجل رفقه في معيشته» # وأخرج أيضا عن ابن مسعود «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~عال من اقتصد» # وروى البزار عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحسن ~~القصد في الغنى، وما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في العبادة» . # وعن الحسن: ليس في النفقة في سبيل الله سرف. وسمع رجل رجلا يقول: لا خير ~~في الإسراف. فقال: لا إسراف في ms3560 الخير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 68 الى 70] # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) PageV07P437 # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر أي لا يشركون بعبادة ربهم أحدا، ~~فالدعاء بمعنى العبادة ولا يقتلون النفس التي حرم الله أي حرمها بمعنى حرم ~~قتلها. ومنه الوأد وغيره إلا بالحق أي المزيل لحرمتها وعصمتها ولا يزنون، ~~ومن يفعل ذلك أي ما ذكر من هذه القبائح العظام يلق أثاما أي يجد في الآخرة ~~جزاء إثمه يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا أي ذليلا محتقرا ~~جامعا لعذابي الجسم والروح إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما أي لمن تاب وآمن وعمل صالحا. # قال الحافظ ابن كثير: وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل. ولا تعارض بين ~~هذه وآية النساء ومن يقتل مؤمنا متعمدا [النساء: 93] الآية، فإن هذه، وإن ~~كانت مدنية، إلا أنها مطلقة. فتحمل على من لم يتب. لأن هذه مقيدة بالتوبة. ~~ثم قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48 و 116] الآية، وقد ~~ثبتت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل. كما ~~ذكر مقررا من قصة الذي «1» قتل مائة رجل ثم تاب فقبل الله توبته، وغير ذلك ~~من الأحاديث. ثم قال: # وفي معنى قوله تعالى: يبدل الله سيئاتهم حسنات قولان: أحدهما- أنهم بدلوا ~~مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، في هذه ~~الآية: # هم المؤمنون. كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ~~السيئات. # فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وكذا قال سعيد بن ~~جبير: # أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال ms3561 ~~المشركين. # وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وكذا قال الحسن: أبدلهم بالعمل ~~السيء العمل الصالح. وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وبالفجور إحصانا، وبالفكر ~~إسلاما. # القول الثاني: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح، حسنات. ~~وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى، ندم واسترجع واستغفر. فينقلب الذنب طاعة ~~بهذا الاعتبار. انتهى. # ولا بن القيم رحمه الله تعالى في (طريق الهجرتين) في هذا المقام بسط حسن ~~وتناظر متقن، لا بأس بإيراده، لعظم فائدته. PageV07P438 # قال رحمه الله (بعد شرحه # لحديث فرح الله بتوبة عبده ما مثاله # ) : وهاهنا مسألة، هذا الموضع أخص المواضع ببيانها. وهي أن التائب إذا ~~تاب إلى الله توبة نصوحا، فهل تمحى تلك السيئات وتذهب، لا له ولا عليه، أو ~~إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه، من المفسرين ~~وغيرهم، قديما وحديثا. فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل ~~مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة قال ابن عطية: يجعل أعمالهم، بدل ~~معاصيهم الأولى طاعة، فيكون ذلك سببا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن ~~جبير وابن زيد والحسن. ورد على من قال هو في يوم القيامة. قال: وقد ورد ~~حديث في كتاب مسلم «1» من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة، ~~يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين، بدل سيئاته حسنات. وذكره الترمذي ~~والطبري. وهذا تأويل سعيد بن المسيب في هذه الآية. # قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو. انتهى. # وسيأتي ذكر الحديث والكلام عليه. # وقال الثعلبي: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات يبدلهم الله تقبيح أعمالهم في الشرك، محاسن الأعمال في ~~الإسلام. فيبدلهم بالشرك وبقتل المؤمنين، قتل المشركين. وبالزنى، عفة ~~وإحصانا. # وقال آخرون: يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم، حسنات ~~يوم القيامة وأصل القولين، أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ # فمن قال إنه في الدنيا، قال هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة ~~بأضدادها. # وهي حسنات، وهذا تبديل حقيقة. ms3562 والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة ~~تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفر ويذهب أثرها، فأما أن تنقلب حسنة فلا. # فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب، فكيف تنقلب محبوبة ~~مرضية؟ # قالوا: وأيضا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، ~~كقوله ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا [آل عمران: 193] ، وقوله ~~ويعفوا عن السيئات [الشورى: 25] ، وقوله: إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~[الزمر: PageV07P439 # 53] ، والقرآن مملوء من ذلك # وفي الصحيح «1» من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: ~~كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: # سمعته يقول (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره ~~بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب! أعرف قال: فإني قد سترتها عليك في ~~الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى صحيفة حسناته) . # وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا ~~على الله عز وجل. # فهذا الحديث المتفق عليه، والذي تضمن العناية بهذا العبد، إنما فيه ستر ~~ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة. ولم يقل له: وأعطيتك بكل ~~سيئة منها حسنة. فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها. # وقد قال الله في حق الصادقين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [الزمر: 35] ، فهولاء خيار الخلق. وقد أخبر ~~عنهم أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم ويجزيهم بأحسن ما يعملون. وأحسن ما عملوا ~~إنما هو الحسنات لا السيئات، فدل على أن الجزاء بالحسنى إنما يكون على ~~الحسنات وحدها. وأما السيئات، أن تلغى ويبطل أثرها. قالوا: وأيضا، فلو ~~انقلبت السيئات أنفسها حسنات في حق التائب، لكان أحسن حالا من الذي لم ~~يرتكب منها شيئا. وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساء شاركه في حسناته التي ~~فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات، ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه. وكيف يكون ~~صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئة له؟ قالوا: وأيضا فكما أن العبد، إذا فعل ~~حسنات ثم ms3563 أتى بما يحبطها، فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها ~~ويكون لا له ولا عليه، وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها. فهكذا من فعل ~~سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات فإن قلتم: وهكذا التائب يكون ~~ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، لم ننازعكم في هذا. وليس هذا معنى ~~الحسنة فإن الحسنة تقتضي ثوابا وجوديا. واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت: ~~هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة، بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات ~~الحسنة مكان السيئة. وهذا إنما يكون في PageV07P440 # السيئة المحققة. وهي التي قد فعلت ووقعت. فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها ~~محيت وأثبت مكانها حسنة. قالوا: ولهذا قال تعالى: سيئاتهم حسنات فأضاف ~~السيئات إليهم، لكونهم باشروها واكتسبوها. ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم، ~~لأنها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرد فضل الله وكرمه قالوا: وأيضا، ~~فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم فإنه أخبر أنه هو يبدل ~~سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم. فإنهم هم ~~الذين يبدلون سيئاتهم حسنات والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها، كما ~~قال تعالى: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [البقرة: 59] ، وأما ما ~~كان من غير الفاعل، فإنه يجعله من تبديله هو، كما قال تعالى: بدلناهم ~~بجنتيهم جنتين [سبأ: 16] ، فلما أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم ~~حسنات، دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاء ~~أنفسهم. وإن كان سببه منهم وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح. # قالوا: ويدل عليه ما # رواه مسلم «1» في صحيحه عن أبي ذر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إني لأعلم آخر أهل جنة دخولا الجنة. وآخر أهل النار خروجا منها. رجل يؤتى ~~به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض ~~عليه صغار ذنوبه. فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا. وعملت يوم كذا وكذا، ~~كذا وكذا فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض ms3564 ~~عليه فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة» # قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة. فإنهم إنما سموا أبدالا لأنهم ~~بدلوا أعمالهم السيئة، بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوا ~~حسنات. # قالوا: وأيضا فالجزاء من جنس العمل. فكما بدلوا هم أعمالهم السيئة ~~بالحسنة، بدلها الله من صحف الحفظة، حسنات جزاء وفاقا. # قالت الطائفة الأولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر، على صحة قولكم، ~~وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات، قد عذب عليها في النار، حتى ~~كان آخر أهلها خروجا منها فهذا قد عوقب على سيئاته. فزال أثرها بالعقوبة. ~~فبدل مكان كل سيئة منها حسنة. وهذا حكم غير ما نحن فيه. فإن الكلام في ~~التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرا عليها غير تائب. فأين أحدهما من ~~الآخر؟ PageV07P441 # قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيئة، فحق. # وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت في مكان السيئة، التي لولا الحسنة ~~لحلت محلها. # قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم، وذلك يقتضي أن تكون هي ~~السيئات الواقعة وتنكير الحسنات وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله، فهو ~~حق بلا ريب. ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها، مقارنا لكسبهم إياها ~~بفضله؟. # قالوا: وأما قولكم إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم، وذلك يقتضي أنه هو ~~الذي بدلها من الصحف، لأنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها، فهذا لا دليل ~~لكم. فإن الله خالق أفعال العباد. فهو المبدل للسيئات حسنات خلقا وتكوينا، ~~وهم المبدلون لها فعلا وكسبا. # قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاء من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم ~~بحسناتهم أبدلها الله كذلك في صحف الأعمال. فهذا حق، وبه نقول، وإنه بدلت ~~السيئات التي كانت مهيأة ومعدة أن تحل في الصحف، بحسنات جعلت موضعها. فهذا ~~منتهى إقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم ~~بينهما. فقد أدلى كل منهما بحجته، وأقام بينته. والحق لا يعدوهما ولا ~~يتجاوزهما. فأرشد الله من أعان على هدى، فنال ms3565 به درجة الداعين إلى الله، ~~القائمين ببيان حججه ودينه. أو عذر طالبا منفردا في طريق مطلبه، قد انقطع ~~رجاؤه من رفيق في الطريق. فغاية أمنيته أن يخلي بينه وبين سيره، وألا يقطع ~~عليه طريقه. فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه، فقد رضي بالدون. وحصل ~~على صفقة المغبون. # ومن شمر إليه ورام ألا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع، فقد منى نفسه ~~المحال، وإن صبر على لأوائها وشدتها، فهو والله الفوز المبين، والحظ الجزيل ~~وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. # فالصواب، إن شاء الله في هذه المسألة، أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ~~ينقلب حسنة. والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابا ولهذا كان تارك ~~المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن موافقة المنهي. وذلك الكف والحبس ~~أمر وجودي وهو متعلق الثواب. وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا، ولم يحدث ~~به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه؟ ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب، ~~لكان # PageV07P442 # مثابا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله وذلك أضعاف حسناته بما لا ~~يحصى فإن الترك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك ~~كله؟ وهذا مما لا يتوهم. وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا، ~~فالتائب من الذنوب التي عملها، قد قارن كل ذنب منها، ندما عليه، وكف نفسه ~~عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب. وقد محت التوبة أثر الذنب، ~~وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة، قد بدلت تلك السيئة حسنة. وهذا معنى قول ~~بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة. فإذا كانت كل ~~سيئة من سيئاته قد تاب منها، فتوبته منها حسنة حلت مكانها. فهذا معنى ~~التبديل. لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة. # وقال بعض المفسرين في هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساءوها ~~حسنة. وعلى هذا، فقد زال بحمد الله الإشكال. واتضح الصواب. وظهر أن كل ~~واحدة من الطائفتين ما خرجت ms3566 عن موجب العلم والحجة. # وأما حديث أبي ذر، وإن كان التبديل فيه في حق المصر الذي عذب على سيئاته، ~~فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته. ~~فإن الذنوب التي عذب عليها المصر، لما أزال أثرها بالعقوبة، بقيت كأن لم ~~تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من ~~الندم المفرط عليها، مع العقوبة، لا يقتضي زوال أثره وتبديلها حسنات. فزوال ~~أثرها بالتوبة النصوح، أعظم من زوال أثرها بالعقوبة. فإذا بدلت بعد زوالها ~~بالعقوبة، حسنات، فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات، أولى وأحرى. وتأثير ~~التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة. لأن التوبة فعل ~~اختياري أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه، وأما العقوبة، فالتكفير ~~بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره، بل يفعل الله. ولا ~~ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب، ~~أعظم من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره. # انتهى كلامه رحمه الله. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 71] # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا أي ومن يترك المعاصي ويندم ~~عليها ويدخل في العمل الصالح، فإنه بذلك تائب إلى الله متابا مرضيا عنده، ~~مكفرا # PageV07P443 # للخطايا، محصلا للثواب. قرره الزمخشري. # والآية صريحة في أن العمل الصالح والمثابرة عليه قولا وفعلا، شرط في صحة ~~التوبة وقبولها وأنه لا اعتداد بها بدون العمل الصالح. فليتفطن لمعنى هذه ~~الآية من يتوهم أن التوبة استغفار بلسان، أو تخشع بأركان، ولا عمل صالح له ~~يرضي الرحمن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 72 الى 73] # والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ~~ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) # والذين لا يشهدون الزور أي لا يحضرون الباطل. يقال (شهد كذا) أي حضره. ف ~~(الزور) مفعول به بتقدير مضاف أي محاله. و (يشهدون) ms3567 من الشهادة. # فالزور منصوب على المصدر أو بنزع الخافض أي شهادة الزور أو بالزور. وقد ~~أشار الزمخشري للوجهين بقوله: يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس ~~الخطائين، فلا يحضرونها ولا يقربونها، تنزها عن مخالطة الشر وأهله وصيانة ~~لدينهم عما يثلمه. لأن مشاهدة الباطل شركة فيه. ولذلك قيل في النظارة إلى ~~كل ما لم تسوغه الشريعة (هم شركاء فاعلية في الإثم) لأن حضورهم ونظرهم دليل ~~الرضا به، وسبب وجوده، والزيادة فيه لأن الذي سلط على فعله هو استحسان ~~النظارة، ورغبتهم في النظر إليه. ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور. انتهى ~~وهي الكذب متعمدا على غيره. # قال المبرد في (الكامل) : ويروى عن ابن عباس في هذه الآية والذين لا ~~يشهدون الزور قال: أعياد المشركين. وقال ابن مسعود: الزور الغناء. فقيل ~~لابن عباس: أو ما هذا في الشهادة بالزور؟ فقال: لا، إنما آية شهادة الزور ~~ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ~~[الإسراء: 36] ، وإذا مروا باللغو مروا كراما أي اتفق مرورهم بأهل اللغو، ~~وهو كل ما ينبغي ويطرح، مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم ~~كقوله تعالى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [القصص: 55] ، ويدخل في ذلك الإغضاء عن ~~الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به وذلك لأن ~~(كراما) جمع كريم بمعنى مكرم لنفسه وغيره بالصفح ونحوه والذين إذا ذكروا ~~بآيات ربهم أي # PageV07P444 # وعظوا بها وخوفوا لم يخروا عليها صما وعميانا أي بل أكبوا عليها سامعين ~~بآذان واعية، مجتلين لها بعيون راعية. وإنما عبر بنفي الضد، تعريضا بما ~~يفعله الكفرة والمنافقون من شدة الإعراض والإباء والنفرة، المستعار لها ~~(الخرور) على تلك الحالة استعارة بديعة. لما فيها من إسقاطهم عن الإنسانية ~~إلى البهيمية، بل إلى أدنى منها، لأنها تسمع وتبصر، وقد نفيا عنهم. # وفي التنزيل الكريم من توصيف المؤمنين بوجل قلوبهم لذكره تعالى، وزيادة ~~إيمانهم إذا تلي عليهم الذكر الحكيم، آيات عديدة. ولذا ms3568 قال قتادة فيهم: هم ~~قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتابه ويرحم الله الحسن البصري: ~~فقد قال: # كم من رجل يقرؤها، ويخر عليها أصم أعمى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : آية 74] # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما (74) # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين أي أولادا ~~وحفدة، تقر بهم العيون وتسر بمكانهم الأنفس، لحيازتهم الفضائل واتصافهم ~~بأحسن الشمائل. و (قرة العين) إما من القر وهو البرد. لأن دمعة السرور ~~باردة، ولذا قيل في ضده (أسخن الله عينه) أو من القرار لعدم النظر لغيره، ~~وجوز في (من) أن تكون بيانية وعليه قول كثير من أن فيه الدعاء بصلاح ~~الزوجات. وقوله تعالى: واجعلنا للمتقين إماما أي أئمة. اكتفى بالواحد ~~لدلالته على الجنس، مع رعاية الفواصل. أي يقتدى بنا في الخير. أو هداة دعاة ~~إلى الخير. فإن ذلك أكثر ثوابا وأحسن مآبا. قال في (الإكليل) : في الآية ~~طلب الإمامة في الخير. وفي (العجائب) للكرماني: قال القفال وغيره من ~~المفسرين: في الآية دليل على أن طلب الرياسة في الدين واجب. انتهى. # وكذا قال الزمخشري، عن بعضهم: إن فيه ما يدل على أن الرياسة في الدين، ~~يجب أن تطلب ويرغب فيها. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفرقان (25) : الآيات 75 الى 77] # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) # PageV07P445 # أولئك إشارة إلى المتصفين بما ذكر. خبر ل (عباد الرحمن) أو مبتدأ خبره ~~يجزون الغرفة بما صبروا أي على مشاق المجاهدات في الدعوة إلى الخيرات، ~~والدأب على الخيرات، واجتناب المحظورات. و (الغرفة) الدرجة العالية من ~~المنازل في الجنة ويلقون فيها تحية وسلاما أي تحييهم الملائكة وتسلم عليهم. ~~أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه. والقصد أنهم يلقون فيها التوقير والاحترام، ~~فلهم السلام وعليهم السلام خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما لسلامة أهلها عن ~~الآفات، ms3569 وخلودهم أبد الآباد. # قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم أي لا يبالي بكم ولا يبقيكم إلا إذا ~~عبدتموه وآمنتم به وحده. فالدعاء بمعنى العبادة، كما مر. # ثم أشار إلى أنه كيف يمكن العبء بهم، أو يتصور، وقد وجد منهم ما ينافيه، ~~بقوله تعالى: فقد كذبتم أي بما جاءكم من الحق. أي وقد تلي عليكم سنة من كذب ~~وأصر فسوف يكون لزاما (اللزام) مصدر مؤول باسم الفاعل أتى به للمبالغة. أي ~~فسوف يكون هذا النبأ أو الذكر الحكيم، أو الأمر الجليل، أمر الرسالة، لازما ~~وثابتا. يفتح من الحق رتاجا. وتدخل الناس في دين الله أفواجا. ولقد صدق ~~الله وعده. ونصر عبده وأعز جنده. هزم الأحزاب وحده. نسأله تعالى خير ما ~~عنده. # PageV07P446 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشعراء # وهي مكية، إلا قوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء: ### | 224- 227 # ] ، إلى آخرها. وقوله: أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~[الشعراء: 197] ، فقد روي أنهما نزلتا بالمدينة، وكان شعراؤه صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة، حسان وكعب بن مالك وابن رواحة، رضي الله عنهم. # وقال الداني: روي بسند صحيح أنها نزلت في شاعرين تهاجيا في الجاهلية، مع ~~كل واحد منهم جماعة. فالسورة على هذا كلها مكية. انتهى. # وقال المهايمي: سميت هذه السورة بها، لاختصاصها بتمييز الرسل عن الشعراء، ~~لأن الشاعر، إن كان كاذبا فهو رئيس الغواة لا يتصور منه الهداية، وإن كان ~~صادقا لا يتصور منه الافتراء على الله تعالى، وهذا من أعظم مقاصد القرآن، ~~انتهى. # يشير إلى أن ذكر الشعراء فيها، لبيان أنهم في معزل عن الرسالة وتبرئة ~~مقام الرسول صلوات الله عليه. عما افتروا عليه من أنه شاعر فالسورة على هذا ~~كلها مكية، ردا لفريتهم. # ولما كان لفظ (الشعراء) عاما، جاز حمله على ما حكوه لشموله له، لا أنه ~~نزل فيه خاصة دون غيره. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، إيضاح ذلك وهي مائتان ~~وسبع وعشرون آية. قال ابن كثير: وقع في تفسير مالك المروي عنه، تسميتها ~~(الجامعة) . # PageV07P447 ### | ### | القول في تأويل قوله ms3570 تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) # طسم سبق في سورة البقرة الأقوال في هذه الفواتح، وأن الأكثر على أنها اسم ~~للسورة، فمحله الرفع على أنه خبر لمحذوف، وهو أظهر من رفعه على الابتداء، ~~أو النصب بتقدير: اقرأ ونحوه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 2] # تلك آيات الكتاب المبين (2) # تلك آيات الكتاب المبين الإشارة إلى السورة، وما فيها من معنى البعد ~~للتفخيم، ومحله الرفع على الابتداء، خبره ما بعده أو بدل مما قبله. والمراد ~~ب (الكتاب) القرآن. وب (المبين) الظاهر إعجازه وآيته وبرهانه. ومن (أبان) ~~بمعنى بان- أو المبين للحق من الباطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 3] # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) # لعلك باخع أي قاتل نفسك ألا يكونوا مؤمنين أي لعدم إيمانهم. # و (لعل) للإشفاق. أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على عدم إيمانهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 4] # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية أي ملجئة لهم إلى الإيمان، قاسرة عليه ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين أي منقادين، والجملة مستأنفة لتعليل ما يفهم من ~~الكلام من النهي عن التحسر المذكور، ببيان أن إيمانهم ليس مما تعلقت به ~~مشيئة # PageV07P448 # الله تعالى حتما، فلا وجه للطمع فيه، والتألم من فواته. قاله أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 5] # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين أي مكذبين، ~~استهزاء وإصرارا على ما كانوا عليه من الكفر. وتقديم نظير الآية في أول ~~سورة الأنبياء، وتحقيق معنى قوله تعالى (محدث) فتذكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 6] # فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) # فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن أي أحواله الباهرة وشؤونه ~~القاهرة، وظهور أعلامه، وبقاء أيامه، وفيه وعيد لهم بحلول الذل بهم، ونزول ~~الصغار ms3571 وقتئذ بدارهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 7] # أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) # أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم أي صنف مرضي كثير ~~المنافع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 8] # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين لصرفهم اختيارهم إلى جانب الكفر، ~~وعدم تدبرهم في هذه الآيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 9] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم أي فهو القادر على الانتقام منهم بلا ممانع، ~~والرحيم بإمهاله وحلمه عنهم، فلينتبهوا قبل أن يحل بهم ما حل بفرعون وقومه، ~~ولذا استأنف نبأ موسى عليه السلام معه، بقوله تعالى: # PageV07P449 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 13] # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون، ألا يتقون قال رب ~~إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني أي في أداء الرسالة، في ~~بسطة من المقال فأرسل إلى هارون أي ليوازرني ويشد به عضدي. والمفعول محذوف، ~~أي ملكا أو جبريل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 14 الى 15] # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم ~~مستمعون (15) # ولهم علي ذنب وهو قتل القبطي، المبسوط في غير هذه السورة فأخاف أن يقتلون ~~قال كلا أي لا تخف إنك من الآمنين فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون مزيد ~~تسلية لهما، بكمال الحفظ والنصرة. # قال أبو السعود: مثل حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يستمع ما ~~يجري بينهم، ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم، مبالغة في الوعيد بالإعانة. # انتهى. # ولو قيل هو كناية عن ذلك، كان أولى. لجواز بقاء المعنى الحقيقي معها، وهو ~~هنا كذلك فهو ms3572 تعالى مستمع لهما وحافظ وناصر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 16 الى 17] # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل ~~(17) # تيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # أن أرسل معنا بني إسرائيل ليتحرروا من عبوديتك وعذابك المهين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 18 الى 19] # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين (19) # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت # PageV07P450 # يعني قتل القبطي. وأنت من الكافرين أي بنعمتي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 20] # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين أي الجاهلين بكون الوكزة مفضية إلى ~~القتل. # أو الذاهبين عن صواب الحلم والعفو والدفع بالأحسن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 21] # ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) # ففررت منكم لما خفتكم أي تقتلوني على القتل الخطأ، فنجاني الله منكم، ~~وزادني إنعاما فوهب لي ربي حكما أي حكمة أو نبوة وجعلني من المرسلين أي ~~لإبطال دعواك الربوبية، واستئصال شبه ما عليه قومك من الوثنية. وطلب إرسال ~~قومي إلى مواطنهم الأصلية، وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 22] # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل إبطال لمنته عليه في التربية، ~~ببيان أنها في الحقيقة نقمة. لأنه كان اتخذ بني إسرائيل عبيدا مسخرين في ~~شؤونه، مذللين لأموره، مقهورين لعسفه. وموسى عليه السلام، وإن لم ينله من ~~ذلك ما نالهم، إلا أنه لما كان منهم، فكأنه وصل إليه، وحل به، كما قيل ~~(وظلم الجار إذلال المجير) أي لا يفي إحسانك إلى رجل منهم بما أسأت إلى ~~مجموعهم، وما أنا إلا عضو منهم. وفي فحواها تقريعه بالكبرياء المتناهية، ~~والقسوة البالغة، والسلطة الغالية التي من ورائها الفرج القريب، والمخرج ~~العجيب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3573 [سورة الشعراء (26) : الآيات 23 الى # 25] # قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) # قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما، إن كنتم ~~موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون أي لهذا النبأ العجيب، وهو توحيد المعبود. # PageV07P451 # وإنما عده جديرا بأن يتعجبوا منه، لأنهم، على ما حققه المؤرخون، غلوا في ~~عبادة الأصنام وتعديد الآلهة غلوا أربوا على كل من سواهم في الضلال. فكانوا ~~يسجدون للشمس والقمر، والنجوم، والأشخاص البشرية، والحيوانات، حتى الهوام، ~~وأدنى حشرات الأرض. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 26 الى # 28] # قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ~~(27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) # قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون أي ~~لكونه يدعو إلى خلاف ما عقل عن الآباء. # قال رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون أي شيئا ما، أو إن ~~كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلته. وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر، ~~بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة، وتلويح بأنهم بمعزل من دائرة ~~العقل، وإنهم المتصفون بما رموه عليه السلام به من الجنون. ### | تنبيه: # ذهب بعض المفسرين إلى أن فرعون كان من المعطلة، لا يقر بخالق، ولا يعترف ~~بمعبود لظاهر قوله: ما علمت لكم من إله غيري [القصص: 38] ، وأن قومه كانوا ~~لا يؤلهون سواه. # قال ابن كثير: ومن زعم من أهل المنطق أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط. # فإنه لم يكن مقرا بالصانع، حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدا له بالكلية ~~فيما يظهر. انتهى. # وقدمنا أنه حقق الاكتشاف الصحيح والتاريخ الوثيق، أنه كان من الوثنيين ~~الغالين. وأن له ولقومه عدة معبودين علويين وسفليين. # وعليه فمعنى قوله (ما علمت لكم من إله غيري) أي مطاع عظيم، وكانوا لا ~~يتحاشون من إطلاق الإله على الجبار المسيطر. فبقي سؤاله بما ms3574 يحتمل أن يكون ~~على نهج القاعدة المنطقية، من طلب الاكتناه، وتعجبه من جوابه، ثم رميه ~~بالجنون، ثانيا، لعدوله عن الكنه إلى الأثر. ويحتمل أن يكون لتعرفه من جهة ~~وحدته في ربوبيته التي ادعاها موسى، وأن تعجبه لما شاهد من الجد في الدعوة ~~والثبات عليها، والصدع بما يؤلم عظمته، ويغمز جبروته وهذا هو الذي أذهب ~~إليه، فإن القوم # PageV07P452 # بمعزل عن أن يعجبوا لكون الجواب كان بالرسم لا بالحد، إذ هو اصطلاح لفئة ~~خاصة، ومع هذا فالنظم يحتمله ولا يأباه. وقد عول عليه كثير من أهل النظر، ~~ولا بأس بأن نأثر شيئا من لطائفهم فيه. # قال الرازي: السؤال ب (ما) طلب لتعريف حقيقة الشيء. وتعريف حقيقة الشيء ~~إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة، أو بشيء من أجزائها، أو بأمر خارج عنها، أو ~~بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال لأن المعرف معلوم ~~قبل المعرف. فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوما قبل أن يكون معلوما، ~~وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلية فيها، فهاهنا في حق واجب الوجود ~~محال، لأن التعريف بالأمور الداخلة، لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبا، ~~وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركبا لأن كل مركب، فهو محتاج إلى كل واحد من ~~أجزائه. # وكل واحد من أجزائه فهو غيره فكل مركب محتاج إلى غيره. وكل ما احتاج إلى ~~غيره فهو ممكن لذاته. وكل مركب فهو ممكن، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون ~~مركبا. فواجب الوجود ليس بمركب، وإذا لم يكن مركبا استحال تعريفه بأجزائه. ~~ولما بطل هذان القسمان، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود، إلا ~~بلوازمه وآثاره. # ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية. ولا يجوز تعريف الماهية ~~باللوازم الخفية، بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية. وأظهر آثار ذات ~~واجب الوجود، وهو هذا العالم المحسوس، وهو السموات والأرض وما بينهما. # فقد ثبت أنه لا جواب البتة لقول فرعون وما رب العالمين إلا ما قاله موسى ~~عليه السلام، وهو أنه رب السموات والأرض ms3575 وما بينهما. فأما قوله: إن كنتم ~~موقنين. فمعناه إن كنتم موقنين باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب ~~الوجود، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته. لأنكم لما سلمتم انتهاء ~~هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، وثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن ~~الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره. وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن ~~تكون أظهر آثاره وأبعدها عن الخفاء، وما ذاك إلا السموات والأرض وما ~~بينهما. فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال، إلا ~~هذا الجواب. # ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق، قال فرعون لمن حوله ألا ~~تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أنا أطلب منه ~~الماهية، وخصوصية الحقيقة، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية. # PageV07P453 # وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها، لا يفيد الوقوف على نفس تلك ~~الماهية، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء أنه الذي يلزمه اللازم الفلاني، فهذا ~~المذكور، إما أن يكون معرفا لمجرد كونه أمرا ما يلزمه ذلك اللازم. أو ~~لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية والأول محال. لأن كونه ~~أمرا يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفا. فلو كان المشكوف هو هذا القدر لزم كون ~~الشيء معرفا لنفسه، وهو محال. # والثاني محال، لأن العلم بأنه أمر ما، يلزمه اللازم الفلاني، لا يفيد ~~العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك ~~الماهيات المختلفة في لوازم متساوية. فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي، لا ~~يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه ربا للسموات والأرض وما بينهما جوابا ~~عن قوله وما رب العالمين فأجاب موسى عليه السلام بأن قال: ربكم ورب آبائكم ~~الأولين وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض، إلى التعريف بكونه ~~تعالى خالقا لنا ولآبائنا. وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات ~~والأرضين، واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخالق والمؤثر. ولكن لا يمكن أن ~~يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده، كونهم واجبين لذواتهم. لما أن ~~المشاهدة دلت على أنهم ms3576 وجدوا بعد العدم، ثم عدموا بعد الوجود، وما كان كذلك ~~استحال أن يكون واجبا لذاته. وما لم يكن واجبا لذاته، استحال وجوده إلا ~~لمؤثر. فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى عليه السلام من ~~الكلام الأول، إليه. فقال فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون يعني ~~المقصود من سؤال (ما) طلب الماهية، وخصوصية الحقيقة. والتعريف بهذه الآثار ~~الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعى الرسالة مجنون، لا ~~يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب عنه. # فقال موسى عليه السلام رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون فعدل ~~إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور ~~النهار، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والأمر ظاهر في أن هذا ~~التدبير المستمر على الوجه العجيب، لا يتم إلا بتدبير مدبر، وأما قوله إن ~~كنتم تعقلون فكأنه عليه السلام قال: إن كنت من العقلاء، عرفت أنه لا جواب ~~عن سؤالك، إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته، وقد ثبت ~~أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته. فلم يبق إلا أن ~~أعرف حقيقته بآثار حقيقته. وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته، فقد ثبت أن ~~كل من كان عاقلا، يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته. # ثم قال الرازي: وقد بينا في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: وهو ~~القاهر # PageV07P454 # فوق عباده # [الأنعام: 18] ، أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي، هي غير معقولة للبشر، ~~انتهى. # وقال الإمام ابن حزم في (الملل والنحل) في الكلام في المائية: ذهب طوائف ~~من المعتزلة إلى أن الله تعالى لا مائية له. وذهب أهل السنة وضرار بن عمرو، ~~إلى أن لله تعالى مائية. قال ضرار: لا يعلمها غيره. قال ابن حزم: والذي ~~نقول به، وبالله تعالى التوفيق، أن له مائية هي إنيته نفسها، وإنه لا جواب ~~لمن سأل: ما هو البارئ، إلا ما أجاب به موسى عليه السلام إذ سأله فرعون وما ~~رب العالمين؟ ms3577 ونقول أنه لا جواب هاهنا لا في علم الله تعالى ولا عندنا، إلا ~~ما أجاب به موسى عليه السلام. لأن الله تعالى حمد ذلك منه وصدق فيه. ولو لم ~~يكن جوابا صحيحا تاما لا نقص فيه، لما حمده الله تعالى. # ثم قال: هاهنا نقف ولا نعلم أكثر. ولا هاهنا أيضا شيء غير هذا، إلا ما ~~علمنا ربنا تعالى، من سائر أسمائه، كالعليم والقدير والمؤمن والمهيمن وسائر ~~أسمائه. # قال تعالى: ولا يحيطون به علما [طه: 110] ، إذ كل ما أحاط به العلم فهو ~~متناه محدود وهذا منفي عن الله عز وجل، وواجب في غيره، لوقوع العدد المحاط ~~به في أعراض كل ما دونه تعالى، ولا يحاط بما لا حدود له ولا عدد له. فصح ~~يقينا أننا نعلم الله عز وجل حقا، ولا نحيط به علما. انتهى ملخصا. # ولما سمع فرعون تلك المقالات المبينة على أساس الحكم البالغة، وشاهد شدة ~~حزم موسى عليه السلام وقوة عزمه على دعوته، عدل عن خطة الإنصاف إلى ~~الاعتساف، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 29 الى # 39] # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء ~~مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ~~فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك ~~بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) # وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) # PageV07P455 # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين ~~قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده ~~فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه قرئ بهمز وبدونه، وهما ~~لغتان. يقال أرجأته وأرجيته إذا أخرته. والمعنى أخرهما ومناظرتهما لوقت ~~اجتماع السحرة وابعث في المدائن ms3578 حاشرين أي شرطا يحشرون السحرة، أي يجمعونهم ~~عندك يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم ~~مجتمعون أي لرؤية ما يعارض معجزة موسى. وكان خامر فؤادهم عجب منها واندهاش. ~~والاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 40 الى 46] # لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا ~~لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) # لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ~~أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم ~~موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن ~~الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون أي تبتلع ما موهوا به ~~إفكا وزورا فألقي السحرة ساجدين أي على وجوههم منقادين له بالإيمان، لعلمهم ~~بأن مثله لا يتأتى بالسحر. وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل ~~شيئا لا حقيقة له، التبحر في كل فن نافع وإن لم يكن من العلوم الشرعية، فإن ~~هؤلاء السحرة. لتبحرهم في علم السحر، علموا حقيقة ما أتى به موسى عليه ~~السلام، وأنه معجزة. فانتقلوا بزيادة علمهم الذي أداهم إلى الاعتراف بالحق ~~والإيمان، لفرقهم بين المعجزة والسحر. قاله القاضي شهاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 47 الى 51] # قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا ~~نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) # PageV07P456 # قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه ms3579 ~~لكبيركم الذي علمكم السحر أي فعلمكم شيئا دون شيء، ولذلك غلبكم. أو فواعدكم ~~ذلك وتواطأتم عليه. أراد به التلبيس على قومه كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا على ~~بصيرة وظهور حق. # فلسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف أي جانبين متخالفين. # ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون أي لا ضرر علينا في ~~ذلك، بل لنا فيه أعظم النفع، لأنا بفعلك هذا وصبرنا عليه، شهادة على حقيته، ~~إلى ثوابه ورحمته راجعون، فننقلب خير منقلب، شهداء سعداء إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانا أن أي لأن كنا أول المؤمنين أي من أظهر الإيمان كفاحا، ~~مجاهرة بالحق بلا تقية. ثم أشار تعالى إلى خروج موسى بقومه من مصر بإيحائه ~~إليه. وكان إذن فرعون له بذلك بعد ما أراه الآيات البينات ثم ندم عليه، ~~فأتاه الإذن الإلهي به، كما قال تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية # 52] # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون أي سر بهم ليلا، فإنه إذا ~~وصل خبر سيركم إلى فرعون، لا بد أن يتبعكم بجنوده لإرجاعكم، إلا أنكم ~~تتقدمونه ولا يدرككم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 53] # فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) # فأرسل فرعون أي حين أخبر بسراهم في المدائن حاشرين أي جامعين لعسكره، ~~قائلين ما يقلل به الأعداء في أعين الجنود: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 54 الى 58] # إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون ~~(56) فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) # PageV07P457 # إن هؤلاء أي بني إسرائيل الخارجين لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون أي ~~يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا من مخالفة أمرنا والخروج بغير إذن منا ~~وإنا لجميع حاذرون أي من مكرهم وسعيهم بالفساد في الأرض فأخرجناهم من جنات ~~وعيون وكنوز ومقام كريم يعني: المنازل الحسنة والمجالس البهية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 59] # كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) # كذلك إشارة إلى مصدر، أي ms3580 مثل ذلك الإخراج أخرجناهم، فهو في محل نصب صفة ~~لمصدر مقدر، أو هو خبر لمحذوف، أي الأمر كذلك. # قال الشهاب: وإذا قدر (الأمر كذلك) فالمراد تقريره وتحقيقه، والجملة ~~معترضة حينئذ كالتي بعدها. وأورثناها بني إسرائيل. قال الشهاب: هو استعارة ~~أي ملكناها لهم تمليك الإرث بعد زمان. وكأن العاقبة، لما كانت لهم، صاروا ~~كأنهم ملكوها حين خروج أربابها منها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 60] # فأتبعوهم مشرقين (60) # فأتبعوهم مشرقين أي لحقوهم وقت شروق الشمس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 61 الى # 63] # فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم (63) # فلما تراءا الجمعان أي تقاربا رأى كل واحد منهما الآخر قال أصحاب موسى ~~إنا لمدركون أي لملحقون قال كلا أي لن يدركوكم فإن الله وعدكم بالخلاص منهم ~~إن معي ربي سيهدين أي لطريق النجاة منهم. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق أي فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كل جزء متفرق ~~منه كالجبل الكبير. # PageV07P458 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 64 الى 68] # وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا ~~الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (68) # وأزلفنا أي قربنا ثم أي حيث انفلق البحر الآخرين يعني قوم فرعون، أي ~~قدمناهم إلى البحر حتى دخلوا على أثر بني إسرائيل وأنجينا موسى ومن معه ~~أجمعين أي بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا. ثم أغرقنا الآخرين أي ~~بإطباقه عليهم إن في ذلك لآية أي لعبرة وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع مشاهدة ~~هذه الآية العظمى التي توجب تصديقه بعدها في كل ما جاء به. منهم من بقي على ~~كفره كبقية القبط. ومنهم من عصاه واقترح عليه ما اقترح كبعض بني إسرائيل. ~~وفيه تسلية للنبي صلوات الله عليه. ووعد له ووعيد لمن عصاه. ms3581 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 74] # واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) # قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) # واتل عليهم أي على مشركي العرب نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ~~أي ما الذي تدعونه وتلجئون إليه. وكان عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام، ~~ولكنه سألهم ليريهم، أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين أي مقيمين على عبادتها لا نتخطاها إلى غيرها. ~~قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون أي مثل عبادتنا يعبدون، فقلدناهم. # قال أبو السعود: اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرة ~~بالمرة. واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 75 الى 81] # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين ~~(79) # وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) # PageV07P459 # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي أي ~~أفأبصرتم، أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه أنتم وسلفكم. فإنهم بغضائي ~~إلا رب العالمين أي لكن رب العالمين ليس كذلك، فإنه ولي في الدنيا والآخرة، ~~لا أعبد غيره ثم برهن على موجب قصر عبادته عليه تعالى بقوله الذي خلقني فهو ~~يهدين أي إلى كل ما يهمني من أمور الدين والدنيا، فإنه تعالى وحده يهدي كلا ~~لما خلق له. والموصول صفة ل (رب) وجعله مبتدأ وما بعده خبرا- غير حقيق ~~بجزالة التنزيل. قاله أبو السعود. # والذي هو يطعمني ويسقين أي يرزقني بما سخر ويسر من الأسباب السماوية ~~والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيى به الأرض وأخرج به من كل الثمرات ~~رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا يسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا. # وإذا مرضت ms3582 فهو يشفين أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره ~~بما قدره من الأسباب الموصلة إليه. وإنما نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى ~~الله تعالى، مع أنهما منه، لمراعاة حسن الأدب معه تعالى. بتخصيصه بنسبة ~~الشفاء الذي هو نعمة ظاهرة إليه تعالى كما قال الخضر: فأردت أن أعيبها ~~[الكهف: 79] ، وقال: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما [الكهف: 82] ، وكقول الجن ~~في آية: أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا [الجن: 10] ، ولأن ~~كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك. ~~ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم. # والذي يميتني ثم يحيين فإنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، لا يقدر على ~~ذلك أحد سواه. فإن قيل إن الموت قد يكون بتفريط الإنسان، وقد أضافه تعالى ~~إلى نفسه، فما الفرق بين نسبة الموت ونسبة المرض في مقتضى الأدب؟ أجيب كما ~~في (الانتصاف) : بأن الموت قد علم به بأنه قضاء محتوم من الله تعالى على ~~سائر البشر، وحكم عام لا يخص، ولا كذلك المرض فكم من معافى منه قد بغته ~~الموت فالتأسي بعموم الموت لعله يسقط أثر كونه بلاء، فيسوغ في الأدب نسبته ~~إلى الله تعالى. وأما المرض، فلما كان مما يخص به بعض البشر دون بعض، كان ~~بلاء محققا. فاقتضى العلو في الأدب مع الله تعالى، أن ينسبه الإنسان إلى ~~نفسه، باعتبار ذلك السبب الذي لا يخلو منه. ويؤيد ذلك أن كل ما ذكره مع ~~المرض، أخبر عن وقوعه بتا وجزما، لأنه أمر لا بد منه. وأما المرض، فلما كان ~~قد يتفق وقد لا، أورده مقرونا # PageV07P460 # بشرط إذا فقال: وإذا مرضت وكان ممكنا أن يقول والذي يمرضني فيشفيني، كما ~~في غيره فما عدل عن المطابقة المجانسة المأثورة، إلا لذلك. انتهى. # قال أبو السعود: وأما الإماتة، فحيث كانت من معظم خصائصه تعالى كالإحياء، ~~بدءا وإعادة، وقد نيطت أمور الآخرة جميعا بها وبما بعدها من البعث نظمهما ~~في ms3583 سمط واحد في قوله تعالى: والذي يميتني ثم يحيين على أن الموت، لكونه ~~ذريعة إلى نيله عليه الصلاة والسلام للحياة الأبدية، بمعزل من أن يكون غير ~~مطموع عنده عليه الصلاة والسلام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 82] # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين أي الجزاء. وخطيئته ما كان يراها ~~هو صلوات الله عليه ويعدها بالنسبة لمقامه الكريم. # قال أبو السعود: ذكره عليه الصلاة والسلام هضما لنفسه وتعليما للأمة أن ~~يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب مغفرة لما يفرط منهم وتلافيا لما عسى ~~يندر منه عليه السلام من الصغائر، وتنبيها لأبيه وقومه على أن يتأملوا في ~~أمرهم فيقفوا على أنهم من سوء الحال في درجة لا يقادر قدرها، فإن حاله عليه ~~السلام، مع كونه في طاعة الله تعالى وعبادته، في الغاية القاصية، حيث كانت ~~بتلك المثابة. فما ظنك بحال أولئك المغمورين في الكفر، وفنون المعاصي ~~والخطايا؟. # وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع أنها إنما تغفر في الدنيا، لأن ~~أثرها يومئذ يتبين، ولأن في ذلك تهويلا له وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه، إن ~~لم تغفر، وبعد أن ذكر عنايته تعالى به من مبدأ خلقه إلى بعثه، حمله ذلك على ~~مناجاته، فقال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 83 الى # 84] # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) # رب هب لي حكما أي حكمة، أو حكما بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبي ذو ~~حكم وحكمة. وألحقني بالصالحين أي وفقني لأنتظم في سلكهم، لأكون من الذين ~~جعلتهم سببا لصلاح العالم وكمال الخلق. # PageV07P461 # واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ذكرا جميلا بعدي، أذكر به ويقتدى بي في ~~الخير كما قال تعالى: # وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين [الصافات: ### | 108- 110 # ] . # قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول يكون به، ~~وقد تكني العرب به عن الكلمة. وعليها حمل قول ms3584 الأعشى: # إني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو، لا عجب منها ولا سخر # وجوز أن يكون المعنى: واجعل لي صادقا من ذريتي، يجدد أصل ديني ويدعو ~~الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد. وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ولذا # قال صلى الله عليه وسلم «1» : «أنا دعوة أبي إبراهيم» # ، فالكلام بتقدير مضاف. أي صاحب لسان صدق. أو مجاز بإطلاق الجزء على ~~الكل، لأن الدعوة باللسان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 85 الى # 86] # واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) # واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي أي بهدايته وتوفيقه للإيمان. كما ~~يلوح به تعليله بقوله إنه كان من الضالين أي طريق الحق. # قال الحافظ ابن كثير. قوله واغفر لأبي إلخ.. كقوله: ربنا اغفر لي ولوالدي ~~[إبراهيم: 41] ، وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [التوبة: 114] ، ~~إلى قوله: إن إبراهيم لأواه حليم وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، ~~فقال تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه [الممتحنة: 5] ، ~~إلى قوله: وما أملك لك من الله من شيء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 87 الى 89] # ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى ~~الله بقلب سليم (89) # ولا تخزني يوم يبعثون أي لا تلحق بي ذلا وهوانا يومئذ PageV07P462 # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم أي لا يقي المرء من ~~عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. ولا بنوه، وإن كانوا غاية في ~~القوة. فإن الأمر ثمة ليس كما يعهدون في الدنيا، بل لا ينفع إلا الموافاة ~~بقلب سليم من مرض الكفر والنفاق والخصال المذمومة والملكات المشؤومة. # قال الزمخشري: # وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولا ~~عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم. ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها ms3585 بأنها لا ~~تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره ~~وأخرجه من أن يكون شبهة، فضلا أن يكون حجة. ثم صور المسألة في نفسه دونهم ~~حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه ~~وإنشائه، إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته. ثم أتبع ذلك أن ~~دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين. ثم وصله بذكر يوم ~~القيامة، وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم ~~والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ~~ويطيعوا. # ثم بين سبحانه أن الجنة تكون قريبة من موقف السعداء، ينظرون إليها ~~ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها. والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى ~~منهم، يتحسرون على أنهم المسوقون إليها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 90 الى # 94] # وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما ~~كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم ~~والغاوون (94) # وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين أي الضالين عن طريق الحق الذي ~~هو الإيمان والتقوى. وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره. # وقيل لهم توبيخا على شركهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم ~~أو ينتصرون أي يدفعون العذاب عنكم، أو يدفعونه عن أنفسهم، لأنهم وآلهتهم ~~وقود النار. وهو قوله تعالى: فكبكبوا فيها هم أي الآلهة والغاوون أي ~~وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم. # قال الزمخشري: والكبكبة تكرير الكب- وهو الإلقاء على الوجه- جعل # PageV07P463 # التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ~~ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 95 الى # 98] # وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) # وجنود إبليس أي متبعوه من العصاة أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن ~~كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ms3586 أي في العبادة، مع أنكم أعجز ~~مخلوقاته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 99] # وما أضلنا إلا المجرمون (99) # وما أضلنا إلا المجرمون أي رؤساؤهم، كما في آية ربنا إنا أطعنا سادتنا ~~وكبراءنا فأضلونا السبيلا [الأحزاب: 67] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 100 الى 101] # فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) # فما لنا من شافعين ولا صديق حميم أي من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء. ~~لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله. وكان لهم الأصدقاء ~~من شياطين الإنس. فما أغنوا عنهم شيئا. كما قال تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين قال [الزخرف: 67] ، الزمخشري: و (الحميم) من الاحتمام ~~وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من (الحامة) بمعنى الخاصة. # وهو الصديق الخاص. وفيه معنى الحدة والسخونة. كأنه يحتد ويحمى، لحماية ~~خليله ورعايته، والقيام بمهماته. وهذا هو الذي قيل (إنه أعز من بيض الأنوق) ~~وإنه اسم بلا مسمى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 102 الى 104] # فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) # فلو أن لنا كرة أي رجعة إلى رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين إن في # PageV07P464 # ذلك # أي فيما ذكر من نبأ إبراهيم لآية أي لحجة وعظة أراد أن يستبصر بها ~~ويعتبر. وتقدم ما قاله الزمخشري في بديع سياقها وما كان أكثرهم أي أكثر قوم ~~إبراهيم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم # أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل، لدعوة خلقه إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى # 111] # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) # فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) # كذبت قوم نوح المرسلين لأن تكذيب واحد كتكذيب الكل، لاتفاقهم في أصول ~~الشرائع. وهو نفي الشريك ms3587 وإثبات البارئ وتوحيده. أو لأن المراد بالجمع ~~الواحد إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله ~~وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون يعنون من كان وضيع النسب قليل ~~النصيب من الدنيا. فإن الشرف لديهم بالمال والنشب. والحسب والنسب، لا ~~بالأخلاق الفاضلة. والملكات الكاملة. التي تحمل على تعرف الحق والتوجه ~~إليه. ثم اعتناقه والمحافظة عليه. # وأكثر ما تكون الأخلاق في مثل المستضعفين. إذا قام عليهم ناصح أمين. إذ ~~لا مال يطغيهم. ولا جاه يلهيهم. وذلك من العناية الربانية فيهم. # قال الزمخشري: وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم. ~~وما زالت أتباع الأنبياء كذلك، حتى صارت من سماتهم وأماراتهم. ألا ترى إلى ~~هرقل حين سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ~~(ضعفاء الناس) قال (ما زالت أتباع الأنبياء كذلك) وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 112] # قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) # قال وما علمي بما كانوا يعملون جواب عما أشير إليه من قولهم إنهم لم ~~يؤمنوا عن نظر وبصيرة. أي وما علي إلا الظاهر والله يتولى السرائر. # PageV07P465 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 113 الى 118] # إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ~~(116) قال رب إن قومي كذبون (117) # فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) # إن حسابهم إلا على ربي أي ما حسابهم على أعمالهم، إلا على ربي المطلع على ~~ضمائرهم لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن ~~لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين أي المشتومين أو المرميين بالحجارة قال ~~رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا أي احكم بيننا بما يستحقه كل واحد ~~منا. # قال الزمخشري: الفتاحة: الحكومة. والفتاح: ms3588 الحاكم. لأنه يفتح المستغلق. # كما سمي فيصلا لأنه يفصل بين الخصومات. وفي (التهذيب) : الفتح أن تحكم ~~بين قوم يختصمون إليك. قال الأشعر الجعفي: # ألا من مبلغ عمرا رسولا ... فإني عن فتاحتكم غني # ونجني ومن معي من المؤمنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 119 الى 128] # فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) ~~كذبت عاد المرسلين (123) # إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا ~~الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~(127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) # فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية ~~أي فيما فعلنا بهم لعبرة وعظة لمن بعدهم وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم كذبت عاد وهم قوم هود عليه السلام المرسلين إذ قال لهم أخوهم ~~هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع أي مكان مرتفع، بكسر الراء ~~وفتحها آية أي علامة # PageV07P466 # تعبثون أي ببنائها لا للحاجة إليها. بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة. ~~ولهذا أنكر عليهم ذلك. لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة. ~~واشتغال بما هم في غنى عنه. وبما في الشغف به انصراف عن الجد في العمل، ~~وصرف للأموال في غير ما خلقت له، من النظر للنفس والأهل والدين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية # 129] # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) # وتتخذون مصانع أي منازل وقصورا لعلكم تخلدون أي راجين الخلود في الدنيا ~~إشارة إلى أن عملهم ذلك، لقصر نظرهم على الدنيا والإعجاب بالآثار، والتباهي ~~بالمشيدات والغفلة عن أعمال المجدين البصيرين بالعواقب، الصالحين المصلحين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 130] # وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) # وإذا بطشتم بطشتم جبارين أي تأخذون بالعنف والشدة، كبرا وعتوا. يقال (بطش ms3589 ~~به) أي أخذه بالعنف والسطوة، وتناوله بشدة عند الصولة، يصفهم عليه السلام ~~بالقسوة وعدم الرحمة والشفقة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 131 الى 134] # فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم ~~بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) # فاتقوا الله أي فيما آمركم به من التوبة والإيمان وأطيعون واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون أي فاشكروا نعماءه وارعوا ~~بتقواه آلاءه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 135] # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) # إني أخاف عليكم أي إن لم تقوموا بواجب شكرها عذاب يوم عظيم أي في الدنيا ~~والآخرة. # PageV07P467 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 136] # قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) # قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين أي: فإنا لن نرعوي عما نحن ~~عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 137] # إن هذا إلا خلق الأولين (137) # إن هذا أي ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين أي عادتهم. كانوا يدينون ~~به ويعتقدونه. فنحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي جئتنا به إلا عادة الأولين. # كانوا يلقفون مثله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 138 الى # 146] # وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) # إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) # وما نحن بمعذبين أي على ما نحن عليه من الأعمال فكذبوه فأهلكناهم أي بريح ~~صرصر إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت ~~ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون ~~في ما هاهنا آمنين أي من الموت والزوال ms3590 والعذاب. # قال الزمخشري: يجوز أن يكون إنكارا لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا ~~يزالون عنه. وأن يكون تذكيرا بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتنعمون فيه ~~من الجنات وغير ذلك، مع الأمن والدعة. وقوله تعالى في ما هاهنا أي في الذي ~~استقر في هذا المكان من النعيم. ثم فسره بقوله: # PageV07P468 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 147 الى 153] # في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين ~~(151) # الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين ~~(153) # في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم أي لطيف لين وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين أي بطرين. وقرئ (فرهين) وهو أبلغ. وقيل: فاره من (فره) بالضم، ~~بمعنى حذق. وفره صفة من (فره) كفرح، بمعنى أشر وبطر فاتقوا الله وأطيعون ~~ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا إنما أنت ~~من المسحرين أي الذين سحروا حتى غلب على عقولهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 154 الى 166] # ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة ~~لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ~~(156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (158) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم ~~أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون ~~(163) # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون ~~الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم ~~عادون (166) # ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ~~أي نصيب من الماء ولكم شرب يوم معلوم أي فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموها على ~~شربها ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم أي لعظم ما تسيئون. # قال الزمخشري: عظم اليوم لحلول العذاب فيه، ووصف ms3591 اليوم به أبلغ من وصف ~~العذاب. لأن الوقت إذا عظم بسببه، كان موقعه من العظم أشد فعقروها فأصبحوا ~~نادمين فأخذهم العذاب أي الموعود، وهو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا، ~~وجاءتهم صيحة عظيمة إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم # PageV07P469 # كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين ~~فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم ~~عادون أي مجاوزون حد الحكمة في ترك محل الحرث، الحافظ للنسل، الذي به حفظ ~~النوع البشري، وإيثار ما لم يخلق لذلك، شرها في الشهوة الحيوانية، ومكافحة ~~لتغيير الأوضاع الربانية. # ونقل السيوطي في (الإكليل) عن محمد بن كعب القرظي، أن معنى الآية: # تذرون مثله من المباح. فاستدل بذلك على إباحة وطء الزوجة من دبرها. ~~انتهى. # وخالفه غيره. فاستدل بها على حظره. وبيانه كما في (الكشاف) و (حواشيه) أن ~~(من) إما تبيين لما خلق، أو للتبعيض. ويراد به العضو المباح منهن، تعريضا ~~بأنهم كانوا يفعلون ذلك بنسائهم. ومن الوجه الثاني يستدل على حظر إتيان ~~المرأة في غير المأتى. وتقريره في (الانتصاف) أن (من) لو كانت بيانا لكان ~~المعنى حينئذ على ذمهم بترك الأزواج. ولا شك أن ترك الأزواج مضموم إلى ~~إتيان الذكران. # وحينئذ يكون المنكر عليهم الجمع بين ترك الأزواج وإتيان الذكران، لا أن ~~ترك الأزواج وحده منكر. ولو كان الأمر كذلك، لكان النصب في الثاني متوجها ~~على الجمع. وكان إما الأفصح أو المتعين. وقد اجتمعت العامة- عامة القراء- ~~على القراءة به مرفوعا ولا يتفقون على ترك الأفصح إلى ما لا مدخل له في ~~الفصاحة، أو في الجواز أصلا. فلما وضح ذلك تبين أن هذا المعنى غير مراد. ~~فتعين حمل (من) على البعضية. فيكون المنكر عليهم أمرين. كل واحد منهما ~~مستقل بالإنكار: أحدهما إتيان الذكران. والثاني مجانبة إتيان النساء في ~~المأتى، رغبة في إتيانهن في غيره. ms3592 # وحينئذ يتوجه الرفع لفوات الجمع اللازم على الوجه الأول، واستقلال كل ~~واحد من هاتين العظيمتين بالنكير. انتهى. # ومثله من دقيق الاستنباط الذي يوسع المدارك ويفتح للتفهم أبوابا، وإن ~~أمكن أن يقال إن سياق الآية في الملام لهم، أعم مما ذكره ومن غيره. والله ~~أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 167] # قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) # قالوا لئن لم تنته يا لوط أي عن تقبيح أمرنا لتكونن من المخرجين أي من ~~قريتنا عنفا، إذ لا تجانسنا. # PageV07P470 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 168 الى # 169] # قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) # قال إني لعملكم من القالين أي المبغضين غاية البغض. أي فأنا أرغب في ~~الخروج عن دياركم، والراحة من مجاورتكم، لبغضي لعملكم، الآيل بكم إلى ~~الدمار وخراب الديار. ولذا أتبعه بقوله رب نجني وأهلي مما يعملون أي من ~~شؤمه وغائلته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 170 الى 172] # فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا ~~الآخرين (172) # فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا وهي امرأته. كما بينت في آيات في ~~الغابرين أي مقدرا كونها من الباقين في العذاب. لأنها كانت راضية بعمل ~~قومها. ### | لطيفة: # قال الناصر في (الانتصاف) : كثيرا ما ورد في القرآن، خصوصا في هذه ~~السورة، العدول عن التعبير بالفعل إلى التعبير بالصفة المشتقة. ثم جعل ~~الموصوف بها واحدا من جمع. كقول فرعون لأجعلنك من المسجونين [الشعراء: 29] ~~، وقولهم: سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين [الشعراء: 136] ، ~~وقولهم: لتكونن من المرجومين [الشعراء: 116] ، وقوله: إني لعملكم من ~~القالين [الشعراء: 168] ، وقوله تعالى في غيرها: رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف [التوبة: 87] ، وكذلك ذرنا نكن مع القاعدين [التوبة: 86] ، وأمثاله ~~كثيرة والسر في ذلك، والله أعلم، أن التعبير بالفعل، إنما يفهم وقوعه خاصة. # وأما التعبير بالصفة، ثم جعل الموصوف بها واحدا من جمع، فإنه يفهم أمرا ~~زائدا على وقوعه. وهو أن الصفة المذكورة، كالسمة للموصوف ثابتة العلوق به. ~~كأنها لقب. وكأنه ms3593 من طائفة صارت كالنوع المخصوص المشهور ببعض السمات ~~الرديئة. # واعتبر ذلك لو قلت (رضوا بأن يتخلفوا) لما كان في ذلك مزيد على الإخبار ~~بوقوع التخلف منهم لا غير. وانظر إلى المساق وهو قوله: رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف كيف ألحقهم لقبا رديئا، وصيرهم من نوع رذل مشهور بسمة التخلف، حتى ~~صارت لقبا لا حقا به. وهذا الجواب عام في جميع ما يرد عليك من أمثال ذلك. # فتأمله واقدره قدره ثم دمرنا الآخرين أي أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه. # PageV07P471 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 173 الى # 176] # وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) كذب أصحاب الأيكة ~~المرسلين (176) # وأمطرنا عليهم مطرا أي عظيما غير معهود، هلكوا به فساء مطر المنذرين إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذب أصحاب ~~الأيكة المرسلين وهم أهل مدين. ووهم من زعم أنهما أمتان أرسل إليهما شعيب ~~عليه السلام: فإنهم أمة واحدة كانوا يقطنون (مدين) أضيفوا إليها تارة وأخرى ~~إلى ما حوتها من الأيكة، وهي الأشجار الكثيرة الملتفة المجتمعة في مكان ~~واحد. # قال الحافظ ابن كثير: والصحيح أنهم أمة واحدة. وصفوا في كل مقام بشيء. # ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء ~~بسواء. # فدل ذلك على أنهما أمة واحدة. ### | تنبيه: # قال أبو عمرو: وكتب في جميع المصاحف (ليكة) في الشعراء و (ص) ، بلام من ~~غير ألف قبلها. وفي الحجر وق (الأيكة) ولذا قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ~~بلام مفتوحة، من غير همز قبلها ولا بعدها. ونصب التاء غير منصرف. والباقون ~~(الأيكة) بإسكان اللام وهمز وصل قبله، وهمزة قطع مفتوحة بعده، وجر التاء. ~~وحمزة وصلا ووقفا على أصله. وقراءة الأولين استشكلها أبو علي الفارسي ~~وغيره، بأنه لا وجه للفتح. لأن نقل حركة الهمزة لا يقتضي تغيير الإعراب من ~~الكسر إلى الفتح. أي فإن العرب تقول في الأحمر (الحمر ولحمر) وإثبات الألف ms3594 ~~واللام في (الأيكة) في سائر القرآن يدل- كما قال الزجاج- على أن حذف الهمزة ~~منها التي هي ألف الوصل، بمنزلة قولهم (لحمر) وقرئ (ليكة) بالجر على ~~الإضافة في غير السبع. لكن قال الزمخشري: هو الوجه. ومن قرأ بالنصب، وزعم ~~أن ليكة، بوزن ليلة، اسم بلد، فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة في ~~هذه السورة وفي سورة (ص) بغير ألف. وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس ~~الخط المصطلح عليه. وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ. كما ~~يكتب أصحاب النحو- لأن ولولي- على هذه الصورة، لبيان لفظ المخفف. وقد كتبت ~~في سائر القرآن على الأصل. والقصة واحدة. على أن (ليكة) اسم لا يعرف. ~~انتهى. # PageV07P472 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 177 الى 181] # إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله ~~وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) ~~أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) # إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما ~~أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أوفوا الكيل أي أتموه ولا ~~تكونوا من المخسرين أي حقوق الناس بإعطائهم ناقصا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 182 الى 183] # وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين (183) # وزنوا بالقسطاس المستقيم أي بالميزان السوي ولا تبخسوا الناس أشياءهم أي ~~لا تنقصوهم حقوقهم. قال الزمخشري: وهو عام في كل حق ثبت لأحد، أن لا يهضم. ~~وفي كل ملك أن لا يغصب عليه مالكه، ولا يتحيف منه، ولا يتصرف فيه، إلا ~~بإذنه تصرفا شرعيا. ولا تعثوا في الأرض مفسدين أي بالقتل والغارة وقطع ~~الطريق والجور والظلم وأكل أموال الناس بالباطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 184 الى 186] # واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين ~~(185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) # واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الأولين أي: وذوي ms3595 الجبلة الأولين، وهم من ~~تقدمهم من الخلائق قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن ~~نظنك لمن الكاذبين أي فيما تدعيه من النبوة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 187 الى 188] # فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما ~~تعملون (188) # فأسقط علينا كسفا من السماء قطعا منها. قرئ (كسفا) بسكون السين # PageV07P473 # وتحريكها. وكلاهما جمع (كسفة) إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما ~~تعملون أي من الكفر والمعاصي، وبما تستوجبون عليها من العذاب، بإسقاط كسف ~~أو غيره مما يشاؤه إذا جاء أجلكم، فإليه الحكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 189] # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) # فكذبوه أي فاستمروا على تكذيبه ولم يتوبوا فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان ~~عذاب يوم عظيم أي لحلول العقاب فيهم، من جنس ما سألوه من إسقاط السماء قطعا ~~عليهم. فقد أظلتهم سحابة أطبقت عليهم، وأظلمت الجو فوقهم، وغشيهم العذاب ~~وأحاط بهم. و (الظلة) بالضم لغة، الغاشية، وما أطبق وستر من فوق. # قال الحافظ ابن كثير: ذكر تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن. كل موطن ~~بصفة تناسب ذلك السياق. ففي (الأعراف) ذكر أنهم فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين [الأعراف: 91] ، وذلك لأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا [الأعراف: 88] ، فأرجفوا نبي الله ~~ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة وفي سورة هود قال: وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~[هود: 94] ، ذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: أصلاتك تأمرك أن نترك ~~ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد ~~[هود: 87] ، قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء. فناسب أن تأتيهم صيحة ~~تسكتهم فقال: وأخذت الذين ظلموا الصيحة وهاهنا قالوا: فأسقط علينا كسفا من ~~السماء الآية، على وجه التعنت والعناد. فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا ~~وقوعه فأخذهم عذاب يوم الظلة. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 190 الى # 191] ms3596 # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(191) # إن في ذلك لآية أي على أخذه العصاة بمقتضى أعمالهم وما كان أكثرهم مؤمنين ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم أي الغالب على تعذيب من شاء بما شاء، الرحيم، ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يكون للناس على الله حجة. # PageV07P474 # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف كرر في هذه السورة، في أول كل قصة وآخرها، ما ~~كرر؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه. وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها. ~~فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن ~~تختتم بما اختتمت به. ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا ~~لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد ~~تحفظه منها؟ # وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب، وأرسخ في الفهم، وأثبت للذكر، ~~وأبعد من النسيان. ولأن هذه القصص طرقت بها أذان وقر عن الإنصات للحق، ~~وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير. ~~لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل أو يجلو ~~فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى # 195] # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) # وإنه أي ما ذكر من الآيات الناطقة بالقصص المحكية، أو القرآن المتضمن لها ~~لتنزيل رب العالمين أي منزل منه حقا نزل به الروح الأمين أي جبريل عليه ~~السلام على قلبك لتكون من المنذرين أي منتظما في سلك أولئك المشهورين بتلك ~~المزية الجليلة، والمنقبة الفاضلة. وهي الرسالة الإلهية بالإنذار، إزالة ~~للأعذار بلسان عربي مبين أي واضح المعنى جلي المفهوم، ليكون قاطعا للعذر، ~~مقيما للحجة، دليلا إلى المحجة. والجار متعلق ب (نزل) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 196 الى 197] # وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء ms3597 بني إسرائيل ~~(197) # وإنه لفي زبر الأولين أي في كتبهم. مع أنه صلوات الله عليه لم يصحب أهلها ~~ولم يدرسها. فكفى بذلك شهيدا على صدقه أولم يكن لهم آية أي علامة على ~~تنزيله الحق أن يعلمه علماء بني إسرائيل أي فيجدون مصداقه في زبرهم التي ~~يدرسونها، كما قال تعالى: وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ~~إنا كنا من قبله مسلمين [القصص: 53] . # PageV07P475 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 198 الى # 209] # ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) ~~كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~(201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) # فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم ~~سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ~~(207) # وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) # ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين أي ولو ~~نزلناه بنظمه البديع على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فقرأه عليهم ~~قراءة فصيحة، انفتق لسانه بها، خرقا للعادة، لكفروا به كما كفروا. ولتمحلوا ~~لجحودهم عذرا. # ولسموه سحرا، لفرط عنادهم كذلك سلكناه في قلوب المجرمين أي مكنا هذا ~~العناد والإباء عن الإيمان به، في قلوبهم وأنفسهم. وقررناه فيها لا يؤمنون ~~به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن ~~منظرون أفبعذابنا يستعجلون أي وهو ما هو، عياذا به منه أفرأيت إن متعناهم ~~سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون أي من طوال ~~الأعمار وطيب المعايش وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى أي رسل ~~ينذرونهم لأجل الموعظة والتذكرة وما كنا ظالمين أي فنبغتهم بالعذاب قبل ~~الإنذار، فإن ذلك محال في حكمة الحكم العدل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 210 الى 213] # وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن ~~السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر ms3598 فتكون من المعذبين (213) # وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون رد لما زعمه المشركون ~~من أن التنزيل الكريم من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة، بعد تحقيق ~~الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين. وقوله تعالى: إنهم عن السمع أي ~~الاستماع عن الملائكة لمعزولون لانتفاء الاستعداد لقبول فيضان أنوار الحق ~~عليهم، لخباثة نفوسهم بالذات، فهم مرجومون مبعدون عن الأنوار القدسية ~~والبراهين السبوحية # PageV07P476 # فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين في الدارين، عذاب تعديد ~~الوجهة، واضطراب الفكر، وضعف الشبهة، وتوهين العقل في الدنيا. ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 214 الى # 219] # وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) ~~فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) ~~الذي يراك حين تقوم (218) # وتقلبك في الساجدين (219) # وأنذر عشيرتك الأقربين أي الأدنين. وإنه لا يخلص أحدا منه إلا إيمانه ~~بربه عز وجل. # وقد قال عليه الصلاة والسلام «1» لما نزلت عليه: «يا فاطمة ابنة محمد! يا ~~صفية ابنة عبد المطلب! يا بني عبد المطلب! لا أملك لكم من الله شيئا. ~~أنقذوا أنفسكم من النار» . # وقد بسط الأحاديث الواردة في ذلك، ابن كثير. فراجعه. وقوله تعالى: واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين أي لين جانبك لهم. مستعار من حال الطائر. فإنه ~~إذا أراد أن ينحط خفض جناحه فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على ~~العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم # أي من النوم إلى التهجد وتقلبك في الساجدين أي المصلين. أي تصرفك فيما ~~بينهم بالقيام والركوع والسجود، إذا أممتهم. يعني: يراك وحدك ويراك في ~~الجمع. والتوصيف بذلك للتذكير بالعناية بالصلاة ليلا وجمعا وفرادى. أو معنى ~~الآية: لا يخفى عليه حالك، كلما قمت وتقلبت مع الساجدين، في كفاية أمور ~~الدين. أو هي كناية عن رعايته صلوات الله عليه، والعناية به. كقوله تعالى: ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [الطور: 48] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 220 الى 222] # إنه هو ms3599 السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل ~~على كل أفاك أثيم (222) # إنه هو السميع العليم أي لما تقوله وبما تنويه هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين PageV07P477 # أي (تتنزل) وهو استئناف مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله ~~بعد امتناع تنزلهم بالقرآن تنزل على كل أفاك أثيم أي كذاب في قوله، في ~~الكلام من وجه إلى آخر، ولا يبالي بذلك. لأنه أثيم كثير الإثم والفجور في ~~فعله. # وحيث كان المقام النبوي منزها عن ذلك، اتضح استحالة تنزلهم عليه. # قال القاشاني: لأن تنزلهم لا يكون إلا عند استعداد قبول النفوس لنزولها، ~~بالمناسبة في الخبث والكيد والمكر والغدر والخيانة وسائر الرذائل. فمن تجرد ~~عن صفات النفس، وترقى إلى جناب القدس، وتنورت نفسه بالأنوار الروحية ~~ومصابيح الشهب السبوحية، وأشرق عقله بالاتصال بالعالم الأعلى، فلا يمكن ~~للشياطين أن يتنزلوا عليه، ولا أن يتلقفوا المعارف والحقائق والشرائع. ~~فإنهم معزولون عن استماع كلام الملكوت الأعلى، مرجومون بشهب الأنوار ~~القدسية. وقوله تعالى: هل أنبئكم تقرير لقوله تعالى: وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون لأن الإفك والإثم من لوازم النفوس الكدرة الخبيثة المظلمة ~~السفلية، المستمدة من الشياطين بالمناسبة، المستدعية لإلقائهم وتنزلهم بحسب ~~الجنسية. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : الآيات 223 الى 226] # يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) # يلقون أي الأفاكون السمع أي إلى الشياطين وأوهامهم ووساوسهم وأكثرهم ~~كاذبون أي فيما يتكهنون به، وفيما يحكونه عن الشياطين. وقوله تعالى ~~والشعراء يتبعهم الغاوون استئناف مسوق لإبطال ما قالوا في حق القرآن ~~الكريم، من أنه من قبيل الشعر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الشعراء، ببيان حال الشعراء المنافية لحاله عليه الصلاة والسلام. بعد إبطال ~~ما قالوا إنه من قبيل ما يلقى الشياطين على الكهنة من الأباطيل، بما مر من ~~بيان أحوالهم المضادة لأحواله عليه الصلاة والسلام. # والمعنى أن الشعراء الذين يركبون المخيلات والمزخرفات من القياسات ~~الشعرية والأكاذيب الباطلة، سواء كانت موزونة ms3600 أم لا، فإنه يتبعهم (أي ~~يجاريهم ويسلك مسلكهم، ويكون من جملتهم) الغاوون الضالون عن السنن، لا ~~غيرهم من أهل الرشد، المهتدين إلى طريق الحق، الداعين إليه. قاله أبو ~~السعود. # وقوله تعالى: ألم تر أنهم في كل واد يهيمون استشهاد على أن الشعراء إنما # PageV07P478 # يتبعهم الغاوون، وتقرير له. أي ألم تر أنهم في كل واد من أودية الخيال ~~يهيمون على وجوههم، لا يقفون عند حد معين، بل يركبون للباطل والكذب وفضول ~~القول كل مركب. ديدنهم الهجاء، وتمزيق الأعراض، والقدح في الأنساب، والنسيب ~~بالحرم والغزل والابتهار. ومدح من لا يستحق المدح، والغلو في الثناء ~~والهجاء. ### | لطيفة: # في ذكر الوادي والهيام، تمثيل لذهابهم في شعب القول وفنونه وطرقه وشجونه. ~~قال ابن الأثير: استعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي ~~يقصدونها. وإنما خص الأودية بالاستعارة، ولم يستعر الطرق والمسالك، أو ما ~~جرى مجراها- لأن معاني الشعر تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية ~~فيهما خفاء وغموض. فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق. # وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي مما يتبجحون به من أقوال وأفعال لم تصدر ~~منهم ولا عنهم، كناية عن أنهم يكذبون غير مبالين بما يستتبعه من اللوائم. ~~أي فكيف يتوهم أن يتبعهم في مسلكهم ذلك، ويلتحق بهم وينتظم في سلكهم، من ~~تنزهت ساحته عن أن يحوم حولها شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة، ~~واتصف بمحاسن الصفات الجليلة، وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة، وحاز جميع ~~الكمالات القدسية، وفاز بجملة الملكات الإنسية، مستقرا على المنهاج القويم، ~~مستمرا على الصراط المستقيم، ناطقا بكل أمر رشيد، داعيا إلى صراط العزيز ~~الحميد، مؤيدا بمعجزات قاهرة، وآيات ظاهرة، مشحونة بفنون الحكم الباهرة، ~~وصنوف المعارف الزاهرة، مستقلة بنظم رائق، أعجز كل منطيق ماهر، وبكت كل ~~مفلق ساحر! قاله أبو السعود. ### | تنبيه: # قال الحافظ ابن كثير: اختلف العلماء فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما ~~يوجب حدا. هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا؟ لأنهم يقولون ما لا يفعلون- ~~على قولين: وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد «1» في (الطبقات) والزبير ~~بن بكار ms3601 في كتاب (الفكاهة) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان، من أرض البصرة. وكان يقول الشعر، ~~فقال: PageV07P479 # ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم # إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحثو على كل مبسم # فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم # لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم # فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: إي والله! ~~إنه ليسوؤني ذلك. ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر (بسم الله ~~الرحمن الرحيم. حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. أما بعد فقد بلغني ~~قولك: # لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم # وأيم الله! إنه ليسوؤني ذلك. وقد عزلتك) . # فلما قدم على عمر. بكته بهذا الشعر. وقال: والله! يا أمير المؤمنين! ما ~~شربتها قط وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك. ولكن، ~~والله! لا تعمل لي عملا أبدا، وقد قلت ما قلت. # فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره. لأنهم يقولون ما لا يفعلون. ~~ولكن ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به. # وحكى الزمخشري عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: # فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام # فقال: وقد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين! قد درأ الله عني الحد ~~بقوله وأنهم يقولون ما لا يفعلون. # ثم استثنى تعالى الشعراء المؤمنين الصالحين، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشعراء (26) : آية 227] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا أي في شعرهم، بأن كان ~~غالبه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والآداب الحسنة ~~وانتصروا أي بشعرهم على عدوهم بأن هجوه من بعد ما ظلموا ms3602 أي فكان هجاؤهم على # PageV07P480 # سبيل الانتصار ممن يهجوهم، جزاء وفاقا. قال الله: لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم [النساء: 148] ، وقال تعالى: فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] ، قال ابن كثير: # وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان «1» : ~~«اهجهم، أو قال هاجهم، وجبريل معك» # ويروي الإمام أحمد «2» عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إن الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما قد علمت، وكيف ترى فيه؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفسي بيده! لكأن ما ~~ترمونهم به نضح النبل» . ### | تنبيهات: # الأول- قال في (الإكليل) : في قوله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون ~~الآية، ذم الشعر، والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه، وجوازه في ~~الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم، انتصارا. انتهى. # وحكى الزمخشري عن عمرو بن عبيد، أن رجلا من العلوية قال له: إن صدري ~~ليجيش بالشعر. فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه: أن الشعر ~~باب من الكلام، محسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام. # الثاني- # ذكر ابن إسحاق أنه لما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون جاء حسان بن ثابت ~~وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكون. # قالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء. فتلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال: أنتم # . قال ابن كثير: لكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات في ~~شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر. ولم يرو فيه إلا مرسلات لا يعتمد عليها. والله ~~أعلم. ولكن الاستثناء دخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه من كان ~~متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع، ~~وعمل صالحا، وذكر الله كثيرا، في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ. فإن ~~الحسنات يذهبن السيئات. وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما ms3603 كان يذمه. كما ~~قال: عبد الله بن الزبعرى، لما أسلم: PageV07P481 # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت، إذ أنا بور # إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور # وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فهو ابن عمه وأكثرهم له هجوا. فلما أسلم لم يكن أحد أحب ~~إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. انتهى. وقوله تعالى وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون تهديد شديد ~~ووعيد أكيد، لما في (سيعلم) من تهويل متعلقه. وفي (الذين ظلموا) من إطلاقه ~~وتعميمه. وفي (أي منقلب ينقلبون) من إبهامه وتهويله. كأنه لا يمكن معرفته، ~~وقد رأوا ما حاق بهم في الدنيا. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. # PageV07P482 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النمل # قال المهايمي: سميت بها، لاشتمالها على مقالتها، الدالة على علم الحيوان ~~بنزاهة الأنبياء وأتباعهم، عن ارتكاب المكاره عمدا، وهو مما يوجب الثقة ~~بهم. وهو من أعظم مقاصد القرآن. وهي مكية وآياتها ثلاث وتسعون. # PageV07P483 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) # طس، تلك آيات القرآن وكتاب مبين الإشارة إلى نفس السورة. والقرآن عبارة ~~عن الكل أو عن الجميع المنزل. أي تلك السورة آيات القرآن الذي عرف بعلو ~~الشأن. # وآيات كتاب عظيم المقدار، مبين لما تضمنه من الحكم والأحكام والمواعظ ~~والاعتبار. هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون أي هو هدى من الضلالة، وبشرى برحمة الله ورضوانه، لمن ~~آمن وعمل صالحا من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأيقن بالآخرة، والجزاء على ~~الأعمال خيرها وشرها. ### | لطيفة: # تكرير الضمير لإفادة الحصر والاختصاص على ما في (الكشاف) . # ولصاحب (الانتصاف) وجه آخر قال: لما كان أصل الكلام (وهم يوقنون بالآخرة) ~~ثم قدم المجرور على عامله، عناية ms3604 به، فوقع فاصلا بين المبتدأ والخبر، فأريد ~~أن يلي المبتدأ خبره، وقد حال المجرور بينهما، فطرى ذكره ليليه الخبر، ولم ~~يفت مقصود العناية بالمجرور حيث بقي على حاله مقدما: ولا يستنكر أن تعاد ~~الكلمة مفصولة له وحدها، بعد ما يوجب التطرية. فأقرب منها أن الشاعر قال: # سل ذو وعجل ذا وألحقنا بذا ... الشحم، إنا قد مللناه بخل # والأصل (وألحقنا بذا الشحم) فوقع منتصف الرجز أو منتهاه (على القول بأن ~~مشطور الرجز بيت كامل) عند اللام. وبنى الشاعر على أنه لا بد، عند المنتصف ~~أو المنتهى، من وقيفة ما. فقدر بتلك الوقفة بعدا بين المعرف وآلة التعريف. ~~فطراها ثانية. فهذه التطرية لم تتوقف على أن يحول بين الأول وبين المكرر ~~ولا كلمة واحدة، سوى تقديره وقفة لطيفة لا غير. # PageV07P484 # ثم قال: فتأمل هذا الفصل فإنه جدير بالتأمل. والله أعلم. # ثم تأثر أحوال المؤمنين بأحوال الكفرة، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 4 الى # 8] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أي مددنا لهم في ~~غيهم، فهم يتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوه به من الدار ~~الآخرة والجزاء على الأعمال كما قال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110] ، أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في ~~الآخرة هم الأخسرون أي أشد الناس خسرانا للنجاة وثواب الله. وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم أي لتؤتاه وتلقنه من عند حكيم في أمره ونهيه، عليم ~~بالأمور جليها وخفيها. فخبره هو الصدق المحض والحكمة البالغة، كما قال: ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [الأنعام: ms3605 115] ، والجملة مستأنفة، سقيت بعد بيان ~~بعض شؤون القرآن الكريم، تمهيدا لما يعقبه من الأنباء الجليلة. وقد بدأ ~~منها بما كان من أمر موسى عليه السلام واصطفائه وإيتائه من الآيات الباهرة ~~ما أذل معانديه، وجعلهم مثل السوء. فقال سبحانه إذ قال موسى لأهله أي حين ~~قفل من مدين إلى مصر، وأضل الطريق إني آنست نارا أي رأيتها سآتيكم منها ~~بخبر أي عن الطريق أو آتيكم بشهاب قبس أي بشعلة مقتبسة لعلكم تصطلون أي ~~تتدفئون به فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها أي بورك من في ~~مكان النار ومن حول مكانها. ومكانها البقعة التي حصلت فيها. وتدل عليه ~~قراءة أبي (تباركت الأرض ومن حولها) وعنه: بوركت النار. والذي بوركت له ~~البقعة، وبورك من فيها وحواليها، حدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله موسى، ~~واستنباؤه له، وإظهار المعجزات عليه. ورب خير يتجدد في بعض البقاع، فينشر ~~الله بركة ذلك الخير في أقاصيها # PageV07P485 # ويبث آثار يمنه في أباعدها. فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك ~~البقعة المباركة؟ كذا في (الكشاف) . # وقال السمين: (بارك) يتعدى بنفسه. فلذلك بني للمفعول: باركك الله، وبارك ~~عليك، وبارك فيك وبارك لك. والمراد ب (من) إما الباري تعالى وهو على حذف ~~مضاف، أي من قدرته وسلطانه في النار. وقيل: المراد به موسى والملائكة. # وكذلك قوله: ومن حولها وقيل المراد ب (من) غير العقلاء. وهو النور ~~والأمكنة التي حولها. انتهى. # ولذا قال الزمخشري: والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وفي ذلك ~~الوادي وحواليهما من أرض الشام. قال: ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات ~~موسومة في قوله: ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ~~[الأنبياء: 71] ، وحقت أن تكون كذلك. فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~ومهبط الوحي إليهم، وكفاتهم أحياء وأمواتا. # ثم قال: ومعنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه، هي بشارة له بأنه ~~قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة. انتهى. # وقال القرطبي: هذا تحية ms3606 من الله تعالى لموسى، وتكرمة له. كما حيا إبراهيم ~~على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت [هود: 73] . # وعن ابن عباس: لم تكن تلك النار نارا، وإنما كانت نورا يتوهج. # وعنه: هي نور رب العالمين. # وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. يخفض ~~القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل. ~~حجابه النور أو النار. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره) # ثم قرأ أبو عبيدة: أن بورك من في النار ومن حولها. # قال ابن كثير: وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم «1» من حديث عمرو بن مرة ~~وسبحان الله رب العالمين أي الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من ~~PageV07P486 # مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع ~~المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة ~~المحدثات. قاله ابن كثير. # وقد أفاد أن المقام اقتضى التنزيه، دفعا لإيهام ما لا يليق من التشبيه. ~~ثم إن موسى عليه السلام، أعلمه تعالى بأنه هو الذي يكلمه ويناجيه، لا ملك ~~ولا خلق آخر، بل ذاته العلية المستحقة للألوهية والنعوت القدسية، فقال ~~سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 9 الى # 12] # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وفي إيثار هذه الأسماء الجليلة سر ~~بديع. # وهو الإشارة الجملية إلى روح إرساله عليه السلام. أي: أنا الله لا تلك ~~المعبودات التي عكف عليها ms3607 قوم فرعون، العزيز الغالب القاهر لكل عات متمرد، ~~الحكيم في البعثة والإرسال، والتفضل والإفضال. ثم أمره تعالى أن يلقي عصاه ~~من يده ليريه دليلا واضحا على أنه القادر على كل شيء، بقوله وألق عصاك فلما ~~رآها تهتز كأنها جان هو ضرب من الحيات، أسرعه حركة وأكثره اضطرابا ولى أي ~~من الخوف مدبرا ولم يعقب أي لم يرجع على عقبه من شدة خوفه يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون أي لحفظي لهم وعنايتي بهم وعصمتي إياهم مما ~~يؤذيهم. # وفيه تبشير له باصطفائه بالرسالة والنبوة. وتشجيع له بنزع الخوف. إذ لا ~~يتمكن من أداء الرسالة، ما لم يزل خوفه من المرسل إليه. وقوله تعالى: إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم استثناء منقطع. استدرك به ما ~~عسى يختلج في الخلد من نفي الخوف عن كلهم. مع أن منهم من فرطت منه صغيرة ~~ما، مما يجوز صدوره عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإنهم وإن صدر عنهم ~~شيء من ذلك، فقد فعلوا عقيبه ما يبطله، ويستحقون به من الله تعالى مغفرة ~~ورحمة. وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام، من وكزه ~~القبطي والاستغفار. قاله أبو السعود. وسبقه الزمخشري حيث قال: يوشك أن يقصد ~~بهذا، التعريض بما وجد من موسى. وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها، وسماه ~~ظلما كما قال موسى رب # PageV07P487 # إني ظلمت نفسي فاغفر لي # ثم أشار تعالى إلى آية خارقة غير العصا، آتاه إياها، بقوله وأدخل يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من غير سوء أي آفة كبرص في تسع آيات أي غيرها تؤتاها، إذا ~~جحد فرعون رسالتك. وهي ضرب ماء النهر بالعصا فينقلب دما. وإصعاد الضفادع ~~على أرض مصر. وضرب التراب فتمتلئ الأرض قملا. # وإرسال الجراد عليهم. والوباء الشديد. وإصابة أجسادهم بالقروح والدمامل ~~والبثور. # وإهلاك حصادهم بالبرد الشديد. وتغشيتهم بظلام كثيف، على ما روي، وفي تسع ~~أوجه: أحدها أنها حال ثالثة. أي تخرج آية في تسع آيات. والثاني أنها متعلقة ~~بمحذوف، ms3608 أي اذهب في تسع. والثالث أن يتعلق بقوله: وألق عصاك وأدخل يدك أي ~~في جملة تسع آيات. و (في) بمعنى (مع) إلى فرعون أي مرسلا بها إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين أي خارجين عن الحدود، في الكفر والعدوان. ~~وهذا تعليل للإرسال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 13 الى # 16] # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) ~~وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ~~إن هذا لهو الفضل المبين (16) # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة أي ظاهرة بينة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها ~~أي كذبوا بها بألسنتهم واستيقنتها أنفسهم أي عرفت أنفسهم أنها آيات يقينا، ~~لا سيما عند إلقاء السحرة ساجدين ظلما أي للآيات، بتسميتها سحرا كقوله: بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون [الأعراف: 9] ، ولقد (ظلموا بها) وعلوا أي تكبرا عن ~~الانقياد لموسى فانظر كيف كان عاقبة المفسدين أي من إهلاكهم بالإغراق، ~~لغرقهم في بحر الفساد والإفساد ولقد آتينا داود وسليمان علما أي بالقضاء ~~بين الناس، وحكمة باهرة وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين وورث سليمان داود أي العلم والحكمة والنبوة أو الملك وقال أي ~~تحدثا بنعمة الله وتنويها بمنته يا أيها الناس علمنا منطق الطير أي فهم ~~صوته وأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين أي البين الظاهر. وهو قول ~~وارد على # PageV07P488 # سبيل الشكر والمحمدة. كما # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» # أي أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 17 الى 25] # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا ~~على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا ms3609 من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر ~~نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) # فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني ~~وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا ~~يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون (25) # وحشر لسليمان جنوده أي جمع له عساكره من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ~~أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة ~~أي رأتهم متوجهين إلى واديها يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون أي بمكانكم فتبسم ضاحكا من قولها أي تعجبا من ~~حذرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها. وسرورا بشهرة حاله ~~وحال جنوده في باب التقوى والشفقة، فيما بين أصناف المخلوقات، التي هي ~~أبعدها من إدراك أمثال هذه الأمور، وابتهاجا بما خصه الله تعالى به من ~~إدراك همسها وفهم مرادها. قاله أبو السعود وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي PageV07P489 # أي ألهمني شكرها وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ~~وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة تبين عذره فمكث غير بعيد ~~أي فلبث في الغيبة أمدا غير طويل فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ وهي ~~مدينة بنبإ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم أي ~~سرير تجلس عليه، هائل مزخرف بأنواع الجواهر وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم ms3610 لا يهتدون ألا ~~يسجدوا أي هلا يسجدوا. كما قرئ بذلك. وجوز بعضهم أن يكون معمولا لما قبله. ~~أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، فحذف الجار مع (أن) أو أن تكون (لا) ~~مزيدة، والمعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض أي يظهر ما هو مخبوء فيهما من نبات ومعادن وغيرهما ويعلم ~~ما تخفون وما تعلنون قرئ بالتاء والياء على صيغة الغيبة. والجملة التحضيضية ~~إما مستأنفة من كلامه تعالى، أو محكية عن قول الهدهد. واستظهر الزمخشري ~~الثاني. قال: لأن في إخراج الخبء أمارة على أنه من كلام الهدهد، لهندسته ~~ومعرفته الماء تحت الأرض. وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السموات والأرض، ~~جلت قدرته ولطف علمه. ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله، ~~مخايل كل مختص بصناعة أو فن من العلم، في روائه ومنطقه وشمائله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : آية 26] # الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) # الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم أي المحيط بالشمس وسائر الكواكب وكل ~~شيء. فما أصغر عرشها في جنب عظمته! وما أضعف معبودها- الشمس- في جانب ~~قدرته!. ### | تنبيه: # هذه السجدة من عزائم السجدات. قال الزمخشري: لأن مواضع السجدة إما أمر ~~بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها. وإحدى القراءتين أمر بالسجود، ~~والأخرى ذم للتارك. # PageV07P490 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 27 الى # 32] # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم ~~تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب ~~كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي ~~وأتوني مسلمين (31) # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) # قال أي سليمان سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه ~~إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب ~~كريم أي حسن مضمونه وما ms3611 فيه إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا ~~تعلوا علي وأتوني مسلمين أي لا تتكبروا علي، وأتوني منقادين لأمري قالت يا ~~أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون أي لا أبت أمرا ~~إلا بمحضركم ومشورتكم. ولا أستبد بقضاء إلا باستطلاع آرائكم والرجوع إلى ~~استشارتكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 33 الى 35] # قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ~~(33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # قالوا نحن أولوا قوة أي في العدد والعدد وأولوا بأس شديد أي نجدة وبلاء ~~في الحرب والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين أي وأمر القتال أو الصلح مفوض إلى ~~رأيك. فانظري ما هو أبقى لشرفك وملكك قالت أي مشيرة إلى اختيار خطة ~~المسالمة وإيثارها، بالنظر لحالتها ومركزها وضعفها أمام عدوها، بأن القتال ~~إنما يؤثر إذا لم يغلب على الظن دخول العدو في قرية العدو. وألا تعين ~~الانقياد. وذلك معنى قولها إن الملوك إذا دخلوا قرية أي عنوة وقهرا أفسدوها ~~أي أخربوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة أي بالقهر والغلبة والقتل والأسر ونهب ~~الأموال وكذلك يفعلون تأكيد لما وصفت من حالهم، وتقرير له بأن ذلك عادتهم ~~المستمرة. وقيل تصديق لها منه تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون أي وإني سأرسل إلى سليمان وملئه رسلا بهدية توجب المحبة وتشبه ~~الانقياد. من غير اختلال لشرفنا. ثم انتظر بأي أمر يرجع المرسلون منه، حتى ~~أعمل على حسب ذلك. # PageV07P491 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 36 الى # 40] # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من ms3612 مقامك ~~وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) # فلما جاء سليمان أي المرسلون منها قال أتمدونن بمال فما آتاني الله أي من ~~الملك والحكمة والنبوة خير مما آتاكم أي فلا أبالي بجميع ما عندكم فضلا عن ~~الهدية بل أنتم بهديتكم تفرحون أي إذا أهدي إليكم مثلها، أو أهديتم مثلها، ~~تفرحون استكثارا أو افتخارا ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون أي مهانون قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من ~~مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر أي ليختبرني أأشكر بالطاعة والعمل بالشريعة، أم أكفر بالمعصية ~~والمخالفة. وقوله تعالى: ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني ~~كريم كقوله من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [فصلت: 46] و [الجاثية: ~~15] ، وكقوله ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون [الروم: 44] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 41 الى 42] # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما ~~جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) # قال نكروا لها عرشها أي اجعلوا متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر ~~الرجل للناس ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون أي لمعرفته فلما جاءت ~~قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو قال المهايمي: لم تقل (هو هو) خوفا من # PageV07P492 # التكذيب، مع نوع من التغيير. ولا (لا) خوفا من التجهيل. # وقال الزمخشري: لم تقل (هو هو) ولا (ليس به) وذلك من رجاحة عقلها. # حيث لم ms3613 تقطع في المحتم. أي: فأتت ب (كأن) الدالة على غلبة الظن. # قال الشهاب: وهذا إشارة إلى أن (كأن) ليس المراد بها هنا التشبيه بل ~~الشك. # وهو مشهور فيها. # وقد أبدى صاحب (الانتصاف) فرقا بين (كأن) و (هكذا) في التشبيه. # وعبارته: وفي قولها (كأنه هو) وعدولها عن مطابقة الجواب للسؤال بأن تقول ~~(هكذا هو) - نكتة حسنة. ولعل قائلا يقول: كلتا العبارتين تشبيه. إذ كان ~~التشبيه فيهما جميعا، وإن كانت في إحداهما داخلة على اسم الإشارة، وفي ~~الأخرى داخلة على المضمر، وكلاهما (أعني اسم الإشارة والمضمر) واقع على ~~الذات المشبهة. # وحينئذ تستوي العبارتان في المعنى. ويفضل قولها (هكذا هو) بمطابقته ~~للسؤال. # فلا بد في اختيار كأنه هو من حكمة. فنقول: حكمته، والله أعلم، أن كأنه هو ~~عبارة من قرب عنده الشبه حتى شكك نفسه في التغاير بين الأمرين. فكاد يقول ~~(هو هو) وتلك حال بلقيس. وأما (هكذا هو) فعبارة جازم بتغاير الأمرين، حاكم ~~بوقوع الشبه بينهما لا غير. فلهذا عدلت إلى العبارة المذكورة في التلاوة، ~~لمطابقتها لحالها، والله أعلم. انتهى. # وقوله تعالى: وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين هذا من تمام كلام ~~سليمان عليه السلام، شكرا لله على فضلهم عليها، وسبقهم إلى العلم بالله ~~وبالإسلام. أي: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده، ~~قبل علمها الذي أومأ إليه قولها كأنه هو والجملة عطف على مقدر اقتضاه ~~المقام المقتضى، للإفاضة في وصفها برجاحة الرأي في الهداية للإسلام. ~~والتقدير: أصابت في جوابها وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله. وأوتينا ~~العلم إلخ. وقيل: إنه من كلام بلقيس، موصولا بقولها كأنه هو، لا من كلام ~~سليمان، كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها، فقالت: ~~أوتينا العلم إلخ. أي لا حاجة إلى الاختبار لأني آمنت قبل. وهذا يدل على ~~كمال عقلها. # أو المعنى: علمنا إتيانك بالعرش قبل الرؤية، أو هذه الحالة بالقرائن أو ~~الأخبار. # قال ابن كثير: ويؤيد الأول، أي أنه من كلام سليمان، أنها إنما أظهرت ~~الإسلام بعد دخولها إلى ms3614 الصرح، كما سيأتي، والله أعلم. وقوله تعالى: # PageV07P493 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 43 الى # 44] # وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ~~ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) # وصدها أي وكان صدها عن الهداية ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من ~~قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح أي القصر، أو صحن الدار وكان سليمان عليه ~~السلام اتخذ قصرا بديعا من زجاج، فأراد أن يريها منه عظمة ملكه وسلطانه، ~~ومقدار ما آثره الله به لما رأته # أي صحنه سبته لجة # أي ماء عظيما كشفت # أي للخوض فيه ن ساقيها، قال إنه صرح ممرد # أي مملس ن قوارير # أي من الزجاج الت رب إني ظلمت نفسي # أي بكفرها السالف وعبادتها وقومها الشمس أسلمت مع سليمان لله رب العالمين # أي متابعة له في دينه وعبادته لله وحده لا شريك له. ### | تنبيهات: # الأول- روى كثير من المفسرين هاهنا أقاصيص لم تصح سندا ولا مخبرا. وما ~~هذا سبيله، فلا يسوغ نقله وروايته. # قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ساق ما رواه ابن أبي شيبة عن عطاء مستحسنا ~~له، ما مثاله: قلت: بل هو منكر غريب جدا. ولعله من أوهام عطاء بن السائب ~~على ابن عباس، والله أعلم. # ثم قال: والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد ~~في صحفهم. كروايات كعب ووهب، سامحهما الله تعالى، فيما نقلاه إلى هذه الأمة ~~من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب. مما كان ومما لم يكن. ~~ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع ~~وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة. # الثاني- أشير في (التوراة) في الفصل الرابع من سفر الملوك الثالث إلى ~~تفصيل نبأ سليمان عليه السلام وعظمة ملكه وسلطانه. ومما جاء فيه أن سليمان ~~كان متسلطا على ms3615 جميع الممالك من نهر الفرات إلى أرض فلسطين وإلى تخم مصر. ~~وإن ملوك الأطراف كانوا يحملون له الهدايا خاضعين له كل أيام حياته أي أنها ~~تؤدي له # PageV07P494 # الجزية، وإن كان ملكه محصورا في فلسطين. وأن الله تعالى آتاه حكمة وفهما ~~ذكيا جدا، وسعة صدر. ففاقت حكمته حكمة جميع أهل المشرق وأهل مصر. وقال ~~ثلاثة آلاف مثل. وتكلم. في الشجر، من الأرز الذي على لبنان إلى الزوفى التي ~~تخرج في الحائط. وتكلم في البهائم والطير والزحافات والسمك. وأما صرحه ~~وبيته عليه السلام، فقد جاء وصفه في الفصل الخامس من السفر المتقدم. وأنه ~~أكمل بناءه في ثلاث عشرة سنة. وأنه بنى جازر وبيت حورون السفلى وبعلت وتدمر ~~في أرض البرية. وجاء في الفصل العاشر من هذا السفر أيضا قصة ملكة سبأ ~~ومقدمها من اليمن على سليمان لتخبر حكمته وعظمة ملكه، ودهشتها مما رأته ~~وتحققته، وإيمانها بربه تعالى. ثم إعطاؤه إياها بغيتها. ثم انصرافها إلى ~~أرضها. # وقد ذكرنا غير مرة أن القرآن الكريم لا يسوق أنباء ما تقدم سوق مؤرخ، بل ~~يقصها موجزة ليتحقق أنه مصداق ما بين يديه، ومهيمن عليه، ولينبه على أن ~~القصد منها موضع العبرة والحكمة. ومثار التبصر والفطنة. # الثالث- مما استنبط من آيات هذه القصة الجليلة، أن في قوله تعالى: # فتبسم ضاحكا من قولها أنه لا بأس بالتبسم والضحك عن التعجب وغيره. وفي ~~قوله تعالى وتفقد الطير استحباب تفقد الملك أحوال رعيته. وأخذ منه بعضهم ~~تفقد الإخوان، فأنشد: # تفقد الإخوان مستحسن ... فمن بداه نعم ما قد بدا # سن سليمان لنا سنة ... وكان فيما سنة مقتدى # تفقد الطير على ملكه ... فقال: ما لي لا أر الهدهدا # وأن في قوله تعالى: لأعذبنه عذابا شديدا الآية، دليلا على أن العذاب على ~~قدر الذنب، لا على قدر الجسد. وعلى جواز تأديب الحيوانات والبهائم بالضرب ~~عند تقصيرها في المشي وإسراعها ونحو ذلك. وأن في قوله تعالى فقال أحطت بما ~~لم تحط به أن الصغير يقول للكبير والتابع للمتبوع: عندي من العلم ما ليس ~~عندك، إذا ms3616 تحقق ذلك. وأن في قوله تعالى قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ~~قبول الوالي عذر رعيته، ودرءه العقوبة عنهم، وامتحان صدقهم فيما اعتذروا ~~به. وأن في قوله تعالى اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم إرسال الطير بالكتب. ~~وأن في قوله تعالى: كتاب كريم استحباب ختم الكتب، لقول السدي: كريم بمعنى ~~مختوم. وأن في قوله تعالى: قالت يا أيها الملأ أفتوني في # PageV07P495 # أمري # المشاورة والاستعانة بالآراء في الأمور المهمة. وأن في قوله تعالى ~~أتمدونن بمال الآية، استحباب رد هدايا المشركين. كذا في (الإكليل) بزيادة. # ثم أخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام، ~~بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 45 الى # 47] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~أي فريق مؤمن وفريق كافر. يختصمون خصومة لا يرجع فيها المبطل إلى الحق بعد ~~ما تبين له. كقوله تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ~~لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه، قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون ~~قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون [الأعراف: 75- 76] ، قال يا ~~قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة أي بالعقوبة السيئة قبل التوبة الحسنة. ~~أي لم تدعون بحضور العقوبة ولا تطلبون من الله رحمته بالإيمان لولا ~~تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا أي تطيرنا أي تشاءمنا بك وبمن معك ~~أي من المؤمنين. # وقد كانوا، لشقائهم، إذا أصيبوا بسوء قالوا: هذا من قبل صالح وصحبه قال ~~طائركم عند الله أي سبيلكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله. وهو قدره ~~وقسمته، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. قاله الزمخشري. # قال الشهاب: لما كان المسافر من العرب إذا خرج ms3617 مر به طائر سانحا، وهو ما ~~وليه بميسرته، أو بارحا وهو ما وليه بميمنته- تيمنوا بالأول وتشاءموا ~~بالثاني. # ونسبوا الخير والشر إلى الطائر. ثم استعير لما كان سببهما من قدر الله ~~وقسمته. أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنقمة. ومنه (طائر الله، لا ~~طائرك) بل أنتم قوم تفتنون أي مفتونون بضلالكم وكفركم. لا ترون حسنا إلا ما ~~يوافق هواكم، ولا شؤما إلا يخالفه. ثم أخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤسائهم ~~الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر، وتكذيب صالح عليه السلام، وما ~~آل بهم الأمر، بقوله سبحانه: # PageV07P496 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 48 الى 52] # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا ~~بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا ~~دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعلمون (52) # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون أي شأنهم وعادتهم ~~الإفساد، كما يفيده المضارع وتأكيده بقوله في الأرض الدال على عموم فسادهم. ~~وهو صفة (رهط) أو (تسعة) قالوا تقاسموا بالله أي ليحلف كل واحد منكم على ~~موافقة الآخرين، بالله الذي هو أعظم المعبودين لنبيتنه أي لنقتلنه ليلا. ~~قرئ بالتاء على خطاب بعضهم لبعض وأهله أي من آمن معه. ثم لنقولن لوليه أي ~~الطالب ثأره علينا ما شهدنا مهلك أهله أي ما حضرنا مكان هلاك الأهل، مع ~~تفرقهم في الأماكن الكثيرة، فضلا عن مكانه، فضلا عن مباشرته وإنا لصادقون ~~أي ونحلف إنا لصادقون. أو: والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا ومكروا مكرا أي ~~بهذه الحيلة ومكرنا مكرا أي بأن جعلناها سببا لإهلاكهم وهم لا يشعرون فانظر ~~كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية أي خالية ~~ساقطة. لم تعمر بعدهم لأنهم استؤصلوا بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم ~~يعلمون أي بأنهم ما أخذوا إلا لظلمهم. وإن ms3618 عاقبة الظلم الدمار والبوار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 53 الى 59] # وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم ~~قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين ~~(57) # وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قل الحمد لله وسلام على عباده ~~الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) # PageV07P497 # وأنجينا الذين آمنوا يعني صالحا عليه السلام ومن معه وكانوا يتقون ولوطا ~~إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أي قبحها ومضادتها لحكمه تعالى ~~وحكمته أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء أي متجاوزين النساء اللاتي ~~هن محال الشهوة بل أنتم قوم تجهلون أي تفعلون فعل الجاهلين سفها وعمى عن ~~العاقبة فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون أي يتنزهون عن أفعالنا ويرونها رجسا. قالوه استهزاء فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته قدرناها من الغابرين أي الباقين في العذاب وأمطرنا عليهم مطرا ~~أي هائلا غير معهود فساء مطر المنذرين قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى آلله خير أما يشركون قال الزمخشري: أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته. ~~وأن يستفتح بتحميده، والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم ~~حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، ~~والاستظهار بمكانهما، على قبول ما يلقى إلى السامعين، وإصغائهم إليه ~~وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المسمع. ولقد توارث العلماء ~~والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب. فحمدوا الله عز وجل، وصلوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وتذكرة، وفي ~~مفتتح كل خطبة. وتبعهم المترسلون. فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح ~~والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. وقيل: هو متصل بما قبله، ms3619 وأمر ~~بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم. والصلاة على الأنبياء عليهم السلام ~~وأشياعهم الناجين. # ثم قال: معلوم أن لا خير فيما أشركوه أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو ~~خالق كل خير ومالكه. وإنما هو إلزام لهم وتبكيت وتهكم بحالهم. وذلك أنه ~~آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله. ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء، إلا لداع ~~يدعوه إلى إيثاره، من زيادة خير ومنفعة. فقيل لهم، مع العلم بأنه لا خير ~~فيما آثروه، وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير، ولكن هوى وعبثا، لينبهوا على ~~الخطأ المفرط، والجهل المورط. وإضلالهم التمييز ونبذهم المعقول. وليعلموا ~~أن الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد. ونحوه ما حكاه عن فرعون أم أنا خير ~~من هذا الذي هو مهين [الزخرف: 52] ، مع علمه أنه ليس لموسى مثل أنهاره التي ~~كانت تجري تحته. # PageV07P498 # ثم عدد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عددها في ~~موضع آخر. ثم قال: هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء. ### | لطيفة: # قال ابن القيم في (طريق الهجرتين) في هذه الآية: كلمة (السلام) هنا تحتمل ~~أن تكون داخلة في حيز القول فتكون معطوفة على الجملة الخبرية، وهي (الحمد ~~لله) ويكون الأمر بالقول متناولا للجملتين معا. وعلى هذا، فيكون الوقف على ~~الجملة الأخيرة، ويكون محلها النصب محكية بالقول. # ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب. وعلى هذا ~~فلا محل لها من الإعراب. # وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون السلام من الله عليهم. وهو المطابق لما ~~تقدم من سلامه سبحانه على رسله صلى الله عليهم وسلم. # وعلى التقدير الأول يكون أمر بالسلام عليهم. # ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما. فلا ~~يحسن أن يقول: قم وذهب زيد، ولا اخرج وقعد عمرو. # ويجاب على هذا بأن جملة الطلب، قد حكيت بجملة خبرية، ومع هذا لا يمتنع ~~العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه. # وهذا نظير قوله تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض، ms3620 وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] . # فقوله: وما تغني الآيات ليس معطوفا بالقول وهو (انظروا) بل معطوف على ~~الجملة الكبرى. # على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: قال رب احكم بالحق، وربنا ~~الرحمن المستعان على ما تصفون [الأنبياء: 112] ، وقوله: وقل رب اغفر وارحم ~~وأنت خير الراحمين [المؤمنون: 118] . # والمقصود أنه على هذا القول، يكون الله سبحانه قد سلم على المصطفين من ~~عباده، والرسل أفضلهم. انتهى. وقوله تعالى: # PageV07P499 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 60 الى # 63] # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم ~~في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله ~~تعالى الله عما يشركون (63) # أمن خلق السماوات والأرض إضراب وانتقال، من التبكيت تعريضا، إلى التصريح ~~به خطابا على وجه أظهر منه لمزيد التأكيد. أي: بل من خلق السماوات والأرض، ~~وأودع فيهما من المنافع ما لا يحصى وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة أي بساتين ذات حسن ورونق يبهج النظار ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها أإله مع الله أي: أإله آخر كائن مع الله، الذي ذكر بعض أفعاله، التي ~~لا يكاد يقدر عليها غيره، حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في العبادة؟ وهذا ~~تبكيت لهم بنفي الألوهية عما يشركون به تعالى، في ضمن النفي الكلي على ~~الطريقة البرهانية، بعد تبكيتهم بنفي الخيرية عنه بما ذكر من الترديد. قال ~~أبو السعود: بل هم قوم يعدلون أي عن طريق الحق. أو به تعالى غيره. أمن جعل ~~الأرض قرارا أي قارة لا تنكفئ بمن عليها. أو مستقرا ms3621 لمن عليها، يتمتعون ~~بمنافعها وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أي ~~برزخا مانعا من الممازجة أإله مع الله أي في الوجود، أو في إبداع هذه ~~البدائع بل أكثرهم لا يعلمون أي شيئا من الأشياء. ولذلك لا يفهمون بطلان ما ~~هم عليه من الشرك، مع كمال ظهوره أمن يجيب المضطر إذا دعاه وهو الذي أحوجه ~~مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر، إلى اللجأ والتضرع إلى الله تعالى، ~~اسم مفعول من (الاضطرار) الذي هو افتعال من (الضرورة) وهي الحالة المحوجة ~~إلى اللجأ أي الالتجاء والاستناد. # قال ابن كثير: ينبه تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الموجود عند النوازل، ~~كما قال تعالى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [الإسراء: ~~67] ، # PageV07P500 # وقال تعالى: ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون [النحل: 53] ، وهكذا قال ~~هاهنا أمن يجيب المضطر إذا دعاه، أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، ~~والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه؟. # وقال ابن القيم في (الجواب الكافي) : إذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب ~~وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف انكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ~~ورقة، ثم توسل إليه تعالى بأسمائه وصفاته وتوحيده، فإن هذا الدعاء لا يكاد ~~يرد أبدا. ولا سيما إن صادف الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. # ثم ساقها ابن القيم مسندة. # ثم قال: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، فيكون قد اقترن ~~بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله. أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه ~~إجابة دعوته شكرا لحسنته. أو صادف الدعاء وقت إجابة، ونحو ذلك، فأجيبت ~~دعوته. فيظن الظان أن السر في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن تلك الأمور ~~التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا، في الوقت ~~الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. فانتفع به. فظن غيره أن استعمال هذا ~~الدواء بمجرده، كاف في حصول المطلوب، كان غالطا. وهذا ms3622 موضع يغلط فيه كثير ~~من الناس. ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب. فيظن الجاهل أن ~~السر للقبر ولم يعلم أن السر للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله. فإذا حصل ذلك ~~في بيت من بيوت الله، كان أفضل وأحب إلى الله. انتهى. # وقوله تعالى: ويكشف السوء أي كل ما يسوءه مما يضطر فيه وغيره ويجعلكم ~~خلفاء الأرض أي خلفاء فيها. وذلك توارثهم سكناها، والتصرف فيها قرنا بعد ~~قرن أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. قاله الزمخشري: أإله مع الله قليلا ما ~~تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر أي بالنجوم في السماء، والعلامات ~~في الأرض، إذا جن الليل عليكم مسافرين في البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته وهي المطر أإله مع الله تعالى الله عما يشركون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 64 الى 65] # أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ~~إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) # PageV07P501 # أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده أي بعد الموت بالبعث. فإن قيل: هم منكرون ~~للإعادة، فكيف خوطبوا بها خطاب المعترف؟ أجيب بأنها لظهورها ووضوح ~~براهينها، جعلوا كأنهم معترفون بها، لتمكنهم من معرفتها- فلم يبق لهم عذر ~~في الإنكار. فلا حاجة إلى القول بأن منهم من اعترف بها، فالكلام بالنسبة ~~إليه ومن يرزقكم من السماء والأرض أي مما ينزله من مائها وما يخرجه من ~~نباتها أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أمر له عليه الصلاة ~~والسلام بتبكيتهم إثر تبكيت. # أي هاتوا برهانا عقليا أو نقليا، يدل على أن معه تعالى إلها. لا على أن ~~غيره تعالى يقدر على شيء مما ذكر من أفعاله تعالى، فإنهم لا يدعونه صريحا. ~~وفي إضافة (البرهان) إلى ضميرهم، تهكم بهم. لما فيها من إيهام أن لهم ~~برهانا. وأنى لهم ذلك؟ قاله أبو السعود قل لا يعلم من في السماوات والأرض ~~الغيب إلا الله ms3623 أي فإنه المتفرد بذلك وحده، كما قاله: وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو [الأنعام: # 59] ، في آيات لا تحصى. والاستثناء منقطع، لاستحالة أن يكون تعالى ممن في ~~السماء والأرض، أو متصل، على أن المراد ممن في السموات والأرض، من تعلق ~~علمه بها واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها مجازا مرسلا أو استعارة. فإنه يعم ~~الله تعالى وأولي العلم من خلقه وما يشعرون أيان يبعثون أي متى ينشرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : آية 66] # بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) # بل ادارك علمهم في الآخرة قال السمين: فيه وجهان: أحدهما- أن (في) على ~~بابها، و (ادارك) وإن كان ماضيا لفظا، فهو مستقبل معنى، لأنه كائن قطعا. # كقوله أتى أمر الله [النحل: 1] . # وعلى هذا ف (في) متعلق ب (ادارك) . # والثاني- أن (في) بمعنى الباء. أي بالآخرة. # وعلى هذا فيتعلق بنفس علمهم. كقولك (علمي بزيد كذا) انتهى. # والوجه الثاني على الاستفهام. أي بل هل ادارك علمهم فيها، أي بلغ وانتهى؟ # كلا. وقد قرئ (بل أءدرك) بهمزتين، (بل ءاأدرك) بألف بينهما، (أم أدرك) و ~~(أم تدارك) . # قال الرازي: وهي (أم) التي بمعنى (بل) والهمزة. فالمعنى على الاستفهام # PageV07P502 # على وجه الإنكار لإدراك علمهم بها، وأنهم لم يبرحوا في حضيض الجهالة ~~بحقيتها، مع ما يتلى عليهم من أدلة ثبوتها. # وقد جنح إلى الكلام على تقدير الاستفهام، السيوطي والمهايمي. وذهب غيرهما ~~إلى إبقاء (بل) على أصلها من الإضراب الانتقالي. وقرروه بما فيه خفاء ودقة. # ويبعده ما ذكرنا من القراءات الصريحة في الاستفهام. وهي مما يرجع إليها ~~إذا اشتبه المقام. كما تقرر في قواعد التفسير بل هم في شك منها أي مرية، مع ~~تقرير ما يزيله ويكشف غشاوته بل هم منها عمون أي في عماية وجهل كبير. # قال الزمخشري: فإن قلت: هذه الإضرابات الثلاثة ما معناها؟ قلت: ما هي إلا ~~تنزيل لأحوالهم: وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث. ثم بأنهم لا يعملون ~~أن القيامة كائنة. ثم بأنهم يخبطون في شك ms3624 ومرية، فلا يزيلونه. والإزالة ~~مستطاعة. ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب وتضليل أربابها بعضهم لبعض، ~~كان أمره أهون ممن سمع بها وهو جاثم، لا يشخص به طلب التمييز بين الحق ~~والباطل؟ ثم بما هو أسوأ حالا، وهو العمى وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه ~~على بطنه، وفرجه، لا يخطر بباله حقا ولا باطلا ولا يفكر في عاقبة. وقد جعل ~~الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه. فلذلك عداه ب (من) دون (عن) لأن الكفر بالعاقبة ~~والجزاء، هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 67 الى # 70] # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) # وقال الذين كفروا أي بوعد الله وآياته وعلمه وقدرته وحكمته أإذا كنا ~~ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون أي من القبور لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ~~إن هذا إلا أساطير الأولين أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي سطروها بعبارة مموهة ~~قل سيروا في الأرض أي لتبصروا آثار القائلين هذا القول قبلكم فانظروا كيف ~~كان عاقبة المجرمين بإنكاره. وهي دمارهم وهلاكهم بالاستئصال ولا تحزن عليهم ~~أي على قولهم وتكذيبهم. فإنه سيكون لك من المصدقين من لا يبالي معهم ~~بهؤلاء، # PageV07P503 # كقوله تعالى فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ~~[الكهف: 6] ، ولا تكن في ضيق مما يمكرون أي في حرج من مكرهم وكيدهم لك. ولا ~~تبال بذلك، فإن الله يعصمك من الناس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 71 الى # 76] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض ~~الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) ~~وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء ~~والأرض إلا في كتاب ms3625 مبين (75) # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) # ويقولون متى هذا الوعد أي بالعذاب إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم ~~أي لحقكم أو دنا لكم بعض الذي تستعجلون أي من العذاب، فحصل لهم القتل ببدر. ~~ولعذاب الآخرة أمر. قال الزمخشري: و (عسى) و (لعل) و (سوف) في وعد الملوك ~~ووعيدهم، يدل على صدق الأمر وجده، وما لا مجال للشك بعده. # وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام، لإدلالهم ~~بقهرهم وغلبتهم، ووثوقهم أن عدوهم لا يفوتهم، وأن الرمزة إلى الأغراض كافية ~~من جهتهم. # فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده. انتهى. أي لأن حقيقة الترجي محال في حقه ~~تعالى. فهو على هذا استعارة تمثيلية. قاله الشهاب وإن ربك لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون أي لذو إفضال وإنعام عليهم، بتأخير العقوبة ~~وعدم معاجلتهم بها. ولكن أكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه، بل ~~بجهلهم يستعجلونها وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون أي من عداوة ~~رسوله ونصب المكايد له. وهو معاقبهم على ذلك وما من غائبة في السماء والأرض ~~إلا في كتاب مبين أي وما من خافية فيهما، إلا وقد علمها الله وأحاط بها ~~وأثبتها في اللوح البين، المثبت فيه مقدوراته تعالى. أو المراد بالكتاب ~~القضاء العدل، على طريق الاستعارة، بتشبيهه بالكتاب الجامع للوقائع، كالسجل ~~إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون أي فهو مصدق ~~لما بين يديه، ومهيمن عليه. يقص القصص الحق، ويفصل بين ما اختلفوا فيه ~~بالصدق. فالمعول من أنبائهم عليه، ومرد ما اختلفوا فيه إليه. # PageV07P504 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 77 الى 81] # وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) # وإنه ms3626 لهدى ورحمة للمؤمنين أي بما فيه من إقامة الدلائل ورفع الشبه التي ~~يعقلها المؤمنون المنصفون المصدقون بالحق، المذعنون له إن ربك يقضي بينهم ~~بحكمه أي بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، بعدله وحكمته وهو العزيز أي فلا ~~يرد قضاؤه الغالب في انتقامه من المبطلين العليم أي بالفصل بينهم وبين ~~المحقين. ثم أمره تعالى بقلة المبالاة بأعدائه، وبالمضي في دعوته وانتظار ~~الوعد الحق، بقوله: فتوكل على الله إنك على الحق المبين أي الأبلج الذي لا ~~ريب فيه. # قال الزمخشري: وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته، ~~وأن مثله لا يخذل. ثم أشار تعالى إلى كفاية نفع دعوته للمؤمنين، الذين هم ~~أولياؤه وحزبه، وإلى أن الكل لا يرجى منهم الهداية، كآية وما أكثر الناس ~~ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] ، تسلية عما كان يهمه من إيمانهم، بقوله ~~سبحانه إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت ~~بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون قال ~~الزمخشري: شبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى ~~عليهم من آيات الله فكانوا أقماع القول، لا تعيه آذانهم. وكان سماعهم كلا ~~سماع. كانت حالهم، لانتفاء جدوى السماع، كحال الموتى الذين فقدوا مصحح ~~السماع، وكذلك تشبيههم بالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون. وشبهوا بالعمي حيث ~~يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، وأن يجعلهم هداة بصراء، إلا ~~الله عز وجل. فإن قلت: ما معنى قوله إذا ولوا مدبرين؟ قلت: هو تأكيد لحال ~~الأصم. لأنه إذا تباعد عن الداعي، بأن يولي عنه مدبرا، كان أبعد عن إدراك ~~صوته. انتهى. # وإيراد قوله وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إثر ما تقدم، للمبالغة في ~~نفي الهداية. وقوله تعالى وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من ~~يؤمن بآياتنا أي ما تسمع سماعا يجدي السامع نفعا، إلا من شأنه الإيمان بها. ~~وقوله فهم مسلمون تعليل لإيمانهم بها. # PageV07P505 # كأنه قيل: فإنهم منقادون للحق. وقيل: ms3627 معناه مخلصون، من قوله بلى من أسلم ~~وجهه لله [البقرة: 112] ، يعني جعله سالما لله خالصا له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : آية 82] # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون اعلم أن في هذا الوعيد وجوها من التأويل: # الأول- أنه دنيوي، عنى به نصر الرسول صلوات الله عليه، عليهم. والمعنى أن ~~أولئك الصم عن سماع الآيات، العمي عن النظر فيها، الجاحدين لها، سيأتيهم ~~أنباء حقيقة ما كانوا يدعون إليه من نصر الداعي وهو الرسول وأتباعه، وتكثير ~~سوادهم حتى يظفروا بمناوئيهم. ويظهروا على عدوهم. وذلك بأن تدب إليهم من ~~المؤمنين دابة عظمى تملأ السهل والربى، تزلزل أركانهم وتهدم بنيانهم وتقوض ~~خيامهم وتدك أعلامهم. فتكلمهم حينئذ بلسان الحال أو المقال، بأنهم إنما ~~أخذوا بالعقاب، وحل بهم شديد العذاب لضلالهم وإضلالهم العباد. وسعيهم في ~~الأرض الفساد. فإن الإيمان دعامة الصلاح والإصلاح. وقائد الفلاح والنجاح، ~~وقد سبقت كلمته لعباده المرسلين إنهم لهم المنصورون، وإن جنده لهم ~~الغالبون. وقد صدق الله وعده. وأعز جنده. # والوجه الثاني- أن الدابة حيوان بخلاف ما نعرفه. يختص خروجها بحين ~~القيامة، قال بعضهم: والمعنى إذا قامت القيامة بعث الله نوعا مخصوصا من ~~دواب هذه الأرض، كما يبعث غيره من أنواع الدواب الأخرى. وينطقه فيوبخ ~~الإنسان على كفره، كما ينطق أعضاءه في ذلك اليوم أيضا. قال: فليس المراد من ~~قوله دابة الفرد، بل النوع. كما في قولك (أرسل الله عليهم دودة أتلفت ~~زرعهم) أي ديدانا كثيرة، من نوع واحد مخصوص. # وقد روي فيها أحاديث وآثار كثيرة، لم يصحح البخاري منها شيئا، لاضطراب ~~متونها وضعف رجالها. وأمثل مأثورها ما # أخرجه مسلم «1» عن عبد الله بن عمرو مرفوعا (إن أول الآيات خروجا طلوع ~~الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس PageV07P506 # ضحى. وأيهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبا) . # ومعلوم أن أمور الآخرة من عالم الغيب. ولا يؤخذ ms3628 فيها إلا بما كان قطعي ~~الثبوت. # الوجه الثالث- نقله الراغب في مفرداته قال: وقيل عنى بالدابة الأشرار ~~الذين هم في الجهل بمنزلة الدواب. فتكون الدابة جمعا، اسما لكل ما يدب. نحو ~~(خائنة) جمع خائن. انتهى. # ولعل الآية كقوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين [الأنبياء: 96- 97] ، فإن يأجوج ومأجوج كالدابة، ~~لما يغطي بدبيبه وجه الأرض- فهو مثل في الكثرة. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 83 الى # 84] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤ ~~قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون أي يحبس أولهم على ~~آخرهم، حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد ~~أطرافه. كما وصفت جنود سليمان بذلك. وكذلك قوله فوجا، فإن الفوج الجماعة ~~الكثيرة. أفاده الزمخشري حتى إذا جاؤ أي إلى المحشر قال أي ليفضحهم في هذا ~~اليوم المشهود أكذبتم بآياتي أي الناطقة بلقاء يومكم هذا وقوله: ولم تحيطوا ~~بها علما جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب وغاية قبحه. ومؤكدة ~~للإنكار والتوبيخ. أي أكذبتم بها بادئ الرأي، غير ناظرين فيها نظرا يؤدي ~~إلى العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق حتما؟ وهذا نص في أن المراد ~~بالآيات، فيما سلف في الموضعين، هي الآيات القرآنية. لأنها هي المنطوية على ~~دلائل الصحة، وشواهد الصدق التي لم يحيطوا بها علما، مع وجوب أن يتأملوا ~~ويتدبروا فيها. لا نفس الساعة وما فيها. أفاده أبو السعود أما ذا كنتم ~~تعملون أي بها. أو ماذا كان عملكم؟ هل هو إلا الفساد والإفساد؟ وصد السبيل ~~عن العباد؟ ولذا حقت كلمة العذاب عليهم. كما قال تعالى: # PageV07P507 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 85 الى # 89] # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ms3629 (85) ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في ~~الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ~~(87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع ~~يومئذ آمنون (89) # ووقع القول أي مدلوله وهو العقاب الموعودون به عليهم بما ظلموا فهم لا ~~ينطقون ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا أي ليبصروا، ~~بما فيه من الإضاءة، طرق التقلب في أمور المعاش إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله وكل أتوه أي حضروا الموقف بين يديه داخرين أي صاغرين وترى الجبال عطف ~~على (ينفخ) داخل في حكم التذكير تحسبها جامدة أي ثابتة في أماكنها وهي تمر ~~مر السحاب أي في تخلل أجزائها وانتفاشها. كما في قوله تعالى: وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش [القارعة: 5] ، صنع الله الذي أتقن كل شيء، إنه خبير بما ~~تفعلون أي فيجازيهم عليه. ### | تنبيه: # ما ذكرناه في تفسير هذه الآية هو ما ذهب إليه كثير. قالوا: المراد بهذه ~~الآية تسيير الجبال الذي يحصل يوم القيامة، حينما يبيد الله تعالى العوالم، ~~كما قال: # وسيرت الجبال فكانت سرابا [النبأ: 20] ، وكما قال: وإذا الجبال نسفت ~~[المرسلات: 10] ، وقال: وتكون الجبال كالعهن المنفوش [القارعة: 5] . # وقال بعض علماء الفلك: لا يمكن أن يكون المراد بهذه الآية ما قالوه، لعدة ~~وجوه: # الأول- أن قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة لا يناسب مقام التهويل ~~والتخويف إذا أريد بها ما يحصل يوم القيامة. وكذلك قوله: صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء، لا يناسب مقام الإهلاك والإبادة، على أن محل هذه الآية على ~~المستقبل، مع أنها صريحة في إرادة الحال، شيء لا موجب له. وهو خلاف الظاهر ~~منها. # PageV07P508 # الثاني- أن سير الجبال للفناء يوم القيامة، يحصل عند خراب العالم وإهلاك ~~جميع الخلائق ms3630 وهذا شيء لا يراه أحد من البشر كما قال: ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله [الزمر: 68] ، أي من ~~الملائكة. # فما معنى قوله إذن وترى الجبال تحسبها جامدة؟. # الثالث- أن تسيير الجبال الذي يحصل يوم القيامة، إذا رآه أحد شعر به. ~~لأنه ما دام وضعها يتغير بالنسبة للإنسان، فيحس بحركتها. وهذا ينافي قوله ~~تعالى تحسبها جامدة أي ثابتة. أما في الدنيا فلا نشعر بحركتها، لأننا نتحرك ~~معها ولا يتغير وضعنا بالنسبة لها. وهذا بخلاف ما يحصل يوم القيامة. فإن ~~الجبال تنفصل عن الأرض وتنسف نسفا. وهذا شيء يراه كل واقف عندها. # الرابع- ورود هذه الآية في سياق الكلام على يوم القيامة، لورود آية ألم ~~يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا المذكورة قبلها في نفس هذا ~~السياق، والمراد بهما ذكر شيء من دلائل قدرة الله تعالى، المشاهدة آثارها ~~في هذا العالم الآن من حركة الأرض وحدوث الليل والنهار، ليكون ذلك دليلا ~~على قدرته على البعث والنشور يوم القيامة فإن القادر على ضبط حركات هذه ~~الأجرام العظيمة، لا يصعب عليه أن يعيد الإنسان، وأن يضبط حركاته وأعماله ~~ويحصيها عليه. ولذلك ختم هذه الآية بقوله إنه خبير بما تفعلون فذكر هذه ~~الأشياء في هذا السياق، هو كذكر الدليل مع المدلول، أو الحجة مع الدعوى. ~~وهي سنة القرآن الكريم. فإنك تجد الدلائل منبثة بين دعاويه دائما، حتى لا ~~يحتاج الإنسان لدليل آخر خارج عنها. # وذلك شيء مشاهد في القرآن من أوله إلى آخره. كلامه. # وقال العلامة المرجاني في مقدمة كتابه (وفية الأسلاف، وتحية الأخلاف) في ~~بحث علم الهيئة، ما مثاله: # ويدل على حركة الأرض قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب الآية. فإنه خطاب لجناب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإيذان الأمر له ~~بالأصالة مع اشتراك غيره في هذه الرؤية. وحسبان جمود الجبال وثباتها على ~~مكانها، مع كونها متحركة في الواقع بحركة الأرض، ودوام مرورها مر السحاب في ~~سرعة السير والحركة. قال: # وقوله صنع ms3631 الله من المصادر المؤكدة لنفسها. وهو مضمون الجملة السابقة. # يعني أن هذا المرور هو صنع الله. كقوله تعالى: وعد الله [النساء: 122] ، ~~صبغة الله [البقرة: 138] ، ثم (الصنع) هو عمل الإنسان، بعد تدرب فيه وترو # PageV07P509 # وتحري إجادة. ولا يسمى كل عمل صناعة، ولا كل عامل صانعا حتى يتمكن فيه ~~ويتدرب وينسب إليه. وقوله الذي أتقن كل شيء كالبرهان على إتقانه، والدليل ~~على إحكام خلقته، وتسوية مروره على ما ينبغي. لأن إتقان كل شيء، يتناول ~~إتقانه. # فهو تثنية للمراد وتكرير له، كقوله تعالى: ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين [آل عمران: 97] ، قال: وقد اشتملت هذه الآية على وجوه من التأكيد، ~~وأنحاء من المبالغة. فمن ذلك تعبيره (بالصنع) الذي هو الفعل الجميل المتقن ~~المشتمل على الحكمة. وإضافته إليه تعالى تعظيما له وتحقيقا لإتقانه وحسن ~~أعماله. ثم توصيفه سبحانه بإتقان كل شيء، ومن جملته هذا المرور. ثم إيراده ~~بالجملة الاسمية الدالة على دوام هذه الحالة واستمرارها مدى الدهور. ثم ~~التقييد بالحال، لتدل على أنها لا تنفك عنها دائما. فإن قوله تعالى: وهي ~~تمر مر السحاب حال من المفعول به، وهو الجبال. ومعمول لفعله الذي هو رؤيتها ~~على تلك الحال. # فهذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها في هذه ~~النشأة. وليس يمكن حملها على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة، أو عند قيام ~~الساعة وفساد العالم وخروجه عن متعاهد النظام. وأن حسبانها جامدة لعدم تبين ~~حركة كبار الإجرام إذا كانت في سمت واحد. فإن ذلك لا يلائم المقصود من ~~التهويل على ذلك التقدير. على أن ذلك نقض وإهدام، وليس من صنع وإحكام. قال: ~~والعجب من حذاق العلماء المفسرين، عدم تعرضهم لهذا المعنى، مع ظهوره ~~واشتمال الكتب الحكمية على قول بعض القدماء. مع أنه أولى وأحق من تنزيل ~~محتملات كتاب الله على القصص الواهية الإسرائيلية، على ما شحنوا بها كتبهم. ~~وليس هذا بخارج عن قدرة الله تعالى، ولا بعيد عن حكمته، ولا القول به ~~بمصادم للشريعة والعقيدة الحقة، بعد أن تعتقد أن ms3632 كل شيء حادث بقدرة الله ~~تعالى وإرادته وخلقه بالاختيار، كائنا ما كان، وهو العلي الكبير، وعلى ما ~~يشاء قدير. # واعلم أن هذه الآية وما قبلها من قوله تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~الآية. # اعتراض في تضاعيف ما ساقه من الآيات الدالة على أحوال الحشر وأهوال ~~القيامة، كاعتراض توصية الإنسان بوالديه في تضاعيف قصة لقمان. ومثل ذلك ليس ~~بعزيز في القرآن. # وفائدته هنا، التنبيه على سرعة تقضي الآجال ومضي الآماد. والتهويل من ~~هجوم ساعة الموت وقرب ورود وقت المعاد. فإن انقضاء الأزمان، وتقضي الأوان، ~~إنما هو بالحركة اليومية المارة على هذه السرعة المنطبقة على أحوال ~~الإنسان. وهذا # PageV07P510 # المرور. وإن لم يكن مبصرا محسوسا، لكن ما ينبعث منه تبدل الأحوال، بما ~~يطرأ من تعاقب الليل والنهار وغيره، بمنزلة المحسوس المبصر فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار [الحشر: 2] ، فيكون هذا معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~مخصوصة به، إذ لم يخبر به غيره من الأنبياء. # فليس بممكن حمل الآية على تسيير الجبال الواقع عند قيام الساعة ووفاء ~~النشأة الآخرة. إذ ليس هو من (الصنع) في شيء. بل هو إفساد أحوال الكائنات، ~~وإخلال نظام العالم، وإهلاك بني آدم. كلام المرجاني. # من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون أي لا يعتريهم ذلك ~~الفزع الهائل. وقرئ فزع يومئذ بالإضافة وكسر الميم وفتحها. وفزع منونا وفتح ~~الميم، على أنه ظرف (لآمنون) أو المحذوف هو صفة للفزع. والتنوين في (يومئذ) ~~عوض عن جملة محذوفة، أي يوم إذا جاءوا بالحسنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النمل (27) : الآيات 90 الى 93] # ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) ~~إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون (93) # ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ms3633 ما كنتم تعملون أي من ~~الشرك والمعاصي إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة أي مكة الذي حرمها أي ~~جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا ~~يختلى خلاها. وفيه تعريض بجحدهم نعمته تعالى في ذلك، حيث آمنهم من خوف، ~~وأجلهم في أعين القبائل، ووقاهم من الفتن المنتشرة عند غيرهم، إجلالا لهذا ~~البيت. وهم لم يرعوا هذه النعمة بالقيام بواجب شكرها، من عبادته تعالى ~~وحده، وسعيهم بالإصلاح وله كل شيء أي خلقا وملكا. فهو خالق كل شيء ومليكه ~~وأمرت أن أكون من المسلمين أي ممن أسلم وجهه لله، لا لغيره. # وأن أتلوا القرآن أي عليكم، تلاوة الدعوة إلى الإيمان به، لما اشتمل عليه ~~من سعادة الدارين فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه أي فمن اتبع ما فيه من توحيد # PageV07P511 # الله، ونفي الأنداد عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علي ~~من الوحي، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه، لا إلي ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين أي ومن ضل عن الإيمان وأخطأ بزيغه طريق الهدى، ولم يتبعني، فلا ~~علي. وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ المبين وقل الحمد ~~لله أي على ما هدانا لهذا الدين، ومن علينا بصراطه المستقيم سيريكم آياته ~~فتعرفونها كقوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق [فصلت: 53] ، وقوله ولتعلمن نبأه بعد حين [ص: 88] ، وما ربك بغافل ~~عما تعملون أي من الشرك والتكذيب ونصب المكايد. بل هو شهيد رقيب، جل جلاله ~~وعظم نواله، ولا إله غيره. # PageV07P512 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القصص # سميت به لاشتمالها على قوله تعالى: فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف ~~نجوت من القوم الظالمين [القصص: 25] ، الدالة على أن من هرب من مكان ~~الأعداء، إلى مكان الأنبياء اعتبارا بقصصهم الدالة على نجاة الهاربين، ~~وهلاك الباقين بمكان الأعداء- أمن من الهلاك. وهذا أيضا من أعظم مقاصد ~~القرآن، مع اشتمالها على ما لا يشتمل عليه غيرها من أنباء موسى، أفاده ms3634 ~~المهايمي. # والسورة مكية كلها. وقيل إلا من قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب إلى ~~قوله الجاهلين [القصص: 52- 55] ، فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت ~~هي وآخر الحديد في أصحاب النجاشي الذين قدموا وشهدوا وقعة أحد. # وقوله تعالى: إن الذي فرض عليك القرآن [القصص: 85] الآية، لما روي من ~~نزولها بالجحفة حين الهجرة إلى المدينة. والله أعلم. وهي ثمان وثمانون آية، ~~بالاتفاق. # PageV07P513 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # طسم تقدم الكلام على هذه الحروف غير ما مرة تلك آيات الكتاب المبين نتلوا ~~عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون أي نقرأ عليك، بواسطة الروح ~~الأمين، تلاوة ملتبسة بالحق. كما قال تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص [يوسف: ~~3] ، ثم استأنف ما يجري مجرى التفسير للمجمل الموعود، بقوله إن فرعون علا ~~في الأرض أي تكبر وتجاوز الحد في الطغيان، في أرض مصر وجعل أهلها شيعا أي ~~فرقا وأصناما في استخدامه وطاعته يستضعف طائفة منهم وهم بنو إسرائيل يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم وذلك إماتة لرجالهم، وتقليلا لعددهم، كيلا يكثروا ~~فينازعوه الملك إنه كان من المفسدين أي المتمكنين في الإفساد وقهر العباد. # ثم أشار تعالى إلى فرجه الذي جعله لتلك الطائفة، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 5 الى 8] # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) # PageV07P514 # ونريد أن نمن أي نتفضل على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ms3635 أي ~~يقتدى بهم في الدين بعد أن كانوا أتباعا مسخرين ونجعلهم الوارثين أي: # لملك عدوهم. كما قال تعالى: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون إلى قوله ~~يعرشون [الأعراف: 137] ، ونمكن لهم في الأرض أي بالتصرف فيها تصرف الملوك ~~ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم أي من أولئك المستضعفين ما كانوا يحذرون ~~أي من هلاكهم وذهاب ملكهم، جزاء إفسادهم وعدم إصلاحهم وطغيانهم وأوحينا إلى ~~أم موسى أي إثر ولادته في تلك الشدة أن أرضعيه فإذا خفت عليه أي من أولئك ~~الذباحين الذين بأيديهم الشفار المرهفة العاملة في تلك الأنفس الزكية ~~فألقيه في اليم أي في البحر، وهو النيل ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا أي في هلاكهم ~~على يديه. # قال أبو السعود: واللام لام العاقبة. أبرز مدخولها في معرض العلة، ~~لالتقاطهم. # تشبيها له في الترتب عليه، بالغرض الحامل عليه إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين أي مجرمين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم، ~~على أيديهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 9 الى # 11] # وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ~~ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب ~~وهم لا يشعرون (11) # وقالت امرأت فرعون أي لفرعون، حين أخرجته من التابوت قرت عين لي ولك، لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون أي بما سيكون وأصبح فؤاد ~~أم موسى فارغا أي خاليا من العقل. لما دهمها من فرط الجزع، وأطار عقلها من ~~الدهش، لما بلغها وقوعه في يد فرعون إن كادت لتبدي به أي بأمره وقصته، وأنه ~~ولدها لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين أي لولا أن ألهمناها ~~الصبر. شبه بربط الشيء المنفلت ليقر ويطمئن. ومعنى من المؤمنين أي المصدقين ~~بوعد الله. وهو قوله إنا ms3636 رادوه إليك [القصص: 7] . # PageV07P515 # قال الزمخشري: ويجوز، وأصبح فؤادها فارغا من الهم، حين سمعت أن فرعون عطف ~~عليه وتبناه. إن كادت لتبدي بأنه ولدها، لأنها لم تملك نفسها فرحا وسرورا ~~بما سمعت. لولا أنا طامنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح ~~والابتهاج، لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله، لا بتبني فرعون وتعطفه ~~وقالت لأخته قصيه أي اتبعي أثره لتنالي خبره فبصرت به عن جنب بضم النون ~~وسكونها. أي: عن بعد وهم لا يشعرون أي أنها تتعرف حاله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 12 الى # 17] # وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها ~~رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي ~~من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ~~(15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) # قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) # وحرمنا عليه المراضع من قبل أي من قبل قصها أثره. و (المراضع) جمع مرضع ~~بضم الميم وكسر الضاد. وهي المرأة التي ترضع. وترك (التاء) لاختصاصه ~~بالنساء. أو جمع (مرضع) بفتح الميم مصدر ميمي، جمع لتعدد مواده. أو اسم ~~موضع الرضاع، وهو الثدي فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون أي في رضاعه وتربيته فرددناه إلى أمه كي تقر عينها أي برؤيته ولا ~~تحزن أي بفراقه ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ولما بلغ أشده ~~أي كمال قوته، واستوى أي اعتدل مزاجه آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين أي في أعمالهم. ثم بين تعالى من نبئه عليه السلام، ما تدرج به ms3637 إلى ~~ما قدر له من الرسالة، بقوله سبحانه ودخل المدينة أي مصر آتيا من قصر فرعون ~~على حين غفلة من أهلها قيل وقت القيلولة. وقيل بين العشاءين فوجد فيها ~~رجلين يقتتلان أي يتنازعان هذا أي الواحد من شيعته أي ممن يشايعه على دينه ~~وهم بنو إسرائيل وهذا أي الآخر من عدوه أي ممن خالفه في دينه وهم # PageV07P516 # القبط فاستغاثه أي سأله الإغاثة الذي من شيعته لكونه مظلوما على الذي من ~~عدوه لكونه ظالما. وإغاثة المظلوم واجبة فوجبت إغاثته من جهتين فوكزه موسى ~~أي ضربه بجمع كفه فقضى عليه أي فقتله قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل ~~مبين يشير إلى تأسفه على ما أفضى وكزه، من قتله. وسماه ظلما واستغفر منه ~~بالنسبة إلى مقامه قال رب إني ظلمت نفسي أي بقتله فاغفر لي فغفر له إنه هو ~~الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين يجوز أن يكون ~~قسما جوابه محذوف. أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة، لأتوبن ولا أظاهر ~~المجرمين. وأن يكون استعطافا كأنه قال: رب! اعصمني بحق ما أنعمت علي من ~~المغفرة. فلن أكون، إن عصمتني، ظهيرا للمجرمين. وأراد بمظاهرتهم، إما صحبة ~~فرعون وانتظامه في جملته وتكثير سواده، وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى ~~الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له. قاله ~~الزمخشري. # قال الناصر: لقد تبرأ عليه السلام من عظيم. لأن ظهير المجرمين شريكهم ~~فيما هم بصدده. يروى أنه يقال يوم القيامة: أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ ~~فيؤتى بهم حتى بمن لاق لهم ليقة، أو برى لهم قلما، فيجعلون في تابوت من ~~حديد ويلقى بهم في النار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 18 الى # 23] # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض ms3638 وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) ~~فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء ~~مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) # ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) # فأصبح في المدينة خائفا يترقب أي الاستقادة أو الأجناد. فإذا الذي # PageV07P517 # استنصره بالأمس # أي استعانه فقتل من أجله منازعه القبطي يستصرخه أي يستغيثه من قبطي آخر ~~قال له موسى إنك لغوي مبين أي بمخاصمتك الناس مع عجزك، وجرك إليهم مالا ~~تحمد عقباه فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما أي لموسى وللإسرائيلي، ~~وهو القبطي قال أي ذلك العدو وهو القبطي، لا الإسرائيلي كما وهم يا موسى ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ~~وما تريد أن تكون من المصلحين أي بين الناس بالقول والفعل. # قال الزمخشري: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر ~~في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن. وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى أي يسرع ~~لفرط حبه لموسى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك أي يتشاورون بسببك ليقتلوك ~~فاخرج أي من حد مملكتهم إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب أي لحوق ~~الطالبين قال رب نجني من القوم الظالمين ولما توجه أي جعل وجهه تلقاء مدين ~~قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي فلا يلحقني فيه الطالبون ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة أي جماعة كثيفة من الناس يسقون أي مواشيهم ووجد من ~~دونهم امرأتين تذودان أي تمنعان مواشيهما عن الماء، لوجود من هو أقوى منهما ~~عنده، فلا تتمكنان من السقي قال ما خطبكما أي ما شأنكما في الذود قالتا لا ~~نسقي حتى يصدر الرعاء أي ms3639 عادتنا أن لا نسقي حتى يصرف الرعاة مواشيهم عن ~~الماء، عجزا عن مساجلتهم، وحذرا من مخالطة الرجال وأبونا شيخ كبير أي فيعجز ~~عن الخروج والسقي. أي ما لنا رجل يقوم بذلك إلا هو، وقد أضعفه الكبر، ~~فاضطرنا الحال إلى ما ترى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 24 الى # 25] # فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) ~~فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ~~فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) # فسقى لهما أي فسقى غنمهما، لأجلهما من غير أجر ثم تولى إلى الظل أي الذي ~~كان هناك، من شدة الحر فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير أي محتاج. ~~والخير أعم من المال أو القوة أو الطعام. وعلى الأخير حمله الأكثرون # PageV07P518 # بمعونة المقام فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا، فلما جاءه وقص عليه القصص أي أخبره بجميع ما جرى عليه إلى ~~خروجه لما تآمروا بقتله قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي بالخروج عن ~~حد ولايتهم، إذ لا سلطان لهم بأرضنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 26 الى # 28] # قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) ~~قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل (28) # قالت إحداهما يا أبت استأجره أي اجعله أجيرك ليرعى غنمك، فإنه حقيق بذلك ~~إن خير من استأجرت القوي الأمين أي خير من أردت جعله أجيرا، القوي على ~~العمل المؤتمن فيه. # قال الزمخشري: وقولها إن خير من استأجرت القوي الأمين كلام حكيم جامع لا ~~يزاد عليه. لأنه إذا اجتمعت هاتان ms3640 الخصلتان، أعني الكفاية والأمانة في ~~القائم بأمرك، فقد فرغ بالك وتم مرادك. وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي ~~سياقه سياق المثل والحكمة، أن تقول: استأجره لقوته وأمانته. انتهى. # قال الناصر: وهو أيضا أجمل في مدح النساء للرجال، من المدح الخاص. # وأبقى للحشمة. وخصوصا إن كانت فهمت أن غرض أبيها عليه السلام أن يزوجها ~~منه. وما أحسن ما أخذ الفاروق رضي الله عنه هذا المعنى فقال: أشكو إلى الله ~~ضعف الأمين وخيانة القوي. ففي مضمون الشكاية سؤال الله تعالى أن يتحفه بمن ~~جمع الوصفين، فكان قويا أمينا: يستعين به على ما كان بصدده رضي الله عنه. # انتهى. قال إني أريد أي لقوتك وأمانتك، ما يقوي المودة ويجذب القلوب أن ~~أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج أي على أن تكون أجيري لرعي ~~المواشي بأجرة على ابنتي، هي مهرها عليك، ثماني سنين فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك أي فهو من عندك بطريق التفضل وما أريد أن أشق عليك أي بإلزام أتم ~~الأجلين وإيجابه ستجدني إن شاء الله من الصالحين أي في حسن المعاملة ولين # PageV07P519 # الجانب والوفاء بالعهد قال ذلك بيني وبينك أي ذاك الذي عاهدتني عليه، لا ~~نخرج عنه جميعا أيما الأجلين قضيت أي أتممت فلا عدوان علي أي بطلب الزيادة ~~على ثمان، أو الخروج بالأهل قبل عشر والله على ما نقول وكيل أي شاهد وحفيظ. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 29 الى # 31] # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا ~~موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ~~ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) # فلما قضى أي أتم موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله ~~امكثوا ms3641 إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أي من الطريق، من ضوئها، أو ممن ~~عندها أو جذوة مثلثة الجيم، وقد قرئ بها كلها، أي عود فيه شيء من النار ~~لعلكم تصطلون أي تستدفئون فلما أتاها أي قرب منها نودي من شاطئ أي جانب ~~الواد الأيمن أي المبارك. يقال: يمن فهو ميمون وأيمن. وتفسيره بخلاف الأيسر ~~بعيد، لأن ألفاظ التنزيل وآية يفسر بعضها بعضا. وقد جاء في غير آية توصيف ~~الوادي بالمقدس، وبقعته بالمباركة، والمعنى واحد. وإن أدهش التفنن في ~~التعبير عنه ببديع تلك المباني في البقعة المباركة أي التي بورك مكانها ~~بالتجلي الإلهي من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق ~~عصاك فلما رآها تهتز أي تتحرك كأنها جان أي حية صغيرة، في سرعة الحركة ولى ~~مدبرا أي أعرض بوجهه عنها. جاعلا ظهره إليها ولم يعقب أي لم يرجع يا موسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين أي من المخاوف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 32 الى 35] # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني ~~قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله ~~معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) # PageV07P520 # اسلك يدك في جيبك أي أدخلها فيه تخرج بيضاء من غير سوء أي عيب واضمم إليك ~~جناحك أي يدك من الرهب أي الخوف. قرئ بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم ~~وسكون. قال ابن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية قال ابن كثير: ~~والظاهر أن المراد أعم من هذا. وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء، ~~أن يضم إليه يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. وربما استعمل أحد ~~ذلك، على سبيل الاقتداء، فوضع يده على ms3642 فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يخف ~~إن شاء الله تعالى. وبه الثقة. فذانك إشارة إلى العصا واليد برهانان من ربك ~~إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف ~~أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا أي فيكون أحسن بيانا. ولا يتحمل ~~ذلك ما لم يكلف بمثل ما كلفت به فأرسله معي ردءا أي معينا يصدقني أي لنشاط ~~قلبي إني أخاف أن يكذبون أي يتفقوا على تكذيبي المؤدي إلى أنواع الأذيات. # قال الزمخشري: فإن قلت: تصديق أخيه، ما الفائدة فيه؟ قلت: ليس الغرض ~~بتصديقه أن يقول له: صدقت، أو يقول للناس: صدق موسى، وإنما هو أن يلخص ~~بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل المنطيق ذو ~~العارضة. فذلك جار مجرى التصديق المفيد، كما يصدق القول بالبرهان. ألا ترى ~~إلى قوله وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي وفضل الفصاحة إنما يحتاج ~~إليه لذلك. لا لقوله صدقت. فإن سحبان وباقلا يستويان فيه. أو يصل جناح ~~كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه. فأسند التصديق إلى هارون لأنه ~~السبب فيه، إسنادا مجازيا. انتهى. قال سنشد عضدك بأخيك أي سنقويك به ~~ونعينك. # قال الشهاب: والشد التقوية، والعضد من اليد معروف. فهو إما كناية تلويحية ~~عن تقويته، لأن اليد تشد بشدة العضد، والجملة تشتد بشدة اليد، ولا مانع من ~~الحقيقة كما توهم. أو استعارة تمثيلية. شبه حال موسى في تقويته بأخيه ~~عليهما السلام، بحال اليد في تقويتها بيد شديدة. ونجعل لكما سلطانا أي غلبة ~~ومهابة # PageV07P521 # في قلوبهم أو حجة فلا يصلون إليكما أي بإيذاء، فضلا عن القتل بآياتنا ~~متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا. أو ب (نجعل) أي نسلطكما بها أو بمعنى (لا ~~يصلون) أي تمتنعون منهم بها. أو قسم، جوابه (لا يصلون) مقدر. أو صلة ل ~~(الغالبون) في قوله أنتما ومن اتبعكما الغالبون وتقدمه، إما للفاصلة أو ~~للحصر. # أي الغالبون عليهم، وإن غلبوكم وغلبوا العالمين قبلكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3643 [سورة القصص (28) : الآيات 36 الى # 38] # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا ~~لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى أي مبتدع لم ~~يسبق له نظير. أو تفتريه على الله بنسبته له، وأنت تعلمته من غيرك، ~~فالافتراء بمعنى الاختلاق أو الكذب وما سمعنا بهذا أي السحر أو ادعاء ~~النبوة، أو بأن للعالم إلها يرسل الرسل بالآيات في آبائنا الأولين أي كائنا ~~في أيامهم. قال الشهاب: وهذا إما تعمد للكذب وعناد بإنكار النبوات، وإن كان ~~عهد يوسف قريبا منهم. أو لأنهم لم يؤمنوا به أيضا وقال موسى ربي أعلم بمن ~~جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار قال المهايمي: معناه: كفى ~~دليلا على كونها آيات، أنها خوارق ولم يسبق لها نظير. مع أن ما جئت به هدى. ~~والساحر لا يدعو في العموم إلى هدى. فإن لم تعترفوا بكونه هدى، فربي أعلم ~~بمن جاء بالهدى من عنده، ويعلم ذلك بالعاقبة، فإن الله يحسن عاقبة أهل ~~الهدى لا محالة. لأنه يعلم من تكون له عاقبة الدار. وهي العاقبة المحمودة. ~~والمراد ب (الدار) الدنيا. وعاقبتها وعقباها: أن يختم للعبد بالرحمة ~~والرضوان. وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت. وهذه لا تكون للساحر إذا ادعى ~~النبوة، لأنه ظالم، فلا يفلح بالعاقبة الحميدة كما قال إنه لا يفلح ~~الظالمون أي بالدار وإن وجدوا بعض مقاصدهم أولا استدراجا، فلا يفوزون ~~بالعقبى الحميدة. # وإنما غاية أمرهم انقطاع أثرهم وسوء ذكرهم. وقد حقق الله هذا الوعد فجعل ~~عاقبة قوم موسى رفيعة. ونهاية أعدائه وضيعة وقال فرعون يا أيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله # PageV07P522 # غيري # هذا حكاية لتمرده ms3644 وعتوه وطغيانه في تفوهه بتلك العظيمة. كما واجه موسى ~~عليه السلام بها في قوله لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ~~[الشعراء: 29] ، وكما قال تعالى عنه فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه ~~الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى [النازعات: 23- 26] ، ~~يعني أنه جمع قومه ونادى فيهم معلنا بذلك. فانتقم منه بما جعله عبرة لمن ~~اعتبر فأوقد لي يا هامان على الطين أي نارا، فأتخذ منه آجرا. # قال الزمخشري: ولم يقل (اطبخ لي الآجر وأتخذه) لأن هذه العبارة أحسن ~~طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته، وأشبه بكلام الجبابرة. وهامان وزيره ومدبر ~~رعيته فاجعل لي أي من الآجر صرحا أي قصرا رفيعا إلى السماء لعلي أطلع إلى ~~إله موسى يعني العلي الأعلى، تبارك وتعالى وإني لأظنه من الكاذبين أي في ~~دعواه الألوهية، والعلو لباري الأرض والسموات. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 39 الى # 43] # واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) # واستكبر هو أي بدعوى الألوهية لنفسه، ونفيها عن الله تعالى، وقصد الاطلاع ~~إلى الله سبحانه، وادعاء العلم الكلي لنفسه مع جهله بربه وجنوده في الأرض ~~بغير الحق أي بل بالفساد ورد الحق، والصد عن سبيل الله وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون بضم الياء وفتحها قراءتان فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة أي يلعنهم كل مؤمن يسمعهم ويوم القيامة هم من المقبوحين أي من ~~المطرودين، المبعدين ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون ~~الأولى بصائر للناس أي أنوارا للقلوب وهدى أي إلى الاعتقادات الصحيحة ~~ودلائلها # PageV07P523 # ورحمة ms3645 أي بالإرشاد إلى العمل الصالح لعلهم يتذكرون أي فيتعظون به ويهتدون ~~بسببه. # ثم أشار تعالى إلى كون التنزيل وحيا من علام الغيوب، ببيان أنه ما فصل من ~~هذه الأنبياء لا يتسنى إلا بالمشاهدة أو التعلم، وكلاهما معلوم الانتفاء، ~~فتحقق صدق الإيحاء. وذلك قوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 44 الى # 46] # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ~~ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن ~~رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) # وما كنت بجانب الغربي أي الوادي الغربي الذي كوشف فيه موسى عن المناجاة ~~إذ قضينا أي قدرنا وأنهينا إلى موسى الأمر أي أمر الإرسال والإنباء وما كنت ~~من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا أي بين زمانك وزمان موسى فتطاول عليهم ~~العمر أي أمد انقطاع الوحي، واندرست معالم الهدى، وعم الضلال والبغي ~~والردى، فاقتضت رحمتنا إرسالك لنخرجهم من الظلمات إلى النور وما كنت ثاويا ~~أي مقيما في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين أي لك، وموحين ~~إليك تلك الآيات. أي ما كان الإنباء بها إلا وحيا مصدره الرسالة وما كنت ~~بجانب الطور إذ نادينا أي وقت ندائنا موسى ولكن رحمة من ربك أي ولكن ~~أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر وبغيره، لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك أي من نذير في زمان الفترة، بينك وبين ~~عيسى لعلهم يتذكرون أي يتعظون بإنذارك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 47 الى 48] # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران ~~تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) # PageV07P524 # ولولا أن ms3646 تصيبهم مصيبة أي عقوبة بما قدمت أيديهم أي من الكفر والفساد ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين أي ~~بها. # وجواب لولا الأولى محذوف، ثقة بدلالة الحال عليه. أي ما أرسلناك. لكن ~~قولهم هذا عند عقوبتهم محقق. ولذا أرسلناك قطعا لمعاذيرهم. # قال الزمخشري: ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي، جعل كل عمل معبرا ~~عنه باجتراح الأيدي، وتقديم الأيدي، وإن كان من أعمال القلوب. وهذا من ~~الاتساع في الكلام، وتصيير الأقل تابعا للأكثر، وتغليب الأكثر على الأقل ~~فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أي من قلب ~~العصا حية، وفلق البحر، وغيرهما من الآيات. تعنتا وعنادا، كما قالوا لولا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك [هود: 12] ، وما أشبه ذلك. وقوله: أولم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل رد عليهم، وإظهار لكون ما قالوه تعنتا محضا، ~~لا طلبا لما يرشدهم إلى الحق. أي أو لم يكفر أبناء جنسهم، ومن مذهبهم ~~مذهبهم، وعنادهم عنادهم وهم القبط، بما أوتي موسى من الكتاب قالوا أي في ~~موسى وهارون عليهما السلام (ساحران) تظاهرا أي تعاونا. وقرئ سحران أي ذوا ~~سحرين أو جعلوهما سحرين مبالغة وقالوا إنا بكل كافرون ثم أشار تعالى إلى أن ~~الآية العظمى للنبي صلوات الله عليه، هي الآيات النفسية العلمية، لا ~~الكونية الآفاقية التي كانت لغيره، جريا على سنة الارتقاء. فإن النوع ~~الإنساني كان، لما جاء الإسلام قد استعد إلى معرفة الحق من الباطل ~~بالبرهان، والتمييز بين الخير والشر بالدليل والحجة. وكان لا بد له في هذا ~~الطور من معلم ومرشد، كما في الأطوار الأخرى، أرسل الله إليه رسولا يهديه ~~إلى طرق النظر والاستدلال، ويأمره بأن يرفض التقليد البحت والتسليم الأعمى. ~~وأن لا يأخذ شيئا إلا بدليل وبرهان، يوصل إلى العلم. فكانت عمدته صلى الله ~~عليه وسلم في الاستدلال على نبوته ورسالته نفسه الكريمة، وما جاء به من ~~النور والهدى، كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب، بما يبديه من ~~العلم والعمل الناجح ms3647 فيها. وقد بسط هذا في مواضعه. وهذا معنى قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 49 الى 55] # قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن ~~لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ~~ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) # PageV07P525 # قل أي لهؤلاء الجاحدين: قد مضى دور الخوارق التي تقترحونها، ونسخ تعالى ~~من تلك الآيات بما أتى بخير منها، وهو آية الهداية التي تصلح بها قلوب ~~العالمين. والذكرى التي تزع النفوس عن الشر، وتحملها على الخير. بحيث يظهر ~~أثرها الحسن في المؤمنين، ويحق الشقاء على الجاحدين المعاندين. فإن يك هذا ~~سحرا، ولديكم ما هو أهدى فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أي من ~~التوراة والقرآن أتبعه أي ولا أعاندكم مثل ما تعاندونني إن كنتم صادقين أي ~~في أنهما سحران مختلقان. أو في أنه يمكن الإتيان بما هو أهدى منهما. # قال أبو السعود: ومثل هذا الشرط مما يأتي به من يدل بوضوح حجته وسنوح ~~محجته. لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين، أمر بين الاستحالة. فيوسع ~~دائرة الكلام للتبكيت والإفحام. انتهى. # أي لا للشك والتردد. # قال الشهاب: وهذا جواب عما يقال أن عدم إتيانهم به معلوم. وهذا كما يقول ~~المدل: إن كنت صديقك القديم، فعاملني بالجهل. وكذا في إيراد كلمة (إن) مع ~~امتناع صدقهم، نوع تهكم بهم فإن لم يستجيبوا لك أي فلم يأتوا بذلك الكتاب، ~~ولم يتابعوا الكتابين فاعلم أنما يتبعون أهواءهم أي الزائغة من غير برهان ~~ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ms3648 الاستفهام إنكاري للنفي. أي لا أحد ~~أضل منه. # كيف لا؟ وهو أظلم الظلمة. بتقديم هواه على هدى الله. كما قال تعالى: إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع ~~الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين. # قال الرازي: وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، وأنه لا بد من الحجة ~~والاستدلال. انتهى. ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون أي أنزلنا عليهم ~~القرآن متواصلا، بعضه إثر بعض، وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا، ومواعظ، حسبما ~~تقتضيه # PageV07P526 # الحكمة والمصلحة إرادة أن يتذكروا فيفلحوا. وقرئ (وصلنا) بالتشديد ~~والتخفيف الذين آتيناهم الكتاب من قبله أي القرآن هم به يؤمنون وهم مؤمنو ~~أهل الكتاب وأولياؤهم وإذا يتلى عليهم أي القرآن قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا إنا كنا من قبله أي من قبل نزوله مسلمين أي منقادين له، لما عندنا من ~~المبشرات به. أو على دين الإسلام، وهو إخلاص الوجه له تعالى بدون شرك أولئك ~~أي الموصوفون بما ذكر من النعوت يؤتون أجرهم مرتين يعني مرة على إيمانهم ~~بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن بما صبروا أي بصبرهم وثباتهم على ~~الإيمانين. أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده. أو على أذى من نابذهم ~~ويدرؤن أي يدفعون بالحسنة السيئة أي بالحكمة الطيبة، ما يسوؤهم ومما ~~رزقناهم ينفقون أي للبؤساء والفقراء، وفي سبيل البر والخير، فرارا عن وصمة ~~الشح، وتنبها لآفاته. وإذا سمعوا اللغو أي من الجهال. وهو كل ما حقه أن ~~يلغى ويترك، من العبث وغيره أعرضوا عنه أي تكريما للنفس عن ملابسة ~~الأدنياء، وتشريفا للسمع عن سقط باطلهم وقالوا أي لهم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم أي بطريق التوديع والمتاركة وعن الحسن رضي الله عنه: ~~كلمة حلم من المؤمنين لا نبتغي الجاهلين أي لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، ولا ~~نريد مجازاتهم بالباطل على باطلهم. قال الرازي: قال قوم: نسخ ذلك بالأمر ~~بالقتال. وهو بعيد. لأن ترك المسافهة مندوب. وإن كان القتال واجبا. ### | تنبيه: # قال ابن كثير عن سعيد بن جبير: إنها ms3649 نزلت في سبعين من القسيسين. بعثهم ~~النجاشي. فلما قدموا النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم يس والقرآن الحكيم ~~[يس: 1- 2] ، حتى ختمها. فجعلوا يبكون وأسلموا. # وقال محمد بن إسحاق في (السيرة) : ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو بمكة، عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من ~~الحبشة. فوجدوه في المسجد. فجلسوا إليه وكلموه وسألوه. ورجال من قريش في ~~أنديتهم. حول الكعبة. فلما فرغوا من مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن ~~فاضت أعينهم من الدمع. ثم استجابوا لله وآمنوا به، وصدقوه وعرفوا منه ما ~~كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام ~~في نفر من قريش. فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب. # PageV07P527 # بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم، لتأتوهم بخبر الرجل. فلم ~~تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال. ما نعلم ركبا أحمق ~~منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا لهم: سلام عليكم. لا نجاهلكم. لنا ما نحن ~~عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. # قال: ويقال إن النفر النصارى من أهل نجران. فالله أعلم أي ذلك كان. # قال: ويقال، والله أعلم، إن فيهم نزلت هذه الآيات الذين آتيناهم الكتاب ~~من قبله هم به يؤمنون إلى قوله: لا نبتغي الجاهلين. # قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا ~~أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي الله عنهم. والآيات اللاتي في سورة ~~المائدة ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا [المائدة: 82] ، إلى قوله فاكتبنا مع ~~الشاهدين [المائدة: 83] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 56 الى # 58] # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) ~~وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ms3650 (57) وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين (58) # إنك لا تهدي من أحببت أي لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل ~~فيه من قومك وغيرهم ولكن الله يهدي من يشاء أي أن يهديه فيدخله في الإسلام ~~بعنايته وهو أعلم بالمهتدين أي القابلين للهداية. لاطلاعه على استعدادهم ~~وكونهم غير مطبوع على قلوبهم. ### | تنبيه: # روى البخاري «1» في (صحيحه) في تفسير هذه الآية عن سعيد بن المسيب عن ~~أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوجد عنده أبا جهل PageV07P528 # وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال: أي عم! قل لا إله إلا الله، ~~كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ~~ملة عبد المطلب؟ # فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك ~~المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول ~~لا إله إلا الله. # قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله! لأستغفرن لك ما لم أنه ~~عنك. فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة: ~~113] ، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [القصص: 56] . # قال ابن كثير: وهكذا رواه مسلم «1» في صحيحه والترمذي «2» أيضا من حديث ~~يزيد بن كيسان عن أبي حازم، عن أبي هريرة. والإمام أحمد من حديثه أيضا، ~~وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب ~~حين عرض عليه الإسلام. انتهى. # وقال ابن حجر في (فتح الباري) : لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي ~~طالب. انتهى. وقدمنا مرارا معنى قولهم نزلت الآية في كذا. فانظر المقدمة، ~~وغير موضع بعدها. # ثم ذكر تعالى من تعنتهم، شبهة استروح بها الحارث بن عامر بن نوفل، فيما ~~رواه النسائي، ms3651 قوله سبحانه: وقالوا إن نتبع الهدى معك أي ونخالف العرب ~~نتخطف من أرضنا أي مكة. فرد عليهم تعالى بقوله: أولم نمكن لهم حرما آمنا ~~أي: ألم نعصمهم من عدوهم ونجعل مكانهم حرما ذا أمن، لحرمة البيت الحرام، ~~الذي تتناجز العرب حوله وهم آمنون يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون أي جهلة لا يتفكرون. ولو علموا أن ذلك رزق من عند ~~الله، لعلموا أن الخوف والأمن من عنده، ولما خافوا التخطف إذ آمنوا به ~~وخلعوا أنداده. وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها أي كفرت بها فلم تحفظ حق ~~الله فيها فدمرت فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين أي منهم. إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم. وموصوف (قليلا) ~~المستثنى، إما (زمان) أي إلا PageV07P529 # زمانا قليلا، إذ لا يسكنها إلا المارة يوما أو بعض يوم. وإما (مكان) أي ~~إلا مكانا قليلا يصح لسكنى البعض، واندثر الباقي. أو (مصدر) أي سكنا قليلا ~~من شؤم معاصيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 59 الى 62] # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا ~~حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا أي ~~الناطقة بالحق. ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب. وذلك لإلزام الحجة وقطع ~~المعذرة وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون أي بالكفر بالآيات وتكذيب ~~الرسل سعيا بالفساد، وإباء عن سبيل الصلاح والرشاد وما أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا وزينتها أي فهو مما يتمتع ويتزين به أياما قلائل. وهي مدة ~~الحياة المقتضية وما عند الله خير أي متاعا وزينة في نفسه، لخلوه عن شوائب ~~الألم وأبقى ms3652 لأنه أبدي لا يزول أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا أي ~~بإيمانه وعمله الصالح فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين أي من الذين أحضروا للحساب أو للنار أو العذاب. # قال الشهاب: وقد غلب لفظ (المحضر) في القرآن في المعذب. وإليه أشار ~~الزمخشري، وصرح به في البحر ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 63 الى 68] # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ~~تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون (68) # PageV07P530 # قال الذين حق عليهم القول أي وجب وثبت مقتضاه. وهو لحوق الوعيد بهم. ~~والمراد بهم، رؤساء الضلال، وقادة الكفر والفساد ربنا هؤلاء الذين أغوينا ~~أي أضللناهم. قال أبو السعود: ومرادهم بالإشارة، بيان أنهم يقولون ما ~~يقولون بمحضر منهم. وأنهم غير قادرين على إنكاره ورده أغويناهم كما غوينا ~~أي أضللناهم بالوسوسة والتسويل، كما ضللنا باختيارنا، وإيثار ما يفنى على ~~ما يبقى تبرأنا إليك أي من الكفر والشرك والمعاصي. أو منهم ومما اختاروه ما ~~كانوا إيانا يعبدون أي بل كانوا يعبدون أهواءهم وشهواتهم وقيل ادعوا ~~شركاءكم ليشفعوا لكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا ~~يهتدون أي تمنوا ذلك لينقذوا من العذاب العظيم ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين أي الداعين إلى الهداية وإصلاح الأعمال والأخلاق فعميت ~~عليهم الأنباء يومئذ أي فصارت الأنباء كالعمي عليهم لا تهتدي إليهم. وأصله ~~(فعموا عن الأنباء) لكنه عكس مبالغة. قال الشهاب: ففيه استعارة تصريحية ~~تبعية. استعير العمى لعدم الاهتداء. # فهم لا يهتدون للأنباء. ثم قلب للمبالغة. فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم. ~~وضمن معنى الخفاء. ms3653 فعدى ب (على) . ففيه أنواع من البلاغة: الاستعارة والقلب ~~والتضمين. # والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل. أو ما يعمها وغيرها من كل ما يمكن ~~الجواب به فهم لا يتساءلون أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب، لفرط الدهشة. ~~أو لعلمه بأنه مثله في العجز عن الجواب. أو لعجزهم عن النطق وكونهم مختوما ~~على أفواههم. # ثم إن هذا العيد لاحق للمصر فأما من تاب أي من الشرك وآمن وعمل صالحا ~~فعسى أن يكون من المفلحين أي أن يفلح عند الله. و (عسى) من الكرام تحقيق. # ويجوز أن يراد ترجي التائب وطمعه. كأنه قال: فليطمع أن يفلح. قال ~~الزمخشري وربك يخلق ما يشاء ويختار أي بمقتضى مشيئته وعنايته، ما يريد ما ~~كان لهم الخيرة أي في ذلك. بل الخيرة له في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة ~~فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. # قال الزمخشري: الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير، تستعمل بمعنى المصدر ~~وهو التخير، وبمعنى المتخير. كقولهم (محمد خيرة الله من خلقه) والقصد تقرير ~~انفراده بالألوهية وحده. ولذا قال: سبحان الله وتعالى عما يشركون من ~~الأصنام والأنداد التي لا تخلق شيئا ولا تختار. # PageV07P531 ### | تنبيه: # للإمام ابن القيم في مقدمة (زاد المعاد) مقالة في هذه الآية الكريمة، ~~جديرة بأن تؤثر عنه. قال رحمه الله: وبعد. فإن الله سبحانه وتعالى هو ~~المتفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات. قال تعالى: وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار وليس المراد هاهنا بالاختيار، الإرادة التي يشير إليها المتكلمون ~~بأنه الفاعل المختار، وهو سبحانه كذلك. وليس المراد بالاختيار هنا هذا ~~المعنى. وهذا الاختيار داخل في قوله: # يخلق ما يشاء فإنه لا يخلق إلا باختياره. وداخل في قوله تعالى: ما يشاء ~~فإن المشيئة هي الاختيار. وإنما المراد بالاختيار هنا الاجتباء والاصطفاء. ~~فهو اختيار بعد الخلق. والاختيار العام اختيار قبل الخلق. فهو أعم وأسبق. ~~وهذا أخص وهو متأخر. # فهو اختيار من الخلق والأول اختيار للخلق. وأصح القولين أن الوقف التام ~~على قوله: # ويختار ويكون ما كان لهم الخيرة نفيا. أي ms3654 ليس هذا الاختيار إليهم، بل هو ~~إلى الخالق وحده. فكما أنه هو المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالاختيار منه. ~~فليس لأحد أن يخلق ولا يختار سواه. فإنه سبحانه أعلم بمواقع اختياره ومحال ~~رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له. وغيره لا يشاركه في ذلك بوجه. ~~وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل، إلى أن (ما) في قوله تعالى: ما كان ~~لهم الخيرة موصولة وهي مفعول (يختار) أي ويختار الذي لهم الخيرة. وهذا باطل ~~من وجوه: # أحدها- أن الصلة حينئذ تخلو من العائد. لأن الخيرة مرفوع بأنه اسم (كان) ~~و (لهم) خبره. فيصير المعنى: ويختار الذي كان الخيرة لهم. وهذا التركيب ~~محال من القول. فإن قيل: يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفا، ويكون ~~التقدير: # ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه. أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في ~~اختياره. # قيل: هذا يفسد من وجه آخر. وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف ~~العائد. فإنه إنما يحذف مجرورا إذا جر بحرف جر الموصول بمثله، مع اتحاد ~~المعنى نحوه قوله تعالى: يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ونظائره. ~~ولا يجوز أن يقال جاءني الذي مررت، ورأيت الذي رغبت، ونحوه. # الثاني- أنه لو أريد هذا المعنى لنصب (الخيرة) وشغل فعل الصلة بضمير يعود ~~على الموصول. فكأنه يقول: ويختار ما كان لهم الخيرة. أي الذي كان هو عين ~~الخيرة لهم. وهذا لم يقرأ به أحد البتة. مع أنه كان وجه الكلام على هذا ~~التقدير. # الثالث- أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار وإرادتهم أن # PageV07P532 # يكون الخيرة لهم. ثم ينفي. هذا سبحانه عنهم، ويبين تفرده بالاختيار، كما ~~قال تعالى: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم ~~يقسمون رحمت ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، ورحمت ربك خير مما يجمعون [الزخرف: ### | 31- 32 # ] ، فأنكر عليهم سبحانه تخيرهم عليه. وأخبر أن ذلك ليس إليهم. بل إلى ~~الذي قسم بينهم معايشهم ms3655 المتضمنة لأرزاقهم ومدد آجالهم. وكذلك هو الذي يقسم ~~فضله بين أهل الفضل، على حسب علمه بمواقع الاختيار، ومن يصلح له ممن لا ~~يصلح. وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات. وقسم بينهم معايشهم ودرجات ~~التفضيل. فهو القاسم ذلك وحده لا غيره. وهكذا هذه الآية. بين فيها انفراده ~~بالخلق والاختيار. فالله سبحانه أعلم بمواقع اختياره كما قال: وإذا جاءتهم ~~آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته [الأنعام: 124] ، أي الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته ~~وتخصيصه بالرسالة والنبوة، دون غيره. # الرابع- أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم ~~فقال ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ولم يكن شركهم مقتضيا ~~لإثبات خالق سواه، حتى نزه نفسه عنه. فتأمله فإنه في غاية اللطف. # الخامس- إن هذا نظير قوله في الحج: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب ~~والمطلوب ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز [الحج: 73- 74] ، ثم ~~قال: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، إن الله سميع بصير يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم، وإلى الله ترجع الأمور [الحج: 75- 76] ، وهذا نظير ~~قوله في القصص وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون [القصص: 69] ، ونظير ~~قوله في الأنعام الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] ، فأخبر في ذلك ~~كله عن علمه المتضمن لتخصيصه محال اختياره، بما خصصها به بعلمه، بأنه يصلح ~~له دون غيرها فتقدير السياق في هذه الآيات تجده متضمنا لهذا المعنى دائرا ~~عليه. والله أعلم. # السادس- إن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل ~~صالحا # PageV07P533 # فعسى أن يكون من المفلحين وربك يخلق ما يشاء ويختار # فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحا، فكانوا ~~صفوته من عباده، وخيرته من خلقه، وكان هذا الاختيار راجعا إلى حكمته ms3656 وعلمه ~~سبحانه، لمن هو أهل له. لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم. فسبحان ~~الله وتعالى عما يشركون. # ثم قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فصل) فإذا تأملت أحوال هذا الخلق ~~رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه، دالا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال ~~حكمته وعلمه وقدرته. وأنه الله الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلق ~~كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبر كتدبيره. فهذا الاختيار والتدبير والتخصيص، ~~المشهور أثره في هذا العالم، من أعظم آيات ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، ~~وصفات كماله وصدق رسوله. فنشير منه إلى شيء يسير يكون منبها على ما وراءه، ~~دالا على ما سواه. فخلق الله السموات سبعا. فاختار العليا منها فجعلها ~~مستقر المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه. وأسكنها من ~~شاء من خلقه. فلها مزية وفضل على سائر السموات. ولو لم يكن إلا قربها منه ~~تبارك وتعالى. وهذا التفضيل والتخصيص، مع تساوي مادة السموات، من أبين ~~الأدلة على كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار. ومن هذا تفضيله ~~سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصها بأن جعل عرشه سقفها. # وفي بعض الآثار: إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه. # ومن هذا اختياره من الملائكة، المصطفين منهم على سائرهم. كجبريل وميكائيل ~~وإسرافيل. وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم. واختيار الرسل منهم ~~واختياره أولي العزم منهم. واختياره منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله ~~عليهم وسلم. ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس أنواع بني آدم. ~~ثم اختار منهم بني كنانة بن خزيمة. ثم اختار من ولد كنانة قريشا. ثم اختار ~~من قريش بني هاشم. ثم اختار من بني هاشم، سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم. وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين. واختار منهم السابقين الأولين. # واختار منهم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان. واختار لهم من الدين أكمله، ومن ~~الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها. واختار أمته صلى الله ~~عليه وسلم على سائر الأمم. # ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن ms3657 والبلاد خيرها وأشرفها. وهي ~~البلد الحرام. فإنه سبحانه اختاره لنبيه، وجعله مناسك لعباده. وأوجب عليهم ~~الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق. فلا يدخلونه إلا متواضعين ~~متخشعين متذللين، # PageV07P534 # كاشفي رؤوسهم، متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه ~~دم، ولا تعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد ولا يختلى خلاه، ولا يلتقط لقطته ~~للتملك. # بل للتعريف ليس إلا. ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض. فخير ~~الأيام عند الله يوم النحر. وهو يوم الحج الأكبر كما في (السنن) . وأفضل ~~الشهور شهر رمضان. وعشره الأخير أفضل الليالي. وليلة القدر أفضل من ألف ~~شهر. ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع. ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام ~~العام. انتهى ملخصا. # وقد أوسع المقال وجود الاستدلال. فرحمه الله ورضي عنه وأرضاه. وقوله ~~تعالى: سبحان الله أي تنزيها لله الذي لا يزاحم اختياره اختيار وتعالى عما ~~يشركون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 69 الى # 71] # وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له ~~الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا ~~تسمعون (71) # وربك يعلم ما تكن أي تخفي صدورهم أي من الكيد المكر وما يعلنون أي من ~~الأقوال والأفعال وهو الله لا إله إلا هو أي وهو المستحق للألوهية والعبادة ~~وحده له الحمد في الأولى والآخرة أي لأنه المولى للنعم كلها في الدارين وله ~~الحكم أي القضاء النافذ في كل شيء. يقهر كل شيء على مقتضى مشيئته. # ويحكم عليه بموجب إرادته وإليه ترجعون أي بالبعث للجزاء قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا ~~تسمعون أي هذا الكلام الحق، سماع تدبر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 72 الى 76] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ms3658 إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا ~~هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) إن قارون ~~كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة ~~أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) # PageV07P535 # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون أي هذه المنفعة فتقوموا بشكرها ~~ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه أي في الليل ولتبتغوا من فضله ~~أي في النهار ولعلكم تشكرون أي نعمه الظاهرة والباطنة، والجسمانية ~~والروحانية، باستعمالها فيما وجب من طاعته. وذلك فيما خلقت له ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا أي وأخرجنا من كل أمة شهيدا أي ~~نبيا يشهد عليهم بما كانوا عليه. كقوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد [النساء: 41] ، فقلنا أي لكل أمة من تلك الأمم هاتوا برهانكم أي على ~~ما أنتم عليه. أحق هو أم لا؟ فعجزوا عن آخرهم. وظهر برهان النبي، كما قال ~~تعالى: فعلموا أن الحق لله أي في الألوهية، لا يشاركه فيها أحد وضل عنهم أي ~~غاب عنهم غيبة الضائع ما كانوا يفترون أي من الباطل والمذاهب المختلفة، ~~والطرق المتشعبة المتفرقة إن قارون كان من قوم موسى أي من شاكلتهم في الكفر ~~والطغيان. وقوم موسى، جماعته الذين أرسل إليهم، وهم القبط وطاغيتهم فرعون ~~فبغى عليهم أي بالكبر والاستطالة عليهم لما غلب عليه الحرص ومحبة الدنيا، ~~لغرور وتعززه برؤية زينة نفسه وآتيناه من الكنوز أي من الأموال المدخرة ما ~~إن مفاتحه أي مفاتيح صناديقه. على حذف مضاف. أو الإضافة لأدنى ملابسة. وقيل ~~خزائنه لتنوأ أي تثقيل بالعصبة أي الجماعة الكثيرة من الرجال أو البغال ~~أولي القوة إذ قال ms3659 له قومه لا تفرح أي بزخارف الدنيا فرحا يشغلك عن الشكر ~~فيها والقيام بحقها إن الله لا يحب الفرحين أي هذا الفرح، لما فيه من ~~إيثارها عن الآخرة، والرضا بها عنها، والإخلاد إليها. وذلك أصل كل شر ومبعث ~~كل فساد. # PageV07P536 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 77 الى 78] # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال ~~إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) # وابتغ فيما آتاك الله أي اطلب من الغني الذي تفضل الله به عليك، بعد ~~الفاقة الدار الآخرة أي بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب ~~والمندوب. # وتجعله زادك إلى الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وهو أن تأخذ منه ما ~~يصلحك ويرفهك وأحسن أي إلى الناس. أو افعل الإحسان من وجوهه المعروفة كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض أي بهذا المال الذي جعله سبب ~~صلاحها إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أي بطرق ~~التجارة أو المكاسب أولم يعلم أي مما سمع بالتواتر أن الله قد أهلك من قبله ~~من القرون أي الكثيرة، بحيث صارت سنة له من هو أشد منه قوة أي بالأموال ~~والأتباع وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون أي لا يتوقف إهلاكه إياهم ~~على سؤال، ليعتذروا عنها. بل متى حق عليها القول بفسقهم، أهلكهم بغتة بلا ~~معاتبة وطلب عذر. ثم أشار تعالى إلى أن قارون لم يعتبر بذلك، ولا بنصيحة ~~قومه، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 79 الى 82] # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب ~~الله خير لمن آمن ms3660 وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به ~~وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ~~(81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون (82) # PageV07P537 # فخرج أي قارون باغيا على قومه في زينته أي مغترا بالنظر فيها قال الذين ~~يريدون الحياة الدنيا أي جريا على سنن الجبلة البشرية، من الرغبة في السعة ~~واليسار يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا ~~العلم ويلكم ثواب الله خير أي مما تتمنونه لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها ~~أي هذه الكلمة التي فاه بها الذين أوتوا العلم. أو الجنة. أو السيرة ~~والطريقة، وهي الإيمان والعمل الصالح إلا الصابرون أي على الطاعات عن ~~الشهوات، وعلى زمام النفس أن تجري في أعقاب المزخرفات. و (ويلك) في الأصل ~~دعاء بالهلاك. والمراد به هنا الزجر عن هذا التمني، مجازا. وهو منصوب على ~~المصدرية فخسفنا به وبداره أي المشتملة على أمواله الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله أي بدفع العذاب عنه وما كان من المنتصرين أي بقوة نفسه ~~وما له وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده أي من شقي وسعيد ويقدر أي يقبض. فلا دلالة في البسط على ~~السعادة. ولا في القبض على الشقاوة. بل يفعل سبحانه كل واحد من البسط ~~والقدر بمحض مشيئته، لا لكرامة توجب البسط، ولا لهوان يقتضي القبض لولا أن ~~من الله علينا أي بعدم إيتائه متمنانا لخسف بنا أي كما خسف به ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون أي بعدم إيتائه متمنانا لخسف بنا أي كما خسف به ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون أي لنعمة الله، في صرفها في غير سبيلها. أو المكذبون برسله ~~اغترارا بزخارفهم. ### | فائدة: # في (ويكأن) مذاهب: # الأول- أن (وي) كلمة برأسها. وهي اسم فعل، معناها أعجب. أي أنا. # والكاف للتعليل. و ms3661 (أن) وما في حيزها مجرورة بها. أي أعجب لأن الله يبسط ~~الرزق إلخ. وقياس هذا القول أن يوقف على (وي) وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي. # الثاني- أنه مركب من (وي) للتعجب (وكأن) للتشبيه. والمعنى: ما أشبه الأمر ~~أن الله يبسط. أي ما أشبه أمر الدنيا والناس مطلقا إلى آخر، أمر قارون وما ~~شوهد من قصته. والأمر مأخوذ من الضمير. فإنه للشأن. والمراد من تشبيه الحال ~~بهذه الحال، أنه لتحققه وشهرته، يصلح أن يشبه به كل شيء. كما أشار إليه في ~~الكشف. # الثالث- قال بعضهم: (كأن) هنا للتشبيه. إلا أنه ذهب منها معناه. وصارت ~~للخبر واليقين. وهذا أيضا يناسبه الوقف على (وي) . # الرابع- زعم الهمداني في (الفرائد) أن مذهب سيبويه والخليل أن (وي) # PageV07P538 # للتندم. و (كأن) للتعجب. والمعنى: ندموا متعجبين في أن الله يبسط إلخ. # قال الشهاب: وكون (كأن) للتعجب، لم يعهد. # الخامس- ذهب الكوفيون إلى أنه مركب من (ويك) بمعنى (ويلك) فخفف بحذف ~~اللام. والعامل في (أن) اعلم، المقدر. والكاف على هذا ضمير في محل جر. وهذا ~~يناسب الوقف على الكاف. وقد فعله أبو عمرو. # السادس- أن (ويك) كلمة برأسها. والكاف حرف خطاب. ويقرب هذا مما قبله. قال ~~أبو البقاء: وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أن معنى الخطاب هنا بعيد. # والثاني- أن تقدير (وي) اعلم، لا نظير له، وهو غير سائغ في كل موضع. ~~انتهى. # السابع- أن (ويكأن) كلها كلمة مستقلة بسيطة. ومعناها ألم تر. وربما نقل ~~ذلك عن ابن عباس. ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى (أما ترى إلى صنع الله) ~~وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى (رحمة لك) في لغة حمير. ولم يرسم في القرآن إلا ~~(ويكأن) و (ويكأنه) متصلة في الموضعين. فعامة القراء اتبعوا الرسم. ~~والكسائي وقف على (وي) وأبو عمرو على (ويك) . # وهذا ما يستفاد من حواشي القاضي والسمين. وعندي أنها مركبة من (وي) ~~للتعجب و (كأن) التي للتحقيق وهي أحد معانيها المعروفة. والوقف على (وي) . # ولا يشكل على ذلك كتابتها في المصاحف متصلة، لأن الكتابة- كما قال ابن ~~كثير- أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي. # وقد ms3662 اتفق اللغويون على أن (وي) كلمة تعجب. يقال (ويك) و (وي لزيد) وتدخل ~~على (كأن) المخففة والمشددة، ومن شواهد الأولى قول الشاعر: # سالتاني الطلاق. أن رأتاني ... قل مالي. قد جئتماني بنكر # وي كأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وهذا البيت مما يدل على ما استظهرته، بله الاستعمال إلى هذه الأجيال. # قال ابن كثير: وقد ذكر هاهنا إسرائيليات، أضربنا عنها صفحا. ونحن تأسينا ~~به، بل فقناه في الإضراب عن كثير من مرويه، الموقوف والضعيف الذي سودت به ~~الصحف. # ثم أشار تعالى إلى مقابل حال قارون، من حال خلص عباده، بقوله سبحانه: # PageV07P539 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 83 الى # 84] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض أي غلبة وتسلطا ~~بسوء وتكبر ولا فسادا أي بظلم وعدوان وصد عن سبيل الله تعالى والعاقبة أي ~~النهاية الحميدة للمتقين أي الذين يتقون ما لا يرضاه تعالى من الأقوال ~~والأفعال. # قال الزمخشري، قدس الله روحه: لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد. ولكن ~~بترك إرادتهما، وميل القلوب إليهما. كما قال: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~[هود: 113] ، فعلق الوعيد بالركون. # وعن علي رضي الله عنه: إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك ~~نعل صاحبه. فيدخل تحتها. # وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني ها هنا. وعن عمر بن عبد ~~العزيز، أنه كان يرددها حتى قبض. ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون، والفساد ~~لقارون، متعلقا بقوله: إن فرعون علا في الأرض [القصص: 4] ، ولا تبغ الفساد ~~في الأرض [القصص: 77] ، ويقول: من لم يكن مثل فرعون وقارون، فله تلك الدار ~~الآخرة. ولا يتدبر قوله: والعاقبة للمتقين كما تدبره علي والفضيل وعمر رضي ~~الله عنهم. من جاء بالحسنة فله خير منها، ومن جاء ms3663 بالسيئة فلا يجزى الذين ~~عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون # معناه: فلا يجزون إلا.. إلخ. فوضع فيه الموصول والظاهر، موضع الضمير، ~~لتهجين حالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم، ولزيادة تبغيض السيئة إلى قولب ~~السامين. ومعنى قوله: إلا ما كانوا يعملون أي مثله. وهذا من فضله العظيم ~~وكرمه الواسع، أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها. ويجزي الحسنة بعشر أمثالها ~~وسبعمائة. وهو معنى قوله: فله خير منها كذا في الكشاف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 85 الى 86] # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) # PageV07P540 # إن الذي فرض عليك القرآن أي أوجب عليك تلاوته على الناس، وتبليغه إليهم، ~~وصدعهم به لرادك أي بعد الموت إلى معاد أي مرجع عظيم. وهو المقام المحمود ~~الذي وعدك أن يبعثك فيه. فتنوينه للتعظيم. ووجهه- كما في (العناية) - أن ~~المعاد صار كالحقيقة في المحشر. لأنه ابتداء العود إلى الحياة، ورده إلى ما ~~كان عليه فجعل معاده عظيما لعظمة مقامه فيه. # وقال ابن كثير: المعاد هو يوم القيامة. يسأله عما استرعاه من أعباء ~~النبوة. كما قال تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ~~[الأعراف: 6] ، وقال تعالى: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ~~[المائدة: 109] ، وقال وجيء بالنبيين والشهداء [الزمر: 96] وعن ابن عباس ~~روايات: إلى يوم القيامة. إلى الموت. إلى الجنة أخرجت عنه من طرق. كما ~~أسنده ابن كثير. # والذي رواه البخاري والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: (لرادك) إلى مكة ~~كما أخرجك منها. وعن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ~~فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة. فنزلت الآية. # قال ابن كثير: وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة ~~مكيا، والله أعلم. # ثم قال: ووجه الجمع بين هذه الأقوال، أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه ~~إلى مكة، وهو الفتح، الذي هو عند بن ms3664 عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. كما فسر ابن عباس سورة (إذا جاء نصر الله والفتح) أنه أجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر ابن الخطاب ~~ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر بن عباس ~~تارة أخرى قوله تعالى: لرادك إلى معاد بالموت. # وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت. وتارة بالجنة التي هي جزاؤه على ~~أدائه رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين الجن والإنس. ولأنه أكمل خلق الله ~~على الإطلاق. انتهى. # قل ربي أعلم من جاء بالهدى يعني نفسه الكريمة. أي بما يستحقه من المثوبة ~~ومن هو في ضلال مبين يعني المشركين. أي بما يستحقونه من العذاب. والجملة ~~تقرير للوعيد السابق وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب أي ما كنت تظن، قبل # PageV07P541 # إنزال الوحي إليك، أن الوحي ينزل عليك إلا رحمة من ربك أي ولكن لرحمة من ~~ربك ألقي إليك فلا تكونن ظهيرا للكافرين أي معينا لهم. ولكن نابذهم ~~وخالفهم. وحكى الكرماني في (الغرائب) أن معناه: فلا تكن بين ظهرانيهم، وأنه ~~أمر بالهجرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القصص (28) : الآيات 87 الى 88] # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من ~~المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا ~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك أي عن تبليغها بعد إنزالها، ~~والأمر بالصدع بها لضيق صدرك من مكرهم. فإن الله معك، ومعل كلمتك ومؤيد ~~دينك. ولذا قال: وادع إلى ربك أي إلى عبادته وحده لا شريك له ولا تكونن من ~~المشركين ولا تدع مع الله إلها آخر. # قال القاضي: هذا وما قبله للتهييج وقطع أطماع المشركين من مساعدته لهم. # أي لأنه لا يتصور منه ذلك حتى ينهى عنه. فكأنه لما نهاه عن مظاهرتهم ~~ومداراتهم، قال إن ذلك مبغوض لي كالشرك. فلا تكن ms3665 ممن يفعله. أو المراد نهي ~~أمته، وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم. كذا في (العناية) . # لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه أي إياه و (الوجه) يعبر به عن الذات ~~كما قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: ### | 26- 27 # ] ، وفي قوله تعالى: هالك وجوه: حمله على المستقبل، أو هو عرضة للهلاك ~~والعدم، أو هالك في حد ذاته، لأن وجوده ليس ذاتيا بل لاستناده إلى واجب ~~الوجود، فهو بالقوة وبالذات معدوم حالا. والمراد بالمعدوم ما ليس له وجود ~~ذاتي. # لأن وجود غيره كلا وجود. إذ هو في كل آن قابل للعدم. وعن مجاهد والثوري ~~(إلا وجهه) أي ما أريد به وجهه. حكاه «1» البخاري في (صحيحه) . # قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: # أستغفر الله ذنبا، لست محصيه ... رب العباد، إليه الوجه والعمل ~~PageV07P542 # قال ابن كثير: وهذا القول لا ينافي القول الأول. فإن هذا إخبار عن كل ~~الأعمال، بأنها باطلة، إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة ~~المطابقة للشريعة. انتهى. # وفيه بعد وتكلف يذهب رونق النظم، وماء الفصاحة. لا سيما وآي التنزيل يفسر ~~بعضها بعضا. والآية الثانية التي ذكرناها بمعنى هذه. وتلك لا تحتمل ذاك ~~المعنى، فكذا هذه له الحكم أي القضاء النافذ في الخلق وإليه ترجعون أي يوم ~~معادكم فيجزيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # PageV07P543 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العنكبوت # سميت بها لاستشمالها على آية مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل ~~العنكبوت [العنكبوت: 41] ، الآية، المشير إن من اعتمد على قوة الأصنام ~~وحفظها عن العذاب كالعنكبوت، اعتمدت على قوة بيتها التي لا تحتمل مس أدنى ~~الحشرات والرياح، وحفظها عن الحر والبرد. وهذا أتم في الدعوة إلى التوحيد ~~الذي هو أعظم مقاصد القرآن. أفاده المهايمي. # وهي مكية. واستثني من أولها إلى قوله تعالى: وليعلمن المنافقين ~~[العنكبوت: 11] ، وقوله: وكأين من دابة [العنكبوت: 60] ، الآية ويقال إنها ~~آخر ما نزل بمكة. وآيها تسع وستون. قال الداني: متفق ms3666 عليه. # PageV07P544 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون أي أحسب الذين ~~أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وأظهروا القول بالإيمان، أنهم يتركون بذلك ~~غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم ~~وصحة عقائدهم. لتمييز المخلص من غير المخلص. كما قال لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [آل عمران: 186] ، وكقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين [آل عمران: 142] ، وقوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب [البقرة: 214] ~~، وكل هذه الآيات وأمثالها مما نزل بمكة في تثبيت قلوب المؤمنين، وتصبيرهم ~~على ما كان ينالهم. # من أذى المشركين ولقد فتنا الذين من قبلهم أي من أتباع الأنبياء عليهم ~~السلام، بضروب من الفتن من أعدائهم، كما دون التاريخ اضطهادهم. أي فصبروا ~~وما وهنوا لما أصابهم حتى علت كلمة الله فليعلمن الله الذين صدقوا أي في ~~قولهم آمنا وليعلمن الكاذبين أي فيه: وذلك بالامتحان. # فإن قيل: يتوهم من صيغة الفعل أن علمه حدث، مع أنه قديم. إذ علمه بالشيء ~~قبل وجوده وبعده، لا يتغير. يجاب بأن الحادث هو تعلق علمه بالمعلوم بعد ~~حدوثه. # PageV07P545 # وقال الناصر: فائدة. ذكر العلم ها هنا، وإن كان سابقا على وجود المعلوم ~~هو التنبيه بالسبب على المسبب. وهو الجزاء كأنه قال تعالى: (ليعلمنهم ~~فليجازينهم بحسب علمه فيهم) . # وقال المهايمي: فليعلمن الله أي يظهر علمه عند خلقه بصدق إيمان الذين ~~صدقوا فيه، بدلالة ثباتهم عليه عند المصائب وليعلمن أي ms3667 وليظهر علمه بكذب ~~دعوى الكاذبين لئلا يشهدوا عنده بإيمان الكاذبين، فينسب في تعذيبهم إلى ~~الظلم. وليثق المؤمنون بمحبة الصادقين، ويستظهروا بها، ويحذروا عن مكر ~~الكاذبين. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 4 الى # 7] # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجوا ~~لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا، فلا نقدر على ~~مجازاتهم بمساوئ أعمالهم ساء ما يحكمون أي بئس الذي يحكمونه حكمهم من كان ~~يرجوا لقاء الله أي في الجنة من رؤيته، والفوز بكرامته فإن أجل الله وهو ~~الموت لآت أي فليبادر ما يصدق رجاءه ويحقق أمله من الثبات والتواصي بالحق ~~والصبر والرغبة فيما عنده تعالى. أو المعنى: من كان يرجو لقاء الله، من كل ~~من صدق في إيمانه، وأخلص في يقينه، فاعلم أن أجل الله لآت. وهو الوقت الذي ~~جعله أجلا وغاية لظهور النصر والفتح وعلو الحق وزهوق الباطل. أي فلا ~~يستبطئنه. # فإنه آت بوعد الله الحق وقوله الصدق. ولم أر من ذكره ولعله أنسب بقرينة ~~السياق والسباق. والله أعلم وهو السميع العليم أي السميع لأقوالهم العليم ~~بضمائرهم وأحوالهم ومن جاهد أي في الصبر على البلاء والثبات على الحق مع ~~ضروب الإيذاء فإنما يجاهد لنفسه أي لأنه يمهد لنفسه، ما يجني به ثمرة غرسه ~~إن الله لغني عن العالمين والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون أي أحسن جزاء أعمالهم. # PageV07P546 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 8 الى 9] # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا أي أمرناه أمرا مؤكدا بإيلاء والديه فعلا ذا ~~حسن عظيم ms3668 وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما أي في الشرك، ~~إذا حملاك عليه. ومعنى ما ليس لك به علم أي لا علم لك بإلهيته. قال القاضي: # عبر عن نفيها بنفي العلم بها، للإيذان بأن ما لم يعلم صحته، لا يجوز ~~اتباعه، وإن لم يعلم بطلانه. فكيف بما علم بطلانه؟ إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون أي إلي مرجع من آمن منكم ومن أشرك. فأجازيكم حق جزائكم. فيه ~~التحذير من متابعتهما على الشرك والحث على الثبات والاستقامة في الدين، ~~بذكر المرجع والوعيد. # وقد روي أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه حين أسلم، قالت أمه: يا ~~سعد! بلغني أنك قد صبأت. فو الله! لا يظلني سقف بيت من الضح والريح. # وإن الطعام والشراب علي حرام، حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها. فأبى ~~سعد. وبقيت ثلاثة أيام كذلك. فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وشكا إليه. فنزلت هذه الآية، والتي في لقمان، والتي في الأحقاف. فأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان # . وروى الترمذي عن سعد «1» قال: نزلت في أربع آيات. فذكر قصته وقال: قالت ~~أم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى ~~أموت، أو تكفر. فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها. فنزلت هذه الآية. # قال ابن كثير: وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ~~أيضا. # وقال الترمذي: حسن صحيح والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين أي في زمرة الراسخين في الصلاح والكمال. # قال الزمخشري: والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله. ~~PageV07P547 # قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين [النمل: 19] ، وقال في إبراهيم عليه السلام وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين أو المعنى: في مدخل الصالحين وهي الجنة. وهذا نحو قوله تعالى: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم [النساء: 69] ، ~~الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms3669 العنكبوت (29) : آية 10] # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله أي جعل ما يصيبه في الصرف عن الإيمان من ضروب الإيذاء، بسببه، مثل ~~عذاب الله في الشدة والهول، فيرتد عن الدين. مع أن مقتضى إيمانه أن يصبر ~~ويتشجع ويتلقى ما يناله في الله بالرضا، يرى العذاب فيه عذوبة والمحنة ~~منحة. فإن العاقبة للتقوى وسعادة الدارين لأهلها ولئن جاء نصر من ربك ~~ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين أي من التلبيس ~~والإخلاص. وهذه الآية كقوله تعالى: ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن ~~أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه [الحج: 22] ، إلى قوله ~~ذلك هو الضلال البعيد [الحج: 12] ، وكقوله سبحانه: الذين يتربصون بكم فإن ~~كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين [النساء: 141] ، وقال تعالى: فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ~~[المائدة: 52] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 11 الى # 13] # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم ~~لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون (13) # وليعلمن الله الذين آمنوا أي بإخلاصهم وليعلمن المنافقين ثم بين # PageV07P548 # تعالى حمل كفار قريش لمن آمن على الكفر بالاستمالة، بعد بيان حملهم لهم ~~عليهم بالأذية، بقوله: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل ~~خطاياكم أي إن كان ذلك خطيئة يؤاخذ عليها بالبعث، فتبعتها علينا وفي ~~رقابنا. # قال ابن كثير: كما يقول القائل افعل كذا وخطيئتك في رقبتي. قال الله ~~تعالى تكذيبا لهم وما ms3670 هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن ~~أثقالهم وهي أوزار أنفسهم وأثقالا مع أثقالهم أي وأوزارا أخر مع أوزار ~~أنفسهم. يعني أوزار الإضلال والحمل على الكفر والصد عن سبيل الله. كما قال ~~تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم [النحل: 25] ، وفي الصحيح «1» (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ~~ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ~~ينقص من آثامهم شيئا) وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون أي من الأكاذيب ~~والأباطيل. ثم بين تعالى افتتان الأنبياء بأذية أممهم، إثر بيان افتتان ~~المؤمنين بأذية الكفار، تأكيدا الإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد ~~الإيمان بلا ابتلاء، وحثا لهم على الصبر تأسيا بالأنبياء، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 14 الى # 19] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين ~~(15) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون ~~من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين (18) # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية أي هذه الحادثة ~~الهائلة موعظة PageV07P549 # للعالمين وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا أي كذبا، في تسميتها ~~آلهة وشركاء لله، وشفعاء إليه إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ms3671 ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا ~~فقد كذب أمم من قبلكم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين أي التبليغ الذي ~~يزيل كل لبس وما عليه أن يصدقه قومه أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم ~~يعيده إرشاد إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه مع وضوح دليله، وذلك بما ~~يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم ~~وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين. فالذي بدأ هذا، قادر على إعادته. فإنه ~~سهل عليه، يسير لديه. فقوله تعالى: ثم يعيده عطف على (أو لم يروا) لا على ~~(يبدئ) لعدم وقوع الرؤية عليه. فهو إخبار بأنه تعالى يعيد الخلق قياسا على ~~الابتداء. وقد جوز العطف على (يبدئ) بتأويل (الإبداء) بإبداء ما يشاهده، ~~كالنبات وأوراق الأشجار وغيرهما. والإعادة بإنشائه تعالى كل سنة، مثل ما ~~أنشأه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما. فإن ذلك مما يستدل به ~~على صحة البعث ووقوعه من غير ريب. فيصح حينئذ العطف. # قال الشهاب: لكنه غير ملاق لما وقع في غير هذه الآية. # قال: وبهذا التقرير سقط ما قيل: إن أريد بالرؤية العلم فكلاهما معلوم. ~~وإن أريد الإبصار فهما غير مرئيين. مع أنه يجوز أن يجعل ما أخبر به الله ~~تعالى لتحققه، كأنه مشاهد إن ذلك أي ما ذكره، وهو الإعادة على الله يسير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 20 الى # 24] # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن ~~الله على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم ~~عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) # PageV07P550 # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ms3672 أي كيف خلقهم ابتداء على أطوار ~~مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى. فإن ترتيب النظر على السير في الأرض، ~~مؤذن يتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين في أقطارها ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة أي الخلق الآخر إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء أي بعد النشأة ~~الثانية، وهم المنكرون لها ويرحم من يشاء وهم المؤمنون بها وإليه تقلبون ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء أي بالتواري في الأرض، ولا ~~بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها، لو استطعتم الرقي فيها. أو القلاع ~~الذاهبة فيها. فيكون المراد بالسماء ما ارتفع. وقيل: المعنى (ولا من في ~~السماء) فحذف اسم الموصول وهو مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير (ولا من في ~~السماء بمعجزه) والجملة معطوفة على جملة (أنتم بمعجزين) وفيه تكلف وضعف ~~صناعي وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أي يدافع عنكم ما يراد بكم ~~والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم ~~ثم أشار تعالى إلى ما أجاب به قوم إبراهيم، بعد دعوته إياهم وعظاته ~~البالغة، بقوله فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 25 الى 29] # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ~~(25) فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ~~ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين (29) # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا أي ms3673 ~~لتتوادوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # PageV07P551 # أي تتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع. ~~كما قال تعالى: كلما دخلت أمة لعنت أختها [الأعراف: # 38] ، وقال تعالى: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: # 67] ، ومأواكم النار وما لكم من ناصرين. ### | تنبيه: # قال السمين: في (ما) من قوله تعالى: إنما اتخذتم ثلاثة أوجه: # أحدها- أنها موصولة بمعنى (الذي) والعائد محذوف، وهو المفعول الأول ~~وأوثانا مفعول ثان. والخبر (مودة) في قراءة من رفع. والتقدير: إن الذي ~~اتخذتموه أوثانا مودة، أي ذو مودة، أو جعل نفس المودة مبالغة. ومحذوف على ~~قراءة من نصب (مودة) أي: الذي اتخذتموه أوثانا لأجل المودة لا ينفعكم، أو ~~يكون عليكم، لدلالة قوله: ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض. # والثاني- أن تجعل (ما) كافة، و (أوثانا) مفعول به. و (الاتخاذ) ها هنا ~~متعد لواحد. أو لاثنين، والثاني هو (من دون الله) فمن رفع (مودة) كانت خبر ~~مبتدأ مضمر، أي هي مودة أي ذات مودة. أو جعلت نفس المودة مبالغة. والجملة ~~حينئذ صفة ل (أوثانا) أو مستأنفة. ومن نصب كان مفعولا له، أو بإضمار (أعني) ~~. # الثالث- أن تجعل (ما) مصدرية، وحينئذ يجوز أن يقدر مضاف من الأول. # أي: أن سبب اتخاذكم أوثانا مودة، فيمن رفع (مودة) ويجوز أن لا يقدر، بل ~~يجعل نفس الاتخاذ هو المودة مبالغة. ومن القراء من رفع (مودة) غير منونة ~~وجر (بينكم) ومنهم من نصب (مودة) منونة ونصب (بينكم) ومنهم من نصب (مودة) ~~منونة وجر (بينكم) . فالرفع تقدم. والنصب تقدم أيضا فيه وجهان. وجوز ثالث، ~~وهو أن يجعل مفعولا ثانيا عن المبالغة والإضافة، للاتساع في الظرف. # ونقل عن عاصم أنه رفع (مودة) غير منونة ونصب (بينكم) وخرجت على إضافة ~~(مودة) للظرف. وإنما بني لإضافته إلى غير متمكن. # وأشار العلامة القاشاني إلى جواز أن يكون قوله تعالى: في الحياة الدنيا ~~خبرا ل (ما) إن كانت اسمية. وهو وجه لم يتعرض له المعربون هنا، ولا مانع ~~منه. # وعبارته: # إنما اتخذتم من ms3674 دون الله، شيئا عبدتموه مودودا فيما بينكم (في الحياة ~~الدنيا) أو: إن كل ما اتخذتم من دون الله، شيئا مودودا فيما بينكم في ~~الحياة الدنيا، أو: إن كل ما اتخذتم أوثانا مودود في هذه الحياة الدنيا. أو ~~لمودة بينكم في هذه، على القراءتين. # PageV07P552 # ثم قال: والمعنى أن المودة قسمان: مودة دنيوية، ومودة أخروية. والدنيوية ~~منشؤها النفس، والأخروية منشؤها الروح. فكل ما يحب ويود من دون الله، لا ~~لله ولا بمحبة الله، فهو محبوب بالمودة النفسية. وهو هوى زائل، كلما انقطعت ~~الوصلة البدنية زالت ولم تصل إلى إحدى القيامات، فإنها نشأت من تركيب البدن ~~واعتدال المزاج. فإذا انحل التركيب وانحرف المزاج، تلاشت وبقي التضاد ~~والتعاند، بمقتضى الطبائع، لقوله تعالى: ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~الآية. ولهذا شبهها ببيت العنكبوت في الوهن. # وأما الأخروية فمنشؤها المحبة الإلهية. وتلك المودة هي التي تكون بين ~~الأصفياء والأولياء، لتناسب الصفات، وتجانس الذوات، لا تتصفى غاية الصفاء ~~إلا عند زوال التركيب. فيصير يوم القيامة محبة صرفة الهيئة، بخلاف تلك. ~~انتهى. # فآمن له أي صدق إبراهيم فيما دعاه إليه لوط وقال إني مهاجر أي من أرض ~~قومي إلى ربي أي لا إلى غيره بل إلى عبادته وإقامة شعائر دينه والقيام ~~بدعوة الخلق إلى الحق من شرعه وتوحيده إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له أي ~~لإبراهيم إسحاق ويعقوب أي ولدا ونافلة، بمباركة الذرية وجعلنا في ذريته ~~النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا أي بإيتاء الولد والذرية الطيبة ~~واستمرار النبوة فيهم وانتماء أهل الملك إليه والثناء إلى آخر الدهر ~~والصلاة عليه وإنه في الآخرة لمن الصالحين ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون ~~الفاحشة أي الفعلة المتناهية في القبح ما سبقكم بها من أحد من العالمين أي ~~لتحاشي الطباع عنها. ثم فصلها بعد الإجمال، لزيادة تنفير النفوس منها أإنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل أي سبيل النسل بإتيان ما ليس بحرث. أو بعمل ~~قطاع الطريق من قتل الأنفس وأخذ الأموال وتأتون في ناديكم المنكر أي ما لا ~~يليق من الأقوال ms3675 والأفعال فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 30 الى # 33] # قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها ~~لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ~~(32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا ~~تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) # PageV07P553 # قال رب انصرني على القوم المفسدين أي الذين يفسدون كل برهان عقلي ونقلي، ~~وكل حكمة إلهية ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى أي بالبشارة بالولد ~~والنافلة، وهم الملائكة. بعثوا لنصر لوط وتبشيره بهلاك قومه قالوا أي ~~لإبراهيم عليه السلام إنا مهلكوا أهل هذه القرية أي قرية سدوم إن أهلها ~~كانوا ظالمين أي بتنزيلهم الرجال منزلة النساء، وقطع السبل، وفعل المنكر ~~وترك المعروف قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين أي الباقين في العذاب أو القرية ولما أن جاءت ~~رسلنا أي المذكورون بعد مفارقتهم لإبراهيم عليه السلام لوطا سيء بهم أي ~~اعترته المساءة بسببهم مخافة أن يقصدوهم وضاق بهم ذرعا أي ضاق بشأنهم ذرعه، ~~أي طاقته وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك أي مما يصيبهم من العذاب ~~إلا امرأتك كانت من الغابرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 34 الى # 38] # إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ~~ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا ~~قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من ~~مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) # إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء أي عذابا عظيما من ms3676 جهتها ~~بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون يعني قصتها ~~العجيبة، أو آثارها الخربة وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله ~~وارجوا اليوم الآخر أي توقعوه، وما سيقع فيه من فنون الأهوال ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين أي بالبغي على أهلها، كنقص المكيال والميزان، وقطع الطريق على ~~الناس، فإن عاقبة ذلك الدمار فكذبوه فأخذتهم الرجفة أي الصيحة التي هي منشأ ~~الزلزلة الشديدة فأصبحوا في دارهم أي بلدهم أو منازلهم جاثمين أي هلكى ~~ميتين وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين أي عقلاء متمكنين من النظر والافتكار بواسطة ~~الرسل عليهم السلام، # PageV07P554 # فإنهم أوضحوا السبل، فلم يكن لهم في ذلك عذر، ولكنهم لم يفعلوا، عنادا ~~وكبرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 39 الى # 40] # وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما ~~كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) # وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما ~~كانوا سابقين أي فائتين الله سبحانه. بل لحقهم عذابه فدمرهم تدميرا. ولذا ~~قال فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا أي ريحا عاصفا، فيها ~~حصاء، وهم قوم لوط ومنهم من أخذته الصيحة كمدين وثمود ومنهم من خسفنا به ~~الأرض كقارون ومنهم من أغرقنا كقوم نوح وفرعون وقومه وما كان الله ليظلمهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أي يفعل ما يوجب ذلك، من البغي والفساد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 41 الى 44] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن ms3677 في ذلك لآية للمؤمنين ~~(44) # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا أي تعتمد ~~على قوته وتظنه محيطا بها، دافعا عنها الحر والبرد وإن أوهن البيوت أي ~~أضعفها لبيت العنكبوت أي لأنه لا يحتمل مس أدنى الحيوانات وأضعف الرياح. ~~ولا يدفع شيئا من الحر والبرد. وهذا مثلهم لو كانوا يعلمون أي شيئا ما. أو ~~إن أولياءهم أو هي من ذلك ثم الغرض من التشبيه هو تقرير وهن دينهم، وإنه ~~بلغ الغاية فيه، وهو إما تشبيه مركب من الهيئة المنتزعة، فمدار قطب التمثيل ~~على أن أولياءهم بمنزلة نسج العنكبوت في ضعف الحال وعدم الصلاحية للاعتماد. ~~وعلى هذا فقوله: وإن أوهن البيوت تذييل يعرف الغرض من التشبيه. وقوله لو ~~كانوا يعلمون إيغال في تجهيلهم. لأنهم لا يعلمونه مع وضوحه لدى من له أدنى ~~مسكة. وإما أن يكون من # PageV07P555 # تشبيه المفرد، لأن المقصود بيان حال العابد والمعبود. وفي الآية لطائف ~~بيانية ذكرت في المطولات. وقوله: إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ~~بالياء والتاء في (تدعون) قراءتان. و (ما) إما استفهامية منصوبة ب (يدعون) ~~و (من) الثانية للتبيين. أو نافية و (من) مزيدة. و (شيء) مفعول (تدعون) أو ~~مصدرية بمعنى الدعوة و (شيء) مصدر بمعناه أيضا. أو موصولة مفعول ل (يعلم) ~~ومفعول (يدعون) عائده المحذوف. والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد ~~للمثل. وعلى الآخرين وعيد لهم. أفاده القاضي وهو العزيز الحكيم وتلك ~~الأمثال يعني هذا المثل ونظائره في التنزيل نضربها للناس أي ليقرب ما بعد ~~من أفهامهم. فإن الأمثال والتشبيهات طرق تبرز فيها المعاني المحتجبة ~~للأفهام وما يعقلها أي يدرك حسنها وفوائدها إلا العالمون أي الراسخون في ~~العلم الكاملون فيه. وعن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا ~~أعرفها، إلا أحزنني. لأني سمعت الله تعالى يقول: وتلك الأمثال نضربها للناس ~~وما يعقلها إلا العالمون خلق الله السماوات والأرض بالحق أي محقا مراعيا ~~للحكم والمصالح، مقدسا عن أن يقصد به باطلا. # فالباء للملابسة، والجار والمجرور ms3678 حال. وهذا كقوله تعالى: وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما لاعبين [الدخان: 38] ، إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 45 الى # 46] # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) # اتل ما أوحي إليك من الكتاب أي تقربا إلى الله تعالى بقراءته، وتحفظا ~~لألفاظه، واستكثارا لما في تضاعيفه من المعاني. فإن القارئ المتأمل قد ~~ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه. وتذكيرا للناس، وحملا ~~لهم على العمل بما فيه، من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أي تكون سببا للانتهاء عن ذلك. ~~ففيه تجوز في الإسناد. فإن قلت: كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته! قلت: ~~الصلاة التي هي الصلاة عند الله، المستحق بها الثواب، أن يدخل فيها مقدما ~~للتوبة النصوح متقيا، لقوله تعالى: # إنما يتقبل الله من المتقين ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح. ثم يحوطها ~~بعد # PageV07P556 # أن يصليها، فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم ~~يزدد بصلاته من الله إلا بعدا. # عن الحسن رحمه الله: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته ~~بصلاة، وهي وبال عليه. أفاده الزمخشري. وقوله تعالى: ولذكر الله أكبر والله ~~يعلم ما تصنعون قال الزمخشري: أي: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، ~~وسماها بذكر الله، كما قال فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] ، وإنما قال ~~(ولذكر الله) ليستقل بالتعليل. كأنه قال: وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله. ~~أو: ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر، وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما، أكبر. ~~فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، ms3679 ~~ولذكر الله إياكم برحمته، أكبر من ذكركم إياه بطاعته. انتهى. ف (ذكر) على ~~الأولين مصدر مضاف للمفعول. وعلى ما بعدهما مضاف للفاعل، والمفعول محذوف. ~~والمفضل عليه في الأولين غيره من الطاعات. وفي الأخير قوله (من ذكركم) . # وقال الرازي: لما ذكر تعالى أمرين، وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة، بين ~~ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم، فقال ولذكر الله أكبر ~~وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة، تنبشون لذلك وتذكرونهم ~~بملء أفواهكم وقلوبكم. لكن ذكر الله أكبر، فينبغي أن يكون على أبلغ وجه ~~التعظيم. وأما الصلاة فكذلك. لأن الله يعلم ما تصنعون. وهذا أحسن صنعكم. # فينبغي أن يكون على وجه التعظيم. وفي قوله ولذكر الله أكبر مع حذف بيان ~~ما هو أكبر منه، لطيفة. وهي أن الله لم يقل: أكبر من ذكر فلان، لأن ما نسب ~~إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة. إذ لا يقال الجبل أكبر من خردلة وإنما ~~يقال: هذا الجبل أكبر من هذا الجبل. فأسقط المنسوب كأنه قال (ولذكر الله له ~~الكبر لا لغيره) وهذا كما يقال في الصلاة (الله أكبر) أي له الكبر لا ~~لغيره. انتهى. # ولما بين تعالى طريقة إرشاد المشركين، ونفع من انتفع، وحصول اليأس ممن ~~امتنع، بين طريقة إرشاد أهل الكتاب بقوله: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن أي بالخصلة التي هي أحسن. وهي اللين والأناة إلا الذين ظلموا ~~منهم أي بالاعتداء، بأن أفحشوا في المقال وأقذعوا في الجدال، فلا حرج في ~~مقابلتهم بالعنف، لتنكبهم عن جادة اللطف. وهذا كما قال تعالى لا يحب الله ~~الجهر # PageV07P557 # بالسوء من القول إلا من ظلم # [النساء: 148] ، وهذه الآية أصل في آداب المناظرة والجدل وقولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون أي مطيعون ~~له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. # قال ابن كثير: يعني إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا يقدم ~~على تكذيبه، لأنه قد يكون حقا. ms3680 ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلا. ولكن ~~يؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط. وهو أن يكون منزلا، لا مبدلا مؤولا. ~~وروى البخاري «1» عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة ~~بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. # وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون. وهذا الحديث تفرد به البخاري. # وروى الإمام أحمد «2» عن أبي نملة الأنصاري مرفوعا: إذا حدثكم أهل الكتاب ~~فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله. فإن كان حقا لم ~~تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم. ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه ~~كذب وبهتان. لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل. وما أقل الصدق فيه. ~~ثم ما أقل فائدة كثير منه، لو كان صحيحا. # روى البخاري «3» عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم ~~الذي أنزل إليكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث. تقرؤونه محضا لم ~~يشب. # وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن ~~مسألتهم؟ لا، والله! ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم. # وقال البخاري «4» : وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري. أخبرني حميد ~~PageV07P558 # ابن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب ~~الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب. # وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. معناه أنه يقع منه الكذب من غير قصد. ~~لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة. لأنهم لم ~~يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة. ومع ذلك، وقرب العهد، وضعت ~~أحاديث كثيرة في هذه الأمة، لا يعلمها إلا الله عز وجل. ومن منحه الله علما ~~علم بذلك كل بحسبه. ولله الحمد والمنة. انتهى. ### | ### | القول في ms3681 تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 47 الى # 48] # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب أي: مثل ذلك الإنزال، أنزلنا إليك الكتاب. أي ~~أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء أي العرب من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلوا من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك أي فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لما يكفل ~~سعادة الدارين في شرائعه وقضاياه، على أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم، خارق ~~للعادة. وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الإسناد إذا ~~لارتاب المبطلون أي لو كنت ممن يخط ويقرأ، لقالوا: لعله تعلمه أو كتبه ~~بيده، من كتب مأثورة عن الأنبياء. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية دليل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب. وفيها رد على من زعم أنه كتب. انتهى. # وقال ابن كثير: وهذه صفته في الكتب المتقدمة. كما قال تعالى: الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~[الأعراف: 157] ، الآية. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما لا ~~يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده. بل كان له كتاب يكتبون بين يديه ~~الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم، من متأخري الفقهاء، كالقاضي ابن ~~الوليد الباجي ومن تابعه، أنه # PageV07P559 # عليه السلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فإنما ~~حمله على ذلك رواية «1» في صحيح البخاري (ثم أخذ فكتب) وهذه محمولة على ~~الرواية الأخرى (ثم أمر فكتب) ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب ~~على من قال بقول الباجي، وتبرأوا منه وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في ~~محافلهم. وإنما أراد الرجل أعني الباجي فيما يظهر عنه. أنه كتب ذلك على وجه ~~المعجزة. لا أنه ms3682 كان يحسن الكتابة. وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ~~صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له. انتهى. # وقال الشهاب: وممن ذهب إلى أنه كان يحسن الكتابة، أبو ذر الهروي وأبو ~~الفتح النيسابوري وأبو الوليد الباجي من المغاربة. وصنف فيه كتابا، وسبقه ~~إليه ابن منبه. ولما قال أبو الوليد ذلك، طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على ~~المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف. ~~فأجابوا بما يوافقه. # وأن معرفة الكتابة بعد أميته لا تنافي المعجزة. بل هي معجزة أخرى، لكونها ~~من غير تعليم. # ورد الإمام محمد بن مفوز كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح «2» # (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) # وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله (كتب) فمعناه أمر بالكتابة. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 49 الى # 50] # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) # بل هو أي القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم أي العلماء به ~~وحفاظه. وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في ~~الصدور، يتلوه أكثر الأمة ظاهرا. بخلاف سائر الكتب. فإنها لم تكن معجزات، ~~وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة (صدورهم ~~PageV07P560 # أناجيلهم) . كذا في الكشاف. وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا ~~أنزل عليه آيات من ربه يعنون ما كانوا يقترحونه في تعنتهم قل إنما الآيات ~~عند الله أي هو يملك إنزالها، ولو شاء لفعل وإنما أنا نذير مبين أي ليس من ~~شأني إلا الإنذار وإبانته، لا الإتيان بما تقترحونه. ثم أشار إلى أن في آية ~~تنزيل الكتاب، غنية عن كل آية مقترحة. لما أن الدور انقلب من الآيات ~~الآفاقية، إلى الآيات العلمية، وفاقا لسنة الترقي، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3683 [سورة العنكبوت (29) : الآيات 51 الى # 56] # أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى ~~لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات ~~والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ~~ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) # أولم يكفهم أي آية مغنية عما اقترحوه أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ~~أي وفيه نفسه من الآيات والمعجزات ما لا يرتاب معه إلا من سفه نفسه، وكابر ~~حسه إن في ذلك أي الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة بالغة ظاهرة لرحمة أي ~~لنعمة عظيمة في هدايته إلى الحق وإلى صراط مستقيم وذكرى لقوم يؤمنون أي ~~تذكرة لقوم، همهم الإيمان دون التعنت قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا أي ~~إني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وإنكم قابلتموني بالجحد ~~والتكذيب. يعني. كفى علمه بذلك. وجوز أن يكون المعنى شهيدا بصدقي بالتأييد ~~والحفظ، أي هو شاهد على ما جئت به، مصدق له تصديق الشاهد لدعوى المدعي. # قال ابن كثير: أي فلو كنت غير محق، لانتقم مني، كما قال تعالى # PageV07P561 # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين [الحاقة: 44- 47] ، وإنما أنا صادق عليه فيما ~~أخبرتكم به. ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات. انتهى يعلم ~~ما في السماوات والأرض أي فلا يخفى عليه حالي وحالكم والذين آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ويستعجلونك بالعذاب أي استهزاء ولولا أجل ~~مسمى أي لكل عذاب أو قوم، وهو وقته المعين له فيهما لجاءهم العذاب أي عاجلا ~~وليأتينهم بغتة أي فجأة في الدنيا. كوقعة بدر. فقد كانوا لغرورهم لا ~~يتوقعون غلبة المسلمين. أو في الآخرة عند نزول الموت بهم يستعجلونك بالعذاب ~~وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ms3684 أي ستحيط بهم. أي يستعجلونك بالعذاب وهو واقع ~~بهم لا محالة. أو هي كالمحيطة بهم. لأن كل آت قريب. # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~أي جزاءه يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون # وهذا خطاب لمن لم تمكنه عبادته تعالى وحده في أرضه، لإيذائه في الله ~~واضطهاده في جانبه، أن يهاجر عنها إلى بلد ما، يقدر أنه فيه أسلم قلبا، ~~وأصح دينا، وآمن نفسا. وأن يتجنب المقام في بلده على تلك الحالة، كيلا ~~يفتنه الكافرون. أو يعرض نفسه للتهلكة، وقد جعل له منها مخرج. وكون أرض ~~الله واسعة، مذكور للدلالة على المقدر. وهو كالتوطئة لما بعده. لأنها مع ~~سعتها، وإمكان التفسح فيها، لا ينبغي الإقامة بأرض لا يتيسر بها للمرء ما ~~يريده. كما قيل: # وكل مكان ينبت العز طيب وقال آخر: # إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي، وكل العالمين أقاربي # وقد روى الإمام «1» أحمد عن الزبير: قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: البلاد بلاد الله والعباد عباد الله. فحيثما أصبت خيرا فأقم # . ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم، خرجوا مهاجرين إلى أرض ~~الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير نزل بها، عند ملكها النجاشي رحمه ~~الله. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه PageV07P562 # الباقون إلى المدينة المنورة، عملا بالآية الكريمة. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 57 الى # 61] # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل ~~رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون تحريض على العبادة وإخلاص الدين ~~بتذكير الموت والرجعى. أو تسلية للمهاجر إلى الله، وتشجيع له، بأن لا يثبطه ms3685 ~~عن هجرته خوف الموت بسببها. فلا المقام بأرضه يدفعه، ولا هجرته عنه تمنعه. ~~وفيه استعارة بديعة لتشبيه الموت بأمر كريه الطعم، مره والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم ~~أجر العاملين الذين صبروا أي على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. وعلى ~~أذى المشركين وعلى المحن والمصائب وعلى ربهم يتوكلون ثم أشار تعالى إلى ~~كفالته لمن هاجر إليه، من الفقر والضيعة، بقوله سبحانه وكأين أي: وكم من ~~دابة لا تحمل رزقها أي لا تطيق أن تحمله لضعفها عن حمله الله يرزقها وإياكم ~~أي يقيض لها رزقها على ضعفها، ويرزقكم مع قوتكم واجتهادكم. فهو الميسر ~~والمسهل لكل مخلوق من رزقه ما يصلحه. فلا يختص رزقه ببقعة دون أخرى، بل ~~خيره عام وفضله شامل لخلقه، حيث كانوا وأنى وجدوا. وقد ظهر مصداق كفالته ~~تعالى لأولئك المهاجرين، بما وسع عليهم وبسط لهم من طيب الرزق ورغد العيش ~~وسيادة البلاد في سائر الأمصار. وهذا معنى ما # ورد مرفوعا (سافروا تصحوا وتغنموا) رواه البيهقي # وهو السميع العليم ولئن سألتهم يعني هؤلاء المشركين الذين يعبدون معه ~~غيره من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله أي اعترافا ~~بأنه المنفرد بخلقها فأنى يؤفكون أي فكيف مع هذا الاعتراف يصرفون عن عبادته ~~وحده، ويشركون بها ما لا يضر ولا ينفع. وكثيرا ما يقرر تعالى مقام الإلهية ~~بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك. # PageV07P563 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 62 الى # 64] # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ~~ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ~~قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم أي ~~فيفعل بعلمه، ما تقتضيه حكمته. ولئن سألتهم من نزل ms3686 من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض من بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله أي على أن جعل الحق بحيث لا ~~يجترئ المبطلون على جحوده. وأنه أظهر حجتك عليهم. والمعنى: احمد الله عند ~~جوابهم المذكور على إلزامهم وظهور نعم لا تحصى بل أكثرهم لا يعقلون أي ~~فلذلك يتناقضون حيث ينسبون النعمة إليه، ويعبدون غيره. وقوله: وما هذه ~~الحياة الدنيا إلا لهو ولعب إشارة إلى ازدراء الدنيا وتحقير شأنها، وكونها ~~في سرعة زوالها، وتقضي أمرها، كما يلهى ويلعب به الصبيان، ثم يتفرقون عنه. ~~ولا ثمرة إلا التعب. ففي الحصر تشبيه بليغ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان أي ~~دار الحياة الخالدة. ففيه مضاف مقدر. و (الحيوان) مصدر سمي به ذو الحياة، ~~في غير هذا المحل. وإيثاره على (الحياة) لما فيه من المبالغة. لأن (فعلان) ~~بالفتح في المصادر الدالة على الحركة لو كانوا يعلمون أي لم يؤثروا عليها ~~الدنيا التي حياتها عارضة. وهذا جواب الشرط المقدر، لعلمه من السياق. ~~وكونها للتمني بعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 65 الى 67] # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون (67) # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين أي الدعاء. لعلمهم أنه لا ~~ينجيهم من الغرق سواه فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما ~~آتيناهم أي من نعمة النجاة وربح التجارة فسوف يعلمون أي عاقبة ذلك حين ~~يعاقبون # PageV07P564 # أولم يروا أي أهل مكة أنا جعلنا حرما آمنا أي لا يغزى أهله، ولا يغار ~~عليهم، مع قلتهم وكثرة العرب ويتخطف الناس من حولهم أي يختلسون قتلا ونهبا ~~وسبيا أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون أي: أفبعد هذه النعمة الظاهرة ~~وغيرها من النعم، التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، يكفرون خيره، ويشركون ~~معه غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العنكبوت (29) : الآيات 68 ms3687 الى 69] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين (69) # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا بأن زعم أن له شريكا أو كذب بالحق لما ~~جاءه يعني الرسول أو الكتاب أليس في جهنم مثوى للكافرين أي موضع إقامة، ~~جزاء افترائهم وكفرهم. بلى والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا النفس والشيطان ~~والهوى وأعداء الدين، من أجلنا ولوجهنا لنهدينهم سبلنا أي سبل السير إلينا ~~والوصول إلى جنابنا. وذلك بالطاعات والمجاهدات وإن الله لمع المحسنين أي: ~~أعمالهم بالنصر والمعونة. # تم الجزء السابع ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وفيه: # (30- سورة الروم، 31- سورة لقمان، 32- سورة السجدة، 33- سورة الأحزاب، ~~34- سورة سبأ، 35- سورة فاطر، 36- سورة ياسين، 37- سورة الصافات، 38- سورة ~~ص، 39- سورة الزمر، 40- سورة غافر، 41- سورة فصلت، 42- سورة الشورى، 43- ~~سورة الزخرف، 44- سورة الدخان، 45- الجاثية، 46- سورة الأحقاف، 47- سورة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، 48- سورة الفتح، 49- سورة الحجرات) . # PageV07P565 ### | فهرس الجزء السابع # سورة الكهف الآيات 1- 3 4 الآية 4 5 الآيتان 5 و 6 6 الآيات 7- 10 7 ~~الآيات 11- 13 8 الآية 14 9 الآيتان 15 و 16 10 الآية 17 11 الآية 18 12 ~~الآية 19 13 الآية 20 14 الآية 21 15 الآية 22 18 الآيتان 23 و 24 22 ~~الآيتان 25 و 26 24 الآية 27 26 الآية 28 29 الآية 29 30 الآيات 30- 34 32 ~~الآيتان 35 و 36 33 الآيتان 37 و 38 34 الآيات 39- 41 35 الآيتان 42 و 43 ~~36 الآية 44 37 الآية 45 38 الآية 46 39 الآيتان 47 و 48 40 الآية 49 41 ~~الآيتان 50 و 51 42 الآيتان 52 و 53 43 الآيات 54- 56 44 الآيتان 57 و 58 ~~45 الآيتان 59 و 60 46 الآيات 61- 63 47 الآيات 64- 68 48 الآيات 69- 72 49 # PageV07P567 # الآيات 73- 76 50 الآيتان 77 و 78 51 الآيات 79- 82 52 الآيات 83- 86 64 ~~الآيات 87- 90 ms3688 65 الآيات 91- 95 66 الآيات 96- 98 67 الآيات 99- 101 78 ~~الآية 102 79 الآيات 103- 109 80 الآية 110 82 سورة مريم الآيات 1- 4 84 ~~الآيتان 5 و 6 85 الآيات 7- 9 86 الآيتان 10- 11 87 الآيات 12- 16 88 ~~الآيات 17- 20 89 الآيتان 21 و 22 90 الآيات 23- 25 91 الآيات 26- 28 92 ~~الآيات 29- 36 93 الآيتان 37 و 38 97 الآيات 39- 42 99 الآيات 43- 45 100 ~~الآيتان 46 و 47 101 الآيتان 48 و 49 102 الآيات 50- 55 103 الآيات 56- 58 ~~104 الآية 59 105 الآيات 60- 63 106 الآيات 64- 66 107 الآيات 67- 70 108 ~~الآيات 71- 73 109 الآيات 74- 76 110 الآيات 77- 80 111 الآيات 81- 83 112 ~~الآيات 84- 87 113 الآيات 88- 93 114 الآيات 94- 97 115 الآية 98 116 سورة ~~طه الآيات 1- 3 118 الآيات 4- 7 119 # PageV07P568 # الآيات 8- 12 120 الآيات 13- 15 121 الآيات 16- 18 122 الآيات 19- 24 123 ~~الآيات 25- 37 124 الآيات 38- 40 125 الآيتان 41 و 42 126 الآيات 43- 46 ~~127 الآيات 47- 52 128 الآية 53 129 الآيات 54- 60 130 الآيات 61- 63 131 ~~الآية 64 133 الآيات 65- 71 134 الآيتان 72 و 73 135 الآيات 74- 76 136 ~~الآيات 77- 79 138 الآيات 80- 82 139 الآيات 83- 85 140 الآيات 86- 88 141 ~~الآيات 89- 93 142 الآيات 94- 97 143 الآية 97 144 الآية 98 145 الآيات 99- ~~103 146 الآية 104 147 الآيات 105- 109 148 الآيات 110- 114 149 الآيات ~~115- 117 150 الآيتان 118 و 119 151 الآيات 120- 123 152 الآيات 124- 127 ~~153 الآيتان 128 و 129 164 الآية 130 165 الآية 131 166 الآية 132 167 ~~الآية 133 168 الآيتان 134 و 135 171 سورة الأنبياء الآيتان 1 و 2 173 ~~الآية 3 176 الآيات 4- 6 177 الآيتان 7 و 8 178 الآيتان 9 و 10 179 # PageV07P569 # الآيات 11- 16 180 الآيتان 17 و 18 181 الآيات 19- 21 182 الآية 22 183 ~~الآيتان 23 و 24 187 الآيات 25- 27 188 الآيتان 28 و 29 189 ms3689 الآية 30 190 ~~الآية 31 191 الآيتان 32 و 33 192 الآيتان 34 و 35 193 الآيتان 36 و 37 194 ~~الآيات 38- 41 195 الآيتان 42 و 43 196 الآيات 44- 45 197 الآيات 46- 49 ~~198 الآيات 50- 52 199 الآيات 53- 57 200 الآيات 58- 63 201 الآية 64 202 ~~الآيات 65- 67 203 الآيتان 68 و 69 204 الآيات 70- 73 205 الآيات 74- 77 ~~206 الآيتان 78 و 79 207 الآية 80 211 الآيتان 81 و 82 212 الآيتان 83 و 84 ~~213 الآيتان 85 و 86 214 الآيتان 87 و 88 215 الآيتان 89 و 90 219 الآية 91 ~~220 الآيتان 92 و 93 221 الآيتان 94 و 95 222 الآيتان 96 و 97 223 الآيات ~~98- 103 224 الآيات 104- 107 225 الآيات 108- 112 227 سورة الحج الآية 1 ~~230 الآيتان 2 و 3 231 الآيتان 4 و 5 232 الآيتان 6 و 7 233 الآيات 8- 10 ~~234 # PageV07P570 # الآيتان 11 و 12 235 الآيتان 13 و 14 236 الآيات 15- 17 237 الآيتان 18 و ~~19 238 الآيات 20- 25 239 الآيات 26- 28 240 الآيات 29- 31 242 الآية 32 ~~245 الآيتان 33 و 34 246 الآيتان 35 و 36 247 الآيتان 37 و 38 248 الآيتان ~~39 و 40 249 الآيات 41- 44 250 الآيتان 45 و 46 251 الآيتان 47 و 48 252 ~~الآيات 49- 51 253 الآيات 52- 54 254 الآيتان 55 و 56 270 الآيات 57- 60 ~~271 الآيات 61- 65 272 الآيتان 66 و 67 273 الآيات 68- 74 274 الآيتان 75 و ~~76 275 الآية 77 276 الآية 78 278 سورة المؤمنون الآيات 1- 7 281 الآيات 8- ~~11 283 الآيات 12- 17 284 الآيات 18- 20 285 الآيتان 21 و 22 286 الآيات ~~23- 25 287 الآيات 26- 30 288 الآيات 31- 41 289 الآيات 42- 48 290 الآيات ~~49- 51 291 الآيات 52- 56 292 الآيات 57- 61 293 الآيتان 62 و 63 294 ~~الآيات 64- 67 295 الآيات 68- 70 296 الآيات 71- 74 297 الآيتان 75 و ms3690 76 ~~298 الآيات 77- 81 299 # PageV07P571 # الآيات 82- 89 300 الآيات 90- 100 301 الآية 101 302 الآيات 102- 104 303 ~~الآيات 105- 114 304 الآيات 115- 118 305 سورة النور الآية 1 308 الآية 2 ~~310 الآية 3 322 الآيتان 4 و 5 327 الآيتان 6 و 7 332 الآيات 8- 10 333 ~~الآية 11 336 الآيتان 12 و 13 337 الآيتان 14 و 15 338 الآيات 16- 19 339 ~~الآيات 20- 22 240 الآيات 23- 25 241 الآية 26 342 الآيتان 27 و 28 368 ~~الآيتان 29 و 30 370 الآية 31 374 الآية 32 380 الآية 33 382 الآية 34 385 ~~الآية 35 386 الآيات 36- 38 390 الآية 39 392 الآية 40 393 الآيتان 41 و 42 ~~398 الآيتان 43 و 44 399 الآيات 45- 50 400 الآيات 51- 53 401 الآية 54 402 ~~الآيات 55- 57 403 الآية 58 404 الآية 59 405 الآية 60 406 الآية 61 407 ~~الآية 62 411 الآية 63 412 الآية 64 414 # PageV07P572 # سورة الفرقان الآية 1 416 الآيات 2- 5 417 الآية 6 418 الآيتان 7 و 8 419 ~~الآيات 9- 11 420 الآيات 12- 14 421 الآيات 15- 18 422 الآيتان 19 و 20 423 ~~الآيات 21- 23 424 الآيات 24- 30 425 الآية 31 426 الآيات 32- 36 427 ~~الآيات 37- 42 428 الآيتان 43 و 44 429 الآيات 45- 49 430 الآيات 50- 52 ~~431 الآية 53 432 الآيات 54- 57 433 الآيتان 58 و 59 434 الآيات 60- 62 435 ~~الآيات 63- 66 436 الآيات 67- 70 437 الآية 71 443 الآيتان 72 و 73 444 ~~الآيات 74- 77 445 سورة الشعراء الآيات 1- 4 448 الآيات 5- 9 449 الآيات ~~10- 19 450 الآيات 20- 25 451 الآيات 26- 28 452 الآيات 29- 39 455 الآيات ~~40- 50 456 الآيات 51- 58 457 الآيات 59- 63 458 الآيات 64- 81 459 الآيات ~~82- 84 461 الآيات 85- 89 462 الآيات 90- 94 463 الآيات 95- 104 464 الآيات ~~105- 112 465 الآيات 113- 128 466 الآيات 129- 135 467 # PageV07P573 # الآيات 136- 146 468 الآيات 147- 166 469 الآية 167 470 الآيات 168- 172 ms3691 ~~471 الآيات 173- 176 472 الآيات 177- 188 473 الآيات 189- 191 474 الآيات ~~192- 197 475 الآيات 198- 213 476 الآيات 214- 222 477 الآيات 223- 226 478 ~~الآية 226 479 الآية 227 480 سورة النمل الآيات 1- 3 484 الآيات 4- 8 485 ~~الآيات 9- 12 487 الآيات 13- 16 488 الآيات 17- 25 489 الآية 26 490 الآيات ~~27- 35 491 الآيات 36- 42 492 الآيتان 43 و 44 494 الآيات 45- 47 496 ~~الآيات 48- 59 497 الآيات 60- 63 500 الآيتان 64 و 65 501 الآية 66 502 ~~الآيات 67- 70 503 الآيات 71- 76 504 الآيات 77- 81 505 الآية 82 506 ~~الآيتان 83 و 84 507 الآيات 85- 89 508 الآيات 90- 93 511 سورة القصص ~~الآيات 1- 8 514 الآيات 9- 11 515 الآيات 12- 17 516 الآيات 18- 23 517 ~~الآيتان 24 و 25 518 الآيات 26- 28 519 الآيات 29- 32 520 الآيات 32- 35 ~~521 # PageV07P574 # الآيات 36- 38 522 الآيات 39- 43 523 الآيات 44- 48 524 الآيتان 49 و 50 ~~525 الآيات 51- 55 526 الآيات 56- 58 528 الآيات 59- 66 530 الآيات 66- 68 ~~531 الآيات 69- 72 535 الآيات 72- 76 536 الآيات 77- 82 537 الآيات 83- 85 ~~540 الآيتان 85 و 86 541 الآيتان 87 و 88 542 سورة العنكبوت الآيات 1- 3 ~~545 الآيات 4- 7 546 الآيتان 8 و 9 547 الآيات 10- 13 548 الآيات 14- 19 ~~549 الآيات 20- 24 550 الآيات 25- 29 551 الآيات 30- 33 553 الآيات 34- 38 ~~554 الآيات 39- 44 555 الآيتان 45 و 46 556 الآيتان 47 و 48 559 الآيتان 49 ~~و 50 560 الآيات 51- 56 561 الآيات 57- 61 563 الآيات 62- 67 564 الآيتان ~~68 و 69 565 # PageV07P575 ### | الجزء الثامن # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الروم # قال المهايمي: سميت بها لاشتمال قصتها على معجزة تفيد للمؤمنين فرحا ~~عظيما، بعد ترح يسير. فتبطل شماتة أعدائهم. وتدل على أن عاقبة الأمر لهم. ~~وهذا من أعظم مقاصد القرآن. # وهي مكية. وآيها ستون آية. # PageV08P003 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم ms3692 (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) # الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين اتفق ~~المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على أن ملك فارس كان غزا بلاد الشام وفتح ~~دمشق وبيت المقدس، الأولى سنة 613، والثانية سنة 614. أي قبل الهجرة ~~النبوية بسبع سنين- فحدث أن بلغ الخبر مكة. ففرح المشركون وشمتوا ~~بالمسلمين، وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب. ونحن وفارس وثنيون. وقد ظهر ~~إخواننا على إخوانكم. ولنظهرن عليكم. فنزلت الآية، فتليت على المشركين. # فأحال وقوع ذلك بعضهم. وتراهن مع الصديق رضي الله عنه على مائة قلوص، إن ~~وقع مصداقها. فلم يمض من البضع- وهو ما بين الثلاث إلى التسع- سبع سنين إلا ~~وقد نظم هرقل جنود الروم وغزا بهم بلاد فارس سنة 621. أي قبل الهجرة بسنة. # فدوخها، واضطر ملكها للهرب. وعاد هرقل بالغنائم الوافرة. ولا ريب أن ذلك ~~أعظم معجزات القرآن. أعني إخباره عن غيب وقع مصداقه، واستبان للجاحدين من ~~نوره إشراقه. وفي ضمنه، أن سائر غيوبه كذلك من ظهور الإسلام على الدين كله، ~~وزهوق الباطل، وعلو الحق، وجعل المستضعفين أئمة، وإيراثهم أرض عدوهم، إلى ~~غير ذلك. وما ألطف ما قال الزبير الكلائي: رأيت غلبة فارس الروم. ثم رأيت ~~غلبة الروم فارس. ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم. كل ذلك في خمس عشرة ~~سنة- من أواخر غلبة فارس إلى أوائل غلبة المسلمين- والأرض (كما قال ~~الزمخشري) أرض العرب. لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم. والمعنى: غلبوا ~~في أدنى أرض العرب أي أقربها منهم، وهي أطراف الشام لله الأمر من قبل أي من ~~قبل غلبة فارس # PageV08P004 # على الروم ومن بعد أي من بعد غلبة الروم على فارس. ويقال: لله العلم ~~والقدرة والمشيئة من قبل إبداء الخلق، ومن بعد إفناء الخلق. والمعنى: أن ~~كلا من كونهم مغلوبين أولا، ms3693 وغالبين آخرا، ليس إلا بأمره وقضائه، وعلمه ~~ومشيئته. كما قال تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس [آل عمران: 140] ، ~~ويومئذ أي يوم إذ يغلب الروم على فارس، ويحل ما وعده الله تعالى من غلبتهم ~~يفرح المؤمنون بنصر الله أي تغليبه من له كتاب، على من لا كتاب له. وغيظ من ~~شمت بهم من كفار مكة. # ويقال: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين ينصر من ~~يشاء أي من عباده على عدوه وهو العزيز أي القاهر الغالب على أمره، لا يعجزه ~~من شاء نصره الرحيم أي من نصره وتغليبه من يشاء وعد الله، لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي بحكمته تعالى، في كونه وأفعاله المحكمة، ~~الجارية على وفق العدل، لجهلهم وعدم تفكرهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 7 الى # 8] # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا ~~في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهو ما يوافق شهواتهم وأهواءهم وهم عن ~~الآخرة أي التي هي المطلب الأعلى هم غافلون أي لا يخطرونها ببالهم. فهم ~~جاهلون بها تاركون لعملها. ### | لطائف: # قال الزمخشري: قوله تعالى يعلمون بدل من قوله (لا يعلمون) وفي هذا ~~الإبدال من النكتة، أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده، ليعلمك ~~أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز ~~الدنيا. # وقوله ظاهرا يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا. فظاهرها ما يعرفه الجهال من ~~التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها. وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة، ~~يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. انتهى. # وناقش الكرخي في إبدال يعلمون قال: إن الصناعة لا تساعد عليه. لأن بدل ~~فعل مثبت، من فعل منفي لا يصح. واستظهر قول الحرفي أن يعلمون استئناف في ~~المعنى. # PageV08P005 # وأشار الناصر إلى جوابه بأن في تنكير ظاهرا تقليلا لمعلومهم. وتقليله ~~يقربه ms3694 من النفي. فيطابق المبدل منه. # أقول: التقليل هو الوحدة المشار لها بقول الزمخشري (وفي تنكير الظاهر ~~أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا، من جملة الظواهر) . # أما قول أبي السعود: وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس دون الوحدة كما توهم، ~~فغفلة عن مشاركتها للتعليل الذي به يطابق البدل المبدل منه. فافهم. # ثم أنكر عليهم قصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا، مع الغفلة عن ~~الآخرة بقوله أولم يتفكروا في أنفسهم أي يحدثوا التفكر في أنفسهم، الفارغة ~~من الفكر والتفكر. فالمجرور ظرف للتفكر، ذكره لزيادة التصوير. إذ الفكر لا ~~يكون إلا في النفس. والتفكر لا متعلق له، لتنزيله منزلة اللازم. وجوز كون ~~المجرور مفعول (يتفكروا) لأنه يتعدى ب (في) أي: أو لم يتفكروا في أمر ~~أنفسهم. فالمعنى حثهم على النظر في ذواتهم وما اشتملت عليه من بديع الصنع، ~~وقوله تعالى: ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق متعلق بقول ~~أو علم، يدل عليه السياق. أي: # ألم يتفكروا فيقولوا أو فيعلموا. وقال السمين: (ما) نافية. وفي هذه ~~الجملة وجهان: # أحدهما- أنها مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. والثاني- أنها معلقة ~~للتفكر. فيكون في محل نصب على إسقاط الخافض. انتهى. والباء في قوله بالحق ~~للملابسة. أي ما خلقها باطلا ولا عبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة. ~~وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحق وأجل مسمى أي وبتقدير أجل مسمى، لا ~~بد لها من أن تنتهي إليه. وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب. ~~ولذا عطف عليه قوله: وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 9 الى # 12] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين ~~أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) الله يبدؤا ~~الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) # أولم ms3695 يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم # PageV08P006 # قوة وأثاروا الأرض # أي قلبوها للزراعة واستخراج المعادن وغيرهما، مما كانوا أرقى فيه من أهل ~~مكة وعمروها أكثر مما عمروها أي بالأبنية المشيدة. # والصناعات الفريدة، ووفرة العدد والعدد، وتنظيم الجيوش والتزين بزخارف ~~أعجبوا بها، واستطالوا بأبهتها. ففسدت ملكاتهم، وطغت شهواتهم، حتى اقتضت ~~حكمته تعالى إنذارهم بأنبيائهم، كما قال: وجاءتهم رسلهم بالبينات أي الآيات ~~الواضحات على حقيقة ما يدعونهم إليه فما كان الله ليظلمهم أي فكذبوهم ~~فأهلكهم. فما كان الله ليهلكهم من غير جرم منهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~ثم كان عاقبة الذين أساؤا أي عملوا السيئات السواى أي العقوبة التي هي أسوأ ~~العقوبات في الآخرة، وهي جهنم. والسواى تأنيث (الأسوأ) ، وهو الأقبح. كما ~~أن (الحسنى) تأنيث (الأحسن) ثم علل سوء عاقبتهم بقوله تعالى أن أي لأن ~~كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن الله يبدؤا الخلق أي ينشئهم ثم يعيده ~~أي بعد الموت بالبعث ثم إليه ترجعون أي إلى موقف الحساب والجزاء ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون أي يسكتون متحيرين يائسين. يقال (أبلس) إذا سكت ~~وانقطعت حجته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 13 الى # 18] # ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ~~يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في ~~العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) # وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) # ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء أي يجيرونهم من عذاب الله كما كانوا يزعمون ~~وكانوا بشركائهم كافرين أي بإلهيتهم وشركتهم لله تعالى، حيث وقفوا على كنه ~~أمرهم ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون أي يتميز المؤمنون والكافرون في ~~المحال والأحوال فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون أي ~~يسرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب ~~محضرون أي لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم فسبحان الله حين تمسون ms3696 وحين تصبحون ~~وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون لما ذكر الوعد والوعيد، ~~تأثره بما هو # PageV08P007 # وسيلة للفوز والنجاة، من تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والثناء عليه ~~بصفاته الجميلة، وأداء حق العبودية، و (الفاء) للتفريع فكأنه قيل: إذا صح ~~واتضح عاقبة المطيعين والعاصين، فقولوا: نسبح سبحان إلخ. والمعنى فسبحوه ~~تسبيحا دائما. (وسبحان) خبر في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى وحمده. أي ~~الثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته. ~~وقوله تعالى وعشيا معطوف على حين وتقديمه على حين تظهرون لمراعاة الفواصل. ~~وقوله وله الحمد معترض بينهما. والمراد بثبوت حمده فيهما، استحقاقه الحمد ~~ممن له تمييز من أهلهما. قال أبو السعود: والإخبار بثبوت الحمد له ووجوبه ~~على المميزين من أهل السموات والأرض، في معنى الأمر به على أبلغ وجه وآكده. ~~وتوسيطه بين أوقات التسبيح، للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع ~~بينهما. كما ينبئ عنه قوله تعالى ونحن نسبح بحمدك [البقرة: 30] ، وقوله ~~تعالى: فسبح بحمد ربك [الحجر: 98] ، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الآية جامعة للصلوات الخمس: (تمسون) صلاة المغرب والعشاء. و (تصبحون) صلاة ~~الفجر. و (عشيا) صلاة العصر و (تظهرون) صلاة الظهر. فإن قيل: لم غير ~~الأسلوب في (عشيا) ؟ # أجيب (كما قال أبو السعود) بأن تغير الأسلوب لما أنه لا يجيء منه الفعل ~~بمعنى الدخول في العشي. كالمساء والصباح والظهيرة. ولعل السر في ذلك أنه ~~ليس من الأوقات التي تختلف فيها أحوال الناس، وتتغير تغيرا ظاهرا مصححا ~~لوصفهم بالخروج عما قبلها، والدخول فيها، كالأوقات المذكورة. فإن كلا منها ~~وقت تتغير فيه الأحوال تغيرا ظاهرا. أما في المساء والصباح فظاهر. وأما في ~~الظهيرة فلأنها وقت يعتاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة. كما مر في سورة ~~النور. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 19 الى # 21] # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر ms3697 تنتشرون (20) ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) # يخرج الحي من الميت أي كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة ويخرج ~~الميت من الحي كالنطفة والبيضة من الحيوان ويحي الأرض أي بالنبات # PageV08P008 # بعد موتها أي يبسها وكذلك أي: ومثل ذلك الإخراج تخرجون أي من قبوركم. # وقال المهايمي: أي: بالصلاة عن موت القلب إلى حياته، ومن حياة النفس إلى ~~موتها. ويحيي أرضها بنبات الهيئات الفاضلة، بعد موتها بالهيئات الرديئة. ~~وبالعكس بتركها. وآثر هذا المعنى، على بعده، مراعاة لسياق الآية، من طريق ~~الإشارة ومن آياته أي الباهرة الدالة على قدرته على البعث أن خلقكم من تراب ~~أي يعني أصلكم آدم عليه السلام. أو النطفة والمادة. أو على تقدير مضاف. أي ~~ولا مناسبة بين التراب وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم ثم إذا أنتم بشر ~~تنتشرون أي في الأرض انتشارا ملأ البسيطة وشمل الكرة. فأخذتم في بناء ~~المدائن والحصون، والسفر في أقطار الأقاليم، وركوب متن البحار، والدوران ~~حول كرة الأرض، وكسب الأموال وجمعها، مع فكرة ودهاء، ومكر وعلم، واتساع في ~~أمور الدنيا والآخرة. كل بحسبه. فسبحان من خلقهم وسيرهم، وصرفهم في فنون ~~المعايش وفاوت بينهم في العلوم والمعارف، والحسن والقبح، والغنى والفقر، ~~والسعادة والشقاوة ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أي جنسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها أي تأنسوا بها. فإن المجانسة من دواعي التضام والتعارف وجعل بينكم ~~مودة ورحمة أي توادا وتراحما بعصمة الزواج، بعد أن لم يكن لقاء ولا سبب ~~يوجب التعاطف من قرابة أو رحم إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون أي في بدائع ~~هذه الأفاعيل المتينة المبنية على الحكم البالغة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 22 الى 25] # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ~~ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من ~~السماء ماء ms3698 فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم ~~تخرجون (25) # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين أي أولي العلم كما قال: وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت: 43] ، # PageV08P009 # ومن آياته منامكم بالليل والنهار أي لاستراحة القوى ورد ما فقدته ~~وابتغاؤكم من فضله أي بالسعي في الأسباب، والأخذ في فضل الاكتساب إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون أي سماع تفهم واستبصار ومن آياته يريكم البرق خوفا أي من ~~الصاعقة وطمعا أي في الغيث والرحمة. أو لتخافوا من قهر سلطانه، وتطمعوا في ~~عظيم إحسانه وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض أي بالنبات بعد موتها أي ~~يبسها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ~~أي إرادته لقيامهما. قال أبو السعود: والتعبير عنها بالأمر، للدلالة على ~~كمال القدرة، والغنى عن المبادئ والأسباب. وليس المراد بإقامتهما إنشاؤهما. ~~لأنه قد بين حاله بقوله تعالى: ومن آياته خلق السماوات والأرض [الروم: 22] ~~، ولا إقامتهما بغير مقيم محسوس، كما قيل. فإن ذلك من تتمات إنشائهما، وإن ~~لم يصرح به. تعويلا على ما ذكر في غير موضع من قوله تعالى خلق السماوات ~~بغير عمد ترونها [لقمان: 10] الآية. بل قيامهما واستمرارهما على ما هما ~~عليه، إلى أجلهما الذي نطق به قوله تعالى فيما قبل ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى [الروم: 8] ، وحيث كانت هذه الآية ~~متأخرة عن سائر الآيات المعدودة، متصلة بالبعث في الوجود، أخرت عنهن وجعلت ~~متصلة به في الذكر أيضا، فقيل: ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ~~فإنه كلام مسوق للإخبار بوقوع البعث ووجوده، بعد انقضاء أجل قيامهما، مترتب ~~على تعداد آياته الدالة عليه، غير منتظم في سلكها كما قيل. كأنه قيل: ومن ~~آياته قيام السموات والأرض على هيآتهما بأمره تعالى، إلى أجل مسمى قدره ~~الله تعالى لقيامهما. ثم إذا دعاكم. أي ms3699 بعد انقضاء الأجل من الأرض وأنتم في ~~قبوركم، دعوة واحدة، بأن قال: # أيها الموتى! اخرجوا، فاجأتم الخروج منها، وذلك قوله تعالى يومئذ يتبعون ~~الداعي [طه: 108] ، انتهى. ### | لطائف: # الأولى- الدعاء. إما على حقيقته، أو الكلام تمثيل. شبه سرعة ترقب حصول ~~ذلك، على تعلق إرادته بلا توقف، واحتياج إلى تجشم عمل، بسرعة ترقب إجابة ~~الداعي المطاع على دعائه. أو هو مكنية وتخييلية، بتشبيه الموتى بقوم يريدون ~~الذهاب إلى محل ملك عظيم يتهيؤون لذلك، وإثبات الدعوة لهم قرينتها. # الثانية- قوله تعالى من الأرض متعلق ب (دعا) كقوله: دعوته من أسفل # PageV08P010 # الوادي فطلع إلي، لا ب (تخرجون) لأن ما بعد (إذا) لا يعمل فيما قبله. # الثالثة- قال الكرخي: قال هنا إذا أنتم تخرجون وقال في خلق الإنسان ثم ~~إذا أنتم بشر تنتشرون [الروم: 20] ، لأنه هناك يكون خلق وتقدير وتدريج، حتى ~~يصير التراب قابلا للحياة، فنفخ فيه الروح، فإذا هو بشر. وأما في الإعادة ~~فلا يكون تدريج بل يكون بدء وخروج. فلم يقل هنا: (ثم) . انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 26 الى # 27] # وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (27) # وله من في السماوات والأرض أي خلقا وملكا وتصرفا كل له قانتون أي منقادون ~~لتصرفه، لا يتأبون عليه وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده أي بعد موتهم. # قال أبو السعود: وتكريره لزيادة التقرير، والتمهيد لما بعده من قوله ~~تعالى وهو أهون عليه أي من البدء. أي بالقياس إلى من يقتضيه معقول ~~المخاطبين. لأن من أعاد منهم صنعة شيء، كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها. ~~وإلا فهما عليه سبحانه سواء في السهولة. ### | لطائف: # الأولى- تذكير الضمير، مع رجوعه إلى الإعادة، لما أنها مؤولة ب (أن يعيد) ~~. # الثانية- قال الزمخشري: فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله وهو أهون عليه ~~وقدمت في قوله هو علي هين [مريم: 9 و 12] ؟ قلت: هناك قصد الاختصاص، وهو ~~محزه. فقيل هو علي هين ms3700 [مريم: 9 و 21] ، وإن كان مستصعبا عند كم أن يولد ~~بين هم وعاقر. وأما هاهنا، فلا معنى للاختصاص كيف؟ والأمر مبني على ما ~~يعقلون، من أن الإعادة أسهل من الابتداء. فلو قدمت الصلة، لتغير المعنى. # قال الناصر: كلام نفيس يستحق أن يكتب بذوب التبر، لا بالحبر. وإنما يلقى ~~الاختصاص من تقديم ما حقه أن يؤخر. # الثالثة- قال الزمخشري: فإن قلت ما بال الإعادة استعظمت في قوله: ثم إذا ~~دعاكم [الروم: 25] ، حتى كأنها فضلت على قيام السموات والأرض بأمره، ثم # PageV08P011 # هونت بعد ذلك؟ قلت: الإعادة في نفسها عظيمة. لكنها هونت بالقياس إلى ~~الإنشاء. انتهى. # قال الناصر: إنما يلقي في السؤال تعظيم الإعادة من عطفها ب (ثم) إيذانا ~~بتغاير مرتبتها وعلو شأنها. وقوله (في الجواب) : إنها هونت بالنسبة إلى ~~الإنشاء، لا يخلص. فن الإعادة ذكرت هاهنا عقيب قيام السموات والأرض بأمره. ~~وقيامهما ابتداء وإنشاء أعظم من الإعادة. فيلزم تعظيم الإعادة بالنسبة إلى ~~ما عطف عليه من الإنشاء. # ويعود الإشكال. والمخلص، والله أعلم، جعل (ثم) على بابها لتراخي الزمان ~~لا لتراخي المراتب. وإن سلم أنها لتراخي المراتب، فعلى أن تكون مرتبة ~~المعطوف عليه العليا، ومرتبة المعطوف هي الدنيا. وذلك نادر في مجيئها ~~لتراخي المراتب. # فإن المعطوف حينئذ في أكثر المواضع، أرفع درجة من المعطوف عليه، والله ~~أعلم. # انتهى. # وفي حواشي القاضي: إن (ثم) إما لتراخي زمان المعطوف فتكون على حقيقتها. ~~أو لعظم ما في المعطوف من إحياء الموتى، فتكون للتفاوت في الرتبة لا ~~للتراخي الزماني. والمراد عظمه في نفسه وبالنسبة إلى المعطوف عليه. فلا ~~ينافي قوله وهو أهون عليه وكونه أعظم من قيام السماء والأرض، لأنه المقصود ~~من الإيجاد والإنشاء، وبه استقرار السعداء والأشقياء في الدرجات والدركات. ~~وهو المقصود من خلق الأرض والسموات. فاندفع اعتراض الناصر بأنه، على ~~تسليمه، مرتبة المعطوف عليه هنا هي العليا، مع أن كون المعطوف في مثله أرفع ~~درجة، أكثري لا كلي. كما صرح به الطيبي هنا. فلا امتناع فيما منعه. وهي ~~فائدة نفيسة. # ويجوز حمله على مطلق البعد الشامل ms3701 للزماني والرتبي كما في (شرح الكشاف) ~~وقوله تعالى وله المثل الأعلى في السماوات والأرض أي الوصف الأعلى الذي ليس ~~لغيره ما يدانيه فيهما. كالقدرة العامة والحكمة التامة. وذلك لأنه لما جعل ~~ما ذكر أهون عليه على طريق التمثيل، عقبه بهذا. فكأنه قيل هذا، لتفهم ~~العقول القاصرة أن صفاته عجيبة وقدرته عامة وحكمته تامة. فكل شيء بدءا ~~وإعادة وإيجادا وإعداما، عنده على حد سواء، ولا مثل له ولا ند. وقال ~~الزجاج: المراد بالمثل قوله: وهو أهون عليه فاللام فيه للعهد. فحمل المثل ~~على ظاهره. وعلى ما ذكر أولا، هو مجاز عن الوصف العجيب. فيشمل القول وغيره ~~مما هو جار على ألسنة الدلائل ولسان كل قائل. وهو العزيز أي الغالب على ~~أمره، الذي لا يعجزه بدء ممكن وإعادته الحكيم الذي يجري أفعاله على سنن ~~الحكمة والمصلحة. # PageV08P012 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 28 الى # 29] # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ~~وما لهم من ناصرين (29) # ضرب لكم مثلا أي يتبين به بطلان الشرك من أنفسكم أي منتزعا من أحوالها. ~~وهي أقرب الأمور إليكم وأظهر كشفا هل لكم من ما ملكت أيمانكم أي من العبيد ~~والإماء من شركاء في ما رزقناكم أي من الأموال وغيرها فأنتم فيه سواء أي ~~متساوون في التصرف فيما ذكر من غير مزية تخافونهم أي تهابون أن تستبدوا ~~بالتصرف فيه بدون رأيهم. وهو خبر آخر ل (أنتم) كخيفتكم أنفسكم أي كما يخاف ~~بعضكم بعضا من الأحرار المساهمين لكم فيما ذكر. والمعنى نفي مضمون ما فصل ~~من الجملة الاستفهامية. أي: لا ترضون بأن يشارككم فيما هو معار لكم ~~مماليككم، وهم أمثالكم في البشرية، غير مخلوقين لكم، بل لله تعالى. # فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية، التي هي من خصائصه الذاتية، مخلوقه ~~بل مصنوع مخلوقه، حيث ms3702 تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه؟ أفاده أبو السعود كذلك ~~نفصل الآيات أي مثل ذلك التفصيل الواضح، توضح الآيات لقوم يعقلون بل اتبع ~~الذين ظلموا أهواءهم بغير علم أي يقين وبرهان فمن يهدي من أضل الله أي سبب ~~صرف اختياره إلى كسبه. أي: لا يقدر على هدايته أحد وما لهم من ناصرين أي ~~ينصرونهم من الله، إذا أراد بهم عذابا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 30 الى 32] # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # فأقم وجهك للدين أي فقومه له، واجعله مستقيما متوجها له. وفي النظم ~~الكريم استعارة تمثيلية، بتشبيه المأمور بالتمسك بالدين ورعاية حقوقه وعدم ~~مجاوزة حدوده والاهتمام بأموره، بمن أمر بالنظر إلى أمر، وعقد طرفه به، ~~وتسديد # PageV08P013 # نظره وتوجيه وجهه له، لمراعاته والاهتمام بحفظه حنيفا أي مائلا عن كل ما ~~سواه، إليه. قال المهايمي: ولا يعسر الرجوع إليه لكونه فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها أي لأن عقل كل واحد يدل على أنه حادث يفتقر إلى محدث. ولا ~~دلالة على الافتقار إلى متعدد أبدا. فالقول بتعدده تغيير للفطرة. لكن لا ~~تبديل لخلق الله أي لا تغيير لأمر العقل الذي خلقه الله للاستدلال ذلك أي ~~الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة الدين القيم أي المستقيم الذي لا ~~عوج فيه. قال المهايمي: # وإن لم يقم عند المبدلين دليل على استحالة التعدد، فهذا هو مقتضى الفطرة ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي أنه مقتضى الفطرة. وهي أقطع قاطع وأحسم حاسم ~~لشغب المشاغب. لأنها من الأمور التي لا تدخل تحت الكسب والاختيار. وقوله ~~تعالى منيبين إليه أي راجعين إليه بالتوبة والإنابة ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله [آل عمران: 135] ، وهو حال من فاعل (الزموا) المقدر ناصبا ل (فطرة) أو ~~من فاعل (أقم) على المعنى. إذ لم ms3703 يرد به واحد بعينه. أو لأن الخطاب له صلى ~~الله عليه وسلم ولأمته. أو على أنه على حذف المعطوف عليه. أي: أقم أنت ~~وأمتك. والحال من الجميع واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من ~~الذين فرقوا دينهم أي جعلوه أديانا مختلفة، لاختلاف أهوائهم وكانوا شيعا أي ~~فرقا كل حزب بما لديهم فرحون أي كل حزب منهم فرح بمذهبه، مسرور، يحسب باطله ~~حقا. # قال القاشاني: يعني المفارقين الدين الحقيقي، المتفرقين شيعا مختلفة، كل ~~حزب عند تكدر الفطرة، وتكاثف الحجاب، يفرح بما يقتضيه استعداده من الحجاب، ~~لكونه مقتضى طبيعة حجابه. فيناسب حاله من الاستعداد العارضي، وإن لم يلائم ~~الحقيقة بحسب الاستعداد. ولهذا يجب به التعذيب عند زوال العارض. # ثم احتج عليهم برجوعهم إليه عند الشدائد، مما يحمل أن يرجع إليه بعبادته ~~دائما، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 33 الى 36] # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس ~~رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) # PageV08P014 # وإذا مس الناس ضر أي شدة دعوا ربهم منيبين إليه أي راجعين إليه وحده دون ~~شركائهم ثم إذا أذاقهم منه رحمة أي خلاصا من تلك الشدة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون ليكفروا بما آتيناهم أي بالسبب الذي آتيناهم الرحمة من أجله، وهو ~~الإنابة. واللام للعاقبة. وقيل: للأمر التهديدي كقوله تعالى فتمتعوا فسوف ~~تعلمون أي عاقبة تمتعكم ووباله أم أنزلنا عليهم سلطانا أي حجة واضحة قاهرة ~~فهو يتكلم أي تكلم دلالة. كما في قوله تعالى: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~[الجاثية: 29] ، بما كانوا به يشركون أي بإشراكهم. وهذا استفهام إنكار. أي: ~~لم يكن شيء من ذلك وإذا أذقنا الناس رحمة أي نعمة من صحة وسعة فرحوا بها أي ~~بطرا وفخرا، لا حمدا وشكرا وإن تصبهم سيئة أي شدة بما ms3704 قدمت أيديهم أي من ~~المعاصي والآثام إذا هم يقنطون أي ييأسون من روح الله. # قال: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله تعالى ووفقه. ~~فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور [هود: ~~10] ، أي يفرح في نفسه، يفخر على غيره. وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل ~~بعد ذلك خير بالكلية قال الله تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات [هود: ~~11] ، أي: صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء. كما ثبت في الصحيح ~~«1» : عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له. إن أصابته سراء ~~شكر، فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : آية 37] # أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (37) # أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون قال الزمخشري: أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض. فما ~~لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي ~~عوقبوا بالشدة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته؟ # ولما بين تعالى أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يجب أن ~~يفعل، وما يجب أن يترك، بقوله: PageV08P015 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 38 الى 39] # فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا ~~عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) # فآت ذا القربى حقه أي من البر والصلة. واستدل به أبو حنيفة رحمه الله على ~~وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. لأن (آت) أمر ~~للوجوب. والظاهر من (الحق) بقرينة ما قبله أنه مالي، وهو استدلال متين ~~والمسكين وهو الذي لا شيء له ينفق عليه. أو له شيء لا يقوم بكفايته وابن ~~السبيل ms3705 أي السائل فيه، والذي انقطع به. وحقهما هو نصيبهما من الصدقة ~~والمواساة ذلك خير للذين يريدون وجه الله أي النظر إليه يوم القيامة. وهو ~~الغاية القصوى. أو يريدون ذاته بمعروفهم لا رياء ولا سمعة، ولا مكافأة يد. ~~كما قال تعالى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى [الليل: 18- 20] ، وأولئك هم المفلحون أي في الدنيا والآخرة ~~وما آتيتم من ربا أي مال ترابون فيه ليربوا في أموال الناس أي ليزيد في ~~أموالهم، إذ تأخذون فيه أكثر منه فلا يربوا عند الله أي لا يزكو ولا ينمو ~~ولا يبارك فيه. بل يمحقه محق ما لا عاقبة له عنده إلا الوبال والنكال. وذكر ~~في تفسيرها معنى آخر، وهو أن يهب الرجل للرجل، أو يهدي له ليعوضه أكثر مما ~~وهب أو أهدى. فليست تلك الزيادة بحرام. وتسميتها ربا مجاز، لأنها سبب ~~الزيادة. # قال ابن كثير: وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه. إلا أنه نهى عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قال الضحاك، واستدل بقوله تعالى: ولا ~~تمنن تستكثر [المدثر: 6] ، أي لا تعط العطاء، تريد أكثر منه. وقال ابن ~~عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح، يعني ربا البيع، وربا لا بأس به، وهو ~~هدية الرجل، يريد فضلها وإضعافها. # انتهى. # وأقول: في ذلك كله نظر من وجوه: # الأول- أن هذه الآية شبيهة بآية يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة: # 276] ، وهي في ربا البيع الذي كان فاشيا في أهل مكة حتى صار ملكة راسخة ~~فيهم، امتصوا بها ثروة كثير من البؤساء، مما خرج عن طور الرحمة والشفقة ~~والكمال # PageV08P016 # البشري. فنعى عليهم حالهم، طلبا لتزكيتهم بتوبتهم منه. ثم أكد ذلك في مثل ~~هذه الآية. مبالغة في الزجر. # الثاني- أن الربا، على ما ذكر، مجاز. والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا ~~لصارف يرشد إليه دليل الشرع، أو العقل. ولا واحد منهما هنا، إذ لا موجب له. # الثالث- دعوى أن الهبة المذكورة مباحة، لا بأس بها بعد كونها هي المرادة ~~من الآية- بعيدة ms3706 غاية البعد. لأن في أسلوبها من الترهيب والتحذير ما يجعلها ~~في مصاف المحرمات. ودلالة الأسلوب من أدلة التنزيل القوية، كما تقرر في ~~موضعه. # الرابع- زعم أن المنهي عنه هو الحضرة النبوية خاصة، لا دليل عليه إلا ~~ظاهر الخطاب. وليس قاطعا. # لأن اختصاص الخطاب لا يوجب اختصاص الحكم على التحقيق. لا يقال الأصل وجوب ~~حمل اللفظ على حقيقته، وحمله على المجاز لا يكون إلا بدليل، وكذا ما يقال ~~إن ثبوت الحكم في غير محل الخطاب يفتقر إلى دليل- لأنا نقول: # الأصل في التشريعات العموم، إلا ما قام الدليل القاطع على التخصيص ~~بالتنصيص، وليس منه شيء هنا. وقد عهد في التنزيل تخصيص مراد به التعميم ~~إجماعا. كآية يا أيها النبي اتق الله [الأحزاب: 1] ، وأمثالها. # الخامس- أن في هذا المنهي عنه من إصعاد المرء إلى ذروة المحسنين الأعفاء، ~~الذين لا يتبعون قلوبهم نفقتهم، ما يبين أنه شامل لسائرهم. لما فيه من ~~تربية إرادتهم وتهذيب أخلاقهم. بل لو قيل إن الخطاب له صلوات الله عليه، ~~والمراد غيره، كما قالوه في كثير من الآي- لم يبعد. لما تقرر من عصمته ~~ونزاهته عن هذا الخلق، في سيرته الزكية. وحينئذ فالوجه في الآية هو الأول، ~~وعليه المعول. والله أعلم وما آتيتم من زكاة أي مال تتزكون به من رجس الشح ~~ودنس البخل تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون أي ذوو الأضعاف من الثواب. ~~جمع (مضعف) اسم فاعل (من أضعف) إذا صار ذا ضعف، (بكسر فسكون) بأن يضاف له ~~ثواب ما أعطاه. (كأقوى وأيسر) إذا صار ذا قوة ويسار. فهو لصيرورة الفاعل ذا ~~أصله. أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة ما أنفقوا. على أنه من (أضعف) ~~والهمزة للتعدية، ومفعوله محذوف، وهو ما ذكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : آية 40] # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) # PageV08P017 # الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه ms3707 وتعالى عما يشركون قال القاضي: أثبت له تعالى لوازم ~~الألوهية، ونفاها رأسا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها. مؤكدا ~~بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق. ثم استنتج من ~~ذلك تقدسه عن أن يكون له شركاء. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 41 الى # 43] # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد ~~له من الله يومئذ يصدعون (43) # ظهر الفساد في البر والبحر أي كثرة المضار والمعاصي على وجه الأرض وعلى ~~ظهر السفن في لجج البحر بما كسبت أيدي الناس أي من الآثام والموبقات ففشا ~~الفساد وانتشرت عدواه وتوارثه جيل عن جيل أينما حلوا وحيثما ساروا ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون اللام للعاقبة. أي ظهور الشرور بسببهم، مما ~~استوجبوا به أن يذيقهم الله وبال أعمالهم، إرادة الرجوع. وقيل اللام للعلة، ~~على معنى أن ظهور الجدب والقحط والغرق بسبب شؤم معاصيهم، ليذيقهم وبال بعض ~~أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم ~~عليه. كقوله تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: # 30] ، قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم ~~مشركين أي فأذاقهم سبحانه سوء العاقبة، لشركهم المستتبع لكل إثم وعصيان ~~فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له أي لا يقدر أحد على ~~رده. # وقوله من الله متعلق ب (يأتي) أو ب (مرد) لأنه مصدر على معنى لا يرده ~~تعالى، لتعلق إرادته بمجيئه. وفيه انتفاء رد غيره بطريق برهاني. وقيل عليه، ~~لو كان كذلك لزم تنوينه لمشابهته للمضاف. وأجيب بأن الشبيه بالمضاف قد يحمل ~~في ترك تنوينه. كما في الحديث (لا مانع لما أعطيت) يومئذ يصدعون أي يتفرقون ~~كالفراش المبثوث، أو فريق في الجنة وفريق ms3708 في السعير كقوله: ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون [الروم: 14] . # PageV08P018 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 44 الى # 45] # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) # من كفر فعليه كفره أي وبال كفره. قال الزمخشري: كلمة جامعة، لما لا غاية ~~وراءه من المضار. لأن من كان ضاره كفره، فقد أحاطت به كل مضرة ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون أي يسوون منزلا في الجنة. أي يوطئونه توطئة الفراش ~~لمن يريد الراحة عليه ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا ~~يحب الكافرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 46 الى 47] # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات أي بالمطر وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره أي في البحر عند هبوبها ولتبتغوا من فضله أي بتجارة البحر ~~ولعلكم تشكرون أي ولتشكروا نعمة الله فيما ذكر لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى ~~قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين # هذه تسلية له صلى الله عليه وسلم بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له ~~والوعيد لمن عصاه. # قال الزمخشري: في قوله تعالى: كان حقا علينا نصر المؤمنين # تعظيم للمؤمنين. ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ~~ومزية. حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ~~ويظفرهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 48 الى 50] # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ms3709 موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (50) # PageV08P019 # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء إما سائرا ~~وواقفا، مطبقا وغير مطبق، من جانب دون جانب، إلى غير ذلك ويجعله كسفا أي ~~قطعا تارة أخرى فترى الودق أي المطر يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من ~~عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم أي المطر من قبله ~~لمبلسين أي لآيسين. قال الزمخشري: من قبله، من باب التكرير والتوكيد، كقوله ~~تعالى: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها [الحشر: 17] ، ومعنى ~~التوكيد فيه، الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم ~~وتمادى إبلاسهم. فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. انتهى. # وعكسه ابن عطية رحمه الله فقال: إنه يدل على سرعة تقلب القلوب البشرية من ~~الإبلاس إلى الاستبشار. # قال الشهاب: وما ذكره ابن عطية أقرب. لأن المتبادر من القبيلة الاتصال. # وتأكيده دال على شدة اتصاله فانظر إلى آثار رحمت الله أي أثر الغيث من ~~النبات والأشجار والحبوب والثمار كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك أي العظيم ~~الشأن الذي ذكر بعض شؤونه لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 51 الى 53] # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهاد العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) # ولئن أرسلنا ريحا على الزرع فرأوه مصفرا أي من تأثيرها فيه لظلوا من بعده ~~يكفرون أي من بعد اصفراره يجحدون ما تقدم إليهم من النعم، أو يقنطون ولا ~~يصبرون على بلائه. وفيه من ذمهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم ~~وسوء رأيهم- ما لا يخفى. # ثم أشار تعالى إلى أن من أنكر قدرته على إحياء الزرع بعد اصفراره، وقد ~~رأى قدرته على إحياء الأرض بعد موتها، فهو ميت لا يمكن إسماعه خبر إحياء ~~الموتى، بقوله سبحانه فإنك لا ms3710 تسمع الموتى أي لما أن هؤلاء مثلهم، لانسداد ~~مشاعرهم عن الحق ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين قال أبو السعود: ~~تقييد الحكم بما ذكر، لبيان كمال سوء حال الكفرة وال ### | تنبيه # على أنهم جامعون لخصلتي السوء، نبو # PageV08P020 # أسماعهم عن الحق، وإعراضهم عن الإصغاء إليه. ولو كان فيهم إحداهما، ~~لكفاهم ذلك. فكيف وقد جمعوهما؟ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع أي ~~ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون أي منقادون لما تأمرهم به من الحق. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الآية ~~فإنك لا تسمع الموتى، على توهيم «1» عبد الله بن عمر في رواية مخاطبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، ~~ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم. # حتى قال له عمر: يا رسول الله! ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟ فقال: والذي ~~نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول، منهم. ولكن لا يجيبون. وتأولته عائشة ~~على أنه قال: # إنهم الآن يعلمون أن ما كنت أقول لهم حق. # وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته، تقريعا وتوبيخا ونقمة. # ثم قال ابن كثير: والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر، لما لها من ~~الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة. من أشهر ذلك، ما # رواه ابن عبد البر مصححا له عن ابن عباس مرفوعا (ما من أحد يمر بقبر أخيه ~~المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ~~عليه السلام) # . انتهى. # وقال ابن الهمام: أكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع استدلالا بهذه الآية ~~ونحوها. ولذا لم يقولوا: بتلقين القبر. وقالوا: لو حلف لا يكلم فلانا، ~~فكلمه ميتا لا يحنث. وأورد عليهم # قوله صلى الله عليه وسلم في أهل القليب (ما أنتم بأسمع منهم) # وأجيب تارة بأنه روي عن عائشة رضي الله عنهما أنها أنكرته. وأخرى بأنه من ~~خصوصياته صلى الله عليه وسلم معجزة له. أو أنه تمثيل. كما ms3711 روي عن علي كرم ~~الله وجهه. وأورد عليه ما في مسلم «2» من أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ~~انصرفوا. إلا أن يخص بأول الوضع في القبر، مقدمة للسؤال، جمعا بينه وبين ما ~~في القرآن. نقله الشهاب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 54 الى # 55] # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) PageV08P021 # الله الذي خلقكم من ضعف قرئ بفتح الضاد وضمها. أي من أصل ضعيف هو النطفة ~~ثم جعل من بعد ضعف يعني حال الطفولة والنشء قوة يعني حال البلوغ والشبيبة ~~إلى الاكتهال وبلوغ الأشد ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة أي بالشيخوخة ~~والهرم يخلق ما يشاء أي من الأشياء. ومنها هذه الأطوار التي يتقلب بها ~~الإنسان وهو العليم القدير أي الواسع العلم والقدرة. كيف؟ وهذا الترديد في ~~الأحوال المختلفة والتغيير من صفة إلى صفة، أظهر دليل على علم الصانع ~~سبحانه وقدرته، المستتبع انفراده بالألوهية ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة أي في الدنيا أو القبور. وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك ~~على وجه استقصارهم له. أو ينسون أو يكذبون أو يخمنون كذلك كانوا يؤفكون أي ~~مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا. وهكذا كانوا ~~يبتون أمرهم على خلاف الحق. كذا في (الكشاف) . # وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة. ففي الدنيا ~~فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان. وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا. ~~فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا. ومقصودهم بذلك ~~عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. انتهى. # وقال الشهاب: المراد من قوله: كذلك كانوا يؤفكون، تشابه حاليهم في الكذب ~~وعدم الرجوع إلى مقتضى العلم. لأن مدار أمرهم على الجهل والباطل. # والغرض من سوق الآية وصف المجرمين بالتمادي ms3712 في الباطل، والكذب الذي ~~ألفوه. # انتهى. # وقيل: كان قسمهم استقلالا لأجل الدنيا، لما عاينوا الآخرة، تأسفا على ما ~~أضاعوا في الدنيا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 56 الى # 57] # وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ردا لما حلفوا عليه، وإطلاعا لهم على ~~الحقيقة لقد لبثتم في كتاب الله أي فيما كتبه الله وأوجبه بحكمته إلى يوم # PageV08P022 # البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون # أي أنه حق، لتفريطكم في طلب الحق واتباعه فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا أي ~~بالشرك، أو إنكار الربوبية، أو الرسالة، أو شيء لا يجب الإيمان به معذرتهم ~~أي بأنهم كفروا عن جهل. لأنه إنما كان عن تقصيرهم في إزالته، أو عن عناد ~~ولا هم يستعتبون أي ولا يطلب منهم الإعتاب. # أي إزالة العتب بالتوبة والطاعة. لأنهما، وإن كانتا ماحيتين للكفر ~~والمعاصي، فإنما كان لهما ذلك في مدة الحياة الدنيا، لا غير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الروم (30) : الآيات 58 الى 60] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~(59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل أي من كل وصف يوضح الحق ويزيل ~~اللبس. أو من كل دليل على الأمور الأخروية. والحق يجري مجرى المثل في ~~الظهور ولئن جئتهم بآية أي مما اقترحوه أو غيرها ليقولن الذين كفروا إن ~~أنتم إلا مبطلون أي لا يؤمنون بها. ويعتقدون أنها سحر وباطل كذلك يطبع الله ~~على قلوب الذين لا يعلمون أي لا يطلبون العلم ولا يتحرون الحق. بل يصرون ~~على خرافات اعتقدوها وترهات ابتدعوها. فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ~~ويوجب تكذيب المحق. قاله أبو السعود ms3713 فاصبر أي على ما تشاهد منهم، من ~~الأقوال الباطلة والأفعال السيئة إن وعد الله حق أي في قوله ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ~~[الصافات: 171- 173] ، ولا يستخفنك أي لا يحملنك على الخفة والقلق الذين لا ~~يوقنون أي بما تتلو عليهم من الآيات البينة، بتكذيبهم إياها ومكرهم فيها. ~~فإنه تعالى منجز لك ما وعدك من نصرك عليهم وجعله العاقبة لك، ولمن اعتصم ~~بما جئت به من المؤمنين. # PageV08P023 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة لقمان # سميت به لاشتمالها على قصته التي تضمنت فضيلة الحكمة وسر معرفة الله ~~تعالى وصفاته، وذم الشرك والأمر بالأخلاق والأفعال الحميدة. والنهي عن ~~الذميمة. # وهي معظمات مقاصد القرآن. قاله المهايمي. وهي مكية. ويقال: إلا قوله ~~تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة ... [لقمان: 27- 28] ، الآيتين. وآياتها أربع ~~وثلاثون آية. وسيأتي الكلام على لقمان والخلاف فيه. # PageV08P024 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) # الم تلك آيات الكتاب الحكيم أي ذي الحكمة الناطق بها هدى ورحمة للمحسنين ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون بيان لإحسانهم، ~~يعني ما عملوه من الحسنات. أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه، لإظهار فضلها ~~وإنافتها على غيرها. والمراد بالزكاة، على أنها مكية هي مطلق إخراج المال ~~تقربا بالتصدق منه، وتزكية للنفس بإيتائه، من وصمة البخل والشح المردي لها. ~~لا أنصباؤها المعروفة. فإنها إنما بينت بالمدينة أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله تعريض ~~بالمشركين. وأنهم يستبدلون بهذا الكتاب المفيد الهدى والرحمة والحكمة، ما ~~يلهي من الحديث عن ذلك الكتاب العظيم. ليضلوا أتباعهم عن ms3714 الدين الحق. قال ~~الزمخشري: و (اللهو) كل باطل ألهى عن الخير، وعما يعني. ولهو الحديث نحو ~~السمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك ~~وفضول الكلام. وما لا ينبغي، مما كانوا يؤفكون به عن استماع حكم التنزيل ~~وأحكامه. ويؤثرونه على حديث الحق. وقوله تعالى بغير علم أي بما هي الكمالات ~~ومنافعها، والنقائص ومضارها ويتخذها هزوا الضمير للسبيل، وهو مما يذكر ~~ويؤنث أولئك لهم عذاب مهين. # PageV08P025 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 7 الى 10] # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) ~~خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السماوات بغير عمد ~~ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من ~~السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى أي أعرض عنها مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في ~~أذنيه وقرا أي ثقلا مانعا من السماع فبشره بعذاب أليم إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز ~~الحكيم خلق السماوات بغير عمد ترونها الضمير للسموات. وهو استشهاد برؤيتهم ~~لها غير معمودة على قوله بغير عمد كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيف ولا رمح ~~تراني. والجملة لا محل لها لأنها مستأنفة. أو في محل الجر، صفة للعمد. أو ~~بغير عمد مرئية. يعني أنه عمدها بعمد لا ترى وهي إمساكها، بقدرته. كذا في ~~(الكشاف) وألقى في الأرض رواسي أي جبالا ثوابت أن تميد بكم أي تميل فتهلككم ~~لما في جوفها من قوة الجيشان وبث فيها من كل دابة أي من كل نوع من أنواعها ~~وأنزلنا أي لحفظكم وحفظ دوابكم، وللرفق بكم وبدوابكم من السماء ماء فأنبتنا ~~فيها من كل زوج أي صنف من الأغذية والأدوية كريم أي كثير المنافع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 11 الى 12] # هذا خلق الله فأروني ماذا ms3715 خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ~~(11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن ~~كفر فإن الله غني حميد (12) # هذا أي ما ذكر من السموات والأرض، وما تعلق بهما من الأمور المعدودة خلق ~~الله أي مخلوقه فأروني ماذا خلق الذين من دونه أي مما اتخذتموهم شركاء له ~~سبحانه في العبادة بل الظالمون في ضلال مبين إضراب عن تبكيتهم بما ذكر، إلى ~~التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات ~~المعقولة الحقة، لاستحالة أن يفهموا منها شيئا، فيهتدوا به إلى العلم # PageV08P026 # ببطلان ما هم عليه. أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه. ووضع ~~الظاهر موضع ضميرهم، للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه. # ومتعدون عن الحدود. وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد. أفاده أبو ~~السعود. # ثم أشار تعالى إلى أن بطلان الشرك مقول على لسان ذوي الحكمة. كيف لا؟ # والتوحيد أساس الحكمة، بقوله سبحانه ولقد آتينا لقمان الحكمة يعني ~~استكمال النفس بالعلوم النظرية، وملكة الأفعال الفاضلة بقدر الطاقة ~~البشرية، آمرين له على لسان نبي أو بطريق الإلهام (على قول الجمهور أنه ~~حكيم) أو الوحي (على قول عكرمة أنه نبي) أن اشكر لله أي على ما أعطاك من ~~نعمه، من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. كذا قاله المهايمي. والأظهر أن (أن) ~~مفسرة. فإن إتيان الحكمة في معنى القول. والشكر كلمة تجمع ما تدور عليه ~~سعادة الدنيا والآخرة. لأنه صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه إلى ما خلق ~~لأجله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه لعود ثمرات شكره عليه ومن كفر فإن الله ~~غني حميد أي غني عن كل شيء. فلا يحتاج إلى الشكر. وحقيق بالحمد. بل نطق ~~بحمده كل موجود. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: اختلف السلف في لقمان. هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير ~~نبوة، على قولين: الأكثرون على الثاني. ويقال إنه كان قاضيا على بني ~~إسرائيل، في زمن داود عليه السلام. وما روي من كونه عبدا مسه الرق، وينافي ms3716 ~~كونه نبيا. لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها. ولهذا كان جمهور السلف على ~~أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة، إن صح السند إليه. فإنه ~~رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة. ~~قال: كان لقمان نبيا. # وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي. وهو ضعيف. والله أعلم. انتهى. # وزعم بعضهم أن لقمان هو بلعام المذكور في التوراة، وكان حكيم شعب وثني. ~~وكان منبأ عن الله تعالى. وأغرب في تقريبه، بأن الفعل العربي وهو (لقم) ~~معناه بالعبري بلع. والله أعلم. # وقد نظم السيوطي من اختلف في نبوته، فقال: # واختلفت في خضر أهل النقول ... قيل نبي أو ولي أو رسول # لقمان، ذي القرنين، حواء، مريم ... والوقف في الجميع رأي المعظم # PageV08P027 # ثم قرن لقمان، بوصيته إياه بعبادة الله وحده، البر بالوالدين، كما قال ~~تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [الإسراء: 23] ، ~~وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن الكريم. وقال هاهنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 13 الى 14] # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~(13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن ~~اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم ~~ووصينا الإنسان بوالديه أي بالإحسان إليهما، لا سيما الوالدة. لأنه حملته ~~أمه وهنا على وهن أي ضعفا فوق ضعف إلى الولادة. و (وهنا) حال من (أمه) أي ~~ذات وهن. أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال. أي: تهن وهنا. وقوله على وهن صفة ~~للمصدر. أي كائنا على وهن. أي تضعف ضعفا فوق ضعف. فإنها لا تزال يتزايد ~~ضعفها. لأن الحمل كلما عظم ازدادت ثقلا وضعفا وفصاله أي فطامه في عامين ثم ~~فسر الوصية بقوله سبحانه أن اشكر لي ولوالديك أي بأن تعرف نعمة الإحسان ~~وتقدره قدره. قال في (البصائر) : الشكر مبني على ms3717 خمس قواعد: خضوع الشاكر ~~للمشكور. وحبه له. واعترافه بنعمته. والثناء عليه بها. وأن لا يستعملها ~~فيما يكره. هذه الخمسة هي أساس الشكر وبناؤه عليها. فإن عدم منها واحدة، ~~اختلت قاعدة من قواعد الشكر. وكل من تكلم في الشكر، فإن كلامه إليها يرجع ~~وعليها يدور. انتهي. # وقوله تعالى إلي المصير تعليل لوجوب الامتثال. أي إلي الرجوع، لا إلى ~~غيري، فأجازيك على ما صدر عنك من الشكر والكفر. ### | تنبيهات # الأول- قال الزمخشري: فإن قلت: قوله تعالى حملته أمه وهنا على وهن وفصاله ~~في عامين كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟ قلت: لما وصى بالوالدين، ذكر ما ~~تكابده الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة ~~المتطاولة، إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا، وتذكيرا بحقها العظيم مفردا. # PageV08P028 # ومن ثم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» # (لمن قال له من أبر؟) : أمك ثم أمك ثم أمك. ثم قال بعد ذلك: ثم أباك # . وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه بنفسه. # أحمل أمي وهي الحماله ... ترضعني الدرة والعلالة # ولا يجازى والد فعاله الثاني- قال الحافظ ابن كثير: وقوله تعالى وفصاله ~~في عامين كقوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة [البقرة: 233] ، ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة، أن ~~أقل مدة الحمل ستة أشهر. لأنه قال في الآية الأخرى وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا [الأحقاف: 15] ، وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في ~~سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه. كما قال تعالى وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا [الإسراء: 24] . # الثالث- قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بالعامين؟ قلت: # المعنى في توقيته بهذه المدة، أنها الغاية التي لا تتجاوز. والأمر فيما ~~دون العامين موكول إلى اجتهاد الأم، إن علمت أنه يقوى على الفطام، فلها أن ~~تفطمه. ويدل عليه قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة [البقرة: 233] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : آية 15] # وإن جاهداك على أن تشرك ms3718 بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما أي في إشراك ما ~~لا تعلمه مستحقا للعبادة، تقليدا لهما. # وقال الزمخشري: أراد بنفي العلم به نفيه، أي لا تشرك بي ما ليس بشيء، ~~يريد الأصنام. PageV08P029 # كقوله: ما يدعون من دونه من شيء [العنكبوت: 42] . # قال في (الكشف) : ليس هذا من قبيل نفي العلم لنفي وجوده. كما مر في ~~القصص. وإلا لقال ما ليس بموجود. بل أراد أنه بولغ في نفيه حتى جعل كلا ~~شيء. # ثم بولغ في سلك المجهول المطلق. # قال الشهاب: وهذا تقرير حسن، فيه مبالغة عظيمة وصاحبهما في الدنيا معروفا ~~أي صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم. # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية أن الوالد لا يطاع في الكفر. ومع ~~ذلك يصحب معروفا واتبع سبيل من أناب إلي أي بالتوحيد والإخلاص في الطاعات، ~~وعمل الصالحات ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون كناية عن الجزاء، كما ~~تقدم نظائره. # قال القاضي: والآيتان، يعني ووصينا الإنسان إلى قوله- تعملون معترضتان في ~~تضاعيف وصية لقمان، تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك. كأنه قال: وقد ~~وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك. فإنهما، مع أنهما ~~تلو البارئ تعالى في استحقاق التعظيم والطاعة، لا يجوز أن يطاعا في ~~الإشراك. # فما ظنك بغيرهما؟ انتهى. # ثم بين تعالى بقية وصايا لقمان، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 16 الى 17] # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) # يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل أي إن الخصلة من الإساءة أو ~~الإحسان، إن تك مثلا ms3719 في الصغر كحبة الخردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو ~~في الأرض أي فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر، في أخفى مكان وأحرزه، كجوف ~~الصخرة. أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي يأت بها الله أي يحضرها ~~ويحاسب عليها إن الله لطيف أي ينفذ علمه وقدرته في كل شيء خبير أي يعلم كنه ~~الأشياء، فلا يعسر عليه. والآية هذه كقوله تعالى: ونضع # PageV08P030 # الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا # [الأنبياء: 47] الآية، وقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره [الزلزلة: 7 و 8] . ### | لطيفة: # قوله تعالى فتكن في صخرة الآية، من البديع الذي يسمى التتميم. فإنه تمم ~~خفاءها في نفسها بخفاء مكانها من الصخرة. وهو من وادي قولها (كأنه علم في ~~رأسه نار) . يا بني أقم الصلاة أي بحدودها وفروضها وأوقاتها، لتكميل نفسك ~~بعبادة ربك وأمر بالمعروف وانه عن المنكر لتكميل غيرك واصبر على ما أصابك ~~أي من المحن والبلايا. أو فيما أمرت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لأن الداعي إلى الحق معرض لإيصال الأذى إليه. وهو أظهر. ويطابقه آية ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر [العصر: 3] ، إن ذلك إشارة إلى الصبر. أو إلى ~~كل ما أمر به من عزم الأمور أي مما عزمه الله من الأمور. أي قطعه قطع ~~إيجاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 18 الى 19] # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~(18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # ولا تصعر خدك للناس أي لا تعرض بوجهك عنهم، إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارا ~~منك لهم، واستكبارا عليهم. ولكن ألن جانبك، وابسط وجهك إليهم. كما جاء في ~~الحديث «1» (ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط) ولا تمش في الأرض مرحا أي خيلاء ~~متكبرا إن الله لا يحب كل مختال أي معجب في نفسه فخور أي على غيره واقصد في ~~مشيك أي توسط بين الدبيب والإسراع ms3720 واغضض من صوتك أي انقص من رفعه، وأقصر، ~~فإنه يقبح بالرفع حتى ينكره الناس، إنكارهم على صوت الحمير. كما قال إن ~~أنكر الأصوات لصوت الحمير PageV08P031 # معللا للأمر على أبلغ وجه وآكده و (أنكر) بمعنى أوحش. من قولك (شيء نكر) ~~إذا أنكرته النفوس واستوحشت منه ونفرت، كما يقال في العرف للقبيح (وحش) ~~وأصله ضد الأنس والألفة. فهو إما مجاز أو كناية. # قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة وكذلك نهاقه. ومن ~~استفحاشهم لذكره مجردا، وتفاديهم من اسمه، أنهم يكنون عنه ويرغبون عن ~~التصريح به. فيقولون (الطويل الأذنين) كما يكنى عن الأشياء المستقذرة. وقد ~~عد في مساوي الآداب، أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة. ومن ~~العرب من لا يركب الحمار استنكافا، وإن بلغت منه الرحلة. فتشبيه الرافعين ~~أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ثم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه، ~~وإخراجه مخرج الاستعارة، وأن جعلوا حميرا، وصوتهم نهاقا- مبالغة شديدة في ~~الذم والتهجين. وإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه. وتنبيه على ~~أنه من كراهة الله بمكان. انتهى. ### | تنبيه: # جاء ذكر لقمان في أحاديث مرفوعة. منها ما # رواه الإمام أحمد «1» عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه. # وروى ابن أبي حاتم عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: قال لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة ~~بالليل، مذمة بالنهار. # ومن الآثار فيه ما رواه ابن أبي حاتم عن السري بن يحيى قال: قال لقمان ~~لابنه: # يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. # وعن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني! إذا أتيت نادي قوم ~~فارمهم بسهم الإسلام (يعني السلام) ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم ~~قد نطقوا. فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم. وإن أفاضوا في غير ذلك ~~فتحول عنهم إلى غيرهم. نقله ابن كثير رحمه الله. ms3721 # ثم نبه تعالى خلقه على نعمه الوافرة المستتبعة انفراده بالألوهية، فقال ~~سبحانه: PageV08P032 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى # 21] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض أي من النجوم ~~والشمس والقمر، التي ينتفعون من ضيائها وما تؤثره في الحيوان والنبات ~~والجماد بقدرته تعالى. وكذا من الأمطار والسحب والكوائن العلوية التي خلقها ~~تعالى لنفع من سخرت له. وكذا ما أوجد في الأرض من قرار وأشجار وأنهار وزروع ~~وثمار، ليستعملها من سخرت له فيما فيه حياته وراحته وسعادته وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة أي محسوسة ومعقولة. كإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة ~~الشبه والعلل ومن الناس يعني الجاحدين نعمته تعالى من يجادل في الله أي في ~~توحيده وإرساله الرسل بغير علم أي برهان قاطع مستفاد من عقل ولا هدى أي ~~دليل مأثور عن نبي ولا كتاب منير أي منزل من لدنه تعالى، بل لمجرد التقليد. ~~و (المنير) بمعنى المنقذ من ظلمة الجهل والضلال وإذا قيل لهم أي لمن يجادل. # والجمع باعتبار المعنى اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير أي يدعو آباءهم إلى ~~اعتقادات وأعمال، هي أسباب العذاب. كأنه يدعوهم إلى عين العذاب. # فهم متوجهون إليه حسب دعوته. ومن كان كذلك فإنى يتبع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 22 الى 29] # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ~~عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ~~إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ~~ولئن سألتهم ms3722 من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن ~~الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ~~(29) # PageV08P033 # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن أي في أعماله فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~أي تعلق بأوثق ما يتعلق به من الأسباب. وهو تمثيل لحال المؤمن المخلص ~~المحسن، بحال من أراد رقي شاهق، فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه وإلى ~~الله عاقبة الأمور ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ~~أي من الأعمال الظاهرة والباطنة إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم ~~نضطرهم إلى عذاب غليظ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل ~~الحمد لله أي على أن جعل دلائل التوحيد بحيث لا يكاد ينكرها المكابرون أيضا ~~بل أكثرهم لا يعلمون أي شيئا ما. فلذلك لا يعملون بمقتضى اعترافهم لله ما ~~في السماوات والأرض أي فلا يستحق العبادة فيهما غيره إن الله هو الغني أي ~~عن العالمين، وهم فقراء إليه جميعا الحميد أي المحمود فيما خلق وشرع، بلسان ~~الحال والمقال ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده أي من ~~بعد نفاده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله أي التي أوجد بها الكائنات، وسيوجد ~~بها ما لا غاية لحصره ومنتهاه. والسبعة، إنما ذكرت، على سبيل المبالغة لا ~~الحصر. إن الله عزيز حكيم ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أي إلا كخلقها ~~وبعثها في سهولته إن الله سميع بصير ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى أي أمد ms3723 قدره ~~الله تعالى لجريهما، وهو يوم القيامة وأن الله بما تعملون خبير أي لأن من ~~شاهد مثل ذلك الصنع الرائق، والتدبير الفائق، لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز ~~وجل محيطا بما يأتي ويذر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : الآيات 30 الى 32] # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور (32) # PageV08P034 # ذلك إشارة إلى ما ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص ~~البارئ بها بأن الله هو الحق أي بسبب أنه الحق، وجوده وإلهيته وأن ما يدعون ~~من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ألم تر أن الفلك تجري في البحر ~~بنعمت الله أي بإحسانه في تهيئة أسبابه ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات ~~لكل صبار أي عظيم الصبر على البأساء والضراء شكور أي كثير الشكر للنعم، ~~بالقيام بحقها وإذا غشيهم أي علاهم وأحاط بهم موج كالظلل أي كالسحب والحجب ~~دعوا الله مخلصين له الدين أي التجأوا إليه تعالى وحده، لزوال ما ينازع ~~الفطرة من الهوى والتقليد، بما دهاهم من الضر فلما نجاهم إلى البر فمنهم ~~مقتصد قال ابن كثير: قال مجاهد: أي كافر، كأنه فسر (المقتصد) هاهنا بالجاحد ~~كما قال تعالى: # فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون [العنكبوت: 65] وقال ابن زيد: هو ~~المتوسط في العمل. وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى: فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد [فاطر: 32] الآية، فالمقتصد هاهنا هو المتوسط في ~~العمل. ويحتمل، أن يكون مرادا هنا أيضا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد ~~تلك الأهوال والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر. ثم من بعد ما أنعم ~~الله عليه بالخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، ms3724 والدؤوب في ~~العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك، كان مقصرا والحالة ~~هذه، والله أعلم. انتهى وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار أي غدار، ناقض للعهد ~~الفطري ولعقد العزيمة وقت الهول البحري كفور أي مبالغ في كفران نعمه تعالى. ~~لا يقضي حقوقها، ولا يستعملها في محابه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : آية # 33] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا أي ليس بمغن أحدهما عن الآخر شيئا، لانقطاع الوصل في ذلك ~~اليوم الرهيب. قال أبو السعود: وتغيير النظم- في الثانية- للدلالة على أن ~~المولود أولى بأن لا يجزى. وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه ~~الكافر في الآخرة إن # PageV08P035 # وعد الله حق # أي بالثواب والعقاب. لا يمكن إخلافه فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور أي الشيطان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة لقمان (31) : آية 34] # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) # إن الله عنده علم الساعة أي علم وقت قيامها وينزل الغيث أي في وقته الذي ~~قدره، وإلى محله الذي عينه في علمه ويعلم ما في الأرحام أي من ذكر أو أنثى، ~~سعيد أو شقي وما تدري نفس ماذا تكسب غدا أي من خير أو شر وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت أي في بلدها أو غيره. لاستئثار الله تعالى بعلم ذلك. وقد جاء ~~الخبر تسمية هذه الخمس، مفاتح الغيب إن الله عليم خبير أي بما كان ويكون، ~~وبظواهر الأشياء وبواطنها، لا إله إلا هو. # PageV08P036 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة السجدة # سميت بها، لأن آية السجدة منها، تدل على أن آيات القرآن ms3725 من العظمة بحيث ~~تخر وجوه الكل، لسماع مواعظها، وتنزه منزلها عن أن يعارض في كلامه. وبشكره ~~على كمال هدايته. وهذا أعظم مقاصد القرآن. أفاده المهايمي. وهي مكية، وآيها ~~ثلاثون. # روى البخاري «1» في (كتاب الجمعة) عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في الفجر، يوم الجمعة الم تنزيل السجدة، وهل أتى على ~~الإنسان. # ورواه مسلم «2» أيضا. # وروى الإمام أحمد عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى ~~يقرأ الم. تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك. # قال ابن كثير: تفرد به أحمد رحمه الله تعالى. PageV08P037 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) # الم تقدم أن هذه الفواتح أسماء للسور تنزيل الكتاب لا ريب فيه أي في كونه ~~منزلا من رب العالمين أم يقولون افتراه أي اختلقه من تلقاء نفسه بل هو الحق ~~من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون أي يتبعون الحق. # وذلك أن قريشا لم يبعث إليهم رسول، قبله صلى الله عليه وسلم. فلطف تعالى ~~بهم وبعث فيهم رسولا منهم صلى الله عليه وسلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 4 الى 5] # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5) # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش تقدم الكلام في ذلك ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أي ما لكم عنده ~~ناصر ولا شفيع من الخلق أفلا تتذكرون أي تتعظون بالقرآن فتؤمنوا يدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض أي ms3726 يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، من الملائكة ~~وغيرها، نازلة آثارها وأحكامها إلى الأرض ثم يعرج إليه أي يصعد إليه، أي مع ~~الملك للعرض عليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون أي مقدار صعوده على ~~غير الملك، ألف سنة من سني الدنيا. # قال ابن كثير: أي يتنزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرضين. كما ~~قال تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن # PageV08P038 # [الطلاق: 12] الآية. وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق السماء. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 6 الى 9] # ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) # ذلك أي المدبر عالم الغيب أي ما غاب عن العباد وما يكون والشهادة أي ما ~~علمه العباد وما كان العزيز أي الغالب على أمره الرحيم أي بالعباد في تدبره ~~الذي أحسن كل شيء خلقه أي أحكم خلق كل شيء. لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو ~~مرتب على ما اقتضته الحكمة وبدأ خلق الإنسان يعني آدم من طين ثم جعل نسله ~~أي ذريته من سلالة أي من نطفة من ماء مهين أي ضعيف ممتهن. والسلالة ~~الخلاصة. وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية ثم سواه أي قومه في بطن أمه ونفخ ~~فيه من روحه أي جعل الروح فيه، وأضافه إلى نفسه تشريفا له وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة أي خلق لكم هذه المشاعر، لتدركوا بها الحق والهدى قليلا ~~ما تشكرون أي بأن تصرفوها إلى ما خلقت له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 10 الى 12] # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~(10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ms3727 صالحا ~~إنا موقنون (12) # وقالوا أي كفار مكة أإذا ضللنا في الأرض أي صرنا ترابا مخلوطا بتراب ~~الأرض لا نتميز منه، أو غبنا فيها أإنا لفي خلق جديد أي نجدد بعد الموت بل ~~هم بلقاء ربهم أي بالبعث بعد الموت للجزاء والحساب كافرون أي جاحدون. # قال أبو السعود: إضراب وانتقال من بيان كفرهم بالبعث، إلى بيان ما هو ~~أبلغ وأشنع منه، وهو كفرهم بالوصول إلى العاقبة، وما يلقونه فيها من ~~الأحوال والأهوال جميعا قل أي بيانا للحق وردا على زعمهم الباطل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم أي يقبض أرواحكم ثم إلى ربكم ترجعون أي بالبعث ~~للحساب والجزاء. # PageV08P039 ### | فائدة: # قال ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) في هذه الآية: مذهب جمهور ~~أصحابنا أن الروح جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية، ينفذ في ~~العروق، حالة فيها. وكذلك للقلب، وكذلك للكبد. # وعندهم أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه. لولا ذلك ~~لتعذر عليه وهو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد في المشرق والمغرب، لأن ~~الجسم الواحد لا يكون في مكانين. في وقت واحد. # قال أصحابنا: ولا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون هم القابضون للأرواح عند ~~انقضاء الأجل. # قالوا: وكيفية القبض، ولوج الملك من الفم إلى القلب، لأنه جسم لطيف ~~هوائي، لا يتعذر عليه النفوذ في المخارق الضيقة، فيخالط الروح، التي هي ~~كالشبيهة بها، لأنها بخاري. ثم يخرج من حيث دخل، وهي معه. # وإنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى له فيه وهو حضور الأجل. # فألزموا على ذلك أن يغوص الملك في الماء مع الغريق ليقبض روحه تحت الماء. ~~فالتزموا ذلك، وقالوا: ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسام الماء، ~~فإن فيه مسام ومنافذ وفي كل جسم. على قاعدتهم في إثبات المسام في الأجسام. # قالوا: ولو فرضنا أنه لا مسام فيه، لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه ~~مكانا، كما يلجه الحجر والسمك، وغيرهما. وكالريح الشديدة التي تقرع ظاهر ~~البحر فتقعره وتحفره. وقوة الملك أشد ms3728 من قوة الريح. انتهى. # والأولى الوقوف، فيما لم تعلم كيفيته، عند متلوه وعدم مجاوزته، أدبا عن ~~التهجم على الغيب وتورعا عن محاولة مالا يبلغ كنهه، وأسوة بما مضى عليه من ~~لم يخض فيه، وهم الخيرة والأسوة، والله أعلم. # ولو ترى إذ المجرمون وهم القائلون تلك المقالة الشنعاء ناكسوا رؤسهم عند ~~ربهم أي مطأطئوها من الحياء والخزي، لما قدمت أيديهم ربنا أي يقولون ربنا ~~أبصرنا وسمعنا أي علمنا ما لم نعلم، وأيقنا بما لم نكن به موقنين فارجعنا ~~أي إلى الدنيا نعمل صالحا إنا موقنون أي مقرون بك وبكتابك ورسولك والجزاء. # PageV08P040 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 13 الى # 14] # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها أي تقواها ولكن حق القول مني أي في القضاء ~~السابق لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي سبق القول حيث قلت لإبليس، ~~عند قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: ### | 39- 40 # ] ، فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ص: 84- 85] ~~، أي فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى على العموم. بل منعناه من أتباع ~~إبليس الذين هؤلاء من جملتهم حيث صرفوا اختيارهم إلى الغي والفساد. ومشيئته ~~تعالى لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها. فلما لم يختاروا الهدى، ~~واختاروا الضلالة، لم يشأ إعطاءه لهم. وإنما آتاه الذين اختاروه من النفوس ~~البرة، وهم المعنيون بما سيأتي من قوله تعالى: إنما يؤمن بآياتنا [السجدة: # 15] الآية. فيكون مناط عدم مشيئة إعطاء الهدى، في الحقيقة، سوء اختيارهم، ~~لا تحقق القول. أفاده أبو السعود. فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا أي ~~تركتم الإقرار به، والإيمان بصدق موعوده، وعاملتموه معاملة المنسي المهجور ~~إنا نسيناكم أي جازيناكم جزاء نسيانكم. أو تركناكم في العذاب ترك المنسي ~~وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون أي من الموبقات. والتكرير للتأكيد ~~والتشديد. وتعيين الفعل ms3729 المطوي، للذوق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 15 الى 16] # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16) # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها أي وعظوا خروا سجدا لسرعة قبولهم ~~لها بصفاء فطرتهم، وذلك تواضعا لله وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام ~~وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون أي عن الانقياد لها، كما يفعله # PageV08P041 # الجهلة من الكفرة الفجرة. قال تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين [غافر: 60] ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع أي ترتفع ~~وتتنحى عن الفرش ومواضع النوم. والجملة مستأنفة لبيان بقية محاسنهم، وهم ~~المتهجدون بالليل يدعون ربهم أي داعين له خوفا من عذابه وطمعا في رحمته ~~ومما رزقناهم أي من المال ينفقون أي في وجوه البر والحسنات. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 17 الى # 20] # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم ~~النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون (20) # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم أي ما ذخر وأعد أي لهؤلاء الذين عددت مناقبهم ~~من قرة أعين أي مما تقر به عينهم من طيبة النفس والثواب والكرامة في الجنة ~~جزاء بما كانوا يعملون أي في الدنيا من الأعمال الصالحة أفمن كان مؤمنا كمن ~~كان فاسقا أي كافرا جاحدا لا يستوون أي في الآخرة بالثواب والكرامة. كما لم ~~يستووا في الدنيا بالطاعة والعبادة. ثم فصل مراتب الفريقين بقوله أما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا أي ثوابا بما كانوا يعملون ~~وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وكقوله تعالى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ms3730 أعيدوا فيها [الحج: 22] ، ~~كناية عن دوام عذابهم واستمراره وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون أي يقال لهم ذلك، تشديدا عليهم وزيادة في غيظهم، وتقريعا وتوبيخا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 21 الى 22] # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) # ولنذيقنهم أي أهل مكة من العذاب الأدنى أي عذاب الدنيا والجدب والقتل ~~والأسر دون العذاب الأكبر يعني عذاب الآخرة لعلهم يرجعون أي # PageV08P042 # يتوبون عن الكفر أي يرجعون إلى الله عند تصفية فطرتهم بشدة العذاب ~~الأدنى، قبل الرين بكثافة الحجاب ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها ~~أي جحدها وكفر بها إنا من المجرمين منتقمون أي بالعذاب، وإظهار المتقين ~~عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 23 الى # 24] # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون (24) # ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة فلا تكن في مرية من لقائه أي لقاء ~~الكتاب الذي هو القرآن. وعود الضمير إلى الكتاب المتقدم، والمراد غيره على ~~طريق الاستخدام، أو إرادة العهد، أو تقدير مضاف، أي تلقي مثله، أي فلا تكن ~~في مرية من كونه وحيا متلقى من لدنه تعالى. والمعنى: إنا آتينا موسى مثل ما ~~آتيناك من الكتاب. ولقيناه من الوحي مثل ما لقيناك. فلا تكن في شك من أنك ~~لقيت مثله. # ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الشك، المقصود به نهي أمته. والتعريض بمن ~~صدر منه مثله وجعلناه هدى لبني إسرائيل أي من الضلالة وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا أي قادة بالخير يدعون الخلق إلى أمرنا وشرعنا لما صبروا أي ~~على العمل به والاعتصام بأوامره وكانوا بآياتنا يوقنون أي يصدقون أشد ~~التصديق وأبلغه. # والمعنى كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه، هدى لأمتك، ولنجعلن منهم أئمة ~~يهدون مثل تلك الهداية. ويؤخذ من فحوى الآية، أن ms3731 بني إسرائيل لما نبذوا ~~الاعتصام بالكتاب، ونبذوا الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وفقدوا الاستيقان بحقية الإيمان، فغيروا وبدلوا، سلبوا ذلك المقام، وأديل ~~عليهم انتقاما منهم. وتلك سنته تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم [الرعد: # 11] ، ففي طي هذا الترغيب، ترهيب وأي ترهيب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 25 الى 27] # إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد ~~لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) # PageV08P043 # إن ربك هو يفصل أي يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون أي ~~فيميز الحق من الباطل، بتمييز المحق من المبطل أولم يهد لهم أي يتبين لكفار ~~مكة كم أهلكنا من قبلهم من القرون أي الماضية بعذاب الاستئصال يمشون في ~~مساكنهم أي منازلهم. كمنازل قوم شعيب وهود وصالح ولوط عليهم السلام. فلا ~~يرون فيها أحدا ممن كان يعمرها ويسكنها. ذهبوا كأن لم يغنوا فيها. كما قال ~~فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا [النمل: 52] ، إن في ذلك أي فبما فعلنا بهم ~~لآيات أي عبرا ومواعظ ودلائل متناظرة أفلا يسمعون أي أخبار من تقدم، كيف ~~صار أمرهم بسبب تكذيبهم الرسل، وبغيهم الفساد في الأرض، فيحملهم ذلك على ~~الإيمان أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز وهي التي جزر نباتها، أي ~~قطع فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم يعني العشب والثمار والبقول ~~أفلا يبصرون أي فيستدلون به على كمال قدرته ووجوب انفراده بالإلهية. وهذا ~~كآية فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا [عبس: 24- 25] الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : الآيات 28 الى 29] # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) # ويقولون أي كفار مكة متى هذا الفتح أي الانتصار علينا. استعجال لوقوع ~~البأس الرباني ms3732 عليهم، الذي وعدوا به، واستبعاد له إن كنتم صادقين قل يوم ~~الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون لحلول ما يغشي الأبصار ~~ويعمي البصائر. وظهور منار الإيمان وزهوق الفريق الكافر. # قال ابن كثير: أي إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا والأخرى، لا ~~ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون، كما قال تعالى فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم [غافر: 83] الآيتين. ومن زعم أن المراد ~~من هذا الفتح فتح مكة، فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح، قد ~~قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء وقد كانوا قريبا من ألفين. ~~ولو كان المراد فتح مكة، لما قبل إسلامهم لقوله تعالى قل يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل كقوله: ~~فافتح بيني وبينهم فتحا [الشعراء: 118] ، وكقوله: قل يجمع بيننا ربنا ثم ~~يفتح بيننا بالحق # PageV08P044 # [سبأ: 26] الآية، وقال تعالى: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد [إبراهيم: # 15] ، وقال تعالى: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح [الأنفال: 19] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة السجده (32) : آية 30] # فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # فأعرض عنهم أي عن المشركين، ولا تبال بهم، وبلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وانتظر أي النصرة عليهم. فإن الله سينجز لك ما وعدك، إنه لا يخلف الميعاد ~~إنهم منتظرون أي ما في نفوسهم. كقوله تعالى أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون [الطور: 30] ، ويتربص بكم الدوائر [التوبة: 98] ، أي وسيجدون مغبة ~~انتظارهم من وبيل عقابه تعالى وأليم عذابه بهم. # PageV08P045 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحزاب # سميت بها، لأن قصتها معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. متضمنة لنصره ~~بالريح والملائكة. بحيث كفى الله المؤمنين القتال. وقد ميز بهم بين ~~المؤمنين والمنافقين. وهذا من أعظم مقاصد القرآن. أفاده المهايمي. # وهي مدنية. وآياتها ثلاث وسبعون آية. وروى الإمام أحمد عن أبي بن كعب ~~قال: لقد رأيتها وإنها تعادل سورة البقرة. ولقد قرأنا فيها (الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من ms3733 الله والله عزيز حكيم) . # وقال ابن كثير: وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا. # والله أعلم. انتهى. # قلت: كان يصح هذا الاقتضاء، لو كان هذا الأثر صحيحا. أما ولم يخرجه أرباب ~~الصحاح، فهو من الضعف بمكان. # PageV08P046 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) # يا أيها النبي اتق الله نودي صلوات الله عليه بوصفه دون اسمه، تعظيما له. # وباب المخاطبة يعدل فيها عن النداء بالاسم تكريما للمخاطب. ولا كذلك باب ~~الأخبار فقد يصرح فيها بالاسم، والتعظيم باق كآية محمد رسول الله [الفتح: # 29] ، لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقينهم أن يسموه بذلك ويدعوه به. ~~وأمره عليه السلام بالتقوى تفخيما وتعظيما للتقوى نفسها، حيث أمر بها مثله. ~~فإن مراتبها لا تنتهي. مع أن المقصود الدوام والثبات عليها. ولم يجعل الأمر ~~لأمته كما في نظائره، لأن سياق ما بعده لأمر يخصه. كقصة زيد رضي الله عنه ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين أي لا توافقهم على أمر. ولا تقبل لهم رأيا ولا ~~مشورة، وجانبهم واحترس منهم. فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين. لا يريدون ~~إلا المضارة والمضادة إن الله كان عليما حكيما أي فهو أحق بأن تتبع أوامره ~~ويطاع، لأنه العليم بعواقب الأمور وبالمصالح من المفاسد. والحكيم الذي لا ~~يفعل شيئا، ولا يأمر به، إلا بداعي الحكمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 2 الى 4] # واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) # واتبع ما يوحى إليك من ربك أي في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك ~~إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا أي أسند ~~أمرك ms3734 # PageV08P047 # إليه، وكله إلى تدبيره. فكفى به حافظا موكولا إليه كل أمر ما جعل الله ~~لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما ~~جعل أدعياءكم أبناءكم قال الزمخشري: أي ما جمع الله قلبين في جوف، ولا ~~زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة في رجل. والمعنى: إن الله سبحانه، ~~كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لأنه لا يخلو إما أن يفعل ~~بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج ~~إليها- وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة ~~بكونه مريدا كارها، عالما ظانا، موقنا شاكا، في حالة واحدة- لم ير أيضا أن ~~تكون المرأة الواحدة أما لرجل زوجا له. لأن الأم مخدومة، مخفوض لها جناح ~~الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره، كالمملوكة. وهما ~~حالتان متنافيتان. وأن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل، وابنا له. لأن البنوة ~~أصالة النسب، وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير. # ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل. وهذا مثل ضربه الله ~~في (زيد بن حارثة) وهو رجل من كلب سبي صغيرا. وكانت العرب في جاهليتها ~~يتغاورون ويتسابون. فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة. فلما تزوجها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. وطلبه أبوه وعمه فخير. فاختار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأعتقه. وكانوا يقولون (زيد بن محمد) فأنزل الله هذه ~~الآية. وقوله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [الأحزاب: 40] . # والتنكير في (رجل) وإدخال (من) الاستغراقية على (قلبين) تأكيدان لما قصد ~~من المعنى كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال. ولا لواحد منهم، قلبين البتة ~~في جوفه. # وفائدة ذكر (الجوف) كالفائدة في قوله: القلوب التي في الصدور [الحج: # 46] ، وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلي للمدلول عليه. لأنه ~~إذا سمع به، صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الإنكار. ومعنى ~~(ظاهر من امرأته) قال لها: أنت علي كظهر أمي. وكان الظهار ms3735 طلاقا عند أهل ~~الجاهلية. # فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها، كما يتجنبون المطلقة. وهو في ~~الإسلام يقتضي الطلاق والحرمة إلى أداء الكفارة. # قال الأزهري: وخصوا (الظهر) ، لأنه محل الركوب. والمرأة تركب إذا غشيت، ~~فهو كناية تلويحية، انتقل من الظهر إلى المركوب، ومنه إلى المغشي. والمعنى: # PageV08P048 # أنت محرمة علي لا تركبين كما لا تركب الأم. كذا في (الكشف) . # وقوله تعالى ذلكم إشارة إلى كل ما ذكر. أي من كونه ليس لأحد قلبان، وليست ~~الأزواج أمهات، ولا الأدعياء أبناء. أو إلى الأخير فقط وهو الدعوة قولكم ~~بأفواهكم أي لا حقيقة له فلا يقتضي دعواكم ذلك، أن يكون ابنا حقيقيا. فإنه ~~مخلوق من صلب رجل آخر فلا يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون لبشر ~~واحد قلبان والله يقول الحق أي الثابت المحقق في نفس الأمر وهو يهدي السبيل ~~أي سبيل الحق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 5] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) # ادعوهم لآبائهم أي انسبوهم إليهم. وهو إفراد للمقصود من أقواله تعالى ~~الحقة هو أقسط عند الله أي أعدل وأحكم. # قال ابن كثير: هذا الأمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام، من جواز ادعاء ~~الأبناء الأجانب وهم الأدعياء. فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في ~~الحقيقة. وأن هذا هو العدل والقسط والبر. روى البخاري «1» عن ابن عمر قال: ~~«إن زيد بن حارثة رضي الله عنه، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ~~ندعوه إلا (زيد بن محمد) حتى نزل القرآن ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» ~~، وأخرجه مسلم «2» وغيره. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، ~~في الخلوة بالمحارم وغير ذلك. ولهذا # قالت سهلة «3» بنت سهيل، امرأة أبي حذيفة رضي الله عنها: «يا رسول الله! ~~إنا ندعوا سالما ابنا. وإن الله قد أنزل ما أنزل. وإنه كان يدخل علي. ms3736 وإني ~~أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا. فقال صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي ~~عليه..» الحديث. # ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي. وتزوج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، مطلقة زيد بن حارثة رضي الله عنه. وقال ~~عز وجل PageV08P049 # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ~~[الأحزاب: 37] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم [النساء: 23] ، احترازا عن زوجة الدعي، فإنه ليس من الصلب. # فأما الابن من الرضاعة، فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا، # بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «1» : «حرموا من الرضاعة ما يحرم ~~من النسب» . # فأما دعوة الغير ابنا، على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في ~~هذه الآية، بدليل ما # رواه الإمام أحمد وأهل السنن. إلا- الترمذي- عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~«2» : قال: «قدمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على ~~جمرات لنا من (جمع) فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبيني! لا ترموا الجمرة حتى ~~تطلع الشمس» . # قال أبو عبيدة وغيره (أبيني) تصغير (ابني) وهذا ظاهر الدلالة. فإن هذا في ~~حجة الوداع سنة عشر. # وفي مسلم «3» عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني» ~~. ورواه أبو داود والترمذي. # انتهى كلام ابن كثير. وفي ذهابه إلى أن الأمر في الآية ناسخ- نظر، لأن ~~الناسخ لا بد أن يرفع خطابا متقدما. وأما ما لا خطاب فيه سابقا، بل ورد ~~حكما مبتدأ رفع البراءة الأصلية، فلا يسمى نسخا اصطلاحا. فاحفظه. فإنه مهم ~~ومفيد في عدة مواضع. # ولما أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم، إن عرفوا، أشار إلى ~~دعوتهم بالأخوة والمولوية إن لم يعرفوا، بقوله سبحانه فإن لم تعلموا آباءهم ~~أي فتنسبوهم إليهم فإخوانكم أي فهم إخوانكم في الدين ومواليكم أي أولياؤكم ~~فيه. أي فقولوا: هذا أخي، وهذا مولاي. ويا أخي ويا مولاي وليس عليكم جناح ~~PageV08P050 # أي إثم فيما أخطأتم به أي فيما فعلتموه من ms3737 نسبة بعضهم إلى غير أبيه في ~~الحقيقة، مخطئين بالسهو أو النسيان. أو سبق اللسان، لأن الله تعالى قد وضع ~~الحرج في الخطأ ورفع إثمه ولكن ما تعمدت قلوبكم أي ففيه الجناح، لأن من ~~تعمد الباطل كان آثما وكان الله غفورا رحيما أي لعفوه عن المخطئ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 6] # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي في كل شيء من أمور الدين والدنيا. # فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، ~~وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها. وأن يبذلوها ~~دونه، ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب. وأن لا يتبعوا ما ~~تدعوهم إليه نفوسهم، ولا ما تصرفهم عنه. ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصرفهم عنه. لأن كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى ~~نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين. وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم لئلا ~~يتهافتوا فيما يرمي بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أفاده الزمخشري. # وهذا كما قال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] ، وفي الصحيح: ~~والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ~~والناس أجمعين وأزواجه أمهاتهم أي في وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم ~~نكاحهن. وفيما عدا ذلك كالأجنبيات، ولذا قال ابن كثير: ولكن لا تجوز الخلوة ~~بهن. ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع. وإن سمى بعض العلماء ~~بناتهن، أخوات المؤمنين. كما هو منصوص الشافعي رضي الله عنه في (المختصر) ~~وهو من باب إطلاق العبارة، لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله، خال ~~المؤمنين، فيه قولان: وعن الشافعي أنه يقال ذلك. وهل يقال له صلى الله عليه ~~وسلم: ms3738 # أبو المؤمنين، فيه قولان: فصح عن عائشة المنع، وهو أصح الوجهين للشافعية ~~لقوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وروي عن أبي بن كعب وابن عباس # PageV08P051 # رضي الله عنهما، أنهما قرءا: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم وهو أب لهم. وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعكرمة والحسن. ~~واستأنسوا عليه # بالحديث الذي رواه أبو داود «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلمكم. فإذا أتى ~~أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطيب بيمينه» # . أفاده ابن كثير. # وأولوا الأرحام أي ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أي فيما ~~فرضه، أو فيما أوحاه إلى نبيه عليه السلام من المؤمنين والمهاجرين بيان ~~لأولي الأرحام، أو صلة ل (أولى) إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم أي إخوانكم ~~المؤمنين والمهاجرين غير الرحم معروفا أي من صدقة ومواساة وهدية ووصية. فإن ~~بسط اليد في المعروف مما حث الله عباده عليه، ويشارك فيه مع ذوي القربى ~~وغيرهم. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى وأولوا الأرحام الآية، من ورث ذوي ~~الأرحام. انتهى. # وهو استدلال متين. وليس مع المخالف ما يقاومه. بل فهم كثيرون أن المعني ~~بها، أن القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وأنها ناسخة لما ~~كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة، التي كانت بينهم. ذهابا إلى ما روي ~~عن الزبير وابن عباس: أن المهاجري كان يرث الأنصاري، دون قراباته وذوي ~~رحمه. للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى أنزل الله ~~الآية. فرجعنا إلى مواريثنا. # إلا أن الاستدلال بذلك هو من عموم الأولوية. لا أنها خاصة بالمدعي فيها، ~~كما أسلفنا بيانه مرارا كان ذلك في الكتاب مسطورا أي في القرآن. أو في ~~قضائه وحكمه وما كتبه وفرضه، مقررا لا يعتريه تبديل ولا تغيير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 7] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا ms3739 منهم ميثاقا غليظا (7) # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم PageV08P052 # أي أخذنا عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق والتعاون والتناصر ~~والاتفاق وإقامة الدين وعدم التفرق فيه. كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من الشاهدين قال أبو السعود: وتخصيصهم بالذكر، يعني قوله ومنك إلخ مع ~~اندراجهم في النبيين، للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب ~~الشرائع وأساطين أولي العزم.، وتقديم نبينا عليهم، عليهم الصلاة والسلام، ~~لإبانة خطره الجليل. انتهى. # وقال في (الانتصاف) : وليس التقديم في الذكر بمقتض لذلك. ألا ترى إلى ~~قوله: # بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير # فأخر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليختم به تشريفا له. # وإذا ثبت أن التفضيل ليس من لوازمه التقديم، فيظهر، والله أعلم في سر ~~تقديمه عليه الصلاة والسلام، على نوح ومن بعده في الذكر، أنه هو المخاطب من ~~بينهم، والمنزل عليه هذا المتلو، فكان تقديمه لذلك. # ثم لما قدم ذكره عليه الصلاة والسلام، جرى ذكر الأنبياء، صلوات الله ~~عليهم بعده على ترتيب أزمنة وجودهم. والله أعلم. انتهى. # وقد صرح بأولي العزم هنا وفي آية شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه [الشورى: 13] . قال ابن كثير: فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق ~~بها. وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي عهدا عظيم الشأن. وكيف لا؟ وقد يعترضه من ~~الماكرين والمحادين والمشاقين، ما تزول منه الجبال، لولا الاعتصام بالصبر ~~عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 8 الى # 9] # ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # ليسئل ms3740 الصادقين عن صدقهم أي فعل الله ذلك ليسأل يوم القيامة الأنبياء. # PageV08P053 # ووضع الصادقين موضع ضميرهم، للإيذان من أول الأمر، بأنهم صادقون فيما ~~سئلوا عنه. وإنما السؤال لحكمة تقتضيه. أي ليسأل الأنبياء الذين صدقوا ~~عهودهم عما قالوه لقومهم. أو عن تصديقهم إياهم تبكيتا لهم. كما في قوله ~~تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [المائدة: 109] ، أو المصدقين ~~لهم عن تصديقهم. # أفاده أبو السعود وأعد للكافرين عذابا أليما أي لمن كفر من أممهم عذابا ~~موجعا. # ونحن- كما قال ابن كثير- نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا ~~الأمم، وأفصحوا لهم عن الحق المبين الواضح الجلي، الذي لا لبس فيه ولا شك ~~ولا امتراء. # وإن كذبهم من كذبهم من الجهة والمعاندين والمارقين والقاسطين. فما جاءت ~~به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال. انتهى. # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم أي ما أنعم به عليكم يوم ~~الأحزاب وهو يوم الخندق إذ جاءتكم جنود وهم الأحزاب فأرسلنا عليهم ريحا ~~وجنودا لم تروها وهم الملائكة. أو ما أتى من الريح من طيور الجو وجراثيمه، ~~المشوشة للقار المقلقلة للهادئ وكان الله بما تعملون بصيرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 10 الى 13] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) ~~وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق ~~منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم أي من أعلى الوادي وأسفله، بقصد التحزب ~~على أن يكونوا جملة واحدة على استئصال النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وإذ ~~زاغت الأبصار أي مالت عن سننها ومستوى نظرها، حيرة وشخوصا وبلغت القلوب ~~الحناجر أي منتهى الحلقوم لأن بالفزع تنتفخ الرئة فترتفع، وبارتفاعها ترتفع ~~القلوب. وذلك من شدة الغم. أو هو ms3741 مثل في اضطراب القلوب. وتظنون بالله ~~الظنونا أي أنواع الظنون المختلفة هنالك ابتلي المؤمنون أي اختبروا ليتميز ~~الثابت من المتزلزل، والمؤمن من المنافق وزلزلوا زلزالا شديدا أي أزعجوا ~~أشد # PageV08P054 # الإزعاج من شدة الخوف والفزع، أو من كثرة الأعداء. ### | فائدة: # قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر (الظنونا) بإثبات ألف بعد النون، وبعد لام ~~الرسول، في قوله وأطعنا الرسولا [الأحزاب: 66] ، ولام السبيل، في قوله ~~فأضلونا السبيلا [الأحزاب: 67] ، وصلا ووقفا، موافقة للرسم. لأن هذه ~~الثلاثة رسمت في المصحف، كذلك. وأيضا فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان ~~الحركة. وهاء السكت تثبت وقفا للحاجة إليها. وقد ثبتت وصلا إجراء للوصل ~~مجرى الوقف، فكذلك هذه الألف. وقرأ أبو عمرو وحمزة بحذفها في الحالين. ~~لأنها لا أصل لها. وقولهم (أجريت الفواصل مجرى القوافي) غير معتد به. لأن ~~القوافي يلزم الوقف عليها غالبا. والفواصل لا يلزم ذلك فيها، فلا تشبه ~~بها،. والباقون بإثباتها وقفا، وحذفها وصلا، إجراء للفواصل مجرى القوافي، ~~في ثبوت ألف الإطلاق. ولأنها كهاء السكت. وهي تثبت وقفا، وتحذف وصلا، أفاده ~~السمين. # ثم أشار تعالى إلى ما ظهر من المنافقين في تلك الشدة، بقوله سبحانه وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض أي شبهة. تنفسا بما يجدونه من الوسواس ~~في نفوسهم، وفرصة لانطلاق ألسنتهم، بما تكن صدورهم. لضعف إيمانهم وشدة ما ~~هم فيه من ضيق الحال، وحصر العدو لهم ما وعدنا الله ورسوله أي من النصر إلا ~~غرورا أي باطلا وإذ قالت طائفة منهم أي المنافقين يا أهل يثرب وهي أرض ~~المدينة لا مقام لكم بضم الميم وفتحها، قراءتان. أي لا إقامة لكم بعد اليوم ~~بالمدينة أو نواحيها لغلبة الأعداء فارجعوا أي إلى منازلكم من المدينة ~~هاربين. # أو فارجعوا عن الإسلام كفارا ليمكنكم المقام. # فائدة: # (يثرب) من أسماء المدينة. كما في الصحيح «1» : أريت في المنام دار ~~هجرتكم. أرض بين حرتين. فذهب وهلي أنها هجر. فإذا هي يثرب (وفي لفظ: # المدينة) . # قال ابن كثير: فأما # الحديث الذي رواه الإمام أحمد «2» عن البراء قال: قال PageV08P055 # رسول الله ms3742 صلى الله عليه وسلم من سمى المدينة (يثرب) فليستغفر الله ~~تعالى، إنما هي طابة هي طابة. # تفرد به الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف. انتهى: ويستأذن فريق منهم النبي أي ~~في الرجوع يقولون إن بيوتنا عورة أي عير حصينة يخشى عليها وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 14 الى # 16] # ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله ~~مسؤلا (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا (16) # ولو دخلت أي يثرب عليهم من أقطارها أي بأن دخل عليهم العدو من سائر ~~جوانبها، وأخذ في النهب والسلب ثم سئلوا الفتنة أي الرجعة إلى الكفر لآتوها ~~أي لفعلوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا أي وما توقفوا بإعطائها إلا ريثما ~~يكون السؤال والجواب. أي فهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به، مع ~~أدنى خوف وفزع. وهذا منتهى الذم لهم. ثم ذكرهم تعالى بما كانوا عاهدوه من ~~قبل بقوله: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل أي من قبل هذا الخوف لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسؤلا أي عن الوفاء به قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم ~~من الموت أو القتل أي لأنه لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم. بل ربما كان ~~ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة انتقاما منهم. ولهذا قال: وإذا أي فررتم لا ~~تمتعون إلا قليلا أي في الدنيا بعد فراركم. أو لأنهم فقدوا بذلك حظهم ~~الأخروي. فمهما متعوا في الدنيا، فإنه قليل بجانب نعيم الآخرة للصابرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 17 الى 19] # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم ms3743 ~~فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ~~فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط ~~الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) # PageV08P056 # قل من ذا الذي يعصمكم أي يجيركم من الله إن أراد بكم سوءا أي هلاكا أو ~~هزيمة أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا أي مجيرا ~~ولا مغيثا يدفع عنهم الضر قد يعلم الله المعوقين منكم أي المثبطين عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وهم المنافقون. قال الشهاب: و (قد) للتحقيق، أو ~~لتقليله باعتبار متعلقه، وبالنسبة لغير معلوماته. انتهى. والقائلين ~~لإخوانهم أي من ساكني المدينة هلم إلينا أي أقبلوا إلى ما نحن فيه من ~~الضلال والثمار ولا يأتون البأس أي القتال إلا قليلا أي إلا إتيانا قليلا. ~~لأنهم يتثبطون ما أمكن لهم أشحة عليكم أي بخلاء بالمعونة والنفقة والمودة ~~عليكم، أو أضناء بكم ظاهرا، إن لم يحضر خوف فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون ~~إليك تدور أعينهم أي في أحداقهم كالذي يغشى عليه من الموت أي كنظره أو ~~كدورانه فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أي بالغوا فيكم بالكلام طعنا ~~وذما. فأحرقوكم وآذوكم. وأصل (السلق) بسط العضو ومدة للقهر. كان يدا أو ~~لسانا. ويجوز أن يشبه اللسان بالسيف على طريق الاستعارة المكنية، ويثبت له ~~السلق وهو الضرب تخييلا أشحة على الخير أي على فعله أولئك لم يؤمنوا فأحبط ~~الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 20 الى # 21] # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا (21) # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أي لم ينهزموا بما أرسل عليهم من الريح ~~والجنود. وأن لهم عودة إليهم لخورهم واضطرابهم وإن يأت الأحزاب أي مرة أخرى ms3744 ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب أي فلا يذهبون إلى قتالهم، ولا يستقرون في ~~المدينة، بل يتمنون أنهم خارجون إلى البدو بين الأعراب، وإن لحقهم عار ~~جبنهم يسئلون أي القادمين عن أنبائكم أي عما جرى لكم. ثم أشار تعالى إلى ~~أنه لا يضر خروجهم عن المدينة، لو أتى الأحزاب، بقوله: ولو كانوا فيكم أي ~~في حدوث واقعة ثانية ما قاتلوا إلا قليلا أي رياء وخوفا من التعيير لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة أي في أخلاقه وأفعاله قدوة حسنة، إذ كان منها ~~ثباته في الشدائد وهو مطلوب. وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب. ~~ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة، لا يخور في شديدة ولا يستكين لعظيمة أو ~~كبيرة. وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهد الصياصي. وهو مع الضعف ~~يصابر # PageV08P057 # صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي. ومن صبر على هذه الشدائد في الدعاء ~~إلى الله تعالى، وهو الرفيع الشأن، كان غيره أجدر إن كان ممن يتبع بإحسان ~~لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر أي رضوان الله ورحمته وثواب اليوم الآخر ~~ونجاته. فإنه يؤثرهما على الحياة الدنيا، فلا يجبن. إذ لا يصح الجبن لمن صح ~~اقتداؤه برسول الله صلى الله عليه وسلم، لغاية قبحه وذكر الله كثيرا أي ~~وقرن بالرجاء ذكره تعالى بكثرة. أي ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده. فأدرك ~~مواطن السعادة ومهاوي الشقاوة. وعلم أن في الثبات على قتل العدو، تطهير ~~الأرض من الفساد، وتزيينها بالحق والصلاح والسداد. # مما جزاؤه سعادة الدارين، والفوز بالحسنيين. ثم بين تعالى ما كان من ~~المؤمنين المخلصين في تلك الشدة، بعد بيان ما كان من غيرهم، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 22 الى # 23] # ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) # ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ms3745 وعدنا الله ورسوله أي لأنه تعالى ~~وعدهم أن يزلزلوا حتى يستغيثوه ويستنصروه، في قوله أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم [البقرة: 214] ، وكذلك حدثهم ~~الرسول صلوات الله عليه بالابتلاء والامتحان الذي يعقبه النصر والأمان وصدق ~~الله ورسوله أي ظهر صدقهما فيما وعدانا به وما زادهم أي هذا الخطب والبلاء، ~~عند تزلزل المنافقين وبث أراجيفهم إلا إيمانا أي بالله ورسوله ومواعيدهما ~~وتسليما أي لأمر الله ومقاديره من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~في الصبر والثبات، والقيام بما كتب عليهم من القتال، لإعلاء كلمة الحق، ومن ~~العمل بالصالحات، ومجانبة السيئات فمنهم من قضى نحبه أي أدى ما التزمه ووفى ~~به، فقاتل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، صادقا حتى قتل شهيدا. # قال الشهاب: أصل معنى (النحب) النذر. وقضاؤه الوفاء به. وقد كان رجال من ~~الصحابة رضي الله عنهم نذروا أنهم إذا شهدوا معه صلى الله عليه وسلم حربا، ~~قاتلوا حتى يستشهدوا. وقد استعير (قضاء النحب) للموت، لأنه لكونه لا بد ~~منه، مشبه بالنذر الذي يجب الوفاء به. فيجوز أن يكون هنا حقيقة، أو استعارة ~~من المشاكلة فيه. انتهى. # PageV08P058 # ومنهم من ينتظر أي ما وعد الله به من نصره والشهادة على ما مضى عليه ~~أصحابه وما بدلوا تبديلا أي ما غيروا شيئا من العهد، ولا نقضوه كنقض ~~المنافقين في توليهم ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ~~[الأحزاب: 15] ففيه كناية تعريضية تفهم من تخصيصهم به. والتصريح بالمصدر ~~لإفادة العموم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 24 الى # 25] # ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) # ليجزي الله الصادقين أي في عهودهم بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم أي كمال غضبهم ~~بما أرسله من الريح والجنود، ms3746 بفضله ورحمته لم ينالوا خيرا أي نصرا لا غنيمة ~~وكفى الله المؤمنين القتال أي فلم يحوجهم إلى مبارزتهم ليجلوهم عن المدينة. # بل تولى كفاية ذلك وحده. ولهذا # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ~~ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده # ، فلا شيء بعده وكان الله قويا أي فلا يعارض قوته قوة شيء عزيزا أي غالبا ~~على أمره (ذكر تفصيل نبأ الأحزاب المسمى بغزوة الخندق) قال الإمام ابن ~~القيم في (زاد المعاد) : كانت غزوة الخندق في سنة خمس من الهجرة، في شوال ~~على أصح القولين. إذ لا خلاف أن أحدا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد ~~المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل وهي سنة أربع. ثم ~~أخلفوه لأجل جدب السنة، فرجعوا. فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه. هذا قول ~~أهل السير والمغازي. وخالفهم موسى بن عقبة وقال: بل كانت سنة أربع. قال أبو ~~محمد ابن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه. واحتج عليه بحديث ابن عمر في ~~الصحيحين «1» أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربع ~~عشرة سنة فلم يجزه. # ثم عرض عليه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. قال: وصح أنه لم ~~يكن PageV08P059 # بينهما إلا سنة واحدة. وأجيب عن هذا بجوابين: أحدهما- أن ابن عمر أخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى ~~السن التي رآه فيها مطيقا. وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. ~~والثاني- أنه لعله كان يوم أحد في أول الرابع عشرة. ويوم الخندق في آخر ~~الخامس عشرة. # ثم قال ابن القيم رحمه الله: وكان سبب غزوة الخندق، أن اليهود لما رأوا ~~انتصار المشركين على المسلمين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو ~~المسلمين، فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل، خرج أشرافهم كسلام بن أبي ~~الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع وغيرهم إلى قريش بمكة. يحرضونهم ms3747 ~~على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوالونهم عليه. ووعدوهم من أنفسهم ~~بالنصر لهم. # فأجابتهم قريش. ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم. ثم طافوا في ~~قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك. فاستجاب لهم من استجاب. فخرجت قريش وقائدهم ~~أبو سفيان في أربعة آلاف. ووافاهم بنو سليم بمر الظهران. وخرجت بنو أسد ~~وفزارة وأشجع وبنو مرة. وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن. وكان قد وافى ~~الخندق من الكفار عشرة آلاف. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمسيرهم إليه، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول ~~بين العدو وبين المدينة. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إليه ~~المسلمون. وعمل بنفسه فيه وبادروا. وهجم الكفار عليهم. وكان في حفره من ~~آيات نبوته وأعلام رسالته ما قد تواتر الخبر به. وكان حفر الخندق أمام سلع. ~~وسلع جبل خلف ظهور المسلمين. والخندق بينهم وبين الكفار. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين. فتحصن ~~بالجبل من خلفه وبالخندق أمامهم. # وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة. (وهذا غلط من خروجه يوم أحد) . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة. ~~واستخلف عليها ابن أم مكتوم وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة. فدنا من ~~حصنهم. فأبى كعب ابن أسد أن يفتح له. فلم يزل يكلمه حتى فتح له. فلما دخل ~~عليه قال: لقد جئتكم بعز الدهر. جئتك بقريش وغطفان وأسد على قادتها، لحرب ~~محمد. قال: قال كعب: جئتني، والله! بذل الدهر وبجهام قد أراق ماءه. فهو رعد ~~وبرق. فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ودخل مع المشركين في محاربته، فسر بذلك المشركون. وشرط كعب على حيي ~~أنه، إن لم يظفروا بمحمد، أن يجيء # PageV08P060 # حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه. فأجابه إلى ذلك، ووفى له به. ~~وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بني قريظة ونقضهم للعهد. فبعث إليهم ms3748 ~~السعدين وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليعرفوه: هل هم على عهدهم أو قد ~~نقضوه. فلما دنوا منهم فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسب والعداوة، ~~ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانصرفوا عنهم، ولحنوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحنا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد وغدروا. فعظم ذلك على ~~المسلمين. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: الله أكبر! أبشروا يا معشر ~~المسلمين. # واشتد البلاء وتجهر النفاق. واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة وقالوا: بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا. وهم بنو سلمة بالفشل. ثم ثبت الله الطائفتين. وأقام ~~المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا. ولم يكن بينهم قتال. ~~لأجل ما حال الله به من الخندق. بينهم وبين المسلمين. إلا أن فوارس من قريش ~~منهم عمرو بن عبد ود وجماعة معه، أقبلوا نحو الخندق. فلما وقفوا عليه ~~قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ~~فاقتحموه. وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع. ودعوا إلى البراز. ~~فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # فبارزه فقتله الله على يديه. وكان من شجعان المشركين وأبطالهم. وانهزم ~~الباقون إلى أصحابهم. وكان شعار المسلمين يومئذ (حم لا ينصرون) ولما طالت ~~هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة ~~بن حصن والحارث بن عوف، رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا ~~بقومهما. وجرت المراوضة على ذلك. فاستشار السعدين في ذلك فقالا: يا رسول ~~الله! إن كان الله أمرك بهذا، فسمعا وطاعة. وإن كان شيء تصنعه لنا، فلا ~~حاجة لنا فيه. لقد كنا نحن هؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، ~~وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. # فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ ~~والله! لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما وقال: ms3749 إنما هو شيء أصنعه لكم، لما ~~رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. # ثم إن الله عز وجل، وله الحمد، صنع أمرا من عنده. خذل به بين العدو وهزم ~~جموعهم، وفل حدهم. فكان مما هيأ من ذلك، أن رجلا من غطفان يقال له نعيم بن ~~مسعود بن عامر، رضي الله عنه، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله! إني قد أسلمت. فمرني بما شئت. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد. فخذل عنا ما ~~استطعت: فإن الحرب خدعة # . فذهب من فوره ذلك إلى بني قريظة. وكان عشيرا # PageV08P061 # لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال: يا بني قريظة! ~~إنكم قد حاربتم محمدا. وإن قريشا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا ~~إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدا، فانتقم منكم. قالوا: فما العمل؟ يا ~~نعيم! قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي. ثم ~~مضى على وجهه إلى قريش. قال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم. قالوا: نعم ~~قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه. وإنهم قد ~~راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يوالونه عليكم. فإن سألوكم ~~رهائن فلا تعطوهم. ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك. فلما كان ليلة السبت ~~من شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف. ~~فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت وقد ~~علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه. ومع هذا، فإنا لا نقاتل معكم حتى ~~تبعثوا لنا رهائن. فلما جاءتهم رسلهم بذلك، قالت قريش صدقكم، والله! نعيم. ~~فبعثوا إلى يهود: إنا، والله! لا نرسل إليكم أحدا. فاخرجوا معنا حتى نناجز ~~محمدا. فقالت قريظة: صدقكم، والله! نعيم. # فتخاذل الفريقان: وأرسل الله عز وجل على المشركين جندا من الريح في ليال ~~شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها، ms3750 ~~ولا طنبا إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار. وجند الله من الملائكة يزلزلونهم ~~ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف. وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة ~~بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيأوا للرحيل. فرجع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهم برحيل القوم. # فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظه، لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله قتالهم. # فصدق وعده. وأعز جنده ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده. # ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا ~~والمسلمون معه، ووضعوا السلاح، وكانت الظهر، أتى جبريل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إن الله عز وجل يأمرك بالمسير إلى بني قريظة- وهم قبيلة من يهود ~~خيبر- فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. # فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس: من كان سامعا ~~مطيعا، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ~~وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب، رضوان الله عليه، ~~برايته إلى بني قريظة. وابتدرها الناس. فسار علي، حتى إذا دنا من الحصون ~~سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فرجع حتى لقي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله! لا عليك أن لا تدنو ~~من هؤلاء الأخابث. قال: # لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى. قال: نعم. يا رسول الله؟ قال: لو رأوني لم ~~يقولوا # PageV08P062 # من ذلك شيئا. وتلاحق به الناس، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم ~~الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله! صلى الله عليك وسلم. إنهم ~~كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل بني قريظة، قد حاصر بني ~~قينقاع وهم شعب من اليهود كانوا بالمدينة، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على ms3751 ~~حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول فوهبهم له. # فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون، يا معشر ~~الأوس! أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فذاك إلى سعد بن معاذ. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من ~~أسلم، يقال لها رفيدة في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة ~~من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ~~لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب. ~~فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه ~~على حمار. # وكان رجلا جسيما جميلا. ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال صلى الله عليه ~~وسلم: قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه فأنزلوه. # قال ابن كثير: إعظاما وإكراما، واحتراما له، في محل ولايته، ليكون أنفذ ~~لحكمه فيهم. # فلما جلس، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء قد نزلوا على ~~حكمك. فاحكم فيهم بما شئت. وصارت تعرض له الأوس أن يحسن إليهم، وتقول: يا ~~أبا عمرو! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. # فقال رضي الله عنه: عليكم عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت. # قالوا: نعم. قال: وعلى من ها هنا (في الناحية التي فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له) فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل ~~الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وفي رواية: ~~لقد حكمت بحكم الملك (أي لأن هذا جزاء ms3752 الخائن الغادر) وكان سعد أصيب يوم ~~الخندق. # رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة. رماه في الأكحل. # PageV08P063 # فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله. وقال سعد: اللهم! إن كنت ~~أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها: فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد، من قوم ~~آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم! وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، ~~فاجعل لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى ~~دعاءه وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم. # ثم لما استنزلوا من حصونهم، حبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~في دار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها ~~خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، ~~وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب ابن أسد رأس القوم. وهم ستمائة أو ~~سبعمائة. وسبي من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم، وهذا ما ذكره تعالى من ~~أمر بني قريظة، إثر أمر الخندق بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 26 الى 28] # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) # وأنزل الذين ظاهروهم أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الكتاب يعني بني قريظة. وهم طائفة من اليهود، كان نزل ~~آباؤهم الحجاز لما فروا من الاضطهاد وتشتتوا كل شتات في أطراف البلاد من ~~صياصيهم أي حصونهم وآطامهم التي كانوا فيها وقذف في قلوبهم الرعب أي الخوف، ~~جزاء وفاقا. # قال ابن كثير: لأنهم كانوا مالئوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم- وليس من يعلم كمن لا يعلم- وأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليعزوا في ~~الدنيا. فانعكس عليهم الحال ms3753 وانقلب إليهم القتال، لما انشمر المشركون ~~وراحوا بصفقة المغبون. # فكما راموا العز ذلوا. وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا. ولهذا قال ~~تعالى: # فريقا تقتلون وتأسرون فريقا يعني قتل الرجال المقاتلة، وسبي الذراري ~~والنساء. # روى الإمام أحمد «1» عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم قريظة PageV08P064 # فشكوا في. فأمر بي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظروا: هل أنبت بعد؟ ~~فنظروني فلم يجدوني أنبت. فخلى عني، وألحقني بالسبي. # وكذا رواه أهل السنن كلهم: وقال الترمذي: حسن صحيح وأورثكم أرضهم وديارهم ~~حصونهم وأموالهم أي نقودهم وأثاثهم ومواشيهم وأرضا لم تطؤها أي أرضا لم ~~تقبضوها بعد، يعني خيبر، وقيل مكة. رواه مالك عن زيد بن أسلم. # وقيل: فارس والروم، وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادا. قال ~~الزمخشري: # ومن بدع التفاسير أنه أراد نساءهم. وبتمام هذه الغزوة أراح الله المسلمين ~~من شر مجاورة اليهود الذين تعودوا الغدر والخيانة. ولم يبق إلا بقية من ~~كبارهم بخيبر مع أهلها، وهم الذين كانوا السبب في إثارة الأحزاب. قال ~~بعضهم: يا لله! ما أسوأ عاقبة الطيش! فقد تكون الأمة مرتاحة البال هادئة ~~الخواطر، حتى تقوم جماعة من رؤسائها بعمل غدر يظنون من ورائه النجاح. فيجلب ~~عليهم الشرور ويشتتهم من ديارهم. # وهذا ما حصل لليهود في الحجاز. فقد كان بينهم وبين المسلمين عهود يأمن ~~بها كل منهم الآخر. ولكن اليهود لم يوفوا بتلك العهود حسدا منهم وبغيا. فتم ~~عليهم ما تم. سنة الله في المفسدين. فإن الله لا يصلح أعمالهم وكان الله ~~على كل شيء قديرا أي وقد شاهدتم بعض مقدوراته فاعتبروا بغيرها يا أيها ~~النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا أي السعة والتنعم فيها ~~وزينتها أي زخارفها فتعالين أمتعكن وأسرحكن أي أعطكن المتعة وأطلقكن. ~~والمتعة ما يعطى للمرأة المطلقة على حسب السعة والإقتار. من ثياب أو دراهم ~~أو أثاث، تطوعا لا وجوبا. وقوله تعالى: سراحا جميلا أي طلاقا من غير ضرار ~~ولا بدعة. # وقد روي أنهن سألن النبي صلى الله عليه وسلم ms3754 ثياب الزينة وزيادة النفقة ~~مما ليس عنده. فنزلت الآية. # ولما نزلت، بدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها. وكانت أحبهن ~~إليه. فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. ثم ~~اختار جميعهن اختيارها. قيل: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة ~~وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة رضي الله عنهن. ثم صفية بنت حيي النضرية ~~وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث ~~المصطلقية رضي الله عنهن. ### | لطيفة: # قال الرازي: وجه التعلق، وهو أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين: التعظيم ~~لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: الصلاة ~~وما # PageV08P065 # ملكت أيمانكم. ثم إن الله تعالى لما أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب ~~التعظيم لله، بقوله: يا أيها النبي اتق الله [الأحزاب: 1] ، ذكر ما يتعلق ~~بجانب الشفقة. وبدأ بالزوجات، فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولذا قدمهن في ~~النفقة. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 29 الى 30] # وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن ~~أجرا عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) # وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة أي تردن رسوله. قال أبو السعود: # وذكر الله عز وجل، للإيذان بجلالة محله عليه السلام، عنده تعالى: فإن ~~الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما أي لا يقدر قدره. ولما خيرهن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، واخترن الله ورسوله، أدبهن الله وهددهن، للتوقي عما يسوء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويقبح بهن من الفاحشة. وأوعدهن بتضعيف العذاب ~~بقوله تعالى: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة أي بين الشرع والعقل ~~قبحها. إن قرئ بالفتح. أو مبينة قبحها بنفسها من غير تأمل، إن قرئ بالكسر ~~يضاعف لها العذاب ضعفين أي ضعفي عذاب غيرهن. قال القاضي: لأن الذنب منهن ~~أقبح. فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه، ولذلك جعل حد ~~الحر ضعفي ms3755 حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم وكان ذلك على ~~الله يسيرا لعموم قدرته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 31 الى 33] # ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها ~~رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا ~~تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) # ومن يقنت أي يدم مطيعا منكن لله ورسوله أي في إتيان الواجبات وترك # PageV08P066 # المحرمات والمكروهات وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين أي مرة على الطاعة ~~والتقوى، وأخرى على طلبهن رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحسن الخلق ~~وطيب المعاشرة والقناعة وأعتدنا لها أي زيادة على أجرها المضاعف في الجنة، ~~أو فيها وفي الدنيا رزقا كريما أي حسنا مرضيا يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول # أي عند مخاطبة الناس. أي فلا تجبن بقولكن لينا خنثا، مثل كلام المريبات ~~والمومسات فيطمع الذي في قلبه مرض أي ريبة وفجور وقلن قولا معروفا أي بعيدا ~~من طمع المريب بجد وخشونة، من غير تخنيث. أو قولا حسنا مع كونه خشنا وقرن ~~في بيوتكن أي اسكن ولا تخرجن منها. من (وقر يقر وقارا) إذا سكن. أو من (قر ~~يقر من باب ضرب) حذفت الأولى من راءى (اقررن) ونقلت كسرتها إلى القاف، ~~فاستغنى عن همزة الوصل. ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح. من (قررت أقر) من ~~باب علم. وهي لغة قليلة ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى أي تبرج النساء ~~أيام جاهلية الكفر الأولى. إذ لا دين يمنعهم ولا أدب يزعهم. والتبرج، فسر ~~بالتبختر والتكسر في المشي. وبإظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل. # وبلبس رقيق الثياب التي لا تواري جسدها. وبإبداء محاسن الجيد والقلائد ~~والقرط. # وكل ذلك مما يشمله النهي، لما فيه من المفسدة والتعرض لكبيرة. ### | فائدة: ms3756 # قيل الأولى بمعنى القديمة مطلقا من غير تقييد بزمن. فيستدل بذلك لمن قال: ~~إن الأول لا يستلزم ثانيا. # قال في (الإكليل) : وهو الأصح عند العلماء. فلو قال: أول ولد تلدينه فأنت ~~طالق، لم يحتج إلى أن تلد ثانيا. انتهى. # وقال الزمخشري: الأولى هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء. من ~~الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، أو ما قبله، إلى زمن عيسى. والجاهلية ما بين ~~عيسى ومحمد صلوات الله عليهما. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر ~~قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. ويعضده ~~ما # روي «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر، لما عير رجلا بأمه ~~وكانت أعجمية: إنك امرؤ فيك جاهلية. # والمعنى نهيهن عن إحداث جاهلية في الإسلام، تشبه جاهلية الكفر قبله وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله أي بموافقة أمرهما ونهيهما. ثم ~~PageV08P067 # أشار إلى أن مخالفتهما رجس لا يناسب فضل أهل البيت بقوله: إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا أي ما أمركن ونهاكن، ووعظكن، ~~إلا خيفة مقارفة المآثم والحرص على التصون عنها بالتقوى. فالجملة تعليلية ~~لأمرهن ونهيهن على سبيل الاستئناف. # قال الزمخشري: استعار للذنوب (الرجس) وللتقوى (الطهر) . لأن عرض المقترف ~~للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما المحسنات فالعرض ~~معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما ~~كرهه الله لعباده ونهاهم عنه. ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. وأهل البيت ~~نصب على النداء أو على المدح. والمراد بهم من حواهم بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قال ابن كثير: وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل ~~البيت هاهنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا. ~~إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وأما قول عكرمة، إنها نزلت في ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ومن شاء باهلته في ذلك، فإن كان ~~المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، ms3757 فصحيح. وإن أريد أنهن المراد فقط دون ~~غيرهن، ففي هذا نظر. فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك. # وأنه صلى الله عليه وسلم «1» جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين، ثم جللهم ~~بكساء كان عليه. ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس # . وقد ساق ابن كثير طرق هذا الحديث ومخرجيه. إلا أن الشيخين لم يصححاه، ~~ولذا لم يخرجاه. وأما ما # رواه مسلم «2» عن حصين بن سبرة، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أما بعد، أيها الناس! إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ~~ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور. # فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله عز وجل ورغب فيه. ثم ~~قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. قالها ثلاثا. فقال له حصين: ومن ~~أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن ~~أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: آل علي وآل عقيل وآل جعفر ~~وآل عباس رضي الله عنهم # - فإنما مراد زيد، آله الذين حرموا الصدقة. أو أنه ليس المراد بالأهل ~~الأزواج فقط، بل هم مع آله. PageV08P068 # قال ابن كثير: وهذا الاحتمال أرجح، جمعا بين القرآن والأحاديث المتقدمة، ~~إن صحت. فإن في بعض أسانيدها نظرا. انتهى. # وقال أبو السعود: وهذه كما ترى آية بينة، وحجة نيرة، على كون نساء النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، قاضية ببطلان رأي الشيعة في تخصيصهم أهلية ~~البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضوان الله عليهم. وأما ما تمسكوا به من حديث ~~الكساء وتلاوته صلى الله عليه وسلم الآية بعده، فإنما يدل على كونهم من أهل ~~البيت، لا على أن من عداهم ليسوا كذلك. ولو فرضت دلالته على ذلك لما اعتد ~~بها، لكونها في مقابلة النص. انتهى. # بقي أن الشيعة، تمسكوا بالآية أيضا على عصمة علي رضي الله عنه، وإمامته ~~دون غيره. # قال ابن المطهر الحلي ms3758 منهم: وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد ~~بلفظ (إنما) وإدخال اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله: ويطهركم ~~تطهيرا وغيرهم ليس بمعصوم إلخ. وأجاب ابن تيمية رحمه الله في (منهاج السنة) ~~بقوله: ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم. وتحقيق ذلك في مقامين: ~~أحدهما- أن قوله: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا كقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج [المائدة: 6] ، وكقوله يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [البقرة: 185] ، وكقوله يريد الله ليبين ~~لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما [النساء: 26- ~~27] ، فإن إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه ~~به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به. ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه ~~قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة. والدليل على ذلك، أن # النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية قال (اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) # فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير. فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله ~~بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء. # وهذا على قول القدرية أظهر. فإن إرادة الله عندهم لا تتضمن وجود المراد، ~~بل قد يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد. فليس في كونه تعالى مريدا لذلك، ~~ما يدل على وقوعه. # وهذا الرافضي وأمثاله قدرية، فكيف يحتجون بقوله: إنما يريد الله ليذهب # PageV08P069 # عنكم الرجس أهل البيت # على وقوع المراد؟ وعندهم أن الله قد أراد إيمان من على وجه الأرض. فلم ~~يقع مراده. وأما على قول أهل الإثبات، فالتحقيق في ذلك أن الإرادة في كتاب ~~الله نوعان: إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه. وإرادة كونية قدرية ~~تتضمن خلقه وتقديره. الأولى مثل هؤلاء الآيات. والثانية مثل قوله تعالى فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ms3759 حرجا ~~كأنما يصعد في السماء [الأنعام: 125] ، وقول نوح ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم [هود: 34] ، وكثير من المثبتة ~~والقدرية يجعل الإرادة نوعا واحدا، كما يجعلون الإرادة والمحبة شيئا واحدا. # ثم القدرية ينفون إراداته لما بين أنه مراد في الآيات التشريع. فإنه ~~عندهم كل ما قيل إنه مراد. فلا يلزم أن يكون كائنا، والله قد أخبر أنه يريد ~~أن يتوب على المؤمنين وأن يطهرهم. وفيهم من تاب وفيهم من لم يتب. وفيهم من ~~تطهر وفيهم من لم يتطهر. # وإذا كانت الآية دالة على وقوع أراده من التطهير وإذهاب الرجس، لم يلزم ~~بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه. ومما يبين ذلك، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~مذكورات في الآية. والكلام في لأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله ~~والعقاب على تركه. قال تعالى: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا [الأحزاب: 30] ، إلى قوله: ~~وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا، فالخطاب كله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومعهن الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد. لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعمم غيرهن ~~من أهل البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره ليس مختصا بأزواجه. بل هو ~~متناول لأهل البيت كلهم. وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك. ~~ولذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم. وهذا كما أن قوله: # لمسجد أسس على التقوى من أول يوم [التوبة: 108] ، نزلت بسبب (مسجد قباء) ~~لكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو (مسجد المدينة) وهذا ~~يوجه ما # ثبت في الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المسجد الذي ~~أسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» # . وثبت عنه في الصحيح «2» أنه كان يأتي قباء PageV08P070 # كل سبت ماشيا وراكبا. فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي قباء يوم ~~السبت. # وكلاهما مؤسس على التقوى. وهكذا ms3760 أزواجه. وعلي وفاطمة والحسن الحسين رضي ~~الله عنهم أخص بذلك من أزواجه. ولهذا خصهم بالدعاء. وقد تنازع الناس في آل ~~محمد من هم؟ فقيل: أمته. وهذا قول طائفة من أصحاب محمد ومالك وغيرهم. # وقيل: المتقون من أمته. ورووا حديثا # (آل محمد كل مؤمن تقي) رواه الخلال # ، وتمام في (الفوائد) له. وقد احتج به طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم. وهو ~~حديث موضوع. وبنى على ذلك طائفة من الصوفية. أن آل محمد هم خواص الأولياء. ~~كما ذكر الحكيم الترمذي. والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته. وهذا هو المنقول ~~عن الشافعي وأحمد. وهو اختيار الشريف أبي جعفر وغيرهم. لكن هل أزواجه من ~~أهل بيته؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. أحدهما- أنهن لسن من أهل البيت. ~~ويروى هذا عن زيد بن أرقم. والثاني- وهو الصحيح أن أزواجه من آله. فإنه # قد ثبت في الصحيحين «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمهم الصلاة ~~عليه: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته» . # ولأن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته. وامرأة لوط من آله وأهل بيته. ~~بدلالة القرآن. فكيف لا يكون أزواج محمد من آله وأهل بيته؟ ولأن هذه الآية ~~تدل على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى. وأما ~~الأتقياء من أمته فهم أولياؤه. كما # ثبت في الصحيح «2» أنه قال: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما ولي ~~الله وصالح المؤمنين» . # فبين أن أولياءه صالح المؤمنين. وكذلك # في حديث آخر: «إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا» # . وقد قال تعالى: وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين [التحريم: 4] ، # وفي الصحاح «3» عنه أنه قال: «وددت أني رأيت إخواني. قالوا: أولسنا ~~إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم ~~يروني» # . وإذا كان كذلك، فأولياؤه المتقون، بينه وبينهم قرابة الدين والإيمان ~~والتقوى. وهذه القرابة الدينية أعظم من القرابة الطبيعية. والقرب بين ~~القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان. PageV08P071 # ولهذا كان أفضل الخلق أولياؤه المتقون. وأما ms3761 أقاربه ففيهم المؤمن والكافر ~~والبر والفاجر. فإن كان فاضل منهم، كعلي رضي الله عنه وجعفر والحسن ~~والحسين، ففضلهم بما فيهم من الإيمان والتقوى. وهم أولياؤه بهذا الاعتبار ~~لا بمجرد النسب. # فأولياؤه أعظم درجة من آله. وإن صلى على آله تبعا، لم يقتض ذلك أن يكونوا ~~أفضل من أوليائه. الذين لم يصل عليهم. فإن الأنبياء والمرسلين هم من ~~أوليائه. وهم أفضل من أهل بيته. وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعا، ~~فالمفضول قد يختص بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل. ودليل ذلك أن ~~أزواجه هم ممن يصلي عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين. وقد ثبت باتفاق الناس ~~كلهم أن الأنبياء. أفضل منهن كلهن. # فإن قيل: فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب ~~الرجس، لكن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يدل على وقوعه. فإن دعاءه ~~مستجاب. قيل: المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادعاه بثبوت الطهارة وإذهاب ~~الرجس. فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة. وأما الاستدلال بالحديث فذاك ~~مقام آخر. ثم نقول في المقام الثاني: هب أن القرآن دل على طهارتهم وعلى ~~ذهاب رجسهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يستحق معه طهارة المدعو لهم ~~وإذهاب الرجس عنهم. لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ. والدليل ~~عليه أن الله لم يرد بما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يصدر ~~من واحدة منهن خطأ. فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن. وسياق الآية يقتضي أنه ~~يريد ليذهب عنهم الرجس الذي هو الخبث. كالفواحش ويطهرهم تطهيرا من الفواحش ~~وغيرها من الذنوب. والتطهير من الذنب على وجهين، كما في قوله: # وثيابك فطهر [المدثر: 4] ، وقوله: إنهم أناس يتطهرون [الأعراف: 82] و ~~[النمل: 56] ، فإنه قال فيها من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين [الأحزاب: 30] ، والتطهير من الذنب إما بأن لا يفعله العبد، وإما بأن ~~يتوب منه كما في قوله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: ~~103] ، ما أمر ms3762 الله به من الطهارة ابتداء وإرادة. فإنه يتضمن نهيه عن ~~الفاحشة، لا يتضمن الإذن فيها بحال. لكن هو سبحانه ينهى عنها، ويأمر من ~~فعلها بأن يتوب منها. # وفي الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم! باعد ~~بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب. واغسلني بالثلج والبرد ~~والماء البارد. # اللهم! نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس # . وبالجملة، لفظ PageV08P072 # (الرجس) أصله القذر. ويراد به الشرك. كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~[الحج: 30] ، ويراد به الخبائث المحرمة، كالمطعومات والمشروبات كقوله: قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا # [الأنعام: 145] ، وقوله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان [المائدة: 90] ، وإذهاب ذلك إذهاب لكله. ونحن نعلم أن الله أذهب عن ~~أولئك السادة الشرك والخبائث. ولفظ (الرجس) عام يقتضي أن الله يذهب جميع ~~الرجس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بذلك. وأما قوله (وطهرهم تطهيرا) ~~فهو سؤال مطلق بما يسمى طهارة. وبعض الناس يزعم أن هذا مطلق فيكتفي فيه ~~بفرد من أفراد الطهارة. ويقول مثل ذلك في قوله فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~[الحشر: 2] ، ونحو ذلك. والتحقيق أنه أمر بمسمى الاعتبار الذي يقال عند ~~الإطلاق. كما إذا قيل: أكرم هذا، أي افعل معه ما يسمى عند الإطلاق إكراما. ~~وكذلك ما يسمى عند الإطلاق اعتبارا. والإنسان لا يسمى معتبرا إذا اعتبر في ~~قصة، وترك ذلك في نظيرها. وكذلك لا يقال (هو طاهر) أو (متطهر) أو (مطهر) ~~إذا كان متطهرا من شيء، متنجسا بنظيره. ولفظ (الطاهر) كلفظ (الطيب) قال ~~تعالى: والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات [النور: 26] ، كما قال الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات [النور: 26] ، وقد روي أنه قال لعمار: # ائذنوا له. مرحبا بالطيب المطيب. وهذا أيضا كلفظ (المتقي) و (المزكي) قال ~~تعالى: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [الشمس: 9- 10] ، وقال: خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: 103] ، وقال قد أفلح من ms3763 تزكى ~~[الأعلى: 14] ، وقال: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ~~ولكن الله يزكي من يشاء [النور: 21] ، وليس من شرط المتقين ونحوهم أن لا ~~يقع منهم ذنب، ولا أن يكونوا معصومين من الخطأ والذنوب. فإن هذا، لو كان ~~كذلك، لم يكن في الأمة متق، بل من تاب من ذنوبه دخل في المتقين. كما قال إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~[النساء: 31] ، فدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطهرهم تطهيرا، كدعائه ~~بأن يزكيهم ويطيبهم ويجعلهم متقين، ونحو ذلك ومعلوم أن من استقر أمره على ~~ذلك، فهو داخل في هذا. لا تكون الطهارة التي دعا بها لهم بأعظم مما دعا به ~~لنفسه. # وقد قال «1» : PageV08P073 # «اللهم! طهرني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد» . # فمن وقع ذنبه مغفورا أو مكفرا، فقط طهره الله منه تطهيرا. ولكن من مات ~~متوسخا بذنوبه، فإنه لم يطهر منها في حياته. وقد يكون من تمام تطهيرهم ~~صيانتهم عن الصدقة التي هي أوساخ الناس. # والنبي صلى الله عليه وسلم، إذا دعا بدعاء، أجابه الله بحسب استعداد ~~المحل. فإذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات، لم يلزم أن لا يوجد مؤمن مذنب، فإن ~~هذا، لو كان واقعا، لما عذب مؤمن، لا في الدنيا ولا في الآخرة. بل يغفر ~~الله لهذا بالتوبة، ولهذا بالحسنات الماحية. ويغفر الله لهذا ذنوبا كثيرة، ~~وإن واحدة بأخرى، وبالجملة، فالتطهير الذي أراده الله والذي دعا به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ليس هو العصمة بالاتفاق، فإن أهل السنة عندهم، لا ~~معصوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم. والشيعة يقولون: لا معصوم غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم والإمام. فقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء، ~~وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التطهير المدعو به للأربعة، متضمنا للعصمة ~~التي يختص بها النبي صلى الله عليه وسلم، والإمام عندهم. فلا يكون دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم له بهذا، العصمة، ms3764 لا لعلي ولا لغيره. فإنه دعا ~~لأربعة مشتركين، لم يختص بعضهم بدعوة، وأيضا فالدعاء بالعصمة من الذنوب ~~ممتنع على أصل القدرية. بل وبالتطهير أيضا. فإن الأفعال الاختيارية التي هي ~~فعل الواجبات وترك المحرمات عندهم غير مقدورة للرب. ولا يمكنه أن يجعل ~~العبد مطيعا ولا عاصيا. ولا متطهرا من الذنوب ولا غير متطهر. فامتنع على ~~أصلهم أن يدعو لأحد بأن يجعله فاعلا للواجبات تاركا للمحرمات. وإنما ~~المقدور عندهم قدرة تصلح للخير والشر. كالسيف الذي يصلح لقتل المسلم ~~والكافر. والمال الذي يمكن إنفاقه في الطاعة والمعصية، ثم العبد يفعل ~~باختياره، إما الخير وإما الشر بتلك القدرة. وهذا الأصل يبطل حجتهم، ~~والحديث حجة عليهم في إبطال هذا الأصل، حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتطهير. فإن قالوا: المراد بذلك أنه يغفر لهم ولا يؤاخذهم، كان ذلك أدل ~~على البطلان من دلالته على العصمة. فتبين أن الحديث لا حجة لهم فيه بحال ~~على ثبوت العصمة. # والعصمة مطلقا التي هي فعل المأمور وترك المحظور، ليست مقدورة عندهم لله، ~~ولا يمكنه أن يجعل أحدا فاعلا لطاعة، ولا تاركا لمعصية. لا لنبي ولا لغيره. ~~ويمتنع عندهم أن من يعلم أنه إذا عاش يطيعه باختيار نفسه، لا بإعانة الله ~~وهدايته. وهذا مما يبين تناقض قولهم في مسائل العصمة. كما تقدم. ولو قدر ~~ثبوت العصمة، فقد قدمنا أنه لا يشترط في الإمام العصمة، والإجماع على ~~انتفاء العصمة في غيرهم. # وحينئذ تبطل حجتهم بكل طريق. انتهى. وقوله تعالى: # PageV08P074 ### | ### | القول في تأويله قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 34] # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ~~(34) # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة أمر لهن بأن يذكرن ولا ~~يغفلن ما يقرأ في بيوتهن من آيات كتابه تعالى، وسنة نبيه اللتين فيهما حياة ~~الأنفس وسعادتها وقوام الآداب والأخلاق. وذكر ذلك مستوجب لتصور عظمته ~~ومكانته وثمرة منفعته. وذلك يجر إلى العمل به. فمن تأول اذكرن باعملن به، ~~أراد ذلك تعبيرا عن المسبب باسم السبب. ms3765 وجوز أن يكون المعنى: اذكرن هذه ~~النعمة حيث جعلتن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، مما يوجب قوة الإيمان والحرص ~~على الطاعة، حثا على الانتهاء والائتمار فيما كلفنه. قال أبو السعود: ~~والتعرض للتلاوة في البيوت دون النزول فيها، مع كونه مهبط الوحي لعمومها ~~لجميع الآيات ووقوعها في كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر ~~والتذكير. بخلاف النزول وعدم تعيين التالي لتعم تلاوة جبريل وتلاوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتلاوتهن وتلاوة غيرهن، تعليما وتعلما إن الله كان ~~لطيفا خبيرا أي يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك أمر ونهي. ### | القول في تأويله قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 35] # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # إن المسلمين والمسلمات أي المنقادين في الظاهر لحكم الله من الذكور ~~والإناث والمؤمنين والمؤمنات أي المصدقين بما يجب أن يصدق به في القلب ~~والقانتين والقانتات أي بإدامة شغف الجوارح في الطاعات والصادقين والصادقات ~~في القول بمجانبة الكذب والعمل بتجريد الإخلاص لوجهه تعالى فلا يكون في ~~طاعتهم رياء والصابرين والصابرات أي على البأساء والضراء والنوائب، وعلى ~~القيام بالعبادة والثبات عليها والخاشعين والخاشعات أي المتواضعين لله # PageV08P075 # بقلوبهم وجوارحهم. و (الخشوع) السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار ~~والتواضع. # والحامل عليه الخوف منه تعالى ومراقبته والمتصدقين والمتصدقات أي ~~بالإحسان إلى الفقراء والبؤساء الذين لا كسب لهم ولا كاسب. فيعطون من فضول ~~أموالهم طاعة لله وإحسانا إلى خلقه وإتماما للخشوع والصائمين والصائمات أي ~~الآتين بما طلب منهم من الصيام المورث للتقوى والرحمة على من يتضور جوعا ~~ويتصبر فقرا والحافظين فروجهم والحافظات أي عن إبدائها وإراءتها، حياء وكفا ~~عن مثار الشهوة المحرمة أو عن الحرام والفجور والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات أي بقلوبهم وألسنتهم أعد الله لهم مغفرة أي بسبب ما عملوا من ~~الحسنات المذكورة غفرانا لما اقترفوا من الصغائر لأنها مكفرة بذلك وأجرا ~~عظيما أي ثوابا وافرا في الجنة، وقوله تعالى: ### | القول ms3766 في تأويله قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 36] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أي ما صح لهما إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم أي قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء، أن يتخيروا من ~~أمرهم غير الذي قضى فيهم ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما ويعصوهما، ~~لما في ذلك من المأثم، كما قال تعالى: ومن يعص الله ورسوله أي فيما أمرا أو ~~نهيا فقد ضل ضلالا مبينا أي جار عن قصد السبيل، وسلك غير الهدى والرشاد. # وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، حين خطبها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لزيد بن حارثة. فأبت لكونه مولى لا يماثلها في الشرف. فنزلت ~~الآية فرضيت وتزوجها. # قال المهايمي: الظاهر أن الخطبة كانت بطريق الوجوب. ويحتمل أن تكون لا ~~بطريق الوجوب، لكن اعتبار العار في مقابلة خطبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معصية، لما فيه من ترجيح قول أهل العرف على قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع كونه قول الله بالحقيقة. # وقال بعضهم: إنما عد التنزيل إباءها عصيانا، وكأنه أرغمها على زواجه، لما ~~أوقع الله من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك. وهو هدم تحريم زوجة المتبنى، ~~الفاشي في الجاهلية. كما سيأتي سياقه. # PageV08P076 # وذكر أيضا أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وكانت أول من ~~هاجر من النساء- بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فزوجها زيدا- أي بعد فراقه زينب- فسخطت، فنزلت الآية، فرضيت. # وروى الإمام أحمد «1» عن أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~جليبيب رضي الله عنه، امرأة من الأنصار إلى أبيها. # فقال: حتى أستأمر أمها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم إذا. قال: ~~فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فأبت أشد الإباء. فقالت الجارية: ~~أتريدون أن تردوا على رسول الله ms3767 صلى الله عليه وسلم أمره؟ إن كان قد رضيه ~~لكم، فأنكحوه. قال: فكأنها جلت عن أبويها وقالا: # صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت رضيته ~~فقد رضيناه. قال صلى الله عليه وسلم: فإني قد رضيته. قال: فزوجها. ثم ذهب ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقتل # . ورؤي حوله ناس من المشركين قد قتلهم. قال أنس: فلقد رأيتها وإنها لمن ~~أنفق بيت في المدينة (وفي رواية: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها) . # وذكر الحافظ ابن عبد البر في (الاستيعاب) أن الجارية لما قالت في خدرها: # أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، نزلت هذه الآية وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة. # ولا يخفى شمول الآية لما ذكر ولغيره، إلا أن تأثر هذه الآية بقصة زيد ~~وزوجه، الآتية، يؤيد أنها نزلت في زوجه زينب، لتناسق نظام الآيات حينئذ ~~وظهور هذه الآية كالطليعة لهذه القصة الجليلة. # وقد قدمنا مرارا أن معنى قولهم (نزلت الآية في كذا) أنها مما تشمله لعموم ~~مساقها. ولذا سأل طاوس ابن عباس عن ركعتين بعد العصر فنهاه. وقرأ له هذه ~~الآية. # قال ابن كثير: هذه الآية عامة في جميع الأمور. وذلك أنه إذا حكم الله ~~ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ها هنا، ولا رأي ولا قول. ~~كما قال تبارك وتعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] ، # وفي الحديث: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ~~به # . ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال: ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا، ~~كقوله تعالى: # فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ~~[النور: 63] . PageV08P077 ### | لطائف: # الأولى- قالوا على الروايات السالفة: إن ذكر الله في الآية، مع أن الآمر ~~لهم الرسول صلى الله عليه وسلم، للدلالة على أنه بمنزلة من الله، بحيث تعد ~~أوامره أوامر الله تعالى. # أو ms3768 أنه لما كان ما يفعله بأمره، لأنه لا ينطق عن الهوى، ذكرت الجلالة ~~وقدمت للدلالة على ذلك. انتهى. # وهذا وقوف مع ما روي. وإلا فظاهر الآية يعم ما إذا قضى الله من كتابه، ~~ورسوله في سنته. # الثانية- الخيرة هنا مصدر، وذكروا أنه لم يجئ من المصادر على وزنه غير ~~(طيرة) . # الثالثة- جمع الضمير الأول- وهو لهم- لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث إنهما في ~~سياق النفي. قال الشهاب: واعتبر عمومه، وإن كان سبب نزوله خاصا، دفعا لتوهم ~~اختصاصه بسبب النزول. أو ليؤذن أنه كما لا يصح ما اختاروه مع الانفراد، لا ~~يصح مع الجمع أيضا كيلا يتوهم أن للجمعية قوة تصححه. # انتهى. # وجمع الثاني- وهو ضمير من أمرهم- مع أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، أو ~~له ولله تعالى، للتعظيم. هذا ما أشار له القاضي وغيره. مع أنه لا يظهر ~~امتناع عوده على ما عاد عليه الأول، مع ترجيحه بعدم التفكيك فيه، على أن ~~يكون المعنى: ناشئة من أمرهم. # والمعنى دواعيهم السابقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم. أو المعنى الاختيار في شيء من أمرهم، أي دواعيهم. ورد هذا، بأنه ~~قليل الجدوى، ضرورة أن الخيرة ناشئة من دواعيهم.. أو واقعة في أمورهم. وهو ~~بين مستغن عن البيان. # بخلاف ما إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه صلى الله عليه وسلم. أو ~~متجاوزين عن آمره لتأكيده وتقريره للنفي. فهذا هو المانع من عوده إلى ما ~~عاد عليه الأول. # قال الشهاب: وهو كلام حسن. ثم أشار تعالى إلى ما من به على المسلمين من ~~هدم تحريم زوجة الدعي والمتبنى الذي كان فاشيا في الجاهلية، بما جرى بين ~~زيد متبنى النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه من الفراق. ثم تزويجه تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم إياها، رفعا للحرج فيه. فقال تعالى: # PageV08P078 ### | القول في تأويله قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 37 الى 39] # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ms3769 أن تخشاه فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) ~~الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله ~~حسيبا (39) # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه أي بالإسلام ومتابعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو زيد بن حارثة وأنعمت عليه أي بالعتق والحرية والاصطفاء بالولاية ~~والمحبة، وتزويجه بنت عمتك زينب بنت جحش. # قال ابن كثير: كان سيدا كبير الشأن جليل القدر، حبيبا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقال له (الحب) ويقال لابنه أسامة (الحب ابن الحب) # قالت عائشة رضي الله عنها: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ~~إلا أمره عليهم. ولو عاش بعده لاستخلفه. رواه الإمام أحمد «1» # . أمسك عليك زوجك أي لا تطلقها واتق الله أي اخشه في أمرها فإن الطلاق ~~يشينها وقد يؤذي قلبها وارع حق الله في نفسك أيضا. فربما لا تجد بعدها خيرا ~~منها. وكانت تتعظم عليه بشرفها، وتؤذيه بلسانها. فرام تطليقها متعللا ~~بتكبرها وأذاها فوعظه صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى الصبر والتقوى وتخفي ~~أي تضمر في نفسك ما الله مبديه أي من الحكم الذي شرعه. أي تقول ذلك، وأنت ~~تعلم أن الطلاق لا بد منه، وأن لا منتدح عن امتثال أمر الله بنفسك، لتكون ~~أسوة لمن معك ولمن يأتي بعدك. وإنما غلبك في ذلك الحياء وخشية أن يقولوا ~~تزوج محمد مطلقة متبناه. وهذا معنى قوله تعالى: وتخشى الناس أي قالتهم ~~وتعييرهم الجاهلي والله أي الذي ألهمك ذلك وأمرك به أحق أن تخشاه أي فكان ~~عليك أن تمضي في الأمر من أول وهلة تعجيلا بتنفيذ كلمته وتقدير شرعه، ثم ~~زاده بيانا بقوله فلما قضى زيد منها وطرا أي حاجة بالزواج زوجناكها لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم أي ms3770 ضيق من العار في نكاح زوجات ~~أدعيائهم PageV08P079 # إذا قضوا منهن وطرا أي بموت أو طلاق أو فسخ نكاح. وكان أمر الله مفعولا ~~أي قضاؤه واقعا، ومنه تزويجك زينب ما كان على النبي من حرج أي مأثم وضيق ~~فيما فرض الله له أي كتبه له من التزوج وأباحه له وسن شريعة مثلي في وقوعه ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل أي الرسل عليهم السلام. وهو أن لا حرج عليهم ~~في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. فإنه كان لهم ~~الحرائر والسراري وتناول المباحات والطيبات وبهداهم القدوة وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا أي قضاء مقضيا. أي لا حرج على أحد فيما أحل له. ثم وصف شأنهم ~~بقوله الذين يبلغون رسالات الله أي أحكامه وأوامره ونواهيه ويصدعون بها ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله أي لا يخافون قالة الناس ولائمتهم ولا ~~يبالون بها في تشريعه ولا ريب أن سيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام، ~~حضرة نبينا صلى الله عليه وسلم. كما علم من قيامه بالتبليغ بالقوة والفعل ~~أبلغ قيام وكفى بالله حسيبا أي حافظا لأعمال خلقه. # وكافيا للمخاوف. ### | القول في تأويله قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 40] # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما (40) # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم هذا دفع لتعيير من جهل، فقال: تزوج محمد ~~زوج ابنه زيد. فدفعه تعالى بأنه إنما يتصور لو كان صلى الله عليه وسلم وسلم ~~أبا لزيد على الحقيقة، لكنه ليس أبا لأحد من أصحابه، حتى يثبت بينه وبينه، ~~ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، وزيد واحد منهم، الذين ~~ليسوا بأولاده حقيقة. # فكان حكمه حكمهم. والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير ولكن ~~رسول الله أي ولكن كان رسول الله مبلغا رسالاته وخاتم النبيين بفتح التاء ~~وكسرها، قراءتان. أي فهذا نعته وهذه صفته. فليس هو في حكم الأب الحقيقي، ~~وإنما ختمت النبوة ms3771 به، لأنه شرع له من الشرائع ما ينطبق على مصالح الناس في ~~كل زمان وكل مكان. لأن القرآن الكريم لم يدع أما من أمهات المصالح إلا ~~جلاها، ولا مكرمة من أصول الفضائل إلا أحياها. فتمت الرسالات برسالته إلى ~~الناس أجمعين، وظهر مصداق ذلك بخيبة كل من ادعى النبوة بعده، إلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين وكان الله بكل شيء عليما أي فلا ~~يقضي إلا بما سبق به علمه، ونفذت فيه مشيئته، واقتضته حكمته. # PageV08P080 ### | تنبيهان في لطائف هذه القصة وفوائدها الباهرات: # الأول- لم تختلف الروايات أنه نزلت في قصة زيد بن حارثة وزوجه زينب بنت ~~جحش. ورواه البخاري «1» عن أنس في التفسير. # ورواه عنه في التوحيد قال: جاء زيد بن حارثة يشكو. فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك. # وأخرجه أحمد بلفظ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد بن حارثة. ~~فجاءه زيد يشكوها إليه. فقال له: أمسك زوجك واتق الله. فنزلت. # وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي. فساقها سياقا حسنا واضحا ~~ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد ~~المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بعد، أنها من أزواجه. فكان يستحي أن يأمره بطلاقها، وكان لا ~~يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ~~ويقولوا تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيدا. # وعنده، من طريق علي زيد بن جدعان عن علي بن الحسين بن علي، قال: أعلم ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من ms3772 أزواجه قبل أن يتزوجها، ~~فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله ~~تعالى: (قد أخبرتك أني مزوجكها) ، وتخفي في نفسك ما الله مبديه [الأحزاب: ~~37] . # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) بعد نقل ما تقدم: ووردت آثار أخرى أخرجها ~~ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، ~~والذي أوردته منها هو المعتمد. انتهى. # وقال الحافظ ابن كثير: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا أثارا، أحببنا ~~أن نضرب عنها صفحا، لعدم صحتها، فلا نوردها. انتهى. # الثاني- قال القاضي عياض رحمه الله في (الشفا) في بحث أقواله صلى الله ~~PageV08P081 # عليه وسلم الدنيوية: ولا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أحدا بشيء ~~أو ينهى أحدا عن شيء، وهو يبطن خلافه # وقد قال عليه السلام «1» : «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين، فكيف ~~أن تكون له خائنة قلب؟» . # فإن قلت: فما معنى قوله في قصة زيد وإذ تقول للذي أنعم الله عليه الآية. ~~فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي عليه السلام عن هذا الظاهر، وأن ~~يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها، ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ~~ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين. أن الله تعالى كان أعلم ~~نبيه أن زينب ستكون من أزواجه. فلما شكاها إليه زيد، # قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله # ، وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به أنه سيتزوجها مما الله مبديه ~~ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها. # وروى نحوه عمر بن قائد عن الزهري قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش. فذلك الذي أخفى في ~~نفسه، ويصحح هذا قول المفسرين في قوله بعد هذا وكان أمر الله مفعولا أي لا ~~بد لك أن تتزوجها. ويوضح هذا أن الله تعالى لم يبد من أمره معها غير زواجه ~~لها. فدل أنه الذي أخفاه ms3773 عليه السلام، مما كان أعلمه به تعالى، وقوله تعالى ~~في القصة ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له دل على أنه لم يكن عليه ~~حرج في الأمر. ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها،. ~~لكان فيه أعظم الحرج. # وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته. ولم يزل يراها منذ ولدت. ولا كان ~~النساء يحتجبن منه عليه السلام، وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله طلاق زيد ~~لها وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها، لإزالة حرمة التبني وإبطال ~~سببه. كما قال ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، وقال: لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم قال ابن فورك: وليس معنى الخشية هنا الخوف. ~~وإنما معناه الاستحياء. أي يستحي منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه. وأن خشيته ~~عليه السلام من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود، وتشغيبهم على ~~المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، كما كان. ~~فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له. كما ~~عتبة على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله: لم تحرم ما أحل الله لك ~~[التحريم: 1] ، الآية. كذلك قوله هاهنا. انتهى ملخصا. # الثالث- قال الإمام ابن حزم في (الفصل) يرد على من استدل بمثل هذه الآية ~~PageV08P082 # على جواز وقوع الصغائر من الأنبياء، ما مثاله: وأما قوله تعالى: وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه الآية فقد أنفنا من ذلك. إذ لم يكن فيه معصية أصلا ولا ~~خلاف فيما أمره الله تعالى به وأن ما كان أراده زواج. مباح له فعله ومباح ~~له تركه ومباح له طيه ومباح له إظهاره. وإنما خشي النبي صلى الله عليه وسلم ~~الناس في ذلك خوف أن يقولوا ويظنوا ظنا، فيهلكوا. كما # قال عليه السلام «1» للأنصاريين: إنها صفية. # فاستعظما ذلك، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما يخشى أن يلقي ~~الشيطان في قلوبهما شيئا. وهذا الذي خشيه عليه السلام على الناس من ms3774 هلاك ~~أديانهم، بظن يظنونه به عليه السلام، هو الذي يحققه هؤلاء المخذولون ~~المخالفون لنا في هذا الباب. وكان مراد الله عز وجل أن يبدي ما في نفسه، ~~لما كان سلف في علمه من السعادة لأمنا زينب رضي الله عنها، انتهى. # الرابع- للإمام مفتي مصر رحمه الله مقالة على هذه الآية. رأيت نقلها هنا ~~تعزيزا لما سلف، وإيقافا من أسرار الآية على نخب ما وصف. # قال رحمه الله: نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش. وهي بنت عمته صلى الله ~~عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب. وقد خطبها الرسول على مولاه زيد بن حارثة. ~~فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فنزلت آية وما كان لمؤمن [الأحزاب: 36] ، ~~إلخ، فلما نزلت الآية قالا: رضينا يا رسول الله. فأنكحها إياه. وساق عنه ~~إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام، ~~وثلاثين صاعا من تمر. # كذا يروى. # فنحن من جهة، نرى أن زينب كانت بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ربيت ~~تحت نظره وشملها من عنايته ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر. حتى أنه ~~اختارها لمولاه زوجة. مع إبائها وإباء أخيها. وعد إباءها هذا عصيانا. ولا ~~زالت كذلك حتى نزل في شأنها قرآن. فكأنه أرغمها على زواجه، لما ألهمه الله ~~من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك. ولو كان للجمال سلطان على قلبه صلى الله ~~عليه وسلم، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه، ونضرة جدته، وقد ~~كان يراها ولم يكن بينه وبينها حجاب. ولا يخفى عليه شيء من محاسنها ~~الظاهرة. ولكنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه، PageV08P083 # فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من ~~عبيده أنعم عليه بالعتق والحرية؟ لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر، أن ~~تعظم شهوة القريب وولعه بالقريب، إلى أن تبلغ حد العشق، خصوصا إذا كان ~~عشيره منذ صغره. بل المألوف زهادة الأقرباء بعضهم في بعض. متى تعود بعضهم ~~النظر إلى بعض، من بداية السن إلى أن يبلغ ms3775 حدا منه يجول فيه نظر الشهوة. ~~فكيف يظن أو يتوهم أن النبي الذي يقول الله له ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا [طه: 131] ، يخالف مألوف العادة، ثم ~~يخالف أمر الله في ذلك؟ أم كيف يخطر بالبال أن من عصم الله قلبه عن كل ~~دنيئة، يغلب عليه سلطان شهوة في بنت عمته، بعد أن زوجها بنفسه لعبد من ~~عبيده؟ ومن جهة أخرى ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الرؤوف الرحيم، ~~لم يبال بإباء زينب ورغبتها عن زيد، وقد كان لا يخفى عليه أن نفور قلب ~~المرأة من زوجها مما تسوء معه العشرة وتفسد به شؤون المعيشة. فما كان له- ~~وهو سيد المصلحين- أن يرغم امرأة على الاقتران برجل وهي لا ترضاه، مع ما في ~~ذلك من الضرر الظاهر بكل من الزوجين. لا ريب أننا نجد من ذلك هاديا إلى وجه ~~الحق في فهم الآية التي نحن بصدد تفسيرها. ذلك أن التصاق الأدعياء بالبيوت ~~واتصالهم بأنسابها، كان أمرا تدين به العرب وتعده أصلا يرجع إليه في الشرف ~~والحسب. وكانوا يعطون الدعي جميع حقوق الابن، ويجرون له وعليه جميع الأحكام ~~التي يعتبرونها للابن، حتى في الميراث وحرمة النسب وهي عقيدة جاهلية رديئة. ~~أراد الله محوها بالإسلام، حتى في الميراث وحرمة النسب وهي عقيدة جاهلية ~~رديئة. أراد الله محوها بالإسلام، حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح ولا ~~يجري من أحكامه إلا ماله أساس صحيح. لهذا أنزل الله وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: # 4] ، ثم قال: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله [الأحزاب: 5] ، إلخ فهذا ~~العدل الإلهي، أن لا ينال حق الابن إلا من يكون ابنا. أما المتبنى واللصيق ~~فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين. فحرم الله على المسلمين أن ~~ينسبوا الدعي لمن تبناه. وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن لا ~~قليلا ولا كثيرا. وشدد الأمر حتى قال وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ms3776 ولكن ~~ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما [الأحزاب: 5] ، فهو يعفو عن اللفظة ~~تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني. أو ينادى شخص آخر بمثل ~~ذلك. لا عن قصد التبني. # ولكنه لا يعفو عن العمد من ذلك، الذي يقصد منه الإلصاق بتلك اللحمة، كما ~~كان معروفا من قبل. مضت سنة الله في خلقه، أن ما رسخ في النفس بحكم العادة، # PageV08P084 # لا يسهل عليها التفصي منه، ولا يقدر على ذلك إلا من رفعه الله فوق ~~العادات، وأعتقه من رق الشهوات، وجعل همته فوق المألوفات. فلا يطبيه (أي ~~يستميله) إلا الحق. ولا يحكم عليه إلف، ولا يغلبه عرف. ذلك هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومن يختصه الله بالتأسي به. لهذا، كان الأمر، إذا نهى الله ~~عن مكروه كانت الجاهلية عليه، أو أحل شيئا كانت الجاهلية تحرمه، بادر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى امتثال النهي بالكف عن المنهي عنه، والإتيان بضده. ~~وسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا ~~صالحا تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة وتخلص العقول من ~~ريب الشبهة. نادى صلى الله عليه وسلم «1» في حجة الوداع بحرمة الربا. وأول ~~ربا وضعه ربا عمه العباس. حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس إليه وأكرمهم ~~عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم، على هذا ~~السنن الإلهي كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زينب، كبر على العرب ~~أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم كما دل عليه قوله ~~تعالى: وتخشى الناس إلخ فعمد النبي صلى الله عليه وسلم، على سنته، إلى خرق ~~العادة بنفسه. وما كان ينبغي له، ولا من مقتضى الحكمة، أن يكلف أحد ~~الأدعياء الأباعد عنه، أن يتزوج ثم يأمره بالطلاق ثم يأمر من كان قد تبناه ~~أن يتزوج مطلقته. ففي ذلك من المشقة مع تحكم العادة وتمكن الاشمئزاز من ~~النفوس، ما لا يخفى على أحد. فألهمه الله أن يتولى الأمر بنفسه في ms3777 أحد ~~عتقائه، لتسقط العادة بالفعل. كما ألغى حكمها بالقول الفصل. # لهذا أرغم النبي صلى الله عليه وسلم زينب أن تتزوج بزيد، وهو مولاه ~~وصفيه. والنبي يجد في نفسه أن هذا الزواج مقدمة لتقرير شرع، وتنفيذ حكم ~~إلهي. وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول، ولم يسلس قيادها، بل ~~شمخت بأنفها وذهبت تؤذي زوجها وتفخر عليه بنسبها، وبأنها أكرم منه عرقا ~~وأصرح منه حرية. لأنه لم يجر عليها رق كما جرى عليه فاشتكى منها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المرة بعد المرة. وهو عليه السلام مع علو مقامه ~~يغلبه الحياء فيتئد ويتمكث في تنفيذ حكم الله ولا يعجل، فكان يقول لزيد ~~أمسك عليك زوجك واتق الله [الأحزاب: 37] ، إلى أن غلب أمر الله على أمر ~~الأنفة، وسمح لزيد بطلاقها بعد أن مضه العيش معها. ثم تزوجها بعد ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليمزق حجاب تلك العادة، ويكسر ذلك الباب الذي كان ~~مغلقا دون مخالفتها كما قال: PageV08P085 # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان ~~أمر الله مفعولا [الأحزاب: 37] ، وأكد ذلك بالتصريح في نفي الشبهة بقوله ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم الآية. هذه هي الرواية الصحيحة والقولة ~~الراجحة. # ثم قال: وأما ما # رووه من أن النبي مر ببيت زيد وهو غائب، فرأى زينب، فوقع منها في قلبه ~~شيء، فقال: سبحان مقلب القلوب! فسمعت التسبيحة فنقلتها إلى زيد، فوقع في ~~قلبه أن يطلقها # إلخ، ما حكوه- فقد قال الإمام أبو بكر بن العربي إنه لا يصح. وإن ~~الناقلين له المحتجين به على مزاعمهم في فهم الآية، لم يقدروا مقام النبوة ~~حق قدره، ولم تصب عقولهم من معنى العصمة كنهها. وأطال في ذلك، وأذكر من ~~كلامه ما يؤيد ما ذكرنا في شأن هذه الروايات. # قال، بعد الكلام في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وطهارته من العيب في ~~زمن الجاهلية. # وبعد أن جاء الإسلام: وقد مهدنا لك روايات كلها ساقطة الأسانيد. ms3778 وإنما ~~الصحيح «1» منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~يعني بالإسلام وأنعمت عليه فأعتقته أمسك عليك زوجك إلى قوله وكان أمر الله ~~مفعولا [الأحزاب: 37] ، وأن رسول الله لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، ~~فأنزل الله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، الآية. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا، يقال له (زيد ابن محمد) . ~~فأنزل الله ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله [الأحزاب: 5] ، يعني أنه أعدل ~~عند الله قال القاضي: # وما وراء هذه الآية غير معتبر. فأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رآها، فوقعت في قلبه، فباطل. # فإنه كان معها في كل وقت وموضع. ولم يكن حينئذ حجاب. فكيف تنشأ معه وينشأ ~~معها، ويلحظها في كل ساعة ولا تقع في قلبه، إلا إذا كان لها زوج؟ وقد وهبته ~~نفسها وكرهت غيره. فلم يخطر بباله. فكيف يتجدد هوى لم يكن! حاشا لذلك القلب ~~المطهر من هذه العلاقة الفاسدة. وقد قال سبحانه وتعالى: ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه [طه: 131] ، ~~والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات. فكيف في ~~المنكوحات المحبوسات؟؟. # ثم ساق الكلام في نفس الآية على حسب ما صح في الواقعة. ولولا خوف ~~PageV08P086 # التطويل لنقلت كلامه بحروفه. سبحان الله! كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا ~~بمثل هذه الروايات، وقد علموا أنه الله لم يدع لنبيه أن يعرض عن أبن أم ~~مكتوم، ويتصدى لصناديد قريش طمعا في إسلامهم، حتى عاتبه على ذلك في قوله: ~~عبس وتولى [عبس: 1] ، إلى آخر الآيات، مع أن لم ينصرف عن الأعمى إلا ~~لاشتغاله بما كان يعده في نفسه خيرا للدين، ولم يكن رغبة في جاه، ولا شرها ~~إلى مال، ولا طموحا إلى لذة. فلو صحت الرواية التي زعموها في شأن زينب، ~~لكان العتاب على تلك التسبيحة، ms3779 بمسمع من زينب، ثم على الزواج بعد الطلاق، ~~كما أشار إليه في قصة داود عليه السلام. وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~في علو مقامه ورفعة منزلته من النبوة، لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته ~~وزوجة مولاه، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها، ولا أن تضعف عزيمته عن ~~قمع شهوته وكبح جماحها. وما كان رب محمد يعلل شهوته، ويرفه من هواه فيما ~~يخالف أمره، وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس من زهرة ~~الحياة الدنيا، ومن زهرتها النساء. تسامى قدر محمد عن ذلك، وتعالى شأن ربه ~~عن هذا علوا كبيرا. أما والله! لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلسون من مثل ~~هذه الرواية، ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يرمون إليه. فإن ~~نص الآية ظاهر جلي لا يحتمل معناه التأويل، ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن ~~العتاب كان على التمهل في الأمر، والتريث به. وأن الذي كان يخفيه في نفسه ~~هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه، بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس ~~العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه. كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده ~~لأول مرة عند فتح مكة. وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم. وهذا ~~الذي كان يخفيه في نفسه كان الله مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه، ~~وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنا له، كما تقدم بيانه. ولم يكن يمنعه عن ~~إبداء ما أبدى الله، إلا حياء الكريم، وتؤدة الحكيم، مع العلم بأنه سيفعل ~~لا محالة، لكن مع معاونة الزمان. # ثم قال الإمام رحمه الله: أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني لدي ~~أحد الأساتذة الأميركانيين، فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى: الذي أحسن كل ~~شيء خلقه [السجدة: 7] ، فقال الأميركي: حتى زينب زوجة زيد بن حارثة. # يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة، ويعرض بعشقه صلى الله عليه وسلم لزينب ~~على ما زعموا، فقال له صاحبي: سبحان الله! إنكم تشتغلون بعلوم السموات ms3780 ~~والأرض، ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم. مع أنكم، في المشهور ~~عنكم، من أشد الناس ولعا بالبحث في الأديان. إن الله أمر نبيه أن يتزوج ~~زوجة من دعاه ابنا له، ليبين للناس # PageV08P087 # بالفعل أنه ليس كل من لقب بالابن يكون على الحقيقة ابنا، فإن كان المسيح ~~قد دعي في لسان الإنجيل ب (الابن) فليس هذا على الحقيقة، وإنما (الابن) ~~الحقيقي من ولد من أبيه ولادة صحيحة، إن في ذلك لذكرى للعالمين. والله ~~أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # الخامس- # روى الإمام أحمد «1» ومسلم «2» والنسائي عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب ~~رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: «اذهب ~~فاذكرها علي. # فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما ~~أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها. ~~فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب! أبشري. أرسلني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل. ~~فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ~~عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا، حين دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أطعمنا عليها الخبز واللحم» . # قال الحافظ ابن حجر: وهذا أيضا من أبلغ ما وقع في ذلك: وهو أن يكون الذي ~~كان زوجها هو الخاطب. لئلا يظن أحد أن ذلك وقع قهرا بغير رضاه. وفيه أيضا ~~اختبار ما كان عنده منها. هل بقي منه شيء أم لا؟ وفيه استحباب فعل المرأة ~~الاستخارة ودعائها عند الخطبة قبل الإجابة. وأن من وكل أمره إلى الله عز ~~وجل، يسر الله له ما هو الأحظ له والأنفع دنيا وأخرى. انتهى. أي فقد حفظ ~~الله شرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى. فاختار لها ما شرفها به وأسمى ~~مكانتها، عناية منه ورحمة للأمة أيضا. # السادس- روى ابن جرير عن الشعبي قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي ~~صلى الله عليه ms3781 وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن ~~جدي وجدك واحد: وإني أنكحنيك الله عز وجل من السماء. وإن السفير لجبريل ~~عليه السلام. # وروى «3» البخاري بعضه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن زينب كانت ~~تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني ~~الله تعالى من فوق سبع سموات. PageV08P088 # قال ابن القيم في (زاد المعاد) : ومن خصائص زينب أن الله سبحانه كان هو ~~وليها الذي زوجها لرسوله من فوق سماواته. وتوفيت في أول خلافة عمر بن ~~الخطاب. # وكان أولا عند زيد بن حارثة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه، ~~فلما طلقها زوجه الله إياها، لتتأسى به أمته في نكاح أزواج من تبنوه. ~~انتهى. # السابع- قالوا: لا ينقض عموم قوله تعالى: من رجالكم بكونه صلى الله عليه ~~وسلم أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم، لأنهم لم يبلغوا الحلم. ولو بلغوا ~~لكانوا رجالا له، صلى الله عليه وسلم، لا لهم. انتهى. # وهذا من التعمق في البحث. وإلا فدلالة السياق أوضح من تخصيص الإضافة. # قال ابن كثير: لم يعيش له عليه الصلاة والسلام ولد ذكر، حتى بلغ الحلم. ~~فإنه صلى الله عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله ~~عنها. فماتوا صغارا، وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية. ~~فمات أيضا رضيعا. وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات: زينب ~~ورقية وأم كلثوم وفاطمة، رضي الله عنهن أجمعين. فمات في حياته صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث. وتوفيت فاطمة بعده بستة أشهر. انتهى. # ثم أمر تعالى بكثرة ذكره، والعناية بشكره لما من به من هدايته، إلى نور ~~شريعته حتى ينسى عار الكفر وجاهليته، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 42] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله أي بما هو أهله من صنوف التحميد ~~والتمجيد ذكرا كثيرا أي يعم الأوقات والأحوال. ms3782 قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة، إلا جعل لها حدا معلوما ثم عذر ~~أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه. ~~ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها. ~~فقال تعالى: فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم [النساء: 103] ، وقال ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا، أي بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر ~~والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال ~~وسبحوه بكرة وأصيلا أي في أول النهار وآخره، ليسري أثر التسبيح فيهما بقية ~~النهار والليل. لأن ذكره وتسبيحه، يفيدان تنوير القلوب وقت خلوها عن ~~الأشغال. # قال الزمخشري: والتسبيح من جملة الذكر. وإنما اختصه من بين أنواعه # PageV08P089 # اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة، ليبين فضله على سائر الأذكار، ~~لأن معناه تنزيه ذاته، عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال. ومثال فضله ~~على غيره من الأذكار، فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من ~~أرجاس المآثم، على سائر أوصافه، من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على ~~الطاعات كلها. ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره، تكثير الطاعات والإقبال على ~~العبادات. فإن كل طاعة وكل خير، من جملة الذكر. ثم خص من ذلك التسبيح بكرة ~~وأصيلا. وهي الصلاة في جميع أوقاتها. لفضل الصلاة على غيرها. أو صلاة الفجر ~~والعشاءين. لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 43] # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) # هو الذي يصلي عليكم وملائكته استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من ~~الأمرين. فإن صلاته تعالى عليهم. مع عدم استحقاقهم لها وغناه عن العالمين، ~~مما يوجب عليهم المداومة على ما يستوجبه تعالى عليهم من ذكره تعالى ~~وتسبيحه. # أفاده أبو السعود. # وقال ابن كثير: هذا تهييج إلى الذكر. أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم. # كقوله عز وجل: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم ms3783 الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 151- 152] . انتهى. # والصلاة: الرحمة والعطف. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف، حيث ~~يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار الذكر، والتوفر على الصلاة والطاعة ~~ليخرجكم من الظلمات أي ظلمة الكفر والمعاصي والشبهات ومساوئ العادات إلى ~~النور أي نور الإيمان والسنة والطاعة ومحاسن الأخلاق وكان بالمؤمنين رحيما ~~أي حيث لم يتركهم يتخبطون في عمياء الضلالة والجهالة، بل أنار لهم السبل ~~وأوضح لهم المعالم. وذكر الملائكة تنويها بشأنهم وشأن المؤمنين. وأن للملأ ~~الأعلى عناية وعطفا وترحما، بالاستغفار والدعاء والثناء على الجميل. كقوله ~~تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا # PageV08P090 # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات # [غافر: 7- 9] الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 44 الى 46] # تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) # تحيتهم يوم يلقونه سلام أي يحيون يوم لقائه، بالموت أو الخروج من القبر ~~أو دخول الجنة، بسلام تبشيرا بالسلامة من كل مكروه وآفة، والإضافة إما من ~~إضافة المصدر إلى المفعول، والمحيي لهم، إما الله جل جلاله، لقوله سلام ~~قولا من رب رحيم [يس: 58] ، تعظيما لهم وتفضلا منه عليهم، كما تفضل عليهم ~~بصنوف الإكرام، وإما الملائكة لآية والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار [الرعد: 23- 24] ، أو من إضافة المصدر ~~لفاعله. # أي تحية بعضهم بعضا بالسلام. وقد يستدل له بآية دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام [يونس: 10] ، وأعد لهم أجرا كريما يعني الجنة وما حوته، ~~مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا أي على من بعثت إليهم بالبلاغ ومبشرا أي بالثواب لمن آمن ms3784 ~~ونذيرا أي من النار لمن كفر وداعيا إلى الله إلى دينه وطاعته والإقرار ~~بوحدانيته بإذنه أي بأمره ووحيه وسراجا منيرا أي يستضاء به في ظلمات الجهل ~~والغواية، ويهتدى بأنواره إلى مناهج الرشد والهداية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 47 الى 49] # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من ~~عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا أي ثوابا عظيما وأجرا جزيلا ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين أي فيما يرجفون به ويعيبون من جاهليتهم # PageV08P091 # وعوائدهم، بإلانة الجانب في التبليغ، والمسامحة في الإنذار والتمهل في ~~الصدع بالحق ودع أذاهم أي إيصال الضرر إليهم، مجازاة لفعلهم. بل اعف واصفح. ~~أو معناه: دع ما يؤذونك به بسبب صدعك إياهم. فالمصدر مضاف إلى الفاعل على ~~الأول، وإلى المفعول على الثاني وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا أي موكولا ~~إليه، وكفيلا فيما وعدك من النصر، ودحر ذوي الكفر يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات أي تزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن أي تجامعوهن فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها أي تستوفون عددها من إحصاء أقراء، ولا أشهر ~~تحصونها عليهن فمتعوهن أي أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين مال وسرحوهن ~~أي خلوا سبيلهن بإخراجهن من منازلكم. إذ ليس لكم عليهن عدة سراحا جميلا أي ~~من غير ضرار ولا منع حق. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة. منها إطلاق النكاح ~~على العقد وحده. وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منه. وقد اختلفوا في ~~النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة ~~أقوال. واستعمال القرآن، إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية. ~~فإنه استعمل في العقد وحده لقوله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ms3785 من ~~قبل أن تمسوهن وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. وقوله تعالى ~~المؤمنات خرج مخرج الغالب. إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ~~ذلك، بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما، وابن المسيب والحسن ~~البصري وزين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية، على أن الطلاق لا يقع ~~إلا إذا تقدمه نكاح، لقوله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن فعقب ~~النكاح بالطلاق. فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي وأحمد ~~وطائفة كثيرة من السلف والخلف. وأيده ما # روي مرفوعا «1» # (لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ~~ماجة. # وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. # وهكذا # روى ابن ماجة «2» عن علي والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لا طلاق قبل النكاح» . PageV08P092 # وقوله تعالى: فما لكم عليهن من عدة تعتدونها هذا أمر مجمع عليه بين ~~العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها، لا عدة عليها. فتذهب فتتزوج ~~في فورها من شاءت. ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى زوجها. فإنها تعتد منه ~~أربعة أشهر وعشرا. وإن لم يكن دخل بها، بالإجماع أيضا. وقوله تعالى: ~~فمتعوهن المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة ~~إن لم يكن قد سمى لها. قال تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم [البقرة: 237] ، وقال عز وجل: لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين [البقرة: # 236] . # وعن ابن عباس: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف. وإن لم يكن سمى ~~لها صداقا، فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. انتهى. # وعليه، فالآية في المفوضة التي لم يسم لها. وقيل: الآية عامة. وعليه، ~~فقيل الأمر للوجوب، وأنه يجب مع نصف المهر المتعة أيضا. ms3786 ومنهم من قال ~~للاستحباب، فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء. ### | لطيفة: # قال الرازي: وجه تعلق الآية بما قبلها، هو أن الله تعالى في هذه السورة، ~~ذكر مكارم الأخلاق، وأدب نبيه على ما ذكرناه. لكن الله تعالى أمر عباده ~~المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل، فكلما ذكر للنبي مكرمة، وعلمه أدبا، ذكر ~~للمؤمنين ما يناسبه. # فكما بدأ الله في تأديب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر ما يتعلق بجانب ~~الله، بقوله يا أيها النبي اتق الله [الأحزاب: 1] ، وثنى بما يتعلق بجانب ~~العامة بقوله يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا [الأحزاب: 45] ، كذلك بدأ في ~~إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال: يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا [الأحزاب: 41] ، ثم ثنى بما يتعلق بجانب من تحت أيديهم ~~بقوله يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم، كما ثلث في تأديب النبي ~~بجانب الأمة، ثلث في حق المؤمنين بما يتعلق بجانب نبيهم، فقال بعد هذا يا ~~أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي [الأحزاب: 53] ، وبقوله: يا أيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه. انتهى. # PageV08P093 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 50] # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن أي مهورهن فإنها ~~أجور الأبضاع. وإيتاؤها، إما إعطاؤها معجلة، أو تسميتها في العقد. وكان ~~التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره. # قال ابن كثير: كان مهر النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه اثنتي عشرة أوقية ~~ونشا. وهو نصف أوقية فالجميع خمسائة درهم. إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه ~~أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار. ms3787 وإلا صفية بنت حيي ~~فإنه اصطفاها من سبي خيبر ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها وكذلك جويرية بنت ~~الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس وتزوجها. رضي الله ~~عنهن. انتهى. # وتقييد الإحلال له عليه الصلاة والسلام بإعطاء المهور، ليس لتوقف الحل ~~عليه. ضرورة أنه يصح العقد بلا تسمية. ويجب مهر المثل أو المتعة على تقديري ~~الدخول وعدمه. بل لإيثار الأفضل والأولى له عليه الصلاة والسلام. كتقييد ~~إحلال المملوكة بكونها مسبية، في قوله تعالى وما ملكت يمينك مما أفاء الله ~~عليك فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها. # قال ابن كثير: أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم. وقد ملك صفية ~~وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية ~~أم ابنه إبراهيم عليه السلام، وكانتا من السراري، رضي الله عنهما وبنات عمك ~~وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك أي من مكة، إلى ~~المدينة. # والتقييد لبيان الأفضل كما تقدم، ولهم في إفراد العم والخال وجمع العمة ~~والخالة، عدة أوجه. فيها اللطيف والضعيف. وعندي أن الإفراد والجمع تابع ~~لمقتضى السبك والنظم ورقة التعبير ورشاقة التأدية. كما يدريه من يذوق طعم ~~بلاغة القول، ويشرب # PageV08P094 # من عين فصاحته. فالإفراد فيهما هنا أرق وأعذب من الجمع. كما أن في آية ~~بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم [النور: 61] ، أمتن وأبلغ من الإفراد. ولكل ~~مقام مقال ولكل مجال حال وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها. # أي يتزوجها ويرغب في قبول هبة نفسها بدون مهر. وقد سمى من الواهبات ~~ميمونة بنت الحارث وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية وأم شريك بنت ~~جابر وخولة بنت حكيم رضي الله عنهن. # وفي البخاري «1» عن عائشة قالت: «كنت أغار في اللائي وهبن أنفسهن للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى ترجي ~~من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء [الأحزاب: 51] الآية- قلت ما أرى ربك إلا ~~يسارع في هواك» . # وعن ابن عباس، أنه لم يكن عنده ms3788 صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. ~~أي أنه لم يقبل ذلك وإن كان مباحا له. لأنه مردود إلى إرادته. والله أعلم. # قال ابن القيم: وأما من خطبها صلى الله عليه وسلم ولم يتزوجها، ومن وهبت ~~نفسها له ولم يتزوجها، فنحو أربع أو خمس. وقال بعضهم: هن ثلاثون امرأة. ~~وأهل العلم بالسيرة وأحواله صلى الله عليه وسلم، لا يعرفون هذا بل ينكرونه. # قال أبو السعود: وإيراده عليه الصلاة والسلام في الموضعين بعنوان النبوة ~~بطريق الالتفات، للتكرمة والإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم فيختص به عليه ~~السلام حسب اختصاصها به كما ينطبق به قوله تعالى خالصة لك أي خلص لك ~~إحلالها خالصة أي خلوصا، فهي مصدر مؤكد، أو صفته أي هبة خالصة من دون ~~المؤمنين أي فإنهم لا تحل لهم الموهوبة إلا بولي ومهر، خوف أن يستسري ~~النساء وينتشر الفحش بدعوى ذلك. قال قتادة: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل، ~~بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم قد علمنا ما فرضنا عليهم أي ~~على المؤمنين في أزواجهم أي في حلها من الولي والشهود والمسمى وما ملكت ~~أيمانهم أي في حلها من توسيع الأمر فيها. # وقال السيوطي في (الإكليل) : فسر بالاستبراء، وليس له في القرآن ذكر إلا ~~ها هنا. PageV08P095 # لكيلا يكون عليك حرج أي ضيق. واللام متعلقة ب (خالصة) أو بفعل يفهم مما ~~قبله. أي قد علمنا ما فرضنا عليهم. وأسقطناه عنك لرفع الحرج عنك والضيق، ~~فيما اقتضته الحكمة والعناية بك وكان الله غفورا رحيما أي يغفر ما يعسر ~~التحرز عنه، ويرحم فيما يوسع في مواقع الحرج. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 51] # ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) # ترجي بهمز وغير همز. أي تترك وتؤخر من تشاء منهن أي من هؤلاء النساء ~~اللاتي أحللناهن لك، فلا تتزوج ms3789 بهن وتؤوي إليك من تشاء أي تضم من تشاء منهن ~~بالتزوج ومن ابتغيت ممن عزلت أي اخترت تزوجها بعد إرجائها فلا جناح عليك أي ~~في أن تضمها إليك. ومن رأى بعضهم أن الضمير في (منهن) يعود إلى الواهبات. ~~قال الشعبي: كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم: فدخل ببعضهن ~~وأرجأ بعضهن. لم ينكحن بعده. منهن أم شريك. واستؤنس بحديث عائشة عن أحمد ~~أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتقول: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فلما أنزل الله ترجي من ~~تشاء منهن الآية قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك. ورواه البخاري «1» ~~أيضا كما تقدم. وذهب آخرون إلى أن معنى الآية: تطلق وتخلي سبيل من شئت من ~~نسائك، وتمسك من شئت منهن فلا تطلق. وعن قتادة أنها في القسم، وأن له أن ~~يقسم لمن شاء، ويدعه لمن شاء. مع هذا فلم يكن صلى الله عليه وسلم يدع ~~القسم. وقد احتج بالآية من ذهب إلى أن القسم لم يكن واجبا عليه صلى الله ~~عليه وسلم. والتحقيق أن الآية عامة في ذلك كله. وأن ما روي مما ذكر، فمن ~~باب الاكتفاء من العام على بعض أفراده، أو من رأي ذهب إليه قائله. وقوله ~~تعالى ذلك أي ما ذكر من تفويض الأمر إلى مشيئتك ورفع الحرج عنك فيه أدنى أن ~~تقر أعينهن أي تطيب أنفسهن، إن علمن أن ذلك من الله تعالى ولا يحزن لمخالفة ~~الإرجاء ويرضين بما آتيتهن كلهن أي لأنه PageV08P096 # حكم، كلهن فيه سواء، فإن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا. وإلا علمن أنه بحكم ~~الله تعالى. فتطمئن به نفوسهن والله يعلم ما في قلوبكم أي من الميل إلى ~~البعض منهن دون البعض بالمحبة وكان الله عليما أي بذات الصدور حليما أي ذا ~~حلم عن عباده فيعفو ويغفر. # وروى الإمام أحمد «1» وأهل السنن «2» عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل. ثم يقول: «اللهم! ms3790 هذا فعلي فيما أملك، ~~فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» . يعني القلب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 52] # لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ~~ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # لا يحل لك النساء من بعد أي من بعد النساء اللاتي نص إحلالهن لك في الآية ~~قبل. وانظر إلى تكريمه تعالى لنبيه صلوات الله عليه حيث لم يقل له (وحرم ~~عليك ما وراء ذلك) كما خاطب المؤمنين بنظيره، لتعلم كيف تتفاوت الناس ~~بالخطاب تفاوتهم في رفيع الدرجات. # ولم أر أحدا نبه على ذلك، فاحرص عليه فيه وفي أمثاله. # قال مجاهد في الآية: أي لا يحل لك يهودية ولا نصرانية ولا كافرة ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك أي فلك التسري بهن ~~وإن كن كتابيات أو مشركات، لأنه ليس لهن ما للحرائر وكان الله على كل شيء ~~رقيبا أي حيث أحل ما أحل وحظر ما حظر للنبي وللأمة، في بيان لا خفاء معه ~~وحكمة لا حيف معها. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية هو حظر نكاح ما ~~بعد التسع اللاتي عنده صلى الله عليه وسلم. وأن التسع نصابه كالأربع لغيره، ~~وأن ذلك جزاء لاختيارهن إياه لما خيرهن. كما تقدم في الآية، ثم قالوا إنه ~~تعالى رفع الحرج عنه في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، لكنه لم ~~يفعله إتماما للمنة عليهن. ومنهم PageV08P097 # من قال إنها محكمة. وكل ذلك لا برهان معه، وتفكيك للمعنى، وغفلة عن سر ~~تكريمه صلوات الله عليه بمقصود الخطاب. وقد وهم في هذا المعنى زياد- رجل من ~~الأنصار- فرده أبي رضي الله عنه، إلى صواب المعنى. وذلك فيما رواه عبد الله ~~ابن أحمد وابن جرير أن زيادا قال لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: ~~قوله تعالى: ms3791 لا يحل لك النساء من بعد فقال له: إنما أحل الله له ضربا من ~~النساء. فقال تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك، - إلى قوله- إن ~~وهبت نفسها للنبي ثم قيل له لا يحل لك النساء من بعد. # وروى الترمذي «1» عن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، بقوله تعالى لا يحل لك ~~النساء من بعد الآية. # فحرم كل ذات دين غير الإسلام. # والمطلع على ما كتبوه هنا، يأخذه العجب من البعد عن مقصدها. فالحمد لله ~~على إلهام الحق وتعليمه. ### | تنبيه: # قال في (لباب التأويل) : في قوله تعالى ولو أعجبك حسنهن دليل على جواز ~~النظر من الرجل التي يريد نكاحها من النساء. ويدل عليه ما # روي عن جابر قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ~~ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل. أخرجه أبو داود «2» . # وروى «3» مسلم عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار. ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا. # قال الحميدي: # يعني هو الصغر. # وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: # هل نظرت إليها؟ قلت: لا. قال: فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما. ~~أخرجه الترمذي «4» # وحسنه. PageV08P098 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ms3792 ~~ناظرين إناه هذا خطاب لبعض الصحب، وحظر عليهم أن يدخلوا منازله صلى الله ~~عليه وسلم بغير إذن. # كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام. و ~~(إلى) متعلق ب (يؤذن) بتضمين معنى الدعاء، للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا ~~على الطعام بغير دعوة، وإن تحقق الإذن. كما يشعر به قوله تعالى: غير ناظرين ~~إناه أي غير منتظرين وقته، وإدراكه. # قال ابن كثير: أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ، حتى إذا قارب الاستواء ~~تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفل. ~~وهو الذي تسميه العرب الضيفن. وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم ~~الطفيليين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها. انتهى. # وأقول: قد يكون معنى قوله غير ناظرين إناه نهيا لهم أن يدخلوا- مع كونهم ~~مأذونا لهم ومدعوين- قبل الميعاد المضروب لهم حضورهم فيه، عجلة وانتظارا ~~لنضج الطعام. فإن ذلك مما يؤذي قلب صاحب الدعوة، لشغل هذه الحصة معهم بلا ### | فائدة، # إلا ضيق صدر الداعي وأهله، وشغل وقته وتوليد حديث، وتكلفا لكلام لا ضرورة ~~له، وإطالة زمن الحجاب على نسائه. وما ذلك إلا من شؤم التعجيل قبل الوقت. ~~ولذلك قال تعالى ولكن إذا دعيتم فادخلوا أي إذا دعيتم إلى الدخول في وقته. ~~فادخلوا فيه لا قبله ولا بعده. ف (لكن) استدراك من النهي عن الدخول، مع ~~الإذن المطلق الذي هو الدعوة بتعليم أدب آخر. وإفادة شرط مهم، وهو الإشارة ~~إلى أن للدعوة حينا ووقتا يجب أن يراعى زمنه، وهذا المنهي عنه لم يزل ~~يرتكبه ثقلاء القرويين ومن شاكلهم من غلظاء المدنيين الذين لم يتأدبوا ~~بآداب الكتاب الكريم # PageV08P099 # والسنة المطهرة. وهو أنهم إذا دعوا لتناول طعام يتعجلون المجيء قبل وقته ~~بساعات، مما يغم نفس الداعي وأهله. ويذهب لهم جانبا من عزيز وقتهم عبثا إلا ~~في سماع حديثهم البارد. وخدمتهم المستكرهة كما قدمنا. فعلى ما ذكرناه يكون ~~في الآية فائدة جميلة، وحكم مهم. وهو حظر المجيء قبل الوقت المقدر. وحينئذ ~~فكلمة (غير) حال ثانية من ms3793 الفاعل مقيدة للدخول المأذون فيه. وهو أن يكون ~~وقت الدعوة، لا قبله. والتقدير (إلا مأذونين في حال كونكم غير ناظرين إناه) ~~ولذا قيل: إنها آية الثقلاء. إذا علمت هذا، فالأجدر استنباط حظر التطفل من ~~صدر الآية، وهو لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ومن قوله ولكن إذا ~~دعيتم فادخلوا لا من قوله غير ناظرين إناه لأنه في معنى خاص. وهو ما ذكرناه ~~والله أعلم. ### | فائدة: # (الإني) مصدر. يقال أنى الشيء يأنى أنيا بالفتح. و (أنى) مفتوحا مقصورا. # (وإنى) بالكسر مقصورا. أي حان وأدرك. قال عمرو بن حسان: # تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام # ثم أشار سبحانه إلى أدب آخر بقوله تعالى فإذا طعمتم فانتشروا أي تفرقوا ~~ولا تمكثوا ولا مستأنسين لحديث أي لحديث بعضكم بعضا، أو لحديث أهل البيت ~~بالتسمع له عطف على (ناظرين) أو مقدر بفعل. أي لا تمكثوا مستأنسين إن ذلكم ~~أي المنهي عنه في الآية كان يؤذي النبي أي لتضييق المنزل عليه وعلى أهله ~~وإشغاله بما لا يعنيه فيستحيي منكم أي من الإشارة إليكم بالانتشار والله لا ~~يستحيي من الحق يعني أن انتشاركم حق. فينبغي أن لا يترك حياء، كما لا يتركه ~~الله ترك الحيي، فأمركم به. ووضع الحق موضع الانتشار، لتعظيم جانبه. وقرئ ~~لا يستحيي بحذف الياء الأولى وإلقاء حركتها على الحاء وإذا سألتموهن الضمير ~~لنساء النبي، المدلول عليهن بذكر بيوته عليه السلام متاعا أي شيئا يتمتع به ~~فسئلوهن من وراء حجاب أي ستر ذلكم أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم ~~الاستئناس للحديث عند الدخول، وسؤال المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن أي من الخواطر الشيطانية، في الميل إليهن وإليكم. يعني ويجب التطهر ~~عنه، لما فيه من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذا قال وما كان لكم ~~أن تؤذوا رسول الله أي أن تفعلوا فعلا يتأذى به في حياته ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أي من بعد وفاته لا إلى انقضاء العدة بل أبدا إن ms3794 ذلكم كان ~~عند الله عظيما أي أمرا عظيما # PageV08P100 # وخطبا هائلا، لا يقادر قدره. لما فيه من هتك حرمة حبيبه صلى الله عليه ~~وسلم. # قال أبو السعود: وفيه من تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وإيجاب حرمته حيا وميتا، ما لا يخفى. ولذلك بالغ تعالى في الوعيد حيث قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 54] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) # إن تبدوا شيئا أي مما لا خير فيه، كنكاحهن على ألسنتكم، على ما روي عن ~~بعض الجفاة أو تخفوه أي في نفوسكم فإن الله كان بكل شيء عليما أي فيجازيكم ~~بما صدر عنكم من المعاصي البادية والخافية لا محالة. وفي هذا التعميم مع ~~البرهان على المقصود، مزيد تهويل وتشديد ومبالغة في الوعيد. # قال ابن كثير: أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أزواجه، أنه يحرم على غيره تزوجها من بعده. لأنهن أزواجه ~~في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في ~~حياته. هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين. مأخذهما هل دخلت هذه في عموم ~~قوله (من بعده) أم لا؟ # فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره، ~~والحالة هذه نزاعا والله أعلم. انتهى. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : هذه آية الحجاب التي أمر بها أمهات المؤمنين. بعد أن كان ~~النساء لا يحتجبن. وفيها جواز سماع كلامهن ومخاطبتهن. وفيها تحريم أذى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسائر وجوه الأذى. انتهى. # وقال ابن كثير: هذه آية الحجاب. وفيها أحكام، وآداب شرعية. وهي مما وافق ~~تنزيلها قول عمر رضي الله عنه، كما # روى البخاري «1» عنه أنه قال: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر. فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب! فأنزل الله آية الحجاب. # وكان يقول لو أطاع فيكن، ما رأتكن عين. PageV08P101 # وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت ~~جحش، التي ms3795 تولى الله تزويجها بنفسه تعالى. وكان ذلك في ذي القعدة من السنة ~~الخامسة (في قول قتادة والواقدي وغيرهما) وزعم أبو عبيدة، معمر بن المثنى، ~~وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث. فالله أعلم. # وروى البخاري «1» عن أنس قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون. فإذا هو يتهيأ للقيام ~~فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام. فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر. فجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس. ثم إنهم قاموا فانطلقوا. ~~فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل. ~~فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية. # ورواه مسلم «2» أيضا والنسائي. # وعن أنس أيضا قال: بني على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، بخبز ~~ولحم. # فأرسلت على الطعام داعيا. فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم ~~فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو. فقلت: يا رسول الله! ما أجد ~~أحدا أدعوه. قال: ارفعوا طعامكم. وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت. فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: ~~السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته. قالت: وعليك السلام ورحمة الله ~~وبركاته. كيف وجدت أهلك؟ يا رسول الله! بارك الله لك. # فتقرى حجر نسائه كلهن. يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت ~~عائشة. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء. فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة. ~~فما أدري أخبرته أو أخبر، أن القوم خرجوا. فرجع، حتى إذا وضع رجله في أسكفة ~~الباب داخلة، والأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب. ~~انفرد به البخاري. # وأخرج نحوه مسلم والترمذي. كما بسطه ابن كثير. PageV08P102 # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : قال عياض: فرض الحجاب مما ms3796 اختصصن به. ~~فهو فرض عليهن بلا خلاف، في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ~~ولا غيرها. ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من ~~براز. ثم استدل بما في (الموطأ) أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن ~~يرى شخصها. وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها يستر شخصها. # انتهى. # وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن. وقد كن بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن. وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن ~~الحديث، وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص. وقد تقدم في الحج قول ابن جريج ~~لعطاء، لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال قد أدركت ذلك بعد ~~الحجاب. انتهى. # ومما يؤيده ما # رواه البخاري «1» في التفسير عن عائشة رضي الله عنها. قالت: خرجت سودة ~~بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها. وكانت امرأة جسيمة، لا تخفى على من يعرفها. ~~فرآها عمر بن الخطاب. فقال: يا سودة! أما والله! ما تخفين علينا. # فانظري كيف تخرجين. # قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ~~ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي، فقال ~~لي عمر كذا وكذا. قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما ~~وضعه، فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. # قال الكرماني: فإن قلت وقع هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب وفي الوضوء- أي ~~من البخاري- أنه كان قبل الحجاب. فالجواب لعله وقع مرتين. # قال ابن حجر: قلت بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني. # والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على ~~الحريم النبوي، حتى صرح بقوله له عليه الصلاة والسلام: احجب نساءك، وأكد ~~ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب. ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا، ولو ~~كن مستترات، فبالغ في ذلك فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن، دفعا ms3797 ~~PageV08P103 # للمشقة، ورفعا للحرج، انتهى بحروفه. وإنما نقلنا الجمع بين الروايتين، مع ~~أن الأمس به شرح الصحيح، لما اتفق من نقل كثير من المفسرين إحدى الروايتين ~~ونقل آخرين الثانية، مما يوقع الواقف في شبهة الاختلاف، فآثرنا توسيع ~~الكلام لتحقيق المقام. زادنا الله من فضله علما، إنه هو العليم العلام. # ثم بين تعالى من لا يجب الاحتجاب منهم من الأقارب، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 55] # لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا (55) # لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن ولا نسائهن أي لا حرج ولا إثم عليهن، في أن لا يحتجبن من ~~هؤلاء المسمين. # قال الطبري: وعني ب (إخوانهن وأبناء إخوانهن) إخوتهن. وأبناء إخوتهن. # وخرج معهم جمع ذلك، مخرج جمع فتى إذا جمع (فتيان) فكذلك جمع أخ إذا جمع ~~(إخوان) وأما إذا جمع إخوة فذلك نظير جمع فتى إذا جمع (فتية) . # تنبيهات: # الأول- قيل: إنما لم يذكر العم والخال، لأنهما بمنزلة الوالدين. ولذلك ~~سمي العم أبا في قوله تعالى وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: ~~133] ، أو لأنه اكتفى عن ذكرهما بذكر أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات. فإن ~~مناط عدم لزوم الاحتجاب بينهن وبين الفريقين، عين ما بينهن وبين العم ~~والخال من العمومة والخؤولة. لما أنهن عمات لأبناء الإخوة، وخالات لأبناء ~~الأخوات. وقيل: لأنه كره ترك الاحتجاب منهما، مخافة أن يصفاهن لأبنائهما. # وهو رأي عكرمة والشعبي. كما أخرجه الطبري من طريق داود بن أبي هند عن ~~عكرمة والشعبي أنه قال لهما: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا: لأنهما ~~ينعتانها لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. # قال الشهاب: لكنه قيل عليه، إن هذه العلة، وهو احتمال أن يصفا لأبنائهما # PageV08P104 # وهما يجوز لهما التزوج بها، جار في النساء كلهن، ممن لم يكن أمهات محارم. # فينبغي التعويل على الأول. ms3798 انتهى. # والتحقيق في رده ما # رواه البخاري «1» في التفسير من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~استأذن علي أفلح أخو أبي القعيس، بعد ما أنزل الحجاب، فقلت: لا آذن له حتى ~~أستأذن فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ~~ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس. فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت ~~له: يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن. فأبيت أن آذن حتى ~~أستأذنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما منعك أن تأذني؟ عمك. قلت: يا ~~رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال: ~~ائذني له فإنه عمك، تربت يمينك. # قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب ~~انتهى. # فبقوله صلى الله عليه وسلم «2» # «ائذني له فإنه عمك» # مع # قوله في الحديث الآخر «3» # «العم صنو الأب» # يرد على عكرمة والشعبي. # الثاني- قيل: أريد بقوله تعالى ولا نسائهن المسلمات، حتى لا يجوز ~~للكتابيات الدخول على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل هو عام في ~~المسلمات والكتابيات. وإنما قال ولا نسائهن لأنهن من أجناسهن. # الثالث- استدل بعموم قوله تعالى ولا ما ملكت أيمانهن من ذهب إلى أن عبد ~~المرأة محرم لها. وذهب قوم إلى أنه كالأجانب. والآية مخصوصة بالإماء دون ~~العبيد، وتقدم تفصيل ذلك في سورة النور. # الرابع- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل الحسن والحسين بعدم ذكر أبناء ~~العمومة فيها، على تحريم نظرهما إليهن، فكانا لا يدخلان عليهن واتقين الله ~~أي أن تتعدين ما حد لكن، فتبدين من زينتكن ما ليس لكن، أو تتركن الحجاب ~~فيراكن أحد غير هؤلاء. وقال الرازي: أي واتقينه عند المماليك. قال، ففيه ~~دليل على أن PageV08P105 # التكشف لهم مشروط بشرط السلامة والعلم بعدم المحذور. وقوله تعالى: إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا أي فهو شاهد على ما تفعلنه من احتجابكن وترككن ~~الحجاب لمن أبيح لكن تركه، وغير ذلك من أموركن، فاحذرن أن تلقينه. وهو شاهد ~~عليكن ms3799 بمعصيته وخلاف أمره ونهيه فتهلكن. قال الرازي: هذا التذييل في غاية ~~الحسن في هذا الموضع، لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم، ~~فقال: إن الله شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض. فخلوتكم مثل ملتكم بشهادة الله ~~تعالى فاتقوا. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 56] # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما قال الرازي: لما أمر الله المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه ~~نسائه احتراما، كمل بيان حرمته. وذلك لأن حالته منحصرة في اثنتين: حالة ~~خلوته وذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله لا تدخلوا بيوت النبي ~~[الأحزاب: 53] ، وحالة يكون في ملأ. والملأ إما الملأ الأعلى وإما الملأ ~~الأدنى، أما في الملأ الأعلى فهو محترم. فإن الله وملائكته يصلون عليه. ~~وأما في الملأ الأدنى فذلك واجب الاحترام بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما انتهى. # وقد روى البخاري «1» عن أبي العالية قال: صلاة الله: ثناؤه عليه عند ~~الملائكة. # وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون يبركون. أي يدعون له ~~بالبركة. # فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخص منه. وبالجملة، فالصلاة تكون بمعنى ~~التمجيد والدعاء والرحمة، على حسب ما أضيفت إليه في التنزيل أو الأثر. وقد ~~أطنب الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) في مبحث معنى الصلاة، وأطال ~~فأطاب. فلينظر. # وفي البخاري «2» عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، أنه قيل: يا رسول الله! ~~أما السلام عليك فقد عرفناه. فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم! صلي على ~~PageV08P106 # محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم! بارك ~~على آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. # وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ~~في مستدركه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله! أما السلام فقد ~~عرفناه. # فكيف نصلي عليك ms3800 إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد. وذكره. ورواه الشافعي في مسنده عن أبي هريرة بمثله. # ومن هاهنا ذهب الشافعي رحمه الله، إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير. فإن تركه لم تصح صلاته. ~~ووافقه الإمام أحمد في رواية. وقال به إسحاق بن راهويه والإمام ابن المواز ~~المالكي وغيرهم. كما بسطه ابن القيم في (جلاء الأفهام) وابن كثير في ~~(التفسير) وقد تقصيا، عليهما الرحمة، أيضا الروايات في الأمر بالصلاة ~~وكيفيتها. فأوسعا. فليرجع إليهما. # تنبيهات: # الأول- تدل الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا. ~~لأن الأصل في الأمر للوجوب. فذهب قوم إلى وجوبها في المجلس مرة. ثم لا تجب ~~في بقية ذلك المجلس. وآخرون إلى وجوبها في العمر مرة واحدة. ثم هي مستحبة ~~في كل حال. # وآخرون إلى وجوبها كلما ذكر. وبعضهم إلى أن محل الآية على الندب. قال ابن ~~كثير: وهذا قول غريب. فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة. ~~فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه. فمنه بعد النداء للصلاة، # لحديث «2» # (إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي) # الحديث ومنه عند دخول المسجد # لحديث «3» # (كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم) . ثم قال: ~~اللهم! اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج صلى على محمد وسلم. ~~ثم قال: # اللهم! اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك # . ومنه الصلاة، فتستحب على قول الشافعي في التشهد الأول منها، وتجب في ~~الثاني. ومنه في صلاة الجنازة بعد PageV08P107 # التكبيرة الثانية، لقول أبي أمامة: من السنة ذلك. وهذا من الصحابي في حكم ~~المرفوع، على الصحيح. ومنه ختم الدعاء. فيستحب الصلاة فيه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومن آكد ذلك دعاء القنوت. ومنه يوم الجمعة وليلتها. فيستحب ~~الإكثار منها فيهما، ومنه في خطبة يوم الجمعة. يجب على الخطيب في الخطبتين ~~الإتيان بها. # وهو ms3801 مذهب الشافعي وأحمد. ومنه عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم # لحديث (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) ~~تفرد به أبو داود «1» وصححه النووي في (الأذكار) . # وعن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدا. ولا تتخذوا بيوتكم قبورا. # وصلوا علي حيثما كنتم. فإن صلاتكم تبلغني. # قال ابن كثير: فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة، فنهاهم. # وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر. فقال: يا هذا! ما أنت ورجل بالأندلس، ~~منه إلا سواء. أي الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم ~~الدين. وقد استحب أهل الكتاب أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلما كتبه. # وقد روي في حديث (من صلى علي في كتاب لم تزل الصلاة جارية له، ما دام ~~اسمى في ذلك الكتاب) # . قال الحافظ ابن كثير: وليس هذا الحديث بصحيح. بل عده الحافظ الذهبي ~~موضوعا. وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه رأى بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه ~~الله، كثيرا اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة. ~~قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا. # الثاني- الصلاة على غير الأنبياء، إن كانت على سبيل التبعية، كنحو: اللهم ~~صل على محمد وآله وأزواجه، فهذا جائز إجماعا. وأما استقلالا فجوزه قوم لآية ~~هو الذي يصلي عليكم وملائكته [الأحزاب: 43] ، وآية أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم [البقرة: 157] ، وآية خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم [التوبة: 103] ، # ولحديث «2» # كان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: PageV08P108 # «اللهم! صل عليهم. فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: اللهم! صل على آل أبي ~~أوفى» . # وكرهه قوم، لكون صيغة الصلاة صارت شعارا للأنبياء إذا ذكروا. فلا يلحق ~~بهم غيرهم. فلا يقال: قال عمر صلى الله عليه. كما لا يقال قال محمد عز وجل. ~~وإن كان عزيزا جليلا. لكون هذا من شعار ms3802 ذكر الله عز وجل. وحملوا ما ورد من ~~ذلك في الكتاب والسنة على الدعاء لهم. # وقال ابن حجر: إن ذلك وقع من الشارع. ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما ~~شاء وليس لغيره أن يتصرف إلا بإذنه. ولم يثبت عنه إذن في ذلك. انتهى. # وقد يقال: كفى في المروي المأثور المتقدم إذنا. # والاستدلال بأن ذلك من حقه فيه مصادرة على المطلوب. على أن المرجح أن ~~الأصل الإباحة حتى يرد الحظر. ولا حظر هنا. فتدبر. # وأما السلام، فقال الجويني: هو في معنى الصلاة. فلا يستعمل في الغائب. # ولا يفرد به غير الأنبياء. فلا يقال: علي عليه السلام. وساء في هذا ~~الأحياء والأموات. # وأما الحاضر فيخاطب به. فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم. أو السلام عليك ~~أو عليكم. وقد غلب- كما قال ابن كثير- على كثير من النساخ للكتب، أن يفرد ~~علي رضي الله عنه بأن يقال (عليه السلام) من دون سائر الصحابة. # قال: والتسوية بينهم في ذلك أولى. انتهى. # والخطب سهل. ومن رأى المروي في هذا الباب، علم أن الأمر أوسع من أن يحرج ~~فيه. على أن هذه المسألة من فروع تخصيص العرف، وفيه بحث في الأصول. # الثالث- قال النووي: إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فليجمع بين ~~الصلاة والتسليم. # فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول (صلى الله عليه) فقط. ولا (عليه السلام) ~~فقط. # قال ابن كثير: وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة. وهي قوله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فالأولى أن يقال صلى ~~الله عليه وسلم تسليما. # انتهى. # الرابع- قال الرازي: إذا صلى الله وملائكته عليه، فأي حاجة إلى صلاتنا؟ # نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها. وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع ~~صلاة الله عليه. وإنما هو لإظهار تعظيمه كما أن الله تعالى أوجب علينا ذكر ~~نفسه، ولا حاجة له إليه. وإنما هو لإظهار تعظيمه منا، رحمة بنا، ليثيبنا ~~عليه. ولهذا جاء في # الحديث (من صلى علي مرة، صلى الله عليه بها عشرا) # . انتهى. # PageV08P109 # وكان سبق ms3803 لي، من أيام معدودات أن كتبت في مقدمة مجموعة الخطب في سر ~~الصلاة عليه، ما مثله: ويسن يوم الجمعة إكثار الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ليذكر الرحمة ببعثته، والفضل بهدايته والمنة باقتفاء هديه ~~وسنته، والصلاح الأعظم برسالته، والجهاد للحق بسيرته، ومكارم الأخلاق ~~بحكمته، وسعادة الدارين بدعوته، صلى الله عليه وسلم وعلى آله. ما ذاق عارف ~~سر شريعته. وأشرق ضياء الحق على بصيرته، فسعد في دنياه وآخرته. # الخامس- قال الرازي: ذكر (تسليما) للتأكيد ليكمل السلام عليه. ولم يؤكد ~~الصلاة بهذا التأكيد، لأنها كانت مؤكدة بقوله إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي انتهى. # وقيل: إنه من الاحتباك. فحذف (عليه) من أحدهما. و (المصدر) من الآخر. # قال القاضي: قيل معنى وسلموا تسليما أي انقادوا لأوامره. فالسلام من ~~التسليم والانقياد. # السادس- قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله ~~دون السلام، وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له ~~معنيان: التحية والانقياد. فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم. والله وملائكته ~~لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم، دفعا للإيهام. والعلم عند الله. ~~انتهى. # وقال الشهاب: قد لاح لي في تخصيص السلام بالمؤمنين دون الله وملائكته، ~~نكتة سرية. وهي أن السلام تسليمه عما يؤذيه. فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ~~ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، والأذية إنما هي من البشر وقد صدرت ~~منهم، فناسب التخصيص بهم والتأكيد. انتهى. # ولما أمر تعالى بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي الثناء عليه ~~وتمجيده وتعظيمه، بين وعيد من لا يرعاها، بأن يجرأ على ضدها بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 57] # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا (57) # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا أي ينالون فيه الهوان والخزي. والمقصود من الآية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. وذكر الله تعالى إنما # PageV08P110 # هو لتعظيمه، ببيان قربه، وكونه حبيبه، حتى كأن ما ms3804 يؤذيه يؤذيه. كما أن من ~~يطيعه يطيع الله. وقد روى الطبري عن ابن عباس أنها نزلت في الذين طعنوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حين اتخذ صفية بنت حيي. وهذا في الحقيقة من ~~أفراد ما تشمله الآية. بل لو قيل إنها عني بها من خاض في مسألة زينب، لكان ~~أقرب، لتقارب الآيات في الباب الواحد، وتناسقها كسلسلة واحدة، في تلك ~~المسألة التي كانت المقصود الأعظم من السورة بتمامها. كما لا يخفى على من ~~تدبرها. وبالجملة، فاللفظ عام في كل ما يصاب به صلى الله عليه وسلم من ~~أنواع المكروه. فيدخل المقصود من التنزيل دخولا أوليا. وعلى هذا، فالأذية ~~على حقيقتها. وقيل المراد بأذية الله ورسوله، ارتكاب ما لا يرضيانه، مجازا ~~مرسلا. لأنه سبب، أو لازم له. وإن كان بالنسبة إلى غيره، فإنه كان في ~~العلاقة وذكر الله والرسول على ظاهره. ومن جوز إطلاق اللفظ الواحد على ~~معنيين، كاستعمال اللفظ المشترك في معنييه، أو في حقيقته ومجازه، فسر ~~الأذية بالمعنيين باعتبار المعمولين. فتكون بالنسبة إليه تعالى، ارتكاب ما ~~يكره مجازا، وإلى الرسول على ظاهره. فإن تعدد المعمول بمنزلة تكرر لفظ ~~العامل. فيجيء فيه الجمع بين المعنيين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 58] # والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا (58) # والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات أي بقول أو فعل بغير ما اكتسبوا أي بغير ~~جناية يستحقون بها الأذية فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا أي ظاهرا بينا. # قال الزمخشري: أطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، ~~لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا. وأما أذى المؤمنين ~~والمؤمنات، فمنه ومنه. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في هذه الآية تحريم أذى المسلم، إلا بوجه شرعي. كالمعاقبة ~~على ذنب. ويدخل في الآية كل ما حرم للإيذاء. كالبيع على بيع غيره، والسوم ~~على سومه، والخطبة على خطبته. وقد نص الشافعي على تحريم أكل الإنسان مما ~~يلي غيره، إذا اشتمل على إيذاء. # PageV08P111 # وأخرج ابن أبي حاتم من حديث ms3805 عائشة مرفوعا (أربى الربا عند الله، استحلال ~~عرض امرئ مسلم) ثم قرأ هذه الآية. # وأخرج عن قتادة في هذه الآية: إياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه ويغضب ~~له. وقد زعموا أن عمر بن الخطاب قرأها ذات يوم، فأفزعه ذلك. حتى ذهب إلى ~~أبي بن كعب. فدخل عليه فقال: يا أبا المنذر! إني قرأت آية من كتاب الله ~~فوقعت مني كل موقع والذين يؤذون المؤمنين الآية. والله! إنى لأعاقبهم ~~وأضربهم. فقال له: إنك لست منهم. إنما أنت مؤدب، إنما أنت معلم. # انتهى. # قال الزمخشري: وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق، ~~فكيف؟ # وكان ابن عون لا يكرى الحوانيت إلا من أهل الذمة، لما فيه من الروعة عند ~~كر الحول. فرحمه الله ورضي عنه. # ولما بين تعالى سوء حال المؤذين، زجرا لهم عن الإيذاء، أمر النبي عليه ~~الصلاة والسلام بأن يأمر بعض المتأذين منهم، بما يدفع إيذاءهم في الجملة من ~~الستر والتميز، عن مواقع الإيذاء، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 59] # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~جمع (جلباب) كسرداب، وهو الرداء فوق الخمار، تتغطى به المرأة. وهو معنى قول ~~بعضهم: جلبابها ملاءتها تشتمل بها. وقيل هو الخمار. قالت جنوب أخت عمرو ذي ~~الكلب ترثيه: # تمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى، عليهن الجلابيب # وقال آخر يصف الشيب: # حتى اكتسى الراس قناعا أشهبا ... أكره جلباب لمن تجلببا # وقال الزمخشري: الجلباب ثوب واسع، أوسع من الخمار، ودون الرداء. تلويه ~~المرأة على رأسها ويبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس رضي الله # PageV08P112 # عنهما: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. ثم قال: ومعنى يدنين عليهن من ~~جلابيبهن يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال إذا زل عن وجه ~~المرأة: أدني ثوبك على وجهك. وذلك أن ms3806 النساء كن في أول الإسلام على هجيراهن ~~في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار، لا فصل بين الحرة والأمة. ~~وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون للإماء إذا خرجن بالليل، إلى مقاضي ~~حوائجهن في النخيل والغيطان. وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة. يقولون ~~حسبناها أمة. فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء، بلبس الأردية والملاحف ~~وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن، فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله ذلك ~~أدنى أن يعرفن فلا يؤذين أي أولى وأجدر بأن يعرفن أنهن حرائر، فلا يتعرض ~~لهن ولا يلقين ما يكرهن. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى (من) في (من ~~جلابيبهن) قلت: # هو للتبعيض. إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين: أحدهما- أن يتجلببن ببعض ~~ما لهن من الجلابيب. والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار كالأمة ~~والماهنة، ولها جلبابان فصاعدا في بيتها. والثاني- أن ترخي المرأة بعض ~~جلبابها وفضله على وجهها، لتتقنع حتى تتميز من الأمة. انتهى. # ومن الآثار في الآية، ما رواه الطبري عن ابن عباس قال: أمر الله نساء ~~المؤمنين إذ خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ~~بالجلابيب، وبيدين عينا واحدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت: لما ~~نزلت هذه الآية يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن ~~الغربان، من السكينة. وعليهن أكسية سود يلبسنها. وأخرج عن يونس بن يزيد أنه ~~سأل الزهري: # هل على الوليدة خمار، متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت ~~متزوجة، وتنهى عن الجلباب. لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات. # تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: روي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى ~~زينة نساء أهل الذمة. وإنما نهي عن ذلك لخوف الفتنة، لا لحرمتهن. واستدل ~~بقوله تعالى: ونساء المؤمنين. انتهى. # الثاني- قال السبكي في (طبقاته) : استنبط أحمد بن عيسى، من فقهاء ~~الشافعية، من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات، من تغيير لباسهم ~~وعمائمهم، أمر حسن. وإن لم يفعله السلف. لأن فيه تمييزا لهم حتى يعرفوا، ms3807 ~~فيعمل بأقوالهم. # انتهى. # PageV08P113 # الثالث- قال الشهاب: قوله تعالى يدنين يحتمل أن يكون مقول القول. # وهو خبر بمعنى الأمر، أو جواب الأمر، على حد قل لعبادي الذين آمنوا ~~يقيموا الصلاة [إبراهيم: 31] ، انتهى وكان الله غفورا أي لما سلف منهن من ~~التفريط رحيما أي بعباده، حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 60 الى 61] # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا (61) # لئن لم ينته المنافقون أي عن نفاقهم والذين في قلوبهم مرض أي ضعف إيمان، ~~عن مراودة النساء بالفجور والمرجفون في المدينة أي بأخبار السوء اللاتي ~~يفترونها وينشرونها. كمجيء عدو وانهزام سرية. وهكذا مما يكسرون به قلوب ~~المؤمنين. وأصله التحريك. من (الرجفة) وهي الزلزلة. يسمى به الخبر المفترى، ~~لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت. أو لاضطراب قلوب المؤمنين به لنغرينك بهم أي ~~لنسلطنك عليهم بما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يجاورونك فيها أي في المدينة من ~~قوة بأسك عليهم إلا قليلا أي زمنا قليلا ريثما يستعدون للرحلة ملعونين ~~أينما ثقفوا أي مبغضين لله وللخلق. لا يستريحون بالخروج. للصوق اللعنة بهم ~~أينما وجدوا. أخذوا وقتلوا تقتيلا أي أسروا وبولغ في قتلهم لذلتهم وقلتهم. ~~ثم أشار تعالى إلى أن ذلك ليس ببدع، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 62] # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) # سنة الله في الذين خلوا من قبل أي في المفترين والمؤذين الذين مضوا، إذا ~~تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا، أن يسلط عليهم أهل الإيمان ~~فيقهرونهم. # ولن تجد لسنة الله تبديلا أي لأنه لا يبدلها، أو لا يقدر أحد أن يبدلها. # تنبيهات: # الأول- قال الشهاب: إما أن يراد بالمنافقين والمراض والمرجفين، قوم ~~مخصوصون، ويكون العطف لتغاير الصفات مع اتحاد الذات، على حد (إلى الملك # PageV08P114 # القرم وابن الهمام) أو يراد بهم أقوام مختلفون في الذوات والصفات. فعلى ~~الأول، تكون ms3808 الأوصاف الثلاثة للمنافقين. وهو الموافق لما عرف من وصفهم ~~بالذين في قلوبهم مرض، كما مر في البقرة. والأراجيف بالمدينة أكثرها منهم. ~~لكنه لا يوافق ما ذيل به من الوعيد بالإجلاء والقتل. فإنه لم يقع ~~للمنافقين. وعلى الثاني، هم المنافقون وقوم ضعاف الدين. كأهل الفجور. ~~والمرجفون اليهود الذين كانوا مجاورين لهم بالمدينة. وقد وقع القتال ~~والإجلاء لمن لم ينته منهم. وهم اليهود. # انتهى. # الثاني- ذكروا أن معنى قوله تعالى: أخذوا وقتلوا تقتيلا أنهم إذا خرجوا ~~لا ينفكون عن المذلة، ولا يجدون ملجأ. بل أينما يكونون، يطلبون ويؤخذون ~~ويقتلون. وعليه، فالجملة خبرية. وانظر هل من مانع أن تكون الجملة دعائية ~~كقوله عليهم دائرة السوء [التوبة: 98] و [الفتح: 6] ، وقوله: ويل لكل همزة ~~لمزة [الهمزة: 1] ، كأنه قيل: أخذهم الله. أي أهلكهم وقتلهم أبلغ قتل ~~وأشده. ولم أر أحدا تعرض له. وقد أفاد ابن عطية، أن كل ما كان بلفظ الدعاء ~~من الله تعالى، فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء. لأن الله لا يدعو على مخلوقاته ~~وهي في قبضته، أي لاستحالة حقيقة الدعاء وهو الطلب من الغير. # الثالث- في (الإكليل) : في الآية تحريم الأذى بالإرجاف. وأخرج ابن أبي ~~حاتم عن السدي في قوله: والذين في قلوبهم مرض هم قوم كانوا يجلسون على ~~الطريق، يكابرون المرأة مكابرة. فنزلت فيهم الآية إلى قوله: أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا قال: هذا حكم في القرآن، ليس يعمل به، لو أن رجلا أو أكثر من ذلك ~~اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها، كان الحكم فيهم غير الجلد ~~والرجم، أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم. انتهى. # وهذا وقوف مع وجه تحتمله الآية. كما قدمنا. على أن للحاكم أن يفعل ذلك، ~~إذا رأى في ذلك مصلحة ودرء مفسدة. على قاعدة رعاية المصالح التي هي أم ~~الباب. كما بسط ذلك النجم الطوفي في (رسالته) وأيدناه بما علقناه عليها. # الرابع- كتب الناصر في (الانتصاف) على قول الكشاف في قوله: إلا قليلا أي ~~زمنا قليلا ريثما يرتحلون ويتلقطون أنفسهم وعيالاتهم، ما مثاله: فيها إشارة ~~إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل ms3809 مملوك للغير بوجه شرعي، يمهل ريثما ينتقل ~~بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتحصل له منزل آخر، على حسب ~~الاجتهاد. انتهى. # PageV08P115 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 63] # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا (63) # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا أي يسألونك عن وقت قيامها. وكان المشركون في مكة يسألونه صلى الله ~~عليه وسلم، عنها استعجالا على سبيل الهزء. وكذلك اليهود في المدينة أو ~~غيرهم. لأن هذه السورة مدنية، وقد أرشده تعالى أن يرد علمها إليه لاستئثاره ~~تعالى به. فلم يطلع عليه نبيا ولا ملكا، وأن يبين لهم أنها قريبة الوقوع، ~~تهديدا للمستعجلين وإسكاتا للممتحنين. # لطيفة: # تذكير (قريبا) باعتبار موصوفه، الخبر، أي شيئا قريبا. أو لأن الساعة في ~~معنى اليوم أو الوقت. أو أن (قريبا) ظرف منصوب على الظرفية، فإن (قريبا) و ~~(بعيدا) يكونان ظرفين. فليس صفة مشتقة، حتى تجري عليه أحكام التذكير ~~والتأنيث. # قال أبو السعود: والإظهار في حيز الإضمار، للتهويل وزيادة التقرير. ~~وتأكيد استقلال الجملة. يعني أن قوله: وما يدريك خطاب مستقل له عليه ~~السلام، غير داخل تحت الأمر، مسوق لبيان أنها مع كونها غير معلومة للخلق، ~~مرجوة المجيء عن قريب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 64 الى # 66] # إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا (66) # إن الله لعن الكافرين أي أبعدهم من رحمته وأعد لهم سعيرا أي نارا شديدة ~~الاتقاد في الآخرة خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا أي حافظا يتولاهم ولا ~~نصيرا أي يخلصهم يوم تقلب وجوههم في النار أي تصرف من جهة إلى جهة، تشبيه ~~بقطعة لحم في قدر تغلي. ترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو المعنى: # من حال إلى حال. فالمراد تغيير هيئاتها من سواد وتقديد وغيره. # قال الزمخشري: ms3810 وخصت الوجوه بالذكر، لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من ~~جسده، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة. وناصب الظرف (يقولون) أو # PageV08P116 # (اذكر) أو (لا يجدون) أو (خالدين) أو (نصيرا) يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا أي فكنا ننجو من هذا العذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : الآيات 67 الى 69] # وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ~~ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) # وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا وهم رؤساء الكفر الذين لقنوهم ~~الكفر وزينوه لهم حتى قلدوهم فيه فأضلونا السبيلا أي بما زينوه لنا. قال ~~الزمخشري: # وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف ~~والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب أي مثلي العذاب الذي آتيتناه، لأنهم ضلوا وأضلوا والعنهم لعنا كبيرا ~~أي لعنا هو أشد اللعن وأعظمه. وقرئ (كثيرا) تكثيرا لأعداد اللعائن يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند ~~الله وجيها لما بين تعالى وعيد من يؤذي نبيه صلى الله عليه وسلم، من ~~استحقاقه اللعنة في الدارين، تعريضا بمن صدر منهم شيء من الأذى في قصة زيد ~~وزينب، التي سيقت السورة لأجلها، ختمها أيضا بالوصية بالتباعد عن التشبه ~~بقوم صدر منهم إيذاء لموسى عليه السلام، بتنقصه تارة، وقلة الأدب معه طورا، ~~ونسبته إلى ما ينافي الرسالة آونة. كما يمر كثير من ذلك بقارئي توراتهم. ~~مما ينبئ عن عدم إيفائهم رسالته ونبوته حقها، من التعظيم له والصلاة عليه ~~والتسليم لأمره وقضيته. فكانت النتيجة أن غضب الله عليهم ورماهم بأفانين ~~العقوبات، ولحقتهم المخازي، وبرأ رسوله موسى عليه السلام من إفكهم، ونزه ~~مقامه عن تنقيصهم، بأن حقق فضله، وأسمى منزلته، وآتاه الوجاهة- وهي العظمة ~~والقرب- عنده. وهكذا حقت كلمة اللعنة والخزي على مؤذي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولحقهم ms3811 الدمار، وشرح لنبيه صدره، ورفع له ذكره، وأعلى منزلته، ~~وفخم وجاهته، ما تعاقبت الأدوار. ويقرب من هذه الآية، في المعنى والإشارة، ~~قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين [الصف: ~~5] ، وفيهما كلتيهما تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بتأسيه بأخيه موسى ~~صلوات الله وسلامه عليهما. وكثيرا ما كان # PageV08P117 # يقول صلى الله عليه وسلم في جواب جفاة الأعراب حين ما يبلغه أو يسمع ما ~~يكره: رحمة الله على موسى. لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. # وقد روى المفسرون هاهنا آثارا. أحسنها ما # أخرجه البزار عن أنس مرفوعا: كان موسى رجلا حييا. وأنه أتى الماء ليغتسل. ~~فوضع ثيابه على صخرة. وكان لا يكاد تبدو عورته. فقال بنو إسرائيل إن موسى ~~آدر أو به آفة. يعنون أنه لا يضع ثيابه. # فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء بني إسرائيل. فنظروا إلى موسى كأحسن ~~الرجال. أو كما قال. فذلك قوله فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ~~ورواه «1» البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أيضا. # قال الرازي وحديث إيذاء موسى مختلف فيه- أي لكثرة الروايات فيه- مع أن ~~الإيذاء المذكور في القرآن كاف كقولهم: فاذهب أنت وربك فقاتلا [المائدة: # 24] ، وقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [البقرة: 55] ، وقولهم: لن ~~نصبر على طعام واحد [البقرة: 61] ، إلى غير ذلك. فقال للمؤمنين: لا تكونوا ~~أمثالهم. انتهى. # وقال ابن كثير: يحتمل أن يكون كل ما روي مرادا. وأن يكون معه غيره. # انتهى. أي لعموم المعمول المحذوف. وما بيناه أولا، هو الأقرب. والله ~~أعلم. # تنبيهات: # الأول- (الوجيه) لغة بمعنى السيد، كالوجه. يقال: هؤلاء وجوه البلد ~~ووجهاؤه. أي أشرافه. وبمعنى ذي الجاه- والجاه القدر والمنزلة. مقلوب عن ~~(وجه) فلما أخرت (الواو) إلى موضع (العين) وصارت جوها، قلبت (الواو) ألفا. # فصارت (جاها) . كذا في القاموس وشرحه. # الثاني- قال الزمخشري: (وجيها) أي ذا جاه ومنزلة عنده. فلذلك كان يميط ~~عنه التهم ويدفع الأذى ويحافظ عليه لئلا يلحقه وصم ms3812 ولا يوصف بنقيصة. كما ~~يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة. وقال ابن جرير: أي كان موسى عند الله ~~مشفعا فيما يسأل، ذا وجه ومنزلة عنده، بطاعته إياه. أي مقبولا ومجابا فيما ~~يطلب لقومه من الله تعالى، عناية منه تعالى وتفضيلا. # الثالث- اتخذ العامة، وكثير من المتعالمين، وصف الوجاهة للأنبياء، ذريعة ~~PageV08P118 # المطلب والرغبة منهم، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل، ولا يصدق على المعنى ~~اللغوي بوجه ما، وقد كتب في ذلك الإمام الشيخ محمد عبده فتيا، أبان وجه ~~الصواب فيما تشابه من هذه المسألة. وذلك أنه سئل، رحمه الله، عمن يتوسل ~~بالأنبياء، والأولياء، معتقدا أن النبي أو الولي يستميل إرادة الله تعالى ~~عما هي عليه، كما هو المعروف للناس من معنى الشفاعة والجاه عند الحكام. وأن ~~التوسل بهم إلى الله تعالى كالتوسل بأكابر الناس إلى الحكام. # فقال امرؤ: إن هذا مخل بالعقيدة وإن قياس التوسل إلى الله تعالى على ~~التوسل بالحكام محال. وإن عقيدة التوحيد أن لا فاعل ولا نافع ولا ضار إلا ~~الله تعالى. وإنه لا يدعى معه أحد سواه. كما قال تعالى: فلا تدعوا مع الله ~~أحدا [الجن: 18] ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أعظم منزلة عند ~~الله تعالى من جميع البشر، وأعظم الناس جاها ومحبة، وأقربهم إليه، ليس له ~~من الأمر شيء، ولا يملك للناس ضرا ولا نفعا ولا رشدا ولا غيره. كما في نص ~~القرآن. وإنما هو مبلغ عن الله تعالى. ولا يتوسل إليه تعالى إلا بالعمل بما ~~جاء على لسانه صلى الله عليه وسلم، واتباع ما كان عليه الصحابة والتابعون ~~والأئمة المجتهدون من هديه وسنته. وإنه لا سبب لجلب المنافع ودفع المضار ~~إلا ما هدى الله الناس إليه. ولا معنى للتوسل بنبي أو ولي إلا باتباعه ~~والاقتداء به. يرشدنا إلى هذا كثير من الآيات الواردة في القرآن العظيم، ~~كقوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] ، ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه [الأنعام: 153] ، إلى غير ذلك من الآيات. ~~هذا هو ms3813 اعتقادي وهو الذي قلته للناس. # فإن كنتم ترون فيه خطأ فأرجو بيانه. وإن كان هو الصواب فأرجو إقراري عليه ~~كتابة، لأدافع بذلك من أساء بي الظن. # فأجاب رحمه الله، بعد البسملة والحوقلة: اعتقادك هذا هو الاعتقاد الصحيح. # ولا يشوبه شوب من الخطأ. وهو ما يجب على كل مسلم يؤمن بما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يعتقده. فإن الأساس الذي بنيت عليه رسالة النبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو هذا المعنى من التوحيد. كما قال الله تعالى: قل هو ~~الله أحد، الله الصمد [الإخلاص: ### | 1- 2 # ] ، والصمد هو الذي يقصد في الحاجات، ويتوجه إليه المربوبون في معونتهم ~~على ما يطلبون، وإمدادهم بالقوة فيما تضعف عنه قواهم. والإتيان بالخبر على ~~هذه الصورة يفيد الحصر. كما هو معروف عند أهل اللغة. فلا صمد إلا هو. # وقد أرشدنا إلى وجوب القصد إليه وحده بأصرح عبارة في قوله: وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] ، وقد قال ~~الشيخ محي # PageV08P119 # الدين بن العربي، شيخ الصوفية، في صفحة 226 من الجزء الرابع من (فتوحاته) ~~عند الكلام على هذه الآية: إن الله تعالى لم يترك لعبده حجة عليه. بل لله ~~الحجة البالغة. # فلا يتوسل إليه بغيره. فإن التوسل إنما هو طلب القرب منه. وقد أخبرنا ~~الله أنه قريب. وخبره صدق. انتهى ملخصا. # على أن الذين يزعمون جواز شيء مما عليه العامة اليوم في هذا الشأن، إنما ~~يتكلمون فيه بالمبهمات، ويسلكون طرقا من التأويل لا تنطبق على ما في نفوس ~~الناس. ويفسرون الجاه والواسطة بما لا أثر له في مخيلات المعتقدين. فأي ~~حالة تدعوهم إلى ذلك؟ وبين أيديهم القرون الثلاثة الأولى، ولم يكن فيها شيء ~~من هذا التوسل ولا ما يشبهه بوجه من الوجوه، وكتب السنة والسير بين أيدينا ~~شاهدة بذلك، فكل ما حدث بعد ذلك فأقل أوصافه أنه (بدعة) في الدين وكل بدعة ~~ضلالة، وكل ضلالة في النار. وأسوأ البدع ما كان فيه شبهة الإشراك بالله ~~تعالى وسوء الظن به. ms3814 # كهذه البدع التي نحن بصدد الكلام فيها، وكأن هؤلاء الزاعمين يظنون أن في ~~ذلك تعظيما لقدر النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأنبياء أو الأولياء. مع أن ~~أفضل التعظيم للأنبياء هو الوقوف عند ما جاءوا به، واتقاء الزيادة عليهم ~~فيما شرعوه بإذن ربهم. وتعظيم الأولياء يكون باختيار ما اختاروه لأنفسهم. ~~وظن هؤلاء الزاعمين أن الأنبياء والأولياء يفرحون بإطرائهم وتنظيم المدائح ~~وعزوها إليهم، وتفخيم الألفاظ عند ذكرهم، واختراع شؤون لهم مع الله، لم ترد ~~في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا رضيها السلف الصالح. هذا الظن بالأنبياء ~~والأولياء هو أسوأ الظن. لأنهم شبهوهم في ذلك بالجبارين من أهل الدنيا، ~~الذين غشيت أبصارهم ظلمات الجهل قبل لقاء الموت، وليس يخطر بالبال أن جبارا ~~لقي الموت وانكشف له الغطاء عن أمر ربه فيه، يرضى أن يفخمه الناس بما لم ~~يشرعه الله. فكيف بالأنبياء والصديقين؟ إن لفظ (الجاه) الذي يضيفونه إلى ~~الأنبياء والأولياء عند التوسل، مفهومه العرفي هو السلطة. وإن شئت قلت نفاذ ~~الكلمة عند من يستعمل عليه أو لديه، فيقال فلان اغتصب مال فلان بجاهه، ~~ويقال فلان خلص فلانا من عقوبة الذنب بجاهه، لدى الأمير أو الوزير مثلا. ~~فزعم زاعم أن لفلان جاها عند الله بهذا المعنى، إشراك جلي لا خفي. وقلما ~~يخطر ببال أحد من المتوسلين معنى اللفظ اللغوي، وهو المنزلة والقدر. على ~~أنه لا معنى للتوسل بالقدر والمنزلة نفسها. لأنها ليست شيئا ينفع. وإنما ~~يكون لذلك معنى، لو أولت بصفة من صفات الله، كالاجتباء والاصطفاء، ولا ~~علاقة لها بالدعاء ولا يمكن لمتوسل أن يقصدها في دعائه. وإن كان (الآلوسي) ~~بنى تجويز التوسل بجاه النبي خاصة على # PageV08P120 # ذلك التأويل. وما حمله على هذا إلا خوفه من ألسنة العامة وسباب الجهال. ~~وهو مما لا قيمة له عند العارفين. فالتوسل بلفظ الجاه مبتدع بعد القرون ~~الثلاثة. وفيه شبهة الشرك والعياذ بالله، وشبهة العدول عما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. فلم الإصرار على تحسين هذه البدعة؟ # يقول بعض الناس: إن لنا على ms3815 ذلك حجة لا أبلغ منها. وهي ما # رواه الترمذي «1» بسنده إلى عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال: إن رجلا ~~ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: ~~إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك. # قال: فادعه. قال فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم ~~إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. يا محمد! إني توجهت بك إلى ~~ربي في حاجتي هذه لتقضى لي. اللهم فشفعه في. # قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح غريب، ونقول أولا: قد وصف الحديث ~~بالغريب، وهو ما رواه واحد. ثم يكفي في لزوم التحرز عن الأخذ به، أن أهل ~~القرون الثلاثة لم يقع منهم مثله، وهم أعلم منا بما يجب الأخذ به من ذلك. ~~ولا وجه لابتعادهم عن العمل به، إلا علمهم بأن ذلك من باب طلب الاشتراك في ~~الدعاء من الحي. كما قال عمر «2» رضي الله عنه، في حديث الاستسقاء: إنا كنا ~~نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك ~~العباس فاسقنا، قال ذلك، رضي الله عنه، والعباس بجانبه يدعو الله تعالى، ~~ولو كان التوسل ما يزعم هؤلاء الزاعمون، لكان عمر يستسقي ويتوسل بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولا يقول (كنا نستسقي بنبيك) وطلب الاشتراك في الدعاء ~~مشروع حتى من الأخ لأخيه، بل ويكون من الأعلى للأدنى، كما ورد في الحديث. ~~وليس فيه ما يخشى منه، فإن الداعي ومن يشركه في الدعاء وهو حي، كلاهما عبد ~~يسأل الله تعالى، والشريك في الدعاء شريك في العبودية، لا وزير يتصرف في ~~إرادة الأمير كما يظنون سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: 180] ، ثم ~~المسألة داخلة في باب العقائد، لا في باب الأعمال. ذلك أن الأمر فيها يرجع ~~إلى هذا السؤال (هل يجوز أن نعتقد بأن واحدا سوى الله يكون واسطة بيننا ~~وبين الله في قضاء حاجاتنا أو لا يجوز) ؟ أما الكتاب فصريح في أن تلك ~~العقيدة من عقائد المشركين، وقد ms3816 نعاها عليهم في قوله: ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء PageV08P121 # شفعاؤنا عند الله [يونس: 18] ، سورة يونس، وقد جاء في السورة التي نقرؤها ~~كل يوم في الصلاة وإياك نستعين فلا استعانة إلا به، وقد صرح الكتاب بأن ~~أحدا لا يملك للناس من الله نفعا ولا ضرا، وهذا هو التوحيد الذي كان أساس ~~الرسالة المصطفوية كما بينا. ثم البرهان العقلي يرشد إلى أن الله تعالى في ~~أعماله لا يقاس بالحكام وأمثالهم في التحول عن إرادتهم، بما يتخذه أهل ~~الجاه عندهم، لتنزهه جل شأنه عن ذلك. ولو أراد مبتدع أن يدعو إلى هذه ~~العقيدة، فعليه أن يقيم عليها الدليل الموصل إلى اليقين، إما بالمقدمات ~~العقلية البرهانية أو بالأدلة السمعية المتواترة. ولا يمكنه أن يتخذ حديثا ~~من حديث الآحاد دليلا على العقيدة مهما قوي سنده. فإن المعروف عند الأئمة ~~قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن. # وإن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم: 28] ، انتهى كلامه رحمه الله. # ثم راجعت (اقتضاء الصراط المستقيم) للإمام العلم تقي الدين ابن تيمية رضي ~~الله عنه. فرأيته ذكر نحوا من ذلك، وعبارته: فالوسيلة التي أمر الله ~~بابتغائها، تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته. فالتوسل إليه بالأعمال ~~الصالحة التي أمر بها، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، ليس هو من باب ~~الإقسام عليه بمخلوقاته. # ومن هذا الباب استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ~~فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن ~~يدعو لهم في الاستسقاء وغيره: # وقول عمر رضي الله عنه (إنا كنا، إذا أجدبنا، توسلنا إليك بنبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) معناه نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ~~ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته. ليس المراد به، إنا نقسم عليك ~~به. أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه. كما يقوله بعض ~~الناس: أسألك بجاه فلان عندك. ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه ~~وأوليائه، ويروون حديثا موضوعا (إذا سألتم الله ms3817 فاسألوه بجاهي، فإن جاهي ~~عند الله عريض) فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، كما ~~ذكر عمر رضي الله عنه، لفعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس. مع ~~علمهم أن السؤال به والإقسام به، أعظم من العباس. # فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه، وهو مما يفعل بالأحياء دون الأموات. وهو ~~التوسل بدعائهم وشفاعتهم. فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء، ~~لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى. فإنه طلب من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه بصره. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء ~~أمره فيه، أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. # فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأمره أن يسأل الله ~~قبول شفاعته، وأن # قوله (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة) # أي بدعائه وشفاعته. كما قال # PageV08P122 # عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا. فلفظ (التوجه) و (التوسل) في الحديثين بمعنى ~~واحد. ثم # قال (يا محمد! يا رسول الله! إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها. ~~اللهم! فشفعه في) # فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. # وقوله (يا محمد! يا نبي الله!) # هذا وأمثاله نداء، يطلب به استحضار المنادى في القلب. فيخاطب المشهود ~~بالقلب. كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. # والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا. يخاطب من يتصوره في نفسه. وإن لم يكن في ~~الخارج من يسمع الخطاب. فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به، فيه ~~إجمال واشتراك. غلط تسببه من لم يفهم مقصد الصحابة، يراد به التشبث به (في ~~الأصل التسبب به) لكونه داعيا وشافعا مثلا. أو لكون الداعي محببا له، مطيعا ~~لأمره، مقتديا به. فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما ~~بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته. فلا يكون ~~التوسل، لا شيء منه ولا شيء من السائل، بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على ~~الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه ms3818 ونهوا عنه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 70] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي في كل ما تأتون وما تذرون. لا سيما في ~~ارتكاب ما يكرهه، فضلا عما يؤذي رسوله صلى الله عليه وسلم وقولوا أي في كل ~~شأن من الشؤون قولا سديدا أي قويما حقا صوابا. قال القاشاني: (السداد) في ~~القول، الذي هو الصدق والصواب، هو مادة كل سعادة، وأصل كل كمال. لأنه من ~~صفاء القلب وصفاؤه يستدعي جميع الكمالات. وهو وإن كان داخلا في التقوى ~~المأمور بها، لأنه اجتناب من رذيلة الكذب، مندرج تحت التزكية التي عبر عنها ~~بالتقوى. # لكنه أفرد بالذكر للفضيلة. كأنه جنس برأسه. كما خص جبريل وميكائيل من ~~الملائكة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 71] # يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ~~عظيما (71) # يصلح لكم أعمالكم أي بإمداد الصلاح والكمالات والفضائل عليكم. لأنه # PageV08P123 # لا يصح عمل ما بدون الصدق أصلا. وبه يصلح كل عمل ويغفر لكم ذنوبكم أي ~~ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل. فإن الحسنات يذهبن السيئات ومن ~~يطع الله ورسوله أي في الأوامر والنواهي التي من جملتها هذه التشريعات فقد ~~فاز فوزا عظيما أي في الدارين. # وقال القاشاني: أي فاز بالتحلية والاتصاف بالصفات الإلهية، وهو الفوز ~~العظيم. # تنبيه: # قال الزمخشري: المراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل ~~في القول. والبعث على أن يسد قولهم في كل باب. لأن حفظ اللسان وسداد القول ~~رأس الخير كله. وهذا الآية مقررة للتي قبلها. بنيت تلك على النهي عما يؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ ~~اللسان، ليترادف عليهم النهي والأمر، مع إتباع النهي ما يتضمن الوعيد من ~~قصة موسى عليه السلام. وإتباع الأمر الوعد البليغ، فيقوى الصارف عن الأذى ~~والداعي إلى تركه. انتهى. # ولك أن تضم إلى المراد من الآية الذي ms3819 ذكره، مرادا آخر. وهو نهيهم أيضا ~~عما خاض فيه المنافقون من التعويق والتثبيط وبث الأراجيف في غزوة الأحزاب، ~~المتقدمة أوائل السورة وبالجملة، فالسياق يشمل ذينك وغيرهما. إلا أن الذي ~~يراعى أولا، هو ما كان التنزيل لأجله، وذلك ما ذكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية # 72] # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا قال أبو السعود: لما بين عظم شأن ~~طاعة الله ورسوله، ببيان مآل الخارجين عنها من العذاب الأليم، ومثال ~~المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك ببيان عظم شأن ما يوجبها من التكاليف ~~الشرعية وصعوبة أمرها بطريق التمثيل- مع الإيذان بأن ما صدر عنهم من الطاعة ~~وتركها، صدر عنهم بعد القبول والالتزام. وعبر عنها ب (الأمانة) تنبيها على ~~أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين، وائتمنهم عليها. وأوجب عليهم ~~تلقيها بحسن الطاعة والانقياد. # PageV08P124 # وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها. ~~وعبر عن اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السموات وغيرها، بالعرض ~~عليهن، لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها- وعن عدم ~~استعدادهن لقبولها، بالإباء والإشفاق منها، لتهويل أمرها وتربية فخامتها- ~~وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها، بجعلها من قبيل ~~الأجسام الثقيلة التي يستعمل فيها القوى الجسمانية، التي أشدها وأعظمها ما ~~فيهن من القوة والشدة. والمعنى: أن تلك الأمانة في عظم الشأن، بحيث لو كلفت ~~هاتيك الأجرام العظام، التي هي مثل في القوة والشدة، مراعاتها، وكانت ذات ~~شعور وإدراك، لأبين قبولها وأشفقن منها. # ولكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق، روما لزيادة تحقيق ~~المعنى المقصود بالتمثيل وتوضيحه. وقوله تعالى: وحملها الإنسان أي عند ~~عرضها عليه. إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده، أو بتكليفه إياها يوم ~~الميثاق- أي تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة- وهو ~~إما عبارة عن قبوله لها بموجب ms3820 استعداده الفطري، أو عن اعترافه بقوله (بلى) ~~. وقوله تعالى: إنه كان ظلوما جهولا اعتراض وسط بين الحمل وغايته، للإيذان ~~من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله- أي أنه كان مفرطا في الظلم، ~~مبالغا في الجهل. أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم ~~السليمة. أو اعترافهم السابق دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله ~~تبديلا. وإلى الفريق الأول أشير بقوله عز وجل: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (33) : آية 73] # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أي حملها الإنسان ~~ليعذب الله بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة. على أن ~~اللام للعاقبة. فإن التعذيب وإن لم يكن غرضا له من الحمل، لكن لما ترتب ~~عليه بالنسبة إلى بعض أفراده، ترتب الأغراض على الأفعال المعللة بها، أبرز ~~في معرض الغرض- أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب الله تعالى هؤلاء من ~~أفراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية. وإلى الفريق الثاني ~~أشير بقوله تعالى ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات أي كان عاقبة حمله لها ~~أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده. أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة ~~الطاعة عن رقابهم بالمرة. وتلافيهم لما # PageV08P125 # فرط منهم من فرطات. قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته وتداركهم لها ~~بالتوبة والإنابة. والالتفات إلى الاسم الجليل أولا، لتهويل الخطب وتربية ~~المهابة. والإظهار في موضع الإضمار ثانيا، لإبراز مزيد الاعتناء بأمر ~~المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه: وكان الله غفورا رحيما أي ~~مبالغا في المغفرة والرحمة. حيث تاب عليهم وغفر لهم فرطاتهم وأثاب بالفوز ~~على طاعاتهم. انتهى ملخصا مما حرره أبو السعود. وقد آثرت نقله بحروفه ~~لتجويده الكلام، وإجادته في المقام. وهكذا عادتنا في كل مجود، أن ننقله ولا ~~نتصرف فيه. ### | بقي في الآية لطائف نشير إليها: # الأولى- فسر بعض السلف الأمانة بالطاعة، وبعضهم بالفرائض والحدود والدين. ~~وبعضهم بمعرفته تعالى. قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال ms3821 لا تنافي بينها، بل ~~هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها. وهو أنه ~~إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب. انتهى. # وقيل: المراد بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية، لأنها ~~لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وبعرضها، استدعاؤها الذي يعم ~~طلب الفعل من المختار، وإرادة صدوره من غيره- وبحملها، الخيانة فيها ~~والامتناع عن أدائها، فيكون الإباء امتناعا عن الخيانة وإتيانا بالمراد. ~~فالمعنى أن هذه الأجرام مع عظمها وقوتها، أبين الخيانة وانقدن لأمره تعالى ~~انقياد مثلها. حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية، ~~وعلى هيئات مختلفة وأشكال متنوعة. كما قال: # قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11] ، وخانها الإنسان حيث لم يأت- وهو حيوان ~~عاقل صالح للتكليف- بما أمرناه به إنه كان ظلوما جهولا. وإرادة الخيانة من ~~حملها، هو بتشبيه الأمانة قبل أدائها بحمل يحمله. كما يقال (ركبته الديون) ~~وقرره الزمخشري بقوله: وأما حمل الأمانة فمن قولك (فلان حامل للأمانة ~~ومحتمل لها) تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته، ويخرج عن ~~عهدتها. لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها، وهو حاملها. ألا تراهم ~~يقولون (ركبته الديون) و (لي عليه حق) فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو ~~حاملا لها. ومنه قولهم (أبغض حق أخيك) لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم ~~يؤده. وإذا أبغضه أخرجه وأداه فمعنى (فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان) ~~فأبين إلا أن يؤدينها. وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤديها. ثم ~~وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه # PageV08P126 # ما يسعده مع تمكنه منه، وهو أداؤها. انتهى ملخصا. # الثانية- نقل ابن كثير آثارا عن بعض التابعين أن عرض الأمانة على هذه ~~الأجرام كان حقيقيا. وأنه قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت. فقلن: يا ~~رب! إنا لا نستطيع هذا الأمر، ليس بنا قوة. ولكنا لك مطيعين. قال الشراح: ~~ولا بعد، أن يخلق الله فيها فهما لخطابه، وأنه كان على سبيل التخيير لها. ~~ولذا عبر بالعرض، لا تكليفا حتى يلزم عصيانها. انتهى. # قال ms3822 الإمام ابن حزم في (الفصل) في الرد على من جعل للجمادات تمييزا، ما ~~مثاله: وأما عرضه تعالى الأمانة على السموات والأرض والجبال، وإباية كل ~~واحد منها، فلسنا نعلم نحن ولا أحد من الناس كيفية ذلك. وهذا نص قوله: ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم [الكهف: 51] ، فمن تكلف أو كلف ~~غيره معرفة ابتداء الخلق، وأن له مبدأ لا يشبهه البتة، فأراد معرفة كيف ~~كان، فقد دخل في قوله تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم [النور: 15] . # إلا أننا نوقن أنه تعالى لم يعرض على السموات والأرض والجبال الأمانة، ~~إلا وقد جعل فيها تمييزا لما عرض عليها. وقوة تفهم بها الأمانة فيما عرض ~~عليها. فلما أبتها وأشفقت منها، سلبها ذلك التمييز وتلك القوة، وأسقط عنها ~~تكليف الأمانة. # قال: هذا ما يقتضيه كلامه عز وجل، ولا مزيد عندنا على ذلك. انتهى. # وذهب جمع إلى أن ذلك من باب المجاز، كما بينه ابن أبي الحديد في (شرح نهج ~~البلاغة) وسبقه الزمخشري حيث قال: ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب. ~~وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم. ومن ذلك قولهم (لو قيل للشحم أين ~~تذهب، لقال أسوي العوج) وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات. ~~وتصور مقاولة الشحم محال. ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه. ~~كما أن العجف مما يقبح حسنه. فصور أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس ~~السامع، وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. وكذلك تصوير عظم الأمانة، ~~وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. انتهى. # الثالثة- قال الرازي: إن قال قائل: لم قدم التعذيب على التوبة- في آخر ~~الآية؟ نقول: لما سمي التكليف أمانة، والأمانة من حكمها اللازم أن الخائن ~~يضمن، وليس من حكمها اللازم أن الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة، فكان ~~التعذيب على # PageV08P127 # الخيانة كاللازم، والأجر على الحفظ إحسان، والعدل قبل الإحسان. # الرابعة- ورد في تعظيم الأمانة عدة أحاديث. منها # عن أبي هريرة مرفوعا: أد الأمانة ms3823 إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. رواه ~~أبو داود «1» والترمذي «2» . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: أربع، إذا كن فيك فلا عليك ما ~~فاتك من الدنيا: # حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة. رواه الإمام أحمد «3» # والطبراني وعن أبي هريرة «4» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمن ~~سأل عن الساعة: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ يا رسول ~~الله! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة. # الخامسة- قال ابن كثير: روى عبد الله بن المبارك في كتاب (الزهد) أن عمر ~~ابن الخطاب كان ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي. # وقد ورد في ذلك حديث مرفوع عن بريدة: من حلف بالأمانة فليس منا، تفرد به ~~أبو داود «5» . # أي لأن الحلف لا يكون إلا باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته. وأما بغير ~~ذلك فمكروه أو حرام. # كما تقرر في موضعه. والله أعلم. # السادسة- سبق لي أن كتبت في الآية شيئا. في منتصف ربيع الأول سنة 1324، ~~في قرية ضمت حفلة من أهل العلم. فسأل بعض الناس عن تفسير الآية. ولم يكن ~~ثمة تفسير فاستعنت بالله تعالى، وقرأت السورة من أولها إلى آخرها مرات ثم ~~كتبت ما تراه. # أردت إثباته هنا تعزيزا للمقام، ونصه: في ختم السورة بهذه الآية من ~~البدائع ما يسميه علماء البديع (رد العجز على الصدر) ذلك أن طليعة هذه ~~السورة كانت في ذم المنافقين وقص مخازيهم ونواياهم السيئة ضد الرسول ~~وأصحابه في غزوة الأحزاب، وهي غزوة الخندق. أبان الحق تعالى أثر ما ذكر من ~~الأمر بالتقوى وعدم إطاعة المنافقين، وما كانوا يخوضون فيه من قصة التبني ~~ونحوها، أنهم كانوا أعطوا العهود والمواثيق أنهم إن قاتلوا لا يفروا وذلك ~~في قوله تعالى: PageV08P128 # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا قل ~~لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ~~[الأحزاب: 15- 16] ، فلما خانوا أماناتهم بالفرار والتعويق لإخوانهم، ~~والتثبيط لهم وما كان ms3824 من شنائعهم في تلك الغزوة، بين الله تعالى في خاتمة ~~السورة، شأن الأمانة، وعظم خطرها، وأنها عند الله بمكان عظيم. وذلك لأن من ~~أعطى من نفسه موثقا، عاهد الله عليه فاطمأنت به النفوس ووثقت به وركنت إليه ~~وأدرجته في عداد من يشد أزرها، فإذا هو غادر خائن كاذب متلاعب، يتخذ عهود ~~الله هزؤا ولعبا، فيخذل من وثق به، ويمالئ العدو عليه ويثبط من يجرى منه ~~نوع معونة، ويوقع الأراجيف ليوهي العزائم ويضعف الهمم، فتكثر القالة وترتبك ~~العامة فما أسوأ ما يأتي به وما أفظع ما ارتكب وما أعظم جريمته! وجلي أن ~~عظم الجريمة بقدر عظم آثارها، وما ذكر بعض من آثارها. ففي أي مرتبة تكون ~~الخيانة؟ لا جرم أنها في أحط المهاوي الدنيئة. كما أن مرتكبها في الدرك ~~الأسفل من النار. فالأمانة المذكورة في الآية باعتبار سياقها وسباقها، هي ~~الأمانة التي خان في تحملها المنافقون، ونقضوا بها عهدهم في هذه الواقعة. ~~وكان من أثرها السيئ في المدينة وأهلها ما كان- وإن كان لفظها يعم ما ذكر ~~وغيره، والإنسان هنا، المعني به جنس المنافق الذي قص من نبئه ما قص. والقصد ~~لومه على كونه تحمل ما تحمل، ثم نقض ذلك عن عمد وقصد، ظلما لنفسه وجهلا ~~بالعاقبة وباللوم الذي يتبعه، وبالعذاب الذي سيلقاه، وبكون هذا الأمر أمرا ~~ربانيا وعزيمة إلهية ما هي بالهزل. والمراد بعرض الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال، هو ظهور خطرها لهذه المكونات، وفظاعة الخيانة فيها، وإشفاق ~~كل من خطر تحملها. وإبائهن ذلك لو كن مما يعقلن. مع أنهن أقوى أجساما وأعظم ~~ثباتا وأصبر على طوارئ الحدثان، تخوفا من أن يطغين في أمرها أو يعصين في ~~شأنها. وإن الإنسان، مع ضعفه بالنسبة لهن، حملها وما حفظها ولا رعاها. ~~واجترأ مع ضعفه على ما أشفق منه ما هو أقوى منه. فما أظلمه وما أجهله! ~~والقصد رميه بالظلم والجهل. وجراءته على الخيانة وعدم مبالاته بما ترهب منه ~~السماوات والأرض والجبال. فيا لله ما أطغاه! فذكر هذه الأجرام الكبيرة ~~تهويل لخطر الأمانة، وأنهن ms3825 لو عقلن لكان منهن ما كان. ونظير هذه الآية في ~~ذكر هؤلاء الثلاثة قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ~~[مريم: 88- 91] ، وحقا أن سبك المعنى المذكور في قالب هذا النظم البديع ~~لمعجزة من معجزات التنزيل، وخارق من خوارقه في باب البلاغة. فإن أسلوبه في # PageV08P129 # إفراغ المعاني في أرق الألفاظ وأفخم التراكيب، أسلوب انفرد به عن كل ~~كلام. وبه يعلم أن من بحث في كيفية العرض عليهن، هل كان بإيداع عقل فيهن ~~أولا، وفي تعيين زمانه وفي كيفية إبائهن وإشفاقهن، وفي معنى لوم الإنسان ~~ورميه بالظلم والجهل، بعد ما عرضت عليه، وأن ظاهره التخيير إلى غير ذلك- ~~كله فلسفة لفظية، ولدها عشاق الظواهر والألفاظ، الولعون في الغلو ~~بمفرداتها، وصرف الوقت فيها جعل ذلك منتهى قصدهم ومبلغ علمهم. فضاع عليهم ~~المعنى ولم يهتدوا إليه- ولن يجدوا إليه سبيلا ما دام هذا سبيلهم- والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل. # PageV08P130 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة سبأ # سميت بها لتضمن قصتها آية تدل على نعيم الجنة في السعة وعدم الكلفة ~~والخلو عن الآفة، وتبدلها بالنقم، لمن كفر بالمنعم.. وهذا من أعظم مقاصد ~~القرآن. # قاله المهايمي. وهي مكية. واستثني منها ويرى الذين أوتوا العلم [سبأ: 6] ~~الآية. # وروى الترمذي «1» عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا رسول الله! ألا أقاتل من أدبر من قومي؟ الحديث. # وفيه: وأنزل في سبأ ما أنزل. فقال رجل: يا رسول الله! وما سبأ؟ الحديث. # قال ابن الحصار: هذا يدل على أن هذه القصة مدنية. لأن مهاجرة فروة بعد ~~إسلام ثقيف سنة تسع. # قال: ويحتمل أن يكون قوله (وأنزل) حكاية عما تقدم نزوله قبل هجرته. # أفاده في (الإتقان) وآيها أربع وخمسون. PageV08P131 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) # الحمد لله ms3826 الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة، وهو ~~الحكيم الخبير خلقا وملكا، وتصرفا بما شاء وله الحمد في الآخرة أي في ~~النشأة الآخرة. قال الشهاب: السموات والأرض عبارة عن هذا العالم بأسره. وهو ~~يشتمل على النعم الدنيوية. فعلم من التوصيف بقوله الذي إلخ، أنه محمود على ~~نعم الدنيا، ولما قيد الثاني بكونه في الآخرة، علم أن الأول محله الدنيا ~~فصار المعنى: أنه المحمود على نعم الدنيا فيها، وعلى نعم الآخرة فيها. أو ~~هو من باب الاحتباك. وأصله: الحمد لله إلخ في الدنيا، وله ما في الآخرة ~~والحمد فيها. فأثبت في كل منها ما حذف من الآخرة. وقوله تعالى: وله الحمد ~~معطوف على الصلة، أو اعتراض، إن كانت جملة (يعلم) حالية وهو الحكيم أي الذي ~~أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته الخبير أي بخلقه وأعمالهم وسرائرهم، ثم ~~ذكر مما يحيط به علما قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 2] # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~وهو الرحيم الغفور (2) # يعلم ما يلج في الأرض أي من الأمطار والمياه والكنوز والدفائن والأموات ~~وما يخرج منها أي من الشجر والنبات وماء العيون والغلة والدواب وما ينزل من ~~السماء أي من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة ~~والمقادير وما يعرج فيها أي من الملائكة وأعمال العباد وهو الرحيم الغفور ~~أي لمن تاب من المؤمنين وقام بواجب شكره. # PageV08P132 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 3] # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين (3) # وقال الذين كفروا يعني مشركي مكة لا تأتينا الساعة أي ساعة الجزاء، ~~إنكارا لها قل بلى وربي لتأتينكم أي الساعة. رد لكلامهم وتأكيد لما نفوه، ~~باليمين بالله عز وجل عالم الغيب بالجر صفة، والرفع خبر محذوف. وقرئ (علام) ~~. بالجر. وفي هذا التوصيف ms3827 تقوية للتأكيد. لأن تعقيب القسم بجلائل نعوت ~~المقسم به، يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه وقوة إثباته وصحته. لما أن في حكم. # الاستشهاد على الأمر. لا سيما إذا خص من الأوصاف ما له اختصاص بهذا ~~المعنى. # فإن قيام الساعة من مشاهير الغيوب وأدخلها في الخفية، وأولها مسارعة إلى ~~القلب، إذا قيل عالم الغيب لا يعزب أي لا يغيب بضم الزاي وكسرها عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~أي فالجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء وإن تناهى في الصغر. فالعظام ~~وأجزاء البدن، وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت. ثم ~~يعيدها كما بدأها أول مرة، لسعة علمه وعظم قدرته، جل شأنه. # لطائف: # الأولى- عامة القراء على رفع أصغر وأكبر وفيه وجهان: # أحدهما: الابتداء والخبر إلا في كتاب والثاني النسق على مثقال. وعلى هذا ~~فيكون قوله إلا في كتاب تأكيدا للنفي في لا يعزب كأنه قال: لكنه في كتاب ~~مبين. ويكون في محل الحال. وقرأ بعض السلف بفتح الراءين. وفيه وجهان: # أحدهما- أن (لا) هي لا التبرئة. بني اسمها معها. والخبر قوله إلا في ~~كتاب. # والثاني- النسق على ذرة لامتناعه من الصرف. # الثانية- يشير قوله تعالى ولا أصغر من ذلك إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد ~~بل الأصغر منه لا يعزب أيضا. # الثالثة- قال الكرخي: فإن قيل فأي حاجة إلى ذكر (الأكبر) فإن من علم ~~الأصغر من الذرة لا بد وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله تعالى أراد ~~بيان إثبات # PageV08P133 # الأمور في الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت فيه ~~الصغائر لكونها محل النسيان. وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، ~~فاعلم أن الإثبات في الكتاب ليس كذلك. فإن الأكبر مكتوب فيه أيضا. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 4] # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات علة لقوله تعالى لتأتينكم وبيان لما ~~يقتضي إتيانها ms3828 من جزاء المحسن والمسيء أولئك لهم مغفرة ورزق كريم أي عيش ~~هنيء في الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 5] # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) # والذين سعوا في آياتنا أي بالطعن فيها ونسبتها إلى السحر والشعر وغير ~~ذلك. معاجزين أي مقدرين الغلبة والعجز في زعمهم الفاسد وظنهم الباطل أولئك ~~لهم عذاب من رجز أليم وهو أسوأ العذاب ومن للبيان أليم بالرفع صفة (عذاب) ، ~~وبالجر صفة ل (رجز) قراءتان. وقد جوز في قوله والذين سعوا أن يكون مبتدأ، ~~وجملة أولئك.. إلخ خبره وأن يعطف على الذين قبله. أي ويجزي الذين سعوا. ~~ويكون جملة أولئك التي بعده مستأنفة، والتي قبله معترضة. وفي التعبير عن ~~طعنهم وصدهم بالسعي، تمثيل لحالهم. فإن المكذب آت بإخفاء آيات بينات، ~~فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ، ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 6 الى 8] # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) # ويرى أي يعلم الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي # PageV08P134 # إلى صراط العزيز الحميد # أي دينه وشرعه وقال الذين كفروا أي من قريش هل ندلكم على رجل يعنون النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أي فرقتم كل تفريق، بحيث صرتم ~~ترابا ورفاتا إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أي فيما قاله أم به ~~جنة أي جنون تخيل به ذلك. فرد تعالى عليهم ما نعى به سوء حالهم بقوله: بل ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أي المتناهي أمره. # فإن من يدعى إلى الصلاح والرشاد، ونبذ الهوى والفساد، فيرمي الداعي ~~بالفرية والجنون، لمغرق في الجهالة. ومبعد أي بعد ms3829 في الضلالة. ثم أشار إلى ~~تهويل تلك العظيمة التي تفوهوا بها، وإنها موجبة لنزول أشد العذاب، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 9] # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء أي: أعموا فلم ينظروا إلى السماء. ~~والأرض، وإنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم، محيطتان بهم، لا ~~يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله عز وجل، ~~ولم يخافوا أن يخسف الله بهم أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات، وكفرهم ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة، ~~أفاده الزمخشري. و (الكسف) بسكون السين، بمعنى القطع، إما جمع كسفة، أو فعل ~~بمعنى مفعول، أو مخفف من المصدر. وقرأ حفص (كسفا) بالفتح إن في ذلك أي ~~النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من قدرة الله لآية أي ~~دلالة واضحة لكل عبد منيب أي راجع إلى ربه مطيع له. فإن شأنه لا يخلو من ~~الاعتبار في آياته تعالى، على أنه قادر على كل شيء من البعث ونشر الرميم ~~كما قال تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ~~بلى [يس: 81] . وقال تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون [غافر: 57] . ثم أخبر تعالى عما آتى داود وسليمان من ~~الفضل والملك وسعة السلطان ووفرة الجند وكثرة العدد والعدد، ببركة إنابتهما ~~وقيامهما بشكر الرب تعالى، عدة للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المنيبين ~~الشاكرين بنيل مثل ذلك، وتذكيرا بقدرته على كل شيء، فقال تعالى: # PageV08P135 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى 11] # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ms3830 الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه أي رجعي معه التسبيح ويا جبال ~~بدل من فضلا أو من آتينا بتقدير قولنا، أو قلنا يا جبال أوبي معه والطير ~~بالرفع والنصب، عطفا على لفظ الجبال ومحلها. وجوز انتصابه مفعولا معه وأن ~~يعطف على فضلا بمعنى وسخرنا له الطير. قال الزمخشري: فإن قلت أي فرق بين ~~هذا النظم وبين أن يقال وآتينا داود منا فضلا، تأويب الجبال معه والطير؟ ~~قلت: كم بينهما! ألا ترى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى، من الدلالة على ~~عزة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزلة منزلة العقلاء الذين ~~إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعارا بأنه ما من ~~حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته غير ممتنع على إرادته. ~~انتهى. وألنا له الحديد أن اعمل سابغات أي دروعا واسعات وقدر في السرد أي ~~اقتصد في نسج الدروع لتتناسب حلقها واعملوا صالحا أي وقلنا له ولأهله ذلك ~~إني بما تعملون بصير أي فأجازيكم به. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 12] # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) # ولسليمان أي وسخرنا له الريح غدوها شهر ورواحها شهر أي جريها بالغداة ~~مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك والريح الهواء المسخر بين السماء والأرض. ~~ويطلق بمعنى النصرة والدلالة والغلبة والقوة، كما في القاموس وأسلنا له عين ~~القطر أي النحاس المذاب، أي أجرينا له ينبوعه لكثرة ما توفر لديه منه من ~~سعة ملكه ومن الجن أي الشياطين الأقوياء من يعمل بين يديه أي من رفيع ~~المباني وإشادة القصور وغيرها بإذن ربه أي بأمره تعالى: ومن يزغ أي يعدل ~~منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير أي النار. ثم فصل ما ذكر من عملهم بقوله ~~تعالى: # PageV08P136 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3831 [سورة سبإ (34) : آية # 13] # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) # يعملون له ما يشاء من محاريب أي مساكن ومجالس شريفة أو مساجد وتماثيل أي ~~صور ونقوش منوعة على الجدر والسقوف والأعمدة، جمع (تمثال) وهو كل ما صور ~~على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان، ولم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. # قال السيوطي في (الإكليل) : قال ابن الفرس: احتجت به فرقة في جواز ~~التصوير، وهو ممنوع فإنه منسوخ في شرعنا وجفان كالجواب أي وصحاف كالجوابي ~~وهي الحياض الكبار. و (الجفان) جمع جفنة وهي كالصحفة والقصعة، ما يوضع فيه ~~الطعام مطلقا. وقيل الجفنة أعظم القصاع. ثم يليها القصعة وهي ما تشبع عشرة. ~~ثم الصحفة وهي ما تشبع خمسة. ثم الميكلة وهي ما تشبع ثلاثة أو اثنين. # ثم الصحيفة وقدور راسيات أي ثابتات على الأثافي، لا تنزل عنها لعظمها ~~اعملوا آل داود شكرا أي قيل لهم: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر ~~لنعمائه. # وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف. كما أن فيه ~~وجوب الشكر. وأنه يكون بالعمل ولا يختص باللسان. لأن حقيقته صرف العبد جميع ~~ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله. وداود عليه السلام قد يدخل هنا في ~~(آله) فإن آل الرجل قد يعمه وقليل من عبادي الشكور أي المتوفر على أداء ~~الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه، أكثر أوقاته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 14] # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما ~~خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # فلما قضينا عليه أي على سليمان الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ~~وهي الأرضة تأكل منسأته أي عصاه التي ينسأ بها، أي يطرد ويؤخر فلما خر ~~تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي الشديد ~~من الجري على رسمه ms3832 لهم، والدأب عليه، لظنهم إياه حيا. # PageV08P137 # ثم بين تعالى من أخبار بعض الكافرين بنعمه، إثر بيان أحوال الشاكرين لها، ~~ما فيه عظة واعتبار، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 15] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) # لقد كان لسبإ اسم لأبي قبيلة. وقد قرئ بمنع الصرف على أنه اسم لها في ~~مسكنهم أي في مواضع سكناهم، وهي باليمن يقال لها (مأرب) كمنزل من بلاد ~~الأزد، في آخر جبال حضرموت. وكانت في الزمن الأول قاعدة التبابعة، فإنها ~~مدينة بلقيس، بينها وبين صنعاء نحو أربع مراحل. وقرئ مساكنهم آية على قدرته ~~تعالى ومجازاته المسيء جنتان عن يمين وشمال أي جماعتان من البساتين عن يمين ~~بلدهم وشمالها. أو لكل واحد جنتان عن يمين مسكنه وشماله: قيل لهم كلوا من ~~رزق ربكم واشكروا له أي بصرف ما أنعم به عليكم إلى ما خلق لأجله. # ثم بين ما يوجب الشكر المأمور به، بقوله سبحانه: بلدة طيبة أي لطيفة ~~جميلة مباركة لا عاهة فيها ورب غفور أي لمن شكره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 16] # فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل وشيء من سدر قليل (16) # فأعرضوا أي عن الشكر فأرسلنا عليهم سيل العرم أي سيل الأمر العرم، أي ~~الصعب والمطر الشديد- أو الوادي- أو السكر الذي يحبس الماء- أو هو البناء ~~الرصين المبني بين الجبلين لحفظ ماء الأمطار وخزنها. وقد ترك فيه أثقاب على ~~مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا أهلكهم الله بخراب هذا البناء، ~~فانهال عليهم تيار مائه، فأغرق بلادهم وأفسد عمرانهم وأرضهم. واضطر من نجا ~~منهم للنزوح عنها. كما قال تعالى: وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط أي ~~ثمر مر، أو بشع لا يؤكل وأثل شجر يشبه الطرفاء من شجر البادية لا ثمر له ~~وشيء من سدر قليل وهو شجر النبق. أي قلة لا تسمن ولا تغني من جوع. ms3833 فهذا ~~تبديل النعم بالنقم. لمن لم يشكر النعم، كما قال تعالى: # PageV08P138 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 17] # ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) # ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي بشكر النعم، أو باتباع ~~الرسل وتكذيب الحق والعدول إلى الباطل، ثم بين تعالى ما كانوا فيه من ~~النعمة والغبطة والعيش الهني والبلاد الآمنة والقرى المتواصلة، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 18] # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها أي بالزروع والثمار وحسن ~~العمران وهي قرى بصنعاء كما قاله مجاهد وسعيد بن جبير ومالك وغيرهم قرى ~~ظاهرة أي متواصلة، يرى بعضها من بعض لتقاربها. فهي ظاهرة لأعين الناظرين. ~~أو ظاهرة للمسافرين لا تبعد عن مسالكهم وقدرنا فيها السير أي جعلنا بين ~~قراها مقادير متساوية. فمن سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى وقت الظهيرة ~~والقيلولة. ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب، فلا يحتاج لحمل زاد ~~ولا مبيت في أرض خالية، ولا يخاف من عدو ونحوه سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين أي لا تخافون في الليل أو النهار، أو وإن تطاول أمد سفركم فيها ~~وامتد، فلا ترون إلا الأمن. والأمر على تقدير القول بلسان المقال بواسطة ~~نبي ونحوه. أو بلسان الحال. كأنهم لما تمكنوا منه جعلوا مأمورين به. فالأمر ~~للإباحة. وفي (في) إشعار بشدة القرب، حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 19] # فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ~~ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) # فقالوا أي بلسان الحال والميل إلى المهالك الشيطانية ربنا باعد بين ~~أسفارنا أي فاستعدوا لضلالهم وكفرهم لأن تجعل أمكنتهم تعمل فيها المطي ~~والرواحل، لتباعد ما بينها وبين ما يسيرون إليه. وحصل ذلك بما بدلوا به من ~~بلادهم الحسنة وظلموا أنفسهم أي حتى حل ms3834 بهم ما حل فجعلناهم أحاديث أي # PageV08P139 # يتحدث الناس بهم ويتعجبون من نبئهم وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد ~~الاجتماع والعيش الهني ومزقناهم كل ممزق أي فرقناهم كل تفريق، حتى اتخذه ~~الناس مثلا مضروبا. يقولون (تفرقوا أيادي سبا، وذهبوا أيدي سبا) بألف ~~مقصورة. # قال الأزهري: العرب لا تهمز سبأ في هذا الموضع. لأنه كثر في كلامهم ~~فاستثقلوا فيه الهمز. وإن كان أصله مهموزا. والذهاب معلوم. والأيادي جمع ~~أيد. والأيدي جمع يد. وهي بمعنى الجارحة، وبمعنى النعمة، وبمعنى الطريق، ~~وهو المراد. قال في التهذيب: قولهم ذهبوا أيدي سبا، أي متفرقين. شبهوا بأهل ~~سبأ لما مزقهم الله في الأرض كل ممزق. فأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة. و ~~(اليد) الطريق. يقال: # أخذ القوم يد بحر.. فقيل للقوم إذا ذهبوا في جهات مختلفة (ذهبوا أيدي ~~سبا) أي فرقتهم طرقهم التي سلكوها، كما تفرق أهل سبا في مذاهب شتى. # قال ابن مالك: إنه مركب تركيب خمسة عشر، مبنيا على السكون. وفي (زهر ~~الأكم، في الأمثال والحكم) أن سبا كانت أخصب بلاد الله. كما قال تعالى: # جنتان عن يمين وشمال قيل كانت مسافة شهر للراكب المجد. يسير الماشي في ~~الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل مع تدفق الماء وصفاء الأنهار ~~واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاندهم أحد إلا قصموه. وكانت في بدء ~~الأمر تركبها السيول. فجمع لذلك حمير أهل مملكته وشاورهم. فاتخذوا سدا في ~~بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد، وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا ~~جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. فلما كفروا ~~نعم الله تعالى، ورأوا أن ملكهم لا يبيده شيء، وعبدوا الشمس، سلط الله على ~~سدهم فأرة فخرقته. وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق. وأباد خضراءهم. ~~وتبددوا في البلاد. فلحق الأزد بعمان. وخزاعة ببطن مر. والأوس والخزرج ~~بيثرب. وآل جفنة بأرض الشام. وآل جذيمة الأبرش بالعراق. # وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ms3835 سبأ ما هو؟ أرجل أم امرأة؟ أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم: بل هو ~~رجل ولد له عشرة. فسكن اليمن منهم ستة. وبالشام منهم أربعة. فأما اليمانيون ~~فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير. وأما الشامية فلخم وجذام ~~وعاملة وغسان. # قال ابن كثير: وإسناده حسن إلا ابن لهيعة. # روى الإمام أحمد أيضا عن فروة بن مسيك رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله # PageV08P140 # صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. # فقاتل بمقبل قومك مدبرهم. فلما وليت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم ~~إلى الإسلام. فقلت: يا رسول الله! أرأيت سبأ؟ أواد هو أو جبل أو ما هو؟ قال ~~صلى الله عليه وسلم: لا، بل هو رجل من العرب ولد له عشرة. فتيامن ستة، ~~وتشاءم أربعة. تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار- الذين ~~يقال لهم بجيلة- وخثعم. # وتشاءم لخم وحذام وعاملة وغسان. # قال ابن كثير: حديث حسن. وإن كان فيه أبو حباب الكلبي، وقد تكلموا فيه. # ورواه الحافظ ابن عبد البر في كتاب (القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب ~~العرب والعجم) عن تميم الداري أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~سبأ؟ فذكر مثله. # وقال ابن كثير: فقوي هذا الحديث وحسن. # وذكر علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق اسم سبأ، عبد شمس بن يشجب بن يعرب ~~بن قحطان. وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب وكان يقال له الرائش. ~~لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه. فسمي الرائش. والعرب تسمي المال ريشا ~~ورياشا. وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم. ~~وقال في ذلك شعرا. # سيملك بعدنا ملك عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام # ويملك بعده منهم ملوك ... يدينوه القياد بكل رامي # ويملك بعدهم منا ملوك ... يصير الملك فينا بانقسام # ويملك بعد قحطان نبي ... تقي متحنث خير الأنام # يسمى أحمدا. يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام # فأعضده وأحبوه بنصري ms3836 ... بكل مدجج وبكل رام # متى يظهر فكونوا ناصريه ... ومن يلقه يبلغه سلامي # ذكر ذلك الهمداني في كتاب (الإكليل) . واختلفوا في قحطان. فقيل: إنه من ~~سلالة إرم بن سام بن نوح. وقيل: من سلالة عابر وهو هود عليه السلام. وقيل: ~~إنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام. وقد ذكر ~~ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري في كتاب (الإنباه على ~~ذكر أصول القبائل الرواة) . # PageV08P141 # قال ابن كثير: ومعنى # قوله صلى الله عليه وسلم في سبأ: كان رجلا من العرب، # يعني العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام من سلالة ~~سام بن نوح. وعلى القول الثالث. كان من سلالة الخليل عليه السلام، وليس هذا ~~بالمشهور عندهم. # والله أعلم. # ولكن # في صحيح البخاري «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أسلم ينتضلون فقال: ارموا، ~~بني إسماعيل! فإن أباكم كان راميا # . وأسلم قبيلة من الأنصار. والأنصار أوسها وخزرجها من عرب اليمن. من سبأ، ~~نزلت يثرب، لما تفرقت، كما مر. # (ثم قال) : ومعنى # قوله صلى الله عليه وسلم: ولد له عشرة # أي كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب ~~اليمن. لا أنهم ولدوا من صلبه. بل منهم من بينه وبينه، الأبوان والثلاثة، ~~والأقل والأكثر. كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب إن في ذلك أي ~~فيما ذكر من قصتهم، وما حل بهم من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل ~~العافية على ما ارتكبوه من الكفر والآثام لآيات أي لعبرا عظيمة لكل صبار ~~شكور أي شأنه الصبر عن الشهوات والهوى والآثام، والشكر على النعم. قال ~~الأعشى من قصيدة: # ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفى عليها العرم # رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء مواره لم يرم # فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم # فصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فطم ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 20 الى 21] # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه ms3837 إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل ~~شيء حفيظ (21) # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه قال الزمخشري: قرئ (صدق) بالتشديد والتخفيف. ~~ورفع لفظ (إبليس) ونصب (الظن) فمن شدد، فعلى: (حقق عليهم ظنه، ووجده ظنه ~~صادقا) أي صدق بمعنى حقق مجازا. لأنه ظن شيئا فوقع فحققه. PageV08P142 # وقوله (أو وجده ظنه صادقا) فإن العرب تقول صدقك ظنك. والمعنى أن إبليس ~~كان يسول له ظنه شيئا فيهم. فلما وقع جعل كأنه صدقه. شهاب. # ومن خفف فعلى (صدق في ظنه، أو صدق يظن ظنا) نحو فعلته جهدك. أي ف (ظنه) ~~منصوب على الظرفية بنزع الخافض. وأصله (في ظنه) أي وجد ظنه مصيبا في ~~الواقع، ف (صدق) حينئذ بمعنى أصاب، مجازا. أو منصوب على أنه مصدر لفعل ~~مقدر. كفعلته جهدك، أي وأنت تجهد جهدك. فالمصدر وعامله في موقع الحال. ~~شهاب. # وبنصب (إبليس) ورفع (الظن) فمن شدد فعلى (وجد ظنه صادقا) . ومن خفف، فعلى ~~(قال له ظنه الصدق حين خيله إغواؤهم) برفع (إغواؤهم) على الفاعلية. أو نصبه ~~على الحذف والإيصال، وفاعليه وضمير الظن. أي خيل له إغواءهم. شهاب. يقولون ~~صدقك ظنك. # وبالتخفيف ورفعهما، أي على إبدال الظن من إبليس، بدل اشتمال. شهاب. # على (صدق عليهم ظن إبليس) . انتهى. # وذلك إما ظنه بسبإ حين رأى انهماكهم في الشهوات، أو ببني آدم حينما رأى ~~ما ركب فيهم من الشهوة والغضب. # فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك أي ما كان له عليهم من تسليط واستيلاء ~~بالوسوسة والاستغواء، إلا لغرض صحيح وحكمة بينة. وذلك أن يتميز المؤمن ~~بالآخرة من الشاك فيها. وعلل التسليط بالعلم. والمراد ما تعلق به العلم. ~~قاله الزمخشري. يعني أن العلم المستقبل المعلل به هنا، ليس هو العلم الأزلي ~~القائم بالذات المقدس. بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة الذي يترتب عليه ~~الجزاء بالثواب والعقاب. فالمعنى ما سلطناه ms3838 عليهم إلا ليبرز من كمون الغيب ~~ما علمناه، فتظهر الحكمة فيه يتحقق ما أردناه من الجزاء أو لازمه، وهو ظهور ~~المعلوم. # ويجوز أن يكون المعنى: لنجزي على الإيمان وضده. كذا في (العناية) وربك ~~على كل شيء حفيظ أي رقيب قائم على أحواله وأموره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 22] # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # PageV08P143 # قل أي للمشركين، إظهارا لبطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم ادعوا الذين زعمتم ~~أي زعمتموهم آلهة من دون الله لا يملكون مثقال ذرة أي من خير وشر ونفع وضر ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك أي شركة، لا خلقا ولا ملكا ~~ولا تصرفا وما له منهم من ظهير أي معين يعينه على تدبير خلقه، قال ~~الزمخشري: يريد أنهم على هذه الصفة من العجز والبعد عن أحوال الربوبية. ~~فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى، ويرجوا كما يرجى؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 23] # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أي من المستأهلين لمقام الشفاعة. # كالنبيين والملائكة. وهذا تكذيب لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم أي كشف الفزغ عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بكلمة يتكلم ~~بها رب العزة، في إطلاق الإذن، تباشروا بذلك قالوا أي سائلا بعضهم بعضا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق أي قال القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى ~~وهو العلي الكبير أي ذو العلو والكبرياء. ليس لملك ولا نبي أن يتكلم إلا ~~بإذنه، وأن يشفع إلا لمن ارتضى. # قال ابن كثير: هذا أيضا مقام رفيع في العظمة. وهو أنه تعالى إذا تكلم ~~بالوحي. فسمع أهل السموات كلامه، أرعدوا من الهيبة، حتى يلحقهم مثل الغشي. # قاله ms3839 ابن مسعود رضي الله عنه ومسروق وغيرهما. # قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم ولأي ~~شيء وقعت (حتى) غاية؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام، من أن ثم انتظارا للإذن ~~وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ~~وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص. ومثل هذه الحال ~~دل عليه قوله عز وجل رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه ~~خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا [النبأ: 37- 38] . أي: وإذا كانت الشفاعة لمن أذن له بهذا الحال، ~~عظمة وسموا من ذي الجلال، فإنى ينالها جماد لا يعقل، لا سيما وهو عدو ~~للكبير المتعال، فتبين # PageV08P144 # كذبهم فيهم أنهم شفعاء، وحرمانهم من مقامها، بأجلى بيان وأفصح مقال. # وفي الآية تأويل آخر، وهو أن معنى قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم أي ~~عن قلوب المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة إذا تنبهوا مما كانوا فيه من ~~الغفلة في الدنيا، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة، قالوا ماذا قال ربكم؟ ~~فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا. قال مجاهد: حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم أي كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن: أي كشف عما ~~فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا عند الموت، ~~أقروا حين لا ينفعهم الإقرار. واختار ابن جرير القول الأول، وهو أن الضمير ~~عائد إلى الملائكة. # قال ابن كثير: وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه. لصحة الأحاديث فيه ~~والآثار، أي ولورود ما يؤيده في آية أخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضا وذلك في ~~قوله تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون [الأنبياء: 28] ، نعم، ~~النظم الكريم لا يأبى ما ذكروه، إلا أن مراعاة الأشباه والنظائر هو العمدة ~~في باب فهم التأويل، ما وجد إليها سبيل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 24] ms3840 # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) # قل من يرزقكم من السماوات والأرض أمر بتبكيت المشركين بحملهم على الإقرار ~~بأن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة فيهما. وقوله: قل الله أي الذي تعترفون ~~بأنه هو الخالق. كما قال تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله [يونس: 31] . أي فحينئذ قامت الحجة عليهم منهم. # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين أي وإن أحد الفريقين من ~~الموحدين، الرازق من السموات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد ~~الذي لا يوصف بالقدرة على ذرة، لعلى أحد الأمرين من الهدى أو الضلال. # قال الزمخشري: وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف ~~قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من # PageV08P145 # التقرير البليغ، دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو ~~في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أفضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم ~~به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وقل شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل ~~لصاحبه: علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب. # ومنه بيت حسان: # اتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # انتهى. # قال الناصر: وهذا تفسير مهذب وافتنان مستعذب، رددته على سمعي فزاد رونقا ~~بالترديد. واستعاده الخاطر، كأني بطيء الفهم حين يفيد، ولا ينبغي أن ينكر ~~بعد ذلك على الطريقة التي أكثر تعاطيها متأخرو الفقهاء في مجادلاتهم ~~ومحاوراتهم. # وذلك قولهم: أحد الأمرين لازم على الإبهام. فهذا المسلك من هذا الوادي ~~غير بعيد، فتأمله، والله الموفق. انتهي. # قال الشهاب: وهذا فن من فنون البلاغة يسمى (الكلام المنصف) . وقيل إن ~~الآية على اللف والنشر المرتب. ونظر فيه بأنه لو قصد اللف بأن يكون على هدى ~~راجعا لقوله: وإنا وأو في ضلال راجعا ل إياكم كان العطف بالواو لا بأو. # وكونها بمعنى ms3841 الواو كما في قوله: # سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه # بعيد جدا. إلا أنه قيل: لو جعل فيه إيماء لذلك لم يبعد. وإيثار (على) في ~~الهدى و (في) في مقابله، للدلالة على استعلاء صاحب الهدى وتمكنه واطلاعه ~~على ما يريد، كالواقف على مكان عال، أو الراكب على جواد. وانغماس الضال في ~~ضلاله حتى كأنه في مهواة مظلمة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 25] # قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) # قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون أي قل لهؤلاء المشركين: # لا تسألون عما أجرمنا من جرم وركبنا من إثم، ولا نسأل نحن عما تعملون من ~~عمل. # PageV08P146 # قال ابن كثير: معناه التبري منهم. أي لستم منا ولا نحن منكم. بل ندعوكم ~~إلى الله تعالى وإلى توحيده، وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن ~~منكم وإن كذبتم فنحن براء منكم وأنتم براء منا. كما قال تعالى: وإن كذبوك ~~فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون [يونس: ~~41] . وقوله: # قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~[الكافرون: ### | 1- 3 # ] . انتهى. # وما ذكره معنى دقيق، قل من يتفطن له، أسميه التفسير بالأشباه والنظائر. ~~وهو حمل آية موجزة أو مجملة على آية تشبهها مطولة أو مبينة، ولا يدرك هذا ~~إلا الراسخ في فن التأويل، الولع بتدبر التنزيل، ومن لطائف الآية ما ذكره ~~الزمخشري والمنتصف، من أن هذا القول أدخل في الإنصاف من الأول. حيث أسند ~~الإجرام إلى النفس، وأراد به الزلات والصغائر التي لا يخلوا عنها مؤمن، ~~وأسند العمل إلى المخاطبين، وأراد به الكفر والمعاصي والكبائر. فعبر عن ~~الهفوات بما يعبر به عن العظائم. وعن العظائم بما يعبر به عن الهفوات، ~~التزاما للإنصاف. وزيادة على ذلك، أنه ذكر الإجرام المنسوب إلى النفس بصيغة ~~الماضي، الذي يعطي تحقيق المعنى. # وعن العمل المنسوب إلى الخصم بما لا يعطي ذلك. والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3842 [سورة سبإ (34) : آية # 26] # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) # قل يجمع بيننا ربنا أي يوم القيامة في صعيد واحد. ثم يفتح بيننا بالحق أي ~~يقضي بالعدل. لأن أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال. فيتبين يومئذ ~~المهتدي منا من الضال، ويجزى كلا بعمله، كما قال تعالى: ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما ~~الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون [الروم: ~~14- 16] . # ولهذا قال سبحانه: وهو الفتاح العليم أي الحاكم العادل العليم بالقضاء ~~بين خلقه، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من ~~المبطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 27] # قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) # قل أروني الذين ألحقتم به شركاء أي جعلتموها لله أندادا، وصيرتموها له # PageV08P147 # عدلا، قال أبو السعود: أريد بأمرهم بإراءة الأصنام، مع كونها بمرأى منه ~~صلى الله عليه وسلم. إظهار خطئهم العظيم واطلاعهم على بطلان رأيهم. أي ~~أرونيها لأنظر بأي صفة ألحقتموها بالله الذي ليس كمثله شيء في استحقاق ~~العبادة. وفيه مزيد تبكيت لهم بعد إلزام الحجة عليهم. وقد جوز المعرب في ~~(رأى) هنا أن تكون علمية متعدية بهمزة النقل. إلى ثلاثة مفاعيل: ياء ~~المتكلم والموصول وشركاء. وعائد الموصول محذوف. أي ألحقتموهم. وأن تكون ~~بصرية تعدت بالنقل لاثنين: ياء المتكلم والموصول، و (شركاء) حال. ولا ضعف ~~في هذا كما قاله ابن عطية. بل فيه توبيخ لهم، إذ لم يرد حقيقته. لأنه كان ~~يراهم ويعلمهم. فهو مجاز وتمثيل. والمعنى: ما زعمتموه شريكا إذا برز للعيون ~~وهو خشب وحجر، تمت فضيحتكم. وقوله تعالى: # كلا ردع لهم عن المشاركة، بعد إبطال المقايسة بل هو الله العزيز الحكيم ~~أي الموصوف بالغلبة القاهرة والحكمة الباهرة. فأين شركاؤكم التي هي أخس ~~الأشياء وأذلها، من هذه الرتبة العالية. والضمير إما لله عز وعلا، أو ~~للشأن. قاله أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms3843 سبإ (34) : آية 28] # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي ~~وما أرسلناك إلا إرسالة عامة لجميع الخلائق من المكلفين. تبشر من أطاعك ~~بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار، كقوله تبارك وتعالى: قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] . تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ~~ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] . # ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي فيحملهم جهلهم على ما هم فيه من الغي ~~والضلال كقوله عز وجل وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] ، وإن ~~تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام: 116] . قال ابن عباس- ~~فيما رواه ابن أبي حاتم- إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس! فبم فضله الله على ~~الأنبياء؟ قال رضي الله عنه: # إن الله تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~[إبراهيم: # 4] ، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك إلا كافة للناس. فأرسله ~~الله تعالى إلى الجن والإنس. # PageV08P148 # قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في ~~الصحيحين. # رفعه عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : ~~أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي ~~الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث إلى قومه، ~~وبعثت إلى الناس عامة # وفي الصحيح أيضا «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثت إلى ~~الأسود والأحمر # ، قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم. # والتحقيق في معنى عموم إرساله وشمول بعثته، هو مجيئه بشرع ينطبق على ~~مصالح الناس وحاجاتهم أينما كانوا. وأي زمان وجدوا، مما لم يتفق في شرع ~~قبله قط. # ولهذا ختمت النبوات بنبوته صلى الله عليه وسلم، كما ms3844 تقرر في موضعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 29 الى 30] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ~~ساعة ولا تستقدمون يعنون بالوعد المنذر به استهزاء، كقوله تعالى: يستعجل ~~بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ~~[الشورى: # 18] وقوله وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، ~~فمنهم شقي وسعيد [هود: 104- 105] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 31] # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه وهو ما نزل قبل ~~PageV08P149 # القرآن من كتبه تعالى ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم ~~إلى بعض القول أي يتجاذبون أطراف المحادثة ويتراجعونها بينهم. ثم أبدل من ~~يرجع قوله يقول الذين استضعفوا وهم الأتباع للذين استكبروا وهم قادتهم ~~وسادتهم لولا أنتم لكنا مؤمنين ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 32] # قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) # قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير ~~دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل ~~لشهوتكم واختيارتكم لذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 33] # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال ~~في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار أي مكركم ms3845 فيهما ~~وإغراؤكم وتمنيتكم لنا إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا أي نظراء ~~وآلهة معه. وأسروا أي الجميع من السادة والأتباع الندامة لما رأوا العذاب ~~وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع ~~أعناقهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون أي بأعمالهم كل بحسبه. للقادة عذاب ~~بحسبهم. # وللأتباع بحسبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 34 الى 35] # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين أي زعما أنه أكرمهم الله ~~بذلك في الدنيا، فلا # PageV08P150 # يعذبهم في الآخرة على تقدير وقوعها. وتوهما بأنهم لو لم يكرموا على الله ~~لما رزقهم. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم. وقد أبطل الله تعالى ~~حسبانهم ذلك بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 36] # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يضيق عليه حسب ما اقتضته حكمته ~~ومشيئته في عباده، من يحب ومن لا يحب، وهو أعلم بمقتضياته وشؤونه. # فلا يقاس على ذلك أمر الثواب والعذاب، اللذين مناطهما الطاعة وعدمها. ~~ولذا قال ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. فيزعمون أن مدار البسط الكرامة، ~~والتضييق الهوان. ويجهلون أن مناط الفوز والقرب منه تعالى، إنما هو ~~الكمالات النفسية، وذلك بصدق الإيمان وحسن الاتباع. كما قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 37] # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى أي بالمزية التي تقربكم ~~قربة. ف زلفى محلها النصب إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف أي ~~الثواب المضاعف بما ms3846 عملوا وهم في الغرفات آمنون أي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون. ومن نظائر الآية قوله تعالى: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [المؤمنون: 55- 56] ، وقوله سبحانه: فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة: 55] . # وروى الإمام أحمد «1» ومسلم «2» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم. PageV08P151 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 38] # والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) # والذين يسعون في آياتنا أي بالصد عنها والطعن فيها معاجزين أي قاصدين ~~المعاجزة والمغالبة والقهر أولئك في العذاب محضرون أي في عذاب جهنم محضرون ~~يوم القيامة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 39] # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين (39) # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه أي يعوضه، فإن ينابيع خزائنه لا تنضب. وسحائب أرزاقه سحاء الليل ~~والنهار وهو خير الرازقين # أي أعلاهم. لأنه خالق الرزق وخالق الأسباب التي ينتفع بها المرزوق ~~بالرزق. # روى أبو يعلى عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن ~~بعد زمانكم هذا زمان عضوض. يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق. # ثم تلا هذه الآية وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقال ~~مجاهد: لا يتأولن أحدكم هذه الآية وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه إذا كان عند ~~أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 40 الى 41] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(41) # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ms3847 للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون قال ~~الزمخشري: هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر ~~(إياك أعني واسمعي يا جارة) ونحوه قوله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله [المائدة: 116] ، وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى ~~منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير. والغرض أن ~~يقول ويقولوا، ويسأل # PageV08P152 # ويجيبوا، فيكون تقريعهم أشد، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم، وهوانهم ألزم. # ويكون اقتصاص ذلك لطفا لمن سمعه، وزاجرا لمن اقتص عليه. انتهى. # وتخصيص الملائكة، لأنهم أشرف الأنداد عند مشركي العرب، ولأن عبادتهم مبدأ ~~الشرك وأصله، لزعمهم أن الأوثان على صور الهياكل العلوية المقربة. فتكون ~~شفعاء لهم. وقوله تعالى: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون أي: أبإذنكم كان ذلك. ~~كما قال تعالى: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل [الفرقان: 17] ~~. # وكما يقول تعالى لعيسى عليه السلام: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله قال سبحانك [المائدة: 116] ، وهكذا تقول الملائكة سبحانك أي ~~تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله أنت ولينا من دونهم أي أنت الذي نواليه ~~من دونهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم. فنبرأ إليك منهم. بينوا بإثبات ~~موالاة الله ومعاداة الكفار، براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم. وقولهم بل ~~كانوا يعبدون الجن أي الشياطين، لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان ~~وأضلوهم. والضمير الأول في قولهم أكثرهم بهم مؤمنون للإنس أو للمشركين. ~~والأكثر بمعنى الكل. والثاني للجن. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 42] # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا أي لأن الأمر كله فيه لله. لأن ~~الدار دار جزاء وهو المجازي وحده. قال أبو السعود: وهذا من جملة ما يقال ~~للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبرؤ عما نسب إليهم الكفرة. يخاطبون بذلك ~~على رؤوس الأشهاد، إظهارا لعجزهم وقصورهم عند ms3848 عبدتهم، وتنصيصا على ما يوجب ~~خيبة رجائهم بالكلية ونقول للذين ظلموا وهم المشركون ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون ثم بين جملة أخرى من كفرانهم بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 43] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) # PageV08P153 # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا يعنون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا أي ~~القرآن الكريم إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا ~~سحر مبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 44] # وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) # وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير أي ما أنزل ~~الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب ~~لكنا أهدى من غيرنا. فلما من الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه. ثم ~~هددهم سبحانه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 45] # وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) # وكذب الذين من قبلهم أي من الأمم المتقدمة والقرون الخالية كما كذبوا وما ~~بلغوا أي هؤلاء معشار ما آتيناهم يعني أولئك، من المال وبسطة الملك ~~والعمران والمدينة فكذبوا رسلي فكيف كان نكير أي عقابي ونكالي وانتقامي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 46] # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله أي بخصلة واحدة إن فعلتموها أصبتم ~~الحق وقد فسرها بقوله أن ms3849 تقوموا لله مثنى وفرادى أي قياما خالصا لله بلا ~~محاباة. # ولا مراءاة، اثنين اثنين وواحدا واحدا ثم تتفكروا أي في أمره صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به من الهدى والإصلاح وتهذيب الأخلاق. ورفع النفس عن ~~عبادة ما هو أحط منها من الأوثان، إلى عبادة فاطر الأرض والسموات، واتباع ~~الأحسن، ونبذ التقاليد، وإنزال الرؤساء إلى مصاف المرؤوسين رغبة في الإخاء ~~والمساواة، إلى غير ذلك من محاسن الإسلام وخصائصه المعروفة في الكتب ~~المؤلفة في ذلك. وقوله تعالى: ما بصاحبكم من جنة أي جنون. مستأنف منبه لهم ~~على أن ما عرفوه من رجاحة عقله كاف في # PageV08P154 # ترجح صدقه. فإنه لا يدعه أن يتصدى لا دعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير ~~تحقق وثوق ببرهان. فيفتضح على رؤوس الأشهاد، ويلقي نفسه إلى الهلاك. فكيف ~~وقد انضم إليه معجزات كثيرة؟ وجوز كون الجملة معلقا عنها. لقول ابن مالك: ~~إن (تفكر) يعلق حملا على أفعال القلوب. والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم ب ~~(صاحبهم) ، للإيماء أن حاله معروف مشهور بينهم، لأنه نشأ بين أظهرهم معروفا ~~بقوة العقل ورزانة الحلم وسداد القول والفعل. إن هو إلا نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد وهو عذاب الآخرة والمآل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : الآيات 47 الى 49] # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ~~(47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد (49) # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم أي أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة فهو ~~لكم. والمراد نفي السؤال رأسا. وإمحاض النصح كناية، لأن ما يسأله السائل، ~~يكون له. فجعله للمسئول عنه،. كناية عن أنه لا يسأل أصلا. و (ما) على هذا ~~شرطية. وجوز كونها موصولة مراد بها ما سألهم ما أسئلكم عليه من أجر إلا من ~~شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا [الفرقان: 57] . وقوله: قل لا أسئلكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى [الشورى: 23] . واتخاذ السبيل ms3850 إليه تعالى منفعتهم ~~الكبرى، وقرباه عليه السلام قرباهم. وجوز أيضا كونها نافية. وقوله فهو لكم ~~جواب شرط مقدر. أي فإذا لم أسألكم فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل ~~شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق أي يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه. أو يرمي ~~به في أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإعلاء كلمة الحق علام ~~الغيوب قل جاء الحق أي ظهر، وهو الإسلام ومحاسنه وما يبدئ الباطل وما يعيد ~~كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره. مأخوذ من هلاك الحي. فإنه مادام موجودا، ~~إما أن يبدئ فعلا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة. ثم شاع في ~~كل ما ذهب، وإن لم يبق له أثر، وإن يكن ذا روح. وجوز كون (ما) استفهامية ~~منتصبة بما بعده. أي: أي شيء يقدر عليه. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في الآية استحباب هذا القول عند إزالة المنكر. # PageV08P155 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية # 50] # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع ~~قريب (50) # قل إن ضللت أي عن الطريق الحق فإنما أضل على نفسي أي لأن وبال ذلك عائد ~~عليها، أو على ذاتي، لا على غيري وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي أي من ~~الرشاد والحق المبين إنه سميع قريب فإن قيل: مقتضى المقابلة مع الجملة ~~قبلها، أن يقال (وإن اهتديت فإنما أهتدي لها) فلم عدل عنها إلى ما ذكر؟ ~~قيل: إن المقابلة تكون باللفظ وتكون بالمعنى. وما هنا من الثاني. بيانه أن ~~النفس كل ما عليها فهو بها، أي: كل ما هو وبال عليها، وضار لها، فهو ~~بسببها، ومنها، لأنها الأمارة بالسوء. وكل ما هو لها مما ينفعها، فبهداية ~~ربها وتوفيقه إياها. # وهذا حكم عام لكل مكلف. وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسند ~~ذلك إلى نفسه. لأن (الرسول) إذا دخل في عمومه، مع علو محله وسداد طريقته، ~~كان غيره أولى به. أشار لهذا، الفاضل ابن ms3851 الأثير في (المثل السائر) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 51] # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) # ولو ترى إذ فزعوا أي هؤلاء المكذبون عند الموت أو البعث أو ظهور الحق ~~وسلطانه، ودخولهم تحت أسرة فلا فوت أي لهم، بهرب أو التجاء. إذ لا وزر لهم ~~ولا ملجأ وأخذوا من مكان قريب أي من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا. أو من ~~الموقف إلى النار إذا بعثوا. أو ظفر بهم بسهولة بعد تعذره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 52] # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) # وقالوا آمنا به أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن وأنى لهم التناوش ~~من مكان بعيد أي: ومن أين لهم تناول الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، ~~لأنهم صاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء، لا دار الابتلاء، أو: لأنهم ~~آمنوا بلسانهم ولم يدخل الإيمان قلوبهم، أي (على تفسير إذ فزعوا بظهور الحق ~~عليهم في حياتهم. منه) قال الزمخشري: التناوش والتناول، أخوان. إلا أن ~~التناوش، تناول سهل لشيء قريب، # PageV08P156 # يقال: ناشه ينوشه، وتناوشه القوم. ويقال تناوشوا في الحرب. ناش بعضهم ~~بعضا. # وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون. وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ~~ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء ~~من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع، تناولا سهلا لا تعب فيه. انتهى. ~~أي ففيه استعارة تمثيلية. شبه إيمانهم حيث لا يقبل، يمن كان عنده شيء يمكن ~~أخذه، فلما بعد عنه فرسخا، مد يده لتناوله. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 53] # وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) # وقد كفروا به من قبل حال أو معطوف أو مستأنف. والأول أقرب. ويقذفون ~~بالغيب من مكان بعيد أي يرجمون بالظن فيتكلمون بما لم ينشأ عن تحقيق من ~~أقوالهم الباطلة. كقولهم: ساحر وشاعر ومجنون وما نحن بمبعوثين. ونحو ذلك. # فكله مقذوف ms3852 من جهة بعيدة، لا قرب لمصداقها بوجه ما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة سبإ (34) : آية 54] # وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك ~~مريب (54) # وحيل بينهم وبين ما يشتهون أي من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من ~~النار. أو من أن يدال لهم الأمر. لأنه جاء نصر الله والفتح كما فعل ~~بأشياعهم من قبل أي بأشباههم من كفرة الأمم إنهم كانوا في شك مريب من ~~(أرابه) أوقعه في ريبة وتهمة. فالهمزة للتعدية. أو من (أراب الرجل) أي صار ~~ذا ريبة. وهو مجاز، إما بتشبيه الشك بإنسان، على أنه استعارة مكنية ~~وتخييلية. أو على أنه إسناد مجازي، أسند فيه ما لصاحب الشك، للشك، ~~للمبالغة. أفاده الشهاب. ### | تنبيه: # في الإكليل قال ابن الفرس: احتج بهذه الآية بعض المفسرين، على أن الشاك ~~كافر. ورد بها على من زعم أنه ليس بكافر، وأن الله لا يعذب على الشك. ~~انتهى. # وعن قتادة: إياكم والشك والريبة. فإن من مات على شك بعث عليه. ومن مات ~~على يقين بعث عليه. # أحيانا الله وبعثنا على اليقين. إنه أرحم الراحمين. وولي المؤمنين. # PageV08P157 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فاطر # سميت بذلك لما جاء فيها من خلق الملائكة، وجعلهم ذوي أجنحة متنوعة في ~~العدد، الدال على عجيب صنعه تعالى وباهر قدرته. # وقال المهايمي: سميت بها لاشتمالها على بيان تفصيل رسالتهم، من جهة أخذهم ~~الفيض عن الله، وإيصاله إلى خلقه، من جهة أو جهتين أو ثلاث أو أكثر. # ليشعر أن الرسالة العامة لهم، إذا كانت كذلك، فكيف الرسالة الخاصة؟ مثل ~~إنزال القرآن. فيجوز أن يكون له جهات كثيرة. # وقد روي أنه كان لجبريل ستمائة جناح. انتهى. # وتسمى هذه السورة سورة (فاطر) لذكر هذا الاسم الجليل والنعت الجميل في ~~طليعتها. وهذه السورة ختام السور المفتتحة بالحمد، التي فصلت فيها النعم ~~الأربع، التي هي مجامع النعم. لأن نعم الله تعالى قسمان: عاجلة وآجلة. ~~والعاجلة وجود وبقاء، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى. كما بينه ~~الرازي. # PageV08P158 ### | القول في ms3853 تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) # الحمد لله فاطر السماوات والأرض أي مبتدئها ومبدعها من غير سبق مثل ومادة ~~جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع أي ذوي أجنحة متعددة ~~متفاوتة في العدد، حسب تفاوت ما لهم من المراتب. ينزلون بها ويعرجون أو ~~يسرعون بها. # وفي الصحيح «1» # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة أسري به، ~~وله ستمائة جناح # . ولهذا قال سبحانه يزيد في الخلق ما يشاء أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره ~~ما يشاء. مما تقتضيه حكمته: إن الله على كل شيء قدير ما يفتح الله للناس من ~~رحمة أي نعمة سماوية كانت أو أرضية فلا ممسك لها أي لا أحد يقدر على ~~إمساكها وما يمسك فلا مرسل له من بعده. أي من بعد إمساكه وهو العزيز الغالب ~~على كل ما يشاء الحكيم أي في أمره وصنعه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 3] # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم أي لتستدلوا بها على وحدته في ~~ألوهيته. لأنه المنفرد بإرسالها وحده. ولا يصح لمن انفرد بالإنعام أن يشرك ~~معه غيره. لأنه كفران له موجب لغضبه. وهذا ما أشار له بقوله تعالى: ~~PageV08P159 # هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض أي المطر والنبات لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون أي تصرفون عن التوحيد الواجب- لأنه مقتضى شكر المنعم- ~~إلى الشرك والكفر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 4] # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور ms3854 (4) # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور فيجازي المكذب ~~وشيعته بالخزي وظهور الحق عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 5] # يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (5) # يا أيها الناس إن وعد الله حق أي ما وعد به من جزائه بالثواب إن صدقتم في ~~الاتباع. وبالعقاب. إن عصيتم فلا تغرنكم الحياة الدنيا أي بأن يذهلكم ~~التمتع بها والتلذذ بمنافعها، عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله ولا يغرنكم ~~بالله الغرور أي الشيطان. وقرئ بالضم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 6] # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير (6) # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير أي باتباع الهوى والركون إلى الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 7 الى 8] # الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) # الذين كفروا لهم عذاب شديد، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~كبير أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا أي: فمن حسن له عمله السيء، بأن غلب ~~هواه على عقله، حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقا والتقبيح حسنا، كمن لم يزين ~~له، بل هدى فعرف الحق وميز الحسن من السيء؟ فحذف الجواب لدلالة قوله: # فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء أي إلى الإيمان واتباع الحق. وجوز # PageV08P160 # أن يكون تقديره: أفمن زين له سوء عمله، ذهبت نفسك عليهم حسرة، بقوله ~~تعالى: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات أي فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالهم وعدم ~~اتباعهم لك إن الله عليم بما يصنعون أي فيجازيهم عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 9] # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ms3855 ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها، كذلك النشور أي مثل إحياء الموات، إحياء الأموات. وكثيرا ما ~~يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، ليعتبر المرتاب في هذا. ~~فإنه من أظهر الآيات وأوضحها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 10] # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # من كان يريد العزة أي الشرف والرفعة فلله العزة جميعا أي فليطلبها من ~~عنده، باتباع شريعته، وموالاة أنبيائه ورسله والتأسي بهم في الصلاح ~~والإصلاح، والصبر والثبات، واطراح كل ملامة رغبة في الحق وعملا بالصدق. ~~وهذا كآية الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا [النساء: 139] . وكآية ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين [المنافقون: # 8] ، إليه يصعد الكلم الطيب وهو الداعي إلى الحق والإصلاح، والمنبه على ~~سبل الضلال والفساد والعمل الصالح يرفعه أي يرفع الكلم العمل الصالح، على ~~أن يكون المستكن للكلم. إشارة إلى أن العمل لا يقبل إلا بالكلم المؤثر في ~~إبلاغ دعوة الخير. والضمير المستتر للعمل. والبارز للكلم. أي يكون العمل ~~الصالح موجبا لرفعها وقبولها لأنه يحققها ويصدقها، كما قال تعالى عن شعيب ~~عليه السلام وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ~~ما استطعت [هود: # 88] ، والذين يمكرون السيئات أي الأعمال السيئة المفسدة لصلاح الأمة ~~وقيام عمرانها لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور أي يضمحل. لأن الحق يعلو ~~ولا يعلى عليه. # PageV08P161 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 11] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا أي ذكرانا وإناثا. لطفا ~~منه ms3856 ورحمة وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر أي من أحد. # وإنما سمي معمرا لما يؤول إليه. أي وما يمد في عمر أحد ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب وهو علمه تعالى الذي سبق. ببلوغ أصله إليه إن ذلك على الله ~~يسير أي: # الحفظ والزيادة أو النقص، سهل. لشمول علمه وعموم قدرته. ### | لطيفة: # الضمير في (عمره) للمعمر قبله. باعتبار الأصل المحول عنه. لأن الأصل (وما ~~يعمر من أحد) كما ذكرنا. أو هو على التسامح المعروف فيه، ثقة في تأويله ~~بأفهام السامعين: كقولهم (له علي درهم ونصفه) أي نصف درهم آخر. أو للمنقوص ~~من عمره لا للمعمر، كما في الوجه السابق، وهو وإن لم يصرح به في حكم ~~المذكور، كما قيل (وبضدها تتبين الأشياء) فيعود الضمير على ما علم من ~~السياق. وقد أطال بعضهم الكلام في ذلك. ومحصله، كما ذكره الشهاب، أنه اختلف ~~في معنى (معمره) فقيل: المزاد عمره. بدليل ما يقابله من قوله ينقص إلخ. ~~وقيل (من يجعل له عمر) . وهل هو واحد أو شخصان؟ فعلى الثاني هو شخص واحد. ~~قالوا مثلا: يكتب عمره مائة ثم يكتب تحته مضى يوم، مضى يومان، وهكذا، ~~فكتابة الأصل هي التعمير. والكتابة بعد ذلك هو النقص. كما قيل: # حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منها انتقصت به جزءا # والضمير في (عمره) حينئذ راجع إلى المذكور. والمعمر هو الذي جعل الله له ~~عمرا طال أو قصر. وعلى القول الأول هو شخصان. والمعمر الذي يزيد في عمره. # والضمير حينئذ راجع إلى (معمر آخر) إذ لا يكون المزيد من عمره منقوصا من ~~عمره. وهذا قول الفراء وبعض النحويين. وهو استخدام أو شبيه به. انتهى. # ثم أشار تعالى لآيات أخرى من آيات قدرته ووحدانيته، بقوله: # PageV08P162 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 12] # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون ms3857 (12) # وما يستوي البحران هذا عذب فرات أي شديد العذوبة سائغ شرابه وهذا ملح ~~أجاج أي قوي الملوحة ومن كل تأكلون لحما طريا يعني السمك وتستخرجون حلية ~~تلبسونها أي زينة تتحلون بها. كما قال تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ~~[الرحمن: 22] . وترى الفلك فيه مواخر أي تمخر الماء وتشقه بجريها لتبتغوا ~~من فضله أي بالتنقل فيها ولعلكم تشكرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 13] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير (13) # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى يعني مدة دوره، أو منتهاه، أو يوم القيامة ذلكم الله ربكم له ~~الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير أي فإنى يستأهلون العبادة. ~~و (القطمير) لفافة النواة. وهو مثل في القلة والحقارة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 14] # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأنهم جماد ولو سمعوا أي على الفرض ما ~~استجابوا لكم أي لعدم قدرتهم على النفع ويوم القيامة يكفرون بشرككم أي ~~يقرون ببطلانه، وأن لا أمر لهم فيه ولا ينبئك مثل خبير أي لا يخبرك بالأمر ~~مخبر، مثل خبير عظيم أخبرك به. وهو الحق سبحانه. فإنه الخبير بكنه الأمور ~~دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدعون ~~لهم من الإلهية. # PageV08P163 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 15] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله أي رحمته وعنايته ولطفه وإمداده في ~~كل لمحة ونفس. وسر وصل الآية بما قبلها من التهكم بالأنداد، لتذكيرهم ~~الالتجاء إليه تعالى. والتضرع والابتهال إذا مسهم الضر وأخذت البأساء ~~بمخانقهم، فإنهم يشعرون من أنفسهم دافعا إلى سؤاله ms3858 لا مرد له. وحاثا إلى ~~اللجإ إليه لا صاد عنه. كما بين في غير آية. مما يدل على أنه تعالى هو ~~الحقيق بالعبادة. لغناه المطلق، كما قال والله هو الغني الحميد أي المحمود ~~لنعمه التي لا تحصى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 16 الى 17] # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز أي بممتنع. قال ~~الزمخشري: وهذا غضب عليهم، لاتخاذهم له أندادا، وكفرهم بآيه، ومعاصيهم، كما ~~قال: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم [محمد: 38] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 18] # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ~~ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) # ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل نفس آثمة وزر أخرى أي إثم نفس أخرى، ~~بل إنما تحمل وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس. كما تأخذ جبابرة ~~الدنيا الولي بالولي والجار بالجار، ولا يرد آية وليحملن أثقالهم وأثقالا ~~مع أثقالهم [العنكبوت: 13] ، لأنها في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال ~~إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم، ما فيها شيء من وزر غيرهم. # وإن تدع مثقلة أي نفس أثقلتها الأوزار إلى حملها أي إلى حمل بعض أوزارها ~~ليخفف عنها لا يحمل منه شيء أي لم تجب ولم تغث بحمل شيء ولو كان أي المدعو ~~المفهوم من الدعوة ذا قربى أي ذا قرابة من الداعي، من أب أو ولد أو أخ. ~~وهذا قطع لأطماع انتفاعهم بقرابتهم وغنائهم عنهم. وأنه لا تملك نفس # PageV08P164 # لنفس شيئا، وأن كل امرئ بما كسب رهين. ثم بين من يتعظ ويتذكر. فقال ~~سبحانه إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى أي تطهر ~~من أوضار الأوزار فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 19] ms3859 # وما يستوي الأعمى والبصير (19) # وما يستوي الأعمى والبصير مثل للكافر والمؤمن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 20] # ولا الظلمات ولا النور (20) # ولا الظلمات ولا النور مثل للحق والباطل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 21] # ولا الظل ولا الحرور (21) # ولا الظل ولا الحرور مثل للثواب والعقاب والحرور الريح الحارة بالليل، ~~وقد تكون بالنهار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 22] # وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في ~~القبور (22) # وما يستوي الأحياء ولا الأموات تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أي: ما ~~يستوي أحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله ومعرفة تنزيله، وأموات القلوب. ~~لغلبة الكفر عليها حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من ~~الضلال إن الله يسمع من يشاء أي يوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته وما أنت ~~بمسمع من في القبور أي: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله، ~~فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينتفع بمواعظ الله وبيان ~~حججه، من كان ميت القلب عن معرفة الله وفهم كتابه وواضح حججه. وهذا ترشيح ~~لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات، وإشباع في إقناطه عليه الصلاة والسلام، ~~من إيمانهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 23] # إن أنت إلا نذير (23) # PageV08P165 # إن أنت إلا نذير أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر. فإن كان المنذر ممن يسمع ~~الإنذار نفع. وإن كان من المصرين فلا عليك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 24] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي وما من ~~أمة من الأمم الدائنة بملة، إلا مضى فيها نذير من قبلك ينذرهم على كفرهم ~~بالله، ويزيح عنهم العلل كما قال تعالى: إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد ~~[الرعد: 7] . # وكقوله سبحانه ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت، فمنهم من ms3860 هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل: 36] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 25] # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير أي: وإن يكذبوك ولم يستجيبوا لك، فلا تبال بهم وتأس بمن ~~كذب من الرسل السالفة، فقد جاءوهم بالآيات والخوارق المحسوسة على صحة ~~نبوتهم، وبالصحف المرشدة لهم إلى مسالك الفلاح والنجاح، وبالكتاب المنير ~~لمن تدبره وتأمله، أنه الحق الناطق بالصواب والصدق. وليس المراد أن كل رسول ~~جاء بجميع ما ذكر، حتى يلزم أن يكون لكل رسول كتاب، بل المراد أن بعض الرسل ~~جاء بهذا وبعضهم جاء بهذا. وجوز أن يراد بالجميع واحد، والعطف لتغاير ~~الأوصاف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 26] # ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # ثم أخذت الذين كفروا، فكيف كان نكير أي إنكاري بالعقوبة. وفيه مزيد تشديد ~~وتهويل لها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 27] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) # PageV08P166 # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود قرأ الجمهور (جدد) بضم ~~الجيم وفتح الدال، جمع (جدة) بالضم، وهي الطريقة من (جده) إذا قطعه، أي ومن ~~الجبال ذوو جدد، أي طرائق بيض وحمر. وإنما قدر المضاف، لأن الجبال ليست نفس ~~الطرائق. و (غرابيب) جمع (غربيب) وهو الأسود المتناهي في السواد، يقال: # أسود غربيب، كما يقال: أحمر قان، وأصفر فاقع، تأكيدا. وإما قدم هنا، ومن ~~حق التوكيد أن يتبع المؤكد للمبالغة ورأى بعضهم أنه مقدم من تأخير، ذهابا ~~إلى جواز تقديم الصفة على موصوفها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية # 28] # ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور (28) # ومن ms3861 الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك أي اختلافا كذلك، أي ~~كاختلاف الثمرات والجبال. وقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~تكملة لقوله تعالى: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب [فاطر: 18] ، بتعيين ~~من يخشاه عز وجل من الناس، بعد بيان اختلاف طبقاتهم، وتباين مراتبهم، أما ~~في الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل. وأما في الأوصاف الصورية فبطريق ~~التصريح، توفية لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان. أي إنما يخشاه ~~تعالى بالغيب، العالمون به عز وجل، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله ~~الجميلة. لما أن مدار الخشية معرفة المخشي والعلم بشئونه، فمن كان أعلم به ~~تعالى، كان أخشى منه عز وجل. كما # قال عليه الصلاة والسلام: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» «1» . # ولذلك عقب بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته. وحيث كان الكفرة بمعزل من ~~هذه المعرفة، امتنع إنذارهم بالكلية. أفاده أبو السعود. # وقال القاشاني: أي ما يخشى الله إلا العلماء العرفاء به، لأن الخشية ليست ~~هي خوف العقاب، بل هيئة في القلب خشوعية انكسارية عند تصور وصف العظمة ~~واستحضاره لها. فمن لم يتصور عظمته لم يمكنه خشيته. ومن تجلى الله له ~~بعظمته، خشيه حق خشيته. وبين الحضور التصوري الحاصل للعالم غير العارف، ~~PageV08P167 # وبين التجلي الثابت للعالم العارف- بون بعيد. ومراتب الخشية لا تحصى بحسب ~~مراتب العلم والعرفان. انتهى. # ويذكر بعض المفسرين هنا القراءة الشاذة. رفع الاسم الجليل ونصب العلماء. # ويتأولون الخشية بالتعظيم استعارة. وربما استشهدوا بقوله: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها # وقد طعن في (النشر) في هذه القراءة. والحق له. لمنافاتها للسياق والسباق. # وما أغنى المنقحين عن تسويد الصحف بمثل هذه الشواذ! وبالله التوفيق. # إن الله عزيز غفور أي غالب على كل شيء بعظمته، غفور لمن تاب وأناب وعمل ~~صالحا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 29] # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) # إن الذين يتلون كتاب الله أي يداومون على تلاوته وتدبره، للأخذ بما فيه ms3862 ~~وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور أي ~~أجرا وفضلا لا يفنى، والتجارة استعارة لتحصيل الثواب بالطاعة. والبوار ~~بمعنى الكساد والهلاك ترشيح للاستعارة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 30] # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور أي لأعمالهم. والشكر مجاز ~~عن الإثابة والجزاء بالإحسان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 31 الى # 32] # والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) # PageV08P168 # والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا أي: ثم، بعد أخذ ~~الذين كفروا، أورثنا الكتاب الذي هو أعظم فضل وعناية ورحمة، المصطفين من ~~الموحدين. ثم بين انقسامهم في العمل به إلى ثلاثة، بقوله تعالى: فمنهم ظالم ~~لنفسه أي بالإثم والعصيان ومنهم مقتصد أي في العمل، ليس من المجرمين ولا من ~~السابقين ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 33 الى # 34] # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 35] # الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(35) # الذي أحلنا دار المقامة أي الإقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب أي تعب ولا ~~يمسنا فيها لغوب أي كلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 37] # والذين كفروا لهم نار جهنم لا ms3863 يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير ~~الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما ~~للظالمين من نصير أي: # أو ما عشتم في الدنيا أعمارا ينتفع فيها من يتذكر ويتبصر؟ قال قتادة: ~~اعلموا أن طول العمر حجة. فتعوذ بالله أن تغتر بطول العمر. وقد نزلت هذه ~~الآية. وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة. # PageV08P169 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 38 الى # 39] # إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم ~~إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) # إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض أي مستخلفين فيها. أباح لكم منافعها ~~لتشكروه بالتوحيد والطاعة فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا أي بغضا شديدا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : آية 40] # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) # قل أي تبكيتا لهم أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أي شركة في خلقها أم آتيناهم كتابا ~~فهم على بينة منه أي حجة وبرهان، بأنه أذن لهم في الإشراك بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا أي في قولهم هؤلاء شفعاؤنا ms3864 عند الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 41 الى 43] # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) ~~استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما أي ما ~~أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءهم # PageV08P170 # نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين يعني إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم ~~فلن تجد لسنت الله تبديلا، ولن تجد لسنت الله تحويلا وفي معنى الآية قوله ~~تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~[الأنعام: 156- 157] . وقوله تعالى: وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون [الصافات: 167- ~~170] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فاطر (35) : الآيات 44 الى 45] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان ms3865 الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا أي بما اقترفوا من معاصيهم ما ~~ترك على ظهرها من دابة أي من نسمة تدب، لشؤم معاصيهم، والضمير للأرض لسبق ~~ذكرها. ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى أي يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى ~~أجل معلوم عنده فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا أي فإذا جاء أجل ~~عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرا بمن يستحق أن يعاقب، وبمن يستوجب ~~الكرامة. # PageV08P171 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة يس # هي مكية. واستثنى منها بعضهم قوله تعالى: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم [يس: 12] الآية، لما أخرجه الترمذي «1» والحاكم عن أبي سعيد ~~قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة. فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت ~~هذه الآية. ولا حاجة لدعوى الاستثناء فيها وفي نظائرها. لأن ذلك مبني على ~~أن المراد بالنزول أن الواقعة كانت سببا لنزولها، مع أن النزول في الآثار ~~يشمل ذلك، وكل ما تصدق عليه الآية، كما بيناه مرارا. لا سيما في المقدمة. ~~يؤيده أنه جاء في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية. ~~كما في رواية الصحيحين «2» . وهكذا يقال فيما روي أن آية وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله [يس: 37] . من هذه السورة نزلت في المنافقين. فإن ~~المراد ما ذكرناه. ولم يهتد لهذا التحقيق أرباب الحواشي هنا، فاحفظه. وآيها ~~ثلاث وثمانون آية. ومما روي في فضلها ما أخرجه «3» الترمذي عن أنس رفعه: إن ~~لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس، وفي إسناده ضعف. PageV08P172 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) # يس تقدم الكلام في مثل هذه الفواتح مرارا. وحاصله- كما قاله أبو السعود- ~~أنها إما مسرودة على نمط التعديد، فلا حظ لها من الإعراب، أو اسم للسورة ~~كما نص عليه الخليل وسيبويه. وعليه الأكثر. فمحله الرفع على أنه خبر محذوف. # أو النصب، مفعولا لمحذوف، وعليهما مدار قراءة يس بالرفع والنصب. ms3866 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 2] # والقرآن الحكيم (2) # والقرآن الحكيم أي ذي الحكمة أو الناطق بالحكمة، ولما كانت منزلة الحكمة ~~من المعارف، منزلة الرأس، وكانت أخص أو صاف التنزيل، أوثرت في القسم به دون ~~بقية صفاته، لذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 3 الى 4] # إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم وهو الموصل إلى المطلوب بدون لغوب. ~~والتنكير للتفخيم والتعظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 5] # تنزيل العزيز الرحيم (5) # تنزيل العزيز الرحيم بالنصب على إضمار فعله، وبالرفع خبر لمحذوف. أو خبر ~~ل يس إن كان اسما للسورة. أو مؤولا بها. والجملة القسمية معترضة. # والقسم لتأكيد المقسم عليه والمقسم به، اهتماما. # PageV08P173 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 6] # لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم أي برسول ولا كتاب فهم غافلون أي عن أمر حق ~~الخالق والمخلوق، بالكفر والفساد ونكران البعث والمعاد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 7] # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) # لقد حق القول على أكثرهم أي استأهلوا لأن ينزل بهم العذاب وينتقم منهم ~~أشد الانتقام فهم لا يؤمنون أي لا يريدون أن يؤمنوا ويهتدوا، كفرا وكبرا ~~وعنادا. # وبغيا في الأرض بغير الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 8] # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان أي اللحى. أي واصلة إليها ~~وملزوزة إليها فهم مقمحون أي ناصبو رؤوسهم، غاضو أبصارهم. يقال: أقمح ~~الرجل، في رأسه وغض بصره. وأقمح الغل الأسير، إذا ترك رأسه مرفوعا لضيقه، ~~فهو مقمح. إذا لم يتركه عمود الغل الذي ينخس ذقنه، أن يطأطئ رأسه. قال ابن ~~الأثير: # هي في قوله تعالى: فهي إلى الأذقان كناية عن الأيدي لا عن الأعناق. لأن ~~الغل يجعل اليد تلي الذقن والعنق، وهو مقارب للذقن. وقال الأزهري: أراد عز ~~وجل أن أيديهم لما ms3867 غلت عند أعناقهم، رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا، ~~كالإبل الرافعة رؤوسها، وهذا معنى قول ابن كثير: اكتفى بذكر الغل في العنق، ~~عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين، لما دل السياق عليه. فإن الغل إنما يعرف ~~فيما جمع اليدين مع العنق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 9] # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون قال ~~الزمخشري: مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم، بأن جعلهم # PageV08P174 # كالمغلولين المقمحين، في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم ~~نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له. وكالحاصلين بين سدين. لا يبصرون ما قدامهم ~~ولا ما خلفهم، في أن لا تأمل لهم ولا تبصر. وأنهم متعامون عن النظر في آيات ~~الله. # انتهى. أي فالمجموع استعارة تمثيلية. وفي (الانتصاف) للناصر: إذا فرقت ~~هذا التشبيه، كان تصميمهم على الكفر مشبها بالأغلال. وكان استكبارهم عن ~~قبول الحق وعن الخضوع والتواضع لاستماعه، مشبها بالإقماح. لأن المقمح لا ~~يطأطئ رأسه. وقوله فهي إلى الأذقان تتمة للزوم الإقماح لهم. وكان عدم الفكر ~~في القرون الخالية مشبها بسد من خلفهم، وعدم النظر في العواقب المستقبلة ~~مشبها بسد من قدامهم انتهى. فيكون فيه تشبيه متعدد. قال الشهاب: والتمثيل ~~أحسن منه. انتهى. # ثم قال الناصر: يحتمل أن تكون الفاء في (فهم مقمحون) للتعقيب، كالفاء ~~الأولى، أو للتسبب، ولا شك أن ضغط اليد مع العنق في الغل يوجب الإقماح. فإن ~~اليد، والعياذ بالله، تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن، دافعة بها ومانعة من ~~وطأتها. # ويكون التشبيه أتم على هذا التفسير، فإن اليد متى كانت مرسلة مخلاة، كان ~~للمغلول بعض الفرج بإطلاقها. ولعله يتحيل بها على فكاك الغل، ولا كذلك إذا ~~كانت مغلولة. فيضاف إلى ما ذكرناه من التشبيهات المفرقة. أن يكون انسداد ~~باب الحيل عليهم في الهداية والانخلاع من ربقة الكفر المقدر عليهم، مشبها ~~بغل الأيدي. فإن اليد آلة الحيلة إلى الخلاص. انتهى. # وإنما اختير هذا، لأن ms3868 ما قبله وما بعده في ذكر أحوالهم في الدنيا، وجعله ~~أبو حيان لبيان أحوالهم في الآخرة، على أنه حقيقة لا تمثيل فيه. فورد عليه ~~أن يكون أجنبيا في البين. وتوجيهه بأنه كالبيان لقوله: حق القول على أكثرهم ~~[يس: # 7] ، والأول أدق، وبالقبول أحق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 10] # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) # وسواء عليهم أأنذرتهم أي خوفتهم بالقرآن أم لم تنذرهم لا يؤمنون أي لا ~~يريدون أن يؤمنوا. ولما صدقت الآية على مثل أبي جهل وأصحابه من كفرة قريش، ~~الذين هلكوا في بدر، وكانوا طواغيت الكفر، أشار بعضهم إلى أن الآية نزلت في ~~ذلك. # PageV08P175 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 11] # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) # إنما تنذر أي الإنذار المترتب عليه النفع من اتبع الذكر أي القرآن ~~بالتأمل فيه والعمل به وخشي الرحمن بالغيب أي عمل الصالحات لوجهه، وإن كان ~~لا يراه فبشره بمغفرة أي لذنوبه في الدنيا وأجر كريم أي ثواب حسن في الجنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 12] # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(12) # إنا نحن نحي الموتى أي للبعث ونكتب ما قدموا أي نحفظ عليهم ما أسلفوا من ~~الخير والشر وآثارهم أي ما تركوه من سنة صالحة، فعمل بها بعد موتهم. أو سنة ~~سيئة فعمل بها بعدهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي في اللوح المحفوظ، أو ~~العلم الأزلي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 13] # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) # واضرب لهم مثلا أي مثل لأهل مكة مثلا أصحاب القرية أي اذكر لهم قصة ~~عجيبة، قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون أي الدعاة إلى الحق ورفض عبادة ~~الأوثان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 14] # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ~~(14) # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ms3869 أي فقويناهما برسالة ثالث ~~فقالوا إنا إليكم مرسلون. # PageV08P176 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 15 الى 17] # قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~(15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين ~~(17) # قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين أي التبليغ ~~عن الله ظاهرا بينا لا سترة فيه، وقد خرجنا من عهدته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 18] # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) # قالوا إنا تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم. فكان إذا حدث في البلد ما يسيء من ~~حريق أو بلاء، نسبوه إليهم. وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة ~~الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه، وآثروه وقبلته طباعهم. ~~ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه. فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا ببركة هذا ~~وبشؤم هذا. كما حكى الله عن القبط وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~[الأعراف: # 131] ، وعن مشركي مكة وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك [النساء: # 78] ، أفاده الزمخشري: لئن لم تنتهوا أي عن دعوتكم إلى التوحيد لنرجمنكم ~~وليمسنكم منا عذاب أليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 19] # قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # قالوا أي الرسل طائركم معكم أي سبب شؤمكم معكم، وهو الكفر والمعاصي أإن ~~ذكرتم أي وعظتم بما فيه سعادتكم. وجواب الشرط محذوف، ثقة بدلالة ما قبله ~~عليه. أي تطيرتم وتوعدتم بالرجم والتعذيب بل أنتم قوم مسرفون أي في الشؤم ~~والعدوان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 20] # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى أي يسرع في المشي، حيث سمع بالرسل # PageV08P177 # قال يا قوم اتبعوا المرسلين أي بالإيمان بالله وحده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms3870 [سورة يس (36) : آية 21] # اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) # اتبعوا من لا يسئلكم أجرا أي جعلا ولا مالا على الإيمان وهم مهتدون أي في ~~أنفسهم بالكمالات والأخلاق الكريمة والآداب الشريفة. أي فيجدر أن يتأسى ~~بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 22] # وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) # وما لي لا أعبد الذي فطرني أي خلقني. وهذا تلطف في الإرشاد بإيراده في ~~معرض المناصحة لنفسه، وإمحاض النصح، حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار ~~لنفسه. والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره. كما ينبئ عنه ~~قوله وإليه ترجعون أي بعد الموت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 23] # أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون (23) # أأتخذ من دونه آلهة أي فأضرع إليها وأعبدها، وهي في المهانة والحقارة ~~بحيث إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون أي من ذلك ~~الضر، بالنصر والمظاهرة. وفيه تحميق لهم، لأن ما يتخذ ويصنعه المخلوق، كيف ~~يعبد؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 24 الى # 25] # إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) # إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون أي فاسمعوا إيماني واشهدوا ~~به. قال السمين: الجمهور على كسر النون. وهي نون الوقاية، حذفت بعدها ياء ~~الإضافة، مجتزى عنها بكسرة النون، وهي اللغة العالية. وقرأ بعضهم بفتحها ~~وهي غلط. انتهى. # PageV08P178 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 26 الى 27] # قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) # قيل ادخل الجنة أي ثوابا على صدق إيمانك وفوزك بسببه بالشهادة قال يا ليت ~~قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين أي ليقبلوا على ما أقبلت ~~عليه، ويضحوا لأجله النفس والنفيس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 28] # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ms3871 (28) # وما أنزلنا على قومه من بعده أي من بعد موته بالشهادة من جند من السماء ~~أي لإهلاكهم وما كنا منزلين قال الرازي: إشارة إلى هلاكهم بعده سريعا، على ~~أسهل وجه، فإنه لم يحتج إلى إرسال جند يهلكهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 29] # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) # إن كانت إلا صيحة واحدة أي ما كانت العقوبة إلا صيحة واحدة من السماء ~~هلكوا بها فإذا هم خامدون ميتون كالنار الخامدة. رمزا إلى أن الحي كالنار ~~الساطعة في الحركة والالتهاب، والميت كالرماد. كما قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: روي عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، ~~وإن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح عيسى عليه السلام، كما نص عليه ~~قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن أحد من متأخري المفسرين، غيره. وفي ذلك ~~نظر من وجوه: # أحدهما- أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل، لا من ~~جهة المسيح عليه السلام. كما قال تعالى: إذ أرسلنا إليهم اثنين ولو كان ~~هؤلاء من الحواريين، لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام. ~~والله أعلم. # PageV08P179 # ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا. # الثاني- أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم. وكانوا أول مدينة آمنت ~~بالمسيح. ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللائي فيهن بطاركة. # وهن: القدس لأنها بلد المسيح. وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن ~~آخر أهلها. والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البطارقة والأساقفة ~~والشمامسة والرهابين، ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم ~~وأطده. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البطرك من رومية إليها- كما ذكره غير ~~واحد ممن ذكر تواريخهم- كسعد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين- فإذا ~~تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم ~~كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم. # الثالث- أن قصة أنطاكية مع ms3872 الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ~~ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغير واحد من السلف. أن الله تبارك ~~وتعالى بعد إنزاله التوراة، لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه ~~عليهم. بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله تعالى ولقد ~~آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى [القصص: 43] ، فعلى هذا ~~يتعين أن أهل هذه القرية المذكورة في القرآن، قرية أخرى غير أنطاكية. كما ~~أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية- إن كان لفظها محفوظا في ~~هذه القصة- مدينة أخرى غير المشهورة المعروفة. فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت ~~لا في الملة النصرانية، ولا قبل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى كلام ~~ابن كثير. # وأقول: إن من محاسن التنزيل الكريم وبلاغته الخارقة، هو الإيجاز في ~~الأنباء التي يقصها، والإشارة منها إلى روحها وسرها، حرصا على الثمرة من ~~أول الأمر، واقتصارا على موضع الفائدة، وبعدا عن مشرب القصاص والمؤرخين. ~~لأن القصد من قصصه الاعتبار والذكرى. وما من حاجة إلى تسمية تلك المبهمات ~~كائنة ما كانت، ثم إن المفسرين رحمهم الله عنوا بالبحث والأخذ والتلقي. ~~فكان من سلف منهم يرون فيما يرون أن من العلم تفصيل مجملات التنزيل وإبانة ~~مبهماته. حتى جعل ذلك فنا برأسه وألف فيه مؤلفات. ولا بأس في التوسع من ~~العلم والازدياد منه بأي طريقة كانت. لا سيما وقد رفع عنا الحرج بالتحدث عن ~~بني إسرائيل. إلا أنه يؤاخذ من يجزم بتعيين مبهم ما، إن كان جزمه من غير ~~طريق القواطع فإن القاطع. هو # PageV08P180 # ما تواتر أو صح سنده إلى المعصوم، صحة لا مغمز فيها. وهذا مفقود في ~~الأكثر، ومنه بحثنا المذكور. فإن تعيين أن البلدة أنطاكية وتسمية الرسل، ~~إنما روي موقوفا ومنقطعا، وفي بعض إسناده متهمون. ولذا قد يرد على من يقطع ~~بذلك ما لا مخرج له منه. فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل، إجمالا ~~فيما أجمله وتفصيلا فيما فصله، ولا يأخذ من إيضاح مبهماته إلا بما قام ms3873 عليه ~~قاطع أو كان لا ينبذه العلم الصحيح. وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك، ~~بل عن تشويهها. والذي حمل السلف على قص ما نحن فيه، هو تلقيهم له عن مثل ~~كعب ووهب، وموافقة من في طبقتهما لهما فيه. هذا أولا، وثانيا شهرة بلدة ~~أنطاكية في ذلك العهد، لا سيما وقد أسس فيها معبدا أحد رسل عيسى عليه ~~السلام. ثالثا ما جرى في أنطاكية لما قدم ملك الرومان وتهدد كل من أبى ~~عبادة الأوثان بالقتل. وكان في مقدمة الآبين رجل مقدم في المؤمنين. فأراده ~~على الشرك فأبى وجهر بالتوحيد، فأرسله من أنطاكية موثقا وأمر بأن يطعم ~~للوحوش: فألقى في رومية إلى أسدين كبيرين فابتلعاه. # ولما قدم لهما استبشر وتهلل لنيل الشهادة في سبيل الله. وكذلك يؤثر عن ~~رجل مؤمن كان يدافع عن المؤمنين في عهد الرومانيين لغيرته وصلاحه. فطلب منه ~~الحاكم أن يرتد فأبى وجهر بوجوب عبادة الإله الواحد، ونبذ عبادة من لا يضر ~~ولا ينفع. فهدده بأن يضربه من الرأس إلى القدم. فأجاب بأنه مستبشر بنعمة ~~الله وكرامته الأبدية. ثم أمر به الحاكم فقتل مع رفقته. والشواهد في هذا ~~الباب لا تحصى. # معروفة لمن أعار نظره جانبا مما كتب في تواريخ مبدأ ظهور الأديان، وما ~~كان يلاقيه من أعدائه ومقاوميه. فللقصة الكريمة هذه مصدقات لا تحصى. رابعا ~~شهرة المرسلين برسل عيسى عليه السلام، وكانوا انبثوا في البلاد لمحو ~~الوثنية والكف عن الكبائر والشرور التي كانت عليها دولة الرومان وقتئذ. هذا ~~وما ذكره ابن كثير من وقوف عذاب الاستئصال بعد نزول التوراة يحتاج إلى ~~قاطع. وإلا، فقد خربت كثير من البلاد الأثيمة بعدها، وتدمرت بتسليط الله من ~~شاء عليها. والصيحة أعم من أن تكون صيحة سماوية أو صيحة أرضية، وهي صيحة من ~~سلط عليهم للانتقام منهم، حتى أباد ملكهم وقهر صولتهم ومحا من الوجود ~~سلطانهم. وإن كان عذاب الصيحة ظاهره الأول. وبالجملة فنحن يكفينا من النبأ ~~الاعتبار به وفهمه مجملا، وأما تعيينه، بوقت ما، وفئة ما، فهو الذي ينشأ ~~منه ms3874 ما ينشأ. وما بنا من حاجة إلى الزيادة عن الاعتبار، وتخصيص مالا قاطع ~~عليه. # الثاني- ذكر الرازي في قوله تعالى: إذ أرسلنا لطيفة، إن صح أن الرسل # PageV08P181 # المنوه بهم هم رسل عيسى عليه السلام. وهي أن إرساله لهم كإرساله تعالى. ~~لأنه بإذنه وأمره. وبذلك تتمة التسلية للنبي صلوات الله عليه، لصيرورتهم في ~~حكم الرسل. # ثم قال: وهذا يؤيد مسألة فقهية. وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل، وكيل ~~الموكل لا وكيل الوكيل. حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله ~~الموكل الأول. انتهى. # الثالث- في قوله تعالى: وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى تبصرة للمؤمنين ~~وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم كما فعل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 30] # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن أي يا ندامة ~~عليهم تكون يوم القيامة بسبب استهزائهم وسخريتهم في الدنيا بالناصحين، حتي ~~أفضى بهم الحال إلى قتلهم كما فعل أصحاب القرية. أو المراد شدة خسرانهم حتى ~~استحقوا أن يتحسر عليهم أهل الثقلين. أو التحسر منه تعالى مجازا. وتقريره ~~أن التحسر ما يلحق المتحسر من الندم حتى يبقى حسيرا. وهو لا يليق به تعالى. # فيجعل استعارة، بأن شبه حال العباد بحال من يتحسر عليه الله فرضا، فيقول، ~~يا حسرة على عبادي، قيل: وهو نظير قوله تعالى: بل عجبت ويسخرون [الصافات: # 12] . على القراءة بضم التاء، فالنداء للحسرة تعجب منه. والمقصود تعظيم ~~جنايتهم، أي عدها أمرا عظيما بتعجب منه. أفاده الشهاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 31] # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) # ألم يروا أي يخبروا كم أهلكنا من القرون أي من الأمم الخالية أنهم إليهم ~~لا يرجعون أي كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 32] # وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) # وإن كل أي من هؤلاء المتفرقين ms3875 لما جميع لدينا محضرون أي إلا # PageV08P182 # جميعهم محضرون للحساب والجزاء، وإنما أخبر عن (كل) بجميع ومعناهما واحد، ~~لأن (كلا) تفيد الإحاطة حتى لا ينفلت عنهم أحد. و (جميع) تفيد الاجتماع، ~~وهو فعيل بمعنى مفعول، وبينهما فرق. ومن ثم وقع أجمع في التوكيد تابعا ل ~~(كل) ، لأنه أخص منه وأزيد معنى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 33 الى 35] # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) # وآية لهم أي عبرة لأهل مكة عظيمة الأرض الميتة أحييناها أي بالنبات لتدل ~~على إحياء الموتى وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل ~~وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أي ~~وليأكلوا مما عملته أيديهم، وهو ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما، على ~~ما استظهره القاضي. وقال الزمخشري: أي عملته بالغرس والسقي والآبار، قيل ~~وهذا التفسير خلاف الظاهر. أي لاحتياجه إلى تجوز. إلا أن فيه تذكيرا بلذة ~~ثمرة العمل وسرور النفس بعده. وفي الحديث (أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل ~~الرجل بيده) رواه الإمام أحمد «1» عن أبي بردة. وجوز أن تكون (ما) نافية، ~~والمعنى: أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم أفلا يشكرون أي خالق هذه النعم ~~الجسام بعبادته وحده. وهو إنكار لعدم قيامهم بواجب الشكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 36] # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ~~(36) # سبحان الذي خلق الأزواج كلها أي الأصناف كلها مما تنبت الأرض أي مما ذكر ~~وغيره ومن أنفسهم يعني الذكر والأنثى ومما لا يعلمون أي من الأصناف ~~والأنواع الموجودة في البر والبحر. وقوله تعالى: PageV08P183 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 37] # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون بيان لقدرته تعالى في ~~الزمان، إثر ما بينها في المكان، ms3876 أي نزيله ونكشفه عن مكانه. استعير لإزالة ~~الضوء، السلخ الذي هو كشط الجلد وإزالته عن الحيوان المسلوخ. وفيه إشارة ~~إلى أن النهار طارئ على الليل، كما أن المسلوخ منه قبل المسلوخ، الذي هو ~~كالغطاء الطارئ على المغطى. قال الشهاب: لأن الليل سابق عرفا وشرعا ومعنى ~~(مظلمون) داخلون في الظلام. يقال (أظلمنا) كما يقال: أعتمنا وأدجينا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 38] # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) # والشمس تجري لمستقر لها أي لحد لها مؤقت مقدر ينتهي إليه دورها اليومي أو ~~السنوي. شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره. فالمستقر اسم مكان تقطعه في ~~حركتها الدائمة ثم تعود. ووجه الشبه الانتهاء إلى محل معين، واللام تعليلية ~~أو بمعنى (إلى) . وقيل مستقرها منقطع جريها عند حراب العالم. ومستقر، عليه، ~~اسم زمان ذلك تقدير العزيز العليم أي ذلك الجري المتضمن للحكم والمصالح ~~والمنافع، والمدهش نظام سيره وإحكامه بلا اختلال، تقدير الغالب بقدرته على ~~كل مقدور، المحيط علما بكل معلوم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 39] # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) # والقمر قدرناه منازل أي صيرنا له منازل ينزل كل ليلة في واحد منها حتى ~~عاد كالعرجون القديم أي حتى إذا كان في آخر منازله، دق واستقوس وصار كالعذق ~~المقوس اليابس، إذا حال عليه الحول. فالعرجون هو الشمروخ.، وهو العنقود ~~الذي عليه الرطب، ويسمى العذق، بكسر العين. والقديم: العتيق، وإذا قدم دق ~~وانحنى واصفر. فشبه به من ثلاثة أوجه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 40] # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون (40) # PageV08P184 # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر أي تجتمع معه في وقت واحد، وتداخله في ~~سلطانه فتطمس نوره ولا الليل سابق النهار أي يسبقه بأن يتقدم على وقته ~~فيدخل قبل مضيه. أو المراد بالليل والنهار آيتاهما. أي ولا القمر سابق ~~الشمس فيكون عكسا للأول. أي ولا القمر ينبغي له أن يدرك الشمس. والمعنى على ms3877 ~~هذا، أن كل واحد منهما لا يدخل على الآخر في سلطانه، فيطمس نوره، بل هما ~~متعاقبان بمقتضى تدبيره تعالى، وعليه فسر إيثار (سابق) على (مدرك) كما ~~قبله، هو أن السبق مناسب لسرعة سير القمر. إذ السبق يشعر بالسرعة، والإدراك ~~بالبطء. وكذلك الشمس بطيئة السير تقطع فلكها في سنة. والقمر يقطعه في شهر. ~~فكانت الشمس لبطئها جديرة بأن توصف بالإدراك. والقمر لسرعته جديرا بأن يوصف ~~بالسبق. ### | لطيفة: # قال الناصر في (الانتصاف) : يؤخذ من هذه الآية أن النهار، تابع لليل، وهو ~~المذهب المعروف للفقهاء. وبيانه من الآية أنه جعل الشمس التي هي آية النهار ~~غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل. # وإنما نفي الإدراك لأنه هو الذي يمكن أن يقع، وذلك يستدعي تقدم القمر ~~وتبعية الشمس، فإنه لا يقال (أدرك السابق اللاحق) ولكن (أدرك اللاحق ~~السابق) وبحسب الإمكان توقيع النفي،. فالليل إذا متبوع والنهار تابع. فإن ~~قيل: هل يلزم على هذا أن يكون الليل سابق النهار، وقد صرحت الآية بأنه ليس ~~سابقا؟ فالجواب أن هذا مشترك الإلزام. وبيانه: أن الأقسام المحتملة ثلاثة: ~~إما تبعية النهار لليل وهو مذهب الفقهاء، أو عكسه وهو المنقول عن طائفة من ~~النحاة. أو اجتماعهما. فهذا القسم الثالث منفي بالاتفاق. فلم يبق إلا تبعيه ~~النهار لليل وعكسه. وهذا السؤال وارد عليهما جميعا. لأن من قال إن النهار ~~سابق الليل لزمه أن يكون مقتضى البلاغة أن يقال (ولا الليل يدرك النهار) ~~فإن المتأخر إذا نفي إدراكه كان أبلغ من سابقه. مع أنه يتناءى عن مقتضى ~~قوله: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر تنائيا لا يجمع شمل المعنى باللفظ. ~~فإن الله تعالى نفى أن تكون مدركة، فضلا عن أن تكون سابقة، فإذا أثبت ذلك، ~~فالجواب المحقق عنه، أن المنفي السبقية الموجبة لتراخي النهار عن الليل، ~~وتخلل زمن آخر بينهما. وحينئذ يثبت التعاقب، وهو مراد الآية. # وأما سبق أول المتعاقبين للآخر منهما، فإنه غير معتبر. ألا ترى إلى جواب ~~موسى بقوله: هم أولاء على أثري [طه: 84] ، فقد قربهم منه عذرا ms3878 عن قوله ~~تعالى: # PageV08P185 # وما أعجلك عن قومك [طه: 83] ، فكأنه سهل أمر هذه العجلة بكونهم على أثره. ~~فكيف لو كان متقدما وهم في عقبه لا يتخلل بينهم وبينه مسافة، فذاك لو اتفق، ~~لكان سياق الآية يوجب أنه لا يعد عجلة ولا سبقا. فحينئذ يكون القول بسبقية ~~النهار لليل، مخالفا صدر الآية على وجه لا يقبل التأويل. فإن بين عدم ~~الإدراك الدال على التأخير والتبعية، وبين السبق بونا بعيدا، ومخالفا أيضا ~~لبقية الآية. # فإنه لو كان الليل تابعا ومتأخرا، لكان أحرى أن يوصف بعدم الإدراك، ولا ~~يبلغ به عدم السبق. ويكون القول بتقديم الليل على النهار مطابقا لصدر الآية ~~صريحا، ولعجزها بوجه من التأويل مناسب لنظم القرآن. وثبوت ضده أقرب إلى ~~الحق من حبل وريده، والله الموفق للصواب من القول وتسديده. انتهى. # وكل في فلك يسبحون أي كل مما ذكر يجرون في مدار عظيم كالسابح في الماء. ~~وتقدم لنا في سورة الأنبياء، ما قاله بعض علماء الفلك في مثل هذه الآية. # فراجعه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 41] # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون أي حملنا أولادهم الذين ~~يرسلونهم في تجارتهم. قال الشهاب: ولا يخفى مناسبته لقوله قبله: في فلك ~~يسبحون وذكر (المشحون) أقوى في الامتنان بسلامتهم فيه، أو لأنه أبعد عن ~~الخطر، وقيل المراد فلك نوح عليه السلام. فهو مفرد، وتعريفه للعهد. والمعنى ~~حمل آبائهم الأقدمين الذين بهم حفظ بقاء النوع لما عم الطوفان، ونجوا مع ~~نوح في السفينة. وإنما كان آية، لأن بقاء نسلهم ونجاتهم بسفينة واحدة، صنع ~~عجيب ومقدور كبير. وآثر البعض الوجه الأول، لأن الثاني محتاج للتأويل. وأرى ~~جدارة الثاني بالإيثار لقاعدة الحمل على الأشباه والنظائر، ما وجد له سبيل. ~~لأنه أقرب وأسد. وقد جاء نظيره آية: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية [الحاقة: 11- 12] . وإن ورد في نظير ~~الأول آية وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام [الرحمن: 24] ، وأشباهها، ms3879 ~~إلا أن لفظ الحمل اتحد في الآيتين، فقارب ما بينهما. # PageV08P186 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 42] # وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) # وخلقنا لهم من مثله أي مثل الفلك ما يركبون أي من الإبل فإنها سفائن البر ~~لكثرة ما تحمل، حتى شاع إطلاق السفينة عليها. كما قيل (سفائن بر والسراب ~~بحارها) أو ما يركبون. أي من السفن والزوارق على الوجه الثاني. وهو أن يراد ~~بالفلك سفينة نوح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 43] # وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) # وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم أي لا مغيث لهم، أو لا مستغيث منهم، أو لا ~~استغاثة، وذلك لأن الصريخ يكون المغيث والمستغيث وهو الصارخ. ومصدرا ~~للثلاثي كالصراخ، يتجوز به عن الإغاثة، لأن المغيث ينادي من يستغيث به ~~ويصرخ له، ويقول. جاءك العون والنصر. أنشد المبرد في أول الكامل: # كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب # أي إذا أتانا مستغيث، كانت إغاثته الجد في نصرته. # ولا هم ينقذون أي ينجون من الموت به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 44] # إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) # إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين أي لكن رحمناهم ومتعناهم إلى زمن قدر لهم، ~~يموتون فيه بعد النجاة من موت الغرق. ومن هنا أخذ أبو الطيب قوله: # وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 45] # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم أي من الوقائع الخالية في الأمم ~~المكذبة للرسل وما خلفكم أي من العذاب المعد في الآخرة، أو عذاب الدنيا ~~وعذاب # PageV08P187 # الآخرة، أو عكسه، أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر لعلكم ترحمون أي ~~باتقائكم وشكركم، وجواب (إذا) محذوف دل عليه قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 46] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا ms3880 عنها معرضين (46) # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم أي الدالة على صدق الرسل إلا كانوا عنها ~~معرضين بالتكذيب والصد عن الإيمان بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 47] # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم ~~من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله أي تصدقوا على الفقراء، من مال الله ~~الذي آتاكم قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن ~~أنتم إلا في ضلال مبين أي حيث أمرتمونا بما يخالف مشيئة الله. وقولهم هذا، ~~إما تهكم أو عن اعتقاد. وجوز أن يكون إن أنتم جوابا من الله لهم، أو حكاية ~~لجواب المؤمنين. وفي هذه الآية أبلغ زجر عن اقتصاص ما يحكى عن البخلاء، في ~~اعتذارهم بمثل ما ضلل به المشركون ومجاراتهم فيه. فإن ذلك من اللؤم وشح ~~النفس وخبث الطبع. وإن كان يورده بعضهم للفكاهة أو الإغراب. كما فعل الجاحظ ~~سامحه الله في كتاب (البخلاء) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 48] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين يعنون وعد البعث. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 49] # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) # ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون أي يتخاصمون في متاجرهم ~~ومعاملاتهم. أي أنها تبغتهم وهم في أمنهم وغفلتهم عنها. و (يخصمون) بفتح ~~الياء وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. والصادر على الأصل، وأصله (يختصمون) # PageV08P188 # سكنت التاء وأدغمت، ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 50] # فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) # فلا يستطيعون توصية أي أن يوصوا في شيء من أمورهم توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون أي لا يقدرون على الرجوع إلى أهليهم، ليروا حالهم. بل يموتون حيث ~~تفجؤهم الصيحة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 51] # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ms3881 إلى ربهم ينسلون (51) # ونفخ في الصور أي للبعث فإذا هم من الأجداث أي من القبور إلى ربهم ينسلون ~~أي يعدون مسرعين، كما في قوله تعالى: يوم يخرجون من الأجداث سراعا ~~[المعارج: 43] ، ولا منافاة بين هذا وما في آية فإذا هم قيام ينظرون ~~[الزمر: 68] ، لأنهما في زمان واحد متقارب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 52] # قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) # قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا أي رقادنا أو مكانه. فيقال لهم هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون أي المخبرون عن ذلك الوعد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 53] # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون أي بمجرد تلك الصيحة. ~~وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر، عليه تعالى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 54 الى # 55] # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون إن أصحاب الجنة ~~اليوم في # PageV08P189 # شغل فاكهون # أي متنعمون متلذذون، وفي تنكير شغل تعظيم ما هم فيه وتفخيمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 56 الى 57] # هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما ~~يدعون (57) # هم وأزواجهم في ظلال أي في ظلال الأشجار، أو في مأمن من الحرور على ~~الأرائك أي السرر المزينة متكؤن لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون، ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 58] # سلام قولا من رب رحيم (58) # سلام قولا من رب رحيم أي ولهم سلام يقال لهم قولا كائنا منه تعالى. # فيكون سلام مبتدأ محذوف الخبر. أو هو بدل من (ما) أو خبر محذوف، أي: # هو سلام. أو مبتدأ خبره الناصب ل قولا أي: سلام يقال لهم قولا. أو مبتدأ ~~وخبره من رب ms3882 وقولا مصدر مؤكد لمضمون الجملة. وهو مع عامله معترض بين ~~المبتدأ والخبر. # والمعنى إنه تعالى يسلم عليهم تعظيما لهم. كقوله: تحيتهم يوم يلقونه سلام ~~[الأحزاب: 44] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 59] # وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) # وامتازوا اليوم أيها المجرمون أي عن المؤمنين في موقفهم. كقوله تعالى: # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم [يونس: 28] . وقوله: ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون [الروم: 14] . # يومئذ يصدعون [الروم: 43] ، أي يصيرون صدعين فرقتين احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات: ~~22- 23] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 60] # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين تقريع ~~منه # PageV08P190 # تعالى للكفرة، يقال لهم إلزاما للحجة. وعهده تعالى إليهم هو ميثاق ~~الفطرة. كما قاله القاشاني. أو ما نصبه لهم من الحجج العقلية والسمعية، ~~الآمرة بعبادته وحده ونبذ عبادة غيره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 61] # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم أي: وأن أفردوني بالعبادة فإنه السبيل ~~السوي. وفي تنكيره إشعار بأنه صراط بليغ في استقامته، جامع لكل ما يجب أن ~~يكون عليه. وأصل لمرتبة يقصر عنها التوصيف، فالتنوين للتعظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 62] # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) # ولقد أضل أي الشيطان وأغوى بالشرك منكم جبلا كثيرا أي خلقا كثيرا قبلكم، ~~فحاق بهم سوء العذاب أفلم تكونوا تعقلون أي من أولي العقل. إنكار لأن ~~يكونوا منهم. وقد قامت البراهين والإنذارات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : الآيات 63 الى 64] # هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) # هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون أي ذوقوا حرها ~~اليوم بكفركم في الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 65] # اليوم نختم ms3883 على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون أي ~~عند ما يجحدون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على ~~أفواههم، ويستنطق جوارحهم، قال الرازي: وفي الختم على الأفواه وجوه. أقواها ~~أن الله يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها، وينطق جوارحهم فتشهد عليهم، وإنه في ~~قدرة الله يسير. أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو ~~متحرك بحركة # PageV08P191 # مخصوصة. فكما جاز تحركه بها، جاز تحرك غيره بمثلها. والله قادر على ~~الممكنات. والوجه الآخر، أنهم لا يتكلمون بشيء، لانقطاع أعذارهم وانهتاك ~~أستارهم. فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليؤوس، لا يجد عذرا فيعتذر، ولا ~~مجال توبة فيستغفر، وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار، حتى ~~تنطق به الأيدي والأبصار. كما يقول القائل (الحيطان تبكي على صاحب الدار) ~~إشارة إلى ظهور الحزن، والأول الصحيح. انتهى. أي لإمكانه وعدم استحالته، ~~فلا تتعذر الحقيقة. ويؤيده آية وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء [فصلت: 21] . # ومن لطائف بعض أدباء العصر ما نظمه في الفونغراف، مستشهدا به في ذلك، ~~فقال: # ينطق الفونغراف لنا دليل ... على نطق الجوارح والجماد # وفيه لكل ذي نظر مثال ... على بدء الخليفة والمعاد # يدير شؤونه فرد بصور ... به الأصوات تجري كالمداد # فيثبت رسمها قلم بلوح ... على وفق المشيئة والمراد # وبعد فراغها تمضي كبرق ... ولا أثر لها في الكون بادي # تظن بأنها ذهبت جفاء ... كما ذهبت بريح قوم عاد # وأحلى رنها فيه لتبقى ... كأرواح تجرد عن مواد # متى شاء المدير لها معادا ... ورام ظهورها في كل ناد # يدير الصور بالآلات قسرا ... فينشر ميتها بعد الرقاد # وهذي آلة من صنع عبد ... فكيف بصنع خلاق العباد؟ # تبارك من يعيد الخلق طرا ... بنفخة صوره يوم التناد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 66] # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون أي لو ms3884 شاء ~~تعالى، لمسح أعينهم. فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المسلوك لهم لم ~~يقدروا، لعماهم. # PageV08P192 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 67] # ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) # ولو نشاء لمسخناهم أي بتغيير صورهم وإبطال قواهم على مكانتهم أي مكانهم ~~فما استطاعوا مضيا أي ذهابا ولا يرجعون أي ولا رجوعا. أي أنهم لا يقدرون ~~على مفارقة مكانهم. فوضع الفعل موضعه للفواصل. وإذا كان بمعنى (لا يرجعون ~~عن تكذيبهم) فهو معطوف على جملة (ما استطاعوا) والمراد أنهم بكفرهم ونقضهم ~~ما عهد إليهم، أحقاء بأن يفعل بهم ذلك. لكنا لم نفعل لشمول الرحمة، واقتضاء ~~لحكمة إمهالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 68] # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) # ومن نعمره أي نطل عمره ننكسه في الخلق أي بتناقض قواه وضعف بنيته حتى ~~يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، كما ~~قال عز وجل: ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ~~[الحج: 5] ، ثم رددناه أسفل سافلين [التين: 5] . أفلا يعقلون أي من قدر على ~~ذلك، قدر على الطمس والمسخ، وأن يفعل ما يشاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 69] # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) # وما علمناه الشعر أي حتى يأتي بشعر. وهذا رد لقولهم أنه صلوات الله عليه ~~شاعر أتى بشعر. قاسوه على من يشعر بقراءة الدواوين وكثرة حفظها. وكيف يشابه ~~ما نزل عليه الشعر، وليس منه لا لفظا لعدم وزنه وتقفيته، ولا معنى لأن ~~الشعر تخيلات، وهذا حكم وعقائد وشرائع وحقائق. # وما ينبغي له أي وما يصح لمقامه. لأن منزل النبوة والرسالة يتسامى عن ~~الشعر وقرضه. لما يرمى به الشعراء كثيرا من الكذب والمين ومجافاة مقاعد ~~الحقيقة. # ولذا قال تعالى: إن هو أي القرآن الذي يتلوه إلا ذكر أي عظة وإرشاد منه # PageV08P193 # تعالى وقرآن مبين أي كتاب سماوي بين أمره وحقائقه. فلا مناسبة ms3885 بينه وبين ~~الشعر بوجه ما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 70] # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) # لينذر من كان حيا أي عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت ويحق القول أي وتجب ~~كلمة العذاب على الكافرين أي المعرضين عن اتباعه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 71] # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أي مما تولينا نحن خلقه، لم ~~يقدر على إحداثه غيرنا، أنعاما فهم لها مالكون أي متصرفون فيها تصرف ~~الملاك. أو ضابطون قاهرون لها كما قال: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 72] # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) # وذللناها لهم أي صيرناها منقادة غير وحشية فمنها ركوبهم أي مركوبهم ومنها ~~يأكلون أي ينتفعون بأكل لحمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 73] # ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) # ولهم فيها منافع أي من الجلود والأصواف والأوبار ومشارب أي من ألبانها ~~أفلا يشكرون أي فيعبدوا المنعم بأصناف هذه النعم الجسيمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 74] # واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) # واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون أي ينصرونهم فيما نابهم من ~~الكوارث. # PageV08P194 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 75] # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم أي لآلهتهم جند محضرون أي معدون لخدمتهم والذب ~~عنهم. فمن أين لهم أن ينصروهم وهم على تلك الحال من العجز والضعف؟ أي بل ~~الأمر بالعكس. وقيل: المعنى محضرون على أثرهم في النار. # وجعلهم- على هذا- جندا، تهكم واستهزاء. وكذا لام (لهم) الدالة على النفع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 76] # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) # فلا يحزنك قولهم أي في الله تعالى بالإلحاد والشرك. أو في حقك بالتكذيب ~~والإيذاء إنا نعلم ما يسرون وما ms3886 يعلنون أي فنجازيهم عليه. كنى عن مجازاتهم ~~بعلمه تعالى، للزومه له. إذ علم الملك القادر بما جرى من عدوه الكافر، مقتض ~~لمجازاته وانتقامه. وتقديم السر، لبيان إحاطة علمه تعالى بحيث يستوي السر ~~عنده والعلانية. أو للإشارة إلى الاهتمام بإصلاح الباطن، فإنه ملاك الأمر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 77] # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين أي جدل بالباطل. # بين الجدال، وهذه تسلية ثانية، بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم ~~الحشر. # تأثرت الأولى وهي قوله فلا يحزنك الآية، عناية بشأنه صلوات الله عليه. # قال الطيبي: هذا معطوف على (أولم يروا) قبله. والجامع ابتناء كل منهما ~~على التعكيس. فإنه خلق له ما خلق ليشكر، فكفر وجحد النعم والمنعم. وخلقه من ~~نطفة قذرة ليكون منقادا متذللا، فطغى وتكبر وخاصم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 78] # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) # وضرب لنا مثلا أي في استبعاد البعث وإنكاره ونسي خلقه أي خلقنا إياه قال ~~من يحي العظام وهي رميم أي بالية أشد البلى، بعيدة عن الحياة غاية # PageV08P195 # البعد. وإنما لم يؤنث لأنه اسم لما بلي من العظام. جامد غير صفة، كالرمة ~~والرفات. # أو مشتق، فعيل بمعنى فاعل. إلا أنه لما غلب جريانه على غير موصوف، ألحق ~~بالأسماء فلم يؤنث. أو بمعنى مفعول. من (رمه) بمعنى أبلاه. وأصله الأكل. من ~~(رمت الإبل الحشيش) فكأن ما بلي أكلته الأرض. وقال الأزهري: إن (عظاما) ~~لكونه بوزن المفرد، ككتاب وقراب، عومل رميم معاملته. وذكر له شواهد. # قال الشهاب: وهو غريب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية # 79] # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة أي فلا تقاس قدرة الخالق على قدرة ~~المخلوقين. وإنما تقاس إعادته على إبدائه وهو بكل خلق عليم أي فلا يمتنع ~~عليه جمع الأجزاء بعد تفرقها، لعلمه ms3887 بأصولها وفصولها ومواقعها، وطريق ضمها ~~إلى بعضها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 80] # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أي الذي بدأ خلق ~~هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا فأثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا ~~يابسا يوقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد. لا يمنعه ~~شيء. قال قتادة: الذي أخرج النار من هذا الشجر، قادر على أن يبعثه. وقيل: ~~المراد بذلك شجر المرخ والعفار (من شجر البادية) في أرض الحجاز. فيأتي من ~~أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدها بالآخر، ~~فتتولد النار من بينهما كالزناد سواء. روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. ~~والعفار الزند وهو الأعلى. # والمرخ الزندة وهو الأسفل بمنزلة الذكر والأنثى. وعكس الجوهري فجعل المرخ ~~ذكرا والعفار أنثى، واللفظ مساعد له. إلا أن الأول يؤيده قول الشاعر: # إذا المرخ لم يور تحت العفار ... وضن بقدر فلم تعقب # وقال أبو زياد: ليس في الشجر كله أورى نارا من المرخ. وربما كان المرخ ~~مجتمعا ملتفا، وهبت الريح، وجاء بعضه بعضا فأورى فأحرق الوادي. ولم نر ذلك ~~في سائر الشجر. # PageV08P196 # وقال الأزهري: العرب تضرب بالمرخ والعفار، المثل في الشرف العالي. # فتقول: (في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار) أي كثرت فيهما على ما في ~~سائر الشجر. و (استمجد) استكثر واستفضل. وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر ~~الشجر نارا، وزنادهما أسرع الزناد وريا. وفي المثل: اقدح بعفار أو مرخ، ثم ~~اشدد إن شئت أو أرخ. ويقال (في كل شجر نار إلا العناب) . # قال الشهاب: ولذا يتخذ منه مدق القصارين. ثم أنشد لنفسه: # أيا شجر العناب نارك أوقدت ... بقلبي. وما العناب من شجر النار # انتهى. # والمقصود أنه تعالى لا يمتنع عليه إعادة المزاج الذي به تعلق الروح بعد ~~انعدامه بالكلية. لأن الذي يبدل مزاج الشجر الرطب بمزاج النار، وهي ms3888 حارة ~~يابسة بالفعل، مع ما في الشجر من المائية المضادة لها، أقدر على إعادة ~~الغضاضة إلى ما كان غضا، تطرأ عليه اليبوسة والبلى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 81] # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم (81) # أوليس الذي خلق السماوات والأرض أي مع كبر جرمهما بقادر على أن يخلق ~~مثلهم أي في الصغر والضعف ثانيا، بعد ما خلقهم أولا بلى أي هو القادر وهو ~~الخلاق أي الكثير الخلق مرة بعد أخرى العليم أي الواسع المعلومات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 82] # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) # إنما أمره أي شأنه الأعلى أو قوله النافذ إذا أراد شيئا أي إذا تعلقت ~~إرادته بإيجاد شيء أن يقول له كن فيكون أي فيوجد عن أمره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة يس (36) : آية 83] # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء تنزيه له مما وصفه به المشركون، # PageV08P197 # وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا. وهو مالك كل شيء والمتصرف فيه بلا ~~وازع ولا منازع. وإليه ترجعون أي بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم. ### | فائدة: # قال ابن كثير: الملك والملكوت واحد في المعنى. كرحمة ورحموت ورهبة ~~ورهبوت، وجبر وجبروت. ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجسام، والملكوت ~~هو عالم الأرواح. والصحيح الأول. وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين ~~وغيرهم. انتهى. # ولبعضهم: إن الملكوت صيغة مبالغة من الملك. فهو بمعنى الملك التام، والله ~~هو العليم العلام. # PageV08P198 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصافات # سميت بها لاستمال الآية التي هي فيها على صفات للملائكة تنفي إلهية ~~الملائكة من الجهات الموهمة لها فيهم. فينتفي بذلك إلهية ما دونهم، فيدل ~~على توحيد الله، وهو من أعظم مقاصد القرآن. قاله المهايمي. # وهي مكية اتفاقا، وآيها مائة واثنتان وثمانون. # روى النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ms3889 ويؤمنا بالصفات # . قال ابن كثير: تفرد به النسائي. # PageV08P199 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد افتتح تعالى ~~هذه السورة بالقسم ببعض مخلوقاته، إظهارا لعظم شأنها وكبر فوائدها. وتنبيها ~~إلى الاعتبار بصفتها وما تستدعيه من سمتها. و (الصافات) جمع صافة، أي طائفة ~~صافة، أو جماعة صافة. فيكون في المعنى جمع الجمع. أو على تأنيث مفردة ~~باعتبار أنه ذات ونفس، والمراد بالصفات الملائكة. لقيامها مصطفة في مقام ~~العبودية لمالك الملك. من قوله تعالى: وإنا لنحن الصافون [الصافات: 165] ، ~~أو لصفها أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله تعالى. وفالزاجرات أي: ~~الناس عن المعاصي، بإلهام الخير. من (الزجر) بمعنى المنع والنهي. أو ~~الزاجرات الأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور به. من (الزجر) بمعنى ~~السوق والحث. # و (التاليات) أي: آياته تعالى على أنبيائه عليهم السلام، وقيل: الصافات ~~الطير. من قوله تعالى: والطير صافات [النور: 41] ، و (الزاجرات) ، كل ما ~~زجر عن معاصي الله. و (التاليات) كل من تلا كتاب الله. أو هم العلماء ~~الصافون في العبادات أقدامهم، الزاجرون عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح، ~~التالون آيات الله وشرائعه. # أو هم الغزاة الصافون في الجهاد والزاجرون الخيل أو العدو، التالون لذكر ~~الله، لا يشغلهم فيها عنه مبارزة العدو. وقد ذكر غير هذا، مما يشمله اللفظ ~~ولا يأباه. # وبالجملة، فالعطف إما لاختلاف الذوات أو الصفات. وإيثار الفاء على ~~(الواو) لقصد الترتيب والتفاضل طردا أو عكسا. أما الأول فاعتناء بالأهم ~~فالأهم. وأما الثاني فالترقي إلى الأعلى. و (صفا) و (زجرا) مصدر مؤكد. وكذا ~~(ذكرا) ويجوز فيه كونه مفعولا به. قال الناصر: وفي هذه الآية دلالة على ~~مذهب سيبويه والخليل في مثل والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى [الليل: 1- ~~2] ، فإنهما يقولان: الواو الثانية وما بعدها عواطف. وغيرهما يذهب إلى أنها ~~حروف قسم. فوقوع الفاء في هذه الآية موقع # PageV08P200 # الواو. والمعنى واحد. إلا أن ما تزيده الفاء من ms3890 ترتيبها، دليل واضح على ~~أن الواو الواقعة في مثل هذا السياق، للعطف لا للقسم. انتهى. # وقوله تعالى: إن إلهكم لواحد الجواب للقسم. وفي تأكيد المقسم عليه بتقديم ~~الإقسام وتوكيد الجملة، اهتمام به بتحقيق الحق فيه الذي هو التوحيد، وتمهيد ~~لما يعقبه من البرهان الناطق به، وهو قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 5] # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق فإن وجودها وانتظامها على هذا ~~النمط البديع، من أوضح دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته، وأعدل شواهد وحدته. ~~أي مالك السموات والأرض وما بينهما من الموجودات ومربيها ومبلغها إلى ~~كمالاتها. والمراد بالمشارق مشارق الشمس. وإعادة ذكر الرب فيها، لغاية ظهور ~~آثار الربوبية فيها وتجددها كل يوم. فإنها ثلاث مائة وستون مشرقا. تشرق كل ~~يوم من مشرق منها. وبحسبها تختلف المغارب، وتغرب كل يوم في مغرب منها. وأما ~~قوله تعالى: رب المشرقين ورب المغربين فهما مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما. # أفاده أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 6] # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) # إنا زينا السماء الدنيا أي الجهة العليا القربى من كرة الأرض بزينة أي ~~عجيبة بديعة الكواكب بالجر، بدل من (زينة) . وقرئ بالإضافة، على أنها ~~بيانية، أو على معنى ما زينت هي به، وهو ضوؤها، والمراد التزيين في رأي ~~العين. فإن الكواكب تبدو للناظرين كأنها جواهر متلألئة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 7] # وحفظا من كل شيطان مارد (7) # وحفظا من كل شيطان مارد أي خارج عن الطاعة، يقذفه بشهبها، كيما يتطاول ~~إلى استراق السمع من جهتها وحفظا إما منصوب بإضمار فعله. أي حفظناها حفظا، ~~أو بعطفه على بزينة من حيث المعنى. أي خلقنا الكواكب # PageV08P201 # للسماء زينة وحفظا. أو على المفعول لأجله بزيادة الواو. والعامل فيه ~~زينا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 8] # لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) # لا يسمعون إلى الملإ الأعلى قرئ بالتخفيف والتشديد. وأصله (يتسمعون) ms3891 أي ~~يتطلبون السماع. والضمير لكل شيطان. لأنه في معنى الشياطين. والجملة ~~مستأنفة لبيان ما عليه حال المسترقة للسمع من أنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى ~~كلام الملائكة إلخ. أو هي علة للحفظ. أي لئلا يسمعوا. فحذفت اللام ثم (أن) ~~وأهدر عملها. وضعفوه بلزوم اجتماع حذفين، وهو منكر. كما ذكروه في قوله ~~تعالى: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] ، أي لئلا تضلوا، وقد يقال: # إنما ينكر حذف شيئين فيما يخل بانسجام الكلام. أما في تقدير أمر له ~~نظائر، ومرجعه إلى تحليل معنى. لا يأباه اللفظ- فلا وجه للتعصب في رده، ~~لمجرد أن الكوفيين، مثلا، ذهبوا إليه أو غيرهم. وشاهد المعنى أعدل من حكم ~~القواعد وتحكيمها ويقذفون أي يرمون من كل جانب أي من جميع جوانب السماء، ~~إذا قصدوا الصعود إليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 9] # دحورا ولهم عذاب واصب (9) # دحورا أي للدحور وهو الطرد ولهم عذاب واصب أي شديد غير منقطع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 10] # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # إلا من خطف الخطفة أي اختلس الكلمة فأتبعه شهاب أي لحقه شعلة نارية تنقض ~~من السماء ثاقب أي مضيء. كأنه يثقب الجو بضوئه. ### | تنبيه: # ذكر المفسرون أن الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء. فربما سمعوا كلام ~~الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم # PageV08P202 # أنهم يعلمون الغيب. فمنعهم الله تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه ~~الشهب. # فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم. # قال ابن كثير: يعني إذا أراد الشيطان أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب ~~فأحرقه. ولهذا قال جل جلاله لا يسمعون إلى الملإ الأعلى أي: لئلا يصلوا إلى ~~الملإ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه ~~الله تعالى بما يقوله من شرعه وقدره. كما وردت الأخبار بذلك في تفسير قوله ~~تعالى: # حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق، وهو العلي ~~الكبير [سبأ: 23] ، انتهى. # قال بعض علماء الفلك: كما أن العرش تحفه ms3892 الأرواح الغيبية- حسبما تقدم ~~بيانه في آية ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] ، في الأعراف- فكذلك ~~الكواكب الأخرى مسكونة مع الحيوانات والدواب بأرواح، منها الصالح (الملك) ~~ومنها الطالح (الشيطان) وكذلك أرضنا هذه. فيها من الملائكة ومن الشياطين ~~مالا نبصره إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # [الأعراف: 27] . ولا يخفى أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. فعدم ~~إدراكنا لهذه الأرواح لا يدل على عدم وجودها. كما أن عدم معرفة القدماء ~~للميكروبات وللكهرباء التي تشاهد الآن آثارها العظيمة، لم يكن يدل على عدم ~~وجودها إذ ذاك في العالم. فمن الجهل الفاضح إنكار الشيء لعدم معرفته أو ~~العثور عليه. على أن لنا الآن من مسألة استحضار الأرواح أكبر دليل على وجود ~~أرواح في هذه الأرض، لا نبصرها ولا نشعر بها. وقد قدر الله تعالى أن ~~الحيوانات في هذه الأرض، إذا خرجت عنها إلى حيث ينقطع الهواء ويبطل التنفس، ~~تموت في الحال. وكذلك قدر أن الأرواح الطالحة التي في أرضنا هذه، إذا أرادت ~~الصعود إلى السماء والاختلاط بالأرواح التي في الكواكب الأخرى، انقض عليها، ~~قبل أن تخرج من جو الأرض، شهاب من هذه الكواكب أو من غيرها، فأحرقها ~~وأهلكها، بإفساد تركيبها ومادتها. حتى لا يحصل اتصال بين هذه وتلك، ولا ~~تطلع على أسرار العوالم الأخرى. وهذه الشهب التي تنقض، إن كانت صادرة من ~~أجرام ملتهبة، كانت ملتهبة. وإن كانت صادرة من أجرام غير ملتهبة. التهبت ~~فيما بعد لشدة شرعتها واحتكاكها بالغازات التي تمر فيها في جونا هذا. ولعل ~~في مادة الشياطين ما يجتذب إلى هذه الشهب ويتحد بها. كما تجتذب العناصر ~~الكيماوية بعضها بعضا (مثال ذلك عنصر الصوديم فإنه يجتذب إليه الأكسجين من # PageV08P203 # الماء فيحلله) ولا نقول إن جميع الشهب تنقض لهذا السبب، بل منها ما ينقض ~~لأسباب أخرى. كاجتذاب بعض الأجرام السماوية له. ومنها ما ينقض لإهلاك ~~الشياطين، كما بينا هنا. والشياطين مخلوقة من مواد غازية كانت ملتهبة ~~والجان خلقناه من قبل من نار السموم [الحجر: 27] والمراد (بالسماء الدنيا) ~~في هذه الآية الفضاء ms3893 المحيط بنا القريب منا. أي هذا الجو الذي نشاهده وفيه ~~العوالم كلها. # أما ما وراءه من الجواء البعيدة عنا، التي لا يمكن أن نصل إليها بأعيننا ~~ولا بمناظيرنا، فهو فضاء محض لا شيء فيه. فلفظ (السماء) له معان كثيرة كلها ~~ترجع إلى معنى السمو. وتفسر في كل مقام بحسبه. # ثم قال: فكل مسألة جاء بها القرآن حق، لا يوجد في العلم الطبيعي ما ~~يكذبها. لأنه وحي الله حقا، والحق لا يناقضه الحق سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~[فصلت: 53] . # وقال أيضا: يعتقد الآن علماء الفلك أن أكثر الشهب تنشأ من ذوات الأذناب. # ويحتمل أن بعضها ناشئ من بعض الشموس المنحلة، أو الباقية الملتهبة، أو من ~~براكين بعض السيارات، أو مما لم ينطفئ من السيارات للآن. ومتى علمنا أن ~~ذوات الأذناب والسيارات جميعا مشتقة من الشموس، كان مصدر جميع الشهب هو ~~الشموس أو النجوم. # (قال) : وهذا يفهمنا معنى هذه الآية. اه كلامه. # ونظير هذه الآية قوله تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها ~~رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير [الملك: 5] ، وقوله عز وجل: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم ~~إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين [الحجر: 16- 18] ، وقوله سبحانه ~~إخبارا عن الجن: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا [الجن: 8- 9] ~~. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 11] # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) # فاستفتهم أي فاستخبر مشركي مكة أهم أشد خلقا أي أقوى خلقة # PageV08P204 # وأمتن بنية أم من خلقنا أي من السموات والأرض والجبال. كقوله تعالى: ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء [النازعات: 27] الآية، وقوله لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: 57] ، وفي اضطرارهم إلى الجواب بصغر خلقهم ~~وتضاؤله عما ذكر، اعتراف بأنه لا يتعالى عليه أمر بعد هذا. كشأن ms3894 البعث ~~وغيره. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: إنا خلقناهم من طين لازب أي لزج ضعيف لا قوة ~~فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 12] # بل عجبت ويسخرون (12) # بل عجبت أي من إنكارهم للبعث بعد اضطرارهم للاعتراف بما يحققه ويسخرون أي ~~من تقرير أمر البعث والاحتجاج عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 13] # وإذا ذكروا لا يذكرون (13) # وإذا ذكروا أي بما يؤيده، أو وعظوا وخوفوا من المخالفة لا يذكرون أي ما ~~يقتضيه؟ لتعنتهم وعنادهم. أو لا يخافون ولا يتعظون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 14] # وإذا رأوا آية يستسخرون (14) # وإذا رأوا آية أي برهانا واحتجاجا على مصداقه، من آيات الكائنات في ~~أنفسهم أو في الآفاق يستسخرون أي يبالغون في السخرية، بدل الاعتبار والتدبر ~~والتفكر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 15] # وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) # وقالوا إن هذا أي ادعاء ما ذكر، والاستدلال عليه والصدع بشأنه، والقراع ~~فيه إلا سحر مبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 16 الى 18] # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل أي ~~تبكيتا لهم. # PageV08P205 # نعم أي تبعثون وأنتم داخرون أي ذليلون، لا جدل منكم يدفعه ولا قدرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 19] # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) # فإنما هي أي البعثة زجرة واحدة أي صيحة واحدة فإذا هم ينظرون أي قيام من ~~مراقدهم أحياء، أولو قوة مدركة، بها يبصرون. أو ينتظرون ما يفعل بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 20] # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين أي الجزاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 21 الى 22] # هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما ~~كانوا يعبدون (22) # هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا أي أنفسهم بالكفر ms3895 ~~والمعاصي والسعي بالفساد وأزواجهم أي وأشباههم من الفجرة. أو نساءهم ~~الكافرات وما كانوا يعبدون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 23] # من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) # من دون الله أي من الأصنام وغيرها، زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم أي فعرفوهم طريقها ليسلكوها. والتعبير ب (الهداية) و ~~(الصراط) للتهكم بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 24] # وقفوهم إنهم مسؤلون (24) # وقفوهم أي احبسوهم في الموقف إنهم مسؤلون أي عن عقائدهم وأعمالهم. # PageV08P206 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 25] # ما لكم لا تناصرون (25) # ما لكم لا تناصرون أي لا ينصر بعضكم بعضا، وقد كان شأنكم التعاضد في ~~الحياة الأولى، وهو توبيخ لهم وتقريع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 26] # بل هم اليوم مستسلمون (26) # بل هم اليوم مستسلمون أي منقادون مخذولون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 27 الى 28] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين أي عن ~~القهر والغلبة. أي كنتم تضطرونا إلى ما تدعونا إليه. كما في آية وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا [سبأ: 33] ، وقيل عن الحلف والقسم. وقيل عن جهة الخير ~~وناحية الحق. # من (اليمن) ضد الشؤم. أي توهمونا وتخدعونا أن ما أنتم عليه أمر ميمون فيه ~~الخير والفوز فأين مصداقه وقد نزل ما نزل؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 29 الى 35] # قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما ~~طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين ~~(32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) # إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون (35) # قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما ~~طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ms3896 فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ ~~في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون أي عن الاستجابة للداعي إليها. # PageV08P207 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 36] # ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) # ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون أي لقول من يقول بالمقدمات ~~الخيالية عن الجنون. فرد عليهم بأنه لم يأت بكلام مخيل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 37] # بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) # بل جاء بالحق وصدق المرسلين أي الذين هم أعقل الأمم وأحكم الحكماء. # فمتى يتفقون على قول مصدره الجنون؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 38 الى # 44] # إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا ~~عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) # في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) # إنكم أي بافترائكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ~~إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات ~~النعيم على سرر متقابلين أي في الصف مترائين، لا يحجب بعضهم عن بعض، ولا ~~يتفاضلون في المقاعد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 45] # يطاف عليهم بكأس من معين (45) # يطاف عليهم بكأس من معين أي شراب معين، جار كالنهر لا ينقطع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 46 الى 47] # بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) # بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول أي ما يغتال العقل، ولا فساد من فساد خمر ~~الدنيا ولا هم عنها ينزفون أي تذهب عقولهم. # PageV08P208 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 48 الى 49] # وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # وعندهم قاصرات الطرف أي على أزواجهن أو مبيضاته تشبيها بالثوب المقصور، ~~وهو المحور. عين أي كبار الأعين كأنهن بيض مكنون أي بيض نعام في الصفاء، ~~مستور لم يركب عليه غبار. # قال الشهاب: وهذا على عادة العرب في تشبيه النساء بها. وخصت ms3897 ببيض النعام، ~~لصفائه وكونه أحسن منظرا من سائره. ولأنها تبيض في الفلاة وتبعد ببيضها عن ~~أن يمس. ولذا قالت العرب للنساء (بيضات الخدور) ولأن بياضه يشوبه قليل صفرة ~~مع لمعان، كما في الدر. وهو لون محمود جدا. إذ البياض الصرف غير محمود. ~~وإنما يحمد إذا شابه قليل حمرة في الرجال، وصفرة في النساء. انتهى. # وحكى ابن جرير عن ابن عباس أنه عنى بالبيض المكنون (اللؤلؤ) . # ثم قال: والعرب تقول لكل مصون (مكنون) لؤلؤا كان أو غيره. كما قال أبو ~~دهبل: # وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 50] # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون معطوف على (يطاف) والمعنى، يشربون ~~فيتحادثون على الشراب، كعادة أهل الشرب، عما جرى لهم وعليهم. # وقال القاشاني: أي يتحادثون أحاديث أهل الجنة والنار، ومذاكرة أحوال ~~السعداء والأشقياء، مطلعين على كلا الفريقين وما هم فيه من الثواب والعقاب، ~~كما ذكر في وصف أهل الأعراف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 51 الى 53] # قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) # قال قائل منهم أي في المحادثة إني كان لي قرين أي جليس في الدنيا # PageV08P209 # يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون أي ~~لمبعوثون فمجزيون. أي يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب. والمعنى: فهنا قد ~~صدقنا ربنا وعده، وأحل بالقرين وعيده. كما أشار بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 54] # قال هل أنتم مطلعون (54) # قال أي ذلك القائل هل أنتم مطلعون أي إلى أهل النار من كوى الجنة ~~ومطالها، لأريكم ذلك القرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 55 الى # 57] # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين (57) # فاطلع فرآه في سواء الجحيم أي وسطه قال تالله إن كدت لتردين أي لتهلكني ~~بالإغواء ولولا نعمة ms3898 ربي أي بالهداية واللطف بي لكنت من المحضرين أي معك في ~~النار. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 58 الى 59] # أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) # أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين من تتمة كلامه ~~لقرينه، تقريعا له. أو معاودة إلى محادثة جلسائه، تحدثا بنعمة الله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 60 الى 61] # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) # إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون أي لنيل مثله، فليجد ~~المجدون. # ولما وصف ملاذ أهل الجنة، تأثره بمطاعم أهل النار، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 62] # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم وهي شجرة كريهة المنظر والطعم، كما ستذكر ~~صفتها. # PageV08P210 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 63 الى 65] # إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها ~~كأنه رؤس الشياطين (65) # إنا جعلناها فتنة أي محنة وعذابا للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ~~طلعها أي حملها كأنه رؤس الشياطين أي مثل ما يتخيل ويتوهم من قبح رؤوس ~~الشياطين، فهي قبيحة الأصل والثمر والمنظر والملمس. قال الزمخشري: # وشبه برءوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهية وقبح المنظر. لأن ~~الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير. ~~فيقولون في القبيح الصورة (كأنه وجه شيطان) (كأنه رأس شيطان) وإذا صوره ~~المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله. كما أنهم اعتقدوا في الملك ~~أنه خير محض لا شر فيه. فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى: ما هذا ~~بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف: 31] ، وهذا تشبيه تخييلي. انتهى. أي لأمر ~~مركوز في الخيال. # وبه يندفع ما يقال إنه تشبيه بما لا يعرف، وذلك لأنه لا يشترط أن يكون ~~معروفا في الخارج. بل يكفي كونه مركوزا في الذهن والخيال. ألا ترى امرأ ~~القيس- وهو ملك الشعراء- يقول: # ومسنونة ms3899 زرق كأنياب أغوال # وهو لم ير الغول. والغول نوع من الشياطين، لأنه في خيال كل أحد مرتسم ~~بصورة قبيحة، وإن كان قابلا للتشكل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 66] # فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) # فإنهم لآكلون منها أي من طلعها فمالؤن منها البطون أي لغلبة الجوع أو ~~الإكراه على أكلها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 67] # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) # ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم أي لشرابا كالصديد أو الغساق، ممزوجا من ~~ماء متناه في الحرارة، يقطع أمعاءهم. # PageV08P211 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 68] # ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) # ثم إن مرجعهم أي مصيرهم لإلى الجحيم أي إلى دركاتها. أو إلى نفسها لا مفر ~~لهم منها ولا محيص كيفما تحولوا. قال ابن كثير: أي ثم إن مردهم بعد هذا ~~الفصل لإلى نار تتأجج وسعير تتوهج. فتارة في هذا وتارة في هذا. كما قال ~~تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم آن هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية. وهو ~~تفسير حسن قوي. انتهى. # ومن لطائف الإشارات في هذه الآية، ما قاله القاشاني. وعبارته: إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم وهي شجرة النفس الخبيثة المحجوبة النابتة في قعر جهنم ~~المتشعبة أغصانها في دركاتها القبيحة الهائلة ثمراتها من الرذائل والخبائث ~~كأنها من غاية القبح والتشوه والخبث بالتنفر رؤس الشياطين أي تنشأ منها ~~الدواعي المهلكة والنوازع المردية الباعثة على الأفعال القبيحة والأعمال ~~السيئة. فتلك أصول الشيطنة ومبادئ الشر والمفسدة، فكانت رؤوس الشياطين ~~فإنهم لآكلون منها يستمدون منها ويتغذون ويتقوون، فإن الأشرار غذاؤهم من ~~الشرور ولا يلتذون إلا بها فمالؤن منها البطون بالهيئات الفاسقة والصفات ~~المظلمة، كالممتلئ غضبا وحقدا وحسدا وقت هيجانها ثم إن لهم عليها لشوبا من ~~حميم الأهواء الطبيعية والمنى السيئة الرديئة، ومحبات الأمور السفلية، ~~وقصور الشرور الموبقة، التي تكسر بعض غلة الأشرار ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ~~لغلبة الحرص والشره، بالشهوة والحقد والبغض والطمع وأمثالها. واستيلاء ~~دواعيها مع امتناع ms3900 حصول مباغيها. # انتهى. # وهذه الإشارات من المجازات التي تتسع لها اللغة. لأنها لا تنحصر في ~~الحقيقة، ولا يقال إنها المرادة هنا، لنبؤها عن نظائرها من آيات الوعيد، ~~والله أعلم. # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 69 الى # 70] # إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون (70) # إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون تعليل لاستحقاقهم تلك ~~الشدائد بتقليد الآباء في الضلال. و (الإهراع) الإسراع الشديد كأنهم يزعجون ~~على # PageV08P212 # الإسراع على آثارهم، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير نظر وبحث، ~~بل مجرد تقليد وترك اتباع دليل. قال الرازي: ولو لم يوجد في القرآن آية غير ~~هذه الآية في ذم التقليد، لكفى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 71 الى 72] # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين أي أنبياء حذروهم ~~العواقب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 73] # فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # فانظر كيف كان عاقبة المنذرين أي الذين أنذروا وخوفوا. فقد أهلكوا جميعا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 74] # إلا عباد الله المخلصين (74) # إلا عباد الله المخلصين أي الذين أخلصوا دينهم لله. أو الذين أخلصهم ~~تعالى لدينه. على القراءتين. أي فإنه تعالى نصرهم وجعل العاقبة لهم. ثم ~~أشار تعالى إلى أنبائهم، تثبيتا لفؤاده صلوات الله عليه. وتبشيرا لأتباعه، ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 75 الى 77] # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) # ولقد نادانا نوح أي بقوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: ~~26] ، فلنعم المجيبون أي نحن بهلاك قومه. لأنه لا يجيب المضطر غيره. # ونجيناه وأهله من الكرب العظيم أي من الغرق والطوفان. والمراد بأهله، من ~~آمن معه وجعلنا ذريته هم الباقين أي في الأرض بعد هلاك قومه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 78 الى 79] # وتركنا عليه في الآخرين ms3901 (78) سلام على نوح في العالمين (79) # PageV08P213 # وتركنا عليه في الآخرين أي أبقينا عليه في الأمم بعده ثناء حسنا، فمفعول ~~(تركنا) محذوف، أو ما حكاه تعالى بقوله سلام على نوح في العالمين أي أن ~~يسلموا عليه إلى يوم القيامة. أي أن يقولوا هذه الجملة. قال السمين: قوله ~~سلام على نوح مبتدأ وخبر. وفيه أوجه: أحدها أنه مفسر ل (تركنا) والثاني أنه ~~مفسر لمفعوله. أي تركنا عليه شيئا وهو هذا الكلام. أو ثم قول مقدر. أي ~~فقلنا سلام. أو ضمن (تركنا) معنى (قلنا) أو سلط (تركنا) على ما بعده. وقرئ ~~(سلاما) وهو مفعول به ل (تركنا) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 80] # إنا كذلك نجزي المحسنين (80) # إنا كذلك نجزي المحسنين تعليل لما أثيب به من التكرمة، بأنه مجازاة له ~~على إحسانه، وهو مجاهدته في إعلاء كلمة الله، والدعوة إلى الحق ليلا ~~ونهارا، سرا وجهارا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 81] # إنه من عبادنا المؤمنين (81) # إنه من عبادنا المؤمنين أي المصدقين، وتعليل إحسانه بالإيمان، إظهار لفضل ~~الإيمان ومزيته. حيث مدح من هو من كبار الرسل به. فالمقصود بالصفة مدحها ~~نفسها، لا مدح موصوفها. وذلك لأن الإيمان أساس لكل خير يوجد، ومركز ~~لدائرته، ومسك خاتمته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 82] # ثم أغرقنا الآخرين (82) # ثم أغرقنا الآخرين أي من كفار قومه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 83] # وإن من شيعته لإبراهيم (83) # وإن من شيعته لإبراهيم أي ممن شايعه وتابعه في الإيمان والدعوة القوية ~~إلى التوحيد. # PageV08P214 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 84] # إذ جاء ربه بقلب سليم (84) # إذ جاء ربه بقلب سليم أي أقبل إلى توحيده بقلب خالص من الشوائب، باق على ~~الفطرة، سليم عن النقائص والآفات، محافظ على عهد التوحيد الفطري، منكر على ~~من غير وبدل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 85] # إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) # إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أي من دون الله. ### | القول في تأويل ms3902 قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 86] # أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) # أإفكا آلهة دون الله تريدون أي أتريدون بطريق الكذب، آلهة دون الله؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 87] # فما ظنكم برب العالمين (87) # فما ظنكم برب العالمين أي بمن هو الحقيق بالعبادة، لكونه ربا للعالمين، ~~حتى تركتم عبادته وأشركتم به غيره، والمعنى: لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصد ~~عن عبادته. لأن استحقاقه للعبادة أظهر من أن يختلج عرق شبهة فيه. فأنكر ~~ظنهم الكائن في بيان استحقاقه للعبادة. وهو الذي حملهم على عبادة غيره. أو ~~المعنى: فما ظنكم به؟ ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟ وعلى كل، ~~فالاستفهام إنكاري. والمراد من إنكار الظن إنكار ما يقتضيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 88] # فنظر نظرة في النجوم (88) # فنظر نظرة في النجوم أي ليريهم على أنه يستدل بها على شيء لأنهم كانوا ~~منجمين. # PageV08P215 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 89] # فقال إني سقيم (89) # فقال إني سقيم أي مريض لا يمكنني الخروج معكم إلى معيدكم. ترخص عليه ~~السلام بذلك. ليتخلص من شهود زورهم ومنكراتهم وأفانين شركهم، مما تجوزه ~~المصلحة. أو عنى أنه سقيم القلب. تشبيها لغمه وحزنه بالمرض، على طريق ~~التشبيه. أو أراد أنه مستعد للموت استعداد المريض. فهو استعارة أو مجاز ~~مرسل. # قال الزمخشري: والذي قاله إبراهيم عليه السلام، معراض من الكلام. ولقد ~~نوى به ان من في عنقه الموت، سقيم. ومنه المثل (كفى بالسلامة داء) وقول ~~لبيد: # فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني، فإذا السلامة داء # ومات رجل فجأة، فالتف عليه الناس وقالوا: مات وهو صحيح. فقال أعرابي: # أصحيح من الموت في عنقه؟ انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : في الآية استعمال المعاريض والمجاز للمصلحة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 90] # فتولوا عنه مدبرين (90) # فتولوا عنه مدبرين أي إلى معيدهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 91] # فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) # فراغ إلى آلهتهم أي ذهب إليها في خفية فقال أي ms3903 للأصنام استهزاء ألا ~~تأكلون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 92 الى # 96] # ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون ~~(94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) # PageV08P216 # ما لكم لا تنطقون أي بإيجاب ولا سلب فراغ عليهم أي هجم عليهم ضربا ~~باليمين أي التي هي أقوى الباطشتين، فكسرها. فأقبلوا إليه أي إلى إبراهيم ~~بعد ما رجعوا يزفون أي يسرعون لمعاتبته على ما صدر منه. فأخذ عليه السلام ~~يبرهن لهم على فساد عبادتهم قال أتعبدون ما تنحتون أي من الأصنام والله ~~خلقكم وما تعملون أي وما تعملونه من الأصنام المنوعة الأشكال، المختلفة ~~المقادير. ولما قامت عليهم الحجة، عدلوا إلى أخذه باليد والقهر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 97 الى 98] # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين (98) # قالوا ابنوا له أي لإحراقه بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأسفلين أي الأذلين بإبطال كيدهم. جعل النار عليه بردا وسلاما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 99] # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين أي مهاجر إلى بلد أعبد فيه ربي، وأعصم فيه ~~ديني. قال الرازي: فيه دليل على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء، تجب ~~مهاجرته. وذلك لأن إبراهيم عليه السلام، مع ما خصه تعالى به من أعظم أنواع ~~النصرة، لما أحس من قومه العداوة الشديدة، هاجر. فلأن يجب على غيره. ~~بالأولى. # وقوله: سيهدين أي إلى ما فيه صلاح ديني، أو إلى مقصدي. وإنما بت القول ~~لسبق وعده تعالى. إذ تكفل بهدايته. أو لأن من كان مع الله كان الله معه «1» ~~(احفظ الله يحفظك) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 100 الى 101] # رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) # رب هب لي من الصالحين أي ولدا صالحا يعينني على الدعوة والطاعة فبشرناه ~~بغلام حليم أي متسع الصدر حسن الصبر والإغضاء في كل أمر، والحلم رأس الصلاح ms3904 ~~وأصل الفضائل. PageV08P217 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 102] # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) # فلما بلغ معه السعي أي السن الذي يقدر فيه على السعي والعلم قال يا بني ~~إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى أي: إني أمرت في المنام بذبحك- ~~ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة- فانظر هل تصبر على إمضائي أمر الرؤيا ~~والعمل بظاهرها؟ قال يا أبت افعل ما تؤمر، أي يأمرك الله به. فإن كان ذاك ~~أمرا من لدنه فأمضه. قال القاضي: ولعله فهم من كلامه أنه رأى أنه يذبحه ~~مأمورا به. أو علم أن رؤيا الأنبياء حق، وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا ~~بأمر، ثم قال: ولعل الأمر في المنام دون اليقظة، لتكون مبادرتهما إلى ~~الامتثال، أدل على كمال الانقياد والإخلاص. انتهى. # قال الرازي: الحكمة في مشاورة الابن في هذا الباب، أن يطلع ابنه على هذه ~~الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله، فتكون فيه قرة عين لإبراهيم، حيث يراه ~~قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم. وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه ~~الدرجة العالية. ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة، والثناء الحسن في ~~الدنيا. وقوله: # ستجدني إن شاء الله من الصابرين أي على الذبح، أو على قضاء الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 103] # فلما أسلما وتله للجبين (103) # فلما أسلما أي استسلما وانقادا لأمره تعالى بدون إبطاء، واستل إبراهيم ~~السكين، وتله للجبين أي صرعه على شقه، فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي ~~الجبهة. و (تله) أصل معناه: رماه على التل، وهو التراب المجتمع. ك (تربه) . ~~ثم عم لكل صرع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 104 الى 105] # وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ~~(105) # وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي لا تذبحه وقد قمت بمصداقها ms3905 في ~~بذل الوسع من الأخذ بإمضاء ما تشير إليه وكمال الطاعة في هذا الشاق. وأوتيت # PageV08P218 # أجر الامتثال والصبر والثبات. وفي جواب (لما) ثلاثة أوجه، أظهرها أنه ~~محذوف. # أي نادته الملائكة. أو ظهر صبرهما. أو أجزلنا لهما أجرهما، الثاني في أنه ~~وتله للجبين بزيادة (الواو) وهو رأي الكوفيين والأخفش. الثالث أنه وناديناه ~~والواو زائدة أيضا. إنا كذلك نجزي المحسنين أي باللطف والعناية والنداء ~~والوحي والفرج بعد الشدة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 106] # إن هذا لهو البلاء المبين (106) # إن هذا لهو البلاء المبين أي الاختيار البين الذي يتميز فيه المخلص من ~~غيره. إشارة إلى أن هذا الأمر كان ابتلاء وامتحانا لإبراهيم في صدق الخلة ~~لله، وتضحية أعز عزيز لديه، وأحب محبوب عنده، لأمر ربه تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 107] # وفديناه بذبح عظيم (107) # وفديناه بذبح عظيم أي رزقناه ما يذبح بدلا عنه وفداء له، منة وتطولا. وقد ~~روي أنه عليه السلام لما نودي، حانت منه التفاتة إلى ما حوله، فأبصر كبشا ~~قد انتشب قرناه في شجرة. فتم به المرئي في المنام المقصود به القربان لله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 108 الى 113] # وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين ~~(110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) # وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم أي مثل ما تركنا على نوح. كما ~~تقدم بيانه وإعرابه كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه أي على إبراهيم وعلى إسحاق أي: ~~بتكثير الذرية وتسلسل النبوة فيهم، وجعلهم ملوكا، وإيتائهم ما لم يؤت أحد ~~ومن ذريتهما محسن أي في علمه وظالم لنفسه أي بالكفر والمعاصي مبين أي ظاهر ~~الظلم. # PageV08P219 ### | تنبيهات: # الأول- يروي المفسرون هاهنا في قصة الذبح روايات منكرة لم يصح سندها ولا ~~متنها: بل ولم تحسن، فهي معضلة تنتهي إلى السدي وكعب. والسدي حاله معلوم في ~~ضعف ms3906 مروياته. وكذلك كعب. # قال ابن كثير رحمه الله: لما أسلم كعب الأحبار في الدولة العمرية، جعل ~~يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديما: فربما استمع له عمر. فترخص الناس في ~~استماع ما عنده عنه، غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة حاجة إلى حرف واحد مما ~~عنده. انتهى. # ولقد صدق رحمه الله. ولذا لا نرى التزيد على أصل ما قص في التنزيل من ~~الضروري له، إلا إذا صح سنده، أو اطمأن القلب به. وقد ولع الخطباء في ~~دواوينهم برواية هذه القصة في خطبة الأضحى من طرقها الواهية عند المحدثين. ~~ويرونها ضربة لازب على ضعف سندها وكون متنها منكرا أيضا أو موضوعا. ولما ~~صنفت مجموعة الخطب حذفت هذه الرواية من خطبة الأضحى ككل مروي ضعيف في فضائل ~~الشهور والأوقات، واقتصرت على جياد الأخبار والآثار. وذلك من فضل الله ~~علينا فلا نحصي ثناء عليه. وأمثل ما # روي في هذا النبأ من الآثار ما أخرجه الإمام أحمد «1» عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما موقوفا، قال: لما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمناسك، ~~عرض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ~~جمرة العقبة. فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم عرض له عند ~~الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تله للجبين، وعلى إسماعيل عليه السلام ~~قميص أبيض. فقال له: يا أبت! إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى ~~تكفنني فيه. فعالجه ليخلصه، فنودي من خلفه: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. ~~فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ~~ذلك الضرب من الكباش. # الثاني- قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية أن رؤيا الأنبياء وحي، ~~وجواز نسخ الفعل قبل التمكن، وتقديم المشيئة في كل قول. واستدل بعضهم بهذه ~~القصة على أن من نذر ذبح ولده، لزمه ذبح شاة. PageV08P220 # ثم قال السيوطي: فسر الذبح العظيم في الأحاديث والآثار بكبش. فاستدل به ~~المالكية على أن الغنم في التضحية أفضل من الإبل. انتهى. # الثالث- استدل بالآية على ms3907 أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه- كما ذكره ~~الرازي- وذلك في باب الابتلاء. أي ابتلاء المأمور في إخلاصه وصدقه، فيما ~~يشق على النفس تحمله. # الرابع- يذكر كثير الخلاف في الذبيح، قال الإمام ابن القيم في (زاد ~~المعاد) : # وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم. # وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها. وسمعت شيخ الإسلام ابن ~~تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه ~~باطل بنص كتابهم. فإن فيه إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه (بكره) . وفي ~~لفظ (وحيده) ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده. ~~والذي غر وأصحاب هذا القول إن في التوراة التي بأيديهم (اذبح ابنك إسحاق) ~~قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم. لأنهم تناقض قوله (بكرك) (وحيدك) ~~ولكن يهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه ~~إليهم، ويختارونه دون العرب. ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ ~~أن يقال إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، ~~فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق ~~يعقوب [هود: 70- 71] ، فمحال أن يبشرها بأنه يكون له ولد ثم يأمر بذبحه. ~~ولا ريب أن يعقوب داخل في البشارة. فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ ~~الواحد. وهذا ظاهر الكلام وسياقه. فإن قيل، لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان ~~يعقوب مجرورا عطفا على إسحاق، فكانت القراءة ومن وراء إسحاق يعقوب أي ~~ويعقوب من وراء إسحاق. # قيل لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به. لأن البشارة قول مخصوص: وهي ~~أول خبر سار صادق. وقوله: ومن وراء إسحاق يعقوب جملة متضمنة بهذه القيود، ~~فيكون بشارة بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. أو لما كانت البشارة ~~قولا، كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول. كأن المعنى: وقلنا لها ~~من ms3908 وراء إسحاق يعقوب والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه، وثقله في ~~أثره، لم يعقل منه إلا بشارة بالأمرين جميعا. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه ~~البتة. ثم يضعف الجر # PageV08P221 # أمر آخر، وهو ضعف قولك (مررت بزيد ومن بعده عمرو) لأن العاطف يقوم حرف ~~الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور: كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور، ~~ويدل عليه أنه سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه في هذه السورة، قال: فلما ~~أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ~~[الصافات: 103- 111] ، ثم قال: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [الصافات: ~~112] ، فهذا بشارة من الله له، شكرا على صبره على ما أمر به. وهذا ظاهر جدا ~~في أن المبشر به غير الأول. بل هو كالنص فيه. فإن قيل: فالبشارة الثانية ~~وقعت على نبوته. أي لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله، ~~جازاه الله على ذلك، بأن أعطاه النبوة. قيل: البشارة وقعت على المجموع، على ~~ذاته ووجوده وأن يكون نبيا. ولهذا ينصب نبيا على الحال المقدر أي مقدرا ~~نبوته. فلا يمكن إخراج البشارة أن يقع على الأصل، ثم يخص بالحال التابعة ~~الجارية مجرى الفضلة. هذا محال من الكلام. بل إذا وقع البشارة على نبوته، ~~فوقوعها على وجوده أولى وأحرى، وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك ~~جعلت القرابين يوم النحر. كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار، ~~تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله. ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما ~~اللذان كانا بمكة، دون إسحاق وأمه. ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت ~~الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل. وكان النحر بمكة، من تمام حج ~~البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا. ولو كان الذبح ~~بالشام، كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنحر بالشام ms3909 ~~لا بمكة. وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما لأنه لا أحلم ممن أسلم ~~نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليما فقال: هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون # [الذاريات: ### | 24- 25 # ] إلى أن قال قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم [الذاريات: 28] ، وهذا ~~إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته وهي المبشرة به. وأما إسماعيل فمن السرية. ~~وأيضا فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد. وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ~~ولد قبل ذلك. وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد ~~أحب إلى الوالدين ممن بعده. وإبراهيم لما سأل ربه الولد ووهبه له، تعلقت ~~شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا. والخلة منصب يقتضي توحيد ~~المحبوب بالمحبة وأن لا # PageV08P222 # يشارك بينه وبين غيره فيها. فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد، جاءت ~~غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره الجليل بذبح المحبوب. فلما أقدم ~~على ذبحه، وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد، خلصت الخلة حينئذ من ~~شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة. إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم ~~وتوطين النفس فيه، فقد حصل المقصود، فنسخ الأمر، وفدي الذبيح، وصدق الخليل ~~الرؤيا، وحصل مراد الرب. ومعلوم أن هذا الامتحان والاختيار. إنما حصل عند ~~أول مولود. # ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول. بل لم يحصل عند المولود الآخر ~~من مزاحمة الخلة، ما يقتضي الأمر بذبحه. وهذا في غاية الظهور. وأيضا فإن ~~سارة امرأة الخليل غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة. فإنها كانت جارية. فلما ~~ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة. فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها ~~هاجر وابنها ويسكنها في أرض مكة، ليبرد عن سارة حرارة الغيرة. وهذا من ~~رحمته ورأفته. فكيف يأمره سبحانه بعد هذا، أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية ~~بحاله هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وخيرته لها. فكيف يأمر بعد ~~هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية؟ بل ms3910 حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد ~~السرية، فحينئذ يرق قلب الست على ولدها. وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر ~~لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا، هذه وابنها منهم، ~~ويرى عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة. وأن عاقبة صبر هاجر وابنها ~~على البعد والوحدة والغربة والتسليم، إلى ذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه، ~~من جعل آثارهما وموطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى ~~يوم القيامة. وهذا سنته تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه، أن يمن عليه بعد ~~استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين [القصص: 5] ، ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم [الحديد: 21] ، انتهى. # وقال السيوطي في (الإكليل) : واستدل بقوله تعالى بعد وبشرناه بإسحاق ~~[الصافات: 112] ، من قال إن الذبيح إسماعيل. وهو الذي رجحه جماعة. واحتجوا ~~له بأدلة. منها وصفه بالحلم وذكر البشارة بإسحاق بعده. والبشارة بيعقوب من ~~وراء إسحاق. وغير ذلك، وهي أمور ظنية لا قطعية، ثم قال: وتأملت القرآن ~~فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه- ولم أر من سبقني إلى استنباطه- وهو ~~أن البشارة وقعت مرتين. مرة في قوله تعالى: إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب ~~لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى ~~في المنام أني # PageV08P223 # أذبحك # [الصافات: 99- 102] ، فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح. ~~ومرة في قوله: وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ~~[هود: 71] الآية. فقد صرح فيها أن المبشر به إسحاق. ولم يكن بسؤال من ~~إبراهيم. بل قالت امرأته إنها عجوز. وإنه شيخ. وكان ذلك في الشام لما جاءت ~~الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في آخر أمره. أما البشارة الأولى لما انتقل ~~من العراق إلى الشام، حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله. فعلمنا ~~بذلك أنهما بشارتان في وقتين، بغلامين. أحدهما بغير سؤال، وهو إسحاق صريحا. ~~والثانية قبل ذلك بسؤال ms3911 وهو غيره. فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 114] # ولقد مننا على موسى وهارون (114) # ولقد مننا على موسى وهارون أي بالنبوة والرسالة، والاصطفاء على عالمي ~~زمانهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 115] # ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) # ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم وهو قهر فرعون لهم، بذبح الأولاد ~~ونهاية الاستعباد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 116] # ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) # ونصرناهم فكانوا هم الغالبين أي مع ضعفهم وقوة فرعون وقومه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 117] # وآتيناهما الكتاب المستبين (117) # وآتيناهما الكتاب المستبين أي البليغ في بيانه للأحكام والتشريعات، ~~والآداب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 118] # وهديناهما الصراط المستقيم (118) # وهديناهما الصراط المستقيم أي في باب الاعتقاد والمعاملات الموصل # PageV08P224 # رعايته والسلوك عليه، إلى السعادة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 119 الى # 123] # وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) وإن إلياس لمن ~~المرسلين (123) # وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين ~~إنهما من عبادنا المؤمنين وإن إلياس لمن المرسلين وهو من أنبياء بني ~~إسرائيل من بعد زمن سليمان. أرسله الله لما انتشرت الوثنية في ~~الإسرائيليين، وساعد على انتشارها بينهم ملوكهم، وبنوا لها المذابح وعبدوها ~~من دون الله تعالى، ونبذوا أحكام التوراة ظهريا. فقام إلياس عليه السلام ~~يوبخهم على ضلالهم ويدعوهم إلى التوحيد، ويسمى في التوراة (إيليا) وله نبأ ~~فيها كبير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 124] # إذ قال لقومه ألا تتقون (124) # إذ قال لقومه ألا تتقون أي عذاب الله ونقمته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 125] # أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) # أتدعون بعلا أي تعبدونه أو تطلبون الخير منه؟ وهو صنم من أصنام ~~الفينيقيين، أقاموا له ولغيره من الأوثان معابد ومذابح وكهنة، يعظمون من ~~شأنهم ويقيمون لهم المآدب والأعياد الحافلة. ويقدمون لهم ضحايا بشرية ~~وتذرون أحسن الخالقين ms3912 أي تتركون عبادته. قال القاضي: وقد أشار فيه إلى ~~المقتضي للإنكار، المعني بالهمزة. ثم صرح به بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 126 الى 127] # الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) # الله ربكم ورب آبائكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضرون أي في العذاب. # PageV08P225 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 128 الى 130] # إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ~~ياسين (130) # إلا عباد الله المخلصين أي الذين آمنوا به واتبعوه وتركنا عليه في ~~الآخرين سلام على إل ياسين بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة ب (ياسين) . ~~وقرئ آل ياسين بإضافة آل (بمعنى أهل) إليه. وكله من التصرف في العلم ~~الأصلي، الذي هو (إيليا) على قاعدة العرب في الأعلام العجمية، إذا أرادت أن ~~تلفظها في الاستعمال، وتخففها على الألسنة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 131 الى 134] # إنا كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن ~~المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) # إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وإن لوطا لمن المرسلين أي ~~للدعاء إلى الله والنهي عن الفواحش إذ نجيناه وأهله أجمعين أي من عذاب قومه ~~المنذرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 135] # إلا عجوزا في الغابرين (135) # إلا عجوزا وهي امرأته، فإنها وإن خرجت عن مكان عذابهم، كانت في الغابرين ~~أي في حكم الباقين في العذاب، لكونها على دين قومها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 136] # ثم دمرنا الآخرين (136) # ثم دمرنا # أي أهلكنا الآخرين # بجعل قريتهم عاليها سافلها، وإمطار حجارة من سجيل عليهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 137 الى 139] # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس لمن ~~المرسلين (139) # PageV08P226 # وإنكم # أي يا أهل مكة لتمرون عليهم مصبحين # وبالليل # أي فترون دائما علامات مؤاخذتهم أفلا تعقلون وإن يونس لمن المرسلين # أي إلى أهل نينوى للتوحيد، والزجر عن ارتكاب المآثم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 140] # إذ أبق ms3913 إلى الفلك المشحون (140) # إذ أبق # أي: بغير إذن ربه عن قومه المرسل إليهم إلى الفلك المشحون # أي السفينة المملوءة، ليركب منها إلى بلد آخر. روي أنه نزل من يافا وركب ~~الفلك إلى ترسيس. فهبت ريح شديدة كادت تغرقهم. فاقترعوا ليعلموا بسبب من، ~~أصابهم هذا البلاء. فوقعت على يونس. فألقوه في البحر. وهو معنى قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 141] # فساهم فكان من المدحضين (141) # فساهم # أي قارع فكان من المدحضين # أي المغلوبين بالقرعة. وأصله الزلق عن الظفر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 142] # فالتقمه الحوت وهو مليم (142) # فالتقمه الحوت أي ابتلعه وهو مليم أي آت بما يلام عليه من السفر بغير أمر ~~ربه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 143] # فلولا أنه كان من المسبحين (143) # فلولا أنه كان من المسبحين أي الذاكرين الله بالتسبيح والإنابة والتوبة، ~~في بطن الحوت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 144] # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) # للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي لكان بطنه قبرا له إلى يوم القيامة. أي ~~لكن رحمناه بتسبيحه. # PageV08P227 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 145] # فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) # فنبذناه بالعراء أي حملنا الحوت على طرحه باليبس من الشط وهو سقيم أي مما ~~ناله من هذا المحبس الذي يأخذ بالخناق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 146] # وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) # وأنبتنا عليه شجرة من يقطين أي لتقيه من الذباب والشمس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 147] # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) # وأرسلناه أي بعد ذلك، بأن أمرناه ثانية بالذهاب إلى مائة ألف أو يزيدون ~~وهم قومه المرسل إليهم، الذين أبق عن الذهاب إليهم أولا. و (أو) للإضراب. ~~أو بمعنى الواو أو للشك بالنسبة إلى مرأى الناظر. أي إذا رآها الرائي قال: ~~هي مائة ألف أو أكثر. والغرض الوصف بالكثرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 148] # فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) # فآمنوا أي ms3914 فسار إليهم ودعاهم إلى الله، وأنذرهم عذابه إن يرجعوا عن الكفر ~~والغي والضلال والفساد والإفساد. فأشفقوا من إنذاره واستكانوا لدعوته ~~وآمنوا معه فمتعناهم إلى حين أي حين انقضاء آجالهم بالعيش الهني والمقام ~~الأمين، ببركة الإيمان والعمل الصالح. وإنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم ~~به سائر القصص من قوله: وتركنا عليه إلخ اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل ~~المذكورين في آخر السورة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 149] # فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) # فاستفتهم أي قريشا المنذرين بأنباء الرسل وقومهم ألربك البنات ولهم ~~البنون # PageV08P228 # أي سلهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها. جعلوا لله الإناث ولأنفسهم ~~الذكور، في قولهم (الملائكة بنات الله) مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم ~~واستنكافهم من ذكرهن. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 150] # أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) # أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون أي حاضرون، حتى فاهوا بتلك العظيمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 151 الى 152] # ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله أي صدر منه الولد. مع أن الولادة من ~~خواص الأجسام القابلة للفساد وإنهم لكاذبون أي في مقالتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 153] # أصطفى البنات على البنين (153) # أصطفى البنات أي اختار الإناث على البنين أي الذكور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 154] # ما لكم كيف تحكمون (154) # ما لكم أي: أي شيء عرض لعقولكم كيف تحكمون بنسبة الناقص إلى المقام ~~الأعلى، وتخيركم الكامل. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: قال قلت: أصطفى البنات بفتح الهمزة، استفهام على طريق ~~الإنكار والاستبعاد، فكيف صحت قراءة أبي جعفر بكسر الهمزة على الإثبات؟ # قلت: جعله من كلام الكفرة، بدلا عن قولهم ولد الله وقد قرأ بها حمزة ~~والأعمش رضي الله عنهما. وهذه القراءة، وإن كان هذا محملها، فهي ضعيفة. # والذي أضعفها أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها. وذلك قوله ~~وإنهم لكاذبون وما لكم كيف تحكمون فمن جعلها ms3915 للإثبات، فقد أوقعها دخيلة بين ~~نسيبين. انتهى. # PageV08P229 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 155] # أفلا تذكرون (155) # أفلا تذكرون أي أنه منزه عن ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 156] # أم لكم سلطان مبين (156) # أم لكم سلطان مبين أي حجة واضحة وبرهان قاطع. ثم لا يجوز أن يكون ذلك ~~عقليا، لاستحالته عند الفعل. فغايته أن يكون مأثورا عن أسفار مقدسة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 157] # فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # فأتوا بكتابكم # أي المسطور فيه ذلك عن وحي سماوي إن كنتم صادقين # أي في دعواكم. وهذا كقوله تعالى: أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون [الروم: 35] ، وفيه إشعار بأن المدار في الدعوى على ~~البرهان البين. وأنها بدونه لا يقام لها وزن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 158] # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا أي قربا منه. قال مجاهد: قال المشركون: # الملائكة بنات الله تعالى. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فمن أمهاتهن؟ ~~قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة وابن زيد. ثم أشار إلى أن لا نسبة ~~تقتضي النسب بوجه ما. عدا عن استحالة ذلك عقلا، بقوله: ولقد علمت الجنة أي ~~المنسوب إليهم هذا النسب إنهم لمحضرون أي في النار يوم القيامة. لكون الجنة ~~كالجن، علما في الأغلب للفرقة الفاسقة عن أمر ربها من عالم الشياطين. أي: ~~فالمنسوب إليهم يتبرؤون من هذه النسبة، لما يعلمون من أنفسهم أنهم من أهل ~~السعير، لا من عالم الأرواح الطاهرة، فما بال هؤلاء المشركين يهرفون بما لا ~~يعرفون؟ وفسر بعضهم (الجنة) بالملائكة المحدث عنها قبل. والضمير في (إنهم) ~~للكفرة. ولعل ما ذكرناه أولى، لخلوه عن تشتيت الضمائر، ولموافقته للأغلب من ~~استعمال الجن والجنة. # PageV08P230 # وذلك فيما عدا الملائكة. وقلنا (الأغلب) لما سمع من إطلاق الجن في ~~الملائكة. # قال الأعشى يذكر سليمان عليه السلام: # وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون محاربا # وقال الراغب: الجن ms3916 يقال على وجهين: أحدهما للروحانيين المستترة عن الحواس ~~كلها، بإزاء الإنس. فعلى هذا تدخل فيه الملائكة. وقيل: بل الجن بعض ~~الروحانيين. وذلك أن الروحانيين ثلاثة: أخيار وهم الملائكة. وأشرار وهم ~~الشياطين. وأوساط فيهم أخيار وأشرار، وهم الجن، ويدل على ذلك قوله تعالى: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن [الجن: 1] إلى قوله تعالى: ومنا ~~القاسطون [الجن: 14] . انتهى. # ورد إطلاق الجن على الملائكة العلامة الفاسي في شرحه على (القاموس) فقال: ~~تفسير الجن بالملائكة مردود. إذ خلق الملائكة من نور لا من نار كالجن. # والملائكة معصومون. ولا يتناسلون ولا يتصفون بذكورة وأنوثة، بخلاف الجن. # ولهذا قال الجماهير: الاستثناء في قوله تعالى: إلا إبليس [البقرة: 34] ، ~~منقطع أو متصل. لكونه كان مغمورا فيهم، متخلقا بأخلاقهم. انتهى. وهو يؤيد ~~ما ذهبنا إليه. وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه. لأن سليمان لم تسخر ~~الملائكة لتشيد له المباني. وليس ذلك من عملهم عليهم السلام. وقد مر الكلام ~~على ذلك في تفسير سورة (سبأ) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 159] # سبحان الله عما يصفون (159) # سبحان الله عما يصفون أي من الولد والنسب. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 160] # إلا عباد الله المخلصين (160) # إلا عباد الله المخلصين استثناء من (المحضرين) الذين هم الجنة، متصل على ~~القول الأول، أي المؤمنين منهم. ومنقطع على الثاني. أو استثناء منقطع من ~~(واو) يصفون. هذا، وبقي وجه في الآية لم يذكروه. وهو أن يراد بالنسب ~~المناسبة والمشاكلة في العبادة. ويراد بالجنة الملائكة. ويكون المراد من ~~الآية الإخبار عمن # PageV08P231 # عبد الملائكة من العرب وجعلوهم ندا ومثلا له تعالى، وحكاية لضلال آخر ~~لهم، غير ضلال دعواهم، أنهم بنات الله سبحانه، من عبادتهم له. مع أنهم ~~عليهم السلام يعلمون أن هؤلاء الضالين محضرون في العذاب. والآية في هذا ~~كآية ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: ~~40- 41] ، وكان السياق من هنا إلى آخر، ms3917 كالسياق في طليعة السورة. كله في ~~تقرير عبودية الملائكة له تعالى، وكونها من مخلوقاته الصافة لعبادته، فإنى ~~تستحق الربوبية؟ والله أعلم. وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 161] # فإنكم وما تعبدون (161) # فإنكم وما تعبدون عود إلى خطابهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 162] # ما أنتم عليه بفاتنين (162) # ما أنتم عليه بفاتنين أي مفسدين أحدا بالإغواء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 163] # إلا من هو صال الجحيم (163) # إلا من هو صال الجحيم أي ضال مثلكم. مستوجب للنار، قال ابن جرير: # يقول تعالى ذكره: فإنكم أيها المشركون بالله وما تعبدون من الآلهة ~~والأوثان ما أنتم عليه بفاتنين أي ما أنتم على ما تعبدون من دون الله ~~بمضلين أحدا، إلا من هو صال الجحيم أي من سبق في علمي أنه صال الجحيم. وقد ~~قيل: إن معنى (عليه) به. انتهى. # ثم بين تعالى اعتراف الملائكة بالعبودية، للرد على عبدتهم، بقوله حاكيا ~~عنهم: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 164] # وما منا إلا له مقام معلوم (164) # وما منا إلا له مقام معلوم أي في العبودية وتسخيره فيما يريده تعالى منه. ~~لا # PageV08P232 # يتعدى فيه طوره، ولا يجاوز منه قدره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 165] # وإنا لنحن الصافون (165) # وإنا لنحن الصافون أي في أداء الطاعة ومنازل الخدمة التي نؤمر بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 166] # وإنا لنحن المسبحون (166) # وإنا لنحن المسبحون أي المنزهون الله عما يصفه به الملحدون. أو المصلون ~~له خشوعا لعظمته، وتواضعا لجلاله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 167] # وإن كانوا ليقولون (167) # وإن كانوا ليقولون أي مشركو قريش. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 168] # لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) # لو أن عندنا ذكرا من الأولين أي كتابا من الكتب التي نزلت عليهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 169] # لكنا عباد الله المخلصين (169) # لكنا عباد الله المخلصين أي لأخلصنا العبادة له. فجاءهم الذكر الذي ms3918 هو ~~سيد الأذكار، والكتاب الذي هو أهدى الكتب والمعجز من بينها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 170] # فكفروا به فسوف يعلمون (170) # فكفروا به فسوف يعلمون أي عاقبة كفرهم. وهذا كقوله تعالى وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم إلا نفورا [فاطر: 42] . وقوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على # PageV08P233 # طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل ~~علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ~~ممن كذب بآيات الله وصدف عنها # [الأنعام: 156- 157] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 171] # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أي وعدنا لهم الأزلي، وهو: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 172 الى 173] # إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) # إنهم لهم المنصورون وإن جندنا أي الرسل ومن آمن معهم هم الغالبون # أي الظاهرون على أعدائهم، والمالكون لنواصيهم كقوله تعالى: كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز [المجادلة: 21] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 174] # فتول عنهم حتى حين (174) # فتول عنهم أي أعرض عنهم إعراض الصفوح الحليم عمن ينال منه. كقوله تعالى: ~~ودع أذاهم [الأحزاب: 48] ، وقوله: فاصفح الصفح الجميل [الحجر: 85] ، حتى ~~حين أي إلى استقرار النصر لك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 175] # وأبصرهم فسوف يبصرون (175) # وأبصرهم أي بصرهم وعرفهم عاقبة البغي والكفر، وما نزل بمن أنذر قبلهم، أو ~~أوضح لهم الدلائل والحجج في مجاهدتك إياهم بالقرآن والوحي. فإن لم يبصروا ~~الآن، فسوف يبصرون أي ما قضينا لك من التأييد والنصرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 176] # أفبعذابنا يستعجلون (176) # أفبعذابنا يستعجلون أي قبل حلول أجله، وإنه لآت، لأنه يوم الفتح الموعود ~~به. # PageV08P234 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية # 177] # فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) # فإذا نزل بساحتهم أي بقربهم وفنائهم فساء صباح المنذرين أي ms3919 فبئس الصباح ~~صباح من أنذرتهم بالرسل فلم يؤمنوا. لأنه يوم هلاكهم ودمارهم. قال ~~الزمخشري: مثل العذاب النازل بهم، بعد ما أنذروه فأنكروه، بجيش أنذر بهجومه ~~بعض نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم، ولا دبروا أمرهم ~~تدبيرا ينجيهم، حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة، وقطع دابرهم. ~~وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحا. فسميت الغارة (صباحا) وإن وقعت في ~~وقت آخر. وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك ~~موردها على نفسك وطبعك، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل. انتهى. أي فهي ~~استعارة تمثيلية. أو في الضمير استعارة مكنية، والنزول تخييلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : الآيات 178 الى 179] # وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) # وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون قال الزمخشري: إنما ثنى ذلك ليكون ~~تسلية علي تسلية، وتأكيدا لوقوع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة. وهي ~~إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول. وإنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط ~~به من الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب ~~الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 180] # سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) # سبحان ربك رب العزة أي المنعة والقدرة والغلبة عما يصفون أي من الشريك ~~والولد ونحوهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 181] # وسلام على المرسلين (181) # وسلام على المرسلين أي سلام وأمان وتحية على المرسلين المبلغين رسالات ~~ربهم. # PageV08P235 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصافات (37) : آية 182] # والحمد لله رب العالمين (182) # والحمد لله رب العالمين أي على نعمه، التي أجلها إرسال الرسل لإظهار ~~أسمائه الحسنى وشرائعه العليا، وإصلاح الأولى والأخرى. ### | فوائد في خواتم هذه السورة: # الأولى- روى ابن جرير عن الوليد بن عبد الله قال: كانوا لا يصفون في ~~الصلاة حتى نزلت وإنا لنحن الصافون فصفوا. وقال أبو نضرة: كان عمر رضي الله ~~عنه إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: أقيموا صفوفكم، استقيموا ~~قياما، يريد الله بكم هدى الملائكة. ثم ms3920 يقول: وإنا لنحن الصافون تأخر يا ~~فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. # وفي صحيح مسلم «1» عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا ~~الأرض مسجدا. وتربتها لنا طهورا. # الثانية- # روى الشيخان «2» عن أنس رضي الله عنه قال: صبح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خيبر. فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: ~~محمد والله! محمد والخميس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر خربت ~~خيبر (إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) # . دل تمثله صلى الله عليه وسلم بالآية على شمولها لعذاب الدنيا، أولا ~~وبالذات. # الثالثة- قال ابن كثير: لما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من ~~النقص، بدلالة المطابقة. ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل على إثبات ~~صفات الكمال المطلق مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص- قرن بينهما في هذا ~~الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن. ولهذا قال تبارك وتعالى: سبحان ربك ~~الآيات. # الرابعة- # روى ابن حاتم عن الشعبي مرسلا: من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى ~~PageV08P236 # من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه، حين يريد أن يقوم: سبحان ربك ~~الآيات. # وروي أيضا عن علي موقوفا. # وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم مرفوعا: من قال دبر كل صلاة سبحان ربك ~~الآيات، ثلاث مرات، فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر. # وقد بين الرازي أن خاتمة هذه السورة الشريفة جامعة لكل المطالب العالية. # فارجع إليه. # PageV08P237 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ص # مكية. وقيل: مدنية وضعف وآياتها ثمان وثمانون. # PageV08P238 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) # ص بالسكون على الوقف. وقرئ بالكسر والفتح. اسم للسورة، على القول المتجه ~~عندنا فيه وفي نظائره. لما قدمنا غير ما مرة. وقيل: قسم رمزي، وإليه نحا ~~المهايمي. قال: أقسم الله سبحانه وتعالى بصدق محمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~اعترف به الكل في غير دعوى النبوة، حتى صدقه ms3921 أهل الكتابين في إخباره عن ~~الغيوب، الدال على الصدق في دعوى النبوة. أو بصفائه عن رذائل الأخلاق ~~وقبائح الأفعال الدال على صفائه عن نقيصة الكذب. أو بصعوده في مدارج ~~الكمالات، الدال على صعوده في مدارج القرب من الله- أو بصبره الكامل هو ~~لوازم الرسالة على أنه رسوله. انتهى. # والقرآن ذي الذكر أي الشرف الدال على حقيقته وصدقه. أو التذكير، كآية لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم [الأنبياء: 10] ، والجواب محذوف لدلالة ~~السياق عليه. أي إنه لحق. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 2] # بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) # بل الذين كفروا في عزة أي كبر وشقاق أي عداوة للحق والإذعان له. # إضراب عما قبله. كأنه قيل: لا ريب فيه قطعا. وليس عدم إيمان الكفرة به ~~لشائبة ريب مما فيه. بل هم في حمية جاهلية وشقاق بعيد لله ولرسوله. ولذلك ~~لا يذعنون له. وقيل: الجواب ما دل عليه الجملة الإضرابية. أي ما كفر به من ~~كفر لخلل وجده فيه. بل الذين كفروا في عزة وشقاق ثم أوعدهم على شقاقهم ~~بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 3] # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) # PageV08P239 # كم أهلكنا من قبلهم من قرن أي لكبرهم عن الحق، ومعاداتهم لأهله فنادوا أي ~~فدعوا واستغاثوا ولات حين مناص أي وليس الحين حين فرار ومهرب ومنجاة. ~~والكلام على (لات) وأصلها وعملها والوقف عليها، ووصل التاء بها أو فصلها ~~عنها، مبسوط في مطولات العربية، وفي معظم التفاسير هنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 4 الى 5] # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) # وعجبوا أن جاءهم منذر أي رسول منهم أي من أنفسهم. يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب أي بليغ في العجب. وذلك لتمكن تقليد آبائهم في نفوسهم، ورسوخه في ~~أعماق قلوبهم. ومضي قرون عديدة ms3922 عليه، وإلفهم به وأنسهم له، حتى ران على ~~قلوبهم، وغشي على أبصارهم، ونسي باب النظر والاستدلال. بل محي بالكلية من ~~بينهم. # وصار عندهم من أبطل الباطل وأمحل المحال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 6] # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) # وانطلق الملأ منهم أي الأشراف من قريش يحضون بعضهم على التمسك بالوثنية، ~~ويتواصون بالصبر على طغيانهم قائلين أن امشوا أي في طريق آبائكم واصبروا ~~على آلهتكم أي عبادتها مهما سمعتم من تسفيه أحلامنا وتفنيد مزاعمنا إن هذا ~~لشيء يراد تعليل للأمر بالصبر. أي يراد منا إمضاؤه وتفنيده لا محالة. أي ~~يريده محمد من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان. # أو المعنى: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد منا. أي بنا. فلا ~~انفكاك لنا عنه. # وما لنا إلا الاعتصام عليه بالصبر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 7] # ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) # ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة أي ما سمعنا بهذا التوحيد الذي ندعى إليه ~~في ملة النصارى. لأنهم مثلثة غير موحدة. أو في ملة قريش التي أدركنا عليها ~~آباءنا # PageV08P240 # إن هذا إلا اختلاق أي ما هذا التوحيد إلا فرية محضة، لا مستند له سوى هذا ~~الذكر بزعمهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 8] # أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) # أأنزل عليه الذكر من بيننا أي مع أن فينا من هو أثرى وأعلى رئاسة. قال ~~الزمخشري: أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وينزل عليه ~~الكتاب من بينهم كما قالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~[الزخرف: 31] ، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد، على ~~ما أوتي من شرف النبوة من بينهم بل هم في شك من ذكري إضراب عن مقدر. أي: ~~إنكارهم للذكر ليس عن علم، ms3923 بل هم في شك منه. يقولون في أنفسهم: # إما وإما بل لما يذوقوا عذاب أي على الإنكار. فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم ~~من الشك والحسد، وصدقوا وتصديقهم لا ينفعهم حينئذ لأنهم صدقوا مضطرين. # قال الناصر في (الانتصاف) : ويؤخذ منه أن (لما) لائقة بالجواب. وإنما ~~ينفى بها فعل يتوقع وجوده. كما يقول سيبويه. وفرق بينها وبين (لم) بأن (لم) ~~نفي لفعل يتوقع وجوده لم يقبل مثبته (قد) . و (لما) نفي لما يتوقع وجوده ~~أدخل على مثبته (قد) . # وقال: وإنما ذكرت ذلك لأني حديث عهد بالبحث في قوله عليه الصلاة والسلام: ~~الشفعة فيما لم يقسم. فإني استدللت به على أن الشفعة خاصة بما يقبل القسمة. ~~فقيل لي: إن غايته أنه أثبت الشفعة فيما نفى عنه القسمة. فإما لأنها لا ~~تقبل قسمة. وإما أنها تقبل ولم تقع القسمة، فأبطلت ذلك بأن آلة النفي ~~المذكورة (لم) ومقتضاها، قبول المحل الفعل المنفي وتوقع وجوده. ألا تراك ~~تقول: الحجر لا يتكلم. ولو قلت: الحجر لم يتكلم. لكان ركيكا من القول، ~~لإفهامه قبوله للكلام. # انتهى. وهو لطيف جيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 9] # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب أي حتى يتخيروا للنبوة ما تهوى ~~أنفسهم. كلا وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] ، ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] . # PageV08P241 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 10] # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب أي فليصعدوا ~~في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليتحكموا بما شاءوا في الأمور ~~الربانية والتدابير الإلهية. # روى ابن جرير بسنده عن الربيع بن أنس قال: الأسباب أدق من الشعر وأشد من ~~الحديد. وهو بكل مكان. غير أنه لا يرى. انتهى. # وهذا البيان ينطبق على ما يعرف به الأثير الموجود في أجزاء الخلاء ~~المظنون أنها فارغة. فتأمل. # ثم قال ابن جرير: وأصل السبب عند العرب، ms3924 كل ما تسبب به إلى الوصول إلى ~~المطلوب من حبل أو وسيلة، أو رحم أو قرابة أو طريق أو محجة، وغير ذلك. ~~انتهى. # وقال المهايمي: أي فليصعدوا في الأسباب التي هي معارج الوصول إلى العرش، ~~ليستووا عليه، فيدبروا العالم وينزلوا الوحي على من شاءوا. وأنى لهم ذلك؟؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 11] # جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) # جند ما أي هم جند حقير هنالك مهزوم من الأحزاب أي الذين كانوا يتحزبون ~~على الأنبياء قبلك. وأولئك قد قهروا وأهلكوا. وكذا هؤلاء. فلا تبال بما ~~يقولون ولا تكترث لما به يهذون. وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من ~~الانتداب لمثل هذا القول، فهو مجاز. وجوز أن يكون حقيقة، للإشارة إلى مكان ~~قولهم وهو مكة. قال قتادة: وعده الله وهو بمكة يومئذ، أنه سيهزم جندا من ~~المشركين. فجاء تأويلها يوم بدر. وقال ابن كثير: هذه الآية كقوله جلت عظمته ~~أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر [القمر: 44- 45] . # وكان ذلك يوم بدر. وفي الآية أوجه من الإعراب أشار له السمين بقوله: جند ~~يجوز فيه وجهان: أحدهما- وهو الظاهر- أنه خبر مبتدأ. أي هم جند. وما فيها ~~وجهان، أحدهما- أنها مزيدة. والثاني أنها صفة ل (جند) على سبيل التعظيم، ~~للهزء بهم، أو للتحقير. فإن (ما) إذا كانت صفة تستعمل لهذين المعنيين. # PageV08P242 # وهنالك يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها- أن يكون خبرا ل (جند) و (ما) مزيدة ~~ومهزوم نعت ل (جند) . الثاني- أن يكون صفة ل (جند) . الثالث- أن يكون ~~منصوبا ب (مهزوم) . ومهزوم يجوز فيه أيضا وجهان: أحدهما- أنه خبر ثان لذلك ~~المبتدأ المقدر، والثاني أنه صفة ل (جند) . وهنالك مشار به إلى موضع ~~التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة، وهو مكة. أي سيهزمون بمكة. وهو إخبار ~~بالغيب. وقيل: مشار به إلى نصرة الإسلام. وقيل: إلى حفر الخندق، يعني إلى ~~مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين أن يكون (جند) مبتدأ و (ما) مزيدة ~~وهنالك نعت ومهزوم خبره. وفيه بعد، لتفلته عن الكلام الذي قبله. انتهى. ### | فائدة: # روى ابن ms3925 عباس في هذه الآية أنه لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش ~~فيهم أبو جهل. فقالوا إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل. ويقول ويقول. ~~فلو بعثت إليه فنهيته! فبعث إليه. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ~~البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل. قال فخشي أبو جهل لعنه الله. إن ~~جلس إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس. ولم ~~يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه. فجلس عند الباب، فقال له ~~أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك! يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول ~~وتقول. قال، وأكثروا عليه من القول. # وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عم إني أريدهم على كلمة ~~واحدة يقولونها. تدين لهم بها العرب. وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا ~~لكلمته ولقوله. فقال القوم: # كلمة واحدة؟ نعم، وأبيك عشرا. فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة ~~هي يا ابن أخي؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله. فقاموا فزعين ~~ينفضون ثيابهم وهم يقولون: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ونزلت الآية. رواه ابن جرير ~~والإمام أحمد والنسائي، والترمذي # وحسنه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 12] # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) # كذبت قبلهم أي قبل قريش قوم نوح وعاد وهم قوم هود وفرعون ذو الأوتاد أي ~~الملك الثابت. وأصله البيت المطنب، أي المربوطة أطنابه- أي حباله- بأوتاده. ~~استعير للملك استعارة تصريحية. وصف به فرعون مبالغة بجعله عين ملكه. أو شبه ~~فرعون في ثبات ملكه بذي بيت ثابت أقيم عموده وثبتت أوتاده. على # PageV08P243 # طريق الاستعارة المكنية. وأثبت له ما هو من خواصه تخييلا، وهو قوله: ذو ~~الأوتاد فإنه لازم له. أو هو كناية. حيث أطلق اللازم وأريد الملزوم وهو ~~الملك الثابت. وقد جاء هذا في قول الأسود من شعراء الجاهلية: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد # أو ms3926 المعنى: ذو الجموع الكثيرة. سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا، كالوتد يشد ~~البناء. فالاستعارة تصريحية في الأوتاد. أو هو مجاز مرسل للزوم الأوتاد ~~للجند. # أو هو على حقيقته والمراد المباني العظيمة والهياكل الثابتة الفخيمة. ~~واللفظ صادق في الكل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 13] # وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) # وثمود وهم قوم صالح وقوم لوط وأصحاب الأيكة أي الغيضة، وهم قوم شعيب ~~أولئك الأحزاب أي الكفار المتحزبون على رسلهم، الذين جعل الجند المهزوم ~~منهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 14] # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب أي فوجبت عليهم عقوبتي. قال الشهاب: إن ~~نافية وكل محذوف الخبر. والتفريغ من أعم العام. أي ما كل أحد مخبر عنه ~~بشيء، إلا مخبر عنه بأنه كذب جميع الرسل، لأن الرسل يصدق كل منهم الكل. ~~فتكذيب واحد منه تكذيب للكل. أو على أنه من مقابلة الجمع بالجمع. فيكون كل ~~كذب رسوله. أو الحصر مبالغة. كأن سائر أوصافهم بالنظر إليه، بمنزلة العدم. ~~فهم غالون فيه. انتهى. # وقال الزمخشري: وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في ~~تكريره بالجملة الخبرية أولا، والاستثنائية ثانيا. وما في الاستثنائية من ~~الوضع على وجه التوكيد والتخصيص- أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق ~~أشد العقاب وأبلغه. # وزاد الناصر فائدة أخرى للتكرير. وهي أن الكلام لما طال بتعديد آحاد # PageV08P244 # المكذبين، ثم أريد ذكر ما حاق بهم من العذاب جزاء لتكذيبهم، كرر ذلك ~~مصحوبا بالزيادة المذكورة، ليلى قوله تعالى: فحق عقاب على سبيل التطرية ~~المعتادة عند طول الكلام. وهو كما قدمته في قوله: وكذب موسى [الحج: 44] ، ~~حيث كرر الفعل ليقترن بقوله: فأمليت للكافرين [الحج: 44] . انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 15] # وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) # وما ينظر هؤلاء أي أهل مكة إلا صيحة واحدة أي أخذة واحدة بعذاب بئيس. ~~يقال: صاح الزمان بهم، إذا هلكوا. كما قال: # صاح الزمان بآل برمك ms3927 صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان # وأصله من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم ما لها من فواق أي من ~~توقف مقدار فواق. وهو ما بين الحلبتين. أو رجوع وترداد. فإنه فيه يرجع ~~اللبن إلى الضرع ف (فواق) إما بحذف مضافين أو مجاز مرسل بذكر الملزوم ~~وإرادة لازمه. # وقرئ بالضم. وهما لغتان. وقيل: المفتوح اسم مصدر من (أفاق المريض) إفاقة ~~وفاقة، إذا رجع إلى الصحة. والمضموم اسم ساعة رجوع اللبن للضرع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 16] # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا أي نصيبنا من العذاب الذي وعدته. كقوله تعالى: # ويستعجلونك بالعذاب [الحج: 47] و [العنكبوت: 53 و 54] ، قبل يوم الحساب ~~أي الجزاء. وقولهم ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية. كما قص عنهم نظائره في ~~عدة آيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 17] # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) # اصبر على ما يقولون أي فقد وعدت بالنصر والظفر والملك والتأييد، كما أوتي ~~داود عليه السلام، مما سارت به الأمثال ولذا قال تعالى: واذكر عبدنا داود ~~ذا الأيد أي: القوة. أي: الاجتهاد في أداء الأمانة والتشدد في القيام ~~بالدعوة ومجانبة إظهار الضعف والوهن إنه أواب أي رجاع إليه تعالى بالإنابة ~~والخشية والعبادة والصيام. # PageV08P245 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 18 الى 19] # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له ~~أواب (19) # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن أي تبعا لتسبيحه بالعشي والإشراق والطير ~~محشورة أي مجموعة عنده يسبحن معه كل له أي لله تعالى أواب أي مطيع منقاد. ~~يرجع بتسبيحه وتقديسه إليه. # قال ابن كثير: أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر ~~النهار. كما قال عز وجل: يا جبال أوبي معه والطير [سبأ: 10] ، وكذلك كانت ~~الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء، ~~فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب. بل يقف في ms3928 الهواء ويسبح ~~معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه، وتسبح تبعا له. انتهى. أي بأن خلق ~~فيها حياة ونطقا. # أو كان له عليه السلام من شدة صوته الحسن دوي في الجبال. وحنين من الطيور ~~إليه، وترجيع. وقد عهد من الطير القمري أنه ينتظر سكتة المصوت والقارئ بصوت ~~حسن أو المنشد، فيجيبه، والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 20] # وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # وشددنا ملكه أي قويناه بوفرة العدد والعدد ونفوذ السلطة وإمداده بالتأييد ~~والنصر وآتيناه الحكمة أي النبوة أو الكلام المحكم المتضمن للمواعظ ~~والأمثال والحض على الآداب ومكارم الأخلاق. وكان زبوره عليه السلام، كله ~~حكما غررا وفصل الخطاب أي فصل الخصام بتمييز الحق من الباطل، ورفع الشبه، ~~وإقامة الدلائل. وكان يقيم بذلك العدل الجالب محبة الخلائق، ولا يخالفه أحد ~~من أقاربه ولا من الأجانب. ثم ذكر تعالى من حكمته عليه السلام وقضائه ~~الفصل، وشدة خوفه وخشيته مع ذلك، ما قصه بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 21] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب أي ولجوه. و (المحراب) مقدم كل بيت ~~وأشرفه. # PageV08P246 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 22] # إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم ~~بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) # إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف أي منا. فلسنا فاتكين وإنما ~~نحن خصمان أي شخصان متخاصمان تحاكمنا إليك بغى بعضنا على بعض أي تعدى فاحكم ~~بيننا بالحق أي بما يطابق أمر الله ولا تشطط أي ولا تبعد عن الحق أو تجاوزه ~~واهدنا إلى سواء الصراط أي بحيث لا تميل عن الحق أصلا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 23] # إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب (23) # إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة أي أنثى من الضأن ولي نعجة واحدة ms3929 أي فلم ~~ينظر إلى غناه عنها، ولا إلى افتقاري إليها، بل أراد التغلب علي فقال ~~أكفلنيها أي: ملكنيها. بمعنى اجعلني كافلها كما أكفل ما تحت يدي. أو بمعنى ~~اجعلها كفلي أي نصيبي: وعزني في الخطاب أي غلبني في المكالمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 24 الى 25] # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب (25) # قال أي داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك أي طلب نعجتك التي أنت أحوج إليها ~~ليضمها إلى نعاجه أي مع استغنائه عن هذا الضم وإن كثيرا من الخلطاء أي ~~الإخوان الأصدقاء المتخالطين في شؤونهم ليبغي بعضهم على بعض أي بغي ~~الأعداء. مع أن واجب حقهم النصفة على الأقل. إن لم يقوموا بفضيلة الإيثار ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي فإنهم لا يبغون وقليل ما هم أي وهم ~~قليل. و (ما) مزيدة للإبهام والتعجيب من قلتهم. # قال الشهاب: فيه مبالغة من وجوه: وصفهم بالقلة، وتنكير (قليل) وزيادة ~~(ما) الإبهامية. والشيء إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه. فكأنه قيل: ما ~~أقلهم. # PageV08P247 # وفي قضائه عليه السلام هذا، من الحكمة وفصل الخطاب ما يهيج الأفئدة ويقر ~~عين المغبون. ذلك أنه صدع بالحق أبلغ صدع. فجهر بظلم خصمه وبغيه جهرا لا ~~محاباة فيه ولا مواربة فأقر عين المظلوم. وعرف الباغي ظلمه وحيفه، وأن سيف ~~العدل والإنصاف فوقه. ثم نفس عن قلب المظلوم البائس. وروح عن صدره بذكر ما ~~عليه الأكثر من هذه الخلة- خلة البغي وعدم الإنصاف- مع الخلطة والخلة، ~~ليتأسى ويتسلى كما قيل (إن التأسي روح كل حزين) ثم أكد الأمر بقلة القائمين ~~بحقوق الأخوة، ممن آمن وعمل صالحا، فكيف بغيرهم؟. وكلها حكم وغرر ودرر، ~~حقائق تنطبق على أكثر هذا السواد الأعظم من الناس، الذين يدعون المحبة، ~~والصداقة. ولعظم شأن حقوق المحبة أسهب في آدابها علماء ms3930 الأخلاق، إسهابا ~~نوعوا فيه الأبواب، ولونوا فيه الفصول، ومع ذلك لا تزال الشكوى عامة. وقد ~~امتلأت من منظومها ومنثورها كتب الأدب، كما لا يخفى على من له إلمام به. ~~وبالله التوفيق وظن داود أنما فتناه أي ابتليناه بتلك الحكومة فاستغفر ربه ~~وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك أي ما استغفر منه وإن له عندنا لزلفى أي ~~لقربا وحسن مآب أي مرجعا حسنا وكرامة، في الآخرة. ### | تنبيهات: # الأول- للمفسرين في هذا النبأ أقوال عديدة ووجوه متنوعة. مرجعها إلى ~~مذهبين: مذهب من يرى أنها تشير تعريضا إلى وزر ألم به داود عليه السلام ثم ~~غفر له، ومذهب من يرى أنها حكومة في خصمين لا إشعار لها بذلك. فممن ذهب إلى ~~الأول ابن جرير. فإنه قال: هذا مثل ضربه الخصم المتسورون على داود محرابه. # وذلك أن داود كانت له، فيما قيل، تسع وتسعون امرأة. وكانت للرجل الذي ~~أغزاه حتى قتل امرأة واحدة، فلما قتل نكح، فيما ذكر، داود امرأته، ثم لما ~~قضى للخصمين بما قضى، علم أنه ابتلي. فسأل غفران ذنبه وخر ساجدا لله وأناب ~~إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته. هذا ما قاله ابن جرير. ثم أسند قصته مطولة من ~~روايات عن ابن عباس والسدي وعطاء والحسن وقتادة ووهب ومجاهد. ومن طريق عن ~~أنس مرفوعا. ويشبه سياق بعضها ما ذكر في التوراة المتداولة الآن قال ~~السيوطي في (الإكليل) : القصة التي يحكونها في شأن المرأة، وأنها أعجبته، ~~وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل، أخرجها ابن أبي حاتم من حديث أنس ~~مرفوعا. وفي إسناده ابن لهيعة، وحاله معروف، عن ابن صخر عن يزيد الرقاشي ~~وهو ضعيف. وأخرجها من حديث ابن عباس موقوفا. انتهى. # PageV08P248 # أقول: أما المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فلم يأت من طريق ~~صحيح، وأما الموقوف من ذلك على الصحب والأتباع رضي الله عنهم، فمعولهم في ~~ذلك ما ذكر في التوراة من هذا النبأ، أو الثقة بمن حكى عنها. وينبني على ~~ذلك ذهابهم إلى تجويز مثل هذا على الأنبياء. وقد ms3931 ذهبت طائفة إلى تجويز ما ~~عدا الكذب في التبليغ. # كما فصل في مطولات الكلام. # قال ابن حزم رحمه الله: وهو قول الكرامية من المرجئة. وابن الطيب ~~الباقلاني من الأشعرية، ومن اتبعه. وهو قول اليهود والنصارى. ثم رد هذا ~~القول، رحمه الله، ردا متينا. # وأما المذهب الثاني، فهو ما جزم به ابن حزم في (الفصل) وعبارته: ما حكاه ~~تعالى عن داود عليه السلام قوله صادق صحيح، لا يدل على شيء مما قاله ~~المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولدها اليهود. وإنما كان ذلك الخصم ~~قوما من بني آدم، بلا شك، مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم. بغى ~~أحدهما على الآخر على نص الآية. ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر ~~النساء، فقد كذب على الله عز وجل، وقوله ما لم يقل، وزاد في القرآن ما ليس ~~فيه، وكذب الله عز وجل وأقر على نفسه الخبيثة، أنه كذب الملائكة. لأن الله ~~تعالى يقول: # وهل أتاك نبأ الخصم فقال هو: لم يكونوا قط خصمين، ولا بغى بعضهم على بعض، ~~ولا كان قط لأحدهما تسع وتسعون نعجة، ولا كان للآخر نعجة واحدة، ولا قال له ~~أكفلنيها فاعجبوا. لم يقحمون فيه الباطل أنفسهم؟ ونعوذ بالله من الخذلان، ~~ثم كل ذلك بلا دليل، بل الدعوى المجردة. وتالله! إن كل امرئ منا ليصون نفسه ~~وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره، ثم يعرض زوجها للقتل عمدا، ~~ليتزوجها. # وعن أن يترك صلاته لطائر يراه. هذه أفعال السفهاء المتهوكين الفساق ~~المتمردين. لا أفعال أهل البر والتقوى. فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي أوحى إليه كتابه وأجرى على لسانه كلامه؟ لقد نزهه الله عز وجل عن أن ~~يمر مثل هذا الفحش بباله. فكيف أن يستضيف إلى أفعاله؟ وأما استغفاره وخروره ~~ساجدا، ومغفرة الله له، فالأنبياء عليهم السلام أولى الناس بهذه الأفعال ~~الكريمة. والاستغفار فعل خير لا ينكر من ملك ولا من نبي. ولا من مذنب ولا ~~من غير مذنب. فالنبي يستغفر الله لمذنبي أهل الأرض. # والملائكة كما قال ms3932 الله تعالى: ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم [غافر: 7] . # وأما قوله تعالى عن داود عليه السلام وظن داود أنما فتناه وقوله تعالى: ~~فغفرنا # PageV08P249 # له ذلك # فقد ظن داود عليه السلام أن يكون ما آتاه الله عز وجل من سعة الملك ~~العظيم فتنة. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» يدعو في أن يثبت ~~الله قلبه على دينه، فاستغفر الله تعالى من هذا الظن، فغفر الله تعالى له ~~هذا الظن. إذ لم يكن ما آتاه الله من ذلك فتنة. انتهى كلام ابن حزم، وهو ~~وقوف على ظاهر الآية، مجردا عن إشارة وإيماء. # وقال البرهان البقاعي في (تفسيره) : وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود. # ثم قال: وأخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه ~~السلام. لأن عيسى عليه السلام من ذريته، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه. ~~انتهى. # ثم قال: وقوله تعالى: فغفرنا له ذلك أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم ~~إلى أحد بدون سماع لكلامه. وهذه الدعوى تدريب لداود عليه السلام في ~~الأحكام. وذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم تدريب له في الأناة في جميع ~~أموره على الدوام. ولما ذكر هذا، ربما أوهم شيئا في مقامه صلى الله عليه ~~وسلم، فدفعه بقوله تعالى: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب. فالقصة لم يجر ~~ذكرها إلا للترقية في رتب الكمال. وأول دليل على ما ذكرته، أن هذه الفتنة ~~إنما هي بالتدريب في الحكم، لا بامرأة ولا غيرها. وأن ما ذكروه من قصة ~~المرأة باطل وإن اشتهر. فكم من باطل مشهور، ومذكور، هو عين الزور. انتهى. # وقال ابن كثير: قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات. # ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه. ولكن روى ابن أبي حاتم هنا ~~حديثا لا يصح سنده، لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه. ~~ويزيد، وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة. فالأولى أن ms3933 ~~يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل. فإن ~~القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا. انتهى. # وقال القاضي عياض في (الشفا) : وأما قصة داود عليه السلام، فلا يجب أن ~~يلتفت إلى ما سطره فيها الأخباريون على أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، ~~ونقله بعض المفسرين. ولم ينص الله على شيء من ذلك، ولا ورد في حديث صحيح. # والذي نص الله عليه قوله: وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب وقوله فيه أواب فمعنى فتناه أي اختبرناه. وأواب قال قتادة: مطيع. ~~PageV08P250 # وهذا التفسير أولى. قال ابن عباس وابن مسعود: ما زاد داود على أن قال ~~للرجل: انزل عن امرأتك وأكفلنيها.. فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه. وأنكر ~~عليه شغله بالدنيا، وهذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره. وقد قيل ~~خطبها على خطبته، وقيل بل أحب بقلبه أن يستشهد. وحكى السمرقندي أن ذنبه ~~الذي استغفر منه قوله لقد ظلمك فظلمه بقول خصمه. وقيل: بل لما خشيه على ~~نفسه، وظن من الفتنة بما بسط له من الملك والدنيا. وإلى نفي ما أضيف في ~~الأخبار إلى داود من ذلك- ذهب أحمد بن نصر وأبو تمام، وغيرهما من المحققين. ~~قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت. ولا يظن بنبي محبة قتل ~~مسلم. وقيل: إن الخصمين اللذين اختصما إليه، رجلان في نتاج غنم على ظاهر ~~الآية. وقيل: بل لما خشي على نفسه وظن من الفتنة لما بسط له من الملك ~~والدنيا. انتهى. # وقال ابن القيم في أواخر كتابه (الجواب الكافي) في مباحث العشق: وقد أرشد ~~صلى الله عليه وسلم المتحابين إلى النكاح. كما # في سنن ابن ماجة «1» مرفوعا: لم ير للمتحابين مثل النكاح # . ونكاحه لمعشوقه هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعا وقدرا. وبه ~~تداوى نبي الله داود صلى الله عليه وسلم ولم يرتكب نبي الله محرما. وإنما ~~تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها. وكانت توبته بحسب منزلته عند الله ~~وعلو مرتبته. ولا يليق ms3934 بنا المزيد على هذا. انتهى. # وهذا منه تسليم ببعض القصة لا بتمامها. وهو من الأقوال فيها. # وأما دعوى بعضهم أن التوراة تعد داود ملكا حكيما، لا نبيا، بدليل ذكره في ~~أسفار الملوك منها، وما فيها من أنه بعث إليه نبي يقال له قاشان، ضرب له ~~المثل المذكور- فدعوى مردودة من وجوه: منها أن الاستدلال بالتوراة التي بين ~~أيديهم في إثبات أو نفي لا يعول عليه. كيف لا؟ وقد أوتينا بيضاء نقية ~~محفوظة من التغيير والتبديل بحمده تعالى. ومنها أن نبوة داود عليه السلام ~~لا خلاف فيها عند المسلمين، فلا عبرة بخلاف غيرهم. ومنها أنه لا مانع أن ~~تجتمع النبوة والملك لمن أراده الله واصطفاه. وقد فعل ذلك بداود وسليمان ~~عليهما السلام. ومنها أنه لا حاجة في كتابنا الكريم أن يتمم بما جاء في ~~غيره، أو يحاول رده إلى سواه من الكتب، أو هي إليه، لاستغنائه بنفسه. بل ~~وكونه مهيمنا على سائر الكتب، كما أخبر الله تعالى عنه، فليتأمل ذلك. والله ~~أعلم. PageV08P251 # وقد روي أن عمر بن عبد العزيز حدث بنبإ داود على ما يرويه القصاص، وعنده ~~رجل من أهل الحق. فكذب المحدث به، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب ~~الله، فما ينبغي أن يلتمس خلافها. وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ~~ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه، فما ينبغي إظهارها عليه. فقال عمر: ~~لسماعي هذا الكلام، أحب إلى مما طلعت عليه الشمس. نقله الزمخشري. # قال الناصر في (الانتصاف) : وقد التزم المحققون من أئمتنا أن الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام، داود وغيره، منزهون من الوقوع في صغائر الذنوب، ~~مبرءون من ذلك، والتمسوا المحامل الصحيحة لأمثال هذه القصة. وهذا هو الحق ~~الأبلج، والسبيل الأبهج، إن شاء الله تعالى، انتهى. # التنبيه الثاني- قال ابن الفرس: في هذه القصة دليل على جواز القضاء في ~~المسجد (أي لظاهر المحراب. إلا أنه ليس نصا في محراب المسجد) والتلطف في رد ~~الإنسان عن المكروه صنعه. وأنه لا يؤاخذ بعنف ما أمكن. وجواز المعاريض من ms3935 ~~القول. # قال الزمخشري: وإنما جاءت على طريقة التمثيل والتعريض، دون التصريح، ~~لكونها أبلغ في التوبيخ. من قبل أن المتأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض ~~به، كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، وأعظم أثرا فيه، وأجلب لاحتشامه ~~وحيائه، وأدعى إلى التنبيه على الخطأ فيه، من أن يباده به صريحا، مع مراعاة ~~حسن الأدب بترك المجاهرة. ألا ترى إلى الحكماء؟ كيف أوصوا في سياسة الولد، ~~إذا وجدت منه هنة منكرة، بأن يعرض له بإنكارها عليه، ولا يصرح. وأن تحكي له ~~حكاية ملاحظة لحاله، إذا تأملها استسمج حال صاحب الحكاية، فاستسمج حال ~~نفسه. وذلك أزجر له. لأنه ينصب ذلك مثالا لحاله، ومقياسا لشأنه. فتصور قبح ~~ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب ~~الحشمة. # الثالث- قال ابن مسعود في قوله تعالى: إن هذا أخي أي على ديني. # أخرجه ابن أبي حاتم. ففيه جواز إطلاق (الأخ) على غير المناسب. واستدل ~~بقوله تعالى: وإن كثيرا من الخلطاء على جواز الشركة. أفاده في (الإكليل) . # الرابع- قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: وخر راكعا من ~~أجاز التعويض عن سجود التلاوة بركوع. والأكثرون على أن الركوع هنا مجاز ~~مرسل، عن السجود. لأنه، لإفضائه إليه، جعل كالسبب، ثم تجوز به عنه. أو هو ~~استعارة له، لمشابهته له في الانحناء والخضوع. # PageV08P252 # الخامس- قال ابن كثير: اختلف الأئمة في سجدة (ص) هل هي من عزائم السجود؟ ~~على قولين: أحدهما أنها ليست من العزائم، بل هي سجدة شكر، لما # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنها ليست من عزائم السجود، وقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها، رواه أحمد والبخاري «1» ~~وأصحاب السنن. # وعنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال: سجدها داود ~~عليه الصلاة والسلام توبة، ونسجدها شكرا، تفرد به النسائي «2» . # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد ms3936 وسجد الناس معه. فلما كان يوم ~~آخر قرأها. فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود. فقال صلى الله عليه وسلم: # إنما هي توبة نبي. ولكن رأيتكم تشزنتم، فنزل وسجد. تفرد به أبو داود «3» ~~. # وإسناده على شرط الصحيح، وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 26] # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي استخلفناك على الملك في الأرض كمن ~~يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها، ومنه قولهم: خلفاء الله ~~في أرضه فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى أي هوى النفس، من الميل إلى ~~مال أو جاه أو قريب أو صاحب فيضلك عن سبيل الله أي صراطه الموصل إلى ~~الكمالات، كحفظ المملكة والنصر على الأعداء، والنجاة في الآخرة ورفع ~~الدرجات فيها إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم ~~الحساب أي بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن السبيل، فإن تذكره يقتضي ملازمة ~~الحق ومخالفة الهوى. ### | تنبيه: # في الآية بيان وجوب الحكم بالحق، وأن لا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو ~~رجاء أو سبب يقتضي الميل. واستدل بها بعضهم على احتياج الأرض إلى خليفة من ~~الله. كذا في (الإكليل) . PageV08P253 # وقال ابن كثير: هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين ~~الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى. ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل ~~الله. وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب، بالوعيد ~~الأكيد والعذاب الشديد. روى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، أن الوليد بن عبد ~~الملك قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن ~~وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؟ أقول؟ قال: قل في أمان. قلت: يا أمير ~~المؤمنين! أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى ~~جمع له ms3937 النبوة والخلافة. ثم توعده في كتابه قال تعالى: يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض الآية. # وقال الرازي: اعلم أن الإنسان خلق مدنيا بالطبع. لأن الإنسان الواحد لا ~~تنتظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة. حتى هذا يحرث وذاك يطحن وذلك يخبز ~~وذلك ينسج والآخر يخيط. وبالجملة، فيكون كل واحد منهم مشغولا بمهم. وينتظم ~~من أعمال الجميع مصالح الجميع. فثبت أن الإنسان مدني بالطبع. وعند اجتماعهم ~~في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات، ولا بد من إنسان قادر قاهر ~~يقطع تلك الخصومات ويفصل تلك الحكومات. وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على ~~الكل. فثبت أنه لا تنتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس. ثم إن ذلك ~~السلطان القاهر السائس. إن كان حكمه على وفق هواه ولطلب مصالح دنياه، عظم ~~ضرره على الخلق. فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه، ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد ~~نفسه. وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق. # وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك. أما إذا كانت أحكام ذلك الملك ~~مطابقة للشريعة الحقة الإلهية، انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات ~~على أحسن الوجوه: فهذا هو المراد من قوله: فاحكم بين الناس بالحق يعني لا ~~بد من حاكم بين الناس بالحق. فكن أنت ذلك. ثم قال: ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله الآية، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، ~~والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء ~~العذاب. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 27] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار (27) # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا أي خلقا باطلا، لا حكمة فيه. ~~أو # PageV08P254 # مبطلين عابثين، كقوله تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهما إلا بالحق [الدخان: 38- 39] . وهو أن تقوم الناس بالقسط في ~~المعتقدات والعبادات والمعاملات ذلك ظن الذين كفروا أي ولذا أنكروا البعث ~~والجزاء على الأعمال، وأخذوا يصدون ms3938 عن سبيل الله ويبغون في الأرض الفساد. # قال الزمخشري: ومن جحد الخالق فقد جحد الحكمة من أصلها. ومن جحد الحكمة ~~في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره. ~~فكان إقراره بكونه خالقا، كلا إقرار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 28] # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار (28) # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض قال المهايمي: # أي: أنترك البعث بالكلية، أم نبعث ونجعل الذين آمنوا فشكروا نعمة العقل ~~والكتاب. وعملوا الصالحات فشكروا نعمة الأعضاء، كالمفسدين، بصرف العقل ~~والأعضاء إلى الغير ما خلقت له؟ أم نجعل المتقين أي مخالفة أمر الله رعاية ~~لمحبته كالفجار أي الذين يخالفون أوامر الله، ولا يبالون بعداوته. أي لا ~~نفعل ذلك ولا يستوون عند الله. # قال ابن كثير: وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا ~~المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر، وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر ~~المستقيمة، على أنه لا بد من معاد وجزاء. فإذا نرى الظالم الباغي يزداد ~~ماله وولده ونعيمه، ويموت كذلك. ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده. فلا بد في ~~حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، من إنصاف هذا من هذا. ~~وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء ~~والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية ~~الصريحة، قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 29] # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) # كتاب أنزلناه إليك مبارك أي كثير الخير ليدبروا آياته قال المهايمي: # أي لينظروا في ألفاظه وترتيبها ولوازمها. فيستخرجوا منها علوما بطريق ~~الاستدلال. # PageV08P255 # وقال الزمخشري: تدبر الآيات: التفكر فيها والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما ~~يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع بظاهر ~~المتلو لم يحل منه بكثير طائل. وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ~~ومهرة نثور لا ms3939 يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم ~~لهم بتأويله. # حفظوا حروفه وضيعوا حدوده. حتى إن أحدهم ليقول: والله! لقد قراءات القرآن ~~فما أسقطت منه حرفا، وقد، الله! أسقطه كله. ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ~~ولا عمل، والله! ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. والله! ما هؤلاء بالحكماء ~~ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء ~~المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 30] # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب أي كثير الرجوع إلى الله تعالى، ~~بالتوبة والإنابة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 31] # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات أي من الخيل، جمع (صافن) وهو الذي يقوم على ~~طرف سنبك يد أو رجل، الجياد جمع (جواد) وهو الذي يسرع في جريه أو بمعنى ~~الحسان جمع (جيد) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 32] # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي أي آثرته عليه. عدل عنه للمناسبة ~~اللفظية وقصد التجنيس. وفائدة التضمين إشارة إلى عروضه، وذكر ربي إما مضاف ~~لفاعله أو لمفعوله. # قال الزمخشري: و (الخير) المال كقوله: إن ترك خيرا [البقرة: 180] ، ~~وقوله: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8] ، والمال: الخيل التي شغلته، أو # PageV08P256 # سمي الخيل خيرا كأنها نفس الخير، لتعلق الخير بها. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى ~~يوم القيامة # وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: ما وصف لي رجل فرأيته، إلا كان ~~دون ما بلغني، إلا زيد الخيل # ، وسماه زيد الخير، وسأل رجل بلالا رضي الله عنه عن قوم يستبقون، من ~~السابق؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرجل: أردت الخيل. ~~فقال: وأنا أردت الخير. حتى توارت بالحجاب أي غربت الشمس. متعلق بقوله ~~تعالى: ms3940 أحببت وفيه استعارة تصريحية أو مكنية لتشبيه الشمس بامرأة حسناء، أو ~~ملك. وباء بالحجاب للظرفية، أو الاستعانة أو الملابسة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 33] # ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) # ردوها علي يعني الصافنات. وهذا من مقول القول، فلا حاجة إلى تقدير قول ~~آخر فطفق مسحا بالسوق والأعناق أي فجعل يمسح مسحا، أي يمسح بالسيف بسوقها ~~وأعناقها، يعني يقطعها. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أن سليمان عليه السلام ~~اشتغل بعرض الخيل حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها ~~عمدا بل نسيانا، كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة ~~العصر، حتى صلاها بعد الغروب. وذلك ثابت في الصحيحين «2» من غير وجه. ~~ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو، والقتال. والخيل ~~تراد للقتال، وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة ~~الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حتى لا تمكن صلاة ~~ولا ركوع ولا سجود. كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح (تستر) وهو منقول ~~عن مكحول والأوزاعي وغيرهما، والأول أقرب. لأنه قال بعد ردوها علي فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق قال PageV08P257 # الحسن البصري: قال: لا، والله! لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك. ثم ~~أمر بها فعقرت. وكذلك قال قتادة. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: جعل يمسح أعراف الخيل ~~وعراقيبها حبا لها. وهذا القول اختاره ابن جرير. قال: لأنه لم يكن ليعذب ~~حيوانا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بلا سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته ~~بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح ابن جرير، فيه نظر، لأنه قد يكون ~~في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى، بسبب أنه اشتغل ~~بها حتى خرج وقت الصلاة. ولهذا لما خرج عنها لله تعالى، عوضه الله عز وجل ~~ما هو خير منها. # وهو الريح ms3941 التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر. فهذا ~~أسرع وخير من الخيل، # روى الأمام أحمد «1» عن ابن قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو ~~البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي، أخذ بيدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجل يعلمني مما علمه الله عز وجل. وقال: إنك لا ~~تدع سببا اتقاء الله تعالى، إلا أعطاك الله عز جل خيرا منه. # انتهى ما ذكره ابن كثير. # وقال القاشاني: أي طفق يمسح السيف بسوقها، يعرقب بعضها وينحر بعضها، كسرا ~~لأصنام النفس التي تعبدها بهواها، وقمعا لسورتها وقواها، ورفعا للحجاب ~~الحائل بينه وبين الحق، واستغفارا وإنابة إليه بالتجريد والترك. # وقد ذهب الرازي إلى تأويل آخر استصوبه، قال: إن رباط الخيل كان مندوبا ~~إليه في دينهم. كما أنه كذلك في دين الإسلام. ثم إن سليمان عليه السلام ~~احتاج إلى الغزو. فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أني لا أحبها ~~لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه. وهو ~~المراد من قوله: عن ذكر ربي ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتي ~~توارت بالحجاب أي غابت عن بصره. ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه. ~~فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور: # الأول تشريفا لها وإبانة لعزتها، لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. # والثاني- أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتصنع إلى حيث ~~يباشر أكثر الأمور بنفسه. PageV08P258 # الثالث- أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها. فكان يمتحنها ويمسح ~~سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض. # وقال: فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقا مطابقا ~~موافقا. # ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات. # قال: وأنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة. مع أن ~~العقل والنقل يردها. وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة فإن قيل: إن ~~الجمهور فسروا الآية بذلك الوجه، فما قولك فيه؟ فنقول: ms3942 لنا هاهنا مقامان: # المقام الأول- أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ~~يذكرونها. وقد ظهر، والحمد لله، أن الأمر كما ذكرناه، وظهوره لا يرتاب ~~العاقل فيه. # المقام الثاني- أن يقال: هب أن لفظ الآية لا يدل عليه، إلا أنه كلام ذكره ~~الناس. فما قولك فيه؟ وجوابنا أن الأدلة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء ~~عليهم السلام. ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات. ورواية الآحاد لا تصلح ~~معارضة للدلائل القوية، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى ~~أقوالهم؟ # والله أعلم. انتهى كلام الرازي. # وسبقه ابن حزم حيث قال: تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن ~~الصلاة. خرافة موضوعة مكذوبة سخيفة باردة. قد جمعت أفانين من القول، لأن ~~فيها معاقبة خيل لا ذنب لها، والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به بلا معنى. ~~ونسبة تضييع الصلاة إلى نبي مرسل، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها. ~~وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير. من أجل ذكر ربه حتى توارت ~~الشمس أو تلك الصافنات بحجابها. ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعناقها ~~بيده، برا بها وإكراما لها، هذا هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل غيره. وليس ~~فيها إشارة أصلا إلى ما ذكروه من قتل الخيل وتعطيل الصلاة. وكل هذا قد قاله ~~ثقات المسلمين. فكيف ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~انتهى كلام ابن حزم. # وأقول: الذي يتجه أن هذه القصة أشير بها إلى نبأ لديهم. لأن التنزيل ~~الكريم مصدق الذي بين يديه. إلا أن له الهيمنة عليه. فما وقف فيه على حد من ~~أنباء ما بين يديه، يوقف عنده ولا يتجاوز. وحينئذ، فالقصة المعروفة عندهم ~~هي التي أشير إليها. لكن مع الهيمنة عليها، إذ لا تقبل على علاتها. وقوله ~~تعالى: # PageV08P259 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 34] # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) # ولقد فتنا سليمان أي ابتليناه وألقينا على ms3943 كرسيه جسدا أي جسما مجسدا ~~كناية عن صنم- على ما رووه- وإنما أوثر الجسد عليه- إجلالا لسليمان عليه ~~السلام، وإشارة إلى أن قصته- إن صحت- كانت أمرا عرض وزال، بدليل قوله ~~تعالى: ثم أناب أي إلى ربه بالتوبة والاستغفار، كما بينه بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 35] # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أي غيري، لفخامته ~~وعظمته، هبة فضل وإيثار امتنان إنك أنت الوهاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 36] # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) # فسخرنا له الريح أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته تجري بأمره رخاء أي ~~لينة سهلة، مع شدة وقوة، ولذا وصفت في الآية الأخرى ب عاصفة حيث أصاب أي ~~أراد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 37] # والشياطين كل بناء وغواص (37) # والشياطين عطف على الريح كل بناء وغواص أي في قعر البحر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 38] # وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) # وآخرين مقرنين في الأصفاد أي مسلسلين في الأغلال لا يبعثهم إلى عمل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 39] # هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) # هذا عطاؤنا فامنن أي على من شئت من المقرنين وغيرهم أو أمسك أي # PageV08P260 # امنع بغير حساب أي غير محاسب على المن والإمساك، فيكون حالا من المستكن، ~~أو هو حال من العطاء، أو صلة له، وما بينهما اعتراض. والمعنى: إنه عطاء جم ~~لا يكاد يمكن حصره. فقد يعبر عن الكثير ب (لا يعد) و (لا يحسب) ونحوه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 40] # وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # وإن له عندنا لزلفى أي لقربى في الدرجات، وو حسن مآب أي مرجع في الآخرة. ### | تنبيه: # روى الأثريون هاهنا قصصا مطولة ومختصرة، مؤتلفة ومختلفة. قال ابن كثير: # وكلها متلقاة من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه ms3944 ~~الصلاة والسلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في سياقها منكرات. ~~وتقوية ابن حجر لبعض منها بأنه خرجه النسائي بإسناد قوي- لا عبرة له. فليس ~~المقام قاصرا على صحة السند فحسب، لو كان ذلك في الصحيحين، فإنى بمروي ~~غيرهما؟؟ # وذكر الرازي أن القصص المروية هنا هي لأهل الحشو من تأويلهم، وأما أهل ~~التحقيق فلهم تأويلات، وقد ساقها فانظرها. # وقال الإمام ابن جزم: معنى قوله تعالى: فتنا سليمان أي آتيناه من الملك ~~ما اختبرنا به طاعته، كما قال تعالى مصدقا لموسى عليه السلام في قوله: إن ~~هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء إذ من الفتنة ما يهدي الله بها ~~من يشاء وقال تعالى: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين [العنكبوت: ### | 1- 3 # ] فهذه الفتنة هي الاختبار حتى يظهر المهتدي من الضال، فهذه فتنة الله ~~تعالى لسليمان إنما هي اختباره حتى ظهر فضله فقط. وما عدا هذا خرافات ولدها ~~زنادقة اليهود وأشباههم. وأما الجسد الملقى على كرسيه فقد أصاب الله تعالى ~~به ما أراد. نؤمن بهذا كما هو، ونقول (صدق الله عز وجل، كل من عند الله ~~ربنا) ولو جاء نص صحيح في القرآن أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتفسير هذا الجسد ما هو، لقلنا به، فإذا لم يأت بتفسيره ما هو نص ولا خبر ~~صحيح. فلا يحل لأحد القول بالظن الذي هو أكذب الحديث في ذلك، فيكون كاذبا ~~على الله عز وجل، إلا أننا لا نشك # PageV08P261 # البتة في بطلان قول من قال إنه كان جنيا تصور بصورته، بل نقطع على أنه ~~كذب. # والله تعالى لا يهتك ستر رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الهتك، وكذلك نبعد ~~في قول من قال إنه كان ولدا له، أرسله إلى السحاب ليربيه. فسليمان عليه ~~السلام كان أعلم من أن يربي ابنه بغير ما طبع الله عز وجل بنية البشر عليه ~~من اللبن والطعام. وهذه ms3945 كلها خرافات موضوعة مكذوبة، لم يصح إسنادها قط. ~~انتهى. # وزعم القاشاني أن حكاية الجني والخاتم مع سليمان، هي من موضوعات حكماء ~~اليهود، كسائر ما وضعت الحكاء في تمثيلاتهم من حكايات أبسال وسلامان. # ثم أخذ القاشاني في تأويلها، إلا أنه حل الإشكال بإشكال أعظم منه، عفا ~~الله عنه، وقال قبل: إن صحت الحكاية في مطابقتها للواقع، كان قد ابتلي بمثل ~~ما ابتلي به ذو النون وآدم عليهما السلام، انتهى والله أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 41] # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) # واذكر أي في باب الابتلاء وحسن عاقبة الصبر عليه عبدنا أي الكامل في ~~التحقق بالعبودية أيوب إذ نادى ربه أي دعاه وابتهل إليه قائلا أني مسني أي ~~أصابني الشيطان بنصب أي مشقة (بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما ~~وضمهما) وعذاب أي ألم شديد. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 42] # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) # اركض برجلك حكاية لما أجيب به دعاؤه عليه السلام. أي: فاستجبنا له وقلنا: ~~اركض برجلك. أي أعد بها وامش، فقد برأت وشفيت من مرضك. وقوي جسمك وصح بدنك ~~هذا مغتسل بارد وشراب أي ماء تغتسل به وتشرب منه. # والإشارة إلى عين أو نهر أو نحوهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 43] # ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) # ووهبنا له أهله بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم ومثلهم معهم رحمة منا # PageV08P262 # أي ترحما منا عليه بهذا الإضعاف والمباركة وذكرى لأولي الألباب أي ~~وتذكيرا لهم لينتظروا الفرج بالصبر والنوال بصدق الاتكال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 44] # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ~~(44) # وخذ بيدك ضغثا أي حزمة صغيرة فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا أي في ~~كل ما ابتليناه به نعم العبد إنه أواب أي كثير الرجوع إلى الله تعالى، ~~بالإنابة والابتهال والعبادة. ### | تنبيهات: ms3946 # الأول- كان أيوب عليه السلام نبيا غنيا من أرباب العقار والماشية، وكان ~~أميرا في قومه. وكانت أملاكه ومنزله في الجنوب الشرقي من البحر الميت، بين ~~بلاد أدوم وصحراء العربية. وكانت إذ ذاك خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه ~~المتسلسلة. # وكان زمنه بعد زمن إبراهيم وقبل زمن موسى عليهم السلام. هذا ما حققه بعض ~~الباحثين. والله أعلم. # الثاني- يذكر كثير من المفسرين هاهنا مرويات وقصصا إسرائيلية في ابتلائه ~~عليه السلام. ولا وثوق من ذلك كله إلا بمجمله. وهو ما أشار له التنزيل ~~الكريم لأنه المتيقن. وهو أنه عليه الصلاة والسلام أصابته بلوى عظيمة في ~~نفسه وماله وأهله. # وأنه صبر على ذلك صبرا صار يضرب به المثل لثباته وسعة صدره وشجاعته. وأنه ~~جوزي بحسنة صبره أضعافها المضاعفة. # الثالث- قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسب المس إلى الشيطان ولا يجوز أن ~~يسلطه الله على أنبيائه، ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك ~~لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه. وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا ~~الوسوسة فحسب؟ # قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سببا فيما مسه الله به ~~من النصب والعذاب- نسبه إليه. وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله ~~في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به ~~إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، ~~فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ~~ورده بالصبر الجميل. انتهى. # PageV08P263 # الرابع- دل قوله تعالى: وخذ بيدك ضغثا الآية، على تقدم يمين منه عليه ~~السلام. وقد رووا هنا آثارا في المحلوف عليه، لم يصح منها شيء، فالله أعلم ~~به ولا ضرورة لبيانه. إذ القصد الإعلام برحمة أخرى ونعمة ثانية عليه، صلوات ~~الله عليه. وهي الدلالة إلى المخرج من الحنث، برخصة وطريقة سهلة سمحة ترفع ~~الحرج. ونحن نورد هنا أمثل ما كتب في الآية، إيقافا للقارئ عليه، قال ~~السيوطي في (الإكليل) : أخرج ms3947 ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس وسعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير وغيرهم أن أيوب حلف ليجلدن امرأته مائة جلد. فلما كشف ~~الله عنه البلاء أمر أن يأخذ ضغثا فيضربها به. فأخذ شماريخ مائة ثم ضربها ~~ضربة واحدة. قال سعيد بن جبير: وهي لهذه الأمة لمن حلف على مثل ما حلف عليه ~~أيوب. ثم أخرج أيضا عن عطاء قال: هي للناس عامة. وعن مجاهد قال: كانت لأيوب ~~خاصة قال الكيا الهراسي: ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر، إلى أن من فعل ذلك ~~فقد بر في يمينه، وخالف مالك ورآه خاصا بأيوب. # قال: وفي الآية دليل على أن للزوج ضرب زوجته، وأن يحلف ولا يستثني. # انتهى. # واستدل بهذه الآية على أن الاستثناء شرطه الاتصال. إذ لو لم يشترط لأمره ~~تعالى بالاستثناء ولم يحتج إلى الضرب بالضغث. واستدل عطاء بالآية على مسألة ~~أخرى. فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند صحيح أن رجلا قال له: إني أردت أن لا ~~أكسي امرأتي ذراعا حتى تقف بعرفة. فقال: احملها على حمار ثم اذهب فقف بها ~~بعرفة. فقال: إنما عنيت يوم عرفة. فقال عطاء: وأيوب حين حلف ليجلدن امرأته ~~مائة جلدة، ما نوى أن يضربها بالضغث، إنما أمره الله أن يأخذ ضغثا فيضربها ~~به. # قال عطاء: إنما القرآن عبر. انتهى كلام (الإكليل) . # وقد رد الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) الاستدلال بهذه الآية ~~على جواز الحيلة. وعبارته: وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث فمن العجب أن يحتج بهذه الآية على من يقول: إنه لو ~~حلف ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه، هذا ~~قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد. وقال الشافعي: إن علم أنها مسته ~~كلها، بر في يمينه. وإن علم أنها لم تمسه، لم يبر. وإن شك لم يحنث. ولو كان ~~هذا موجبا لبر الحالف، لسقط عن الزاني والقاذف والشارب بعدد الضرب، بأن ~~يجمع له مائة سوط # PageV08P264 # أو ثمانين ويضربه بها ms3948 ضربة واحدة. وهذا إنما يجري في المرض كما قال ~~الإمام أحمد، في المريض عليه الحد، ويضرب بعثكال يسقط عنه الحد. واحتج بما # رواه عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن سعد بن عبادة «1» قال: كان بين ~~أبنائنا إنسان مخدج ضعيف، لم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء الدار ~~يخبث بها. وكان مسلما. فرفع شأنه سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقال: اضربوه حده، قالوا: يا رسول الله! إنه أضعف من ذلك إن ضربناه مائة ~~قتلناه. فقال: فخذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة، وخلوا ~~سبيله. # وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق. فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته ~~وخلاصه من دائه، تلتمس له الدواء بما تقدر عليه، فلما لقيها الشيطان وقال ~~ما قال، أخبرت أيوب عليه السلام بذلك، فقال: إنه الشيطان. ثم حلف لئن شفاه ~~الله تعالى ليضربنها مائة سوط فكانت معذورة محسنة في شأنه، ولم يكن في ~~شرعهم كفارة. # فإنه لو كان في شرعهم كفارة، لعدل إلى التفكير، ولم يحتج إلى ضربها. ~~فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود. وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف ~~عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة. وامرأة ~~أيوب كانت معذورة، لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان، وإنما قصدت الإحسان. ~~فلم تكن تستحق العقوبة، فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها ~~معاملة المعذور، هذا مع رفقها به وإحسانها إليه فجمع له بين البر في يمينه ~~والرفق بامرأته المحسنة المعذورة، التي لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص ~~القرآن في قصة أيوب عليه السلام، لنص السنة، في شأن الضعيف الذي زنى. فلا ~~يتعدى بهما عن محلهما. # فإن قيل: فقولوا هذا في نظير ذلك ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة، ~~وكانتا معذورتين لا ذنب لهما، إنه يبر بجمع ذلك في ضربها بمائة شمراخ. قيل: ~~قد جعل الله له مخرجا بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر يمينه، ويقضي الله بالبر ~~في يمينه هاهنا، ms3949 ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة. ~~ولا يحل له أن يضربها لا مفرقا ولا مجموعا. # فإن قيل: فإذا كان الضرب واجبا كالحد، هل تقولون ينفعه ذلك؟ قيل: إما أن ~~يكون العذر مرجو الزوال كالحر والبرد الشديد، والمرض اليسير، فهذا ينتظر ~~زواله. PageV08P265 # ثم يحد الحد الواجب. كما # روى مسلم «1» في صحيحه عن علي رضي الله عنه، أن أمة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زنت. فأمرني أن أجلدها. فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس. # فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقال: أحسنت. # اتركها حتى تماثل. # انتهى كلام ابن القيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 45] # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار أي ذوي القوة ~~في العبادة والأفكار في معرفة الله تعالى. قال القاشاني: أي العمل والعلم، ~~لنسبة الأول إلى الأيدي والثاني إلى البصر والنظر، وهم أرباب الكمالات ~~العملية والنظرية. # قال الشهاب: (الأيدي) مجاز عن القوة، مجاز مرسل. و (الأبصار) جمع بصر ~~بمعنى بصيرة. وهو مجاز أيضا، لكنه مشهور فيه. وإذا أريد ب (الأيدي) ~~الأعمال، فهو من ذكر السبب وإرادة المسبب. و (الأبصار) بمعنى البصائر مجاز ~~عما يتفرع عليها من المعارف كالأول أيضا. وعلى الوجهين، فيه تعريض بأن من ~~ليس كذلك، كان لا جارحة له ولا بصر. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 46] # إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) # إنا أخلصناهم أي صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة حظوظا. # وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية بخالصة ذكرى الدار أي الباقية ~~والمقر الأصلي، أي استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس، وإعراضهم عن ~~معدن الرجس، مستشرفين لأنوارنا، لا التفات لهم إلى الدنيا وظلماتها أصلا. ### | لطيفة: # قال السمين: قرأ نافع وهشام: بخالصة ذكرى الدار بالإضافة. وفيها أوجه: # أحدها- أن يكون أضاف خالصة إلى ذكرى للبيان. لأن الخاصة قد تكون ذكرى ~~وغير ذكرى. كما قوله: بشهاب قبس [النمل: 7] ، لأن الشهاب ms3950 يكون قبسا وغيره. # الثاني- أن الخالصة مصدر بمعنى إخلاص، فيكون مصدرا مضافا لمفعوله، ~~والفاعل PageV08P266 # محذوف، أي بأن أخلصوا ذكر الدار وتناسوا عند ذكرها ذكر الدنيا. وقد جاء ~~المصدر على (فاعلة) كالعاقبة. أو يكون المعنى بأن أخلصنا نحن لهم ذكرى ~~الدار. # وقرأ الباقون بالتنوين وعدم الإضافة. وفيها أوجه: أحدها- أنها مصدر بمعنى ~~الإخلاص، فيكون (ذكرى) منصوبا به، وأن يكون بمعنى الخلوص، فيكون (ذكرى) ~~مرفوعا به، والمصدر يعمل منونا كما يعمل مضافا. أو يكون (خالصة) اسم فاعل ~~على بابه. و (ذكرى) بدل أو بيان لها أو منصوب بإضمار (أعني) أو هو مرفوع ~~على إضمار مبتدأ، و (الدار) يجوز أن يكون مفعولا به ب (ذكرى) وأن يكون ظرفا ~~إما على الاتساع وإما على إسقاط الخافض. و (خالصة) إن كانت صفة، فهي صفة ~~لمحذوف. أي بسبب خصلة خالصة. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 47 الى 48] # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل ~~وكل من الأخيار (48) # وإنهم عندنا لمن المصطفين أي المختارين من أبناء جنسهم لقربنا الأخيار أي ~~المنزهين عن شوائب الشرور. على أنه جمع (خير) مقابل (شر) الذي هو أفعل ~~تفضيل. أو هو جمع (خير) المشدد أو المخفف منه واذكر إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل وكل من الأخيار أي بالنبوة والرسالة، للهداية والإصلاح. # و (اليسع) خليفة إلياس وكان خادمه. ويقال له بالعبرانية (اليشاع) كما ~~يسمى إلياس فيها (إيليا) ، وفي التوراة نبأ طويل عن اليسع ونبوته ومعجزاته ~~صلوات الله عليه. # وتقدم علم أنباء هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، في سورة الأنبياء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 49 الى 50] # هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) # هذا ذكر أي شرف لهم. و (الذكر) يتجوز به عنه. قال الشهاب: لأن الشرف ~~يلزمه الشهرة والذكر بين الناس، فتجوز به عنه بعلاقة اللزوم. فيكون المعنى: # أي في ذكر قصصهم وتنويه الله بهم شرف لهم. واختار الزمخشري أن المعنى: ~~هذا نوع من الذكر وهو القرآن. أي فالتنوين للتنويع. والمراد بالذكر ms3951 القرآن. ~~فذكره إنما هو للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر. # قال الزمخشري: لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه، وهو باب من أبواب التنزيل، # PageV08P267 # ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر، وهو ذكر الجنة وأهلها، ~~قال هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن أي إقامة وخلود مفتحة لهم ~~الأبواب أي متى جاءوها يرونها في انتظارهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 51] # متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) # متكئين فيها أي على الأرائك يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب أي مهما طلبوا ~~وجدوا، وأحضر كما أرادوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 52] # وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) # وعندهم قاصرات الطرف أي لا ينظرن إلى غير أزواجهن. أو يمنعن طرف الأزواج ~~أن تنظر للغير، لشدة الحسن. وهو أبلغ. أو بمعنى حور الطرف جمع (أحور) ~~والثوب المقصور يشبه بالحواري في بياضه ونصاعته أتراب أي متساوية في السن ~~والرتب، لا عجوز بينهن. جمع (ترب) بكسر فسكون. وهو من يولد معه في وقت ~~واحد. كأنهما وقعا على التراب في زمان واحد. ف (ترب) فعل بمعنى مفاعل ~~ومتارب. وكمثل بمعنى، مماثل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 53] # هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) # هذا ما توعدون ليوم الحساب أي لوقت جزائه. واللام تعليلية. فإن ما وعده ~~لأجل طاعتهم وأعمالهم الصالحة. وهي تظهر بالحساب وتقع بعده. فجعل كأنه علة ~~لتوقف إنجاز الوعد عليه. فالنسبة لليوم والحساب مجازية. ولو جعلت اللام ~~بمعنى (بعد) كما في (كتب لخمس) سلم مما ذكر. أفاده الشهاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 54] # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) # إن هذا لرزقنا ما له من نفاد أي انقطاع. # PageV08P268 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 55 الى 56] # هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) # هذا أي باب في وصف الجنة وأهلها. فهو مبتدأ خبر مقدر. أو الأمر هذا. # فهو خبر لمحذوف. أو مفعول لمحذوف وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها ms3952 فبئس ~~المهاد أي الفراش. مستعار من فراش النائم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 57] # هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) # هذا فليذوقوه حميم وغساق وهو ما يغسق من صديد أهل النار. أي يسيل وجملة ~~فليذوقوه معترضة بين المبتدأ وخبره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 58] # وآخر من شكله أزواج (58) # وآخر أي ومذوق، أو عذاب آخر من شكله أي هذا المذوق أو العذاب في الشدة ~~والهوان أزواج أي أجناس وأصناف. ثم بين ما يقال للرؤساء الطاغين، إذا ~~أدخلوا النار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 59] # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) # هذا فوج مقتحم معكم أي هذا جمع من أتباعكم وأشباهكم، أهل طبائع السوء ~~والرذائل المختلفة، مقتحم معكم في مضايق المذلة ومداخل الهوان. # والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. وقوله لا مرحبا بهم دعاء من الرؤساء ~~على أتباعهم. أو صفة ل (فوج) . أو حال. أي مقولا فيهم لا مرحبا بهم أي ما ~~أتوا ربهم رحبا وسعة، لشدة عذابهم وكونهم في الضيق والضنك، واستيحاش بعضهم ~~من بعض، لقبح المناظر وسوء المخابر إنهم صالوا النار أي داخلوها بأعمالهم ~~مثلنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 60] # قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) # قالوا أي الأتباع للرؤساء بل أنتم لا مرحبا بكم أي بل أنتم أحق بما # PageV08P269 # قلتم، لتضاعف عذابكم بضلالكم وإضلالكم أنتم قدمتموه لنا أي قدمتم العذاب ~~بإضلالنا وإغوائنا. # قال القاشاني: وهذه المقاولات قد تكون بلسان المقال وقد تكون بلسان ~~الحال. أي لأن الوضع لا يختص بالحقيقة. إلا أن الأظهر الأول. ويؤيده قوله ~~تعالى بعد إن ذلك لحق تخاصم أهل النار فبئس القرار أي المستقر جهنم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 61] # قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) # قالوا أي الأتباع أيضا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ~~كقوله تعالى: ربنا آتهم ضعفين من العذاب [الأحزاب: 68] . ### | القول ms3953 في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 62] # وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) # وقالوا أي الطاغون أو الأتباع ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار ~~يعنون فقراء المسلمين الذين يسترذلونهم ويسخرون بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 63] # أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63) # أتخذناهم سخريا قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة ل (رجالا) . وبهمزة ~~الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم. وقوله ~~تعالى: أم زاغت عنهم الأبصار أي مالت عنهم كبرا، وتنحت عنهم أنفة. والمعنى ~~أي الفعلين فعلنا بهم، السخرية منهم أم الإزراء بهم، على معنى إنكار ~~الأمرين على أنفسهم، تحسرا وندامة على ما فعلوا، وعلى ما حاق بهم وحدهم من ~~سوء العذاب، وقيل (أم) بمعنى (بل) أي بل زاغت عنهم أبصارنا لخفاء مكانهم ~~علينا في النار. # كأنهم يسلون أنفسهم بالمحال، يقولون: أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع ~~بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل ~~ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا، قالوا نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ~~[الأعراف: 44] ، إلى قوله: ادخلوا الجنة [الأعراف: 49] ، الآية. وقيل: (أم) # PageV08P270 # بمعنى (بل) أيضا، أي بل زاغت عنهم أبصارنا لكونهم في دار أخرى وهي دار ~~النعيم. وقرئ (سخريا) بضم السين وكسرها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 64] # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # إن ذلك أي الذي حكي عنهم لحق تخاصم أهل النار أي لواقع وثابت. # وتخاصم بدل من (حق) أو خبر لمحذوف. وقرئ بالنصب على البدل من ذلك قال ~~الزمخشري: فإن قلت: لم سمي ذلك تخاصما؟ قلت: شبه تقاولهم وما يجري بينهم من ~~السؤال والجواب، بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك. ولأن قول الرؤساء لا ~~مرحبا بهم وقول أتباعهم بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة. فسمي التقاول ~~كله تخاصما، لأجل اشتماله ms3954 على ذلك. انتهى. # فكتب الناصر عليه: هذا يحقق ما تقدم من أن قوله: لا مرحبا بهم إنهم صالوا ~~النار من قول المتكبرين الكفار. وقوله تعالى: بل أنتم لا مرحبا بكم من قول ~~الأتباع. فالخصومة على هذا التأويل حصلت من الجهتين. فيتحقق التخاصم. # خلافا لمن قال إن الأول من كلام خزنة جهنم والثاني من كلام الأتباع. فإنه ~~على هذا التقدير، إنما تكون الخصومة من أحد الفريقين. فالتفسير الأول أمكن ~~وأثبت. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 65] # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) # قل إنما أنا منذر أي رسول مخوف وما من إله إلا الله الواحد أي بلا ولد ~~ولا شريك القهار أي الغالب على خلقه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 66] # رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) # رب السماوات والأرض وما بينهما أي من الخلق والعجائب العزيز أي الذي لا ~~يغلب إذا عاقب العصاة الغفار أي لمن تاب وأناب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 67] # قل هو نبأ عظيم (67) # قل هو أي الذي أنذرتكم به من التوحيد ومن البعثة به نبأ عظيم. # PageV08P271 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية # 68] # أنتم عنه معرضون (68) # أنتم عنه معرضون لتمادي غفلتكم. فإن العاقل لا يعرض عن مثله. كيف وقد ~~قامت عليه الحجج الواضحة. أما على التوحيد، فما مر من آثار قدرته وصنعه ~~البديع. أما على بعثته صلى الله عليه وسلم به، فقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 69] # ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) # ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون أي فإن إخباره عن محاورة ~~الملائكة وما جرى بينهم، على ما ورد في الكتب المتقدمة، من غير سماع ~~ومطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي. # قال القاشاني: وفرق بين اختصام الملأ الأعلى واختصام أهل النار بقوله في ~~تخاصم أهل النار إن ذلك لحق وفي اختصام الملأ الأعلى إذ يختصمون لأن ذلك ~~حقيقي لا ms3955 ينتهي إلى الوفاق أبدا. وهذا عارضي نشأ من عدم اطلاعهم على كمال ~~آدم عليه السلام، الذي هو فوق كمالاتهم. وانتهى إلى الوفاق عند قولهم ~~سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] ، وقوله تعالى: ألم أقل لكم ~~إني أعلم غيب السماوات والأرض [البقرة: 33] ، على ما ذكر في البقرة عند ~~تأويل هذه القصة. انتهى. # وبالجملة، فالاختصام المذكور في الآية، هو المشار إليه في قوله تعالى: ~~وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] ، قال الرازي: ~~وهو أحسن ما قيل فيه. # ثم قال: ولو قيل: كيف جازت مخاصمة الملائكة معه تعالى؟ قلنا: لا شك أنه ~~جرى هناك سؤال وجواب. وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة. والمشابهة علة لجواز ~~المجاز. فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه. انتهى. # وملخصه: أن يختصمون استعارة تبعية ل (يتقاولون) . وقيل: معنى الآية نفي ~~علم الغيب عنه صلى الله عليه وسلم ورد اقتراحهم عليه أن يخبرهم بما يحدث في ~~الملأ الأعلى من التخاصم، كقوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب # PageV08P272 # [الأنعام: 50] ، وقوله تعالى: قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير ~~مبين [الملك: 26] ، ولذا قال بعد: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 70] # إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) # إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين وقرئ إنما بالكسر على الحكاية. ### | تنبيهات: # الأول- قال الرازي: واعلم أن قوله أنتم عنه معرضون ترغيب في النظر ~~والاستدلال، ومنع من التقليد. لأن هذه المطالب مطالب شريفة عالية، فإن ~~بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق، يفوز بأعظم أبواب السعادة، وبتقدير ~~أن يكون الإنسان فيها على الباطل، وقع في أعظم أبواب الشقاوة. فكانت هذه ~~المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية. وصريح العقل يوجب على الإنسان أن ~~يأتي فيها بالاحتياط التام، وأن لا يكتفي بالمساهلة والمسامحة. # الثاني- قدمنا أن أكثر المفسرين على تأويل الاختصام بالتقاول في شأن آدم ~~عليه السلام مع الملائكة. وقيل: مخاصمتهم مناظرتهم بينهم في استنباط العلم. # كما تجري المناظرة بين أهل العلم في ms3956 الأرض. حكاه الكرماني في (عجائبه) . # وذهب ابن كثير إلى أنه عنى به ما كان في شأن آدم عليه السلام، وامتناع ~~إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. وإن قوله تعالى بعد وإذ ~~قال ربك [البقرة: 30] ، تفسير له. ولم أره مأثورا عن أحد. بل المأثور عن ~~ابن عباس وغيره ما تقدم، من أنه في شأن آدم والملائكة. وهذا كله على إثبات ~~علم التخاصم بالوحي. # بتقدير (ما كان لي من علم لولا الوحي) ولا تنس القول الآخر. والنظم ~~الكريم يصدق على الكل بلا تناف. والله أعلم. # وقد جاء ذكر تخاصم الملأ الأعلى في # حديث أخرجه الإمام أحمد «1» عن معاذ رضي الله عنه قال: احتبس علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح. حتى كدنا أن نتراءى قرن ~~الشمس. فخرج صلى الله عليه وسلم سريعا. فثوب بالصلاة. فصلى وتجوز في صلاته. ~~فلما سلم قال صلى الله عليه وسلم: كما أنتم. ثم أقبل إلينا فقال: إني قمت ~~من الليل PageV08P273 # فصليت ما قدر لي. فنعست في صلاتي حتى استيقظت. فإذا أنا بربي عز وجل في ~~أحسن صورة. فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، يا ~~رب! أعادها ثلاثا. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري: # فتجلى لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في ~~الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلي الجماعات، والجلوس في ~~المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: # إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم! ~~إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني. ~~وإذا أردت فتنة بقوم، فتوفني غير مفتون. وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل ~~يقربني إلى حبك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها ~~وتعلموها. # قال ابن كثير: هذا حديث المنام المشهور. ومن جعله يقظة فقد غلط. وهو في ~~السنن من طرق. وهذا الحديث ms3957 بعينه قد رواه الترمذي «1» من حديث جهضم بن عبد ~~الله اليمامي به، وقال: حسن صحيح. # ثم قال ابن كثير: وليس هذا الاختصام المذكور في القرآن. فإن هذا قد فسر. # وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا. انتهى. يعني قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 71 الى 72] # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين (72) # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين أي فخروا له ساجدين تعظيما وتكريما، إذا عدلت خلقته ~~وأحييته بنفخ الروح فيه. (فإذا) بدل من (إذا) الأولى مفصل لما أجمل قبلها ~~من الاختصام، وهذا ما رآه الزمخشري وتابعه ابن كثير. وقدر أبو البقاء ~~(اذكر) وهو الأظهر عندي، ويعضده القول الثاني في الآية المتقدمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 73 الى 74] # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) ~~PageV08P274 # فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر أي تعظم وكان من الكافرين أي ~~باستكباره أمر الله تعالى، واستكباره عن طاعته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 75] # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي بنفسي من غير توسط، كأب ~~وأم أستكبرت أي: أعرض لك التكبر والاستنكاف أم كنت من العالين أي عليه ~~زائدا في المرتبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 76] # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين يعني أن الروح الحيواني ~~الناري أشرف من المادة الكثيفة البدنية. وعاب عنه ما تضمنته من الحكمة ~~الإلهية، واللطيفة الربانية حتى تمسك بالقياس، وعصى الله تعالى في السجود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 77] # قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) # قال فاخرج منها أي من ms3958 الجنة أو السماء فإنك رجيم أي مطرود من الرحمة ومحل ~~الكرامة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 78] # وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) # وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال القاشاني: الرجيم واللعين من بعد عن ~~الحضرة القدسية، المنزهة عن المواد الرجسية، بالانغماس في الغواشي ~~الطبيعية، والاحتجاب بالكوائن الهيولانية. ولهذا وقت اللعن بيوم الدين. ~~وحدد نهايته به، لأن وقت البعث والجزاء هو زمان تجرد الروح عن البدن ~~ومواده. وحينئذ لا يبقى تسلطه على الإنسان. انتهى. # PageV08P275 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 79 الى # 83] # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم ~~المخلصين (83) # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم وهو القيامة الكبرى قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين وهم الذين أخلصهم الله لنفسه من أهل العناية عن ثوب الكدورات ~~النفسية وحجب الأنانية، وصفي فطرتهم عن خلط ظلمة النشأة البشرية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : آية 84] # قال فالحق والحق أقول (84) # قال فالحق والحق أقول جملة معترضة، للتأكيد، أي ولا أقول إلا الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 85 الى 86] # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه من أجر ~~وما أنا من المتكلفين (86) # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين أي تبعك في التعزز والاستكبار ~~والإباء عن الحق والمحاجة في الباطل قل ما أسئلكم عليه من أجر أي على ~~القرآن أو الوحي. قال القاشاني: أي لا غرض لي في ذلك. فإن أقوال الكامل ~~المحقق بالحق مقصودة بالذات، غير معلولة بالغرض وما أنا من المتكلفين قال ~~الزمخشري: أي المتصنعين الذين يتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط ~~متصنعا ولا مدعيا ما ليس عندي، حتى أنتحل النبوة وأدعي القرآن. ### | تنبيه: # في الآية ذم التكليف. وقد روى الشيخان «1» عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: يا ms3959 أيها الناس! من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله ~~أعلم. فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله عز وجل ~~قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم PageV08P276 # قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ص (38) : الآيات 87 الى 88] # إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # إن هو إلا ذكر للعالمين أي عظة وتذكير لهم. وهذا كقوله لأنذركم به ومن ~~بلغ [الأنعام: 19] ، وقوله سبحانه ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ~~[هود: 17] ، ولتعلمن نبأه بعد حين أي عند ظهور الإسلام وانتشاره، ودخول ~~الناس فيه أفواجا أفواجا، من صحة خبره، وإنه الحق والصدق. وهذا من أجل ~~معجزات القرآن، لأنه من الغيوب التي ظهر مصداقها، إذ كان زمن الإخبار به ~~زمن قلة من المؤمنين، وخوف من المشركين. فلم يمض ردح من الزمن حتى أبدل ~~الله قلتهم كثرة، وضعفهم قوة، وخوفهم أمنا، وكمونهم ظهورا وانتشارا. فصدق ~~الله العظيم، وصدق نبيه الكريم، وحقت كلمة الله على الكافرين، والحمد لله ~~رب العالمين. # PageV08P277 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزمر # سميت بها لاشتمالها على الآية التي ذكر فيها زمر الفريقين، المشيرة إلى ~~تفصيل الجزاء وإلزام الحجة وبطلان المعذرة. وهذا من أعظم مقاصد القرآن. ~~قاله المهايمي. وهي مكية، واستثنى بعضهم ثلاث آيات قل يا عبادي [الزمر: 53] ~~، إلخ ذهابا إلى أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة على ما روي. قيل، ورابعة وهي ~~الله نزل أحسن الحديث [الزمر: 23] ، حكاه ابن الجوزي، وتقدم الكلام في مثل ~~هذا. # وآياتها خمس وسبعون. # أخرج النسائي «1» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى ~~نقول ما يريد أن يفطر. ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم. # وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر. ~~PageV08P278 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم أي هذا ms3960 تنزيل. أو تنزيله كائن من ~~الله. # وقرئ تنزيل بالنصب على إضمار فعل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 2] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين أي عن شعوب ~~الشرك والرياء، بإمحاض التوحيد وتصفية السر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 3] # ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار (3) # ألا لله الدين الخالص أي الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة من كل ~~شائبة، لانفراده بالألوهية والذين اتخذوا من دونه أولياء أي بالمحبة. ~~للتقرب والتوسل بهم إلى الله تعالى ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~أي يقولون ذلك احتجاجا على ضلالهم إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ~~أي عند حشر معبوداتهم معهم، فيقرن كلا منهم مع من يتولاه، من عابد ومعبود. ~~ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار لا يوصله إلى النجاة ومقر الأبرار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 4] # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) # PageV08P279 # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار أي نزهه عن المماثلة والمجانسة. واصطفاء الولد. لكون الوحدة ~~لازمة لذاته وقهره بوحدانيته لغيره. فلا تماثل في الوجود، فكيف في الوجوب؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 5 الى 6] # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من ~~نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ms3961 ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~أي بإذهاب أحدهما وتغشية الآخر مكانه. كأنما ألبسه ولف عليه وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى وهو منتهى دوره، أو منقطع حركته ألا هو العزيز ~~الغفار خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها أي من نفسها ونوعها زوجها وأنزل لكم ~~من الأنعام ثمانية أزواج أي ذكرا وأنثى. من الإبل والبقر والضأن والمعز ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق أى متقلبين في أطوار الخلقة في ~~ظلمات ثلاث يعني البطن والرحم والمشيمة ذلكم أي الخالق لصوركم. المكور أي ~~المصرف بقدرته، المسخر بسلطانه، المنشي للكثرة من نفس واحدة بحكمته، المنزل ~~للنعم بنعمته الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون أي عن عبادته ~~إلي عبادة غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 7] # إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) # إن تكفروا فإن الله غني عنكم أي عن إيمانكم ولا يرضى لعباده الكفر أي ~~لأنه سبب هلاكهم وإن تشكروا يرضه لكم أي وإن تستعملوا ما أنعم به عليكم ~~فيما خلق له، يقبله منكم، لأنه دينه، ويثيبكم ثوابا حسنا لطاعتكم. # PageV08P280 ### | تنبيه: # في الإكليل: استدل بقوله تعالى: ولا يرضى لعباده الكفر على أنه تعالى لا ~~يرضى الكفر والمعاصي. وعلى أن الرضا غير الإرادة. وهو أحد قولي أهل السنة. # والقول الثاني وحكاه الآمدي عن الجمهور، أن الرضا والإرادة سيان، وحملوا ~~(العباد) في الآية على المخلصين. ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ~~حمل أخرى، أي ما عليها من الذنوب، أو لا تؤخذ نفس بذنب أخرى، بل كل مأخوذ ~~بذنبه ثم إلى ربكم مرجعكم أي بعد الموت فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم ~~بذات الصدور أي بما في القلوب من الخير والشر. ms3962 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 8 الى 9] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب (9) # وإذا مس أي أصاب الإنسان ضر أي شدة وبلاء دعا ربه منيبا إليه أي ابتهل ~~إليه برفع الشدة والبلاء عنه، مقبلا إليه بالدعاء والتضرع ثم إذا خوله أي ~~أعطاه نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل أي نسي الضر الذي كان يدعو ~~الله إلى كشفه من قبل النعمة. وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل ~~إليه. ف (ما) بمعنى (من) أقيمت مقامها لقصد الدعاء الوصفي، ولما في (ما) من ~~الإبهام والتفخيم، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله أي يصد الناس عن دينه ~~وطاعته قل تمتع بكفرك أي عش به قليلا أي يسيرا في الدنيا إنك من أصحاب ~~النار أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما أي متعبدا في ساعاته يقطعها في ~~السجود والقيام يحذر الآخرة أي عقابها ويرجوا رحمة ربه أي جنته ورضوانه، ~~أي: أهذا أفضل أم ذاك الكافر الجاحد الناسي لربه؟ قل هل يستوي الذين يعلمون ~~أي توحيده وأمره ونهيه في الثواب والطاعة والذين لا يعلمون أي لا يستويان. ### | تنبيهات: # الأول- في الآية استحباب قيام الليل. قال ابن عباس: آناء الليل: جوف ~~الليل. # وقال الحسن: ساعاته أوله ووسطه وآخره. # PageV08P281 # الثاني- في قوله تعالى: يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه رد على من ذم ~~العبادة خوفا من النار أو رجاء الجنة. # وقال صلى الله عليه وسلم (حولها ندندن) » . # الثالث- في قوله تعالى: هل يستوي الآية مدح العلم ورفعة قدره. وذم الجهل ~~ونقصه. وقد يستدل به على أن الجاهل لا يكافئ العالمة، كما أنه لا يكافئ بنت ~~العالم، أفاده في (الإكليل) . # وفي الآية أيضا ms3963 إشعار بأن الذين يعلمون هم العاملون بعلمهم، إذ عبر عنهم ~~أولا ب (القانت) ثم نفى المساواة بينه وبين غيره، ليكون تأكيدا له، وتصريحا ~~بأن غير العالم كأن ليس بعالم. # قال القاشاني: وإنما كان المطيع هو العالم، لأن العلم هو الذي رسخ في ~~القلب وتأصل بعروقه في النفس، بحيث لا يمكن صاحبه مخالفته، بل سيط باللحم ~~والدم، فظهر أثره في الأعضاء لا ينفك شيء منها عن مقتضاه، وأما المرتسم في ~~حيز التخيل، بحيث يمكن ذهول النفس عنه وعن مقتضاه، فليس بعلم. إنما هو أمر ~~تصوري وتخيل عارض لا يلبث، بل يزول سريعا. لا يغذو القلب ولا يسمن ولا يغني ~~من جوع إنما يتذكر أي يتعظ بهذا الذكر أولوا الألباب أي العقول الصافية عن ~~قشر التخيل والوهم، لتحققها بالعلم الراسخ الذي يتأثر به الظاهر. وأما ~~المشوبة بالوهم فلا تتذكر ولا تتحقق بهذا العلم ولا تعيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 10] # قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة أي ~~للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا، مثوبة حسنة في الآخرة، لا يكتنه كنهها ~~وأرض الله واسعة أي بلاده كثيرة. فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في ~~وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكن منه. قال الشهاب: وجه إفادة هذا التركيب هذه ~~المعاني الكثيرة. # أوضحه شراح الكشاف بأن قوله: للذين أحسنوا مستأنف لتعليل الأمر بالتقوى، ~~PageV08P282 # ولذا قيد بالظرف. لأن الدنيا مزرعة الآخرة، فينبغي أن يلقى في حرثها بذر ~~المثوبات. # وعقب بهذه الجملة لئلا يعتذر عن التفريط بعدم مساعدة المكان، ويتعلل بعدم ~~مفارقة الأوطان، فكان حثا على اغتنام فرصة الأعمار، وترك ما يعوق من حب ~~الديار، والهجرة فيما اتسع من الأقطار، كما قيل: # إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي # انتهى. إنما يوفى الصابرون أي على مشاق الطاعة من احتمال البلاء. # ومهاجرة الأوطان لها ms3964 أجرهم بغير حساب أي بغير مكيال. تمثيل للكثرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 11] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين أي عن الالتفات إلى غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 12] # وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) # وأمرت لأن أكون أول المسلمين أي وأمرت بذلك، لأجل أن أكون مقدمهم في ~~الدنيا والآخرة. لأن إخلاصه صلى الله عليه وسلم أتم من إخلاص كل مخلص. وعلى ~~هذا، فالأولية في الشرف والرتبة. أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من أمته. ~~فالأولية زمانية على ظاهرها. ويجوز أن تجعل اللام مزيدة. كما في (أردت لأن ~~أفعل) فيكون أمرا بالتقدم في الإخلاص. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 13 الى 14] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني ~~(14) # قل إني أخاف إن عصيت ربي أي بترك الإخلاص له عذاب يوم عظيم قل الله أعبد ~~أي أخصه بالعبادة مخلصا له ديني عن شوب الغير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 15] # فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # PageV08P283 # فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة أي أهلكوا أنفسهم بالضلال، وأهليهم بالإضلال. أو خسروا أنفسهم ~~بالهلاك وأهليهم به أيضا. إن كانوا مثلهم، أو بفقدهم فقدا لا اجتماع بعده، ~~إن كانوا من أهل الجنة ألا ذلك هو الخسران المبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 16] # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل أي أطباق من النار ذلك أي ~~العذاب المتوعد به يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون أي بعدم التعرض لما ~~يوجب السخط. قال الزمخشري: وهذه عظة من الله تعالى، ونصيحة ms3965 بالغة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 17 الى # 19] # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر ~~عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار (19) # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها يعني الأوثان. و (فعلوت) للمبالغة ~~وأنابوا إلى الله لهم البشرى أي بالثواب فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أي إيثارا للأفضل واهتماما بالأكمل. قال الزمخشري: أراد أن ~~يكونوا نقادا في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل. ويدخل ~~تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك، وأقواها عند السبر، وأبينها دليلا ~~وأمارة. وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل: # ولا تكن مثل عير قيد فانقادا # يريد المقلد. انتهى ويدخل تحته أيضا إيثار الأفضل من كل نوعين، اعتراضا. # كالواجب مع الندب. والعفو مع القصاص. والإخفاء مع الإبداء في الصدقة، ~~وهكذا أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب أفأنت تنقذ من في النار أي أفأنت تنقذه منها؟ أي: لا يمكن إنقاذه ~~أصلا. # PageV08P284 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 20 الى 21] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ~~ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ~~ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج أي يتم جفافه فتراه ~~مصفرا ثم يجعله حطاما أي فتاتا إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب أي لتذكيرا ~~وتنبيها على أنه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير ms3966 وتدبير، لا عن ~~تعطيل وإهمال. ويجوز أن يكون مثلا للدنيا كقوله تعالى: إنما مثل الحياة ~~الدنيا [يونس: 24] ، واضرب لهم مثل الحياة الدنيا [الكهف: 45] ، أفاده ~~الزمخشري. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 22] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) # أفمن شرح الله صدره للإسلام أي وسعه لتسليم الوجه إليه وحده، ولقبول دينه ~~وشرعه بلطفه وعنايته وإمداده سبحانه فهو على نور من ربه أي على بينة ~~ومعرفة. واهتداء إلى الحق. واستعارة النور للهدى والعرفان، شهيرة، كاستعارة ~~الظلمة لضد ذلك. وخبر (من) محذوف دل عليه قوله تعالى: فويل للقاسية قلوبهم ~~من ذكر الله أي من قبول ذكره لشدة ميلها إلى اللذات البدنية، وإعراضها عن ~~الكمالات القدسية، أو من أجل ذكره. ف (من) للتعليل والسببية.. وفيها معنى ~~الابتداء لنشئها عنه. قال الشهاب: إذا (قيل قسا منه) فالمراد أنه سبب لقسوة ~~نشأت منه. وإذا قيل (قسا عنه) فالمعنى أن قسوته جعلته متباعدا عن قبوله. ~~وبهما ورد استعماله. وقد قرئ ب (عن) في الشواذ. لكن الأول أبلغ. لأن قسوة ~~القلب تقتضي عدم ذكر الله. # وهو معناه إذا تعدى ب (عن) . وذكره تعالى مما يلين القلوب. فكونه سببا ~~للقسوة، يدل على شدة الكفر الذي جعل سبب الرقة، سببا لقسوته أولئك في ضلال ~~مبين أي عن طريق الحق. # PageV08P285 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 23] # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها أي يشبه بعضه بعضا. في الصحة ~~والإحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق ووجوه الإعجاز مثاني جمع ~~(مثنى) بمعنى مردد ومكرر، لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ~~ووعده ووعيده ومواعظه تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم تمثيل لإفراط ~~خشيتهم. أو حقيقة لتأثرهم عند سماع ms3967 آياته وحكمه ووعيده، بما يرد على قلوبهم ~~منها ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله أي بالانقياد والطاعة والسكينة ~~لأمره ذلك أي الكتاب، أو الكائن من الخشية والرجاء هدى الله يهدي به من ~~يشاء ومن يضلل الله أي من زاغ قلبه فما له من هاد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 24] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة أي فمن يجعل وجهه وقاية لشدة ~~العذاب ذلك اليوم، أي قائما مقامها في أنه أول ما يمسه المؤلم له. لأن ما ~~يتقى به هو اليدان، وهما مغلولتان. ولو لم تغلا كان يدفع بهما عن الوجه، ~~لأنه أعز أعضائه. # وقل: الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقى به، لأن الوجه لا يتقى به. ~~وخبر (من) محذوف كنظائره. أي: كمن أمن العذاب وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون أي: وباله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 25] # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون أي لا يحتسبون أن ~~الشر يأتيهم منها. # PageV08P286 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 26 الى 27] # فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) # فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا أي الذل والصغار ولعذاب الآخرة أكبر ~~لو كانوا يعلمون ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل أي بينا لهم في ~~هذا القرآن، الذي هو دليل في نفسه من إعجازه، من كل مثل يحتاج إليه. من ~~يستدل بنظره على حقيته وأحقيته لعلهم يتذكرون أي به ما يهمهم من أمور ~~دينهم، وما يصلحهم من شؤون سعادتهم. فيفسروا المعقول بالمحسوس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 28] # قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) # قرآنا عربيا غير ذي عوج أي مستقيما بريئا من التناقض ms3968 والاختلاف لعلهم ~~يتقون أي العذاب والخزي يوم الجزاء، بالاتقاء من الأفعال القبيحة والأخلاق ~~الرديئة. والاعتقادات الفاسدة. ومن أجل تلك الأمثال. ما مثل به ليتقي من ~~أعظم المخوفات، وهو الشرك، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 29] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) # ضرب الله مثلا أي للمشرك والموحد رجلين مملوكين رجلا فيه شركاء متشاكسون ~~أي سيئوا الأخلاق، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة، لا يزال ~~متحيرا متوزع القلب، لا يدري أيهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجته ~~ورجلا سلما لرجل أي: خلص ملكه له، لا يتجه إلا إليه جهته، ولا يسير إلا ~~لخدمته، فهمه واحد. وقلبه مجتمع هل يستويان مثلا أي: صفة وحالا. أي في حسن ~~الحال وراحة البال؟ كلا. وهكذا حال من يثبت آلهة شتى. لا يزال متحيرا خائفا ~~لا يدري أيهم يعبد، وعلى ربوبية أيهم يعتمد. وحال من لم يعبد إلا إلها ~~واحدا. فهمه واحد. ومقصده واحد. ناعم البال. خافض العيش والحال. والقصد أن ~~توحيد المعبود فيه توحيد الوجهة ودرء الفرقة. كما قال تعالى حكاية عن يوسف # PageV08P287 # عليه السلام أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] ، ~~الحمد لله قال أبو السعود: تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض، ~~وتنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية بتوفيق الله تعالى. وأنها نعمة ~~جليلة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته. أو على أن بيانه تعالى ~~بضرب المثل، أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء. صنع جميل ولطف تام ~~منه عز وجل، مستوجب لحمده وعبادته. وقوله تعالى: بل أكثرهم لا يعلمون إضراب ~~وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثر الناس، ~~وهم المشركون، لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره، فيبقون في ورطة الشرك والضلال، ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 30] # إنك ميت وإنهم ميتون (30) # إنك ميت وإنهم ميتون تمهيد لما يعقبه من الاختصام ms3969 يوم القيامة. وقرئ ~~(مائت ومائتون) وقيل: كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته. ~~أي إنكم جميعا بصدد الموت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 31] # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم أي مالك أموركم تختصمون أي فتحتج أنت عليهم ~~بأنك بلغتهم ما أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف ~~هذه الآيات. واجتهدت في الدعوة إلى الحق حق الاجتهاد، وهم قد لجوا في ~~المكابرة والعناد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 32] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) # فمن أظلم ممن كذب على الله أي افترى عليه بنسبة الشريك والولد وكذب ~~بالصدق أي بالأمر الذي هو عين الحق إذ جاءه أي حضر عنده دليله وبرهانه، ~~فرفضه ورده على قائله، أي لا أحد من المتخاصمين أظلم ممن حاله ذلك. لأنه ~~أظلم من كل ظالم أليس في جهنم مثوى للكافرين أي لهؤلاء الذين افتروا على ~~الله سبحانه، وسارعوا إلى التكذيب بالحق. # PageV08P288 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 33] # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) # والذي جاء بالصدق وصدق به أي جاء بدليل التوحيد وآمن به فلم يعتد بشبهة ~~تقابله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه أولئك هم المتقون أي ~~الموصوفون بالتقوى التي هي أجل الرغائب. ولذا كان جزاؤهم أن يقيهم الله ما ~~يكرهون، كما قال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 34 الى # 37] # لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ~~ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله ~~فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) # لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين أي الذين أحسنوا أعمالهم ~~وأصلحوها ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم ms3970 أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون أليس الله بكاف عبده أي نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعصمه من كل ~~سوء، ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف ويخوفونك بالذين من دونه يعني ~~الأوثان التي عبدوها من دونه تعالى. وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عما قالت له قريش: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، ويصيبك مضرتها لعيبك ~~إياها. كما قال قوم هود إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 54] ، ~~ومن يضلل الله أي من غفل عن كفايته تعالى وعصمته له عليه الصلاة والسلام. ~~وخوفه بما لا ينفع ولا يضر أصلا: فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل ~~أي يصرفه عن مقصده، أو يصيبه بسوء يخل بسلوكه. # إذ لا راد لفضله ولا معقب لحكمه أليس الله بعزيز ذي انتقام أي ينتقم من ~~أعدائه لأوليائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 38] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) # PageV08P289 # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله لما تقرر في الفطر ~~والعقول من استيقان ذلك. ولوضوح الدليل عليه قل أي تبكيتا لهم أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل ~~هن ممسكات رحمته أي نفعه وخيره. كلا. فإنها لا تضر ولا تنفع قل حسبي الله ~~عليه يتوكل المتوكلون أي في جميع أمورهم، لا على غيره. لعلمهم بأن كل ما ~~سواه تحت قهره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 39 الى # 40] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم أي حالتكم التي أنتم عليها، من العداوة ~~ومناصبة الحق إني عامل أي على مكانتي، فحذف للاختصار، والمبالغة في الوعيد، ms3971 ~~والإشعار بأن حاله لا تزال تزداد قوة، بنصر الله عز وجل وتأييده. ولذلك ~~توعدهم بكونه منصورا عليهم في الدارين، بقوله تعالى: فسوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم أي دائم. وقد أخزاهم الله يوم بدر ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى [طه: 127] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 41] # إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) # إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق أي لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ~~وافتقارهم إلى بيان مراشدهم فمن اهتدى أي بدلائله فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها، وما أنت عليهم بوكيل أي لتجبرهم على الهدى. إذ ما عليك إلا البلاغ ~~فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين [الحجر: 94] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 42] # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # PageV08P290 # الله يتوفى الأنفس حين موتها أي مفارقتها لأبدانها، بإبطال تصرفها فيها ~~بالكلية والتي لم تمت في منامها أي ويتوفى التي لم يحن موتها في منامها، ~~بإبطال تصرفها بالحواس الظاهرة فيمسك التي قضى عليها الموت أي فلا يردها ~~إلى بدنها إلى يوم القيامة ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى أي وهو نوم آخر أو ~~موت إن في ذلك أي فيما ذكر من التوفي على الوجهين لآيات لقوم يتفكرون أي في ~~كيفية تعلقها بالأبدان، وتوفيها عنها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 43 الى # 45] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من ~~دونه إذا هم يستبشرون (45) # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل ~~لله الشفاعة جميعا أي هو مالكها لا يستطيع أحد شفاعة ms3972 ما، إلا أن يكون ~~المشفوع له مرتضى، والشفيع مأذونا له، وكلاهما مفقود ها هنا له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون وإذا ذكر الله وحده أي دون آلهتهم اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه أي فرادى، أو مع ذكر ~~الله تعالى: إذا هم يستبشرون أي يفرحون بذلك. لفرط افتتانهم بها، ونسيانهم ~~حق الله تعالى. ولقد بولغ في الأمرين حيث بين الغاية فيهما. فإن الاستبشار ~~أن يمتلئ قلبه سرورا حتى تنبسط له بشرة وجهه. والاشمئزاز أن يمتلئ غما حتى ~~ينقبض أديم وجهه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 46] # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون (46) # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون أي التجئ إلى الله بالدعاء بأسمائه الحسنى، وقل: ~~أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم. والمقصود بيان حالهم ووعيدهم وتسلية ~~حبيبه الأكرم. وأن جده وسعيه معلوم مشكور عنده تعالى. وتعليم العباد ~~الالتجاء إلى الله تعالى. والدعاء بأسمائه الحسنى، والاستعانة بالتضرع ~~والابتهال على دفع كيد العدو. # PageV08P291 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 47 الى # 48] # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم ~~سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ~~ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن أي نزل بهم جزاؤه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 49 الى 50] # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما ~~أغنى عنهم ms3973 ما كانوا يكسبون (50) # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم أي مني بوجوه الكسب والتحصيل بل هي فتنة أي ابتلاء له، أيشكر تلك ~~النعمة، فيصرفها فيما خلقت له، فيسعد. أو يكفرها فيشقى ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون قد قالها الذين من قبلهم أي كما قال قارون إنما أوتيته على علم عندي ~~[القصص: # 78] فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون أي فما دفع عنهم ما كسبوه بذلك العلم ~~من متاع الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 51 الى 52] # فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) # فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون أي بأن الكل منه سبحانه، ومن آياته في ذلك- كما قال ~~المهايمي- أنه تعالى قوي بذاته، له تقويه من يشاء وتضعيف من يشاء. ومنها ~~أنه فياض بذاته لا # PageV08P292 # يتوقف فيضه على الشفعاء. ومنها أنه فاعل بذاته لا يتوقف فعله على سبب ~~وواسطة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 53 الى # 56] # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ~~من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أن تقول نفس يا ~~حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم أي جنوا عليها بالإسراف في المعاصي ~~والكفر لا تقنطوا قرئ بفتح النون وكسرها من رحمة الله أي لا تيأسوا من ~~مغفرته بفعل سبب يمحو أثر الإسراف إن الله يغفر الذنوب جميعا ms3974 أي لمن تاب ~~وآمن. فإن الإسلام يجب ما قبله إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم أي ~~توبوا إليه وأسلموا له أي استسلموا وانقادوا له. وذلك بعبادته وحده وطاعته ~~وحده، بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت أي قصرت في جنب الله أي ~~في جانب أمره ونهيه، إذ لم أتبع أحسن ما أنزل وإن كنت لمن الساخرين أي ~~المستهزئين بمن يتبع الأحسن. وأن تقول مفعول له بتقدير مضاف. أي: فتداركوا ~~كراهة أن تقول. أو تعليل لفعل يدل عليه ما قبله. أي أنذركم وآمركم باتباع ~~أحسن القول كراهة. وتفصيله في شروح (الكشاف) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 57] # أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) # أو تقول لو أن الله هداني أي للإسلام لكنت من المتقين أي: من هذا الكفر. ~~أي تقول هذا النوع من التحسر ولتعلل بما لا يجدي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 58] # أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) # أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة أي رجعة إلى الدنيا فأكون من # PageV08P293 # المحسنين # أي في الإيمان والعمل الصالح. ثم رد تعالى على تلك النفس بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 59 الى 60] # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ويوم القيامة ~~ترى الذين كذبوا على الله أي بنسبة ما يستحيل عليه من الولد والشريك، ~~وتجويز ما يمتنع عليه من رضاه بما هم عليه، وأمره لهم، وغير ذلك من إفكهم ~~وجوههم مسودة أي لما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم. فالسواد حقيقي. ms3975 أو ~~لما لحقهم من الكآبة، ويظهر عليهم من آثار الهيئات الظلمانية ورسوخ الرذائل ~~النفسانية في ذواتهم. فالسواد مجاز بالاستعارة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ~~أي عن الإيمان والهدى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 61 الى 62] # وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله ~~خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) # وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم أي بفوزهم وفلاحهم لإتيانهم بأسباب ~~الفوز، من الاعتقادات المبنية على الدلائل والأعمال الصالحة لا يمسهم السوء ~~ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل أي يتولى التصرف فيه ~~كيف شاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 63 الى 66] # له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ~~(63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين (66) # له مقاليد السماوات والأرض أي هو وحده يملك أمرها وخزائن غيوبها # PageV08P294 # وأبواب خيرها وبركتها والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون قل ~~أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد أي خصه بالعبادة ~~وكن من الشاكرين أي الصارفين ما أنعم به عليهم، إلى ما خلق لأجله. # قيل: كان الظاهر (لو أشركت) لأن (أن) تقتضي احتمال الوقوع. وهو هنا مقطوع ~~بعدمه. فالجواب: أن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها ~~لأغراض. والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية قبح الإشراك. # وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟ وإطلاق ~~الإحباط هنا يستدل به من ذهب إلى أن الردة مبطلة للعمل مطلقا، كالحنفية. # وغيرهم يرى الإحباط مقيدا بالاستمرار عليه إلى الموت، وأنه هو المحبط في ~~الحقيقة. وأنه إنما ترك التقييد به اعتمادا على التصريح به في آية أخرى، ~~وهي قوله تعالى: ومن يرتدد منكم ms3976 عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ~~[البقرة: 217] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية # 67] # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون أي ما قدروا عظمته تعالى حق عظمته، ولا ~~عرفوا جلاله حق معرفته. حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق بشئونه ~~الجليلة. مع أن عظمته وكمال قدرته تتحير فيها الأوهام. فإن تبديل الأرض غير ~~الأرض. وطي السموات كطي السجل، أهون شيء عليه، وفي (القبضة واليمين) مذهبان ~~معروفان. # مذهب السلف، وهو إثبات ذلك من غير تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا ~~تبديل ولا تغيير ولا إزالة للفظ الكريم عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل. ~~يجرون على الظاهر ويكلون علمه إليه تعالى ويقرون بأن تأويله (أي ما يؤول ~~إليه من حقيقته) لا يعلمه إلا الله. وهكذا قولهم في جميع الصفات التي نزل ~~بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح. # المذهب الثاني- القول بأن ذلك من المجاز المعروف نظيره في كلام العرب. # وإن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة. ثم من ذاهب إلى أن المجاز في المفردات، # PageV08P295 # استعيرت (القبضة) للملك أو التصرف و (اليمين) للقدرة، وذاهب إلى أنه في ~~المركب، بتمثيل حال عظمته ونفاذ قدرته، بحال من يكون له قبضة فيها الأرض، ~~ويمين بها تطوى السموات، وهذا ما عول عليه الزمخشري وبسطه أحسن بسط. # ثم أشار إلى أن من عظيم قدرته تعالى، أنه جعل النفخ في الصور سبب موت ~~الكل تارة، وحياتهم أخرى، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 68] # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) # ونفخ في الصور فصعق أي هلك من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~أي من خواص الملائكة، أو من الشهداء. روي ذلك عن بعض التابعين. وقال ms3977 قتادة: ~~قد استثنى الله، والله أعلم، إلى ما صار ثنيته. وهذا هو الوجه. إذ لا يصار ~~إلى بيان المبهمات إلا بقاطع ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون أي وقوف، ~~يقلبون أبصارهم دهشا وحيرة. أو ينتظرون ما يحل بهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : آية 69] # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) # وأشرقت الأرض بنور ربها أي لأنه يتجلى لهم سبحانه لإقامة العدل والجزاء ~~ووضع الكتاب أي عرض كتب الأعمال على أهلها ليقرأ كل واحد عمله في صحيفته. ~~أو الكتاب مجاز عن الحساب وما يترتب عليه من الجزاء، ووضعه ترشيح له. ~~والمراد بوضعه الشروع فيه، أو هو تمثيل. وجوه نقلها الشهاب وجيء بالنبيين ~~والشهداء أي الذين يشهدون للأمم وعليهم، من الحفظة والأخيار المطلعين على ~~أحوالهم. أي أحضروا للشهادة لهم أو عليهم لاطلاعهم على أحوالهم. وجوز إرادة ~~المستشهدين في سبيل الله تعالى، تنويها بشأنهم، وترفيعا لقدرهم، بضمهم إلى ~~النبيين في الموقف. ولا يبعد وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون أي فتوزن ~~أعمالهم بميزان العدل، ويوفون جزاء أعمالهم، لا ينقص منها شيء، كما قال: # PageV08P296 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 70 الى # 73] # ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) وسيق الذين كفروا إلى ~~جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم ~~يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) # ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا أي أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض، على تفاوت ضلالهم وغيهم، رعاية ~~للعدل في التقديم والتأخير حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها أي ليدخلوها، ولكل ~~فريق باب وقال لهم خزنتها ms3978 أي الموكلون بتعذيبهم ألم يأتكم رسل منكم أي من ~~جنسكم تعرفون صدقهم وأمانتهم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا أي وقتكم أو يوم القيامة، حرصا على صلاحكم وهدايتكم قالوا بلى ولكن حقت ~~أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين أي حكمه عليهم بالشقاوة، وأنهم من أهل ~~النار قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة أي مساق إعزاز وتشريف، للإسراع بهم إلى دار الكرامة ~~زمرا أي متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم أي من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطايا ~~فادخلوها خالدين قال السمين: في جواب إذا ثلاثة أوجه: # أحدها- قوله: وفتحت والواو زائدة. وهو رأي الكوفيين والأخفش. وإنما جيء ~~هنا بالواو دون التي قبلها، لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب ~~الجريمة فتفتح له، ثم تغلق عليه. فناسب ذلك عدم الواو فيها. بخلاف أبواب ~~السرور والفرح، فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها. # والثاني- أن الجواب قوله: وقال لهم خزنتها على زيادة الواو أيضا. # الثالث- أن الجواب محذوف. قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعد خالدين: # PageV08P297 # أي لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط ما عطف عليه. والتقدير: اطمأنوا. وقدره ~~المبرد: سعدوا. وعلى هذين الوجهين، فتكون الجملة من قوله: وفتحت أبوابها في ~~محل نصب على الحال، والواو واو الحال. أي جاءوها مفتحة أبوابها. كما صرح ~~بمفتحة حالا من جنات عدن مفتحة لهم الأبواب وهو قول المبرد والفارسي ~~وجماعة. وزعم بعضهم أن هذه الواو تسمى واو الثمانية. لأن أبواب الجنة ~~ثمانية. # ورده في (المغني) بأنه لو كان لواو الثمانية حقيقة، لم تكن الآية منها. ~~إذ ليس فيها ذكر عدد البتة، وإنما فيها ذكر الأبواب، وهي جمع لا يدل على ~~عدد خاص. ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها. انتهى. # أي وهي- على قول مثبتها- الداخلة على لفظ الثمانية على سرد العدد. ذهابا ~~إلى أن بعض العرب إذا عدوا قالوا: ستة سبعة وثمانية. إيذانا بأن السبعة عدد ~~تام، ms3979 وأن ما بعده عدد مستأنف، فأشبهت واو الاستئناف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزمر (39) : الآيات 74 الى 75] # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده أي بإيصالنا إلى ما وعدنا وأنبأنا عنه ~~على ألسنة رسله وأورثنا الأرض أي أرض الآخرة. شبه نيلهم بأعمالهم لها، ~~بإرثهم من آبائهم. فكأن الأعمال آباؤهم. كما قيل: # وأبي الإسلام لا أب لي سواه # وكما يقال (الصدق يورث النجاة) نتبوأ من الجنة حيث نشاء أي يتبوأ كل من ~~جنته الواسعة، أي مكان أراده فنعم أجر العاملين أي الذين عملوا بما علموا ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش أي الملائكة السماوية حافين في جنة ~~الفردوس حول عرش الرحمن، محدقين به. وتقدم في تفسير آية ثم استوى على العرش ~~[الأعراف: 54] في الأعراف، كلام في حملة العرش، فتذكره يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم أي بين الخلائق بالحق أي بالعدل وقيل الحمد لله رب العالمين أي ~~على ما قضى بينهم بالحق، وأنزل كلا منزلته التي هي حقه. والقائل: # PageV08P298 # إما الحق جل جلاله، أو الملائكة الحافون، أو المؤمنون ممن قضي بينهم. أو ~~الكل، فله الحمد عز وجل. # عن قتادة قال: افتتح الله أول الخلق ب الحمد لله فقال الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وختم بالحمد فقال وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين. # PageV08P299 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة غافر # وسميت (المؤمن) قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على كلمات مؤمن آل ~~فرعون، المتضمنة دلائل النبوة ورفع الشبه عنها، والمواعظ والنصائح وسلامته ~~عن أعدائه. وعما أخذوا به، وهي من أعظم مقاصد القرآن. وتسمى سورة غافر ~~وسورة الطول. وهي مكية وآيها ثمانون وخمس. # PageV08P300 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) # حم تنزيل الكتاب ms3980 من الله العزيز العليم الكلام في مفتتح هذه السورة ~~وتاليه، كالذي سلف في (الم السجدة) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 3 الى 4] # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ~~(3) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول أي المن والفضل لا إله إلا ~~هو إليه المصير أي المرجع والجزاء ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ~~أي ما يخاصم في حجج الله وأدلته علي وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين ~~جحدوا توحيده، قال الزمخشري: سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر. ~~والمراد الجدال بالباطل، من الطعن فيها والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور ~~الله. وقد دل على ذلك قوله وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق [غافر: 5] . ~~فأما الجدال فيها، لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها ومقارحة أهل العلم في استنباط ~~معانيها، ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. # وقوله صلى الله عليه وسلم «1» # (جدال في القرآن كفر) # وإيراده منكرا، تمييز منه بين جدال وجدال. انتهى فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد أي للتجارات، وتمتعهم بالتجوال والترداد، فمآلهم إلى الزوال ~~والنفاد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 5] # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) PageV08P301 # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب أي الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم من ~~بعدهم أي من بعد سماع أخبارهم ومشاهدة آثارهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~أي ليتمكنوا منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. # من (الأخذ) بمعنى الأسر. والأخيذ الأسير وجادلوا بالباطل أي قابلوا حجج ~~الرسل بالباطل من جدالهم ليدحضوا به الحق أي ليزيلوا به الأمر الثابت ~~بالحجة الصحيحة. لكنه لا يندحض وإن كثرت الشبه. لما أنه الثابت في نفسه ~~المتقرر بذاته فأخذتهم أي بالعذاب الدنيوي المعروف أخباره. المشهود آثاره ~~فكيف كان عقاب أي ms3981 في هذه الدار. فيعتبر به عقاب تلك الدار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 6] # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار قال ابن جرير: # أي وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها، التي قصصت عليك، يا محمد، قصصها، ~~وحل بها عقابي. كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك، الذين ~~يجادلون في آيات الله. لأنهم أصحاب النار. ثم نوه بالمؤمنين، وبما أعد لهم، ~~بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 7 الى 10] # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) # الذين يحملون العرش أي من الملائكة. وقد سبق في تفسير آية ثم استوى على ~~العرش [الأعراف: 54] ، في الأعراف، كلام في حملة العرش، فراجعه ومن حوله ~~يعني الملائكة المقربين يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به أي: ويقرون بأنه # PageV08P302 # لا إله لهم سواه. ويشهدون بذلك لا يستكبرون عن عبادته. وفائدة التصريح ~~بإيمانهم، مع جلائه، هو إظهار فضيلة الإيمان وإبراز شرف أهله، والإشعار ~~بعلة دعائهم للمؤمنين. حسبما ينطق به قوله تعالى: ويستغفرون للذين آمنوا ~~فإن المشاركة في الإيمان أقوى المناسبات وأتمها، وأدعى الدواعي إلى النصح ~~والشفقة. # وفي نظم استغفارهم لهم في سلك وظائفهم المفروضة عليهم، من تسبيحهم ~~وتحميدهم وإيمانهم، إيذان بكمال اعتنائهم به، وإشعار بوقوعه عند الله تعالى ~~في موقع القبول ربنا أي يقولون ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما أي شملت رحمتك ~~وأحاط بالكل علمك فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك أي صراطك المستقيم ~~بمتابعة نبيك في الأقوال والأعمال والأحوال وقهم ms3982 عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم أي عمل صالحا ~~منهم، ليتم سرورهم بهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات أي: # عقوبتها وجزاءها ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم إن ~~الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم أي: لبغضه الشديد لكم، ~~أعظم من بغض بعضكم لبعض. وتبرؤ كل من الآخر ولعنه حين تعذبون كما قال ~~تعالى: # يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: 25] ، أو أعظم من مقتكم ~~أنفسكم وذواتكم. فقد يمقتون أنفسهم حين تظهر لهم هيئاتها المظلمة وصفاتها ~~المؤلمة، وسواد الوجه الموحش وقبح المنظر المنفر إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون أي تدعون على ألسنة الرسل عليهم السلام، إلى الإيمان به سبحانه، ~~فتكفرون كبرا وعتوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 11] # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل (11) # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين أي أنشأتنا أمواتا مرتين. ~~وأحييتنا في النشأتين كما قال تعالى: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم [البقرة: 28] ، قال قتادة: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم ~~الله في الدنيا. ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها. ثم أحياهم للبعث يوم ~~القيامة. فهما حياتان وموتتان فاعترفنا بذنوبنا أي: فأقررنا بما عملنا من ~~الذنوب في الدنيا. وذلك عند وقوع العقاب المرتب عليها. وامتناع المحيص عنه ~~فهل إلى خروج من سبيل أي: فهل # PageV08P303 # إلى خروجنا من النار، من سبيل، لنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل. قال الزمخشري: وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط. وإنما يقولون ~~ذلك تعللا وتحيرا. ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك. وهو قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 12 الى # 13] # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي ~~الكبير (12) هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا ~~من ينيب (13) # ذلكم أي ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب، وأن ms3983 لا سبيل إلى خروج قط بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا أي بسبب إنكاركم أن الألوهة له ~~خالصة، وقولكم أجعل الآلهة إلها واحدا [ص: 5] ، وإيمانكم بالشرك فالحكم لله ~~العلي الكبير أي فالقضاء له وحده لا للغير. فلا سبيل إلى النجاة لعلوه ~~وكبريائه. # فلا يمكن أحدا رد حكمه وعقابه هو الذي يريكم آياته أي من الريح والسحاب ~~والرعد والبرق والصواعق ونحوها وينزل لكم من السماء رزقا أي مطرا. وإفراده ~~بالذكر من بين الآيات، لعظم نفعه، وتسبب حياة كل شيء عنه وما يتذكر إلا من ~~ينيب أي. وما يتعظ بآياته تعالى، إلا من يرجع إليه بالتوبة والإنابة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 14 الى 15] # فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) # فادعوا الله مخلصين له الدين أي فاعبدوه مخلصين له الدين، عن شوب الشرك ~~ولو كره الكافرون أي غاظهم ذلك رفيع الدرجات أي رفيع درجات عرشه كقوله ذي ~~المعارج [المعارج: 3] ، وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش. وهي دليل ~~على عزته وملكوته. أو هو عبارة عن رفعة شأنه وعلو سلطانه وكمالاته، غير ~~المتناهية ذو العرش يلقي الروح أي الوحي والعلم اللدني الذي تحيا به القلوب ~~الميتة من سره على من يشاء من عباده أي أهل عنايته الأزلية، واختصاصه ~~للرسالة والنبوة لينذر يوم التلاق أي يوم القيامة الكبرى، الذي يتلاقى فيه ~~العبد بربه ليحاسبه على أعماله، أو العباد. # PageV08P304 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 16 الى 17] # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ~~(17) # يوم هم بارزون أي من قبورهم. أو ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو بناء لا ~~يخفى على الله منهم شيء أي من أعمالهم وأعيانهم وأحوالهم. وقوله لمن الملك ~~اليوم ينادي به الحق ms3984 سبحانه، عند فناء الكل. أو وقت التلاقي والبروز. # فيجيب هو وحده لله الواحد أي المتفرد بالملك القهار أي الذي قهر بالغلبة ~~كل ما سواه اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ~~أي بإيصال ما يستحق كل منهم إليه، من تبعات سيئاته وثمرات حسناته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 18] # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) # وأنذرهم يوم الآزفة أي الواقعة القريبة إذ القلوب لدى الحناجر أي من ~~أهواله ترتفع القلوب عن مقارها. فتصير لدى الحلوق كاظمين أي ممتلئين غما، ~~بما أفرطوا من الظلم ما للظالمين من حميم أي قريب يهتم لشأنهم، فيخفف عنهم ~~غمومهم ولا شفيع يطاع أي من يشفع في تخفيفها عنهم. إذ لا تقبل شفاعة فيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 19 الى 25] # يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) والله يقضي بالحق والذين يدعون ~~من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (20) أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا ~~في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) # إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من ~~عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال (25) # PageV08P305 # يعلم خائنة الأعين أي نظراتها الخائنة. وهي الممتدة إلى ما لا يحل وما ~~تخفي الصدور أي تكنه من الضمائر والأسرار والله يقضي بالحق أي بالعدل ~~والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء أي لأنهم لا يقدرون على شيء إن الله هو ~~السميع البصير أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض يعني حصونهم وقصورهم وعددهم ~~فأخذهم ms3985 الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم ~~بالحق أي بآيات نبوته من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نساءهم أي: قالوا أعيدوا عليهم القتل، كالذي كان أولا. واستبقوا ~~نسائهم للخدمة وما كيد الكافرين إلا في ضلال أي: وما مكرهم في دفع ما أراد ~~الله من ظهور دينه، إلا في ضياع. إذ هو كالغثاء الذي يقذفه تيار الحق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 26] # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أي ما ~~أنتم عليه من عبادة الأصنام أو أن يظهر في الأرض الفساد أي فساد مملكتي. إذ ~~يتفق الكل على متابعته وإجراء أحكامه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 27] # وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) # وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب أي التجأت ~~إليه وتوكلت عليه، فهو ناصر دينه ومعز أهله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 28] # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم ~~بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) # PageV08P306 # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أي من فرعون وملئه أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن ~~يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم أي من عذاب الدنيا إن تعرضتم له. وقد أشار ~~الزمخشري إلى ما في طي هذا القول من اللطائف والأسرار، بما ملخصه: إن هذا ms3986 ~~المؤمن استدرجهم في الإيمان باستشهاده على صدق موسى، بإحضاره عليه السلام ~~من عند من تنسب إليه الربوبية، بينات عدة لا بينة واحدة. وأتى بها معرفة. ~~معناه البينات العظيمة التي شهدتموها وعرفتموها على ذلك، ليلين بذلك ~~جماحهم، ويكسر من سورتهم. ثم أخذهم بالاحتجاج بطريق التقسيم، فقال: لا يخلو ~~من أن يكون صادقا أو كاذبا. فإن يك كاذبا فضرر كذبه عائد عليه. أو صادقا ~~فيصبكم، إن تعرضتم له، بعض الذي يعدكم. وإنما ذكر (بعض) في تقدير أنه نبي ~~صادق، والنبي صادق في جميع ما يعد به، لأنه سلك معهم طريق المناصحة لهم ~~والمداراة. فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم، وأدخل في تصديقهم له، ليسمعوا ~~منه ولا يردوا عليه صحته. وذلك أنه حين فرضه صادقا، فقد أثبت أنه صادق في ~~جميع ما يعد. ولكنه أردفه يصبكم بعض الذي يعدكم ليهضمه بعض حقه في ظاهر ~~الكلام، ليريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وأثنى عليه، فضلا عن أن يكون ~~متعصبا له. وتقديم (الكاذب) على (الصادق) من هذا القبيل. # قال الناصر: ويناسب تقديم الكاذب على الصادق هنا، قوله تعالى: وشهد شاهد ~~من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد ~~من دبر فكذبت وهو من الصادقين [يوسف: 26- 27] ، فقدم الشاهد أمارة صدقها ~~على أمارة صدق يوسف، وإن كان الصادق هو يوسف، دونها، لرفع التهمة وإبعاد ~~الظن، وإدلالا بأن الحق معه ولا يضره التأخير لهذه الفائدة. وقريب من هذا ~~التصرف لإبعاد التهمة، ما في قصة يوسف مع أخيه. إذ بدأ بأوعيتهم قبل وعاء ~~أخيه. انتهى. إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب قال الزمخشري: يحتمل أنه إن ~~كان مسرفا كذابا، خذله الله وأهلكه ولم يستقم له أمر، فتتخلصون منه. وأنه ~~لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ولما عضده بالبينات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 29] # يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ~~قال فرعون ما أريكم إلا ms3987 ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) # PageV08P307 # يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض أي عالين وقاهرين، فلا تفسدوا ~~أمركم على أنفسكم بأنفسكم، ولا تعرضونا لعذابه تعالى: فمن ينصرنا من بأس ~~الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى أي ما أشير عليكم إلا ما ~~أستصوبه من قتله. إذ البأس السماوي من أجل قتله، أمر متوهم. فاتباعه غلط ~~وما أهديكم أي بإراءة رأي قتله إلا سبيل الرشاد وهو دفع تبدل دينكم وإظهار ~~الفساد في الأرض، بإظهار أحكامه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 30 الى 31] # وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) # وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم أي من قتله مثل يوم الأحزاب أي ~~الطوائف الهالكة بالتكذيب مثل دأب قوم نوح أي جزائهم من الغرق وعاد أي من ~~الريح العقيم وثمود أي الصيحة والذين من بعدهم أي من الأمم المكذبة، مما ~~يدل على أن الهلاك سنة مستمرة لأهل التكذيب، إذ لم يكن لهم ذنب آخر يوجبه ~~وما الله يريد ظلما للعباد أي فلا يعاقبهم بغير ذنب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 32] # ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) # ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يعني يوم القيامة، أي عذابه. سمي بذلك ~~لما جاء # في حديث «إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر ~~الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا» # أي: من هول فزع النفخة. وقال قتادة: ينادي كل قوم بأعمالهم. ينادي أهل ~~الجنة أهل الجنة وأهل النار أهل النار. وقيل لمناداة أهل الجنة أهل النار ~~أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ~~[الأعراف: 44] ، ومناداة أهل النار أهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين [الأعراف: 50] ، واختار ms3988 ~~البغوي وغيره أنه سمي لمجموع ذلك. أي لوقوع الكل فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 33] # يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) # يوم تولون مدبرين أي ذاهبين فرارا من الفزع الأكبر كلا لا وزر إلى ربك # PageV08P308 # يومئذ المستقر # [القيامة: 11- 12] ، ما لكم من الله من عاصم أي من عذابه، من مانع، لتقرر ~~الحجة عليكم ومن يضلل الله أي بزيغه عن صراط ربه فما له من هاد أي من حجة ~~ولا مرشد إلى النجاة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 34] # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات أي من قبل مجيء موسى بالحجج البينة ~~والبراهين النيرة، على وجوب عبادته تعالى وحده. كقوله: أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار [يوسف: 39] ، فما زلتم في شك مما جاءكم به أي مع ~~ظهور استقامته الكافية في الدلالة على صحة ما جاءكم به، فلم يزل يقررها حتى ~~إذا هلك أي مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا أي يقرر حججه. فقطعتم من ~~عند أنفسكم، بعدم إرسال الله الرسول، مع الشك في إرسال من أعطاه البينات، ~~من فرط ضلالكم كذلك يضل الله من هو مسرف أي في التشكيك عند ظهور البراهين ~~القطيعة مرتاب أي شاك مع ظهور لوائح اليقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 35] # الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) # الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أي برهان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار أي بطر للحق، لا ~~يقبل الحجة. جبار في المجادلة. ألد فيصدر عنه أمثال ما ذكر، من الإسراف ms3989 ~~والارتياب والمجادلة في الباطل لطمس بصيرته، فلا يكاد يظهر له الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 36 الى 37] # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) # PageV08P309 # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا أي قصرا عاليا ظاهرا لكل أحد لعلي أبلغ ~~الأسباب أسباب السماوات أي طرقها فأطلع إلى إله موسى أي لأسأله عن إرساله، ~~أو لأقف على كنهه وإني لأظنه كاذبا قال ابن جرير: أي لأظن موسى كاذبا فيما ~~يقول ويدعي، من أن له في السماء ربا أرسله إلينا وكذلك زين لفرعون سوء عمله ~~وصد عن السبيل أي سبيل الرشاد لما طبع على قلبه، من كبره وتجبره وإسرافه ~~وارتيابه وما كيد فرعون إلا في تباب أي خسار وهلاك، لذهاب نفقته على الصرح ~~سدى، وعدم نيله، مما أراده من الاطلاع، شيئا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 38] # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد أي طريق الصواب الذي ~~ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه. ثم أشار إلى تفصيل ما أجمله بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 39] # يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) # يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع أي تمتع يسير، لسرعة زوالها وإن ~~الآخرة التي يوصل إليها سبيلي هي دار القرار أي الاستقرار والخلود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 40] # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) # من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب أي بغير تقدير وموازنة بالعمل. ~~بل أضعافا مضاعفة. قال الزمخشري: قوله: بغير ms3990 حساب واقع في مقابلة إلا مثلها ~~يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق. فأما جزاء ~~العمل الصالح فبغير تقدير وحساب، بل ما شئت من الزيادة والكثرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 41 الى # 42] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) # PageV08P310 # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله ~~وأشرك به ما ليس لي به علم أي بوجوده علم، إذ لا وجود له وأنا أدعوكم إلى ~~العزيز أي الغالب الذي يقهر من عصاه الغفار أي الذي يستر ظلمات نفوس من ~~أطاعه، بأنواره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 43 الى 44] # لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) # لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة أي الذي ~~تدعونني إلى عبادته، ليس له دعوة في الدنيا لدفع الشدائد والأمراض ونحوها، ~~ولا في الآخرة لدفع أهوالها، على ما قاله المهايمي. أو لا دعوة له في ~~الدارين لعدمه بنفسه، واستحالة وجوده فيهما، على ما قاله القاشاني. وقال ~~الشهاب: عدم الدعوة عبارة عن جماديتها وأنها غير مستحقة لذلك. وسياق لا جرم ~~عند البصريين أن يكدن (لا) ردا لما دعاه إليه قومه وجرم بمعنى كسب. أي وكسب ~~دعاؤهم إليه بطلان دعوته. أي ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن ~~يكون لا جرم نظير (لا بد) من الجرم وهو القطع. فكما أنك تقول (لا بد لك أن ~~تفعل) والبد من التبديد الذي هو التفريق، ومعناه لا مفارقة لك من فعل كذا، ~~فكذلك لا جرم معناه لا انقطاع لبطلان دعوة الأصنام. بل هي باطلة أبدا. هذا ~~ما يستفاد من (الكشاف) ms3991 . # وفي (الصحاح) : قال الفراء: لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا محالة، ~~ولا بد فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة (حقا) ~~فلذلك يجاب عنها باللام. ألا تراهم يقولون (لا جرم لآتينك) وقد حقق الكلام ~~فيها ابن هشام في (المغني) في بحث. والجلال في (همع الهوامع) أثناء بحث إن ~~والقسم، فانظرهما. وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين أي في الضلالة والطغيان ~~وسفك الدماء هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم أي من النصح عند معاينة ~~الأهوال وما يحيق بكم وأفوض أمري إلى الله أي وأسلم أمري إليه وأجعله له ~~وأتوكل عليه، فإنه الكافي من توكل عليه إن الله بصير بالعباد أي فيعلم ~~المطيع منهم والعاصي، ومن يستحق المثوبة والعقوبة. # PageV08P311 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 45] # فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) # فوقاه الله سيئات ما مكروا أي فرفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون، ~~بإيمانه وتصديق رسوله موسى، مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه، ~~من العذاب والبلاء، فنجاه منه وحاق بآل فرعون أي بفرعون وقومه سوء العذاب ~~يعني الغرق أو النار. وعلى الأول، فقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 46 الى 48] # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب (46) وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا جملة مستأنفة مبينة لكيفية نزول العذاب ~~بهم. على أن النار مبتدأ وجملة يعرضون خبره. وعلى الثاني، فالنار خبر ~~لمحذوف وهو خبر العذاب السيئ. أو هي بدل من سوء العذاب. والمراد عرض ~~أرواحهم عليها دائما. واكتفى بالطرفين المحيطين- الغدو والعشي- عن الجميع. # وبه يستدل على عذاب القبر والبرزخ. وقاناه الله تعالى، بمنه. # قال السيوطي: وفي (العجائب) للكرماني: في هذه الآية أدل دليل على ms3992 عذاب ~~القبر. لأن المعطوف غير المعطوف عليه. يعني قوله تعالى: ويوم تقوم الساعة ~~أي هذا العرض ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة يقال لهم أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب وهو عذاب جهنم. لأنه جزاء شدة كفرهم وإذ يتحاجون في النار أي ~~يتخاصمون فيها، الأتباع والمتبوعون فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا أي أتباعا كالمكرهين فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين ~~استكبروا إنا كل فيها أي نحن وأنتم. فكيف نغني عنكم؟ ولو قدرنا لأغنينا عن ~~أنفسنا إن الله قد حكم بين العباد أي بأن أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار ~~النار، ولا معقب لحكمه. أو بأن قدر عذابا لكل منا لا يدفع عنه، ولا يتحمله ~~عنه غيره، قال الشهاب: # وهذا أنسب بما قبله. # PageV08P312 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 49] # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) # وقال الذين في النار لخزنة جهنم أي لما أيسوا من التخفيف عند المحاجة ~~ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب أي يدفع عنا يوما من أيام العذاب، أو ~~ألم يوم وشدته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 50] # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (50) # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أي المتكاثرة على صدقهم، المنذرة ~~بهذه الشدة قالوا بلى أي جاءوا بها وأخبروا مع البينات قالوا فادعوا أي إن ~~كان ينفعكم، وهيهات وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي في ضياع لا يجاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 51] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد أي ~~لننصرهم في الدارين. أما في الدنيا، فبإهلاك عدوهم واستئصاله عاجلا، أو ~~بإظفارهم بعدوهم وإظهارهم عليه، وجعل الدولة لهم والعافية لأتباعهم. وأما ~~في الآخرة، فبالنعيم الأبدي والحبور السرمدي. والأشهاد جمع شاهد، وهم من ~~يشهد على تبليغ الرسل ms3993 وتكذيبهم ظلما. أو جمع شهيد، كأشراف وشريف. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 52] # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار قال ابن جرير: # ذلك يوم لا ينفع أهل الشرك اعتذارهم، لأنهم لا يعتذرون إلا بباطل. وذلك ~~أن الله قد أعذر إليهم في الدنيا، وتابع عليهم الحجج فيها، فلا حجة لهم في ~~الآخرة إلا الاعتصام بالكذب، بأن يقولوا: والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] ، ولذا # PageV08P313 # كانت لهم اللعنة، وهي البعد من رحمة الله وشر ما في الدار الآخرة من ~~العذاب الأليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 53] # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) # ولقد آتينا موسى الهدى. أي ما يهتدي به. فكذب به فرعون وقومه كما كذبت ~~قريش وأورثنا بني إسرائيل الكتاب أي وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 54] # هدى وذكرى لأولي الألباب (54) # هدى أي بيانا لأمر دينهم وما ألزمناهم من شرائعها وذكرى لأولي الألباب أي ~~لذوي الحجى والعقول منهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 55] # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) # فاصبر أي إذا تلوت ما قصصناه عليك للناس، فاصبر على أذى المشركين واصدع ~~بما تؤمر إن وعد الله حق أي بنصرك على من خالف، لا خلف له وهو منجزه. واذكر ~~نبأ موسى وفرعون واستغفر لذنبك أي سله غفرانه وعفوة وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار كقوله تعالى: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب [ق: 39] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 56] # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ~~هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم أي يدفعون الحق بالباطل، ~~ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة، بلا برهان ولا حجة من الله إن في ~~صدورهم إلا ms3994 كبر أي: إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر، وغمط لمن جاءهم به، ~~حسدا منهم علي الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك بها من النبوة ما ~~هم ببالغيه قال ابن جرير: أي الذي حسدوك عليه أمر ليسوا بمدركيه ولا ~~نائليه. # PageV08P314 # لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وليس بالأمر الذي يدرك بالأماني. وقد ~~قيل: إن معناه إن في صدورهم إلا عظمة، ما هم ببالغي تلك العظمة، لأن الله ~~مذلهم فاستعذ بالله قال ابن جرير: أي فاستجر بالله يا محمد، من شر هؤلاء ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان، ومن الكبر أن يعرض في قلبك منه شيء ~~إنه هو السميع البصير أي لما يقولون وبما يعملون، فسيجازيهم. ### | تنبيه: # قال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود. وذلك أنهم ادعوا أن ~~الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض. فأمر صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ ~~بالله من فتنته. قال ابن كثير: # وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد. وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم. ولم يذكره ~~ابن جرير، على ولعه بالغريب والضعيف. # وفي (الإكليل) : ليس في القرآن الإشارة إلى الدجال إلا في هذه الآية، أي ~~على صحة هذه الرواية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 57] # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس أي: لإنشائهما وابتداعهما من غير ~~شيء، أعظم من خلق البشر ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي لا ينظرون ولا ~~يتأملون لغلبة الجهل عليهم. ولذا يجعلون إعادة الشيء أعظم من خلقه عن عدم، ~~مع أنه أهون وأيسر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 58] # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) # وما يستوي الأعمى والبصير أي ما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، وهو مثل ~~الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه فيتدبرها ويعتبر بها، فيعلم وحدانيته ~~وقدرته على خلق ما شاء. ويؤمن به- والبصير الذي يرى بعينيه ms3995 ما شخص لهما ~~ويبصره. وذلك مثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله فيتفكر فيها ويتعظ، ~~ويعلم # PageV08P315 # ما دلت من توحيد صانعه وعظيم سلطانه والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي ولا ~~يستوي أيضا المؤمنون بالله ورسوله، المطيعون لربهم ولا المسيء وهو الكافر ~~بربه، العاصي له، المخالف أمره قليلا ما تتذكرون أي حججه تعالى. فيعتبرون ~~ويتعظون. أي لو تذكروا آياته واعتبروا بها، لعرفوا خطأ ما هم مقيمون عليه، ~~من إنكار البعث، ومن قبح الشرك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 59] # إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) # إن الساعة لآتية لا ريب فيها أي فأيقنوا بمجيئها وأنكم مبعوثون ومجازون ~~بأعمالكم، فتوبوا ولكن أكثر الناس لا يؤمنون أي لا يصدقون بمجيئها. يعني ~~المشركين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 60] # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم أي اعبدوني أثبكم. قال الزمخشري: # والدعاء بمعنى العبادة، كثير في القرآن. ويدل عليه قوله تعالى إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين أذلاء. قال الشهاب: ~~إطلاق الدعاء على العبادة مجاز، لتضمن العبادة له، لأنه عبادة خاصة أريد به ~~المطلق. وجعل الإثابة لترتبها عليها استجابة، مجازا أو مشاكلة. وإنما أول ~~به لأن ما بعده يدل عليه. # والمقام يناسبه الأمر بالعبادة. وقد جوز أن يراد بالدعاء والاستجابة ~~ظاهرهما. ويراد بالعبادة الدعاء مجازا، لأنه باب من العبادة عظيم، وفرد من ~~أفرادها فخيم. قال الشهاب: ولو قيل لا حاجة إلى التجوز، لأن الإضافة المراد ~~بها العهد هنا، فيفيد ما ذكر من غير تجوز- لكان أحسن. انتهى. # وعلى الوجه الثاني- وهو أن المراد بالدعاء السؤال- اقتصر كثير من ~~المفسرين. قال المهايمي أستجب لكم لأن الدعاء من العبد غاية في التذلل ~~لربه، وهو محبوب لربه. فإذا أتى العبد بمحبوب الرب عظمه بالاستجابة. وإذا ~~لم يستجب له في الدنيا عوضه في الآخرة. ولحبه التذلل أمر العباد بالعبادة، ~~فإن استكبروا كان # PageV08P316 # لهم غاية الإذلال. وقال القاشاني: الآية ms3996 في دعاء الحال. لأن الدعاء ~~باللسان مع عدم العلم بأن المدعو به خير له أم لا، دعاء المحجوبين. وأما ~~الدعاء الذي لا تتخلف عنه الاستجابة، فهو دعاء الحال بأن يهيئ العبد ~~استعداده لقبول ما يطلبه. ولا تتخلف الاستجابة عن هذا الدعاء. كمن طلب ~~المغفرة، فتاب إلى الله، وأناب بالزهد والطاعة. انتهى. # وتقدم في آية أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] ، فوائد تناسب هذا ~~المقام، فلتراجع. ثم أشار تعالى إلى أنه كيف لا يلزم العباد عبادته، وقد ~~أنعم عليهم بما يقتضي شكره بالعبادة، مما أجلاه منافع الليل والنهار، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 61 الى 62] # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه أي الله الذي لا تصلح الألوهية إلا ~~له. # ولا تنبغي عبادة غيره، هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، ~~فتستردوا بالراحة فيه، ما فاتكم من القوى في العمل بالنهار والنهار مبصرا ~~أي أن يبصر فيه أو به لتتحركوا لتحصيل الأكساب الدينية والدنيوية. فقد تفضل ~~الله عليكم بهما وبما فيهما إن الله لذو فضل على الناس أي ليشكروه بعبادته ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون أي عن طاعته إلى إثبات الشريك وعبادته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 63] # كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) # كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون أي من الأمم المتقدمة الهالكة. # أي فسلكتم أنتم معشر قريش مسلكهم، وركبتم محجتهم في الضلال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 64] # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم ~~من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) # PageV08P317 # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا أي تستقرون عليها وتسكنون فوقها والسماء ms3997 ~~بناء أي مبنية مرفوعة فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم. # وقد فسر (البناء) بالقبة المضروبة. لأن العرب تسمي المضارب (أبنية) . # فهو تشبيه بليغ، وهو إشارة إلى كريتها. قاله الشهاب وصوركم فأحسن صوركم ~~أي يجعل كل عضو في مكان يليق به، ليتم الانتفاع بها، فتستدلوا بذلك على ~~كمال حكمته ورزقكم من الطيبات أي لذيذات المطاعم والمشارب لتشكروه وحده ~~ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين أي الذي لا تصلح الربوبية إلا له. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 65] # هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ~~(65) # هو الحي أي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير ~~دائمها لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين أي مفردين له الطاعة، لا ~~تشركوا في عبادته شيئا الحمد لله رب العالمين أي الثناء والشكر لله، مالك ~~جميع أجناس الخلق، لا للأوثان التي لا تملك شيئا، ولا تقدر على ضرر ولا ~~نفع. # قال ابن جرير: وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال (لا إله إلا الله) ~~أن يتبع ذلك الحمد لله رب العالمين تأولا منهم هذه الآية، بأنها أمر من ~~الله بقيل ذلك. ثم أسنده عن ابن عباس وابن جبير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 66] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله أي من الآلهة والأوثان لما ~~جاءني البينات من ربي أي الآيات الواضحات من عنده، على وجوب وحدته وتفرده ~~بالعبادة وأمرت أن أسلم لرب العالمين أي أخضع له بالطاعة دون غيره من ~~الأشياء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 67] # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم ~~تعقلون (67) # PageV08P318 # هو الذي ms3998 خلقكم من تراب أي مما يرجع إليه. أو خلق أباكم آدم منه ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم أي يبقيكم لتبلغوا أشدكم، ~~فتتكامل قواكم ثم لتكونوا أي إذا تناهى شبابكم وتمام خلقكم شيوخا ومنكم من ~~يتوفى من قبل أي من قبل أن يصير شيخا ولتبلغوا أي ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا ~~مسمى أي ميقاتا محدودا لحياتكم، وهو وقت الموت. أو لجزائكم وهو يوم القيامة ~~ولعلكم تعقلون أي ولكي تعقلوا حجج الله عليكم بذلك، وتتدبروا آياته، ~~فتعرفوا بها أنه لا إله غيره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية # 68] # هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) # هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي يكونه من ~~غير كلفة ولا معاناة. وقد تقدم في (البقرة) الكلام على هذه الآية مطولا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 69 الى 72] # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) # ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون أي عن الرشد إلى الغي ~~الذين كذبوا بالكتاب أي بكتاب الله، وهو القرآن وبما أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم أي الماء الحار. ~~قال المهايمي: لدفعهم برد اليقين من دلائل الكتاب والسنة ثم في النار ~~يسجرون أي يحرقون. قال المهايمي: لإحراقهم الأدلة العقلية والنقلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 73 الى 74] # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا أي غابوا فلم ~~نعرف مكانهم. وهذا قبل أن يقرنوا معهم. أو ضلالهم استعارة لعدم نفعها لها. ms3999 # فحضورهم كالعدم بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا أي ما كنا مشركين. وكذبوا # PageV08P319 # لحيرتهم واضطرابهم. أو بمعنى: تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئا. قال ~~القاشاني: # لاطلاعهم على أن ما عبدوه وضيعوا أعمارهم في عبادته، ليس بشيء، فضلا عن ~~إغنائه عنهم شيئا كذلك يضل الله الكافرين أي أهل الكفر به، عنه وعن رحمته، ~~فلا يخفف عنهم العذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 75] # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) # ذلكم أي العذاب بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون أي ~~بسبب فرحكم في الدنيا، بغير ما أذن الله لكم به، من الباطل والمعاصي، ~~وبمرحكم فيها. و (المرح) هو الأشر والبطر والخيلاء. وبين (الفرح) و (المرح) ~~تجنيس بديع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 76] # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين أي منزل المتعظمين عن ~~الإيمان والتوحيد، جهنم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 77] # فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا ~~يرجعون (77) # فاصبر إن وعد الله حق أي فاصبر على جدال هؤلاء المتكبرين في آيات الله، ~~وعلى تكذيبهم، فإن وعد الله إياك بالظفر عليهم، حق ثابت فإما نرينك بعض ~~الذي نعدهم أي من العذاب والنقمة أو نتوفينك أي قبل أن يحل بهم ما يحل ~~فإلينا يرجعون أي فنحكم بينهم بالحق، وهو الخلود في النار، لمناسبة نفوسهم ~~الكدرة الظلمانية، البعيدة عن الحق، واستحكام ملكات رذائلهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : آية 78] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون (78) # PageV08P320 # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك أي لتقف على ما وفينا لهم ~~من وعد النصر إياهم في الدنيا ومنهم من لم نقصص عليك أي ms4000 لمكان الطول. مع أن ~~في نبئهم ما يشاكل نبأ المذكورين. والشيء يعتبر بشكله وما كان لرسول أن ~~يأتي بآية إلا بإذن الله أي بأمره. وهذا رد لمقترحهم وتعنتهم في طلب ما قص ~~عنهم من آية وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] ~~الآية، بأن الإتيان بذلك مرده مشيئة الله تعالى وإرادته به. وقد شاء أن ~~تكون الآية العظمى تنزيله، الأكبر من كل آية، والأعظم من كل خارقة. فهو خير ~~الآيات وأحسنها وأقوم المعجزات وأمتنها. كما قال تعالى: ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها [البقرة: 106] ، وقال تعالى: أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب [العنكبوت: 51] ، فإذا جاء أمر الله أي عند عدم الإيمان ~~بالآية المقترحة، بعد إتيانها قضي بالحق أي من المؤاخذة، بعد تقرير الحجة ~~المقترحة لهم وخسر هنالك المبطلون أي في دعواهم الشريك، وافترائهم الكذب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات 79 الى # 82] # الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها ~~منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ~~آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون (82) # الله أي الذي لا تصلح الألوهية إلا له الذي جعل لكم الأنعام أي مسخرة ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع من الجلود والأوبار والأصواف ~~ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم أي بالمسافرة عليها وعليها وعلى الفلك أي في ~~طريق البحر تحملون ويريكم آياته أي دلائله الدالة على فرط رحمته وكمال ~~قدرته فأي آيات الله تنكرون أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض أي من الحصون ~~والقصور والمباني والعدد والعدد فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون أي مما لا ~~يدفع به العذاب الأرضي ولا السماوي. # PageV08P321 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة غافر (40) : الآيات ms4001 83 الى 85] # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون (85) # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم أي الخالي عن نور ~~الهداية والوحي، ورضوا بها عن قبول هداية الرسل ومعارفهم. واستهزءوا برسلهم ~~لاستصغارهم بما جاءوا به، في جنب ما عندهم من العلم الوهمي وحاق بهم أي من ~~عذاب الله ما كانوا به يستهزؤن أي جزاؤه فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله ~~وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت ~~الله التي قد خلت في عباده أي مضت في خلقه، أن لا يقبل توبة ولا إيمانا في ~~تلك الحال وخسر هنالك الكافرون # أي وهلك، عند مجيء بأسه تعالى، الكافرون بربهم الجاحدون توحيد خالقهم. ~~ففاتتهم سعادة الأبد، والعيش الرغد. نسأله تعالى المعافاة من غضبه وعقابه، ~~والموافاة مع زمرة أحبابه. آمين. # PageV08P322 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فصلت (حم السجدة) # سميت بها لاشتمالها على آية سجدة. تدل على بطلان عبادة المظاهر بالكلية. ~~وأن الله يستحق بذاته أجل العبادات. وهذا من أعظم مقاصد القرآن. قاله ~~المهايمي. وهي مكية. وآيها أربع وخمسون. # PageV08P323 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) # حم تنزيل من الرحمن الرحيم قال أبو السعود: إن جعل (حم) اسما للسورة، فهو ~~إما خبر مبتدأ محذوف، وهو الأظهر، أو مبتدأ خبره تنزيل وهو على الأول خبر ~~بعد خبر. وخبر لمبتدأ محذوف، إن جعل مسرودا على نمط التعديد. # وقوله تعالى: من الرحمن الرحيم متعلق به، مؤكد لما أفاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية، بالفخامة الإضافية. أو خبر آخر. أو تنزيل مبتدأ لتخصصه ~~بالصفة، خبره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 3] # كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) # كتاب ms4002 وهو على الوجوه الأول بدل منه، أو خبر آخر، أو خبر لمحذوف. # ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم، للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية ~~والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى: وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] ، فصلت آياته أي بينت بالاشتمال ~~على جميع المطالب الدينية، مع الدلائل العقلية قرآنا عربيا أي بلسان عربي ~~يتيسر فيه من جميع الفوائد ما لا يتيسر في غيره. وانتصاب قرآنا على المدح، ~~أو الحالية من كتاب لتخصصه بالصفة، أو من آياته لقوم يعلمون أي مقداره ~~ومعانيه. أو لأهل العلم والنظر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 4] # بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # بشيرا أي للعاملين به، الناظرين فيه، والمستخرجين منه، بالنعيم المقيم ~~ونذيرا أي للمعرضين عنه بخلود الأبد في نار جهنم فأعرض أكثرهم أي أكثر # PageV08P324 # هؤلاء القوم، الذين أنزل هذا القرآن بشيرا ونذيرا لهم، فلم يتدبروه فهم ~~لا يسمعون أي لا يصنعون له، عتوا واستكبارا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 5] # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه أي أغطية متكاثفة، لا يصل إليها ~~شيء مما تدعونا إليه، من التوحيد وتصديق ما في هذا القرآن من الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد وفي آذاننا وقر أي صمم، لا نسمع ذلك، استثقالا له وكراهية ~~ومن بيننا وبينك حجاب أي فلا تواصل ولا تلاقي على ما ندعي إليه فاعمل أي ~~على ما تدعو إليه، وانصب له إننا عاملون أي على ما ألفينا عليه آباءنا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 6 الى # 8] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ~~(7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه أي ~~بالتوحيد وإخلاص العبادة، ms4003 من غير انحراف إلى الباطل والسبل المتفرقة ~~واستغفروه أي بالتوبة من الشرك وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة أي لا ~~يزكون أنفسهم. # بطاعة الله، أو لا ينفقون من أموالهم زكاتها. وهذا ما رجحه ابن جرير، ~~ذهابا إلى أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة. لا سيما مع ضميمة الإيتاء. ~~وفيه إشارة إلى أن من أخص صفات الكفار هو منع الزكاة، ليحذر المؤمنون من ~~ارتكابه. وعن قتادة: إن الزكاة قنطرة الإسلام. فمن قطعها نجا، ومن تخلف ~~عنها هلك. قال ابن جرير: وقد كان أهل الردة، بعد نبي الله، قالوا: أما ~~الصلاة فنصلي. وأما الزكاة، فو الله! لا تغصب أموالنا. قال فقال أبو بكر: ~~والله! لا أفرق بين شيء جمع الله بينه. والله! لو منعوني عقالا مما فرض ~~الله ورسوله، لقاتلناهم عليه وهم بالآخرة أي بإحيائهم بعد مماتهم للمجازاة ~~هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون أي عليهم. أو ~~غير منقوص. أو غير منقطع. أو غير محسوب. # PageV08P325 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 9 الى 10] # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين أي في مقدارهما. وعلمهم بصلة ~~الموصول، إما لما تلقوه خلفا عن سلف، فاستفاض بينهم. أو لما سمعوه من الكتب ~~السالفة، كالتوراة، فأذعنت بذلك نفوسهم، حتى صار معهودا لها وتجعلون له ~~أندادا أي أكفاء ولم يكن له كفوا أحد ذلك أي الذي خلق الأرض في يومين رب ~~العالمين وجعل فيها رواسي أي جبالا ثوابت من فوقها وبارك فيها أي أكثر ~~خيرها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين أي مستوية بالامتزاج ~~والاعتدال، للطالبين للأقوات والمعايش. أي قدرها لهم، أو لمن سأل عن مبلغ ~~الأجل الذي خلق الله فيه الأرض، وجعل فيها الرواسي والبركة، وتقدير ~~الأقوات. فحده، كما أخبر تعالى، أنه أربعة أيام. ### | ### | القول في ms4004 تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 11] # ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين (11) # ثم استوى إلى السماء أي قصد إلى إيجادها. و (ثم) للتفاوت بين الخلقين في ~~الإحكام وعدمه، واختلافهما في الجهة والجوهر، لا للتراخي في الزمان، إذ لا ~~زمان هناك. قاله القاشاني. # وقال ابن جرير: أي ثم ارتفع إلى السماء، أي بلا تكليف ولا تمثيل وهي دخان ~~قال القاشاني: أي جوهر لطيف بخلاف الجواهر الكثيفة الثقيلة الأرضية. # وقال القاضي: (دخان) أمر ظلماني. ولعله أراد به مادتها. أو الأجزاء ~~المصغرة التي ركبت منها. وأصله للرازي حيث قال: لما خلق تعالى الأجزاء التي ~~لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء، كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ~~ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمسا وقمرا، وأحدث صفة الضوء فيها، فحينئذ صارت ~~مستنيرة. فثبت أن تلك الأجزاء، حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات ~~والشمس والقمر، # PageV08P326 # كانت مظلمة. فصح تسميتها بالدخان. لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة، ~~غير متواصلة، عديمة النور. ثم قال: فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان. ~~والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. # وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية وهي دخان: أي ذرات، أي غازت أي ~~سديم. ثم تجاذبت كما يجتمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقا لقوله تعالى ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا [الأنبياء: # 30] . أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت ~~الأرض والسماوات، تصديقا لقوله تعالى: ففتقناهما أي فصلناهما، فصارتا كرات ~~من الماء في يومين. أي ألفي سنة. لقوله تعالى: وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون [الحج: 47] ، وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه ~~وسلطانه على الماء، والله أعلم. انتهى والله أعلم فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين قال القاشاني: أي تعلق أمره وإرادته ~~بإيجادهما، فوجدتا في الحال معا. كالمأمور المطيع، إذا ورد عليه أمر الآمر ~~المطاع لم يلبث في امتثاله. وهو ms4005 من باب التمثيل. إذ لا قول ثمة. انتهى. # وقال ابن جرير: أي قال الله جل ثناؤه للسماء والأرض: جيئا بما خلقت ~~فيكما. أما أنت يا سماء، فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم. وأما ~~أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات. وتشققي عن ~~الأنهار قالتا أتينا طائعين أي جئنا بما أحدثت فينا من خلقك، مستجيبين ~~لأمرك، لا نعصي أمرك. انتهى. يعني أن إثبات المقاولة مع السماء والأرض من ~~المجاز. إما بالاستعارة المكنية. كما تقول (نطقت الحال) فتجعل الحال كإنسان ~~يتكلم في الدلالة، ثم يتخيل له النطق الذي هو لازم المشبه به، وينسب إليه. ~~وإما بالاستعارة التمثيلية بأن شبه فيه حالة السماء والأرض التي بينهما ~~وبين خالقهما، في إرادة تكوينهما وإيجادهما، بحالة أمير ذي جبروت له نفاذ ~~في سلطانه، وإطاعة من تحت تصرفه من غير تردد. وقد رد غير واحد قول من ذهب ~~إلى أن في الجمادات تمييزا ونطقا على ظاهر أمثال هذه النصوص. منهم ابن حزم. ~~قال في (الفصل) : وأما قوله تعالى قالتا أتينا طائعين فقد علمنا بالضرورة ~~والمشاهدة أن القول في اللغة التي نزل بها القرآن، إنما هو دفع آلات الكلام ~~من أنابيب الصدر والحلق والحنك واللسان والشفتين والأضراس، بهواء يصل إلى ~~آذان السامع، فيفهم به مرادات القائل. فإذ لا # PageV08P327 # شك في هذا، فلكل من لا لسان له ولا شفتين ولا أضراس ولا حنك ولا حلق، فلا ~~يكون منه القول المعهود منا. هذا مما لا يشك فيه ذو عقل. فإذ هذا هكذا كما ~~قلنا بالعيان، فكل قول ورد به نص ولفظ مخبر به عمن ليست هذه صفته، فإنه ليس ~~هو القول المعهود عندنا. لكنه معنى آخر. فإذ هذا كما ذكرنا، فبالضرورة صح ~~أن معنى قوله تعالى: أتينا طائعين إنما هو على نفاذ حكمه عز وجل وتصريفه ~~لهما. انتهى. # وكذا الحال في ائتيا طوعا أو كرها فإنهما لما نزلا ... وهما من الجمادات- ~~منزلة العقلاء، إذ أمرا وخوطبا على طريق المكنية أو التمثيلية، أثبت لهما ~~ما هو ms4006 من صفات العقلاء من الطوع والكره ترشيحا. وهما مؤولان ب (طائع وكاره) ~~لأن المصدر لا يقع حالا بدون ذلك، ويجوز كونهما مفعولا مطلقا. وإنما قال ~~طائعين بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء الذكور. وكان مقتضى الظاهر ~~(طائعات) أو (طائعتين) نظرا إلى الخطاب والإجابة والوصف بالطوع والكره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 12] # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) # فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهن بإزالة رخاوة الدخان. # قال المهايمي ولم يجعل لمادتها يوما. لأنها كمادة الأرض. فدخلت في يومها ~~وأوحى في كل سماء أمرها أي ما أمر به فيها ودبره من الملائكة والخلق الذي ~~فيها، وما لا يعلم وزينا السماء الدنيا بمصابيح فإنها كالسقف المرفوع ~~المزين بمصابيح معلقة به، ما يدعو إلى الاستدلال بها على قدرة صانعها ~~وحكمته وحفظا أي من الشياطين أن تسترق أخبارها ذلك تقدير العزيز العليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 13] # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) # فإن أعرضوا أي عن هذا الاستدلال، وعن الإيمان بهذا العزيز الغالب على كل ~~شيء، الذي اقتضى علمه ترتيب بعض الأمور فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود لأنكم مثلهما في العناد، ومثل عاد في الاستكبار، ومثل ثمود في ~~استحباب العمى على الهدى. # PageV08P328 # قال ابن جرير: قد بينا فيما مضى أن معنى الصاعقة كل ما أفسد الشيء وغيره ~~عن هيئته. وقيل في هذا الموضع: عني بها وقعة من الله وعذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 14 الى 16] # إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا ~~في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام ~~نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في ms4007 الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ~~ينصرون (16) # إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم قال الزمخشري: أي أتوهم من كل ~~جانب، واجتهدوا بهم، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو ~~والإعراض كما حكى الله تعالى عن الشيطان لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~[الأعراف: 17] ، يعني لآتينهم من كل جهة. ولأعلمن فيهم كل حيلة، وتقول ~~(استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة) . وحاصله جعل الجهتين ~~كناية عن جميع الجهات، علي ما عرف في مثله. والمراد بإتيانهم من جميع ~~الجهات، بذل الوسع في دعوتهم على طريق الكناية. ويحتمل أن المعنى: جاءوهم ~~بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهه المستقبل وما ~~سيجري عليهم. فالمراد بما بين أيديهم الزمن الماضي، وبما خلفهم المستقبل. # ويجوز فيه العكس، كما ذكر في آية الكرسي ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا أي إرسال رسول لأنزل ملائكة أي من السماء بما تدعوننا إليه فإنا ~~بما أرسلتم به أي من عبادة الله وحده كافرون فأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أي حتى نخاف عذابه، لو تركنا عبادته، أو ~~عبدنا معه غيره أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة أي فيجب أن ~~يحذر عقابه ويتقى عذابه وكانوا بآياتنا أي التي هي أقوى الدلائل يجحدون ~~فأرسلنا عليهم أي لعتوهم بالقوة ريحا صرصرا أي شديدة الصوت في هبوبها في ~~أيام نحسات أي مشؤومات عليهم لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة أخزى وهم لا ينصرون أى في الأخرى. كما لم ينصروا في الدنيا. # PageV08P329 ### | تنبيه: # قال الرازي: استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه الآية على أن بعض الأيام ~~قد يكون نحسا وبعضها قد يكون سعدا. لأن النحس يقابله السعد، والكدر يقابله ~~الصافي. ثم أطال الرازي في الجواب والإيراد. ولا يخفى أن السعد والنحس إنما ~~هو أمر إضافي لا ذاتي. وإلا لكان اليوم الذي يراه المنجمون نحسا، مشؤوم ~~الطالع على كل ما ms4008 أشرقت عليه الشمس. وكذا ما يرونه سعدا. والواقع بخلاف ~~ذلك. إذ اليوم النحس عند زيد، قد يكون سعدا عند بكر. بل الساعة بل الدقيقة. ~~فأين تلك الدعوى؟ والقرآن أتى على أسلوب العرب البديع. ومن لطائفهم تسمية ~~وقت الشدة والبؤس بالنحس، ومقابلها بالسعد. فالنحس نحس على صاحبه. والسعد ~~سعد على صاحبه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 17] # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون (17) # وأما ثمود فهديناهم أي بينا لهم سبيل الحق وطريق الرشد. ونهيناهم أن ~~يتبعوا الضلالة. وأمرناهم أن يقتفوا الهدى فاستحبوا العمى على الهدى ~~فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون أي من الآثام، بكفرهم بالله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 18] # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون أي يخشون ربهم ويخافون وعيده. وذلك ~~بالإيمان به وحده وتصديق رسله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 19] # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون أي يوم يجمع، لمزيد الفضيحة، ~~بين الأولين والآخرين، أعداء الله المشركون والجاحدون، إلى النار فيجيء ~~أولهم على آخرهم، ليتم إلزام الحجة عليهم بين جميعهم، فلا يبقى لهم مقال ~~لهم لأنهم لا يزالون يجادلون عن أنفسهم. # PageV08P330 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 20] # حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ~~(20) # حتى إذا ما جاؤها أي فبالغوا في إنكار المخالفة شهد عليهم سمعهم أي بأنهم ~~سمعوا الحجج فأعرضوا عنها، وسمعوا الشبه فاتبعوها، وسمعوا الفواحش ~~فاستحسنوها وأبصارهم أي بأنهم رأوا الآيات فلم يعتبروها، ورأوا القبائح ~~فاختاروها وجلودهم أي بأنهم باشروا المعاصي، فوصل أثرها إلى القوة اللامسة ~~منهم، فيشهد كل عضو وجزء بما كانوا يعملون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 21] # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) # وقالوا لجلودهم أي المدركة ألم العذاب الذي ms4009 لا يدركه السمع والبصر لم ~~شهدتم علينا أي بما يوجب إيلامكم قالوا أنطقنا الله أي بهذه الشهادة الذي ~~أنطق كل شيء أي أنطق كل شيء من الحيوان. فهو من العام الذي خصه العقل، ~~كقوله تعالى والله على كل شيء قدير [البقرة: 284] ، أي كل شيء من ~~المقدورات. هذا، على أن النطق علي ظاهره وحقيقته. وقيل المراد ظهور علامات ~~على الأعضاء دالة على ما كانت متلبسة به في الدنيا، بتغير أشكالها ونحوه. ~~مما يلهم الله من رآه أنه صدر عنه ذلك، لارتفاع الغطاء في الآخرة. فالنطق ~~مجاز عن الدلالة. # قال القاشاني: معنى شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم أي غيرت صور ~~أعضائهم، وصورت أشكالها على هيئة الأعمال التي ارتكبوها، وبدلت جلودهم ~~وأبشارهم فتنطق بلسان الحال، وتدل بالأشكال على ما كانوا يعملون. ولنطقها ~~بهذا اللسان قالت أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء إذ لا يخلو شيء ما من ~~النطق. ولكن الغافلين لا يفهمون. انتهى. لكن قال الرازي: تفسير هذه ~~الشهادة، بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء، دالة على صدور تلك الأعمال ~~منهم، عدول عن الحقيقة إلى المجاز. والأصل عدمه. # ثم قال: وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البينة ليست شرطا للحياة، ~~ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة. فالله تعالى قادر على خلق العقل ~~والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء. والله أعلم. # PageV08P331 ### | تنبيه: # قال الرازي: نقل عن ابن عباس أنه قال: المراد من شهادة الجلود شهادة ~~الفروج، وإنه من باب الكنايات كما قال ولكن لا تواعدوهن سرا [البقرة: 235] ~~وأراد النكاح. وقال: أو جاء أحد منكم من الغائط [النساء: 43] و [المائدة: ~~6] ، والمراد قضاء الحاجة. فتكون الآية وعيدا شديدا في الزنى. انتهى. # وقد أشار الإمام ابن الأثير في (المثل السائر) إلى ترجيح هذا المعنى. حيث ~~ذكر هذه الآية في الترجيح الذي يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، يكون ~~حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، وعبارته: الجلود هاهنا تفسر حقيقة ~~ومجازا. # أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقا، وأما المجاز فيراد بها الفروج ms4010 خاصة، ~~وهذا هو المانع البلاغي الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه من لطف ~~الكناية عن المكنى عنه. وقد يسأل هاهنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز، عن ~~غير الجانب البلاغي. ويقال: ما بيان هذا الترجيح؟ فيقال: طريقة لفظ الجلود ~~عام،، فلا يخلو إما أن يراد به الجلود مطلقا أو يراد به الجوارح التي هي ~~أدوات الأعمال خاصة. ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق، لأن شهادة ~~غير الجوارح التي هي الفاعلة، شهادة باطلة. إذ هي شهادة غير شاهد. والشهادة ~~هنا يراد بها الإقرار. فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا. وتقول الرجل: أنا ~~مشيت إلى كذا وكذا. وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرة بأعمالها. فترجح بهذا ~~أن يكون المراد به شهادة الجوارح. وإذا أريد به الجوارح، فلا يخلو إما أن ~~يراد به الكل أو البعض. فإن أريد به الكل، دخل تحته السمع والبصر. ولم يكن ~~لتخصيصهما بالذكر فائدة. وإن أريد به البعض، فهو بالفرج أخص منه بغيره من ~~الجوارح، لأمرين: أحدهما- أن الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة ~~على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج. فكان حمل الجلد عليه أولى، ليستكمل ذكر ~~الجميع. الآخر- إنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا الفرج. فكني ~~عنه بالجلد، لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمى على حقيقته. # فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر، من باب التفصيل، كقوله تعالى: # فاكهة ونخل ورمان [الرحمن: 68] . والنخل والرمان من الفاكهة. قلت في ~~الجواب: هذا القول عليك لا لك. لأن النخل والرمان إنما ذكرا لتفضيل لهما في ~~الشكل أو في الطعم، والفضيلة هاهنا في ذكر الشهادة، إنما هي تعظيم لأمر ~~المعصية. # PageV08P332 # وغير السمع والبصر أعظم في المعصية. لأن معصية السمع إنما تكون في سماع ~~غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى. ومعصية البصر ~~إنما تكون في النظر إلى محرم: وكلتا المعصيتين لا حد فيها. وأما المعاصي ~~التي توجد من غير السمع والبصر، فأعظم. لأن معصية اليد توجب القطع. ومعصية ~~الفرج توجب ms4011 جلد مائة أو الرجم. وهذا أعظم. فكان ينبغي أن تخص بالذكر دون ~~السمع والبصر. وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه، فلم يكن المراد بالجلود إلا ~~الفروج خاصة. # انتهى كلام ابن الأثير. # وناقشه ابن أبي الحديد في (الفلك الدائر) بما محصله: أن حمل الجلد على ~~الفرج إنما يتعين، إذا كان بين لفظتي الجلد والفرج أو معناهما مناسبة. ولا ~~نجد مناسبة إلا أن يكون لأجل أن الجلد جزء من أجزاء ماهية الفرج. فعبر عن ~~الكل بالبعض، وهو بعيد جدا. انتهى. # وأقول: مقصود من أثر عنه إرادة الفروج بالجلود هو إرادة الفرد الأهم ~~والأقوى. # وذلك لأن الجلود تصدق على ما حواه الجسم من الأعضاء والعضلات التي تكتسب ~~الجريمة. ولا يخفى أن أهمها بالعناية وأولاها بالإرادة هو الفروج. لأن ~~معصيتها تربى على الجميع. وقد عهد في مفسري السلف اقتصارهم في التأويل من ~~العام على فرده الأهم. كقصرهم (سبيل الله) على الجهاد، مع أن (سبيل الله) ~~يصدق على كل ما فيه خير وقربة ونفع ومعونة، على الطاعة. إلا أن أهم الجميع ~~هو جهاد الذين يصدون عن الحق. فذكر الجهاد لا ينفي غيره. وهذه فائدة ينبغي ~~أن يحرص على فهمها كل من له عناية بالتفسير. فإنها من فوائده الجليلة. ~~وينحل بها إشكالات. # ليست بالقليلة، والله الموفق. وقوله تعالى: وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون إما من تمام كلام الجلود، أو مستأنف من كلامه تعالى: وعلى كل، فهو ~~مقرر لما قبله، بأن القادر على الخلق أول مرة، قادر على إنطاق كل شيء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 22] # وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) # وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم أي وما ~~كنتم تستترون عند فعلكم الفواحش والمنكرات، مخالفة أو كراهة أن يشهد عليكم # PageV08P333 # ما ذكر. أي ليس استتارهم للخوف مما ذكر، بل من الناس. ف أن يشهد مفعول ~~له، بتقدير مضاف. أو من أن ms4012 يشهد أو عن أن يشهد. أو أنه ضمن معنى الظن، فهو ~~في محل نصب. وفي الآية تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق، أنه لا يمر ~~عليه حال إلا وعليه رقيب، كما قال أبو نواس: # إذا ما خلوت الدهر يوما، فلا تقل ... خلوت. ولكن قل: علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون أي ما ظننتم أن الله يعلم ~~فينطق الجوارح، ولكن ظننتم أنه لا يعلم كثيرا، وهو ما عملتم خفية. فما ~~استترتم عنها واجترأتم على المعاصي. وإذا كان أن يشهد مفعولا له، فالمعنى ~~ما استترتم بالحجب، لخيفة أن تشهد عليكم الجوارح. فلذا ما استترتم عنها. ~~لكن لأجل ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا، فلذا سعيتم في الاستتار عن الخلق، لا ~~عن الخالق، ولا عما تنطق به الجوارح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 23] # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم أي أهلككم بالجراءة على مخالفته في ~~الدنيا، ومجادلته في القيامة فأصبحتم من الخاسرين أي لأعمال النجاة. # والدرجات في الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 24] # فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # فإن يصبروا أي على النار فالنار مثوى لهم أي منزل ومسكن وإن يستعتبوا أي ~~يسألوا العتبى وهي الرجعة إلى الذين يحبون فما هم من المعتبين أي المجابين ~~إليه، فلا يخفف عنهم العذاب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 25 الى # 26] # وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) # PageV08P334 # وقيضنا لهم قرناء أي بعثنا لهم نظراء من الشياطين اقترنوا بهم فزينوا لهم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم أي حسنوا لهم أعمالهم كلها، الحاضرة والمستقبلة. # فالطرفان كناية عن ms4013 الجميع، أو ما بين أيديهم من جرائم الدنيا، وما خلفهم ~~من التكذيب بالمعاد. قال الشهاب: وتفسير أمور الدنيا بما بين أيديهم، ~~لحضورها عندهم، كالشيء الذي بين يديك تقلبه كيف تشاء. والآخرة بما خلفهم، ~~لعدم مشاهدتها، كالشيء الذي خلفك، أو لكونها ستلحق بهم. وقد يعكس فيجعل ما ~~بين أيديهم الآخرة لأنها مستقبلة، وما خلفهم الدنيا لمضيها وتركها كما مر ~~قريبا. # وقال القاشاني في تفسير الآية: أي قدرنا لهم أخدانا وأقرانا من شياطين ~~الإنس أو الجن، من الوهم والتخيل، لتباعدهم من الملأ الأعلى، ومخالفتهم ~~بالذات للنفوس القدسية والأنوار الملكوتية، بانغماسهم في المواد ~~الهيولانية. واحتجابهم بالصفات النفسانية، وانجذابهم إلى الأهواء البدنية ~~والشهوات الطبيعية. فناسبوا النفوس الأرضية الخبيثة والكدرة المظلمة. ~~وخالفوا الجواهر القدسية. فجعلت الشياطين أقرانهم وحجبوا عن نور الملكوت ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم أي ما بحضرتهم من اللذات البهيمية والسبعية، ~~والشهوات الطبيعية في وما خلفهم أي من الآمال والأماني التي لا يدركونها ~~وحق عليهم القول أي في القضاء الإلهي. بالشقاء الأبدي في أمم قد خلت من ~~قبلهم من المكذبين بأنبيائهم، الضالين المضلين من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين وقال الذين كفروا أي ستروا زينة أدلة القرآن عن أتباعهم. الذين ~~زينوا لهم شبهاتهم الواهية لا تسمعوا لهذا القرآن أي إذا قرأه، ولا تصغوا ~~له، كيلا يؤثر عليكم وعظه والغوا فيه أي ائتوا باللغو عند قراءته، ليختلط. ~~فلا يمكنه القراءة. والمراد باللغو ما لا أصل له. أو ما لا معنى له لعلكم ~~تغلبون أي تصدون من أراد استماعه، عن استماعه، فلا يسمعه. وإذا لم يسمعه، ~~ولم يفهمه، لم يتبعه. فتغلبون بكيدكم هذا حججه، التي يغلب بها عقولكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 27 الى 28] # فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) # فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ذلك ~~جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد أي المكث الأبدي. وفي ms4014 النظم ~~الكريم من البديع، التجريد. وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة، آخر مثله، مبالغة ~~فيها. لأنها نفسها دار # PageV08P335 # الخلد. ويجعله للظرفية الحقيقية، تكلف لا داعي له. مع أن المذكور أبلغ. ~~قاله الشهاب جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون أي ينكرون أو يلغون. وذكر ~~الجحود الذي هو سبب اللغو. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 29] # وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) # وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا أي ندوسهما انتقاما منهما ليكونا من الأسفلين قال القاشاني: أي حنق ~~المحجوبون واغتاظوا على من أضلهم من الفريقين، عند وقوع العذاب. وتمنوا أن ~~يكونوا في أشد من عذابهم وأسفل من دركاتهم، لما لقوا من الهوان وألم ~~النيران وعذاب الحرمان والخسران، بسببهم. وأرادوا أن يشفوا صدورهم برؤيتهم ~~في أسوأ أحوالهم، وأنزل مراتبهم. كما ترى من وقع في البلية، بسبب رفيق أشار ~~إليه بما أوقعه فيها، يتحرد عليه ويتغيظ، ويكاد أن يقع فيه، مع غيبته ~~ويتحرق. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 30] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) # إن الذين قالوا ربنا الله أي وحدوه بنفي غيره، وعرفوه بالإيقان حق معرفته ~~ثم استقاموا أي في أخلاقهم وعقائدهم وأعمالهم. وذلك بالسلوك في طريقه ~~تعالى، والثبات على صراطه، مخلصين لأعمالهم، عاملين لوجهه، غير ملتفتين بها ~~إلى غيره تتنزل عليهم الملائكة أي في الدنيا، بإلهامهم. أو عند الموت، أو ~~حين البعث ألا تخافوا أي ما تقدمون عليه بعد مماتكم ولا تحزنوا أي على ما ~~خلفتم من دنياكم، من أهل وولد. فإنا نخلفكم في ذلك كله. أو من الفزع الأكبر ~~وهوله، فإنكم آمنون لآية لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~[الأنبياء: # 103] ، والتنزيل يفسر بعضه بعضا. أو الآيتان في مقامين وبشارتين. وفضله ~~تعالى أوسع، وجوده أعم وأشمل. قال القاشاني: وإنما تنزلت الملائكة عليهم ~~للمناسبة الحقيقية بينهم ms4015 في التوحيد الحقيقي، والإيمان اليقيني، والعمل ~~الثابت على منهاج # PageV08P336 # الحق والاستقامة في الطريقة إليه. غير ناكثين في عزيمة، ولا منحرفين عن ~~وجهة، ولا زائغين في عمل. كما ناسبت نفوس المحجوبين من أهل الرذائل ~~الشياطين، بالجواهر المظلمة والأعمال الخبيثة. فتنزلت عليهم. انتهى. وقوله ~~تعالى: وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون أي في الدنيا، حال الإيمان بالغيب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 31 الى 32] # نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) # أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم ~~فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة أي أحباؤكم في الدارين. # للتناسب بيننا وبينكم. كما أن الشياطين أولياء الكافرين، لما بينهم من ~~الجنسية والمشاركة في الظلمة والكدورة. قال ابن كثير: أي تقول الملائكة ~~للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا قرناءكم في الحياة الدنيا. نسددكم ونوفقكم ~~ونحفظكم بأمر الله. وكذلك نكون معكم في الآخرة. نؤنس منكم الوحشة في ~~القبور، وعند النفخة في الصور. ونؤمنكم يوم البعث والنشور. ونجاوزكم الصراط ~~المستقيم. ونوصلكم إلى جنات النعيم. وقال الرازي: معنى كونهم أولياء ~~للمؤمنين، أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات ~~اليقينية. كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح، بإلقاء الوساوس فيها، ~~وتخييل الأباطيل إليها. وبالجملة، فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة ~~الطاهرة، حاصل من جهات كثيرة معلومة، لأرباب المكاشفات والمشاهدات. فهم ~~يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدنيا، فهي تكون باقية في ~~الآخرة. فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال. بل كأنها تصير بعد ~~الموت أقوى وأبقى. وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة. وهي كالشعلة ~~بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر. والتعلقات الجسمانية هي ~~التي تحول بينها وبين الملائكة. كما # قال صلى الله عليه وسلم «1» : «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب ~~PageV08P337 # بني آدم، لنظروا إلى ملكوت السموات. فإذا زالت العلائق الجسمانية، ~~والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل ms4016 الأثر بالمؤثر، والقطرة ~~بالبحر، والشعلة بالشمس» # . انتهى. # وهو مشرب صوفي ومنزع فلسفي، فيه شية من الرقة ولكم فيها # أي في الآخرة ما تشتهي أنفسكم # أي من الروح والريحان والنعيم المقيم ولكم فيها ما تدعون # أي تتمنون نزلا من غفور رحيم أي إكراما معدا لكم، من غفور لذنوبكم، ورحيم ~~بتفضله وتطوله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 33] # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين أي لا ~~أحد أحسن مقالا ممن دعا الناس إلى عبادته تعالى، وكان من الصالحين ~~المؤتمرين، والمسلمين وجوههم إليه تعالى في التوحيد. ### | لطائف: # الأولى- قال القاشاني: وإنما قدم الدعوة إلى الحق والتكميل، لكونه أشرف ~~المراتب، ولا لاستلزامه الكمال العلمي والعملي. وإلا لما صحت الدعوة. ~~انتهى. # الثانية- في الآية إشارة إلى ترغيبه صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن ~~المشركين، وعما كانوا يقولونه من اللغو في التنزيل، مما قصه تعالى عنهم ~~فيما تقدم. وإرشاده إلى المواظبة على التبليغ، والدعوة، ببيان أن ذلك أحسن ~~الطاعات ورأس العبادات. فهذا هو سر انتظام هذه الآية في إثر ما سبق. وثمة ~~وجه آخر. وهو أن مراتب السعادات اثنان: كامل وأكمل. أما الكامل فهو أن ~~يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملا في ذاته. فإذا فرغ من هذه ~~الدرجة، اشتغل بعدها بتكميل الناقصين. # فقوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] و ~~[الأحقاف: # 13] ، إشارة إلى المرتبة الأولى. وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال ~~النفس في جوهرها. فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة، وجب الانتقال إلى ~~المرتبة الثانية، وهي الانتقال بتكميل الناقصين. وذلك إنما يكون بدعوة ~~الخلق إلى الدين الحق. وهو المراد من قوله تعالى: ومن أحسن قولا الآية ~~واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية، ونصيبا وافيا من العلوم الإلهية، عرف ~~أنه لا # PageV08P338 # ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن، أفاده الرازي. # الثالثة- يدخل في الآية كل من دعا إلى الله ms4017 بطريق من الطرق المشروعة، ~~وسبيل من السبل المأثورة. لأن الدعوة الصحيحة هي الدعوة النبوية. ثم ما ~~انتهج منهجها في الصدع بالحق، وإيثاره على الخلق. # الرابعة- في الآية دليل على وجب الدعوة إلى الله تعالى- على ما قرره ~~الرازي- لأن الدعوة إلى الله أحسن الأعمال. وكل ما كان أحسن الأعمال، فهو ~~واجب. # الخامسة- احتج من جوز قول (أنا مسلم) بدون تعليق على المشيئة بهذه الآية. ~~وقال: إطلاقها يدل على أن ذلك هو الأولى. والمسألة معروفة بسطها الغزالي في ~~(الإحياء) . # وللإمام ابن حزم في (الفصل) تحقيق لطيف لا بأس بإيراده. قال رحمه الله: # اختلف الناس في قول المسلم (أنا مؤمن) فروينا عن ابن مسعود وجماعة من ~~أصحابه الأفاضل ومن بعده من الفقهاء، أنه كره ذلك. وكان يقول (أنا مؤمن إن ~~شاء الله) وقال بعضهم: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. وكانوا يقولون: من ~~قال أنا مؤمن، فليقل إنه من أهل الجنة. # ثم قال ابن حزم: والقول عندنا في هذه المسألة، أن هذه صفة يعلمها المرء ~~من نفسه. فإن كان يدري أنه مصدق بالله عز وجل، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبكل ما أتى به عليه السلام. وأنه يقر بلسانه بكل ذلك، فواجب عليه أن يعترف ~~بذلك. كما أمر تعالى، إذا قال تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث ولا نعمة أوكد، ~~ولا أفضل ولا أولى بالشكر، من نعمة الإسلام. فواجب عليه أن يقول (أنا مسلم ~~قطعا عند الله تعالى، وفي وقتي هذا) ولا فرق بين قوله (أنا مؤمن مسلم) وبين ~~قوله (أنا أسود وأنا أبيض) . وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها. وليس هذا ~~من باب الامتداح والتعجب في شيء. لأنه فرض عليه أن يحصن دمه بشهادة ~~التوحيد. قال تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [البقرة: 136] ، وقول ابن مسعود ~~عندنا صحيح. لأن الإسلام والإيمان اسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة، إلى ~~جميع البر ms4018 والطاعات. فإنما منع ابن مسعود من القول بأنه (مسلم مؤمن) على ~~معنى أنه مستوف لجميع الطاعات. وهذا صحيح. ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا ~~شك. وما منع رضي الله عنه من أن # PageV08P339 # يقول المرء (إني مؤمن) بمعنى مصدق. كيف؟ وهو يقول (قل آمنت بالله ورسله) ~~أي صدقت. وأما من قال فقل إنك في الجنة، فالجواب أننا نقول: إن متنا على ما ~~نحن عليه الآن، فلا بد لنا من الجنة بلا شك. وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص ~~القرآن والسنة والإجماع، أن من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ~~ما جاء به، ولم يأت بما هو كفر، فإنه في الجنة. إلا أننا لا ندري ما يفعل ~~بنا في الدنيا، ولا نأمن من مكر الله تعالى. ولا إضلاله، ولا كيد الشيطان، ~~ولا ندري ماذا نكسب غدا. ونعوذ بالله من الخذلان. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 34] # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أي لكون الأولى من مقام العقل تجر صاحبها ~~إلى الجنة ومصاحبة الملائكة. والثانية من مقام النفس تجر صاحبها إلى النار ~~ومقارنة الشياطين ادفع بالتي هي أحسن أي ادفع السيئة حيث اعترضتك، بالتي هي ~~أحسن منها، وهي الحسنة. على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا. أو بأحسن ما ~~يمكن دفعها به من الحسنات. وإنما عدل من مقتضى الظاهر وهو (ادفع بالحسنة) ~~إلى الأبلغ- لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه. وهذا الكلام أبلغ ~~في الحمل والحث على ما ذكر. لأنه يومئ إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به ~~والسؤال عنه. # قال القاشاني: أي إذا أمكنك دفع السيئة من عدوك بالحسنة، التي هي أحسن، ~~فلا تدفعها بالحسنة التي دونها، فكيف بالسيئة؟ فإن السيئة لا تندفع ~~بالسيئة، بل تزيد وتعلو ارتفاع النار بالحطب. فإن قابلتها بمثلها كنت منحطا ~~إلى مقام النفس، متبعا للشيطان، سالكا طريق النار، ملقيا لصاحبك في ~~الأوزار، ms4019 وجاعلا له ولنفسك من جملة الأشرار، متسببا لازدياد الشر، معرضا عن ~~الخير. وإن دفعتها بالحسنة، سكنت شرارته، وأزلت عداوته، وتثبت في مقام ~~القلب على الخير، وهديت إلى الجنة وطردت الشيطان وأرضيت الرحمن، وانخرطت في ~~سلك الملكوت، ومحوت ذنب صاحبك بالندامة، ثم أشار تعالى إلى علة الأمر ~~وثمرته بقوله: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي أي صديق أو قريب حميم ~~أي شديد الولاء. وأصل الحميم الماء الشديدة حرارته. كنى به عن الولي المخلص ~~في وده، لما يجد في نفسه من حرارة الحب والشوق والاهتمام نحو مواليه. # PageV08P340 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 35] # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) # وما يلقاها أي هذه الخصلة الشريفة، والفضيلة العظيمة، وهي مقابلة الإساءة ~~بالإحسان إلا الذين صبروا أي على تجرع الشدائد. أو على طاعته تعالى وأمره، ~~تخلقا بالعلم والعفو وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم أي من الخير وكمال النفس. ~~ومن الله تعالى بالتخلق بأخلاقه. ومن الثواب وكمال العقل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 36] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم أي وإما ~~يلقين الشيطان في نفسك وسوسة من حديث النفس، إرادة حملك على مجازاة المسيء ~~بالإساءة، والانتقام منه، فاستجر بالله واعتصم من خطواته، بالرجوع إلى ~~جنابه تعالى، واللجأ إلى حضرته، من شره ووسوسته ونزغه. قال ابن كثير: قدمنا ~~أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف وهو قوله تعالى: ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم [الأعراف: 199- 200] ، وفي سورة المؤمنون وهو قوله ~~سبحانه: # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون [المؤمنون: 96- 98] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 37] # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ms4020 ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) # ومن آياته أي حججه تعالى على خلقه، ودلالته على وحدانيته وعظيم سلطانه ~~الليل والنهار أي اختلافهما، ومعاقبة كل واحد منها صاحبه والشمس والقمر أي ~~نورهما وإشراقهما وتقدير منازلهما، واختلاف سيرهما في سمائهما، لبقاء صلاح ~~الكون لا تسجدوا للشمس ولا للقمر لأنهما مسخران بتسخير خالق قادر عليم، ~~فهما مخلوقان واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون أي تفردونه ~~بالعبادة. فإن من طاعته أن تخلصوا له العبادة، ولا تشركوا في طاعته أحدا. # لأنها لا تنبغي لأحد سواه. # PageV08P341 ### | ### | تنبيه: # # استدل بالآية الشيخ أبو إسحاق في (المهذب) على صلاة الكسوف. قال: # لأنه لا صلاة تتعلق بالشمس والقمر غيرها. وأخذ من ذلك تفضيلها على صلاة ~~الاستسقاء، لكونها في القرآن، بخلافها. كذا في (الإكليل) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 38] # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ~~(38) # فإن استكبروا أي عن عبادته كبرا وعتوا فالذين عند ربك أي من الملائكة ~~يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون أي لا يملون عبادته، لأنها قرة ~~أعينهم وحياة أنفسهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : الآيات 39 الى 41] # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) إن الذين يلحدون في ~~آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ~~اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ~~وإنه لكتاب عزيز (41) # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة أي ساكنة لا حركة لعشب فيها ولا نبات ولا ~~زرع فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت أي اهتزت بالنبات وتحركت بزينته، ~~وربت بارتفاعه على سطحها، أي صارت ربوة مرتفعة إن الذي أحياها أي هذه الأرض ~~الدارسة، فأخرج منها النبات، وجعلها تهتز بالزرع من بعد يبسها لمحي الموتى ~~إنه على كل شيء قدير إن الذين يلحدون في آياتنا أي يميلون ms4021 عن حججنا ~~وأدلتنا، ويزيغون عنها تكذيبا لها وجحودا لها لا يخفون علينا أي لإحاطة ~~علمه بهم، وكونه بالمرصاد لهم، فسيجزيهم. # تنبيه: # شملت الآية من يضع الكلام في الآيات على غير مواضعه، كما فسرها ابن عباس. ~~قال في (الإكليل) : ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه # PageV08P342 # جوهر اللفظ، كما يفعله الباطنية والاتحادية والملاحدة وغلاة المتصوفة ~~أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه ~~بما تعملون بصير إن الذين كفروا بالذكر أي بهذا القرآن لما جاءهم أي فهم ~~هالكون. فالخبر محذوف. أو الجملة بدل من جملة إن الذين يلحدون في آياتنا ~~وإنه لكتاب عزيز أي منيع محمي عن التغيير والتبديل، وعن محاكاته بنظير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 42] # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أي لا يتطرق إليه البطلان من ~~جهة من الجهات. # قال القاشاني: لا من جهة الحق فيبطله بما هو أبلغ منه وأشد إحكاما في ~~كونه حقا وصدقا. ولا من جهة الخلق فيبطلونه بالإلحاد في تأويله، ويغيرونه ~~بالتحريف لكونه ثابتا في اللوح محفوظا من جهة الحق، كما قال إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] ، وفيه تمثيل لتشبيهه بشخص حمي من جميع ~~جهاته. فلا يمكن أعداءه الوصول إليه لأنه في حصن حصين من حماية الحق ~~المبين. هذا على أن ما بين يديه وما خلفه، كناية عن جميع الجهات. كالصباح ~~والمساء كناية عن الزمان كله. أو المعنى: لا يتطرق إليه باطل في كل ما أخبر ~~عنه من الأخبار الماضية والآتية. والماضية ما بين يديه، والآتية ما خلفه. ~~أو العكس كما مر تنزيل من حكيم حميد قال ابن جرير: أي هو تنزيل من عند ذي ~~حكمة، بتدبير عباده وصرفهم فيما فيه مصالحهم، محمود على نعمه عليهم بأياديه ~~عندهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 43] # ما يقال لك إلا ms4022 ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ~~(43) # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك أي ما يقول لك كفار قومك، إلا ~~مثل ما قال للرسل كفار قومهم، من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب ~~المنزلة. # أي فاصبر كما صبروا إن ربك لذو مغفرة أي لذنوب التائبين إليه من ذنوبهم، ~~بالصفح عنهم وذو عقاب أليم أي لمن أصر على كفره وذنوبه، ومات قبل التوبة ~~منها. # PageV08P343 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 44] # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أي بينت أدلته وما فيه، ~~بلسان نعرفه لنفهم ما فيه. قال الزمخشري: كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل ~~القرآن بلغة العجم؟ فقيل: لو كان كما يقترحون، لم يتركوا الاعتراض والتعنت ~~وقالوا: لولا فصلت آياته؟ أي بينت ولخصت بلسان نفقههء أعجمي وعربي الهمزة ~~همزة الإنكار، يعني: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ أو مرسل إليه ~~عربي؟ # والمعنى: إن آيات الله على أي طريقة جاءتهم، وجحدوا فيها متعنتا. لأن ~~القوم غير طالبين للحق. وإنما يتعبون أهواءهم. انتهى. # قال الشهاب: والأعجمي أصله (أعجم) . ومعناه من لا يفهم كلامه للكنة أو ~~لغرابة لغته وزيدت الياء للمبالغة. كما في أحمري. ويطلق على كلامه مجازا. ~~لكنه اشتهر حتى ألحق بالحقيقة. وأما العجمي فالمنسوب إلى العجم. وهم من عدا ~~العرب وقد يخص بأهل فارس ولغتهم العجمية أيضا. فبين الأعجمي والعجمي عموم ~~وخصوص وجهي. انتهى. قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء أي: هو للمؤمنين بالغيب ~~هداية تهديهم إلى الحق، وتبصرهم بالمعرفة. وشفاء يزيل أمراض قلوبهم من ~~الرذائل. كالنفاق والشك، أي تبصرهم بطريق النظر والعمل، فتعلمهم وتزكيهم ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أي لا يسمعونه ولا يفهمونه. ~~بل يشتبه عليهم لاستيلاء الغفلة عليهم، وسد الغشاوات الطبيعية طرق ms4023 أسماع ~~قلوبهم وأبصارها. فلا ينفذ فيها ولا يتنبهوا بها ولا يتيقظوا أولئك ينادون ~~من مكان بعيد أي مثلهم في عدم قبولهم الحق، واستماعهم له، مثل من يصيح به ~~من مسافة شاطة، لا يسمع من مثلها الصوت، فلا يسمع النداء. وذلك لبعدهم عن ~~منبع النور الى يدرك به الحق ويرى. وانهماكهم في ظلمات الهيولى. قال ~~الشهاب: وجعل النداء من مكان بعيد، تمثيلا لعدم فهمهم وانتفاعهم بما دعوا ~~له. يقال: أنت تنادى من مكان بعيد، أي لا تفهم ما أقول. وقيل: إنه على ~~حقيقته، وإنهم يوم القيامة ينادون كذلك، تفضيحا لهم. # PageV08P344 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 45] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه قال ابن جرير: أي فاختلف في العمل بما ~~فيه الذين أوتوه من اليهود. وقال ابن كثير: أي كذب وأوذي، فاصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل ولولا كلمة سبقت من ربك وهي العدة بالقيامة وفصل ~~الخصومة حينئذ. أي لولا أنه تعالى قدر الجزاء في الآخرة لقضي بينهم أي ~~بتعجيل العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا [الكهف: 58] ، بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر [القمر: 46] ، وإنهم لفي شك منه مريب أي موقع ~~للريب والاضطراب لأنفسهم وأتباعهم، لعمى بصائرهم وتبلد عقولهم. وإلا فالحق ~~أجلى من أن يخفى. وقال ابن كثير: أي وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم، لما ~~قالوا. بل كانوا شاكين فيما قالوه، غير محققين لشيء كانوا فيه. هكذا وجهه ~~ابن جرير. وهو محتمل. والله أعلم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 46] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) # من عمل صالحا فلنفسه أي من عمل بطاعة الله، فائتمر لأمره وانتهى عما ~~نهاه، فلنفسه نفعه. لأنه يجازى عليه جزاءه الحسن ومن أساء أي عمل السيئ ~~وعصى فعليها ضره. لأنه جنى على نفسه بذلك، ما أكسبها سخط الله تعالى ~~والعقاب الأليم ms4024 وو ما ربك بظلام للعبيد أي لا يعاقب أحدا إلا بذنبه، ولا ~~يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 47] # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) # إليه يرد علم الساعة أي لا يعلمها إلا هو. أو المعنى: إذا سئل عنها يقال: # الله عالم بها وما تخرج من ثمرات من أكمامها أي أوعيتها وما تحمل من أنثى ~~ولا # PageV08P345 # تضع إلا بعلمه # أي مقرونا بعلمه. قال الزمخشري: يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من ~~الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك ويوم يناديهم أين ~~شركائي أي الذين كنتم تشركونهم في عبادتي قالوا آذناك ما منا من شهيد أي ~~أعلمناك ما منا من يشهد لهم بالشركة ويقربها الآن. ف شهيد فعيل من الشهادة ~~ونفي الشهادة كناية عن التبرؤ منهم. أو هو منهم إنكار لعبادتها. فيكون ~~كذبا، كقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 48] # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل أي يعبدون من الأوثان، فلم تنفعهم ولم ~~تدفع عنهم شيئا وظنوا ما لهم من محيص أي وأيقنوا يومئذ مالهم من ملجأ ~~يلجئون إليه من عذاب الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 49] # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي لا يمل من مسألته ربه بالخير، كالمال ~~وصحة الجسم وإن مسه الشر أي الضر في نفسه من سقم أو جهد في معيشته فيؤس ~~قنوط أي من روح الله ورحمته، ومن أن يكشف ما نزل به. قال الزمخشري: بولغ ~~فيه من طريقين: من طريق بناء (فعول) ومن طريق التكرير. # والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر. ### | القول ms4025 في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 50] # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته أي بتفريجها عنه ليقولن هذا لي أي ~~حقي نلته بعملي، لا بفضل من الله. جحدا للمنعم وما أظن الساعة قائمة ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى أي للحالة الحسنى من الكرامة. حرصا ورجما # PageV08P346 # بالغيب، وتلاعبا بما شاء الهوى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا أي فلنخبرن ~~هؤلاء المتمنين على الله الأباطيل، بحقيقة أعمالهم. ولنبصرنهم عكس ما ~~اعتقدوا فيها ولنذيقنهم من عذاب غليظ وهو تخليدهم في النار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية # 51] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~(51) # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه أي إذا كشفنا ما به من ضر، ~~ورزقناه غنى وصحة وسعة، أعرض عما دعي إليه من الطاعة. وتكبر وشمخ بأنفه عن ~~الإجابة. وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض أي كثير. يديم تضرعه، ويستغرق في ~~الابتهال أنفاسه. وقد استعير (العرض) لكثرة الدعاء. كما يستعار له (الطول) ~~أيضا. # فيقال: أطال فلان الدعاء، إذا أكثر. وكذلك أعرض دعاءه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 52] # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~(52) # قل أرأيتم إن كان أي القرآن من عند الله ثم كفرتم به أي من غير نظر ~~واتباع دليل من أضل ممن هو في شقاق بعيد أي من أضل منكم. فوضع الموصول موضع ~~الصلة، شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم. والشقاق الخلاف. لكون المخالف في ~~شق وجانب ممن خالفه. قال الشهاب: الآية رجوع لإلزام الطاعنين والملحدين. ~~وختم السورة بما يلتفت لفت بدئها، وهو من الكلام المنصف. وفيه حث على ~~التأمل، واستدراج للإقرار. مع ما فيه من سحر البيان. وحديث ms4026 الساعة وقع في ~~البين تتميما للوعيد. وتنبيها على ما هم عليه من الضلال البعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 53] # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) # سنريهم آياتنا في الآفاق يعني وقائع النبي صلى الله عليه وسلم بنواحي بلد ~~المشركين من أهل مكة وأطرافها. وظهوره على الناس تصديقا للوعد وفي أنفسهم ~~أي من # PageV08P347 # غلبتهم وقهرهم وكسر شوكتهم. وكما وقع في بدر وفتح مكة حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أي أن هذا القرآن، بوعده ووعيده، هو الحق الثابت، إذا لا برهان بعد ~~عيان. # فقد نصر الله رسوله وصحبه، وخذل الباطل وحزبه أولم يكف بربك أنه على كل ~~شيء شهيد أي لا يخفى عليه شيء ما، مما يفعله خلقه، وهو مجازيهم عليه. ففيه ~~وعد ووعيد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة فصلت (41) : آية 54] # ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54) # ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم أي في شك عظيم من البعث بعد الممات، ~~ومعادهم إلى ربهم ألا إنه بكل شيء محيط أي فلا يخرج عن إحاطته شيء ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] . # PageV08P348 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشورى # سميت بالشورى، لإشعار آياتها بذلة الدنيا وعزة الآخرة، وصفات طالبيها، مع ~~اجتماع قلوبهم بكل حال. وهذا من أعظم مقاصد القرآن. قاله المهايمي: وهي ~~مكية. وقيل إن فيها مدنيا. ومر مرارا تحقيق ذلك، وآيها ثلاث وخمسون. # PageV08P349 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) # حم عسق قد روى بعض المفسرين ها هنا، في تفسير حم عسق آثارا واهية جدا لا ~~يعول عليها. بل هي، كما قال ابن كثير منكرة، وقد قدمنا أن الصواب أن هذه ~~الحروف، أوائل السور الكريمة، أسماء لها. وحم عسق اسمان للسورة ولذلك فصل ~~بينهما، وعدا آيتين. وقيل اسم واحد، والفصل ليناسب سائر الحواميم، فيكون ~~آية واحدة. وهو الوجه ms4027 عندي لاشتهارها بهما معا. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 3] # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم كلام مستأنف، وارد ~~لتحقيق أن مضمون السورة موافق لما في تضاعيف سائر الكتب المنزلة على الرسل ~~المتقدمة في الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق. أو أن إيحاءها مثل ~~إيحائها، بعد تنويهها بذكر اسمها والتنبيه على فخامة شأنها. والكاف في حيز ~~النصب على أنه مفعول ل (يوحي) على الأول- وعلى أنه نعت لمصدر مؤكد له، على ~~الثاني و (ذلك) على الأول إشارة إلى ما فيها. وعلى الثاني إلى إيحائها. وما ~~فيه من معنى البعد، للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل. ~~أي مثل ما في هذه السورة من المعاني، أوحى إليك في سائر السور، وإلى من ~~قبلك من الرسل في كتبهم. على أن مناط المماثلة ما أشير إليه من الدعوة إلى ~~التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد. أو مثل ~~إيحائها، أوحى إليك عند إيحاء سائر السور. وإلى سائر الرسل عند إيحاء كتبهم ~~إليهم. لا إيحاء مغايرا له. كما في قوله تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح [النساء: 163] الآية. على أن مدار المثلية كونه بواسطة الملك. ~~وصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية، # PageV08P350 # للإيذان باستمرار الوحي، وأن إيحاء مثله عادته. وفي جعل مضمون السورة أو ~~إيحاءها مشبها به، من تفخيمها ما لا يخفى. وكذا في وصفه تعالى بوصفي العزة ~~والحكمة. وتأخير الفاعل لمراعاة الفواصل. مع ما فيه من التشويق. وقرئ ~~(يوحى) على البناء للمفعول، على أن (كذلك) مبتدأ (ويوحى) خبره المسند إلى ~~ضميره، أو مصدره و (يوحي) مسند إلى (إليك) . و (الله) مرتفع بما دل عليه ~~(يوحي) كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله. العزيز الحكيم صفتان له، أو مبتدأ، ~~كما في قراءة (نوحي) ، والعزيز وما بعده خبران له. أو العزيز الحكيم صفتان ~~له. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms4028 [سورة الشورى (42) : آية # 4] # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم خبران له. وعلى الوجوه ~~السابقة، استئناف مقرر لعزته وحكمته. أفاده أبو السعود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 5 الى 6] # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن أي يتشققن لتأثرهن من تجليات عظمته، ~~ويتلاشين من علو قهره وسلطنته، يدل عليه مجيئه بعد العلي العظيم أو من ~~دعائهم له ولدا، كما في سورة مريم والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض أي يسألون المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين به ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء أي شركاء وأندادا الله ~~حفيظ عليهم أي رقيب على أفعالهم يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها يوم القيامة وما ~~أنت عليهم بوكيل أي بموكل لحفظ أعمالهم. وإنما أنت منذر فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب [الرعد: 40] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 7] # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) # PageV08P351 # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى أي أهلها، وهي مكة ومن ~~حولها أي من العرب وسائر الناس وتنذر يوم الجمع أي يوم القيامة الذي تكون ~~فيه الفضيحة أعظم، لأنه يجمع فيه الخلائق لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق ~~في السعير أي منهم فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما جاءهم ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفريق في السعير، أي النار الموقدة ~~المسعورة على أهلها. وهم الذين كفروا بالله وخالفوا ما جاءهم به رسوله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 8] # ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في ms4029 رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) # ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة أي أهل دين واحد وملة واحدة ولكن يدخل من ~~يشاء في رحمته أي ولكن لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، لمنافاة ذلك ما ~~يقتضيه حكمة خلق الإنسان من تنوع أفراده المستلزم اختلاف أميالهم ومشاربهم. ~~ولذا شاء ما اقتضاه خلقهم واستعدادهم. فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون. ~~فأدخل من شاء في رحمته وهم المؤمنون، وفي عذابه، الكافرين. قال أبو السعود: ~~ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين، تابعة لاستحقاق كل من ~~الفريقين لدخول مدخله والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير أي والكافرون بالله ~~ما لهم من ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله فينقذهم ~~من عذابه، لأنه يدخلهم في قهره. وتوصيفهم بالظالمين، إشارة إلى عدل ~~المؤمنين في باب الاعتقادات والأخلاق والأعمال والأفعال، وأنه تعالى ~~يواليهم وينصرهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 9 الى 10] # أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء ~~قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت ~~وإليه أنيب (10) # أم اتخذوا من دونه أولياء أي يتولونهم. مع أنه لا ولاية لهم في الحقيقة، ~~إذ لا قدرة ولا قوة فالله هو الولي أي هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد ~~أنه المولى والسيد دون غيره، لتوليه سبحانه كل شيء، وسلطانه وحكمه. والفاء ~~جواب # PageV08P352 # شرط مقدر. كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليا بحق، فالله هو ~~الولي بالحق، لا ولي سواه وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير أي هو المحيي ~~القادر، فكيف تستقيم ولاية غيره، وقوله وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب تمهيد لما يأتي بعد، من الأمر ~~بإقامة الدين وعدم التفريق فيه، الذي هو وصية الله تعالى لأنبيائه، وشرعته ~~لخلقه، و ### | تنبيه # على أن خلاف من خالف من المشركين والكافرين، ms4030 إنما مرده إلى الله تعالى ~~وحكمه وقضائه. وأنه لا دين إلا دينه، ولا عبادة إلا عبادته، ولا حلال إلا ~~ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، والقصد الرد على مشركي مكة وأمثالهم، في ~~تشريعهم ما لم يأذن به الله، وتحكيمهم إتباع الآباء وأفانين الأهواء. فإن ~~السورة مكية. ومع ذلك، فتدل الآية على أن ما اختلف فيه المختلفون وتنازعوا ~~في شيء من الخصومات، يجب أن يكون التحاكم فيه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأن لا يوثر على حكومته حكومة غيره. # كقوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] ، ~~وتدل أيضا على الرجوع إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إذا اختلفوا في تأويل آية واشتبه عليهم. وعلى تفويض ما ~~لم تصل إلي دركه العقول، إلى الله تعالى، بأن يقال: الله أعلم. كما في ~~قوله: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] . وقوله: ذلكم ~~الله ربي بتقدير (قل) أو هو حكاية لقوله صلى الله عليه وسلم. أي الذي هذه ~~الصفات صفاته، ربي لا آلهتكم التي تدعون من دونه، التي لا تقدر على شيء ~~عليه توكلت أي في أموري كلها وإليه أنيب أي أرجع في المعاد، أو من الذنوب، ~~أو في الأمور المعضلة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 11] # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أي من جنسكم أزواجا أي نساء ومن ~~الأنعام أزواجا أي أصنافا مختلفة، أو ذكورا وإناثا يذرؤكم فيه أي يكثركم. ~~من (الذرء) وهو البث. يقال: ذرأ الله الخلق. بثهم كثرهم. وفسر ب (يخلقكم) . ~~وضمير (فيه) للبطن أو الرحم. وقال الزمخشري: أي في هذا التدبير، وهو أن جعل ~~للناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. # والضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون ~~العقلاء # PageV08P353 # على الغيب مما لا يعقل. ms4031 فإن قلت: ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟ وهلا ~~قيل: # يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير. انتهى. # وقيل (في) مستعارة للسببية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال ابن ~~جرير: فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء. وأدخل المثل في ~~الكلام، توكيدا للكلام، لكونهما بمعنى واحد. والآخر أن يكون معناه: ليس ~~مثله شيء. وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام. انتهى. # وبقي ثالث وهو أن المثل بمعنى الصفة. أي ليس كصفته صفة. ورابع- وهو ما ~~عول عليه المحققون- أن المراد من مثله ذاته. كما في قولهم: مثلك لا يبخل. ~~على قصد المبالغة في نفيه عنه. فإنه إذا نفي عمن يناسبه. كان نفيه عنه ~~أولى. ثم سلكت هذه الطريقة في شأن من لا مثل له سبحانه ووجه المبالغة أن ~~الكناية من باب دعوى الشيء ببينة. وقد بينت الكناية في الآية بوجه آخر أشار ~~إليه الشمني. وهو أنه نفي للشيء بنفي لازمه. لأن نفي اللازم يستلزم نفي ~~الملزوم. كما يقال: ليس لأخي زيد أخ. فأخو زيد ملزوم. والأخ لازمه. لأنه لا ~~بد لأخي زيد من أخ هو زيد. فنفي هذا اللازم. والمراد نفي ملزومه. أي ليس ~~لزيد أخ. إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ. هو زيد. فكذا نفي أن يكون ~~لمثل الله مثل. والمراد نفي مثله تعالى- إذ لو كان له مثل، لكان هو تعالى ~~مثل مثله، لتحقق المماثلة من الجانبين. # فلا يصح نفي مثله (أي نفي مثل ذلك المثل) وبالجملة، فأطلق نفي مثل المثل، ~~وأريد لازمه من نفي المثل. قال بعض الأفاضل: طالما كنت أجد في نفسي من هذا ~~شيئا. وذلك أن محصل هذا أن نفي المثل لازم لحقيقة الآية. وقد تقرر أولا ~~أنها تقتضي إثباته. ولذا أولوها بالأوجه المذكورة. فكيف يعقل أن إثبات ~~الشيء ونفيه يلزمان معا لشيء واحد؟ مع تصريحهم بأن تنافي اللوازم يقتضي ~~تنافي الملزومات. # وبفرض صحة أن كلا منهما لازم لها، فقصرها على هذا دون ذاك تحكم. مع أن ~~القصد إبطال دلالتها ms4032 على المحال. ولا يكفي فيه قولنا إنه غير مراد كما لا ~~يخفى. ثم ظهر أن إثبات المثل ليس لازما لحقيقة الآية قطعا. بل هو محتمل ~~فقط. كما تحتمل نفيه. وإن كان الأول أقرب، لكن عارضه في خصوص هذه المادة. ~~أنه لو كان له مثل إلخ. فبطل ذلك الاحتمال من أصله. فالتعويل في نفي المثل ~~على هذه المقدمة القطعية بخلاف المثال فافهم ذلك. وقال العصام: هذا- أي كون ~~الآية من باب الكناية- وجه تلقاه الفحول بالقبول. ورجحوه بأن الكناية أبلغ ~~من التصريح. # وعدم الزيادة أحق بالترجيح. وفيه بحث، وهو أن نفي مثل المثل لا يستلزم ~~نفي # PageV08P354 # المثل. لأن الشيء ليس مثل مثله. بل المثل المشارك للشيء في صفة، منع كون ~~الشيء أقوى منه فيها وبمنزلة الأصل. والمثل بمنزلة الملحق به المتقارب. ~~انتهى. # ورده السيلكوتي فقال: ما قيل إن نفي مثل المثل لا يستلزم نفي المثل لأن ~~مثل الشيء أضعف منه، فتوهم محض. لأن المماثلة هي الشركة، في أخص الصفات ~~والمساواة في جميع الوجوه مما به المماثلة. صرح به في (شرح العقائد ~~النسفية) انتهى. ومثل هذه اللطائف الأدبية مما تتحلى به أجياد الأفهام. ~~وتتشعب في أودية بدائعه عيون محاسن الكلام. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية رد على المشبهة. وأنه تعالى ليس ~~بجوهر ولا بجسم ولا عرض ولا لون ولا حال في مكان ولا زمان. انتهى. # وكان حقه أن يتم الاستنباط. فكما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة. فكذا ~~تتمتها وهو قوله تعالى: وهو السميع البصير رد على المعطلة. ولذا كان أعدل ~~المذاهب مذهب السلف. فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه. # وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق ~~بالمخلوق. ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل. # فمثلوا أولا وعطلوا آخرا. فهذا تشبيه وتمثيل منهم، للمفهوم من أسمائه ~~وصفاته تعالى، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم. فعطلوا ما يستحقه سبحانه ~~وتعالى من الأسماء والصفات اللائقة به عز وجل. بخلاف سلف الأمة ms4033 وأجلاء ~~الأئمة. فإنهم يصفون الله سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه وبما وصف به نبيه ~~صلى الله عليه وسلم. من غير تحريف ولا تشبيه. قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير فرد على المشبهة بنفي المثلية، ورد على المعطلة بقوله: وهو ~~السميع البصير قال الحافظ ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار ~~بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز. إلا ~~أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك. وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ~~ينكرها ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة. # ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. انتهى. # قال الذهبي: صدق والله! فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على ~~مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب وأن يشابه المعدوم. كما نقل عن ~~حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها ~~سعف؟ # PageV08P355 # قالوا: لا. قيل لها كرب؟ قالوا: لا. قيل لها رطب؟ قالوا: لا. قيل: فلها ~~ساق؟ قالوا: # لا. قيل: فما في داركم نخلة. قلت: كذلك هؤلاء النفاة قالوا إلهنا الله ~~تعالى. وهو لا في زمان ولا في مكان ولا يرى ولا يسمع، ولا يبصر ولا يتكلم، ~~ولا يرضى ولا يريد، ولا ولا. وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات. بل نقول: ~~سبحان الله العظيم السميع المريد، الذي كلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم ~~خليلا. ويرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، المنزه عن ~~سمات المخلوقين وعن جحد الجاحدين. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # وقال الذهبي رحمه الله أيضا: مقال متأخري المتكلمين، أن الله تعالى ليس ~~في السماء ولا على العرش ولا على السموات ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا ~~خارج العالم ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم. وقالوا: جميع هذه الأشياء ~~صفات الأجسام والله تعالى منزه عن الجسم. قال لهم أهل السنة والأثر: نحن لا ~~نخوض في ذلك ونقول ما ذكرناه اتباعا للنصوص ولا نقول ms4034 بقولكم. فإن هذه ~~السلوب نعوت للمعدوم. تعالى الله جل جلاله عن العدم. بل هو موجود متميز عن ~~خلقه، موصوف بما وصف به نفسه، من أنه فوق العرش بلا كيف. انتهى. # وقال الإمام ابن تيمية في (الرسالة التدمرية) في القاعدة الأولى: إن الله ~~سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى ~~كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك. والنفي كقوله تعالى: لا تأخذه سنة ~~ولا نوم وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن ~~إثباتا. وإلا فجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال. لأن النفي المحض عدم محض. ~~والعدم المحض ليس بشيء. وما ليس بشيء فهو كما قيل ليس بشيء، فضلا عن أن ~~يكون مدحا أو كمالا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع. والمعدوم ~~والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من ~~النفي متضمنا لإثبات مدح، كقوله: الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم، إلى قوله: ولا يؤده حفظهما [البقرة: 255] ، فنفي السنة والنوم ~~يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم وكذلك قوله: ~~ولا يؤده حفظهما أي لا يكرثه ولا يثقله. وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. ~~بخلاف المخلوق القادر، إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا ~~نقص في قدرته وعيب في قوته. وكذلك قوله: لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض [سبأ: 3] ، فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات # PageV08P356 # والأرض. وكذلك قوله: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب [ق: 38] ، فإن نفي مس اللغوب، الذي هو التعب والإعياء، دل ~~على كمال القدرة ونهاية القوة. بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ~~ما يلحقه. وكذلك قوله: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] ، إنما نفى الإدراك ~~الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية. لأن المعدوم ~~لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح. ms4035 إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحا. ~~وإنما المدح في كونه لا يحاط به، وإن رئي. كما أنه لا يحاط به وإن علم، ~~فكما أنه إذا علم لا يحاط به علما، فكذلك إذا رئي لا يحاط به رؤية. فكان في ~~نفي الإدراك من إثبات عظمته، ما يكون مدحا وصفة كمال. وكان ذلك دليلا على ~~إثبات الرؤية لا على نفيها. لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. ~~وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. وإذا تأملت ذلك وجدت كل ~~نفي لا يستلزم ثبوتا، هو مما لم يصف الله به نفسه. فالذين لا يصفونه إلا ~~بالسلوب، لم يثبتوا في الحقيقة إلها محمودا، بل ولا موجودا. وكذلك من ~~شاركهم في بعض ذلك. كالذين قالوا لا يتكلم أو لا يرى أو ليس فوق العالم أو ~~لم يستو على العرش. ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ~~ولا مجانب له، إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة ~~مستلزمة صفة ثبوت. ولهذا قال محمود بن سبكتكين لمن ادعى ذلك في الخالق ميز ~~لنا بين هذا الرب الذي نثبته وبين المعدوم. وكذلك كونه لا يتكلم أو لا ~~ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال. بل هذه الصفات فيها تشبيه له ~~بالمنقوصات أو المعدومات. فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم ~~ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقص. فمن قال لا هو مباين للعالم ولا ~~مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال لا هو قائم بنفسه ولا بغيره ولا قديم ولا ~~محدث ولا متقدم على العالم ولا مقارن له. ومن قال إنه ليس بحي ولا سميع ولا ~~بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم. فإن قال العمى عدم البصر ~~عما من شأنه أنه يقبل البصر، وما لم يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ~~ولا بصير، قيل له هذا اصطلاح اصطلحتموه. وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع ~~والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والعمى ms4036 والخرس والعجمة. وأيضا فكل موجود ~~يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها. فإن الله قادر على جعل الجماد حيا كما ~~جعل عصا موسى حية ابتلعت الحبال والعصي. وأيضا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه ~~الصفات أعظم نقصا مما يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها. فالجماد الذي # لا يوصف # PageV08P357 # بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصا من الحي الأعمى ~~الأخرس. فإن قيل إن البارئ لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص ~~أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك. مع أنه إذا جعل غير قابل ~~لها كان تشبيها له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها. وهذا تشبيه ~~بالجمادات لا بالحيوانات. فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه ~~بالحي. وأيضا فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال. فالحياة من ~~حيث هي هي، مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها، صفة كمال. وكذلك العلم ~~والقدرة والسمع والبصر والكلام والعقل ونحو ذلك. وما كان صفة كمال فهو ~~سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات. فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به، ~~لكان المخلوق أكمل منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 12 الى 13] # له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ~~(12) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) # له مقاليد السماوات والأرض أي مفاتيح الأرزاق وخزائن الملك والملكوت يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر أي يوسع رزقه وفضله على من يشاء من خلقه ويغنيه، ~~ويقتر على آخرين إنه بكل شيء عليم شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ms4037 كذلك ~~يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم [الشورى: 3] ، ذكر في هذه ~~الآية تفصيل ذلك، وهو ما شرعه له ولهم من الاتفاق على عبادته وحده لا شريك ~~له كما قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون [الأنبياء: 25] ، وفي الحديث «1» : نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ~~ديننا واحد. يعنى: عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ~~ومناهجهم. كقوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] . ~~وتخصيص هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم PageV08P358 # عليهم السلام، بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة ~~والأتباع الكثيرة. ولاستمالة قلوب الكفرة، لاتفاق الكل على نبوة بعضهم. ~~وابتدأ بنوح عليه السلام لأنه أول الرسل. والمعنى: شرع لكم من الدين ما وصى ~~به جميع الأنبياء من عهد نوح عليه السلام إلى زمن نبينا عليه الصلاة ~~والسلام. والتعبير بالتوصية فيهم والوحي له، للإشارة إلى أن شريعته صلى ~~الله عليه وسلم هي الشريعة الكاملة. ولذا عبر فيه ب (الذي) التي هي أصل ~~الموصولات. وأضافه إليه بضمير العظمة، تخصيصا له ولشريعته بالتشريف وعظم ~~الشأن وكمال الاعتناء. وهو السر في تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا ~~كبر على المشركين ما تدعوهم إليه أي من إخلاص العبادة لله وإفراده ~~بالألوهية والبراءة مما سواه من الأوثان الله يجتبي إليه من يشاء وهو من ~~صرف اختياره إلى ما دعي إليه ويهدي إليه من ينيب أي يوفق للعمل لطاعته ~~واتباع رسله من يقبل إلى طاعته ويتوب من معاصيه. ثم أشار إلى حال أهل ~~الكتاب، إثر بيان حال المشركين، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 14] # وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) # وما تفرقوا أي في دينهم وصاروا شيعا إلا من بعد ما جاءهم العلم أي ~~الدلائل الصحيحة والبراهين اليقينية على حقية ما لديهم بغيا بينهم أي ms4038 ظلما ~~وتعديا وطلبا للرئاسة ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى وهو تأخير ~~العذاب. # إلى يوم القيامة لقضي بينهم أي باستئصالهم، لاستيجاب جناياتهم لذلك وإن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم وهم أهل مكة الذين من الله عليهم بالكتاب ~~العزيز لفي شك منه مريب أي موقع لأتباعهم في الشك، لكثرة ما يبثونه من ~~الوساوس الصادة عن سبيل الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 15] # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) # PageV08P359 # فلذلك فادع أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب، فادع الناس كافة إلى ~~إقامة الدين لمقاومة الباطل ودحره، وهتك وساوسه واستقم أي على الدعوة إليه ~~والصدع به كما أمرت أي أوحي إليك ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب أي: أي كتاب كان، لا كالذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض. وفيه تحقيق ~~للحق، وبيان لاتفاق الكتب في الأصول، وتأليف لقلوب أهل الكتابين، وتعريض ~~بهم. أفاده أبو السعود وأمرت لأعدل بينكم أي لأسوي بينكم في دعوة واحدة كما ~~قال تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا [آل عمران: 64] الآية. ثم أشار إلى أن ما وراء ~~الأمر المذكور والتبليغ به من الحساب، فهو إليه تعالى. فقال الله ربنا ~~وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم أي لا خصومة ولا محاجة ~~بعد هذا. لأن الحق قد ظهر. ولم يبق للمحاجة حاجة، ولا للمخالفة محل سوى ~~المكابرة. والحجة في الأصل مصدر بمعنى الاحتجاج. كما ذكره الراغب. وتكون ~~بمعنى الدليل. والمراد هو الأول دون الثاني. وهو ظاهر الله يجمع بيننا أي ~~يوم القيامة، فيقضي بالحق فيما اختلفنا فيه وإليه المصير أي المعاد والمرجع ~~للجزاء. ### | تنبيهان: # الأول- تفسير العدل بما ذكرناه، لأنه الذي يقتضيه سياق الكلام لا سيما ~~والسورة مكية. ms4039 ولم يكن مظهره صلوات الله عليه بها فصل الخصومات والقضاء في ~~الحكومات. نعم من ذهب إلى ذلك فإنما وقف مع عمومها. ومنه قول قتادة: أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يعدل حتى مات. والعدل ميزان الله في الأرض. به ~~يأخذ للمظلوم من الظالم. وللضعيف من الشديد. وبالعدل يصدق الله الصادق ~~ويكذب الكاذب. # وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه. # الثاني- قال ابن كثير: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات. ~~كل منها منفصلة عن التي قبلها. حكم برأسها. قالوا: ولا نظير لها سوى آية ~~الكرسي. فإنها أيضا عشرة فصول كهذه. انتهى ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 16] # والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد (16) # والذين يحاجون في الله أي يخاصمون في دينه الذي ابتعث به خاتم أنبيائه، # PageV08P360 # وهم الذين أورثوا الكتاب، المذكورون قبل، ليصدوا عن الهدى طمعا في عود ~~الجاهلية من بعد ما استجيب له أي استجاب له الناس. أي بالاستسلام والانقياد ~~لدينه حسبما قادهم إليه العقل السليم والنظر الصحيح وسيرة الداعي وهديه ~~وحسن دعوته وتصديق الكتب المنزلة له وسلامة الفطرة حجتهم داحضة أي زائلة ~~لأنها في باطل. والباطل لا بقاء له مع قوة الحق عند ربهم أي في حكمه وقضائه ~~وتقديره. قال أبو السعود: وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة، مجاراة معهم على ~~زعمهم الباطل وعليهم غضب أي عظيم، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره ولهم عذاب شديد ~~وهو عذاب النار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 17] # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) # الله الذي أنزل الكتاب بالحق أي متلبسا به في أحكامه وأخباره والميزان أي ~~وأنزل الميزان وهو العدل الذي يوزن به الحقوق ويسوى به الخلاف وما يدريك ~~لعل الساعة قريب قال أبو السعود: أي شيء قريب. أو قريب مجيئها. أو الساعة ~~بمعنى البعث. والمعنى أنها على جناح الإتيان. فاتبع الكتاب واعمل به وواظب ~~على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن ms4040 فيه الأعمال ويوفى جزاؤها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 18] # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها أي خائفون ~~منها. قال ابن جرير: لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها ويعلمون أنها ~~الحق أي المتحقق وجوده لا محالة ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال ~~بعيد أي لإنكارهم عدل الله وحكمته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 19 الى # 20] # الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب (20) # PageV08P361 # الله لطيف بعباده أي يلطف بهم في تدبير إيصال ما يفتقرون من خبر الدين ~~والدنيا يرزق من يشاء وهو القوي العزيز من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب. # قال الزمخشري: سمي ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة والزكاء، حرثا ~~على المجاز- أي بتشبيهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا. ولذلك ~~قيل (الدنيا مزرعة الآخرة) وفرق بين عمل العاملين بأن من عمل للآخرة، وفق ~~في عمله وضوعفت حسناته. ومن كان عمله للدنيا أعطي شيئا منها، لا ما يريده ~~ويبتغيه، وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه، وما له نصيب قط في الآخرة. ولم ~~يذكر في معنى عامل الآخرة وله في الدنيا نصيب على أن رزقه المقسوم له، واصل ~~إليه لا محالة- للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في ~~المآب. # انتهى. # وهذه الآية كآية من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء [الإسراء: # 18] ، إلخ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 21 الى 23] # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة ms4041 الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف ~~حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (أم) منقطعة، فيها ~~معنى (بل والهمزة) ولا بد من سبق كلام، خبرا أو إنشاء، يضرب عنه ويقرر ما ~~بعده. # وما سبق قوله شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [الشورى: 13] ، إلخ فهو ~~معطوف عليه، وما بينهما من تتمة الأول. والمراد بشركائهم، إما شياطينهم ~~لأنهم شاركوهم في الكفر وحملوهم عليه. وإما أوثانهم. وإضافتها إليهم لأنهم ~~متخذوها # PageV08P362 # شركاء وإن لم تكن كذلك في الحقيقة. وعلى الثاني، فإسناد الشرع إليها، ~~لأنها سبب ضلالهم وافتتانهم بما تدينوا به. أو لأنها على صورة المشرع الذي ~~سن هذا الضلال لهم. ويجوز كون الاستفهام المقدر حينئذ للإنكار. أي ليس لهم ~~شرع ولا شارع. # كما في قوله: أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا [الأنبياء: 43] ، ولولا كلمة ~~الفصل أي القضاء السابق بأن الجزاء في القيامة لا في الدنيا. أو لولا ما ~~وعدهم الله به من أنه يفصل بينهم ويبين في الآخرة. فالفصل بمعنى البيان ~~لقضي بينهم أي لفرغ من الحكم بين الكافرين والمؤمنين، بتعجيل العذاب ~~للكافرين وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين أي يوم البعث مشفقين مما ~~كسبوا أي من السيئات وهو واقع بهم أي نازل بهم لا محالة والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل ~~الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم ~~عليه أجرا أي لا أسألكم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم ~~به، والنصيحة التي أنصحكم، ثوابا وجزاء وعوضا من أموالكم تعطونيه إلا ~~المودة ms4042 في القربى أي أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم، وتصلوا الرحم ~~التي بيننا. ولا يكن غيركم، يا معشر قريش، أولى بحفظي ونصرتي ومودتي منكم. # قال الشهاب: المودة مصدر مقدر ب (أن والفعل) . والقربى مصدر كالقرابة. # و (في) للسببية. وهي بمعنى اللام لتقارب السبب والعلة. والخطاب، إما ~~لقريش أو لجميع العرب، لأنهم أقرباء في الجملة. انتهى. والاستثناء منقطع. ~~ومعناه نفي الأجر أصلا. لأن ثمرة مودتهم عائدة إليهم، لكونها سبب نجاتهم. ~~فلا تصلح أن تكون أجرا له. وقيل: المعنى أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ~~ولا تؤذوهم. وقيل (القربى) التقرب إلى الله تعالى. أي إلا أن تتوددوا إلى ~~الله فيما يقربكم إليه. # والمعنى الأول هو الذي عول عليه الأئمة. ولم يرتض ابن عباس رضي الله عنه، ~~غيره. # ففي البخاري «1» عنه أنه سئل عن قوله تعالى: إلا المودة في القربى فقال ~~سعيد ابن جبير: القربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت. إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. فقال: إلا أن تصلوا ~~ما بيني وبينكم من القرابة. # قال ابن كثير: انفرد به البخاري- أي عن مسلم- ورواه الإمام أحمد. وهكذا ~~PageV08P363 # روى الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد ~~عن ابن عباس، رضي الله عنهما، مثله. وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي ~~وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. # وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي، لقرابتي منكم، ~~وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم. # وروى الإمام أحمد «1» عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا، إلا أن تودوا الله تعالى، ~~وأن تقربوا إليه بطاعته. وهكذا روي عن قتادة والحسن البصري مثله # . وأما رواية أنها نزلت بالمدينة فيمن فاخر العباس من الأنصار، فإسناده ~~ضعيف. على أن السورة مكية. وليس يظهر ms4043 بين الآية وتلك الرواية في هذا السياق ~~مناسبة. وكذا ما # رواه ابن أبي حاتم أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله! من هؤلاء ~~الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: فاطمة وولدها رضي الله عنهم # ، فإن في إسناده مبهما لا يعرف، عن شيخ شيعي، وهو حسين الأشقر، فلا يقبل ~~خبره في هذا المحل وذكر نزول الآية في المدينة بعيد. فإنها مكية. ولم يكن ~~إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية. فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله ~~عنه إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. والحق تفسير هذه الآية بما ~~فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، كما ~~رواه عنه البخاري. ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم ~~واحترامهم وإكرامهم. فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض ~~فخرا وحسبا ونسبا. ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة ~~الواضحة الجلية. كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ~~رضي الله عنهم أجمعين # وقد ثبت في الصحيح «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: ~~إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي. وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض. # وروى الإمام أحمد «3» عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا ~~رسول الله! إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن. وإذا لقونا لقونا ~~بوجوه لا نعرفها. قال فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال: ~~والذي نفسي بيده! لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله. # هذا ملخص ما أورده ابن PageV08P364 # كثير رحمه الله تعالى، وسبقه في الإيساع في ذلك تقي الدين ابن تيمية في ~~(منهاج السنة) من أوجه عديدة. # قال في الوجه الثالث: إن هذه الآية في سورة الشورى. وهي مكية باتفاق أهل ~~السنة. بل جميع آل حم مكيات. وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليا إنما تزوج ~~فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر. والحسن ولد في السنة الثالثة ms4044 من الهجرة. ~~والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين ~~بسنين متعددة. فكيف يفسر النبي صلى الله عليه وسلم الآية بوجوب مودة قرابة ~~لا تعرف ولم تخلق. # ثم قال: الوجه الرابع- إن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس ~~يناقض ذلك. فهذا ابن عباس ترجمان القرآن وأعلم أهل البيت، بعد علي، يقول: # ليس معناها مودة ذوي القربى. ولكن معناها لا أسألكم يا معشر العرب ويا ~~معشر قريش عليه أجرا. لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم. فهو ~~سأل الناس الذين أرسل إليهم أولا، أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ ~~رسالة ربه. # الوجه الخامس- أنه قال: لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى لم يقل ~~إلا المودة للقربى ولا المودة لذوي القربى. فلو أراد المودة لذوي القربى ~~لقال المودة لذوي القربى كما قال: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى [الأنفال: 41] ، وقال ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى [الحشر: 7] ، وكذلك قوله: وآت ذا القربى ~~حقه والمسكين وابن السبيل [الإسراء: 26] ، وقوله: وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى [البقرة: 177] ، وهكذا في غير موضع. فجميع ما في القرآن من التوصية ~~بحقوق ذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم، وذوي قربى الإنسان، إنما قيل ~~فيها (ذوي القربى) . لم يقل (في القربى) . فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم، ~~دل على أنه لم يرد (ذوي القربى) . # الوجه السادس- أنه لو أريد المودة لهم لقال: المودة لذوي القربى، ولم يقل ~~في القربى، فإنه لا يقول من طلب المودة لغيره: أسألك المودة في فلان، ولا ~~في قربى فلان. ولكن أسألك المودة لفلان، والمحبة لفلان. فلما قال المودة في ~~القربى، علم أنه ليس المراد لذوي القربى. # الوجه السابع- أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل على تبليغ ~~رسالة ربه أجرا البتة. # بل أجره على الله كما قال: قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين [ص: 86] ، وقوله: أم تسئلهم ms4045 أجرا فهم من مغرم مثقلون [الطور: 4] ~~و [القلم: # PageV08P365 # 46] وقوله: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله [سبأ: 47] ~~، ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال: قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا [الفرقان: 57] ، ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم واجبة. لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. بل هو مما أمرنا الله به كما أمرنا بسائر ~~العبادات. # وفي الصحيح «1» عنه أنه خطب أصحابه بغدير يدعى (خما) بين مكة والمدينة ~~فقال (أذكركم الله في أهل بيتي) # وفي السنن «2» عنه أنه قال (والذي نفسي بيده! لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم ~~لله ولقرابتي) # فمن جعل محبة أهل بيته أجرا له يوفيه إياه، فقد أخطأ خطأ عظيما. ولو كان ~~أجرا له نثب عليه نحن، لأنا أعطيناه أجره الذي يستحقه بالرسالة. فهل يقول ~~مسلم مثل هذا؟؟؟. # الوجه الثامن- إن (القربى) معرفة باللام. فلا بد أن يكون معروفا عند ~~المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم لا أسئلكم عليه أجرا وقد ذكر أنها لما ~~نزلت، لم يكن قد خلق الحسن والحسين، ولا تزوج على بفاطمة. فالقربى التي كان ~~المخاطبون يعرفونها، يمتنع أن تكون هذه. بخلاف القربى التي بينه وبينهم، ~~فإنها معروفة عندهم، كما تقول (لا أسألك إلا المودة في الرحم التي بيننا) ~~وكما تقول (لا أسألك إلا العدل بيننا وبينكم) (ولا أسألك إلا أن تتقي الله ~~في هذا الأمر) . # انتهى ومن يقترف حسنة أي يكتسب طاعة نزد له فيها حسنا أي بمضاعفته إن ~~الله غفور أي لمن تاب وأناب شكور لسعيهم بتضعيف جزاء حسناته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 24] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) # أم يقولون افترى على الله كذبا أي بدعوى النبوة والوحي فإن يشإ الله يختم ~~على قلبك قال ابن كثير: أي: لو ms4046 افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون، ~~يختم على قلبك أي: يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن. # كقوله جل جلاله PageV08P366 # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين [الحاقة: 44- 47] ، أي لانتقمنا منه أشد ~~الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه. انتهى. # وهذا تفسير بالأشباه والنظائر من الآيات، يؤثره كثير من الأئمة، ما وجد ~~إليه سبيلا. فإن التنزيل يفسر بعضه بعضا. ومآل الآية على هذا المعنى، كما ~~أوضحه أبو السعود، هو الاستشهاد على بطلان ما قالوا، ببيان أنه عليه السلام ~~لو افترى على الله تعالى، لمنعه من ذلك قطعا، فختم على قلبه بحيث لم يخطر ~~بباله معنى من معانيه، ولم ينطق بحرف من حروفه. وحيث لم يكن الأمر كذلك. بل ~~تواتر الوحي حينا فحينا، تبين أنه من عند الله تعالى. # وقال الزمخشري: فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفتري ~~عليه الكذب. فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله، إلا من كان في مثل ~~حالهم. وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله، وإنه في البعد مثل ~~الشرك بالله والدخول في الجملة المختوم على قلوبهم. ومثل هذا أن يخون بعض ~~الأمناء فيقول: # لعل الله خذلني. لعل الله أعمى قلبي. وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى ~~القلب. # وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر ~~عظيم. # انتهى. # قال الشهاب: فمعناه إن يشأ الله يختم على قلبك كما فعل بهم. فهو تسلية له ~~صلوات الله عليه، وتذكير لإحسانه إليه وإكرامه، ليشكر به ويترحم على من ختم ~~على قلبه، فاستحق غضب ربه، ولولا ذلك ما اجترأ على نسبته لما ذكر. ولذا أتى ~~(بأن) في موضع (لو) إرخاء للعنان، وتلميحا للبرهان. على أنه لا يتصور وصفه ~~بما. # ذكروه. فالتفريع بالنظر للمعنى المكني عنه، وحاصله أنهم اجترءوا على هذا ~~المحال، لأنه مطبوعون على الضلال. انتهى ويمح الله الباطل ويحق الحق ~~بكلماته إنه عليم بذات ms4047 الصدور استئناف مقرر لنفي الافتراء عما يقوله صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه لو كان مفترى لمحقه. إذ من سنته تعالى محو الباطل ~~وإثبات الحق بوحيه. فليس (يمح) مجزوما بالعطف على الجزاء، بل معطوف على ~~مجموع الجملة والكلام السابق. ولذا أعيد لفظ الجلالة ورفع (يحق) . قال ~~الزمخشري: ويجوز أن يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنه يمحو ~~الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن، ~~وبقضائه الذي لا مرد له من نصرتك عليهم. إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم، ~~فيجري الأمر على حسب ذلك. # PageV08P367 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 25] # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده أي يقبل رجوعه إذا راجع توحيد الله ~~وطاعته، من بعد كفره ويعفوا عن السيئات أي معاصيه التي تاب منها ويعلم ما ~~تفعلون أي من خير أو شر، وهو مجازيكم عليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 26 الى 27] # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي يستجيب لهم. فحذف اللام كما حذف ~~في قوله تعالى: وإذا كالوهم [المطففين: 3] ، أي يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم ~~من فضله أي على ثوابهم، منة منه وطولا والكافرون لهم عذاب شديد، ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض أي تجاوزوا الحد الذي حده لهم إلى غيره، ~~بركوبهم ما حظره عليهم. لأن الغنى مبطرة مأشرة كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه ~~استغنى [العلق: 6- 7] ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء أي ولكن ينزل من رزقه ما ~~يشاؤه بقدر، لكفايتهم إنه بعباده خبير بصير قال الزمخشري: أي يعرف ما يؤول ~~إليه أحوالهم، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ~~ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط. كما توجبه الحكمة الربانية. ms4048 ولو أغناهم جميعا ~~لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 28] # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته أي بركات الغيث ومنافعه ~~وآثاره من الخصب والرخاء وهو الولي الحميد أي الذي يتولى الخلق بإحسانه، ~~والمحمود على أياديه عندهم. # PageV08P368 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 29] # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم أي ~~حشرهم يوم القيامة إذا يشاء قدير أي متمكن منه، لا يتعذر عليه وإن تفرقت ~~أوصالهم. ### | تنبيه: # ذهب بعض الباحثين في آيات القرآن الفلكية والعوالم العلوية إلى معنى آخر ~~في هذه الآية. وعبارته: يفهم من هذه الآية أن الله تعالى خلق في السموات ~~دواب، ويستدل من قوله تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ~~[النور: 45] ، أن هذه الدواب ليست ملائكة كما قال المفسرون، بل حيوانات ~~كحيوانات الأرض. ولا يبعد أن يكون بينهم حيوان عاقل كالإنسان، ويلزم لحياة ~~تلك الحيوانات أن يكون في السموات نباتات وأشجار وبحار وأنهار كما تحقق في ~~هذا العصر لدى علماء الرصد. # ثم قال: لعمري، إن هذه الآية التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم قبل ~~ألف وثلاثمائة وعشرين سنة، لآية لأهل هذا العصر وأية آية، آية لأهل العلم ~~والفلسفة الذين يبذلون الأموال والأرواح بلا حد ولا حساب، ليتوصلوا إلى ~~معرفة سر من أسرار الكائنات. # ومع هذا الجد العنيف والجهد المتواصل منذ ثلاثمائة سنة، لم يتوصلوا إلا ~~بالظن إلى ما أنبأت به هذه الآية. وجل ما توصلوا إليه بالبرهان العقلي، إن ~~الأرض أصغر من الشمس وأنها تدور حولها. وإن الكواكب السيارات كريات. وأن ~~النجوم الثوابت شموس، ولها سيارات تدور حولها. ولما ms4049 ثبت لديهم جميعا وجود ~~الماء والهواء، وحصول الصيف والشتاء في هذه السيارات، ظنوا أنه يوجد فيها ~~عالم كعالم الأرض. # وبدأ البعض منهم يفكرون بإيجاد الوسائل للمخابرة بالكهربائية مع سكان ~~المريخ الذي هو أقرب السيارات إلينا. وليس ذلك بالمستحيل فنا. ويستدل على ~~إمكانيته من آخر الآية نفسها وهو قوله تعالى: وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ~~فلا يبعد أن يتخابرا ويجتمعا فكرا، إذا لم يجتمعا جسما. فلينظر الفلكيون ~~إلى ما حوته هذه الآية المكنوزة في القرآن. وليعلم المعجبون منا بالعلوم ~~العصرية، الضاربون صفحا عن العلوم الإسلامية، ما في كتاب الله من الحكمة ~~والبيان. # PageV08P369 # وقال أيضا: لا يخفى أن القرآن العظيم نزل لبيان الحق وتعليم الدين، أولا ~~وبالذات. لكن، تمهيدا لهذه السبيل، أتى بشذرات من العلوم الفلكية ~~والطبيعية، وصرف بصائر الناس إلى التفكر في خلق السموات والأرض، وما هن ~~عليه من الإبداع. # فوجه أبصارهم إلى التأمل في خلق الإنسان وما هو عليه من التركيب العجيب، ~~إلى غير ذلك من الأمور الفلكية والطبيعية في أكثر من ثلاثمائة آية. ~~فالمفسرون رحمهم الله، لما فسروا هذه الآيات، شرحوا معانيها على مقدار محيط ~~علمهم بالعلوم الفلكية والطبيعية. ولا يخفى ما كانت عليه هذه الآلات في ~~زمنهم من النقصان. لا سيما علم الفلك. فهم معذرون إذا لم يفهموا معاني هذه ~~الآيات التي تحير عقول فلاسفة هذا العصر، المتضلعين بالعلوم العقلية. لذلك ~~لم يفسروا هذه الآيات حق تفسيرها، بل أولوها وصرفوا معانيها عن الحقيقة إلى ~~المجاز أو الكناية. انتهى كلامه. # وقال عالم فلكي أيضا: يقول العلماء إنه من المحقق أن هذه السيارات مسكونة ~~بحيوانات تشبه الحيوانات التي على أرضنا هذه، ويكون كل كوكب منها أرضا ~~بالنسبة لحيواناته. وباقي الكواكب سموات بالنسبة لها. # قال: والظاهر أن القول بوجود الحيوانات في هذه الكواكب صحيح. لأن الله ~~تعالى يقول في كتابه ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ويقول: يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو ~~في شأن [الرحمن: 29] ، ### | القول في ms4050 تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 30] # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم أي فبسبب معاصيكم وما اجترمتم من ~~الآثام. ويعفوا عن كثير أي من الذنوب فلا يعاقب عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 31] # وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) # وما أنتم بمعجزين في الأرض أي بمعجزين ربكم إن أراد عقوبتكم، لأنكم في ~~قبضة تصرفه وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أي إذا أراد عذابكم. ~~فاتقوه واخشوه. # PageV08P370 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 32 الى 33] # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد ~~على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) # ومن آياته الجوار أي السفن الجارية في البحر كالأعلام أي الجبال إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أي فيبقين ثوابت على ظهر البحر إن في ذلك ~~أي في جري هذه الجواري في البحر، بتسخير الله تعالى الريح لجريها لآيات أي ~~لعبرة وعظة وحجة بينة على القدرة الأزلية لكل صبار شكور أي لكل مؤمن. وإنما ~~آثر وصفيه المذكورين، تذكيرا بما ينبغي أن يكون المؤمن عليه من وفرة الصبر ~~وكثرة الشكر. إذ لا يكمل الإيمان بدونهما (والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف ~~شكر) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 34 الى 35] # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص (35) # أو يوبقهن أي أو يهلكهن بالغرق بما كسبوا ويعف عن كثير وقوله تعالى: ~~ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص عطف على علة مقدرة مثل ~~لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون أي يخاصمون الرسول في آياته على توحيده ~~أنهم ما لهم من محيد عن عذابه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 36 الى 38] # فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا ms4051 وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) # فما أوتيتم من شيء أي مما زين للناس حبه من الشهوات فمتاع الحياة الدنيا ~~أي فهو متاع لكم. تتمتعون به في الدنيا. وليس من الآخرة وما عند الله أي من ~~ثوابه الأخروي خير وأبقى وذلك لخلوصه عن الشوائب ودوامه للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون أي في أمورهم وقيامهم بأسبابهم والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون أي يصفحون عمن أساء إليهم والذين # PageV08P371 # استجابوا لربهم أي حينما دعاهم إلى توحيده، والبراءة من عبادة غيره ~~وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم أي لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ~~ويجتمعوا عليه. # وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم، وصدق تآخيهم في إيمانهم وتحابهم في الله ~~تعالى: ومما رزقناهم ينفقون أي فيؤدون ما فرض عليهم من الحقوق لأهلها، من ~~زكاة ونفقة. وما ندبوا إليه من مواساة وصدقة ومعونة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 39] # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون أي بالعدالة. احترازا عن الذلة ~~والانظلام، لكونهم في مقام الاستقامة، قائمين بالحق والعدل الذي ظله في ~~نفوسهم. # قاله القاشاني. وقال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد ~~تعالى ذكره، المنتصر منه بعد بغيه عليه. فقال بعضهم: هو المشرك إذا بغى على ~~المسلم. # وقال آخرون: بل هو كل باغ بغى فحمد المنتصر منه. وإليه ذهب السدي حيث ~~قال: # ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. # قال ابن جرير: وهذا القول الثاني أولى من ذلك بالصواب. لأن الله لم يخصص ~~من ذلك معنى دون معنى. بل حمد كل منتصر بحق ممن بغى عليه.. فإن قال قائل: # وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحق، ~~وعقوبته بما هو له أهل، تقويما له. وفي ذلك أعظم المدح. انتهى. وكذا قال ~~الزمخشري. فإن قلت: أهم محمودون في الانتصار؟ قلت: ms4052 نعم. لأن من أخذ حقه غير ~~متعد حد الله وما أمر به فلم يسرف في القتل، إن كان ولي دم، أو رد على سفيه ~~محاماة على عرضه وردعا له، فهو مطيع. وكل مطيع محمود. قال النخعي: كانوا ~~يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. ثم أشار تعالى إلى أن ~~الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 40 الى 42] # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~(40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) # وجزاء سيئة سيئة مثلها أي وجزاء سيئة المسيء ما ماثلها. إذ النقصان # PageV08P372 # حيف والزيادة ظلم. ثم بين تعالى أن العفو أولى، فقال فمن عفا وأصلح أي ~~بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء فأجره على الله أي ثوابه عليه. وفي إبهامه، ~~ما يدل على عظمه. حيث جعل حقا على العظيم الكريم إنه لا يحب الظالمين أي ~~البادئين بالسيئة والمعتدين في الانتقام ولمن انتصر بعد ظلمه أي بعد ما ~~ظلم. # فالمصدر مضاف لمفعوله، أو هو مصدر المبني للمفعول فأولئك ما عليهم من ~~سبيل أي للمعاقب، ولا للعاتب والعائب. لأنهم انتصروا منهم بحق. ومن أخذ حقه ~~ممن وجب ذلك عليه، ولم يتعد ولم يظلم، فكيف يكون عليه سبيل؟ إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس أي يبدءوهم بالظلم والإضرار، أو يعتدون في الانتقام ~~ويبغون في الأرض بغير الحق أي يتكبرون فيها ويفسدون أولئك لهم عذاب أليم ~~أي: بسبب ظلمهم وبغيهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 43] # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) # ولمن صبر أي على الأذى وغفر أي لمن ظلمه ولم ينتصر إن ذلك لمن عزم الأمور ~~أي التي ندب الله عباده، وعزم عليهم العمل بها. ### | تنبيه: # نقل السيوطي في (الإكليل) عن الكيا الهراسي أنه قال: قد ندب الله إلى ~~العفو في مواضع من كتابه، ms4053 وظاهر هذه الآية والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون أن الانتصار أفضل. قال، وهو محمول على من تعدى وأصر، لئلا يتجرأ ~~الفساق على أهل الدين. وآيات العفو فيمن ندم وأقلع. انتهى. وعجيب فهمه ~~الأفضلية من الآية، فإنها لا تدل عليه، عبارة ولا إشارة. فإنه تعالى لم ~~يرغب في الانتصار. وإنما بين أنه مشروع لهم إذا شاءوا. ثم بين بعده أن ~~مشروعيته بشرط رعاية المماثلة. ثم بين أن العفو أولى، وهو الذي انتهى إليه ~~الكلام، وتم به السياق. وكذلك لا حاجة إلى حمل الانتصار على من تعدى. وذلك ~~لأن الانتصار بالمثل من فروع علم العقوبات والجزاء المشروعة لإقامة الحق ~~والعدل، ودفع الظلم عن النفس والصغار، ورفع الأحقاد والأضغان. وأما العفو ~~والصفح، فذاك من فروع علم الأخلاق وتهذيب النفوس. لأنه من باب المسامحة ~~بالحق وإسقاط المستحق، رغبة في تزكية النفس وهضما لها وحرصا على خير ~~الأمرين وأوفر الأجرين. وكلاهما من محاسن الشريعة الحنيفية، وتوسطها بين ~~الاقتصاص البتة والعفو كليا لأن العقل السليم يرى فيهما إفراطا # PageV08P373 # وتفريطا. والدين دين الفطرة. وهي تتقاضى القصاص بالمثل، وتراه حقا لها ~~بجبلتها والقضاء الأدبي والوازع الرحماني يرشدها إلى ما هو أمثل إن شاءت، ~~ويبرهن لها أمثليته، مما لا يبعد، إذا راجعت نفسها وثابت إلى رشدها، أن ~~تؤثره ولا تؤثر عليه. # كيف؟ وقد دل قوله تعالى: إنه لا يحب الظالمين كما قال الزمخشري، على أن ~~الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء، خصوصا في حال الحرد ~~والتهاب الحمية. فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 44] # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده أي: ومن خذله عن الرشاد، فليس له من ~~ولي يليه، فيهديه لسبيل الصواب، ويسدده من بعد إضلال الله إياه وترى ~~الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل أي رجعة إلى ms4054 الدنيا. ~~وذلك استعتاب منهم في غير وقته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 45 الى 47] # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في ~~عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله ~~فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) # وتراهم يعرضون عليها أي النار خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي أي من ~~طرف قد خفي من ذله وصغاره وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة أي بالتعريض للعذاب المخلد، وتفويت النعيم المؤبد ألا ~~إن الظالمين في عذاب مقيم وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن ~~يضلل الله فما له من سبيل استجيبوا لربكم أي أجيبوا أيها الناس داعي الله ~~وآمنوا به من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله أي لا يرده الله بعد ما ~~حكم به ف «من» صلة (مرد) أو هي صلة (يأتي) أي من قبل أن يأتي يوم الله لا ~~يمكن رده ما لكم من ملجإ يومئذ # PageV08P374 # وما لكم من نكير # أي إنكار لما اقترفتموه، لأنه محصي عليكم. أو نكير ينكر على الله في ~~مؤاخذتكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية # 48] # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ~~(48) # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا أي رقيبا تحفظ عليهم أعمالهم وتحصيها ~~إن عليك إلا البلاغ أي إبلاغهم ما أرسلت به، فإذا فعلت فقد قضيت ما عليك ~~وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~فإن الإنسان كفور أي جحود نعم ربه، فلا يذكر إلا البؤس والبلاء، ولا ms4055 يتفكر ~~إلا فيما أنزله به من الفساد والشقاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 49 الى 50] # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ~~(50) # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير أي إنه ~~تعالى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة. وتقديم ~~الإناث، إما لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، تنبيها بأنهن ~~سبب لتكثير مخلوقاته، فلا يجوز الحزن من ولادتهن وكراهتهن، كما يشاهد من ~~بعض الجهلة. # وقال الثعالبي: إنه إشارة إلى ما في تقدم ولادتهن من اليمن (ومن يمن ~~المرأة تبكيرها بأنثى) . # قال الشهاب: والضمير في يزوجهم للأولاد، وما بعده حال منه، أو مفعول ثان ~~إن ضمن معنى التصيير، يعني يجعل أولاد من يشاء ذكورا وإناثا مزدوجين. كما ~~يفرد بعضهم بالذكور وبعضهم بالإناث. ويجعل بعضهم لا أولاد له أصلا. # PageV08P375 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : آية 51] # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أي إلهاما وقذفا في القلب منه، بلا ~~واسطة أو من وراء حجاب أي يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كلم موسى ~~عليه السلام أو يرسل رسولا أي من ملائكته كجبريل فيوحي بإذنه ما يشاء أي ~~فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه، ما يشاء إيحاءه، من أمر ونهي ~~وغير ذلك، على سبيل الإلقاء والنفث في الروع والإلهام، أو الهتاف أو المنام ~~إنه علي أي من أن يواجه ويخاطب. بل يفنى ويتلاشى من يواجهه، لعلوه من أن ~~يبقى معه غيره، أو يحتمل شيء حضوره. قاله القاشاني. # وقال المهايمي: أي لا يبلغ البشر حد مكالمته شفاها، ولا يحتمل سماع كلامه ms4056 ~~مع رؤيته. انتهى. حكيم أي يدبر بالحكمة وجوه التكليم، ليظهر علمه في تفصيل ~~المظاهر، ويكمل به عباده، ويهتدوا إليه ويعرفوه. وقال المهايمي: أي حكيم في ~~تبليغ كلامه العلي إلى البشر الضعيف. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : استدلت بالآية، عائشة رضي الله عنها، على أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم ير ربه. واستدل مالك بقوله: أو يرسل رسولا على أن من حلف ~~لا يكلم زيدا، فأرسل إليه رسولا أو كتابا، أنه يحنث. لأنه تعالى استثناه من ~~الكلام، فدل على أنه منه. انتهى. وفيه بعد. إذ لا يقال لمن ألهمه الله، إنه ~~كلمه إلا مجازا. فلا يكون الاستثناء متصلا. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشورى (42) : الآيات 52 الى 53] # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) ~~صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ~~(53) # وكذلك أي مثل ذلك الإيحاء على الطرق الثلاثة أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~أي وحيا من أمرنا. وسماه روحا لأنه تحيا به القلوب الميتة. قال الشهاب: # PageV08P376 # فهو استعارة أو مجاز مرسل، لما فيه من الهداية والعلم الذي هو كالحياة. ~~وقيل: هو جبريل. # وأوحينا مضمن معنى (أرسلنا) . والمعنى: أرسلناه إليك بالوحي ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه أي الروح أو الكتاب أو الإيمان نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا أي بالتوفيق للقبول والنظر فيه وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض أي خلقا وملكا ~~ألا إلى الله تصير الأمور أي في الآخرة. فيقضي بينهم بالعدل. إذ لا حاكم ~~سواه، فيجازي كلا بما يستحقه من ثواب أو عقاب. نسأله تعالى أن يحسن لنا ~~المآب. إنه الكريم الوهاب. # PageV08P377 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الزخرف # سميت به لدلالة آيته على أن الدنيا في غاية الخسة في نفسها، وغاية ~~العداوة مع ربها بحيث ms4057 لا تليق بالأصالة إلا لأعدائه. وهذا من أعظم مقاصد ~~القرآن. أفاده المهايمي. وهي مكية. قيل: إلا آية وسئل من أرسلنا من قبلك ~~[الزخرف: # 45] ، وآيها تسع وثمانون. # PageV08P378 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) # حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون أي معانيه ~~ومواعظه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 4] # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي أي رفيع القدر، بحيث لا رفعة وراءها حكيم ~~أي ذو الحكمة الجامعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 5] # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين أي أنهملكم ونصرف عنكم الذكر ~~لإسرافكم. وإنما كانت الحاجة إلى الذكر للإسراف، إذ لو كانوا على السيرة ~~العادلة والطريقة الوسطى لما احتيج إلى التذكير. بل التذكير يجب عند ~~الإفراط والتفريط. ولهذا بعث الأنبياء في زمان الفترة. قاله القاشاني. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 6 الى 8] # وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) # وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن ~~فأهلكنا أشد منهم بطشا أي قوة ومضى مثل الأولين أي سلف في القرآن في غير ~~موضع منه، ذكر قصتهم وحالهم في تكذيبهم وتعذيبهم وما مثلناه لهم. أي ~~فليتوقع هؤلاء المستهزئون من العقوبة مثل ما حل بسلفهم. # PageV08P379 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 9 الى 10] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل ~~لكم الأرض مهدا أي مهادا تستقرون عليها وجعل لكم فيها سبلا أي طرقا ~~تتطرقونها من بلدة إلى بلدة، لمعايشكم ms4058 ومتاجركم لعلكم تهتدون أي بتلك السبل ~~إلى حيث أردتم من القرى والأمصار. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 11] # والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) # والذي نزل من السماء ماء بقدر أي بمقدار الحاجة إليه. فلم يجعله طوفانا ~~يهلك، ولا رذاذا لا ينبت، بل غيثا مغيثا فأنشرنا به بلدة ميتا أي أحيينا به ~~بلدة ميتا من النبات، قد درست من الجدب وعفت من القحط كذلك تخرجون أي من ~~بعد فنائكم ومصيركم بالأرض. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 12 الى 14] # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # والذي خلق الأزواج كلها أي خلق كل شيء فزوجه، فجعل منه الذكر والأنثى ~~وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون أي من السفن والبهائم ما تركبونه ~~لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين أي مطيقين وإنا إلى ربنا لمنقلبون أي ~~لصائرون إليه، وراجعون بعد مماتنا. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في الآية استحباب هذا الذكر عند ركوب الدابة والسفينة. # وكان صلى الله عليه وسلم يقوله كلما استوى على راحلته أو دابته. # PageV08P380 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 15] # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) # وجعلوا له من عباده جزءا أي جعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيبا. # وذلك قولهم للملائكة (هم بنات الله) قال القاشاني: أي اعترفوا بأنه خالق ~~السموات والأرض ومبدعهما وفاطرهما. وقد جسموه وجزأوه بإثبات الولد له، الذي ~~هو بعض من الوالد، مماثل له في النوع، لكونهم ظاهريين جسمانيين، لا ~~يتجاوزون عن رتبة الحس والخيال، ولا يتجردون عن ملابس الجسمانيات، فيدركون ~~الحقائق المجردة والذوات المقدسة، فضلا عن ذات الله تعالى. فكل ما تصوروا ~~وتخيلوا، كان شيئا جسمانيا. ms4059 ولهذا كذبوا الأنبياء في إثبات الآخرة والبعث ~~والنشور، وكل ما يتعلق بالمعاد. إذ لا يتعدى إدراكهم الحياة الدنيا، ~~وعقولهم المحجوبة عن نور الهداية، أمور المعاش. فلا مناسبة أصلا بين ذواتهم ~~وذوات الأنبياء، إلا في ظاهر البشرية. فلا حاجة إلى ما وراءها. انتهى إن ~~الإنسان لكفور مبين أي لجحود نعم ربه، التي أنعمها عليه. يبين كفرانه لمن ~~تدبر حاله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 16] # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين أي: بل اتخذ. والهمزة للإنكار ~~تجهيلا لهم. وتعجيبا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا، ~~حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين وهو الإناث دون الذكور. على أنهم أنفر خلق ~~الله عن الإناث، وأمقتهم لهن. ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وادوهن. كأنه قيل: ~~هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة، فرضا وتمثيلا، أما تستحيون من الشطط ~~في القسمة، ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما، ترك له ~~شرهما وأدناهما؟ # قاله الزمخشري. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 17] # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا أي من البنات ظل وجهه مسودا أي من ~~الكآبة والغم والحزن وهو كظيم أي مملوء قلبه من الكرب. # PageV08P381 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 18] # أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) # أومن ينشؤا في الحلية أي تربى في الزينة، يعني البنات وهو في الخصام أي ~~في المجادلة غير مبين أي لمن خاصمة ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه. # والمعنى: أو من كان كذلك جعلتموه جزءا لله من خلقه، وزعمتم أنه نصيبه ~~منهم؟. ### | تنبيه: # قال الكيا الهراسي: في دليل على إباحة الحلي للنساء. وسئل أبو العالية من ~~الذهب للنساء، فلم ير به بأسا، وتلا هذه الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 19] # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ms4060 شهادتهم ~~ويسئلون (19) # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أي جعلوا ملائكة الله الذين ~~هم عنده، يسبحونه ويقدسونه، إناثا. فقالوا (هم بنات الله) جهلا منهم بحق ~~الله سبحانه، وجراءة منهم على قيل الكذب. # قال القاشاني: لما سمعوا من أسلافهم قول الأوائل من الحكماء في إثبات ~~النفوس الملكية وتأنيثهم إياها، إما باعتبار اللفظ وإما باعتبار تأثرها ~~وانفعالها عن الأرواح المقدسة العقلية، مع وصفهم إياها بالقرب من الحضرة ~~الإلهية- توهموا أنوثتها في الحقيقة، التي هي بإزاء الذكورة في الحيوان مع ~~اختصاصها بالله. # فجعلوها بنات. وقلما يعتقدها العامي إلا صورا إنسية لطيفة في غاية الحسن. ~~انتهى. # أشهدوا خلقهم أي أحضروا خلق الله إياهم فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم وبرؤيتهم ~~إياهم؟ وهو تجهيل لهم، وتهكم بهم ستكتب شهادتهم أي على الملائكة بما هم ~~مبرءون عنه ويسئلون أي عنها يوم القيامة، بأن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ~~ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا. وفيه من الوعيد ما فيه. لأن كتابتها، والسؤال ~~عنها، يقتضي العقاب والمجازاة عليها، وهو المراد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 20 الى 21] # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~(20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) # PageV08P382 # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون أم ~~آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون هذا بيان لضلال لهم آخر، في جدلهم ~~وخصامهم وتعنتهم. وقد استدل المعتزلة بظاهر الآية في أنه تعالى لا يشاء ~~الشرور والمعاصي. وأهل السنة تأولوا الآية بما يلاقي العقد الصحيح. وهو ~~عموم مشيئته تعالى لكل شيء، الناطق به غير ما آية. ولما كانت هذه الآية ~~وأخواتها من معارك الأنظار قديما وحديثا آثرت أن أنقل هنا ما لمحققي ~~المفسرين، جريا على قاعدتنا في التقاط نفائس ما للمتقدم، وتحلية مصنفاتنا ~~بها، فنقول: قال القاشاني: لما سمعوا من الأنبياء تعليق الأشياء بمشيئة ~~الله تعالى، افترضوه وجعلوه ذريعة في الإنكار. وقالوا ذلك لا عن علم ~~وإيقان، بل على سبيل العناد ms4061 والإفحام.. ولهذا ردهم الله تعالى بقوله: ما ~~لهم بذلك من علم إذ لو علموا ذلك لكانوا موحدين، لا ينسبون التأثير إلا إلى ~~الله. فلا يسعهم إلا عبادته دون غيره. إذ لا يرون حينئذ لغيره نفعا ولا ضرا ~~إن هم إلا يخرصون لتكذيبهم أنفسهم في هذا القول بالفعل، حين عظموهم وخافوهم ~~وخوفوا أنبياءهم من بطشهم، كما قال قوم هود إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء [هود: 54] ، ولما خوفوا إبراهيم عليه السلام كيدهم، أجاب بقوله ولا ~~أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا [الأنعام: 80] ، إلى قوله وكيف ~~أخاف ما أشركتم [الأنعام: 81] ، انتهى. # وفي البيضاوي وحواشيه: إن هذا القول استدلال منهم على امتناع النهي عن ~~عبادة غيره تعالى أو على حسنها. يعنون أن عبادتهم الملائكة بمشيئته تعالى. # فيكون مأمورا بها أو حسنة. ويمتنع كونها منهيا عنها أو قبيحة. وهذا ~~الاستدلال باطل. لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن، لأنها ترجيح بعض ~~الممكنات على بعض، حسنا كان أو قبيحا. ولذلك جهلهم في استدلالهم هذا. ~~والحاصل أن الإنكار متوجه إلى جعلهم ذلك دليلا على امتناع النهي عن ~~عبادتهم، أو على حسنها: لا إلى هذا القول. فإنه كلمة حق أريد بها باطل. ~~انتهى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : نحن معاشر أهل السنة نقول: إن كل شيء ~~بمشيئته تعالى، حتى الضلالة والهدى، اتباعا لدليل العقل، وتصديقا لنص ~~النقل. # في أمثال قوله تعالى: يضل من يشاء ويهدي من يشاء [النحل: 93] و [فاطر: # 8] ، وآية الزخرف هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلا تمهيدا، ولا تفيده ~~إلا تصويبا وتسديدا. فنقول: إذا قال الكافر (لو شاء الله ما كفرت) فهذه ~~كلمة حق أراد بها باطلا، أما كونها كلمة حق، فلما مهدناه. وأما كونه أراد ~~بها باطلا، فمراد الكافر # PageV08P383 # بذلك أن يكون له الحجة على الله، توهما أنه يلزم من مشيئة الله تعالى ~~لضلالة من ضل، أن لا يعاقبه على ذلك. لأنه إنما فعل مقتضى مشيئته. # ثم قال: فإذا وضح ما قلناه، فإنما رد الله عليهم مقالتهم هذه. لأنهم ~~توهموا ms4062 أنها حجة على الله. فدحض الله حجتهم، وأكذب أمنيتهم، وبين أن ~~مقالتهم صادرة عن ظن كاذب وتخرص محض، فقال: ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون و (إنهم إلا يظنون) وقد أفصحت أخت هذه الآية مع هذه الآية عن هذا ~~التقدير. # وذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون [الأنعام: 148] ، فبين تعالى أن الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل، ~~والإشراك بالله، اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم لو شاء الله ما ~~أشركنا [الأنعام: 148] فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال، بحال ~~أوائلهم. ثم بين أنه معتقد نشأ عن ظن خلب وخيال مكذب، فقال إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون [الأنعام: 148] ، ثم لما أبطل أن يكون لهم في ~~مقالتهم حجة على الله، أثبت تعالى الحجة له عليهم بقوله: فلله الحجة ~~البالغة [الأنعام: 149] ، ثم أوضح أن الرد عليهم ليس إلا في احتجاجهم على ~~الله بذلك. لا لأن المقالة في نفسها كذب. فقال فلو شاء لهداكم أجمعين ~~[الأنعام: 149] ، وهو معنى قولهم لو شاء الله ما أشركنا من حيث إن (لو) ~~مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة. فدلت الآية الأخيرة على أن الله ~~تعالى لم يشأ هدايتهم. بل شاء ضلالتهم. # ولو شاء هدايتهم لما ضلوا. فهذا هو الدين القويم، والصراط المستقيم، ~~والنور اللائح والمنهج الواضح. والذي يدحض به حجة هؤلاء، مع اعتقاد أن الله ~~تعالى شاء وقوع الضلالة منهم، هو أنه تعالى جعل للعبد تأتيا وتيسرا للهداية ~~وغيرها. من الأفعال الكسبية. حتى صارت الأفعال الصادرة منه مناط التكليف. ~~لأنها اختيارية. يفرق بالضرورة بينها وبين العوارض القسرية. فهذه الآية ~~أقامت الحجة. ووضحت، لمن اصطفاه الله للمعتقدات الصحيحة، المحجة. ولما كانت ~~تفرقة دقيقة لم تنتظم في سلك الأفهام الكثيفة. فلا جرم أن أفهامهم تبددت. ~~وأفكارهم تبدلت. فغلت ms4063 طائفة القدرية واعتقدت أن العبد فعال لما يريد على ~~خلاف مشيئة ربه. وجارت الجبرية فاعتقدت أن لا قدرة للعبد البتة ولا اختيار. ~~وأن جميع الأفعال صادرة منه على سبيل الاضطراب. أما أهل الحق فمنحهم الله ~~من هدايته قسطا. # PageV08P384 # وأرشدهم إلى الطريق الوسطى. فانتهجوا سبل السلام. وساروا ورائد التوفيق ~~لهم إمام. مستضيئين بأنوار العقول المرشدة، إلى أن جميع الكائنات بقدرة ~~الله تعالى ومشيئته. ولم يغب عن أفهامهم أن يكون بعض الأفعال للعبد مقدورة. ~~لما وجدوه من التفرقة بين الاختيارية والقسرية بالضرورة. لكنها قدرة تقارن ~~بلا تأثير. # وتميز بين الضروري والاختياري في التصوير. فهذا هو التحقيق. والله ولي ~~التوفيق. # انتهى. # وقد سبق في آية (الأنعام) نقول عن الأئمة في الآية مسهبة: فراجعها إن ~~شئت. # وقوله تعالى: أم آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل هذا القرآن فهم به ~~مستمسكون أي يعملون به ويدينون بما فيه ويحتجون به عليك. نظير قوله تعالى ~~في الآية الأخرى قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا # يعني بالعلم كتابا موحى فيه ذلك. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 22] # بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) # بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون أي لا حجة لهم ~~إلا تقليد آبائهم، الجهلة مثلهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 23] # وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) # وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون أي كما فعل هؤلاء المشركون من دفاع ~~الحجة بالتقليد، فعل من قبلهم من أهل الكفر بالله. # قال القاضي: وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم، ودلالة على أن التقليد في ~~نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقلديهم أيضا لم يكن لهم سند منظور فيه. وتخصيص ~~المترفين، إشعار بأن النعم وحب البطالة، صرفهم عن النظر ms4064 إلى التقليد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 24] # قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) # PageV08P385 # قال وقرئ قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون أي جاحدون منكرون، وإن كان أهدى. إقناطا للنذير من أن ~~ينظروا أو يتفكروا فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 25] # فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) # فانتقمنا منهم أي بعذاب الاستئصال فانظر كيف كان عاقبة المكذبين أي آخر ~~أمرهم، مما أصبح مثلا وعبرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 26] # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) # وإذ قال إبراهيم قال القاضي: أي اذكر وقت قوله هذا، ليروا كيف تبرأ عن ~~التقليد وتمسك بالدليل. أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد، فإنه أشرف ~~آبائهم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون أي بريء من عبادتكم أو معبودكم. ~~وبراء بفتح الباء الموحدة كما هو قراءة العامة، مصدر كالطلاق والعتاق، أريد ~~به معنى الوصف مبالغة. فلذا أطلق على الواحد وغيره. وقرئ بضم الباء وهو اسم ~~مفرد صفة مبالغة، كطوال وكرام، بضم الطاء والكاف. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 27] # إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) # إلا الذي فطرني استثناء منقطع أو متصل. على أن (ما) يعم أولي العلم ~~وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. أو (إلا) بمعنى (غير) صفة ل ~~(ما) . أي إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني. أي خلقني فإنه ~~سيهدين أي للدين الحق، واتباع سبيل الرشد. والسين إما للتأكيد، ويؤيده آية ~~الشعراء يهدين بدونها. والقصة واحدة، والمضارع في الموضعين للاستمرار. وإما ~~للتسويف والاستقبال، والمراد هداية زائدة على ما كان له أولا. فيتغاير ما ~~في الآيتين من الحكاية أو المحكي، بناء على تكرر قصته. # PageV08P386 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 28] # وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) # وجعلها أي شهادة التوحيد كلمة باقية في عقبه أي موصي ms4065 بها، موروثة متداولة ~~محفوظة. كقوله تعالى ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132] ، لعلهم ~~يرجعون أي لكي يرجعوا إلى عبادته، ويلجئوا إلى توحيده في سائر شؤونهم. أو ~~لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 29] # بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) # بل متعت هؤلاء يعني أهل مكة وآباءهم أي من قبلهم بالحياة، فلم أعاجلهم ~~على كفرهم حتى جاءهم الحق أي دعوة التوحيد أو القرآن ورسول مبين أي ظاهر ~~الرسالة بالآيات والحجج التي يحتج بها عليهم في دعوى رسالته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 30] # ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) # ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون أي جاحدون. فازدادوا في ~~ضلالهم، لضمهم إلى شركهم، معاندة الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 31] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين أي من إحداهما، مكة ~~والطائف. فالتعريف للعهد عظيم أي بالجاه والمال. فإن الرسالة منصب عظيم لا ~~يليق إلا بعظيم عندهم. قال القاضي: ولم يعلموا أنها رتبة روحانية. تستدعي ~~عظيم النفس، بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف ~~الدنيوية. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 32] # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) # PageV08P387 # أهم يقسمون رحمت ربك إنكار، فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم فيما لا يتولاه ~~إلا هو تعالى. والمراد بالرحمة النبوة نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا أي فجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا ورفعنا بعضهم أي بالغنى فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم يعني الغني بعضا يعني الفقير سخريا أي مسخرا في العمل، ~~وما به قوام المعايش، والوصول إلى المنافع. لا لكمال في الموسع عليه، ولا ~~لنقص في المقتر عليه بل لحاجة التضام والتآلف، التي بها ينتظم ms4066 شملهم. # وأما النفحات الربانية، والعلوم اللدنية، فليست مما يستدعي سعة ويسارا. ~~لأنها اختصاص إلهي، وفيض رحماني، يمن به على أنفس مستعديه، وأرواح قابليه. # و (السخري) بالضم منسوب إلى السخرة بوزن (غرفة) وهي الاستخدام والقهر على ~~العمل. ورحمت ربك خير مما يجمعون يعني أن النبوة خير مما يجمعون من الحطام ~~الفاني. أي: والعظيم من أعطيها وحازها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. لا ~~من حاز الكثير من الشهوات المحبوبة. ثم أشار تعالى إلى حقارة الدنيا عنده، ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 33 الى 35] # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة أي متفقة على الكفر بالله تعالى. أي لولا ~~كراهة ذلك لجعلنا لمن يكفر بالرحمن أي لتكثير النعم عليه، مع كفره بالمنعم ~~فيزداد عذابا لبيوتهم بدل من لمن سقفا بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما، ~~جمعا من فضة ومعارج أي مصاعد من فضة عليها يظهرون أي يرتقون ولبيوتهم ~~أبوابا أي من فضة وسررا أي من فضة عليها يتكؤن وزخرفا أي: ولجعلنا لهم مع ~~ذلك زخرفا، أي زينة من ذهب وجواهر فوق الفضة. # ثم أشار إلى أن لا دلالة في ذلك على فضيلتهم بقوله: وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا أي: وما كل هذه الأشياء التي ذكرت، من السقف من الفضة ~~والمعارج والأبواب والسرر من الفضة، الزخرف، إلا متاع يستمتع به أهل الدنيا ~~في الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين أي: وزين الدار الآخرة وبهاؤها عند ربك ~~للمتقين، أي الذين اتقوا الله فخافوا عقابه. فجدوا في طاعته وحذروا معاصيه ~~خاصة دون غيرهم. # قال المهايمي: يعني لا خصوصية في ذاك المتاع، بحيث يدل عدمه على عدم # PageV08P388 # منصب النبوة، وإنما الذي يدل عدمه على عدم النبوة، التقوى. فالنبوة إنما ~~تكون لمن كمل تقواه. سواء كانت عنده الدنيا أم لا. ms4067 وإنما كانت الزينة ~~الدنيوية أحق بالكفار، لأنها تثير ظلمة الأهوية المانعة من رؤية الحق. بحيث ~~يصير صاحبها أعشى. انتهى. ### | تنبيه: # ما قدمناه من أن معنى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على تقدير (لولا ~~كراهة ذلك) وأن معنى كونهم أمة واحدة اجتماعهم على أمر واحد وهو الكفر، أي ~~أن كراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع الكافر بها على الوجه ~~المذكور- هو ما ذكره المفسرون. فورد عليه أنه حين لم يوسع على الكافرين ~~للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم ~~الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ ~~فأجيب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضا، لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام ~~لأجل الدنيا. والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين فكانت الحكمة ~~فيما دبر حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء. وغلب الفقر على الغنى. هذا ما ~~قاله الزمخشري. # وعندي أن لا حاجة لتقدير الكراهة. وأن معنى الآية غير ما ذكروه. وذلك أن ~~المعنى: لولا أن يكونوا خلقوا ليكونوا أمة واحدة، للترافد والتعاون ~~والتضام، وما به قوام حياتهم كالجسم الواحد، لجعلنا للناس ما ذكر من الزين ~~والحلي لدخوله تحت القدرة الكاملة. إلا أن ذلك مبطل للحكمة ومخرب لنظام ~~الوجود. وإنما عبر عن الناس بمن يكفر بالرحمن، رعاية للأكثر وهم الكفار ~~فإنهم الذين طبقوا ظهر الأرض وملأوا وجهها. وحطا لقدر الدنيا وتصغيرا ~~لشأنها، بأن تؤتى لمن هو الأدنى منزلة. # والأخس قدرا. وخلاصة المعنى: أن خلقهم أمة واحدة مدنيين بالطبع، مانع من ~~بسط الدنيا عليهم جميعهم. وهذا هو معنى (لولا) المطرد، أن ما بعدها أبدا ~~مانع من جوابها. ولذلك يقولون (حرف امتناع لوجود) . # فليس المعنى على ما ذكروه أبدا كما يظهر واضحا لمن أنعم النظر. وبالجملة، ~~فالآية هذه تتمة لما قبلها، في جواب أولئك الظانين، أن العظمة الدنيوية ~~تستتبع النبوة. فبين تعالى حكمته في تفاوت الخلق في الآية الأولى. وهي ~~التسخير. وفي الثانية حقارة الدنيا عنده وأنه لولا التسخير لآتاها أحط ~~الخلق وأبعدهم ms4068 منه، مبالغة # PageV08P389 # في الإعلام بضعتها. وهذا مصداق ما ورد من أن الدنيا لا تزن عند الله جناح ~~بعوضة، وأن ما عنده خير وأبقى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 36] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) # ومن يعش عن ذكر الرحمن أي يعرض عنه، فلم يخف سطوته ولم يخش عقابه نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين أي نجعل له شيطانا يغويه ويضله عن السبيل القويم دائما، ~~لمقارنته له. قال القاشاني: قرئ (يعش) بضم الشين وفتحها: والفرق أن عشا ~~يستعمل إذا نظر نظر العشى لعارض أو متعمدا، من غير آفة في بصره. وعشي إذا ~~إيف بصره. فعلى الأول معناه: ومن كان له استعداد صاف وفطرة سليمة لإدراك ~~ذكر الرحمن، أي القرآن النازل من عنده وفهم معناه. وعلم كونه حقا، فتعامى ~~عنه لغرض دنيوي وبغي وحسد، أو لم يفهمه ولم يعلم حقيقته، لاحتجابه بالغواشي ~~الطبيعية، واشتغاله باللذات الحسية عنه، أو لاغتراره بدينه وما هو عليه من ~~اعتقاده ومذهبه الباطل نقيض له شيطانا جنيا فيغويه بالتسويل والتزيين لما ~~انهمك فيه من اللذات، وحرص عليه من الزخارف. أو بالشبه والأباطيل المغوية ~~لما اعتكف عليه بهواه من دينه. أو إنسيا يغويه ويشاركه في أمره ويجانسه في ~~طريقه ويبعده عن الحق. وعلى الثاني معناه. ومن إيف استعداده في الأصل، وشقي ~~في الأزل بعمى القلب عن إدراك حقائق الذكر، وقصر عن فهم معناه نقيض له ~~شيطانا من نفسه أو جنسه، يقارنه في ضلالته وغوايته. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 37] # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) # وإنهم ليصدونهم عن السبيل قال ابن جرير: أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء ~~الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون لهم ~~الإيمان بالله، والعمل بطاعته. ويحسبون أنهم مهتدون أي يظن هؤلاء المشركون ~~بالله، بتزيين الشياطين لهم ما هم عليه، أنهم على الصواب والهدى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 38] # حتى إذا جاءنا قال يا ms4069 ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) # حتى إذا جاءنا أي العاشي قال أي لشيطانه يا ليت بيني وبينك بعد # PageV08P390 # المشرقين # أي بعد المشرق من المغرب. فغلب المشرق على المغرب، ثم ثنى. # وقيل المراد مشرقا الصيف والشتاء. والتقدير من المغربين، فاختصر. فبئس ~~القرين قال القاشاني: أي حتى إذا حضر عقابنا اللازم لاعتقاده وأعماله، ~~والعذاب المستحق لمذهبه ودينه، تمنى غاية البعد بينه وبين شيطانه الذي أضله ~~عن الحق، وزين له ما وقع بسببه في العذاب، واستوحش من قرينه واستذمه، لعدم ~~الوصلة الطبيعية، أو انقطاع الأسباب بينهما بفساد الآلات البدنية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 39] # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون قال القاشاني: أي لن ~~ينفعكم التمني وقت حلول العذاب واستحقاق العقاب. إذا ثبت وصح ظلمكم في ~~الدنيا، وتبين عاقبته، وكشف عن حاله. لأنكم مشتركون في العذاب لاشتراككم في ~~سببه. أو ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب من شدته وإيلامه. أي كما ينفع ~~الواقعين في أمر صعب، معاونتهم في تحمل أعبائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 40] # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين إنكار تعجيب من أن ~~يكون هو الذي يقدر على هدايتهم. وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو ~~وحده تعالى. وقد تكرر في التنزيل التعبير عنهم بالصم العمي الضلال، لأنه لا ~~أجمع من ذلك لشرح حالهم، ولا أبلغ منه. إذ سلبوا استماع حجج الله وهداه، ~~كالأصم. # وإبصار آيات الله والاعتبار بها، كالأعمى. وقصد السبيل الأمم، كالضال ~~الحائر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 41] # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) # فإما نذهبن بك أي نقبضك قبل أن نظهرك عليهم فإنا منهم منتقمون أي بالعذاب ~~الأخروي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 42] # أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) # أو نرينك الذي ms4070 وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون وهذا كقوله تعالى: # PageV08P391 # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون [غافر: 77] ، وفي ~~تعبيره بالوعد، وهو لا يخلف الميعاد، إشارة إلى أنه هو الواقع. وهكذا كان. ~~إذ لم يفلت أحد من صناديدهم، إلا من تحصن بالإيمان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 43] # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم يعني دين الله الذي أمر به ~~وهو الإسلام. فإنه كامل الاستقامة من كل وجه. قال الشهاب: هذا تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم وأمر لأمته أو له، بالدوام على التمسك. والفاء في جواب شرط ~~مقدر. أي إذا كان أحد هذين واقعا لا محالة، فاستمسك به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 44] # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) # وإنه لذكر لك ولقومك أي وإن الذي أوحي إليك لشرف لك ولقومك من قريش. لما ~~خصهم به من نزوله بلسانهم. أو المراد بقومه، أتباعه. أي تنويه بقدرك وبقدر ~~أمتك، لما أعطاه لهم بسببه من العلوم والمزايا والخصائص والشرائع الملائمة ~~لسائر الأحوال والأزمان، وجوز أن يراد بالذكر الموعظة وسوف تسئلون أي عما ~~عملتم فيه، من ائتماركم بأوامره، وانتهائكم عن نواهيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 45] # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون أي: # هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل جاءت في ملة من مللهم؟ قال القاضي: والمراد ~~به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس ببدع ~~ابتدعه، فيكذب ويعادى له. انتهى. # والذين أمر بمسألتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، هم مؤمنو أهل الكتابين ~~التوراة والإنجيل. # فالكلام بتقدير مضاف. أي أممهم المؤمنين. أو يجعل سؤالهم بمنزلة سؤال ~~أنبيائهم. لأنهم إنما يخبرونه عن كتب الرسل. فإذا سألهم فكأنه سأل ~~الأنبياء. # PageV08P392 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 46] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه ms4071 فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي المصدقة له إلى فرعون لينهاه عن الاستعباد ~~وملائه أي لينهاهم عن التعبد له فقال إني رسول رب العالمين أي فأبان أنه لا ~~يستحق العبادة غيره تعالى، وأن ليس لأحد سواه استعباد، لأنها حق الربوبية ~~المطلقة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 47] # فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) # فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون فلما أتاهم بالحجج على التوحيد ~~والبراءة من الشرك، إذا فرعون وقومه يضحكون. أي كما أن قومك، مما جئتهم به ~~من الآيات والعبر، يسخرون. وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، عما كان يلقى من مشركي قومه. وإعلام منه له أن قومه من أهل الشرك، لن ~~يعدوا أن يكونوا كسائر. # الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رسله. وندب منه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الاستنان بهم، بالصبر عليهم، بسنن أولي العزم ~~من الرسل. وإخبار منه له أن عقبى مردتهم إلى البوار والهلاك. كسنته في ~~المتمردين عليهم قبله، وإظفاره بهم، وإعلائه أمره. كالذي فعل بموسى عليه ~~السلام وقومه الذين آمنوا به. من إظهار هم على فرعون وملئه. أفاده ابن ~~جرير. ثم أشار إلى أن موجب الهزء لم يكن إلا لعناد، لا لقصورها، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 48 الى # 50] # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ~~(48) وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) ~~فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها أي السابقة عليها وأخذناهم ~~بالعذاب أي الدنيوي كالسنين، مما يلجئ إلى الرجوع، ولا أقل من رجائه لعلهم ~~يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك أي من أنه لا يعذب ~~من آمن # PageV08P393 # بك ليكشف عنا العذاب إننا لمهتدون أي بما تزعم أنه الهداية فلما كشفنا ~~عنهم العذاب إذا هم ms4072 ينكثون أي العهد الذي عاهدوا عليه، ويتمادون في غيهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 51 الى 53] # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي يعني أنهار النيل أفلا تبصرون أي ما أنا فيه من النعيم والخير، وما ~~فيه موسى من الفقر أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أي ضعيف لا شيء له من ~~الملك والأموال ولا يكاد يبين أي الكلام، لمخالفة اللغة العبرانية اللغة ~~القبطية فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين أي ~~يعينونه ويصدقونه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 54 الى 55] # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين (55) # فاستخف قومه أي فاستفزهم بهذه المغالطات، وحملهم على أن يخفوا له ويصدقوه ~~فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا أي أغضبونا بطاعة عدونا وقبول ~~مغالطاته بلا دليل، وتكذيب موسى وآياته، وندائه بالساحر، ونكث العهود ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين وذلك لاستغراقهم في بحر الضلال، الأجيال ~~الطوال، وعدم نفع العظة معهم بحال من الأحوال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 56 الى 58] # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ~~(58) # فجعلناهم سلفا أي حجة للهالكين بعدهم ومثلا أي عبرة للآخرين أي الناجين ~~ولما ضرب ابن مريم مثلا أي في كونه كآدم، كما أشارت له آية إن # PageV08P394 # مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] ، والمعنى: لما بين وصفه الحق من أنه عبد مخلوق منعم عليه ~~بالنبوة، عبادته كفر، ms4073 ودعاؤه شرك، إذ لم يأذن الله بعبادة غيره إذا قومك ~~منه أي من مثله المضروب ووصفه المبين يصدون أي يعرضون ولا يعون وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو يعنون بآلهتهم الملائكة الذين عبدوهم، زعما منهم أنهم ~~بنات الله تعالى. كما ذكر عنهم ذلك في أول السورة. أي أنهم خير من عيسى ~~وأفضل، لأنهم من الملأ الأعلى والنوع الأسمى، فإذا جازت عبادة المفضول وهو ~~عيسى، فبالأولى عبادة الأفضل وهم الملائكة. كأنهم يقررون على شركهم أصولا ~~صحيحة. ويبنون على تمسكهم أقيسة صريحة. وغفلوا، لجهلهم، عن بطلان المقيس ~~والمقيس عليه. وأن البرهان الصادع قام على بطلان عبادة غيره تعالى، وعلى ~~استحالة التوالد في ذاته العلية. وإذا اتضح الهدى فما وراءه إلا الضلال، ~~والمشاغبة بالجدال. كما قال تعالى: # ما ضربوه لك إلا جدلا أي ما ضربوا لك هذا القول إلا لأجل الجدل والخصومة، ~~لا عن اعتقاد، لظهور بطلانه بل هم قوم خصمون أي شديد والخصومة بالباطل ~~تمويها وتلبيسا. # وفي الحديث «1» # (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) # وما ذكرناه في تفسير هذه الآية، هو الجلي الواضح، لدلالة السياق والسباق ~~فقابل بينه وبين ما حكاه الغير وأنصف. ثم جلى شأن عيسى عليه السلام، بما ~~يرفع كل لبس، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 59] # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه أي بالنبوة والرسالة وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل أي آية لهم وحجة عليهم، بما ظهر على يديه، مما أيد نبوته ورسالته ~~وصدق دعواه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 60] # ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) # ولو نشاء لجعلنا منكم أي بدلكم ملائكة في الأرض يخلفون أي يكونون مكانكم. ~~إيعاد لهم بأنهم في قبضة المشيئة في إهلاكهم، وإبدال من هو خير منهم. ~~PageV08P395 # كما في قوله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~[محمد: 38] ، وقيل معنى لجعلنا منكم لولدنا منكم ملائكة، كما ولدنا عيسى من ~~غير ms4074 أب، لتعرفوا تميزنا بالقدرة. واللفظ الكريم يحتمله. إلا أن الأظهر هو ~~الأول، لما جرت به عادة التنزيل، من خواتم أمثال ما تقدم، بنظائر هذا ~~الوعيد، والله أعلم. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 61 الى 62] # وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) # وإنه لعلم للساعة الضمير إما للقرآن كما ذهب إليه قوم، أي وإن القرآن ~~الكريم يعلم بالساعة ويخبر عنها وعن أهوالها. وفي جعله عين العلم، مبالغة. ~~والعلم بمعنى العلامة. وقيل الضمير لعيسى عليه السلام. أي إن ظهوره من ~~أشراط الساعة. # ونزوله إلى الأرض في آخر الزمان دليل على فناء الدنيا. وقال بعضهم: معناه ~~أن عيسى سبب للعلم بها. فإنه هو ومعجزاته من أعظم الدلائل على إمكان البعث. ~~فالآية مجاز مرسل علاقته المسببية. إذ أطلق المسبب وهو العلم، وأراد السبب ~~وهو عيسى ومعجزاته. كقولك (أمطرت السماء نباتا) أي مطرا يتسبب عنه النبات. ~~وقرئ وإنه لعلم للساعة بفتحتين. أي أنه كالجبل الذي يهتدى به إلى معرفة ~~الطريق ونحوه. # فبعيسى عليه السلام يهتدى إلى طريقة إقامة الدليل على إمكان الساعة ~~وكيفية حصولها. انتهى. # وهو جيد فلا تمترن بها واتبعون أي اتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي. أو هو ~~أمر للرسول أن يقوله هذا أي القرآن، أو ما أدعوكم إليه صراط مستقيم ولا ~~يصدنكم الشيطان أي عن الاتباع إنه لكم عدو مبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 63 الى 64] # ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم (64) # ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون # PageV08P396 # فيه # أي من أحكام التوراة وغيرها. كاختلاف اليهود في القيامة، لعدم صراحتها في ~~كتبهم. وقد جاء في نحوها آية ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم [آل عمران: 50] ~~، وقد وضع عن اليهود شيئا من إصر التوراة وأغلال الناموس، كما ms4075 فعل في يوم ~~السبت. خفف شدة حكمه. # قال بعض المحققين: وإنما لم يقل (ولأبين لكم كل ما تختلفون فيه) لأنه لم ~~يفعل ذلك. بل ترك بيان كثير من الأشياء، كالفساد الذي دخل في أغلب كتبهم ~~للفارقليط (محمد صلى الله عليه وسلم) الذي يأتي بعده، لعدم استعداد الناس ~~في زمنه لقبول كل شيء منه. كما قال هو نفسه في (إنجيل يوحنا) في الإصحاح ~~السادس عشر. # وخصوصا إذا تعرض للطعن في كتبهم، وهي رأس مالهم الوحيد وتراث أجدادهم. # ولو فعل ذلك لشك فيه الكثيرون منهم وكذبوه، ولما اتبعه إلا الأقلون أو ~~النادرون، فتضيع الفائدة من بعثته التي بيناها في المتن. وهي التي بعث من ~~أجلها. # وأما قول الله تعالى عن لسانه ومصدقا لما بين يدي من التوراة [آل عمران: ~~50] ، فالمراد بمثل هذا التعبير، أنه بمجيئه عليه السلام تحققت نبوات ~~التوراة عنه، وبه صحت وصدقت. وكلمة (التوراة) تطلق على كتاب العهد القديم. # فالمعنى أن مجيء عيسى كان وفق ما أنبأ به النبيون عنه من قبل. ولو لاه ~~لما صدقت تلك النبوات، فإنها لا تنطبق إلا عليه. وليس المراد أن عيسى يقر ~~كل ما في التوراة، كما يتوهم النصارى الآن من مثل هذه الآية. وإلا لما قال ~~بعدها مباشرة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم [آل عمران: 50] ، فكيف يقرها ~~وهو قد جاء ناسخا لبعض ما فيها؟ فتدبر ذلك ولا تكن كهؤلاء الذين يهرفون بما ~~لا يعرفون. ويفسرون ما لا يفهمون. انتهى كلامه. وهو وجيه جدا. # فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه قال ابن جرير: أي إن الله ~~الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهية وإخلاص الطاعة له، ربي وربكم جميعا. # فاعبدوه وحده لا تشركوا معه في عبادته شيئا. فإنه لا يصح ولا ينبغي أن ~~يعبد شيء سواه هذا صراط مستقيم أي هذا الذي أمرتكم به، من اتقاء الله ~~وطاعتي، وإفراد الله بالألوهية، هو الطريق القويم. وإذا كان هذا قول عيسى ~~عليه السلام، فلا عبرة بقول الملحدين فيه والمفترين عليه ما لم يقله. ثم ~~أشار ms4076 إلى وعيد من خالف الحق بعد وضوحه، بقوله تعالى: # PageV08P397 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 65] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) # فاختلف الأحزاب أي الفرق المتحزبة اختلافا نشأ من بينهم أي لا من قوله ~~تعالى، ولا من قول عيسى. بل ظلما وعنادا فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~أي مؤلم من شدة الأهوال وكثرة الفضائح، وظلمهم بترك النظر في الدلائل ~~العقلية والنقلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 66 الى 67] # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) # هل ينظرون أي قريش إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون الأخلاء ~~يومئذ أي المتخالون على المعاصي والفساد، والصد عن الحق يوم القيامة بعضهم ~~لبعض عدو أي معاد، يتبرأ كل من صاحبه إلا المتقين أي المتصادقين في طاعة ~~الله ومحبته. قال القاشاني: الخلة إما أن تكون خيرية، أو لا. والخيرية إما ~~أن تكون في الله أو لله ومحبته. وغير الخيرية إما أن يكون سببها اللذة ~~النفسانية أو النفع العقلي. والقسم الأول هو المحبة الروحانية الذاتية ~~المستندة إلى تناسب الأرواح في الأزل، التي قال «1» فيها (فما تعارف منها ~~ائتلف) فهم إذا برزوا في هذه النشأة، وتوجهوا إلى الحق، وتجددوا عن مواد ~~الرجس، فلما تلاقوا تعارفوا، وإذا تعارفوا تحابوا، لتجانسهم الأصلي، ~~وتوافقهم في الوجهة والطريقة، وتشابههم في السبيرة والغريزة، وتجردهم عن ~~الأغراض الفاسدة والأعراض الذاتية، التي هي سبب العداوة. # وانتفع كل منهم بالآخر في سلوكه وعرفانه. والتذ بلقائه، وتصفى بصفائه، ~~وتعاونوا في أمور الدنيا والآخرة. فهي الخلة التامة الحقيقية التي لا تزول ~~أبدا كمحبة الأنبياء والأصفياء والأولياء والشهداء. والقسم الثاني هو ~~المحبة القلبية المستندة إلى تناسب الأوصاف والأخلاق والسير الفاضلة. ~~ونشأته الاعتقادات والأعمال الصالحة. كمحبة الصلحاء والأبرار فيما بينهم. ~~ومحبة العرفاء والأولياء إياهم. ومحبة الأنبياء أممهم. # والقسم الثالث هو المحبة النفسانية المستندة إلى اللذات الحسية والأعراض ~~الجزئية. PageV08P398 # كمحبة الأزواج لمجرد الشهوة. ومحبة الفجار ms4077 والفساق المتعاونين في اكتساب ~~الشهوات واستلاب الأموال. والقسم الرابع هو المحبة العقلية المستندة إلى ~~تسهيل أسباب المعاش، وتيسير المصالح الدنيوية. كمحبة التجار والصناع. ومحبة ~~المحسن إليه للمحسن. فكل ما استند إلى غرض فان وسبب زائل، زال بزواله، ~~وانقلب عند فقدانه عداوة. لتوقع كل من المتحابين ما اعتاد من صاحبه، من ~~اللذة المعهودة والنفع المألوف. وامتناعه لزوال سببه. ولما كان الغالب على ~~أهل العالم أحد القسمين الأخيرين، أطلق الكلام وقال: الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين لانقطاع أسباب الوصلة بينهم، وانتفاء الآلات البدنية ~~عنهم، وامتناع حصول اللذة الحسية والنفع الجسماني وانقلابهما حسرات وآلاما ~~وضررا وخسرانا. # قد زالت اللذات والشهوات، وبقيت العقوبات والتبعات. فكل يمقت صاحبه ~~ويبغضه. لأنه يرى ما به من العذاب، منه وبسببه. ثم استثنى المتقين ~~المتناولين للقسمين الباقيين لقتلهم، كما لقال وقليل ما هم [ص: 24] ، وقليل ~~من عبادي الشكور [سبأ: 13] ، ولعمري، إن القسم الأول أعز من الكبريت ~~الأحمر. # وهم الكاملون في التقوى، البالغون إلى نهايتها، الفائزون بجميع مراتبها. ~~ويليهم القسم الثاني. وكلا القسمين، لاشتراكهما في طلب مرضاة الله وطلب ~~ثوابه واجتناب سخطه وعقابه، نسبهم سبحانه إلى نفسه بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 68] # يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) # يا عباد لا خوف عليكم اليوم أي لأمنهم من العذاب ولا أنتم تحزنون أي على ~~فوات لذات الدنيا. لكونهم على ألذ منها وأبهج، وأحسن حالا وأجمل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 69] # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) # الذين آمنوا بآياتنا أي صدقوا بكتاب الله ورسله، وعملوا بما جاءتهم به ~~رسلهم وكانوا مسلمين أي أهل خضوع لله بقلوبهم، وقبول منهم لما جاءتهم به ~~رسولهم عن ربهم، على دين إبراهيم عليه السلام، حنفاء، لا يهود ولا نصارى ~~ولا أهل أوثان. # PageV08P399 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 70] # ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) # ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون أي تسرون سرورا يظهر حباره، أي أثره ~~على وجوهكم، كقوله تعالى: تعرف في وجوههم ms4078 نضرة النعيم [المطففين: # 24] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 71 الى # 72] # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ~~وأنتم فيها خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) # يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب الصحاف جمع (صحفة) وهي آنية الأكل. ~~والأكواب جمع (كوب) وهو ما يشرب منه كالكوز. إلا أن الكوب ما لا عروة له. ~~قال الشهاب: العروة ما يمسك منه ويمسي أذنا. ولذا قال من ألغز فيه: # وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا قلب # إذا استولى على صب ... فقل ما شئت في الصب # ومن اللطائف هنا ما قيل: إنه لما كانت أواني المأكولات أكثر بالنسبة ~~لأواني المشروب عادة، جمع الأول جمع كثرة، والثاني جمع قلة. وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين أي بمشاهدته وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون أي من الخيرات والأعمال الصالحات. وقد شبه ما ~~استحقوه بأعمالهم الحسنة، من الجنة ونعيمها الباقي لهم، بما يخلفه المرء ~~لوراثه من الأملاك والأرزاق. # ويلزمه تشبيه العمل نفسه بالمورث (على صيغة اسم الفاعل) فهو استعارة ~~تبعية أو تمثيلية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 73] # لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) # لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون أي ما اشتهيتم. و (من) إما ابتدائية أو ~~تبعيضية. ورجح بدلالته على كثرة النعم، وأنها غير مقطوعة ولا ممنوعة، وأنها ~~مزينة بالثمار أبدا، موقرة بها. # PageV08P400 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 74 الى 75] # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) # إن المجرمين أي الذين اجترموا الكفر والمعاصي في الدنيا في عذاب جهنم ~~خالدون لا يفتر عنهم أي لا يخفف ولا ينقص وهم فيه مبلسون أي مستسلمون ~~يائسون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 76] # وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) # وما ظلمناهم أي بهذا العذاب ولكن كانوا هم الظالمين أي بكفرهم الله ~~وجحودهم توحيده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف ms4079 (43) : الآيات 77 الى 78] # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ~~ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # ونادوا أي بعد إدخالهم جهنم يا مالك ليقض علينا ربك أي ليمتنا. أي سله أن ~~يفعل بنا ذلك. تمنوا تعطل الحواس وعدم الإحساس، لشدة التألم بالعذاب ~~الجسماني. قال إنكم ماكثون أي لابثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون أي لا تقبلونه وتنفرون منه، وعبر (بالأكثر) لأن من الأتباع من يكفر ~~تقليدا. ### | لطيفة: # قال القاشاني: سمي خازن النار (مالكا) لاختصاصه بمن ملك الدنيا وآثرها. # لقوله تعالى: فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ~~[النازعات: 37- 39] كما سمي خازن الجنة (رضوانا) لاختصاصه بمن رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 79] # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون أي أم أبرم مشركو مكة أمرا فأحكموه، يكيدون ~~به # PageV08P401 # الحق الذي جاءهم، فإنا محكمون لهم ما يخزيهم ويذلهم، من النكال. كقوله ~~تعالى: أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون [الطور: 42] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 80] # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم أي ما أخفوه من تناجيهم بما يمكرون، ~~فلا نجازيهم عليه لخفائه علينا بلى أي نسمعهما ونطلع عليهما ورسلنا يعني ~~الحفظة لديهم يكتبون أي ما تكلموا به ولفظوا من قول. ثم أشار إلى رد إفكهم ~~في أن الملائكة بنات الله تعالى، ختما للسورة مما بدئت به، المسمى عند ~~البديعيين (رد العجز على الصدر) فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 81] # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي لذلك الولد. والأولية بالنسبة ~~إلى المخاطبين، لا لمن تقدمهم. قال الشهاب: ولو أبقى على إطلاقه، على أن ~~المراد إظهار الرغبة والمسارعة. جاز. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 82] # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما ms4080 يصفون (82) # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون على نفي التالي. وهو عبادة ~~الولد. أي أوحده وأنزهه تعالى عما يصفونه من كونه مماثلا لشيء. لكونه ربا ~~خالقا للأجسام كلها. فلا يكون من جنسها. فيفيد انتفاء الولد على الطريق ~~البرهاني. # وأما دلالته على الثاني فإذا جعل قوله: سبحان رب السماوات إلخ من كلام ~~الله تعالى، لا من كلام الرسول، (أي نزه رب السماوات عما يصفونه) فيكون ~~نفيا للمقدم ويكون تعليق عبادة الرسول من باب التعليق بالمحال. والمعلق ~~بالشرط عند عدمه فحوى بدلالة المفهوم، أبلغ عند علماء البيان من دلالة ~~المنطوق. كما قال في استبعاد الرؤية فإن استقر مكانه فسوف تراني [الأعراف: ~~143] . انتهى. # PageV08P402 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية # 83] # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) # فذرهم يخوضوا أي في باطلهم ويلعبوا أي في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون قال ابن جرير: وذلك يوم يصليهم الله بفريتهم عليه، جهنم، وهو يوم ~~القيامة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 84] # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله أي المعبود فيهما بلا شريك وهو ~~الحكيم العليم أي في تدبير خلقه وتسخيرهم لما يشاء بمصالحهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : الآيات 85 الى 86] # وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون (86) # وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة أي الشفاعة لهم عند الله، كما ~~زعموا أن أندادهم شفعاء إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أي من آمن بالله وأقر ~~بتوحيده، وهم يعلمون حقيقة توحيده. أي وحدوه وأخلصوا له على علم منهم ~~ويقين، كقوله: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء: 28] . قال ابن كثير: ~~هذا استثناء منقطع، أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، ms4081 فإنه تنفع شفاعته ~~عنده، بإذنه له. ### | تنبيه: # قال الشهاب: استدل الفقهاء بهذه الآية على أن الشهادة لا تكون إلا عن ~~علم، وأنها تجوز وإن لم يشهد. # وفي (الإكليل) قال إلكيا: يدل قوله تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ~~على معنيين: أحدهما- أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، وأن التقليد ~~لا # PageV08P403 # يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني- أن شرط سائر الشهادات في ~~الحقوق وغيرها، أن يكون الشاهد عالما بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 87] # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله أي: خلقنا لتعذر المكابرة فيه من فرط ~~ظهوره فأنى يؤفكون أي يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 88] # وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) # وقيله أي قيل محمد صلوات الله عليه، شاكيا إلى ربه تبارك وتعالى، قومه ~~الذين كذبوه وما يلقى منهم يا رب إن هؤلاء أي الذين أمرتني بإنذارهم، ~~وأرسلتني إليهم لدعائهم إليك قوم لا يؤمنون أي بالتوحيد والرسالة واليوم ~~الآخر. # كقوله تعالى: وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ~~[الفرقان: # 30] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزخرف (43) : آية 89] # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # فاصفح أي أعرض عنهم وقل سلام أي لكم أو عليكم. أو أمري سلام. # أي متاركة فهو سلام متاركة لا تحية. # وقال الرازي: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر. ثم ~~قال: # إن صح هذا الاستدلال فإنه يوجب الاقتصار على مجرد قوله (سلام) وأن يقال ~~للمؤمن (سلام عليكم) والمقصود ال ### | تنبيه # على التحية التي تذكر للمسلم والكافر. # وفيه نظر، لأنه جمود على الظاهر البحت هنا، والغفلة عن نظائره. من نحو ~~قول إبراهيم عليه السلام لأبيه سلام عليك سأستغفر لك ربي [مريم: 47] ، وآية ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [القصص: 55] ، على أن الأكثر على أن الخبر ~~هنا محذوف، أي (عليكم) والمقدر كالمذكور، والمحذوف لعلة كالثابت. # فالصواب أن السلام للمتاركة. والله ms4082 أعلم فسوف يعلمون أي حقية ما أرسلت ~~به، بسمو الحق وزهوق الباطل. # PageV08P404 ### | تنبيه: # قرئ وقيله بالنصب عطفا على (سرهم ونجواهم) وضعف بوقوع الفصل بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، بما لا يحسن اعتراضا. أو على محل (الساعة) لأنه في محل نصب، ~~لأنه مصدر مضاف لمفعوله. أو بإضمار فعله. أي وقال قيله. وقرئ بالجر عطفا ~~على (الساعة) أو الواو للقسم والجواب محذوف. أي لأفعلن بهم ما أريد، أو ~~مذكور وهو قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون وقرئ بالرفع عطفا على (علم الساعة) ~~بتقدير مضاف. أي وعنده علم قيله. أو مرفوع بالابتداء، وجملة (يا رب) إلخ هو ~~الخبر. أو الخبر محذوف. أي وقيله كيت وكيت، مسموع أو متقبل. وفي (الحواشي) ~~مجازيات جدلية، فازدد بمراجعتها علما. # PageV08P405 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الدخان # قال المهايمي: سميت به لدلالة آيته على أنه جزاء غشيان أدخنة النفوس ~~الخبيثة، بصائر قلوب أهلها وأرواحهم. ولذلك رأوا الدلائل شبهات الشياطين. # وجعلوا المميز بينهما مجنونا. وإن القرآن كاشف عنه ككشف الدخان المحسوس ~~عنهم، وهي مكية. وآيها خمسون وتسع. # روي «1» الترمذي مرفوعا. من قرأ (حم الدخان) في ليلة، أصبح يستغفر له ~~سبعون ألف ملك. # ثم قال: غريب. وعمرو بن أبي خثعم راويه، يضعف. قال البخاري: منكر الحديث. ~~أفاده ابن كثير. PageV08P406 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) # حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة يعني ليلة القدر التي قدر ~~فيها سبحانه إنزال ذكره الحكيم. وكانت في رمضان. كما قال سبحانه شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن [البقرة: 185] ، قال ابن كثير: ومن قال إنها ليلة ~~النصف من شعبان، فقد أبعد النجعة. فإن نص القرآن أنها في رمضان. وما روي من ~~الآثار في فضلها، فمثله لا تعارض به النصوص. هذا على فرض صحتها. وإلا فهي ~~ما بين مرسل وضعيف. والبركة اليمن. ولا ريب أنها كانت أبرك ليلة وأيمنها ~~على العالمين، بتنزيل ما فيه الحكمة والهدى، ms4083 والنجاة من الضلال والردى. قال ~~القاشاني: ووصفها بالمباركة، لظهور الرحمة والبركة، والهداية والعدالة في ~~العالم بسببها. وازدياد رتبته صلى الله عليه وسلم وكماله بها، كما سماها ~~(ليلة القدر) لأن قدره وكماله إنما ظهر بها إنا كنا منذرين أي من خالف ~~مقتضى الحكمة وقوة الدلائل، واختار المذام وتذلل للهوى ولم يكتف بهداية ~~الله، ولم يقت روحه بقوت معارفه، وذلك لتقوم حجة الله على عباده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 4] # فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # فيها يفرق كل أمر حكيم أي يفصل ويبين كل أمر تقتضيه الحكمة، على وجه متين ~~محمود عند الكمل تقتات به أرواحهم، وترحم به نفوسهم. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 5 الى 6] # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) # أمرا من عندنا نصب على الاختصاص. أي أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من # PageV08P407 # عندنا على مقتضى حكمتنا. وهو بيان لفخامته الإضافية، بعد بيان فخامته ~~الذاتية إنا كنا مرسلين رحمة من ربك أي مرسلين إلى الناس رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، رحمة منه تعالى بهم، ~~لمسيس الحاجة إليه، كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~[الأنبياء: 107] ، وجوز كون (رحمة) علة للإنزال. أي رحمة تامة كاملة على ~~العالمين بإنزاله، لاستقامة أمورهم الدينية والدنيوية، وصلاح معاشهم ~~ومعادهم، وظهور الخير والكمال والبركة والرشاد فيهم بسببه. والوجه هو ~~الأول. وهو كونه غاية للإرسال. # لإفصاح تلك الآية عنه إنه هو السميع أي لدعوة حقائق الأشياء بمقتضياتها ~~العليم أي بمقادير قابلياتها، فلا يبعد عليه الإرسال والإنزال، قاله ~~المهايمي. # وقال القاشاني: أي: السميع لأقوالهم المختلفة في الأمور الدينية الصادرة ~~عن أهوائهم، (العليم) أي بعقائدهم الباطلة وآرائهم الفاسدة وأمورهم المختلة ~~ومعايشهم غير المنتظمة. فلذلك رحمهم بإرسال الرسول الهادي إلى الحق في أمر ~~الدين، الناظم لمصالحهم في أمر الدنيا، المرشد إلى الصواب فيهما، بتوضيح ~~الصراط المستقيم، وتحقيق التوحيد بالبرهان، وتقنين الشرائع وسنن الأحكام ~~لضبط النظام. ### | ### | القول في تأويل ms4084 قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 7 الى # 9] # رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) # رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال أبو مسلم: أي إن كنتم ~~تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا. كقولهم (فلان منجد ~~متهم) أي يريد نجدا وتهامة. وقيل: معناه إن كنتم موقنين بما تقرون به، من ~~أنه رب الجميع وخالقه لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل ~~هم في شك يلعبون أي بل ليسوا بموقنين في إقرارهم بربوبيته، لأن الإيقان ~~يستتبع قبول البرهان، وإنما هو قول ممزوج بلعب، لغشيان أدخنة أهوية نفوسهم، ~~بصائر قلوبهم وأرواحهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 10 الى 12] # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف ~~عنا # PageV08P408 # العذاب إنا مؤمنون # أي انتظر لمجازاتهم ذلك اليوم الهائل. ولا يستعمل (الارتقاب) إلا في أمر ~~مكروه. وللسلف في معنى الدخان ثلاثة أوجه: الأول- قال بعضهم: كان ذلك حين ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش أن يؤخذوا بسنين كسني يوسف، ~~فأخذوا بالمجاعة. قالوا: وعنى بالدخان ما كان يصيبهم حينئذ في أبصارهم من ~~شدة الجوع. # من الظلمة كهيئة الدخان، # روى ابن جرير عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا وهو مضطجع ~~بيننا. فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصا عند أبواب كندة يقص ~~ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة ~~الزكام، فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال: يا أيها الناس! اتقوا الله. ~~فمن علم شيئا فليقل بما يعلم. ومن لا يعلم فليقل (الله أعلم) . فإنه أعلم ~~لأحدكم أن يقول لما لا يعلم (الله أعلم) وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم ~~(لا أعلم) فإن ms4085 الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم قل ما أسئلكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] ، إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما رأى من الناس إدبارا قال: اللهم سبعا كسبع يوسف. فأخذتهم سنة حصت كل ~~شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف. ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخانا، ~~من الجوع. فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمد! إنك جئت تأمرنا بالطاعة ~~وبصلة الرحم. وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم # . قال الله عز وجل فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، إلى قوله: # إنكم عائدون [الدخان: 15] ، قال: فكشف عنهم يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون [الدخان: 16] ، فالبطشة يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان. ~~والبطشة واللزام. # قال ابن كثير: وهذا الحديث مخرج في الصحيحين «1» ورواه الإمام أحمد «2» ~~في مسنده وهو عند الترمذي «3» والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن ~~أبي حاتم من طرق متعددة وقد وافق ابن مسعود رضي الله على تفسير الآية بهذا، ~~وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وو إبراهيم النخعي ~~والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير. PageV08P409 # قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل ~~الهجرة. لقول ابن مسعود (ثم عادوا) ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل ~~بدر. # وعلي هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك. فلذلك قال: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه لكن روي ما يدل على أن القصة المذكورة وقعت ~~بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد، وإلا فهو مشكل جدا. والله المستعان. ~~انتهى. # وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان على هذا معنيين: أحدهما- أن في سنة القحط ~~يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر، ويرتفع الغبار الكثير، ويظلم الهواء. # وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال لسنة المجاعة (الغبراء) ثانيهما- أن العرب ~~يسمون الشر الغالب بالدخان. فيقولون (كان بيننا أمر ارتفع له دخان) . ~~والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه، أظلمت عيناه، فيرى الدنيا ~~كالمملوءة من الدخان. # انتهى. # وقال الشهاب: الظاهر أن ms4086 هذه التسمية استعارة. لأن الدخان مما يتأذى به. # فأطلق على كل مؤذ يشبهه، أو على ما يلزمه، ولذا قيل: # تريد مهذبا لا عيب فيه ... وهل عود يفوح بلا دخان # الوجه الثاني في الآية- أنه دخان يظهر في العالم. وهو إحدى علامات ~~القيامة، ولم يأت بعد، وهو آت وهو قول حذيفة. ويروى عن علي وابن عباس وجمع ~~من التابعين. قال الرازي: واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول- أن ~~قوله: يوم تأتي السماء بدخان يقتضي وجود دخان تأتي به السماء. وما ذكرتموه ~~من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع، فذاك ليس بدخان أتت به السماء. ~~فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه، عدولا عن الظاهر، لا لدليل منفصل، وإنه ~~لا يجوز. # الثاني- أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبينا. والحالة التي ذكرتموها ليست ~~كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم. ومثل هذا لا يوصف بكونه ~~دخانا مبينا. والثالث- أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشى الناس. وهذا إنما يصدق ~~إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم، والحالة التي ذكرتموها لا تغشى الناس ~~إلا على سبيل المجاز. وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز ~~إلا لدليل منفصل. الرابع- ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من عده ~~الدخان من الآيات المنتظرة. # PageV08P410 # أما القائلون بالقول الأول، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى ~~المجاز وذلك لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع، ~~والقوم لم يذكروا ذلك الدليل، فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلا جدا. فإن ~~قالوا: # الدليل على أن المراد ما ذكرناه أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون وهذا، إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة، ~~استقام. فإنه نقل أن التقحط لما اشتد، بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده ~~بالله وبالرحم، ووعده أنه إن لهم وأزال الله عنهم تلك البلية، أن يؤمنوا ~~به. فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم. أما إذا حلمناه على أن ~~المراد منه ظهور ms4087 علامة من علامات القيامة، لم يصح ذلك. لأن عند ظهور علامات ~~القيامة. لا يمكنهم أن يقولوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ولم يصح ~~أيضا أن يقال لهم إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون والجواب: لم لا يجوز ~~أن يكون ظهور هذه العلامة جاريا مجرى ظهور سائر علامات القيامة، في أنه لا ~~يوجب انقطاع التكليف، فتحدث هذه الحالة. ثم إن الناس يخافون جدا فيتضرعون. ~~فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق. وإذا كان هذا محتملا، فقد ~~سقط ما قالوه، والله أعلم. انتهى كلام الرازي. # وهكذا رجح الإمام ابن كثير الوجه الثاني، ذهابا إلى ما صح عن ابن عباس، ~~ترجمان القرآن ومن وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة ~~الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردوها، مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة، على أن ~~الدخان من الآيات المنتظرة. مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ~~فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين أي بين واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر ~~به ابن مسعود رضي الله عنه، إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع ~~والجهد. وهكذا قوله تعالى: # يغشى الناس أي يتغشاهم ويعمهم. ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين ~~لما قيل فيه يغشى الناس وقوله تعالى: هذا عذاب أليم أي يقال لهم ذلك تقريعا ~~وتوبيخا. كقوله عز وجل يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها ~~تكذبون [الطور: 13- 14] ، أو يقول بعضهم لبعض ذلك. وقوله سبحانه وتعالى: ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله ~~وعقابه، سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ~~[الأنعام: 27] ، وكذا قوله جل وعلا وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول ~~الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال [إبراهيم: 44] . وهكذا قال جل جلاله. # PageV08P411 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms4088 الدخان (44) : الآيات 13 الى 14] # أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون ~~(14) # أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون أي ~~كيف لهم بالتذكر، وقد أرسلنا إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة. ومع هذا ~~تولوا عنه وما وافقوه. بل كذبوه وقالوا معلم مجنون. وهذا كقوله جلت عظمته ~~يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى [الفجر: 23] الآية. وكقوله عز وجل ولو ~~ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب [سبأ: 51] . إلى آخر السورة. ~~وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 15] # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يحتمل معنيين: أحدهما- أنه يقول ~~تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم ~~فيه من الكفر والتكذيب. كقوله تعالى: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ~~للجوا في طغيانهم يعمهون [المؤمنون: 75] ، وكقوله جلت عظمته ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون [الأنعام: 28] ، والثاني- أن يكون ~~المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم ~~مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون ~~باشرهم. كقوله تعالى: # إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم ~~إلى حين [يونس: 98] . ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم. بل كان قد انعقد ~~سببه عليهم. ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، ~~قال الله تعالى، إخبارا عن شعيب عليه السلام، أنه قال لقومه حين قالوا: ~~لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال أولو ~~كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله ~~منها [الأعراف: 88- 89] . وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم. ~~وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله. وقوله عز وجل: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 16] # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) # يوم نبطش ms4089 البطشة الكبرى إنا منتقمون فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه # PageV08P412 # بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسيره ~~الدخان بما تقدم. وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما من رواية العوفي ~~عنه وعن أبي ابن كعب رضي الله عنه وجماعة عنه، وهو محتمل. والظاهر أن ذلك ~~يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا. قال ابن جرير: حدثني يعقوب. ~~حدثنا ابن علية. # حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول هي يوم القيامة. ~~وهذا إسناد صحيح عنه. وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه. ~~والله أعلم. # انتهى كلام ابن كثير. ### | ### | فصل: # # وممن رجح الوجه الأول، وهو أن المراد بالدخان يوم المجاعة والشدة مجازا، ~~بذكر المسبب وإرادة السبب. أو بالاستعارة، العلامة أبو السعود حيث قال: ~~والأول هو الذي يستدعيه مساق النظم الكريم قطعا. فإن قوله تعالى: أنى لهم ~~الذكرى إلخ، رد لكلامهم واستدعائهم الكشف، وتكذيب لهم في الوعد بالإيمان، ~~المنبئ عن التذكر والاتعاظ بما اعتراهم من الداهية، أي كيف يتذكرون؟ أو من ~~أين يتذكرون بذلك ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب عنهم؟ وقد ~~جاءهم رسول مبين أي والحال أنهم شاهدوا من دواعي التذكر. وموجبات الاتعاظ ~~ما هو أعظم منه في إيجابها. حيث جاءهم رسول عظيم الشأن، وبين لهم مناهج ~~الحق، بإظهار آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، تخر لها صم الجبال ثم تولوا عنه عن ~~ذلك الرسول وهو هو، ريثما يشاهدون منه ما شاهدوه من العظائم الموجبة ~~للإقبال عليه ولم يقتنعوا بالتولي وقالوا في حقه معلم مجنون أي قالوا تارة: ~~يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف. وأخرى مجنون، أو يقول بعضهم كذا وآخرون كذا. ~~فهل يتوقع من قوم هذه صفاتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟ وما مثلهم إلا ~~كمثل الكلب إذا جاع ضعف، وإذا شبع طغى. وقوله تعالى: إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا إنكم عائدون جواب ms4090 من جهته تعالى عن قولهم ربنا اكشف عنا العذاب إنا ~~مؤمنون بطريق الالتفات، لمزيد التوبيخ والتهديد. وما بينهما اعتراض. ألى ~~إنا نكشف العذاب المعهود عنكم كشفا قليلا، أو زمانا قليلا. إنكم تعودون إثر ~~ذلك إلى ما كنتم عليه من العتو والإصرار على الكفر. وتنسون هذه الحالة. ~~وفائدة التقييد بقوله: # قليلا الدلالة على زيادة خبثهم. لأنهم إذا عادوا قبل تمام الانكشاف، ~~كانوا بعده # PageV08P413 # أسرع إلى العود. وصيغة الفاعل في الفعلين، للدلالة على تحققهما لا محالة. ~~ولقد وقع كلاهما حيث كشفه الله تعالى، بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فما ~~لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه من العتو والعناد. انتهى ما قاله أبو ~~السعود بزيادة. ### | ### | فصل: # # وأما الوجه الثالث في الآية، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي. حدثنا جعفر بن ~~مسافر. حدثنا يحيي بن حسان. حدثنا ابن مهيعة. حدثنا عبد الرحمن الأعرج في ~~قوله عز وجل: يوم تأتي السماء بدخان مبين قال: كان يوم فتح مكة. قال ابن ~~كثير: وهذا القول غريب جدا. بل منكر. انتهى. # أى لأنه لم يرو مرفوعا ولا موقوفا على ابن عباس، ترجمان القرآن. أو غيره ~~من الصحب. إلا أن عدم كونه مأثورا لا ينافي احتمال لفظ الآية له. وصدقها ~~عليه. لا سيما، ويؤيده قوله تعالى في آخر السورة: فارتقب إنهم مرتقبون مما ~~هو وعد بظهوره عليهم. وكان ذلك يوم الفتح. وحينئذ، فمعنى قوله تعالى: إنا ~~كاشفوا العذاب أي ما ينزل بهم يومئذ، برفع القتل والأسر عنهم. ومعنى عائدون ~~أي إلى لقاء الله ومجازاته. # فصل: # يظهر مما نقلناه عن السلف في هذه الآية من الأقوال الثلاثة، أن هذه الآية ~~من الآي اللاتي أخذت من الصحب، عليهم الرضوان، اهتماما في معناها، وعناية ~~في البحث عن المراد منها. حتى كان ابن مسعود مصرا على وجه، وعلي وابن عباس ~~وحذيفة على وجه آخر. على ما أسند عنهم من طرق، ولعمر الحق! إن هذه الآية ~~لجديرة بزيادة العناية. وهكذا كل ما كان من معارك الأنظار للأئمة الكبار. ~~وسبب الاختلاف هو ms4091 إيجار الأسلوب الكريم، وإيثاره من الألفاظ أرقها، ~~وأوجزها. مما يصدق لبلاغته حقيقة تارة ومجازا أخرى. هذا أولا. وثانيا، لما ~~كان كثير من الأحاديث المروية تتشابه مع الآيات، كان ذلك مما يقرب بينهما ~~ويدعوا إلى اتحاد المراد منهما. لما تقرر من شرح السنة للكتاب، وهذا ما درج ~~عليه المحدثون قاطبة. # فترى أحدهم إذا رأى في خبر ما يشير إلى آية، قطع بأنه تفسيرها ووقف عنده ~~ولم يتعده. وأما من فتح للتدبر بابا ومهد للنظر مجالا، ورأى أن الأثر قد ~~يكون من محمولات الآية وما صدقاتها، وأنها أعم وأشمل، أو إن حمل الخبر ~~عليها اشتباه أفضى إليه التشابه. فذاك وسع للسالك المسالك، وفتح للمريد ~~المدارك، ورقاه من # PageV08P414 # حظيرة النقل إلى فضاء العقل. ولكل وجهة. # إذا علمت ذلك، رأيت أن من فسر هذه الآية بالمجاعة التي حصلت لقريش، أمكنه ~~تطبيق الآية عليها مجازا في بعض مفرداتها، وحقيقة في بقيتها وفي وقوع ~~مصداقها، في رأيه. ومن فسرها بالدخان المنتظر، المروي من أشراط الساعة، وقف ~~مع المروي ورأى أنه تفسيرها. لأن الأصل التوافق والحمل على المعهود. لأنه ~~الأقرب خطورا والأسبق حضورا، ومن فسرها بالظهور عليهم يوم الفتح، رأى أنها ~~من بليغ المجاز وبديع الكناية في ذلك. وأن الوعد بالارتقاب. كثر أشباهه ~~ونظائره في غير ما آية، مرادا به الفتح. كآية ويقولون متى هذا الفتح إن ~~كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض ~~عنهم وانتظر إنهم منتظرون [السجدة: 28- 30] ، فهذا وأمثاله يبين مآخذ ~~الأئمة ومداركهم في التأويل. وبه يعلم أن أطراف المدارك قد تتجاذب اللفظ ~~فتستوقف الرأي عن التشيع لمدرك دون آخر. ما لم يكن ثمة ما يرشح أحدها وقد ~~يظن الواقف على كلام الرازي المتقدم، واحتجاجه للوجه الثاني بما أطال به، ~~أن لا منتدح، بعد، عنه. مع أن للذاهب إلى غيره أن يجيب عن احتجاجه بما ~~أسلفنا من صحة المجاز. بل وقوته هنا، لأن المقام مقام إنذار وإيعاد، والذوق ~~أكبر حاكم وإليه مرد البلاغة. ولا يلزم المتأول نكرانه للدخان ms4092 المنتظر كما ~~قد يتوهم. بل يعترف بأنه آية آتية يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ~~وينقلب هذا النظام إلى نشأة ثانية. وأنه لا يلزم من الاشتراك اللفظي اتحاد ~~المتلو والمروي. وبالجملة، فاللفظ الكريم يتناول المعاني الثلاثة. وسببه ~~تحقق مصداق الجميع. وأما تعيين واحد منها للمراد، فصعب جدا فيما أراه، لا ~~سيما ولم يتفق الصحب على رأي فيها. هذا ما نقوله الآن. والله العليم. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 17] # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون أي ابتلينا، قبل هؤلاء المشركين، قوم فرعون، ~~بإرسال موسى عليه السلام إليهم ليؤمنوا. فاختاروا الكفر على الإيمان وجاءهم ~~رسول كريم أي على الله والمؤمنين، أو في نفسه. فعلى الأول كريم بمعنى مكرم ~~أي. معظم. وعلى الثاني، من الكرم بمعنى الاتصاف بالخصال الحميدة، حسبا ~~ونسبا. # PageV08P415 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 18] # أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) # أن أدوا إلي عباد الله أي أرسلوا معي بني إسرائيل، لأسير بهم إلى بلادنا ~~الأولى. وأطلقوهم من أسركم وحبسكم. فإنهم قوم أحرار، أبوا، للضيم. هذه ~~الديار إني لكم رسول أمين أي على وحيه ورسالته، التي حملنيها إليكم. ~~لأنذركم بأسه إن عصيتم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 19] # وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) # وأن لا تعلوا على الله أي بإنكار ربوبيته، ودعوى الربوبية لأنفسكم، ~~وتكذيب رسوله وغضب عباده إني آتيكم بسلطان مبين أي حجة واضحة على ربوبية ~~الله، ونفي ربوبيتكم. وعلى رسالتي. وعلى أن بني إسرائيل عباده الخاصة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 20] # وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) # وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون أي اعتصمت به من رجمكم. يعني القتل، ~~فعصمني، فلا ينالني منكم مكروه، مع أنه لا يعصم من افترى عليه، وقصد بهذه ~~الجملة. إظهار مزيد شجاعته وثباته في موقف تضطرب فيه الأفئدة، وتزل ~~الأقدام، خوفا ورعبا. وما ذاك إلا ms4093 لإيوائه إلى عصمة الله وتأييده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 21] # وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) # وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون أي فكونوا بمعزل عني. فلست بموال منكم أحدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 22] # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) # فدعا ربه أي لما تابوا عن إجابته أن هؤلاء قوم مجرمون أي مشركون مفسدون. # PageV08P416 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 23] # فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) # فأسر بعبادي ليلا أي فأجاب دعاءه، وأوحى إليه بأن سر بقومك ليلا إنكم ~~متبعون أي إن فرعون وقومه من القبط متبعوكم. إذا شخصتم عن بلدهم وأرضهم ~~ليرجعوكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 24 الى 25] # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) # واترك البحر رهوا أي فإذا قطعت البحر أنت وأصحابك، فاتركه ساكنا على حاله ~~التي كان عليها حين دخلته، ولا تضربه بعصاك ليدخله القبط فيغرقوا إنهم جند ~~مغرقون كم تركوا أي بعد هلاكهم بالغرق من جنات وعيون أي بساتين وعيون يسقى ~~منها ويتنعم بالنظر فيها، هذا في التفكه والتنزه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 26] # وزروع ومقام كريم (26) # وزروع أي قائمة مزارعهم للقوت ومقام كريم أي محافل مزينة ومنازل مزخرفة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 27] # ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) # ونعمة كانوا فيها فاكهين أي متنعمين من نساء وأموال وحشم، وما لا يحصى من ~~المشتهيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 28] # كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) # كذلك أي أخرجناهم مثل هذا الإخراج. فالكاف، أو الجار والمجرور صفة مصدر ~~مفهوم من الترك. أو هو خبر محذوف. أي الأمر كذلك. والمراد به التأكيد ~~والتقرير وأورثناها قوما آخرين يعني من خلفهم بعد مهلكهم. # PageV08P417 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 29] # فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) # فما بكت عليهم السماء والأرض قال الزمخشري: إذا مات رجل خطير، قالت العرب ~~في تعظيم مهلكه: بكت عليه ms4094 السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له الشمس. قال ~~جرير: # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وقالت الخارجية: # أيا شجر الخابور ما لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل. مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، ~~وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنه من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في ~~الأرض، ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء: تمثيل. ونفي ذلك عنهم في قوله ~~تعالى: فما بكت عليهم السماء والأرض فيه تهكم بهم وبحالهم. المنافية لحال ~~من يعظم فقده، فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض، وعن الحسن: فما بكى ~~عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين. يعني: فما بكى عليهم ~~أهل السماء وأهل الأرض وما كانوا منظرين أي مؤخرين بالعقوبة. بل عوجلوا ~~بها، زيادة سخط عليهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 30] # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين يعني استعباد فرعون وقتله ~~أبناءهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 31] # من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) # من فرعون بدل من العذاب، على حذف مضاف. أو جعله عذابا مبالغة لإفراطه في ~~التعذيب. أو حال من (المهين) بمعنى واقعا من جهته إنه كان عاليا أي متكبرا ~~على الناس من المسرفين أي المتجاوزين الحد، في العتو والشر. # PageV08P418 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 32] # ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) # ولقد اخترناهم على علم على العالمين أي فضلناهم لأجل علم معهم، على عالمي ~~زمانهم. أو عالمين بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويؤثروا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 33] # وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين (33) # وآتيناهم أي زيادة على اختبارهم وتفضيلهم من الآيات أي المعجزات ولكرامات ~~ما فيه بلؤا مبين أي نعمة ظاهرة، لأنهم حجة واضحة على أعدائهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 34 الى 35] # إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) # إن هؤلاء أي مشركي قريش ليقولون ms4095 إن هي إلا موتتنا الأولى أي المتعقبة ~~للحياة. كأنهم أرادوا إلا موتتنا هذه. وليس القصد إلى إثبات ثانية. قال ~~الإسنوي في (التمهيد) : الأول في اللغة ابتداء الشيء ثم قد يكون له ثان وقد ~~لا يكون. كما تقول: هذا أول ما اكتسبته. فقد تكتسب بعده شيئا وقد لا تكتسب. ~~كذا ذكره جماعة، منهم الواحدي في تفسيره، والزجاج. ومن فروع المسألة، ما لو ~~قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فأنت طالق، تطلق إذا ولدته، وإن لم تلد ~~غيره، بالاتفاق. قال أبو علي: اتفقوا على أن ليس من شرط كونه أولا، أن يكون ~~بعده آخر. وإنما الشرط أن لا تقدم عليه غيره. انتهى. # وما ذكر أظهر مما للزمخشري هنا وما نحن بمنشرين أي مبعوثين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 36] # فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) # فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أي في بعثنا بعد بلائنا في قبورنا. قال ابن ~~كثير: وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة. فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في ~~دار الدنيا. بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين خلقا ~~جديدا. ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا. ثم أنذرهم تعالى بأسه الذي لا يرد، ~~كما حل بأشباههم من المشركين، بقوله سبحانه: # PageV08P419 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 37] # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) # أهم خير أي في القوة والمنعة أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم ~~كانوا مجرمين أي أهلكناهم بجرمهم. وهو كفرهم وفسادهم. وهم ما هم. فما بال ~~قريش لا تخاف أن يصيبها ما أصابهم؟ وقوم تبع هم حمير وأهل سبأ. أهلكهم الله ~~عز وجل وفرقهم في البلاد شذر مذر. كما تقدم في سورة (سبأ) قال ابن كثير: ~~وقد كانوا عربا من قحطان. كما أن هؤلاء عرب من عدنان. وكانت حمير كلما ملك ~~فيهم رجل سموه تبعا. كما يقال (كسرى) لمن ملك الفرس و (قيصر) لمن ملك ~~الروم. # و (فرعون) لمن ملك مصر كافرا. و (النجاشي) لمن ms4096 ملك الحبشة، وغير ذلك من ~~أعلام الأجناس، لكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى ~~وصل إلى سمرقند. واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه. واتسعت مملكته وبلاده وكثرت ~~رعاياه، وهو الذي مصر الحيرة، فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام ~~الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار وجعلوا يقرونه بالليل. ~~فاستحيا منه وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود، كانا قد نصحاه ~~وأخبراه أن لا سبيل له على هذه البلدة. فإنها مهاجر نبي يكون في آخر ~~الزمان. فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن. فلما اجتاز بمكة أراد هدم ~~الكعبة. فنهياه عن ذلك أيضا. وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء ~~إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. # وأنه سيكون له شأن عظيما على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، ~~فعظمها وطاف بها وكساها الملاء والوصائل والحبر. ثم كر راجعا إلى اليمن، ~~ودعا أهلها إلى التهود معه. وكان إذ ذاك دين موسى عليه الصلاة والسلام، فيه ~~من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح عليه الصلاة والسلام. فتهود معه عامة ~~أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه (السيرة) . ~~وترجمة الحافظ ابن عساكر في (تاريخه) ترجمة حافلة، وذكر أنه ملك دمشق. وساق ~~ما روي في النهي عن سبه ولعنه. قال ابن كثير: وكأنه، والله أعلم. كان كافرا ~~ثم أسلم، وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان ~~على الحق قبل بعثة المسيح عليه السلام. وحج البيت في زمن الجرهميين وكساه ~~الملاء، والوصائل من الحرير والحبر. # ونحر عنده ستة آلاف بدنة. وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن. وقد ساق قصته ~~بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب وعبد # PageV08P420 # الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وكعب الأحبار. وإليه ~~المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضا. وهو أثبت وأكبر وأعلم. ~~وكذا روى قصته وهبه بن منبه ومحمد بن ms4097 إسحاق في (السيرة) كما هو مشهور فيها. ~~وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات، ترجمة تبع هذا، بترجمة ~~آخر متأخر عنه بدهر طويل. فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه ~~على يديه. ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة الثيران والأصنام، فعاقبهم ~~الله تعالى، كما ذكره في سورة سبأ. # وتبع هذا هو تبع الأوسط. واسمه أسعد أبو كرب. ولم يكن في حمير أطول مدة ~~منه. وتوفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعمائة سنة وذكروا ~~أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة، أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر ~~الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعرا، واستودعه عند أهل المدينة. فكانوا ~~يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف. وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد ~~الأنصاري، الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وهو: # شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم # وجاهدت بالسيف أعداءه ... وفرجت عن صدره كل غم # ثم ساق ابن كثير آثارا في النهي عن سبه: وبالجملة فإن قصته المذكورة ~~والمروي في شأنه، وإن لم يكن سنده على شرط الصحيح، إلا أن ذلك مما يتحمل ~~التوسع فيه، لكونه نبأ محضا مجردا عن حكم شرعي. نعم، لا يشك أن قريشا كانت ~~تعلم من فخامة نبئه المروي لها بالتواتر، ما فيه أكبر موعظة لها، ولذا طوى ~~نبأه، إحالة على ما تعرفه من أمره، وما تسمر به من شأنه. وما القصد إلا ~~العظة والاعتبار، لا قص ذلك خبرا من الأخبار، وسمرا من الأسمار، كما هو ~~السر في أمثال نبئه. وبالله التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 38 الى # 39] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق أي ~~الاستدلال على خالقهما، لعبادته وطاعته ولكن أكثرهم لا يعلمون أي ms4098 حكمة ~~خلقها، فيعرضون عنه. # PageV08P421 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 40 الى 42] # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) # إن يوم الفصل أي فصل الله بين الخلائق وقضاءه عليهم، ليجزيهم بما أسلفوا ~~من خير أو شر ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا أي عليه إثابة ~~أو تحمل عقاب ولا هم ينصرون إلا من رحم الله أي بأن وفقه للإيمان والعمل ~~الصالح إنه هو العزيز أي الغالب في انتقامه من أعدائه الرحيم أي بأوليائه ~~وأهل طاعته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 43] # إن شجرة الزقوم (43) # إن شجرة الزقوم أي التي هي أخبث شجرة معروفة في البادية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 44] # طعام الأثيم (44) # طعام الأثيم أي الفاجر الكثير الآثام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 45 الى 46] # كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) # كالمهل وهو دردي الزيت، أي عكره في قعره يغلي في البطون أي يضطرب فيها من ~~شدة الحرارة فيقلق القلوب ويحرقها. وقوله كغلي الحميم أي الماء الحار الذي ~~انتهى غليانه. وقوله: في البطون كقوله نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة [الهمزة: 6- 7] ، وهذه الآية كآية الصافات أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه ~~رؤس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا ~~من حميم [الصافات: 62- 67] ، ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 47] # خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) # خذوه فاعتلوه أي ادفعوه بعنف إلى سواء الجحيم أي وسطها ومعظمها. # PageV08P422 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية # 48] # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم أي لتستوفي جميع أجزاء بدنه نصيبها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 49] # ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) # ذق إنك أنت العزيز ms4099 الكريم أي يقال له ذلك، على سبيل الهزء والتهكم، فيتم ~~له، مع العذاب الأول، وهو الحسى، العذاب العقلي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 50] # إن هذا ما كنتم به تمترون (50) # إن هذا أي العذاب أو الأمر ما كنتم به تمترون أي تشكون، مع ظهور دلائله. ~~أو تتمارون وتتلاحقون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 51] # إن المتقين في مقام أمين (51) # إن المتقين في مقام أمين أي يأمن صاحبه من الخوف والفزغ. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 52 الى 53] # في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) # جنات وعيون # يلبسون من سندس وإستبرق أي ما رق من الحرير وكثف متقابلين أي في مجالسهم ~~أو أماكنهم، لحسن ترتيب الغرف، وتصفيف منازلهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 54] # كذلك وزوجناهم بحور عين (54) # كذلك وزوجناهم بحور عين أي قرناهم بما فيه قرة أعينهم واستئناس قلوبهم، ~~لوصولهم بمحبوبهم، وحصولهم على كمال مرادهم. # PageV08P423 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : آية 55] # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين أي يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من ~~الفواكه، آمنين من كل ضرر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الدخان (44) : الآيات 56 الى 59] # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ~~ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) ~~فارتقب إنهم مرتقبون (59) # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى قال ابن جرير: أي لا يذوق هؤلاء ~~المتقون في الجنة، الموت بعد الموتة الأولى، التي ذاقوها في الدنيا. # وكان بعض أهل العربية يوجه إلا هنا بمعنى (سوى) أي سوى الموتة الأولى. ~~انتهى. # يعني أن الاستثناء منقطع، أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا ~~ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فإنما يسرناه بلسانك ~~أي سهلناه حيث أنزلناه بلغتك، وهو فذلكة للسورة لعلهم يتذكرون أي يتعظون ~~بعبره وعظاته وحججه، فينيبوا إلى طاعة ربهم ويذعنوا للحق فارتقب أي ما يحل ~~بهم ms4100 من زهوق باطلهم إنهم مرتقبون أي منتظرون عند أنفسهم غلبتك. أو هو قولهم ~~نتربص به ريب المنون وهذا وعد له صلى الله عليه وسلم بالنصرة والفتح عليهم، ~~وتسلية ووعيد لهم. وقد أنجز الله وعده، كما قال سبحانه: كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي [المجادلة: 21] ، وقوله تعالى: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] . # PageV08P424 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجاثية # سميت بها لتضمن آيها بيان سبب تأخير البعث إلى يوم القيامة، لأجل اجتماع ~~الأمم محاكمة إلى الله تعالى، وفصله بينهم يوم القيامة، وهي من المطالب ~~الشريفة في القرآن. وتسمى (سورة الشريعة) لتضمن آيها وجه نسخ هذه الشريعة، ~~سائر الشرائع، وفضلها عليها. وهو أيضا من المطالب العزيزة فيه. قاله ~~المهايمي. # وهي مكية. واستثنى بعضهم منها آية قل للذين آمنوا يغفروا [الجاثية: # 14] ، فإنه قيل إنها مدنية، نزلت في شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما ~~سيأتي، وآياتها سبع وثلاثون آية. # PageV08P425 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) # حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم قال المهايمي: فعزته تقتضي إفاضة ~~الحجج التي بها الغلبة على الخصوم، وإفاضة الكمالات التي يعسر الوصول ~~إليها. # وأنواع السعادات، وحدة النظر، والحكمة تقتضي محو الشبه وإزالة النقائص ~~وإحراق الشقاوة وتمهيد الفكر. وقد نزله من مقام عزته بمقتضى حكمته، لتكميل ~~القوة النظرية والعملية، ليتوسل بها إلى الكمالات الحقيقية، من الإيمان ~~والإيقان والعقل. # وذلك بالنظر إلى أنواع الآيات المتضمنة للحجج ورفع الشبه. فمنها آيات ~~الأجسام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 3 الى 5] # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات ~~لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من ms4101 السماء من رزق أي مطر. ~~سمي رزقا لأنه سببه فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون أي عن الله، ما وعظهم به ودعاهم إليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية # 6] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) # تلك آيات الله أي الدالة على كمال قدرته وحكمته وإرادته نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون أي بعد آياته ودلائله الباهرة. ~~وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم. كما في قولك (أعجبني زيد وكرمه) . # PageV08P426 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية # 7] # ويل لكل أفاك أثيم (7) # ويل لكل أفاك أي كذاب يتكلم في حق الله وصفاته على خلاف الدليل أثيم أي ~~بترك الاستدلال، لا سيما إذا لم يترك عن غفلة، بل مع كونه، ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 8 الى 12] # يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ~~(8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ~~ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ~~(11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) # يسمع آيات الله أي لا بالإخبار عنها بالغيب، بل تتلى عليه ثم يصر أي على ~~إنكارها مستكبرا أي عن قبولها، لا يتأثر بها أصلا كأن لم يسمعها فبشره ~~بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا استهانة بها أولئك لهم ~~عذاب مهين من ورائهم جهنم أي من بعد انقضاء آجالهم، عذابها ولا يغني عنهم ~~ما كسبوا أي من الأموال والأولاد شيئا أي من عذاب الله ولا ما اتخذوا من ~~دون الله أولياء يعني آلهتهم التي عبدوها، أو رؤساءهم الذين أطاعوهم في ~~الكفر واتخذوهم نصراء في الدنيا ولهم عذاب عظيم هذا أي القرآن هدى أي بيان ~~ودليل على ms4102 الحق، يهدي إلى صراط مستقيم من اتبعه وعمل بما فيه والذين كفروا ~~بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه ~~بأمره أي بتسخيره ولتبتغوا من فضله أي باستفادة علم وتجارة وأمتعة غريبة، ~~وجهاد وهداية وغوص فيه، لاستخراج لآليه، وصيد منه لعلكم تشكرون أي نعمة هذا ~~التسخير، فتعبدوه وحده، وتصرفوا ما أنعم به عليكم، إلى ما خلقتم له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 13] # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (13) # PageV08P427 # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون أي في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتفكرون. قال ~~المهايمي: منها أن ربط بعض العالم بالبعض دليل توحيده. وجعل البعض سبب ~~البعض، دليل حكمته، وجعل الكل مسخرا للإنسان، دليل كمال جوده. فمن أنكر هذه ~~الآيات ولم يشكر هذه النعم، استوجب أعظم وجوه الانتقام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية # 14] # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) # قل للذين آمنوا أي صدقوا بالله واتبعوك يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~أي لا يخافون بأس الله ونقمه ووقائعه بأعدائه ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ~~أي من علمهم. ومنه العفو والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش. وقد روي أنها نزلت ~~في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به، ~~فتكون الآية مدنية. قيل: يؤيده ما أورد على كونها مكية. من أن من أسلم بها ~~كانوا مقهورين فلا يمكنهم الانتصار منهم. والعاجز لا يؤمر بالعفو والصفح. ~~وأجيب بأن المراد أنه يفعل ذلك بينه وبين الله بقلبه، ليثاب عليه. مع أن ~~دوام عجز كل أحد منهم غير معلوم. فالصواب أن الآية مكية كالسورة. ومعنى ~~نزولها في عمر- إن صح- صدقها على قضيته، والاستشهاد بها لسماحه. كما حققنا ~~المراد من النزول، غير ما مرة. ### | القول في ms4103 تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 15] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) # من عمل صالحا فلنفسه أي لكونه افتكها من العذاب ومن أساء فعليها أي أساء ~~عمله بمعصية ربه، فعلى نفسه جنى، لأنه أوبقها بذلك ثم إلى ربكم ترجعون أي ~~تصيرون. فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 16] # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين (16) # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب أي التوراة والحكم أي الفهم بالكتاب # PageV08P428 # والعلم بالسنن التي لم تنزل بالكتاب والنبوة أي جعلنا منهم أنبياء ورسلا ~~إلى الخلق ورزقناهم من الطيبات يعني المن والسلوى وفضلناهم على العالمين أي ~~عالمي أهل زمانهم، بإيتائهم ما لم يؤت غيرهم. كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 17] # وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) # وآتيناهم بينات من الأمر أي حججا وبراهين وأدلة قاطعات، تأبى الاختلاف، ~~ولكن أبوا إلا الاختلاف فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ~~أي ظلما وتعديا منهم، لطلب الحظوظ العاجلة إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون أي بالمؤاخذة والمجازاة. قال ابن كثير: وهذا فيه ~~تحذير لهذه الأمة، أن تسلك مسلكهم. وأن تقصد منهجهم. ولهذا قال جل وعلا: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 18] # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) # ثم جعلناك على شريعة من الأمر أي على طريقة وسنة ومنهاج من أمر الدين، ~~الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا فاتبعها أي تلك الشريعة الثابتة بدلائل ~~والحجج ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون # يعني المشركين وما هم عليه من الأهواء التي لا حجة عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 19] # إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ms4104 ولي ~~المتقين (19) # إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا أي لن يدفعوا عنك من غضبه وعقابه شيئا ~~ما، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض أي أعوان وأنصار على المؤمنين وأهل ~~الطاعة. أو في التحزب والتقوى. ولكن ماذا تغنيهم ولايتهم لبعضهم وقد تخلت ~~عناية الله ونصرته عنهم؟ والله ولي المتقين أي من اتقاه بعبادته وحده، ~~وخشيته بكفايته من بغى عليه، وكاده بسوء. والأظهر تفسير الآية بآية الله ~~ولي الذين آمنوا # PageV08P429 # يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات # [البقرة: 257] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 20 الى # 21] # هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون (21) # هذا أي القرآن بصائر للناس أي يبصرون به الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل ~~الرشاد. قال الزمخشري: جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع، بمنزلة البصائر ~~في القلوب كما جعل روحا وحياة، أي فهو تشبيه بليغ وهدى أي من الضلالة ورحمة ~~أي من العذاب لمن آمن وأيقن لقوم يوقنون أي يطلبون اليقين أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات # أي اكتسبوا سيئات الأعمال أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون # أي من عدم التفاوت. قال الزمخشري: والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون ~~والمحسنون محيا. # وأن يستووا مماتا. لافتراق أحوالهم أحياء حيث عاش هؤلاء على القيام ~~بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي. ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى ~~بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله ~~والوصول إلى هول ما أعد لهم. انتهى. # وزد عليه: حيث عاش هؤلاء على الهدى والعلم بالله وسنن الرشاد وطمأنينة ~~القلب، وأولئك على الضلال والجهل والعبث بالفساد واضطراب القلب وضيق الصدر، ~~بعدم معرفة المخرج المشار إليه بآية ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~[طه: 124] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 22] # وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما ms4105 كسبت وهم لا يظلمون ~~(22) # وخلق الله السماوات والأرض بالحق أي بالحكمة والصواب. قال ابن جرير: # أي للعدل والحق، لا لما حسب هؤلاء الجاهلون بالله، من التسوية بين ~~الأبرار # PageV08P430 # والفجار. لأنه خلاف العدل والإنصاف ولتجزى كل نفس بما كسبت قال الزمخشري: # معطوف على (بالحق) لأن فيه معنى التعليل. أو على معلل محذوف، تقديره، خلق ~~الله السموات والأرض ليدل بها على قدرته، ولتجزى كل نفس وهم لا يظلمون أي ~~في جزاء أعمالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 23 الى 24] # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون (24) # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أي من ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى، ~~فكأنه يعبده. فجعله إلها تشبيه بليغ أو استعارة. قال القاشاني: الإله ~~المعبود، ولما أطاعوا الهوى فقد عبدوه وجعلوه إلها. إذ كل ما يعبده الإنسان ~~بمحبته وطاعته، فهو إلهه لو كان حجرا! وأضله الله على علم. أي عالما بحاله، ~~من زوال استعداده، وانقلاب وجهه، إلى الجهة السفلية. أو مع كون ذلك العابد ~~للهوى عالما بعلم ما يجب عليه فعله في الدين، على تقدير أن يكون على علم ~~حالا من الضمير المفعول في أضله الله لا من الفاعل. وحينئذ يكون الإخلال ~~لمخالفته علمه بالعمل، وتخلف القدم عن النظر. لتشرب قلبه بمحبة النفس وغلبة ~~الهوى. أو على علم منه غير نافع. لكونه من باب الفضول. ليس فيه إلى الحق ~~سلوك ووصول وختم على سمعه وقلبه أي بالطرد عن باب الهدى، والإبعاد عن محل ~~سماع كلام الحق وفهمه، لمكان الرين وغلظ الحجاب، فلا يعقل منه شيئا وجعل ~~على بصره غشاوة أي عن رؤية حجج الله وآياته فمن يهديه من بعد الله أي فمن ~~يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله إياه أفلا تذكرون وقالوا ما هي إلا ms4106 ~~حياتنا الدنيا أي ما الحياة أو الحال غير حياتنا هذه التي نحن فيها نموت أي ~~بالموت البدني الطبيعي، ونحيا أي الحياة الجسمانية الحسية، لا موت ولا حياة ~~غيرهما وما يهلكنا إلا الدهر أي مر الليالي والأيام وطول العمر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون أي: وما يقولون ذلك عن علم ولكن عن ظن وتخمين. ~~وبذلك إشارة إلى نسبة الحوادث إلى الدهر، أو إلى إنكار البعث، أو إلى ~~كليهما قال الزمخشري: كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في ~~هلاك الأنفس. وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح # PageV08P431 # بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة وحدث إلى الدهر والزمان. وترى أشعارهم ~~ناطقة بشكوى الزمان، ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «1» # (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) # أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر. انتهى. # وقال الخطابي، معناه أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى ~~الدهر. # فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو ~~فاعلها. # وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور. وكان عادتهم إذا أصابهم مكروه ~~أضافوه إلى الدهر فقالوا (بؤسا للدهر) و (تبا للدهر) . انتهى. # قال ابن كثير: وقد غلط ابن حزم. ومن نحا نحوه من الظاهرية، في عدهم الدهر ~~من الأسماء الحسنى. أخذا من هذا الحديث. انتهى. ### | تنبيه: # في هذه الآية رد على الدهرية. وهم المعطلة بأن متمسكهم ظن وتخمين. لم يشم ~~رائحة اليقين. وما هذا سبيله، فباب القبول في وجهه مسدود إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا [يونس: 36] . # قال الشهرستاني في معطلة العرب: فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث ~~والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني. وهم الذين أخبر عنهم القرآن ~~المجيد وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا. إشارة إلى الطبائع ~~المحسوسة في العالم السفلي. وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها. # فالجامع هو الطبع، والمهلك هو الدهر وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك ~~من علم إن هم إلا يظنون. فاستدل عليهم بضرورات فكرية، وآيات فطرية، ms4107 في كم ~~آية وسورة فقال تعالى: أولم يتفكروا، ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير ~~مبين [الأعراف: 184] . أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض [الأعراف: # 185] . وقال: أولم يروا إلى ما خلق الله [النحل: 48] ، وقال قل أإنكم ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] . وقال يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم [البقرة: 21] . فثبتت الدلالة الضرورية من الخلق على ~~الخالق. فإنه قادر على الكمال. إبداء وإعادة. انتهى. PageV08P432 # ولي في الرد على الدهريين، وهم الماديون والطبيعيون، كتاب وسمته (دلائل ~~التوحيد) فليرجع إليه المريد، فليس وراءه، بحمده تعالى، من مزيد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية # 25] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات أي بأن الله باعث خلقه يوم القيامة ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أي انشروهم أحياء، حتى ~~نصدق ببعثنا أحياء بعد مماتنا، وإطلاق الحجة على ذلك، إما حقيقة بناء على ~~زعمهم، فإنهم ساقوه مساق الحجة، أو هو مجاز تهكما بهم. كأنه قيل: ما كان ~~حجتهم إلا ما ليس بحجة. بمعنى أن لا حجة لهم البتة، وفيه مبالغة لتنزيل ~~التضاد منزلة التجانس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 26] # قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (26) # قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون أي قل لهم في جواب قولهم وما يهلكنا إلا الدهر: قل ~~الله يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر. لما عرف من وجوب رجوع العالم إلى واجب ~~الوجود، هو سبب الأسباب، ومصدر الكائنات، أو قل لهم (في جواب إنكارهم ~~البعث) : بأن من قدر على الإبداء، قدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع ~~للمجازاة، على ما مر مرارا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 27] # ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) # ولله ms4108 ملك السماوات والأرض أي فلا مالك غيره، ولا معبود سواه ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يخسر المبطلون أي الذين أتوا بالباطل في أقوالهم وأفعالهم، ~~وهم عبدة غيره تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 28 الى 31] # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ~~(28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ~~(30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما ~~مجرمين (31) # PageV08P433 # وترى كل أمة جاثية أي باركة، مستوفزة على الركب لا حراك بها. شأن الخائف ~~المنتظر لما يكره وذلك عن الحساب أو في الموقف الأول، وقت البعث قبل الجزاء ~~كل أمة تدعى إلى كتابها أي اللوح الذي أثبت فيه أعمالها. ويعطى بيمين من ~~كان سعيدا. وشمال من كان شقيا اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بالحق أي يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان، وإنما أضاف ~~صحائف أعمالهم إلى نفسه تعالى، لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم إنا ~~كنا نستنسخ أي نستكتب الملائكة ما كنتم تعملون فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أي ما صلح به حالهم في المعاد الجسماني فيدخلهم ربهم في رحمته أي ~~في جنته ذلك هو الفوز المبين وأما الذين كفروا أي فيقال لهم أفلم تكن آياتي ~~تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين أي بكسب الآثام، والكفر بالله، ~~وعدم التصديق بمعاد، ولا الإيمان بثواب وعقاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : آية 32] # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة أي: ~~أي شيء هي؟ أي: لا نستيقن بها إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين أي إنها ~~كائنة وآتية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات ms4109 33 الى # 35] # وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ~~ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون (35) # وبدا لهم سيئات ما عملوا أي قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن يعني الجزاء وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم ~~لقاء يومكم هذا أي نترككم في العذاب ترك ما ينسى، كما تركتم التأهب له. # ف ننساكم استعارة أو مجاز مرسل ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم ~~بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا أي خدعتكم حتى آثرتموها ~~على الآخرة # PageV08P434 # وزعمتم أن لا حياة سواها فاليوم لا يخرجون منها أي من النار ولا هم ~~يستعتبون أي ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه. من (الإعتاب) وهو ~~إزالة العتب. # كناية عن الإرضاء. أو: لا هم يردون إلى الدنيا ليتوبوا ويراجعوا الإنابة، ~~فما بعد الموت مستعتب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجاثية (45) : الآيات 36 الى 37] # فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # فلله الحمد أي الثناء الكامل. قال ابن جرير: أي فلله الحمد على نعمه ~~وأياديه عند خلقه. فإياه فاحمدوا أيها الناس، فإن كل ما بكم من نعمة فمنه، ~~دون ما تعبدون من دونه، من آلهة ووثن رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ~~وله الكبرياء في السماوات والأرض أي الاستعلاء،. ونهاية الرفع والكبر على ~~كل شيء، وغاية العلو والعظمة باستغنائه عنه وافتقاره إليه وهو العزيز أي ~~القوي القاهر لكل شيء الحكيم قال القاشاني: أي المرتب لاستعداد كل شيء، ~~بلطف تدبيره، المهيئ لقبوله، لما أراد منه من صفاته، بدقيق صنعته، وخفي ~~حكمته (لا إله إلا هو رب العالمين) . # وافق الفراغ من تفسير هذه السورة قبيل ظهر الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة ~~عام 1326 بمنزلنا بدمشق الشام. بقلم جامعه جمال الدين القاسمي. # PageV08P435 # بسم ms4110 الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأحقاف # قال المهايمي: سميت بها لأن مكانها من حيث قبوله سرعة تأثير ريح العذاب ~~فيه. كالدليل على إنذاره. ففيه إشعار على أن إنذارات القرآن كالدلائل على ~~أنفسها. # ثم في قصتهم اتساق الإنذار إلى صيرورة المرجو مخوفا. ففيه إشعار بأن ~~إنذارات القرآن مما يخاف منها صيرورة ما يرجوه الجهال مخوفا عليهم. وذلك من ~~أعظم مقاصد القرآن. انتهى. # وهي مكية. واستثنى بعضهم منها والذي قال لوالديه ... [الأحقاف: # 17] الآيتين. وقوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله ... [الأحقاف: 10] ~~الآية. # ووصينا الإنسان بوالديه [الأحقاف: 15] الأربع الآيات. فاصبر كما صبر ~~[الأحقاف: 35] الآية، فهي مدنية- كذا قيل. وتقدم في طليعة سورة الجاثية ~~تحقيق ذلك. وآيها خمس وثلاثون. # PageV08P436 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) # حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق أي: الحكمة وإقامة العدل في الخلق. وأجل مسمى أي: وبتقدير ~~أجل معين لكل منها، يفنيه إذا هو بلغه، وهو يوم القيامة. والذين كفروا عما ~~أنذروا أي: من هول ذلك اليوم معرضون أي: لا يؤمنون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 4] # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أي: من الأوثان التي تعبدونها. أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أي أروني ما تأثير ما تعبدونه ~~في شيء أرضي بالاستقلال، أو شيء سماوي بالشركة، حتى تستحق العبادة. ائتوني ~~بكتاب من قبل هذا تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي، بعد تبكيتهم ~~بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي. أي: ائتوني بكتاب إلهي من قبل هذا القرآن ~~الناطق بالتوحيد، وإبطال الشرك، دال على صحة ms4111 دينكم. أو أثارة من علم أي: أو ~~بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين، شاهدة باستحقاقهم للعبادة. إن ~~كنتم صادقين أي: في دعواكم، فإنها لا تكاد تصح، ما لم يقم عليها برهان ~~عقلي، أو سلطان نقلي. وحيث لم يقم عليها شيء منهما، وقد قامت على خلافها ~~أدلة العقل والنقل، تبين بطلانها. # PageV08P437 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 5] # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له أي: دعاءه لعجزه عنها إلى ~~يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون أي: لأنهم إما جمادات، وإما مسخرون ~~مشغولون بأحوالهم. و (الغفلة) مجاز عن عدم الفائدة فيها. أو هو تغليب لمن ~~يتصور منه الغفلة على غيره. ### | لطيفة: # قال الناصر: في قوله إلى يوم القيامة نكتة حسنة. وذلك أنه جعل يوم ~~القيامة غاية لعدم الاستجابة. ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها، لكن عدم ~~الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم في القيامة أيضا لا يستجيبون لهم. ~~فالوجه- والله أعلم- أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها، وإن وافق ما ~~قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كان الحالتين، وإن ~~كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما بينهما، كالشيء وضده. وذلك أن الحالة الأولى ~~التي جعلت غايتها القيامة، لا تزيد على عدم الاستجابة. والحالة الثانية ~~التي في القيامة، زادت على عدم الاستجابة بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم. ~~فهو من وادي ما تقدم آنفا في سورة الزخرف في قوله بل متعت هؤلاء وآباءهم ~~حتى جاءهم الحق ورسول مبين، ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ~~[الزخرف: 29- 30] انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 6] # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) # وإذا حشر الناس أي: جمعوا يوم القيامة لموقف الحساب كانوا أي: # آلهتهم لهم أعداء أي: لتبرئتهم منهم. قال الشهاب: أعداء استعارة، أو مجاز ~~مرسل للضار. وكانوا بعبادتهم كافرين قال ابن جرير: ms4112 أي وكانت آلهتهم التي ~~يعبدونها في الدنيا، بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة: ما ~~أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم، يا ربنا! ~~أي: فالتكذيب بلسان المقال، قصدا إلى بيان أن معبودهم في الحقيقة الشياطين ~~وأهواؤهم. # PageV08P438 # وقال القاشاني: كانوا أعداء، لأن عبادة أهل الدنيا لسادتهم وخدمتهم ~~إياهم، لا تكون إلا لغرض نفساني. وكذا استعباد الموالي لخدمهم. فإذا ارتفعت ~~الأغراض، وزالت العلل والأسباب، كانوا لهم أعداء، وأنكروا عبادتهم.، ~~يقولون: ما خدمتمونا، ولكن خدمتم أنفسكم. كما قيل في تفسير قوله: الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو [الزخرف: 67] . انتهى. # وقيل: الضمير في كانوا في الموضعين، للعابدين، لئلا يلزم التفكيك. # وفيه نظر: لأنه خلاف المتبادر من السياق، إذ هو لبيان حال الآلهة معهم، ~~لا عكسه، ولأن كفرهم حينئذ إنكار لعبادتهم. وتسميته كفرا، خلاف الظاهر ~~أيضا. وقد أوضح ذلك آية واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 81- 82] . والقرآن يفسر بعضه ~~بعضا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 7] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين أي: بادهوه بالجحود أول ما سمعوه، من غير إجالة فكر، ولا إعمال روية. ~~واللام في للحق لام الأجل متعلقة ب قال. وقيل: بمعنى الباء، متعلقة ب ~~كفروا، وعدي الكفر باللام، حملا على نقيضه، وهو الإيمان، فإنه يعدى بها نحو ~~أنؤمن لك [الشعراء: 111] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 8] # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا أي: لا ~~تقدرون أن تدفعوا عني سوءا، إن أصابني به. و (أم) - على ما قالوا- منقطعة ~~مقدرة ب (بل) الإضرابية وهمزة الاستفهام، المتجوز به عن الإنكار والتعجيب. ~~ووجه كون الافتراء أشنع من ms4113 السحر، حتى أضرب عنه، أن الكذب خصوصا على الله ~~متفق على قبحه، حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه بخلاف السحر، فإنه، وإن ~~قبح، فليس بهذه المرتبة، حتى تكاد تعد معرفته من السمات المرغوبة. # PageV08P439 # وقال الناصر: هذا الإضراب في بابه مثل الغاية التي قدمتها آنفا في بابها، ~~فإنه انتقال إلى موافق، لكنه أزيد من الأول، فنزل لزيادته عليه، مع ما ~~تقدمه مما ينقص عنه، منزلة المتنافيين، كالنفي والإثبات اللذين يضرب عن ~~أحدهما للآخر. وذلك أن نسبتهم للآيات إلى أنها مفتريات، أشد وأبعد من ~~نسبتها إلى أنها سحر. فأضرب عن ذلك الأول إلى ذكر ما هو أغرب منه. انتهى. # هو أعلم بما تفيضون فيه أي: تخوضون في حقه من أنه سحر أو إفك كفى به ~~شهيدا بيني وبينكم أي: يشهد لي بالصدق بما يؤيدني به من آياته وصدق مواعيده ~~وهو الغفور الرحيم أي: لمن راجع منكم الكفر وتاب وآمن. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 9] # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) # قل ما كنت بدعا من الرسل أي: ما كنت أول رسل الله التي أرسلها إلى خلقه. ~~قد كان من قبلي له رسل كثيرة أرسلت إلى أمم قبلكم، فلم تستنكرون بعثتي، ~~وتستبعدون رسالتي، كقوله: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل ~~عمران: 144] ، و (البدع) كالبديع، بمعنى الجديد المبتدأ. قال ابن جرير: ومن ~~البدع قول عدي بن زيد: # فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا عرت من بعد بؤسى وأسعد # ومن البديع قول الأحوص: # فخرت فانتمت فقلت: ذريني ... ليس جهل أتيته ببديع # وما أدري ما يفعل بي ولا بكم قال أبو السعود: أي: أي شيء يصيبنا فيما ~~يستقبل من الزمان، من أفعاله تعالى، وماذا يقدر لنا من قضاياه. وعن الحسن ~~رضي الله عنه: ما أدري ما يصير إليه أمري، وأمركم في الدنيا. وقيل: يجوز أن ~~يكون المنفي ms4114 هو الدراية المفصلة. والأظهر أن (ما) عبارة عما ليس علمه من ~~وظائف النبوة من الحوادث والواقعات الدنيوية، دون ما سيقع في الآخرة، فإن ~~العلم بذلك من وظائف النبوة، وقد ورد به الوحي الناطق بتفاصيل ما يفعل ~~بالجانبين. انتهى. # وهذا الأظهر يقرب من قول الحسن. وهو ما عول عليه ابن جرير. قال ابن كثير: ~~بل لا يجوز غيره. كيف؟ وهو صلى الله عليه وسلم جازم بأنه صائر إلى الجنة، ~~هو ومن اتبعه # PageV08P440 # بإحسان. وأما في الدنيا، فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره، وأمر مشركي ~~قريش، أيؤمنون، أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم. فأما الحديث الذي # رواه الإمام أحمد «1» عن أم العلاء، وكانت بايعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قالت: (طار لنا في السكنى، حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، ~~عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فاشتكى عثمان عندنا، فمرضناه. حتى إذا توفي ~~أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: رحمة ~~الله عليك، أبا السائب! شهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير. # والله! ما أدري- وأنا رسول الله- ما يفعل بي! قالت: فقلت: والله! لا أزكي ~~أحدا بعده أبدا وأحزنني ذلك. فنمت، فرأيت لعثمان رضي الله عنه عينا تجري، ~~فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ذاك عمله) فقد انفرد بإخراجه البخاري «2» دون مسلم، وفي ~~لفظ له: ما أدري- وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما يفعل به # . وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك. وفي هذا ~~وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة، إلا الذي نص الشارع على ~~تعيينهم، كالعشرة وابن سلام والعميصاء وبلال وسراقة وعبد الله بن عمرو بن ~~حرام (والد جابر) والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة وزيد بن حارثة ~~وجعفر وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء رضي الله عنهم. انتهى كلام ابن كثير. # وقال المهايمي: ms4115 وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أي: فيما لو يوح إلي. # والوحي ببعض الأمور لا يستلزم العلم بالباقي. ولم يكن لي أن أضم إلى ~~الوحي كذبا من عندي. # إن أتبع أي: في تقرير الأمور الغيبية إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير ~~مبين أي منذر عقاب الله على كفركم به، أبان لكم إنذاره وأبان لكم دعاءه إلى ~~ما فيه صلاحكم وسعادتكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 10] # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) PageV08P441 # قل أرأيتم إن كان من عند الله أي: القرآن منزلا من لدنه، علي. لا سحرا ~~ولا مفترى كما تزعمون وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل أي: من الواقفين ~~على أسرار الوحي بما أوتوا من التوراة على مثله أي مثل القرآن، وهو ما في ~~التوراة من الأحكام المصدقة للقرآن من الإيمان بالله وحده، وهو ما يتبعه، ~~كقوله تعالى: وإنه لفي زبر الأولين [الشعراء: 196] ، وقوله: إن هذا لفي ~~الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى [الأعلى: 18- 19] ، أو على مثل ما ذكر من ~~كونه من عند الله تعالى. أو على مثل شهادة القرآن، فجعل شهادته على أنه من ~~عند الله، شهادة على مثل شهادة القرآن، لأنه بإعجازه كأنه يشهد لنفسه بأنه ~~من عند الله، أو (المثل) صلة و (الفاء) في قوله تعالى فآمن للدلالة على أنه ~~سارع إلى الإيمان بالقرآن، لما علم أنه من جنس الوحي الناطق بالحق ~~واستكبرتم أي: عن الإيمان به بعد هذه الشهادة. # وقوله إن الله لا يهدي القوم الظالمين استئناف مشعر بأن كفرهم، لضلالهم ~~المسبب عن ظلمهم. ودليل على الجواب المحذوف. مثل: (ألستم ظالمين) أو (فمن ~~أضل منكم) وذلك عدم الهداية مما ينبئ عن الضلال قطعا، فيكون كقوله في الآية ~~الأخرى قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق ~~بعيد [فصلت: 52] . # قال أبو السعود: ووصفهم بالظلم للإشعار ms4116 بعلة الحكم، فإن تركه تعالى ~~لهدايتهم، لظلمهم. ### | تنبيه: # روي أن الشاهد هو عبد الله بن سلام، فتكون الآية مدنية مستثناة من ~~السورة، كما ذكره الكواشي، لأن إسلامه كان بالمدينة. وأجيب: بأن لا حاجة ~~للاستثناء، وأن الآية من باب الإخبار قبل الوقوع، كقوله ونادى أصحاب ~~الأعراف [الأعراف: # 48] . ويرشحه أن شهد معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلا، فلا ~~ضير في شهادة الشاهد بعد نزولها، ويكون تفسيره به بيانا للواقع، لا على أنه ~~مراد بخصوصه منها. هذا ما حققوه. ويقرب مما نذكره كثيرا من المراد من سبب ~~النزول في مثل هذا، وأنه استشهاد على ما يتناوله اللفظ الكريم. # ثم أشار إلى حكاية نوع من أباطيلهم في التنزيل والمؤمنين به، فقال ~~سبحانه: # PageV08P442 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 11] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان أي: الإيمان، أو ما أتى به الرسول ~~خيرا ما سبقونا إليه أي: لو كان من عند الله لكنا أولى به، كسائر الخيرات ~~من المال والجاه. # قال ابن كثير: يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا رضي الله عنهم، وأشباههم ~~وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء. وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم ~~يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة، وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطا ~~فاحشا، وأخطئوا خطأ بينا، كما قال تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء ~~دوننا، ولهذا قالوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه، وأما أهل السنة والجماعة ~~فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم: هو بدعة. لأنه ~~لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد ~~بادروا إليها. # انتهى. وإذ لم يهتدوا به أي: بالقرآن فسيقولون هذا إفك قديم أي: كذب ~~قديم، كما قالوا: أساطير الأولين. قال ابن كثير: فيتنقصون القرآن وأهله، ~~وهذا هو ms4117 الكبر الذي # قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: بطر الحق وغمط الناس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 12] # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا وبشرى للمحسنين (12) # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أي: قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، ~~ورحمة لمن آمن به، وعمل بما فيه. وهذا أي الذي يقولون فيه ما يقولون كتاب ~~مصدق PageV08P443 # أي: لكتاب موسى من غير تعلم من أنزل عليه إياه لسانا عربيا أي: بينا ~~واضحا. وفي تقييد الكتاب بذلك، مع أن عربيته أمر معلوم الدلالة، على أن ~~تصديقه لها باتحاد معناه معها، وهي غير عربية. ومثله لا يكون ممن يعرف ذلك ~~اللسان بغير وحي من الله تعالى. لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 13 الى 14] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) ~~أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) # إن الذين قالوا ربنا الله أي: لا غيره. ثم استقاموا أي: على العمل ~~الصالح. قال القاضي: أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة ~~في الأمور، التي هي منتهى العمل. وثم للدلالة على تأخير رتبة العمل، وتوقف ~~اعتباره على التوحيد فلا خوف عليهم أي: من هول يوم القيامة ولا هم يحزنون ~~أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر. أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا ~~يعملون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 15] # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا وقرئ (حسنا) وهذا تمهيد لمن عقهما وعصاهما ~~في الإيمان المذكور، في قوله تعالى: والذي قال لوالديه [الأحقاف: # 17] الآية. # حملته أمه كرها ووضعته كرها أي: ذات ms4118 كره، أو حملا ذا كره، وهو المشقة. ~~وحمله وفصاله أي: حمله جنينا في بطنها، وفطامه من الرضاع ثلاثون شهرا أي: ~~تمضي عليها بمعاناة المشاق، ومقاساة الشدائد لأجله، مما يوجب للأم مزيد ~~العناية، وأكيد الرعاية. لا يقال: بقي ثلاثة أشهر، لأن أمد الرضاع حولان، ~~لأنا نقول: إن الحولين أمد من أراد تمام الأجل، وإلا فأصله أقل منهما، كما ~~ينبئ عنه # PageV08P444 # قوله تعالى: حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [البقرة: 233] ، ولئن ~~سلم أنهما أمدها، فيكون في الآية الاكتفاء بالعقود، وحذف الكسور، جريا على ~~عرفهم في ذلك، كما ذكروه في حديث أنس في وفاته صلى الله عليه وسلم على رأس ~~ستين سنة، مع أن الصحيح أنه توفي عن ثلاث وستين، كما بين في شرح الشمائل. ~~قالوا: إن الراوي للأولى اقتصر فيها على العقود وترك الكسور، وسر ذلك هو ~~القصد إلى ذكر المهم، وما يكتفي به فيما سيق له الكلام، لا ضبط الحساب، ~~وتدقيق الأعداد. # قال ابن كثير: وقد استدل علي رضي الله عنه بهذه الآية مع التي في لقمان ~~وفصاله في عامين [لقمان: 14] ، وقوله تبارك وتعالى: والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [البقرة: 233] ، على أن أقل ~~مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم. # حتى إذا بلغ أشده أي: استحكم قوته وعقله وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي أي: بالهداية للتوحيد، ~~والعمل بطاعتك، وغير ذلك. وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي أي: ~~واجعل الصلاح ساريا في ذريتي، راسخا فيهم إني تبت إليك أي: من ذنوبي التي ~~سلفت مني وإني من المسلمين أي: المستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية # 16] # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) # أولئك أي الموصوفون بالتوبة والاستقامة الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~أي: من ms4119 الصالحات فنجازيهم عليها ونتجاوز عن سيئاتهم أي: فلا نعاقبهم عليها ~~لتوبتهم في أصحاب الجنة أي: معدودين في زمرتهم ثوابا ومقاما. # قال الشهاب: والظاهر أنه من قبيل وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20] ليدل ~~على المبالغة بعلو منزلتهم فيها، إذ قولك (فلان من العلماء) أبلغ من قولك ~~(عالم) . ولم يبينوه هاهنا، ومن لم يتنبه لهذا قال (في) بمعنى (مع) . ~~انتهى. # وعد الصدق الذي كانوا يوعدون أي: وعدهم تعالى هذا الوعد، وعد الحق # PageV08P445 # في الدنيا، وهو موفيه لهم في الآخرة، كما قال: وما ألتناهم من عملهم من ~~شيء [الطور: 21] . # ثم بين تعالى نعت من عصى ما وصى به من الإحسان لوالديه، من كل ولد عاق ~~كافر، وما له في مآله، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 17] # والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ~~(17) # والذي قال لوالديه أي حين دعواه إلى الإيمان والاستقامة أف لكما أي: # من هذه الدعوة أتعدانني أن أخرج أي: أبعث من قبري بعد فنائي وقد خلت ~~القرون من قبلي أي: هلكت ولم يرجع أحد منهم وهما يستغيثان الله أي: # يطلبان الغياث بالله منه. والمراد إنكار قوله، واستعظامه، كأنهما لجئا ~~إلى الله في دفعه، كما يقال (العياذ بالله) ! أو المعنى: يطلبان أن يغيثه ~~الله بالتوفيق، حتى يرجع عما هو عليه ويلك آمن أي: صدق بوعد الله، وأقر أنك ~~مبعوث بعد موتك. # وويلك في الأصل معناه الدعاء بالهلاك، فأقيم مقام الحث على فعل أو ترك، ~~للإيماء إلى أن مرتكبه حقيق بأن يطلب له الهلاك، فإذا سمع ذلك ترك ما هو ~~فيه، وأخذ ما ينجعه إن وعد الله حق أي: إن وعده تعالى لخلقه، بأنه يبعثهم ~~من قبورهم إلى موقف الحساب، لمجازاتهم بأعمالهم، حق لا شك فيه فيقول أي: # مجيبا لوالديه، ورادا عليهما نصيحتهما، وتكذيبا بوعد الله ما هذا إلا ~~أساطير الأولين أي: أباطيلهم التي كتبوها. ### | القول في ms4120 تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 18] # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين (18) # أولئك الذين حق عليهم القول أي: الإلهي، وهو العذاب في أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس أي: الذين كذبوا رسل الله، وعتوا عن أمره إنهم كانوا ~~خاسرين أي: ببيعهم الهدى بالضلال، والباقي بالفاني. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 19] # ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) # PageV08P446 # ولكل أي من الفريقين درجات مما عملوا أي: مراتب من جزاء ما عملوا من صالح ~~وسيء وليوفيهم أعمالهم أي جزاءها وهم لا يظلمون أي بنقص ثواب، ولا زيادة ~~عقاب. ### | تنبيه: # روى ابن جرير عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. # وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال ~~لأبويه- وهما أبو بكر وأم رومان، وكانا قد أسلما وأبى هو أن يسلم، فكانا ~~يأمرانه بالإسلام، فكان يرد عليهما ويكذبهما ويقول: فأين فلان، وأين فلان؟ ~~يعني مشايخ قريش ممن قد مات. فأسلم بعد، فحسن إسلامه- فنزلت توبته في هذه ~~الآية ولكل درجات مما عملوا. # قال الحافظ ابن حجر: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته، ~~أصح إسنادا وأولى بالقبول. وذلك ما رواه البخاري «1» والإسماعيلي والنسائي ~~وأبو يعلى أن مروان كان عاملا على المدينة، فأراد معاوية أن يستخلف يزيد، ~~فكتب إلى مروان بذلك، فجمع مروان الناس فخطبهم، فذكر يزيد، ودعا إلى بيعته ~~وقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه، فقد ~~استخلف أبو بكر وعمر. فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية! فقال مروان: سنة ~~أبي بكر وعمر. # فقال عبد الرحمن: هرقلية! إن أبا بكر، والله! ما جعلها في أحد من ولده، ~~ولا في أهل بيته، وما جعلها معاوية إلا كرامة لولده! فقال مروان: خذوه. ~~فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه. فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه ~~والذي ms4121 قال لوالديه أف لكما أتعدانني فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل ~~الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري. ولو شئت أن أسمي من نزلت ~~فيه لسميته، ولكن رسول الله لعن أبا مروان، ومروان في صلبه. # ومما يؤيده أن الذين حق عليهم القول هم المخلدون في النار في علم الله ~~تعالى، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وحاول بعضهم عدم ~~التنافي بأن يقع منه ذلك قبل إسلامه، ثم يسلم بعد ذلك. ومعلوم أن الإسلام ~~يجب PageV08P447 # ما قبله، وأن معنى الوعيد في الآية إنما هو للمصرين عليه الذين لم ~~يقلعوا، لكثرة ما ورد في العفو عن التائبين. وقد نزل من الوعيد الشديد في ~~أول البعثة آيات لا تحصى، وكلها تنعي على من كان مشركا آنئذ، ولم يقل أحد ~~بشمولها لهم بعد إيمانهم، أو أن فيها ما يحط من أقدارهم، ويجعلها مغمزا ~~لهم، إلا أن مروان لم يجد لمقاومة ما ألقمه إلا الشغب، وشغل الناس عن باطله ~~بنغمة يطرب لها الجهلة، وقالة يلوكها الرعاع، وهم الذين يهمه أمرهم. ويرحم ~~الله عبد الرحمن! فقد شفى الغلة، وصدع بالحق، في حين أن لا ظهير له ولا ~~نصير- والله أعلم-. # قال ابن قتيبة في (المعارف) : أربعة رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في نسق: أبو قحافة، وابنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وابنه عبد الرحمن ~~بن أبي بكر، وابنه محمد بن عبد الرحمن. # وقال أيضا: قيل: كان عبد الرحمن من أفضل قريش، ويكنى أبا محمد، وله عقب ~~بالمدينة، وليسوا بالكثير، مات فجأة سنة ثلاث وخمسين بجبل يقرب من مكة، ~~فأدخلته عائشة الحرم ودفنته وأعتقت عنه. انتهى. # وفي دمشق في مقبرة باب الفراديس، المسماة بالدحداح، مزار يقال إنه عبد ~~الرحمن بن أبي بكر، نسب إليه زورا. وما أكثر المزورات في المزارات، كما ~~يعلمه من دقق في الوفيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 20] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب ms4122 الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم أي يقال لهم أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا واستمتعتم بها عطف تفسير لقوله أذهبتم أي فما بقي لكم من ~~اللذائذ شيء لاستيفائكم إياها فاليوم تجزون عذاب الهون أي الهوان بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق أي بغير ما أباح لكم وأذن وبما كنتم تفسقون أي ~~عن طاعته، فأبعدكم عن كرامته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 21] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) # PageV08P448 # واذكر أخا عاد يعني هودا إذ أنذر قومه بالأحقاف جمع حقف، وهو الرمل ~~المستطيل المرتفع. قال قتادة ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن، أهل رمل، ~~مشرفين على البحر. وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه أي: وقد مضت الرسل ~~بإنذار أممها قبله وبعده، متفقين على ألا تعبدوا إلا الله أي لا تشركوا مع ~~الله شيئا في عبادتكم إياه. وقال كل واحد منهم عليه السلام إني أخاف عليكم ~~أي من عبادة غير الله عذاب يوم عظيم أي بمقدار هتكهم، عذاب الله بالشرك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 22 الى 23] # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) ~~قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) # قالوا أجئتنا لتأفكنا أي لتصرفنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا أي من العذاب ~~على عبادتنا إياها إن كنت من الصادقين أي في وعدك أنه آت لا محالة. قال ~~إنما العلم عند الله أي إني وإن علمت إتيانه قطعا، فلا أعلم وقت مجيئه، لأن ~~العلم بوقته عنده تعالى، فيأتيكم به في وقته الذي قدره له وأبلغكم ما أرسلت ~~به ولكني أراكم قوما تجهلون. قال الطبري: أي مواضع حظوظ أنفسكم، فلا تعرفون ~~ما عليها من المضرة بعبادتكم غير الله، وفي استعجال عذابه. ms4123 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 24 الى 25] # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم ~~به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم أي فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، ~~فرأوه عارضا في ناحية من نواحي السماء، متجها نحو مزارعهم قالوا هذا عارض ~~أي سحاب عارض ممطرنا أي بغيث نحيا به بل هو أي قال هود بل هو ما استعجلتم ~~به أي من العذاب ريح أي هي ريح. أو بدل من (ما) ، فيها عذاب أليم، تدمر أي ~~تهلك كل شيء أي من أموالهم وأنفسهم بأمر ربها أي إذنه الذي لا يعارض، فلم ~~تدفع عنهم آلهتهم، بل دمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم أي بيوتهم. # PageV08P449 # ثم أشار إلى أن هذا لا يقتصر على عاد، بل ينتظر لمن كان على شاكلتهم من ~~أهل مكة وغيرها، بقوله: كذلك نجزي القوم المجرمين أي الكافرين إذا تمادوا ~~في غيهم، وطغوا على ربهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 26] # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه أي مكنا عادا، وآتيناهم من كثرة الأموال ~~وقوة الأجسام، فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا. على أن (إن) نافية، أوثرت على ~~(ما) لئلا توجب شبه التكرير الثقيل. وقيل (إن) شرطية محذوفة الجواب. # والتقدير: ولقد مكناهم في الذي، أو في شيء، إن مكناكم فيه كان بغيكم ~~أكثر. # وقيل: هي صلة كما في قوله. # يرجى المرء ما إن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب # قال الزمخشري: والوجه هو الأول. ولقد جاء عليه في غير آية في القرآن هم ~~أحسن أثاثا ورءيا [مريم: 74] ، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا [غافر: 82] ~~وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في ms4124 الحث على الاعتبار. # قال الناصر: واختص بهذه الطائفة قوله تعالى: وقالوا من أشد منا قوة أولم ~~يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة [فصلت: 15] ، وقوله: مكناهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم [الأنعام: 6] أي: والأصل توافق المعاني في الآي ~~الواردة في نبأ واحد. على ما فيه أيضا من سلامة الحذف والزيادة. # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة قال الطبري: أي جعلنا لهم سمعا يسمعون به ~~مواعظ ربهم، وأبصارا يبصرون بها حجج الله، وأفئدة يعقلون بها ما يضرهم ~~وينفعهم، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء أي لأنهم لم ~~يستعملوها فيما خلقت له، بل في خلافه إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزؤن أي من العذاب. # قال الطبري: وهذا وعيد من الله عز وجل ثناؤه، لقريش. يقول لهم: فاحذروا # PageV08P450 # أن يحل بكم من العذاب على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله، ما حل بعاد، ~~وبادروا بالتوبة قبل النقمة. ### | لطيفة: # قال الشهاب: أفرد السمع في النظم، وجمع غيره، لاتحاد المدرك به، وهو ~~الأصوات، وتعددت مدركات غيره، ولأنه في الأصل مصدر، وأيضا مسموعهم من الرسل ~~متحد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 27] # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) # ولقد أهلكنا ما حولكم أي ما حول قريتكم يا أهل مكة من القرى أي كحجر ~~ثمود، وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمثلات، وخربنا ديارها، ~~فجعلناها خاوية على عروشها وصرفنا الآيات أي وعظناهم بأنواع العظات، وبينا ~~لهم ضروبا من الحجج لعلهم يرجعون أي عن الكفر بالله ورسله. قال الطبري: # وفي الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا ~~الإقامة على كفرهم، والتمادي على غيهم، فأهلكناهم، فلم ينصرهم منا ناصر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 28] # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون (28) # فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة أي: فهلا نصر هؤلاء ~~الذين أهلكناهم من ms4125 الأمم الخالية قبلهم، أوثانهم التي اتخذوا عبادتها ~~قربانا يتقربون بها، فيما زعموا، إلى ربهم إذ جاءهم بأسنا، فتنقذهم من ~~عذابنا، إن كانت تشفع لهم عند ربهم، كما قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~[يونس: 18] . # بل ضلوا عنهم أي غابوا عن نصرهم، وامتنع أن يستمدوا بهم، امتناع ~~الاستمداد بالضال ففي ضلوا استعارة تبعية وذلك إفكهم أي ضياع آلهتهم عنهم، ~~وامتناع نصرهم إثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة. وما كانوا يفترون أي ~~وإثر افترائهم في أنها شفعاؤهم. # PageV08P451 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 29 الى 32] # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ~~(31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء ~~أولئك في ضلال مبين (32) # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن أي أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا أي ليتم التدبر والتفكر فلما قضي أي فرغ من ~~قراءته، كمل تأثرهم به، فأرادوا التأثير به، لذلك ولوا أي رجعوا إلى قومهم ~~منذرين أي عما هم فيه من الضلال. قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى أي المتفق على تعظيم كتابه. أي وقد علمنا صدقه لكونه مصدقا لما ~~بين يديه أي من هذه الكتب كلها، وقد فضل عليها إذ يهدي إلى الحق أي معرفة ~~الحقائق وإلى طريق مستقيم أي لا عوج فيه، وهو الإسلام. # قال ابن كثير: أي يهدي إلى الحق في الاعتقاد والأخبار، وإلى طريق مستقيم ~~في الأعمال. فإن القرآن مشتمل على شيئين: خبر وطلب. فخبره صدق، وطلبه عدل، ~~كما قال تعالى: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] ، وقال تعالى: هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [التوبة: 33] ، فالهدى هو العلم النافع. ms4126 ~~ودين الحق هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: يهدي إلى الحق في الاعتقادات، ~~وإلى طريق مستقيم، أي في العمليات. # يا قومنا أجيبوا داعي الله أي رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه من ~~طاعة الله، وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض أي بمعجز ربه، بهربه إذا أراد تعالى عقوبته، ~~لأنه في قبضته وسلطانه، أنى اتجه. وليس له من دونه أولياء أي نصراء ينصرونه ~~من الله إذا عاقبه. # أولئك في ضلال مبين أي أخذ على غير استقامة. # PageV08P452 ### | تنبيهات: # الأول- # روى الإمام مسلم «1» عن علقمة قال: سألت ابن مسعود رضي الله عنه: هل شهد ~~أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية ~~والشعاب، فقيل: استطير، اغتيل! قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما ~~أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: # فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها ~~قوم. فقال: # أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، ~~فأرانا آثارهم # . وروى الإمام أحمد «2» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الجن ~~يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشرا. فيكون ما سمعوا حقا، ~~وما زادوا باطلا. وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك. فلما بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، ~~فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبث جنود، فإذا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا ~~الحدث الذي حدث في الأرض. ورواه الترمذي «3» # والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما. وهكذا قال الحسن البصري: إنه صلى ~~الله عليه وسلم ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم. # وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي ms4127 قصة خروج النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة ~~بطولها، ثم قال: # فلما انصرف عنهم، بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعته الجن ~~من أهل نصيبين. قال ابن كثير: وهذا صحيح، ولكن قوله (إن الجن كان استماعهم ~~تلك الليلة) فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دل ~~عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور. وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى ~~الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن ~~إسحاق وغيره. # وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله عز وجل ~~عليه وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ... PageV08P453 # الآية. قال ابن كثير: فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، ~~يقتضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، ~~وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا: ~~قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج. فأما ما رواه البخاري ومسلم «1» جميعا عن معن ~~بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقا: من آذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك- يعني ابن مسعود رضي الله ~~عنه- أنه آذنته بهم شجرة، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون ~~إثباتا مقدما على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في الأولى ~~ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، ~~ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات والله أعلم. # قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ~~ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمت حاله، وفي ذلك ~~الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن، فقرأ، عليهم ~~القرآن، ودعاهم ms4128 إلى الله عز وجل- كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه-. # ثم قال ابن كثير: وأما ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه لم يكن مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حال مخاطبته للجن، ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ~~ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سواه، ومع هذا، لم يشهد حال ~~المخاطبة. هذه طريقة البيهقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم، لم يكن ~~معه صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية ~~الأولى من طريق الإمام مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى- والله أعلم- ~~كما روى ابن أبي حاتم في تفسير قل أوحي إلي من حديث ابن جريج قال: قال عبد ~~العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه ~~بمكة، فجن نصيبين. وتأول البيهقي قوله (فبتنا بشر ليلة) على غير ابن مسعود، ~~ممن لم يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الجن، وهو محتمل، على بعد ~~وبالجملة، فقد روي ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روى ~~عنه أولا من وجه جيد عن ابن جرير في هذه الآية، قال: كانوا سبعة نفر من أهل ~~نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم، فهذا يدل على ~~أنه قد روى القصتين. وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كانوا أكثر ~~الجن عددا، PageV08P454 # وأشرفهم نسبا. وعن ابن مسعود أنهم كانوا تسعة. ويروى أنهم كانوا خمسة ~~عشر، وروي ستين، وروي ثلاثمائة. وعن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفا. قال ~~ابن كثير: # فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلى الله عليه وسلم. ومما ~~يدل على ذلك ما رواه البخاري «1» في صحيحه أن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول: إني لأظنه هكذا، إلا ~~كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مر به رجل جميل فقال: ms4129 لقد أخطأ ~~ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم. علي الرجل. فدعي ~~له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم ~~عليك إلا ما أخبرتني! قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك ~~به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ~~ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ ~~قال عمر: صدق! بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به ~~صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح! أمر نجيح، رجل فصيح، ~~يقول: لا إله إلا الله. قال فوثب القوم. # فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح! أمر نجيح، رجل ~~فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي- هذا سياق ~~البخاري- وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه. ثم قال: وظاهر هذه ~~الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ~~ذبح. وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه. وسائر الروايات ~~تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه- والله أعلم-. # وهذا الرجل هو سواد بن قارب. قال البيهقي: وسواد بن قارب يشبه أن يكون هو ~~الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح. ثم # روى بسنده عن البراء قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: أيها الناس! أفيكم سواد بن قارب؟ قال، فلم ~~يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس! أفيكم سواد ~~بن قارب؟ قال، فقلت: يا أمير المؤمنين! وما سواد بن قارب؟ قال، فقال له ~~عمر: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا! قال: # فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب. قال، فقال له عمر: يا سواد! حدثنا ~~ببدء إسلامك كيف كان. ms4130 قال سواد: فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رئي من ~~الجن. PageV08P455 # قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم إذا جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم، ~~واعقل إن كنت تعقل! قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول: # عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيس بأحلاسها # تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها # فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها # قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب! إن الله عز وجل بعث نبيا، ~~فانهض إليه تهتد وترشد. فلما كان من الليلة الثانية، أتاني فأنبهني، ثم ~~أنشأ يقول: # عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها # تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... وليس قدماها كأذنابها # فانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى قابها # فلما كان في الليلة الثالثة، أتاني فأنبهني، ثم قال: # عجبت للجن وتخبارها ... وشدها العيس بأكوارها # تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ليس ذوو الشر كأخيارها # فانهض إلى الصفوة من هاشم ... ما مؤمنو الجن ككفارها # قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله. قال: فانطلقت إلى رحلي، فشددته على ~~راحلتي، فما حللت نسعة، ولا عقدت أخرى، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإذا هو بالمدينة- يعني مكة- والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء ~~بك. قال: قلت: يا رسول الله! قد قلت شعرا، فاسمعه مني! قال صلى الله عليه ~~وسلم: قل يا سواد، فقلت: # أتاني رئيي بعد ليل وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب # ثلاث ليال، قوله كل ليلة: ... أتاك رسول من لؤي بن غالب # فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت ... بي الدعلب الوجناء بين السباسب # فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب # وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله، يا ابن الأكرمين الأطايب # فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما جاء ms4131 شيب الذوائب # وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب # PageV08P456 # قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال لي: أفلحت يا ~~سواد! فقال له عمر رضي الله عنه: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت ~~القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن # . ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. انتهى كلام ابن كثير. # وقد ساقه الإمام الماوردي في (أعلام النبوة) مع نظائر له، في الباب ~~السادس عشر، في هتوف الجن، ثم قال: ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد، عمن ~~لا يرى شخصه، ولا يحج قوله، فخروجه عن العادة نذير، وتأثيره في النفوس ~~بشير، وقد قبلها السامعون. وقبول الأخبار يؤكد صحتها، ويؤيد حجتها. فإن ~~قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة، جاز أن تكون دليلا على صحة ~~الكهانة، فعنه جوابان: # أحدهما: أن دلائل النبوة غيرها، وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين ~~الدلالة والبشارة إخبارا. # والثاني: أن الكهانة عن مغيب، والبشارة عن معين، فالعيان معلوم، والغائب ~~موهوم. انتهى. ### | التنبيه الثاني: # قال الماوردي: في صرف الجن المذكور في قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا ~~من الجن يستمعون القرآن [الأحقاف: 29] ، وجهان: # أحدهما- أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء، برجوم الشهب، ولم يصرفوا عنه ~~بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما هذا الحادث ~~في السماء، إلا لحادث في الأرض، وتخيلوا به تجديد النبوة، فجابوا الأرض، ~~حتى وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن مكة عامدا إلى عكاظ، وهو ~~يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن، ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فعلموا أنه ~~لهذا الحادث، صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب. وهذا قول ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنه. # أقول: وعليه فتكون (إلى) في (إليك) بمعنى لام التعليل. وذكر في (المغني) ~~أنها تأتي مرادفة اللام، نحو والأمر إليك [النمل: 33] . وفيه تكلف وبعد، ~~لنبوه عما يقتضيه سياق بقية الآية. # ثم قال الماوردي: وحكى عكرمة أن السورة التي كان يقرؤها ms4132 اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق [العلق: 1] . # PageV08P457 # أقول: سيأتي مرفوعا عن جابر أنها سورة الرحمن. # ثم قال الماوردي: # والوجه الثاني- أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق، هداية من الله تعالى، حتى ~~أتوا نبي الله ببطن نخلة، فنزل عليه جبريل بهذه الآية، وأخبره بوفود الجن، ~~وأمره بالخروج إليهم، فخرج ومعه ابن مسعود، حتى جاء الحجون. قال ابن مسعود: ~~فخط علي خطا وقال: لا تجاوزه. # فعلى الوجه الأول، لم يعلم بهم حتى أتوه. وعلى الوجه الثاني، أعلمه جبريل ~~قبل إتيانهم. واختلف أهل العلم في رؤيته لهم، وقراءته عليهم. فحكى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرهم، ولم يقرأ ~~عليهم، وإنما سمعوا قراءته حين مروا به مصليا. وحكى ابن مسعود أنه رآهم. ~~وقرأ عليهم القرآن. # أقول: تقدم لابن كثير ما فيه كفاية-. # ثم قال الماوردي: وفي قوله فلما حضروه قالوا أنصتوا [الأحقاف: 29] وجهان: # أحدهما- فلما حضروا قراءته القرآن قالوا: أنصتوا لسماعه. # والوجه الثاني: فلما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنصتوا ~~لسماع قوله. انتهى. # قال ابن كثير: وهذا- أي قولهم أنصتوا- أدب منهم. # وقد روى البيهقي عن جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~الرحمن حتى ختمها، ثم قال: مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا. ما ~~قرأت عليهم هذه الآية من مرة فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 42] ، إلا ~~قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد، ورواه الترمذي «1» # وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ابن مسلم عن زهير. # الثالث- دل قوله تعالى يا قومنا أجيبوا داعي الله [الأحقاف: 32] ، على أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عام الرسالة إلى الإنس والجن. # قال ابن كثير: لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، وقرأ عليهم السورة التي ~~فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال ~~أجيبوا داعي الله وآمنوا به. PageV08P458 # قال الماوردي: لم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من ~~الإنس، واختلفوا في جواز بعثة رسول ms4133 منهم، فجوزه قوم لقول الله تعالى: امعشر ~~الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130] ، ومنع آخرون منه. وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس، ~~وحملوا قوله لم يأتكم رسل منكم # على الذين لما سمعوا القرآن، وولوا إلى قومهم منذرين. انتهى. # أقول: ونظيره تسمية رسل عيسى عليه السلام رسلا في آية إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين [يس: 14] . # الرابع- استدل بقوله يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم من ذهب من ~~العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن ~~يجاروا من عذاب النار يوم القيامة. إذ لو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من ~~هذا، لأوشك أن يذكروه. # قال الماوردي: فأما كفارهم فيدخلون النار، وأما مؤمنوهم، فقد اختلفوا في ~~دخولهم الجنة ثوابا على إيمانهم. فقال الضحاك: ومن جوز أن يكون رسلهم منهم، ~~يدخلون الجنة. وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على ~~النار خلاصا منها، ثم يقال: لهم: كونوا ترابا كالبهائم. انتهى. # والحق- كما قال ابن كثير- أن مؤمنهم كمؤمن الإنس، يدخلون الجنة، كما هو ~~مذهب جماعة من السلف. وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عز وجل لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان [الرحمن: 56 و 74] ، وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله ~~جل وعلا ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 46- 47] ~~، فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة. وقد قابلت الجن ~~هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: # ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد. فلم يكن تعالى ليمتن عليهم ~~بجزاء لا يحصل لهم. وأيضا، فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار، وهو مقام ~~عدل، فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة، وهو مقام فضل، بطريق الأولى والأحرى. ومما ~~يدل أيضا على عموم ذلك قوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت ~~لهم جنات الفردوس نزلا [الكهف: 107] ، وما أشبه ذلك من الآيات. وما ذكروه ~~هاهنا من الجزاء على الإيمان، من تكفير الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، ~~هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة ms4134 إلا الجنة أو النار. فمن أجير من ~~النار دخل الجنة لا # PageV08P459 # محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع، أن مؤمني الجن لا ~~يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح ~~عليه الصلاة والسلام يقول لقومه يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~[نوح: # 4] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال ~~غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون ~~في ربضها وحولها وفي أرجائها. ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو ~~آدم، ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من ~~قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد ~~والتقديس، عوضا عن الطعام والشراب، كالملائكة، لأنهم من جنسهم. وكل هذه ~~الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها. انتهى. # الخامس- قيل: سر التبعيض في قوله من ذنوبكم أن من الذنوب ما لا يغفر ~~بالإيمان، كذنوب المظالم، أي: حقوق العباد. وفيه نظر، لأن الحربي لو نهب ~~الأموال المصونة، وسفك الدماء المحقونة، ثم حسن إسلامه، جب الإسلام عنه إثم ~~ما تقدم. # بلا إشكال. ويقال: إنه ما وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب ~~الله تعالى إلا مبعضة، والسر فيه أن مقام الكافر قبض لا بسط، فلذلك لم يبسط ~~رجاؤه كما في حق المؤمن- أفاده الناصر-. # السادس- قال ابن كثير: جمعوا في دعواهم قومهم بين الترغيب والترهيب، ~~ولهذا نجع في كثير منهم، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودا ~~وفودا، كما تقدم بيانه. # السابع- قال الماوردي: الجن من العالم الناطق المميز، يأكلون ويتناكحون ~~ويتناسلون ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، ~~إلا أن الله يخص برؤيتهم من يشاء. وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية، وما ~~تخيلوه من آثارهم الخفية. # وقال القاشاني: الجن نفوس أرضية تجسدت في أبدان لطيفة مركبة من لطائف ~~العناصر، سماها حكماء الفرس (الصور المعلقة) . ولكونها أرضية متجسدة في ~~أبدان عنصرية، ومشاركتها ms4135 الإنس في ذلك، سميا (ثقلين) . وكما أمكن الناس ~~التهدي بالقرآن أمكنهم. وحكاياتهم من المحققين وغيرهم أكثر من أن يمكن رد ~~الجميع، وأوضح من أن يقبل التأويل. انتهى. # PageV08P460 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : آية 33] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى أي بإعادة الروح إلى الجسد، بعد مفارقتها إياه، وإخراجهم من ~~قبورهم كهيئتهم قبل وفاتهم. # وفي ابن جرير بحث نحوي في دخول الباء في بقادر بديع. ويذكر في مباحث ~~زيادة الباء، في مطولات العربية. # بلى إنه على كل شيء قدير أي من إعادة المعدوم، ولو فني الجسد وغيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأحقاف (46) : الآيات 34 الى 35] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ ~~فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا أي الإحياء إحياء بالحق قالوا ~~بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فاصبر أي على تبليغ الرسالة ~~وتكذيبهم وإيذائهم كما صبر أولوا العزم من الرسل أي: أولو الثبات والجد ~~منهم، فإنك منهم. والعزم- في اللغة- كالعزيمة، ما عقدت قلبك عليه من أمر. ~~والعزم أيضا القوة على الشيء والصبر عليه. فالمراد به هنا المجتهدون، ~~المجدون، أو الصابرون على أمر الله فيما عهده إليهم، وقدره وقضاه عليهم. ~~ومطلق الجد والجهد والصبر موجود في جميع الرسل، بل الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، وكثير من الأولياء. فلذا ذهب جمهور المفسرين في هذه الآية إلى ~~أنهم جميع الرسل، وأن (من) بيانية لا تبعيضية، فكل رسول من أولي العزم، فإن ~~أريد به معنى مخصوص ببعضهم، فلا بد من بيانه ليظهر وجه التخصيص. ومنشأ ~~الاختلاف في ms4136 عددهم إلى أقوال: أحدها- أنهم جميع الرسل. والثاني- أنهم ~~أربعة: نوح وإبراهيم وموسى ومحمد. والثالث- أنهم خمسة بزيادة عيسى، كما ~~قيل: # PageV08P461 # أولي العزم نوح والخليل الممجد ... وموسى وعيسى والنبي محمد # والرابع- أنهم ستة، بزيادة هارون أو داود. والخامس- أنهم سبعة بزيادة ~~آدم. # والسادس- أنهم تسعة، بزيادة إسحاق ويعقوب ويوسف. وقد يزاد وينقص. # وتوجيه التخصيص أن المراد بهم من له جد وجهد تام في دعوته إلى الحق، وذبه ~~عن حريم التوحيد، وحمى الشريعة، بحيث يصبر على ما لا يطيقه سواه من عوارضه ~~النفسية والبدنية، وأموره الخارجية، كمبارزة كل أهل عصره، كما كان لنوح. أو ~~لملك جبار في عصره، وانتصاره عليه من غير عدة دنيوية، كنمروذ إبراهيم، ~~وجالوت داود، وفرعون موسى. ولكل موسى فرعون، ولكل محمد أبو جهل. # وكالابتلاء بأمور لا يصبر عليها البشر بدون قوة قدسية، ونفس ربانية، كما ~~وقع لأيوب عليه الصلاة والسلام. ومن هنا كشف برقع الخفاء عن وجه التخصيص، ~~وهذا مما كشفت بركاتهم سره- أفاده الشهاب- ولا تستعجل لهم أي ولا تستعجل ~~بمساءلتك ربك العذاب لهم، فإن ذلك نازل بهم لا محالة، وإن اشتد عليك الأمر ~~من جهتهم. كأنهم يوم يرون ما يوعدون أي من عذاب الله ونكاله وخزيه الذي ~~ينزل بهم في الدنيا أو في الآخرة لم يلبثوا إلا ساعة من نهار أي لأنه ~~ينسيهم شدة ما ينزل بهم من عذابه، قدر ما كانوا في الدنيا لبثوا، ومبلغ ما ~~فيها مكثوا. # وقوله تعالى بلاغ قال ابن جرير: فيه وجهان: # أحدهما- أن يكون معناه: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ذلك لبث بلاغ، ~~بمعنى: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى أجلهم، ثم حذف (ذلك لبث) ، وهي مرادة في ~~الكلام اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليها. # والآخر- أن يكون معناه: هذا القرآن والتذكير بلاغ لهم وكفاية، إن فكروا ~~واعتبروا، فتذكروا. انتهى. # وأشار المهايمي إلى معنى آخر فقال: ليس من حق الرسل الاستعجال، بل حقهم ~~بلاغ. # فهل يهلك أي بعذاب الله إذا أنزله بمقتضى العدل والحكمة إلا القوم ~~الفاسقون أي الذين خالفوا مره، وخرجوا من طاعته. نعوذ بالله من ms4137 غضبه، وأليم ~~عقابه. # PageV08P462 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة محمد صلى الله عليه وسلم # سميت به، لما فيها من أن الإيمان بما نزل على محمد متفرقا، أعظم من ~~الإيمان بما نزل مجموعا على سائر الأنبياء عليهم السلام. وهو من أعظم مقاصد ~~القرآن. وتسمى سورة (القتال) ، لدلالتها على ارتفاع حرمة نفوس الكفار ~~المانعة من قتالهم، وما يترتب على القتال وكثرة فوائده- قاله المهايمي-. # وهي مدنية. وحكى النسفي قولا غريبا، أنها مكية. وآيها ثمان وثلاثون. # PageV08P463 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) # الذين كفروا أي: جحدوا توحيد الله، وعبدوا غيره وصدوا عن سبيل الله أي: ~~أعرضوا وامتنعوا عن الإقرار لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة. أو صدوا ~~غيرهم عن ذلك. أضل أعمالهم أي جعلها على غير هدى ورشاد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 2] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم. # وقوله: وآمنوا بما نزل على محمد أي بما أنزل الله به جبريل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وإنما خصه بالذكر، مع دخوله فيما قبله، تعظيما لشأنه ~~وتعليما، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به، إذ يفيد بعطفه أنه أعظم ~~أركانه، لإفراده بالذكر. وقد تأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله وهو ~~الحق من ربهم أي الثابت بالواقع ونفس الأمر. كفر عنهم سيئاتهم أي ستر ~~بإيمانهم وعملهم الصالح، ما كان منهم من الكفر والمعاصي، لرجوعهم عنها ~~وتوبتهم وأصلح بالهم أي حالهم وشأنهم، وعملهم في الدنيا بالتأييد والتوفيق. # قال الشهاب: (البال) يكون بمعنى الحال والشأن. وقد يخص بالشأن العظيم، # كقوله صلى الله عليه وسلم «1» # «كل أمر ذي بال» . # ويكون بمعنى الخاطر القلبي، ويتجوز به عن القلب. ولو فسر به هنا كان حسنا ~~أيضا. وقد فسره السفاقسي بالفكر، لأنه إذا صلح قلبه وفكره، صلحت عقدته ~~وأعماله. PageV08P464 # وقال ابن جرير: ms4138 البال كالمصدر، مثل الشأن، لا يعرف منه فعل، ولا تكاد ~~العرب تجمعه إلا في ضرورة شعر، فإذا جمعوه قالوا: (بالات) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 3] # ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) # ذلك أي المذكور من فعله تعالى بالفريقين ما فعله كائن بأن الذين أي بسبب ~~أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك ~~يضرب الله للناس أمثالهم أي يشبه لهم الأشباه، فيلحق بكل قوم من الأمثال ~~أشكالا. # قال الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل ~~مثلا لعمل الكفار. واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال ~~مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 4] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب لما كان طليعة هذه السورة تمهيدا ~~لجهاد المشركين الساعين في الأرض بالفساد، الصادين عن منهج الرشاد، وبعثا ~~على الصدق في قتالهم، كسحا لعقبة باطلهم، عملا بما يوجبه الإيمان ويفرضه ~~الإيقان، وتمييزا لأولياء الرحمن من أولياء الشيطان، تأثر تلك الطليعة بهذه ~~الجملة. ولذا قال أبو السعود: الفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما ~~قبلها. فإن ضلال أعمال الكفرة وخبثهم، وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم، مما ~~يوجب أن يرتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام. أي: فإذا كان ~~الأمر كما ذكر، فإذا لقيتموهم في المحاربة، فضرب الرقاب. وأصله: فاضربوا ~~الرقاب ضربا. فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافا إلى المفعول. ~~وفيه اختصار وتأكيد بليغ. والتعبير به عن القتل، تصوير له بأشنع صورة، ~~وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون # PageV08P465 # منه حتى إذا أثخنتموهم ms4139 أي غلبتموهم، وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم، ~~فصاروا في أيديكم أسرى فشدوا الوثاق بفتح الواو، وقرئ بكسرها. وهو ما يوثق ~~به، أي يربط ويشد، كالقيد والحبل. أي فأمسكوهم به كيلا يقتلوكم فيهربوا ~~منكم فإما منا بعد وإما فداء أي فإما تمنون بعد ذلك عليهم، فتطلقونهم بغير ~~عوض، لزوال سبعيتهم، وإما تفدون فداء، فتطلقونهم بعوض مال، أو مسلم أسروه ~~فيتقوى به المسلمون، أو يتخلص أسيرهم. # قال المهايمي: ولم يذكر القتل اكتفاء بما مر من قوله: ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض [الأنفال: 67] ، وذلك فيمن يرى فيه الإمام ~~بقاء السبعية بالكمال. ولم يذكر الاسترقاق، لأنه في معنى استدامة الأسر، ~~وذلك فيمن يرى فيه نوع سبعية. ولا تزالوا كذلك حتى تضع الحرب أوزارها أي: ~~إلى انقضاء الحرب و (الأوزار) كالأحمال وزنا ومعنى. استعير لآلات الحرب ~~التي لا تقوم إلا بها، استعارة تصريحية أو مكنية، بتشبيهها بإنسان يحمل ~~حملا على رأسه أو ظهره، وأثبت له ذلك تخييلا. وقد جاء ذكرها في قول الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها: ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وقيل: أوزارها آثامها. يعني: حتى يترك أهل الحرب- وهم المشركون- شركهم ~~ومعاصيهم بأن يسلموا. ### | تنبيهات: # الأول- قال في (الإكليل) : في الآية بيان كيفية الجهاد. # الثاني- للسلف قولان في أن الآية: منسوخة أو محكمة. # فروي عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أنها منسوخة بقوله تعالى فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] ، قالوا: ~~فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة بعد براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم. # وروي عن ابن عمر وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز، أن الآية محكمة ليست ~~منسوخة، وأنه لا يجوز قتل الأسير، وإنما له المن أو الفداء. # ووجه من ذهب إلى الأول تعارض الآيتين عنده بادئ بدء، فلم يبق إلا القول ~~بإحداهما وهي المطلقة. # ومدرك الثاني أن الأمر بقتلهم المجمل في آيات، محمول على المفصل في # PageV08P466 # مثل هذه الآية، أي إن القتل عند اللقاء، ثم بعد انقضاء الحرب المن أو ~~الفداء لا غير، إلا أن تبدو مصلحة ms4140 في القتل، فتلك من باب آخر. # وثم قول ثالث: وهو كون الآية محكمة مع تفويض الأمر إلى الإمام، وأن ذكر ~~المن والفداء لا ينافي جواز القتل، لعلمه من آيات أخر، لا سيما ومرجع الأمر ~~إلى المصلحة. وهذا القول هو الذي أختاره. وإذا دار الأمر في الآي بين ~~الإحكام والنسخ. # فالأول هو المرجح. وقد لا يتعارض قول من قال بالنسخ مع الذاهب إلى ~~الإحكام، لما قدمناه في مقدمة التفسير، من تغاير اصطلاح السلف والأصوليين ~~في النسخ. # ثم رأيت ابن جرير سبقني في ترجيح ذلك، وعبارته: # والصواب من القول عندنا في ذلك، أن هذه الآية محكمة غير منسوخة. وذلك أن ~~صفة الناسخ والمنسوخ، أنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة، أو ما ~~قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر. وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن ~~والفداء والقتل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى القائمين بعده بأمر ~~الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية ~~أخرى، وذلك قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] ، الآية. ~~بل ذلك كذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل فيمن صار ~~أسيرا في يده من أهل الحرب، فيقتل بعضا، ويفادي ببعض، ويمن على بعض، مثل ~~يوم بدر: قتل عقبة بن أبي معيط، وقد أتي به أسيرا. وقتل بني قريظة وقد ~~نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلما، وهو على فدائهم والمن عليهم قادر، ~~وفادى بجماعة، أسارى المشركين الذين أسروا ببدر. # ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير في يده. ولم يزل ذلك ثابتا من ~~سيره في أهل الحرب، من لدن أذن الله له بحربهم، إلى أن قبضه إليه صلى الله ~~عليه وسلم دائما ذلك فيهم. # وإنما ذكر جل ثناؤه في هذه الآية المن والفداء في الأسارى، فخص ذكرهما ~~فيها، لأن الأمر بقتلهم والإذن منه بذلك، قد كان تقدم في سائر آي تنزيله ~~مكررا، فأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بما ذكر ms4141 في هذه الآية من المن ~~والفداء، ما له فيهم مع القتل. انتهى كلام ابن جرير. # الثالث- من فوائد الآية أيضا جواز تخلية سبيل المشركين، إذا ضعفت شوكتهم، ~~وأمنت مفسدتهم، لأن ذلك من لوازم المن وقبول الفداء، والقول بإبادة خضرائهم ~~من غير تفصيل، ينافيه نص هذه الآية، وقبول النبي صلى الله عليه وسلم الجزية ~~من مجوس هجر وهم مشركون، فتفهم. # PageV08P467 # وبالجملة، فالذي عول عليه الأئمة المحققون رضي الله عنهم، أن الأمير ~~يخير، بعد الظفر تخيير مصلحة لا شهوة في الأسراء المقاتلين، بين قتال ~~واسترقاق، ومن وفداء. ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين، لأنه يتصرف لهم ~~على سبيل النظر، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ، كولي اليتيم، لأن كل خصلة من ~~هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى. فإن منهم من له قوة ونكاية في ~~المسلمين، فقتله أصلح. # ومنهم الضعيف ذو المال الكثير، ففداؤه أصلح ومنهم حسن الرأي في المسلمين، ~~يرجى إسلامه، فالمن عليه أولى. ومن ينتفع بخدمته، ويؤمن شره، استرقاقه ~~أصلح- كما في (شرح الإقناع) -. # الرابع- تسن دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال لمن بلغته الدعوة، قطعا ~~لحجته. ويحرم القتال قبلها لمن لم تبلغه الدعوة، لحديث «1» بريدة بن الحصيب ~~قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أمره ~~بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين. وقال: إذا لقيت عدوك ~~من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف ~~عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا ~~فادعهم إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن ~~بالله وقاتلهم- رواه مسلم-. # وقيد الإمام ابن القيم وجوب الدعوة واستحبابها، بما إذا قصدهم المسلمون. # أما إذا كان الكفار قاصدين المسلمين بالقتال، فللمسلمين قتالهم من غير ~~دعوة، دفعا عن نفوسهم وحريمهم وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، لأنه ~~أعرف بحال الناس، وبحال العدو، ونكايتهم وقربهم وبعدهم- كما في (شرح ~~الإقناع) -. # وقوله تعالى: ذلك خبر لمحذوف. أي الأمر ذلك. أو ms4142 مفعول لمقدر ولو يشاء ~~الله لانتصر منهم أي: لانتقم منهم بعقوبة عاجلة، وكفاكم ذلك كله. # ولكن ليبلوا بعضكم ببعض أي ليختبركم بهم، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~فيثيبهم، ويبلوهم بكم، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق. ~~والذين قتلوا أي استشهدوا. وقرئ (قاتلوا) في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. ~~PageV08P468 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 5 الى # 6] # سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) # سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم أي بينها لهم في كثير من ~~آياته، تعريفا يشوق كل مؤمن أن يسعى لها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 7] # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم أي الظفر ~~والتمكين في الأرض، وإرث ديار العدو. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 8 الى 9] # والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم (9) # والذين كفروا فتعسا لهم أي خزيا وشقاء. وأصله من السقوط على الوجه، ~~كالكب. وأضل أعمالهم أي جعلها على غير هدى واستقامة. ذلك بأنهم كرهوا ما ~~أنزل الله أي من الحق، وشايعوا ما ألفوه من الباطل. فأحبط أعمالهم كعبادتهم ~~لأوثانهم، حيث لم تنفعهم، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 10] # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها (10) # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أي من الأمم ~~المكذبة رسلها، الرادة نصائحها. دمر الله عليهم أي ما اختص بهم، وكان لهم، ~~يقال: دمره بمعنى أهلكه. ودمره عليه: أهلك ما يختص به من المال والنفس. # فالثاني أبلغ، لما فيه من العموم، لجعل مفعوله نسيا منسيا، فيتناول نفسه ~~وكل ما يختص به. والإتيان ب (على) لتضمنه معنى (أطبق عليه) أي أوقعه عليهم ~~محيطا بهم، أو هجم الهلاك عليهم. وللكافرين يعني المكذبين رسول الله صلى ~~الله عليه ms4143 وسلم أمثالها أي أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة. # PageV08P469 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 11 الى 12] # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) إن الله ~~يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا ~~يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم أي لا ناصر لهم ~~يدفع عنهم العذاب، إذا حاق بهم. إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ~~أي غير مفكرين في المعاد، ولا معتبرين بسنة الله، كغفلة الأنعام عن النحر ~~والذبح، فلا هم لهم إلا الاعتلاف دون غيره. والنار مثوى لهم أي مأواهم بعد ~~مماتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 13 الى 14] # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ~~(13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) # وكأين أي: وكم من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك يعني مكة، على ~~حذف مضاف أهلكناهم فلا ناصر لهم، أفمن كان على بينة من ربه أي على برهان ~~وحجة وبيان من أمر ربه، والعلم بوحدانيته، فهو يعبده على بصيرة منه. # كمن زين له سوء عمله أي فأراه إياه الشيطان حسنا، فهو مقيم عليه. واتبعوا ~~أهواءهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 15] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) # مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهار من ماء غير آسن أي متغير الريح ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى أي من القذى، وما يوجد في ms4144 عسل الدنيا ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة ~~من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم أي من فرط ~~حرارته. # PageV08P470 ### | لطيفة: # مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد بتقدير حرف إنكار ومضاف. أي: # أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد. أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. ~~فلفظ الآية، وإن كان في صورة الإثبات، هو في معنى الإنكار والنفي، لانطوائه ~~تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار وانسحاب حكمه عليه، وهو قوله: أفمن كان.. # إلخ، وليس في اللفظ قرينة على هذا، وإنما هو من السياق، وإن فيه جزالة ~~المعنى. # وثم أعاريب أخر، هذا أمتنها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 16] # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) # ومنهم أي ومن هؤلاء الكفار من أي كافر منافق يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم أي من الصحابة، استهزاء بما سمعوه من المتلو، ~~وتهاونا به ماذا قال آنفا أي الساعة. هل فيه هدى؟ فإن بينوه لم يستفيدوا ~~منه شيئا. أولئك الذين طبع الله على قلوبهم أي فلا يدخلها الهدى لإبائهم ~~عنه واتبعوا أهواءهم أي آراءهم، لا ما يدعو إليه البرهان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 17] # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) # والذين اهتدوا أي باتباع الحق، والمشي مع الحجة زادهم هدى أي بيانا ~~لحقيقة ما جاءهم وآتاهم تقواهم أي أعانهم عليها. أو آتاهم جزاء تقواهم. أو ~~بين لهم ما يتقون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 18] # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم (18) # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها قال ابن كثير: أي ~~أمارات اقترابها، كقوله تبارك وتعالى: هذا نذير من النذر الأولى، أزفت ~~الآزفة # PageV08P471 # [النجم: 56- 57] ، وكقوله جلت عظمته اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: # 1] ، وقوله سبحانه وتعالى: ms4145 أتى أمر الله فلا تستعجلوه [النحل: 1] ، وقوله ~~جل وعلا اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون [الأنبياء: 1] . فبعثة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، لأنه خاتم الرسل، الذي أكمل الله ~~تعالى به الدين، وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم ~~بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه، بما لم يؤته نبي قبله، كما ~~هو مبسوط في موضعه. # وقال الحسن البصري: بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، وهو ~~كما قال. # ولهذا جاء في أسمائه صلى الله عليه وسلم أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، ~~والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي. # روى البخاري «1» عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال بإصبعيه هكذا- بالوسطى والتي تليها-: بعثت أنا والساعة ~~كهاتين. # فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم أي ذكرى ما قد ضيعوا وفرطوا فيه من طاعة الله ~~إذا جاءتهم الساعة. يعني: أن ليس ذلك بوقت ينفعهم فيه التذكر والندم، لأنه ~~وقت مجازاة، لا وقت استعتاب واستعمال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 19] # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) # فاعلم أنه لا إله إلا الله قال ابن جرير: أي فاعلم يا محمد أنه لا معبود ~~تنبغي أو تصلح له الألوهة ويجوز لك وللخلق عبادته، إلا الله الذي هو خالق ~~الخلق، ومالك كل شيء. يدين له بالربوبية كل ما دونه. والفاء فصيحة في جواب ~~شرط معلوم، مما مر من أول السورة إلى هنا، من حال الفريقين. # قال السيوطي: وقد استدل بالآية من قال بوجوب النظر، وإبطال التقليد في ~~العقائد، ومن قال بأن أول الواجبات، المعرفة قبل الإقرار. # واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات قال ابن جرير: أي وسل ربك غفران سالف ~~ذنوبك وحادثها، وذنوب أهل الإيمان بك من الرجال والنساء. PageV08P472 # قال الشهاب: وإنما أعيد الجار، لأن ذنوبهم جنس آخر غير ذنب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ms4146 فإن ذنوبهم معاص كبائر وصغائر، وذنبه ترك الأولى. # وقال السيوطي: استدل بالآية من أجاز الصغائر على الأنبياء. انتهى. # والمسألة مبسوطة بأقوالها، وما لها وما عليها في (الفصل) لابن حزم، فارجع ~~إليه. # وفي الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اغفر ~~لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي ~~هزلي وجدي، وخطاياي وعمدي، وكل ذلك عندي» . # وفي الصحيح «2» أنه كان يقول في آخر الصلاة: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت إلهي لا ~~إله إلا أنت» . # وفي الصحيح «3» أنه قال: «يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم، فإني أستغفر ~~الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» . # والله يعلم متقلبكم ومثواكم أي متصرفكم فيما تتصرفون فيه، وإقامتكم على ~~ما تقيمون عليه من الأقوال والأعمال، فيجازيكم عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 20] # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة أي تأمرنا بجهاد أعداء الله من الكفار. # فإذا أنزلت سورة محكمة أي مبينة لا تقبل نسخا ولا تأويلا، وذكر فيها ~~القتال PageV08P473 # أي الأمر بقتال المشركين رأيت الذين في قلوبهم مرض أي: شك في الدين وضعف ~~في اليقين ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم ~~من لقاء الأعداء. شبه نظرهم بنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره فأولى لهم قال ~~الشهاب: اختلف فيه، بعد الاتفاق على أن المراد به التهديد والوعيد، على ~~أقوال: # فذهب الأصمعي إلى أنه فعل ماض بمعنى قارب. وقيل: قرب بالتشديد، ففاعله ~~ضمير يرجع لما علم منه، أي: قارب هلاكهم. والأكثر أنه اسم تفضيل من الولي، ~~بمعنى القرب. وقال أبو علي: إنه اسم تفضيل من الويل. والأصل (أويل) فقلب، ~~فوزنه أفلع. ورد بأن الويل غير ms4147 متصرف، وأن القلب خلاف الأصل، وفيه نظر. # وقد قيل: إنه فعلى، من آل يؤول. وقال الرضي: إنه علم للوعيد، وهو مبتدأ و ~~(لهم) خبره. وقد سمع فيه (أولاة) بتاء تأنيث. وهو كما قيل، يدل على أنه ليس ~~بأفعل تفضيل، ولا أفعل فعلى، وأنه علم وليس بفعل، بل مثل أرمل وأرملة، إذا ~~سمي بهما، فلذا لم ينصرف. ولا اسم فعل، لأنه سمع فيه (أولاة) معربا مرفوعا، ~~ولو كان اسم فعل بني. وفيه أنه لا مانع من كون (أولاة) لفظا آخر بمعناه، ~~فلا يرد شيء منه عليهم أصلا، كما جاء (أول) أفعل تفضيل، واسم ظرف ك (قبل) ~~وسمع فيه (أولة) - كما نقله أبو حيان- فلا يرد النقض به كما لا يخفى. ~~انتهى. # قال السمين: إذا قلنا باسميته. ففيه أوجه: # أحدها- أنه مبتدأ، و (لهم) خبره، تقديره: فالهلاك لهم. # والثاني- أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: العقاب أو الهلاك أولى لهم، أي ~~أقرب وأدنى، ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء. أي أولى وأحق بهم. # الثالث- أنه مبتدأ، و (لهم) متعلق به، واللام بمعنى الباء، و (طاعة) ~~خبره، والتقدير: فأولى بهم طاعة دون غيرها، وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 21] # طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) # طاعة وقول معروف فيه أوجه: # أحدها- أنه خبر (أولى) على ما تقدم. # الثاني- أنها صفة السورة. أي: فإذا أنزلت سورة محكمة طاعة، أي: ذات طاعة، ~~أو مطاعة. ذكره مكي وأبو البقاء. وفيه بعد، لكثرة الفواصل. # الثالث- أنها مبتدأ، و (قول) عطف عليها، والخبر محذوف. تقديره: أمثل بكم ~~من غيرهما. وقدره مكي: منا طاعة، فقدره مقدما. # PageV08P474 # الرابع- أن يكون خبر مبتدأ محذوف. أي أمرنا طاعة. # الخامس- أن (لهم) خبر مقدم و (طاعة) مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء يعرفان ~~مما قدمته، فتأمل- أفاده السمين-. # فإذا عزم الأمر أي: جد الحال، وحضر القتال: قال أبو السعود: أسند العزم، ~~وهو الجد، إلى الأمر، وهو لأصحابه، مجازا. كما في قوله تعالى: إن ذلك من ~~عزم الأمور [لقمان: 17] ، وعامل الظرف محذوف. أي خالفوا وتخلفوا. وقيل ms4148 ~~ناقضوا. # وقيل: كرهوا. وقيل: هو قوله تعالى: فلو صدقوا الله على طريقة قولك: إذا ~~حضرني طعام، فلو جئتني لأطعمتك. أي: فلو صدقوه تعالى فيما قالوه من الكلام ~~المنبئ عن الحرص على الجهاد، بالجري على موجبه لكان أي الصدق خيرا لهم أي ~~في عاجل دنياهم، وآجل معادهم. قيل: فلو صدقوه في الإيمان، وواطأت قلوبهم في ~~ذلك ألسنتهم. وأيا ما كان، فالمراد بهم الذين في قلوبهم مرض، وهم المخاطبون ~~بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 22] # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) # فهل عسيتم إن توليتم أي أعرضتم عن تنزيل الله تعالى، وفارقتم أحكام ~~كتابه، وما جاء به رسوله أن تفسدوا في الأرض أي بالتغاور والتناهب وتقطعوا ~~أرحامكم أي تعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرق، بعد ما ~~جمعكم الله بالإسلام، وألف به بين قلوبكم، وأمركم بالإصلاح في الأرض، وصلة ~~الأرحام. وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال، وبذل الأموال. وقد ~~ساق ابن كثير هنا من الأحاديث في صلة الرحم لباب اللباب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 23] # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) # أولئك إشارة إلى المذكورين الذين لعنهم الله فأصمهم أي عن استماع الحق ~~لتصامهم عنه بسوء اختيارهم وأعمى أبصارهم أي لتعاميهم عما يشاهدونه من ~~الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 24] # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) # PageV08P475 # أفلا يتدبرون القرآن قال ابن جرير: أي أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ ~~الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه السلام، ~~ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله، فيعلموا بها خطأ ما هم عليه ~~مقيمون. أم على قلوب أقفالها أي فلا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر. ~~وتنكير (القلوب) للإشعار بفرط جهالتها ونكرها، كأنها مبهمة منكورة. و ~~(الأقفال) مجاز عما يمنع الوصول. وإضافتها إلى القلوب لإفادة الاختصاص ~~المميز لها عما عداها وللإشارة إلى أنها لا تشبه ms4149 الأقفال المعروفة، إذ لا ~~يمكن فتحها أبدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 25] # إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم (25) # إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي عادوا لما كانوا عليه من الكفر من بعد ما ~~تبين لهم الهدى أي الحق بواضح الحجة. # الشيطان سول لهم أي زين لهم ارتدادهم وحملهم عليه وأملى لهم أي ومد لهم ~~في الآمال والأماني، أو أمهلهم الله تعالى، فمد في آجالهم، ولم يعاجلهم ~~بالعقوبة. والمعنى: الشيطان سول لهم، والله أملى لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 26] # ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله ~~يعلم إسرارهم (26) # ذلك إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، بأنهم أي بسبب أنهم قالوا أي ~~المنافقون للذين كرهوا ما نزل الله أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سنطيعكم في بعض الأمر أي بعض أموركم، أو ما ~~تأمرون به كالقعود عن الجهاد، والتظاهر على الرسول، أو الخروج معهم إن ~~أخرجوا، كما أوضح ذلك قوله تعالى: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ~~وإن قوتلتم لننصرنكم [الحشر: 11] ، وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا ~~يوالونهم ويوادونهم. # والله يعلم إسرارهم أي: إخفاءهم لما يقولونه لليهود. # PageV08P476 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 27 الى 28] # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) # فكيف أي: يفعلون ويدفعون ضرر الردة عليهم إذا توفتهم الملائكة يضربون ~~وجوههم أي: التي ولوها عن الله إلى أعدائه وأدبارهم أي التي ولوها عن ~~الأعداء إلى الله. # ذلك أي التوفي الهائل بأنهم اتبعوا ما أسخط الله أي من إطاعة أعدائه، ~~وكرهوا رضوانه أي في معاداتهم، فأدى بهم إلى الردة فأحبط أعمالهم أي التي ~~كانت تفيدهم النجاة من ذلك الضرب، ومن الفضائح الدنيوية. ### | ### | القول في ms4150 تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 29] # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أي نفاق تفرع منه أضغان على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين أن لن يخرج أي يظهر الله أضغانهم أي أحقادهم ~~لرسوله وللمؤمنين، فتبقى أمورهم مستورة. والمعنى: أن ذلك مما لا يكاد يدخل ~~تحت الاحتمال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 30 الى 31] # ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ~~(31) # ولو نشاء لأريناكهم أي لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم معرفة متاخمة ~~للرؤية فلعرفتهم بسيماهم أي بعلامتهم التي نسمهم بها ولتعرفنهم في لحن ~~القول أي أسلوبه وما يرومون من غير إيضاح به. # قال في (الإكليل) : استدل بالآية من جعل التعريض بالقذف موجبا للحد. # والله يعلم أعمالكم أي فيجازيكم بحسب قصدكم. # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين أي أهل المجاهدة في سبيل ~~الله، والصبر على المشاق ونبلوا أخباركم أي أفانين أقوالكم، وضروب # PageV08P477 # بياناتكم، وأعمال قوة ألسنتكم في نشر الحق والصدع به والدأب عليه، هل هو ~~متمحض لذلك، أم فيه ما فيه من المحاباة خيفة لوم اللائم. # قال القاشاني: علم الله تعالى قسمان: سابق على معلوماته إجمالا في لوح ~~القضاء، وتفصيلا في لوح القدر، وتابع إياها في المظاهر التفصيلية من النفوس ~~البشرية، والنفوس السماوية الجزئية. فمعنى حتى نعلم حتى يظهر علمنا ~~التفصيلي في المظاهر الملكوتية والإنسية، التي يثبت بها الجزاء- والله ~~أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 32] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم أي فتذهب سدى، لا تثمر لهم نفعا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : الآيات 33 الى 34] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ms4151 الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم أي ~~لكن يعذبهم ويعاقبهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 35] # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(35) # فلا تهنوا أي فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد الذين اعتدوا ~~عليكم، وصدوا عن سبيل الله، وتدعوا إلى السلم أي الصلح والمسالمة وأنتم ~~الأعلون أي الأغلبون، فإن كسح الضلال من طريق الحق لا منتدح عنه، ما تيسرت ~~أسبابه، وقهرت أربابه والله معكم أي بنصره ما تمسكتم بحبله ولن يتركم ~~أعمالكم أي لن ينقصكم ثوابها ويضيعها. # PageV08P478 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية # 36] # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم ~~أموالكم (36) # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو أي فلا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك ~~الجهاد وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم أي ثواب إيمانكم وتقواكم ولا يسئلكم ~~أموالكم أي لأنه غني عنكم، وإنما يريد منكم التوحيد، ونبذ الأوثان، والطاعة ~~لما أمر به ونهى عنه. # قال بعض المفسرين: أي لا يسألكم جميع أموالكم، بل يقتصر منكم على جزء ~~يسير، كربع العشر وعشره. إشارة إلى إفادة الجمع المضاف للعموم، وهو معطوف ~~على الجزاء. والمعنى: إن تؤمنوا لا يسألكم الجميع، أي: لا يأخذه منكم، كما ~~يأخذ من الكفار جميع أموالهم. ولا يخفى حسن مقابلته لقوله يؤتكم أجوركم أي ~~يعطكم كل الأجور، ويسألكم بعض المال- هذا ما قاله الشهاب-. # والظاهر أن المراد بيان غناه تعالى عن عباده، وأن طلب إنفاق الأموال ~~منهم، لعود نفعه إليهم لا إليه، لاستغنائه المطلق، فإن في الصدقات دفع ~~أحقاد صدور الفقراء عنهم، وفي بذله للجهاد دفع غائلة الشرور والفساد، وكله ~~مما يعود ثمرته عليهم. # ثم أشار تعالى إلى حكمته ورحمته في عدم سؤاله ms4152 إنفاق أموالهم كلها، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 37] # إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) # إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا أي فيجهدكم بالمسألة، ويلح عليكم بطلبها ~~منكم، تبخلوا بها وتمنعوها، ضنا منكم بها، ولكنه علم ذلك منكم، ومن ضيق ~~أنفسكم، فلم يسألكموها. # قال الزمخشري: الإحفاء المبالغة، وبلوغ الغاية في كل شيء. يقال (أحفاه في ~~المسألة) إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، و (أحفى شاربه) إذا استأصله. # ويخرج أضغانكم أي أحقادكم، وكراهتكم لدين يذهب بأموالكم. وضمير (يخرج) ~~لله تعالى، ويعضده القراءة بنون العظمة. أو للبخل لأنه سبب الأضغان. # PageV08P479 # وقرئ (يخرج) من الخروج، بالياء والتاء، مسندا إلى الأضغان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة محمد (47) : آية 38] # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم (38) # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله أي في جهاد أعدائه، ونصرة دينه ~~فمنكم من يبخل أي بالنفقة فيه. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه أي يمسكه عنها، ~~لأنه يحرمها الأجر، ويكسبها الوزر والله الغني أي: عن كل ما سواه، وكل شيء ~~فقير إليه. ولهذا قال سبحانه وأنتم الفقراء أي بالذات إليه. فوصفه بالغنى ~~وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، لا ينفكون عنه، أي وإذا كان ~~كذلك، فإنما حضكم في النفقة في سبيله ليكسبكم بذلك، الجزيل من ثوابه. # وليعلم أن سبيل الله يشمل كل ما فيه نفع وخير، وفائدة وقربة ومثوبة. ~~وإنما اقتصر المفسرون على الجهاد لأنه فرده الأشهر، وجزئيه الأهم، وقت نزول ~~الآيات، وإلا فلا ينحصر فيه. # وإن تتولوا أي عما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم يستبدل قوما غيركم ~~أي يهلككم ثم يأتي بقوم آخرين غيركم، بدلا منكم، يؤمنون به، ويعملون ~~بشرائعه. # ثم لا يكونوا أمثالكم أي لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله، ~~ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله، ms4153 على ما يؤمرون به. # PageV08P480 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفتح # سميت به لدلالتها على فتح البلاد والحجج والمعجزات والحقائق، وقد ترتب ~~على كل واحد منها المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر العزيز. وكل هذه ~~أمور جليلة- إفادة المهايمي-. # وآيها تسع وعشرون، وهي مدنية. نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الحديبية سنة ست من الهجرة، عدة له بالفتح. قال أنس: لما رجعنا من ~~الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة، فنزلت. ~~واختلف في المكان الذي نزلت فيه، فوقع عند محمد بن سعد (بضجنان) وهي بفتح ~~المعجمة وسكون الجيم ونون خفيفة. وعند الحاكم في- الإكليل- بكراع الغميم. ~~وعن أبي معشر (بالجحفة) . # قال الحافظ ابن حجر: والأماكن الثلاثة متقاربة. # وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال- وهو في بعض أسفاره- لعمر: ~~لقد أنزلت علي الليلة سورة، لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. # وأخرج أيضا عن عبد الله بن مغفل قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~فتح مكة سورة الفتح، فرجع فيها # PageV08P481 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) # إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال الرازي: في الفتح وجوه: # أحدها- فتح مكة، وهو ظاهر. # وثانيها- فتح الروم وغيرها. # وثالثها- المراد من الفتح، صلح الحديبية. # ورابعها- فتح الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان. # وخامسها- المراد منه الحكم، كقوله: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ~~[الأعراف: 89] ، وقوله ثم يفتح بيننا بالحق [سبأ: 26] . انتهى. # ولا يخفى أن الوجوه المذكورة كلها، مما يصدق عليها الفتح الرباني، ~~وجميعها مما تحقق مصداقه. إلا أن سبب نزول الآية، الذي حفظ الثقات زمنه، ~~يبين المراد من الفتح بيانا لا خلاف معه، وهو أنه الوجه الثالث المذكور. # قال الإمام ابن كثير: نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الحديبية، في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده ~~المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام، ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ~~ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، ms4154 وأن يرجع عامه هذا، ثم يأتي من ~~قابل، فأجابهم إلى ذلك، على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله ~~تعالى. فلما نحر صلى الله عليه وسلم هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله عز وجل ~~هذه السورة، فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحا، باعتبار ما فيه ~~من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره ~~أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية. وعن جابر ~~رضي الله عنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم # PageV08P482 # الحديبية. روى البخاري «1» عن البراء رضي الله عنه قال: (تعدون أنتم ~~الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم ~~الحديبية) . # وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية. قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض» ، ثم قرأها ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم- أخرجاه في الصحيحين «2» من رواية قتادة ~~به-. # وروى الإمام أحمد «3» عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه- وكان أحد ~~القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها، إذا ~~الناس ينفرون الأباعر. فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نرجف، فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا. # قال، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رسول الله! أو ~~فتح هو؟ قال صلى الله عليه وسلم: أي والذي نفس محمد بيده! إنه لفتح. ورواه ~~أبو داود في الجهاد. # ثم قال ابن كثير: فالمراد بقوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا- أي بينا ظاهرا- ~~هو صلح ms4155 الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وأمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، ~~وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان. انتهى. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في الكلام على ما في غزوة ~~الحديبية من الفقه واللطائف، ما مثاله: # كان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به، ~~وكلم بعضهم بعضا، وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من ~~إظهار دينه، والدعوة إليه، والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في ~~الإسلام. ولهذا سماه الله فتحا في قوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا نزلت في ~~الحديبية، فقال عمر: # يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: نعم. وأعاد سبحانه ذكر كون ذلك فتحا ~~قريبا. وهذا شأنه سبحانه أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون ~~كالمدخل إليها، PageV08P483 # المنبئة لها وعليها، كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أب، قصة ~~زكريا، وخلق الولد له، مع كونه كبيرا، لا يولد لمثله. وكما قدم بين يدي نسخ ~~القبلة، قصة البيت وبنائه وتعظيمه والتنويه به، وذكر بانيه، وتعظيمه ومدحه. ~~ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له، وقدرته الشاملة له. وهكذا ~~ما قدم بين يدي مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قصة الفيل، وبشارات ~~الكهان به، وغير ذلك. وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانت مقدمة بين يدي الوحي في اليقظة. وكذلك الهجرة، كانت مقدمة بين يدي ~~الأمر بالجهاد. ومن تأمل أسرار الشرع والقدر، رأى من ذلك ما تبهر حكمته ~~أولي الألباب. انتهى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 2] # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما (2) # ليغفر لك الله قال أبو السعود: غاية للفتح، من حيث إنه مترتب على سعيه ~~عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة الله تعالى، بمكابدة مشاق الحروف، ~~واقتحام موارد الخطوب. ما تقدم من ذنبك وما تأخر أي جميع ما فرط منك، من ~~ترك الأولى. وتسميته ms4156 ذنبا، بالنظر إلى منصبه الجليل. # قال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها ~~غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال كغيره، غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ~~أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين، ~~ولا من الآخرين. وهو صلى الله عليه وسلم أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في ~~الدنيا والآخرة. ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله، وأشدهم تعظيما لأوامره ~~ونواهيه، قال حين بركت به الناقة: حبسها حابس الفيل. ثم # قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده! لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون ~~به حرمات الله إلا أجبتهم إليها، فلما أطاع الله في ذلك، وأجاب إلى الصلح، ~~قال الله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ... الآيات» . # وقوله تعالى: ويتم نعمته عليك أي بإظهاره إياك على عدوك، ورفعه ذكرك. # ويهديك صراطا مستقيما أي ويرشدك طريقا من الدين لا عوج فيه. قال أبو ~~السعود: أصل الاستقامة، وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حصل بعد ذلك من ~~اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلا قبل. # PageV08P484 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 3] # وينصرك الله نصرا عزيزا (3) # وينصرك الله نصرا عزيزا أي قويا منيعا، لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، ~~للبأس الذي يؤيدك الله به، والظفر الذي يمدك به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 4] # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين أي السكون والطمأنينة إلى الإيمان ~~والحق. ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم أي يقينا منضما إلى يقينهم. # قال القاشاني: السكينة نور في القلب يسكن به إلى شاهده ويطمئن. وهو من ~~مبادئ عين اليقين، بعد علم اليقين، كأنه وجدان يقيني معه لذة وسرور. # ولله جنود السماوات والأرض أي أنصار ينتقم بهم ممن يشاء ms4157 من أعدائه. # وكان الله عليما حكيما أي في تقديره وتدبيره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 5] # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) # واللام في قوله تعالى ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها متعلق بمحذوف، نحو: أمر بالجهاد ليدخل ... إلخ. أو دبر ~~ما دبر مما ذكر لذلك، أو متعلق ب فتحنا على تعلق الأول به مطلقا، وهذا ~~مقيدا، أو بقوله ليزدادوا. ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا ~~عظيما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 6] # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) # PageV08P485 # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~أي ظن الأمر السوء، وهو أن لا ينصر تعالى رسوله والمؤمنين. عليهم دائرة ~~السوء أي بالتعذيب في الدنيا بأنواع الوقائع، كالقتل والإهانة والإذلال. ~~وقرئ دائرة السوء بالضم، وهما لغتان من (ساء) كالكره والكره. وغضب الله ~~عليهم أي بالقهر والحجب. ولعنهم أي بالطرد والإبعاد في الآخرة. وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 7] # ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) # ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما قيل في سر التكرير: إنه ~~ذكر سابقا على أن المراد به أنه المدبر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته، فلذلك ~~ذيله بقوله عليما حكيما، وهنا أريد به التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم، ~~فلذا ذيله بقوله عزيزا حكيما فلا تكرار. وقيل: إن الجنود جنود رحمة، وجنود ~~عذاب، وأن المراد هنا الثاني، ولذا تعرض لوصف العزة. وقال القاشاني: كررها ~~ليفيد تغليب الجنود الأرضية على السماوية في المنافقين والمشركين، بعكس ما ~~فعل بالمؤمنين. وبدل عليما بقوله عزيزا ليفيد معنى القهر والقمع، لأن العلم ~~من باب اللطف، والعزة من باب القهر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 8] # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ms4158 (8) # إنا أرسلناك شاهدا أي على أمتك بما أجابوك فيما دعوتهم إليه ومبشرا أي ~~لمن استجاب لك بالجنة ونذيرا أي لمن خالفك بالنار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 9] # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه أي تؤيدوا دينه وتقروه وتوقروه أي تعظموه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا أي غدوة وعشيا- على ظاهره- أو دائما، بجعل طرفي النهار ~~كناية عن الجميع، كما يقال (شرقا وغربا) لجميع الدنيا. والضمائر كلها- على ~~ما ذكرنا- لله، وجوز إعادة الأولين للرسول، والأخير لله إلا أن فيه تفكيكا. # PageV08P486 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 10] # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) # إن الذين يبايعونك أي على قتال قريش تحت الشجرة، وأن لا يفروا عند لقاء ~~العدو، ولا يولوهم الأدبار. إنما يبايعون الله أي لأن عقد الميثاق مع رسول ~~الله، كعقده مع الله، من غير تفاوت، لأن المقصود من توثيق العهد مراعاة ~~أوامره تعالى ونواهيه. يد الله فوق أيديهم تأكيد لما قبله. أي أن يد الله ~~عند البيعة فوق أيديهم، كأنهم يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. وقال القاشاني: أي قدرته البارزة في يد الرسول، فوق قدرتهم البارزة ~~في صور أيديهم، فيضرهم عند النكث، وينفعهم عند الوفاء. # فمن نكث أي نقض عهده فإنما ينكث على نفسه أي لعود ضرر ذلك عليه خاصة. ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما وهو الجنة. ### | تنبيه: # هذه البيعة هي بيعة الرضوان. وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية. وكان ~~الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألفا وأربعمائة، ~~وقيل: وثلاثمائة، وقيل: # خمسمائة. والأول أصح- على ما قاله ابن كثير- وقد اقتص سيرتها غير واحد من ~~الأئمة. ولما كانت هذه السورة الجليلة كلها في شأنها، لزم إيرادها مفصلة. # قال ابن إسحاق: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة معتمرا، لا ~~يريد حربا. واستنفر العرب ومن ms4159 حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، ~~وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت. فأبطأ عليه كثير ~~من الأعراب. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين ~~والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس ~~من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت، ومعظما له. # وقال الإمام ابن القيم: قصة الحديبية كانت سنة ست في ذي القعدة. وكان معه ~~ألف وخمسمائة. هكذا في الصحيحين «1» عن جابر. # وفيهما «2» عن عبد الله بن PageV08P487 # أبي أوفى: كنا ألفا وثلاثمائة. وعن جابر فيهما «1» : كانوا ألفا ~~وأربعمائة- والقلب إلى هذا أميل- وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، ~~وسلمة بن الأكوع. ثم لما كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة، وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن ~~قريش، حتى إذا كان قريبا من عسفان، أتاه عينه فقال: إني تركت كعب بن لؤي، ~~قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. ~~واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: أترون أن نميل إلى ذراري ~~هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا ~~يكن عنق قطعها الله؟ أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو ~~بكر: الله ورسوله أعلم! إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد. ولكن من حال ~~بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فروحوا إذن. ~~فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد ~~بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين، فو الله! ما شعر بهم ~~خالد حتى إذا هو بعترة الجيش. فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم، بركت راحلته. فقال ~~الناس: حل حل، فألحت: فقالوا: خلأت القصواء! خلأت القصواء! فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # ما خلأت القصواء، ms4160 وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل! ثم قال: ~~والذي نفسي بيده! لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتموها. ثم ~~زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما ~~يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه. ~~قال، فو الله! ما زال يجيش لهم بالري، حتى صدروا عنه. وفزعت قريش لنزوله ~~عليهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، ~~فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله! ليس بمكة أحد من بني ~~كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما ~~أردت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش ~~وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام. ~~وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشرهم ~~بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفي فيها ~~بالإيمان. فانطلق عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم ~~أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا. فقالوا: PageV08P488 # قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب ~~به، وأسرج فرسه. فحمل عثمان على الفرس وأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة. ~~وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون! فقالوا: ~~وما يمنعه يا رسول الله، وقد خلص قال: ذاك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى ~~نطوف معا. واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد ~~الفريقين رجلا من الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح ~~الفريقان كلاهما، وارتهن كل واحد من ms4161 الفريقين بمن فيهم. وبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل. فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا. فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: هذه عن عثمان. ولما تمت ~~البيعة رجع عثمان. فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف ~~بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده! لو مكثت بها سنة، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية، ما طفت بها، حتى يطوف بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت! فقال ~~المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمنا بالله، وأحسننا ظنا. ~~وكان عمر أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة، فبايعه ~~المسلمون كلهم، إلا الحر بن قيس، وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه ~~سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. فبينا هم كذلك إذ ~~جاء بديل ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا ~~أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجئ لقتال أحد. ولكن جئنا ~~معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم: فإن شاؤوا أماددهم ويخلوا ~~بيني وبين الناس. وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد ~~جموا. وإن أبوا إلا القتال، فو الذي نفسي بيده! لأقاتلنهم على أمري هذا حتى ~~تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى ~~أتى قريشا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن ~~شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: # لا حاجة لنا ms4162 أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال ~~سمعته يقول كذا وكذا. فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة ~~رشد فاقبلوها، ودعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلمه. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحوا من # PageV08P489 # قوله لبديل. فقال له عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت لو استأصلت قومك، هل ~~سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن أخرى، فو الله إني لأرى ~~وجوها، وأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك! فقال له أبو بكر: ~~امصص بظر اللات! أنحن نفر عنه وندعه! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما ~~والذي نفسي بيده! لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك! وجعل يكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته. والمغيرة بن شعبة على ~~رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المغفر. فكلما أهوى عروة ~~إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك ~~عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قال: ~~المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر! أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب ~~قوما في الجاهلية. فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. # ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فو الله! ما ~~تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها ~~جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على ~~وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. ~~فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! لقد وفدت على الملوك: على كسرى وقيصر ~~والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. ~~والله! إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها ms4163 وجهه وجلده، وإذا ~~أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا ~~أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. وقد عرض عليكم خطة رشد ~~فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا ~~فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثوها له، واستقبله القوم ~~يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، ~~فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا عن ~~البيت. فقام مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. # فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز ~~بن حفص، وهو رجل فاجر فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو ~~يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من ~~أمركم، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب، فقال: اكتب: بسم ~~الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن، فو الله ما ندري ما هو، ولكن ~~اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم ~~الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: باسمك اللهم. ثم # PageV08P490 # قال: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: فو الله! لو كنا ~~نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن ~~عبد الله. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله وإن كذبتموني! اكتب: محمد ~~بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين ~~البيت فنطوف به فقال سهيل: والله! لا تتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة، ولكن لك ~~من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل، وإن كان على ~~دينك، إلا رددته إلينا. فقال المسلمون سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين، ~~وقد جاء ms4164 مسلما؟! فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل ابن سهيل يرسف في قيوده، قد ~~خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد ~~أول من قاضيتك عليه أن ترده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض ~~الكتاب بعد، فقال: فو الله! إذن لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: فأجره لي قال: ما أنا بمجيره لك، قال: بلى، فافعل. قال ما ~~أنا بفاعل. قال مكرز: قد أجزناه لك. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين! أرد ~~إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت- وكان قد عذب عذابا شديدا في ~~الله- قال عمر ابن الخطاب: والله! ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! ألست نبي الله؟ قال: بلى! ~~قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ # قال: بلى! فقلت: على م نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا ~~وبين أعدائنا؟ فقال: إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه. قلت: أو لست ~~كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى! أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ ~~قلت: لا! قال: فإنك آتيه، وتطوف به! قال فأتيت أبا بكر، فقلت له كما قلت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت فو الله! إنه لعلى ~~الحق. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قوموا وانحروا ثم احلقوا. فو الله! ما قام منهم رجل ~~حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ~~ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم ~~أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق لك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا ~~منهم، حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه ms4165 فحلقه. فلما رأى الناس ذلك قاموا ~~فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاءت نسوة ~~مؤمنات.، فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات [الممتحنة: 10] ، حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر يومئذ امرأتين ~~كانتا له في الشرك. فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية. # PageV08P491 # ثم رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~... الآيات. فقال لعمر: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم! فقال الصحابة: ~~هنيئا لك يا رسول الله! فما لنا! فأنزلنا الله عز وجل هو الذي أنزل السكينة ~~في قلوب المؤمنين ### | .... # [الفتح: 4] ، الآية. ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير- رجل من قريش- ~~مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي جعلت لنا! فدفعه إلى ~~الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال ~~أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا، فاستله الآخر، فقال: ~~أجل! والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير أرني أنظر إليه، ~~فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر يعدو، حتى بلغ المدينة، فدخل المسجد، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا. فلما انتهى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل، والله! صاحبي، وإني لمقتول. وجاء ~~أبو بصير فقال: يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، وقد رددتني إليهم، فأنجاني ~~الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه! مسعر حرب لو كان له ~~أحد. فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت ~~منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا ~~لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. فو الله! لا يسمعون بعير لقريش خرجت ~~إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. وأرسلت قريش إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، ms4166 ~~فأنزل الله عز وجل وهو الذي كف أيديهم عنكم [الفتح: 24] الآية # . وجرى الصلح بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمن ~~الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامهم ذلك، حتى إذا كان العام المقبل، ~~قدمها، وخلوا بينه وبين مكة، فأقام بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا سلاح ~~الراكب، والسيوف في القرب، وأن من أتانا من أصحابكم لم نرده عليك، ومن أتاك ~~من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا ~~إغلال. فقالوا: يا رسول الله! نعطيهم هذا؟ فقال: من أتاهم منا، فأبعده ~~الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم، جعل الله له فرجا ومخرجا. # هذا ولينظر تتمة ما في فوائد هذه الغزوة ولطائفها في (زاد المعاد) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 11] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) # PageV08P492 # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا قال ~~مجاهد: هم أعراب المدينة، كجهينة ومزينة، استتبعهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لخروجه إلى مكة، فقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوه، فقتلوا أصحابه، ~~فنقاتلهم. فاعتلوا بالشغل. أي سيقولون لك إذا عاتبتهم على التخلف عنك: ~~شغلنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وإصلاح معايشنا، والخوف على أهلنا من ~~الضيعة، فاستغفر لنا ربنا. # وقوله تعالى: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم تكذيب لهم في اعتذارهم، ~~وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله، والنفاق. # وكذا طلبهم للاستغفار أيضا، ليس بصادر عن حقيقة، لأنه بغير توبة منهم. ~~ولا ندم على ما سلف منهم من معصية التخلف. وفيه إيذان بأن اللسان لا عبرة ~~به، ما لم يكن مترجما عن الاعتقاد الحق. # قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا أي لا ~~أحد يمنعه تعالى ms4167 من ذلك، لأنه لا يغالبه غالب. إشارة إلى عدم فائدة ~~استغفاره لهم، مع بقائهم على كذبهم ونفاقهم، ولذا هددهم بقوله سبحانه بل ~~كان الله بما تعملون خبيرا أي فيجازيكم عليه. ### | لطيفة: # قال الناصر: لا تخلو الآية من الفن المعروف عند علماء البيان باللف. وكان ~~الأصل- والله أعلم-: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا، ومن ~~يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعا. لأن مثل هذه النظم يستعمل في الضر. وكذلك ~~ورد في الكتاب العزيز مطردا، كقوله: فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم [المائدة: 17] ، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا [المائدة: 41] ، فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه ~~[الأحقاف: 8] . ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الحديث «1» : إني لا أملك لكم شيئا- # يخاطب عشيرته- وأمثاله كثيرة. وسر اختصاصه بدفع المضرة أن الملك مضاف في ~~هذه المواضع باللام، ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه، وليس كذلك حرمان ~~المنفعة، فإنه ضرر عائد عليه، لا له. فإذا ظهر ذلك، فإنما انتظمت الآية على ~~هذا الوجه، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقدر من ~~خير PageV08P493 # وشر، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة. وخص عبارة دفع الضر، لأنه هو ~~المتوقع لهؤلاء، إذ الآية في سياق التهديد، أو الوعيد الشديد. وهي نظير ~~قوله: قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ~~[الأحزاب: 17] ، فإن العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة. فهاتان ~~الآيتان يرامان في التقرير الذي ذكرته- والله أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : الآيات 12 الى 13] # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) # بل ظننتم أن لن ينقلب أي اعتقدتم أنه لن يرجع الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا أي بل تستأصلهم قريش. وزين ذلك في قلوبكم أي ms4168 حسن الشيطان ذلك ~~وصححه، حتى حبب لكم التخلف. وظننتم ظن السوء وهو عدم نصر الرسول، وعدم ~~رجوعهم من سفرهم هذا. وكنتم قوما بورا هالكين، مستوجبين لسخط الله، أو ~~فاسدين في أعمالكم ونياتكم. # ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا أي: من النار تسعتر ~~عليهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 14] # ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما (14) # ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما قال ابن جرير: هذا من الله جل ثناؤه حث لهؤلاء الأعراب المتخلفين عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، على التوبة والمراجعة إلى أمر الله، في طاعة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. يقول لهم: # بادروا بالتوبة من تخلفكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله ~~يغفر للتائبين، لأنه لم يزل ذا عفو عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبهم ~~ومعاصيهم من عباده، وذا رحمة بهم أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد توبتهم منها. # PageV08P494 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 15] # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # سيقول المخلفون أي بعذر الاشتغال بأموالهم وأهليهم بعد طلبهم الاستغفار ~~لهم إذا انطلقتم أي قصدتم السير إلى مغانم أي أماكنها. قال ابن جرير: وذلك ~~ما كان وعد الله أهل الحديبية من غنائم خيبر ذرونا أي اتركونا في الانطلاق ~~إليها نتبعكم أي نشهد معكم قتال أهلها يريدون أي بعد ظهور كذبهم في ~~الاعتذار، وطلب الاستغفار أن يبدلوا كلام الله # قال ابن جرير: أي وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله جعل ~~غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضا من غنائم أهل مكة، إذ انصرفوا عنها على ~~صلح، ولم يصيبوا منهم شيئا. # وقال آخرون: بل عنى بقوله: يريدون أن يبدلوا كلام الله إرادتهم الخروج مع ms4169 ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة. وقد قال الله تبارك وتعالى في سورة ~~التوبة: فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ~~[التوبة: 83] ، والأكثرون على الأول. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع ~~من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست، وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم، ~~ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية، ففتحها وغنم أموالا كثيرة، فخصها بهم. # قال الشراح: وكان ذلك بوحي. ثم كانت غزوة تبوك بعد فتح خيبر، وبعد فتح ~~مكة أيضا. وفي منصرفه من تبوك نزل قوله تعالى: فاستأذنوك للخروج ... # [التوبة: 83] الآية. فكيف يحمل على ما كان في غزوة الحديبية، وقد نزل ~~بعدها بكثير؟ - والله أعلم-. # قل لن تتبعونا أي إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم. وهو نفي في معنى ~~النهي. # قال الشهاب: فالخبر مجاز عن النهي الإنشائي، وهو أبلغ. # كذلكم قال الله من قبل قال ابن جرير: أي من قبل مرجعنا إليكم. إن غنيمة ~~خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا إلى ~~خيبر، لأن غنيمتها لغيركم فسيقولون بل تحسدوننا أي أن نصيب معكم مغنما إن ~~نحن شهدنا معكم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم. قال الشهاب: وهو # PageV08P495 # إضراب عن كونه بحكم الله. أي بل إنما ذلك من عند أنفسكم حسدا. # بل كانوا لا يفقهون أي عن الله تعالى ما لهم وعليهم من أمر الدين إلا ~~قليلا أي فهما قليلا، وهو ما كان في أمور الدنيا، كقوله تعالى: يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا [الروم: 7] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 16] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) # قل للمخلفين من الأعراب أي عن المسير معك ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~أي يفوق قتال من أقاتلهم، بحيث لا دخل للصلح والأمن فيه، بل تقاتلونهم أو ~~يسلمون أي يدخلون في الدنيا من غير حرب ولا ms4170 قتال. وقرئ شاذا أو يسلموا ~~بمعنى إلا أن يسلموا، أو حتى يسلموا. فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا يعني ~~الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة وإن تتولوا كما توليتم من قبل أي عن ~~الحديبية يعذبكم عذابا أليما أي لتضاعف جرمكم. # ثم خص من هذا الوعيد أصحاب الأعذار، وإن حدثت بعد التخلف الأول، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 17] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) # ليس على الأعمى حرج قال المهايمي: وإن أمكنة القتال بإحساس صوت مشي ~~العدو، ومشي فرسه، لكن يصعب عليه حفظ نفسه عنه. ولا على الأعرج حرج أي وإن ~~أمكنه القتال قاعدا، لكن لا يمكنه الكر والفر، ولا يقوى قوة القائم ولا على ~~المريض حرج أي فإنه وإن أمكنه الإبصار والقيام، فلا قوة له في دفع العدو، ~~فضلا عن الغلبة عليه. # ثم أشار تعالى إلى أن هؤلاء، وإن فاتهم الجهاد، لا ينقص ثوابهم إذا ~~أطاعوا الله ورسوله، بقوله سبحانه: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار # PageV08P496 # ومن يتول # أي عن إطاعتهما، وإن كان أعمى أو أعرج أو مريضا يعذبه عذابا أليما أي ~~بالمذلة دنيا، والنار أخرى. ### | تنبيه: # اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين هم (أولو بأس شديد) - على أقوال: # أحدها- أنهم هوازن. # الثاني- ثقيف، وكلاهما غزاه النبي صلى الله عليه وسلم. # الثالث- بنو حنيفة الذين تابعوا مسيلمة الكذاب، وغزاهم أبو بكر رضي الله ~~عنه. # الرابع- أهل فارس والروم، الذين غزاهم عمر رضي الله عنه. # ومثار الخلاف هو عموم ظاهر الآية، وشمول مصداقها لكل الغزوات المذكورة. ~~ولو عد من الأوجه كفار مكة، لم يبعد، بل عندي هو الأقرب، لأن السين ~~للاستقبال القريب، فإن هذه السورة نزلت عدة بفتح مكة، منصرفه صلى الله عليه ~~وسلم من الحديبية، وعلى أثرها كانت غزوة الفتح الأعظم، التي لم يتخلف عنها ~~من القبائل الشهيرة أحد، إذ دعاهم النبي صلى الله ms4171 عليه وسلم إلى قتال قريش ~~أو يسلموا، فكان ما كان من إسلامهم طوعا أو كرها- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 18] # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة يعني بيعة أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، ~~وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر، تحت شجرة هناك. # وقد أجمع الرواة في الصحاح على أن الشجرة لم تعلم بعد. ففي الصحيحين «1» ~~من حديث أبي عوانة عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي ~~علينا مكانها، وإن كان بينت لكم، فأنتم أعلم. PageV08P497 # وفيهما أيضا عن سفيان قال: إنهم اختلفوا في موضعها. # وروى ابن جرير عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: كان جدي يقال له (حزن) ، ~~وكان ممن بايع تحت الشجرة، فأتيناها من قابل، فعميت علينا. # ثم قال ابن جرير: وزعموا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان ~~بعد أن ذهبت الشجرة فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هنا، وبعضهم يقول: # ها هنا! فلما كثر اختلافهم قال: سيروا، هذا التكلف، فذهبت الشجرة، وكانت ~~سمرة، إما ذهب بها سيل، وإما شيء سوى ذلك. انتهى. # وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن ~~عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة، فيصلون عندها، فتوعدهم، ثم أمر بقطعها، ~~فقطعت!. # ولا ينافي ما تقدم، لاحتمال أن هؤلاء علموا مكانها، أو توهموها، فاتخذوها ~~مسجدا، ومكانا مقدسا، فقطعها عمر حالتئذ، صونا لعقيدتهم من الشرك، لأن ~~الاجتماع على العبادة حولها يفضي إلى عبادتها بعد، كما أفضى نصب الأوثان ~~إلى عبادتها، وكان أول أمرها لتعظيم مسمياتها، وإجلال مثال أصحابها. # وقال في (الفتح) أيضا في شرح حديث ابن عمر، وقوله: رجعنا من العام ~~المقبل، فما ms4172 اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها. كانت رحمة من ~~الله، ما مثاله: # وقد وافق المسيب بن حزن، والد سعيد، ما قاله ابن عمر من خفاء الشجرة. # والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان، لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت ~~لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة ~~نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها. وإلى ذلك أشار ابن عمر ~~بقوله (كانت رحمة من الله) أي كان خفاؤها عليهم، بعد ذلك، رحمة من الله ~~تعالى. انتهى. # وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، سميت لهذه الآية، وتقدمت قصتها مفصلة. # فعلم ما في قلوبهم أي من الصدق والعزيمة على الوفاء بالعهد فأنزل السكينة ~~عليهم أي في الصبر والطمأنينة والوقار. وأثابهم فتحا قريبا قال ابن جرير: ~~أي وعوضهم في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة، بقتالهم أهلها، ~~فتحا قريبا، وذلك- فيما قيل- فتح خيبر. # PageV08P498 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 19] # ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) # ومغانم كثيرة يأخذونها وهي مغانم خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال، ~~فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل بيعة الرضوان خاصة. وكان الله ~~عزيزا حكيما أي ذا عزة في انتقامه من أعدائه، وحكمة في تدبير خلقه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 20] # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ~~ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها يعني ما يفيء عليهم من غنائم الكفار في ~~سبيل الجهاد. فعجل لكم هذه يعني غنائم خيبر. وأما الغنائم المؤخرة فسائر ~~فتوح المسلمين بعد ذلك الوقت، إلى قيام الساعة. وقيل: المعجلة هي صلح ~~الحديبية. والصواب هو الأول، كما قاله ابن جرير، لأن المسلمين لم يغنموا ~~بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالحديبية إليها، من فتح خيبر وغنائمها. وكف أيدي الناس عنكم أي ~~أيدي أهل ms4173 خيبر، فانتصرتم عليهم، أو أيدي المشركين من قريش عنكم في ~~الحديبية. واختار ابن جرير الأول. # قال: لأن الثاني سيذكر في قوله تعالى: وهو الذي كف أيديهم عنكم ... ~~الآية. أي والتأسيس خير من التأكيد. ولك أن تقول: لا مانع من التأكيد، لا ~~سيما في مقام التذكير بالنعم، والتنويه بشأنها. وتكون الآية الثانية بمثابة ~~التفسير للأولى، والتبيين لمطلقها- والله أعلم-. # ولتكون آية للمؤمنين أي ولتكون تلك الكفة أو الغنيمة عبرة للمؤمنين، ~~يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه ضامن نصرهم، والفتح لهم. ~~ويهديكم صراطا مستقيما أي ويزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بفضل الله. وقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 21] # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها معطوف على هذه أي فعجل لكم هذه ~~المغانم، ومغانم أخرى، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، لأنه قال: لم # PageV08P499 # تقدروا عليها # وهذا يدل على ما تقدم محاولة لها. وقال الحسن: هي فارس والروم. # قال القرطبي: وكونها معجلة، وإن كانت لم تحصل إلا في عهد عمر، بالنسبة ~~لما بعدها من الغنائم الإسلامية. # وعن قتادة: هي مكة. قال ابن جرير: وهذا القول الذي قاله قتادة، أشبه بما ~~دل عليه ظاهر التنزيل. وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تحت الشجرة أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها. ومعقول أنه لا ~~يقال لقوم، لم يقدروا على هذه المدينة، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذرت ~~عليهم. فأما وهم لم يروموها فتتعذر عليهم، فلا يقال إنهم لم يقدروا عليها. ~~فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد ~~قبل نزول هذه الآية عليه، خيبر لحرب، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشا ولا ~~سرية، علم أن المعنى بقوله وأخرى لم تقدروا عليها غيرها، وأنها هي التي ~~عالجها ورامها فتعذرت، فكانت مكة وأهلها كذلك. وأخبر الله تعالى نبيه ~~والمؤمنين، أنه أحاط بها وبأهلها. وأنه ms4174 فاتحها عليهم. انتهى. # وقال القرطبي: معنى قد أحاط الله بها أي أعدها لكم، فهي كالشيء الذي أحيط ~~به من جميع جوانبه، فهو محصور لا يفوت. فأنتم، وإن لم تقدروا عليها في ~~الحال، فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: أحاط الله بها علم أنها ستكون ~~لكم، كما قال وأن الله قد أحاط بكل شيء علما. وقيل: حفظها الله عليكم، ~~ليكون فتحها لكم. انتهى. # وقد جوز في أخرى أن تكون معطوفة على مغانم المنصوب ب وعدكم وأن تكون ~~مرفوعة بالابتداء ولم تقدروا عليها صفتها وقد أحاط الله بها خبر. وأوجه ~~أخر. # وكان الله على كل شيء قديرا أي: لا يبعد عليه إذا شاءه. # ثم أشار تعالى إلى تبشير أهل بيعة الرضوان بالظفر والنصر المستمر، لصدق ~~إيمانهم إخلاصهم في ثباتهم، وإيثارهم مرضاة الله ورسوله على كل محبوب، ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : الآيات 22 الى 23] # ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) ~~سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) # ولو قاتلكم أي بعد هذا الفتح والنصر المعجل الذين كفروا لولوا الأدبار # PageV08P500 # أي ولوكم أعجازهم في الحرب، فعل المنهزم من قرنه في الحرب. ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا أي من يواليهم على حربكم، وينصرهم عليكم. # سنة الله التي قد خلت من قبل أي مضت في كفار الأمم السالفة مع مؤمنيها. # ولن تجد لسنة الله تبديلا أي تغييرا. # قال ابن جرير: بل ذلك دائم. للإحسان جزاؤه من الإحسان، وللإساءة والكفر ~~العقاب والنكال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 24] # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~وكان الله بما تعملون بصيرا (24) # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~أي قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة، بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة. ~~إشارة إلى منة الصلح ونعمته في الحديبية، وأن ذلك عناية منه تعالى بما حفظ ~~من ms4175 أنفسهم وأموالهم، ولطف بهم يومئذ لما ادخر لهم بعده. # وقد ذهب بعضهم إلى أنه عنى بهذا الكف، ما كان يوم الفتح. ونظر فيه بأن ~~السورة نزلت قبله. # وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس أن قريشا كانوا ~~بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليصيبوا من أصحابه أخذا، فأخذوا أخذا. فأتى بهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم. وقد كانوا رموا في عسكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: ففي ذلك قال: وهو ~~الذي كف أيديهم عنكم ... الآية. # وروى ابن جرير عن مجاهد قال: أقبل معتمرا نبي الله صلى الله عليه وسلم. ~~فأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فذلك الإظفار ببطن مكة. # قال قتادة: بطن مكة، الحديبية. # وكان الله بما تعملون بصيرا أي فيجازيكم عليه. # PageV08P501 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 25] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) # هم الذين كفروا أي هؤلاء المشركون من قريش، هم الذي جحدوا توحيد الله ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي أي وصدوا الهدي أيضا، وهو ما يهدى إلى مكة ~~من النعم معكوفا أي محبوسا. قال السمين: يقال: عكفت الرجل عن حاجته إذا ~~حبسته عنها. وأنكر الفارسي تعدية (عكف) بنفسه، وأثبتها ابن سيده والأزهري ~~وغيرهما، وهو ظاهر القرآن، لبناء اسم المفعول منه. انتهى. # وقوله تعالى: أن يبلغ محله قال ابن جرير: أي محل نحره. وذلك دخول الحرم، ~~والموضع الذي إذا صار إليه حل نحره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق ~~معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك، سبعين بدنة. # وفي الآية دليل على أن محل ذبح الهدي، ms4176 الحرم. # ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات أي موجودون بمكة مع الكفار لم تعلموهم أي ~~بصفة الإيمان وهم بمكة، حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك ~~الخروج إليكم. أن تطؤهم أي تقتلوهم مع الكفار، لو أذن لكم في الفتح بدل ~~الصلح. قال السمين: أن تطؤهم يجوز أن يكون بدلا من (رجال ونساء) غلب ~~الذكور، وأن يكون بدلا من مفعول تعلموهم. فالتقدير على الأول (ولولا وطء ~~رجال ونساء غير معلومين) . وتقدير الثاني (لم تعلموا وطأهم) والخبر محذوف ~~تقديره (ولولا رجال ونساء موجودون، أو بالحضرة) . # انتهى. # فتصيبكم منهم معرة أي إثم وغرامة. من (عره) إذا عراه ما يكرهه. وقوله ~~بغير علم حال من الضمير المرفوع في تطؤهم أي تطئوهم غير عالمين بهم. # وفي جواب لولا أقوال: # أحدها- أنه محذوف لدلالة الكلام عليه. والمعنى ولولا كراهة أن تهلكوا ~~ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين، وأنتم غير عارفين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم # PageV08P502 # مكروه ومشقة، لما كف أيديكم عنهم، ولأذن لكم في دخول مكة مقاتليهم. # والثاني- أنه مذكور، وهو لعذبنا وجواب (لو) هو المحذوف. فحذف من الأول ~~لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول. # والثالث- أن قوله لعذبنا جوابهما معا، وهو بعيد إن أريد حقيقة ذلك. # وذكر الزمخشري قريبا من هذا فإنه قال: ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير ~~ل لولا رجال مؤمنون لمرجعهما لمعنى واحد، ويكون لعذبنا هو الجواب. ومنع ~~الشيخ رجوعهما لمعنى واحد، قال: لأن ما تعلق به الأول غير ما تعلق به ~~الثاني- أفاده السمين-. # وأجاب الناصر بقوله: وإنما كان مرجعهما هاهنا واحدا، وإن كانت (لولا) تدل ~~على امتناع لوجود، و (لو) تدل على امتناع لامتناع. وبين هذين تناف ظاهر، ~~لأن (لولا) هاهنا دخل على وجود، و (لو) دخلت على قوله تزيلوا وهو راجع إلى ~~عدم وجودهم. وامتناع عدم الوجود وجود. فآلا إلى أمر واحد من هذا الوجه. ~~قال: # وكان جدي رحمه الله يختار هذا الوجه الثاني، ويسميه تطرية. وأكثر ما تكون ~~إذا تطاول الكلام، وبعد عهد أوله، واحتيج إلى رد الآخر على الأول، فمرة ~~يطري بلفظه، ومرة ms4177 بلفظ آخر يؤدي مؤداه وقد تقدمت لهما أمثال. ### | ### | تنبيه: # # فسر ابن إسحاق (المعرة) بالدية، ذهابا إلى أن دار الحرب لا تمنع من ذلك. # وهو مذهب الشافعي. وذهب غيرهما إلى أنها تمنع من ذلك، ومنهم ابن جرير حيث ~~قال: (المعرة) هي كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة لمن أطاق ذلك، ومن ~~لم يطق فصيام شهرين. قال: وإنما اخترت هذا القول، دون القول الذي قاله ابن ~~إسحاق، لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب- إذا لم يكن هاجر ~~منها، ولم يكن قاتله علم إيمانه- الكفارة دون الدية فقال فإن كان من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة لم يوجب على قاتله خطأ ديته، فلذلك ~~قلنا: عنى بالمعرة في هذا الموضع الكفارة. انتهى. # ليدخل الله في رحمته من يشاء متعلق بما يدل عليه الجواب المحذوف، كأنه ~~قيل عقيبه: لكن كفها عنهم، ولم يأذن لكم في مقاتلتهم، ليدخلكم في رحمته ~~الكاملة بحفظكم من المعرة. وقد جوز أن يكون من يشاء عبارة عمن رغب في ~~الإسلام من المشركين، وعليه اقتصر ابن جرير، قال: أي ليدخل الله في # PageV08P503 # الإسلام من أهل مكة من يشاء، قبل أن تدخلوها. وناقش فيه أبو السعود بأن ~~ما بعده من فرض التنزيل وترتيب التعذيب عليه، يأباه. # لو تزيلوا أي لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين، والنساء المؤمنات، ~~الذين لم تعلموهم منهم لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما أي بالقتل أو ~~الأسر أو نوع آخر من العذاب الآجل. ### | تنبيه: # قال إلكيا الهراسي: في الآية دليل على أنه لا يجوز حرق سفينة الكفار، إذا ~~كان فيها أسرى من المسلمين، وكذلك رمي الحصون إذا كانوا بها، والكفار إذا ~~تترسوا بهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 26] # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما (26) # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية قال ابن ms4178 جرير: وذلك ~~حين جعل سهيل بن عمرو في قلبه الحمية، فامتنع أن يكتب في كتاب المقاضاة ~~الذي كتب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين (بسم الله الرحمن ~~الرحيم) ، وأن يكتب فيه محمد رسول الله وامتنع هو وقومه من دخول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عامه ذلك. والعامل في الظرف إما (لعذبنا) أو (صدوكم) أو ~~(اذكر) مقدرا، فيكون مفعولا به. و (الحمية) الأنفة، وهي الاستكبار ~~والاستنكاف، مصدر من (حمى من كذا) حمية. # وقوله تعالى فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين عطف على منوي. # أي: فهم المسلمون أن يأبوا ذلك، ويقاتلوا عليه، فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين. يعني: الوقار والتثبت، حتى صالحوهم على أن يعودوا من ~~قابل، وعلى ما تقدم. # وألزمهم كلمة التقوى أي اختارها لهم، فالإلزام مجاز عما ذكر من اختيارها ~~لهم، وأمرهم بها. # PageV08P504 # وكانوا أحق بها قال أبو السعود: أي متصفين بمزيد استحقاق لها. على أن ~~صيغة التفضيل للزيادة مطلقا. وقيل: أحق بها من الكفار. وأهلها أي المستأهل ~~لها. وكان الله بكل شيء عليما. قال أبو السعود: أي فيعلم حق كل شيء، فيسوقه ~~إلى مستحقه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 27] # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون. # قال ابن جرير: أي لقد صدق الله رسوله محمدا رؤياه التي أراها إياه أنه ~~يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين، لا يخافون أهل الشرك، مقصرا بعضهم ~~رأسه، ومحلقا بعضهم. ثم روي عن مجاهد أنه قال: أري بالحديبية أنه يدخل مكة ~~وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ # وعن ابن زيد قال: قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت أنكم ~~ستدخلون المسجد الحرام محلقين ms4179 رؤوسكم مقصرين، فلما نزل بالحديبية، ولم يدخل ~~ذلك العام، طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه؟ فقال الله لقد صدق ~~الله رسوله ... # الآية، إني لم أره يدخلها هذا العام، وليكونن ذلك. والرؤيا منصوب بنزع ~~الخافض، أي صدقه في رؤياه. أي حقق صدقها عنده، كما هو عادة الأنبياء عليهم ~~السلام، ولم يجعلها أضغاث أحلام. أو منصوب على أنه مفعول ثان، وهو ما قاله ~~الكرماني، وعبارته: (كذب) يتعدى إلى مفعولين، يقال: كذبني الحديث، وكذا ~~(صدق) كما في الآية. وهو غريب لتعدي المثقل لواحد، والمخفف لمفعولين. # وقوله بالحق حال من الرؤيا. أي متلبسة بالحق، ليست من قبيل أضغاث ~~الأحلام. # وقوله لتدخلن جواب قسم محذوف. أي: والله! لتدخلن. # وقوله إن شاء الله تعليق للعدة بالمشيئة، لتعليم العباد. أو للإشعار بأن # PageV08P505 # بعضهم لا يدخل، فهو في معنى: ليدخلنه من شاء الله دخوله منكم. أو حكاية ~~لما قاله ملك الرؤيا، أو النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه. # وقوله محلقين حال مقدرة، لأن الدخول في حال الإحرام، لا في حال الحلق ~~والتقصير. وفي الكلام تقدير، أو هو من نسبة ما للجزء إلى الكل. والمعنى: ~~ملحقا بعضكم، ومقصرا آخرون. والقرينة عليه: أنه لا يجتمع الحلق والتقصير، ~~فلا بد من نسبة كل منهما لبعض منهم. # وثبت في الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله ~~المحلقين! قالوا: # والمقصرين يا رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين؟ قالوا: والمقصرين يا ~~رسول الله؟ قال: رحم الله المحلقين! قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال: ~~والمقصرين! # وقوله تعالى لا تخافون حال مؤكدة لقوله آمنين أو مؤسسة، لأن اسم الفاعل ~~للحال والمضارع للاستقبال، فيكون أثبت لهم الأمن حال الدخول. ونفى عنهم ~~الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد. # قال الحافظ ابن كثير: وهذا كان في عمرة القضاء، في ذي القعدة سنة سبع، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة، رجع إلى ~~المدينة، فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله ms4180 ~~عليه. بعضها عنوة، وبعضها صلحا، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، ~~فاستخدم من فيها من اليهود عليها، على الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية ~~وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم، إلا الذين قدموا من الحبشة: جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم، ولم يغب منهم أحد. قال ~~ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة، كما هو مقرر في موضعه. ثم رجع ~~المدينة، فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع، خرج صلى الله عليه وسلم إلى ~~مكة معتمرا، هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، ساق معه الهدي. قيل: ~~كان ستين بدنة. فلبى، وسار وأصحابه يلبون، قريبا من مر الظهران، بعث محمد ~~بن سلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم ~~وبينه، من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة. فلما جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزل بمر الظهران، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث ~~السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار بالسيوف إلى مكة مغمدة ~~في قربها، كما شارطهم PageV08P506 # عليه. فلما كان في أثناء الطريق، بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد! ~~ما عرفناك تنقض العهد! فقال صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: دخلت علينا ~~بالسلاح، القسي والرماح! فقال صلى الله عليه وسلم: لم يكن ذلك، وقد بعثنا ~~به إلى يأجج؟ فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء # . وخرجت رؤوس الكفار من مكة، لئلا ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإلى أصحابه رضي الله عنه، غيظا وحنقا. وأما بقية أهل مكة من الرجال ~~والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت، ينظرون إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام، وبين يديه أصحابه ~~يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء، التي كان ~~راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول ms4181 ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: # باسم الذي لا دين إلا دينه ... باسم الذي محمد رسوله # خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تأويله # كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله # في صحف تتلى على رسوله ... بأن خير القتل في سبيله # يا رب! إني مؤمن بقيله # وروى الإمام أحمد «1» من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في عمرته، بلغ أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف؟ فقال أصحابه: لو انتحرنا، ~~من ظهرنا، فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم، ~~وبنا جمامة. قال صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من ~~أزوادكم، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تولوا، وحثا كل واحد منهم ~~في جرابه. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد، وقعدت ~~قريش نحو الحجر فاضطبع صلى الله عليه وسلم بردائه، ثم قال: لا يرى القوم ~~فيكم غميزة، فاستلم الركن، ثم دخل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى ~~الركن الأسود، فقالت قريش: ما يرضون بالمشي إنهم لينقزون نقز الظباء؟ ففعل ~~ذلك ثلاثة أطواف، فكانت سنة. # قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع. PageV08P507 # وروى أحمد «1» من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها سوءا، ~~فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، ~~وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم على ما قالوا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ~~الأشواط الثلاثة، ليرى المشركون جلدهم. قال، فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن ~~يمشوا بين ms4182 الركنين، حيث لا يراهم المشركون. # وفي رواية: ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم أن يرملوا ~~الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. # وفي ابن كثير زيادة من الأحاديث في هذا الباب، فليراجعها من أحب الزيادة. # وقوله تعالى فعلم ما لم تعلموا أي من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة، ~~ودخولكم إليها، عامكم ذلك. # قال ابن جرير: وذلك علمه تعالى ذكره بما بمكة من الرجال والنساء المؤمنين ~~لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها في ذلك العام لوطئوهم بالخيل والرجل، ~~فأصابتهم منهم معرة بغير علم، فردهم الله عن مكة من أجل ذلك. وليدخل في ~~رحمته من يشاء ممن يريد أن يهديه. فجعل من دون ذلك أي قبل دخولكم الذي ~~وعدتم به في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتحا قريبا يعني الصلح الذي جرى ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، أو فتح خيبر، لتستروح ~~إليه قلوب المؤمنين، إلى أن يتيسر الفتح الموعود. وإلى الأول ذهب الزهري، ~~قال: يعني صلح الحديبية. وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان ~~القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة، وضعت الحرب وأمن الناس كلهم ~~بعضهم بعضا، فالتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد ~~بالإسلام، يعقل شيئا، إلا دخل فيه. فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام ~~مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. ووافقه مجاهد وإلى الثاني ذهب ابن ~~زيد. # قال ابن جرير: والصواب أن يعم فيقال: جعل الله من دون ذلك كليهما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية # 28] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28) # هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي البيان الواضح ودين الحق أي الإسلام. ~~PageV08P508 # وقال المهايمي: بالهدى أي الدلائل القطعية ودين الحق أي الاعتقادات ~~الصائبة المطابقة لما هو الواقع أشد مطابقة. # وقال ابن كثير: أي بالعلم النافع، والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على ~~شيئين: علم وعمل. فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق، ms4183 ~~وإنشاءاتها عدل. ليظهره أي ليعليه على الدين كله قال ابن جرير: أي ليبطل به ~~الملل كلها، حتى لا يكون دين سواه. وذلك حين ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل ~~الدجال، فحينئذ تبطل الأديان كلها، غير دين الله الذي بعث به محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، ويظهر الإسلام على الأديان كلها. انتهى. # وقال ابن تيمية: قد أظهره الله علما وحجة وبيانا على كل دين، كما أظهره ~~قوة ونصرا وتأييدا، وقد امتلأت الأرض منه ومن أمته في مشارق الأرض ~~ومغاربها، وسلطانهم دائم لا يقدر أحد أن يزيله، كما زال ملك اليهود، وزال ~~ملك من بعدهم عن خيار الأرض وأوسطها. انتهى. # وكفى بالله شهيدا أي على أن ما وعده من إظهار دينه على جميع الأديان أو ~~الفتح أو المغانم كائن. قال الحسن: شهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على ~~الدين كله. # قال ابن جرير: وهذا إعلام من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، والذين ~~كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من ~~البلدان، مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن، بانصرافهم عن مكة قبل ~~دخولها، وقبل طوافهم بالبيت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفتح (48) : آية 29] # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ~~يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة وأجرا عظيما (29) # محمد رسول الله والذين معه أي أصحابه أشداء على الكفار رحماء بينهم أي ~~لهم شدة وغلظة على الكفار المحاربين لهم، الصادين عن سبيل الله، وعندهم # PageV08P509 # تراحم فيها بينهم، كقوله تعالى: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~[المائدة: 54] . ### | ### | لطائف: # # الأولى- جوز في محمد رسول الله أن يكونا مبتدأ وخبرا، وأن يكون رسول الله ~~صفة، أو عطف بيان، أو بدلا، والذين معه عطف عليه. وخبرهما أشداء على ~~الكفار. # الثانية- قال ms4184 الشهاب: قوله تعالى رحماء بينهم تكميل، لو لم يذكر لربما ~~توهم أنهم لاعتيادهم الشدة على الكفار قد صار ذلك لهم سجية في كل حال، وعلى ~~كل أحد. فلما قيل رحماء بينهم اندفع ذلك التوهم، فهو تكميل واحتراس، كما في ~~الآية المتقدمة، فإنه لما قيل أذلة على المؤمنين ربما توهم أن مفهوم القيد ~~غير معتبر، وأنهم موصوفون بالذل دائما، وعند كل أحد، فدفع بقوله أعزة على ~~الكافرين فهو كقوله: # حليم إذا ما الحلم زين أهله ... على أنه عند العدو مهيب # الثالثة- قال المهايمي: تفيد الآية أن دين الحق قد ظهر في أصحابه صلوات ~~الله عليه، إذ اعتدلت قوتهم الغضبية! بتبعية اعتدال المفكرة والشهوية، إذ ~~هم أشداء على الكفار، لرسوخهم في صحة الاعتقاد، بحيث يغارون على من لم يصح ~~اعتقاده، رحماء بينهم، لعدم ميلهم إلى الشهوات. هذا باعتبار الأخلاق، وأما ~~باعتبار الأعمال، فأنت تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا قال ~~ابن كثير: وصفهم بكثرة العمل، وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال. ووصفهم ~~بالإخلاص فيها لله عز وجل، والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، وهو ~~الجنة المشتملة على فضل الله عز وجل، وهو سعة الرزق عليهم ورضاه تعالى ~~عنهم! وهو أكبر من الأولى، كما قال جل وعلا ورضوان من الله أكبر [التوبة: ~~72] انتهى. # سيماهم في وجوههم مبتدأ وخبر، أي علامتهم كائنة فيها. وقوله تعالى من أثر ~~السجود بيان للسيما، كأنه قيل: سيماهم التي هي أثر السجود. أو حال من ~~المستكن في (وجوههم) . # قال الشهاب: وهي على ما قبله خبر مبتدأ تقديره: هي من أثر السجود. # انتهى. # PageV08P510 # وهل الوجوه مجاز عن الذوات، أو حقيقة؟ في معناها تأويلان للسلف، فعن ابن ~~عباس سيماهم في وجوههم يعني السمت الحسن. وقال مجاهد وغير واحد، يعني ~~الخشوع والتواضع. وقال منصور لمجاهد: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه، ~~فقال مجاهد، ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون. وقال بعض السلف: # من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار. وقد رفعه ابن ماجة. والصحيح أنه ~~موقوف. ms4185 وقال بعضهم: إن للحسنة لنورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في ~~الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: ما ~~أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وروى ~~الطبراني مرفوعا: ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله تعالى رداءها، إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر- وإسناده واه، لأن فيه العرزمي وهو متروك-. # وروى الإمام أحمد «1» عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله ~~للناس كائنا ما كان. # وأخرج أيضا «2» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الهدى ~~الصالح، والسمت الصالح والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة. ~~ورواه أبو داود أيضا. # والتأويل الثاني في الآية، أن ذلك آثار ترى في الوجه من ثرى الأرض، أو ~~ندى الطهور. روي ذلك عن ابن جبير وعكرمة. وقد كان ذلك في العهد النبوي، حيث ~~لا فراش للمسجد إلا ترابه وحصباؤه. # وكل من المعنيين من (سيماهم) رضي الله عنهم وأرضاهم. # وقوله تعالى ذلك أي الوصف مثلهم في التوراة أي صفتهم العجيبة فيها ومثلهم ~~في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه أو سنبله أو نباته فآزره أي قواه ~~فاستغلظ أي فغلظ الزرع واشتد. فالسين للمبالغة في الغلظ، أو صار من الدقة ~~إلى الغلظ فاستوى على سوقه أي استقام على قصبه. و (والسوق) جمع ساق يعجب ~~الزراع أي يعجب هذا الزرع الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه، وحسن ~~نباته، وبلوغه وانتهائه، الذين زرعوه. وقوله تعالى ليغيظ بهم الكفار ~~PageV08P511 # تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وقوتهم، كأنه قيل: إنما ~~قواهم وكثرهم ليغيظ بهم الكفار. ### | لطائف: # الأولى: يجوز في قوله تعالى ومثلهم في الإنجيل كزرع وجهان: # أحدهما- أنه مبتدأ، وخبره كزرع فيوقف على قوله في التوراة فهما مثلان، ~~وإليه ذهب ابن عباس. # والثاني- أنه معطوف على مثلهم الأول، فيكون مثلا واحدا في الكتابين، ~~ويوقف حينئذ على ms4186 في الإنجيل، وإليه نحا مجاهد والفراء، ويكون قوله كزرع في ~~هذا فيه أوجه: # أحدهما- أنه خبر مبتدأ مضمر. أي مثلهم كزرع، فسر به المثل المذكور في ~~الإنجيل. # الثاني- أنه حال من الضمير في مثلهم أي مماثلين زرعا هذه صفته. # الثالث- أنه نعت مصدر محذوف، أي تمثيلا كزرع- ذكره أبو البقاء-. # قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله كزرع كقوله ~~وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء [الحجر: 66] ، - أفاده السمين-. # الثانية- قال السمين: الضمير المستتر في فآزره للزرع، والبارز للشطء. # وعكس النسفي، فجعل المستتر للشطء، والبارز للزرع. أي فقوي الشطء بكثافة ~~الزرع وكثافته كثرة فروعه وأوراقه. قال الجمل: وما صنعه النسفي أنسب، فإن ~~العادة أن الأصل يتقوى بفروعه، فهي تعينه وتقويه. # الثالثة- قال السمين: يعجب الزراع حال. أي حال كونه معجبا، وهنا تم ~~المثل. # الرابعة- قال الزمخشري: هذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام، وترقيه في ~~الزيادة، إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده، ثم ~~قواه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع، ما يحتف بها مما ~~يتولد منها حتى يعجب الزراع. # PageV08P512 # وهذا ما قاله البغوي من أن (الزرع) محمد، و (الشطء) أصحابه والمؤمنون، ~~فجعلا التمثيل للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. # وأما القاضي فجعله مثالا للصحابة فقط. وعبارته: وهو مثل ضربه الله تعالى ~~للصحابة، قلوا في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم، بحيث أعجب ~~الناس. # قال الشهاب: ولكل وجهة. # الخامسة- قال ابن كثير: من هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه، ~~في رواية عنه، تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم. قال: ~~لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة، فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من ~~العلماء على ذلك- انتهى كلام ابن كثير-. # ولا يخفاك أن هذا خلاف ما اتفق عليه المحققون من أهل السنة والجماعة من ~~أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، كما بسط في كتب العقائد، وأوضحه النووي في ~~شرح (مقدمة مسلم) ، وقبله الإمام الغزالي في كتابه (فيصل التفرقة) . وقد ~~كان من جملة البلاء ms4187 في القرون الوسطى التسرع من الفقهاء بالتكفير والزندقة. ~~وكم أريقت دماء في سبيل التعصب لذلك، كما يمر كثير منه بقارئ التاريخ. على ~~أن كلمة الأصوليين اتفقت على أن المجتهد كيفما كان، مأجور غير مأزور، ناهيك ~~بمسألة عدالتهم المتعددة أقوالها، حتى في أصغر كتاب في الأصول كمثل (جمع ~~الجوامع) . # نعم، إن التطرف والغلو في المباحث ليس من شأن الحكماء المنصفين. وإذا ~~اشتد البياض صار برصا. # وعد الله الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~أي عفوا عما مضى من ذنوبهم، وسيء أعمالهم بحسنها. وأجرا عظيما أي ثوابا ~~جزيلا، وهو الجنة. # PageV08P513 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحجرات # قال المهايمي: سميت بها لدلالة آيتها على سلب إنسانية من لا يعظم رسول ~~الله غاية التعظيم، ولا يحترمه غاية الاحترام. وهو من أعظم مقاصد القرآن. # وهي مدنية، وآيها ثمان عشرة. # وقد انفردت هذه السورة بآداب جليلة، أدب الله بها عباده المؤمنين فيما ~~يعاملون به نبيه صلى الله عليه وسلم، من التوقير والتبجيل. # PageV08P514 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال ابن جرير: أي يا ~~أيها الذين أقروا بوحدانية الله، ونبوة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا تعجلوا ~~بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا ~~بخلاف أمر الله، وأمر رسوله. # محكي عن العرب: فلان يقدم بين يدي إمامه، بمعنى يعجل الأمر والنهي دونه. # انتهى. # وتقدموا إما متعد حذف مفعوله، لأنه أريد به العموم، أو أنه نزل منزلة ~~اللازم لعدم القصد إلى المفعول، كما تقول: فلان يعطي ويمنع. أو هو لازم، ~~فإن (قدم) يرد بمعنى (تقدم) كبين، فإنه متعد، ويكون لازما بمعنى تبين. # وفي هذه الجملة تجوزان: # أحدهما- في (بين اليدين) ، فإن حقيقته ما بين العضوين، فتجوز بهما عن ~~الجهتين المقابلتين لليمين والشمال، قريبا منه بإطلاق اليدين ms4188 على ما ~~يجاورهما ويحاذيهما. فهو من المجاز المرسل، ثم استعيرت الجملة استعارة ~~تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء، ومتابعة لمن يلزم متابعته، تصويرا لهجنته ~~وشناعته، بصورة المحسوس، كتقدم الخادم بين يدي سيده في مسيره، فنقلت ~~العبارة الأولى، بما فيها من المجاز، إلى ما ذكر، على ما عرف في أمثاله- ~~هذا محصل ما في (الكشاف) و (شروحه) . # قال ابن كثير: معنى الآية: لا تسرعوا في الأشياء قبله، بل كونوا تبعا له ~~في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب # حديث معاذ رضي الله عنه. قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى ~~اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم: فإن لم ~~تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: فإن ~~لم تجد؟ قال رضي الله عنه: أجتهد # PageV08P515 # رأيي! فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي ~~رسول الله. وقد رواه أحمد «1» وأبو داود «2» والترمذي «3» وابن ماجة. # والغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو ~~قدمه قبل البحث عنهما، لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. انتهى. # وقد جوز أن يكون المراد (بين يدي رسول الله) وذكر (الله) لبيان قوة ~~اختصاصه به تعالى، ومنزلته منه، تمهيدا وتوطئة لما بعده. وقد أيد هذا، بأن ~~مساق الكلام لإجلاله صلى الله عليه وسلم. ### | ### | تنبيه: # # قال ابن جرير: بضم التاء من قوله لا تقدموا قرأ قراءة الأمصار، وهي ~~القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القراء عليها. ~~وقد حكى عن العرب: قدمت في كذا وتقدمت في كذا. فعلى هذه اللغة لو كان قيل ~~(لا تقدموا) بفتح التاء، كان جائزا. انتهى. وبه قرأ يعقوب فيما نقل عنه. # واتقوا الله أي في التقديم أو مخالفة الحكم. والأمر بالتقوى على أثر ما ~~تقدم، بمنزلة قولك للمقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق العار ~~بك. فتنهاه أولا عن عين ما قارفه، ثم ms4189 تعم وتأمره بما لو امتثل أمرك فيه، لم ~~يرتكب تلك الغفلة، وكل ما يضرب في طريقها، ويتعلق بسببها- أشار له ~~الزمخشري-. # إن الله سميع عليم أي فحقيق أن يتقى ويراقب. # تنبيه: # في (الإكليل) : قال إلكيا الهراسي: قيل نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وعموم الآية النهي عن التعجيل في ~~الأمر والنهي، دونه. # ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع في كل شيء. وربما احتج به نفاة القياس، ~~وهو باطل منهم. ويحتج به في تقديم النص على القياس. انتهى. PageV08P516 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 2] # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي أي: إذا نطق ~~ونطقتم، فلتكن أصواتكم قاصرة عن الحد الذي يبلغه صوته، ليكون عاليا ~~لكلامكم، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبلغوا أصواتكم إلى أسماع الحاضرين ~~قبل صوته، فإن ذلك من سوء الأدب بمكان كبير ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أي بل تعمدوا في مخاطبته القول اللين، القريب من الهمس، الذي ~~يضاد الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم. وروي عن مجاهد تفسيره بندائه ~~باسمه، أي لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد! يا محمد! بل يا نبي ~~الله! يا رسول الله! ونظر فيه شراح (الكشاف) بأن ذكر الجهر حينئذ لا يظهر ~~له وجه، إذ الظاهر أن يقال: لا تجعلوا خطابه كخطاب بعضكم لبعض، كما مر في ~~قوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [النور: 63] . انتهى. # ولك أن تقول: إنما أفرغ هذا المعنى المروي عن مجاهد في قالب ذاك اللفظ ~~الكريم جريا على سنة التنزيل في إيثار أرق الألفاظ والجمل، وألطفها في ذلك، ~~فإن أسلوبه فوق كل أسلوب وقد قال: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به أن ~~تحبط أعمالكم أي مخافة أن تحبط أعمالكم، برفع صوتكم فوق صوته، وجهركم له ms4190 ~~بالقول كجهركم لبعضكم وأنتم لا تشعرون أي لا تعلمون ولا تدرون بحبوطها. ### | تنبيه: # استدلت المعتزلة بالآية على أن الكبائر محبطة للأعمال، لأن المذكور في ~~الآية كبيرة محبطة ولا فرق بينها وبين غيرها. ولما كان عند أهل السنة، ~~المحبط للأعمال هو الكفر خاصة، تأولوا الآية بأنها للتغليظ والتخويف، إذ ~~جعلت بمنزلة الكفر المحبط، أو هي للتعريض بالمنافقين المقاصدين بالجهر ~~والرفع الاستهانة، فإن فعلهم محبط قطعا. # وقال الناصر: المراد في الآية النهي عن رفع الصوت على الإطلاق. ومعلوم أن ~~حكم النهي الحذر مما يتوقع في ذلك من إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام. ~~والقاعدة المختارة أن إيذاءه عليه الصلاة والسلام يبلغ مبلغ الكفر المحبط ~~للعمل باتفاق. # PageV08P517 # فورد النهي عما هو مظنة لأذى النبي عليه الصلاة والسلام، سواء وجد هذا ~~المعنى أو لا، حماية للذريعة، وحسما للمادة. ثم لما كان هذا المنهي عنه- ~~وهو رفع الصوت- منقسما إلى ما يبلغ ذلك المبلغ أولا، ولا دليل يميز أحد ~~القسمين عن الآخر، لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا، وخوف أن يقع فيما هو ~~محبط للعمل، وهو البالغ حد الإيذاء، إذ لا دليل ظاهر يميزه. وإن كان، فلا ~~يتفق تمييزه في كثير من الأحيان. # وإلى التباس أحد القسمين بالآخر وقعت الإشارة بقوله أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون. وإلا فلو كان الأمر على ما تعتقده المعتزلة، لم يكن لقوله ~~وأنتم لا تشعرون موقع. إذ الأمر بين أن يكون رفع الصوت مؤذيا، فيكون كفرا ~~محبطا قطعا، وبين أن يكون غير مؤذ، فيكون كبيرة محبطة على رأيهم قطعا. فعلى ~~كلا حاليه، الإحباط به محقق، إذن فلا موقع لإدغام الكلام بعدم الشعور، مع ~~أن الشعور ثابت مطلقا- والله أعلم-. # ثم قال: وهذا التقرير الذي ذكرته يدور على مقدمتين، كلتاهما صحيحة: # إحداهما- أن رفع الصوت من جنس ما يحصل به الإيذاء، وهذا أمر يشهد به ~~النقل والمشاهدة الآن، حتى إن الشيخ ليتأذى برفع التلميذ صوته بين يديه. ~~فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال والإعظام. # المقدمة الأخرى- أن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كفر. ms4191 وهذا أمر ثابت ~~قد نص عليه أئمتنا- يعني المالكية- وأفتوا بقتل من تعرض لذلك كفرا، ولا ~~تقبل توبته، فما أتاه أعظم عند الله وأكبر، والله الموفق. انتهى. # ولا يخفى أن الإنصاف هو الوقوف مع ما أوضحه النص وأبانه، فكل موضع نص فيه ~~على الإحباط وجب قبوله بدون تأويل، وامتنع القياس عليه، لأنه مقام توعد ~~وخسران، ولا مجال للرأي في مثل ذلك. هذا ما أعتقده وأراه. والله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 3] # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) # إن الذين يغضون أصواتهم أي يبالغون في خفضها عند رسول الله أولئك الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى قال ابن جرير: أي اصطفاها وأخلصها للتقوى يعني # PageV08P518 # لاتقائه بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخلص ~~جيدها، ويبطل خبثها لهم مغفرة وأجر عظيم أي ثواب جزيل، وهو الجنة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 4] # إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) # إن الذين ينادونك أي يدعونك من وراء أي خارج الحجرات أي عند كونك فيها، ~~استعجالا لخروجك إليهم، ولو بترك ما أنت فيه من الأشغال أكثرهم لا يعقلون ~~إذ لا يفعله محتشم، ولا يفعل لمحتشم، فلا يراعون حرمة أنفسهم، ولا حرمتك، ~~ونسب إلى الأكثر، لأنه قد يتبع عاقل جماعة الجهال، موافقة لهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 5] # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم أي لأن خروجه باستعجالهم ~~ربما يغضبه، فيفوتهم فوائد رؤيته وكلامه. وإن صبروا استفادوا فوائد كثيرة، ~~مع اتصافهم بالصبر، ورعاية الحرمة لنبيهم وأنفسهم والله غفور رحيم أي لمن ~~تاب من معصية الله، بندائك كذلك، وراجع أمر الله فيه وفي غيره. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: قد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما ~~أورده غير واحد. # روى الإمام أحمد «1» عن ms4192 أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنه ~~نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! يا محمد! (وفي رواية: يا ~~رسول الله!) فلم يجبه. فقال: يا رسول الله! إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، ~~فقال: ذاك الله عز وجل. # وروى ابن إسحاق، في ذكر سنة تسع، وهي المسماة سنة الوفود أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، وبايعت، ~~ضربت إليه وفود PageV08P519 # العرب من كل وجه، فكان منهم وفد بني تميم. فلما دخلوا المسجد نادوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: أن اخرج إلينا يا محمد! فآذى ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم. ثم ساق ابن إسحاق ~~نبأهم مطولا ثم قال: وفيهم نزل من القرآن إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون. # الثاني- الحجرات بضمتين، وبفتح الجيم، وبسكونها. وقرئ بهن جميعا: جمع ~~(حجرة) . وهي الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. فعلة بمعنى ~~مفعولة، كالغرفة والقبضة. # قال الزمخشري: والمراد حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت ~~لكل واحدة منهن حجرة. ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على ~~الحجرات، متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد ~~أتوها حجرة حجرة، فنادوه من ورائها. وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان ~~فيها. ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمكان حرمته. ~~والفعل- وإن كان مسندا إلى جميعهم- فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان ~~الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعا. # الثالث- قال الزمخشري: ورود الآية على النمط الذي وردت عليه، فيه ما لا ~~يخفى على الناظر من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله. # منها- مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به، بالسفه والجهل، لما ~~أقدموا عليه. # ومنها- لفظ الحجرات وإيقاعها، كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه. # ومنها- المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر ~~عليهم. # ومنها- التعريف باللام دون الإضافة. ms4193 # ومنها- أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع ~~التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم، وسوء أدبهم، وهلم جرا ... ~~من أول السورة إلى آخر هذه الآية. فتأمل كيف ابتدئ بإيجاب أن تكون الأمور ~~التي تنتمي إلى الله ورسوله، متقدمة على الأمور كلها، من غير حصر ولا ~~تقييد. ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر، كأن ~~الأول بساط للثاني، ووطاء لذكره. ثم # PageV08P520 # ذكر ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك، فغضوا أصواتهم، دلالة على عظيم ~~موقعه عند الله. ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم، وهجنته أتم، من الصياح ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، ~~كما يصاح بأهون الناس قدرا، لينبه على فظاعة ما أجروا إليه، وجسروا عليه، ~~لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول، حتى خاطبه جلة المهاجرين ~~والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش ~~مبلغا. ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى ~~عن أبي عبيد- ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى- أنه قال: ما ~~دققت بابا على عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه. انتهى. # الرابع- قال ابن كثير: قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله ~~عليه وسلم، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيا، وفي قبره صلى الله عليه ~~وسلم. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت ~~رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فحصبهما. ثم ~~ناداهما فقال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: # لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا. انتهى. # الخامس- روى البخاري «1» عن عبد الله بن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال ~~عمر: أمر ms4194 الأقرع بن حابس. # فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي! فقال عمر: ما أردت خلافك! فتماريا حتى ~~ارتفعت أصواتهما. فنزل في ذلك يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله.. حتى انقضت الآية. # وفي رواية: فأنزل الله في ذلك يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ... # الآية. # قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ~~الآية حتى يستفهمه. وقد انفرد بهاتين الروايتين البخاري دون مسلم. # قال الحافظ ابن حجر: وقد استشكل ذلك! قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول ~~هذه الآية كلام جفاة الأعراب. # قال ابن حجر: قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديث، فإن الذي يتعلق بقصة ~~PageV08P521 # الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة لا تقدموا ولكن لما اتصل ~~بها قوله لا ترفعوا تمسك عمر منها بخفض صوته. وجفاة الأعراب الذين نزلت ~~فيهم هم من بني تميم، والذين يختص بهم، وقوله: إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات. انتهى. # وتقدم لنا مرارا الجواب عن أمثاله، بأن قولهم: نزلت الآية في كذا، قد ~~يكون المراد به الاستشهاد على أن مثله مما تتناوله الآية، لا أنه سبب ~~لنزولها. # قال الإمام ابن تيمية: قولهم نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة سبب ~~النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب. كما تقول: ~~عنى بهذه الآية كذا. انتهى. # وبه يجاب عما يرويه كثير من تعدد سبب النزول، فاحفظه، فإنه من المضنون به ~~على غير أهله. ولو وقف عليه ابن عطية لما ضعف رواية البخاري، ولما تمحل ابن ~~حجر لتفكيك الآيات بجعل بعضها لسبب. وبعضها لآخر، في قصة واحدة. وبالله ~~التوفيق. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 6] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أي: فاستظهروا صدقه من ~~كذبه، بطريق آخر كراهة أن تصيبوا قوما ms4195 بجهالة أي قوما براء مما قذفوا به ~~بغية أذيتهم بجهالة لاستحقاقهم إياها، ثم يظهر لكم عدم استحقاقهم فتصبحوا ~~على ما فعلتم نادمين أي فتندموا على إصابتكم إياهم بالجناية التي تصيبونهم ~~بها، وحق المؤمن أن يحترز مما يخاف منه الندم في العواقب. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني ~~المصطلق. وقد روي ذلك من طرق. ومن أحسنها ما # رواه الإمام أحمد «1» في مسنده من رواية مالك PageV08P522 # عن ابن المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية أم المؤمنين رضي الله ~~عنها. # قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي ~~أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه يقول: قدمت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى ~~الزكاة، فأقررت بها وقلت: # يا رسول الله! أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن ~~استجاب لي جمعت زكاته، وأرسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا وكذا ليأتيك ~~بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان ~~الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول، ~~فلم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا ~~بسروات قومه، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا ~~يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا فنأتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما ~~كان عنده مما جمع من الزكاة. فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق، ~~فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ms4196 يا رسول الله! إن الحارث ~~منعني الزكاة، وأراد قتلي. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى ~~الحارث. فأقبل الحارث بأصحابه، حتى إذا استقبل البعث، وفصل من المدينة، ~~لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث! فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ ~~قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث ~~إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله! قال: لا، والذي ~~بعث محمدا بالحق، ما رأيته بتة، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة، وأردت قتل رسولي؟! قال: لا، والذي ~~بعثك بالحق! ما رأيته بتة، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم! خشيت أن تكون كانت سخطة من الله تعالى ~~ورسوله. قال: فنزلت الحجرات يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ... ~~إلى قوله: حكيم. # وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة ~~إلى بني المصطلق يتصدقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطلق قد ~~جمعت لك لتقاتلك (زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام) فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم، وأمره أن يتثبت ولا ~~يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا رضي ~~الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم. فلما أصبحوا ~~أتاهم خالد رضي الله عنه فرأى الذي يعجبه. فرجع إلى # PageV08P523 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~قال قتادة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التثبت من الله، ~~والعجلة من الشيطان» # . وكذا ذكر غير واحد من السلف، منهم ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، ~~والضحاك، ومقاتل، وغيرهم في هذه الآية، أنها نزلت في الوليد بن عقبة- والله ~~أعلم- انتهى. # قال ابن قتيبة في (المعارف) : الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن ~~أمية ابن عبد شمس، وهو أخو عثمان ms4197 لأمه، أروى بنت كريز. أسلم يوم فتح مكة، ~~وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا إلى بني المصطلق، فأتاه فقال: ~~منعوني الصدقة! وكان كاذبا. # فأنزل الله هذه الآية. وولاه عمر على صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة ~~بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بأهلها صلاة الفجر، وهو سكران، أربعا، وقال: ~~أزيدكم؟! فشهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان، فعزله وحده. ولم يزل بالمدينة ~~حتى بويع علي، فخرج إلى الرقة فنزلها، واعتزل عليا ومعاوية. ومات بناحية ~~الرقة. # الثاني- في (الإكليل) : في الآية رد خبر الفاسق، واشتراط العدالة في ~~المخبر، راويا كان، أو شاهدا، أو مفتيا. ويستدل بالآية على قبول خبر الواحد ~~العدل. قال ابن كثير: ومن هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول ~~الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون، لأنا إنما أمرنا بالتثبت ~~عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال. # الثالث- في قوله تعالى فتصبحوا على ما فعلتم نادمين فائدتان: # إحداهما- تقرير التحذير وتأكيده. ووجهه هو أنه تعالى لما قال أن تصيبوا ~~قوما بجهالة قال بعده: وليس ذلك مما لا يلتفت إليه، ولا يجوز للعاقل أن ~~يقول: # هب أني أصبت قوما، فماذا علي؟ بل عليكم منه الهم الدائم، والحزن المقيم. ~~ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه. # والثانية- مدح المؤمنين. أي لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون إليها، ~~بل تصبحون نادمين عليها- أفاده الرازي-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 7] # واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون (7) # واعلموا أن فيكم رسول الله قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي # PageV08P524 # الله صلى الله عليه وسلم: واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله أن فيكم ~~رسول الله، فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره ~~أخباركم، ويعرفه أنباءكم، ويقومه على الصواب في أموره. # لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم قال الطبري: أي لو كان رسول الله ms4198 صلى ~~الله عليه وسلم يعمل في الأمور بآرائكم، ويقبل منكم ما تقولون له، فيطيعكم، ~~لنالكم عنت- يعني الشدة والمشقة- في كثير من الأمور، بطاعته إياكم، لو ~~أطاعكم، لأنه كان يخطئ في أفعاله، كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في ~~بني المصطلق، أنهم قد ارتدوا ومنعوا الصدقة وجمعوا الجموع لغزو المسلمين، ~~فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم، كان قد قتل وقتلتم من لا يحل ~~له ولا لكم قتله، وأخذتم من المال ما لا يحل له ولكم أخذه من أموال قوم ~~مسلمين، فنالكم من الله بذلك عنت. # والعنت: المشقة أو الهلاك أو الإثم أو الفساد. ### | تنبيه: # (أن) بما في حيزها سادة مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال، ~~وهو قوله: لو يطيعكم.. إلخ، فإنه حال من الضمير المجرور في فيكم المستتر ~~فيه. والمعنى: أنه فيكم كائنا على حالة يجب تغييرها، أو كائنين على حالة ~~كذلك، وهي أنكم تودون أن يتبعكم في كثير من الحوادث، ولو فعل ذلك لوقعتم في ~~الجهل والهلاك. وفيه إيذان بأن بعضهم زين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقع في بني المصطلق، وأنه لم يطع رأيهم هذا. ويجوز أن يكون لو يطيعكم ~~مستأنفا. إلا أن الزمخشري منع هذا الاحتمال، قال: لأدائه إلى تنافر النظم، ~~لأنه لو اعتبر لو يطيعكم ... إلخ كلاما برأسه، لم يأخذ الكلام بحجز بعض، ~~لأنه لا فائدة حينئذ في قوله: واعلموا أن فيكم رسول الله إذا قطع عما بعده. ~~وأجيب بجواز أن يقصد به التنبيه على جلالة محله صلى الله عليه وسلم، وأنهم ~~لجهلهم بمكانه مفرطون فيما يجب له من التعظيم، وفي أن شأنهم أن يتبعوه، ولا ~~يتبعوا آراءهم، حتى كأنهم جاهلون بأنه بين أظهرهم، فوضح جواز الاستئناف، ~~والوقف على رسول الله. # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم أي فما أجدركم أن تطيعوا ~~رسول الله وتأتموا به، فيقيكم الله بذلك من العنت فيما لو استتبعتم رأي ~~رسول الله لرأيكم وكره إليكم الكفر أي بالله والفسوق يعني الكذب والعصيان ~~أي ms4199 مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضييع ما أمر الله به. # PageV08P525 # أولئك أي الموصوفون بمحبة الإيمان، وتزينه في قلوبهم، كراهتهم المعاصي هم ~~الراشدون أي السالكون طريق الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 8] # فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) # فضلا من الله ونعمة أي إحسانا منه، ونعمة أنعمها عليكم. قال القاشاني: # كان فضلا بعنايته بهم في الأزل، المقتضية للهداية الروحانية الاستعدادية ~~المستتبعة لهذه الكمالات في الأبد. ونعمة بتوفيقه إياهم للعمل بمقتضى تلك ~~الهداية الأصلية، وإعانته بإفاضة الكمالات المناسبة لاستعداداتهم، حتى ~~اكتسبوا ملكة العصمة الموجبة لكراهة المعصية. وهو تعليل ل (حبب) و (كره) ~~وما بينهما اعتراض، أو نصب بفعل مضمر، أي جرى ذلك فضلا، أو يبتغون فضلا. # والله عليم حكيم أي ذو علم بالمحسن والمسيء، وحكمة في تدبير خلقه، ~~وتصريفهم فيما شاء من قضائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 9] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا أي تقاتلوا فأصلحوا بينهما قال ابن ~~جرير: أي بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه، لهما وعليهما، وذلك ~~هو الإصلاح بينهما بالعدل. # فإن بغت إحداهما على الأخرى أي فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى ~~حكم كتاب الله، له وعليه، وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى ~~منهما، فقاتلوا التي تبغي أي تعتدي وتأبى الإجابة إلى حكم الله حتى تفيء ~~إلى أمر الله أي ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه فإن فاءت أي ~~رجعت الباغية، بعد قتالكم إياهم، إلى الرضا بحكم الله في كتابه فأصلحوا ~~بينهما بالعدل أي بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا ~~بين خلقه وأقسطوا أي اعدلوا في كل ما تأتون وتذرون. إن الله يحب المقسطين ~~أي فيجازيهم أحسن الجزاء. # PageV08P526 ### | تنبيهات: # الأول- قال القاشاني: الاقتتال لا يكون ms4200 إلا للميل إلى الدنيا، والركون ~~إلى الهوى، والانجذاب إلى الجهة السفلية، والتوجه إلى المطالب الجزئية. ~~والإصلاح إنما. # يكون من لزوم العدالة في النفس التي هي ظل المحبة، التي هي ظل الوحدة. ~~فلذلك أمر المؤمنون الموحدون بالإصلاح بينهما، على تقدير بغيهما. والقتال ~~مع الباغية على تقدير بغي إحداهما، حتى ترجع. لكون الباغية مضادة للحق، ~~دافعة له. # وقد روي أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ~~ما تنازعتا فيه بالنعال والأيدي، لا بالسيوف، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأتاهم فحجز بينهم وأصلح. روي ذلك من طريق عديدة، مما يقوي أن ~~القتال الذي نزلت فيه كان حقيقيا. # ويروى عن الحسن أن الاقتتال بمعنى الخصومة، والقتال بمعنى الدفع مجازا. # قال- فيما رواه الطبري عنه-: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى ~~الحكم، فيأبون أن يجيبوا، فأنزل الله وإن طائفتان إلى قوله فقاتلوا التي ~~تبغي ... الآية. يقول: ادفعوا إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع. انتهى. ولا ~~يخفى أن المادة قد تحمل على حقيقتها ومجازها فتتسع لهما. وقد قال اللغويون: ~~ليس كل قتال قتلا. وقد يفضي الخصام إلى القتل، فلا مانع أن يراد من الآية ~~ما هو أعم، لتكون الفائدة أشمل- والله أعلم-. # الثاني- في (الإكليل) : في الآية وجوب الصلح بين أهل العدل والبغي، وقتال ~~البغاة وهو شامل لأهل مكة كغيرهم، وأن من رجع منهم وأدبر لا يقاتل، لقوله ~~حتى تفيء. انتهى. # وقد روى سعيد عن مروان قال: صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتل مدبر ولا ~~يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن. # وقد اتفق الفقهاء على حرمة قتل مدبرهم وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال، ~~ولا تسبى لهم ذرية، لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم. وعصمة الأموال ~~تابعة لدينهم، ولذا يجب رد ذلك إليهم إن أخذ منهم. ولا يضمنوا ما أتلفوه ~~حال الحرب من نفس أو مال. ومن قتل من أهل البغي غسل وكفن وصلي عليه، فإن ~~قتل العادل كان شهيدا، فلا يغسل ولا ms4201 يصلى عليه، لأنه قتل في قتال أمره الله ~~تعالى به، كشهيد معركة الكفار. # PageV08P527 # وإن أظهر قوم رأي الخوارج. مثل تكفير من ارتكب كبيرة، وترك الجماعة، ~~واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، ولم يجتمعوا لحرب، لم يتعرض لهم. وإن ~~جنوا جناية وأتوا حدا، أقامه عليهم. # وإن اقتتلت طائفتان لعصبية، أو طلب رئاسة، فهما ظالمتان. لأن كل واحدة ~~منهما باغية على الأخرى، وتضمن كل واحدة منهما ما أتلف على الأخرى. # هذه شذرة مما جاء في (الإقناع) و (شرحه) وتفصيله ثمة. # الثالث- قال في (شرح الإقناع) : في الآية فوائد: منها أنهم لم يخرجوا ~~بالبغي عن الإيمان. وأنه أوجب قتالهم. وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه ~~في قتالهم. # وإجازة كل من منع حقا عليه. والأحاديث بذلك مشهورة: منها ما روى عبادة بن ~~الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في ~~المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله (متفق عليه) «1» . وأجمع الصحابة ~~على قتالهم، فإن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وعليا قاتل أهل الجمل، وأهل ~~صفين. انتهى. # وتدل الآية أيضا على وجوب معاونة من بغى عليه، لقوله فقاتلوا، وعلى وجوب ~~تقديم النصح، لقوله فأصلحوا بينهما، وعلى السعي في المصالحة، وذلك ظاهر. # الرابع- وجه الجمع في اقتتلوا، مع أنه قد يقال: مقتضى الظاهر (اقتتلتا) ~~هو الحمل على المعنى دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس. ~~والنكتة في اعتبار المعنى أولا. واللفظ ثانيا عكس المشهور في الاستعمال، ما ~~قيل إنهم أولا في حال القتال مختلطون مجتمعون، فلذا جمع أولا ضميرهم، وفي ~~حال الإصلاح متميزون متفارقون، فلذا ثنى الضمير ثانيا وسر قرن الإصلاح ~~الثاني بالعدل، دون الأول، لأن الثاني لوقوعه بعد المقاتلة مظنة للتحامل ~~عليهم بالإساءة، أو لإبهام أنهم لما أحوجوهم للقتال استحقوا الحيف عليهم. # الخامس- (أقسط) الرباعي همزته للسلب. أي أزيلوا الجور، واعدلوا. # بخلاف (قسط) الثلاثي، فمعناه جار. قال تعالى: PageV08P528 # أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] ، وهذا هو المشهور- خلافا للزجاج- في جعلهما سواء- أفاده ~~الكرخي-. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 10] # إنما المؤمنون ms4202 إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) # إنما المؤمنون إخوة استئناف مقرر لما قبله من الأمر بالإصلاح، فإن من ~~لوازم الإخوة أن يصطلحوا. # قال الشهاب: وتسمية المشاركة في الإيمان أخوة تشبيه بليغ، أو استعارة شبه ~~المشاركة فيه بالمشاركة في أصل التوالد، لأن كلا منهما أصل للبقاء، إذ ~~التوالد منشأ الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان. # فأصلحوا بين أخويكم أي إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله، وحكم ~~رسوله. # قال القاشاني: بين تعالى أن الإيمان الذي أقل مرتبته التوحيد والعمل، ~~يقتضي الأخوة الحقيقية بين المؤمنين، للمناسبة الأصلية، والقرابة الفطرية، ~~التي تزيد على القرابة الصورية، والنسبة الولادية، بما لا يقاس، لاقضائه ~~المحبة القلبية، لا المحبة النفسانية، المسببة عن التناسب في اللحمة. فلا ~~أقل من الإصلاح الذي هو من لوازم العدالة، وأحد خصالها، إذ لو لم يعدوا عن ~~الفطرة، ولم يتكدروا بغواشي النشأة، لم يتقاتلوا، ولم يتخالفوا. فوجب على ~~أهل الصفاء، بمقتضى الرحمة والرأفة والشفقة اللازمة للأخوة الحقيقية، ~~الإصلاح بينهما، وإعادتهما إلى الصفاء. انتهى. ### | تنبيه: # وضع الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين، للمبالغة في التقرير ~~والتخصيص. وتخصيص الاثنين بالذكر دون الجمع، لأن أقل من يقع بينهم الشقاق ~~اثنان. فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في ~~شقاق الجمع، أكثر منه في شقاق الاثنين- أفاده القاضي والزمخشري-. # وفي معنى الآية أحاديث كثيرة: # كحديث «1» # (المسلم أخو المسلم لا يظلمه PageV08P529 # ولا يسلمه) . # وحديث «1» # (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) . # وحديث «2» # (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى ~~منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . # وحديث «3» # (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه صلى الله عليه ~~وسلم # - وكلها في الصحاح-. # واتقوا الله لعلكم ترحمون أي خافوا مخالفة حكمه، والإهمال فيه، ليرحمكم ~~فيفصح عن سالف آثامكم، ويثيبك رضوانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء ms4203 من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم أي لا يهزأ رجال من رجال، فيروا ~~أنفسهم خيرا من المسخور منهم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ~~أن يكن خيرا منهن أي الساخرات. # قال أبو السعود: فإن مناط الخيرية في الفريقين، ليس ما يظهر للناس من ~~الصور والأشكال ولا الأوضاع والأطوار التي عليها يدور أمر السخرية غالبا. ~~بل إنما هو الأمور الكامنة في القلوب، فلا يجترئ أحد على استحقار أحد، ~~فلعله أجمع منه، لما نيط به من الخيرية عند الله تعالى، فيظلم نفسه بتحقير ~~من وقره الله تعالى، والاستهانة بمن عظمه الله تعالى. ومن أهل التأويل من ~~خص السخرية بما يقع من الغني للفقير. # وآخرون بما يعثر من أحد على زلة أو هفوة، فيسخر به من أجلها. # قال الطبري: والصواب أن يقال إن الله عم، بنهيه المؤمنين من أن يسخر ~~بعضهم من بعض، جميع معاني السخرية. فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن، لا ~~لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك. PageV08P530 # وقد عد الغزالي في (الإحياء) السخرية من آفات اللسان، وأوضح معناها بما ~~لا مطلب وراءه فننقله هنا تتميما للفائدة، قال رحمه الله. # الآفة الحادية عشرة- السخرية والاستهزاء: وهذا محرم مهما كان مؤذيا، كما ~~قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ... الآية. ومعنى ~~السخرية: # الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص، على وجه يضحك منه. وقد ~~يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء. وإذا كان ~~بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة، وفيه معنى الغيبة. # وقالت عائشة رضي الله عنها: حاكيت، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ~~والله ما أحب أني حاكيت إنسانا، ولي كذا وكذا. # وقال ابن عباس في قوله تعالى يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف: 49] ، إن ms4204 الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، ~~والكبيرة القهقهة بذلك وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب ~~الكبائر. # وقال معاذ بن جبل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من عير أخاه بذنب قد ~~تاب منه، لم يمت حتى يعمله. # وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير، والضحك عليه، والاستهانة به، والاستصغار ~~له. وعليه نبه قوله تعالى: عسى أن يكونوا خيرا منهم. أي لا تستحقره ~~استصغارا، فلعله خير منك. وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به. فأما من جعل ~~نفسه مسخرة، وربما فرح من أن يسخر به، كانت السخرية في حقه من جملة المزح. ~~ومنه ما يذم وما يمدح. وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به، لما فيه ~~من التحقير والتهاون، وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ~~ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة، كالضحك على حفظه وعلى صنعته أو على ~~صورته وخلقته، إذا كان قصيرا أو ناقصا، لعيب من العيوب، فالضحك من جميع ذلك ~~داخل في السخرية المنهي عنها. انتهى. ### | لطيفة: # قال أبو السعود: القوم مختص بالرجال، لأنهم القوام على النساء (والأحسن ~~المهمات) وهو في الأصل إما جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر. أو مصدر # PageV08P531 # نعت به فشاع في الجمع. وأما تعميمه للفريقين في مثل قوم عاد وقوم فرعون، ~~فإما للتغليب، أو لأنهن توابع. واختيار الجمع لغلبة وقوع السخرية في ~~المجامع. والتنكير إما لتعميم أو للقصد إلى نهي بعضهم عن سخرية بعض، لما ~~أنها مما يجري بين بعض وبعض. # ولا تلمزوا أنفسكم أي لا يعيب بعضكم على بعض ولا يطعن. # قال الشهاب: ضمير تلمزوا للجمع بتقدير مضاف فيه. وأنفسكم عبارة عن بعض ~~آخر من جنس المخاطبين، وهم المؤمنون، فجعل ما هو من جنسهم بمنزلة أنفسهم، ~~كما في قوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] ، وقوله: ولا تقتلوا ~~أنفسكم [النساء: 29] ، فأطلق الأنفس على الجنس استعارة. # ففي اللفظ الكريم تجوز، وتقدير مضاف. والنهي على هذا مخصوص بالمؤمنين، ~~وهو مغاير لما قبله، وإن كان مخصوصا بالمؤمنين أيضا ms4205 بحسب المفهوم، لتغاير ~~الطعن والسخرية، فلا يقال إن الأول مغن عنه، إذ السخرية ذكره بما يكره على ~~وجه مضحك بحضرته، وهذا ذكره بما يكره مطلقا. أو هو تعميم بعد التخصيص، كما ~~يعطف العام على الخاص، لإفادة الشمول. وقيل: إنه من عطف العلة على المعلول، ~~أو اللمز مخصوص بما كان على وجه الخفية، كالإشارة. أو هو من عطف الخاص على ~~العام لجعل الخاص كجنس آخر مبالغة. انتهى. # وقيل: معنى الآية: لا تفعلوا ما تلمزون به، فإن من فعل ما استحق به ~~اللمز، فقد لمز نفسه. # قال الشهاب: ف أنفسكم على ظاهره والتجوز في قوله تلمزوا. فهو مجاز ذكر ~~فيه المسبب، وأريد السبب. والمراد: لا ترتكبوا أمرا تعابون به. وضعف بأنه ~~بعيد من السياق، وغير مناسب لقوله ولا تنابزوا، كما في (الكشف) ، وكونه من ~~التجوز في الإسناد، إذ أسند فيه ما للمسبب إلى السبب، تكلف ظاهر. وكذا كونه ~~كالتعليل للنهي السابق، لا يدفع كونه مخالفا للظاهر. وكذا كون المراد به لا ~~تتسببوا في الطعن فيكم، بالطعن على غيركم، كما في الحديث «1» (من الكبائر ~~أن يشتم الرجل والديه) ، إذ فسر بأنه إذا شتم والدي غيره، شتم الغير والديه ~~أيضا. # ولا تنابزوا بالألقاب أي ولا تداعوا بالألقاب التي يكره النبز بها الملقب ~~فقد PageV08P532 # روي أنه عنى بها قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا كانوا ~~يغضبون من الدعاء بها رواه أحمد «1» وأبو داود. وفسره بعض السلف بقول الرجل ~~للرجل: يا فاسق، يا منافق!، وبعض بتسمية الرجل بالكفر بعد الإسلام، ~~وبالفسوق بعد التوبة. والآية- كما قال ابن جرير-: تشمل ذلك كله قال: لأن ~~التنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة. # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان قال الزمخشري: الاسم هاهنا بمعنى الذكر. من ~~قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته. # وحقيقته ما سما ذكره، وارتفع بين الناس. ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره؟ ~~كأنه قيل بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر، أن يذكروا ms4206 ~~بالفسق. وفي قوله: بعد الإيمان ثلاثة أوجه: # أحدها- استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، ~~كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة، الصبوة. # والثاني- أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي! يا فاسق! ~~فنهوا عنه، وقيل لهم: بئس الذكر، أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد ~~إيمانه. # والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهي عن التنابز. # والثالث- أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى ~~الفلاحة: بئست الحرفة، الفلاحة بعد التجارة. انتهى. # واختار ابن جرير الثالث، لا ذهابا لرأي المعتزلة من أن الفاسق غير مؤمن، ~~كما أنه غير كافر، فهو في منزلة بين المنزلتين بل لأن السياق يقتضي ختم ~~الكلام بالوعيد، فإن التقليب بما يكرهه الناس أمر مذموم لا يجتمع مع ~~الإيمان، فإن شعار الجاهلية. وعبارته: يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا ~~عنه، وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ~~ونبزه بالألقاب، فهو فاسق بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان يقول: فلا تفعلوا ~~فتستحقوا، إن فعلتموه، أن تسموا فساقا، بئس الاسم الفسوق. وترك ذكر ما ~~وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله بئس الاسم الفسوق عليه. ثم ضعف القول ~~الثاني وقال: وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدم بالنهي ~~عما تقدم النهي عنه في أول هذه الآية، PageV08P533 # فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ~~ركب مما نهي عنه، لا أن يخبر عن قبح ما كان التائب أتاه من قبل توبته، إذ ~~كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، ~~فيختم آخرها بالوعيد عليه، أو بالقبيح. انتهى. # ومن لم يتب أي من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه ~~إياه، أو سخريته منه فأولئك هم الظالمون أي الذين ظلموا أنفسهم فأكسبوها ~~العقاب بركوبهم ما نهوا عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ms4207 بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن أي كونوا على جانب منه. وذلك ~~بأن تظنوا بالناس سوءا، فإن الظان غير محقق. وإبهام (الكثير) لإيجاب ~~الاحتياط والتورع فيما يخالج الأفئدة من هواجسه، إذ لا داعية تدعو المؤمن ~~للمشي وراءه، أو صرف الذهن فيه، بل من مقتضى الإيمان ظن المؤمنين بأنفسهم ~~الحسن. قال تعالى: # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ~~[النور: 12] . نعم! من أظهر فسقه، وهتك ستره، فقد أباح عرضه للناس. ومنه ما ~~روي: من ألقى جلباب الحياء، فلا غيبة له. ولذا قال الزمخشري: والذي يميز ~~الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة، ~~وسبب ظاهر، كان حراما واجب الاجتناب. وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد من ~~الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد والخيانة به ~~محرم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب، والمجاهرة بالخبائث. # إن بعض الظن وهو ظن المؤمن بالمؤمن الشر، لا الخير إثم أي مكسب للعقاب، ~~لأن فيه ارتكاب ما نهي عنه. # قال حجة الإسلام الغزالي في (الإحياء) في بيان تحريم الغيبة بالقلب: اعلم ~~أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول. فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك ~~بمساوئ الغير، فليس لك أن تحدث نفسك، وتسيء الظن بأخيك. قال: ولست # PageV08P534 # أعني به إلا عقد القلب، وحكمه على غيره بسوء الظن. فأما الخواطر وحديث ~~النفس، فهو معفو عنه، بل الشك أيضا معفو عنه. ولكن المنهي عنه أن يظن. ~~والظن عبارة عما تركن إليه النفس، ويميل إليه القلب. فقد قال تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم. قال: وسبب تحريمه أن ~~أسرار القلوب، لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا ~~إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل. فعند ذلك لا ms4208 يمكنك أن لا تعتقد ما ~~علمته وشاهدته. وما لم تشاهده بعينك، ولم تسمعه بأذنك، ثم وقع في قلبك، ~~فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإن أفسق الفساق. إلى أن قال: ~~فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة، أو بينة ~~عادلة. انتهى. # ولما كان من ثمرات سوء الظن التجسس، فإن القلب لا يقنع بالظن، ويطلب ~~التحقيق فيشتغل بالتجسس، ذكر سبحانه النهي عنه، إثر سوء الظن لذلك، فقال ~~تعالى: ولا تجسسوا قال ابن جرير: أي لا يتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن ~~سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره، ~~وبه فاحمدوا أو ذموا، لا على ما تعلمونه من سرائره. # يقال: تجسس الأمر إذا تطلبه، وبحث عنه، كتلمس. قال الشهاب: الجس (بالجيم) ~~كاللمس، فيه معنى الطلب، لأن من يطلب الشيء يمسه ويجسه، فأريد به ما يلزمه. ~~واستعمل التفعل للمبالغة فيه. # قال الغزالي: ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله. فيتوصل ~~إلى الاطلاع، وهتك الستر، حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه، كان أسلم ~~لقلبه ودينه. # وقد روي في معنى الآية أحاديث كثيرة. منها # حديث «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهن، ~~فقال: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يخلص الإيمان إلى قلبه! لا تتبعوا عورات ~~المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في ~~جوف بيته» . # وفي الصحيح» عنه صلى الله عليه وسلم: «لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ~~ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» . PageV08P535 # وروى أبو داود «1» أن ابن مسعود رضي الله عنه أتى برجل، فقيل له: هذا ~~فلان، تقطر لحيته خمرا! فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا ~~شيء نأخذ به- والرجل سماه ابن أبي حاتم في روايته: الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط. # وروى أبو داود «2» عن معاوية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إنك إن اتبعت عورات ms4209 الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم» . # فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: # كلمة سمعها معاوية من رسول الله، نفعه الله بها. # وروى الإمام أحمد «3» عن دجين، كاتب عقبة، قال: قلت لعقبة: إنا لنا ~~جيرانا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم! قال: لا تفعل، ولكن ~~عظهم وتهددهم! قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دجين فقال: إني نهيتهم فلم ~~ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم! فقال له عقبة: ويحك! لا تفعل، فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا ~~موءودة من قبرها» !. # وروى أبو داود «4» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» . # قال الأوزاعي: ويدخل في التجسس استماع قوم وهم له كارهون. # ولا يغتب بعضكم بعضا أي لا يقل بعضكم في بعض بظهر الغيب، ما يكره المقول ~~فيه ذلك، أن يقال له في وجهه. يقال: غابه واغتابه، كغاله واغتاله، إذا ذكره ~~بسوء في غيبته. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه؟ أي فلو عرض ~~عليكم، نفرت عنه نفوسكم، وكرهتموه. فلذا ينبغي أن تكرهوا الغيبة. وفيه ~~استعارة تمثيلية، مثل اغتياب الإنسان لآخر بأكل لحم الأخ ميتا. ### | لطائف: # الأولى- قال الزمخشري: أيحب أحدكم إلخ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من ~~عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى: منها- الاستفهام الذي ~~معناه التقرير (وهو يفيد المبالغة من حيث إنه لا يقع في كلام مسلم ~~PageV08P536 # عند كل سامع، حقيقة أو ادعاء) ومنها- جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا ~~بالمحبة. ومنها- إسناد الفعل إلى (أحدكم) والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا ~~يحب ذلك. # ومنها- أن لم يقتصر تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان ~~أخا. # ومنها- أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ، حتى جعل ميتا. انتهى. # وقال ابن الأثير في (المثل السائر) في بحث الكناية: فمن ذلك قوله تعالى ~~أيحب أحدكم إلخ فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم ~~يقتصر على ذلك حتى ms4210 جعله ميتا، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولا ~~بالمحبة. فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له، مطابقة للمعنى الذي وردت ~~من أجله. فأما جعل الغيبة كأكل لحم الإنسان لحم إنسان آخر مثله، فشديد ~~المناسبة جدا، لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وتمزيق ~~العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة. # وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة، لأن العقل والشرع ~~مجتمعان على استكراهها، آمران بتركها، والبعد عنها. ولما كانت كذلك جعلت ~~بمنزلة لحم الأخ في كراهته. ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان ~~آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه. فهذا القول مبالغة في استكراه ~~الغيبة. وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فلما جبلت ~~عليه النفوس من الميل إلى الغيبة، والشهوة لها، مع العلم بقبحها فانظر أيها ~~المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها، لأنك إذا نظرت إلى كل ~~واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها، وجدتها مناسبة لما قصدت ~~له. انتهى. # الثانية- الفاء في قوله تعالى فكرهتموه فصيحة في جواب شرط مقدر. # والمعنى: إن صح ذلك، أو عرض عليكم هذا، فقد كرهتموه، فما ذكر جواب للشرط، ~~وهو ماض فيقدر معه (قد) ليصح دخول الفاء على الجواب الماضي، كما في قوله ~~تعالى: فقد كذبوكم بما تقولون [الفرقان: 19] ، وضمير فكرهتموه للأكل، وقد ~~جوز كونه للاغتياب المفهوم منه. والمعنى: فاكرهوه كراهيتكم لذلك الأكل. ~~وعبر عنه بالماضي للمبالغة، فإذا أول بما ذكر يكون إنشائيا غير محتاج ~~لتقدير (قد) - أفاده الشهاب-. # الثالثة- قال ابن الفرس: يستدل بالآية على أنه لا يجوز للمضطر أكل ميتة # PageV08P537 # الآدمي لأنه ضرب به المثل في تحريم الغيبة، ولم يضرب بميتة سائر الحيوان. ~~فدل على أنه في التحريم فوقها. ومن أراد استيفاء مباحث الغيبة فعليه ~~(بالإحياء) للغزالي، فإنه جمع فأوعى. # واتقوا الله أي خافوا عقوبته بانتهائكم عما نهاكم عنه من ظن السوء ~~والتجسس عما ستر والاغتياب وغير ذلك من ms4211 المناهي. إن الله تواب رحيم أي يقبل ~~توبة التائبين إليه، ويتكرم برحمته عن عقوبتهم بعد متابهم. # ثم نبه تعالى، بعد نهيه عن الغيبة واحتقار الناس بعضهم لبعض، على تساويهم ~~في البشرية، كما قال ابن كثير، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى أي من آدم وحواء. أو من ماء ذكر ~~من الرجال، وماء أنثى من النساء. أي: من أب وأم، فما منكم أحد إلا وهو يدلي ~~بمثل ما يدلي به الآخر، سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. # وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا قال ابن جرير: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم ~~يناسب بعضا نسبا بعيدا، وبعضكم يناسب بعضا نسبا قريبا. ليعرف بعضكم بعضا في ~~قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لكم في ذلك، وقربة تقربكم إلى الله، بل ~~كما قال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم أي أشدكم اتقاء له وخشية بأداء ~~فرائضه، واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتا، ولا أكثركم عشيرة. # إن الله عليم خبير أي بظواهركم وبواطنكم، وبالأتقى والأكرم، وغير ذلك، لا ~~تخفى عليه خافية. ### | تنبيهات: # الأول- حكى الثعالبي في (فقه اللغة) في تدريج القبيلة من الكثرة إلى ~~القلة عن ابن الكلبي عن أبيه: أن الشعب (بفتح الشين) أكبر من القبيلة، ثم ~~القبيلة، ثم العمارة، (بكسر العين) ثم البطن، ثم الفخذ. وعن غيره: الشعب، ~~ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، ثم الذرية، ثم العترة، ثم الأسرة. ~~انتهى. # PageV08P538 # وقال الشيخ ابن بري: الصحيح في هذا ما رتبه الزبير بن بكار وهو: الشعب، ~~ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال أبو أسامة: ~~هذه الطبقات على ترتيب خلق الإنسان، فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم ~~القبيلة من قبيلة الرأس لاجتماعها، ثم العمارة وهي الصدر، ثم البطن، ثم ~~الفخذ، ثم الفصيلة وهي الساق. وزاد بعضهم العشيرة فقال: # أقصد ms4212 الشعب فهو أكثر حي ... عددا في الحواء ثم القبيلة # ثم يتلوهما العمارة ثم ال ... بطن والفخذ بعدها والفصيلة # ثم من بعدها العشيرة لكن ... هي في جنب ما ذكرنا قليله # فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس ~~فصيلة. وسميت (الشعوب) لأن القبائل تشعبت منها. و (الشعوب) جمع شعب، بفتح ~~الشين. # قال أبو عبيد البكري في (شرح نوادر أبي علي القالي) : كل الناس حكى الشعب ~~في القبيلة بالفتح، وفي الجبل بالكسر، إلا بندار فإنه رواه عن أبي عبيدة ~~بالعكس. نقله الزبيدي في (تاج العروس) . # الثاني- في الآية الاعتناء بالأنساب، وأنها شرعت للتعارف، وذم التفاخر ~~بها، وأن التقي غير النسيب، يقدم على النسيب غير التقي، فيقدم الأورع في ~~الإمامة على النسيب غيرهما. # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: سألت مالكا عن نكاح الموالي العربية ~~فقال: حلال، ثم تلا هذه الآية، فلم يشترط في الكفاءة الحرية- نقله في ~~(الإكليل) . # وقال ابن كثير: استدل بالآية، من ذهب إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ~~ولا يشترط سوى الدين. # الثالث- أفاد قوله تعالى: لتعارفوا حصر حكمة جعلهم شعوبا وقبائل فيه. # أي إنما جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضا، فتصلوا الأرحام، وتبينوا الأنساب ~~والتوارث، لا للتفاخر بالآباء والقبائل. # قال الشهاب: الحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر، والسكوت في معرض البيان. # PageV08P539 # وقال القاشاني: معنى قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا كرامة ~~بالنسب، لتساوي الكل في البشرية المنتسبة إلى ذكر وأنثى. والامتياز بالشعوب ~~والقبائل إنما يكون لأجل التعارف بالانتساب، لا للتفاخر، فإنه من الرذائل. ~~والكرامة لا تكون إلا بالاجتناب عن الرذائل الذي هو أصل التقوى. ثم كلما ~~كانت التقوى أزيد رتبة، كان صاحبها أكرم عند الله، وأجل قدرا. فالمتقي عن ~~المناهي الشرعية، التي هي الذنوب، في عرف ظاهر الشرع، أكرم من الفاجر، وعن ~~الرذائل الخلقية كالجهل والبخل والشره والحرص والجبن، أكرم من المجتنب عن ~~المعاصي الموصوف بها. انتهى. # الرابع- # روي في معنى الآية أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري «1» عن أبي هريرة ~~قال: سئل رسول الله صلى ms4213 الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند ~~الله أتقاهم. # قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ~~ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن ~~العرب تسألوني؟ # قالوا: نعم. قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» . # وروى مسلم «2» عنه أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ~~ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. # وروى الإمام «3» أحمد عن أبي ذر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له: انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود، إلا أن تفضله بتقوى الله. # وروى البزار في مسنده عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم بنو ~~آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على ~~الله تعالى من الجعلان» . # وروى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في خطبته يوم فتح مكة: «أيها الناس! إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة ~~الجاهلية وتعظمها بآبائها. فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى، ~~ورجل فاجر يتقى، هين على الله تعالى. إن الله عز وجل يقول: يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.. # الآية» . PageV08P540 # وبقيت أحاديث أخر ساقها ابن كثير، فانظرها. # وروى الطبري عن عطاء قال: قال ابن عباس: ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن ~~كله وقال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال الناس: أكرمكم أعظمكم بيتا. قال ~~عطاء: نسيت الثالثة. # ولما كانت طليعة السورة في الحديث عن جفاة الأعراب، والإنكار على مساوئ ~~أخلاقهم، ثم تأثرها من المناهي عن المنكرات التي تكثر فيهم، ما كانوا فيها ~~هم المقصود أولا وبالذات، ثم غيرهم ثانيا وبالعرض ختمها بتعريف أن من كان ~~على شاكلتهم في ارتكاب تلك المناهي، فهو ممن لم يخامر فؤاده الإيمان، ثم ~~بيان من المؤمن حقا، ليفقهوا أن الأمر ليس كما يزعمون، فقال سبحانه وتعالى: ### | ### | القول في ms4214 تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 14] # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) # قالت الأعراب أي المحدث عنهم في أول السورة آمنا أي بالله ورسوله، فنحن ~~مؤمنون، زعما أن التلفظ بمادة الإيمان هو عنوان كل مكرمة وإحسان. قل لم ~~تؤمنوا أي لستم مؤمنين، وإن أخبرتم عنه، لأن الإيمان قول وعمل. ولكن قولوا ~~أسلمنا أي انقدنا ودخلنا في السلم خوف السباء والقتل ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم أي لأنه لو حل الإيمان في القلوب لتأثر منه البدن، وظهر عليه مصداقه ~~من الأعمال الصالحة، والبعد من ركوب المناهي، فإن لكل حق حقيقة، ولكل دعوى ~~شاهد. فإن قيل: في قوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم بعد قوله قل لم تؤمنوا ~~شبه التكرار من غير استقلال بفائدة متجددة؟ والجواب: إن فائدة قوله لم ~~تؤمنوا تكذيب دعواهم، وقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم توقيت لما أمروا ~~به أن يقولوه، كأنه قيل لهم: ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطأة قلوبكم ~~لألسنتكم، لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في قولوا. وما في لما من ~~معنى التوقع، دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد، فلا تكرار. هذا ما أشار ~~له الزمخشري، واختار كون الجملة حالا، لا مستأنفة، إخبارا منه تعالى، فإنه ~~غير مفيد لما ذكر. ### | تنبيهات: # الأول- قال في (الإكليل) : استدل بالآية من لم ير الإيمان والإسلام ~~مترادفين، # PageV08P541 # بل بينهما عموم وخصوص مطلق، لأن الإسلام الانقياد للعمل ظاهرا، والإيمان ~~تصديق القلب كما قال ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. انتهى. # وهذا الاستدلال في غاية الضعف. لأن ترادفهما شرعا لا يمنع من إطلاقهما ~~بمعناهما اللغوي في بعض المواضع. وإبانة ذلك موكولة إلى القرائن، وهي جلية، ~~كما هنا. وإلا فآية إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] ، أكبر مناد ~~على اتحادهما. ومن اللطائف أن يقال في الإيمان والإسلام ما قالوه في الفقير ~~والمسكين، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا ms4215 اجتمعا. والإيمان والإسلام ~~وأمثالهما ألفاظ شرعية محضة، ولم يطلقها الشرع إلا على القول والعمل، كما ~~أوضح ذلك الإمام ابن حزم في (الفصل) فانظره. # الثاني- قال في (الإكليل) : في الآية رد على الكرامية في قولهم إن ~~الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، وهو ظاهر. وقد استوفى الرد ~~عليهم كغيرهم، الإمام ابن حزم في (الفصل) ، فراجعه. # الثالث- قيل، مقتضى الظاهر أن يقول: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا ~~أسلمنا. # أو: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. فعدل عنه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن ~~القول بالإيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعا. وقيل: إنه من ~~الاحتباك، وأصله: لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا، ولكن أسلمتم، فقولوا أسلمنا، ~~فحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر. والأول أبلغ لأنهم ادعوا الإيمان ~~فنفي عنهم، ثم استدرك عليه فقال: دعوا ادعاء الإيمان، وادعوا الإسلام، فإنه ~~الذي ينبغي أن يصدر عنكم على ما فيه، فنفى الإيمان، وأثبت لهم قول الإسلام ~~دون الاتصاف به، وهو أبلغ مما ذكر من الاحتباك، مع سلامته من الحذف بلا ~~قرينة- هذا ما في القاضي وحواشيه. # وإن تطيعوا الله ورسوله أي فتأتمروا لأوامرهما، وتنتهوا عما نهياكم عنه. # والخطاب لهؤلاء الأعراب القائلين آمنا لا يلتكم من أعمالكم شيئا أي لا ~~يظلمكم من أجور أعمالكم شيئا، ولا ينقصكم من ثوابها. # قال الزمخشري: يقال (ألته السلطان حقه أشد الألت) وهي لغة غطفان. ولغة ~~أسد، وأهل الحجاز- لاته ليتا- وحكى الأصمعي عن أم هشام السلولية أنها قالت: # الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات. وقرئ باللغتين لا ~~يلتكم و (لا يألتكم) . ونحوه في المعنى فلا تظلم نفس شيئا [الأنبياء: 47] . # PageV08P542 # إن الله غفور رحيم أي لمن أطاعه وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأنيبوا إليه ~~أيها الأعراب، وتوبوا من النفاق، واعقدوا قلوبكم على الإيمان، والعمل ~~بمقتضياته، يغفر لكم ويرحمكم. # ثم بين تعالى الإيمان، وما به يكون المؤمن مؤمنا، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 15] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ms4216 ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا أي لم يقع في ~~نفوسهم شك فيما آمنوا به من وحدانية الله ونبوة نبيه، وألزموا نفوسهم طاعة ~~الله، وطاعة رسوله، والعمل بما وجب عليهم من فرائض الله بغير شك في وجوب ~~ذلك عليهم. # وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أي جاهدوا المشركين بإنفاق ~~أموالهم، وبذل مهجهم في جهادهم، على ما أمرهم الله به من جهادهم، وذلك ~~سبيله، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى- قاله ابن جرير: ~~وقدمنا مرارا أن قصر (سبيل الله) على غزو الكفار المعتدين، من باب قصر ~~العام على أهم أفراده وأعلاها، وإلا فسبيل الله يعم العبادات والطاعات ~~كلها، لأنها في سبيله وجهته. # قال الشهاب: وقدم الأموال، لحرص الإنسان عليها، فإن ماله شقيق روحه. # وجاهدوا بمعنى: بذلوا الجهد. أو مفعوله مقدر، أي العدو أو النفس والهوى. # أولئك هم الصادقون أي الذين صدقوا في ادعاء الإيمان، لظهور أثر الصدق على ~~جوارحهم، وتصديق أفعالهم وأقوالهم. وفيه تعريض يكذب أولئك الأعراب في ~~ادعائهم الإيمان وإفادة للحصر. أي: هم الصادقون، لا هؤلاء، أو إيمانهم ~~إيمان صدق وجد. ### | تنبيهات: # الأول- قال في (الإكليل) : في الآية دليل على أن الأعمال من الإيمان. ~~وقدمنا أن هذا ما لا خلاف فيه بين السلف، وليراجع في ذلك ما بسطه ابن حزم ~~رحمه الله في (الفصل) . # الثاني- قال القاشاني: في قوله تعالى: إنما المؤمنون.. الآية إشارة إلى # PageV08P543 # الإيمان المعتبر الحقيقي، وهو اليقين الثابت في القلب المستقر الذي لا ~~ارتياب معه، لا الذي يكون على سبيل الخطرات، فالمؤمنون هم الموقنون الذين ~~غلبت ملكة اليقين قلوبهم على نفوسهم، ونورتها بأنوارها، فتأصلت فيها ملكة ~~القلوب حتى تأثرت بها الجوارح، فلم يمكنها إلا الجري بحكمها، والتسخر ~~لهيأتها، وذلك معنى قوله: وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله بعد نفي ~~الارتياب عنهم، لأن بذل المال والنفس في طريق الحق هو مقتضى اليقين الراسخ، ~~وأثره في الظاهر. انتهى. # الثالث- قال في (الكشاف) : فإن قلت: ما معنى (ثم) هاهنا، وهي للتراخي. # وعدم ms4217 الارتياب يجب أن يكون مقارنا للإيمان، لأنه وصف فيه، لما بينت من ~~إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ ~~قلت: الجواب على طريقين: # أحدهما- أن من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان، أو بعض المضلين، بعد ~~ثلج الصدر، فشككه وقذف في قلبه ما يثلم يقينه. أو نظر هو نظرا غير سديد ~~يسقط به على الشك، ثم يستمر على ذلك، راكبا رأسه، لا يطلب له مخرجا. # فوصف المؤمنون حقا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله: ثم استقاموا. # والثاني- أن الإيقان وزوال الريب، لما كان ملاك الإيمان، أفرد بالذكر بعد ~~تقدم الإيمان تنبيها على مكانه. وعطف على الإيمان بكلمة التراخي، إشعارا ~~باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضا جديدا. انتهى. # يعني: أنه إما لنفي الشك عنهم فيما بعد، فدل على أنهم كما لم يرتابوا ~~أولا لم تحدث لهم ريبة، فالتراخي زماني لا رتبي على ما مر في قوله: ثم ~~استقاموا. # أو عطفه عليه عطف جبريل على الملائكة، تنبيها على أصالته في الإيمان، حتى ~~كأنه شيء آخر. فثم دلالة على استمراره قديما وحديثا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية # 16] # قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله ~~بكل شيء عليم (16) # قل أي لهؤلاء الأعراب القائلين بأفواههم آمنا. أتعلمون الله بدينكم أي ~~أتخبرونه بقولكم آمنا، بطاعتكم إياه لتكونوا مع المؤمنين عنده، ولا تبالون ~~بعلمه بما أنتم عليه، من التعليم، بمعنى الإعلام والإخبار، فلذا تعدى # PageV08P544 # للثاني بالباء. وقيل: تعدى بها لتضمين معنى الإحاطة أو الشعور. وفيه ~~تجهيل لهم وتوبيخ. أي لأن قولهم آمنا إن كان إخبارا للخلق فلا دليل على ~~صدقه، وإن كان للحق تعالى فلا معنى له، لأنهم كيف يعلمونه، وهو العالم بكل ~~شيء، كما قال والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ~~قال ابن جرير: هذا ما تقدم من الله إلى هؤلاء الأعراب بالنهي عن أن يكذبوا ~~ويقولوا غير الذي هم عليه من دينهم. يقول: الله محيط بكل شيء عالم ms4218 به، ~~فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى ~~عليه شيء. # ثم أشار إلى نوع آخر من جفائهم، مختوما بتوعدهم، بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 17] # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) # يمنون عليك أن أسلموا أي انقادوا وكثروا سواد أتباعك. قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم أي بإسلامكم، إذ لا ثمرة منه إلي من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~[الإسراء: 15] ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين أي في ~~قولكم آمنا لكن علم الله من قلوبكم أنكم كاذبون، لاطلاعه على الغيوب، كما ~~قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحجرات (49) : آية 18] # إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18) # إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون قال ابن جرير ~~يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الأعراب لا يخفى عليه الصادق منكم من ~~الكاذب، ومن الداخل منكم في ملة الإسلام رغبة فيه، ومن الداخل فيه رهبة من ~~الرسول وجنده، فلا تعلمونا دينكم وضمائر صدوركم، فإن الله لا يخفى عليه شيء ~~في خبايا السموات والأرض. ### | تنبيهات: # الأول- # روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم ~~نقاتلك. فقال # PageV08P545 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ~~ألسنتهم- ونزلت هذه الآية-. # وقال ابن زيد: هذه الآيات نزلت في الأعراب. ولا يبعد أن يكون المحدث عنهم ~~في آخر السورة من جفاة الأعراب، غير المعنيين أولها، وإنما ضموا إليهم ~~لاشتراكهم معهم في غلظة القول وخشونته، ويحتمل أن يكون النبأ لقبيلة واحدة- ~~والله أعلم. # الثاني- في قوله تعالى بل الله يمن عليكم ... الآية، ملاحظة المنة لله، ~~والفضل في الهداية، والقيام بواجب شكرها، والاعتراف بها، كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين «1» : «يا معشر الأنصار! ~~ألم ms4219 أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي. وكنتم عالة ~~فأغناكم الله بي» ؟ # - كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن. # وما ألطف قول أبي إسحاق الصابي في طليعة كتاب له، بعد الثناء على الله ~~تعالى: وبعث إليهم رسلا منهم يهدونهم إلى الصراط المستقيم، والفوز العظيم، ~~ويعدلون بهم عن المسلك الذميم، والمورد الوخيم، فكان آخرهم في الدنيا عصرا، ~~وأولهم يوم الدين ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، وأوضحهم حجة وبرهانا، ~~وأبعدهم في الفضل غاية، وأبهرهم معجزة وآية، محمد صلى الله عليه وسلم ~~تسليما، الذي اتخذه صفيا وحبيبا، وأرسله إلى عباده بشيرا ونذيرا، على حين ~~ذهاب منهم مع الشيطان، وصدوف عن الرحمن، وتقطيع للأرحام، وسفك للدماء ~~الحرام، واقتراف للجرائم، واستحلال للمآثم. أنوفهم في المعاصي حمية، ~~ونفوسهم في غير ذات الله أبية، يدعون معه الشركاء، ويضيفون إليه الأكفاء، ~~ويعبدون من دونه ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا. فلم يزل صلى الله ~~عليه وسلم يقذف في أسماعهم فضائل الإيمان، ويقرأ على قلوبهم قوارع القرآن، ~~ويدعوهم إلى عبادة الله باللطف لما كان وحيدا، وبالعنف لما وجد أنصارا ~~وجنودا. لا يرى للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه، ولا ~~حجة مموهة إلا كشفها ودحضها، ولا دعامة مرفوعة إلا حطها ووضعها، حتى ضرب ~~الحق بجرانه، وصدع ببيانه، وسطع بمصباحه، ونصع بأوضاحه، واستنبط ~~PageV08P546 # الله هذه الأمة من حضيض النار، وعلاها إلى ذروة الصلحاء والأبرار، واتصل ~~حبلها بعد البتات، والتأم شملها بعد الشتات، واجتمعت بعد الفرقة، وتوادعت ~~بعد الفتنة، فصلى الله عليه صلاة زاكية نامية، رائحة غادية، منجزة عدته، ~~رافعة درجته. # الثالث- قال الرازي: هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق. # وهي إما مع الله تعالى، أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مع غيرهما ~~من أبناء الجنس. وهم على صنفين: لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين، ~~وداخلين في رتبة الطاعة، أو خارجا عنها، وهو الفاسق. والداخل في طائفتهم، ~~السالك لطريقتهم، إما أن يكون حاضرا عندهم، أو غائبا عنهم، فهذه ms4220 خمسة ~~أقسام: # أحدها- يتعلق بجانب الله. # وثانيها- بجانب الرسول. # وثالثها- بجانب الفساق. # ورابعها- بالمؤمن الحاضر. # وخامسها- بالمؤمن الغائب. # فذكر الله تعالى في هذه السورة خمس مرات يا أيها الذين آمنوا، وأرشد في ~~كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة. # فقال أولا يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وذكر ~~الرسول كان لبيان طاعة الله، لأنها لا تعلم إلا بقول رسول الله. # وقال ثانيا يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي لبيان ~~وجوب احترام النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال ثالثا يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ لبيان وجوب الاحتراز ~~عن الاعتماد على أقوالهم، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم، وبين ذلك عند ~~تفسير قوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. # وقال رابعا يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم وقال ولا تنابزوا ~~لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم، والإزراء بحالهم ومنصبهم. # وقال خامسا يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~وقال: ولا تجسسوا وقال: ولا يغتب بعضكم بعضا لبيان وجوب الاحتراز # PageV08P547 # عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته، وذكر ما لو كان حاضرا لتأذى. وهو في ~~غاية الحسن من الترتيب. # فإن قيل: لم لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة. الابتداء. # بالله ورسوله ثم بالمؤمن الحاضر ثم بالمؤمن الغائب ثم الفاسق؟. # نقول: قدم الله ما هو الأهم على ما دونه، فذكر جانب الله، ثم جانب ~~الرسول، ثم ذكر ما يفضي إلى الاقتتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى ~~كلام الفاسق، والاعتماد عليه، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفارا للصدور. وأما ~~المؤمن الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتال. ألا ترى ~~أن الله تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق، آية الاقتتال فقال وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا؟ # انتهى. # PageV08P548 ### | فهرس الجزء الثامن # من كتاب تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل # PageV08P549 # فهرس الجزء الثامن سورة الروم الآيات 1- 6 4 الآيتان 7 و 8 5 الآيات 9- ~~12 6 الآيات 13- 18 ms4221 7 الآيات 19- 21 8 الآيات 22- 25 9 الآيتان 26 و 27 11 ~~الآيات 28- 32 13 الآيات 33- 36 14 الآية 37 15 الآيتان 38 و 39 16 الآية ~~40 17 الآيات 41- 43 18 الآيات 44- 50 19 الآيات 51- 53 20 الآيتان 54 و 55 ~~21 الآيتات 56 و 57 22 الآيات 58- 60 23 سورة لقمان الآيات 1- 6 25 الآيات ~~7- 12 26 الآيتان 13 و 14 28 الآية 15 29 الآيتان 16 و 17 30 الآيتان 18 و ~~19 31 الآيات 20- 26 33 الآيات 26- 32 34 الآية 33 35 الآية 34 36 سورة ~~السجدة الآيات 1- 5 38 الآيات 6- 12 39 الآيات 13- 16 41 الآيات 17- 22 42 ~~الآيات 23- 27 43 الآيتان 28 و 29 44 الآية 30 45 # PageV08P551 # سورة الأحزاب الآيات 1- 4 47 الآية 5 49 الآية 6 51 الآية 7 52 الآيتان 8 ~~و 9 53 الآيات 10- 13 54 الآيات 14- 19 56 الآيتان 20 و 21 57 الآيتان 22 و ~~23 58 الآيتان 24 و 25 59 الآيات 26- 28 64 الآيات 29- 33 66 الآيتان 34 و ~~35 75 الآية 36 76 الآيتان 37- 39 79 الآية 40 80 الآيتان 41 و 42 89 الآية ~~43 90 الآيات 44- 49 91 الآية 50 94 الآية 51 96 الآية 52 97 الآية 53 99 ~~الآية 54 101 الآية 55 104 الآية 56 106 الآية 57 110 الآية 58 111 الآية ~~59 112 الآيات 60- 62 114 الآيات 63- 66 116 الآيات 67- 69 117 الآيتان 70 ~~و 71 123 الآية 72 124 الآية 73 125 سورة سبأ الآيتان 1 و 2 132 الآية 3 ~~133 الآيات 4- 8 134 الآية 9 135 الآيات 10- 12 136 # PageV08P552 # الآيتان 13 و 14 137 الآيتان 15 و 16 138 الآيات 17- 19 139 الآيتان 20 و ~~21 142 الآية 22 143 الآية 23 144 الآية 24 145 الآية 25 146 الآيتان 26 و ~~27 147 الآية 28 148 الآيات 29- 31 149 الآيات 32- 35 150 الآيتان 36 ms4222 و 37 ~~151 الآيات 38- 41 152 الآيتان 42 و 43 153 الآيات 44- 46 154 الآيات 47- ~~49 155 الآيات 50- 52 156 الآيتان 53 و 54 157 سورة فاطر الآيات 1- 3 159 ~~الآيات 4- 8 160 الآيتان 9 و 10 161 الآية 11 162 الآيات 12- 14 163 الآيات ~~15- 18 164 الآيات 19- 23 165 الآيات 24- 27 166 الآية 28 167 الآيات 29- ~~32 168 الآيات 33- 37 169 الآيات 38- 43 170 الآيتان 44 و 45 171 سورة يس ~~الآيات 1- 5 173 الآيات 6- 9 174 الآية 10 175 الآيات 11- 14 176 الآيات ~~15- 20 177 الآيات 21- 25 178 الآيات 26- 29 179 الآيات 30- 32 182 الآيات ~~33- 36 183 الآيات 37- 40 184 # PageV08P553 # الآية 41 186 الآيات 42- 45 187 الآيات 46- 49 188 الآيات 50- 55 189 ~~الآيات 56- 60 190 الآيات 61- 65 191 الآية 66 192 الآيات 67- 69 193 ~~الآيات 70- 74 194 الآيات 75- 78 195 الآيتان 79 و 80 196 الآيات 81- 83 ~~197 سورة الصافات الآيات 1- 4 200 الآيات 5- 7 201 الآيات 8- 10 202 الآية ~~11 204 الآيات 12- 18 205 الآيات 19- 24 206 الآيات 25- 35 207 الآيات 36- ~~47 208 الآيات 48- 53 209 الآيات 54- 62 210 الآيات 63- 67 211 الآيات 68- ~~70 212 الآيات 71- 79 213 الآيات 80- 83 214 الآيات 84- 88 215 الآيات 89- ~~96 216 الآيات 97- 101 217 الآيات 102- 105 218 الآيات 106- 113 219 الآيات ~~114- 118 224 الآيات 119- 127 225 الآيات 128- 139 226 الآيات 140- 144 227 ~~الآيات 145- 149 228 الآيات 150- 154 229 الآيات 155- 158 230 الآيتان 159 ~~و 160 231 الآيات 161- 164 232 الآيات 165- 170 233 # PageV08P554 # الآيات 171- 176 234 الآيات 177- 181 235 الآية 182 236 سورة ص الآيات 1- ~~3 239 الآيات 4- 7 240 الآيتان 8 و 9 241 الآيتان 10 و 11 242 الآية 12 243 ~~الآيتان 13 و 14 244 الآيات 15- 17 245 الآيات 18- 21 246 الآيات 22- 25 ~~247 الآية 26 253 الآية 27 254 الآيتان 28 و 29 255 الآيات 30- 32 256 ~~الآية 33 257 الآيات 34- 39 260 الآية 40 261 الآيات 41- 43 ms4223 262 الآية 44 ~~263 الآيتان 45 و 46 266 الآيات 47- 50 267 الآيات 51- 54 268 الآيات 55- ~~60 269 الآيات 61- 63 270 الآيات 64- 67 271 الآيتان 68 و 69 272 الآية 70 ~~273 الآيات 71- 74 274 الآيات 75- 78 275 الآيات 79- 86 276 الآيتان 87 و ~~88 277 سورة الزمر الآيات 1- 4 279 الآيات 5- 7 280 الآيتان 8 و 9 281 ~~الآية 10 282 الآيات 11- 15 283 الآيات 16- 19 284 الآيات 20- 22 285 ~~الآيات 23- 25 286 الآيات 26- 29 287 # PageV08P555 # الآيات 30- 32 288 الآيات 33- 38 289 الآيات 39- 42 290 الآيات 43- 46 ~~291 الآيات 47- 52 292 الآيات 53- 58 293 الآيات 59- 66 294 الآية 67 295 ~~الآيتان 68 و 69 296 الآيات 70- 73 297 الآيتان 74 و 75 298 سورة غافر ~~الآيات 1- 5 301 الآيات 6- 10 302 الآية 11 303 الآيات 12- 15 304 الآيات ~~16- 25 305 الآيات 26- 28 306 الآية 29 307 الآيات 30- 33 308 الآيات 34- ~~37 309 الآيات 38- 42 310 الآيتان 43 و 44 311 الآيات 45- 48 312 الآيات ~~49- 52 313 الآيات 53- 56 314 الآيتان 57 و 58 315 الآيتان 59 و 60 316 ~~الآيات 61- 64 317 الآيات 65- 67 318 الآيات 68- 74 319 الآيات 75- 78 320 ~~الآيات 79- 82 321 الآيات 83- 85 322 سورة فصلت الآيات 1- 4 324 الآيات 5- ~~8 325 الآيات 9- 11 326 الآيتان 12 و 13 328 الآيات 14- 16 329 الآيات 17- ~~19 330 الآيتان 20 و 21 331 الآية 22 333 الآيات 23- 26 334 # PageV08P556 # الآيتان 27 و 28 335 الآيتان 29 و 30 336 الآيتان 31 و 32 337 الآية 33 ~~338 الآية 34 340 الآيات 35- 37 341 الآيات 38- 41 342 الآيتان 42 و 43 343 ~~الآية 44 344 الآيات 45- 47 345 الآيات 48- 50 346 الآيات 51- 53 347 الآية ~~54 348 سورة الشورى الآيات 1- 3 350 الآيات 4- 7 351 الآيات 8- 10 352 ~~الآية 11 353 الآيتان 12 و 13 358 الآيتان 14 و 15 359 الآية 16 360 الآيات ~~17- 20 361 الآيات 21- 23 ms4224 362 الآية 24 366 الآيات 25- 28 368 الآية 29 369 ~~الآيتان 30 و 31 370 الآيات 32- 38 371 الآيات 39- 42 372 الآية 43 373 ~~الآيات 44- 47 374 الآيات 48- 50 375 الآيات 51- 53 376 سورة الزخرف الآيات ~~1- 8 379 الآيات 9- 14 380 الآيات 15- 17 381 الآيات 18- 21 382 الآيات 22- ~~24 385 الآيات 25- 27 386 الآيات 28- 32 387 الآيات 33- 35 388 الآيات 36- ~~38 390 الآيات 39- 42 391 # PageV08P557 # الآيات 43- 45 392 الآيات 46- 50 393 الآيات 51- 58 394 الآيتان 59 و 60 ~~395 الآيات 61- 64 396 الآيات 65- 67 398 الآيتان 68 و 69 399 الآيات 70- ~~73 400 الآيات 74- 79 401 الآيات 80- 82 402 الآيات 83- 86 403 الآيات 87- ~~89 404 سورة الدخان الآيات 1- 6 407 الآيات 7- 12 408 الآيات 13- 16 412 ~~الآية 17 415 الآيات 18- 22 416 الآيات 23- 28 417 الآيات 29- 31 418 ~~الآيات 32- 36 419 الآية 37 420 الآيتان 38 و 39 421 الآيات 40- 47 422 ~~الآيات 48- 54 423 الآيات 55- 59 424 سورة الجاثية الآيات 1- 6 426 الآيات ~~7- 13 427 الآيات 14- 16 428 الآيات 17- 19 429 الآيات 20- 22 430 الآيتان ~~23 و 24 431 الآيات 25- 31 433 الآيات 32- 35 434 الآيتان 36 و 37 435 سورة ~~الأحقاف الآيات 1- 4 437 الآيتان 5 و 6 438 الآيتان 7 و 8 439 الآية 9 440 ~~الآية 10 441 الآيتان 11 و 12 443 الآيات 13- 15 444 # PageV08P558 # الآية 16 445 الآيات 17- 19 446 الآيتان 20 و 21 448 الآيات 22- 25 449 ~~الآية 26 450 الآيتان 27 و 28 451 الآيات 29- 32 452 الآيات 33- 35 461 ~~سورة محمد صلى الله عليه وسلم الآيتان 1 و 2 464 الآيتان 3 و 4 465 الآيات ~~5- 10 469 الآيات 11- 15 470 الآيات 16- 18 471 الآية 19 472 الآية 20 473 ~~الآية 21 474 الآيات 22- 24 475 الآيتان 25 و 26 476 الآيات 27- 31 477 ~~الآيات 32- 35 478 الآيتان 36 و 37 479 الآية 38 480 سورة الفتح الآية 1 ~~482 الآية ms4225 2 484 الآيات 3- 6 485 الآيات 7- 9 486 الآية 10 487 الآية 11 ~~492 الآيات 12- 14 494 الآية 15 495 الآيتان 16 و 17 496 الآية 18 497 ~~الآيات 19- 21 499 الآيتان 22 و 23 500 الآية 24 501 الآية 25 502 الآية 26 ~~504 الآية 27 505 الآية 28 508 الآية 29 509 # PageV08P559 # سورة الحجرات الآية 1 515 الآية 2 517 الآية 3 518 الآيتان 4 و 5 519 ~~الآية 6 522 الآية 7 524 الآيتان 8 و 9 526 الآية 10 529 الآية 11 530 ~~الآية 12 534 الآية 13 538 الآية 14 541 الآية 15 543 الآية 16 544 الآيتان ~~17 و 18 545 # PageV08P560 ### | المجلد التاسع # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة ق # وتسمى سورة (الباسقات) . وهي مكية بالإجماع. وآيها خمس وأربعون آية. # قال ابن كثير: وهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من ~~الحجرات. وأما ما يقوله العوام أنه من (عم) فلا أصل له، ولم يقله أحد من ~~العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل ما رواه أوس بن حذيفة قال: سألت ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث، ~~وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده. فإذا عددت ~~ثمانيا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة (ق) بيانه: # ثلاث: البقرة وآل عمران والنساء. # وخمس: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة. # وسبع: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل. # وتسع: سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور ~~والفرقان. # وإحدى عشرة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان وألم السجدة ~~وسبأ وفاطر ويس. # وثلاث عشرة: الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان ~~والجاثية والأحقاف والقتال والفتح والحجرات. # ثم بعد ذلك الحزب المفصل، كما قاله الصحابة رضي الله عنهم، فتعين أن أوله ~~سورة (ق) . # PageV09P003 # وروى الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد ~~الليثي: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيد؟ قال: ب (ق) ms4226 و ~~(اقتربت) . # وروى مسلم وغيره، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يخطب بها كل جمعة. # وفي رواية: كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس. # والقصد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه السورة في المجامع ~~الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد ~~والقيام والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب. انتهى. # PageV09P004 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) # ق هو حرف من حروف التهجي المفتتح بها أوائل السور، مثل: ص، ون، والم، ~~وحم، ونحوها. علم على السورة، على الصحيح من أقوال، كما تقدم مرارا. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض يقال ~~له (جبل قاف) . وكأن هذا- والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها ~~عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق ولا يكذب. # وعندي أن هذا وأمثاله من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر ~~دينهم، كما افتري في هذه الأمة، مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها، ~~أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بالعهد من قدم. فكيف بأمة بني ~~إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ والنقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف ~~علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته؟ وإنما أباح الشارع ~~الرواية عنهم في قوله: «1» (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فيما قد يجوزه ~~العقل. فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه البطلان، ويغلب على الظنون كذبه، ~~فليس من هذا القبيل. # وقد أكثر كثير من السلف المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية ~~عن كتب أهل الكتاب، تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ~~ولله الحمد والمنة. # ثم رد ابن كثير، رحمه الله، ما قيل من أن المراد من ق قضي الأمر والله! ~~كقول الشاعر: # قلت لها قفي فقالت قاف PageV09P005 # أي: إني ms4227 واقفة، بأن في هذا نظرا، لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل ~~دليل عليه ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف. انتهى. # والقرآن المجيد أي: ذي المجد والشرف على غيره من الكتب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 2] # بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) # بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم أي: لأن جاءهم منذر من جنسهم، لا من جنس ~~الملك، أو من جلدتهم. وهو كما قال أبو السعود- إضراب عما ينبئ عنه جواب ~~القسم المحذوف، كأنه قيل: والقرآن المجيد، أنزلناه إليك، لتنذر به الناس. # حسبما ورد في صدر سورة الأعراف، كأنه قيل بعد ذلك: لم يؤمنوا به، جعلوا ~~كلا من المنذر والمنذر به عرضة للنكير والتعجب، مع كونهما أوفق شيء لقضية ~~العقول، وأقربه إلى التلقي بالقبول. # وقيل: التقدير: والقرآن المجيد، إنك لمنذر. ثم قيل بعده إنهم شكوا فيه، ~~ثم أضرب عنه. وقيل: بل عجبوا، أي لم يكتفوا بالشك والرد، بل جزموا بالخلاف، ~~حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة. وقيل: هو إضراب عما يفهم من وصف القرآن ~~بالمجيد، كأنه قيل: ليس سبب اقتناعهم من الإيمان بالقرآن أنه لا مجد له، ~~ولكن لجهلهم. # فقال الكافرون هذا شيء عجيب تفسير لتعجبهم، وبيان لكونه مقارنا لغاية ~~الإنكار، مع زيادة تفصيل لمحل التعجب. وهذا إشارة إلى كونه عليه الصلاة ~~والسلام منذرا بالقرآن. وإضمارهم أولا، للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم. ~~وإظهارهم ثانيا، للتسجيل عليهم بالكفر بموجبه. أو عطف لتعجبهم من البعث، ~~على تعجبهم، من البعثة. على أن هذا إشارة إلى مبهم، يفسره ما بعده من ~~الجملة الإنكارية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 3] # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) # أإذا متنا وكنا ترابا تقرير للتعجيب، وتأكيد للإنكار. والعامل في (إذا) ~~مضمر غني عن البيان، لغاية شهرته، مع دلالة ما بعده عليه. أي: أحين نموت ~~ونصير ترابا نرجع، كما ينطق به النذير والمنذر به. مع كمال التباين بيننا ~~وبين الحياة، # PageV09P006 # حينئذ ذلك إشارة إلى محل ms4228 النزاع رجع بعيد أي: عن الأوهام أو العادة أو ~~الإمكان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 4] # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم أي: ما تأكل من أجسامهم بعد مماتهم. # وهو رد لاستبعادهم، وإزاحة له. فإن من عم علمه ولطف حتى انتهى إلى حيث ~~علم ما تنقص الأرض من أجساد الموتى. وتأكل من لحومهم وعظامهم، كيف يستبعد ~~رجعه إياهم أحياء كما كانوا. وقيل: المعنى ما يموت فيدفن في الأرض منهم. # وعندنا كتاب حفيظ قال أبو السعود: أي حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، أو ~~محفوظ من التغير. والمراد: إما تمثيل علمه تعالى بكليات الأشياء وجزئياتها، ~~بعلم من عنده كتاب محيط، يتلقى منه كل شيء. أو تأكيد لعلمه تعالى بها، ~~بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 5] # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) # بل كذبوا بالحق وهو القرآن، لما جاءهم أي من غير تأمل وتفكر. # قال الزمخشري: إضراب أتبع الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو ~~أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات، في ~~أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر. وكونه أفظع، للتصريح بالتكذيب من غير تدبر ~~بعد التعجب منه. فهم في أمر مريج أي مضطرب. يعني. اختلاف مقالتهم فيه، من ~~ادعاء أنه شعر أو سحر ونحوه، تعنتا وكبرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 6] # أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) # أفلم ينظروا أي هؤلاء المكذبون بالبعث، المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد ~~فنائهم، إلى السماء فوقهم كيف بنيناها أي رفعناها بغير عمد، وزيناها أي ~~بالنجوم، وما لها من فروج. قال ابن جرير: يعني وما لها من صدوع وفتوق. ~~كقوله تعالى: الذي خلق سبع سماوات طباقا، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، # PageV09P007 # فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا ~~وهو حسير # [الملك: ms4229 3- 4] ، أي كليل عن أن ترى عيبا أو نقصا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 7] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) # والأرض مددناها أي بسطناها. وألقينا فيها رواسي أي جبالا ثوابت، حفظا لها ~~من الاضطراب، لقوة الجيشان في جوفها، وأنبتنا فيها من كل زوج أي صنف، بهيج ~~أي حسن المنظر، يبتهج به لحسنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 8] # تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) # تبصرة وذكرى لكل عبد منيب أي لتبصر وتذكر كل عبد منيب راجع إلى ربه، مفكر ~~في بدائع صنعه. وتبصرة وذكرى منصوبات بالفعل الأخير على أنهما مفعولان له، ~~وإن كانتا علتين للأفعال المذكورة معنى. أو بفعل مقدر. أي فعلنا ما فعلنا ~~تبصيرا وتذكيرا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 9 الى # 11] # ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) والنخل ~~باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ~~(11) # ونزلنا من السماء أي المزن ماء مباركا أي كثير المنافع، فأنبتنا به جنات ~~أي أشجارا ذوات أثمار، وحب الحصيد أي الزرع المحصود من البر والشعير وسائر ~~أنواع الحبوب. وتخصيص إنبات حبه بالذكر، لأنه المقصود بالذات. # والنخل باسقات أي وأنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء، النخل طوالا، ~~أو حوامل. من (أبسقت الشاة) إذا حملت، فيكون من (أفعل) فهو (فاعل) . ~~والقياس (مفعل) فهو من النوادر كالطوائح واللواقح، في أخوات لها شاذة. ~~وإفرادها بالذكر مع دخولها في جنات لبيان فضلها بكثرة منافعها. وتوسيط الحب ~~بينهما لتأكيد استقلالها وامتيازها عن البقية، مع ما فيه من مراعاة ~~الفواصل. لها طلع نضيد أي متراكم بعضه فوق بعض. رزقا للعباد أي لرزقهم. قال ~~أبو السعود: علة لقوله تعالى: فأنبتنا. وفي تعليله بذلك، بعد تعليل أنبتنا ~~الأول بالتبصرة والتذكير، # PageV09P008 # تنبيه على أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر ~~والاستبصار، أهم من تمتعه به من حيث الرزق. وقيل: رزقا مصدر من معنى ~~أنبتنا، لأن الإنبات رزق. وأحيينا ms4230 به أي بذلك الماء بلدة ميتا أي أرضا ~~جدبة، فأنبتت أنواع النبات والأزهار. كذلك الخروج أي خروجهم أحياء من ~~القبور. شبه بعث الأموات ونشرهم، بقدرته تعالى بإخراج النبات من الأرض، بعد ~~وقوع المطر عليها، ف كذلك خبر الخروج. أو مبتدأ فالكاف بمعنى (مثل) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 12 الى 14] # كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) # كذبت قبلهم أي قبل قريش قوم نوح قال أبو السعود: استئناف وارد لتقرير ~~حقية البعث، ببيان اتفاق كافة الرسل عليهم السلام عليها، وتعذيب منكريها. # وأصحاب الرس وهو بئر كانوا عنده. يقال إنهم قوم شعيب عليه السلام. ويقال ~~غير ذلك، كما تقدم في سورة الفرقان. وثمود وهم الذين جادلوا صالحا، وقتلوا ~~الناقة. وعاد وهم الذين جادلوا هودا في أصنامهم. وفرعون وهو الذي جادل موسى ~~فيما أرسل به. قال الرازي: ولم يقل (وقوم فرعون) لأن فرعون كان هو المغتر ~~المستخف بقومه، والمستبد بأمره. وإخوان لوط وهم الذين جادلوا في إتيان ~~الرجال. وأصحاب الأيكة أي الغيضة من الشجر، المجادلون شعيبا في الكيل ~~والوزن. وقوم تبع قال المهايمي: المجادلون إمامهم وعلماءهم في الدين. ومضى ~~الكلام على ذلك في الحجر والدخان. كل كذب الرسل أي كل من هذه الأمم، وهؤلاء ~~القرون، كذبوا رسولهم، ومن كذب رسولا، فكأنما كذب جميع الرسل، كقوله تعالى: ~~كذبت قوم نوح المرسلين [الشعراء: 105] ، وإنما جاءهم رسول واحد، فهم في نفس ~~الأمر، لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم- أفاده ابن كثير- وهو توجيه لجمع الرسل. ~~وإفراد ضمير كذب مراعاة للفظ كل فإنه مفرد وإن كان جمعا معنى. فحق وعيد أي ~~فوجب لهم الوعيد الذي وعد به من كفر، وهو العذاب والنقمة. # قال ابن جرير: إنما وصف تعالى في هذه الآية ما وصف من إحلاله عقوبته ~~بهؤلاء المكذبين الرسل، ترهيبا منه بذلك مشركي قريش، وإعلاما منه لهم أنهم ~~إن # PageV09P009 # لم ينيبوا من تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أنه محل بهم من ms4231 ~~العذاب مثل الذي أحل بهم. أي فهو تسلية للرسول صلوات الله عليه، وتهديد ~~لهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 15] # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) # أفعيينا بالخلق الأول أي: أفعجزنا عن الإبداء، حتى نعجز عن الإعادة، ~~فالهمزة للإنكار. قال الشهاب: العي هنا بمعنى العجز، لا التعب. قال ~~الكسائي: # تقول (أعييت) من التعب و (عييت) من انقطاع الحيلة، والعجز عن الأمر. وهذا ~~هو المعروف والأفصح، وإن لم يفرق بينهما كثير. و (الخلق الأول) هو الإبداء ~~على ما ذكر، ويحتمل أن يراد به خلق السماوات والأرض، لأن خلق الإنسان متأخر ~~عنه. # ويدل له آية أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~... [الأحقاف: 33] الآية. # وقوله: بل هم في لبس من خلق جديد عطف على مقدر، يدل عليه ما قبله، كأنه ~~قيل: هم معترفون بالخلق الأول، فلا وجه لإنكارهم للثاني، بل هم اختلط عليهم ~~الأمر والتبس، لعدم فهمهم إعادة ما مات وتفرق أجزاؤه وإعراضهم عن سلطان ~~القدرة الإلهية، وسهولة ذلك في المقدورات الربانية. ### | لطيفة: # قال الناصر: في الآية أسئلة ثلاثة: لم عرف الخلق الأول، ونكر اللبس، ~~والخلق الجديد؟ # فاعلم: أن التعريف لا غرض منه إلا تفخيم ما قصد تعريفه وتعظيمه، ومنه ~~تعريف الذكور في قوله ويهب لمن يشاء الذكور [الشورى: 49] ، ولهذا المقصد ~~عرف الخلق الأول، لأن الغرض جعله دليلا على إمكان الخلق الثاني بطريق ~~الأولى. أي إذا لم يعي تعالى بالخلق الأول، على عظمته، فالخلق الآخر أولى ~~أن لا يعيى به. فهذا سر تعريف الخلق الأول. # وأما التنكير فأمره منقسم: فمرة يقصد به تفخيم المنكر، من حيث ما فيه من ~~الإبهام، كأنه أفخم من أن يخاطبه معرفة. ومرة يقصد به التقليل من المنكر، ~~والوضع منه. وعلى الأول سلام قولا من رب رحيم [يس: 85] ، وقوله: لهم مغفرة ~~وأجر عظيم [المائدة: 9] و [الحجرات: 3] ، وإن المتقين في جنات ونعيم # PageV09P010 # [الطور: 17] ، وهو أكثر من أن يحصى. والثاني: هو الأصل في التنكير، فلا ~~يحتاج إلى تمثيله. فتنكير ms4232 (اللبس) من التعظيم والتفخيم، كأنه قال: في لبس ~~أي لبس. # وتنكير (الخلق الجديد) للتقليل منه، والتهوين لأمره، بالنسبة إلى الخلق ~~الأول. # ويحتمل أن يكون للتفخيم، كأنه أمر أعظم من أن يرضى الإنسان بكونه ملتبسا ~~عليه، مع أنه أول ما تبصر فيه صحته. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 16] # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~(16) # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه أي تحدث به نفسه، وهو ما يخطر ~~بالبال. وقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد تمثيل للقرب المعنوي، ~~بالصورة الحسية المشاهدة. وقد جعل ذاك القرب أتم من غاية القرب الصوري، ~~الذي لا اتصال أشد منه في الأجسام، إذ لا مسافة بين الجزء المتصل به وبينه. # قال الشهاب: تجوز بقرب الذات عن قرب العلم، لتنزهه عن القرب المكاني، إما ~~تمثيلا، وإما من إطلاق السبب وإرادة المسبب، لأن القرب من الشيء سبب للعلم ~~به وبأحواله في العادة. والمعنى: أنه تعالى أعلم بأحواله، خفيها وظاهرها، ~~من كل عالم. وقد ضرب المثل في القرب بحبل الوريد، لأن أعضاء المرء وعروقه ~~متصلة على طريق الجزئية، فهي أشد من اتصال ما اتصل به من الخارج. وخص هذا ~~لأن به حياته، وهو بحيث يشاهده كل أحد. والحبل: العرق. شبه بواحد الحبال. ~~فإضافته للبيان أو لامية، من إضافة العام للخاص. فإن أبقى الحبل على ~~حقيقته، فإضافته كلجين الماء. ### | تنبيه: # تأول ابن كثير الآية على غير ما تقدم، بجعل (نحن) كناية عن الملائكة، ~~وعبارته: يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه. قال: ومن ~~تأوله على العلم، فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، ~~تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه يقل (وأنا أقرب إليه) وإنما ~~قال ونحن أقرب إليه كما قال في المحتضر ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ~~[الواقعة: # 85] ، يعني: ملائكته. وكما قال تبارك وتعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون [الحجر: 9] ، فالملائكة نزلت ms4233 بالذكر وهو القرآن، بإذن الله عز ~~وجل. # PageV09P011 # وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، بإقدار الله، جل وعلا، ~~لهم على ذلك. فللملك لمة من الإنسان، كما أن للشيطان لمة. ولذلك الشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم. ثم أيد ابن كثير رحمه الله ما ذكره، بما ورد في ~~الآية بعدها. # والوجه الأول أدق وأقرب، وفيه من الترهيب وتناهي سعة العلم، مع التعريف ~~بجلالة المقام الرباني، ما لا يخفى حسنه. وليس تأويل من تأول بالعلم للفرار ~~من الحلول والاتحاد فقط، بل له ولما تقدم أولا. كما أن إيثار (نحن) على ~~(أنا) لا يحسم ما نفاه، لاحتمال إرادة التعظيم ب (نحن) كما هو شائع، فلا ~~يتم له ذلك. نعم! اللفظ الكريم يحتمل ما ذكره بأن يكون ورد ذلك تعظيما ~~للملك، لأنه بأمره تعالى وبإذنه، ولكن لا ضرورة تدعو إليه، مع ما عرف من أن ~~الأصل الحقيقة. وقد عنى رحمه الله بمن فهم الحلول والاتحاد، من قال في ~~تفسير الآية كالقاشاني- ما مثاله: وإنما كان أقرب مع عدم المسافة بين الجزء ~~المتصل به وبينه، لأن اتصال الجزء بالشيء يشهد بالبينونة والاثنينية ~~الراجعة للاتحاد الحقيقي. ومعيته وقربه من عبده ليس كذلك، فإن هويته ~~وحقيقته المندرجة في هويته وتحققه ليست غيره، بل إن وجوده المخصوص المعين ~~إنما هو بعين حقيقته التي هي الوجود، من حيث هو وجود، ولولاه لكان عدما ~~صرفا ولا شيئا محضا. انتهى كلام القاشاني. ولا يفهم من ذلك حلول ولا اتحاد ~~بالمعنى المتعارف، لأن لهؤلاء اصطلاحا معروفا، وهم أول من يتبرأ من الحلول ~~والاتحاد، كما أوضحت ذلك مع برهان استحالتهما، في كتاب (دلائل التوحيد) ~~الذي طبع بحمد الله من أمد قريب. فارجع إليه، واستغفر لمصنفه. # أقول: رأيت ابن كثير بعد، مسبوقا بما ذكره شيخه الإمام ابن تيمية، فقد ~~أوضح ذلك رحمه الله في كتابه (شرح حديث النزول) : ليس في القرآن وصف الرب ~~تعالى بالقرب من كل شيء أصلا، بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام، كقوله ~~تعالى: # وإذا سألك عبادي عني ms4234 فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: 186] . # فهو سبحانه قريب ممن دعاه. وكذلك ما في الصحيحين «1» عن أبي موسى الأشعري ~~أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم ~~بالتكبير، فقال: (أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا. إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق ~~راحلته) . فقال: إن الذي تدعونه PageV09P012 # أقرب إلى أحدكم، لم يقل: إنه قريب إلى كل موجود. وكذلك قول صالح عليه ~~السلام فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب [هود: 61] ، ومعلوم أنه ~~قوله: قريب مجيب مقرون بالتوبة والاستغفار. أراد به، قريب مجيب لاستغفار ~~المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود. وقد قرن القريب بالمجيب. ~~ومعلوم أنه لا يقال مجيب لكل موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك ~~قربه سبحانه وتعالى، وأسماء الله المطلقة كاسمه السميع والبصير والغفور ~~والشكور والمجيب والقريب، لا يجب أن تتعلق بكل موجود، بل يتعلق كل اسم بما ~~يناسبه. واسمه العليم، لما كان كل شيء يصلح أن يكون معلوما تعلق بكل شيء. ~~وأما قوله تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فالمراد به قربه إليه بالملائكة. وهذا هو ~~المعروف عن المفسرين المتقدمين من السلف. قالوا: ملك الموت أدنى إليه من ~~أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة. وقد قال طائفة ونحن أقرب إليه بالعلم. وقال ~~بعضهم: # بالعلم والقدرة والرؤية. وهذه الأقوال ضعيفة، فإنه ليس في الكتاب والسنة ~~وصفه بقرب عام من كل موجود، حتى يحتاجوا أن يقولوا بالعلم والقدرة، ولكن ~~بعض الناس، لما ظنوا أنه يوصف بالقرب من كل شيء، تأولوا ذلك بأنه عالم بكل ~~شيء قادر على كل شيء، وكأنهم ظنوا أن لفظ القرب، مثل لفظ المعية. وقد ثبت ~~عن السلف أنهم قالوا: في آية وهو معكم أين ما كنتم [الحديد: 4] ، هو معهم ~~بعلمه، مع علوه على عرشه. وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من ~~الصحابة والتابعين، لم يخالفهم فيه أحد. # ثم قال: ولم يأت في لفظ ms4235 القرب مثل ذلك أنه قال: هو فوق عرشه، وهو قريب من ~~كل شيء، بل قال: إن رحمت الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56] ، وقال: وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان [البقرة: # 186] . # وقد روى ابن أبي حاتم بسنده أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله! أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى وإذا سألك عبادي عني ... الآية. # ولا يقال في هذا قريب بعلمه وقدرته، فإنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، ~~وهم لم يشكوا في ذلك، ولم يسألوا عنه، وإنما عن قربه إلى من يدعوه ويناجيه، ~~فأخبر أنه قريب مجيب. # وطائفة من أهل السنة تفسر القرب في الآية والحديث بالعلم، لكونه هو # PageV09P013 # المقصود، فإنه إذا كان يعلم ويسمع دعاء الداعي حصل مقصوده. وهذا هو الذي ~~اقتضى أن يقول من يقول، بأنه قريب من كل شيء، بمعنى العلم والقدرة، فإن هذا ~~قد قاله بعض السلف، وكثير من الخلف، لكن لم يقل أحد منهم إن نفس ذاته قريب ~~من كل موجود. وهذا المعنى يقر به جميع المسلمين، من يقول إنه فوق العرش، ~~ومن يقول إنه ليس فوق العرش. # ثم قال: وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات البارئ جل وعلا قريبة ~~من وريد العبد، ومن الميت. ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون الملائكة، ~~فسروا ذلك بالعلم والقدرة، كما في لفظ المعية. ولا حاجة إلى هذا، فإن ~~المراد بقوله ونحن أقرب إليه منكم أي بملائكتنا، في الآيتين: وهذا بخلاف ~~المعية، فإنه لم يقل: ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه ~~ينبئهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السماوات والأرض، وهو ~~نفسه الذي استوى على العرش، فلا يجعل لفظ مثل لفظ، مع تفريق القرآن بينهما. # ثم قال: وقوله تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد لا يجوز أن يراد به ~~مجرد العلم، فإن من كان بالشيء أعلم ms4236 من غيره، لا يقال إنه أقرب إليه من ~~غيره، بمجرد علمه به، ولا بمجرد قدرته عليه. ثم إنه سبحانه عالم بما يسر من ~~القول، وما يجهر به، وعالم بأعماله، فلا معنى لتخصيصه حبل الوريد بمعنى أنه ~~أقرب إلى العبد منه، فإنه حبل الوريد قريب إلى القلب، ليس قريبا إلى قوله ~~الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه. قال تعالى يعلم السر وأخفى [طه: 7] ~~، ومما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم، سياق الآية، فإنه قال ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، فأخبر أنه يعلم وسواس نفسه. # ثم قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فأثبت العلم، وأثبت القرب، وجعلهما ~~شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر، وقيد القرب بقوله إذ يتلقى ... # الآية. # وأما من ظن أن المراد بذلك قرب ذات الرب من حبل الوريد، وأن ذاته أقرب ~~إلى الميت من أهله، فهذا في غاية الضعف. وذلك أن الذين يقولون إنه في كل ~~مكان، وإنه قريب من كل شيء بذاته، لا يخصون بذلك شيئا دون شيء، ولا يمكن ~~مسلما أن يقول إن الله قريب من الميت دون أهله، ولا أنه قريب من حبل الوريد ~~دون # PageV09P014 # سائر الأعضاء. وكيف يصح هذا الكلام على أصلهم، وهو عندهم في جميع بدن ~~الإنسان، وهو في أهل الميت، كما هو في الميت، فكيف يكون أقرب إليه منكم إذا ~~كان معه ومعهم على وجه واحد؟ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه، وسياق ~~الآيتين يدل على أن المراد الملائكة، فإنه قال ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد. إذ يتلقى ... الآيتين. فقيد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقي ~~المتلقيين، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان، كما قال ما يلفظ من قول ~~... [ق: 18] الآية. ومعلوم أنه لو كان قرب ذات لم يخص ذلك بهذا الحال، ولم ~~يكن لذكر القعيدين الرقيب والعتيد معنى مناسب. وكذلك قوله في الآية الأخرى ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون [الواقعة: 83- 84] ، فإن هذا إما يقال إذا كان ms4237 هناك من يجوز أن يبصر ~~في بعض الأحوال، لكن نحن لا نبصره، والرب تعالى في هذا الحال لا يراه ~~الملائكة، ولا البشر. وأيضا فإنه قال ونحن أقرب إليه منكم فأخبر عمن هو ~~أقرب إلى المحتضر من الناس الذين عنده في هذه الحال. وذات الرب سبحانه ~~وتعالى إذا قيل هي في مكان، أو قيل قريبة من كل موجود، لا يختص بهذا الزمان ~~والمكان والأحوال، فلا يكون أقرب إلى شيء من شيء، ولا يجوز أن يراد قرب ~~الرب الخاص، كما في قوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب فإن ذاك إنما هو ~~قربه إلى من دعاه أو عبده. # وهذا المحتضر قد يكون كافرا وفاجرا، أو مؤمنا ومقربا. ولهذا قال تعالى: ~~فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من ~~حميم وتصلية جحيم [الواقعة: 88- 94] . ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه ~~الرب بقرب منه، دون من حوله، وقد يكون حوله قوله مؤمنون. وإنما هم الملائكة ~~الذين يحضرون عند المؤمن والكافر، كما قال تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم [النساء: 97] ، وقال تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [الأنفال: 50] ، وقال ولو ترى إذ الظالمون ~~في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب ~~الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ~~[الأنعام: 93] ، وقال تعالى: # حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون [الأنعام: 61] ، وقال ~~تعالى: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون [السجدة: 11] ~~. ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال: ونحن أقرب # PageV09P015 # إليه من حبل الوريد # وهذا كقوله سبحانه: نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ~~[القصص: 3] ، وقال نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ~~[يوسف: 3] ، وقال: إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه # [القيامة: 17- 19] ، فإن ms4238 مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه، دل ~~على أن المراد أنه سبحانه بجنوده وأعوانه من الملائكة. فإن صيغة (نحن) ~~يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند ~~يطيعونه كطاعة الملائكة ربهم، وهو خالقهم وربهم، فهو سبحانه العالم بما ~~توسوس به نفسه، وملائكته تعلم، فكان لفظ (نحن) هنا هو المناسب. وكذلك قوله: # ونعلم ما توسوس به نفسه فإنه سبحانه يعلم ذلك، وملائكته يعلمون ذلك، كما # ثبت في الصحيحين «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا هم العبد ~~بحسنة كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. وإذا هم بسيئة لم تكتب ~~عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن تركها لله كتبت له حسنة. # فالملك يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة، وليس ذلك من علمهم الغيب ~~الذي اختص الله به. # ثم قال: وقوله: ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، ~~يقتضي أنه سبحانه وجنده الموكلين بذلك، يعلمون ما توسوس به للعبد نفسه، كما ~~قال أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون [الزخرف: ~~80] ، فهو يسمع، ومن يشاء من ملائكته. وأما الكتابة، فرسله يكتبون كما قال ~~هاهنا: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18] ، وقال تعالى: # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم [يس: 12] ، وأخبر بالكتابة ~~(نحن) لأن جنده يكتبون بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة، لأنه ~~يسمع بنفسه، وأما كتابه الأعمال فتكون بأمره، والملائكة يكتبون. فقوله: ~~ونحن أقرب إليه مثل قوله: نكتب ما قدموا وآثارهم لما كانت ملائكته متقربين ~~إلى العبد بأمره، كما كانوا كاتبين عمله بأمره، فإن ذلك قربه من كل أحد ~~بتوسط الملائكة، كتكليمه عبده بتوسط الرسل، كما قال تعالى وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ~~[الشورى: # 51] ، فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل، وذاك قربه إليهم عند ~~الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس ms4239 والظاهرة. انتهى كلامه رحمه الله. ~~وقوله تعالى: PageV09P016 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 17] # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي ونحن أقرب إلى الإنسان ~~من وريد حلقه حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به. ف (إذ) ظرف (لأقرب) ~~وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما، ومطلع على ما ~~يخفى عليهما، لكنه لحكمة اقتضته، وهي إلزام الحجة في الأخرى، والتقدم إلى ~~ما يرغبه ويرهبه في الأولى. # وقال القاشاني: بين تعالى بهذه الآية أقربيته لينتفي القرب بمعنى الاتصال ~~والمقارنة، كما # قال أمير المؤمنين عليه السلام: هو مع كل شيء، لا بمقارنة، إذ الشيء به ~~ذلك الشيء، وبدونه ليس شيئا حتى يقارنه # . أي: يعلم حديث نفسه الذي توسوس به نفسه وقت تلقي المتلقيين، مع كونه ~~أقرب إليه منهما. وإنما تلقيهما للحجة عليه، وإثبات الأقوال والأعمال في ~~الصحائف النورية، للجزاء. # ثم قال: والمتلقي القاعد عن اليمين، هو القوة العاقلة العملية المنتقشة ~~بصور الأعمال الخيرية المرتسمة بالأقوال الحسنة الصائبة. وإنما قعد عن ~~يمينه، لأن اليمين هي الجهة القوية الشريفة المباركة، وهي جهة النفس التي ~~تلي الحق. والمتلقي القاعد عن الشمال هو القوة المتخيلة التي تنتقش بصور ~~الأعمال البشرية البهيمية والسبعية، والآراء الشيطانية والوهمية، والأقوال ~~الخبيثة الفاسدة. وإنما قعد عن الشمال، لأن الشمال هي الجهة الضعيفة ~~الخسيسة المشؤومة، وهي التي تلي البدن، ولأن الفطرة الإنسانية خيرة بالذات، ~~لكونها من عالم الأنوار، مقتضية بذاتها، وغريزتها الخيرات. والشرور إنما هي ~~أمور عرضت لها من جهة البدن وآلاته وهيئاته، يستولي صاحب اليمين على صاحب ~~الشمال، فكلما صدرت منه حسنة كتبها له في الحال، وإن صدرت منه سيئة منع ~~صاحب الشمال من كتابتها في الحال انتظارا للتسبيح، أي التنزيه عن الغواشي ~~البدنية، والهيئات الطبيعية، بالرجوع إلى مقره الأصلي، وسنخه الحقيقي، ~~وحاله الغريزي، لينمحي أثر ذلك الأمر العارضي، بالنور الأصلي والاستغفار، ~~أي التنور بالأنوار الروحية والتوجه إلى الحضرة الإلهية، لينمحي أثر تلك ~~الظلمة العرضية، بالنور الوارد ms4240 كما روي أن كاتب الحسنات على يمين الرجل، ~~وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل ~~حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين # PageV09P017 # لصاحب اليسار: دعه سبع ساعات، لعله يسبح أو يستغفر! انتهى. # وقد كثر في كلام القاشاني رحمه الله تأويل الملك بالقوة الحاثة على ~~الخير، والشيطان بالمغوية على الشر. وسبقه إليه الحكماء. قال بعض الحكماء: ~~هذا الشيء الذي أودع فينا ونسميه قوة وفكرا، وهو في الحقيقة معنى لا يدرك ~~كنهه، وروح لا تكتنه حقيقتها، لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكا، ويسمي ~~أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حجر فيها على الناس، ~~فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ، والعلم الواسع. # وقد سبق الغزالي إلى هذا المعنى، وعبر عنه بالسبب وقال: إنه يسمى ملكا، ~~فإنه، في شرح عجائب القلب من كتاب (الإحياء) ، بعد ما قسم الخواطر إلى ~~محمود ومذموم، قال: وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان: فسبب الخاطر ~~الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسببا لخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا.. ~~إلخ. والبحث كله غرر، تجدر مراجعته. ### | لطيفة: # قعيد كجليس، بمعنى مجالس، لفظا ومعنى. وإنما أفرد رعاية للفواصل، فحذف ~~الأول لدلالة الثاني عليه، كقوله: # فإني وقيار بها لغريب # وقيل: يطلق (فعيل) للواحد والمتعدد، كقوله: والملائكة بعد ذلك ظهير ~~[التحريم: 4] ، وضعف بأنه ليس على إطلاقه، بل إذا كان (فعيل) بمعنى (مفعول) ~~بشروطه، وهذا بمعنى (فاعل) ، فلا يصح فيه ذلك إلا بطريق الحمل على (فعيل) ~~بمعنى (مفعول) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 18] # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب أي ملك يرقب عمله، عتيد أي حاضر. # ولما ذكر استبعادهم للبعث، وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه، أعلمهم بأنهم ~~يلاقون ذلك عن قريب، ونبه على اقترابه بلفظ الماضي، فقال سبحانه: # PageV09P018 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 19] # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ms4241 (19) # وجاءت سكرة الموت أي شدته المحيرة الشاغلة للحواس، المذهلة للعقل بالحق ~~أي بالموعود الحق، والأمر المحقق، وهو الموت، فالباء للملابسة. أو بالموعود ~~الحق من أمر الآخرة، والثواب والعقاب الذي غفل عنه، فالباء للتعدية. أي ~~أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر، وهي أحوالها الباطنة، وأظهرتها عليه. # قال الشهاب: السكرة استعيرت للشدة، ووجه الشبه بينهما أن كلا منهما مذهب ~~للعقل، فالاستعارة تصريحية تحقيقية. ويجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق ~~الاستعارة المكنية. وإثبات السكرة لها، تخييل. ذلك ما كنت منه تحيد أي تفر. ~~والجملة على تقدير القول. أي يقال له في وقت الموت: ذلك الأمر الذي رأيته ~~هو الذي كنت منه تحيد في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار. وهل المشار إليه ~~بذلك، الحق أو الموت؟ قال الطيبي: إن اتصل قوله: وجاءت سكرة الموت.. إلخ ~~بقوله في لبس من خلق جديد وما معه، فالمشار إليه بذلك الحق، والخطاب ~~للفاجر. أي جاءك أيها الفاجر الحق الذي أنكرته. وإن اتصل بقوله ولقد خلقنا ~~الإنسان ... إلخ، فالمشار إليه الموت. والالتفات لا يفارق الوجهين. والثاني ~~هو المناسب، لقوله: وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد بعده، وتفصيله ألقيا في ~~جهنم كل كفار عنيد [ق: 24] ، وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد [ق: 31] انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 20 الى 21] # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) # ونفخ في الصور يعني: نفخة البعث ذلك أي النفخ يوم الوعيد أي وقت تحقق ~~الوعيد، بشهود ما قدم من الأعمال وما أخر وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد قال ~~ابن جرير: أي سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت في الدنيا ~~من خير أو شر. وهل هما ملكان، أو ملك جامع للوصفين، أو الأول ملك، والثاني ~~الإنسان نفسه يشهد على نفسه، أو سائق من أعمالها، إلى مكان جزائها، وشهيد ~~من أجزائها؟ أقوال: # PageV09P019 # وقال القاشاني: أي سائق من علمه، وشهيد من عمله، لأن كل أحد ينجذب إلى ~~محل نظره، وما اختاره بعلمه. والميل الذي يسوقه ms4242 إلى ذلك الشيء إنما نشأ من ~~شعوره بذلك الشيء، وحكمه بملاءمته له، سواء كان أمرا سفليا جسمانيا بعثه ~~عليه هواه، وأغراه عليه وهمه وقواه أو أمرا علويا روحانيا بعثه عليه عقله، ~~ومحبته الروحانية، وحرضه عليه قلبه وفطرته الأصلية. فالعلم الغالب عليه ~~سائقه إلى معلومه، وشاهده بالميل الغالب عليه، والحب الراسخ فيه. # والعمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه وجوارحه، ~~وينطق عليه كتابه بالحق، وجوارحه بهيئات أعضائه المتشكلة بأعماله. # انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 22] # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد في المخاطب ~~بهذا، أقوال ثلاثة: # أحدها- أنه النبي صلى الله عليه وسلم، أتى بهذه الجملة معترضة في خلال ~~أمر النبأ الأخروي، تنويها بمنة الإعلام بذلك، والتعريف به، ثم شدة نفوذ ~~البصر به، والوقوف على غوامضه، بعد خلو الذهن عنه رأسا. والمعنى: لقد كنت ~~في غفلة من هذا القرآن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، ~~فبصرك اليوم حديد، نافذ قوي، ترى ما لا يرون، وتعلم ما لا يعلمون. ومثله ~~آية ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] . # وثانيها- أنه الكافر، وأن الكلام على تقدير القول. أي: يقال له لقد كنت ~~في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم من الأهوال، فكشفنا عنك غطاءك، بأن جلينا ~~لك، ذلك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك. ومثله عن ~~الكفار آية أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا [مريم: 38] ، وآية ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] . # وثالثها- أنه الإنسان مطلقا، لقوله وجاءت كل نفس، والمقصود أنه كشف ~~الغطاء عن البر والفاجر، ورأى كل ما يصير إليه. # وعول ابن جرير في الأولوية على الثالث. # PageV09P020 # قال الزمخشري: جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله، أو غشاوة غطى بها ~~عينيه، فهو لا يبصر شيئا. فإذا كان يوم القيامة تيقظ، وزالت الغفلة عنه ~~وغطاؤها، فيبصر ما لم ms4243 يبصره من الحق. # وقال القاشاني في تأويل الآية: لقد كنت في غفلة من هذا لاحتجابك بالحس ~~والمحسوسات، وذهولك عنه، لاشتغالك بالظاهر عن الباطن فكشفنا عنك بالموت ~~غطاءك المادي الجسماني، الذي احتجبت به فبصرك اليوم حديد أي إدراكك لما ~~ذهلت عنه، ولم تصدق بوجوده، قوي تعاينه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 23] # وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) # وقال قرينه أي قرين هذا الإنسان الذي جيء به يوم القيامة معه سائق وشهيد، ~~وهو إما الملك الموكل عليه في الدنيا لكتابة أعماله، وهو الرقيب المتقدم، ~~أو الشيطان الذي قيض له مقارنا له يغويه، وهو الأظهر- كما اعتمده الزمخشري- ~~لآية نقيض له شيطانا فهو له قرين [الزخرف: 36] ، ويشهد له قوله تعالى: قال ~~قرينه ربنا ما أطغيته [ق: 27] ، هذا ما لدي عتيد أي هذا شيء لدي حاضر معد ~~محفوظ. والإشارة على الأول لما في صحفه، وعلى الثاني للشخص نفسه. أي هذا ما ~~لدي عتيد لجهنم هيأته بإغوائي لها. # وقال القاشاني: وقال قرينه أي من شيطان الوهم الذي غره بالظواهر، وحجبه ~~عن البواطن. هذا ما لدي عتيد مهيأ لجهنم. أي ظهر تسخير الوهم إياه في ~~التوجه إلى الجهة السفلية، وأنه ملكه، واستعبده في طلب اللذات البدنية، حتى ~~هيأه لجهنم في قعر الطبيعة. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 24] # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد، على ~~أنهما ملكان، لا ملك جامع للوصفين، أو لملكين من خزنة النار، أو لواحد، ~~وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل، وتكريره على أنه أصله: ألق، ألق، ثم ~~حذف الفعل الثاني، وأبقى ضميره مع الفعل الأول، فثنى الضمير للدلالة على ما ~~ذكر. أو الألف # PageV09P021 # بدل من نون التأكيد، لأنها تبدل ألفا في الوقف، فأجرى الوصل مجراه- أوجه ~~ذكروها-. # وقال ابن جرير: أخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد، مخرج خطاب الاثنين. # وفي ذلك وجهان من التأويل: # أحدهما- أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ ~~الواحد ms4244 في الواحد والتثنية والجمع. فرد قوله: ألقيا إلى المعنى. # والثاني- أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول. وهي أن العرب تأمر ~~الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل: ويلك! ارحلاها، ~~وازجراها، كما قال: # فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتر شيحا # وقال أبو ثروان: # فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # وسبب ذلك منهم، أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه، اثنان. وكذلك الرفقة ~~أدنى ما تكون ثلاثة. فجرى كلام الواحد على صاحبيه. ألا ترى الشعراء أكثر ~~شيء قيلا: يا صاحبي، يا خليلي. انتهى. # و (الكفار) المبالغ في جحده وحدانية الله تعالى، وما جاء به رسوله صلوات ~~الله عليه. # و (العنيد) المعاند للحق، وسبيل الهدى، لا يسمع دليلا في مقابلة كفره. ~~وقد زاد على العناد بوصف: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 25] # مناع للخير معتد مريب (25) # مناع للخير أي الكلي، وهو الإسلام. أو المال. واستصوب ابن جرير أنه هنا ~~كل حق وجب لله أو لآدمي في ماله، لأنه لم يخصص منه شيء، فدل على أنه كل خير ~~يمكن منعه طالبه معتد أي متجاوز الحد في الاعتداء على الناس، بالبذاء ~~والفحش في المنطق، وبيده بالسطوة والبطش ظلما، كما قال قتادة: معتد في ~~منطقه وسيرته وأمره. # PageV09P022 # مريب أي شاك في الحق، أو موقع صاحبه في الريب مع كثرة الدلائل. # وقال القاشاني: الخطاب في ألقيا للسائق والشهيد اللذين يوبقانه ويلقيانه ~~ويهلكانه في أسفل غياهب مهواة الهيولى الجسمانية، وغيابة جب الطبيعة ~~الظلمانية، في نيران الحرمان. أو لمالك. والمراد بتثنية الفاعل تكرار ~~الفعل، كأنما قال: ألق، ألق، لاستيلائه عليهم في الإبعاد والإلقاء إلى ~~الجهة السفلية. ويقوي الأول: # أنه عدد الرذائل الموبقة، التي أوجبت استحقاقهم لعذاب جهنم، ووقوعهم في ~~نيران الجحيم، وبين أنها من باب العلم والعمل. والكفران ومنع الخير، كلاهما ~~من إفراط القوة البهيمية الشهوانية، لانهماكها في لذاتها، واستعمالها نعم ~~الله تعالى في غير مواضعها من المعاصي والاحتجاب عن المنعم بها، ومن حقها ~~أن تذكره، وتبعث على ms4245 شكره، ومكالبتها عليها، لفرط ولوعها بها، فتمنعها عن ~~مستحقيها. وذكرهما على بناء المبالغة، ليدل على رسوخ الرذيلتين فيه، ~~وغلبتهما عليه، وتعمقه فيهما، الموجب للسقوط عن رتبة الفطرة في قعر بئر ~~الطبيعة. والعنود والاعتداء، كلاهما من إفراط القوة الغضبية، واستيلائها، ~~لفرط الشيطنة، والخروج عن حد العدالة. والأربعة من باب فساد العمل. والريب ~~والشرك. كلاهما من نقصان القوة النطقية، وسقوطها عن الفطرة، بتفريطها في ~~جنب الله، وتصورها عن حد القوة العاقلة. وذلك من باب فساد العلم. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 26] # الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) # الذي جعل مع الله إلها آخر أي: عبد معه معبودا آخر من خلقه فألقياه في ~~العذاب الشديد أي عذاب جهنم. ### | لطيفة: # الموصول إما مبتدأ مضمن معنى الشرط، وخبره فألقياه أو مفعول لمضمر يفسره ~~فألقياه أو بدل من (كل كفار) فيكون (فألقياه) تكريرا للتوكيد. قيل على ~~الأخير: إنه مخالف لما ذكره أهل المعاني من أن بين المؤكد والمؤكد شدة ~~اتصال تمنع من العطف. وأجيب: بأنه من باب (وحقك ثم حقك) نزل التغاير بين ~~المؤكد والمؤكد، والمفسر والمفسر منزلة التغاير بين الذاتين بوجه خطابي. ~~ولو جعل (العذاب الشديد) نوعا من عذاب جهنم ومن أهواله، على أنه من باب # PageV09P023 # وملائكته ورسله وجبريل [البقرة: 98] ، كان حسنا. # قال الشهاب (بعد نقله ما ذكر) : قال ابن مالك في (التسهيل) : فصل ~~الجملتين في التأكيد ب (ثم) إن أمن اللبس، أجود من وصلهما. وذكر بعض النحاة ~~الفاء. وذكر الزمخشري في (الجاثية) الواو أيضا. واتفق النحاة على أنه تأكيد ~~اصطلاحي، وكلام أهل المعاني في إطلاق منعه غير سديد. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 27] # قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) # قال قرينه أي قرين هذا الإنسان الكفار المناع للخير، وهو شيطانه الذي كان ~~موكلا به في الدنيا، متبرئا منه ربنا ما أطغيته أي بالإرابة ومنع الإسلام، ~~وجعل إله آخر معك ولكن كان في ضلال بعيد أي في ms4246 طريق جائر عن سبيل الهدى، ~~جورا بعيدا بنفسه. # قال القاشاني: وقول الشيطان ما أطغيته ... إلخ كقوله إن الله وعدكم وعد ~~الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم [إبراهيم: 22] ، لأنه لو لم يكن في ضلال عن ~~طريق التوحيد، بعيد عن الفطرة الأصلية بالتوجه إلى الجهة السفلية، والتغشي ~~بالغواشي المظلمة الطبيعية، لم يقبل وسوسة الشيطان، وقبل إلهام الملك. # فالذنب إنما يكون عليه بالاحتجاب من نور الفطرة، واكتساب الجنسية مع ~~الشيطان في الظلمة. انتهى. # وقال ابن جرير: وإنما أخبر تعالى عن قول قرين الكافر له يوم القيامة، ~~إعلاما منه عباده، تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 28] # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد أي لا تختصموا اليوم في دار ~~الجزاء، وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم، وقد قدمت إليكم في الدنيا ~~بالوعيد لمن كفر بي وعصاني، وخالف أمري ونهيي في كتبي، وعلى ألسن رسلي. # قال القاشاني: النهي عن الاختصام ليس المراد به انتهاءه، بل عدم فائدته، # PageV09P024 # والاستماع إليه. كأنه قال: لا اختصام مسموع عندي. وقد ثبت وصح تقديم ~~الوعيد، حيث أمكن انتفاعكم به، لسلامة الآلات، وبقاء الاستعداد، فلم ~~تنتفعوا به، ولم ترفعوا لذلك رأسا، حتى ترسخت الهيئات المظلمة في نفوسكم، ~~ورانت على قلوبكم، وتحقق الحجاب، وحق القول بالعذاب. انتهى. # وعن ابن عباس: أنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجتهم، ورد عليهم ~~قولهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 29] # ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) # ما يبدل القول لدي قال ابن جرير: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا ~~وهو قوله: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا قضائي الذي قضيته فيهم ~~فيها. # وما أنا بظلام للعبيد أي فلا أعذب أحدا بذنب غيره، ولكن بذنبه بعد قيام ~~الحجة عليه. # وقال القاشاني: وما أنا بظلام حيث وهبت الاستعداد، وأنبأت على الكمال ms4247 ~~المناسب له وهديتكم إلى طريق اكتسابه، بل أنتم الظلامون أنفسكم باكتساب ما ~~ينافيه، وإضاعة الاستعداد بوضع النور في الظلمة، واستبدال ما يفنى بما ~~يبقى. ### | تنبيهات: # الأول- ظاهر الآيات أن هذا التقاول على حقيقته، إذ لا مانع منها. وذهب ~~بعض المفسرين إلى أنها مجاز. # قال القاشاني: هذه المقاولات كلها معنوية، مثلت على سبيل التخييل ~~والتصوير، لاستحكام المعنى في القلب، عند ارتسام مثاله في الخيال. فادعاء ~~الكافر الإطغاء على الشيطان. وإنكار الشيطان إياه، عبارة عن التنازع ~~والتجاذب الواقع بين قوتيه: الوهمية والعقلية، بل بين كل اثنتين متضادتين ~~من قواه: كالغضبية والشهوية مثلا. ولهذا قال: لا تختصموا ولما كان الأمران ~~في وجوده هما العقلية والوهمية، كان أصل التخاصم بينهما. وكذا يقع التخاصم ~~بين كل متحاورين متخاوضين في أمر، لتوقع نفع أو لذة، يتوقفان ما دام ~~مطلوبهما حاصلا، فإذا حرما أوقعا بسعيهما في خسران وعذاب، تدارءا، أو نسب ~~كل منهما التسبب في ذلك إلى # PageV09P025 # الآخر، لاحتجابهما عن التوحيد، وتبرؤ كل منهما عن ذنبه، لمحبة نفسه. ~~ولذلك قال حارثة رضي الله عنه للنبي عليه السلام: ورأيت أهل النار ~~يتعاورون. وصوب عليه السلام قوله. انتهى. # الثاني إن قلت: لم طرحت الواو من جملة قال قرينه وذكرت في الأولى؟ # قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما رأيت ~~في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. # فإن قلت: أين المقاولة؟ قلت: لما قال قرينه هذا ما لدي عتيد وتبعه قوله: ~~قال قرينه ربنا ما أطغيته وتلاه لا تختصموا علم أن ثم مقاولة من الكافر، ~~لكنها طرحت للدلالة عليها من السياق كأنه لما قال القرين: هذا ما لدي عتيد، ~~قال الكافر: رب هو أطغاني، فلما قال الكافر ذلك، قال القرين: ما أطغيته، ~~فلما حكى قول القرين والكافر كأن قائلا يقول: فماذا قال الله تعالى؟ فقيل: ~~قال لا تختصموا لدي. وذكر الواو في الجملة الأولى لأنها أول المقاولة، ولا ~~بد من عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني ~~مجيء كل نفس مع الملكين، وقول ms4248 قرينه ما قاله له- هذا ملخص ما في الكشاف-. # الثالث- جوز قوله تعالى: بالوعيد أن تكون الباء زائدة في المفعول، وأن ~~يكون حالا من الفاعل أو المفعول، والباء للملابسة، أو المعية، والمعنى: ~~قدمت هذا القول موعدا لكم به، أو حال كون القول ملتبسا بالوعيد، أو من لا ~~تختصموا على تأويل تقديم الوعيد بالعلم به. أي: لا تختصموا عالمين به. وذلك ~~لتصح الحالية، ويكون بينها وبين عاملها مقارنة على اصطلاحهم. # الرابع- دل قوله تعالى: ما يبدل القول لدي على أنه لا خلف في إيعاد الله ~~تعالى، كما لا إخلاف في ميعاد الله. وهذا يرد على المرجئة، حيث قالوا: ما ~~ورد في القرآن من الوعيد فهو تخويف، لا يحقق الله شيئا منه، وقالوا: الكريم ~~إذا وعد أنجز ووفى، وإذا أوعد أخلف وعفا- أفاده الرازي-. # ووجه الاستدلال أنه لو صح ما ذكروه للزم تبديل قوله تعالى، والخلف في ~~أخباره- تقدس عن ذلك- مع أن طبيعة الذنب تقتضي العقوبة، إلا أن يتاب منه، ~~أو يشاء تعالى العفو عنه. # الخامس- ذكروا في سر المبالغة في بظلام وجوها: # PageV09P026 # منها- أن (فعالا) قد ورد بمعنى (فاعل) ، فهذا منه. # ومنها اعتبار كثرة الخلق. # ومنها- أن المنسوب في المعتاد إلى الملوك من الظلم تحت ظلمهم، إن عظيما ~~فعظيم، وإن قليلا فقليل. فما كان ملك الله تعالى على كل شيء ملكه، قدس ذاته ~~عما يتوهم مخذول، والعياذ بالله، أنه منسوب إليه من ظلم تحت شمول كل موجود. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 30] # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد قال ابن جرير: فيه لأهل ~~التأويل قولان: # الأول- أن معناه: ما من مزيد. فعن مجاهد قال: وعدها الله ليملأنها فقال: # هلا وفيتك؟ قالت: وهل من مسلك؟!. # الثاني- معناه: زدني أي: فالاستفهام على الأول إنكاري. معناه النفي، وأيد ~~بآية لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [هود: 119] و [السجدة: 13] ، ~~والقرآن يفسر بعضه بعضا. # وعلى الثاني تقريري، دلالة على سعتها. بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها فراغ ~~وخلو. كأنه يطلب الزيادة. ms4249 # فإن قيل: الوجه الثاني، وهو كونها فيها فراغ، مناف لصريح النظم من قوله ~~لأملأن جهنم.. الآية، قلت لا منافاة بينهما كما توهم، لأن الامتلاء قد يراد ~~به أنه لا يخلو طبقة منها عمن يسكنها، وإن كان فيها فراغ كثير. كما يقال: ~~إن البلدة ممتلئة بأهلها، ليس فيها دار خالية، مع ما بينها من الأبنية ~~والأفضية. أو هذا باعتبار حالين. # فالفراغ في أول دخول أهلها فيها، ثم يساق إليها الشياطين ونحوهم فتمتلئ. ### | تنبيه: # ذهب جماعة إلى أن المقاولة في الآية مجاز على طريق الاستعارة التمثيلية، ~~وأن جهنم لشدة توقدها وزفيرها. وتهافت الكفرة والعصاة، وقذفهم فيها كأنها ~~طالبة للزيادة. # PageV09P027 # وآخرون إلى أن ذلك حقيقة. # قال الناصر في (الانتصاف) : إنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن ~~الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه. وكيف نفرض، وقد وردت الأخبار ~~وتظاهرت على ذلك؟ منها هذا، ومنها لجاج الجنة والنار، ومنها اشتكاؤها إلى ~~ربها، فأذن لها في نفسين. وهذه وإن لم تكن نصوصا، فظواهر يجب حملها على ~~حقائقها، لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر، ما لم يمنع مانع، ولا مانع هاهنا، ~~فإن القدرة صالحة، والعقل يجوز، والظواهر قاضية بوقوع ما جوزه العقل. وقد ~~وقع مثل هذا قطعا في الدنيا، كتسليم الشجر، وتسبيح الحصى في كف النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفي يد أصحابه. ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في ~~تفاصيل المقالة، لا تسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق. وليس هذا ~~كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها، فإن العدول ~~فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى المعتقد ~~الحق. انتهى. # قال الشهاب: وهو كلام حسن، وأمور الآخرة لا ينبغي أن تقاس على أمور ~~الدنيا. انتهى. # ولا تنس ما قلناه مرارا من أن اللغة لا تنحصر في الحقيقة، وأن أكثر اللغة ~~مجاز لا حقيقة، كما أوضحه السيوطي في (المزهر) والجرجاني في (أسرار ~~البلاغة) . وفي شواهد العرب الكثيرة ما يؤيد المجاز، ولا محذور فيه، عدا عن ~~كونه أبلغ، كما ms4250 قرروه. وبالجملة فالنظم الكريم يحتملها- والله أعلم-. # و (يوم) منصوب ب (ظلام) أو بمضمر، نحو: اذكر وأنذر. و (المزيد) إما مصدر ~~كالمحيد، أو اسم مفعول كالمبيع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 31] # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) # وأزلفت الجنة أي قربت وأدنيت للمتقين أي للذين اتقوا ربهم فخافوا عقوبته، ~~بأداء فرائضه. واجتناب معاصيه غير بعيد أي مكانا غير بعيد. فهو صفة للظرف ~~قام مقامه، أو حال من الجنة. وتذكيره لأنه صفة مذكر. أي: شيئا غير بعيد. # أو تأويل الجنة بالبستان. أو لكونها على زنة المصدر الذي من شأنه أن ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث، فعومل معاملته، وأجري مجراه. وعلى كل فهو ~~للتأكيد، ودفع التجوز، فلا يقال بعد ذكر كونها قربت، لا يحتاج إلى كونها ~~غير بعيدة. # PageV09P028 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 32] # هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) # هذا أي الثواب أو الإزلاف ما توعدون أيها المتقون لكل أواب أي راجع عن ~~معصية الله إلى طاعته، تائب من ذنوبه حفيظ أي حافظ على فرائض الله وما ~~ائتمنه عليه. # وقال القاشاني: أي محافظ على صفاء فطرته ونوره الأصلي، كي لا يتكدر بظلمة ~~النفس و (لكل) بدل من (للمتقين) بإعادة الجار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 33] # من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) # من خشي الرحمن بالغيب أي خاف الله في سره. وقال القاشاني: أي من اتصف ~~بالخشية، وصارت الخشية مقامه. و (من) بدل بعد بدل، أو خبر لمحذوف. # أي هم من خشي. أو مبتدأ خبره ما بعده بتأويل (يقال لهم ادخلوها.. إلخ) ~~وجاء بقلب منيب أي جاء ربه بقلب تائب من ذنوبه، راجع مما يكرهه تعالى إلى ~~ما يرضيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 34 الى 35] # ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) # ادخلوها بسلام أي يقال لهم ادخلوا هذه الجنة بأمان من الهم والحزن ~~والخوف. ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤن فيها أي مما تشتهيه نفوسهم، ms4251 وتلذه ~~أعينهم ولدينا مزيد أي مما لا يخطر على بالهم، مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 36] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ~~(36) # وكم أهلكنا قبلهم أي قبل هؤلاء المشركين من قريش من قرن هم أشد منهم بطشا ~~أي قوة، كعاد وفرعون وثمود فنقبوا في البلاد أي فضربوا فيها وساروا وطافوا ~~أقاصيها. قال امرؤ القيس: # PageV09P029 # لقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب # هل من محيص أي هل كان لهم، بتنقيبهم في البلاد، من معدل عن الهلاك الذي ~~وعدوا به لتكذيبهم الحق. والضمير على هذا في (نقبوا) للقرن الذين هم أشد ~~بطشا. وجوز عوده لهؤلاء المشركين. أي ساورا في أسفارهم في بلاد القرون، فهل ~~رأوا لهم محيصا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم؟. # قال ابن جرير: وقرأت القراء قوله فنقبوا بالتشديد وفتح القاف، على وجه ~~الخبر عنهم. وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ فنقبوا بكسر القاف، على وجه ~~التهديد والوعيد. أي طوفوا في البلاد وترددوا فيها، فإنكم لن تفوتونا ~~بأنفسكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 37] # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # إن في ذلك أي في إهلاك القرون التي أهلكت من قبل قريش لذكرى لمن كان له ~~قلب أي لتذكرة يتذكر بها من كان له عقل من هذه الآمة، فينتهي عن الفعل الذي ~~كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم، خوفا من أن يحل بهم مثل الذي حل بهم من ~~العذاب. # أو ألقى السمع أي أصغى للأخبار، عن هذه القرون التي أهلكت، بسمعه. # وهو شهيد أي حاضر القلب، متفهم لما يخبر به عنهم، غير غافل ولا ساه. # على أن (شهيد) من الشهود، وهو الحضور. والمراد: المتفطن، لأن غير المتفطن ~~كالغائب، فهو استعارة أو مجاز مرسل. أو (شهيد) بمعنى شاهد، وفيه مضاف مقدر. ~~أي: شاهد ذهنه. أو هو من الشهادة، والمراد: شاهد بصدقه، أي: ms4252 مصدق له، لأنه ~~المؤمن الذي ينتفع به. أو هو كناية عن المؤمن- نقله الشهاب-. ### | لطيفة: # قيل: (أو) لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع، أو إلى فقيه ومتعلم، أو إلى ~~عالم كامل الاستعداد لا يحتاج لغير التأمل فيما عنده، وقاصر محتاج للتعلم ~~فيتذكر إذا أقبل بكليته، وأزال الموانع بأسرها. وفي تنكير (القلب) وإبهامه، ~~تفخيم وإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر، كلا قلب. # PageV09P030 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية # 38] # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~(38) # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب أي ~~إعياء. # قال قتادة: أكذب الله اليهود وأهل الفري على الله، وذلك أنهم قالوا إن ~~الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السابع، وذلك عندهم يوم ~~السبت وهم يسمونه يوم الراحة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 39 الى 40] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن ~~الليل فسبحه وأدبار السجود (40) # فاصبر على ما يقولون يعني: المشركين من إنكار البعث والتوحيد والنبوة ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ~~أي أعقاب الصلوات. والمراد بالتسبيح إما ظاهره، وهو قرين التحميد، أو هو ~~الصلاة، من إطلاق الجزء، أو اللازم على الكل، أو الملزوم. فالصلاة قبل ~~الطلوع، الصبح. # وقبل الغروب، الظهر والعصر. ومن الليل، العشاآن والتهجد. وأدبار السجود. ~~النوافل بعد المكتوبات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : الآيات 41 الى 42] # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك ~~يوم الخروج (42) # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب أي استمع، أي لما أخبرك به من أهوال ~~القيامة. يوم ينادي مناديها من كل مكان قريب، بحيث يصل نداؤه إلى الكل على ~~سواء. # قال القاضي: ولعله في الإعادة نظير (كن) في الإبداء، أي فهو تمثيل لإحياء ~~الموتى بمجرد الإرادة، وإن لم يكن نداء وصوت. # PageV09P031 # وفي ورود الأمر مطلقا، ثم ms4253 تبيينه بما بعده، تهويل وتعظيم للمخبر به، لما ~~في الإبهام ثم التفسير، من التهويل والتفخيم لشأن المحدث عنه. # يوم يسمعون الصيحة أي صيحة البعث من القبور، والحشر للجزاء بالحق قال ابن ~~جرير: يعني بالأمر بالإجابة لله إلى موقف الحساب. # ذلك يوم الخروج أي من القبور. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 43] # إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) # إنا نحن نحيي ونميت أي في الدنيا بإفاضة نور الحياة أو قطعه وإلينا ~~المصير أي مصير الجميع يوم القيامة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 44] # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا أي فيخرجون منها مسرعين ذلك حشر علينا يسير أي ~~ذلك الإخراج لهم جمع في موقف الحساب، علينا سهل بلا كلفة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ق (50) : آية 45] # نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # نحن أعلم بما يقولون يعني: مشركي مكة، من فريتهم على الله ورسوله، ~~وإنكارهم قدرته تعالى على البعث. وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتهديد لهم. وما أنت عليهم بجبار أي بمسلط ومسيطر تقهرهم على الإيمان فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد أي بل إنما بعثت مذكرا ومبلغا، فذكر بما أنزل إليك من ~~يخاف الوعيد الذي أوعد به من عصى وطغى، فإنه ينتفع به. # ومن دعاء قتادة: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعدك، يا بار يا ~~رحيم! # PageV09P032 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الذاريات # قال المهايمي: سميت بها لأنها مبدأ الخيرات، فأشبهت العناية الإلهية. وهي ~~مكية. وآيها ستون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) # والذاريات ذروا يعني: الرياح التي تذرو البخارات ذروا. أي نوعا من الذرو ~~ليعقدها سحبا. أو النساء الولود، فإنهن يذرين الأولاد، مجازا شبه تتابع ~~الأولاد بما يتطاير من الرياح. أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة ~~وغيرهم. وهو استعارة أيضا شبهت الأشياء المعدة للبروز من كمون العدم، ~~بالرياح ms4254 المفرقة للحبوب ونحوها. # والذاريات اسم فاعل (ذرا) المعتل بمعنى فرق وبدد ما رفعه عن مكانه. # ويقال: أذرى أيضا. وأما (ذرأ) المهموز فبمعنى أنشأ وأوجد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 2] # فالحاملات وقرا (2) # فالحاملات وقرا أي السحب الحاملة للأمطار المنبتة للزروع والأشجار لإفادة ~~الحبوب والثمار. كما قال زيد بن عمرو بن نفيل: # وأسلمت نفسي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا # أو الرياح الحاملة للسحاب، أو النساء الحوامل، أو أسباب ذلك. # و (الوقر) بسكر الواو، كالحمل وزنا ومعنى. وقرئ بفتح الواو على أنه مصدر ~~سمي به المحمول. # PageV09P033 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 3 الى # 4] # فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات أمرا (4) # فالجاريات يسرا أي السفن الجارية في البحر سهلا. أو الرياح الجارية في ~~مهابها. أو الكواكب التي تجري في منازلها. ويسرا صفة مصدر محذوف. أو جريا ~~ذا يسر فالمقسمات أمرا أي الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق ~~وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة. أو الرياح يغسمن الأمطار ~~بتصريف السحاب. ### | تنبيهات: # الأول- ذكرنا أن هذه الأمور الأربعة يجوز أن تكون أمورا متباينة، وأن ~~تكون أمرا له أربعة اعتبارات. والأول هو المأثور عن علي رضي الله عنه: أن ~~الذاريات هي الرياح، والحاملات هي السحاب، والجاريات هي السفن، والمقسمات ~~هي الملائكة. # واختار بعضهم في (الجاريات) أنها الكواكب، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى ~~الأعلى: فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والملائكة فوق الجميع، ~~تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. # واستظهر الرازي أن الأقرب أن تكون صفات أربع للرياح، وأطال في ذلك. # واللفظ متسع بجوهره للكل- والله أعلم-. # الثاني- فائدة (الفاء) إن قيل إنها صفات الرياح، فلبيان ترتيب الأمور في ~~الوجود. فإن الذاريات تنشئ السحاب. فتقسم الأمطار على الأقطار. وإن قيل ~~إنها أمور أربعة، فالفاء للترتيب الذكري أو الرتبي. # الثالث- ذكر الرازي في الحكمة في القسم وجوها: # أحدها- أن الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم غالبا في إقامة الدليل، وكانوا ينسبونه إلى المجادلة، وإلى أنه عارف ~~في نفسه بفساد ms4255 ما يقوله، وأنه يغلبنا بقوة الجدل، لا بصدق المقال. كما أن ~~بعض الناس إذا أقام عليه الخصم الدليل، ولم يبق له حجة، يقول: إنه غلبني ~~لعمله بطريق الجدل، وعجزي عن ذلك. # وهو يعلم في نفسه أن الحق بيدي، فلا يبقى للمتكلم المبرهن طريق غير ~~اليمين، فيقول: والله! إن الأمر كما أقول، ولا أجادلك بالباطل. وذلك لأنه ~~لو سلك طريقا آخر من ذكر دليل آخر، فإذا تم الدليل الآخر يقول الخصم فيه ~~مثل ما قال في الأول، إن # PageV09P034 # ذلك تقرير بقوة علم الجدل، فلا يبقى إلا السكوت أو التمسك بالأيمان، وترك ~~إقامة البرهان. # ثانيها- أن العرب كانت تحترز عن الأيمان الكاذبة، وتعتقد أنها تدع الديار ~~بلاقع. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف، ولم يزده ~~ذلك إلا رفعة وثباتا. # وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذبا، وإلا لأصابه شؤم الأيمان، ~~ولناله المكروه في بعض الأزمان. # ثالثها- أن الأيمان التي أقسم الله تعالى بها، كلها دلائل أخرجها في صورة ~~الأيمان. مثاله قول القائل لمنعمه: وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك. ~~فيذكر النعم، وهي سبب مفيد لدوام الشكر، ويسلك مسلك القسم. كذلك هذه ~~الأشياء كلها دليل على قدرة الله تعالى على الإعادة. # فإن قيل: فلم أخرجها مخرج الأيمان؟ نقول: لأن المتكلم إذا شرع في أول ~~كلامه بحلف، يعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم، فيصغي إليه أكثر من ~~أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر، فبدأ بالحلف، وأدرج الدليل في ~~صورة اليمين، حيث أقبل القوم على سماعه، فخرج لهم البرهان المبين، والتبيان ~~المتين، في صورة اليمين. انتهى. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 5 الى # 6] # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) # إنما توعدون لصادق جواب القسم و (ما) موصولة أو مصدرية. والموعود هو قيام ~~الساعة، وبعث الموتى من قبورهم. و (صادق) بمعنى صدق. فوضع الاسم مكان ~~المصدر، أو هو من باب (عيشة راضية) . وإن الدين أي الجزاء على الأعمال. ms4256 إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر لواقع أي لحاصل. قال قتادة: وذلك يوم القيامة، يوم ~~يدين الله العباد بأعمالهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 7 الى 9] # والسماء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) # والسماء ذات الحبك أي الطرق المختلفة التي هي دوائر سير الكواكب. # و (الحبك) أصل معناها ما يرى كالطريق في الرمل والماء، إذا ضربته الريح. # PageV09P035 # وكذلك حبك الشعر: آثار تثنيه وتكسره. و (الحبك) بضمتين جمع حباك، كمثال ~~ومثل وكتاب وكتب. أو حبيكة كطريقة وطرق. قال زهير يصف غديرا: # مكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك # ويقال: ما أملح حباك هذه الحمامة! وهو الخط الأسود على جناحها. # وعن الحسن: (ذات الحبك) أي النجوم قال: حبكت بالخلق الحسن، حبكت بالنجوم. ~~وذلك لأنها تزين السماء، كما يزين الثوب الموشى تحبيكه، فشبهت النجوم ~~بطرائق الوشي مجازا بالاستعارة. # وقال بعض علماء الفلك: الحبك جمع حبيكة، بمعنى محبوكة، أي: مربوطة. # فمعنى (ذات الحبك) ذات المجاميع من الكواكب المربوط بعضها ببعض بحبال من ~~الجاذبية، فإن كل حبيكة مجموعة من الكواكب المتجاذبة. فالآية الشريفة نص ~~على تعدد المجاميع وعلى الجاذبية التي يزعم الأفرنج أنهم مكتشفوها. وعليه، ~~في إحدى معجزات القرآن العلمية. انتهى. # إنكم لفي قول مختلف أي متخالف متناقض. قال ابن زيد: يتخرصون يقولون: هذا ~~سحر ويقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين يؤفك أي يصرف عنه من أفك أي صرف عن ~~الحق الصريح الصرف التام، إذ لا صرف أشد منه. # وقد ذكر القاضي في مناسبة المقسم به للمقسم عليه، هو تشبيه أقوالهم في ~~اختلافها، وتنافي أغراضها، بالطرائق للسموات في تباعدها، واختلاف غاياتها. # ثم أشار أنهم لم يؤفكوا لاتباعهم الدلائل، بل لأخذهم بالخرص والتخمين، ~~بقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 10 الى 13] # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) يوم هم على النار يفتنون (13) # قتل الخراصون أي لعن الآخذون بالتخمين، مع ترك دلائل اليقين الذين هم في ~~غمرة أي في ms4257 جهل يغمرهم عن وجوب اتباع الدلائل القاطعة، وترك الشبهات ~~الواهية ساهون أي غافلون عما أتاهم، وعما نزل إليهم، بالانهماك في اللذات ~~البدنية، واستئثار الحظوظ العاجلة يسئلون أيان يوم الدين أي متى يوم ~~الجزاء، ويوم # PageV09P036 # يدين الله العباد بأعمالهم يوم هم على النار يفتنون أي يحرقون. وأصل ~~الفتن إذابة الجوهر ليظهر غشه. ثم استعمل في التعذيب والإحراق ونحوه. # قال القاضي: جواب للسؤال. أي يقع يوم هم على النار يفتنون، أو هو يوم ~~هم.. إلخ، وفتح (يوم) لإضافته إلى غير متمكن، ويدل عليه أنه قرئ بالرفع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 14] # ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) # ذوقوا فتنتكم أي مقولا لهم: ذوقوا عذابكم الذي طلبتموه، بل الذي ~~استعجلتموه قبل وقته، كما قال: هذا الذي كنتم به تستعجلون أي حصوله في ~~الدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 15 الى 19] # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) # إن المتقين أي الذين اتقوا الله بطاعته، واجتناب معاصيه في الدنيا، ~~وبتجنب القول بالخرص والتخمين في الأمور الاعتقادية في جنات وعيون آخذين ما ~~آتاهم ربهم قال ابن جرير: أي عاملين ما أمرهم به ربهم، مؤدين فرائضه. وقال ~~غيره: أي قابلين لما أعطاهم من النعيم الأخروي، راضين به. # وهذا هو الوجه. ولذا قال ابن كثير: والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن ~~قوله تبارك وتعالى آخذين حال من قوله في جنات وعيون فالمتقون في حال كونهم ~~في الجنات والعيون، آخذين ما آتاهم ربهم. أي من النعيم والسرور والغبطة. # ثم أشار إلى سر استحقاقهم لذلك بقوله: إنهم كانوا قبل ذلك يعني: في ~~الدنيا محسنين أي قد أحسنوا أعمالهم لغلبة محبة الله على قلوبهم، بظهور ~~آثارها في أفعالهم وأقوالهم، كما بينه بقوله سبحانه كانوا قليلا من الليل ~~ما يهجعون أي كانوا يهجعون هجوعا قليلا. لتقوى نفوسهم على عبادته تعالى، ~~بنشاط. ms4258 # روى ابن جرير عن أنس في الآية أنهم كانوا يصلون ما بين هاتين الصلاتين، ~~ما بين المغرب والعشاء. # PageV09P037 # وعن محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. # وعن مطرف: قل ليلة أتت عليهم، إلا صلوا فيها من أولها أو من وسطها. # وعن الحسن قال: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل. # وقرأ الأحنف بن قيس هذه الآية فقال: لست من أهل هذه الآية. # وعن الضحاك: أن الوقف على قوله تعالى كانوا قليلا أي أن المحسنين كانوا ~~قليلا ثم ابتدئ فقيل من الليل ما يهجعون و (ما) نافية. أي لا يهجعون. # قال ابن كثير: هذا القول فيه بعد وتعسف. ### | ### | لطيفة: # # في هذه الجملة الكريمة مبالغات في وصف هؤلاء بقلة النوم، وترك الاستراحة. # وذلك ذكر القليل. والليل الذي هو وقت النوم، والهجوع الذي هو الخفيف من ~~النوم، وزيادة (ما) لأنها تدل على القلة. وبالجملة. ففي الآية استحباب قيام ~~الليل، وذم نومه كله. والأحاديث على ذلك كثيرة شهيرة وبالأسحار هم يستغفرون ~~قال القاضي: أي أنهم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم، إذا أسحروا أخذوا في ~~الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. # قال الرازي: في الآية إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون، ثم يريدون ~~أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير. وهذا سيرة ~~الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله، ويعتذر من التقصير. واللئيم يأتي ~~بالقليل ويستكثره، ويمن به. وفيه وجه آخر ألطف منه: وهو أنه تعالى، لما بين ~~أنهم يهجعون قليلا، والهجوع مقتضى الطبع، قال يستغفرون أي من ذلك القدر من ~~النوم القليل. وفيه لطيفة أخرى نبينها في جواب سؤال: وهو أنه تعالى مدحهم ~~بقلة الهجوع،. ولم يمدحهم بكثرة السهر، وما قال: كانوا كثيرا من الليل ما ~~يسهرون، فما الحكمة فيه؟ مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد، لا الهجوع؟ ~~نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين ~~قليلا، وذلك الهجوع أورثهم الاشتغال بعبادة أخرى، وهو الاستغفار، في وجوه ~~الأسحار ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم ms4259 والاستكبار. # ثم قال: والاستغفار يحتمل طلب المغفرة بالذكر بقولهم: ربنا اغفر لنا. # وطلب المغفرة بالفعل، أي بالأسحار. يأتون بفعل آخر طلبا للغفران، وهو ~~الصلاة. # والأول أظهر، والثاني عند المفسرين أشهر. انتهى. # PageV09P038 # ويؤيد الثاني الإشارة إلى الزكاة في الآية بعدها. والزكاة قرينة الصلاة ~~في كثير من الآيات وسر التعبير عن الصلاة بالاستغفار، الإشارة إلى أنه ~~ركنها المهم في التهجد، بل وفي غيره، فيكون من إطلاق الجزء على الكل. وقد ~~ذكر في أذكار الصلاة الاستغفار في مواضع منها. كالركوع والسجود وبين ~~السجدتين وآخر الصلاة، كما أخرجه الشيخان وأهل السنن- وكان صلى الله عليه ~~وسلم يطيل الركوع والسجود والتهجد لذلك. ### | لطيفة: # قال الزمخشري في (أساس البلاغة) إنما سمي (السحر) استعارة، لأنه وقت ~~إدبار الليل، وإقبال النهار، فهو متنفس الصبح. انتهى. # وفي أموالهم حق للسائل والمحروم أي الفقير المتعفف الذي يظن غنيا، فيحرم ~~الصدقة. # قال قتادة: هذان فقيرا أهل الإسلام: سائل يسأل في كفه، وفقير متعفف ~~ولكليهما عليك حق، يا ابن آدم. # وفي الصحيح «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ~~ولا يفطن له فيتصدق عليه. # وروى الإمام أحمد عن الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: للسائل حق وإن جاء على فرس. ورواه أبو داود وأسنده عن ~~علي كرم الله وجهه. # ويدخل في (المحروم) كل من لا مال له، ومن هلك ماله بآفة، ومن حرم الرزق ~~واحتاج، إلا أن أهم أفراده المتعفف. ولذا عول عليه الأكثر. # وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في أموالهم حق سوى الزكاة يصلون بها ~~رحما، أو يقرون بها ضيفا، أو يحملون بها كلا. # ثم أشار تعالى إلى أنه لا حاجة إلى الخرص والتخمين في باب الاعتقادات، ~~لكثرة الآيات الواضحة، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية # 20] # وفي الأرض آيات للموقنين (20) PageV09P039 # وفي الأرض آيات للموقنين أي عبر وعظات لأهل اليقين، وهم الذين يقودهم ~~النظر ms4260 إلى ما تطمئن به النفس، وينثلج له الصدر، فيرون فيها مما ذرأ من صنوف ~~النبات والحيوانات، والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار، عبرا وآيات ~~عظاما، وشواهد ناطقة بقدرة الصانع ووحدانيته، جل جلاله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 21] # وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) # وفي أنفسكم، أفلا تبصرون أي في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، ~~واختلاف ألسنتها وألوانها، وما جبلت عليه من القوى والإرادات، وما بينها من ~~التفاوت في العقول والأفهام، وما في تراكيب أعضائها من الحكم في وضع كل عضو ~~منها، في المحل المفتقر إليه، إلى غير ذلك مما لا يحصيه قلم كاتب، ولا لسان ~~بليغ. # أنشد الحافظ ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكير والاعتبار) لشيخه أبي جعفر ~~القرشي: # وإذا نظرت تريد معتبرا ... فانظر إليك، ففيك معتبر # أنت الذي تمسي وتصبح في ال ... دنيا وكل أموره عبر # أنت المصرف كان في صغر ... ثم استقل بشخصك الكبر # أنت الذي تنعاه خلقته ... ينعاه منه الشعر والبشر # أنت الذي تعطى وتسلب، لا ... ينجيه من أن يسلب الحذر # أنت الذي لا شيء منه له ... وأحق منه بما له القدر ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 22] # وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) # وفي السماء رزقكم وما توعدون يعني ب (السماء) المزن، وب (الرزق) المطر، ~~فإنه سبب الأقوات. والمراد ب ما توعدون العذاب السماوي، لأن مؤاخذات ~~المكذبين الأولين كانت من جهتها. والخطاب لمشركي مكة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 23] # فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) # فو رب السماء والأرض أي الذي خلقهما للاستدلال بهما على حقيقة ما أخبر # PageV09P040 # إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أي مثل نطقكم. والضمير في (إنه) عائد لما ذكر ~~من أمر الآيات والرزق، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ما توعدون ~~ويؤيد الأخير ما تأثره من أنباء وعيد المكذبين، وبدأ منها بنبإ قوم لوط، ~~لأن قراهم واقعة في ممرهم إلى فلسطين للاتجار، فقال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms4261 [سورة الذاريات (51) : الآيات 24 الى # 30] # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم (30) # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين يعني: الملائكة الذي دخلوا عليه في ~~صورة ضيف. قال الزمخشري: فيه تفخيم للحديث، وتنبيه على أنه ليس من علم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما عرفه بالوحي. وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم ~~بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القرى، أو أنهم في أنفسهم مكرمون. # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام أي سلام عليكم قوم منكرون أي أنتم ~~قوم لا أعرفكم. وهو كالسؤال منه عن أحوالهم، ليعرفهم. فإن قولك لمن لقيته: # أنا لا أعرفك! في قوة قولك: عرف لي نفسك وصفها. # فراغ إلى أهله أي ذهب إليهم في خفية من ضيوفه. ومن أدب المضيف أن يخفي ~~أمره، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره- ~~قاله الزمخشري- وأيده الناصر بما حكى عن أبي عبيد: أنه لا يقال راغ، إلا ~~إذا ذهب على خفية وأنه يقال روغ اللقمة إذا غمسها فرويت سمنا. قال الناصر: ~~وهو من هذا المعنى، لأنها تذهب مغموسة في السمن حتى تخفى. ومن مقلوباته ~~(غور الأرض) والجرح. وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى. انتهى. # فجاء بعجل سمين أي قد أنضجه شيا فقربه إليهم أي بأن وضعه بين أيديهم قال ~~ألا تأكلون أي منه. قال القاضي: وهو مشعر بكونه حنيذا. والهمزة فيه للعرض، ~~والحث على الأكل على طريقة الأدب، إن قاله أول ما وضعه. وللإنكار، إن قاله ~~حينما رأى إعراضهم. # PageV09P041 # فأوجس منهم خيفة أي أضمرها، لظنه أنهم أرادوا به سوءا قالوا لا تخف ~~وبشروه بغلام عليم أي يبلغ ويكمل علمه فأقبلت امرأته في صرة أي صيحة فصكت ~~أي لطمت وجهها أي تعجبا، ms4262 على عادة النساء في كل غريب عندهن وقالت عجوز عقيم ~~أي عاقر ليس لي ولد قالوا كذلك قال ربك أي مثل الذي قلنا وأخبرنا به، قال ~~ربك، فإنما نخبرك عن الله. فأقبلي قوله، ولا تتوهمي عليه خلاف الحكمة، ولا ~~الجهل، بعدم قبولك للولادة. إنه هو الحكيم العليم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 31 الى # 37] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) ~~لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين (35) # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون ~~العذاب الأليم (37) # قال أي إبراهيم لضيفه فما خطبكم أي أمركم وشأنكم أيها المرسلون قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين أي مؤاخذتهم لنرسل عليهم حجارة من طين أي رجما لهم ~~على فعلهم الفاحشة مسومة أي مرسلة، أو معلمة عند ربك للمسرفين أي المتعدين ~~حدود الله. الكافرين به فأخرجنا من كان فيها أي في تلك القرية من المؤمنين ~~أي بإيحاء الخروج إليهم على لسان الملائكة، وهم لوط وابنتاه عليهم السلام. ~~فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين يعني بيت لوط عليه السلام وتركنا فيها ~~أي في تلك القرية آية أي علامة تدل على إهلاكهم الدنيوي الدال على الأخروي ~~للذين يخافون العذاب الأليم أي في الآخرة وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى 40] # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر ~~أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) # وفي موسى عطف على (فيها) بإعادة الجار، لأن المعطوف عليه ضمير مجرور. أي ~~وتركنا في قصة موسى بإهلاك أعدائه، آية وحجة تبين لمن رآها حقية دعواه. # إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي ببرهان ظاهر فتولى بركنه أي # PageV09P042 # فأعرض عن الإيمان. والركن: جانب الشيء. ف (ركنه) جانب بدنه، فالتولي به ~~كناية عن الإعراض. والباء للتعدية، لأن معناه ثنى عطفه. أو للملابسة. أو ~~الركن فيه بمعنى الجيش، لأنه يركن ms4263 إليه، ويتقوى به، والباء للمصاحبة أو ~~للملابسة. وقال ساحر أي هو ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~أي فأغرقناهم في البحر هو مليم # أي آت بما يلام عليه من الكفر والعناد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 41 الى # 42] # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم (42) # وفي عاد أي وتركنا في عاد، قوم هود عليه السلام آية إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم أي التي لا خير فيها من إنشاء مطر، أو إلقاح شجر. وهي ريح ~~الهلاك. # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم أي الشيء الهالك. وأصل الرميم: ~~البالي المفتت، من عظم أو نبات أو غير ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 43 الى 45] # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) # وفي ثمود أي وتركنا في ثمود، قوم صالح عليه السلام إذ قيل لهم أي بعد ~~عقرهم الناقة تمتعوا أي في داركم حتى حين يعني: ثلاثة أيام، كما بينته ~~الآية الأخرى. # فعتوا عن أمر ربهم أي فاستكبروا عن امتثاله فأخذتهم الصاعقة يعني العذاب ~~الحال بهم، المعهود وهم ينظرون أي إليها. فإنها نزلت بهم نهارا. # فما استطاعوا من قيام أي نهوض، فضلا عن دفاع عذاب الله وما كانوا منتصرين ~~أي ممتنعين من العذاب. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 46] # وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) # وقوم نوح قرئ بالجر عطفا على وفي ثمود أو المجرورات قبل. # PageV09P043 # وبالنصب مفعولا لمضمر دل عليه السياق والسباق. أي وأهلكنا قوم نوح. أو ~~عطفا على مفعول أخذناه # أو على محل وفي موسى من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين أي: مخالفين أمر ~~الله، خارجين عن طاعته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 47 الى 48] # والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون ~~(48) # والسماء ms4264 بنيناها بأيد أي رفعناها بقوة وإنا لموسعون أي لقادرون على ~~الإيساع، كما أوسعنا بناءها. والأرض فرشناها أي مهدناها ليتمتعوا بها فنعم ~~الماهدون أي لهم. وفي إيثار صيغة فاعل من (مهد على فرش) إشارة إلى أن من ~~المواد ما تختلف صيغته في النظم فعلا واسما، فيكون في أحدهما أرق وألطف ~~وأفصح، فيؤثر على غيره في ظرف، ويؤثر عليه غيره في آخر. والمرجع الذوق- كما ~~بسطه ابن خلدون وابن الأثير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية # 49] # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) # ومن كل شيء خلقنا زوجين أي ذكرا وأنثى، أو نوعين متقابلين. # قال ابن كثير: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض. وليل ونهار. وشمس وقمر. ~~وبر وبحر. وضياء وظلام. وإيمان وكفر. وموت وحياة. وشقاء وسعادة. وجنة ونار. ~~حتى الحيوانات والنباتات. انتهى. وهو مأخوذ من كلام ابن جرير في تأييد ~~تفسير مجاهد، وعبارة ابن جرير: # وأولى القولين في ذلك قول مجاهد: وهو أن الله تبارك وتعالى خلق لكل ما ~~خلق من خلقه ثانيا له، مخالفا في معناه. فكل واحد منهما زوج للآخر، ولذلك ~~قيل خلقنا زوجين وإنما نبه جل ثناؤه بذلك من قوله: خلقه على قدرته على خلق ~~ما يشاء، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كل ما ~~صفته فعل نوع واحد دون ما عداه، كالنار التي شأنها التسخين ولا تصلح ~~للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف ~~بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كل ما شاء فعله من الأشياء ~~المختلفة والمتفقة. انتهى. # لعلكم تذكرون قال ابن جرير: أي لتذكروا وتعتبروا بذلك، فتعلموا أيها # PageV09P044 # المشركون بالله، أن ربكم الذي يستوجب عليكم العبادة، هو الذي يقدر على ~~خلق الشيء وخلافه، وابتداع زوجين من كل شيء، لا ما لا يقدر على ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 50] # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) # ففروا إلى الله أي فروا من عقابه إلى رحمته، بالإيمان به، واتباع أمره، ms4265 ~~والعمل بطاعته. قال الشهاب: الأمر بالفرار من العقاب، المراد به الأمر ~~بالإيمان والطاعة، لأنه لأمنه من العقاب بالطاعة، كأنه فر لمأمنه. فهو ~~استعارة تمثيلية. إني لكم منه نذير مبين أي أنذركم عقابه، وأخوفكم عذابه ~~الذي أحله بهؤلاء الأمم الذين قص عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 51] # ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) # ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين أي قد أبان النذارة ~~قال أبو السعود: وفيه تأكيد لما قبله من الأمر بالفرار من العقاب إليه ~~تعالى، لكن لا بطريق التكرير- كما قيل- بل بالنهي عن سببه، وإيجاب الفرار ~~منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 52 الى 54] # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) # كذلك أي كما ذكر من تكذيبهم الرسول، وتسميتهم له ساحرا أو مجنونا ما أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون يعني تقليدا لآبائهم، ~~واقتداء لآثارهم، فمورد جهالتهم مؤتلف، ومشرع تعنتهم متحد. وقوله تعالى: # أتواصوا به إنكار وتعجيب من حالهم وإجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة التي ~~لا تكاد تخطر ببال أحد من العقلاء، فضلا عن التفوه بها. أي أأوصى بهذا ~~القول بعضهم بعضا حتى اتفقوا عليه. وقوله تعالى: بل هم قوم طاغون إضراب عن ~~كون مدار اتفاقهم على الشر تواصيهم بذلك، وإثبات لكونه أمرا أقبح من ~~التواصي وأشنع منه، من الطغيان الشامل للكل، الدال على أن صدور تلك الكلمة ~~الشنيعة من كل واحد منهم، بمقتضى جبلته الخبيثة، لا بموجب وصية من قبلهم ~~بذلك- أفاده أبو السعود-. # PageV09P045 # فتول عنهم أي أعرض عن مقابلتهم بالأسوإ كقوله تعالى: ودع أذاهم [الأحزاب: ~~48] ،. وقوله: واهجرهم هجرا جميلا [المزمل: 10] ، فما أنت بملوم أي في ~~إعراضهم، إذ لست عليهم بجبار ولا مسيطر، وما عليك من حسابهم من شيء. ### | تنبيه: # قول بعض المفسرين هنا- فتول عنهم أي ms4266 فأعرض عن مجادلتهم، بعد ما كررت ~~عليهم الدعوة- بعيد عن المعنى بمراحل، لأن مجادلتهم مما كان مأمورا بها على ~~المدى، لأنها العامل الأكبر لإظهار الحق، كما قال تعالى: وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا [الفرقان: 52] . # وكذا قول البعض في قوله تعالى: فما أنت بملوم أي في إعراضك بعد ما بلغت ~~فإنه مناف للأمر بالذكرى بعد. فالصواب ما ذكرناه في تفسير الآية، لأنه ~~المحاكي لنظائرها. وأقعد التفاسير ما كان بالأشباه والنظائر- كما قيل-: ~~وخير ما فسرته بالوارد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية # 55] # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) # وذكر أي عظهم فإن الذكرى تنفع المؤمنين أي من قدر الله إيمانه، أو الذين ~~آمنوا، فإنهم المقصودون من الخلق، لا من سواهم، إذ هم العابدون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 56] # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي لهذه الحكمة، وهي عبادته تعالى: # بما أمر على لسان رسوله، إذ لا يتم صلاح، ولا تنال سعادة في الدارين، إلا ~~بها. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : الآيات 57 الى 58] # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين (58) # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين بيان # PageV09P046 # لعظمته عز وجل، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس به شأن عبيد الخلق معهم، فإن ~~عبيدهم مطلوبون بالخدمة والتكسب للسادة، وبواسطة كاسب عبيدهم، قدر أرزاقهم ~~والله تعالى لا يطلب من عباده رزقا ولا إطعاما، بل هو الذي يرزقهم. وإنما ~~يطلب منهم عبادته ليصرفوا ما أنعم به عليهم إلى ما خلقوا لأجله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 59] # فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) # فإن للذين ظلموا أي ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد بتكذيب الرسول ~~والإصرار على الشرك والبغي والفساد، ذنوبا أي نصيبا وافرا من العذاب مثل ~~ذنوب أصحابهم أي مثل أنصباء نظرائهم من الأمم المحكية. وأصل (الذنوب) ms4267 الدلو ~~العظيمة الممتلئة ماء، أو القريبة من الامتلاء. وهي تذكر وتؤنث، فاستعيرت ~~للنصيب مطلقا، شرا كالنصيب من العذاب في الآية، أو خيرا كما في العطاء في ~~قول عمرو بن شاس: # وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذنوب، فيعطى لهذا ذنوب، ولآخر مثله. # فلا يستعجلون أي لا يطلبوا مني أن أعجل به قبل لأجله، فإنه لا بد آتيهم، ~~ولكن في حينه، المؤخر لحكمة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الذاريات (51) : آية 60] # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون أي أوعدوا فيه نزول العذاب بهم، ~~ماذا يلقون فيه من البلاء والجهد. و (اليوم) إما يوم القيامة، أو يوم بدر. # قال أبو السعود: والأول هو الأنسب بما في صدر السورة الكريمة الآتية. # والثاني هو الأوفق لما قبله، من حيث إنهما من العذاب الدنيوي- والله ~~أعلم-. # PageV09P047 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطور # قال المهايمي: سميت به لأنه لما تضمن تعظيم مهبط الوحي، فالوحي أولى ~~بالتعظيم، فيعظم الاهتمام بالعمل، لا سيما وقد عظم مصعد العمل وثمرته. وهذا ~~من أعظم مقاصد القرآن وهي مكية، وآيها تسع وأربعون. # روي الشيخان «1» ومالك عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. # وروي البخاري «2» : عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إني اشتكي! فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. فطفت ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت، يقرأ بالطور وكتاب مسطور. PageV09P048 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 1 الى # 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) # والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) # والطور أي طور سينين، جبل بمدين، سمع فيه موسى، صلوات الله عليه. # كلام الله تعالى، واندك بنور تجليه تعالى. # وكتاب مسطور أي مكتوب. والمراد به القرآن، أو ما يعم الكتب المنزلة. ms4268 # في رق منشور متعلق ب مسطور. أي وكتاب سطر في ورق منشور يقرأ على الناس ~~جهارا. و (الرق) الصحيفة أو الجلد الذي يكتب فيه. # والبيت المعمور أي الذي يعمر بكثرة غاشيته، وهو الكعبة المعمورة بالحجاج ~~والعمار والطائفين والعاكفين والمجاورين. وروي أنه بيت في السماء بحيال ~~الكعبة من الأرض. يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون فيه ~~أبدا. # والأول أظهر، لأنه يناسب ما جاء في سورة (التين) من عطف البلد الأمين على ~~طور سينين والقرآن يفسر بعضه بعضا، لتشابه آياته، وتماثلها كثيرا، وإن ~~تنوعت بلاغة الأسلوب. # قال المهايمي: أورده بعد الكتاب الذي هو الوحي، لأنه محل أعظم الأعمال ~~المقصودة منه، ولأنه مظهر الوحي، ومصدر الرحمة العامة المهداة للعالمين، ~~ولأنه أجل الآيات وأكبرها. كما دل عليه آية أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] وآيات أخر. # والسقف المرفوع يعني السماء. وجعلها سقفا لأنها للأرض كسماء البيت الذي ~~هو سقفه. # والبحر المسجور أي المملوء، أو الذي يوقد، أي يصير نارا، كقوله وإذا # PageV09P049 # البحار سجرت # [التكوير: 6] ، قال ابن جرير: والأول أولى. أعني: أن معناه البحر المملوء ~~المجموع ماؤه بعضه في بعض، لأن الأغلب معاني (السجر) الإيقاد أو الامتلاء. ~~فإذا كان البحر غير موقد اليوم، ثبتت له الصفة الثانية وهو الامتلاء، لأنه ~~كل وقت ممتلئ. ولا تنس ما قدمنا في أوائل (الذاريات) من أن هذه الأقسام ~~كلها دلائل أخرجت في صورة الأيمان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 7 الى # 16] # إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير ~~الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) # الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها ~~فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) # إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع أي يدفعه عن المكذبين فينقذهم منه إذا ~~وقع. يوم تمور السماء مورا أي تضطرب ms4269 وتسير الجبال سيرا أي تسير عن وجه ~~الأرض فتصير هباء منثورا فويل يومئذ للمكذبين أي بالحق الجاحدين له الذين ~~هم في خوض أي من الاعتساف والاستهزاء يلعبون أي بآيات الله ودلائله يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا أي يدفعون إليها بعنف. يقال: دععت في قفاه، إذا ~~دفعته فيه بإزعاج هذه النار التي كنتم بها تكذبون أي يقال لهم ذلك أفسحر ~~هذا أي الذي وردتموه الآن. والفاء للسببية، لتسبب هذا عما قالوه في الوحي ~~أم أنتم لا تبصرون أي كما كنتم لا تبصرون في الدنيا. قال الزمخشري: يعني أم ~~أنتم عمي عن المخبر عنه، كما كنتم عميا عن الخبر. وهذا تقريع وتهكم. اصلوها ~~أي: # ذوقوا حر هذه النار فاصبروا أي على ألمها أو لا تصبروا سواء عليكم أي ~~الأمران. الصبر وعدمه سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون أي لا تعاقبون ~~إلا على معصيتكم في الدنيا لربكم، وكفركم به. # قال الزمخشري: فإن قلت: لم علل استواء الصبر وعدمه بقوله: إنما تجزون ~~إلخ؟ قلت لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن ~~يجازى عليه الصابر جزاء الخير. فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء، ولا ~~عاقبة له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. # PageV09P050 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 17 الى # 20] # إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر ~~مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) # إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم أي متلذذين بما لديهم من ~~الفواكه الكثيرة ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم ~~تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين جمع (عيناء) وهي الواسعة ~~العين، في حسن. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية 21] # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان أي اقتفت آثارهم في الإيمان ms4270 والعمل ~~الصالح ألحقنا بهم ذريتهم أي في الجنات والنعيم. والخطاب، لما كان مع ~~الصحابة رضي الله عنهم، وهم واثقون بوعد الله، تمم لهم البشارة بالموعود ~~به، بأنه ينال ذريتهم أيضا، إن اتبعوا آباءهم بإحسان، هذا هو المراد من ~~الآية. وأما من قال في معناها: إن المؤمن ترفع له ذريته فيلحقون به، إن ~~كانوا دونه في العمل، فلا تقتضيه الآية تصريحا ولا تلويحا وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء أي وما نقصناهم من ثواب عملهم شيئا كل امرئ بما كسب رهين أي ~~بما عمل من خير أو شر مرتهن به، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يعاقب بذنب ~~نفسه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 22 الى 24] # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ~~ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون أي زدناهم وقتا بعد وقت، ما ذكر. # يتنازعون فيها كأسا أي يتعاطون فيها كأس الشراب ويتجاذبونها لا لغو فيها ~~ولا تأثيم أي لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وباطله، ولا يفعلون ما ~~يؤثم # PageV09P051 # به فاعله، كما كان في الدنيا. ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون أي ~~مصون في كن، فهو أنقى له، وأصفى لبياضه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 25 الى # 28] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ~~(26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي يتجاذبون أطراف الأحاديث المفضية إلى ~~شكر المنعم، والتحدث بالنعمة، وذلك في مساءلة بعضهم بعضا عما مضى لهم في ~~الدنيا. قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين أي خائفين من عذاب الله فمن ~~الله علينا ووقانا عذاب السموم يعني: عذاب النار. وأصل (السموم) الريح ~~الحارة التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم، لمشابهتها لها، وإن كان وجه ~~الشبه في النار أقوى، لكنه في ريح السموم لمشاهدته في الدنيا، ms4271 أعرف. إنا ~~كنا من قبل ندعوه أي نعبده مخلصين له الدين إنه هو البر أي المحسن بمن دعاه ~~الرحيم أي لمن عبده وخافه بالهداية والتوفيق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية 29] # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) # فذكر أي من أرسلت إليهم وعظهم فما أنت بنعمة ربك بكاهن أي تتكهن فيما ~~تدعو إليه ولا مجنون أي له رئي من الجن يخبر عنه قومه ما أخبر عنه، كما ~~يعتقده العرب في بعضهم، ولكنك رسول الله حقا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 30 الى 31] # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين (31) # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون أي حوادث الدهر أو الموت، لأن ~~(المنون) قد يراد به الدهر، وريبه صروفه. وقد يراد به الموت، وريبه نزوله. ~~قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أي: حتى يأتي أمر الله فيكم. والأمر ~~للتهكم بهم والتهديد. # PageV09P052 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 32 الى 34] # أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا ~~يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) # أم تأمرهم أحلامهم بهذا أي عقولهم بهذا التناقض في القول، أم أي بل هم ~~قوم طاغون أي مجاوزن الحد في العناد، مع ظهور الحق أم يقولون تقوله أي ~~اختلق هذا القرآن من عند نفسه، بل لا يؤمنون أي لا يريدون أن يؤمنوا حسدا ~~وتقليدا، فلذلك يرمونه بتلك القرى. فليأتوا بحديث مثله أي في الهداية بذاك ~~الأسلوب الذي ملك ناصية الفصاحة والبلاغة. كقوله: قل فأتوا بكتاب من عند ~~الله هو أهدى منهما أتبعه [القصص: 49] ، إن كانوا صادقين أي في زعمهم، ~~فإنهم من أهل لسان الرسول صلوات الله عليه، ولا يتعذر عليهم مضاهاة بعضهم ~~لبعض، في ميدان التساجل والتراسل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 35 الى 43] # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك ms4272 أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) ~~أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان ~~الله عما يشركون (43) # أم خلقوا من غير شيء قال ابن جرير: أي أخلق هؤلاء المشركون من غير آباء ~~ولا أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا يفهمون لله حجة، ولا يعتبرون له ~~بعبرة، ولا يتعظون بموعظة. وقد قيل: إن معنى ذلك أم خلقوا لغير شيء، كقول ~~القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، بمعنى: لغير شيء أم هم الخالقون أي ~~أنفسهم، أو هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما ~~نهاهم عنه، لأن للخالق الأمر والنهي أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ~~أي بوعيد الله، وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة، فلذلك فعلوا ما ~~فعلوا. أم عندهم خزائن ربك أي خزائن رزقه، فهم لاستغنائهم معرضون أم هم ~~المصيطرون أي الجبابرة المتسلطون أم لهم سلم أي مرتقي إلى السماء يستمعون ~~فيه أي # PageV09P053 # الوحي، فيدعون أنهم سمعوا هنالك من الله أن الذي هم عليه حق. فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين أي بحجة واضحة تصدق دعواه أم له البنات ولكم البنون أي ~~حيث جعلوا، لسفاهة رأيهم، الملائكة إناثا، وأنها بناته تعالى، مع أنه وإذا ~~بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم [النحل: 58] ، أم تسئلهم أجرا أي ~~أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله تعالى، فهم من مغرم أي من التزام غرامة ~~مثقلون أي منه ما شاءوا، وينبئون الناس عنه بما أرادوا أم يريدون كيدا أي ~~بالرسول وما جاء به، فالذين كفروا هم المكيدون أي الممكور بهم دونك، فثق ~~بالله، وامض لما أمرك به أم لهم إله غير الله أي له العبادة على جميع خلقه ~~سبحان الله عما يشركون أي: تنزيها له عن شركهم، وعبادتهم معه غيره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية # 44] # وإن ms4273 يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) # وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم هذا جواب لمشركي قريش ~~الذين كانوا يستعجلون العذاب، ويقترحون الآيات كقولهم: لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا، إلى قوله: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ~~[الإسراء: 90- 92] . # قال الزمخشري: يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم، لو أسقطناه عليهم لقالوا: # هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض، يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : الآيات 45 الى 46] # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون (46) # فذرهم أي يخوضوا ويلعبوا، ويلههم الأمل، حتى يلاقوا يومهم الذي فيه ~~يصعقون أي يموتون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا أي لا يدفع عنهم مكرهم من ~~عذاب الله، شيئا ولا هم ينصرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية 47] # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك أي دون يوم القيامة، وهو إما عذاب القبر، # PageV09P054 # أو القحط، أو النوازل التي تذهب بأموالهم وأنفسهم- أقوال للسلف- واللفظ ~~صادق بالجميع ولكن أكثرهم لا يعلمون أي سنة الله في أمثالهم من الفجرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية # 48] # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) # واصبر لحكم ربك أي الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه، وبلغ رسالاته. ~~فإنك بأعيننا قال ابن جرير: أي بمرأى منا، نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ~~ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين. # وقال الشهاب: يعني أن العين، لما كان بها الحفظ والحراسة، استعيرت لذلك، ~~وللحافظ نفسه، كما تسمى (الربيئة) عينا، وهو استعمال فصيح مشهور. ونكتة جمع ~~(العين) هنا وإفرادها في قصة الكليم، عدا عن أنه جمع هنا لما أضيف لضمير ~~الجمع، ووحد ثمة لإضافته الواحد، هو المبالغة في الحفظ، حتى كأن معه جماعة ~~حفظة له بأعينهم، لأن المقصود تصبير حبيبه على المكايد ومشاق التكاليف ~~والطاعة. ms4274 فناسب الجمع، لأنها أفعال كثيرة، يحتاج كل منها إلى حارس بل حراس. ~~بخلاف ما ذكر هناك من كلاءة موسى عليه السلام وسبح بحمد ربك حين تقوم أي من ~~منامك. # روى الإمام أحمد «1» عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد الله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: رب اغفر لي (أو ~~قال: ثم دعا) استجيب له. فإن عزم فتوضأ ثم صلى، قبلت صلاته» . وأخرجه ~~البخاري «2» في صحيحه وأهل السنن. # وورد من أذكار الاستيقاظ من النوم قول: سبحان الله وبحمده، سبحان القدوس. ~~و: لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم أستغفر لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني ~~علما. ولا تزغ قلبي بعد إذا هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. # وقيل: حين تقوم إلى الصلاة- روى مسلم «3» في صحيحه عن عمر، أنه كان ~~PageV09P055 # يقول في: ابتداء الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ~~ولا إله غيرك، ورواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد وغيره، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أنه كان يقول ذلك. وعن مجاهد: حين تقوم من كل مجلس. وكذا قال ~~عطاء وأبو الأحوص. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من جلس في مجلس، ~~فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن ~~لا إله إلا الله، أستغفرك وأتوب إليك- إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ~~ذلك- رواه الترمذي وصححه، وكذا الحاكم. # وأخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول بأخرة، إذا أراد أن يقوم من المجلس: سبحانك ~~اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل: يا ~~رسول الله! إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى؟! ms4275 قال: كفارة لما يكون في ~~المجلس! # وقد أفرد الحافظ ابن كثير لهذا الحديث جزءا على حدة، ذكر فيه طرقه ~~وألفاظه، وعلله، فرحمه الله. # ولا يخفى أن لفظ الآية يصدق بالمواضع المذكورة كلها، وتدل الأحاديث ~~المذكورة على الأخذ بعمومها، فإن السنة بيان للكتاب الكريم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطور (52) : آية 49] # ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # ومن الليل فسبحه أي اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة بالليل، كما قال ~~تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~[الإسراء: 79] . # وقد روي في أذكار الليل من التسابيح ما هو معروف في كتب الحديث. وقد جمعت ~~ذلك معرى عن أسانيدها في كتابي (الأوراد المأثورة) . # وإدبار النجوم أي: وسبحه وقت إدبارها، وذلك بميلها إلى الغروب عن الأفق، ~~بانتشار ضوء الصبح، وقد عنى ذلك إما فريضة الفجر أو نافلته، أو ما يشملها. # قال قتادة: كنا نحدث أنهما الركعتان عند طلوع الفجر. # وقد ثبت في الصحيحين «1» PageV09P056 # عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على شيء من النوافل، أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر. # وفي لفظ لمسلم «1» : ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. # قال الزمخشري: وقرئ وإدبار بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا ~~غربت. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) عن الكرماني: إن بعض الفقهاء استدل به على أن الإسفار ~~بصلاة الصبح أفضل لأن النجوم لا إدبار لها، وإنما ذلك بالاستتار عن العيون. ~~انتهى. # وهو استدلال متين. PageV09P057 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النجم # مكية. وآيها ثنتان وستون آية. # روى البخاري «1» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أول سورة أنزلت ~~فيها سجدة والنجم. قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد من خلفه، ~~إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو ~~أمية بن خلف # . ووقع في رواية غيره، تسمية غير أمية- كما بسطه ابن حجر في (الفتح) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 1 الى ms4276 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) # والنجم إذا هوى أي إذا غرب وغاب عن الأبصار، أو انتثر يوم القيامة. أو ~~انقض. ما ضل صاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. والخطاب لقريش. أي ما ~~حاد عن الحق، ولا زال عنه. وما غوى أي ما صار غويا، ولكنه على استقامة ~~وسداد ورشد وهدى. وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي. وذكره صلى الله عليه ~~وسلم بعنوان (صاحبهم) للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة، وإحاطتهم ~~بمحاسن شؤونه المنيفة. # فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرح باسمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 3 الى 4] # وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) # وما ينطق عن الهوى أي وما ينطق بهذا القرآن عن هواه ورأيه. وفيه تعريض ~~بهم أيضا إن هو إلا وحي يوحى أي ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه. # وجملة (يوحى) صفة مؤكدة ل (وحي) رافعة لاحتمال المجاز، مفيدة للاستمرار ~~PageV09P058 # التجددي. والضمير للقرآن، لفهمه من السياق، ولأن كلام المنكرين كان في ~~شأنه. # وأرجعه بعضهم إلى ما ينطق به مطلقا. واستدل على أن السنن القولية من ~~الوحي، وقواه بما في (مراسيل) أبي داود عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ~~ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ~~ويعلمه إياها، كما يعلمه القرآن، واستدل أيضا على منع الاجتهاد له صلى الله ~~عليه وسلم. والصواب هو الأول. أعني: كون مرجع الضمير للقرآن، لما ذكرنا، ~~فإنه رد لقولهم (افتراه) والقرينة من أكبر المخصصات. # وجلى أنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول بالرأى في أمور الحرب، وأمور ~~أخرى. فلا بد من التخصيص قطعا، وبأنه لا قوة في المراسيل، لما تقرر في ~~الأصول. وبأن الآية لا تدل على منع الاجتهاد المذكور، ولو أعيد الضمير لما ~~ينطق مطلقا. لأن الله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند ~~إليه كله وحيا، لا نطقا عن الهوى. لأنه بمنزلة ms4277 أن يقول الله لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم (متى ما ظننت كذا فهو حكمي) أي كل ما ألقيته في قلبك فهو مرادي، ~~فيكون وحيا حقيقة، لاندراجه تحت الإذن المذكور، لأنه من أفراده. فما قيل ~~عليه من أن الوحي الكلام الخفي المدرك بسرعة، فلا يندرج فيه الحكم ~~الاجتهادي إلا بعموم المجاز. مع أنه يأباه قوله: علمه شديد القوى [النجم: ~~5] ، غير وارد عليه، بعد ما عرفت من تقريره- نقله في (العناية) عن (الكشف) ~~- وتفصيل المسألة في مطولات الأصول. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 5] # علمه شديد القوى (5) # علمه شديد القوى أي علم محمدا صلى الله عليه وسلم ملك شديد قواه، يعني ~~جبريل عليه السلام. كما قال: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين ~~[التكوير: 19- 20] ، والقوى جمع قوة، بضم القاف. ومن العرب من يكسرها ~~كالرشا بكسر الراء في جمع رشوة بضمها والحبا في جمع حبوة- نقله ابن جرير. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 6 الى # 7] # ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) # ذو مرة بكسر الميم. أي متابة وإحكام في علمه، لا يمكن تغيره ونسيانه. # والعرب تقول لكل قوي العقل والرأي ذو مرة من (أمررت الحبل) إذا أحكمت ~~فتله فاستوى وهو بالأفق الأعلى قال الزمخشري: فاستقام على صورة نفسه ~~الحقيقة، دون الصورة التي كان يتمثل بها، كلما هبط بالوحي. وكان ينزل في ~~صورة دحية. # PageV09P059 # فالفاء- كما قال شراحه- سببية، لأن تشكله يتسبب عن قوته وقدرته على ~~الخوارق. أو عاطفة على علمه أي علمه على غير صورته الأصلية، ثم استوى على ~~صورته الأصلية. # وقيل: (استوى) بمعنى (استولى) بقوته على ما أمر بمباشرته من الأمور- حكاه ~~القاضي-. # قال الشهاب: الأفق الناحية، وجمعه آفاق. والمراد الجهة العليا من السماء ~~المقابلة للناظر، لا مصطلح أهل الهيئة. انتهى. # وقال ابن كثير: وقوله تعالى: فاستوى يعني جبريل عليه السلام- قاله الحسن ~~ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وهو بالأفق الأعلى يعني جبريل استوى في الأفق ~~الأعلى. قاله عكرمة وغير واحد. # ثم قال ابن كثير: وقد قال ابن جرير ms4278 هاهنا قولا لم أره لغيره، ولا حكاه هو ~~عن أحد. وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى، أي هذا الشديد القوى وصاحبكم ~~محمد صلى الله عليه وسلم، بالأفق الأعلى، أي استويا جميعا بالأفق الأعلى، ~~وذلك ليلة الإسراء- كذا قال- ولم يوافقه أحد على ذلك. ثم شرع يوجه ما قاله ~~من حيث العربية فقال: # وهو كقوله: أإذا كنا ترابا وآباؤنا [النمل: 67] ، فعطف بالآباء على ~~المكني في كنا من غير إظهار (نحن) فكذلك قوله: فاستوى وهو. قال: وذكر ~~الفراء عن بعض العرب أنه أنشده: # ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوي والخروع المتقصف # وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن ~~هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه ~~وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح. ثم رآه بعد ذلك نزلة ~~أخرى عند سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في ~~أوائل البعثة، بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة، فأوحى الله إليه صدر ~~سورة (اقرأ) ثم فترة الوحي فترة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرارا ~~ليتردى من رؤوس الجبال، فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء: يا محمد! أنت ~~رسول الله حقا، وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه. وكلما طال عليه ~~الأمر، عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، قد سد عظم خلقه ~~الأفق، فاقترب # PageV09P060 # منه، وأوحى إليه عن الله عز وجل ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك ~~الذي جاءه بالرسالة، وجلالة قدره، وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه اليه. ~~انتهى. # أقول: قد وافق القاشاني ابن جرير في تأويل الآية، وعبارته: # فاستوى فاستقام على صورته الذاتية، والنبي بالأفق الأعلى، لأنه حين كون ~~النبي بالأفق المبين لا ينزل على صورته، لاستحالة تشكل الروح ms4279 المجرد في ~~مقام القلب، إلا بصورة تناسب الصور المتمثلة في مقامه، ولهذا كان يتمثل ~~بصورة دحية الكلبي وكان من أحسن الناس صورة، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. إذ لم يتمثل بصورة يمكن انطباعها في الصدر، لم يفهم القلب ~~كلامه، ولم ير صورته. وأما صورته الحقيقية التي جبل عليها فلم تظهر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا مرتين: عند عروجه إلى الحضرة الأحدية ووصوله بمقام ~~الروح في الترقي، وعند نزوله عنها ورجوعه إلى المقام عند سدرة المنتهى في ~~التدلي. انتهى. # وكذا المهايمي وافقهما وعبارته: # فاستوى وهو أي صاحبكم عند استواء نفسه، صار بالأفق الأعلى الروحاني. ~~انتهى. # وكذا الفخر الرازي وعبارته: # المشهور أن (هو) ضمير جبريل، وتقديره: استوى كما خلقه الله بالأفق ~~الشرقي، فسد المشرق لعظمته. والظاهر أن المراد محمد صلى الله عليه وسلم. ~~معناه: استوى بمكان، وهو بالمكان العالي رتبة ومنزلة في رفعة القدر، لا ~~حقيقة في الحصول في المكان. # فإن قيل: كيف يجوز هذا والله تعالى يقول: ولقد رآه بالأفق المبين ~~[التكوير: 23] ، إشارة إلى أنه رأى جبريل بالأفق المبين؟ نقول: وفي ذلك ~~الموضع أيضا نقول كما قلنا هاهنا، أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل بالأفق ~~المبين. يقول القائل: رأيت الهلال، فيقال له: أين رأيته؟ فيقول: فوق السطح. ~~أي: إن الرائي فوق السطح، لا المرئي. و (المبين) هو الفارق، من (أبان) أي ~~فرق. أي هو بالأفق الفارق بين درجة الإنسان، ومنزلة الملك، فإنه صلى الله ~~عليه وسلم انتهى، وبلغ الغاية، وصار نبيا، كما صار بعض الأنبياء نبيا يأتيه ~~الوحي في نومه، وعلى هيئته، وهو واصل إلى الأفق الأعلى، والأفق الفارق بين ~~المنزلتين. # PageV09P061 # فإن قيل: ما بعده يدل على خلاف ما تذهب إليه، فإن قوله: ثم دنا فتدلى إلى ~~غير ذلك، وقوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى كل ذلك يدل على ~~خلاف ما ذكرته؟ نقول: سنبين موافقته لما ذكرنا إن شاء الله تعالى في ~~مواضعه، عند ذكر تفسيره. # فإن قيل: الأحاديث تدل على خلاف ما ms4280 ذكرته، حيث ورد في الأخبار أن جبريل ~~عليه السلام أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على صورته، فسد المشرق. ~~فنقول: نحن ما قلنا إنه لم يكن وليس في الحديث أن الله تعالى أراد بهذه ~~الآية تلك الحكاية، حتى يلزم مخالفة الحديث، وإنما نقول إن جبريل أرى النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفسه مرتين، وبسط جناحيه، وقد ستر الجانب الشرقي وسده، ~~ولكن الآية لم ترد لبيان ذلك. # انتهى كلام الرازي. # وفي القرطبي حكاية أقوال أخر، وعبارته: # فاستوى أي ارتفع جبريل، وعلا إلى مكانه في السماء، بعد أن علم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم- قاله سعيد بن المسيب وابن جبير-. # وقيل: فاستوى أي قام وظهر في صورته التي خلق عليها. # وقول ثالث: أن معنى فاستوى أي استوى القرآن في صدره. وفيه على هذا وجهان: # أحدهما- في صدر جبريل حين نزل به عليه السلام. # الثاني- في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه. # وقول رابع: أن معنى فاستوى فاعتدل. يعني محمدا في قوته، والثاني في ~~رسالته- ذكره الماوردي-. # وعلى الأول يكون تمام الكلام ذو مرة، وعلى الثاني شديد القوى. # وقول خامس أن معناه فارتفع، وفيه على هذا وجهان: # أحدهما- أنه جبريل ارتفع إلى مكانه، على ما ذكرناه آنفا. # الثاني- أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج. # وقول سادس: فاستوى يعني الله عز وجل. أي استوى على العرش- على قول ~~الحسين- انتهى. # هذا ما وقفنا عليه الآن من الأقوال في الآية، وسيأتي في أول التنبيهات ~~إيضاح ما اخترناه منها، وإنما أخرنا ذكره لارتباطه بالآيات الآتية. # PageV09P062 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 8 الى 9] # ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # ثم دنا أي ثم بعد استوائه، اقترب جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى ~~أي إليه. # قال ابن جرير: هذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما هو ثم تدلى فدنا، ~~ولكنه حسن تقديم قوله دنا إذ كان الدنو يدل على التدلي، والتدلي على الدنو. # كما يقال: زارني فلان فأحسن، وأحسن إلي فزارني. # وقال الشهاب: ms4281 التدلي مجاز عن التعلق بالنبي بعد الدنو منه، لا بمعنى ~~التنزل من علو، كما هو المشهور. أو هو دنو بحالة التعلق، فلا قلب ولا تأويل ~~ب (أراد الدنو) - كما في الإيضاح-. # فكان قاب قوسين أو أدنى أي كأن مسافة ما بينهما مقدار قوسين. أي بقدرهما ~~إذا مدا أو أقرب. أو الضمير لجبريل. أي كأن قربه قدر ذلك. # قال الشهاب: وقاب القوس وقيبه: ما بين الوتر ومقبضه. والمراد به المقدار، ~~فإنه يقدر بالقوس، كالذراع. # وقد قيل: إنه مقلوب، أي قابى قوس، ولا حاجة إليه. فإن هذا إشارة إلى ما ~~كانت العرب في الجاهلية تفعله. إذا تحالفوا أخرجوا قوسين. ويلصقون إحداهما ~~بالأخرى، فيكون القاب ملاصقا للآخر، حتى كأنهما ذوا قاب واحد، ثم ينزعانهما ~~معا ويرميان بهما سهما واحدا، فيكون ذلك إشارة إلى أن رضا أحدهما رضا ~~الآخر، وسخطه سخطه، لا يمكن خلافه- كذا قال مجاهد، وارتضاه عامة المفسرين- ~~انتهى. # قال السمين: وقوله تعالى: أو أدنى كقوله: أو يزيدون [الصافات: # 147] ، لأن المعنى: فكان بأحد هذين المقدارين في رأى الرائي. أي لتقارب ~~ما بينهما، يشك الرائي في ذلك. فهو تمثيل لشدة القرب، وتحقيق استماعه لما ~~أوحى إليه بأنه في رأى العين، ورأى الواقف عليه، كما مر في أو يزيدون فإن ~~المعنى: # إذا رآهم الرائي يقول هم مائة ألف أو يزيدون. # وقيل: (أو) بمعنى (بل) أي بل أدنى. # و (أدنى) أفعل تفضيل، والمفضل عليه محذوف. أي: أو أدنى من قاب قوسين. ~~وقوله تعالى: # PageV09P063 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 10] # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) # حى إلى عبده ما أوحى (10) فأوحى أي جبريل إلى عبده # أي عبد الله تعالى، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما أضمر اسمه تعالى ~~لعدم اللبس، وغاية ظهوره. أو: فأوحى الله عز وجل بواسطة جبريل الذي تدلى ~~إليه ما أوحى # أي مما أمره به. وفيه تفخيم للموحى به، إذ الإبهام يفيد التعظيم، كأنه ~~أعظم من أن يحيط به بيان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 11] # ما كذب الفؤاد ما ms4282 رأى (11) # ما كذب الفؤاد ما رأى أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه من ~~الملك الذي جاءه بالوحي من ربه. يعني: أنه رآه بعينه، وتيقنه بقلبه، ولم ~~يشك في أن ما رآه حق وصدق وقرئ ما كذب بالتشديد. أي صدقه ولم يشك أنه ملك ~~رباني، لا خيال شيطاني، كما قال وما هو بقول شيطان رجيم [التكوير: 25] . ~~وقد ذكر ابن كثير أن هذه الرؤية في أوائل البعثة، كما تقدم النقل عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 12] # أفتمارونه على ما يرى (12) # أفتمارونه على ما يرى أي أفتجادلونه وتلاحونه على ما يراه معاينة من رؤية ~~الملك المنزل عليه. # قال القاشاني: أي أفتخاصمونه على شيء لا تفهمونه ولا يمكنكم معرفته ~~وتصوره، فكيف يمكنكم إقامة الحجة عليه؟ وإنما المخاصمة حيث يمكن تصور الأمر ~~المختلف فيه، ثم الاحتجاج عليه بالنفي والإثبات، فحيث لا تصور، فلا مخاصمة ~~حقيقة. انتهى. وذلك لأن رؤية الملك وتنزله حالة خاصة بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وإخوانه الأنبياء عليهم السلام، لا يمكن لغيرهم اكتناهها، وإنما عليهم ~~الإيمان بها، والإذعان لها، لقيام الدليل عليها. وبالجملة، فالمراد أنه لا ~~يصح المجادلة في المرئي، لأنه لا يجوز الجدال في المحسوسات، لا سيما إذا ~~تعددت المشاهدة لها كما قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 13 الى 18] # ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ ~~يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) # لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) # PageV09P064 # ولقد رآه نزلة أخرى أي مرة أخرى من النزول، وتأكيد الخبر عن الرؤية ~~الثانية هذه، لنفي الريبة والشك عنها أيضا. وأنه لم يكن فيها التباس ~~واشتباه. عند سدرة المنتهى أي موضع الانتهاء، أو الانتهاء. ف (المنتهى) : ~~اسم مكان، أو مصدر ميمي. وقد جاء في الصحيح أنها شجرة نبق في السماء ~~السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من أمر الله من الأرض، فيقبض منها. وما ~~يهبط به من فوقها، فيقبض منها. # قال القاضي: ولعلها شبهت ms4283 بالسدرة، وهي شجرة النبق، لأنهم يجتمعون في ~~ظلها. يعني أن شجر النبق يجتمع الناس في ظله، وهذه يجتمع عندها الملائكة، ~~فشبهت بها، وسميت (سدرة) لذلك. فإطلاقها عليها بطريق الاستعارة. لكن ورد في ~~الحديث أن كل نبقة فيها كقلة من قلال هجر، فهي على هذا حقيقة، وهو الأظهر- ~~قاله الشهاب-. # عندها جنة المأوى أي التي يأوي إليها أرواح المقربين. إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى قال القاشاني: أي من جلال الله وعظمته. معناه أنه رأى جبريل عليه ~~السلام عند سدرة المنتهى حينما كانت الأرواح والملائكة تغشاها، وتهبط ~~عليها، وتحف من حولها. ما زاغ البصر أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عما رآه. وما طغى أي ما تجاوز مرئية المقصود له، بل أثبت ما رآه ~~إثباتا مستيقنا صحيحا لا شبهة فيه. # وفيه وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم وتمكنه، إذ لم يتجاوز ما أمر برؤيته. ~~لقد رأى من آيات ربه الكبرى يعني الملك الذي عاينه وأخبره برسالته. وفيه ~~غاية التفخيم لمقامه، وأنه من الآيات الكبر. # قال الناصر: ويحتمل أن تكون الكبرى صفة لآيات، ويكون المرئي محذوفا ~~لتفخيم الأمر وتعظيمه، كأنه قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى أمورا عظاما ~~لا يحيط بها الوصف. والحذف في مثل هذا أبلغ وأهول. ### | تنبيهات: # الأول- قدمنا في تفسير قوله تعالى: فاستوى وهو بالأفق الأعلى ما قاله ~~المفسرون من الأقوال العديدة. ولا يخفى ما في بعضها من التكلف والتعسف، ~~كتوجيه ابن جرير والرازي ومن وافقهما، وبعض أقوال حكاها القرطبي. والأقرب ~~في معنى الآية ما ذكره الإمام ابن كثير، كما نقلناه عنه، لكثرة الأحاديث ~~الواردة فيما يفسرها بذلك ونحن نقول في تأييده إن القرآن يفسر بعضه بعضا، ~~لتشابه آياته الكريمة وتماثلها. والآية هذه مشابهة لما في سورة التكوير ~~تمام المشابهة، فقد قال # PageV09P065 # تعالى ثمة: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين [التكوير: 19- 23] ، فترى هذه ~~الآيات مشابهة للآيات هنا، وإن كان فيما هنا زيادة رؤية، ms4284 وبيان دنو واقتراب ~~لم يذكر في (التكوير) . وسر الزيادة هو ارتقاء النبي صلى الله عليه وسلم في ~~معارج الكمالات وقتا فوقتا. وسورة النجم مما نزل بعد التكوير، كما حكاه في ~~(الإتقان) عن ابن عباس وغير واحد من السلف، فلذلك كان في (النجم) زيادة هذا ~~التكريم والتفضيل. وحاصل المعنى: # أن ما ينطق به من هذا القرآن ليس عن هواه، وإنما هو وحي علمه إياه ملك ~~كريم، جم المناقب، لأنه شديد القوى، ذو مرة، رفيع المكانة بالأفق الأعلى. ~~ثم لما شاء تعالى إنزال وحيه على نبيه تنزل من الأفق، ودنا إليه، وكان في ~~غاية القرب منه، والتمكن من رؤيته، وتلقي الوحي عنه، وذلك كله حق وصدق لا ~~مرية فيه. وكيف يماري من يرى ببصره ما يصدقه فؤاده فيه ولا يكذبه، لا سيما ~~ولم تكن رؤياه له مرة واحدة، بل رآه نزلة ثانية، نزل إليه بالوحي في مكان ~~معين لا يشتبه على رائيه، وهو سدرة المنتهى. وبالجملة، فتوافق هذه الآيات ~~لآيات (التكوير) وتفسير بعضها بعضا، أمر لا خفاء به عند المتدبر، وكله رد ~~على المشركين المفترين، وإقسام على حقيقة الوحي والتنزيل، وصدق ما يخبر به، ~~لا سيما وهو صادق عندهم لا يكذبونه. فما بقي بعد التعنت والجحد إلا انتظار ~~سنة الله في أمثالهم من الأمم الكافرة الجاحدة، كما أشار له في آخر السورة. # هذا ملخص معنى الآيات، وما عداه فتوسع وحمل اللفظ على ما تجوزه مادته. ~~وكل ما يتسع له اللفظ هو المراد- والله الموفق-. # الثاني- ما قدمناه من رجوع الضمائر في قوله تعالى: ثم دنا فتدلى ... # إلخ إلى جبريل عليه السلام، هو الذي عول عليه عامة المفسرين، وقد أيدناه ~~بما رأيت. # قال الإمام ابن تيمية: الدنو والتدلي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه- ~~كما قالت عائشة وابن مسعود- والسياق يدل عليه، فإنه قال علمه شديد القوى ~~وهو جبريل، ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى فالضمائر كلها ~~راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وهو ذو المرة أي القوة، وهو الذي استوى ~~بالأفق الأعلى، ms4285 وهو الذي دنا فتدلى، فكان من محمد صلى الله عليه وسلم قدر ~~قوسين # PageV09P066 # أو أدنى، وهو الذي رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، رآه على صورته ~~مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. انتهى. # وروى البخاري «1» في هذه الآيات عن ابن مسعود قال: رأى جبريل له ستمائة ~~جناح. # وروى الترمذي «2» عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم رأى ~~جبريل، ولم يره في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في جياد- ~~مكان بمكة- له ستمائة جناح، قد سد الأفق. # وأما ما وقع في # حديث شريك في البخاري «3» # من قوله: (دنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) # ، فإن لم يكن ذلك من زيادة شريك، على ما ذهب إليه الإمام مسلم وغيره، فهو ~~دنو وتدل غير ما في سورة النجم، نؤمن به. ونفوض كيفيته إليه تعالى، كسائر ~~أخبار الصفات. # قال ابن كثير: قد تكلم كثير من الناس في رواية شريك، فإن صح فهو محمول ~~على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الأرض، لا ليلة الإسراء. ولهذا قال بعده ولقد ~~رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في ~~الأرض. انتهى. # وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: وقع في حديث شريك في الإسراء زيادة على ~~مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى الله عز وجل. وقول عائشة وابن ~~مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤية جبريل، أصح. # قال العماد بن كثير: وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة، ~~هو الحق، # فإن أبا ذر قال: يا رسول الله! رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه. # وفي رواية: رأيت نورا- أخرجه مسلم «4» -. # وقوله: ثم دنا فتدلى إنما هو جبريل عليه السلام، كما ثبت ذلك في ~~PageV09P067 # الصحيحين عن عائشة «1» وعن ابن مسعود «2» . وكذلك هو في صحيح مسلم «3» عن ~~أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير ms4286 هذه بهذا. انتهى. # وقال شمس الدين بن القيم في (زاد المعاد) : اختلف الصحابة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ~~ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، ~~وقال: إن قوله تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى إنما هو جبريل. # وصح عن أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه. # أي حال بيني وبين رؤيته النور، كما في لفظ آخر: رأيت نورا. # وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. # قال الإمام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس أنه رآه مناقضا لهذا، ولا قوله ~~رآه بفؤاده. وقد صح عنه أنه قال: رأيت ربي تبارك وتعالى، لكن لم يكن هذا في ~~الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن ~~رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه. وعلى هذا بنى الإمام أحمد ~~وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد. وأما قول ابن عباس: رآه ~~بفؤاده مرتين. فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى ثم ~~قال: ولقد رآه نزلة أخرى والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أن هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خلق عليها. انتهى. # وقال ابن كثير: أما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي عز وجل» # ، فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام، كما # رواه الإمام أحمد «4» أيضا عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: أتاني ربي الليلة في أحسن صورة (أحسبه، يعني في النوم) فقال: يا محمد! ~~أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: لا. فوضع يده بين كتفي حتى ~~PageV09P068 # وجدت بردها بين ثديي (أو قال نحري) فعلمت ما في السموات وما ms4287 في الأرض. ثم ~~قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: نعم! يختصمون في ~~الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قال: قلت: المكث في المساجد بعد ~~الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره! من ~~فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير. وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: قل يا ~~محمد إذا صليت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، ~~وإذا أردت بعبادك فتنة، أن تقبضني إليك غير مفتون. # قال: «والدرجات بذل الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» ~~. # ثم قال ابن كثير: وقوله تعالى: لقد رأى من آيات ربه الكبرى، كقوله: # لنريك من آياتنا الكبرى [طه: 23] ، أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا، ~~وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة، أن الرؤية تلك الليلة لم تقع. ~~لأنه قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك، ولقال ~~ذلك للناس. انتهى. # الثالث- ذهب بعضهم إلى أن هذه السورة أنزلت لإثبات المعراج النبوي، أعني: ~~عروجه صلى الله عليه وسلم، وصعوده وارتقاءه إلى ما فوق السموات السبع، كما ~~ذكر في أحاديث المعراج عن سدرة المنتهى فوق السماوات، ومشاهدة جبريل على ~~صورته. # قال القليوبي: لما كان الإسراء مقدما في الوجود على المعراج، لأنه ~~كالوسيلة والبرهان، إذ يلزم من التصديق بخوارق العادة فيه، التصديق ~~بالمعراج وما فيه. وكان ما في المعراج من الخوارق أعظم وأكثر، صدره تعالى ~~بالقسم الدال على تأكيد ثبوته، والرد على منكريه والطاعنين فيه، واستطرد مع ~~ذلك الرد على من نسب إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يجوز عليه، فقال والنجم ~~... إلخ انتهى. # ومما قدمنا يظهر أن نزول السورة لتأييد الرسالة النبوية، وتحقيق الوحي، ~~بأنه تعليم ملك كريم، مرئي للحضرة النبوية رؤية تدفع كل لبس، لا لإثبات ~~المعراج. # ثم من الغرائب أيضا هنا، قول بعضهم محاولا سر إفراد الإسراء عن المعراج، ~~وذكر كل في سورة، ما مثاله: إن الإسراء أنزل أولا وحده، حملا للمشركين على ~~تسليم ما وضح صدقه صلى الله عليه ms4288 وسلم فيه، توصلا للتصديق بما وراءه فإنه ~~صلى الله عليه وسلم أرشد أن يخبر المشركين أولا بالإسراء إلى المسجد ~~الأقصى، لأن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفون، مع علمهم بأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة # PageV09P069 # عليهم. وكذلك وقع، كما ذكر في الروايات. وعلى أثر هذا الإخبار أنزل بيان ~~الإسراء، ثم ألهم صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بالمعراج إلى ملكوت ~~السموات، ورؤية جبريل عليه السلام، وأنزل الله تصديقه في سورة النجم. ~~انتهى. فكل هذا مما لا سند له، نعم! روى البيهقي وابن أبي حاتم وابن جرير ~~في حديث مطول، أنه صلى الله عليه وسلم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب. إني ~~أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء ورأيت كذا وكذا، إلا أن يقال ~~ليس هذا من مرويات الصحيحين، ولا حجة في الأخبار إلا مرويهما. وبالجملة، ~~فالمعول عليه هو أن المعراج لم يرد له ذكر في القرآن مطلقا، وما ورد في هذه ~~السورة وسورة التكوير، فلا علاقة له بالمعراج، وإنما هي رؤية النبي صلوات ~~الله عليه لجبريل من الأرض على صورته الحقيقية كما تقدم. وأما المعراج ~~فإنما كان رؤيا منامية روحانية. لصريح حديث البخاري في ذلك من طرقه التي عن ~~أنس ومالك بن أبي صعصعة. قال بعضهم ولذلك لم يذكر في حديث المعراج، بحسب ~~رواية البخاري التي هي أصح الروايات بالإجماع، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سار أولا إلى بيت المقدس، بل المذكور فيه أنه سار مباشرة من مكة إلى السماء ~~الأولى، وكذلك لم يذكر فيه أن جبريل فارقه، ثم ظهر له عند سدرة المنتهى ~~بصورته الحقيقية، بل المذكور أنه كان مصاحبا له من أول المعراج إلى آخره ~~على صورة واحدة، وذلك يدل على أن ما ذكر في القرآن مما وقع يقظة، هو غير ما ~~ذكر في الحديث، مما وقع مناما في وقت آخر، وإلا لذكرا معا في سياق واحد، ~~إما في القرآن، وإما في أصح الأحاديث، وهو الأمر الذي لم يحصل إلا ms4289 في بعض ~~روايات لا يعول عليها، وهي من خلط بعض الرواة الحوادث بعضها ببعض. انتهى- ~~والله أعلم-. # ثم قال تعالى منكرا على المشركين عبادتهم الأوثان، واتخاذهم لها البيوت، ~~مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن لعبادته تعالى وحده، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 19 الى 20] # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) # أفرأيتم اللات قال ابن كثير: هي صخرة بيضاء منقوشة، وعليها بيت بالطائف ~~له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، هم ثقيف ومن تابعها، ~~يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. # PageV09P070 # قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا اللات يعنون ~~مؤنثة من لفظه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، كما قالوا: عمرو وعمرة. # وقال الزمخشري: هي فعلة من (لوى) لأنهم كانوا يلوون عليها، ويعكفون ~~للعبادة، أو يلتوون عليها، أي يطوفون. # وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا (اللات) بتشديد ~~التاء، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات ~~عكفوا على قبره وعبدوه. والعزى وهي شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين ~~مكة والطائف. # قال ابن جرير: اشتقوا اسمها من اسمه تعالى (العزيز) وقال الزمخشري: أصلها ~~تأنيث الأعز. # ومناة الثالثة الأخرى وهي صخرة كانت بالمشلل عند قديد، بين مكة والمدينة ~~وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، ويهلون منها للحج إلى ~~الكعبة. # روى البخاري عن عائشة نحوه. # قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: # اللات والعزى ومناة الثالثة، أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة ~~يعبدونها. # انتهى. ### | تنبيهات: # الأول- قال القاضي: (مناة) فعلة، من مناه إذا قطعه. فإنهم كانوا يذبحون ~~عندها القرابين. ومنه سميت (منى) لأنه يمنى فيها القرابين، أي ينحر. # وقال الزمخشري: وكأنها سميت (مناة) لأن دماء المناسك كانت تمنى عندها، أي ~~تراق. وقرئ (مناءة) مفعلة من (النوء) ، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ~~تبركا بها. # فإن قيل: كونها ثالثة وأخرى مغايرة لما تقدمها، معلوم غير محتاج للبيان. # وأجيب: ms4290 بأنهما صفتان للتأكيد، أو الثالثة للتأكيد، والأخرى بيان لها، ~~لأنها مؤخرة رتبة عندهم، عن اللات والعزى. # PageV09P071 # قال الناصر: (الأخرى) ما يثبت آخرا، ولا شك أنه في الأصل مشتق من التأخير ~~الوجودي، إلا أن العرب عدلت به عن الاستعمال في التأخير الوجودي، إلى ~~الاستعمال، حيث يتقدم ذكر معاير لا غير حتى سلبته دلالته على المعنى ~~الأصلي، بخلاف (آخر) و (آخرة) على وزن فاعل وفاعلة، فإن إشعارها بالتأخير ~~الوجودي، ثابت لم يغير، ومن ثم عدلوا عن أن يقولوا ربيع الآخر، على وزن ~~الأفعل، وجمادى الأخرى، إلى ربيع الآخر على وزن فاعل، وجمادى الآخرة على ~~وزن فاعلة، لأنهم أرادوا أن يفهموا التأخير الوجودي، لأن (الأفعل) و ~~(الفعلى) من هذا الاشتقاق مسلوب الدلالة على غرضهم، فعدلوا عنها إلى الآخر ~~والآخرة والتزموا ذلك فيهما. # وهذا البحث مما كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى قد حرره ~~آخر مدته، وهو الحق إن شاء الله تعالى، وحينئذ يكون المراد الإشعار بتقدم ~~مغاير في الذكر مع ما نعتقده في الوفاء بفاصلة رأس الآية. انتهى. # الثاني- قال ابن كثير: كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب ~~كتعظيم الكعبة، غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد ~~هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها. # قال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي ~~بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب. ويهدى لها كما يهدى للكعبة، ~~وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها ~~كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام ومسجده. فكافت لقريش ولبني ~~كنانة (العزى) بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني ~~هاشم. وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل ~~يقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك # روى النسائي عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة بعث خالدين الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد، وكانت ms4291 على ~~ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره فقال: ارجع، فإنك لم تصنع شيئا. فرجع خالد. فلما ~~أبصر السدنة وهم حجبتها، أمعنوا في الحيل وهم يقولون: يا عزى! يا عزى! ~~فأتاها خالد. فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها. تحفن التراب على رأسها، ~~فغمسها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~فقال: تلك العزى! # PageV09P072 # قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني ~~معتب، وقد بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة وأبا ~~سفيان صخر بن حرب فدماها، وجعلا مكانها مسجدا بالطائف. # قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ~~ساحل البحر، من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليها أبا سفيان، صخر بن حرب فهدمها. ويقال: علي بن أبي طالب. انتهى. # الثالث- قال ابن جرير: اختلف أهل العربية في وجه الوقف على (اللات) و ~~(منات) فكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا سكت قلت اللات، وكذلك مناة، تقول ~~منات. وقال: قال بعضهم: اللات، فجعله من اللت الذي يلت. ولغة العرب يسكتون ~~على ما فيه الهاء بالتاء، يقولون: رأيت طلحت. وكل شيء مكتوب بالهاء فإنها ~~تقف عليه بالتاء، نحو نعمة ربك، وشجرة. وكان بعض نحويي الكوفة يقف على ~~(اللات) بالهاء. وكان غيره منهم يقول: الاختيار في كل ما لم يضف، أن يكون ~~بالهاء رحمة من ربي [الكهف: 98] ، وشجرة تخرج [المؤمنون: 20] ، وما كان ~~مضافا فجائز بالهاء والتاء، فالتاء للإضافة، والهاء لأنه يفرد ويوقف عليه ~~دون الثاني. وهذا القول الثالث أفشى اللغات وأكثرها في العرب، وإن كان ~~للأخرى وجه معروف. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 21 الى 22] # ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) # ألكم الذكر وله الأنثى قال الزمخشري: كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه ~~الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى، ~~مع وأدهم البنات، ms4292 فقيل لهم: ألكم الذكر وله الأنثى ويجوز أن يراد أن اللات ~~والعزى ومنات إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث، ~~وتستنكفوا من أن يولدن لكم، وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا ~~لله، وتسمونهن آلهة؟ انتهى. ### | لطيفة: # قال الشهاب: قد مر مرارا الكلام في أرأيت وأنها بمعنى (أخبرني) وفي كيفية ~~دلالتها على ذلك، واختلاف النحاة في فعل الرؤية فيه، هل هو بصري؟ فتكون # PageV09P073 # الجملة الاستفهامية بعدها مستأنفة لبيان المستخبر عنه. وهو الذي اختاره ~~الرضي. # أو علمية، فتكون في محل المفعول الثاني، فالرابط حينئذ أنها في تأويل: ~~أهي بنات الله؟ # قال السمين: وكأن أصل التركيب: ألكم الذكر، وله هن، أي: تلك الأصنام. # وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأس فاصلة. # وقوله تعالى: تلك إشارة إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية إذا ~~قسمة ضيزى أي جائرة، غير مستوية، ناقصة غير تامة، لأنكم جعلتم لربكم من ~~لولد والند ما تكرهون لأنفسكم، وآثرتم أنفسكم بما ترضونه. # قال ابن جرير: والعرب تقول (ضزته حقه) بكسر الضاد، و (ضزته) بضمها، فأنا ~~أضيزه وأضوزه، وذلك إذا نقصته حقه ومنعته. ### | تنبيه: # قال السمين: قرأ ابن كثير (ضئزى) بهمزة ساكنة، والباقون بياء مكانها. ~~وقرأ زيد بن علي (ضيزى) بفتح الضاد والياء الساكنة. فأما قراءة العامة ~~فتحتمل أن تكون من (ضازه يضيزه) إذا ضامه وجار عليه، فمعنى (ضيزى) جائرة. ~~وعلى هذا فتحتمل وجهين: أحدهما- أن تكون صفة على (فعلى) بضم الفاء، وإنما ~~كسرت الفاء لتصح الياء كبيض. # فإن قيل: وأي ضرورة إلى أن يقدر أصلها ضم الفاء، ولم لا قيل (فعلى) ~~بالكسر؟. # فالجواب: أن سيبويه حكى أنه لم يرد في الصفات (فعلى) بكسر الفاء، وإنما ~~ورد بضمها، نحو حبلى وأنثى وربى وما أشبهه، إلا أن غيره حكى في الصفات ذلك. # حكى ثعلب: مشية حيكى، ورجل كيسي. وحكى غيره: امرأة عزهى وامرأة سعلى. # وهذا لا ينقض على سيبويه لأنه يقول في (حيكى وكيسي) كقوله في (ضيزى) لتصح ~~الياء. وأما عزهى وسعلى فالمشهور فيهما عزهاة سعلاة. # والوجه الثاني- أن تكون مصدرا ms4293 كذكرى. قال الكسائي: يقال ضاز يضيز ضيزى، ~~كذكر يذكر ذكرى. ويحتمل أن يكون من (ضأزه) بالهمزة كقراءة ابن كثير، إلا ~~أنه خفف همزها، وإن لم يكن من أصول القراء كلهم إبدال مثل هذه الهمزة ياء، ~~لكنها لغة التزمت، فقرأوا بها. ومعنى ضأزه يضأزه بالهمزة، نقصه ظلما وجورا، ~~وهو # PageV09P074 # قريب من الأول. و (ضيزي) في قراءة ابن كثير مصدر وصف به، ولا يكون وصفا ~~أصليا. لما تقدم عن سيبويه. # فإن قيل: لم لا قيل في (ضئزى) بالكسر والهمز، أن أصله ضيزى بالضم فكسرت ~~الفاء، لما قيل فيها مع الياء؟ # فالجواب: أنه لا موجب هنا للتغيير، إذ الضم مع الهمز لا يستثقل استثقاله ~~مع الياء الساكنة وسمع منهم (ضؤزى) بضم الضاد مع الواو والهمزة. # وأما قراءة زيد فيحتمل أن تكون مصدرا وصف به، كدعوى، وأن تكون صفة كسكرى ~~وعطشى. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 23] # إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) # إن هي أي الأصنام المذكورة باعتبار الألوهية التي يدعونها لها إلا أسماء ~~أي محضة ليس تحتها مما تنبئ هي عنه من معنى الألوهية، شيء ما أصلا. # أي ليس لها نصيب منها إلا إطلاق تلك الأسماء عليها. # قال الشهاب: والمراد لا نصيب لها أصلا، ولا وجه لتسميتها بذلك، ولو كانت ~~الألوهية متحققة بمجرد التسمية كانت آلهة، فهو من نفي الشيء بإثباته، أو هو ~~ادعاء محض لا طائل تحته. سميتموها أي جعلتموها أسماء مع خلوها عن المسميات ~~أنتم وآباؤكم أي بمقتضى أهوائكم. وتقليد التابع للمتبوع ما أنزل الله بها ~~من سلطان أي برهان يتعلق به إن يتبعون إلا الظن أي إلا توهم أن ما هم عليه ~~حق وما تهوى الأنفس أي تشتهيه أنفسهم. # قال ابن جرير: لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله، ولا عن رسول من ~~الله أخبرهم به، وإنما هو اختلاق من قبل أنفسهم، أو أخذوه عن ms4294 آبائهم الذين ~~كانوا من الكفر بالله على مثل ما هم عليه منه ولقد جاءهم من ربهم الهدى أي ~~الدليل الواضح، والبيان بالوحي أن عبادتها لا تنبغي وأنه لا تصلح العبادة ~~إلا له تعالى وحده. # قال أبو السعود: والجملة حال من فاعل يتبعون أو اعتراض. وأيا ما كان، ~~ففيه تأكيد لبطلان اتباع الظن، وهوى النفس، وزيادة تقبيح لحالهم، فإن ~~اتباعهما # PageV09P075 # من أي شخص كان، قبيح. وممن هداه الله تعالى بإرسال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وإنزال الكتب، أقبح. ### | تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : استدل بقوله: إن هي إلا أسماء.. إلخ على أن ~~اللغات توقيفية. ووجهه أنه تعالى ذمهم على تسمية بعض الأشياء بما سموها به، ~~ولولا أن تسمية غيرها من الله توقيف، لما صح هذا الذم، لكون الكل اصطلاحا ~~منهم. # واستدل بقوله تعالى: إن يتبعون إلا الظن إلخ على إبطال التقليد في ~~العقائد واستدل به الظاهرية على إبطاله مطلقا، أو إبطال القياس. # أخرج ابن أبي حاتم عن عمر قال: احذروا هذا الرأي على الدين، فإنما كان ~~الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا لأن الله كان يريه، وإنما هو ~~منا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية # 24] # أم للإنسان ما تمنى (24) # أم للإنسان ما تمنى أي ليس له ما يشتهيه من الأمور التي منها طمعه الفارغ ~~في شفاعة الأنداد، وتعنته في دفاع اليقين بالظن، وتركه نفسه وهواها بلا شرع ~~يقيده ولا مهيمن يزعه. فإن ذلك من المحالات في نظر العقل السليم، كقوله: ~~ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب [النساء: 123] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 25] # فلله الآخرة والأولى (25) # فلله الآخرة والأولى أي فمصير الأمر فيهما له تعالى، لا للإنسان حسب ما ~~تسول له نفسه الأمارة بالسوء، كما قال: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض إلخ [المؤمنون: 71] ، ولذا أرسل له الرسل، وانزل الكتب، ~~قطعا للمعاذير. # ونبهه بالعقل على سبل السعادة التي لا تخفى على بصير. ms4295 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 26] # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) # PageV09P076 # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى هذا توبيخ من الله تعالى لعبدة الأوثان، بإقناطهم عما علقوا ~~به أطماعهم من شفاعة أوثانهم، بأن ملائكته الكرام لا يتفوهون بالشفاعة إلا ~~من بعد إذنه ورضاه. فإنى لهذه الطواغيت أن تفتات على هذا المقام، ولها من ~~الذلة والصغار ما يبعدها عنه بألف منزل. # ثم أشار إلى طغيان آخر للمشركين، بقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية # 27] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى أي تسمية ~~الإناث، وذلك أنهم كانوا يقولون: هم بنات الله. فالأنثى بمعنى الإناث، ~~لأنهم اسم جنس يتناول الكثير والقليل. وقيل: بمعنى الطائفة الأنثى. وقيل: ~~منصوب بنزع الخافض على التشبيه، فلا تمس الحاجة إلى الجمعية. وقيل: أفرد ~~لرعاية الفاصلة. وقيل: # الملائكة في معنى استغراق المفرد، أي ليسمون كل واحد منهم بنتا، وهي ~~تسمية الأنثى، على وزان (كسانا الأمير حلة) أي كسا كل واحد منا حلة، ~~والإفراد لعدم اللبس. # قال أبو السعود: وفي تعليقها بعدم الإيمان بالآخرة، إشعار بأنها في ~~الشناعة والفظاعة، واستتباع العقوبة في الآخرة، بحيث لا يجترئ عليها إلا من ~~لا يؤمن بها رأسا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 28 الى 29] # وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ~~(28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) # وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي ~~لا يفيد فائدته، ولا يقوم مقامه، وذلك لأن حقيقة الشيء وما هو عليه، إنما ~~تدرك إدراكا معتدا به، إذا كان عن يقين، لا عن ظن وتوهم فأعرض عن من تولى ms4296 ~~عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا أي من هؤلاء الكفرة الذين يرون غاية ~~سعادتهم التنعم بلذائذها، لقصر نظرهم على المحسوسات. والمراد من (الإعراض) ~~هجرهم هجرا # PageV09P077 # جميلا، وترك إيذائهم. وقول الزمخشري: أي أعرض عن دعوة من رأيته معرضا عن ~~ذكر الله ... إلخ- لا يصح. لأن الصدع بالحق لا تسامح فيه، لا سيما والدعوة ~~للمعرضين، وهي تستلزم أن يحاجوا به بمنتهى الطاقة لقوله تعالى: وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا [الفرقان: 52] ، وإنما معنى الآية: فاصفح عنهم ودع أذاهم في ~~مقابلة ما يجهلون به عليك، كما بين ذلك في مواضع من التنزيل، والقرآن يفسر ~~بعضه بعضا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 30] # ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~(30) # ذلك مبلغهم من العلم يعني أمر الدنيا منتهى علمهم، لا علم لهم فوقه. # ومن كان هذا أقصى معارفه، فما على داعيه إلا الصفح عنه، والصبر على جهله. # و (مبلغ) اسم مكان مجازا، كأنه محل وقف فيه علمهم ادعاء- كما حققه ~~الشهاب- والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة ~~الدنيا، ثم علل الأمر بالإعراض بقوله سبحانه: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى أي: ولا بد أن يعاملهم بموجب علمه فيهم، فيجزي ~~كلا بما يقتضيه عمله، وتقديم العلم بمن ضل، لأنهم المقصودون من الخطاب، ~~والسياق فيهم. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 31] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) # ولله ما في السماوات وما في الأرض تنبيه على سعة ملكه، وعظمة قدرته، وأن ~~ما فيهما من قبضته، فلا يعجزه جزاء هؤلاء الفجرة، كما قال: ليجزي الذين ~~أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى أي بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة ~~ثم بين صفات هؤلاء المحسنين، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 32] # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم ms4297 إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # PageV09P078 # الذين يجتنبون كبائر الإثم يعني ما كبر الوعيد عليه من المناهي والفواحش ~~يعني ما فحش منها. والعطف إما من عطف أحد المترادفين أو الخاص على العام ~~إلا اللمم أي الصغائر من الذنوب. ومثله أبو هريرة بالقبلة والغمزة والنظرة- ~~فيما رواه ابن جرير- وأصل معناه: ما قل قدره. ومنه: لمة الشعر، لأنها دون ~~الوفرة. وقيل: معناه الدنو من الشيء دون ارتكاب له. والاستثناء منقطع على ~~ما ذكر. أي إلا اللمم بما دون الكبائر والفواحش، فإنه عفو. وقيل: متصل، ~~والمراد مطلق الذنوب. وقيل: إنه لا استثناء فيه أصلا. و (إلا) صفة بمعنى ~~غير- وتفصيله في (العناية) -. # وحكى ابن جرير عن ابن عباس وغيره أن معنى (اللمم) ما قد سلف لهم مما ~~ألموا به من الفواحش والكبائر في الجاهلية قبل الإسلام، وغفرها لهم حين ~~أسلموا. # وعن ابن عباس أيضا قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب ولا يعود. # قال: # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # وقال الحسن: (اللمم) أن يقع الوقعة ثم ينتهي. وكل هذا ما يتناوله اللفظ ~~الكريم والأقوى في معناه هو الأول. ولذا استدل بالآية على تكفير الصغائر ~~باجتناب الكبائر كما قال تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم [النساء: 31] . # إن ربك واسع المغفرة قال ابن جرير: أي واسع عفوه للمذنبين الذين لم تبلغ ~~ذنوبهم الفواحش وكبائر الإثم هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض قال ابن جرير: ~~أي أحدثكم منها بخلق أبيكم آدم منها وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم أي ~~حيثما يصوركم في الأرحام فلا تزكوا أنفسكم أي تشهدوا لها بأنها زكية بريئة ~~من الذنوب والمعاصي. والمراد به الثناء تمدحا أو رياء هو أعلم بمن اتقى أي ~~بمن اتقاه فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه وأصلح. وهذا كقوله تعالى: ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ms4298 [النساء: 49] . # وفي الصحيحين «1» عن أبي بكرة قال: مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال PageV09P079 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! قطعت عنق صاحبك (مرارا) إذا كان ~~أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، ولا أزكي على ~~الله أحدا # ، أحسبه: # كذا وكذا إن كان يعلم ذلك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 33 الى # 35] # أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(35) # أفرأيت الذي تولى أي عن الذكر بعد إذ جاءه، كما قال تعالى: فلا صدق ولا ~~صلى ولكن كذب وتولى [القيامة: 31- 32] . وأعطى قليلا وأكدى أي قطع العطاء ~~بخلا وشحا أعنده علم الغيب فهو يرى أي يراه حتى يحكم على نفسه بالتزكية ~~والنجاة والفوز؟. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 36 الى 37] # أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) # أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أي بالغ في الوفاء بما ~~عاهد الله عليه، كما قال: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن. [البقرة: ~~124] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 38] # ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) # ألا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها. بل كل آثمة، فإن ~~إثمها عليها. # قال القاشاني: لأن العقاب يترتب على هيئات مظلمة رسخت في النفس بتكرار ~~الأفاعيل والأقاويل السيئة التي هي الذنوب، وكذلك الذنوب. وكذلك الثواب، ~~إنما يترتب على أضدادها من هيئات الفضائل، كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : آية 39] # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أي: إلا سعيه وكسبه. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن جرير: إنما عنى بقوله: ألا تزر وازرة وزر أخرى الذي # PageV09P080 # ضمن للوليد بن المغيرة أن يتحمل عنه عذاب الله يوم القيامة! يقول: ألم ~~يخبر قائل هذا القول، وضامن هذا الضمان، بالذي في صحف موسى وإبراهيم مكتوب: ~~أن لا تأثم آثمة إثم أخرى غيرها وأن ليس للإنسان إلا ما ms4299 سعى أي: وأنه لا ~~يجازى عامل إلا بعمله، خيرا: كان أو شرا. انتهى. # وظاهر السياق يشعر بنزول الآيات ردا على ما كانوا يتخرصونه ويتمنونه، ~~ويتحكمون فيه على الغيب لجاجا وجهلا. ومع ذلك فمفهومها الشمولي جلي. # الثاني: قال السيوطي في (الإكليل) : استدل به على عدم دخول النيابة في ~~العبادات عن الحي والميت. واستدل به الشافعي على أن ثواب القراءة لا يلحق ~~الأموات. انتهى. # وقال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن تبعه ~~أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ~~ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، ولا حثهم عليه، ولا ~~أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ~~ولو كان خيرا لسبقونا إليه. # وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة ~~والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع ~~عليهما. # وأما # الحديث الذي رواه مسلم «1» في صحيحه عن أبي هريرة قال «قال رسول الله إذا ~~مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية ~~من بعده، أو علم ينتفع به» # - فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في # الحديث «2» # «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه. والصدقة الجارية- ~~كالوقف ونحوه- هي من آثار عمله ووقفه» # ، وقد قال تعالى: إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم [يس: 12] . ~~والعلم الذي نشره في الناس، فاقتدى به الناس بعده، هو أيضا من سعيه وعمله. # وثبت في الصحيح «3» : من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من ~~اتبعهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا. انتهى. PageV09P081 # الثالث- قال الرازي: المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة، أو بيان ~~كل عمل. نقول: المشهور أنها لكل عمل، فالخير مثاب عليه، والشر معاقب به، ~~والظاهر أنه لبيان الخيرات، يدل عليه اللام في قوله تعالى للإنسان فإن ~~اللام ms4300 لعود المنافع، و (على) لعود المضار. تقول: هذا له، وهذا عليه، ويشهد ~~له، ويشهد عليه، في المنافع والمضار. وللقائل الأول أن يقول بأن الأمرين ~~إذا اجتمعا غلب الأفضل، كجموع السلامة تذكر، إذا اجتمعت الإناث مع الذكور. ~~وأيضا يدل عليه قوله تعالى ثم يجزاه الجزاء الأوفى والأوفى لا يكون إلا في ~~مقابلة الحسنة، وأما في السيئة فالمثل أو دونه، أو العفو بالكلية. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 40 الى # 41] # وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) # وأن سعيه سوف يرى أي يراه، ويعرض عليه، ويكشف له. من (أريت الشيء) أو يرى ~~للخلق وللملائكة. ففيه بشارة للمؤمن، وإفراح له، ونذارة للكافر، وإرهاب له، ~~أو هو من (رأى) المجرد. أي يراه. كقوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله [التوبة: 105] ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى أي يجزى سعيه جزاء وافرا لا ~~يبخس منه شيئا. # قال الشهاب: أصله يجزي الله الإنسان سعيه، ف (الجزاء) منصوب بنزع الخافض، ~~و (سعيه) هو المفعول الثاني، وهو يتعدى له بنفسه. نحو: جزاك الله خيرا. # وجزاؤه سعيه بمعنى جزائه بمثله. أو هو مجاز. وقيل: المنصوب بنزع الخافض ~~الضمير، والتقدير: بسعيه أو على سعيه- كما في (الكشاف) -. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 42 الى 49] # وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا ~~(44) وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) # وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى ~~(49) # وأن إلى ربك المنتهى أي انتهاء الخلق، ورجوعهم لمجازاتهم. والمخاطب وإما ~~عام، أي أيها السامع أو العاقل، ففيه وعد ووعيد أو خاص بالنبي صلوات الله ~~عليه، ففيه تسلية عما كان يلاقيه من جفاء قومه وجهلهم. # PageV09P082 # ثم أشار إلى بعض آياته الدالة على انفراده بالألوهية، بقوله تعالى: وأنه ~~هو أضحك وأبكى أي خلق قوتي الضحك والبكاء، أو أضحك أهل الجنة في الجنة، ~~وأبكى أهل النار في النار، أو من شاء من أهل الدنيا، أو أعم. # قال الرازي: ms4301 اختار هذين الوصفين لأنهما أمران لا يعللان، فلا يقدر أحد من ~~الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بهما سببا، وإذا لم يعلل بأمر، فلا بد ~~له من موجد، وهو الله تعالى. وأطال في ذلك وأطاب، رحمه الله تعالى. # وأنه هو أمات وأحيا أي أمات من شاء من خلقه، وأحيى من شاء قال ابن جرير ~~وعنى بقوله أحيا نفخ الروح في النطفة الميتة، فجعلها حية بتصييره الروح ~~فيها وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى أي ابتدع إنشاءهما ~~من نطفة إذا تدفق في الرحم. وأن عليه النشأة الأخرى أي إعادة الخلق بعد ~~مماتهم في نشاة أخرى لا تعلم، كما قال: وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة: 61] ، وذلك للحساب والجزاء، المرتب على أعمال الخير والشر، ~~بالمصير إلى الجنة أو النار وأنه هو أغنى وأقنى أي أغنى من شاء بالمال. و ~~(أقناه) أي جعل له قنية، وهو ما يدخره من أشرف أمواله. وأنه هو رب الشعرى ~~وهو نجم مضيء خلف الجوزاء، وكان بعض أهل الجاهلية يعبده. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 50 الى # 56] # وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) # فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) # وأنه أهلك عادا الأولى يعني قوم هود. وسميت الأولى لتقدمها في الزمان. ~~وثمود أي قوم صالح فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم أي أشد في ~~كفرهم وأطغى أي أشد طغيانا وعصيانا من الذين أهلكوا بعدهم، لتمردهم على ~~الكفر، ورد دعوته، في طول مدته بينهم، وهي أطول مدد الأنبياء عليهم السلام. ~~والمؤتفكة أي قرى قوم لوط التي ائتفكت بأهلها، أي انقلبت. # أهوى أي أهواها على أهلها ودمرها. فغشاها ما غشى أي من العذاب السماوي ~~الذي صب عليها. فبأي آلاء ربك أي نعمائه. تتمارى أي ترتاب وتشك وتجادل في ~~أنها ليست من عنده، وهو الذي أنعم بالإغناء والإقناء وإرسال # PageV09P083 # الرسل، وقهر أعدائهم. ms4302 هذا أي القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من ~~جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. أو هذا الرسول نذير من جنس ~~من تقدمه، ليس بدعا من الرسل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 57 الى 58] # أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) # أزفت الآزفة أي قربت القيامة الموصوفة بالقرب. فاللام في الآزفة للعهد ~~وقيل: الآزفة علم بالغلبة للساعة هنا، لئلا يلزم وصف القريب بالقريب. # قال الشهاب: وفيه نظر، لأن وصف القريب بالقرب يفيد المبالغة في قربه، كما ~~يدل عليه الافتعال في (اقتربت) . # ليس لها من دون الله كاشفة أي ليس لقيامها غير الله مبين لوقتها، كقوله: # لا يجليها لوقتها إلا هو [الأعراف: 187] ، وكاشفة صفة محذوف، أي نفس ~~كاشفة، أو حال كاشفة. أو التاء للمبالغة. أو هو مصدر بني على التأنيث ومن ~~دون الله بمعنى غير الله، أو إلا الله. وقيل: الكشف بمعنى الإزالة. أي ليس ~~لها نفس كاشفة إذا وقعت، إلا هو تعالى، من (كشف الغماء) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النجم (53) : الآيات 59 الى 62] # أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) ~~فاسجدوا لله واعبدوا (62) # أفمن هذا الحديث يعني القرآن الذي قص ما تقدم، وأنذر بما أخبر تعجبون أي: ~~تعجب إنكار مع أن ما حواه مما يلجئ إلى الإذعان والإقرار، بل مما يفيض ~~لحقيته الدمع المدرار، كما قال وتضحكون أي استهزاء ولا تبكون أي مما فيه من ~~وعيد للعصاة، ومما فرط منكم قبل سماع ذكراه كما يفعله الموقنون به، المحدث ~~عنهم في آية ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا [الإسراء: # 109] ، وأنتم سامدون أي لاهون عما فيه من العبر، معرضون عن آياته كبرا. # قال مجاهد: كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم غضابا مبرطمين، أي: ~~شامخين. # وعن ابن عباس: هو الغناء: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا، وهي لغة ~~أهل اليمن. يقولون: اسمد لنا: تغن لنا. والمآل واحد. وإن اختلفت العبارة ~~عنه. ولا ريب # PageV09P084 # أن كل ذلك مما كان يصدر عن المشركين. ms4303 # قال في (الإكليل) : فيه استحباب البكاء عند القراءة، وذم الضحك والغناء، ~~واللهو واللعب والغفلة. كما فسر بالأربعة قوله: سامدون وفسره السدي ~~بالاستكبار. # فاسجدوا لله واعبدوا أي واعبدوه دون من سواه من الأوثان، فإنه لا ينبغي ~~أن تكون العبادة إلا له، فلا تجعلوا له شريكا في عبادته. # وعن عبد الله بن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة (والنجم) فسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه.. الحديث. # وتقدم في أول السورة. # وروى الإمام أحمد «1» عن المطلب بن وداعة قال: قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة سورة النجم. فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد- ~~ولم يكن أسلم يومئذ المطلب- فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا قرأها إلا سجد معه- ~~ورواه النسائي- PageV09P085 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القمر # وتسمى سورة اقتربت الساعة وهي مكية. وآيها خمس وخمسون. # قال ابن كثير: ورد في حديث أبي واقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ بقاف وو اقتربت الساعة في الأضحى والفطر. وكان يقرأ بهما في المحافل ~~الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد، ~~وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) # اقتربت الساعة أي دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة. كما قال: أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه [النحل: 1] ، وقال: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة ~~معرضون [الأنبياء: 1] . # قال ابن جرير: وهذا من الله تعالى إنذاره لعباده بدنو القيامة، وقرب فناء ~~الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة، قبل هجومها عليهم، وهم عنها ~~في غفلة ساهون. وانشق القمر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 2] # وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) # وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر قال ابن جرير: كان ذلك، فيما ذكر، ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة. ~~وذلك أن كفار # PageV09P086 # أهل مكة سألوه آية، فأراهم صلى الله عليه ms4304 وسلم انشقاق القمر حجة على صدق ~~قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذبوا، وقالوا هذا سحر مستمر، ~~سحرنا محمد. ثم روى ذلك عن أنس وابن مسعود وابن عباس، وغير واحد من ~~التابعين. # وقال القاضي عياض في (الشفا) أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، ~~وإعراض الكفرة عن آياته. وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه، ثم سرد ~~الآثار في ذلك. # وزعم ابن كثير أن أحاديثه متواترة، إلا أن الشهاب نقل عن الإمام الخطابي ~~أن معجزاته صلى الله عليه وسلم، غير القرآن، لم تتواتر. والحكمة فيه أنها ~~لو تواترت كانت عامة، والمعجزة إذا عمت أهلك الله من كذبها، كما جرت به ~~العادة الإلهية. والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة، وأمن الله أمته من ~~عذاب الاستئصال. # ثم قال: وسبب تعرضهم للتواتر طعن بعض الملاحدة بأن القمر يشاهده كل أحد، ~~فلو انقسم قطعتين تواتر وشاع في جميع الناس، ولم يخف على أحد. والطبائع ~~حريصة على إشاعة ما لم يعهد مثله، ولا أغرب من هذا. مع أن الملازمة غير ~~لازمة، لأنه في الليل، وزمان الغفلة. ولا يلزم امتداده. ولا أن يرى إذ ذاك ~~في جميع الآفاق، لاختلاف المطالع. انتهى. # وقد ذكر ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) أن الذي طعن في تلك الآثار ~~المروية عن ابن مسعود هو النظام، إلا أنه لم ينقل تأويله للآية على رأيه، ~~ولعله هو القول الثاني الذي حكاه الزمخشري والبيضاوي، ورواه أبو السعود عن ~~عثمان بن عطاء عن أبيه أن المعنى: وسينشق القمر، يعني يوم القيامة وإذا ~~انكدرت النجوم وانتثرت. والمراد بالآية إما القرآن أو ما يقترحونه لو ~~أجيبوا إلى طلبه. # ومعنى مستمر دائم مطرد، أو محكم قوي، من (مررت الحبل) إذا أحكمت فتله. أو ~~مار ذاهب لا يبقى، تعليلا لأنفسهم بالأماني الفارغة. أو منفور عنه لشدة ~~مرارته مجازا. # وجملة (وإن يروا) مستأنفة أو حالية. # قال الشهاب: ولو كانت هذه الجملة حالية، والمعنى. أن الساعة اقتربت، ~~وانشق القمر فيها دنا زمانه، وظهرت آثاره، والحال أنهم مصرون على العناد- ~~كان منتظما أتم ms4305 انتظام، ولا ضير فيه سوى مخالفته للمنقول عن السلف في ~~تفسيرها، فتأمل. انتهى. # أقول ولي هاهنا كلمة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن الرمي بالإلحاد ~~لمنكر # PageV09P087 # حديث غير مجمع على تواتره، جناية كبرى، وزلة عظمى. فإن باب التفكير ~~والتضليل، ليس بالأمر القليل. ولأجله صنف حجة الإسلام الغزالي كتابه (فيصل ~~التفرقة) ودمغ بحججه أولئك المتعصبين الذين سهل عليهم الرمي لمن خالفهم ~~بالزندقة. ولعمر الحق إن هذا مما فرق الكلمة، ونفر حملة العلم عن تعرف ~~المشارب والآراء، حتى أصبح باب التوسع في العلم مرتجا، ومحيطة بعد مده ~~منحسرا، إذ هجرت كتب الفرق الأخرى بل أحرقت، وأهين من يتأثلها، ورمى ~~بالابتداع أو التزندق، كما يمر كثير من مثل هذا بمطالع كتب التاريخ وطبقات ~~الرجال، فلا جرم نسيت الأقوال الباقية، وعدت من الشاذ غير المقبول. وإذا ~~ألصق اسم الإلحاد بقائلها فماذا يكون حالها؟ وهذا، كما لا يخفاك، حيف على ~~قواعد العلم، وغل للأفكار. # نعم! تفلت منهم علم الأصول، فلم تزل الأقوال الغريبة تتراءى على صفحاته، ~~وإن كان مما يغمز كثير منها، إلا أنها سارت تلج آذانهم، ويحتج بها عليهم. ~~وقد تنبه كثير من المحققين لما ذكرناه، وأشاروا له في مواضع، فقرروا في كتب ~~العقائد أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة. # وقال العلامة الفناري في (فصول البدائع) : ولا يضلل جاحد الآحاد. # وقال الإمام ابن تيمية الصواب أن من رد الخبر الصحيح، كما كانت الصحابة ~~ترده، لاعتقاد غلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن ~~الرسول لا يقول هذا، فإن هذا لا يكفر ولا يفسق، وإن لم يكن اعتقاده مطابقا. ~~فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل ~~الحديث. انتهى. # وذكر الغزالي في (الإحياء) في كتاب آداب تلاوة القرآن في الباب الثالث في ~~أعمال الباطن في التلاوة أن من أركانها التخلي عن موانع الفهم. قال: فإن ~~أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على ~~قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار ms4306 القرآن. وحجب الفهم أربعة. إلى أن قال: # وثانيها- أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه ~~التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة. # فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه، فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده، ~~فصار نظره موقوفا على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني ~~التي تباين مسموعه، حمل عليه شيطان التقليد حملة، وقال: كيف يخطر هذا ~~ببالك، وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أن ذلك غرور الشيطان فيتباعد منه، ~~ويحترز عن مثله. ثم قال: # PageV09P088 # رابعها- أن يكون قرأ تفسيرا ظاهر، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ~~ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير ~~بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار، فهذا أيضا من ~~الحجب العظيمة. ثم قال: # وسنبين معنى التفسير بالرأي، وأن ذلك لا يناقض قول علي رضي الله عنه: إلا ~~أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن. وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول، ~~لما اختلف الناس فيه. # ثم ذكر بعد، عليه الرحمة، أن النهي عن التفسير بالرأي ينزل على أحد ~~وجهين: # أحدهما- أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول ~~القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، كالمحتج على تصحيح بدعة ~~بتأويل يخترعه تلبيسا على خصمه، وكالجاهل المتقحم يتأول ما شاء هواه. # وثانيهما- أن يتسارع إلى التأويل بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع ~~والنقل فيما يتعلق بغرائب التنزيل. انتهى. # ويأتي مثل البحث في كثير من المواضع التي فسرها بعض السلف بشيء، أو روى ~~فيها ما أنكره غيره لما قام لديه. ولا ملام في معترك الأفهام- وبالله ~~التوفيق- ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 3] # وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) # وكذبوا أي بآيات الله بعد ما أتتهم حقيقتها واتبعوا أهواءهم أي ما زين ~~لهم من دفع الحق مما وجدوا عليه آباءهم وكل أمر مستقر أي كل أمر لا بد أن ~~يصير إلى ms4307 غاية يستقر عليها. تعريض بأن أمر الرسول لا بد أن يستقر إلى غاية، ~~هي الظهور والنصرة وأمر مكذبيه إلى الخذلان والشقاوة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 4 الى # 5] # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) # ولقد جاءهم من الأنباء أي عن القرون الخالية، والحقائق الكونية، مما ~~يستحيل أن يأتي به أمي غيره صلوات الله عليه ما فيه مزدجر أي مرتدع عما هم ~~مقيمون عليه من التكذيب والغفلة واللهو حكمة بالغة أي بلغت غايتها من # PageV09P089 # الإحكام والتنزه عن الخلل، ومن الاشتمال على البراهين القاطعة والحجج ~~الساطعة. # وهو بدل من (ما) أو خبر محذوف، أي هو حكمة بالغة فما تغن النذر جمع نذير. ~~و (ما) نافية، أو استفهامية. أي: أي غناء تغنى عن قوم آثروا الضلالة على ~~الهدى، فأعرضوا عنه، وكذبوا به. وجوز أن تكون حكمة بالغة جملة مستأنفة ~~للتعجب من حالهم، مع ما جاءهم مما يقود إلى الإيمان بادئ بدء. وهو ما يفهم ~~من تأويل ابن كثير. وعبارته: حكمة بالغة أي في هدايته تعالى لمن هداه، ~~وإضلاله لمن أضله فما تغن النذر يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه ~~الشقاوة وختم على قلبه. فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله ~~تعالى: ولو شاء لهداكم أجمعين [النحل: 9] ، وكذا قوله تعالى: وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 6 الى 8] # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث ~~كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) # فتول عنهم أي اصفح عن أذاهم، وانتظر ما يأتيهم من الوعيد الشديد، كما ~~قال: يوم يدع الداع أي داعي الله إلى موقف القيامة، وهو ملك. أو الدعاء ~~تمثيل للإعادة كالأمر في قوله كن فيكون تمثيل للإبداء، والداعي هو الله ~~تعالى: إلى شيء نكر أي فظيع تنكره النفوس، وهو موقف الحساب والجزاء والبلاء ~~خشعا أبصارهم أي ms4308 من الذل والصغار يخرجون من الأجداث أي قبورهم كأنهم جراد ~~منتشر أي في الكثرة والتموج والانتشار. الجراد مثل في الكثرة مهطعين إلى ~~الداع أي مسرعين مادي أعناقهم إليه. يقول الكافرون هذا يوم عسر أي لشدة ~~أهواله ويوم يدع ظرف ل يقول وقيل: بمضمر، وقيل: ب يخرجون والأول أظهر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية # 9] # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر أي زجر عن الإنذار ~~والتبليغ بشدة وقساوة، كما يدل عليه صيغة (افتعل) . # قال الناصر: وليس قوله فكذبوا الثاني تكرارا، لأن الأول مطلق، والثاني # PageV09P090 # مقيد. وهو كقوله في السورة فتعاطى فعقر [القمر: 29] ، فإن تعاطيه هو نفس ~~عقره، ولكن ذكره من جهة عمومه، ثم من ناحية خصوصه إسهابا، وهو بمثابة ذكره ~~مرتين. وجواب آخر هنا وهو أن المكذب أولا محذوف، دل عليه ذكر نوح، فكأنه ~~قال: كذبت قوم نوح نوحا ثم جاء بتكذيبهم ثانيا مضافا إلى قوله عبدنا فوصف ~~نوحا بخصوص العبودية. وأضافه إليه إضافة تشريف. فالتكذيب المخبر عنه ثانيا، ~~أبشع عليهم من المذكور أولا، لتلك اللمحة. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية # 10] # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر أي غلبني قومي تمردا وعتوا. فلم يسمعوا مني ~~واستحكم اليأس منهم، فانتقم منهم بعذاب ترسله عليهم. # ثم أشار إلى استجابته تعالى دعاءه: بالطوفان الذي هلكوا فيه، بقوله ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 11 الى 16] # ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء ~~على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء ~~لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) # فكيف كان عذابي ونذر (16) # ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر أي مندفق. وفيه استعارة تمثيلية، بتشبيه ~~تدفع المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء، وشق لها أديم ~~الخضراء. # وفجرنا الأرض عيونا أي وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر فالتقى الماء ms4309 ~~أي ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدر أي على حال قدره الله وقضاه، وهو ~~هلاك قوم نوح وحملناه على ذات ألواح ودسر يعني السفينة. أقيمت صفاتها ~~مقامها، لتأديتها مؤداها. وهو من بديع الكلام- كما بسطه في (الكشاف) -. # (ودسر) جمع دسار بكسر الدال، أو دسر كسقف وسقف وهي أضلاعها، أو حبالها ~~التي تشد فيها أو مساميرها. # تجري بأعيننا أي بمرأى منا. كناية عن حفظها بحفظه تعالى وعنايته. # PageV09P091 # جزاء لمن كان كفر أي كفر به، وهو الله تعالى، أو نوح وما جاء به، فهو من ~~(الكفر) ضد الإيمان. أو هو نوح عليه السلام لأنه نعمة كفروها، فهو متعد ~~بنفسه، استعير لنوح النعمة بطريق الكناية، ونسب الكفران تخييلا أو حقيقة. ~~ولقد تركناها أي قصة نوح آية أي جعلناها عبرة يعتبر بها فهل من مدكر؟ أي ~~معتبر ومتعظ. وأصله (مذتكر) . فكيف كان عذابي ونذر أي عذابي لهؤلاء الكفرة، ~~قوم نوح، وإنذاراتي بما أحللت بهم، ليحذر أمثالهم وينتهوا عما يقترفونه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 17] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) # ولقد يسرنا القرآن للذكر أي سهلناه للادكار والاتعاظ، لكثرة ما ضرب فيه ~~من الأمثال الكافية الشافية فهل من مدكر؟ أي فيعتبر بما فيه، ويثوب إلى ~~رشده. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 18 الى # 22] # كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم ~~نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر ~~(21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) # كذبت عاد أي نبيهم هودا عليه السلام، بمثل ما كذبت به قوم نوح فكيف كان ~~عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا أي شديد الهبوب، لها صرير، أو ~~باردة، في يوم نحس أي شر وشؤم عليهم مستمر أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم، ~~أو شديد المرارة لعظم بلائه، تنزع الناس أي تقلعهم عن أماكنهم. كأنهم أعجاز ~~نخل منقعر أي أصول نخل منقلع من مغارسه. وأصل (منقعر) ما أخرج من القعر ms4310 ~~فكيف كان عذابي ونذر كرره للتهويل وللتنبيه على فرط عتوهم. أي فكيف كان ~~عذابي لقومه. وإنذاري لهم على لسانه؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 23 الى 32] # كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) # ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ~~(29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) # PageV09P092 # كذبت ثمود بالنذر أي بما أنذرهم به نبيهم صالح عليه السلام. فقالوا أبشرا ~~منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أي جنون، أو عناء. فهو اسم مفرد. ~~وقيل: # جمع سعير، كأنهم عكسوا عليه، فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ~~اتباعهم له. # قال الزمخشري قالوا: أبشرا إنكارا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا ~~أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر، وهم الملائكة. وقالوا منا لأنه إذا كان ~~منهم كانت المماثلة أقوى. وقالوا واحدا إنكارا لأن تتبع الأمة رجلا واحدا، ~~أو أرادوا واحدا من أفنائهم ليس بأشرفهم وأفضلهم. ويدل عليه قولهم أألقي ~~الذكر عليه من بيننا يعنون: الوحي والنبوة. أي وفينا من هو أحق بها على ~~زعمهم، لكونه أعز مالا ونفرا بل هو كذاب أشر أي متكبر، حمله كبره على ~~استتباعنا له. # سيعلمون غدا أي عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة من الكذاب الأشر أي ~~المتكبر عن الحق، البطر له إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم أي آية وحجة لصالح ~~على قومه امتحانا لهم وابتلاء فارتقبهم أي انتظرهم وتبصر ما هم صانعوه بها ~~واصطبر أي على دعوتهم ونبئهم أن الماء أي الذي يردونه لشرب مواشيهم قسمة ~~بينهم أي مقسوم بينهم، لها شرب يوم، ولهم شرب يوم كل شرب محتضر أي يحضره ~~صاحبه في نوبته و (الشرب) النصيب من ms4311 الماء. # ثم أشار تعالى إلى عتوهم عن أمر ربهم بقوله فنادوا صاحبهم فتعاطى فتناول ~~الناقة بيده فعقر أي فعقرها وقتلها فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ~~صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر أي كالشجر اليابس المتكسر، الذي يتخذه من ~~يعمل الحظيرة للغنم ونحوها. أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة ~~لماشيته في الشتاء. وقرئ بفتح الظاء، اسم مكان. أي كهشيم الحظيرة، أو الشجر ~~المتخذ لها. وهو تشبيه لإهلاكهم وإفنائهم، وأنهم بادوا عن آخرهم، لم تبق ~~منهم باقية، وخمدوا وهمدوا، كما يهمد وييبس الزرع والنبات بعد خضرة ورقه، ~~وحسن نباته. # قال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبس الشوك. # وعن سفيان: الهشيم، إذا ضربت الحظيرة بالعصا، تهشم ذاك الورق فيسقط، # PageV09P093 # والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس، هشيما ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 33 الى # 40] # كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم ~~بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا ~~بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) # ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (40) # كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا أي ملكا يرميهم بالحصباء ~~والحجارة. أو ريحا تحصبهم بالحجارة، أي ترميهم إلا آل لوط نجيناهم بسحر أي ~~في سحر. أو (الباء) للملابسة، أو المصاحبة. وذلك أنه تعالى أوحى إليهم أن ~~يخرجوا من آخر الليل، فنجوا مما أصاب قومهم. ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ~~ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته، وقد أصابها ما أصابهم. وخرج نبي الله لوط ~~عليه السلام وبنات له، من بين أظهرهم سالمين لم يمسسهم سوء نعمة من عندنا ~~أي إنعاما منها، وهو علة ل (نجينا) كذلك نجزي من شكر أي فأطاع ربه، وانتهى ~~إلى أمره ونهيه. و (الشكر) صرف العبد جميع ما أنعم عليه، إلى ما خلق لأجله ~~ولقد أنذرهم ms4312 أي لوط بطشتنا أي أخذتنا بالعذاب فتماروا بالنذر أي بإنذاراته، ~~تكذيبا له ولقد راودوه عن ضيفه أي طالبوه بإتيان الفاحشة معهم، وهم ~~الملائكة الذين وردوا عليه في صورة شباب مرد حسان، محنة من الله بهم، ~~فأضافهم لوط عليه السلام، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها تعلمهم ~~بأضيافه عليه السلام، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فتلقاهم يناشدهم ~~الله أن لا يخزوه في ضيفه، فأبوا عليه، وجاءوا ليدخلوا عليه، فأعمى الله ~~أبصارهم، فلم يروهم، كما قال فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم ~~بكرة عذاب مستقر أي يدوم بهم إلى النار. فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله ~~فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا ... إلخ؟ قلت: فائدته أن يجددوا عند استماع ~~كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا، ~~إذا سمعوا الحث على ذلك، والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم ~~الشن تارات، لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولي عليهم الغفلة. وهكذا حكم ~~التكرير كقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان [الرحمن: 13] ، عند كل نعمة عدها في ~~سورة # PageV09P094 # (الرحمن) . وقوله ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] ، عند كل آية أوردها ~~في سورة (والمرسلات) . وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، لتكون العبر ~~حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 41 الى # 42] # ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز ~~مقتدر (42) # ولقد جاء آل فرعون النذر يعني موسى وهارون، وجمعها للتعظيم، أو هو جمع ~~نذير بمعنى الإنذار كذبوا بآياتنا كلها يعني الآيات التسع، أو الأدلة ~~والحجج التي أتتهم ناطقة بوحدانيته تعالى. فأخذناهم أخذ عزيز أي عاقبناهم ~~عقوبة شديد لا يغالب مقتدر أي عظيم القدرة لا يعجزه شيء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 43 الى 44] # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع ~~منتصر (44) # أكفاركم يا معشر قريش خير من ms4313 أولئكم أي الكفار المعدودين الذين حلت ~~النقمة حتى يأمنوا جانبها أم لكم براءة في الزبر أي براءة من عقابه تعالى، ~~وأمان منه، مع أنكم على شاكلة من مضى نبؤهم أم يقولون نحن جميع منتصر أي ~~ممتنع لا يرام. أو منتصر ممن أراد حربنا، وتفريق كلمتنا. أو متناصر، ينصر ~~بعضنا بعضا. فالافتعال. بمعنى التفاعل، كالاختصام بمعنى التخاصم. وإفراد ~~منتصر مراعاة للفظ جميع لخفة الإفراد، ولرعاية الفاصلة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 45 الى 46] # سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) # سيهزم الجمع يعني جمع كفار قريش ويولون الدبر أي يولون أدبارهم المؤمنين ~~بالله، عند انهزامهم. وإفراد الدبر لإرادة الجنس، أو رعاية الفواصل، ~~ومشاكلة قرائنه. وقد وقع ذلك يوم بدر. وهو من دلائل النبوة، لأن الآية ~~مكية، ففيها إخبار عن الغيب، وهو من معجزات القرآن. بل الساعة موعدهم قال ~~ابن جرير: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنهم لا يبعثون بعد مماتهم، ~~بل الساعة موعدهم للبعث والعقاب. والساعة أدهى وأمر أي أعظم داهية، وهي ~~الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه. وأمر مذاقا، أو أشد عليهم من الهزيمة ~~التي سيهزمونها، إذا التقوا مع المؤمنين للقتال. # PageV09P095 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 47 الى 48] # إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) # إن المجرمين في ضلال أي عن الحق في الدنيا وسعر أي نيران في الآخرة. # وقال القاشاني: أي في ضلال عن طريق الحق، لعمى قلوبهم بظلمة صفات نفوسهم. ~~وسعر أي جنون ووله، لاحتجاب عقولهم عن نور الحق بشوائب الوهم، وحيرتها في ~~الباطل. # يوم يسحبون في النار على وجوههم أي يجرون عليها. ذوقوا مس سقر أي حرها ~~وألمها. والاستعارة في المس تحقيقية. أو في سقر مكنية، وفي (المس) تخييلية. ~~أو المس مجاز مرسل بعلاقة السببية للألم. واستعارة الذوق مشهورة، واستعمال ~~الذوق في المصائب بمنزلة الحقيقة. وسقر من أسماء جهنم- أعاذنا الله منها-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية ms4314 # 49] # إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) # إنا كل شيء خلقناه بقدر أي بمقدار استوفى فيه مقتضى الحكمة، وترتب ~~الأسباب على مسبباتها. ومنه خلق دار العذاب، لما كسبت الأيدي، وإذاقة ألمها ~~جزاء الزيغ عن الهدى. وهذه الآية كآية وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان: ~~2] وآية، سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [الأعلى: 1- 3] ~~، أي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه. ولا مانع أن تكون هذه الآية وما بعدها ~~إلفاتا لعظمته تعالى، وكبير قدرته، وأن من كانت له تلك النعوت المثلى لجدير ~~أن يعبد وحده، ويرهب بأسه، ويتقى بطشه، لا سيما وقد صدع الداعي بإنذاره، ~~ومن أنذر فقد أعذر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 50] # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) # وما أمرنا أي الذي به الإيجاد إلا واحدة كلمح بالبصر أي كلمة واحدة يكون ~~بها كل شيء، بمقتضى استعداده، كلمح بالبصر في السرعة. # PageV09P096 # قال القاشاني: إلا واحدة أي تعلق المشيئة الأزلية الموجبة لوجود كل شيء ~~في زمان معين، على وجه معلوم، ثابت في لوح القدرة، المسمى في الشرع ب كن، ~~فيجب وجوده في ذلك الزمان، على ذلك الوجه دفعة. انتهى. # وقيل: معنى الآية، معنى قوله تعالى: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ~~[النحل: 77] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 51] # ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) # ولقد أهلكنا أشياعكم أي أشباهكم في الكفر من الأمم السالفة. # قال الشهاب: أصل معنى (الأشياع) جمع شيعة، وهم من يتقوى بهم المرء من ~~الأتباع. ولما كانوا في الغالب من جنس واحد، أريد به ما ذكر، إما باستعماله ~~في لازمه، أو بطريق الاستعارة. # فهل من مدكر أي متعظ بذلك ينزجر به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 52] # وكل شيء فعلوه في الزبر (52) # وكل شيء فعلوه في الزبر أي الكتب التي أحصتها الحفظة عليهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : آية 53] # وكل صغير وكبير مستطر (53) # وكل صغير وكبير أي من الأعمال مستطر أي مسطور لا يمحى ولا ينسى، كما ms4315 قال ~~تعالى: ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49] ، وقوله ~~سبحانه وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 13- 14] . # وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: يا عائشة! إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا. «1» ~~PageV09P097 # قال ابن كثير: ورواه النسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن مسلم بن ماهك ~~المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر ~~في ترجمة سعيد بن مسلم هذا، من وجه آخر. ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث ~~عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ~~ذنبا فاستصغره، فأتاه آت في منامه، فقال له: يا سليمان! # لا تحقرن من الذنوب صغيرا ... إن الصغير غدا يعود كبيرا # إن الصغير، ولو تقادم عهده، ... عند الإله مسطر تسطيرا # فازجر هواك عن البطالة، لا تكن ... صعب القياد وشمرن تشميرا # إن المحب إذا أحب إلهه ... طار الفؤاد وألهم التفكيرا # فأسأل هدايتك الإله، فتتئد ... فكفى بربك هاديا ونصيرا ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القمر (54) : الآيات 54 الى 55] # إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # إن المتقين أي الذين اتقوا عقاب الله بطاعته، وأداء فرائضه، واجتناب ~~نواهيه، في جنات ونهر أي أنهار. واكتفى باسم الجنس المفرد لرعاية الفواصل. # وقرئ بسكون الهاء، وضم النون، وقرئ بضمهما. في مقعد صدق قال ابن جرير: # أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم. # وقال الزمخشري: في مكان مرضى. قال شراحه: فالصدق مجاز مرسل في لازمه، أو ~~استعارة. وقيل: المراد صدق المبشر به، وهو الله ورسوله. أو المراد أنه ناله ~~من ناله بصدقه وتصديقه للرسل، فالإضافة لأدنى ملابسة. # عند مليك بمعنى ملك. قال الشهاب: وليس إشباعا، بل هي صيغة مبالغة. # كالمقتدر ms4316 مقتدر قال القاشاني: أي يقدر على تصريف جميع ما في ملكه على حكم ~~مشيئته، وتسخيره على مقتضى إرادته لا يمتنع عليه شيء. # وقال الشهاب: في تنكير الأسمين الكريمين إشارة إلى أن ملكه وقدرته لا ~~تدري الأفهام كنههما، وأن قربهم منه بمنزلة من السعادة والكرامة، بحيث لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، مما يجل عن البيان، وتكل دونه الأذهان. # PageV09P098 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الرحمن # قال المهايمي: سميت به لأنها مملوءة بذكر الآلاء الجليلة، وهي راجعة إلى ~~هذا الاسم. # وهي مكية، على قول ابن عباس. وآيها ثمان وسبعون. # وقد روى الإمام أحمد أن أول مفصل ابن مسعود، كان الرحمن. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) # الرحمن علم القرآن أي بصر به ما فيه رضاه، وما فيه سخطه، برحمته ليطاع ~~باتباع ما يرضيه، وعمل ما أمر به، وباجتناب ما نهى عنه، وأوعد عليه، فينال ~~جزيل ثوابه، وينجى من أليم عقابه. # قال القاضي: لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية، ~~صدرها ب الرحمن وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها، وهو إنعامه بالقرآن، ~~وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأعز الكتب، ~~إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها، مصدق لنفسه، ومصداق لها. # ثم أتبعه بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 3 الى 4] # خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # خلق الإنسان علمه البيان إيماء بأن خلق البشر، وما تميز به عن سائر ~~الحيوان من البيان- وهو التعبير عما في الضمير، وإفهام الغير- لما أدركه ~~لتلقى الوحي، # PageV09P099 # وتعرف الحق، وتعلم الشرع. أي فإذا كان خلقهم إنما هو في الحقيقة لذلك، ~~اقتضى اتصاله بالقرآن، وتنزيله الذي هو منبعه، وأساس بنيانه. # قال الزمخشري: وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: ~~زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد ~~بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ وهذا- كما قال الشهاب- مصحح. والمرجح الإشارة ~~إلى أن كلا منها ms4317 نعمة مستقلة تقتضي الشكر. ففيه إيماء إلى تقصيرهم في ~~أدائه. # ولو عطفت مع شدة اتصالها وتناسبها، ربما توهم أنها كلها نعمة واحدة. # وقال الأصفهاني في (الذريعة) : لما كان للنطق أشرق ما خص به الإنسان، فإن ~~صورته المعقولة التي بها باين سائر الحيوان. قال عز وجل خلق الإنسان. علمه ~~البيان ولم يقل (وعلمه) إذ جعل قوله علمه تفسيرا لقوله خلق الإنسان تنبيها ~~أن خلقه إياه هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا لكانت الإنسانية ~~مرقفعة، ولذلك قيل: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. ~~وقيل: # المرء مخبوء تحت لسانه. # قال الشاعر: # لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # أي إذا توهم ارتفاع النطق الذي هو باللسان، والقوة الناطقة التي هي ~~بالفؤاد، لم يبق إلا صورة اللحم والدم. فإذا كان الإنسان هو اللسان فلا شك ~~أن من كان أكثر منه حظا كان أكثر منه إنسانية. والصمت من حيث ما هو صمت ~~مذموم، فذلك من صفات الجمادات، فضلا عن الحيوانات. وقد جعل الله تعالى بعض ~~الحيوانات بلا صوت، وجعل لبعضها صوتا بلا تركيب. ومن مدح الصمت، فاعتبارا ~~بمن يسيء في الكلام، فيقع منه جنايات عظيمة في أمور الدين والدنيا. فإذا ما ~~اعتبرا بأنفسهما، فمحال أن يقال في الصمت فضل، فضلا أن يخاير بينه وبين ~~النطق. وسئل حكيم عن فضلهما فقال: الصمت أفضل حتى يحتاج إلى النطق وسئل آخر ~~عن فضلهما فقال: الصمت عن الخنا، أفضل من الكلام بالخطا. وعنه أخذ الشاعر: # الصمت أليق بالفتى ... من منطق في غير حينه # انتهى. وقد جوز- كما حكاه الشهاب- أن يكون الرحمن خبر محذوف، أي الله ~~الرحمن، وما بعده مستأنف لتعديد نعمه. ثم قال: وعلم من التعليم، ومفعوله ~~مقدر. أي علم الإنسان، لا جبريل أو محمدا عليهما الصلاة والسلام. وليس (من ~~العلامة من غير تقدير) كما قيل. أي جعله علامة وآية لمن اعتبر- لبعده. # PageV09P100 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 5 الى # 7] # الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ms4318 ووضع ~~الميزان (7) # الشمس والقمر بحسبان أي يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما، ~~به تتسق أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون ~~والحساب. والنجم أي النبات الذي ينجم، أي يطلع من الأرض ولا ساق له. والشجر ~~أي الذي له ساق يسجدان أي ينقادان لله فيما يريد بهما طبعا، انقياد الساجد ~~من المكلفين طوعا. فهو استعارة مصرحة تبعية. شبه جريهما على مقتضى طبيعته، ~~بانقياد الساجد لخالقه والجملة- إن كانت خبرا عن الرحمن لعطفها على الخبر- ~~فالرابط محذوف لوضوحه، أي بحسبانه ويسجدان له. أو مستأنفة، فالقطع لأنها ~~مسوقة لغرض آخر. وإدخال العاطف بينهما، لما أن الشمس والقمر سماويان، ~~والنجم والشجر أرضيان، فبينهما مناسبة بالتقابل، وبانقياد الكل لإرادته. ~~والسماء رفعها أي خلقها مرفوعة. ووضع الميزان أي العدل بين خلقه في الأرض. # قال القاشاني: أي خفض ميزان العدل إلى أرض النفس والبدن، فإن العدالة ~~هيئة نفسانية، لولاها لما حصلت الفضيلة الإنسانية. ومنه الاعتدال في البدن ~~الذي لو لم يكن، لما وجد، ولم يبق. ولما استقام أمر الدين والدنيا بالعدل، ~~واستتب كمال النفس والبدن به، بحيث لولاه لفسد- أمر بمراعاته ومحافظته قبل ~~تعديد الأصول بتمامها، لشدة العناية به، وفرط الاهتمام بأمره. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 8 الى 9] # ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) # ألا تطغوا في الميزان أي بالإفراط عن حد الفضيلة والاعتدال، فيلزم الجور ~~الموجب للفساد. و (أن) مصدرية على تقدير الجار. أي لئلا تطغوا فيه، أو ~~مفسرة لما في وضع الميزان من معنى القول، لأنه بالوحي، وإعلام الرسل. ~~وأقيموا الوزن بالقسط أي الاستقامة في الطريقة، وملازمة حد الفضيلة، ونقطة ~~الاعتدال في جميع الأمور، وكل القوى. ولا تخسروا الميزان قال القاشاني: أي ~~بالتفريط عن حد الفضيلة. # قال بعض الحكماء: العدل ميزان الله تعالى، وضعه للخلق، ونصبه للحق. # انتهى. # PageV09P101 # وممن فسر الميزان في الآية بالعدل، مجاهد، وتبعه ابن جرير، وكذا ابن ~~كثير، ونظر لذلك بآية لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: ms4319 25] ، وجوز أن يراد بالميزان ما يعرف ~~به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما. ومنه قال السيوطي في (الإكليل) ~~: فيه وجوب العدل في الوزن، وتحريم البخس فيه. وعليه، فوجه اتصال قوله ووضع ~~الميزان بما قبله، هو أنه لما وصف السماء بالرفعة التي هي مصدر القضايا ~~والأقدار، أراد وصف الأرض بما فيها، مما يظهر به التفاوت، ويعرف به ~~المقدار، ويسوى به الحقوق والمواجب- كذا ارتآه القاضي- والله أعلم وفي ~~الحقيقة، الثاني من أفراد الأول، وأخذ اللفظ عاما أولى وأفيد. # ومن اللطائف التي يتسع لها نظم الآية الكريمة قول الرازي: الميزان ذكر ~~ثلاث مرات، كل مرة بمعنى. فالأول: هو الآلة. والثاني: بمعنى المصدر. ~~والثالث: # للمفعول. قال: وهو كالقرآن، ذكر بمعنى المصدر في قوله تعالى: فاتبع قرآنه # [القيامة: 18] ، وبمعنى المقروء في قوله إن علينا جمعه وقرآنه # [القيامة: 17] ، وبمعنى الكتاب الذي فيه المقروء في قوله تعالى: ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال [الرعد: 31] ، فكأنه آلة ومحل له، وفي قوله تعالى: ~~آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [الحجر: 87] . ثم قال: وبين القرآن ~~والميزان مناسبة، فإن القرآن فيه من العلم ما لا يوجد في غيره من الكتب. ~~والميزان فيه من العدل ما لا يوجد في غيره من الآلات. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 10 الى # 13] # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) # والأرض وضعها للأنام أي مهدها للخلق فيها فاكهة أي صنوف مما يتفكه به ~~والنخل ذات الأكمام أي أوعية الطلع، وهو الذي يطلع فيه العنقود، ثم ينشق عن ~~العقود فيكون بسرا، ثم رطبا. ثم ينضج ويتناهى نفعه واستواؤه. وإنما أفردها ~~بالذكر، لما فيها من الفوائد العظيمة، على ما عرف من اتخاذ الظروف منها، ~~والانتفاع بجمارها وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك. فثمرتها في أوقات ~~مختلفة كأنها ثمرات مختلفة، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى غيرها من الأشجار، ~~فلذا ذكر النخل باسمه، وذكر الفاكهة دون أشجارها، فإن فوائد أشجارها في عين ~~ثمارها. والحب # PageV09P102 # ذو العصف # أي وفيها ms4320 الحب. وهو حب البر والشعير ونحوهما ذو العصف أي الورق اليابس ~~كالتبن. والريحان أي الورق الأخضر. تذكير بالنعمة به وبورقه في حالتيه. هذا ~~على (قراءة) (الريحان) بالجر. وقرئ بالرفع، وهو الزرع الأخضر مطلقا، سمي به ~~تشبيها له بما فيه الروح، لأن حياته النباتية في نضرة خضرته. # قال ابن عباس: الريحان خضر الزرع. # وقال القرطبي: الريحان، إما فيعلان، من (روح) ، فقلبت الواو ياء، وأدغم ~~ثم خفف، أو فعلان، قلبت واوه ياء للتخفيف، أو للفرق بينه وبين الروحان، وهو ~~ما له روح. فبأي آلاء ربكما تكذبان قال أبو السعود: الخطاب للثقلين المدلول ~~عليهما بقوله تعالى: للأنام [الرحمن: 10] ، وسينطق به قوله تعالى: أيه ~~الثقلان [الرحمن: 31] . والفاء لترتيب الإنكار، والتوبيخ على فصل من فنون ~~النعماء، وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان والشكر حتما. والتعرض لعنوان ~~الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم ~~لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ. # ومعنى تكذيبهم بآلائه تعالى، كفرهم بها، إما بإنكار كونه نعمة في نفسه، ~~كتعليم القرآن، وما يستند إليه من النعم الدينية، وإما بإنكار كونه من الله ~~تعالى، مع الاعتراف بكونه نعمة في نفسه، كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم ~~بإسناده إلى غيره تعالى استقلالا، أو اشتراكا صريحا، أو دلالة، فإن إشراكهم ~~لآلهتهم به تعالى في العبادة من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها. ~~والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب، لما أن دلالة الآلاء المذكورة على ~~وجوب الإيمان والشكر، شهادة منها بذلك، فكفرهم تكذيب بها لا محالة، أي فإذا ~~كان الأمر كما فصل، فبأي فرد من أفراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء ~~تكذبان، مع أن كلا منهما ناطق بالحق، شاهد بالصدق. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 14 الى # 16] # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (16) # خلق الإنسان من صلصال كالفخار قال أبو السعود: تمهيد للتوبيخ على إخلالهم ~~بمواجب شكر النعمة المتعلقة بذاتي كل واحد من الثقلين. و (الصلصال) الطين ~~اليابس الذي له صلصلة. و (الفخار) الخزف. وقد خلق ms4321 الله تعالى آدم عليه ~~السلام من تراب جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا. فلا تنافي بين الآية # PageV09P103 # الناطقة بأحدها، وبين ما نطق به بأحد الآخرين. وخلق الجان أي الجن، أو ~~أبا الجن، من مارج أي لهب صاف من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان أي مما أفاض ~~عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم. ومما أظهره لكما بالقرآن. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 17 الى # 18] # رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) # رب المشرقين ورب المغربين أي مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما، أو مشرقي ~~الشمس والقمر ومغربيهما فبأي آلاء ربكما تكذبان أي مما فيهما من النعم ~~والفوائد التي لا تحصى، كاختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه من ~~الخيرات والبركات التي بها قوام العالم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 19 الى 21] # مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) # مرج البحرين أي أرسلهما، من (مرج فلان دابته) إذا خلاها وتركها. # والمعنى: أرسل وأجرى البحر الملح، والبحر العذب يلتقيان أي يتجاوران ~~بينهما برزخ أي حاجر من قدرة الله تعالى وبديع صنعه لا يبغيان أي لا يبغي ~~أحدهما على الآخر بالممازجة، وإبطال الخاصية. # قال الشهاب: يعني أنهما إذا دخل أحدهما في الآخر، قد يجرى فيه فراسخ، ولا ~~يتلاشى ويضمحل، حتى يغير أحدهما طعم الآخر ولونه، كما نشاهده. # وقيل: المراد بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وبينهما ~~برزخ من الأرض، لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما- وهو مروي عن قتادة ~~والحسن- قال الشهاب: لكنه أورد عليه أنه لا يوافق قوله تعالى: مرج البحرين ~~هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ... [الفرقان: 53] الآية. والقرآن يفسر بعضه ~~بعضا. # واختار ابن جرير ما روي عن ابن عباس وغيره، أنه عني به بحر السماء وبحر ~~الأرض وذلك أن الله قال يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] ، واللؤلؤ ~~والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قطر ماء السماء. فمعلوم أن ذلك ~~بحر الأرض وبحر السماء. انتهى. # وفيه ما ms4322 في الذي قبله من عدم موافقته لتلك الآية. والأصل في الآي ~~التشابه. # PageV09P104 # زاد ابن كثير: أن ما بين السماء والأرض لا يسمى برزخا، وحجرا محجورا. # فالأولى هو الأول. فبأي آلاء ربكما تكذبان أي مما في البحرين وخلقهما من ~~الفوائد، وقد أشار إلى بعضهما بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 22 الى # 23] # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي كبار الدر وصغاره. أو (المرجان) الخرز ~~الأحمر المعروف. وإنما قيل منهما مع أنه يخرج من أحدهما، وهو الملح، لأنه ~~لامتزاجهما يكون خارجا منهما حقيقة، أو أنه نسب لهما ما هو لأحدهما، كما ~~يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد منهم. قال الناصر: وهذا هو الصواب. ومثله ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] ، وإنما أريد ~~إحدى القريتين. وكما يقال: هو من أهل مصر، وإنما هو من محلة منها. انتهى. # قال الشهاب: ولا يخفى أن هذا، وإن اشتهر، خلاف الظاهر. فإما أن يكون ضمير ~~منهما لبحري فارس والروم، أو يقال معنى خروجه منهما ليس أنه متكون فيهما، ~~بل أنهما يحصلان في جانب من البحار انصبت إليها المياه العذبة. انتهى. # والخطب سهل. # ولما كان خروج هذين الصنفين نعمة على الناس، لتحليهم بهما، كما تشير له ~~آية ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها [فاطر: 12] ، قال ~~سبحانه فبأي آلاء ربكما تكذبان وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 24 الى 25] # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) # وله الجوار يعني السفن، جمع جارية المنشآت في البحر كالأعلام قرئ بكسر ~~الشين، بمعنى الظاهرات السير اللاتي تقبلن وتدبرن، وبفتحها بمعنى المرفوعات ~~القلاع اللاتي تقبل بهن وتدبر. و (الأعلام) جمع علم، وهو الجبل الطويل. ~~ولما كانت من أعظم الأسباب للمتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، ~~وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح للناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر ~~أنواع البضائع، قال تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان ms4323 أي نعمه التي أنعم بها ~~في هذه الجواري. # PageV09P105 # قال القاضي: أي من خلق موادها، والإرشاد إلى أخذها، وكيفية تركيبها ~~وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر خلقها وجمعها غيره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 26 الى # 28] # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) # كل من عليها فان أي: من على ظهر الأرض هالك ويبقى وجه ربك أي ذاته ~~الكريمة ذو الجلال أي العظمة والعلو والكبرياء والإكرام أي التفضل العام، ~~وهذه الآية كآية كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] . # ولما كان فناء الخلق سببا لبعثهم للنشأة الأخرى التي يظهر بها المحق من ~~المبطل، وينقلب الأول بالثواب، ويبوء الآخر بالعقاب، وذلك من أعظم النعم ~~التي يشمل فيها العدل الإلهي المكلفين- قال سبحانه فبأي آلاء ربكما تكذبان. # وقد أشار الرازي إلى ما في قوله تعالى: كل من عليها فان من الفوائد، ~~بقوله: فيه فوائد: # منها- الحث على العبادة، وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة. # ومنها- المنع من الوثوق بما يكون للمرء. فلا يقول- إذا كان في نعمة- إنها ~~لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله، معتمدا على ماله وملكه. # ومنها- الأمر بالصبر إن كان في ضر، فلا يكفر بالله معتمدا على أن الأمر ~~ذاهب، والضر زائل. # ومنها: ترك اتخاذ الغير معبودا، والزجر عن الاغترار بالقرب من الملوك، ~~وترك التقرب إلى الله تعالى. فإن أمرهم إلى الزوال قريب. # ومنها- حسن التوحيد، وترك الشرك الظاهر والخفي جميعا، لأن الفاني لا يصلح ~~لأن يعبد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 29 الى 30] # يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (30) # يسئله من في السماوات والأرض أي يدعونه ويرغبون إليه، ويرجون رحمته ~~لفقرهم الذاتي، وغناه المطلق. كل يوم هو في شأن أي كل وقت يحدث أمورا، ~~ويجدد أحوالا. # PageV09P106 # قال مجاهد: يعطي سائلا، ويفك عانيا، ويجيب داعيا، ويشفي سقيما. # وروى ابن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية. فقيل: يا رسول ~~الله! وما ذاك الشأن قال: ms4324 يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع أقواما، ويضع ~~آخرين. # وقال القاشاني: المراد يسأله كل شيء، فغاب العقلاء، وأتى بلفظ من أي كل ~~شيء يسأله بلسان الاستعداد والافتقار دائما كل يوم هو في شأن بإفاضة ما ~~يناسب كل استعداد ويستحقه، فله كل وقت في كل خلق شأن، بإفاضة ما يستحقه ~~ويستأهله باستعداده. فمن استعد بالتصفية والتزكية للكمالات الخيرية ~~والأنوار، يفيضها عليه مع حصول الاستعداد. ومن استعد بتكدير جوهر نفسه ~~بالهيئات المظلمة والرذائل، ولوث العقائد الفاسدة، والخبائث، للشرور ~~والمكاره، وأنواع الآلام والمصائب والعذاب والوبال: يفيضها عليه مع حصول ~~الاستعداد. انتهى. # وقد أخذ الآية عامة من حيث السائلون خاصة بلسان الاستعداد وغيره- كابن ~~كثير والقاضي- رآها خاصة بمن يعقل، عامة بلسان الحال أو المقال. والأقرب هو ~~ما يتبادر بادئ بدء إلى الفهم، وهو ما ذكرناه أولا فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~أي مما يسعف به سؤالكما، ويخرج لكما من مخبأ قدره وخلقه آنا فآنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 31 الى 32] # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) # سنفرغ لكم أيه الثقلان قال القرطبي: يقال: فرغت من الشغل أفرغ فراغا ~~وفروغا. وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته. والله تعالى ليس له ~~شغل يفرغ منه. وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم ~~وتهديد، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرغ لك، أي أقصدك. # وقال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما الفراغ من الشغل، والآخر ~~القصد للشيء. والإقبال عليه، كما هنا. وهو تهديد ووعيد. تقول: قد فرغت مما ~~كنت فيه، أي قد زال شغلي به. وتقول: سأفرغ لفلان، أي سأجعله قصدي. فهو على ~~سبيل التمثيل. شبه تدبيره تعالى أمر الآخرة، من الأخذ في الجزاء، وإيصال ~~الثواب والعقاب إلى المكلفين، بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي، ~~والإماتة والإحياء، والمنع والإعطاء، وأنه لا يشغله شأن عن شأن- بحال من ~~إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر، إذا فرغ من ذلك الشغل، شرع في آخر. وجازت ~~الاستعارة التصريحية أيضا. وقد ألم به ms4325 صاحب (المفتاح) حيث قال: الفراغ ~~الخلاص عن # PageV09P107 # المهام. والله عز وجل لا يشغله شأن عن شأن، وقع مستعارا للأخذ في الجزاء ~~وحده. ### | لطيفة: # ترسم أيه بغير ألف. وأما في النطق فقرأ أبو عمرو والكسائي (أيها) بالألف ~~في الوقف، ووقف الباقون على الرسم (أيه) بتسكين الهاء، وفي الوصل قرأ ابن ~~عامر (أيه) برفع الهاء، والباقون بنصبها. # و (الثقلان) تثنية (ثقل) بفتحتين، فعل بمعنى مفعل، لأنهما أثقلا الأرض، ~~أو بمعنى مفعول، لأنهما أثقلا بالتكاليف. وقال الحسن: لثقلهما بالذنوب. # والخطاب في (لكم) قيل للمجرمين، لكن يأباه قوله: أيه الثقلان نعم! ~~المقصود بالتهديد هم. ولا مانع من تهديد الجميع- كما أفاده الشهاب- ولا ~~يفهم من هذا أن اللفظ الكريم وعيد بحت، بل هو حامل للوعد أيضا، لأن المعنى: ~~سنفرغ لحسابكم، فنثيب أهل الطاعة، ونعاقب العصاة، وهو جلي. ولذا اعتد ذلك ~~نعمة عليهم بقوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان أي من ثوابه أهل طاعته، وعقابه ~~أهل معصيته. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 33 الى # 34] # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أي ~~تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم، أي بخروجكم عن قهره ومحل ~~سلطانه ومملكته حتى لا يقدر عليكم فانفذوا أي فجوزوا واخرجوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان أي بقوة وقهر وغلبة، وأني لكم ذلك ونحوه وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء [العنكبوت: 22] ، ويقال: معنى الآية: إن استطعتم أن تعلموا ~~ما في السماوات والأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، يعني البينة من ~~الله تعالى. والأول أظهر، لأنه لما ذكر في الآية الأولى أنه لا محالة مجاز ~~للعباد، عقبه بقوله: إن استطعتم ... إلخ، لبيان أنهم لا يقدرون على الخلاص ~~من جزائه وعقابه، إذا أراده. فبأي آلاء ربكما تكذبان قال ابن جرير: أي من ~~التسوية بين جميعكم، بأن جميعكم لا يقدرون على خلاف أمر أراده بكم. # وقال القاضي: أي ms4326 من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة. # PageV09P108 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 35 الى # 36] # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(36) # يرسل عليكما شواظ أي من لهب من نار ونحاس أي صفر مذاب يصب على رؤوسهم فلا ~~تنتصران أي تمتنعان وتنقذان منه. يعني: إذا أصررتما على الكفر والطغيان ~~وعصيان الرسول، فما أمامكم في الآخرة إلا هذا العذاب الأليم. # وقد ذهب ابن كثير إلى أن هذه الآية وما قبلها، مما يخاطب به الكفرة في ~~الآخرة، وعبارته: # هذا في مقام الحشر، والملائكة محدقة بالخلائق، فلا يقدر أحد على الذهاب ~~إلا بسلطان، أي بأمر الله يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك ~~يومئذ المستقر [القيامة: 10- 12] ، وقال تعالى: والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها وترهقهم ذلة، ما لهم من الله من عاصم، كأنما أغشيت وجوههم قطعا ~~من الليل مظلما، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [يونس: 27] ، ولهذا قال ~~تعالى: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران والمعنى لو ذهبتم هاربين ~~يوم القيامة، لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس ~~المذاب عليكم لترجعوا. انتهى. # ثم رأيت قد سبقه إلى ذلك، الإمام ابن القيم رحمه الله، فقد قال رحمه الله ~~في أواخر كتابه (طريق الهجرتين) في تفسير هذه الآية، بعد أن ذكر نحو ما ~~قدمنا من الوجهين في تأويل قوله تعالى إن استطعتم أن تنفذوا ما مثاله: # وفي الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة، إذا أحاطت ~~الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا ~~يجدون مهربا ولا منفذا كما قال تعالى: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ~~يوم تولون مدبرين [غافر: 32- 33] ، قال مجاهد: فارين غير معجزين. وقال ~~الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا ~~وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله ~~والملك على أرجائها [الحاقة: 17] ، وقوله: يا معشر الجن والإنس.. [الرحمن: ~~33] الآية. وهذا القول ms4327 أظهر- والله أعلم- فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين، ~~يقال لهم: إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أي إن قدرتم أن ~~تتجاوزوا أقطار السموات # PageV09P109 # والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم، فافعلوا. وكأن ما قبل هذه ~~الآية وما بعدها يدل على هذا القول، فإن قبلها سنفرغ لكم ... الآية، وهذا ~~في الآخرة، وبعدها فإذا انشقت السماء.. [الرحمن: 37] الآية، وهذا في ~~الآخرة، وأيضا فإن هذا خطاب لجميع الإنس. والجن فإنه أتى فيه بصيغة العموم، ~~وهي قوله: # يا معشر الجن والإنس فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه، ~~وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم ~~البصر. # وقال تعالى: إن استطعتم ولم يقل: إن استطعتما، لإرادة الجماعة، كما في ~~آية أخرى امعشر الجن والإنس ألم يأتكم # [الأنعام: 130] ، وقال: يرسل عليكما، ولم يقل: يرسل عليكم، لإرادة ~~الصنفين، أي لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معا. وهذا، ~~وإن كان مرادا بقوله: إن استطعتم [الرحمن: 33] ، فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ ~~الجمع أحسن. أي من استطاع منكم. وحسن الخطاب بالتثنية في قوله: عليكما أمر ~~آخر، وهو موافقة رؤوس الآي، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين ~~الصنفين في العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما- والله ~~أعلم- انتهى كلام ابن القيم. # وأنت ترى أن لا قرينة تخصص الآية بالقيامة، وما استشهد به من الآيات لا ~~يؤيده، لأنه ليس من نظائره. فالوجه ما ذكرناه. # فبأي آلاء ربكما تكذبان قال القاضي: فإن التهديد لطف، والتمييز بين ~~المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار، من عداد الآلاء. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 37 الى # 38] # فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) # فإذا انشقت السماء أي انفطرت فاختل نظامها العلوي فكانت وردة أي كلون ~~الورد الأحمر كالدهان أي كالدهن الذي هو الزيت، كما قال: يوم تكون السماء ~~كالمهل [المعارج: 8] ، وهو دردي الزيت، يعني في لونه الكدر وذوبانه، ~~لصيرورتها إلى الفناء والزوال. فبأي آلاء ربكما تكذبان ms4328 أي مما يحله بكم بعد ~~ذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 39 الى 40] # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) # PageV09P110 # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان أي لا يفتح له باب المعذرة، كقوله ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 36] ، ففي السؤال مجاز عن نفي سماع ~~الاعتذار. فهو من باب نفي السبب لانتفاء المسبب. وأخذ كثير السؤال على ~~حقيقته، وحاولوا الجمع بينه وبين ما قد ينافيه. # قال القاشاني: وأما الوقف والسؤال المشار إليه في قوله وقفوهم إنهم ~~مسؤلون [الصافات: 24] ، ونظائره، ففي مواطن أخر من اليوم الطويل الذي كان ~~مقداره خمسين ألف سنة، وقد يكون هذا الموطن قبل الموطن الأول في ذلك اليوم، ~~وقد يكون بعده. # وكذا قال ابن كثير: إن هذه الآية كقوله تعالى: هذا يوم لا ينطقون ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون [المرسلات: 35- 36] ، فهذا حال. وثم حال يسأل الخلائق عن ~~جميع أعمالهم، قال تعالى: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون [الحجر: ~~92- 93] ، وفي الآية تأويل آخر. قال مجاهد: لا يسأل الملائكة عن المجرم، ~~يعرفون بسيماهم. # وقال الإمام ابن القيم في (طريق الهجرتين) اختلف في هذا السؤال المنفي، ~~فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يسألون حينئذ، ويسألون بعد ~~إطالة الوقوف، واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم، ويريحهم من مقامهم ذلك. ~~وقيل المنفي سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة. أي قد ~~علم الله ذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم ~~عليها. انتهى. # فبأي آلاء ربكما تكذبان قال ابن جرير: أي من عدله فيكم أنه لم يعاقب منكم ~~إلا مجرما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 41 الى # 45] # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم ~~آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) # يعرف المجرمون بسيماهم أي بما يعلوهم من الكآبة والحزن والذلة. وقيل: # بسواد الوجوه، وزرقة العيون فيؤخذ بالنواصي والأقدام أي فتأخذهم الزبانية ~~بنواصيهم وأقدامهم، فتسحبهم ms4329 إلى جهنم، وتقذفهم فيها. والباء للآلة، كأخذت # PageV09P111 # بالخطام، أو للتعدية. و (الناصية) مقدم الرأس. فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~قال ابن جرير: أي من تعريفه ملائكته، أهل الإجرام من أهل الطاعة منكم، حتى ~~خصوا بالإذلال والإهانة، المجرمين دون غيرهم هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون يطوفون بينها وبين حميم أي ماء حار آن أي انتهى حره، واشتد ~~غليانه. وكل شيء قد أدرك وبلغ فقد أنى. ومنه قوله: غير ناظرين إناه ~~[الأحزاب: 53] ، يعني إدراكه وبلوغه فبأي آلاء ربكما تكذبان أي من عقوبته ~~أهل الكفر به، وتكريمه أهل الإيمان به. # ثم تأثر ما عدد عليهم من الآلاء الدينية، والدنيوية بتعداد ما أفاض عليهم ~~في الآخرة، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى # 59] # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان ~~(48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) # فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) # ولمن خاف مقام ربه أي قيامه عند ربه للحساب، فأطاعه بأداء فرائضه، ~~واجتناب معاصيه. فإضافته للرب لأنه عنده، فهو كقول العرب: ناقة رقود الحلب، ~~أي رقود عند الحلب، أو موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، فإضافته للرب ~~لامية لاختصاص الملك يومئذ به تعالى. أو هو كناية عن خوف الرب وإثبات خوفه ~~له بطريق برهاني بليغ، لأن من حصل له الخوف من مكان أحد، يهابه وإن لم يكن ~~فيه، فخوفه منه بالطريق الأولى. وهذا كما يقول المترسلون: المقام العالي، ~~والمجلس السامي جنتان أي جنة لمن أطاع من الإنس، وجنة لمن أطاع من الجن. أو ~~هو كناية عن مضاعفة الثواب، وإيثار التثنية للفاصلة فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~أي بإثابته المحسن ما وصف ذواتا أفنان أي أنواع من الأشجار والثمار. جمع ~~(فن) بمعنى النوع، أو ms4330 أغصان لينة، جمع (فنن) وهو ما دق ولان من الغصن فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل ~~فاكهة زوجان # PageV09P112 # فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق # وهو ما غلظ من الديباج. # نبه على شرف الظهارة، بشرف البطانة، وهو من باب التنبيه بالأدنى على ~~الأعلى. # قال ابن مسعود: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم الظواهر؟! وجنى الجنتين دان ~~أي وثمرهما المجني داني القطوف فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف ~~أي منكسرات الجفن، خافضات النظر، غير متطلعات لما بعد، ولا ناظرات لغير ~~زوجها. أو معناه: إن طرف النظر لا يتجاوزها، كقول المتنبي: # وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا # فالمراد: قاصرات طرف غيرهن عن التجاوز لغيرهن. أو المعنى: شديدات بياض ~~الطرف، كما يقال: أحور الطرف وحوراؤه، من قولهم: ثوب مقصور وحواري. # وجلي أن المعاني هاهنا لا تتزاحم لتحقق مصداقها كلها. لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان أي لم يمسهن. وأصله خروج الدم، ولذلك يقال للحيض (طمث) ثم ~~أطلق على جماع الأبكار، لما فيه من خروج الدم. ثم عم كل جماع. وقد يقال: # إن التعبير به للإشارة إلى أنها توجد بكرا كلما جومعت. ويستدل بالآية على ~~أن الجن يطمثن ويدخلن الجنة. فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت ~~والمرجان أي في الحسن والبهجة، أو في حمرة الوجنة والوجه، أدبا وحياء فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الرحمن (55) : الآيات 60 الى 78] # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ومن ~~دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) # فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام ~~(72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # PageV09P113 # هل ms4331 جزاء الإحسان أي في العمل إلا الإحسان أي في الثواب، وهو الجنة فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما أي دون تينك الجنتين المنوه بهما جنتان أي ~~بستانان آخران. إشارة إلى وفرة الجنان واتصالها وسعة امتداد الطرف في ~~مناظرها فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان أي خضراوان من الري، تضربان إلى ~~السواد من شدة الخضرة. أو من كثرة أشجارها الممتدة لا إلى نهاية فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان أي فوارتان بالماء فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان وإنما أفردهما بالذكر بيانا لفضلهما، ~~كأنهما، لما لهما من المزية، جنسان آخران فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن ~~خيرات جمع (خيرة) بالتشديد، إلا أنه خفف. وقد قرئ على الأصل. أي فاضلات ~~الأخلاق. وإيثار ضمير المؤنث على التثنية مراعاة للفظ المسند إليه بعده ~~حسان أي حسان الوجوه فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام الحور: ~~جمع (حوراء) وهي البيضاء النقية. ومعنى مقصورات قصرن أنفسهن على منازلهن، ~~لا يهمهن إلا زينتهن ولهوهن. وفيه المعاني المتقدمة أيضا. والخيام قال ابن ~~جرير: يعني بها البيوت. وقد يسمي العرب هوادج النساء خياما، ثم أنشد له. ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان يعني بهن حور الجنتين ~~اللتين من دون الأوليين. أو تكرير لما سبق، للتنويه بهذا الوصف، وكونه في ~~مقدمة المشتهيات، وطليعة الملذات: فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على رفرف ~~أي سرر أو مساند أو وسائد خضر وعبقري أي طنافس وبسط حسان أي جياد. والصفة ~~كاشفة، ولذا قال ابن جبير: (العبقري) عتاق الزرابي، أي جيادها. فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان أي من إكرامه أهل طاعته منكما هذا الإكرام. تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام أي ذي العظمة والكبرياء، والتفضل بالآلاء و (الاسم) هنا ~~كناية عن الذات العلية، لأنه كثر اقتران الفعل المذكور معها، كآية تبارك ~~الذي جعل في السماء بروجا [الفرقان: 61] ، وآية تبارك الذي بيده الملك ~~[الملك: 1] ، ونحوهما. وسر إيثار الاسم التنبيه على أنه لا يعرف منه تعالى ~~إلا أسماؤه الحسنى، لاستحالة اكتناه الذات ms4332 المقدسة. فما عرف الله إلا الله. ~~هذا هو التحقيق. # وقيل: لفظ (اسم) مقحم، كقوله: # إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما # وذهب ابن حزم إلى بقاء الاسم على حقيقته. ورد من استدل بأن الاسم هو ~~المسمى بما مثاله: # PageV09P114 # لا حجة فيما احتجوا به. أما قول الله عز وجل تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام فحق. ومعنى تبارك تفاعل من البركة، والبركة واجبة لاسم الله عز ~~وجل الذي هو كلمة مؤلفة من حروف الهجاء. ونحن نتبرك بالذكر له وبتعظيمه ~~ونجله ونكرمه، فله التبارك وله الإجلال منا ومن الله تعالى، وله الإكرام من ~~الله تعالى ومنا، حينما كان من قرطاس، أو في شيء منقوش فيه، أو مذكور ~~بالألسنة. ومن لم يجل اسم الله عز وجل كذلك ولا أكرمه، فهو كافر بلا شك. ~~فالآية على ظاهرها دون تأويل، فبطل تعلقهم بها. انتهى كلامه رحمه الله. ### | فائدة: # فيما قاله الأئمة في سر تكرير فبأي آلاء ربكما تكذبان قال السيوطي في ~~(الإتقان) في بحث التكرير: # قد يكون التكرير غير تأكيد صناعة، وإن كان مفيدا للتأكيد معنى. ومنه ما ~~وقع فيه الفصل بين المكررين، فإن التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكدة. # ثم قال: وجعل منه قوله: فبأي آلاء ربكما تكذبان فإنها، وإن تكررت نيفا ~~وثلاثين مرة، فكل واحدة تتعلق بما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان ~~الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة، لأن التأكيد لا يزيد عليها- ~~قاله ابن عبد السلام وغيره- انتهى. # وفي (عروس الأفراح) : فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك ~~بإطناب بل هي ألفاظ كل أريد به غير ما أريد به الآخر. # قلت: إذا قلنا: العبرة بعموم اللفظ، فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر، ~~ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه، ظاهرا في غيره. # فإن قلت: يلزم التأكيد؟ # قلت: والأمر كذلك، ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة، لأن ذاك ~~في التأكيد الذي هو تابع. أما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة، ~~فلا يمتنع. ms4333 # انتهى. # وقال العز بن عبد السلام في آخر كتابه (الإشارة إلى الإيجاز) وأما قوله: ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد ~~بكل واحدة منهن ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة ويجوز أن يراد ~~بالأولى ما تقدمها # PageV09P115 # من النعم، وبالثانية ما تقدمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية ~~والرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة، وهكذا إلى آخر السورة. # فإن قيل: كيف يكون قوله سنفرغ لكم أيه الثقلان نعمة، وقوله: يعرف ~~المجرمون بسيماهم نعمة، وكذلك قوله: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ~~وقوله: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس وقوله: يطوفون بينها وبين حميم آن. # قلنا: هذه كلها نعم جسام، لأن الله هدد العباد بها استصلاحا لهم، ليخرجوا ~~من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان إلى حيز الطاعة والإيمان، ~~والانقياد والإذعان. فإن من حذر من طريق الردى، وبين ما فيها من الأذى، وحث ~~على طريق السلامة، الموصلة إلى المثوبة والكرامة، كان منعما غاية الإنعام، ~~ومحسنا غاية الإحسان. ومثل ذلك قوله هذا ما وعد الرحمن [يس: 52] ، وعلى هذا ~~تصلح فيه مناسبة الربط، بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام. وأما قوله: كل من ~~عليها فان [الرحمن: 26] ، فإنه تذكير بالموت والفناء، للترغيب في الإقبال ~~على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء. انتهى. # وقال البغوي: كررت هذه الآية في أحد وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة، ~~وتأكيدا للتذكير بها. ثم عدد على الخلق آلاءه، وفصل بين كل نعمتين بما ~~نبههم عليه، ليفهمهم النعم ويقررهم بها. كقول الرجل لمن أحسن إليه، وتابع ~~إليه بالأيادي، وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ~~ألم تكن عريانا فكسوتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك، أفتنكر هذا؟ ~~ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب انتهى. # وقال السيد مرتضى في (الدرر والغرر) : التكرار في سورة الرحمن، إنما حسن ~~للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها، وبخ على ~~التكذيب، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك في الأموال؟ ms4334 ألم ~~أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن فيه التكرير، لاختلاف ما يقرر به، ~~وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، كقول مهلهل يرثي كليبا: # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور # PageV09P116 # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور # على أن ليس عدلا من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير # على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما خار جار المستجير # ثم أنشد قصائد أخرى على هذا النمط، وهو من لطائف العرب، فاعرفه. # وقال شيخ الإسلام في (متشابه القرآن) : ذكرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، ~~ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ ~~الخلق ومعادهم. ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب ~~جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء، رفع البلاء، وتأخير ~~العقاب. # وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما، بعدد أبواب الجنة، ~~وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، أخذا من ~~قوله: ومن دونهما جنتان. فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق ~~هاتين الثمانيتين من الله، ووقاه السبعة السابقة. انتهى. # اللهم زدنا اطلاعا على لطائف قرآنك الكريم، وغوصا على لآلئ فرقانك ~~العظيم. # PageV09P117 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الواقعة # سميت بها لأنها مملوءة بوقائع القيامة، التي هي الواقعة العظمى، لوقوعها ~~في أشد الأحوال- قاله المهايمي-. # وهي مكية. وآيها ست وتسعون. # وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله! قد شبت! قال شيبتني هود ~~والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت- رواه الترمذي «1» # وقال: # حسن غريب. # وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات ~~كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من ~~صلاتكم. # وكان يقرأ في ms4335 الفجر الواقعة ونحوها من السور. PageV09P118 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) # إذا وقعت الواقعة أي نزلت وجاءت. والواقعة علم بالغلبة على القيامة، أو ~~منقول، سميت بذلك لتحقق وقوعها، وكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بد من وقوعها، ~~واختيار (إذا) مع صيغة المضي، للدلالة على ما ذكر ليس لوقعتها كاذبة أي كذب ~~أو تكذيب. وقد جاء المصدر على زنة (فاعلة) كالعاقبة، والعافية. واللام ~~للاختصاص. أو المعنى: ليس حين وقعتها نفس كاذبة، أي تكذب على الله، أو تكذب ~~في نفيها. واللام للتوقيت. # قال الشهاب: والواقعة السقطة القوية، وشاعت في وقوع الأمر العظيم، وقد ~~تخص بالحرب، ولذا عبر بها هنا. خافضة رافعة أي تخفض الأشقياء إلى الدركات، ~~وترفع السعداء إلى الدرجات. وقيل، الجملة مقررة لعظمة الواقعة على طريق ~~الكناية، لأن من شأن الوقائع العظام أنها تخفض قوما وترفع آخرين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 4 الى 6] # إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) # إذا رجت الأرض رجا أي زلزلت زلزالا شديدا وبست الجبال بسا أي فتتت، أو ~~سيقت وأذهبت، كقوله وسيرت الجبال [النبأ: 20] ، فكانت هباء منبثا أي ~~متفرقا. قال قتادة: الهباء ما تذروه الريح من حطام الشجر. وقال غيره: هو ما ~~يرى من الكوة كهيئة الغبار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 7 الى 12] # وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب ~~المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) # في جنات النعيم (12) # PageV09P119 # وكنتم أزواجا أي أصنافا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب ~~المشئمة ما أصحاب المشئمة تقسيم وتنويع للأزواج الثلاثة، مع الإشارة ~~الإجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها. وإطلاق (الميمنة) و (المشأمة) اللتين ~~هما الجهتان المعروفتان، على منزلة السعداء الذين هم الأبرار والمصلحون من ~~الناس، وعلى دركة الأشقياء الذين هم الأشرار والمفسدون من الناس- أصله من ~~تيمن العرب باليمين، وتشاؤمهم بالشمال، كما في ms4336 السانح والبارح، وقولهم ~~للرفيع: هو منى باليمين، وللوضيع: هو منى بالشمال، تجوزا به، أو كناية به ~~عما ذكر. # وقيل: الميمنة والمشأمة بمعنى اليمين والشؤم، فليس بمعنى الجهة، بل بمعنى ~~البركة وضدها، لما عاد عليهم من أنفسهم وأفعالهم. وفي جملتي الاستفهام ~~إشارة إلى ترقي أحوالهما في الخير والشر، تعجبا منه. # والسابقون السابقون أي الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة، بعد ظهور الحق، ~~وأوذوا لأجله، وصبروا على ما أصابهم، وكانوا الدعاة إليه. # فإن قيل: لم خولف بين المذكورين في السابقين، وفي أصحاب اليمين، مع أن كل ~~واحد منهما إنما أريد به التعظيم والتهويل لحال المذكورين؟ # فنقول: التعظيم المؤدي بقوله: السابقون أبلغ من قرينه. وذلك أن مؤدي هذا ~~أن أمر السابقين، وعظمة شأنه، ما لا يكاد يخفى. وإنما تحير فهم السامع فيه ~~مشهور. وأما المذكور في قوله: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة فإنه تعظيم ~~على السامع بما ليس عنده منه علم سابق. ألا ترى كيف سبق بسط حال السابقين ~~بقوله: أولئك المقربون فجمع بين اسم الإشارة المشار به إلى معروف، وبين ~~الإخبار عنه بقوله: المقربون معرفا بالألف واللام العهدية؟ وليس مثل هذا ~~مذكورا في بسط حال أصحاب اليمين، فإنه مصدر بقوله: في سدر مخضود- أفاده ~~الناصر-. # والسابقون الثاني إما خبر، أي الذين عرفت حالهم، واشتهرت أوصافهم على حد ~~(وشعري شعري) ، أو تأكيد، والخبر قوله: # أولئك المقربون أي الذين يقربهم الله منه بإعلاء منازلهم في جنات النعيم. # PageV09P120 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 13 الى # 14] # ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) # ثلة من الأولين أي هم جماعة كثيرة من الذين سبقوا، لرسوخ إيمانهم وظهور ~~أثره في أعمالهم من العمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر على الجهاد في ~~سبيله، إلى غير ذلك من المناقب التي كانت ملكات لهم. وقليل من الآخرين أي ~~الذين جاءوا من بعدهم في الأزمنة التي حدثت فيها الغير، وتبرجت الدنيا ~~لخطابها، ونسي معها سر البعثة، وحكمة الدعوة. فما أقل الماشين على قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصحابه! لا جرم ms4337 أنهم وقتئذ الغرباء، لقلتهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 15 الى 26] # على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون ~~(17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) # وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) # على سرر موضونة أي مصفوفة، أو مشبكة بالدر والياقوت أو الذهب. # و (الوضن) التشبيك والنسج. متكئين عليها متقابلين أي بوجوههم، متساوين في ~~الرتب، لا حجاب بينهم أصلا. يطوف عليهم أي للخدمة ولدان مخلدون أي مبقون ~~على سن واحدة لا يموتون. بأكواب وأباريق أي حال الشرب. و (الكوب) إناء لا ~~عروة ولا خرطوم له. و (الإبريق) إناء له ذلك. وكأس من معين أي خمر جارية. # ثم أشار إلى أنها لذة كلها، لا ألم معها ولا خمار لا يصدعون عنها أي لا ~~يصدر عنها صداعهم لأجل الخمار، كخمور الدنيا، والصداع: وجع الرأس. وقرئ ~~بالتشديد من التفعل. أي لا يتفرقون. ولا ينزفون بكسر الزاي وفتحها. أي لا ~~تذهب عقولهم بسكرها وفاكهة مما يتخيرون أي يختارون ويرتضون. وأصله أخذ ~~الخيار والخير. # قال ابن كثير: وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ~~ثم استشهد له # بحديث عكراش لما أتي النبي صلى الله عليه وسلم بثريد، وأقبل عكراش يخبط ~~بيده # PageV09P121 # في جوانبه فقبض النبي صلى الله عليه وسلم بيده وقال: يا عكراش! كل من ~~موضع واحد، فإنه طعام واحد. ثم أتي بطبق فيه تمر أو رطب، فجعل عكراش يأكل ~~من بين يديه، وجالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق فقال: يا ~~عكراش! كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد- رواه الترمذي «1» # واستغربه- ولحم طير مما يشتهون أي يتمنون وحور عين أي وأزواج بيض واسعة ~~الأعين. عطف على ولدان أو مبتدأ محذوف الخبر. أي وفيها. أو ولهم حور. # وقرئ بالجر عطف على بأكواب قال الشهاب: وحينئذ إما أن يقال: يطوف بمعنى ms4338 ~~ينعمون مجازا أو كناية. على حد قوله: # وزججن الحواجب والعيونا # أو يبقى على حقيقته وظاهره، وأن الولدان تطوف عليهم بالحور أيضا، لعرض ~~أنواع اللذات عليهم من المأكول والمشروب والمنكوح، كما تأتي الخدام ~~بالسراري للملوك ويعرضونهن عليهم. وإلى هذا ذهب أبو عمرو وقطرب وجوز جعله ~~من الجر الجواري. قيل: والفصل يأباه ويضعفه. وأما عطفه على جنات بتقدير ~~مضاف أي هم في جنات، ومصاحبة حور- فقال أبو حيان: هو فهم أعجمي، فيه بعد ~~وتفكيك للكلام المرتبط، وهو ظاهر. ومن عصبه فقد تعصب. # كأمثال اللؤلؤ المكنون أي صفاؤهن كصفاء، الدر في الأصداف الذي لا تمسه ~~الأيدي وأصل المكنون الذي صين في كن جزاء بما كانوا يعملون أي من الصالحات. ~~لا يسمعون فيها لغوا أي هذيانا وكلاما غير مفيد، باطلا من القول. ولا ~~تأثيما أي ما يؤثم من الفحش والكذب والغيبة وأمثالها. إلا قيلا سلاما سلاما ~~قال القاشاني: أي قولا هو سلام في نفسه منزه عن النقائص، مبرأ عن الفضول ~~والزوائد. أو قولا يفيد سلامة السامع من العيوب والنقائض، ويوجب سروره ~~وكرامته، ويبين كماله وبهجته، لكون كلامهم كله معارف وحقائق، وتحايا ~~ولطائف، على اختلاف وجهي الإعراب، أي من كون سلاما بدلا من قيلا أو مفعوله. ~~والتكرير للدلالة على فشو السلام بينهم وكثرته، لأن المراد: سلاما بعد ~~سلاما، كقرأت النحو بابا بابا، فيدل على تكرره وكثرته. PageV09P122 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى # 40] # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) ~~وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) # وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) # عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من ~~الآخرين (40) # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين أي: أي شيء هم! أي هم شرفاء، عظماء كرماء، ~~يتعجب من أوصافهم في السعادة في سدر مخضود أي لا شوك له. أو موقر بالثمار ~~وطلح منضود يعني شجر الموز الذي نضد ثمره من أسفله إلى أعلاه. قال مجاهد: ~~كانوا يعجبون بوج من طلحه وسدره. وشجرة الموز ثمرتها ms4339 حلوة دسمة لذيذة لا ~~نوى لها وظل ممدود أي ممتد منبسط لا يتقلص وماء مسكوب أي مصبوب دائم ~~الجريان وفاكهة كثيرة لا مقطوعة أي لا تنقطع عنهم متى أرادوها، لكونها غير ~~متناهية، ولا ممنوعة أي لا تمنع عن طالبها. والقصد مباينتها لفاكهة الدنيا، ~~فإنها تنقطع أحيانا، كفاكهة الصيف في الشتاء، وتمتنع أحيانا لعزتها أو ~~جدبها وفرش مرفوعة أي مرتفعة في منازلها، أو على الأرائك للرقود والمضاجعة. # وقد يؤيده تأثره بوصف من يضاجعهن فيها. وهو قوله تعالى: إنا أنشأناهن ~~إنشاء أي بديعا فائق الوصف. فالضمير يعود على ما فهم من السياق والسباق. ~~وقيل: قد يكنى عن الحور بالفرش، كما يكنى عنهن باللباس. فالضمير المذكور ~~على طريق الاستخدام، إذ عاد إلى الفرش بمعنى النساء، بعد إرادة معناها ~~المعروف منها. وقيل: # على طريق الحقيقة. أي مرفوعة على الأرائك. كآية هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكؤن [يس: 56] ، فجعلناهن أبكارا أي لم يطمثن. عربا جمع عروب، وهي ~~المتحببة إلى زوجها. المحبوبة لتبعلها أترابا أي على سن واحدة لأصحاب ~~اليمين متعلق ب (أنشأنا) أو (جعلنا) أو صفة ل أبكارا أو خبر لمحذوف، مثل هن ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين أي جماعة وأمة من المتقدمين في الإيمان، ~~وممن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان من هذه الأمة. # والكثرة ظاهرة لوفرة أصحاب اليمين في أواخرهم دون السابقين، كما بينا ~~أولا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 48] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) # وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) # PageV09P123 # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم أي حر نار ينفذ في المسام وحميم ~~أي ماء متناهي الحرارة وظل من يحموم أي من دخان أسود، طبق أهويتهم المردية، ~~وعقائدهم الفاسدة، وهيئات نفوسهم المسودة، بالصفات المظلمة، والهيئات السود ~~الرديئة لا بارد ولا كريم أي ليس له صفتا الظل الذي يأوي إليه ms4340 الناس من ~~الروح، ونفع من يأوي إليه بالراحة، بل له إيذاء وإيلام وضر، بإيصال التعب ~~واللهب والكرب إنهم كانوا قبل ذلك مترفين أي منهمكين في اللذات والشهوات، ~~منغمسين في الأمور الطبيعية، والغواشي البدنية، فبذلك اكتسبوا هذه الهيئات ~~الموبقة، والتبعات المهلكة. وكانوا يصرون على الحنث العظيم أي الذنب ~~العظيم، من الأقاويل الباطلة والعقائد الفاسدة، التي استحقوا بها العذاب ~~المخلد، والعقاب المؤبد. وفسره (السبكي) بالقسم على إنكار البعث المشار ~~إليه بقوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [النحل: ~~38] ، قال الشهاب: وهو تفسير حسن، لأن الحنث، وإن فسر بالذنب مطلقا أو ~~الذنب العظيم، فالمعروف استعماله في عدم البر بالقسم، ولذا تأثره بما كانوا ~~يعتقدونه من إنكار البعث بقوله: وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 49 الى # 56] # قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم ~~أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن منها البطون ~~(53) # فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين ~~(56) # قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم أي معين عنده ~~تعالى، وهو يوم القيامة ثم إنكم أيها الضالون المكذبون أي الجاهلون المصرون ~~على جهالاتهم، والجاحدون للبعث. لآكلون من شجر من زقوم وهو من أخبث شجر ~~البادية في المرارة، وبشاعة المنظر. ونتن الريح فمالؤن منها البطون أي من # PageV09P124 # ثمراتها الوبيئة البشعة المحرقة فشاربون عليه من الحميم أي الماء الذي ~~انتهى حره وغليانه. قال الزمخشري: وأنث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على ~~اللفظ في قوله (منها) و (عليه) فشاربون شرب الهيم أي الإبل التي بها ~~الهيام، وهو داء لا ري معه، لشدة الشغف والكلب بها وهذا نزلهم يوم الدين أي ~~جزاؤهم في الآخرة. # وفيه مبالغة بديعة، لأن النزل ما يعد للقادم عاجلا إذا نزل، ثم يؤتى بعده ~~بما هو المقصود من أنواع الكرامة، فلما جعل هذا، مع أنه أمر مهول، كالنزل، ~~دل على أن بعده ما ms4341 لا يطيق البيان شرحه. وجعله نزلا. مع أنه ما يكرم به ~~النازل، متهكما، كما في قوله: # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 57 الى # 62] # نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) # ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) # نحن خلقناكم أي معشر قريش، والمكذبين بالبعث، فأوجدناكم بشرا، ولم تكونوا ~~شيئا فلولا تصدقون أي بالخلق. وهم، وإن كانوا مقرين به لقوله: ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] و [الزمر: 38] ، إلا أنه ~~نزل منزلة العدم والإنكار، لأنه إذا لم يقترن بالطاعة، والأعمال الصالحة، ~~لا يعد تصديقا. أو المعنى: فلولا تصدقون بالبعث، فإن من قدر على الإبداء، ~~قدر على الإعادة أفرأيتم ما تمنون أي ما تقذفونه في الرحم من النطف. أأنتم ~~تخلقونه أي بجعله بشرا سويا أم نحن الخالقون أي بإفاضة الصورة الإنسانية ~~عليه نحن قدرنا بينكم الموت أي كتبنا على كل نفس ذوقه. أي: ومن كان سبيله ~~ذلك، فشأنه أن يرهب من نزوله، ويتأهب لما يخوف به من بعده. والجملة مقررة ~~لما قبلها بإيذان أنهم في قبضة القدرة، فلا يغترون بالإمهال، بدليل ما قدره ~~عليهم من الموت. وفي قوله تعالى: بينكم زيادة تنبيه، كأنه بين ظهرانيهم، ثم ~~أكد ما قرره بقوله تعالى: # وما نحن بمسبوقين أي بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم # أي بعد مهلككم، فنجيء بآخرين من جنسكم وننشئكم في ما لا تعلمون # من صور وأشكال أخرى، فكيف نعجز عن إعادتكم؟. # PageV09P125 # قال الشهاب: والظاهر أن قوله: وننشئكم # المراد به إذا بدلناكم بغيركم، لا في الدار الآخرة، كما توهم. وهذا كقوله ~~تعالى: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين [النساء: 133] ، ولقد علمتم ~~النشأة الأولى أي أنه أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة. فلولا تذكرون أي فتعرفون أن الذي قدر على ms4342 هذه ~~النشأة، وهي البداءة. قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة، وأنها أهون ~~عليه ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 63 الى 67] # أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء ~~لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) # أفرأيتم ما تحرثون أي ما تحرثون الأرض لأجله، وهو الحب. و (الحرث) : # شق الأرض للزراعة، وإثارتها، وإلقاء البذر فيها. أأنتم تزرعونه أي ~~تنبتونه أم نحن الزارعون أي المنبتون وعن بعض السلف أنه كان إذا قرأ هذه ~~الآية وأمثالها يقول: بل أنت يا رب! لو نشاء لجعلناه حطاما أي أيبسناه قبل ~~استوائه واستحصاده. وأصل (الحطام) ما تحطم وتفتت لشدة يبسه فظلتم تفكهون أي ~~تعجبون من هلاكه ويبسه بعد خضرته. أو تندمون على اجتهادكم فيه الذي ضاع ~~وخسر. أو (تفكهون) على ما أصبتم لأجله من المعاصي، فتتحدثون فيه. # و (التفكه) التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل بالحديث، لأنه ذو ~~شجون. # وقوله تعالى: إنا لمغرمون مقول قول مقدر، هو حال. أي قائلين، أو يقولون: ~~إنا لمغرمون. أي ملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا. من ~~(الغرام) بمعنى الهلاك قال: # إن يعذب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا يبالي بل نحن محرومون أي حرمنا ~~رزقنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 68 الى 70] # أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) # أفرأيتم الماء الذي تشربون يعني العذاب الصالح للشرب أأنتم أنزلتموه من # PageV09P126 # المزن # أي السحاب المعبر عنه بالسماء في غير ما آية أم نحن المنزلون أي لكم إلى ~~قرار الأرض، ومسلكوه ينابيع فيها لو نشاء جعلناه أجاجا أي ملحا لا يصلح ~~لشراب ولا زرع فلولا تشكرون أي نعمة الله عليكم في جعله عذبا فراتا، لشربكم ~~وزرعكم، وصلاح معايشكم ومنافعكم. ### | لطيفة: # قال الإمام ابن الأثير في (المثل السائر) في النوع الحادي عشر من المقالة ~~الثانية، في بحث ورود لام التوكيد في الكلام، وأنها لا تجيء إلا لضرب من ~~المبالغة، في ms4343 سر مجيء اللام في قوله تعالى: لجعلناه حطاما دون قوله: جعلناه ~~أجاجا ما مثاله: # أدخلت اللام في آية المطعوم، دون آية المشروب. وإنما جاءت كذلك، لأن جعل ~~الماء العذب ملحا. أسهل إمكانا في العرب والعادة. والموجود من الماء الملح، ~~أكثر من الماء العذب. وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي ~~المتغيرة التربة، أحالتها إلى الملوحة. فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا، ~~إلى زيادة تأكيد. # فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق. وأم المطعوم فإن ~~جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط ~~من الله شديد، فلذلك قرن بلام التأكيد، زيادة في تحقيق أمره، وتقرير ~~إيجاده. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 71 الى # 74] # أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) ~~نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74) # أفرأيتم النار التي تورون أي تقدحون. أي تستخرجونها من الزند، وهو العود ~~الذي تقدح منه أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن أي بل نحن جعلناها مودعة ~~في موضع. وللعرب شجريان: أحدهما المرخ، والأخرى العفار، إذا أخذ منهما ~~غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر، تباين من بينهما شرر النار. وقد تقدم ~~بيانه في آخر سورة يس. نحن جعلناها تذكرة أي جعلنا نار الزناد تبصرة في أمر ~~البعث، لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها، قادر على إعادة ما ~~تفرقت مواده. # أو تذكيرا لنار جهنم ومتاعا أي منفعة للمقوين أي المسافرين الذين ينزلون ~~القواء، وهي القفر. يقال: أقوى إذا نزل القواء، كأصحر إذا دخل الصحراء، فإن ~~الإفعال يكون للدخول في معنى مصدر مجرده. # PageV09P127 # وعن مجاهد: (المقوين) المستمتعين، المسافر والحاضر. # وعن ابن زيد: هم الجائعون. تقول العرب: أقويت منه كذا وكذا، أي: ما أكلت ~~منه. وأقوت الدار: خلت من ساكنيها وانتفاعهم بها، لأنهم يطبخون بها. # ولشدة احتياجهم لها، خصوا بالذكر مع انتفاع غيرهم بها. # فسبح باسم ربك العظيم أي سبح اسمه. قال الزمخشري: بأن تقول: سبحان ms4344 الله. ~~إما تنزيها له عما يقول الظالمون الذين يجحدون وحدانيته، ويكفرون نعمته. # وإما تعجبا من أمرهم في غمط آلائه وأياديه الظاهرة. وإما شكرا لله على ~~النعم التي عدها ونبه عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى 79] # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) # فلا أقسم بمواقع النجوم أي منازل الكواكب ومراكزها البهيجة في السماء. # أو بمساقطها ومغاربها، وهي أوقات غيبتها عن الحواس. أو بمساقطها ~~وانتشارها يوم القيامة. و (لا) في (لا أقسم) إما مزيدة للتأكيد، وتقوية ~~الكلام، وقد عهدت زيادتها في كلامهم، كما أوضحه في (فقه اللغة) وإما (لا ~~أقسم) بتمامها صيغة من صيغ القسم، على ما ارتضاه بعض المحققين. وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم أي لما في القسم من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة. ~~إنه لقرآن كريم أي له كرم وشرف وقدر رفيع لاشتماله على أمهات الحكم ~~والأحكام، وما تنطبق عليه حاجات الأنام على الدوام في كتاب مكنون أي محفوظ ~~مصون، لا يتغير ولا يتبدل. أو محفوظ عن ترداد الأيدي عليه، كغيره من الكتب، ~~بل هو كالدر المصون إلا عن أهله، كما قال: لا يمسه إلا المطهرون اعلم أن في ~~الآية أقوالا عديدة، مرجعها إلى أن المس مجاز أو حقيقة، وأن الضمير عائد ~~للكتاب بمعنى الوحي المتلقى، أو المصحف، وأن (المطهرون) هم الملائكة، أو ~~المتقون، أو المتطهرون من الأحداث والأخباث. وذلك لاتساع ألفاظها الكريمة، ~~لما ذكر بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز، وهاك ملخص ذلك ولبابه: # فأما أكثر المفسرين، فعلى أنه عني بالآية الملائكة. فنفي مسه كناية عن ~~لازمه، وهو نفي الاطلاع عليه، وعلى ما فيه. والمراد ب (المطهرين) حينئذ إما ~~جنس الملائكة، أو من نزل به وهو روح القدس. وطهارتهم نقاء ذواتهم عن كدورات # PageV09P128 # الأجسام، ودنس الهيولى، أو عن المخالفة والعصيان. # وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر ~~الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما ms4345 قال: وما تنزلت به الشياطين وما ~~ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون [الشعراء: 210- 212] . # انتهى. قال ابن كثير: وهذا القول قول جيد. # وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. ومثله قول محمد بن الفضل: # لا يقرؤه إلا الموحدون. # فنفي مسه كناية عن ترك تقبله، والاهتداء به، والعناية به، فإن مس الشيء ~~سبب حب الملموس، وأثر الإقبال عليه، ورائد الانصياع له، والطهارة حينئذ هي ~~نظافة القلب من دنس الشرك والنفاق، والملكات الرديئة، والغرائز الفاسدة. # وقال آخرون: عني ب (المطهرين) المتطهرون من الجنابة والحدث. قالوا: # ولفظ الآية خبر، ومعناها النهي، إشارة إلى أن تلك الصفة طبيعة من طبائعه، ~~ولازم من لوازمه، لشرفه وعظم شأنه. # قالوا: والمراد ب (الكتاب) المصحف، واحتجوا بما رواه الإمام مالك في ~~موطئه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي ~~كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، أن لا يمس القرآن إلا ~~طاهر. وبما روى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: ~~إنه رجس ولا يمسه إلا المطهرون إلا أن فيهما مقالا بينه الحافظ ابن حجر في ~~(تلخيص الحبير) وأشار له ابن كثير أيضا. ومع ذلك فالدلالة ليست قطعية. وقد ~~أوضح ذلك الشوكاني في (نيل الأوطار) وعبارته: # (الطاهر) يطلق بالاشتراك على المؤمن- والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر- ~~ومن ليس على بدنه نجاسة. ويدل لإطلاقه على الأول قوله الله تعالى: إنما ~~المشركون نجس [التوبة: 28] ، # وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة «1» : المؤمن لا ينجس. # وعلى الثاني وإن كنتم جنبا فاطهروا [المائدة: 6] ، وعلى الثالث: # قوله «2» صلى الله عليه وسلم PageV09P129 # في المسح على الخفين: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين. # وعلى الرابع: الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية ~~يسمى طاهرا. وقد ورد إطلاق ذلك في كثير. فمن أجاز حمل المشترك على جميع ~~معانيه، حمله عليها هنا. # والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب. والذي يترجح أن المشترك مجمل ~~فيها، فلا يعمل ms4346 به حتى يبين. وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثا ~~أكبر أن يمس المصحف. وخالف في ذلك داود. استدل المانعون للجنب بقوله تعالى: ~~لا يمسه إلا المطهرون وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعا إلى القرآن. ~~والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، لأنه الأقرب. والمطهرون ~~الملائكة. # ولو سلم عدم الظهور، فلا أقل من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ~~ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية. ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين، ~~لكانت دلالته على المطلوب، وهو منع الجنب من مسه، غير مسلمة. لأن المطهر من ~~ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائما، لحديث: المؤمن لا ينجس. وهو متفق عليه. # فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة ~~عينية، بل تعين حمله على من ليس بمشرك، كما في قوله تعالى: إنما المشركون ~~نجس لهذا الحديث، ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو. ولو سلم ~~صدق اسم (الطاهر) على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر. فقد عرفت أن الراجح ~~كون المشترك مجملا في معانيه، فلا يعين حتى يبين. وقد دل الدليل هاهنا أن ~~المراد به غيره # لحديث (المؤمن لا ينجس) # . ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته، لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحا ~~بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ~~ولو سلم رجحان القول بجواز الاستعمال في جميع معانيه، لما صح، لوجود ~~المانع، وهو # حديث: المؤمن لا ينجس. # واستدلوا أيضا بحديث عمرو بن حزم المتقدم، وأجيب بأنه غير صالح للاحتجاج. ~~لأنه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إسناده خلاف شديد، ولو سلم صلاحيته ~~للاحتجاج، لعاد البحث السابق في لفظ (طاهر) وقد عرفته. # قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: إن إطلاق اسم النجس على ~~المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر، لا يصح لا ~~حقيقة ولا مجازا ولا لغة. صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه. فإن ثبت هذا ~~فالمؤمن طاهر دائما، فلا ms4347 يتناوله الحديث، سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا، ~~أو على بدنه نجاسة. # PageV09P130 # فإن قلت: إذا تم ما تريد من حمل (الطاهر) على من ليس بمشرك، فما جوابك ~~فيما ثبت في المتفق عليه من # حديث ابن عباس «1» # أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك ~~الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين. # ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة إلى قوله: مسلمون [آل عمران: 64] ، مع ~~كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب ووقوع اللمس منهم له معلوم؟ # قلت: أجعله خاصا بمثل الآية والآيتين، فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك ~~المقدار، لمصلحة، كدعائه إلى الإسلام. ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه قد صار ~~باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه، ككتب التفسير، فلا تخصص به الآية والحديث. ~~إذا تقرر لك هذا، عرفت عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك. # وقد عرفت الخلاف في الجنب. وأما المحدث حدثا أصغر، فذهب ابن عباس والشعبي ~~والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إلى أنه ~~يجوز له مس المصحف. وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإمام يحيى: لا يجوز. # واستدلوا بما سلف، وقد سلف ما فيه. انتهى كلام الشوكاني. ### | تنبيه في لطف دلالة هذه الآية وما تشير إليه من العلم المكنون: # قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) في مباحث أمثال القرآن الكريم، ~~ما مثاله: الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني، أن لا ~~يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه، والمعنى وقد مدح ~~الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم. ومعلوم أن ~~الاستنباط إنما هو استنباط المعاني، والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبر ما ~~يصح منها بصحة مثله وشبهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس ~~من الاستنباط. # قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج. ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم ~~اللفظ فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط، إذ موضوعات الألفاظ لا تنال ~~بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه ms4348 والنظائر، ومقاصد ~~المتكلم. والله سبحانه ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه، وحمد من ~~استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه. يوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر ~~الذي من شأنه أن يخفى على غير PageV09P131 # مستنبطه. ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين. ومن هذا # قول «1» علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سئل: هل خصكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ # فقال: لا، والذي فلق الحبة. وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في ~~كتابه! # ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، ~~فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ~~ونظائره، ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير ~~المراد ولا يخرج منها شيء من المراد. وأنت إذا تأملت قوله تعالى: إنه لقرآن ~~كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، وجدت الآية من أظهر الأدلة على ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن القرآن جاء من عند الله وأن الذي جاء به ~~روح مطهرة، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل. ووجدت الآية أخت قوله: وما ~~تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون [الشعراء: 210- 211] ، ~~ووجدتها دالة بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، ووجدتها دالة ~~أيضا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به، وعمل به، ~~كما فهمه البخاري من الآية، فقال في صحيحه في باب قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها [آل عمران: 93] ، لا يمسه لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ~~ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا [الجمعة: 5] ، وتجد تحته أيضا لا ينال معانيه ~~ويفهمه كما ينبغي، إلا القلوب الطاهرة، وإن القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، ~~مصروفة عنه. فتأمل هذا السبب القريب، وعقد هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين ~~المعنى الظاهر من الآية، واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه ~~وأبينه. فهذا من ms4349 الفهم الذي أشار إليه علي رضي الله عنه. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 80 الى # 82] # تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون (82) # تنزيل من رب العالمين أي الذي رباهم بالكمالات، وهداهم إليها بتنزيلها ~~منه أفبهذا الحديث يعني القرآن الذي قص عليكم فخامة شأنه، وعظمة مقداره ~~أنتم مدهنون قال ابن جرير: أي تلينون القول للمكذبين، ممالأة منكم لهم على ~~التكذيب به والكفر. وأصل (الإدهان) - كما قال الشهاب- جعل الأديم ونحوه ~~PageV09P132 # مدهونا بشيء من الدهن. ولما كان ذلك ملينا له محسوسا، أريد به اللين ~~المعنوي، على أنه تجوز به عن مطلق اللين، أو استعير له. ولذا سميت المداراة ~~والملاينة، مداهنة. وهذا مجاز معروف، ولشهرته صار حقيقة عرفية، فلذا تجوز ~~به هنا عن التهاون أيضا، لأن المتهاون بالأمر، لا يتصلب فيه وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون أي شكر رزقكم إياه تكذيبكم به، كفرا لنعمته، وجحدا لمنته. # قال ابن جرير: أي وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم، التكذيب. وذلك كقول ~~القائل لآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى جعلت شكر إحساني أو ~~ثواب إحساني إليك، إساءة منك إلي. # وقد ذكر عن الهيثم بن عدي: أن من لغة أزدشنوءة (ما رزق فلان) بمعنى ما ~~شكر. انتهى. # وقد حمل بعضهم (الرزق) هنا على النعمة مطلقا، والأظهر أنه نعمة القرآن، ~~للسياق. # وقال القاشاني: أي وتجعلون قوتكم القلبي ورزقكم الحقيقي، تكذيبه، ~~لاحتجابكم بعلومكم، وإنكاركم ما ليس من جنسه، كإنكار رجل جاهل ما يخالف ~~اعتقاده كأن علمه نفس تكذيبه. أو رزقكم الصوري. أي لمداومتكم على التكذيب، ~~كأنكم تجعلون التكذيب غذاءكم. كما تقول للمواظب على الكذب: # الكذب غذاؤه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 83 الى # 85] # فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) # فلولا إذا بلغت أي النفس، لدلالة الكلام عليها الحلقوم وأنتم حينئذ ~~تنظرون أي حالة نزعه، أو تنتظرون لفظه النفس الأخير. والخطاب لمن حول ~~المحتضر: ونحن أقرب إليه منكم ms4350 ولكن لا تبصرون قال جمهور السلف: يعني ملك ~~الموت أدنى إليه من أهله، ولكن لا تبصرون الملائكة. أو لا تدركون كنه ما ~~يقاسيه. وبعضهم فسر القرب بالعلم والقدرة. وتقدم بسط الأقوال، وترجيح الأول ~~في تفسير آية ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ، في سورة (ق) فرجع ~~إليه فإنه مهم. # وهذه الجملة معترضة، أو حالية كالتي قبلها. # PageV09P133 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الواقعة (56) : الآيات 86 الى 96] # فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان ~~من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين ~~(90) # فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) ~~فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) # فسبح باسم ربك العظيم (96) # فلولا إن كنتم غير مدينين أي غير مجزيين يوم القيامة. أو مملوكين ~~مقهورين. من (دانه) أذله واستعبده. ترجعونها أي تردون النفس إلى مقرها عند ~~بلوغها الحلقوم إن كنتم صادقين أي في أنكم غير مسوسين، مربوبين مقهورين. # يعني أنكم مجبرون عاجزون تحت قهر الربوبية، وإلا لأمكنكم دفع ما تكرهون ~~أشد الكراهية، وهو الموت. فأما إن كان أي الميت من المقربين أي السابقين من ~~الأصناف الثلاثة المذكورة في أول السورة فروح أي فله راحة وريحان أي رزق ~~طيب، أو شجر ناضر يتفيأ ظلاله وجنة نعيم أي يتنعم فيها مما تشتهيه الأنفس، ~~وتلذ الأعين وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين قال ابن ~~كثير: أي تبشرهم الملائكة بذلك. تقول لأحدهم: سلام لك، أي لا بأس عليك أنت ~~إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. # وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال ~~عكرمة: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وهذا معنى حسن. # ويكون ذلك كقول الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ~~الآيات [فصلت: 30] . انتهى. # وقال الرازي: في السلام وجوه: # أولها- يسلم به ms4351 صاحب اليمين، على صاحب اليمين كما قال تعالى من قبل: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما [الواقعة: 25] . # ثانيها- فسلام لك أي سلامة لك من أمر خاف قلبك منه، فإنه في أعلى ~~المراتب. وهذا كما يقال لمن تعلق قلبه بولده الغائب عنه، إذا كان يخدم عند ~~كريم: كن فارغا من جانب ولدك، فإنه في راحة. # PageV09P134 # ثالثها- أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم، كما يقال: فلان ناهيك به، وحسبك ~~أنه فلان. إشارة إلى أنه ممدوح فوق حد الفضل. انتهى. # ثم قال الرازي: والخطاب بقوله: لك يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. وحينئذ فيه وجه. وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإنهم غير محتاجين إلى شيء من الشفاعة وغيرها. فسلام لك يا محمد ~~منهم، فإنهم في سلامة وعافية، لا يهمك أمرهم. أو فسلام لك يا محمد منهم، ~~وكونهم ممن يسلم على محمد صلى الله عليه وسلم دليل العظمة، فإن العظيم لا ~~يسلم عليه إلا عظيم. انتهى. # وأما إن كان من المكذبين أي بآيات الله الضالين أي الجائرين عن سبيله. ~~فنزل من حميم أي ماء انتهى حره. فهو شرابه وتصلية جحيم أي إحراق بالنار إن ~~هذا أي المذكور من أحوال الفرق الثلاثة وعواقبهم لهو حق اليقين أي حقيقة ~~الأمر، وجلية الحال، لا لبس فيه ولا ارتياب. والإضافة إما من إضافة الموصوف ~~إلى الصفة، أي الحق اليقين: كما يقال: دار الآخرة. والدار الآخرة أو ~~بالعكس، أي اليقين الحق. أو من إضافة العام للخاص، أي كعلم الأمر اليقين. ~~فالإضافة حينئذ لامية، أو بمعنى (من) . ### | تنبيه: # في (الإكليل) : استدل بالآيات هذه على أن الروح بعد مفارقة البدن، منعمة ~~أو معذبة، وعلى أن مقر أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار. # فسبح باسم ربك العظيم أي نزهه عما يصفونه به من الأباطيل، وما يتفوهون به ~~من الأضاليل، قولا وعملا. # PageV09P135 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحديد # سميت به لأنه ناصر لله ولرسوله في الجهاد، فنزل منزلة الآيات الناصرة ms4352 لله ~~ولرسوله، على أنه سبب لإقامة العدل، كالقرآن. وأيضا أنه جامع للمنافع، ~~فأشبهه أيضا، فسميت سورة ذكر فيه، بذلك- أفاده المهايمي-. # وهي مدنية على الأصح، بل قال النقاش: إنها مدنية بإجماع المفسرين، ونظم ~~آياتها. وما تشير إليه، يؤيده قطعا. # وآيها تسع وعشرون. # روى الإمام أحمد «1» عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد. وقال: إن فيهن آية أفضل من ألف آية. وهكذا ~~رواه أبو داود والترمذي والنسائي # . قال ابن كثير: والآية المشار إليها في الحديث هي- والله أعلم- قوله ~~تعالى: هو الأول والآخر الآية. لما سيأتي بيانه- والله أعلم. PageV09P136 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) # سبح لله ما في السماوات والأرض أي أظهر كل موجود تنزيهه عن الشريك ~~والولد، وكل ما لا يليق به، وآذن بانفراده في ألوهيته، وتدبيره وعلمه ~~وقدرته. فإن من شاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها، على حال من ~~الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واستحالة بعض الموجودات إلى ~~بعض، لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غاياته- فبالضرورة يقضي بأن هذا الترتيب ~~المحكم هو أثر خالق واحد، مدبر لنظامه، مريد لسيرة في سننه، كما بسطناه في ~~(دلائل التوحيد) . وهو العزيز أي القوي الذي يقهر كل ما في السموات والأرض ~~الحكيم أي الذي رتب نظام كل موجود على ترتيب حكمي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 2] # له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) # له ملك السماوات والأرض أي سلطانهما، ونفوذ الأمر فيهما يحيي ويميت أي ~~يوجد ما يشاء من الحيوان والنبات كيفما شاء، ويميته بعد بلوغه أجله فيفنيه ~~وهو على كل شيء قدير أي تام القدرة، فلا يتعذر عليه شيء أراده من إحياء ~~وإماتة وغيرهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 3] # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) # هو الأول أي السابق على كل موجود، من حيث إنه ms4353 موجده ومحدثه والآخر أي ~~الباقي بعد فناء كل شيء والظاهر أي وجوده بالأدلة الدالة عليه. # PageV09P137 # وقال ابن جرير. أي الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا ~~شيء أعلى منه والباطن أي باحتجابه بذاته وماهيته. أو العالم بباطن كل شيء. ~~قال ابن جرير: أي الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ، وهو بكل شيء عليم أي تام العلم، ~~فلا يخفى عليه شيء. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يدعو عند النوم: اللهم! رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب ~~كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا ~~أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. أنت الأول فليس قبلك شيء. وأنت ~~الآخر فليس بعدك شيء. وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن ليس دونك شيء. ~~اقض عنا الدين. وأغننا من الفقر- ورواه مسلم «2» وغيره- ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 4] # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير (4) # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال القاشاني: أي من الأيام ~~الإلهية، وقيل المعهودة- والله أعلم- ثم استوى على العرش قال ابن جرير: أي ~~هو الذي أنشأ السموات السبع والأرضين، فدبرهن وما فيهن، ثم استوى على عرشه ~~فارتفع عليه وعلا. يعلم ما يلج في الأرض أي من خلقه كالأموات والبذور ~~والحيوانات وما يخرج منها أي كالزروع وما ينزل من السماء أي من الأمطار ~~والثلوج والبرد والأقدار والأحكام وما يعرج فيها أي من الملائكة والأعمال ~~وغيرها. وهو معكم أين ما كنتم قال ابن جرير: أي وهو شاهد لكم، أينما كنتم، ~~يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع. # قال شيخ الإسلام ابن ms4354 تيمية رحمه الله في (شرح حديث النزول) : لفظ المعية ~~PageV09P138 # في سورة الحديد والمجادلة، في آيتيهما، ثبت تفسيره عن السلف بالعلم. ~~وقالوا: # هو معهم بعلمه. وقد ذكر الإمام ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم أحد يعتد بقوله. وهو مأثور عن ~~ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. قال ~~ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية: هو على العرش وعلمه معهم، وهكذا ~~عمن ذكر معه. وقد بسط الإمام أحمد الكلام على المعية في (الرد على الجهمية) ~~. ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاما كما في هاتين الآيتين، وجاء خاصا كما ~~في قوله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون # [النحل: 128] ، وقوله: # إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] ، وقوله: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: # 40] ، فلو كان المراد بذاته مع كل شيء، لكان التعميم يناقض التخصيص، فإنه ~~قد علم أن قوله: لا تحزن إن الله معنا أراد به تخصيصه وأبا بكر، دون عدوهم ~~من الكفار. وكذلك قوله: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون خصهم بذلك ~~دون الظالمين والفجار. وأيضا، فلفظ المعية، ليست في لغة العرب، ولا شيء من ~~القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى، كما في قوله محمد رسول ~~الله والذين معه [الفتح: 29] ، وقوله فأولئك مع المؤمنين [النساء: 146] ، ~~وقوله: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] ، وقوله: وجاهدوا معكم ~~[الأنفال: 75] ، ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله: وهو معكم، يدل على أن ~~ذاته مختلطة بذوات الخلق. وأيضا، فإنه افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، ~~فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم به. وقد بسط الكلام عليه في موضع ~~آخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة ~~والمقاربة، فهو إذا كان مع العباد، لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم ~~معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص ~~بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد. انتهى. # وقال الإمام موفق الدين ms4355 بن قدامة المقدسي رضي الله عنه في كتاب (ذم ~~التأويل) : # فإن قيل: فقد تأولتم آيات وأخبارا، فقلتم في قوله تعالى: وهو معكم أين ما ~~كنتم أي بالعلم، ونحو هذا من الآيات والأخبار، فيلزمكم ما لزمنا؟ # قلنا: نحن لم نتأول شيئا، وحمل هذه اللفظات على هذه المعاني ليس بتأويل # PageV09P139 # لأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، وهذه المعاني هي الظاهر من هذه الألفاظ، ~~بدليل أنه المتبادر إلى الإفهام منها. وظاهر اللفظ هو ما يسبق إلى الفهم ~~منه، حقيقة كان أو مجازا. ولذلك كان ظاهر الأسماء العرفية، المجاز دون ~~الحقيقة، كاسم الرواية والظعينة وغيرهما من الأسماء العرفية، فإن ظاهر هذا، ~~المجاز دون الحقيقة، وصرفها إلى الحقيقة يكون تأويلا يحتاج إلى دليل وكذلك ~~الألفاظ التي لها عرف شرعي، وحقيقة لغوية، كالوضوء والطهارة والصلاة والصوم ~~والزكاة والحج، إنما ظاهرها العرف الشرعي دون الحقيقة اللغوية. وإذا تقرر ~~هذا، فالمتبادر إلى الفهم من قولهم (إن الله معك) أي بالحفظ والكلاءة. ~~ولذلك قال الله تعالى فيما أخبر عن نبيه إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله ~~معنا [التوبة: 40] ، وقال لموسى إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] ، ولو أراد ~~أنه بذاته مع كل أحد لم يكن لهم بذلك اختصاص، لوجوده في حق غيرهم، كوجوده ~~فيهم، ولم يكن ذلك موجبا لنفي الحزن عن أبي بكر، ولا علة له. فعلم أن ظاهر ~~هذه الألفاظ هو ما حملت عليه، فلم يكن تأويلا. ثم لو كان تأويلا فما نحن ~~تأولناه، وإنما السلف رحمة الله عليهم، الذين ثبت صوابهم، ووجب اتباعهم، هم ~~الذين تأولوه. فإن ابن عباس والضحاك ومالكا وسفيان وكثيرا من العلماء قالوا ~~في قوله: وهو معكم أي علمه. ثم قد ثبت بكتاب الله، والمتواتر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف، أن الله تعالى في السماء على عرشه، وجاءت ~~هذه اللفظة مع قرائن محفوفة بها دالة على إرادة العلم منها، وهو قوله ألم ~~تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض [المجادلة: 7] ، ثم قال في ~~آخرها إن الله بكل ms4356 شيء عليم. فبدأها بالعلم، وختمها به، ثم سياقها لتخويفهم ~~بعلم الله تعالى بحالهم، وأنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ويجازيهم عليه، ~~وهذه قرائن كلها دالة على إرادة العلم، فقد اتفق فيها هذه القرائن، ودلالة ~~الأخبار على معناها، ومقالة السلف وتأويلهم. فكيف يلحق بها ما يخالف الكتاب ~~والأخبار ومقالات السلف؟ فهذا لا يخفى على عاقل إن شاء الله تعالى، وإن خفي ~~فقد كشفناه وبيناه بحمد الله تعالى. ومع هذا لو سكت إنسان عن تفسيرها ~~وتأويلها لم يخرج ولم يلزمه شيء، فإنه لا يلزم أحدا الكلام في التأويل إن ~~شاء الله تعالى. # انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله. # والله بما تعملون بصير أي فيجازيكم عليه. # PageV09P140 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : الآيات 5 الى 6] # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) # له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور أي أمور جميع خلقه، فيقضي ~~بينهم بحكمه. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي يدخل ما نقص ~~من ساعات أحدهما فيجعله زيادة في الآخر بحكمته وتقديره. وهو عليم بذات ~~الصدور أي بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 7] # آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) # آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه أي آمنوا الإيمان ~~اليقيني ليظهر أثره عليكم، فيسهل عليكم الإنفاق من مال الله الذي مولكم ~~إياه، وجعلكم مستخلفين فيه، بتمكينكم وإقداركم على التصرف فيه بحكم الشرع، ~~إذ الأموال كلها لله، واختصاص نسبة التصرف إنما هو بحكمه في شريعته- أفاده ~~القاشاني-. # وقال الشهاب: الخلافة إما عمن له التصرف الحقيقي، وهو الله تعالى، وهو ~~المناسب لقوله: له ملك السماوات والأرض، أو عمن تصرف فيها قبلهم ممن كانت ~~في أيديهم فانتقلت لهم. وعلى كل، ففيه حث على الإنفاق، وتهوين له. أما على ~~الأول فظاهر. لأنه أذن له ms4357 في الإنفاق من ملك غيره، ومثله يسهل إخراجه ~~وتكثيره. وعلى الثاني أيضا، لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله، علم أنه لا ~~يدوم له أيضا، فيسهل عليه الإخراج. # ومال المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 8] # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) # وما لكم لا تؤمنون بالله أي وما يصدكم عنه، وقد ظهرت دواعيه، # PageV09P141 # واتضحت سبله لذويه كما قال والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم أي يدعوكم من ~~طريق النظر والتفكر إلى الإيمان بالذي رباكم بنعمه، وصرفكم بآلائه، فوجب ~~عليكم شكره. وقد أخذ ميثاقكم أي بالإيمان، إذ ركب فيكم العقول، ونصب ~~الأدلة. # ومكنكم من النظر، بل أودع في فطركم ما يضطركم لذلك إذا نبهتم، وقد حصل ~~ذلك بتذكير الرسول، فما عليكم إلا أن تأخذوا في سبيله. إن كنتم مؤمنين قال ~~القاشاني: أي إن بقي نور الفطرة والإيمان الأزلي فيكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 9] # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرؤف رحيم (9) # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات أي حججا واضحات، وبراهين قاطعات، ~~ليخرجكم أي الله، أو عبده بآياته من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الجهل ~~والكفر والأهواء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين، الذي تشعر به النفوس، ~~وتطمئن به القلوب. وإن الله بكم لرؤف رحيم أي في إنزاله الكتب، وإرساله ~~الرسل لهدايتكم، إزاحة للعلل، وإزالة للشبه. # ولما كان إنزال هذه السورة للأمر بالإنفاق في سبيل الله، والترغيب فيه، ~~والحث عليه، أكثر من ذكره في ضروب من البيان، وفنون من الأحكام. ولذا قال ~~سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 10] # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ms4358 ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض أي يرث كل ~~شيء فيهما، ولا يبقى لأحد مال. وإذا كان كذلك، فما أجدر أن ينفق المرء في ~~حياته، ويتخذه ذخرا يجده بعد مماته. # قال الشهاب: هذا من أبلغ ما يكون في الحث على الإنفاق، لأنه قرنه ~~بالإيمان أولا لما أمرهم به، ثم وبخهم على ترك الإيمان، مع سطوع براهينه، ~~وعلى ترك الإنفاق # PageV09P142 # في سبيل من أعطاه لهم، مع أنهم على شرف الموت، وعدم بقائه لهم إن لم ~~ينفقوه. # وسبيل الله كل خير يوصلهم إليه، أعم من الجهاد وغيره. وقصر بعضهم إياه ~~على الجهاد، لأنه فرده الأكمل، وجزؤه الأفضل، من باب قصر العام على أهم ~~أفراده وأشملها، لا سيما وسبب النزول كان لذلك. # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أي من قبل فتح مكة، أو صلح ~~الحديبية، وقاتل لتعلو كلمة الحق. ومن أنفق من بعد وقاتل في حال قوة ~~الإسلام، وعزة أهله. فحذف الثاني لوضوح الدلالة عليه. فإن الاستواء لا يتم ~~إلا بذكر شيئين. # على أنه أشير إليه بقوله مستأنفا عنهم، زيادة في التنويه بهم: أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا أي لعظم موقع نصرة الرسول، صلوات الله ~~عليه، بالنفس، وإنفاق المال في تلك الحال، وفي المسلمين قلة، وفي الكافرين ~~شوكة وكثرة عدد. فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد، بخلاف ما بعد ~~الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا، والكفر ضعيفا. ويدل عليه قوله ~~تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار [التوبة: 100] ، وقوله عليه ~~الصلاة والسلام «1» : لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ~~مد أحدهم ولا نصيفه. وهذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام وأنفق ~~وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم- أفاده الرازي-. # وفي (الإكليل) : في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق، ~~وعلى تنزيل الناس منازلهم، وعلى أن أفضلية العمل على قدر رجوع منفعته إلى ms4359 ~~الإسلام والمسلمين، لأن الأجر على قدر النصب. انتهى. # وكلا أي وكل واحد من الفريقين وعد الله الحسنى أي المثوبة الحسنى، وهي ~~الجنة، لا الأولين فقط، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء. # قال ابن كثير: وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر، فيمدح الأول دون ~~الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه، مع تفضيل ~~الأول عليه. # والله بما تعملون خبير أي من النفقة في سبيله، وجهاد أعدائه، وغير ذلك ~~فيجازيكم على جميع ذلك. # قال ابن كثير: ولخبرته تعالى، فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ~~PageV09P143 # ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول، وإخلاصه التام، ~~وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق. وفي # الحديث «1» : سبق درهم مائة ألف # . ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه، له الحظ ~~الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ~~ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 11] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو السعود: ندب بليغ من الله تعالى ~~إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات ~~المنفقين. # أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيله تعالى رجاء أن يعوضه، فإن كمن يقرضه. # وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات له. فالقرض ~~مجاز عن حسن إنفاقه مخلصا في أفضل جهات الإنفاق. وذلك إما بالتجوز في ~~الفعل، فيكون استعارة تبعية تصريحية، أو في مجموع الجملة، فيكون استعارة ~~تمثيلية. وقد زعم بعضهم أنها مقصورة على النفقة في القتال، وآخرون على نفقة ~~العيال. قال ابن كثير: والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله ~~بنية خالصة، وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية. # وهو جلي، وقد أسلفنا ms4360 بيانه مرارا. # وقوله تعالى: فيضاعفه له أي يعطيه ثوابه أضعافا مضاعفة، وله أجر كريم أي ~~جزاء شريف جميل. والجملة حالية، أو معطوفة مشيرة إلى أن الأجر كما زاد كمه، ~~زاد كيفه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 12] # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم أي: # لكونهم على الصراط المستقيم، متوجهين إليه تعالى. و (النور) إما حقيقي ~~حسي، PageV09P144 # على ما روي عن ابن مسعود: أن نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل ~~الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، فدون ~~ذلك. # قيل: وإنما خصصت تلك الجهات، لأن منها أخذت صحف الأعمال، فجعل الله معها ~~نورا يعرف به أنهم من أصحاب اليمين وإما مجازي معنوي مراد به ما يكون سببا ~~للنجاة، واختاره ابن جرير، وأيده بقوله: لو عنى بذلك النور، الضوء المعروف، ~~لم يخص عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان، دون الشمائل، لأن الضوء ~~المعروف، لم يخص عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان، دون الشمائل، لأن ~~ضياء المؤمنين الذين يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي تخصيص ~~الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم، دون الشمائل، ما يدل على أنه معني به ~~غير الضياء وإن كانوا لا يخلون من الضياء. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ~~ما وصفنا: وكلا وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب ~~إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم تطاير. ويعني ~~بقوله (يسعى) يمضي والباء في قوله: وبأيمانهم بمعنى (في) وكان بعض نحويي ~~البصرة يقول: الباء في قوله: # وبأيمانهم بمعنى (على أيمانهم) وقوله: يوم ترى من صلة (وعد) . انتهى. # بشراكم اليوم جنات أي: يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: بشراكم أي: # المبشر به جنات أو بشراكم دخول جنات. وقد قيل: إن البشارة تكون بالأعيان ~~فلا حاجة لتقدير مضاف تصحيحا للحمل. # تجري ms4361 من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 13] # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم أي: # نصب منه. يقال: اقتبس، أي: أخذ قبسا، وهو الشعلة. وانظرونا بمعنى انظروا ~~إلينا، على الحذف والإيصال، لأن النظر بمعنى مجرد الرؤية، يتعدى ب (إلى) ~~فإن أريد التأمل تعدى ب (في) . وقولهم ذلك، إما حينما يساق المؤمنون إلى ~~الجنة زمرا، والمنافقون في العرصات شاخصون إليهم، أو حينما يشرفون من الغرف ~~على المنافقين، وهم في ضوضائهم وجلبتهم في جهنم، كقوله تعالى: ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله.. [الأعراف: # PageV09P145 # 50] الآية. وقيل: انظرونا بمعنى انتظرونا، وهو الذي عول عليه ابن جرير. # والمراد حينئذ من الانتظار للاقتباس، هو رجاء شفاعتهم لهم، أو دخولهم ~~الجنة معهم طمعا في غير مطمع، يقولون لهم ذلك حينما يسرع بهم إلى الجنة. # قيل أي: قالت الملائكة أو المؤمنون، ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا قال ~~الزمخشري: طرد لهم، وتهكم بهم. أي: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا ~~النور فالتمسوه هناك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا ~~بتحصيل سببه. وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين. وتنحوا عنا، فالتمسوا نورا ~~آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإنما هو ~~تخييب وإقناط لهم. # وكلامه يدل على حمل النور على حقيقته. ولا مانع من أنه كنى به عن الإيمان ~~والعمل الصالح. أي: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا إيمانا وعملا طيبا يهديكم ~~إلى النجاة، كما أن النور يهدي في الظلمات، على طريق الاستعارة. والأمر ~~للتخسير والتنديم. وهذا، مع ما ذكره الزمخشري رحمه الله، وجه رابع. # ونقل الرازي عن أبي مسلم، أن المراد من قول المؤمنين (ارجعوا) منع ~~المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه: ms4362 وراءك أوسع لك. قال ~~الرازي: فعلى هذا القول، المقصود من قوله (ارجعوا) أن يقطعوا بأنه لا سبيل ~~لهم إلى وجدان هذا المطلوب، لأنه أمر لهم بالرجوع. انتهى. وهذا وجه خامس. # ثم أشار إلى امتياز الفريقين في المنازل وتباينهما فيها، بقوله سبحانه: # فضرب بينهم بسور أي: بين المؤمنين والمنافقين بحائط متين، يحجزهم عن ~~أنوار المؤمنين، لتتم ظلمتهم له أي: لذلك السور باب أي: لأهل الجنة يدخلون ~~منه، ويرى به المنافقون المؤمنين ليكلموهم باطنه وهو الجانب الذي يلي ~~المؤمنين فيه الرحمة يعني: الجنة وما فيها من رضوان الله والنعيم المقيم ~~وظاهره وهو الذي يلي المنافقين، من قبله العذاب أي: من عنده، ومن جهته ~~الظلمة والنار. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : الآيات 14 الى 15] # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ ~~منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (15) # PageV09P146 # ينادونهم ألم نكن معكم يريدون موافقتهم في الظاهر قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم أي محنتموها بالنفاق وأهلكتموها وتربصتم أي بالمؤمنين الدوائر، ~~ليظهر الكفر فتظهروا ما في أنفسكم وارتبتم أي في توحيد الله، ونبوة نبيه، ~~أو في البعث بعد الموت، أو في قوله ليظهره على الدين كله [التوبة: 33] و ~~[الفتح: 28] ، ووعده بنصر المؤمنين، أو في جميع ذلك. وغرتكم الأماني أي طول ~~الآمال، والطمع في امتداد الأعمار. أو قولهم: سيغفر لنا. حتى جاء أمر الله ~~يعني: الموت، أو مصداق وعده بنصره رسوله، وإظهاره دينه، أو عذاب النار ~~وغركم بالله الغرور أي الشيطان، فأطمعكم بالنجاة والفوز والغلبة. وقرئ ~~(الغرور) بالضم. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية هذا من تتمة قول المؤمنين ~~للمنافقين، بعد أن ميز بينهم. أي فاليوم لا يقبل منكم ما يفتدى به، بدلا من ~~عذابكم، وعوضا من عقابكم ولا من الذين كفروا يعني المهاجرين بالكفر من ~~المحادين لله ولرسوله مأواكم النار هي مولاكم أي أولى بكم، أو تتولاكم كما ~~توليتم موجباتها في الدنيا وبئس ms4363 المصير أي النار. # ثم نعى عليهم رخاوة عقدهم فيما ندبوا إليه من التصدق في سبيل الله، بأن ~~ذلك من أثر قلة العناية بالخضوع لذكره وتنزيله، تعريضا بالمنافقين، وسوقا ~~للمؤمنين إلى الكمال، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 16] # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) # ألم يأن أي ألم يحن. من (أنى الأمر) يأتى، إذا جاء إناه، أي وقته للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي أن تلين وترق وتخلص قلوبهم لذكر اسمه ~~الكريم وما يوجبه من الوجل منه والخشية، أو لذكر وعده ووعيده. وما نزل من ~~الحق يعني القرآن الذي لو أنزل على جبل لتصدع. قال أبو السعود: ومعنى ~~الخشوع له، الانقياد التام لأوامره ونواهيه، والعكوف على العمل بما فيه من ~~الأحكام، التي من جملتها ما سبق وما لحق من الإنفاق في سبيل الله تعالى. ~~وقد قيل: إن عطفه على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر، وأن ذكر الله ككلام ~~الله، بمعنى القرآن، وكذا ما نزل من الحق، فالعطف لتغاير العنوانين، فإنه ~~ذكر وموعظة، كما أنه حق نازل. ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال ~~عليهم الأمد أي الأجل والإمهال # PageV09P147 # والاستدراج فقست قلوبهم أي لزوال الخشية والروعة التي كانت تأتيهم من ~~الكتابين وكثير منهم فاسقون أي خارجون عن دينهم، نابذون لما في كتابهم. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: في الآية نهي للمؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من ~~قبلهم من اليهود والنصارى، فإنهم لما تطاول عليهم الأمد، وبدلوا كتاب الله ~~الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على ~~الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فقست قلوبهم، وصار من سجيتهم تحريف ~~الكلم عن مواضعه. ولهذا نهى المؤمنون أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور ~~الأصلية والفرعية. ونظير الآية قوله تعالى: فبما نقضهم ms4364 ميثاقهم.. [النساء: ~~155] ، و [المائدة: 13] ، إلى آخرها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 17] # اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ~~(17) # اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها أي فهو محييكم بعد مماتكم ومحاسبكم، ~~فلا منتدح لكم عن الجزاء. أي فاحذروا مغبة القسوة والفسق. قد بينا لكم ~~الآيات أي الحجج وضروب الأمثال لعلكم تعقلون أي لتثوبوا إلى عقولكم ~~ومراشدكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : الآيات 18 الى 19] # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم ~~(18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) # إن المصدقين والمصدقات أي المتصدقين والمتصدقات في سبيل الله وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون، والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم أي لتصديقهم بجميع أخبار ~~الله وأحكامه، وشهادتهم بحقية جميع ذلك. وقد جوز في الشهداء وجهان: # أحدهما- أن يكون معطوفا على ما قبله، أخبر عن الذين آمنوا أنهم صديقون ~~شهداء، وهو الظاهر، لأن الأصل الوصل لا التفكيك. # PageV09P148 # والثاني- أن يكون مبتدأ، خبره لهم أجرهم. والشهداء حينئذ إما الأنبياء ~~الذين يشهدون على قومهم بالتبليغ أو الذين يشهدون للأنبياء على قومهم، أو ~~الذين قتلوا في سبيل الله. واختار الوجه الثاني ابن جرير، قال: لأن الإيمان ~~غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم (شهيد) لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به ~~شهيد على ما آمن به وصدقه، فيكون ذلك وجها، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ~~ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصل فتأويل قوله: والشهداء عند ربهم ~~إذن، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، أو أهلكوا في سبيله، عند ربهم، ~~لهم ثواب الله في الآخرة ونورهم. انتهى. # ثم رأيت لابن القيم في (طريق الهجرتين) بسطا لهذين الوجهين في بحث ~~الصديقية. ننقله لنفاسته. قال رحمه الله في مراتب المكلفين في الآخرة ~~وطبقاتهم: # الطبقة الرابعة- ورثة الرسل وخلفاؤهم ms4365 في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا ~~به علما وعملا، ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم. وهذه أفضل مراتب ~~الخلق، بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية. ولهذا قرنهم الله في ~~كتابه بالأنبياء، فقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~[النساء: 69] . # فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة. وهؤلاء هم الربانيون، وهم ~~الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته. فهم خلفاؤه وأولياؤه ~~وحزبه وخاصته وحملة دينه. وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا ~~يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وقال ~~تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم، قيل: إن الوقف على قوله: هم الصديقون ثم يبتدئ والشهداء عند ~~ربهم فيكون الكلام جملتين، أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم ~~هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل، والدعوة إلى الله ~~بالتعليم والصبر عليه. وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، ~~هنا، وفي سورة النساء، وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء في # كلام النبي «1» في قوله: (اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد) # ولهذا كان نعت الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر ~~الصديق. ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتا له رضي الله ~~عنه. PageV09P149 # وقيل: إن الكلام جملة واحدة، أخبر عن المؤمنين أنهم هم الصديقون والشهداء ~~عند ربهم. وعلى هذا، فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم ~~القيامة، وهي قوله: لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] ، وهم المؤمنون، ~~فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا، وشهداء على الناس يوم القيامة، ويكون ~~الشهداء وصفا لجملة (المؤمنين الصديقين) . # وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله. وعلى هذا القول يترجح أن ~~يكون الكلام جملتين، ويكون قوله: والشهداء مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل ~~مؤمن صديق شهيدا ms4366 في سبيل الله. ويرجحه أيضا أنه لو كان الشهداء داخلا في ~~جملة الخبر، لكان قوله لهم أجرهم ونورهم داخلا أيضا في جملة الخبر عنهم، ~~ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: # أحدها- أنهم هم الصديقون. # والثاني- أنهم هم الشهداء. # والثالث- أن لهم أجرهم ونورهم. # وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردا عن ~~العطف. وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال. والأحسن في هذا تناسب ~~الأخبار، بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعا، فقول. زيد كريم عالم ~~له مال أو كريم وعالم وله مال، فتأمله! ويرجحه أيضا أن الكلام يصير جملا ~~مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء، وهم الصديقون والشهداء والصالحون، ~~وهم المذكورون في الآية، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضا حسنا. ~~فهؤلاء ثلاثة أصناف. ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات [الحديد: # 25] ، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء فهؤلاء هم ~~السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار ومنافقون، فقال: والذين كفروا ~~وكذبوا الآية، وذكر المنافقين في قوله تعالى: يوم يقول المنافقون ~~والمنافقات [الحديد: 13] الآية. فهؤلاء أصناف العالم كلهم. وترك سبحانه ذكر ~~المخلط صاحب الشائبتين، على طريق القرآن في ذكر السعداء والأشقياء، دون ~~المخلطين غالبا، لسر اقتضته حكمته. فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له ~~على الله، فلا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله، فإنه ليس من ~~الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار، واقف بين الوعد ~~والوعيد، كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه، وهذا هو الذي لحظه ~~القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في # PageV09P150 # تخليده في النار، ولو نزلوه بين المنزلتين، ووكلوه إلى المشيئة لأصابوا. ~~انتهى كلام ابن القيم، وفيه موافقة لما اختاره ابن جرير في الآية. # ولما ذكر تعالى السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء، وبين حالهم بقوله: # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم. # ثم حقر تعالى أمر الدنيا، وبين حاصل أمرها عند أهلها، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد ms4367 (57) : آية 20] # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب أي تفريح نفس ولهو أي باطل وزينة أي منظر ~~حسن وتفاخر بينكم أي في الحسب والنسب وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث ~~أي مطر أعجب الكفار أي الزراع نباته ثم يهيج أي يجف بعد خضرته ونضرته فتراه ~~مصفرا أي من اليبس ثم يكون حطاما أي هشيما متكسرا، وكذلك الدنيا لا تبقى ~~كما لا يبقى النبات وفي الآخرة عذاب شديد أي لمن ترك طاعة الله، ومنع حق ~~الله ومغفرة من الله ورضوان أي في الآخرة لمن أطاع الله، وأدى حق الله من ~~ماله وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور قال المهايمي: يأخذ صاحبها ملاعب ~~الدنيا بدل ملاعب الحور العين، ولهوها بملاذ الجنة. وزينتها بزينة الجنة. ~~والتفاخر بدل التفاخر بجوار الله والقرب، والتكاثر بالأموال والأولاد بدل ~~نعم الله والولدان المخلدين في الجنة. # ولما حقر الحياة الحسية النفسية الفانية، وصورها في صورة الخضراء السريعة ~~الانقضاء، دعاهم إلى الحياة الباقية، فقال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 21] # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) # سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي بادروا بالتوبة من ذنوبكم، إلى نيل مغفرة ~~وتجاوز عن خطيئاتكم من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين # PageV09P151 # آمنوا بالله ورسله # أي الإيمان اليقيني. ذلك أي المغفرة والجنة فضل الله يؤتيه من يشاء أي ~~ممن كان أهلا له والله ذو الفضل العظيم قال ابن جرير أي بما بسط لخلقه من ~~الرزق في الدنيا، ووهب لهم من النعم، وعرفهم موضع الشكر، ثم جزاهم في ~~الآخرة على الطاعة، ما وصف أنه أعده لهم، ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms4368 الحديد (57) : الآيات 22 الى 24] # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) # ما أصاب من مصيبة في الأرض أي من قحط وجدب ووباء وغلاء ولا في أنفسكم أي ~~من خوف ومرض وموت أهل وولد، وذهاب مال إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أي إلا ~~في علم أزلي من قبل خلق المصيبة أو الأنفس. وما علم الله كونه فلا بد من ~~حصوله إن ذلك أي حفظه وتقديره على الأنفس المبروءة ما قدر، على الله يسير ~~أي لسعة علمه وإحاطته لكيلا تأسوا أي تحزنوا على ما فاتكم أي من عافية ورزق ~~ونحوهما ولا تفرحوا أي تبطروا بما آتاكم أي من نعم الدنيا. والمعنى: ~~أعلمناكم بأنا قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا ~~تبديل ولا تغيير، فلا الحزن يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه. قال القاشاني: ~~أي لتعلموا علما يقينيا أن ليس لكسبكم وحفظكم وحذركم وحراستكم فيما آتاكم، ~~مدخل وتأثير. ولا لعجزكم وإهمالكم وغفلتكم وقلة حيلتكم. وعدم احترازكم ~~واحتفاظكم فيما فاتكم مدخل. فلا تحزنوا على فوات خير، ونزول شر، ولا تفرحوا ~~بوصول خير. وزوال شر، إذ كلها مقدرة والله لا يحب كل مختال أي متبختر من ~~شدة الفرح بما آتاه فخور أي به على الناس، لعدم يقينه، وبعده عن الحق، بحب ~~الدنيا، واحتجابه بالظلمات عن النور الذين يبخلون أي بالإنفاق في سبيل ~~الله، لشدة محبة المال ويأمرون الناس بالبخل أي لاستيلاء الرذيلة عليهم، ~~والموصول إما مبتدأ وخبره محذوف، أي لهم وعيد شديد، أو خبر ومبتدؤه محذوف، ~~أي هم الذين، أو بدل من (كل) . ومن يتول أي يعرض عن ذكر الله، وما أمر به ~~فإن الله هو الغني أي عنه، لاستغنائه بذاته الحميد أي لاستقلاله # PageV09P152 # بكماله، وفيه تهديد وإشعار بأن ms4369 الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق، لا لما ~~يعود عليه تعالى، فإنه الغني المطلق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 25] # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي بالحجج والبراهين القاطعة على صحة ما يدعون ~~إليه وأنزلنا معهم الكتاب أي التام في الحكم والأحكام والميزان أي العدل- ~~قاله مجاهد وقتادة وغيرهما- قال ابن كثير: وهو الحق الذي تشهد به العقول ~~الصحيحة المستقيمة، المخالفة للآراء السقيمة ليقوم الناس بالقسط أي بالحق ~~والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أمروا به، وتصديقهم فيما أخبروا عنه، فإن ~~الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، كما قال: وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا [الأنعام: 115] . أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، ~~ولهذا يقول المؤمنون، إذا تبوأوا غرف الجنات الحمد لله الذي هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق [الأعراف: 43] . ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد يعني القتال به، فإن آلات الحروب متخذة منه ~~ومنافع للناس أي في مصالحهم ومعايشهم، فما من صناعة إلا وللحديد يد فيها. # فإن قيل: الجمل المتعاطفة لا بد فيها من المناسبة، وأين هي في إنزال ~~الحديد مع ما قبله؟ # فالجواب: أن بينهما مناسبة تامة، لأن المقصود ذكر ما يتم به انتظام أمور ~~العالم في الدنيا، حتى ينالوا السعادة في الأخرى. ومن هداه الله من الخواص ~~العقلاء ينتظم حاله في الدارين بالكتب والشرائع المطهرة. ومن أطاعهم وقلدهم ~~من العامة بإجراء قوانين الشرع العادلة بينهم. ومن تمرد وطغا وقسا يضرب ~~بالحديد، الراد لكل مريد. وإلى الأولين أشار بقوله: وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان فجمعهم وأتباعهم في جملة واحدة. وإلى الثالث أشار بقوله: وأنزلنا ~~الحديد فكأنه قال: أنزلنا ما يهتدي به الخواص، وما يهتدي به أتباعهم، وما ~~يهتدي به من لم يتبعهم، فهي حينئذ معطوفة، لا معترضة لتقوية الكلام كما ~~توهم، إذ لا داعي له، ms4370 وليس في الكلام ما يقتضيه، بل فيه ما ينافيه. # PageV09P153 # قال العتبي في أول (تاريخه) : كان يختلج في صدري أن في الجمع بين الكتاب ~~والميزان والحديد تنافرا، وسألت عنه فلم أحصل على ما يزيح العلة وينقع ~~الغلة، حتى أعملت التفكر، فوجدت (الكتاب) قانون الشريعة، ودستور الأحكام ~~الدينية، يتضمن جوامع الأحكام والحدود، وقد حظر فيه التعادي والتظالم، ودفع ~~التباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل، ولم يكن يتم إلا بهذه الآلة، ~~فلذا جمع الكتاب والميزان وإنما تحفظه العامة على اتباعها بالسيف، وجذوة ~~عقابه، وعذاب عذابه، وهو (الحديد) الذي وصفه الله بالبأس الشديد. فجمع ~~بالقول الوجيز، معاني كثيرة الشعوب، متدانية الجنوب، محكمة المطالع، مقومة ~~المبادئ والمقاطع- نقله الشهاب-. # وأول القاشاني (البينات) بالمعارف والحكم، والكتاب بالكتابة، والميزان ~~بالعدل، لأنه آلته، والحديد بالسيف، لأنه مادته. قال: وهي الأمور التي بها ~~يتم الكمال النوعي، وينضبط الكلي، المؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد، إذ ~~الأصل المعتبر والمبدأ الأول، هو العلم والحكمة. والأصل المعول عليه في ~~العمل، والاستقامة في طريق الكمال، هو العدل، ثم لا ينضبط النظام، ولا ~~يتمشى صلاح الكل إلا بالسيف والقلم اللذين يتم بهما أمر السياسة. فالأربعة ~~هي أركان كمال النوع، وصلاح الجمهور. ويجوز أن تكون (البينات) إشارة إلى ~~المعارف والحقائق النظرية والكتاب إشارة إلى الشريعة والحكم العملية ~~والميزان إلى العمل بالعدل والسوية والحديد إلى القهر ودفع شرور البرية. ~~وقيل: (البينات) العلوم الحقيقية، والثلاثة الباقية هي النواميس الثلاثة ~~المشهورة المذكورة في الكتب الحكمية. أي الشرع، والدينار المعدل للأشياء في ~~المعاوضات، والملك. وأيا ما كان فهي الأمور المتضمنة للكمال الشخصي والنوعي ~~في الدارين، إذ لا يحصل كمال الشخص إلا بالعلم والعمل، ولا كمال النوع إلا ~~بالسيف والقلم، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الإنسان مدني بالطبع، ~~محتاج إلى التعامل والتعاون، لا تمكن معيشته إلا بالاجتماع. والنفوس إما ~~خيرة أحرار بالطبع، منقادة للشرع، وإما شريرة عبيد بالطبع آبية للشرع. ~~فالأولى يكفيها في السلوك طريق الكمال والعمل بالعدالة واللطف وسياسة ~~الشرع. والثانية لا بد لها من القهر وسياسة الملك. انتهى. ### | تنبيه: # لشيخ ms4371 الإسلام ابن تيمية رسالة في معنى نزول القرآن ولفظ النزول، حيث ذكر # PageV09P154 # في كتاب الله تعالى، بين فيها أن كثيرا من الناس فسروا النزول في مواضع ~~من القرآن بغير ما هو معناه المعروف، لاشتباه المعنى في تلك المواضع. وصار ~~ذلك حجة لمن فسر نزول القرآن بتفسير أهل البدع. وحقق رحمه الله أن ليس في ~~القرآن ولا في السنة لفظ (نزول) إلا فيه معنى النزول المعروف. قال: وهو ~~اللائق بالقرآن، فإنه نزل بلغة العرب، ولا تعرف العرب منزولا إلا بهذا ~~المعنى. ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابا بغير لغتها. ثم هو استعمال ~~اللفظ المعروف له معنى، في معنى آخر بلا بيان، وهذا لا يجوز بما ذكرنا. ~~قال: وقد ذكر سبحانه إنزال الحديد، والحديد يخلق في المعادن. وما يذكر عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن آدم عليه السلام نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء ~~من حديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة- فهو كذب لا يثبت ~~مثله. وكذلك # الحديث الذي رواه الثعلبي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، فأنزل الحديد ~~والماء والنار والملح # - حديث موضوع ومكذوب والناس يشهدون أن هذه الأمة تصنع من حديد المعادن ما ~~يريدون. # فإن قيل: إن آدم عليه السلام نزل معه جميع الآلات، فهذه مكابرة للعيان. # وإن قيل: بل نزل معه آلة واحدة، وتلك لا تعرف، فأي فائدة في هذا لسائر ~~الناس؟ ثم ما يصنع بهذه الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق بهذه الآلات؟ # وإذا خلق الله الحديد صنعت منه هذه الآلات. # ثم أخبر أنه أنزل الحديد، فكان المقصود الأكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات ~~الجهاد منه، الذي به ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا لم ينزل من ~~السماء. # فإن قيل: نزلت الآلة التي يطبع بها. قيل: فالله أخبر أنه أنزل الحديد ~~لهذه المعاني المتقدمة، والآلة وحدها لا تكفي، بل لا بد من مادة يصنع بها ~~آلات الجهاد. # ثم ms4372 قال: وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى الخلق، لأنه أخرجه من المعادن، ~~وعلمهم صنعته، فإن الحديد إنما يخلق في المعادن، والمعادن إنما تكون في ~~الجبال. فالحديد ينزله الله من معادنه التي في الجبال، لينتفع به بنو آدم. ~~انتهى كلامه رحمه الله. # وقوله تعالى: وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب أي باستعمال الحديد في ~~مجاهدة أعدائه. عطف على محذوف دل عليه ما قبله. أي لينتفعوا به ويستعملوه ~~في الجهاد، وليعلم الله ... إلخ. وحذف المعطوف عليه إيماء إلى أنه مقدمة ~~لما ذكر، # PageV09P155 # وهذا المقصود منه. أو اللام متعلقة بمحذوف. أي أنزله ليعلم ... إلخ ~~والجملة معطوفة على ما قبلها. فحذف المعطوف، وأقيم متعلقة مقامه. وقيل عطف ~~على ليقوم الناس بالقسط. قال الشهاب: وهو قريب بحسب اللفظ، بعيد بحسب ~~المعنى. # إن الله قوي أي على إهلاك من أراد إهلاكه عزيز أي غالب قاهر لمن شاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : الآيات 26 الى 27] # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم أي من ~~الذرية مهتد وكثير منهم فاسقون أي خارجون عن طاعته، بترك نصوص كتبه ~~وتحريفها، وإيثار آراء الأحبار والرهبان عليها، واجترام ما نهوا عنه ثم ~~قفينا أي أتبعنا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة أي حنانا ورقة على الخلق، لكثرة ما ~~وصى به عيسى عليه السلام، من الشفقة وهضم النفس والمحبة. وكان في عهده ~~أمتان عظيمتا القسوة والشدة: # اليهود والرومان، وهؤلاء أشد قسوة، وأعظم بطشا، لا سيما في العقوبات. فقد ~~كان لهم أفانين في تعذيب النوع البشري بها. ومنها تسليط الوحوش المفترسة ~~عليه، وتربيتها لذلك، مما جاءت ms4373 البعثة المسيحية على أثرها، وجاهدت في ~~مطاردتها، وصبرت على منازلتها، حتى ظهرت عليها بتأييده تعالى ونصره- كما ~~بينه آخر سورة الصف- ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم أي ما فرضناها ~~عليهم، وإنما هم التزموها من عند أنفسهم. إلا ابتغاء رضوان الله استثناء ~~منقطع. أي ولكنهم ابتدعوها طلب مرضاة الله عنهم. فما رعوها حق رعايتها أي ~~ما قاموا بما التزموه منها حق القيام من التزهد، والتخلي للعبادة وعلم ~~الكتاب، بل اتخذوها آلة للترؤس والسؤدد، وإخضاع الشعب لأهوائهم. فآتينا ~~الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين # PageV09P156 # آمنوا الإيمان الخالص عن شوائب الشرك والابتداع. ومنه الإيمان بمحمد ~~صلوات الله عليه، المبشر به عندهم. وكثير منهم فاسقون أي خارجون عن مواجب ~~الإيمان ومقاصده. ### | تنبيهات: # الأول- (الرهبانية) هي المبالغة في العبادة والرياضة، والانقطاع عن ~~الناس، وإيثار العزلة والتبتل. وأصلها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو ~~الخائف. (فعلان) من رهب، ك (خشيان) من خشي. # الثاني- قال ابن كثير في قوله تعالى: فما رعوها حق رعايتها: ذم لهم من ~~وجهين: # أحدهما- في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. # والثاني- في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ~~عز وجل. # الثالث- رأيت في كثير من مؤلفات علماء المسيحيين المتأخرين ذم بدعة ~~(الرهبنة) وما كان لتأثيرها في النفوس والأخلاق من المفاسد والاضرار. فقد ~~قال صاحب (ريحانة النفوس) منهم، في الباب السابع عشر، في الرهبنة: # إن الرهبنة قد نشأت من التوهم بأن الانفراد عن معاشرة الناس، واستعمال ~~التقشفات والتأملات الدينية، هي ذات شأن عظيم. ولكن لا يوجد سند لهذا الوهم ~~في الكتب المقدسة لأن مثال المسيح، ومثال رسله يضادانه باستقامة، فإنهم لم ~~يعتزلوا عن الاختلاط بالناس، لكي يعيشوا بالانفراد، بل إنما كانوا دائما ~~مختلطين بالعالم، يعلمون وينصحون. ونحن نقول بكل جراءة: إنه لا يوجد في ~~جميع الكتاب المقدس مثال للرهبنة، ولا يوجد أمر من أوامره يلزم بها. بل ~~بالعكس، فإن روح الكتاب وفحواه يضاد كل دعوى مبنية على العيشة المنفردة ~~المقرونة بالتقشفات، ولكن مع أن الكتاب المقدس لا يمدح العيشة الانفرادية، ~~فقد ظهر ms4374 الميل الشديد إليها في الكنيسة، في أواخر الجيل الثاني وأوائل ~~الجيل الثالث. وأيد بعض الباحثين المقاومين لها وقتئذ، أنها عادة سرت ~~للمسيحيين من الهنود الوثنيين السمانيين، فإن لهم أنواعا كثيرة من عبادات ~~تأمر كهنتها بالبتولية والامتناع عن أكل اللحم وأمورا أخرى مقرونة بخرافات. # ثم قال: ومع أن الرهبنة حصل عليها مقاومة من العقلاء، امتدت وانتشرت في # PageV09P157 # المسكونة. وكان ابتداؤها في مصر في الجيل الرابع، على أثر اشتهار أحد ~~الرهبان وممارسته التقشفات، بسبب الاضطهاد الذي أصابه، وآثر لأجله الطواف ~~في البراري، فرارا من أيادي مضطهديه. ثم عكف على الوحدة. وعاش بها، وذلك في ~~الجيل الثالث. ثم امتدت من مصر إلى فلسطين وسورية إلى أكثر الجهات. توهما ~~بأن رسم المسيحية الكاملة لا يوجد إلا في العيشة الضيقة القشفة، فدعا ذلك ~~كثيرين إلى ترك المعيشة المألوفة بالاعتزال في الأديرة. مع أن ذلك الوهم ~~باطل، ومضاد للكتب المقدسة. ولما كثر عدد البرهان كثرة هائلة، ونحم عن ~~حالهم أضرار عظيمة للمجتمع، أصدر كثير من الملوك أوامر بمنع هذه العادة. ~~إلا أنها لم تنجح كثيرا. # وأما بدعة العزوبة والتبتل، فنشأت من حض بولس عليها، وترغيبهم فيها، كما ~~أفصح عنه كلامه في آخر الفصل السابع من رسالته الأولى. # وقد قال صاحب (ريحانة النفوس) أيضا: إن هذه العادة لا يوجد لها برهان في ~~الكتاب المقدس. وإنما دخلت بالتدريج، لما خامرهم من توهم أفضلية البتولية، ~~وظنهم أنها أزكى من الزواج، ومدح من جاء على أثرهم لها مدحا بالغا النهاية ~~في الإطراء، فحسبوها من الواجبات الأدبية المأمور بها، ووضع نظام وقوانين ~~لوجوبها في الجيل الثالث، حتى قاومتها كنائس أخرى، ورفضت بدعة البتولية ~~وقوانينها، لمغايرتها للطبيعة، ومضادتها لنص الكتب الإلهية، واستقرائها ~~أديرة الراهبات، بأنها في بعض الأماكن كانت بيوتا للفواحش والفساد. # وفي كتاب (البراهين الإنجيلية ضد الأباطيل الباباوية) إن ذم الزيجة خطأ ~~لأنها عمل الأفضل، لأن الرسول أخبر بأن الزواج خير من التوقد بنار الشهوة، ~~وإن الأكثرين من رسل المسيح كانوا ذوي نساء، تجول معهم. ومن المعلوم أن ~~الطبيعة البشرية تغصب ms4375 الإنسان على استيفاء حقها، ومن العدل أن تستوفيه، ~~وليس بمحرم عليها استيفاؤه حسب الشريعة، ولا استطاعة لجميع البشر على حفظ ~~البتولية. ولذلك نرى كثيرين من الأساقفة والقسوس والشمامسة، لا بل ~~الباباوات المدعين بالعصمة، قد تكردسوا في هوة الزنا، لعدم تحصنهم بالزواج ~~الشرعي. هذا وإن ذات النذر بالامتناع عن الزواج هو غير عادل، لتضمنه سلب ~~حقوق الطبيعة، وكونه يضع الإنسان تحت خطر السقوط في الزنا، ويفتح بابا ~~واسعا لدخول الشيطان. وكأن الراهب ينذر على نفسه مقاومة أمر الله، ويعدم ~~وجود ألوف ألوف، ربما كانت تتولد من ذريته، فكأنه قد قتلها. وهذا النذر لم ~~تأمر به الشريعة الإنجيلية قط. فالطريقة الرهبانية هي اختراع شيطاني قبيح، ~~لم يكن له رسم في الكتب المقدسة، ولا في أجيال الكنيسة الأولى، # PageV09P158 # وهو مضر على أنفس الرهبان، وعلى الشعب، فمن يقاومه يقاوم الشيطان. وهؤلاء ~~الرهبان لا نفع منهم للرعية، إنما هم كالأمراء الذين يتخذون لأنفسهم قصورا ~~خارج العمران، فيتنعمون وحدهم في أديرتهم، ويسلبون أموال الشعب بالحيل ~~والمخادعات وهم كسالى بطالون، يعيشون من أتعاب غيرهم، خلافا لسلوك رسل ~~المسيح، والمبشرين القدماء، الذين لم نر واحدا منهم انفرد عن العالم في ~~مكان نزهته، واحتال بأن يعيش من أتعاب الشعب. إن بولس كان يخدم الكنائس، ~~ويعيش من شغل يديه، وهو يوصي بأن الذي لا يعمل، فلا يطعم. ولا تتسع الصحف ~~لشرح جميع الاضرار التي وقعت على العالم بسبب الرهبنات. انتهى. وهو حجة ~~عليهم، منهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية # 28] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم قال ابن كثير: حمل ابن ~~عباس هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين، كما في ~~الآية التي في (القصص) وكما # في حديث «1» الشعبي عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى ms4376 الأشعري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن ~~بنبيه وآمن بي، فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله وحق مولاه، فله أجران، ~~ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران- أخرجاه في ~~الصحيحين. # ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما. وهو ~~اختيار ابن جرير. # وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل ~~الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة. والظاهر أن لفظها أعم، وأن المقصود ~~بها حث كل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم على الثبات في الإيمان والرسوخ ~~فيه، والانصياع لأوامره. ومنه ما حرض عليه في الآيات قبلها من الإنفاق في ~~سبيله، وسخاوة النفس فيه. وأن لهم في مقابلة ذلك أجرا وافرا، كما قال في ~~أول السورة: PageV09P159 # فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير فآخر السورة، فيه رجوع لأوائلها ~~بتذكير ما أمرت به، وما سبق نزولها لأجله. # وأصل (الكفل) الحظ. وأصله ما يكتفل به الراكب فيحبسه ويحفظه عن السقوط، ~~والتثنية في مثله إما على حقيقتها، أو هي كناية عن المضاعفة. و (النور) هو ~~ما يبصر من عمى الجهالة والضلالة، ويكشف الحق لقاصده. كما قال سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم [الأنفال: 29] . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحديد (57) : آية 29] # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة ~~لمعنى الشرط والتقدير: إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم ما ذكر، ليعلم ~~أهل الكتاب الذين لم يسلموا عدم قدرتهم على شيء من فضل الله، وثبوت أن ~~الفضل بيد الله. والمراد بالفضل ما آتاه المسلمين ms4377 وخصهم به. لأنهم كانوا ~~يرون أن الله فضلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم، ليعلموا أنهم لا ~~يقدرون على شيء من فضل الله، فضلا عن أن يتصرفوا في أعظمه، وهو النبوة، ~~فيخصوا بها من أرادوا، وأن الفضل بيد الله دونهم، ودون غيرهم من الخلق، ~~يؤتيه من يشاء من عباده. # و (لا) في لئلا صلة. قال السمين: وهو حرف شاعت زيادته. # وقال ابن جرير: وذكر أن في قراءة عبد الله (لكي يعلم) . قال: لأن العرب ~~تجعل (لا) صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح كقوله في الجحد ~~السابق الذي لم يصرح به: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [الأعراف: # 12] ، وقوله: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون [الأنعام: 109] . ~~وقوله: # وحرام على قرية أهلكناها ... [الأنبياء: 95] الآية. ومعنى ذلك: أهلكناها ~~أنهم يرجعون. انتهى. # ونقل الثعالبي في (فقه اللغة) زيادتها في عدة شواهد. في فصل الزوائد ~~والصلات التي هي من سنن العرب. فانظره، تزدد علما. # PageV09P160 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المجادلة # سميت بها، لأنها لما كانت لطلب الحق والصواب، أشبهت مجادلة الأنبياء ~~والقرآن، ولذلك سمع الله لصاحبها- قاله المهايمي-. # وهي مدنية، وآيها اثنتان وعشرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير # روى الإمام أحمد «1» عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. ~~لقد جاءت المجادلة الى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية ~~البيت، ما أسمع ما تقول! فأنزل الله عز وجل قد سمع الله ... إلى آخر الآية، ~~ورواه البخاري معلقا. # وفي رواية لابن أبي حاتم عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل ~~شيء. إني أسمع كلام ms4378 خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت ~~له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك. ~~قالت: فما برحت، حتى نزل جبريل بهذه الآية قد سمع ... # إلخ. قال ابن كثير: ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تصغر فيقال ~~(خويلة) . ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب. PageV09P161 # وفي (العناية) . المراد من قوله: قد سمع الله إلخ قبل قولها وأجابه، كما ~~في: سمع الله لمن حمده، مجازا بعلاقة السببية أو كناية. انتهى. # وقوله: وتشتكي إلى الله أي تشتكي المجادلة ما لديها من الهم، بظهار زوجها ~~منها، إلى الله، وتسأله الفرج. # ومعنى تحاوركما ترجيعكما الكلام في هذه النازلة. وذلك أن الظهار كان طلاق ~~الرجل امرأته في الجاهلية. فإذا تكلم به لم يرجع إلى امرأته أبدا. وقد طمعت ~~المشتكية أن يكون غير قاطع علقة النكاح. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبت ~~لها فيه الأمر، حتى ينزل الوحي الذي يرد. التنازع إليه. ثم أنزل تعالى فيه ~~قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 2] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) # الذين يظاهرون منكم من نسائهم يعني قول الرجل لامرأته إذا غضب عليها. # أنت علي كظهر أمي، يعني: في حرمة الركوب. ما هن أمهاتهم أي ما نساؤهم ~~اللاتي ظاهروا منهن بأمهاتهم. أي يصرن بهذا القول كأمهاتهم في التحريم ~~الأبدي. # قال المهايمي: ما هن أمهاتهم بالحقيقة، ولا في حكمهن بالمجاز، إذ لا ~~يقتضي المجاز أن يكون في حكم الحقيقة، إلا بقلب الحقائق، لكنها لا تنقلب. # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم أي فلا يشبه بهن في الحرمة الأزواج وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول أي قولا تنكره العقلاء، وتتجافاه الكرماء. وزورا أي ~~باطلا لا حقيقة له، لأنه يتضمن إلحاقها بالأم المنافي لمقتضي الزوجية. وإن ~~الله ms4379 لعفو غفور أي لذنوب عباده، إذا تابوا منها وأنابوا، فلا يعاقبهم عليها ~~بعد التوبة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : الآيات 3 الى 4] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) # PageV09P162 # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي يرجعون إلى لفظ الظهار ~~ثانية، فالقول على حقيقته، أو يعزمون على غشيانهن ووطئهن رغبة في تحليلهن، ~~بعد تحريمهن، فالقول بمعنى المقول فيه فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم ~~توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ~~أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك ~~حدود الله وللكافرين عذاب أليم # روى الإمام أحمد «1» عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خويلة بنت ثعلبة ~~قالت: في والله! وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: # كنت عنده، وكان شيخا كبيرا، قد ساء خلقه وضجر. فدخل علي يوما فراجعته ~~بشيء، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ~~ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: قلت: والذي نفس خويلة بيده! لا ~~تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم. قالت: # فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته ~~عني. # قال: ثم خرجت إلى بعض جاراتي. فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت ~~أشكو إليه ما ألقي من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: يا خويلة! ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه. قالت: فو الله! ما برحت ~~حتى نزل في القرآن، فتغشى ms4380 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم ~~سري عنه، فقال لي: يا خويلة! قد أنزل الله فيك وفي صاحبك.. ثم قرأ علي: قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ... إلى قوله تعالى: ~~وللكافرين عذاب أليم ... قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # مريه فليعتق رقبة. قالت: فقلت: يا رسول الله! ما عنده ما يعتق! قال: ~~فليصم شهرين متتابعين. قال: فقلت: والله! إنه لشيخ كبير، ما به من صيام. ~~قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر. قالت: فقلت: والله! يا رسول الله ما ~~ذاك عنده. قالت: # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بفرق من تمر. قالت: ~~فقلت: يا رسول الله! وأنا سأعينه بفرق آخر. قال: قد أصبت وأحسنت، فاذهبي ~~فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا. قالت: ففعلت. ورواه أبو داود: # وعنده (خولة بنت ثعلبة) ، ولا منافاة كما تقدم، فإن العرب كثيرا ما تصغر ~~الأعلام. # وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: # أنت علي كظهر أمي، حرمت في الإسلام. فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، ~~PageV09P163 # وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خويلة بنت ثعلبة، فظاهر منها، فأسقط في ~~يديه، وقال: ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك. قال: فانطلقي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدت ~~عنده ماشطة تمشط رأسه، فأخبرته فقال: يا خويلة! ما أمرنا في أمرك بشيء، ~~فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خويلة! أبشري. # قالت خيرا. قال فقرأ عليها قد سمع الله ... إلى قوله تعالى: فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا. قالت: وأي رقبة لنا؟ والله! ما نجد رقبة غيري؟ قال: فمن ~~لم يجد فصيام شهرين متتابعين قالت: والله! لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث ~~مرات لذهب بصره. قال: فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا قالت: من أين؟ ما هي ~~إلا ms4381 أكلة إلى مثلها! قال: فرعاه بشطر وسق ثلاثين صاعا، والوسق ستون صاعا، ~~فقال: ليطعم ستين مسكينا وليراجعك. قال ابن كثير: إسناده جيد قوي، وسياق ~~غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا. ### | تنبيهات: # قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآية حكم الظهار، وأنه من الكبائر، ~~وأنه خاص بالزوجات، دون الأجنبيات، وأن فيه بالعود كفارة، وأنه يحرم الوطء ~~قبلها، وأنها مرتبة: العتق، ثم صوم شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينا، ~~واستدل، مالك بقوله: منكم على أن الكافر لا يدخل في الحكم، وبقوله: من ~~نسائهم على صحته من الزوجات والسراري، لشمول النساء لهن. # واستدل ابن جرير وداود وفرقة بقوله: ثم يعودون لما قالوا على أن العود ~~الموجب للكفارة، أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرر. # واستدل بإطلاق الرقبة في كفارة الظهار عتق الكافرة. # واستدل بظاهر الآية من لم ير الظهار إلا في التشبيه بظهر الأم خاصة دون ~~سائر الأعضاء، ودون الاقتصار على قوله (كأمي) ، وبالأم خاصة دون الحدات ~~وسائر المحارم من النسب أو الرضاع أو المصاهرة والأب والابن ونحو ذلك. ومن ~~قال لا حكم لظهار الزوجة من زوجها، لأنه تعالى خص الظهار بالرجل. ومن قال ~~بصحة ظهار العبد لعموم الذين له. ومن قال بإباحة الاستمتاعات بناء على عدم ~~دخولها في لفظ المماسة. ومن قال يجوز الوطء ونحو ذلك قبل الإطعام إذا كان ~~يكفر به، لأنه لم يذكر فيه من قبل أن يتماسا. # وفي الآية رد على من أوجب الكفارة بمجرد لفظ الظهار، ولم يعتبر العود. # ووجه ما قاله أنه جعل العود فعله في الإسلام بعد تحريمه. # PageV09P164 # وفيه رد على من اكتفى بإطعام مسكين يوم واحد، ستين يوما. انتهى. # وقوله تعالى: ذلكم توعظون به أي الحكم بالكفارة العظمى المذكورة، تزجرون ~~به. # وقوله تعالى: ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي ذلك البيان أو التعليم للأحكام ~~لتصدقوا بالله ورسوله في قبول شرائعه، والانتهاء عن قول الزور الجاهلي. # والمراد بقوله تعالى: وللكافرين عذاب أليم الجاحدون لفرائضه وحدوده التي ~~بينها. فالكفر على حقيقته، أو المتعدون لها، وعنوان (الكفر) تغليظا ms4382 لزجرهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية # 5] # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) # إن الذين يحادون الله ورسوله أي في مخالفة حدوده وفرائضه. وأصله من ~~المحادة، بمعنى المعاداة. لأن كلا من المتعاديين في حد غير حد الآخر. كبتوا ~~أي أخزوا كما كبت الذين من قبلهم يعني كفار الأمم الماضية. وقد أنزلنا آيات ~~بينات قال ابن جرير: أي دلالات مفصلات، وعلامات محكمات، تدل على حقائق حدود ~~الله وللكافرين عذاب مهين يعني منكري تلك الآيات وجاحديها. ### | تنبيه: # فسر بعضهم يحادون الله ورسوله بمعنى يضعون أو يختارون حدودا غير حدودهما. # قال محشيه: ففيه وعيد عظيم للملوك، وأمراء السوء، الذين وضعوا أمورا خلاف ~~ما حده الشرع، وسموها قانونا. # وقال: وقد صنف العارف بالله تعالى الشيخ بهاء الدين، قدس الله روحه، ~~رسالة في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع، إذا قابل بينهما، وقد قال ~~الله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3] ، وقد وصل الدين إلى مرتبة من الكمال ~~لا تقبل التكميل. وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل. انتهى كلامه. # ولا يخفى أن إطلاق الكفر لمجرد ذلك من غير تفصيل، فيه نظر، لأنه من تنطع ~~الغالين من الفقهاء الذين زيف أقوالهم في التكفير كثير من العلماء ~~النحارير، فإن التكفير ليس بالأمر اليسير. والحق في ذلك أن القانون الذي ~~يهدم نصوص الشرع # PageV09P165 # التي لا تحتمل التأويل ويبطلها وينسخها، فإنه كفر وضلال ولا يقول به، ولا ~~يعول عليه، إلا المارقون الجاحدون وأما غير المنصوص عليه، أعنى ما لم يكن ~~قاطعا في بابه، من آية محكمة، أو خبر متواتر، أو إجماع من الفروع النظرية، ~~والمسائل الاجتهادية المدونة، فمخالفتها إلى قانون عادل لا يعد ضلالا ولا ~~كفرا، لأنه ليس من مخالفة الشرع في شيء، إذ الشرع ما شرعه الله ورسوله، ~~وأحكم الأمر فيه، وبين بيانا رفع كل لبس، لا ما تخالف فيه الفقهاء، وكان ~~مأخذه من الاجتهاد، وإعمال الرأي، فإن ذلك لا عصمة فيه ms4383 من الخطأ، مهما بلغ ~~رائيه من المكانة إذ لا عصمة إلا في نص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وكثيرا ما تتشابه فروع الفقهاء بمواد القانون، ولذا ألف بعض المتأخرين ~~كتابا في مطابقة المواد النظامية للفروع الفقهية، وذلك لأن مورد الجميع ~~واحد، وهو الرأي والاجتهاد ورعاية المصلحة. # ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب في هذا المعنى سماه (السياسة الشرعية) وكذا ~~لتلميذه الإمام ابن القيم، وهو أوسع. ولنجم الدين الطوفي أيضا رسالة في ~~المصالح المرسلة. جمعناها من شرحه للأربعين النووية. وقد أرجع العز بن عبد ~~السلام فروع الفقه في قواعده إلى قاعدتين: اعتبار المصالح، ودرء المفاسد. # قال القاضي زكريا: وبحث بعضهم رجوع الجميع إلى جلب المصالح. # وقال الشاطبي في (الموافقات) : إن الشارع قصد بالتشريع إقامة المصالح ~~الأخروية والدنيوية، وبأن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها ~~على ذلك الوجه أبديا وكليا وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين من جميع ~~الأحوال. # وقال نجم الدين الطوفي: إن # قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) «1» # يقتضي رعاية المصالح إثباتا ونفيا، والمفاسد نفيا، إذ الضرر هو المفسدة، ~~فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة، لأنهما نقضيان لا واسطة ~~بينهما. ثم إن أقوى الأدلة النص والإجماع، وهما إما أن يوافقا رعاية ~~المصلحة، أو يخالفاها، فإن وافقاها، فبها ونعمت، ولا تنازع. إذ قد اتفقت ~~الأدلة الثلاثة على الحكم، وهي النص والإجماع، ورعاية المصلحة المستفادة من # قوله عليه السلام (لا ضرر ولا ضرار) # ، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان ~~لهما، لا بطريق الافتئات عليهما، والتعطيل لهما، كما تقدم السنة على ~~القرآن، بطريق البيان، انتهى. وتتمة كلامه جديرة بالمراجعة، هي وتعليقاتنا ~~عليها، فابحث ولا تكن أسير التقليد، بل ممن ألقى السمع وهو شهيد. ~~PageV09P166 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 6] # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل ~~شيء شهيد (6) # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله أي أحاط به علما، ms4384 ~~ولم يذهب عنه شيء ونسوه والله على كل شيء شهيد أي رقيب، يعلمه ولا يغيب ~~عنه. ويوم منصوب ب (اذكر) مضمرا. وتقدمة الإخبار بسعة علمه سبحانه، تمهيد ~~لما بعده من النهي عن النجوى بالإثم، تحذيرا وتنفيرا. وقد أكد ذلك بتفصيل ~~علمه عناية بالمنهي عنه، والمحذر منه، في قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 7] # ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~(7) # ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~(النجوى) مصدر، معناها التحدث سرا، مأخوذة من (النجوة) ، وهي ما ارتفع من ~~الأرض، لأن السر يصان عن الغير، كأن رفع من حضيض الظهور، إلى أوج الخفاء، ~~على التشبيه. # قال الشهاب: وأقرب منه قول الراغب، لأن المتسارين يخلوان بنجوة من الأرض. ~~أو هو من (النجاة) وتخصيص العددين، إما لخصوص الواقعة، فكان قوم من ~~المنافقين، على هذا العدد اجتمعوا مغايظة للمؤمنين، أو لأن التناجي ~~للمشاورة، وأقله ثلاثة، لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين، ~~وثالث يتوسط بينهما. ومناسبة ضم الخمسة للثلاثة، كون الخمسة أول مراتب ما ~~فوقها في الوترية، فذكرا ليشار بهما للأقل والأكثر. على أنه عمم الحكم بعد ~~ذلك بقوله: ولا أدنى من ذلك أي: كالاثنين ولا أكثر أي: كالستة وما فوقها ~~إلا هو معهم أين ما كانوا أي: يعلم ما يكون بينهم في أي مكان حلوا، لأن ~~علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة. # PageV09P167 # روى ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: هو فوق العرش، ms4385 وعلمه معهم أينما ~~كانوا. # وقال ابن كثير: حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه ~~تعالى. ولا شك في إرادة ذلك. # قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم. ### | تنبيه: # استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الله تعالى في كل مكان، فرد عليهم ~~الإمام ابن حزم في (الفصل) بأن قول الله تعالى يجب حمله على ظاهره، ما لم ~~يمنع من حمله على ظاهره نص آخر، أو إجماع، أو ضرورة حس. وقد علمنا أن كل ما ~~كان في مكان، فإنه شاغل لذلك المكان ومالئ له، ومتشكل بشكل المكان، أو ~~المكان متشكل بشكله. ولا بد من أحد الأمرين ضرورة، وعلمنا أن ما كان في ~~مكان، فإنه متناه بتناهي مكانه، وهو ذو جهات ست أو خمس متناهية في مكانه، ~~وهذه كلها صفات الجسم. فلما صح ما ذكرنا، علمنا أن قوله تعالى: ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد [ق: 16] ، ونحن أقرب إليه منكم [الواقعة: 85] . وقوله ~~تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم إنما هو التدبير لذلك، ~~والإحاطة به فقط ضرورة، لانتفاء ما عدا ذلك. وأيضا فإن قولهم (في كل مكان) ~~خطأ، لأنه يلزم، بموجب هذا القول، أنه يملأ الأماكن كلها، وأن يكون ما في ~~الأماكن فيه، تعالى الله عن ذلك، وهذا محال. فإن قالوا: هو فيها، بخلاف كون ~~المتمكن في المكان. # قيل لهم: هذا لا يعقل، ولا يقوم عليه دليل. انتهى. # وقد تقدم في قوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم كلام في المعية لابن ~~تيمية، فارجع إليه في سورة الحديد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 8] # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى قال مجاهد: هم اليهود. ثم يعودون لما ~~نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول أي: ms4386 بما هو إثم وتعد على ~~المؤمنين، وتواص بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV09P168 # قال أبو السعود: وذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة بين الخطابين ~~المتوجهين إليه، لزيادة تشنيعهم، واستعظام معصيتهم. # وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله أي من قولهم: (السام عليك) ، أو مما ~~نسخه الإسلام من تحايا الجاهلية، فإن الله تعالى يقول: وسلام على المرسلين ~~[الصافات: 181] . # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول أي: من التناجي المذموم، أو ~~من التحريف في التحية، استهزاء وسخرية. أي: هلا يعجل عقوبتنا بذلك؟ لو كان ~~محمد رسوله، قال تعالى: حسبهم أي: يكفي قائلي ذلك في تعذيبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير. # ثم نهى تعالى المؤمنين وحذرهم أن يجترموا في النجوى ما اجترمه أولئك، ~~بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : الآيات 9 الى 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (10) # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم، فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر أي: بطاعة الله، وما يقربكم منه، والتقوى أي: اجتناب ~~ما يؤثم، واتقوا الله الذي إليه تحشرون أي: فيجزيكم بما اكتسبتم مما أحصاه ~~عليكم. # ثم شجع تعالى المؤمنين في قلة المبالاة بمناجاة أعدائهم، وأنها لا تضرهم ~~ما داموا مثابرين على وصاياه، متكلين عليه، بقوله إنما النجوى من الشيطان ~~أي: # النجوى التي ذمها. فاللام للعهد. أي المزين لهذه النجوى بالشر، والحامل ~~عليها الشيطان. ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم أي الشيطان، أو التناجي ~~المذكور شيئا إلا بإذن الله أي بمشيئته وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي ~~بالمضي في سبيله، والاستقامة على أمره، وانتظار النصر على أثره. ### | لطيفة: # قال القاشاني: إنما نهوا عن النحوي لأن التناجي اتصال واتحاد بين اثنين ~~في أمر يختص بهما، لا يشاركهما فيه ثالث. وللنفوس عند الاجتماع والاتصال ~~تعاضد # PageV09P169 # وتظاهر، يتقوى ويتأيد بعضها بالبعض فيما هو سبب الاجتماع ms4387 لخاصية الهيئة ~~الاجتماعية التي لا توجد في الأفراد. فإذا كانت شريرة يتناجون في الشر، ~~ويزاد فيهم الشر، ويقوى فيهم المعنى الذي يتناجون به بالاتصال والاجتماع، ~~ولهذا ورد بعد النهى قوله: ويتناجون بالإثم الذي هو رذيلة القوى البهيمية ~~والعدوان الذي هو رذيلة القوى الغضبية، ومعصية الرسول التي هي رذيلة القوة ~~النطقية، بالجهل وغلبة الشيطنة، ألا ترى كيف نهى المؤمنين بعد هذه الآية عن ~~التناجي بهذه الرذائل المذكورة، وأمرهم بالتناجي بالخيرات، ليتقووا بالهيئة ~~الاجتماعية، ويزدادوا فيها فقال: وتناجوا بالبر أي: الفضائل التي هي أضداد ~~تلك الرذائل، من الصالحات والحسنات المخصوصة بكل واحدة من القوى الثلاث، ~~والتقوى أي: # الاجتناب عن أجناس الرذائل المذكورة، انتهى. # قال ابن كثير: وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، حيث يكون في ذلك تأذ ~~على مؤمن. # روى الإمام أحمد «1» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه- أخرجاه ~~«2» -. # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم ثلاثة، فلا ~~يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه- انفرد بإخراجه مسلم «3» ~~-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم تعليم منه تعالى للمؤمنين بالإحسان في أدب المجالس، وذلك بأن يفسح ~~المرء لأخيه ويتنحى توسعة له. # قال الشهاب: وارتباطه بما قبله ظاهر. لأنه لما نهى عن التناجي والسرار، ~~علم PageV09P170 # منه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه، ورتب على امتثالهم فسحه لهم فيما ~~يريدون التفسح، من المكان والرزق والصدر. # قال ابن كثير: وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء # في الحديث الصحيح «1» : من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة. ومن ~~يسر على معسر يسر الله عليه في ms4388 الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان ~~العبد في عون أخيه # . ولهذا أشباه كثيرة. # قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم إذا رأوا أحدهم ~~مقبلا ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله أن ~~يفسح بعضهم لبعض. # وإذا قيل انشزوا أي انهضوا للتوسعة، أو ارتفعوا في المجالس، أو انهضوا عن ~~مجلس الرسول، إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه، فانشزوا ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات أي يرفع المؤمنين ~~بامتثال أوامره، وأوامر رسوله، والعالمين بها، الجارين على موجبها بمقتضى ~~علمهم، درجات دنيوية وأخروية. # قال الناصر: لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم، وعند الناس، ~~ارتفاع مجالسهم، خصهم بالذكر عند الجزاء، ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة ~~في المجلس. تواضعا لله تعالى. انتهى. # وهذا- كما قال الشهاب- من مغيبات القرآن. لما ظهر من هؤلاء في سائر ~~الأعصار من التنافس في رفعة المجالس، ومحبة التصدير. # وفي كلام الزمخشري ما يشير إلى أنه من عطف الخاص على العام، تعظيما له، ~~بعده كأنه جنس آخر، كما في وملائكته ورسله وجبريل [البقرة: 98] . ولذا أعاد ~~الموصول في النظم، والمراد بالعلم علم ما لا بد منه من العقائد الحقة، ~~والأعمال الصالحة. ### | تنبيهات: # الأول- في (الإكليل) : في الآية استحباب في مجالس العلم والذكر، وكل مجلس ~~طاعة. # الثاني- يفهم من الأمر بالتفسح النهي عن إقامة شخص ليجلس أحد مكانه. ~~PageV09P171 # فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقيم الرجل الرجل ~~من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا- رواه الإمام أحمد والشيخان «1» . # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقيم الرجل الرجل من ~~مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم- رواه الإمام أحمد- # وفي رواية بلفظ: لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، لكن افسحوا يفسح الله ~~لكم، - تفرد به الإمام أحمد-. # قال ابن كثير: وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء، على ~~أقوال: # فمنهم من رخص بذلك محتجا «2» # بحديث: قوموا إلى ms4389 سيدكم. # ومنهم من منع ذلك محتجا «3» # بحديث: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار. # ومنهم من فصل فقال يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما ~~دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما ~~في بني قريظة، فلما رآه مقبلا # قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم # . وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه- والله أعلم- فأما اتخاذه ديدنا فإنه من ~~شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك. ~~انتهى. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، في فتوى له في ذلك: لم يكن من عادة السلف ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، أن يعتادوا القيام، ~~كما يفعله، كثير من الناس. بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يكن شخص ~~أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، ~~لما يعلمون من كراهته لذلك. ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه، تلقيا له، ~~كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة، وقال للأنصار لما قدم ~~سعد بن معاذ: قوموا إلى سيدكم # ، وكان سعد متمرضا بالمدينة، وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة. ~~والذي ينبغي للناس، أن يعتادوا اتباع PageV09P172 # السلف على ما كانوا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فإنهم خير ~~القرون. وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد، فلا يعدل أحد عن هدى ~~خير الخلق، وهدى خير القرون، إلى ما هو دونه. وينبغي للمطاع أن يقرر ذلك مع ~~أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له، ولا يقوم لهم، إلا في اللقاء المعتاد. ~~فأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك، تلقيا له، فحسن. وإذا كان من عادة ~~الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس في حقه، أو قصد ~~لخفضه، ولم ms4390 يعلم العادة الموافقة للسنة، - فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك ~~إصلاح لذات البين، وإزالة للتباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم ~~الموافقة للسنة، فليس في ترك ذلك إيذاء له. # وليس هذا القيام هو القيام المذكور في # قوله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده ~~من النار # . فإن ذلك أن يقوموا وهو قاعد. ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء. ولهذا ~~فرقوا بين أن يقال (قمت إليه) و (قمت له) . والقائم للقادم ساواه في ~~القيام، بخلاف القيام للقاعد. # وقد ثبت في صحيح مسلم «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم قاعدا في مرضه، وصلوا قياما. ~~أمرهم بالقعود، وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا # ، فقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد. لئلا يشبهوا الأعاجم الذين ~~يقومون لعظمائهم وهم قعود. وجماع ذلك أن الذي يصلح، اتباع عادة السلف ~~وأخلاقهم، والاجتهاد بحسب الإمكان. فمن لم يعتد ذلك، أو لم يعرف أنه ~~العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاده الناس من الاحترام مفسدة راجحة، ~~فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين ~~بتفويت أدناهما. انتهى كلام شيخ الإسلام، رحمه الله وجزاه عن الإسلام ~~والمسلمين خيرا. # الثالث- قال ابن كثير: روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا ~~في قوله تعالى: إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يعني في مجالس ~~الحرب. قالوا: ومعنى قوله وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي انهضوا للقتال. # وقال قتادة: وإذا قيل انشزوا فانشزوا أي إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. # وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا بها. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم في بيته فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجا ~~من عنده. فربما يشق ذلك عليه، عليه السلام، وقد تكون له الحاجة. فأمروا ~~أنهم إذا أمروا بالانصراف أن PageV09P173 # ينصرفوا، كقوله تعالى: وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا [النور: 28] انتهى. # ولا تنافي بين هذه ms4391 الأقوال، لأن كلا منها تفسير للفظ العام بعض أفراده. ~~وما يصدق عليه إشارة إلى تناوله لذلك، لا أن أحدها هو المراد دون غيره، ~~فذلك ما لا يتوهم. وقد كثر مثل ذلك في تفاسير السلف لكثير من الآي، وكله ~~مما لا اختلاف فيه- كما بيناه مرارا-. # الرابع- في (الإكليل) قال قوم معنى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات يرفع الله المؤمنين منكم العلماء درجات على غيرهم، فلذلك ~~أمر بالتفسح من أجلهم، ففيه دليل على رفع العلماء في المجالس، والتفسح لهم ~~عن المجالس الرفيعة، انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 12] # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة أي ~~تصدقوا قبل مناجاته، أي مسارته في بعض شأنكم. ذلك أي التقديم. خير لكم أي ~~لأنفسكم، لما فيه من مضاعفة الأجر والثواب، والقيام بحق الإخاء، بالعود على ~~ذوي بالمسكنة بالمواساة والإغناء. وأطهر أي لأنفسكم من رزيلة البخل والشح، ~~ومن حب المال وإيثاره الذي قد يكون من شعار المنافقين، وكأن الأمر بالتصديق ~~المذكور، نزل ليتميز المؤمن من المنافق، فإن المؤمن تسخو نفسه بالإيمان ~~كيفما كان، والثاني يغص به، ولو في أضر الأوقات. ومعظم أوامر السورة هو ~~التصدق، حثا للباخلين، وسوقا للمؤمنين، فإن لم تجدوا أي ما تتصدقون به أمام ~~مناجاتكم الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن الله غفور رحيم أي لمن لم يجده، ~~إذ لم يحرجه ولم يضيق عليه، رحمة منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 13] # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(13) # أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات أي أخفتم، من تقديم # PageV09P174 # الصدقات، الفاقة والفقر؟ توبيخ بأن مثله لا ينبغي أن يشفق منه، للزوم ~~الخلف للإنفاق، لزوم الظل للشاخص. بوعد الله الصدق. ms4392 فإذ لم تفعلوا أي ما ~~ندبتم إليه من تقديم الصدقة، وشق عليكم، وتاب الله عليكم بأن رخص لكم أن لا ~~تفعلوا، رفعا للحرج حسبما أشفقتم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا ~~الله ورسوله أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات، فإن ذلك ~~يكسبكم ملكة الخير والفضيلة، والله خبير بما تعملون أي فيجزيكم بحسبه. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : قوله تعالى: إذا ناجيتم الرسول الآية منسوخة بالتي بعدها، ~~وفيه دليل على جواز النسخ بلا بدل، ووقوعه، خلافا لمن أبى ذلك. انتهى. # والظاهر أن مستند شهرة النسخ ما # رواه ابن جرير عن مجاهد قال: قال علي رضي الله عنه: إن في كتاب الله عز ~~وجل لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي يا أيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم ... إلخ قال: فرضت، ثم نسخت. # وعنه أيضا قال: نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتصدقوا، ~~فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قدم دينارا فتصدق به، ثم ~~أنزلت الرخصة في ذلك. # وعن قتادة أنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار. # وعنه أيضا قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه ~~بالمسألة فوعظهم الله بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة الى نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ~~ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم. # وعن الحسن وعكرمة قالا: إذا ناجيتم الرسول ... الآية، نسختها التي بعدها ~~أأشفقتم ... الآية. # هذه الآثار وأمثالها هي مستند مدعي النسخ، وقوفا مع ظاهرها. وقد أسلفنا ~~في مقدمة التفسير، ومواضع أخرى، أن النسخ في كلام السلف أعم منه باصطلاح ~~الخلف، كما أن المراد من سبب النزول أعم مما يتبادر إليه الفهم. ومنه قول ~~قتادة هنا: فأنزل الله الرخصة بعد ذلك. فإن مراده إبانة أن الأمر ليس ~~بعزيمة في الآية الثانية، لا أن نزولها كان متراخيا عن الأولى، فإن ذلك ~~مستحيل على رونق ms4393 نظمها الكريم. والأصل في الآي المقررة لحكم ما، هو اتصال ~~جملها، وانتظام عقدها، إذ به يكمل سحر بلاغتها، وبديع بيانها وتمام فقهها. ~~والذين ذهبوا إلى عدم وقوع النسخ في التنزيل، لهم في الآية وجوه: # PageV09P175 # أحدها- قول أبي مسلم: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات، وأن ~~قوما من المنافقين تركوا النفاق، وآمنوا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا، فأراد ~~الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى، ليتميز ~~هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقي على نفاقه الأصلي. وإذا كان هذا ~~التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة بذلك الوقت، لا جرم بقدر هذا التكليف. ~~بذلك الوقت قال الرازي: وحاصل قول أبي مسلم أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية ~~مخصوصة، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون هذا نسخا ~~وهذا الكلام حسن، ما به بأس. انتهى. # ثانيها- قول بعضهم: إن شبهة مدعي النسخ ذهابهم إلى أن الأمر بتقديم ~~الصدقة للوجوب. وتأكد ذلك بقوله بعده: فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ~~وقوله: فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فإن ذلك لا يقال إلا فيما يفقده يزول ~~وجوبه. والجواب: أن لا قاطع في كون الأمر للوجوب، بل الظاهر أنه للندب: ~~ويدل عليه أمور: # الأول- أنه تعالى قال: ذلك خير لكم وأطهر وهذا إنما يستعمل في التطوع لا ~~في الفرض. # والثاني- أنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو ~~أأشفقتم أن تقدموا إلى آخر الآية. # والثالث- أن قوله: فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة ... إلخ ~~معناه إن لم تفعلوا ما ندبتم إليه من تقديم الصدقات قبل مناجاة الرسول، ~~والحال أن الله قد رجع إليكم بالتخفيف والتسهيل فيما شرعه لكم، فلم يعاملكم ~~كما كان يعامل الأمم السابقة ولم يعنتكم بشيء مما أوجبه عليكم، فلذا ندبكم ~~إلى هذا الأمر، ولم يجعله عليكم فرضا، كما هي سنته في معاملتكم بالرأفة ~~والرحمة، فأقيموا الصلاة ... إلخ. فقوله وتاب الله عليكم قد ورد هنا بمعنى ~~الرجوع إلى التخفيف والتسهيل على هذه الأمة، والعدول عن معاملتها كسابقيها، ms4394 ~~لا بمعنى التجاوز عن السيئات وغفران الذنوب. وقد ورد بذلك المعنى أيضا في ~~آية أخرى في سورة المزمل، وفي قوله تعالى: علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ~~[المزمل: 20] ، أي رجع إليكم بالتخفيف، ورفع عنكم ما يشق عليكم. وليس معناه ~~في هاتين الآيتين العفو عن الذنوب، إذ لا ذنب هنا صدر منهم. # PageV09P176 # هذا ملخص ما حققه من ذهب إلى امتناع النسخ. والحق لا تخفى قرته، وسكون ~~النفس إليه- وبالله التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية # 14] # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون (14) # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم يعني المنافقين الذين كانوا ~~يتولون اليهود ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، كما بينته آية ألم ~~تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ... ~~[الحشر: 11] الآية. ما هم منكم أي من أهل دينكم وملتكم، معشر المسلمين ولا ~~منهم أي من اليهود كقوله تعالى: مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء [النساء: 143] ، ويحلفون على الكذب قال ابن جرير: وذلك قولهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (نشهد أنك رسول الله) وهم كاذبون غير مصدقين به. ~~وهم يعلمون أي المحلوف عليه كذب بحت. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : الآيات 15 الى 16] # أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) # أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون اتخذوا أيمانهم جنة ~~أي وقاية وعصمة لأنفسهم فصدوا عن سبيل الله أي فحالوا بأيمانهم عن حكم الله ~~في أمثالهم، وهو القتل، إراحة للمؤمنين من فسادهم. أو فصدوا الناس في خلال ~~أمنهم وسلامتهم عن الإيمان وثبوطهم عنه. فلهم عذاب مهين أي مذل لهم في ~~الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : الآيات 17 الى 19] # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) يوم ms4395 يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون ~~أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر ~~الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) # PageV09P177 # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أي من عذابه شيئا ما، كما ~~كانوا يفتدون بذلك في الدنيا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم أي في الدنيا كاذبين مبطلين، إشارة ~~إلى مرونهم على النفاق، ورسوخهم فيه، حتى لدى من لا تخفى عليه خافية. ~~ويحسبون أنهم على شيء أي من النفع أو من الحق ألا إنهم هم الكاذبون أي فيما ~~يحلفون عليه في الدارين استحوذ عليهم الشيطان أي استولى عليهم حتى صار ~~الكذب والفساد ملكة لهم فأنساهم ذكر الله أي بتسويل اللذات الحسية، ~~والشهوات البدنية لهم، وتزيين الدنيا وزبرجها في أعينهم، أولئك حزب الشيطان ~~أي أتباعه في الفساد. # والإفساد. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون أي للسعادة في الدارين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 20] # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين أي في أهل الذلة، لأن ~~الغلبة لله ولرسوله. كما قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 21] # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي أي حزب الشيطان المحادين إن الله قوي عزيز أي ~~قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضائه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المجادلة (58) : آية 22] # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله أي ~~شاقهما وخالف ms4396 أمرهما. أي لا تجد قوما جامعين بين الإيمان بالله واليوم ~~الآخر، وبين موادة # PageV09P178 # أعداء الله ورسوله. والمراد بنفي الوجدان نفي الموادة. على معنى أنه لا ~~ينبغي أن يتحقق ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه، ~~والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، ~~والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم. وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله: ولو ~~كانوا آباءهم أي آباء الموادين والضمير في كانوا لمن حاد الله ورسوله. ~~والجمع باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد فيما قبله، باعتبار لفظها. أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أي فإن قضية الإيمان هجر المحادين أولئك ~~إشارة إلى الذين لا يوادونهم كتب في قلوبهم الإيمان أي أثبته فيها وأيدهم ~~بروح منه أي بنور وعلم ولطف حيت به قلوبهم في الدنيا. وأشار إلى ما لهم في ~~الآخرة، بقوله ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه. أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون أي الناجحون ~~الفائزون بسعادة الدارين. ### | تنبيهات: # الأول- من أشباه هذه الآية قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28] الآية. وقال تعالى: قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين [التوبة: 24] . # الثاني- قال ابن كثير: قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية لا ~~تجد قوما ... إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل ~~أباه يوم بدر. وفي أبي بكر الصديق، هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، وفي ~~مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير، وفي عمر قتل قريبا له من عشيرته ~~يومئذ أيضا. وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن ~~عتيبة يومئذ. انتهى. # وقد بينا مرارا، أن ms4397 المراد بسبب النزول في مثل ذلك، صدق الآية على هؤلاء، ~~وما أتوا به من التصلب في دين الله، في مقابلة المفسدين، ولو كانوا من أقرب ~~الأقربين. # قال ابن كثير: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين في # PageV09P179 # أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، ~~وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما ~~رأى يا رسول الله! هل تمكنني من فلان- قريب لعمر- فأقتله، وتمكن عليا من ~~عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين. # الثالث- قال ابن كثير: في قوله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه سر بديع ~~وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا ~~عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل ~~العميم. # الرابع- يفهم من قوله تعالى حاد الله ورسوله وقوله في آية أخرى لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء [الممتحنة: 1] ، أن المراد بهم المحاربون لله ولرسوله، ~~الصادون عن سبيله، المجاهرون بالعداوة والبغضاء. وهم الذين أخبر عنهم قبل ~~بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. فتشمل الآية المشركين وأهل ~~الكتاب المحاربين المحادين لنا، أي الذين على حد منا، ومجانبة لشئوننا، ~~تحقيقا لمخالفتنا، وترصدا للإيقاع بنا. وأما أهل الذمة الذين بين أظهرنا، ~~ممن رضي بأداء الجزية لنا وسالمنا، واستكان لأحكامنا وقضائنا، فأولئك لا ~~تشملهم الآية، لأنهم ليسوا بمحادين لنا بالمعنى الذي ذكرناه، ولذا كان لهم ~~ما لنا، وعليهم ما علينا، وجاز التزوج منهم، ومشاركتهم، والاتجار معهم، ~~وعيادة مرضاهم. فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم يهوديا، وعرض عليه ~~الإسلام فأسلم- كما رواه «1» البخاري-. # وعلى الإمام حفظهم والمنع من أذاهم، واستنقاذ أسراهم، لأنه جرت عليهم ~~أحكام الإسلام، وتأبد عهدهم، فلزمه ذلك، كما لزم المسلمين- كما في ~~(الإقناع) و (شرحه) -. # وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) في الرد على المتنطعين الذين لا تطيب ~~نفوسهم بكثير من الرخص المشروعة: ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يجيب من ms4398 دعاه، فيأكل طعامه. وأضافه يهودي بخبز شعير وإهالة سنخة. وكان ~~المسلمون يأكلون من أطعمة أهل الكتاب. وشرط عمر رضي الله عنه ضيافة من مر ~~بهم من المسلمين وقال: أطعموهم مما تأكلون. وقد أحل الله عز وجل ذاك في ~~كتابه. ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه ~~فقال: أين هو؟ قالوا في الكنيسة، فكره دخولها، وقال لعلي رضي الله عنه: ~~اذهب بالناس. فذهب علي PageV09P180 # بالمسلمين، فدخلوا، وجعل علي رضي الله عنه ينظر إلى الصورة. # وقال: ما على أمير المؤمنين، لو دخل وأكل! # انتهى. # والأصل في هذا قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون [الممتحنة: 8- 9] ، قال ~~السيد ابن المرتضى اليماني في (إيثار الحق) : عن الإمام المهدي محمد بن ~~المطهر عليه السلام أن الموالاة المحرمة بالإجماع، هي أن تحب الكافر لكفره، ~~والعاصي لمعصيته، لا لسبب آخر، من جلب نفع أو دفع ضرر، أو خصلة خير فيه. ~~وسيأتي في أول سورة الممتحنة زيادة على هذا إن شاء الله تعالى، وبالله ~~التوفيق. # PageV09P181 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الحشر # قال المهايمي: سميت به لدلالة إخراج اليهود عنده، على لطف الله وعنايته ~~برسوله وبالمؤمنين، وقهره وغضبه على أعدائهم. وهو من أعظم مقاصد القرآن. # وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير. # روى البخاري «1» عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ # قال: سورة بني النضير. # وعنه قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: سورة بني النضير. وهم قوم من ~~اليهود. وهي مدنية. وآيها أربع وعشرون، بلا خلاف. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ms4399 لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم تقدم القول في ~~تأويل نظيره. # ثم أشار إلى بيان بعض آثار عزته تعالى، وإحكام حكمته، إثر وصفه بالعزة ~~القاهرة، والحكمة الباهرة على الإطلاق، بقوله: هو الذي أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتاب PageV09P182 # يعني بني النضير من اليهود من ديارهم أي مساكنهم التي جاوروا بها ~~المسلمين حول المدينة، لطفا بهم لأول الحشر أي لأول الجمع لقتالهم. يعني ~~أخرجهم تعالى بقهره لأول ما حشر لغزوهم. والتوقيت به إشارة إلى شدة الأخذ ~~الرباني لهم، وقوة البطش والانتقام، بقذف الرعب في قلوبهم، حتى اضطروا لأول ~~الهجوم عليهم، إلى الجلاء والفرار، كما يأتي. # ما ظننتم أن يخرجوا أي لشدة بأسهم ومنعتهم، فصار آية لكم، لأنه من آثار ~~سنته تعالى في إذلال المفسدين وقهرهم. وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~أي من بأسه فأتاهم الله أي عذابه، وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء من حيث ~~لم يحتسبوا أي لم يظنوا وقذف في قلوبهم الرعب أي أنزله إنزالا شديدا فيها، ~~لدلالة مادة (القذف) عليه، كأنه مقذوف الحجارة. # قال القاشاني: أي نظر بنظر القهر إليهم فتأثروا به، لاستحقاقهم لذلك، ~~ومخالفة الحبيب ومشاقته ومضادته، ولوجود الشك في قلوبهم، وكونهم على غير ~~بصيرة من أمرهم، وبينة من ربهم، إذ لو كانوا أهل يقين ما وقع الرعب في ~~قلوبهم، ولعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور اليقين، وآمنوا به فلم ~~يخالفوه. # يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار أي كيف ~~حل بالمفسدين ما حل ونزل بهم ما نزل، لتعلموا صدق الله في وعده ووعيده. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : الآيات 3 الى 4] # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن ms4400 الله شديد العقاب ~~(4) # ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء أي الخروج من أوطانهم لعذبهم في الدنيا ~~أي بالقتل والسبي، كما فعل بإخوانهم بني قريظة. ولهم في الآخرة عذاب النار ~~ذلك أي الجلاء والعذاب بأنهم شاقوا أي خالفوا الله ورسوله أي فيما نهاهم ~~عنه من الفساد، ونقض الميثاق. ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب أي له في ~~الدنيا والآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 5] # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) # PageV09P183 # ما قطعتم من لينة أي نخلة من نخيلهم إغاظة لهم أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله أي أمره ورضاه، لأن ذلك ليس للبعث والإصرار، بل لتأييد ~~قوة الحق، وتصلب أهله، وإرهاب المبطلين وإذلالهم، كما قال تعالى: وليخزي ~~الفاسقين أي لما فيه من إهانة العدو، وإضعافه ونكايته. ### | تنبيه: # ذكر علماء الأخبار وأئمة السير، أن سبب الأمر بجلاء بني النضير هو نقضهم ~~العهد. قال الإمام ابن القيم: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~صار الكفار معه ثلاثة أقسام، قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا ~~يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم، آمنون على دمائهم ~~وأموالهم. وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم ~~يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه. ثم من هؤلاء من كان ~~يحب ظهوره وانتصاره في الباطن. ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم. ~~ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، ~~وهؤلاء هم المنافقون. فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمر به ربه- تبارك ~~وتعالى- فصالح يهود المدينة، وكتب بينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول ~~المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. # فكانت بنو قينقاع أول من نقض ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، وحاصرهم صلى الله عليه وسلم، ثم أمرهم أن ~~يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها. ثم نقض العهد بنو النضير. ms4401 وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يستعينهم في دية قتيلين من بني ~~عامر، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم، فتآمروا ~~على قتله صلى الله عليه وسلم، وأن يعلو رجل فيلقي صخرة عليه، فانتدب لذلك ~~عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم، وصعد ليلقي عليه صخرة، ونزل الوحي على الرسول ~~صلوات الله عليه بما أراد القوم. # فقام ورجع بمن معه من أصحابه إلى المدينة. وأمر بالتهيؤ لحربهم. ثم سار ~~بالناس، حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل وتحريقها، ثم قذف الله في قلوبهم ~~الرعب، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، ~~على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل. فاحتملوا من ~~أموالهم ما استقلت به الإبل. فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، ~~فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، ~~وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت له خاصة يضعها حيث ~~شاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون ~~الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف # PageV09P184 # وأبا دجانة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسلم ~~من بني النضير إلا رجلان: # يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. # قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك، وما هم به من شأني؟ # فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش، فقتله فيما ~~يزعمون. ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله ~~به من نقمته، وما سلط عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عمل به. ~~فيهم. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر ms4402 (59) : آية 6] # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) # وما أفاء الله على رسوله منهم أي أعاد عليه من أموال بني النضير فما ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب أي فما أجريتم على تحصيله خيلا ولا ركابا، ولا ~~تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم. و (الإيجاف) من ~~الوجيف، وهو سرعة السير. و (الركاب) : ما يركب من الإبل، غلب فيه كما غلب ~~الراكب على راكبه. ولكن الله يسلط رسله على من يشاء أي من أهل الفساد ~~والإفساد ليقوم الناس بالقسط. والله على كل شيء قدير. # قال الزمخشري: المعنى أن ما خول الله رسوله من أموال بني النضير، شيء لم ~~يحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم، وعلى ما في أيديهم، كما كان ~~يسلط رسله على أعدائهم. فالأمر فيه مفوض إليه، يضعه حيث يشاء. يعني أنه لا ~~يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها، وأخذت عنوة وقهرا. وذلك أنهم طلبوا ~~القسمة فنزلت: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 7] # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي من أموال محاربيها، وهو بيان ~~للأول، ولذا لم يعطف عليه، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل كي لا يكون أي الفيء الذي حقه أن يكون لمن ذكر دولة بين ~~الأغنياء # PageV09P185 # منكم # أي يتداولونه وحدهم دون من هم أحق به. أو دولة جاهلية، إذ كان من عوائدهم ~~استئثار الرؤساء والأغنياء بالغنائم دون الفقراء وما آتاكم الرسول أي من ~~قسمة غنيمة أو في فخذوه وما نهاكم عنه أي عن أخذه منها فانتهوا واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب أي لمن خالفه إلى ما نهى عنه. ### | تنبيهات: # الأول- قال ms4403 السيوطي في (الإكليل) : استدل بالآية على أن (الفيء) ما أخذ ~~من الكفار بلا قتال، وإيجاف خيل وركاب، ومنه ما جلوا عنه خوفا. و (الغنيمة) ~~ما أخذ منهم بقتال، كما تقدم في قوله: واعلموا أنما غنمتم من شيء ... ~~[الأنفال: # 41] الآية، خلافا لمن زعم أنهما بمعنى واحد، أو فرق بينهما بغير ذلك. ~~انتهى. # وكأن الذي زعم أنهما بمعنى واحد رأى أن مجمل هذه الآية بينه آية الأنفال، ~~حتى زعم قتادة أن هذه منسوخة بتلك. قال- فيما رواه عنه ابن جرير-: كان ~~الفيء في هؤلاء ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال فقال: واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وجعل ~~الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر. وكانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس. ~~فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسم الخمس الثاني على خمسة أخماس: فخمس لله ~~وللرسول، وخمس لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وخمس ~~لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل. # والمسألة مبسوطة في مطولات الفروع. # الثاني- قال الزمخشري: الأجود أن يكون قوله تعالى: وما آتاكم الرسول ~~فخذوه الآية- عاما في كل ما آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه. ~~وأمر الفيء داخل في عمومه. # وفي (الإكليل) : فيه وجوب امتثال أوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم. # قال العلماء: وكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، يصح أن يقال إنه في ~~القرآن، أخذا من هذه الآية. انتهى. # وهذا الأخير من غلو الأثريين، والإغراق في الاستنباط. # ثم بين تعالى من أصناف من تقدم، الأحق بالعناية والرعاية، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية # 8] # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) # PageV09P186 # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أي من مواطنهم ~~ومألوفاتهم يبتغون فضلا من الله أي من العلوم والفضائل الخلقية ورضوانا أي ~~منه، وهو أعظم ما يرغب فيه، وينصرون الله ورسوله أي يبذل النفوس لقوة ~~اليقين أولئك هم الصادقون قال ms4404 القاشاني: أي في الإيمان اليقيني لتصديق ~~أعمالهم دعواهم، إذ علامة وجدان اليقين ظهور أثره على الجوارح، بحيث لا ~~تمكن حركاتها إلا على مقتضى شاهدهم من العلم. # ثم أشار إلى أن إيثار هؤلاء بالعطاء مما تطيب به نفوس إخوانهم الأنصار، ~~لحرصهم، رضي الله عنهم، على الإيثار دون الاستئثار، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 9] # والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # والذين تبوؤا الدار أي دار الهجرة. أي توطنوها والإيمان من قبلهم أي من ~~قبل مجيء المهاجرين إليهم. وعطف الإيمان قيل: بتقدير عامل. أي وأخلصوا ~~الإيمان. وقيل: استعمل التبوؤ في لازم معناه، وهو اللزوم والتمكن. # والمعنى: لزموا الدار والإيمان. وجوز أيضا تنزيل الإيمان منزلة المكان ~~الذي يتمكن فيه، على أنه استعارة بالكناية، ويثبت له التبوؤ على طريق ~~التخييل. # يحبون من هاجر إليهم أي لوجود الجنسية في الصفاء، والموافقة في الدين ~~والإخاء. قال الشهاب: المراد بمحبتهم المهاجرين هنا، مواساتهم، وعدم ~~الاستثقال والتبرم منهم، إذا احتاجوا إليهم، فالمحبة كناية عما ذكر، كما ~~قيل: # يا أخي! واللبيب، إن خان دهر، ... يستبين العدو ممن يحب # ولا يجدون في صدورهم أي في أنفسهم حاجة أي طلبا أو حسدا مما أوتوا أي مما ~~أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، لسلامة قلوبهم، وطهارتها عن دواعي الحرض. ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أي حاجة وفاقة. # قال القاشاني: لتجردهم وتوجههم إلى جناب القدس، وترفعهم عن مواد الرجس، ~~وكون الفضيلة لهم أمرا ذاتيا، باقتضاء الفطرة، وفرط محبة الإخوان بالحقيقة، ~~والأعوان في الطريقة. فتقديمهم أصحابهم على أنفسهم، لمكان الفتوة، وكمال ~~المروة، ولقوة التوحيد، والاحتراز عن حظ النفس. # PageV09P187 ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في الآية مدح الإيثار في حظوظ النفس والدنيا. انتهى. # وقال ابن كثير: هذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا [الإنسان: 8] ، وقوله: # وآتى المال على ms4405 حبه [البقرة: 177] ، فإن هؤلاء تصدقوا، وهم يحبون ما ~~تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه، ولا ضرورة به. وهؤلاء آثروا على ~~أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي ~~الله عنه بجميع ماله، # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ # فقال رضي الله عنه: أبقيت لهم الله ورسوله! وهكذا الماء الذي عرض على ~~عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل، ~~أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ~~ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. # ومن يوق شح نفسه أي فيخالفها فيما يغلب عليها من حب المال، وبغض الإنفاق. ~~فأولئك هم المفلحون أي الفائزون بالسعادتين. وفي إضافة الشح إلى النفس ~~إشارة لما قاله القاشاني من أن النفس مأوى كل شر ووصف رديء، وموطن كل رجس ~~وخلق دنيء. والشح من غرائزها المعجونة في طينتها، لملازمتها الجهة السفلية، ~~ومحبتها الحظوظ الجزئية، فلا ينتفي منها إلا عند انتفائها. ولكن المعصوم من ~~تلك الآفات والشرور، من عصمه الله. # قال ابن جرير: الشح في كلام العرب البخل، ومنع الفضل من المال. والعلماء ~~يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق. ثم روي أن ~~رجلا أتى ابن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني أخشى أن تكون أصابتني هذه ~~الآية ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من ~~يدي شيء! قال: ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح أن تأكل ~~مال أخيك ظلما. ذلك البخل، وبئس الشيء البخل! انتهى. # والظاهر أنه عنى بالعلماء علماء الأثر. لأنه لم يفسر إلا بالمأثور. ولعل ~~ابن مسعود فسر الآية بذلك، لدلالة سياقها عليه، إذ القصد تزهيد الأنصار في ~~أن تطمح أنفسهم لما جعل للمهاجرين دونهم. أو هو يرى الفرق بين الشح والبخل ~~بما ذكره. # وعلى كل، فلا يتعين تأويل الآية ms4406 بما ذكره بل هي مما تحتمله. # PageV09P188 # وعن ابن زيد في الآية قال: من وقي شح نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئا، ولم ~~يقربه، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئا، فهو من المفلحين. # وروي ابن جرير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~برئ من الشح من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة. # وروى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش فإن ~~الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح فإنه أهلك من قبلكم: أمرهم ~~بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا. # وعن أبي هريرة «2» أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يجتمع ~~غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في ~~قلب عبد أبدا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية # 10] # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم يعني ~~بالذين جاءوا من بعدهم، الذين هاجروا حين قوي الإسلام من بعد الذين هاجروا ~~مخرجين من ديارهم. فالمراد مجيئهم إلى المدينة بعد مدة. والمجيء حسي. وقيل: ~~هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة. فالمجيء إما إلى الوجود، أو إلى ~~الإيمان. ونظير هذه الآية، آية براءة: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه [التوبة: 100] . # قال الشهاب: والمراد بدعاء اللاحق للسابق، والخلف للسلف، أنهم متبعون ~~لهم، أو هو تعليم لهم بأن يدعوا لمن قبلهم، ويذكروهم بالخير. ### | تنبيه: # جعل الزمخشري قوله: والذين عطفا على المهاجرين كالموصول قبله في قوله: ~~والذين تبوؤا ... إلخ. فيكون قوله يحبون وقوله يقولون حالين. PageV09P189 # وجوز السمين: وجها ثانيا، وهو ms4407 كون الموصول فيهما مبتدأ، وما بعده خبره. # وعندي أن هذا هو الوجه، ما قبله تكلف، وأن الموصولين مستأنفان لمدح إيمان ~~الأنصار والتابعين لهم بتلك الأخلاق الفاضلة، والخصال الكاملة. وما حمل ~~الزمخشري ومن تابعه على الاقتصار على الوجه الأول إلا لتشمل أصناف من يستحق ~~الفيء من فقراء كل، كأنه قيل: للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ... إلخ، ~~وللفقراء الذين تبوؤا ... إلخ، وللفقراء الذين جاءوا من بعدهم ... إلخ، مع ~~أن سياق الآيات المذكورة، ورعاية وقت نزولها، والمهاجرون في جهد، والأنصار ~~في سعة ورغد- يقضي بأن المقصود منها للفيء، هو فقراء المهاجرين خاصة وأن ~~الذين تبوءوا الدار في غنى عنه وعدم تشوف إليه، لشدة محبتهم لإخوانهم، بل ~~رغبتهم في إيثارهم. ثم بين تعالى حال من يجيء بعدهم بأنه يثني على من سبقه، ~~ويدعو له ابتهاجا بما أتوا، واغتباطا بما عملوا، لأنهم بين مهاجر عن أهله ~~وأمواله، محبة في الله ورسوله، وبين محب لمن هاجر، مكرم له، بل مؤثر إياه، ~~مما أشف عن قوة الإيمان، والإخلاص في تدعيم روابط الإيقان، هذا هو الظاهر ~~من نظم الآيات الكريمة، وذوق سوقها. وأما فقراء الصنفين الآخرين، فإنهم ~~يستحقون من الفيء قياسا على الصنف الأول، لاشتراكهم في الفقر. إلا أنه في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك أحد من الأنصار في تلك الواقعة فقرا، ~~إلا سهلا وأبا دجانة- كما تقدم- فأعطاهما صلى الله عليه وسلم. وأما في ~~غيرها من الوقائع التي كثرت فيها المغانم، فقد كان حظهم منها ما هو معروف ~~ومبين في آيات أخر، فإن التنزيل الكريم بين مقاسم الأموال لذويها في عدة ~~آيات. # روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين [التوبة: 60] . حتى بلغ عليم حكيم ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ... [الأنفال: 41] الآية. ~~ثم قال: هذه الآية لهؤلاء. ثم قرأ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ~~[الحشر: 7] . حتى بلغ والذين جاؤ من بعدهم [الحشر: 10] . ثم قال: # استوعبت هذه الآية المسلمين ms4408 عامة، فليس أحد إلا له فيها حق. ثم قال لئن ~~عشت ليأتين الراعي. وهو يسير حمره، نصيبه، لم يعرق فيها جبينه! ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية # 11] # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) # PageV09P190 # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب يعني ~~بني النضير المتقدم ذكرهم. وأخوتهم معهم أخوة دين واعتقاد، أو أخوة صداقة ~~وموالاة لأنهم كانوا معهم سرا على المؤمنين لئن أخرجتم أي من دياركم لنخرجن ~~معكم ولا نطيع فيكم أي في خذلانكم أحدا أبدا أي من الرسول صلوات الله عليه، ~~والمؤمنين وإن قوتلتم لننصرنكم أي لنعاوننكم. # قال ابن جرير: ذكر أن الذين نافقوا عبد الله بن أبي ابن سلول. ووديعة ~~ومالك ابنا نوفل، وسويد، وداعس. بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن ~~معكم قوتلتم قاتلنا وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم ~~يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا ~~الحلقة، كما تقدم والله يشهد إنهم لكاذبون أي لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك. ~~كما قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية # 12] # لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار ثم لا ينصرون (12) # لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار أي منهزمين، ثم لا ينصرون أي بنوع ما من أنواع النصر. والضمير ~~للمنافقين أو اليهود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 13] # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون أي هم ~~يرهبونكم أشد ms4409 من رهبتهم من الله، لاحتجابهم بالخلق عن الحق، بسبب جهلهم ~~بالله، وعدم معرفتهم له، إذ لو عرفوه لشعروا بعظمته وقدرته وعلمه، ولم ~~يستخفوا بمعاصيه، ويستخفوا بأوامره. والضمير للمنافقين أو اليهود. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 14] # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) # PageV09P191 # لا يقاتلونكم أي اليهود وإخوانهم جميعا إلا في قرى محصنة أي بالحصون، فلا ~~يبرزون إلى البراز أو من وراء جدر أي من خلف حيطان، لفرط رهبتهم منكم، ~~بأسهم بينهم شديد قال الزمخشري: يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما ~~هو بينهم إذا اقتتلوا، ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة، لأن ~~الشجاع يجبن، والعزيز يذل، عند محاربة الله ورسوله. انتهى. # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى أي تظنهم مجتمعين لاتفاقهم في الظاهر، والحال ~~أن قلوبهم متفرقة، لاختلاف مقاصدها، وتجاذب دواعيها، وتفرقها عن الحق ~~بالباطل. ذلك قال المهايمي: أي الاجتماع في الظاهر، مع افتراق البواطن، ~~بأنهم قوم لا يعقلون أي أنه يوجب جبنهم المفضي إلى الهلاك الكلي. انتهى. # وفي هذه الآيات الثلاث تشجيع للمؤمنين على منازلتهم، والحمل عليهم، ~~وتبشير لهم بأنهم المنصورون الغالبون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 15] # كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) # كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم أي مثل هؤلاء ~~اليهود من بني النضير، فيما نزل بهم من العقوبة، كمثل من نالهم جزاء بغيهم ~~من قبلهم، وهم كفار قريش في وقعة بدر، أو بنو فينقاع. قال ابن كثير: ~~والثاني أشبه بالصواب، فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أجلاهم قبل هذا. انتهى. # قال قتادة: إن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. وكان من أمرهم أن امرأة من ~~العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، ms4410 وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا ~~يريدونها على كشف وجهها، فأبت. فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ~~ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين ~~على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، فشدت اليهود على المسلم فتقلوه، فاستصرخ ~~أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني ~~قينقاع فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فأمرهم ~~أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى الشام- والتفصيل في ~~السير-. # وقال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال إن الله عز وجل مثل هؤلاء ~~الكفار من أهل الكتاب، مما هو مذيقهم من نكاله، بالذين من قبلهم من مكذبي # PageV09P192 # رسوله صلى الله عليه وسلم، الذين أهلكهم بسخطه، وأمر بني قينقاع، ووقعة ~~بدر، كانا قبل جلاء بني النضير، وكل أولئك قد ذاقوا وبال أمره، ولم يخصص ~~الله عز وجل منهم بعضا في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض. وكل ذائق وبال أمره، ~~فمن قربت مدته منهم قبلهم، فهم ممثلون بهم فيها عنوا به من المثل. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : الآيات 16 الى 17] # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين (17) # كمثل الشيطان أي مثل المنافقين في إغراء بني النضير على القتال، ووعدهم ~~النجدة أو الخروج معهم، ومثل انخداع بني النضير بوعد أولئك الكاذب، كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر أي إذ غر إنسانا ووعده على اتباعه وكفره ~~بالله، النصرة عند الحاجة إليه فلما كفر أي بالله، واتبعه وأطاعه قال أي ~~مخافة أن يشركه في عذابه، مسلما له وخاذلا إني بريء منك أي فلا أعينك إني ~~أخاف الله رب العالمين أي في نصرتك فلم ينفعه التبرؤ، كما لم ينفع الأول ~~وعده الإعانة فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ~~أي في حق الله تعالى، وحق العباد. أي وهكذا جزاء اليهود من ms4411 بني النضير ~~والمنافقين، الذين وعدوهم النصرة. وكل كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به. ~~إنهم في النار مخلدون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية # 18] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله أي بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. # قال المهايمي: يعني أن مقتضى إيمانكم أن لا تأمنوا مكر الله، فاتقوه أن ~~يسلط عليكم الشيطان ليغويكم بالكفر، ثم يتبرأ منكم. # ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي لما بعد الموت من الصالحات واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون أي فيجازيكم بحسبها. # PageV09P193 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 19] # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم قال ابن جرير: أي لا تكونوا ~~كالذين تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم، فأنساهم حظوظ أنفسهم من ~~الخيرات. # وقال القاشاني: نسوا الله أي بالاحتجاب بالشهوات الجسمانية، والاشتغال ~~باللذات النفسانية فأنساهم أنفسهم حتى حسبوها البدن وتركيبه ومزاجه، فذهلوا ~~عن الجوهرة القدسية، والفطرية النورية. # وقال ابن القيم في (دار السعادة) : تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا ~~عظيما. وهو أن من نسي ربه، أنساه ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، ~~بل نسي ما به صلاحه وفلاحه، في معاشه ومعاده، فصار معطلا مهملا، بمنزلة ~~الأنعام السائبة بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه، لبقائها علي ~~هداها الذي أعطاها إياه خالقها. وأما هذا فخرج عن فطرته التي خلق عليها، ~~فنسي ربه. فأنساه نفسه وصفاتها، وما تكمل به، وتزكو به، وتسعد به في معاشها ~~ومعادها. قال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره ~~فرطا [الكهف: 28] . فغفل عن ذكره ربه، فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات ~~له إلى مصالحه وكماله، وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، ~~مفرط الأمر، حيران لا يهتدي سبيلا، فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم ~~العبد بسعادته ms4412 وكماله، ومصالح دنياه وآخرته. والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ~~ومصالحها وكمالها، وما تزكو به وتفلح به. فالعلم به سعادة العبد، والجهل به ~~أصل شقاوته، انتهى. # أولئك هم الفاسقون أي: الذين خرجوا عن الدين القيم الذي هو فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها. وخانوا وغدروا، ونبذوا عهد الله وراء ظهورهم فخسروا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 20] # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) # لا يستوي أصحاب النار وهم الناسون الغادرون وأصحاب الجنة وهم المؤمنون ~~المتقون الموفون بعهدهم. أصحاب الجنة هم الفائزون أي: بالنعيم المقيم. # PageV09P194 ### | تنبيهان: # الأول- قال الزمخشري: استدل أصحاب الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على ~~أن المسلم لا يقتل بالكافر. انتهى. # ورد الاستدلال بذلك أحد أئمة الشافعية، وهو برهان الدين في (تفضيل السلف ~~على الخلف) بما مثاله: # احتج بهذه الآية بعض الشافعية في مسألة قتل المسلم بالذمي، وهذا في غاية ~~الضعف، لأن أحدا لم يسو بينهما. وإيجاب القصاص ليس بتسوية، لأنه ما من ~~متباينين في وجوه، إلا وقد استويا في وجه أو وجوه. فلا يكون إيجاب القود ~~استواء كما لا يكون إيجاب الدية والكفارة استواء. فهذا كلام من ضعف نظره في ~~مورد الانتزاع من شواهد الفرقان. انتهى. # الثاني- قال أبو السعود: لعل تقديم أصحاب النار في الذكر للإيذان من أول ~~الأمر بأن القصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء، من جهتهم، لا من جهة ~~مقابليهم. # فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين. زيادة ونقصانا، وإن جاز ~~اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص. وعليه ~~قوله تعالى: هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور [الرعد: # 16] ، إلى غير ذلك من المواقع وأما قوله تعالى: هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون [الزمر: 9] ، فلعل تقديم الفاضل فيه، لأن صلته ملكة لصلة ~~المفضول والأعدام مسبوقة بملكاتها. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : آية 21] # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) # لو أنزلنا ms4413 هذا القرآن أي الجامع للمواعظ، الموجب للنظر والتقوى بكل حال، ~~على جبل قال المهايمي أي بتفهيمه له وتكليفه بما فيه، بعد إعطاء القوى ~~المدركة والمحركة لرأيته خاشعا أي متذللا لعظمة الله متصدعا أي متشققا من ~~خشية الله أي مع عظم مقداره، وغاية صلابته، وتناهي قساوته. قال القاشاني: ~~أي قلوبهم أقسى من الحجر في عدم التأثر والقبول، إذ الكلام الإلهي بلغ من ~~التأثير ما لا إمكان للزيادة وراءه، حتى لو فرض إنزاله على جبل لتأثر منه ~~بالخشوع # PageV09P195 # والانصداع وتلك الأمثال نضربها للناس أي وتلك الأمور، وإن كانت وهمية، ~~مفروضة، فلا بد من اعتبارها وضربها للناس الذين نسوا صغر مقدارهم فتكبروا، ~~ولينهم فقست قلوبهم لعلهم يتفكرون أي ليعلموا أنه أولى بذلك الخشوع ~~والتصدع. # قال الزمخشري: الآية تمثيل كما مر في قوله: إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب: ~~72] . وقد دل عليه قوله: وتلك الأمثال نضربها للناس والغرض توبيخ الإنسان ~~على قسوة قلبه، وقلة تخشعه، عند تدبر القرآن، وتدبر قوارعه وزواجره. # ثم أشار تعالى إلى أنه كيف يترك الخشوع لذات الله وأسمائه، مع أنه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحشر (59) : الآيات 22 الى 24] # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصور ~~له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24) # هو الله الذي لا إله إلا هو أي المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية ~~إلا له. # عالم الغيب والشهادة أي ما غاب عن الحس وشوهد هو الرحمن الرحيم أي المنعم ~~بالنعم العامة والخاصة. ومن كان مطلعا على الأسرار يحب أن يخشع له، ويخشى ~~منه، لا سيما من حيث كونه منعما. إذ حق المنعم أن يخشع له، ويخشى أن تسلب ~~نعمه هو الله الذي لا إله إلا هو الملك أي الغني المطلق، الذي يحتاج إليه ~~كل شيء، المدبر للكل في ترتيب نظام لا أكمل ms4414 منه القدوس أي المنزه عما لا ~~يليق بجلاله، تنزها بليغا السلام أي الذي يسلم خلقه من ظلمه، أو المبرأ عن ~~النقائص كالعجز المؤمن أي لأهل اليقين بإنزال السكينة، ومن فزع الآخرة ~~المهيمن أي الرقيب على كل شيء باطلاعه واستيلائه وحفظه العزيز أي القوي ~~الذي يغلب ولا يغلب الجبار أي الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل ~~أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، والذي لا يخرج أحد عن قبضته- قاله الغزالي في ~~(المقصد الأسنى) -. # وقال الإمام ابن القيم في (الكافية الشافية) : # PageV09P196 # وكذلك (الجبار) من أوصافه ... والجبر في أوصافه قسمان # جبر الضعيف. وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة، فالجبر منه داني # والثان جبر القهر بالعز الذي ... لا ينبغي لسواه من إنسان # وله مسمى ثالث وهو العلو ... فليس يدنو منه من إنسان # من قولهم (جبارة) للنخلة ال ... عليا التي فاتت بكل بنان # المتكبر أي الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة ~~والكبرياء إلا لنفسه. فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد. سبحان الله ~~عما يشركون أي من الأوثان والشفعاء. هو الله الخالق أي المقدر للأشياء على ~~مقتضى حكمته البارئ أي الموجد لها بعد عدم. المصور أي الكائنات كما شاء. له ~~الأسماء الحسنى أي الدالة على محاسن المعاني، وأحاسن الممادح. # يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. أي في تدبيره خلقه. # وصرفهم فيما فيه صلاحهم وسعادتهم. ### | تنبيهات: # الأول- قال السيد ابن المرتضى في (إيثار الحق) : مقام معرفة كمال الرب ~~الكريم، وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد الذي لا بد ~~منه، لأن كمال الذات بأسمائه الحسنى، ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا ~~نعت لها ولا اسم، ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها، من أعظم ~~مكايدهم للإسلام، فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا فذموا الأمر المحمود. ~~ومدحوا الأمر المذموم، القائم مقام النفي، والجحد المحض، وضادوا كتاب الله ~~ونصوصه الساطعة. # قال الله جل جلاله: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه [الأعراف: 180] . وقال سبحانه وتعالى: ms4415 قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110] . فما كان منها ~~منصوصا في كتاب الله وجب الإيمان به على الجميع، والإنكار على من جحده، أو ~~زعم أن ظاهر اسم ذم لله سبحانه. وما كان في الحديث وجب الإيمان به على من ~~عرف صحته. # وما نزل عن هذه المرتبة، أو كان مختلفا في صحته، لم يصح استعماله، فإن ~~الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق أنه تسمى به. # ثم قال: وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في ~~تعدادها، مع الاختلاف الشهير في صحته. وحسبك أن البخاري ومسلما تركا # PageV09P197 # تخريجه مع رواية أوله. واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه. ولكن ~~الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده من أحصاها بالجنة، ~~كما اتفق على صحته. وليس يستيقن إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن لله سبحانه اسم ~~غير تلك الأسماء، فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصى، بطل اليقين ~~بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما اتفق على صحته بعد ~~ذلك، وهو النادر، وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة ~~والنص. # ثم أطال رحمه الله في ذلك وأطاب. فليرجع إليه النهم بالتحقيقات. # الثاني- قال الغزالي في (المقصد الأسنى) - وهو من أنفس ما ألف في معاني ~~الأسماء الحسنى-: هل الصفات والأسامي المطلقة على الله تعالى تقف على ~~التوقيف. أو تجوز بطريق العقل؟ والذي مال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني أن ~~ذلك جائز، إلا ما منع منه الشرع، أو أشعر بما يستحيل معناه على الله تعالى. ~~فأما ما لا مانع فيه فإنه جائز. والذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن الأشعري، ~~رحمة الله عليه، أن ذلك موقوف على التوقيف، فلا يجوز أن يطلق في حق الله ~~تعالى. إلا إذا أذن فيه. # والمختار عندنا أن نفصل ونقول: كل ما يرجع إلى الاسم، فذلك موقوف على ~~الإذن، وما يرجع إلى الوصف، فذلك لا يقف على الإذن، بل ms4416 الصادق منه مباح دون ~~الكاذب. ثم جود رحمه الله البيان بما لا غاية بعده. # الثالث- قال السيد ابن المرتضى في (إيثار الحق) : قد تكلم على معانيها ~~جماعة من أهل العلم والتفسير، وأكثرها واضح. والعصمة فيها عدم التشبيه، ~~واعتقاد أن المراد بها أكمل معانيها، الكمال الذي لا يحيط بحقيقته إلا الله ~~تعالى. # ثم قال: ولا بد من الإشارة هنا إلى أمر جملي، وهو أصل عظيم.، وذلك تفسير ~~الحسنى جملة: فاعلم أنها جمع (الأحسن) لا جمع الحسن، وتحت هذا سر نفيس: # وذلك أن (الحسن) من صفات الألفاظ، ومن صفات المعاني، فكل لفظ له معنيان ~~حسن وأحسن، فالمراد الأحسن منهما حتى يصح جمعه (حسنى) ، ولا يفسر بالحسن ~~منهما إلا الأحسن بهذا الوجه. ثم بين مثال ذلك فانظره. # PageV09P198 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الممتحنة # بفتح الحاء، وقد تكسر، فعلى الأول هي صفة المرأة التي نزلت فيها. وعلى ~~الثاني صفة السورة، كما قيل لبراءة (الفاضحة) - كما في (الأعلام) -. # قال المهايمي: سميت بها لدلالة آية الامتحان على أنه لا يكتفي في باب ~~الصحة بظواهر الأدلة كالهجرة، بل لا بد من اختبار البواطن. فدلائل ~~الاعتقادات أولى بذلك. وهذا من أعظم مقاصد القرآن. انتهى. # وفي (جمال القراء) أنها تسمى سورة الامتحان، وسورة المودة. وهي مدنية. # وآيها ثلاث عشرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء أي أنصارا. نهي لأصحاب ~~النبي صلوات الله عليه، عن موالاة مشركي مكة المحاربين لله ولرسوله وقتئذ، ~~لما فيها من الفتنة بالدين وأهله كما يأتي. تلقون إليهم بالمودة أي صميم ~~المحبة، والباء زائدة في المفعول وقد كفروا بما جاءكم من الحق ms4417 أي من ~~الإيمان بالله ورسوله وكتابه، الذي هو نهاية الهدى، وغاية السعادة. # ثم أشار إلى أنه لم يكفهم ذلك حتى آذوا المؤمنين، بما يقطع العلائق معهم # PageV09P199 # رأسا، بقوله: يخرجون الرسول وإياكم أي من أرضكم ودياركم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم أي يخرجونكم لإيمانكم بالله، الجامع للكمالات المقتضية انقياد الناقص ~~له، لا سيما باعتبار اتصافه بوصف كونه رباكم بالكمالات، فهي بالحقيقة عداوة ~~مع الله. # قال ابن كثير: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم، وعدم موالاتهم، ~~لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد، ~~وإخلاص العبادة لله وحده. ولهذا قال تعالى: أن تؤمنوا بالله ربكم أي لم يكن ~~لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: وما نقموا منهم ~~إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [البروج: 8] . وكقوله تعالى: الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج: 40] ، وقوله ~~تعالى: إن كنتم خرجتم أي هاجرتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي أي للجهاد ~~في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به. والتماس رضائي عنكم الذي ~~لا ثواب فوقه، والشرط متعلق ب لا تتخذوا أي لا تتولوا أعدائي إن كنتم ~~أوليائي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم أي من المودة ~~معهم وغيرها ومن يفعله منكم أي اتخاذهم أولياء فقد ضل سواء السبيل أي جار ~~عن السبيل السوي الذي جعله الله هدى ونجاة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 2] # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا ~~لو تكفرون (2) # إن يثقفوكم أي يظفروا بكم يكونوا لكم أعداء أي حربا، ولا ينفعكم إلقاء ~~المودة إليهم ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء أي بما يسوؤكم كالقتل ~~والشتم، وودوا لو تكفرون أي بما جاءكم من الحق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 3] # لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون ~~بصير (3) # لن تنفعكم أرحامكم أي قراباتكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم أي ~~بإثابة ms4418 المؤمنين، ومعاقبة العاصين. # وقال القاشاني: أي لا نفع لمن اخترتم موالاة العدو الحقيقي لأجله، لأن ~~القيامة مفرقة. وهذا معنى قوله: يوم القيامة يفصل بينكم أي يفصل الله بينكم # PageV09P200 # وبين أرحامكم وأولادكم كما قال: يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه [عبس: 34- 36] ، انتهى، وهو تأويل جيد. ### | لطيفة: # قال السمين: يجوز في يوم القيامة وجهان: # أحدهما- أن يتعلق بما قبله، أي لن تنفعكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ~~ويبتدأ ب يفصل بينكم. # والثاني- أي يتعلق بما بعده أي يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على ~~أولادكم، ويبتدأ ب يوم القيامة. # والله بما تعملون بصير أي فيجازيكم عليه. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن جرير: ذكر أن هذه الآيات، من أول هذه السورة، نزلت في شأن ~~حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم- ثم ساق الروايات-. # وأما رواية البخاري «1» فعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، ~~فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فذهبنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا ~~الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: # أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب! فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين ~~الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: # من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا ~~رسول الله! إني كنت امرءا من قريش، ولم أكن من أنفسهم. وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من ~~النسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا، ولا ~~ارتدادا عن ديني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقكم. فقال عمر: ~~دعني يا رسول الله فأضرب عنقه! فقال: إنه PageV09P201 # شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله ms4419 عز وجل اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما ~~شئتم، فقد غفرت لكم! # قال عمرو بن دينار- راوي الحديث- ونزلت فيه يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي ... الآيات. # قال ابن كثير: كان حاطب هذا رجلا من المهاجرين، ومن أهل بدر. وكان له ~~بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان. فلما عزم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فزمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: اللهم عم عليهم ~~خبرنا. فعمد حاطب هذا، فكتب كتابا إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا # - كما ذكر في الحديث-. # الثاني- قال ابن كثير: يعني تعالى بقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~المشركين والكفار، الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله ~~عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء، كما قال تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم [المائدة: 51] ، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ~~[المائدة: 57] . وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا [النساء: ~~144] ، وقال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ~~[آل عمران: 28] . ولهذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عذر حاطب، لما ~~ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال ~~والأولاد. انتهى. # أي أنه قبل عذره فيما قام في ظنه من كون ذلك ليس بكبيرة، وإن أخطأ. # والمجتهد المخطئ معذور. وقد تبين خطؤه بصريح النهي عن معاودة مثله الذي ~~لأجله نزلت السورة، ولذلك قال ms4420 الإمام إلكيا الهراسي: يؤخذ من الآية أن ~~الخوف على المال والولد لا يبيح الفتنة في دين الله، وهو ظاهر، وليس هذا من ~~التقية، لأنها في موضوع آخر. وقد بسط الكلام على الولاء والبراء السيد ابن ~~المرتضى في (إيثار الحق) . في المسألة الثامنة. قال (بعد أن أورد الآيات ~~والأحاديث) : هذا كله في # PageV09P202 # الحب الذي هو في القلب، والمخالصة لأجل الدين، وذلك للمؤمنين المتقين ~~بالإجماع، وللمسلمين الموحدين، إذا كان لأجل إسلامهم وتوحيدهم عند أهل ~~السنة. وأما المخالفة والمنافعة، وبذل المعروف، وكظم الغيظ، وحسن الخلق، ~~وإكرام الضيف، ونحو ذلك، فيستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة ~~كالذلة. فلا يبذل للعدو في حال الحرب، كما أشارت إليه الآية لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم في الدين- كما يأتي- وأما التقية، فتجوز للخائف من ~~الظالمين القادرين. وأما الفرق بين ما يجوز من المنافعة والمداهنة وما لا ~~يجوز من الرياء، فما كان من بذل المال والمنافع فهو جائز، وهو المنافعة، ~~وربما عبروا عنه بالمداهنة والمداراة والمخالقة. وما كان من أمر الدين فهو ~~الرياء الحرام. # ومن كلام الإمام الداعي إلى الله تعالى، يحيى بن المحسن عليه السلام في ~~(الرسالة المخرسة، لأهل المدرسة) : لا يجوز أن تكون الموالاة هي المتابعة ~~فيما يمكن التأويل فيه. لأن كثيرا من أهل البيت عليهم السلام قد عرف ~~بمتابعة الظلمة لوجه يوجب ذلك، فتولى الناصر الكثير منهم، وصلى بهم الجمعة ~~جعفر الصادق، وصلى الحسن السبط على جنائزهم. # وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر عليهما السلام أن الموالاة المحرمة ~~بالإجماع، هي موالاة الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته، ونحو ذلك. # قال السيد: وهو كلام صحيح، والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك أشياء ~~كثيرة، منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا [لقمان: 15] . ومنها قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ... [الممتحنة: 8] الآيتين، وفي الحديث أنها نزلت في ~~قتيلة أم أسماء، بعد آيات التحريم، رواه أحمد والبزار والواحدي، وتأخرهما ~~واضح في سياق الآيات، وقرينة الحال مع هذا الحديث. ms4421 ولو لم يصح تأخر ذلك، ~~فالخاص مقدم على العام عند جهل التاريخ عند الجمهور. ورجحه ابن رشد في ~~(نهايته) بالنصوصية على ما هو خاص فيه. ويدل عليه ما ثبت في القرآن والسنة ~~الصحيحة المتفق عليها من حديث علي عليه السلام في قصة حاطب، على ما ذكره ~~الله تعالى في أول سورة الممتحنة- هذه- وذكره أهل الحديث وأهل التفسير ~~جميعا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره بالخوف على أهله في مكة، ~~والتقية فيما لا يضر في ظنه. # فإن قيل: القرآن دال على أنه قد أذنب لقوله: ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل فكيف يقبل ما جاء من قبول عذره؟ # PageV09P203 # قلت: إنما قبل عذره في بقائه على الإيمان، وعدم موالاة المشركين لشركهم، ~~ولذلك خاطبه الله بالإيمان فقال يا أيها الذين آمنوا والعموم نص في سببه. # فاتفق القرآن والحديث. وأما ذنبه فإنه لا يحل مثل ما فعله لأحد من الجيش ~~إلا بإذن أميرهم، لقوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ~~... # [النساء: 83] . ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع، ومع إذنه ~~يجوز، فقد أذن في أكثر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيلة في حفظ ~~المال. فلو كان مثل ذلك موالاة لم يأذن فيه صلى الله عليه وسلم. فدل على أن ~~ذنب حاطب هو الكتم، لما فيه من الخيانة، لا نفس الفعل، لو تجرد من الكتم ~~والخيانة- والله أعلم- انتهى. # ويضاف إلى الكتم والخيانة ما أفادته الآية من التودد بذلك إليهم، ~~والمناصحة لهم، مما يشف عن كون الآتي بذلك متزلزلا في عقده، مضطربا في حقه، ~~فيصبح عمله حجة على دينه، ويكون ذلك سببا لافتتان المشركين المفسدين بصحيح ~~الدين القويم. وهذا هو السر في الحقيقة، كما بينه آية ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا [الممتحنة: 5] . وسيأتي بيانه. # ثم علم تعالى عباده المؤمنين التأسي بإبراهيم عليه السلام في البراءة من ~~المشركين ومصارمتهم ومجانبتهم، وبقوله سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية # 4] # قد كانت لكم أسوة حسنة في ms4422 إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) # قد كانت لكم أسوة أي قدوة حسنة في إبراهيم والذين معه أي أتباعه الذين ~~آمنوا معه، كلوط عليه السلام إذ قالوا لقومهم يعني الذين أشركوا بالله ~~وعبدوا الطاغوت إنا برآؤا جمع بريء، كظريف وظرفاء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم أي بدينكم ومعبودكم. قال ابن جرير: أي أنكرنا ما أنتم عليه ~~من الكفر بالله، وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقا وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده أي لا صلح بيننا ~~ولا مودة إلى أن تؤمنوا بالله وحده. أي توحدوه وتفردوه بالعبادة إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك استثناء من قوله: أسوة حسنة قال ابن جرير: أي قد ~~كانت لكم أسوة حسنة # PageV09P204 # في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها، من مباينة الكفار ~~ومعاداتهم، وترك موالاتهم، إلا في قوله إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، فإنه لا ~~أسوة لكم فيه في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه ~~قبل أن يتبين له أنه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. يقول ~~تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله، تبرءوا من أعداء الله ~~المشركين به، ولا تتخذوا منهم أولياء، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء، حتى ~~يؤمنوا بالله وحده، ويتبرءوا عن عبادة ما سواه. # ثم روي عن مجاهد أنه قال في الآية: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم ~~لأبيه، فيستغفروا للمشركين. # وما أملك لك من الله من شيء أي وما أدفع عنك من عقوبة الله شيئا إن أراد ~~عقابك. والجملة من تمام المستثنى، إلا أنه لا يلزم من استثناء المجموع ~~استثناء عموم أفراده، ولذا قال الزمخشري: القصد إلى موعد الاستغفار وما ~~بعده مبني ms4423 عليه، وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك، وما في طاقتي إلا ~~الاستغفار. # وقوله تعالى: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير متصل بما قبل ~~الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة، أو أمر منه تعالى للمؤمنين بأن ~~يقولوا ذلك، تتميما لما وصاهم به من قطع الصلات المضرة بينهم وبين ~~المحاربين لهم. # ومعنى إليك أنبنا أي إليك رجعنا بالتوبة مما تكره، إلى ما تحب وترضى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية # 5] # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~(5) # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~قال مجاهد: أي لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء ~~على حق ما أصابهم هذا. وكذا قال قتادة: أي لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك. ~~يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه. انتهى. # ومآل هذا الدعاء هو التعوذ من مثل ما صنع حاطب، مما يورث افتتان المشركين ~~بالدين إذ يكون ذلك مدعاة لقولهم لو كان هؤلاء على حق، وما يوعدون به من ~~الظفر حق، لما صانعنا مؤمنهم، فإذن ما هم عليه أماني. فيتزلزل من كان في ~~نفسه الانتظام في سلكهم، والاستسعاد بحقهم. ففي الآية معنى كبير، وتأديب ~~عظيم. أي: ربنا لا تجعلنا نهمل من ديننا ما أمرنا به، أو نتساهل فيما عزم ~~علينا منه، حتى لا تنحل بذلك قوتنا، ويتزلزل عمادنا، ويفتح لعدو الدين ~~الافتتان به، لأن # PageV09P205 # المؤمنين ما داموا متمسكين بآداب الدين، محافظين عليها، قائمين بها حق ~~القيام، فإن النصر قائدهم والظفر رائدهم، ولذا أصبح المسلمون في القرون ~~الأخيرة بحالهم. # حجة على دينهم أمام عدوهم. ولا مسترد لقولهم، ومستعاد لمجدهم، إلا ~~بالرجوع إلى أصل كتابهم، والعلم بآدابه، والمحافظة على أحكامه، ونبذ ما ~~ألصق به، مما يحرف كلمته، ويجافي حقيقته، وللحكماء في هذا الموضوع مقالات ~~معروفة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية # 6] # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ms4424 ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد تكرير لوجوب التأسي بإبراهيم وأصحابه، لمزيد الحث ~~على التبرؤ من المشركين، والاسترسال إليهم. فإن محبة المفسدين فيها تخريب ~~لمباني الحق، وتوهين لقوى أهله، وتشكيك لضعفاء القلوب، مما يفسد عمل ~~المخلصين، ويزلزل مساعيهم، ويفتن أعداءهم بهم، لذلك كان البغض في الله من ~~شعب الإيمان، لأن الحق لا يقوى إلا باعتصاب أهله على كلمته، ورمي أعدائه عن ~~قوس واحدة. وفي إبدال لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر من لكم دلالة على ~~أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم، وأن تركه مؤذن بسوء العقيدة. ولذلك ~~عقبه بقوله: ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد # أي من يتول عما أمر به، ويوالي أعداد الله، ويلقي إليهم بالمودة، فإنه لا ~~يضر إلا نفسه، والله هو الغني عن إيمانه به وطاعته، المحمود على كل حال. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 7] # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله ~~غفور رحيم (7) # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله ~~غفور رحيم هذا وعد منه تعالى، وقد أنجزه بأن أسلم كثير منهم بعد، وصاروا ~~لهم أولياء وأحزابا. والآية من معجزات القرآن، لما فيها من الإخبار عن ~~مغيب، وقع مصداقه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : الآيات 8 الى 9] # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) # PageV09P206 # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ms4425 ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون هذا ترخيص من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا ~~المؤمنين ولم يقاتلوهم. فهو في المعنى تخصيص لقوله: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي ... إلخ. أي لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من ~~أهل مكة، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، وتقسطوا إليهم، أي تفضوا إليهم ~~بالبر، وهو الإحسان، والقسط وهو العدل. فهذا القدر من الموالاة غير منهي ~~عنه، بل مأمور به في حقهم. والخطاب، وإن يكن في مشركي مكة، إلا أن العبرة ~~بعموم لفظه، وقد حاول بعض المفسرين تخصيصه، فرد ذلك الإمام ابن جرير بقوله: # والصواب قول من قال: عني بقوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم ~~وتقسطوا إليهم، فإن الله عز وجل عم بقوله: الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا ~~معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه ~~قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه، ~~إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب، على عورة لأهل الإسلام، أو ~~تقوية لهم بكراع أو سلاح، وقد بين صحة ما قلناه الخبر في قصة أسماء وأمها. ~~انتهى. # وذلك # أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد ~~قريش، إذ عاهدوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إن ~~أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم! صلي أمك. رواه أحمد «1» والشيخان ~~«2» ، # ورواه أيضا الإمام أحمد «3» عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة على ~~ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب، وقرظ، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء ~~أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فأنزل الله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ms4426 الدين ... إلى ~~آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها. PageV09P207 # قال الرازي: وقوله تعالى: أن تبروهم بدل من الذين لم يقاتلوكم وكذلك أن ~~تولوهم بدل من الذين قاتلوكم. والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، إنما ~~ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا رحمة لهم، لشدتهم في العداوة، وهذه الآية على ~~جواز البر بين المشركين والمسلمين، وإن كانت الموالاة منقطعة. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية # 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات أي من مكة إلى المدينة، ~~فامتحنوهن أي فاختبروهن بما يغلب على ظنكم صدقهن في الإيمان الله أعلم ~~بإيمانهن أي المطلع على قلوبهن، لا أنتم، فإنه غير مقدور لكم، فحسبكم ~~أماراته وقرائنه. # وقد روى ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت المرأة إذا أتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن ~~أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ~~ورسوله. # وقال مجاهد: أي سلوهن ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو ~~سخطة أو غيره، ولم يؤمن، فارجعوهن إلى أزواجهن. # فإن علمتموهن مؤمنات قال الزمخشري: أي العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن ~~الغالب بالحلف، وظهور الأمارات، وإنما سماه علما، إيذانا بأنه كالعلم في ~~وجوب العمل به. فلا ترجعوهن إلى الكفار أي فلا تردوهن إلى أزواجهن ~~المشركين، إذ لا حل بين المؤمنة والمشرك، لأن إيمانها قطع عصمتها من المشرك ~~المعادي لله ولرسوله. # قال ابن جرير: وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان جرى بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms4427 وبين مشركي قريش في صلح الحديبية، أن يرد المسلمون إلى ~~المشركين من جاءهم مسلما، فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات ~~مهاجرات، فامتحن فوجدهن المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم مما ذكرنا، وأمروا ~~أن لا يردوهن إلى المشركين، إذا علم أنهن مؤمنات، لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن أي لانقطاع النكاح بينهن. # PageV09P208 # قال ابن كثير: هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين. وقد كان ~~جائزا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة. ولهذا كان أمر أبي العاص ~~بن الربيع، زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها. وقد ~~كانت مسلمة، وهو على دين قومه. فلما وقع في الأسارى يوم بدر، بعثت امرأته ~~زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة. فلما رآها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رق لها رقة شديدة. وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ~~فافعلوا، ففعلوا # ، فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبعث ابنته إليه، فوفى ~~بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زيد بن ~~حارثة رضي الله عنه. فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين، ~~إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان، فردها عليه بالنكاح ~~الأول، ولم يحدث لها صدقا، ومنهم من يقول بعد سنتين، وهو صحيح، لأن إسلامه ~~كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين، انتهى. وآتوهم ما أنفقوا قال ~~ابن جرير: أي وأعطوا المشركين الذين جاءكم نساؤهم مؤمنات، إذا علمتموهن ~~مؤمنات، فلم ترجعوهن إليهم، ما أنفقوا في نكاحهم إياهن من الصداق ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن أي هؤلاء المهاجرات اللاتي لحقن بكم من دار الحرب، ~~مفارقات لأزواجهن، وإن كان لهن أزواج إذا آتيتموهن أجورهن أي مهورهن. قال ~~ابن زيد: لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرأت أرحامهن. # ثم أشار إلى أنه، كما بطل نكاح المؤمنة على الكافر، بطل نكاح الكافرة على ~~المسلم. بقوله: ولا تمسكوا بعصم الكوافر أي بعقودهن التي يتمسك بها ms4428 في ~~الاستحلال. # قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهن. ~~والكوافر جمع كافرة. # و (العصم) : جمع عصمة، وهي ما اعتصم به من العقد والسبب. وهذا نهي من ~~الله تعالى للمؤمنين عن الإقدام على نكاح المشركات من أهل الأوثان، وأمر ~~لهن بفراقهن. ثم روي عن مجاهد قال: أمر أصحاب محمد بطلاق نسائهم كوافر بمكة ~~قعدن مع الكفار. # وعن الزهري: لما نزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إلى قوله: ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر، كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين ~~كانتا له بمكة: ابنة أبي أمية، وابنة جرول. وطلحة بن عبيد الله بنت ربيعة، ~~ففرق بينهما الإسلام، حين نهى القرآن عن التمسك بعصم الكوافر، وكن ممن فر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار، ممن لم يكن بينه وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فحبسها # PageV09P209 # وزوجها رجلا من المسلمين، أميمة بنت بشر الأنصارية. كانت عند ثابت بن ~~الدحداحة، ففرت منه، وهو يومئذ كافر، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سهل بن حنيف، أحد بني عمرو بن عوف. ~~فولدت عبد الله بن سهل. # وسئلوا ما أنفقتم أي اطلبوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن ~~بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم، من الصداق، من تزوجهن ~~منهم وليسئلوا ما أنفقوا أي وليسألكم المشركون منهم، الذي لحق بكم أزواجهم ~~مؤمنات، إذا تزوجن فيكم، من تزوجها منكم، ما أنفقوا عليهن من الصداق، ذلكم ~~حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم أي هذا الحكم الذي حكم به من أمر ~~المؤمنين بمسألة المشركين ما أنفقوا، وأمر المشركين بمثل ذلك، حكم الله ~~الحق الذي لا يعدل عنه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 11] # وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به ms4429 مؤمنون (11) # وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار أي وإن ارتدت منكم امرأة فلحقت ~~الكفار، فلم يردوا مهرها فعاقبتم أي فغزوتموهم فوجدتم منهم غنيمة فآتوا ~~الذين ذهبت أزواجهم أي من المسلمين مثل ما أنفقوا أي في مهورهن. # قال مجاهد: مهر مثلها يدفع إلى زوجها. # وقال قتادة: كن إذا فررن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفار، ~~ليس بينهم وبين نبي الله عهد، فأصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غنيمة، أعطي زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يقتسمون غنيمتهم. # واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون أي فإن الإيمان به يقتضي أداء أوامره، ~~واجتناب نواهيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 12] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ~~(12) # PageV09P210 # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن قال ابن كثير: أي أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج معسرا في ~~نفقتها، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان ~~من غير علمه، عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله! إن أبا ~~سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن ~~أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ~~ويكفي بنيك- أخرجاه في الصحيحين «1» - ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن قال ~~الزمخشري: يريد وأد البنات. # وقال ابن كثير: هذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون ~~أولادهم خشية الإملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجاهلات من ~~النساء، تطرح نفسها، لئلا تحبل، إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. # ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن قال ابن عباس: أي لا يلحق ~~بأزواجهن غير أولادهم. وأوضحه ms4430 الزمخشري بقوله: كانت المرأة تلتقط المولود ~~فتقول لزوجها هو ولدي منك. كني بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن ~~الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، ~~وفرجها الذي تلده به بين الرجلين، فهو غير الزنا، فلا تكرار فيه. # وقال الشهاب: في شرح البخاري للكرماني معناه: لا تأتوا ببهتان من قبل ~~أنفسكم. واليد والرجل كناية عن الذات، لأن معطم الأفعال بهما. ولذا قيل ~~للمعاقب بجناية قولية: هذا ما كسبت يداك. أو معناه: لا تنشئوه من ضمائركم ~~وقلوبكم، لأنه من القلب الذي مقره بين الأيدي والأرجل. والأول كناية عن ~~إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثاني عن كونه من دخيلة قلوبهم المبنية ~~عن الخبث الباطني. # وقال الخطابي: معناه لا تبهتوا الناس كفاحا ومواجهة، كما يقال للآمر ~~بحضرتك: إنه بين يديك. ورد بأنهم، وإن كنوا عن الحاضر بكونه بين يديه، فلا ~~يقال: بين أرجله. وهو وارد لو ذكرت الأرجل وحدها. أما مع الأيدي تبعا فلا. # فالمخطئ مخطئ وهو كناية عن خرق جلباب الحياء، والمراد: النهي عن القذف، ~~ويدخل فيه الكذب والغيبة. انتهى. PageV09P211 # ولا يعصينك في معروف أي من أمر الله تأمرهن به. # قال في النهاية: المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى ~~الناس، وكل ما أمر به الشرع، ونهى عنه. # فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم أي فبايعهن على الوفاء بذلك، ~~وسل الله لهن مغفرة ذنوبهن، والعفو عنها، فإنه غفور رحيم لمن تاب منها. ### | تنبيهات: # الأول- # روى البخاري «1» عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من ~~هاجر أليه من المؤمنات بهذه الآية. فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد بايعتك، كلاما. ولا والله ما مست يده ~~يد امرأة قط في المبايعة. ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك. # قال ابن حجر: أي لا مصافحة باليد، كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند ~~المبايعة. # ثم # قال: وروى النسائي والطبري أن أميمة بنت رقيقة أخبرته ms4431 أنها دخلت في نسوة ~~تبايع. فقلن: يا رسول الله! ابسط يدك نصافحك. فقال: إني لا أصافح النساء. # ولكن سآخذ عليكن. فأخذ علينا حتى بلغ ولا يعصينك في معروف فقال: فيما ~~أطقتن واستطعتن، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا # وفي رواية الطبري: ما قولي لمائة امرأة إلا كقولي لامرأة واحدة # - وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كن يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب- ~~أخرجه يحيى بن سلام في تفسيره عن الشعبي-. # وفي المغازي لابن إسحاق عن أبان بن صالح أنه كان يغمس يده في إناء، ~~فيغمسن أيديهن فيه. انتهى. # والمعول على رواية البخاري الأولى لصحتها، وضعف ما عداها. # الثاني- روى مسلم «2» عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية ولا يعصينك في ~~معروف كان منه النياحة. PageV09P212 # ولفظ البخاري «1» عنها قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~علينا أن لا يشركن بالله شيئا. ونهانا عن النياحة. # وأخرج الطبري بسنده إلى امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا أن ~~لا نعصيه في شيء من المعروف، ولا نخمش وجها. ولا ننشر شعرا، ولا نشق جيبا، ~~ولا ندعو ويلا. # وعن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليهن يومئذ ~~أن لا ينحن، ولا يحدثن الرجال إلا رجلا منكن محرما. فقال عبد الرحمن بن ~~عوف: يا نبي الله! إن لنا أضيافا وإنا نغيب عن نسائنا؟! فقال ليس أولئك ~~عنيت. # الثالث- قال إلكيا الهراسي: يؤخذ من قوله تعالى: ولا يعصينك في معروف أنه ~~لا طاعة لأحد في غير المعروف. قال وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~إلا بمعروف وإنما شرطه في الطاعة، لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين. # وأصله مما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد. قال في هذه الآية: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نبيه، وخيرته من خلقه. ثم لم يستحل له أمر إلا بشرط. لم ~~يقل ولا يعصينك ويترك حتى قال في معروف فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير ~~معروف، وقد اشترط الله ms4432 هذا على نبيه؟ # ثم نبه تعالى في آخر السورة بما نبه به في فاتحتها، من النهي عن موالاة ~~محاربي الدين، تحذيرا من التهاون في ذلك، وزيادة اعتناء به، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الممتحنة (60) : آية 13] # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم أي مسخوطا عليهم ~~لمعاداتهم الحق، ومحاربتهم الصلاح، وعيثهم بالفساد. وهو عام في كل محارب. # ومنهم من خصه باليهود، لأنه عبر عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم، ~~واقتصر عليه الزمخشري. قال الناصر: قد كان الزمخشري ذكر في قوله، وما يستوي ~~البحران إلى قوله: ومن كل تأكلون لحما طريا [فاطر: 12] ، أن آخر ~~PageV09P213 # الآية استطراد. وهو فن من فنون البيان، مبوب عليه عند أهله. وآية ~~الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جدا، فإنه ذم اليهود، واستطرد ذمهم ~~بذم المشركين، على نوع حسن من النسبة. وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في ~~الاستطراد أحسن ولا أمكن منه. ومما صدروا به هذا الفن قوله: # إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس، وإن كان من جرم # وقوله: # إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام # وقوله: # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام # انتهى. # وكان وجه إيثاره الفرار من التأكيد إلى التأسيس، مع أن إرادة ما أريد ~~بأول السورة منه، فيه من المحسنات البديعية رد العجز على الصدر، تذكيرا به ~~وتفخيما، للعناية بشأنه. ولكل وجهة. # قد يئسوا من الآخرة أي من جزائها لجحدهم بها، ولذلك طغوا وبغوا وعاثوا. ~~والجملة صفة ثانية كما يئس الكفار من أصحاب القبور أي كما يئس من سلفهم من ~~إخوانهم الكفار المقبورين. أي أنهم على شاكلة من قبلهم، وكل مؤاخذ بكفره. ~~وقيل: المعنى كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. ففيه ~~وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلا لكفرهم، وبيانا لما اقتضى الغضب عليهم، ms4433 ~~ولما آيسهم. والأول أظهر. # PageV09P214 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الصف # وتسمى سورة (الحواريين) . وهي مدنية. ولا عبرة بقول إنها مكية، لأن ~~آياتها المحرضة على القتال ترده، لأنه لم يشرع الجهاد إلا في المدينة. ~~وآيها أربع عشرة آية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم أي أذعن لله كل ~~خلقه العلوي والسفلي، وانقاد لتسخيره، ودل على ألوهيته وربوبيته. وتقدم ~~بيانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : الآيات 2 الى 3] # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون (3) # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون قال القاشاني: من لوازم ~~الإيمان الحقيقي الصدق وثبات العزيمة. إذ خلوص الفطرة عن شوائب النشأة ~~يقتضيهما. # وقوله: لم تقولون ما لا تفعلون يحتمل الكذب، وخلف الوعد. فمن ادعى ~~الإيمان وجب عليه الاجتناب عنهما بحكم الإيمان، وإلا فلا حقيقة لإيمانه. ~~ولهذا قال: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون لأن الكذب ينافي المروءة التي ~~هي من مبادئ الإيمان، فضلا عن كماله. إذ الإيمان الأصلي هو الرجوع إلى ~~الفطرة الأولى، والدين القيم. وهي تستلزم أجناس الفضائل بجميع أنواعها، ~~التي أقل درجاتها العفة المقتضية للمروءة، والكاذب لا مروءة له، فلا إيمان ~~له حقيقة. وإنما قلنا، لا مروءة له، لأن النطق هو الإخبار المفيد للغير ~~معنى، المدلول عليه باللفظ. والإنسان خاصته التي تميزه عن غيره، هي النطق، ~~فإذا لم يطابق الإخبار، لم تحصل فائدة النطق، # PageV09P215 # فخرج صاحبه عن الإنسانية، وقد أفاد ما لم يطابق من اعتقاد وقوع غير ~~الواقع، فدخل في حد الشيطنة، فاستحق المقت الكبير عند الله، بإضاعة ~~استعداده، واكتساب ما ينافيه من أضداده. وكذا الخلف، لأنه قريب من الكذب، ~~ولأن صدق العزم وثباته من لوازم الشجاعة التي هي إحدى الفضائل اللازمة ~~لسلامة الفطرة، وأول درجاتها. فإذا انتفت ms4434 انتفى الإيمان الأصلي بانتفاء ~~ملزومه، فثبت المقت من الله. انتهى. ### | لطيفة: # قال الزمخشري: هذا من أفصح كلام وأبلغه في معناه. قصد في كبر التعجب من ~~غير لفظه. ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين. وأسند إلى أن ~~تقولوا، ونصب مقتا على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص، ~~لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه. واختير لفظ (المقت) لأنه أشد البغض ~~وأبلغه، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل أشده وأفحشه. # و (عند الله) أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره ~~وشدته. # قال الناصر: وزائد على هذه الوجوه الأربعة وجه خامس، وهو تكراره لقوله: # ما لا تفعلون وهو لفظ واحد، في كلام واحد. ومن فوائد التكرار التهويل ~~والإعظام. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية # 4] # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص قال القاشاني: # لأن بذل النفس في سبيل الله لا يكون إلا عند خلوص النفس في محبة الله، إذ ~~المرء إنما يحب كل ما يحب من دون الله لنفسه. فأصل الشرك ومحبة الأنداد، ~~محبة النفس. فإذا سمح بالنفس، كان غير محب لنفسه، وإذا لم يحب نفسه ~~فبالضرورة لم يحب شيئا من الدنيا. وإذا كان بذله للنفس في اللهو وفي سبيله ~~لا للنفس، كما قال- ترك الدنيا للدنيا- كانت محبة الله في قلبه راجحة على ~~محبة كل شيء، فكان من الذين قال فيهم: والذين آمنوا أشد حبا لله [البقرة: ~~165] ، وإذا كانوا كذلك يلزم محبة الله إياهم، لقوله: يحبهم ويحبونه ~~[المائدة: 54] ، انتهى. ### | تنبيهات: # الأول- في ذكر هذه الآية عقيب مقت المخلف دليل على أن المقت قد تعلق بقول ~~الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار، فلم يفلوا. انتهى. # PageV09P216 # وأيده الناصر من الوجهة البيانية بأن الأول كالبسطة العامة لهذه القصة ~~الخاصة، كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ~~واتقوا الله إن الله سميع ms4435 عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي [الحجرات: ### | 1- 2 # ] ، فالنهي العام ورد أولا. والمقصود اندراج هذا الخاص فيه، كما تقول ~~للمقترف جرما معينا: لا تفعل ما يلصق العار بك، ولا تشاتم زيدا. وفائدة مثل ~~هذا النظم، النهي عن الشيء الواحد مرتين، مندرجا في العموم، ومفردا ~~بالخصوص. وهو أولى من النهي عنه على الخصوص مرتين فإن ذلك معدود في حيز ~~التكرار، وهذا يتكرر مع ما في التعميم من التعظيم والتهويل. انتهى. # الثاني- في (الإكليل) : قال إلكيا الهراسي، يحتج بقوله تعالى: لم تقولون ~~ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون في وجوب الوفاء ~~بالنذر، ونذر اللجاج. قال غيره: والوعود. انتهى. # وقال ابن كثير: هو إنكار على من يعد وعدا، أو يقول قولا، لا يفي به. ~~ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء ~~بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا. واحتجوا أيضا من السنة ~~بما # ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ~~ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان. # ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. # وقد روى الإمام أحمد «2» وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: ~~أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب، فقالت ~~أمي: يا عبد الله! تعال أعطك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أردت ~~أن تعطيه؟ قالت: تمرا. فقال: أما إنك لو لم تفعلي، كتبت عليك كذبة. # وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه إذا تعلق بالوعد عزم على الموعود، ~~وجب الوفاء به. كما لو قال لغيره: تزوج ولك علي كل يوم كذا. فتزوج. وجب ~~عليه أن يعطيه مادام كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين ~~PageV09P217 # تمنوا فريضة الجهاد عليهم، ms4436 فلما فرض، نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: ألم تر ~~إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة ~~خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [النساء: 77] . وقال تعالى: ويقول الذين ~~آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ... [محمد: 20] الآية، ~~وهكذا هذه الآية معناها كما قال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين، قبل أن ~~يفرض الجهاد، يقولون: # لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر الله ~~نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا ~~الإيمان، ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق ~~عليهم أمره، فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. # وقيل: كان المسلمون يقولوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لأتيناه، ~~ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا، فلما كان يوم أحد، تولوا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، حتى شج وكسرت رباعيته، فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون روي ذلك عن مقاتل بن حيان. # وقيل: نزل هذا توبيخا لقوم من المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم ~~كاذبون. يقولون: لو خرجتم خرجنا معكم، وكنا في نصركم، وفي وفي ... روي ذلك ~~عن ابن زيد. # وكل المروي هنا مما تشمله الآية. # وقد روى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم ~~منا أحد، فأرسل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فجمعنا فقرأ علينا ~~هذه السورة- يعني سورة الصف- كلها. # ولفظ ابن أبي حاتم عن عبد الله بن سلام أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى ms4437 ~~الله عليه وسلم قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى ~~الله عز وجل فلم يذهب إليه أحد منا، وهبنا أن نسأله عن ذلك. قال: فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر رجلا رجلا، حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه ~~السورة- الصف- قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلها. PageV09P218 # وفي رواية ابن أبي حاتم هذه فائدة جليلة: وهي أن قول الصحابي نزلت هذه ~~السورة، بمعنى قرئت في الحادثة، كما بينته الرواية قبله. والروايات يفسر ~~بعضها بعضا. وقد نبهنا على ذلك مرارا. # الثالث- في (الإكليل) في قوله: كأنهم بنيان مرصوص: استحباب قيام ~~المجاهدين في القتال صفوفا كصفوف الصلاة. وأنه يستحب سد الفرج والخلل في ~~الصفوف، وإتمام صف الأول فالأول، وتسوية الصفوف قدما بقدم، لا يتقدم بعض ~~على بعض فيها. # قال ابن أبي الفرس: واستدل بها بعضهم على أن قتال الرجالة أفضل من قتال ~~الفرسان. لأن التراص إنما يمكن منهم. قال: وهو ممنوع. انتهى. # وفي التشبيه وجهان آخران: # أحدهما- أن يكون المراد الثبات ورسوخ الأقدام في الموقف، تنبيها على أن ~~المتزلزل القدم، والمضطرب في الموقف- دع من يعزم على الفرار- ممن يمقته ~~الله تعالى، ولا تناله محبته. # ثانيهما- أن يكون المعنى به اجتماع الكلمة، والاتفاق على تسوية الشأن مع ~~العدو، حتى يكونوا في الاتحاد وموالاة بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص. وقد ~~أشار لهذين الوجهين الرازي. وهما أقرب من الأول، لتقويتهما لمعنى طليعة ~~السورة، من الثبات على الوعد والوفاء به، والعتب على من يخلف فيه، كما ~~تقدم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية # 5] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم أي ~~لم توصلون إلي الأذى بالمخالفة والعصيان لما آمركم به، وأنتم تعلمون علم ~~اليقين صدقي فيما جئتكم به من الرسالة، لما شاهدتم من الآيات البينات؟ ~~ومقتضى ms4438 علمكم ذلك، تعظيمي وإطاعتي، لأن من عرف الله وعظمته، عظم رسوله، لأن ~~تعظيمه في تعظيم رسوله. # قال ابن كثير: وفي هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه ~~من الكفار من قومه # PageV09P219 # وغيرهم، وأمر له بالصبر. ولهذا # قال صلوات الله عليه: رحمة الله على موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر # . وفيه نهي للمؤمنين أن يوصلوا له، صلوات الله عليه أذى، كما قال تعالى: ~~يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان ~~عند الله وجيها [الأحزاب: 69] ، انتهى. # وقال أبو السعود: هذا كلام مستأنف، مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال. # وإذ منصوب على المفعولية بمضمر. خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق ~~التلوين. أي واذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال، وقت قول موسى لبني إسرائيل ~~حين ندبهم إلى قتال الجبابرة، بقوله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين [المائدة: 21] ، فلم ~~يمتثلوا أمره، وعصوه أشد عصيان، حيث قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين ~~وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون [المائدة: 22] ~~، إلى قوله: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [المائدة: 24] ، ~~وأصروا على ذلك، وآذوه عليه الصلاة والسلام، كل الأذية. هذا هو الذي تقتضيه ~~جزالة النظم الكريم، ويرتضيه الذوق السليم. وأما ما قيل بصدد بيان أسباب ~~الأذية، من أنهم كانوا يؤذونه بأنواع الأذى، من انتقاصه وعيبه في نفسه ~~وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة- ~~فمما لا تعلق له بالمقام. انتهى ملخصا. وملخصه: أن المقام يعين نوع الأذية ~~ويخصصها، والقرينة إحدى مخصصات العام، إلا أن أخذها عامة أعظم في التسلية ~~وأولى، وقوفا مع عموم اللفظ الكريم. # فلما زاغوا أي عن مقتضى علمهم لفرط الهوى، وحب الدنيا أزاغ الله قلوبهم ~~أي عن طريق الهدى، وحجبهم عن نور الكمال، لصرف اختيارهم نحو الغي والضلال. ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين أي الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق، المصرين ~~على الغواية. ### | القول ms4439 في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 6] # وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين (6) # وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة أي التي أنزلت على موسى، وذلك مما يدعو إلى تصديقه عليه ~~السلام. # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات أي الدلالات ~~التي # PageV09P220 # آتاها الله إياه، حججا على نبوته، قالوا هذا سحر مبين أي بين. # والإشارة إلى ما جاء به أو إليه، صلى الله عليه وسلم، وتسميته سحرا ~~مبالغة. يريد عليه السلام: # أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا، ممن تقدم وتأخر. ### | تنبيهات: # الأول- نقل الرازي وغيره مصداق هذه الآية من الإنجيل الموجود بين أيديهم. # وذلك في إنجيل يوحنا، في الباب الرابع عشر، هكذا: # إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ~~ليثبت معكم إلى الأبد- كما في النسخة المطبوعة سنة 1821 و 1831 و 1833 ~~بمدينة لندن- وفارقليط يونانية، ولفظها الأصلي (بيركلوط) ، ومعناه: # محمد أو أحمد، كما بينه صاحب (إظهار الحق) . # وذكرت جريدة المؤيد عدد (3284) صفحة (2) تحت عنوان (لا يعدم الإسلام ~~منصفا) : # وقال مسيومارسية من (مدرسة اللغات الشرقية) ما يأتي: # إن محمدا هو مؤسس الدين الإسلامي، واسم محمد جاء من مادة حمد. ومن غريب ~~الاتفاق أن نصارى العرب كانوا يستعملون اسما من نفس المادة يقرب في المعنى ~~من محمد، وهو أحمد، لتسمية البراكلية به. ومعنى أحمد صاحب الحمد، وهذا ما ~~دعا علماء الدين الإسلامي أن يثبتوا بأن كتب المسيحيين قد بشرت بمجيء النبي ~~محمد. وقد أشار القرآن نفسه إلى هذا بقوله عن المسيح: ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد. # وقد قال اسبرانجيه: إن هذه الآية تشير إشارة خاصة إلى عبارة (إنجيل ~~يوحنا) حيث وعد المسيح تلامذته ببعثة صاحب هذا الاسم. انتهى بالحرف. # وأما (إنجيل برنابا) ففيه العبارات الصريحة ms4440 المتكررة، بل الفصول الضافية ~~الذيول، التي يذكر فيها اسم محمد في عرضها ذكرا صريحا، ويقول إنه رسول ~~الله. # وقد نقل الشيخ محمد بيرم عن رحالة إنكليزي أنه رأى في دار الكتب البابوية ~~في الفاتيكان نسخة من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميري قبل بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وفيها يقول المسيح: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ~~وذلك موافق لنص # PageV09P221 # القرآن الكريم بالحرف. وقد بدل الرهبان نقط (الفارقليط) في المطبوعات ~~الأخيرة ب (المعزى) . # قال بعضهم: ولا عجب من هذه التحريفات المتجددة بتجدد الطبعات، فإنها سجية ~~القوم في كتبهم المقدسة. # سجية تلك فيهم غير محدثة # الثالث- قال الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) : الفرق بين محمد وأحمد ~~من وجهين: # أحدهما- أن محمدا هو المحمود حمدا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد ~~الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه، و (أحمد) أفعل تفضيل من ~~الحمد، يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره. فمحمد زيادة ~~حمد في الكمية، وأحمد زيادة في الكيفية، فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده ~~البشر. # والوجه الثاني- أن محمدا هو المحمود حمدا متكررا كما تقدم، وأحمد هو الذي ~~حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدل أحد الاسمين- وهو محمد- كونه ~~محمودا. ودل الاسم الثاني- وهو أحمد- على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو ~~القياس، فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل ~~الفاعل، لا من فعل المفعول، ذهابا إلى أنهما إنما يصاغان من الفعل اللازم ~~لا المتعدي ونازعهم آخرون وجوزوا بناءهما من الفعل الواقع على المفعول، ~~لقول العرب: (ما أشغله بالشيء) . # إلى أن قال: والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم سمي محمدا وأحمد، لأنه يحمد ~~أكثر ما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره. فالاسمان واقعان، على المفعول، ~~وهذا هو المختار. وذلك أبلغ في مدحه، وأتم معنى. ولو أريد به اسم الفاعل ~~لسمي (الحماد) وهو كثير الحمد، كما سمي محمدا، وهو المحمود كثيرا. فإنه صلى ~~الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمدا لربه، فلو كان اسمه باعتبار ms4441 الفاعل، ~~لكان الأولى أن يسمى حمادا، كما أن اسم أمته الحمادون. وأيضا فإن الاسمين ~~إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا ~~وأحمد، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السموات والأرض، ~~فلكثرة خصائله التي تفوت عد العادين سمي باسمين من أسماء الحمد، يقتضيان ~~التفضيل والزيادة في القدر والصفة. انتهى. # PageV09P222 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 7] # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (7) # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام أي: لا أحد أظلم ~~وأشد عدوانا ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيقته، المسعد له في الدارين، ~~فيستبدل إجابته بافتراء الكذب، واختلاقه على الله، وذلك قوله لكلامه تعالى ~~(سحر) ولرسوله (ساحر) وهذه الآية إما مستأنفة رسالة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، طليعة للآيات بعدها، وإما متممة لما قبلها، لتقبيح ما بهت به ~~الإسرائيليون عيسى عليه السلام مع الإشارة بعمومها إلى ذم كل من كان على ~~شاكلتهم. ولا يقال الإسلام يؤيد الأول، لأنه عنوان الملة الحنيفية، لأنه قد ~~يراد به معناه اللغوي. وقد كثر ذلك في آيات شتى، نعم الأقرب الأول، واحتمال ~~مثل الآية لهذين الوجهين، من بدائع التنزيل. # والله لا يهدي القوم الظالمين أي: الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بما أنزل من ~~الحق، ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 8] # يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) # يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون قال ~~ابن جرير. أي يريد هؤلاء القائلون لمحمد صلى الله عليه وسلم هذا ساحر، ~~ليبطلوا الحق الذي جاء به بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر، والله معلن ~~الحق، ومظهر دينه، وناصر رسوله على من عاداه، فذلك إتمام نوره. انتهى. # ف نور الله استعارة تصريحية لدينه، و (الإطفاء) ترشيح، أو التركيب ~~استعارة تمثيلية، مثلت حالهم في اجتهادهم في إبطال الحق، بحال من ينفخ في ~~نور الشمس بفيه ليطفئه، ms4442 تهكما وسخرية بهم، كما يقول الناس: هو يطين عين ~~الشمس والثاني أبلغ وألطف، وهو مختار الزمخشري. # وفي لام ليطفؤا مذاهب للنحاة مقررة في المطولات، ومن أشهرها أنها مزيدة ~~لتأكيد معنى الإرادة، لما في لام العلة من الإشعار بالإرادة والقصد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 9] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (9) # هو الذي أرسل رسوله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على # PageV09P223 # الدين كله # قال ابن جرير: أي على كل دين سواه. وذلك عند نزول عيسى بن مريم، وحين ~~تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام. # وقال الزمخشري: أي ليعليه على جميع الأديان المخالفة له، ولعمري لقد فعل، ~~فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام، وتقدم في آخر ~~سورة الفتح في مثل هذه الآية تحقيق آخر، فليراجع. # ولو كره المشركون أي لما فيه من محض التوحيد، وإبطال الشرك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : الآيات 10 الى 13] # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب وبشر المؤمنين (13) # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون ~~بالله ورسوله أي إيمانا يقينيا لا يشوبه أدنى شك وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أي من أهل العلم. أو أنه ~~خير. فإن قيل: إن ذلك خير بنفسه علموا أولا، وأيضا أن علمهم محقق، إذ ~~الخطاب مع المؤمنين. فالجواب ما قاله الناصر: أن الشرط ليس على حقيقته، بل ~~هو من وادي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة: 278] . # والمقصود بهذا الشرط ms4443 التنبيه على المعنى الذي يقتضي الامتثال، وإلهاب ~~الحمية للطاعة، كما تقول لمن تأمره بالانتصاف من عدوه: إن كنت حرا فانتصر. ~~تريد أن تثير منه حمية الانتصار لا غير. انتهى. وقوله تعالى: يغفر لكم ~~ذنوبكم جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر. أو لشرط أو استفهام، دل عليه ~~الكلام تقديره: إن تؤمنوا وتجاهدوا. أو هل تقبلون أن أدلكم. يغفر لكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن أي بساتين ~~إقامة لا ظعن عنها ذلك الفوز العظيم أي النجاء العظيم من نكال الآخرة ~~وأهوالها، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب أي عاجل. وهو فتح مكة. وهذا ~~يدل، على أن السورة نزلت قبل فتح مكة بقليل. وكان القصد منها تشجيع ~~المؤمنين على قتال محاربيهم، والثبات أمامهم، والتحذير عن الزيغ عن ذلك، ~~والترغيب في السخاوة ببذل الأنفس والأموال، في سبيل الحق، لإعلاء شأنه، ~~وإزهاق الباطل. # PageV09P224 # وأخرى مفعول لمقدر معطوف على الجوابين قبله، وهو جواب ثالث. أي ويؤتكم ~~أخرى أو صفة لمبتدأ مقدر، وخبره محذوف. وهو (لكم) . أي ولكم إلى هذه النعمة ~~المذكورة. نعمة أخرى عاجلة محبوبة، وهي نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح ~~قريب يعجله لكم. # وبشر المؤمنين أي بنصره تعالى لهم وفتحه. ومن منع من النحاة عطف الإنشاء ~~على الخبر يقول: وبشر معطوف على تؤمنون، لأنه بمعنى آمنوا. # وضعف بأن المخاطب ب تؤمنون المؤمنون، وب بشر النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ثم إن تؤمنون بيان لما قبله، وبشر لا يصلح لذلك. وأجيب بأنه لا مانع من ~~العطف على الجواب، ما هو زيادة عليه إذا ناسبه. وهذا أولى الوجوه عند صاحب ~~(الكشف) ، كتقدير: أبشر يا محمد، وبشر، وتقدير (قل) قبل يا أيها. # وجعل بشر أمرا بمعنى الخبر، كما في قوله: أبطئي أو أسرعي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الصف (61) : آية 14] # يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ~~من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل وكفرت ms4444 طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) # يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله أي أنصار الحق الذي أنزله وأمر به، ~~كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله أي من معي وجندي ~~متوجها إلى نصرة الله، قال الحواريون نحن أنصار الله أي ننصر دينه، وما أمر ~~به، وندعو إليه، ونضحي لأجله حياتنا، فآمنت طائفة من بني إسرائيل أي بعيسى ~~عليه السلام، ونهضت تدعو إلى ما بعث به، وتنشر دعوته، وكفرت طائفة أي ~~برسالته والحق الذي معه، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم من اليهود والرومان ~~الوثنيين، وفأصبحوا ظاهرين أي غالبين عليهم بالبراهين الواضحة، والحجج ~~الظاهرة، والسلطة القاهرة، وفيه بشارة للمؤمنين بالتأييد الرباني لهم، ما ~~داموا متناصرين على الحق، مجتمعين عليه، غير متفرقين عنه ولا متخاذلين، كما ~~وقع لسلفهم. اتفقوا فملكوا، وإلا فإذا تفرقوا هلكوا. ### | لطيفة: # ليس التشبيه على ظاهره، من تشبيه كون المؤمنين أنصار الله بقول عيسى، إذ # PageV09P225 # لا وجه لتشبيه الكون بالقول، بل هو مؤول بجعل التشبيه باعتبار المعنى، ~~إما على تقدير: قل لهم، كما قال عيسى، لظهوره فيه، وانصباب الكلام إليه، أو ~~تقدير: كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون حين قال لهم عيسى: من أنصاري ~~إلى الله؟ # قال الشهاب: ف (ما) مصدرية، وهي مع صلتها ظرف، والأصل: ككون الحواريين ~~أنصارا وقت قول عيسى. ثم حذف المظروف، وأقيم ظرفه مقامه. وقد جعلت الآية من ~~الاحتباك. والأصل: كونوا أنصار الله حين # قال لكم النبي: من أنصارى إلى الله؟ كما كان الحواريون أنصار الله # . حين قال لهم عيسى: من أنصاري إلى الله؟ فحذف من كل منهما، ما دل عليه ~~المذكور في الآخر. وهو كلام حسن. # انتهى. # PageV09P226 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجمعة # مدنية. وآيها إحدى عشرة. # روى مسلم «1» في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما ms4445 في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو ~~الذي بعث في الأميين أي: العرب رسولا منهم أي من أنفسهم، أميا مثلهم، يتلوا ~~عليهم آياته أي: مع كونه أميا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولا تعلم، ويزكيهم ~~أي: من خبائث العقائد والأخلاق، ويعلمهم الكتاب والحكمة أي: القرآن والسنة ~~وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين أي: جور عن الحق، وانحراف عن سبيل الرشد. # وهو بيان لشدة افتقارهم إلى نبي يرشدهم. # قال ابن كثير: فبعثه الله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل، وطموس من ~~السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين ~~إبراهيم عليه السلام فبدلوه وغيروه، واستبدلوا بالتوحيد شركا، وباليقين ~~شكا، وابتدعوا، أشياء لم يأذن بها الله. وكذلك أهل الكتاب، قد بدلوا كتبهم ~~وحرفوها PageV09P227 # وأولوها، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم كامل، شامل لجميع ~~الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، ~~والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم ~~إلى النار، وسخط الله تعالى. حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب، في ~~الأصول والفروع وجمع له تعالى- وله الحمد والمنة- جميع المحاسن فيمن كان ~~قبله، وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين، ولا يعطيه أحدا من الآخرين، ~~فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. انتهى. # وإنما أوثرت بعثته صلوات الله عليه في الأميين، لأنهم أحد الناس أذهانا، ~~وأقواهم جنانا، وأصفاهم فطرة، وأفصحهم بيانا، لم تفسد فطرتهم بغواشي ~~المتحضرين، ولا بأفانين تلاعب أولئك المتمدنين، ولذا انقلبوا إلى الناس بعد ~~الإسلام بعلم عظيم، وحكمة باهرة، وسياسة عادلة، قادوا بها معظم الأمم، ~~ودوخوا بها أعظم الممالك. وإيثار البعثة فيهم- بمعنى إظهارها فيهم- لا ~~ينافي عموم الرسالة، كما قال سبحانه: قل يا أيها الناس إني رسول ms4446 الله إليكم ~~جميعا [الأعراف: 158] . # وقوله: لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] . وهو ظاهر. وقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : آية # 3] # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم معطوف على (الأميين) . # يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم ~~يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم، من كل ~~من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة، كما فسره مجاهد وغيره، واختاره ابن ~~جرير. # قال الرازي: فالمراد بالأميين العرب، وبالآخرين سواهم من الأمم، وجعلهم ~~منهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وإن اختلفت ~~أجناسهم، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة: 71] ، ~~انتهى. ### | تنبيه: # قال بعض المحققين: في الآية معجزة من معجزات النبوة، وذلك في الإخبار عن ~~غيب وقع، والبشارة بدخول أمم غير العرب في الإسلام قد حصل، فقد صارت تلك ~~الأمم التي أسلمت، من العرب لأن بلادهم صارت بلاد العرب، ولغتهم لغة العرب، ~~وكذلك دينهم وعاداتهم، حتى أصبحوا من العرب جنسا ودينا ولغة، وحتى # PageV09P228 # صار لفظ العرب يطلق على كل المسلمين من جميع الأجناس، لأنهم أمة واحدة ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة [المؤمنون: 52] ، فصدق الله العظيم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : آية # 4] # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم يعني بعثته تعالى ~~رسولا في الأميين، وفي آخرين، فضله تفضل به على من اصطفاه واختاره لذلك، ~~وهو أعلم حيث يجعل رسالته، والآيات هذه رد على من أنكر نبوته صلى الله عليه ~~وسلم من يهود المدينة. # حسدا وعنادا، مع أن لديهم من شواهد رسالته ما لا ترتاب أفئدتهم بصدقها، ~~ولذا نعى عليهم مخالفتهم لموجب علمهم، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : آية 5] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله ms4447 لا يهدي القوم الظالمين (5) # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا قال ~~الزمخشري: شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها، وحفاظ ما فيها، ثم ~~إنهم غير عاملين بها، ولا منتفعين بآياتها. وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والبشارة به، ولم يؤمنوا به- بالحمار حمل أسفارا، أي: كتبا ~~كبارا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهر من ~~الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل، فهذا مثله، وبئس المثل! بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله، الدالة على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى حملوا التوراة كلفوا علمها، والعمل ~~بها، ثم لم يحملوها، ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها في الحقيقة لفقد ~~العمل. انتهى. # قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : قاس من حمله سبحانه كتابه ~~ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر ~~قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه- ~~كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ~~ليس إلا. # فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل، ~~وإن كان قد ضرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن، فترك ~~العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته. انتهى. # PageV09P229 # والله لا يهدي القوم الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بآيات ربهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : آية # 6] # قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (6) # قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين كان اليهود يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقيل ~~لهم: إن كنتم صادقين في زعمكم، وعلى ثقة من أمركم، فتمنوا على الله أن ~~يميتكم، وينقلكم ms4448 سريعا إلى الآخرة، فإن الحبيب يتمنى لقاء من يحب، ولا يفر ~~منه، ويود أن يستريح من كرب الدنيا وغمومها، ويصير إلى روح الجنان ونعيمها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : الآيات 7 الى 8] # ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل إن الموت ~~الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون (8) # ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم أي من المعاصي والسيئات والكفر والله ~~عليم بالظالمين أي فيجازيهم على أعمالهم، وتقدم في البقرة نظير الآية قل إن ~~كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ... # [البقرة: 94] . قل إن الموت الذي تفرون منه أي تخافون أن تتمنوه بلسانكم، ~~مخافة أن يصيبكم، فتؤخذوا بأعمالكم فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون أي من الأعمال، حسنها وسيئها، فيجازيكم ~~عليها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : الآيات 9 الى 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي عند جلوس الإمام ~~على المنبر، لأنه لم كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه. ~~كان إذا جلس على المنبر، # PageV09P230 # أذن بلال رضي الله عنه فاسعوا إلى ذكر الله أي الخطبة والصلاة وذروا ~~البيع أي في ذلك الوقت. قال أبو مالك: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير، ~~فيشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة يوم الجمعة. فنزلت ذلكم خير لكم أي سعيكم ~~لها، وترك البيع، خير لكم مما نفعه يسير، وربحه مقارب إن كنتم تعلمون فإذا ~~قضيت الصلاة أي أديت وفرغ منها فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون أي أذكروا أمره ودينه وشرعه دائما، لتصير ~~ملكة لكم، تظهر آثارها على أعمالكم ms4449 وأخلاقكم، فتفلحوا بسعادة الدارين، قال ~~ابن جرير: أي اذكروه بالحمد له، والشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق ~~لأداء فرائضه، لتفلحوا فتدركوا طلباتكم عند ربكم، وتصلوا إلى الخلد في ~~جنانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجمعة (62) : آية 11] # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير ~~من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) # وإذا رأوا تجارة أي عير تجارة أو لهوا أي ما تلهو به النفس عن الحق والجد ~~والنافع انفضوا إليها أي أسرعوا إلى التجارة خشية أن يسبقوا إليها، وإنما ~~أوثر ضميرها لأنها الأهم المقصود وتركوك قائما أي على المنبر قل ما عند ~~الله أي من الثواب المرجو بسماع الخطبة والعظة بها خير من اللهو ومن ~~التجارة أي لأن الثواب مخلد نفعه، بخلاف ما يتوهمونه منها. # قال الشهاب: وتقديم (اللهو) لأنه أقوى مذمة، فناسب تقديمه في مقام الذم. # والله خير الرازقين أي: فاعملوا للأعراض الباقية عنده، فإنها خير من ~~الأمور الفانية عندكم، وفوضوا أمر الرزق إليه بالتوكل، والثقة بفضله. فإنه ~~خير الرازقين. ### | تنبيهات: # الأول- قال الرازي: وجه تعلق آية الجمعة بما قبلها، هو أن الذين هادوا ~~يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها، والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع ~~الدنيا وطيباتها كذلك. فنبههم الله تعالى بقوله: فاسعوا إلى ذكر الله أي ~~إلى ما ينفعكم في الآخرة، وهو حضور الجمعة، لأن الدنيا ومتاعها فانية، ~~والآخرة وما فيها باقية. قال تعالى: والآخرة خير وأبقى [الأعلى: 17] . ووجه ~~آخر في التعلق. قال بعضهم: # قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه ~~فكذبهم بقوله: # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين [البقرة: 94] . وبأنهم أهل الكتاب، والعرب ~~لا # PageV09P231 # كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا. وبالسبت، وليس للمسلمين مثله. # فشرع الله لهم الجمعة. انتهى. # وقال المهايمي في وجه المناسبة: بين تعالى أن مقتضى الإيمان الاجتماع على ~~الخير، لا سيما الشكر على الإنسانية، لئلا تنقلب حمارية أو بهيمية، في ~~مقابلة اجتماع أهل الكتاب على الشر، الذي جرهم إلى الحمارية والبهيمية. # الثاني- قال ms4450 السيوطي في (الإكليل) : في قوله تعالى: إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع مشروعية صلاة الجمعة، والأذان ~~لها والسعي إليها، وتحريم البيع بعد الأذان. واستدل بالآية من قال إنما يجب ~~إتيان الجمعة على من كان يسمع فيه النداء.، ومن قال لا يحتاج إلى إذن ~~السلطان، لأنه تعالى أوجب السعي، ولم يشترط إذن أحد. ومن قال لا تجب على ~~النساء لعدم دخولهن في خطاب الذكور، انتهى. # الثالث- في (الإكليل) : في قوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض إباحة الانتشار عقب الصلاة، فيستفاد منه تقديم الخطبة عليها. انتهى. # وظاهره أنه لا يشرع بعد أدائها صلاة ما. غير أنه كان صلى الله عليه وسلم ~~يتنفل بعدها في بيته ركعتين، وفي رواية أربعا. وأما اعتقاد فرضية الظهر ~~بعدها إذا تعددت، فتعصب مذهبي لا برهان له. وقد قلت في مقدمة مجموعة الخطب، ~~في الفائدة الرابعة، ما مثاله: # الحاجة في هذه البلاد في هذه الأوقات، تدعو إلى أكثر من جمعة، إذ ليس ~~للناس جامع واحد يسعهم، ولا يمكنهم جمعة واحدة أصلا. إلا أن خروجها إلى حد ~~أن لا فرق بينها وبين بقية الصلوات في كثير من المساجد الصغيرة التي لم ~~تشيد لمثلها، قد هول فيه السبكي في فتاويه، لأنه مما تأباه مشروعيتها، وما ~~مضى عليه عمل القرون الثلاثة، بل تسميتها جمعة، فإن صيغة (فعلة) في اللغة ~~للمبالغة. # وبالجملة فالجوامع الكبار التي تؤمها الأفواج يوم الجمعة ويحتاج لإقامتها ~~فيها حاجة بينة لمجاوريها، هي التي لا خلاف في جوازها مهما تعددت، والتي لا ~~تعاد الظهر بعدها، وقد بسطناه في كتابنا (إصلاح المساجد من البدع والعوائد) ~~. # الرابع- يدل قوله تعالى: وابتغوا من فضل الله على عدم مشروعية تعطيل يوم ~~الجمعة، ففيه تعريض بمجانبة التشبه بأهل الكتاب في تعطيل يومي السبت ~~والأحد، ورد على ما ابتدع فيه من الوظائف ما يدعو إلى الانقطاع عن كل عمل. # PageV09P232 # والأصل أن كل ما لم ينص عليه الكتاب الحكيم، ولا الهدي النبوي، من خبر ~~قويم، فهو تشريع ما لم يأذن ms4451 به الله. وإذا رفع الله بفضله عنا الإصر ~~والأغلال التي كانت على من قبلنا، فما بالنا نستجرها إلينا بالأسباب ~~الضعيفة، فاللهم غفرا. # الخامس- قال في (الإكليل) : في قوله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قائما مشروعية الخطبة، والقيام فيها، واشتراط الجماعة ~~في الصلاة، وسماعهم الخطبة، وتحريم الانفضاض، انتهى. # وفي الصحيحين «1» عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخطب، فخرج الناس. وبقي اثنا عشر رجلا. فنزلت وإذا رأوا ... ~~الآية. # وروى ابن جرير عن جابر قال: كان الجواري إذا نكحوا يمرون بالكبر ~~والمزامير، ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، وينفضون ~~إليها، فأنزل الله وإذا رأوا.. الآية. # وعن مجاهد: اللهو الطبل. PageV09P233 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المنافقون # مدنية وآيها إحدى عشرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله أي ~~أن الأمر كما قالوه والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أي في قولهم نشهد ~~وادعائهم فيه مواطأة قلوبهم ألسنتهم، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا اتخذوا ~~أيمانهم أى حلفهم الكاذب، أو شهادتهم هذه، فإنها تجري مجرى الحلف في ~~التوكيد جنة أي وقاية من القتل والسبي، فصدوا عن سبيل الله أى دينه الذي ~~بعث به رسوله صلوات الله عليه، وشريعته التي شرعها لخلقه إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون أى في اتخاذهم أيمانهم جنة، وصدهم، وغير ذلك من أعمالهم. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : استدل بالآية أبو حنيفة على أن (أشهد بالله) يمين، وإن لم ~~ينو معه، لأنه تعالى أخبر عن المنافقين أنهم قالوه، ثم سماه (أيمانا) ~~انتهى. # قال الناصر: وليس فيما ذكره دليل، فإن قوله: اتخذوا أيمانهم جنة غايته أن ~~ما ذكره يسمى يمنا، وليس الخلاف في تسميته يمينا، ms4452 وإنما الخلاف: هل يكون ~~يمينا منعقدة يلزم بالحنث فيها كفارة أم لا؟ وليس كل ما يسمى حلفا أو قسما ~~يوجب # PageV09P234 # حكما. ألا ترى أنه لو قال: أحلف، ولم يقل: بالله، ولا بغيره، فهو من محال ~~الخلاف في وجوب الكفارة به، وإن كان حلفا لغة باتفاق، لأنه فعل مشتق منه. ~~انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : الآيات 3 الى 4] # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم ~~تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة ~~عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) # ذلك أي ما نعي عليهم من مساوئهم بأنهم آمنوا أي ظاهرا ثم كفروا أي سرا ~~فطبع على قلوبهم أي ختم عليها بما مرنوا عليه من التلون والتذبذب ورسوخ ~~الهيئات المنكرة، فحجبوا عن الحق فهم لا يفقهون أي حقية الإيمان، وحكمة ~~الرسالة والدين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم أي لتناسب أشكالهم، وحسن مناظرهم ~~وروائهم وإن يقولوا تسمع لقولهم أي للين كلامهم بما يدهنون فيه كأنهم خشب ~~مسندة أي في الخلو عن الفائدة، لأن الخشب إنما تكون مسندة إذا لم تكن في ~~بناء، أو دعامة لشيء آخر. # قال القاشاني: روي عن بعض الحكماء أنه رأى غلاما حسنا وجهه، فاستنطقه ~~لظنه ذكاءه وفطنته، فما وجد عنده معنى، فقال: ما أحسن هذا البيت لو كان فيه ~~ساكن! وهذا معنى قوله: كأنهم خشب مسندة أي أجرام خالية عن الأرواح، لا نفع ~~فيه ولا ثمر، كالأخشاب المسندة إلى الجدران عند الجفاف، وزوال الروح ~~النامية عنها، فهم في زوال استعداد الحياة الحقيقية، والروح الإنساني، ~~بمثابتها، يحسبون كل صيحة عليهم قال ابن جرير: أي يحسب هؤلاء المنافقون، من ~~خبثهم، وسوء ظنهم، وقلة يقينهم، كل صيحة عليهم، لأنهم على وجل أن ينزل الله ~~فيهم أمرا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح للمؤمنين قتلهم، وسبي ذراريهم، ~~وأخذ أموالهم فهم من خوفهم من ذلك كلما نزل فيهم من الله وحي على رسوله، ~~ظنوا أنه نزل بهلاكهم وعطبهم. # وقال القاشاني: لأن ms4453 الشجاعة إنما تكون من اليقين من نور الفطرة، وصفاء ~~القلب، وهم منغمسون في ظلمات صفات النفوس، محتجبون باللذات والشهوات، أهل ~~الشك، والارتياب، فلذلك غلبهم الجبن والخور. # هم العدو فاحذرهم قال القاشاني: فقد بطل استعدادهم، فلا يهتدون بنورك # PageV09P235 # ولا تؤثر فيهم صحبتك قاتلهم الله أنى يؤفكون أي كيف يصرفون عن الحق، مع ~~وضوح مناره. و (قاتل) بمعنى لعن وطرد، وهو دعاء أو خبر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : آية 5] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله أي: هلموا إلى التوبة والإنابة ~~مما فرط منكم، وذاع من أفاعيلكم ضد المؤمنين لووا رؤسهم قال ابن جرير أي: # حركوها وهزوها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وباستغفاره، ~~وبتشديد الواو من لووا قرأت القراء على وجه الخبر عنهم، أنهم كرروا هز ~~رؤوسهم وتحريكها وأكثروا. إلا نافعا، فإنه قرأ ذلك بتخفيف الواو، على وجه ~~أنهم فعلوا ذلك مرة واحدة. # ورأيتهم يصدون أي يعرضون عما دعوا إليه، وهم مستكبرون أي: عن المصير إلى ~~الرسول والاعتذار. # قال القاشاني: لضراوتهم بالأمور الظلمانية، واعتيادهم الكمالات البهيمية ~~والسبعية، فلا يألفون النور، ولا يشتاقون إليه، ولا إلى الكمالات ~~الإنسانية، لمسخ الصورة الذاتية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : آية 6] # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا ~~يهدي القوم الفاسقين (6) # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم قال القاشاني: # لرسوخ الهيئات الظلمانية فيهم، وزوال قبول استعداداتهم للهداية، لفسقهم ~~وخروجهم عن دين الفطرة القويم. وهذا معنى قوله تعالى: إن الله لا يهدي ~~القوم الفاسقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : آية 7] # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا أي: حتى ~~تصيبهم مجاعة، فيتفرقوا عنه. يعنون فقراء ms4454 المهاجرين. # PageV09P236 # قال القاشاني: لاحتجابهم بأفعالهم عن رؤية فعل الله، وبما في أيديهم عما ~~في خزائن الله، فيتوهمون الإنفاق منهم، لجهلهم. # ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون أي: من بيده ~~خزائنهما، رازقهم منها، وإن بخل المنافقون. ### | لطيفة: # قال الشهاب: قوله تعالى: هم الذين يقولون ... إلخ تعليل لرسوخهم في ~~الفسق، لا لعدم المغفرة. لأنه معلل بما قبله. وقوله: على من عند رسول الله ~~الظاهر أنه حكاية ما قالوه بعينه، لأنهم منافقون مقرون برسالته ظاهرا، ولا ~~حاجة إلى أنهم قالوه تهكما، أو لغلبة عليه، حتى صار كالعلم، كما قيل. ~~ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة، فغيرها الله إجلالا لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم وإكراما. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : آية 8] # يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) # يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون أي: لمكان غرورهم وجهلهم وشدة ~~ارتيابهم. ### | تنبيهان: # الأول- # قال ابن جرير: عني بهذه الآيات كلها- فيما ذكر- عبد الله بن أبي ابن ~~سلول. وذلك أنه قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى ينفضوا. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ~~فسمع بذلك زيد بن أرقم فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عما أخبر به عنه، فحلف أنه ما قال! وقيل ~~له: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أن يستغفر لك. فجعل يلوي ~~رأسه ويحركه استهزاء، ويعني بذلك أنه غير فاعل ما أشاروا به عليه، فأنزل ~~الله عز وجل فيه هذه السورة من أولها إلى آخرها. # ثم أورد ابن جرير الروايات في ذلك. وتقدمه الإمام البخاري، فأسندها من ~~طرق. ويجمعها كلها ما # رواه ابن إسحاق في غزوة بني المصطلق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم ~~على ماء لهم يقال له (المريسيع) وأظفره الله بهم. قال: ms4455 فبينا الناس على ذلك # PageV09P237 # الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال ~~له (جهجاه) ، يقود فرسه. فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن ~~الخزرج، على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا ~~معشر المهاجرين! فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم ~~زيد بن أرقم، غلام حدث، فقال: أوقد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في ~~بلادنا! والله! ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كمال قال الأول: سمن كلبك ~~يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل ~~على من حضر من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ~~وقاسمتموهم أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم. لتحولوا إلى غير ~~داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده ~~عمر بن الخطاب. فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فكيف يا عمر، إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا! ولكن ~~أذن بالرحيل، في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها. ~~فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ~~ما قال ولا تكلمت به. وكان في قومه شريفا عظيما. # فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول ~~الله! عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل- حدبا ~~على ابن سلول ودفعا عنه. # قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقيه أسيد بن ~~حضير، فحياه بتحية النبوة، وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله! والله لقد رحت ~~في ساعة منكرة، ما كنت ms4456 تروح في مثلها. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: عبد الله ~~بن أبي! قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها ~~الأذل! قال: فأنت يا رسول الله، والله، تخرجه منها إن شئت. هو، والله، ~~الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله! ارفق به. فو الله لقد جاءنا ~~الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ~~ملكا، ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومهم ذلك، حتى أمسى، وليلتهم ~~حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن ~~وجدوا مس الأرض، فوقعوا نياما ... وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. ثم ~~راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وقدم # PageV09P238 # المدينة، ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين، في ابن أبي، ومن ~~كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن ~~أرقم، ثم قال: هذا الذي أوفى لله بأذنه. # وكانت غزاة بني المصطلق هذه، في شعبان سنة خمس، كما في (زاد المعاد) . # وزعم قوم أن هذه المقالة كانت في غزوة تبوك. قال الحافظ ابن حجر: وقع في ~~رواية محمد بن كعب عن زيد بن أرقم عند (النسائي) أنها غزوة تبوك، ويؤيده ~~قوله في رواية زهير: في سفر أصاب الناس فيه شدة. وأخرج عبد بن حميد بإسناد ~~صحيح عن سعيد بن جبير مرسلا، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل ~~منزلا لم يرتحل منه حتى يصلي فيه: فلما كان غزوة تبوك، نزل منزلا، فقال عبد ~~الله بن أبي: فذكر القصة. # والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة المصطلق. ويؤيده قول جابر، بعد قوله ~~صلى الله عليه وسلم لعمر: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) . # وكان ms4457 الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين ~~كثروا بعد. فهذا مما يوضح وهم من قال: إنها كانت بتبوك، لأن المهاجرين ~~حينئذ كانوا كثيرا جدا. وقد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا ~~حينئذ أكثر من الأنصار انتهى. # وسبقه ابن كثير حيث قال: وقوله- أي ابن جبير- إن ذلك كان في غزوة تبوك، ~~فيه نظر، بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في ~~غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش. وإنما المشهور عند أصحاب المغازي ~~والسير، أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق. انتهى. # التنبيه الثاني- قال الزمخشري: معنى قوله تعالى: ولله العزة إلخ أي: # الغلبة والقوة ولمن أعزه وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك. ~~كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. # وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة- ألست على الإسلام، وهو العز الذي ~~لا ذل معه، والغنى الذي لا فقر معه؟ # وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال له إن الناس يزعمون أن فيك ~~تيها؟ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة وتلا هذه الآية. # انتهى. # PageV09P239 # قال الرازي: قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر، ولا ~~يحل للمؤمن أن يذل نفسه، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه، وإكرامها عن أن ~~يضعها لأقسام عاجلة دنيوية. كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه، وإنزالها فوق ~~منزلها. فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة، وتختلف من حيث الحقيقة، كاشتباه ~~التواضع بالضعة، والتواضع محمود، والضعة مذمومة، والكبر مذموم، والعزة ~~محمودة. # ولما كانت غير مذمومة، وفيها مشاكلة للكبر، قال تعالى: بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق [الأحقاف: 20] . وفيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق، ~~والوقوف على حد التواضع، من غير انحراف إلى الضعة، وقوف على صراط العزة ~~المنصوب على نار الكبر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المنافقون (63) : الآيات 9 الى 11] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا ms4458 من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله أي: لا ~~يشغلكم الاغتباط بها عن ذكر أمره ونهيه، ووعده ووعيده، أو ذكر ما أنزله ~~وأوحى به. ومنه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. فإن مقتضى الإيمان أن لا ~~يبالي المؤمن بعزة المال والولد، مع عزة الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون أي المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته، كما قال سبحانه: ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون [الحشر: 19] . ~~وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق أي أتصدق وأخرج حقوق مالي وأكن من الصالحين ولن يؤخر ~~الله نفسا إذا جاء أجلها. أي لن يؤخر في أجل أحد إذا حضر، ولكن يخترمه. # قال القاشاني: معنى قوله: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله إن ~~صدقتم في الإيمان، فإن قضية الإيمان غلبة حب الله على محبة كل شيء، فلا تكن ~~محبتهم ومحبة الدنيا، من شدة التعلق بهم وبالأموال، غالبة في قلوبكم على ~~محبة، فتحتجبوا بهم عنه، فتصيروا إلى النار، فتخسروا نور الاستعداد الفطري ~~بإضاعته فيما # PageV09P240 # يفنى سريعا، وتجردوا عن الأموال بإنفاقها وقت الصحة والاحتياج إليها، ~~ليكون فضيلة في أنفسكم، وهيئة نورية لها، فإن الإنفاق إنما ينفع إذا كان عن ~~ملكة السخاء، وهيئة التجرد في النفس. فأما عند حضور الموت، فالمال للوارث ~~لا له، فلا ينفعه إنفاقه، وليس إلا التحسر والتندم، وتمني التأخير في الأجل ~~بالجهل، فإنه لو كان صادقا في دعوى الإيمان، وموقنا بالآخرة لتيقن أن الموت ~~ضروري، وأنه مقدر في وقت معين قدره الله فيه بحكمته، فلا يمكن تأخره. # والله خبير بما تعملون أي: بأعمالكم ونياتكم. فلا ينفع الإنفاق في ذلك ~~الوقت ولا تمني التأخير في الأجل، ووعد التصدق والصلاح، لعلمه بأنه ms4459 ليس عن ~~ملكة السخاء، ولا عن التجرد والزكاء، بل من غاية البخل وحب المال، كأنه ~~يحسب أنه يذهب به معه، وبأن ذلك التمني والوعد محض الكذب، ومحبة العاجلة، ~~لوجود الهيئة المنافية للتصدق والصلاح في النفس، والميل إلى الدنيا، كما ~~قال الله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون [الأنعام: 28] والله أعلم. ### | تنبيه: # قال الإمام إلكيا الهراسي: يدل قوله تعالى: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت ... الآية. على وجوب إخراج الزكاة على الفور، ومنع ~~تأخيرها. # وأخرج الترمذي «1» عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو ~~تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقيل له: إنما يسأل ~~الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآنا. ثم قرأ هذه الآية. ~~PageV09P241 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة التغابن # مكية، على ما يظهر من أمثالها لمن سبر. وقيل: مدنية. وآيها ثمان عشرة. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة التغابن # (64) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك أي ملك السماوات والأرض، ~~ونفوذ الأمر فيهما وله الحمد أي الثناء الجميل، لأنه مولى النعم وموجدها ~~وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن أي هو الذي انفرد ~~بإيجادكم في أحسن تقويم، قابل للكلمات العلمية والعملية، ومع ذلك فمنكم ~~مختار للكفر، جاحد للحق، كاسب له على خلاف ما تستدعيه خلقته. ومنكم مختار ~~للإيمان، كاسب له، حسبما تقتضيه خلقته، وكان الواجب عليكم جميعا أن تكونوا ~~مختارين للإيمان، شاكرين لنعمة الخلق والإيجاد، وما يتفرع عليها من سائر ~~النعم. فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم فرقا. ~~وتقديم الكفر، لأن الأغلب فيما بينهم، والأنسب بمقام التوبيخ- أفاده أبو ~~السعود- والله بما تعملون بصير أي فيجازيكم به، ms4460 فآثروا ما يجديكم، وجانبوا ~~ما يرديكم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية # 3] # خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) # خلق السماوات والأرض بالحق أي بالحكمة البالغة التي ترشد إلى المصالح ~~الدينية والدنيوية وصوركم فأحسن صوركم أي حيث برأكم في أحسن تقويم. # وذلك أنه تعالى جعل الإنسان معتدل القامة على أعدل الأمزجة. وآتاه العقل ~~وقوة النطق، والتصرف في المخلوقات، والقدرة على أنواع الصناعات وإليه ~~المصير أي مرجعكم للجزاء. # PageV09P242 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية # 4] # يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور (4) # يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور أي بخفاياها، وما تنطوي عليه، وفيه تقرير لما قبله، كالدليل عليه، ~~لأنه إذا علم السرائر، وخفيات الضمائر، لم يخف عليه خافية من جميع ~~الكائنات. # قال الزمخشري: نبه بعلمه ما في السموات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ~~ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور، أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف ~~عليه، ولا عازب عنه فحقه أن ينقى ويحذر، ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، ~~وتكرير العلم، في معنى تكرير الوعيد. وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: فمنكم ~~كافر ومنكم مؤمن كما ترى، في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصي ~~الخالق، ولا تشكر نعمته. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : الآيات 5 الى 6] # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) # ألم يأتكم أي معشر الكفرة الفجرة نبأ الذين كفروا من قبل أي كقوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم لوط فذاقوا وبال أمرهم من عذاب الاستئصال. و (الوبال) ~~الثقل، والشدة المترتبة على أمر من الأمور، وأمرهم كفرهم، عبر عنه بذلك، ~~للإيذان بأنه أمر هائل، وجناية عظيمة ولهم أي في الآخرة عذاب أليم ذلك بأنه ~~كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ms4461 أبشر يهدوننا أي ذلك المذكور من ذوقهم ~~وبال أمرهم في الدنيا، وما أعد لهم من عذاب الأخرى، بسبب أنه أتتهم رسلهم ~~بالواضحات من الأدلة والأعلام، على حقيقة ما يدعونهم إليه، فنبذوها، ~~واتبعوا أهواءهم، واستهزءوا برسلهم، وقالوا: أبشر يهدوننا؟ # قال ابن جرير: استكبارا منهم أن تكون رسل الله إليهم بشرا مثلهم، ~~واستكبارا عن اتباع الحق من أجل أن بشرا مثلهم دعاهم إليه. وجمع الخبر عن ~~البشر فقيل يهدوننا، ولم يقل (يهدينا) ، لأن (البشر) وإن كان في لفظ ~~الواحد، فإنه بمعنى الجميع. انتهى. # PageV09P243 # وقال القاشاني: لما حجبوا بصفات نفوسهم عن النور الذي هو به يفضل عليهم ~~بما لا يقاس، ولم يجدوا منه إلا البشرية، أنكروا هدايته، فإن كل عارف لا ~~يعرف معروفه إلا بالمعنى الذي فيه، فلا يوجد النور الكمالي إلا بالنور ~~الفطري، ولا يعرف الكمال إلا الكامل، ولهذا قيل: لا يعرف الله إلا الله، ~~وكل طالب وجد مطلوبه بوجه ما دالا لما أمكن به التوجه نحوه، وكذا كل مصدق ~~بشيء، فإنه واجد للمعنى المصدق به، بما في نفسه من ذلك المعنى. فلما لم يكن ~~فيهم شيء من النور الفطري أصلا، لم يعرفوا منه الكمال فأنكروه، ولم يعرفوا ~~من الحق شيئا، فيحدث فيهم طلب، فيحتاجوا إلى الهداية، فأنكروا الهداية. # فكفروا أي: بالحق والدين والرسول وتولوا أي عن التدبر في الآيات البينات، ~~واستغنى الله أي: أظهر استغناءه عن إيمانهم وطاعتهم، حيث أهلكهم وقطع ~~دابرهم، ولولا غناه تعالى عنهم لما فعل ذلك. ف (استغنى) معطوف على ما قبله، ~~وجوز جعله حالا بتقدير (قد) . أي: وقد استغنى بكماله، عرفوا أو لم يعرفوا. # والله غني أي: بذاته عن العالمين، فضلا عن إيمانهم، لا يتوقف كمال من ~~كمالاته عليهم، ولا على معرفتهم له. حميد أي: يحمده كل مخلوق، أو مستحق ~~للحمد بنفسه، وإن لم يحمده حامد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية # 7] # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) # زعم الذين كفروا أن ms4462 لن يبعثوا، قل بلى وربي لتبعثن أي من قبوركم ثم ~~لتنبؤن بما عملتم أي في الدنيا وذلك على الله يسير أي هين لقبول المادة، ~~وثبوت القدرة الكاملة. # قال ابن كثير: وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقسم بربه عز وجل، على وقوع المعاد ووجوده. فالأولى في يونس: ~~ويستنبئونك أحق هو، قل إي وربي إنه لحق [يونس: 53] ، والثانية في سبأ: وقال ~~الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم [سبأ: 3] . والثالثة ~~هذه الآية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية 8] # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) # فآمنوا بالله ورسوله أي إذا كان الأمر كذلك، فآمنوا بالله وحده وبرسوله # PageV09P244 # فيما يخبركم به من البعث والجزاء وغيره والنور الذي أنزلنا يعني القرآن ~~الحكيم. # والالتفات إلى نور العظمة، لإبراز كمال العناية بأمر الإنزال والله بما ~~تعملون خبير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية 9] # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم (9) # يوم يجمعكم ظرف ل لتنبؤن أو ل خبير لما فيه من معنى الوعيد. # كأنه قيل: والله مجازيكم يوم يجمعكم، أو مفعول ل (اذكر) ليوم الجمع أي ~~ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون. أي لأجل ما فيه من الحساب والجزاء ذلك يوم ~~التغابن قال الزمخشري: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن ~~يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو ~~كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا ~~أشقياء، وفيه تهكم بالأشقياء لأن نزولهم ليس بغبن، انتهى. # ومما حسن إطلاق التغابن على ما ذكر، ورود البيع والاشتراء في حق ~~الفريقين. فذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، ~~واشتروا الضلالة بالهدى، وذكر أنهم ما ربحت تجارتهم، فكأنهم غبنوا أنفسهم. ~~ودل المؤمنين على تجارة رابحة فقال هل أدلكم على تجارة.. [الصف: 10] الآية. ms4463 ~~وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة. فخسرت صفقة الكفار، وربحت صفقة المؤمنين. # وقال القاشاني: أي ليس التغابن في الأمور الدنيوية، فإنها أمور فانية ~~سريعة الزوال، ضرورية الفناء، لا يبقى شيء منها لأحد، فإن فات شيء من ذلك، ~~أو أفاته أحد، ولو كان حياته، فإنما فات أو أفيت ما لزم فواته ضرورة، فلا ~~غبن ولا حيف حقيقة، وإنما الغبن والتغابن في إفاتة شيء لو لم يفته لبقي ~~دائما، وانتفع به صاحبه سرمدا، وهو النور الكمالي والاستعدادي، فتظهر ~~الحسرة والتغابن هناك، في إضاعة الربح ورأس المال في تجارة الفوز والنجاة، ~~كما قال: فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: 16] ، فمن أضاع ~~استعداده ونور فطرته، كان مغبونا مطلقا، كمن أخذ نوره وبقي في الظلمة. ومن ~~بقي نور فطرته ولم يكتسب الكمال اللائق به الذي يقتضيه استعداده، أو اكتسب ~~منه شيئا، ولم يبلغ غايته، كان مغبونا بالنسبة # PageV09P245 # إلى الكامل التام، فكأنما ظفر بذلك الكامل بمقامه ومرامه، وبقي هذا ~~متحيرا في نقصانه، انتهى. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ~~ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : الآيات 10 الى 11] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ~~(10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل ~~شيء عليم (11) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ~~ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله. # أي بقدره ومشيئته، كقوله تعالى في آية الحديد ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [الحديد: 22] . ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه أي إلى العمل بمقتضى إيمانه، ويشرحه للازدياد من الطاعة والخبر. ~~والله بكل شيء عليم أي فيعلم مراتب إيمانكم، وسرائر قلوبكم. وأحوال أعمالكم ~~وآفاتها، وخلوصها من الآفات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : الآيات 12 الى 13] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) الله ms4464 لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~أي لما أرسل به، والله سبحانه ولي الانتقام ممن عصاه، وخالف أمره الله لا ~~إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال ابن كثير: الأول خبر عن ~~التوحيد، ومعناه طلب. # أي وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [المزمل: 9] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية # 14] # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) # PageV09P246 # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم خطاب لمن ~~آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان له من أزواجهم وأولادهم من يعاديهم ~~لإيمانهم، ويؤذيهم بسببه، فكان ذلك يغيظهم، وربما يحملهم على البطش بهم. ~~فأمروا بالحذر من فتنتهم. وشركهم فحسب، وأن يظهروا فيهم بمظهر أولي الفضل. ~~كما قال: وإن تعفوا أي: عن ذنوبهم وتصفحوا أي: بترك التثريب والتعيير ~~وتغفروا أي جناياتهم بالرحمة لهم، فإن الله غفور رحيم أي يعاملكم بمثل ما ~~عملتم. # روى ابن جرير عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان الرجل يسلم فيلومه أهله ~~وبنوه، فنزلت الآية. # وعن ابن عباس قال: كان الرجل إذا أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة تمنعه ~~زوجته وولده، ولم يألوا يثبطونه عن ذلك، فقال الله: إنهم عدو لكم فاحذروهم ~~واسمعوا وأطيعوا، وامضوا لشأنكم، فكان الرجل بعد ذلك إذا منع وثبط، مر ~~بأهله وأقسم ليفعلن وليعاقبن أهله في ذلك، فقال الله جل ثناؤه: وإن تعفوا ~~وتصفحوا الآية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية # 15] # إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) # ما أموالكم وأولادكم فتنة # أي: تفتتن بهما النفس، ويجري عليها البلاء بهما، إذا أوثرا على محبة ~~الحق. # الله عنده أجر عظيم # أي لمن آثر طاعة الله ومحبته عليهما. # روى ابن جرير عن الضحاك قال هذا في أناس من قبائل ms4465 العرب. كان يسلم الرجل ~~أو النفر من الحي. فيخرجون من عشائرهم، ويدعون أزواجهم وأولادهم وآباءهم ~~عامدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتقوم عشائرهم وأزواجهم وأولادهم ~~وآباؤهم فيناشدونهم الله أن لا يفارقوهم، ولا يؤثروا عليهم غيرهم، فمنهم من ~~يرق ويرجع إليهم، ومنهم من يمضي حتى يلحق بنبي الله صلى الله عليه وسلم. # وعن مجاهد: يحمل الرجل ماله وولده على قطيعة الرحم، أو معصية ربه، فلا ~~يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه به، فلذلك وعد في إيثار طاعة الله، وأداء ~~حق الله في الأموال الأجر العظيم، وهو الجنة. # PageV09P247 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : آية 16] # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (16) # فاتقوا الله ما استطعتم أي جهدكم ووسعكم، أي ابذلوا فيها استطاعتكم، ~~واسمعوا وأطيعوا أي افهموا هذه الأوامر واعملوا بها وأنفقوا أي أموالكم ~~التي ابتلاكم الله بها في مراضيه خيرا لأنفسكم أي وائتوا خيرا لأنفسكم. أي ~~اقصدوا في الأموال والأولاد ما هو خير لكم. ف (خيرا) مفعول بمقدر، وهذا قول ~~سيبويه، كقوله تعالى: انتهوا خيرا لكم [النساء: 171] ، وقيل: تقديره يكن ~~الإنفاق خيرا، فهو خبر (يكن) مضمرا، وهو قول أبي عبيد. وقيل: مفعول ل ~~أنفقوا وهو رأي ابن جرير. قال: أي وأنفقوا مالا من أموالكم لأنفسكم ~~ستنقذوها من عذاب الله، والخير في هذا الموضع، المال ومن يوق شح نفسه أي ~~بالعصمة منه فأولئك هم المفلحون أي المنجحون الذين أدركوا طلباتهم عند ~~ربهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التغابن (64) : الآيات 17 الى 18] # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # إن تقرضوا الله قرضا حسنا أي بالإنفاق في سبيله، ما تحبون من غير من ولا ~~أذى. قال الزمخشري: ذكر (القرض) تلطف في الاستدعاء يضاعفه لكم أي يضاعف ~~جزاءه وخلفه ويغفر لكم أي ذنوبكم بالصفح عنها والله شكور أي ذو شكر لأهل ~~الإنفاق في سبيله، بحسن الجزاء لهم على ما أنفقوا حليم ms4466 أي عن أهل معاصيه، ~~بترك معاجلتهم بعقوبته. عالم الغيب والشهادة أي ما يغيب عن أبصار عباده وما ~~يشاهدونه العزيز أي الغالب في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه الحكيم أي في ~~تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما يصلحهم. # PageV09P248 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطلاق # قال المهايمي: سميت به لبيانها كيفية الطلاق السني، وما يترتب على الطلاق ~~من العدة والنفقة والسكنى. # وتسمى سورة النساء القصرى. مدنية. وآيها اثنتا عشرة: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن أي في وقتها. وهو الطهر. # فاللام للتأقيت. # قال الناصر: جعلت العدة، وإن كان في الأصل مصدرا. ظرفا للطلاق المأمور ~~به. وكثيرا ما تستعمل العرب المصارد ظرفا، مثل خفوق النجم، ومقدم الحاج. ~~وإذا كانت العدة ظرفا للطلاق المأمور به، وزمانه هو الطهر، فلطهر عدة إذا. # قال ابن جرير: أي إذا طلقتم نساءكم فطلقوهن لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن ~~طاهرا من غير جماع. ولا تطلقوهن بحيضهن الذي لا يعتددن به من قرئهن. # ثم روي عن قتادة قال: العدة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، تطليقة واحدة. # قال ابن كثير: ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة، ~~وطلاق بدعة. فطلاق السنة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملا قد استبان ~~حملها. والبدعي هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا # PageV09P249 # يدري أحملت أم لا. وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة ~~والآيسة، وغير المدخول بها، وسيأتي في التنبيهات زيادة على هذا. # وأحصوا العدة أي اضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء واتقوا الله ربكم لا ~~تخرجوهن من بيوتهن أي: اتقوه في تعدي حدوده في المطلقات، فلا ms4467 تخرجوهن من ~~بيوتهن التي كنتم أسكنتموهن فيها قبل الطلاق، غضبا عليهن، وكراهة ~~لمساكنتهن، لأن لهن حق السكنى، حتى تنقضي عدتهن. # ولا يخرجن أي: باستبدادهن من تلقاء أنفسهن. # قال الناصر: قوله تعالى: واتقوا الله ربكم توطئة لقوله لا تخرجوهن من ~~بيوتهن حتى كأنه نهي عن الإخراج مرتين: مندرجا في العموم، ومفردا بالخصوص. # وقد تقدمت أمثاله. # إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: فإنهن يخرجن. و (الفاحشة) الزنا، أو أن ~~تبذو المطلقة على أهلها، أو هي كل أمر قبيح تعدي فيه حده، فيدخل فيه الزنا ~~والسرقة والبذاء على الأحماء ونحوها، والأخير مختار ابن جرير، وقوفا مع ~~عموم اللفظ الكريم. # وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه أي: بتعريضها للعقاب بما ~~أكسبها من الوزر. أو أضر بها بما اكتسب من قوة النفار، وشدة البغضة التي قد ~~تتفاقم فتعسر الرجعة، مع أن الأولى تخفيف الشنآن، وتلافي الهجران- وهو ~~الأظهر- ولذا قال سبحانه: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإنه استئناف ~~مسوق لتعليل مضمون الشرطية. # قال أبو السعود: وقد قالوا إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى، أن يقلب قلبه ~~عما فعله بالتعدي إلى خلافه، فلا بد أن يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوى ~~يلحقه بسبب تعديه، ولا يمكن تداركه. أو عن مطلق الضرر الشامل الدنيوي ~~والأخروي. ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد، واهتمامهم ~~بدفعه أقوى. # وقوله تعالى: لا تدري خطاب للمتعدي بطريق الالتفات، لمزيد الاهتمام ~~بالزجر عن التعدي، لا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما توهم فالمعنى: ومن ~~يتعد حدود الله فقد أضر بنفسه، فإنك لا تدري أيها المتعدي عاقبة الأمر، لعل ~~الله يحدث في قلبك، بعد ذلك الذي فعلت من التعدي، أمرا يقتضي خلاف ما ~~فعلته، فيبدل ببغضها محبة، وبالإعراض عنها إقبالا إليها، ويتسنى تلافيه ~~رجعة، أو استئناف نكاح. انتهى. ### | تنبيهات: # الأول- # قال في (الإكليل) : فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: لعدتهن بأن ~~تطلق # PageV09P250 # في طهر لم يجامع فيه- أخرجه البخاري ومسلم «1» # وفي لفظ مسلم «2» # أنه قرأ (فطلقوهن في قبل ms4468 عدتهن) # فاستدل الفقهاء بذلك على أن طلاق السنة ما ذكر، وأن الطلاق في الحيض أو ~~طهر جومعت فيه بدعي حرام. واستدل قوم بالآية على عدم وقوعه في الحيض ~~الثاني- في (الإكليل) : في قوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن وجوب السكنى ~~لها مادامت في العدة، وتحريم إخراجها او خروجها إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~كسوء الخلق، والبذاءة على أحمائها. فتنتقل. # الثالث- في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~من لم يوجب السكنى بغير الرجعة. أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وعكرمة قال: # المطلقة ثلاثا، والمتوفى عنها، لا سكنى لها ولا نفقة، لقوله: لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا فما يحدث بعد الثلاث. # الرابع- قال ابن المنذر: أباح الله الطلاق بطليعة هذه السورة: انتهى. # وذلك- كما قال بعض الحكماء- إذا استحال الوفاق بين الزوجين، ولم يبق في ~~الإمكان إصلاح، وصمم الزوج عليه، لأن وجود شخصين متنافري الطباع، متباغضين، ~~لا ينظر أحدهما إلى الآخر إلا ويحس في نفسه بالنفور، وفي قلبه بالعداوة، ~~يسعى كل منهما في أذى صاحبه- شر وفساد يجب محوه وقطعه. انتهى. # وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : إن الله سبحانه وتعالى لما كان يبغض ~~الطلاق، لما فيه من كسر الزوجة، وموافقة رضا عدوه إبليس، حيث يفرح بمفارقة ~~طاعة الله بالنكاح الذي هو واجب أو مستحب، وتعريض كل من الزوجين للفجور ~~والمعصية، وغير ذلك من مفاسد الطلاق وكان مع ذلك يحتاج إليه الزوج أو ~~الزوجة، وتكون المصلحة فيه شرعه على وجه يحصل به المصلحة وتندفع به ~~المفسدة، وحرمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه وأقربها لمصلحة ~~الزوج والزوجة، فشرع له أن يطلقها طاهرا من غير جماع طلقة واحدة، ثم يدعها ~~حتى تنقضي عدتها. فإن زال الشر بينهما، وحصلت الموافقة، كان له سبيل إلى لم ~~الشعث، وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى انقضت عدتها. فإن تبعتها ~~نفسه PageV09P251 # كان له سبيل إلى خطبتها، وتجديد العقد عليها برضاها. وإن لم تتبعها نفسه، ~~تركها فنكحت من شاءت. # وجعل العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة ms4469 والاختيار، فهذا هو الذي شرعه ~~وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضي بالفسخ والافتداء. ~~فإذا طلقها مرة بعد مرة بقي له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه، ~~عقوبة له، ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، ويدخل بها ثم يفارقها ~~بموت أو طلاق. فإذا علم أن حبيبه يصير إلى غيره، فيحظى به دونه، أمسك عن ~~الطلاق. انتهى. # ومباحث الطلاق وفروعه تجدر مراجعتها من (إغاثة اللهفان) و (زاد المعاد) ~~لابن القيم، و (فتاوي ابن تيمية) شيخه. ومن لم يقف على ما حرراه وجاهدا في ~~الصدع به، فاته علم غزير، وفرقان منير، وبالله التوفيق. # الخامس- استدل بهذه الآيات من قال: إن جمع الطلاق في دفعة واحدة غير ~~مشروع. قال الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان) : ووجه الاستدلال بالآية ~~من وجوه: # أحدها- أنه تعالى إنما شرع أن تطلق لعدتها، أي لاستقبال عدتها، فيطلق ~~طلاقا يتعقبه شروعها في العدة، ولهذا أمر عليه السلام عبد الله بن عمر، رضي ~~الله عنهما، لما طلق امرأته، أن يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيرا للمراد ~~بها، وأن المراد بها الطلاق في قبل العدة. وكذلك كان يقرؤها عبد الله بن ~~عمر، ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث: أنه لا يجوز له أن يردف ~~الطلقة بأخرى في ذلك الطهر لأنه غير مطلق للعدة، فإن العدة قد استقبلت من ~~حين الطلقة الأولى، فلا تكون الثانية للعدة، فلا يكون مأذونا فيها، فإن ~~العدة إنما تحسب من الطلقة الأولى، لأنها طلاق للعدة بخلاف الثانية ~~والثالثة. ومن جعله مشروعا قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمام ~~العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها، وكلاهما طلاق للعدة. وأصحاب ~~القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة، الطلاق لاستقبالها، كما في ~~القراءة الأخرى التي تفسر القراءة المشهورة (فطلقوهن في قبل عدتهن) قالوا ~~فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق، قبل الرجعة، أو العقد، فأن لا يشرع جمعه ~~معه أولى وأحرى. # فإرداف الطلاق أسهل من جمعه، ولهذا شرع الإرداف في الأطهار من لا يجوز ~~الجمع في الطهر ms4470 الواحد. # وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم جمع الثلاث بهذه الآية. قال مجاهد: ~~كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه ~~رادها. ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس! # PageV09P252 # وإن الله عز وجل قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا، فما أجد لك مخرجا. # عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله عز وجل قال: يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن. وهذا حديث صحيح «1» ففهم ابن عباس من ~~الآية أن جمع الثلاث محرم، وهذا فهم من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، وهو من أحسن الفهوم كما تقرر. # الوجه الثاني: من الاستدلال بالآية قوله تعالى: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن وهذا إنما هو في الطلاق الرجعي، فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة، ~~لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي لا يطعن في صحتها، الصريحة ~~التي لا شبهة في دلالتها، فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله تعالى، ما ~~لم تسبقه طلقتان قبله. ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له، ولا يملك ~~إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض. وأبو حنيفة قال: يملك ذلك، لأن الرجعة ~~حقه، وقد أسقطها. والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة، وإن كان حقا له، فلها عليه ~~حقوق الزوجية فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة، أو باستيفاء العدد، كما دل ~~عليه القرآن. # الوجه الثالث: أنه قال: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ~~فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة، فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما. # الوجه الرابع: أنه سبحانه قال: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وقد ~~فهم أعلم الأمة بالقرآن، وهم الصحابة، أن الأمر هنا هو الرجعة. قالوا: وأي ~~أمر يحدث بعد الثلاث؟ # الوجه الخامس- قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف فهذا حكم كل طلاق شرعه، إلا أن يسبق بطلقتين قبله. وقد احتج ابن ms4471 ~~عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن في قبل عدتهن كما تقدم- وهذا حق، فإن الآية إذا دلت على منع إرداف ~~الطلاق في طهر أو أطهار، قبل رجعة أو عقد- كما تقدم- لأنه يكون مطلقا في ~~غير قبل العدة- فلأن تدل على تحريم الجمع، أولى وأحرى. # قالوا: والله سبحانه شرع الطلاق على أيسر الوجوه وأرفقها بالزوج والزوجة، ~~لئلا يتسارع العبد في وقوعه ومفارقة حبيبه، وقد وقت للعدة أجلا لاستدراك ~~ألفاظه بالرجعة، فلم يبح له أن يطلق المرأة في حال حيضها، لأنه وقت نفرته ~~عنها، وعدم PageV09P253 # قدرته على استمتاعه بها، ولا عقيب جماعها، لأنه قد قضى غرضه منها، وربما ~~فترت رغبته فيها، ويزهد في إمساكها لقضاء وطره، فإذا طلقها في هاتين ~~الحالتين ربما يندم بعد هذا، مع ما في الطلاق من تطويل العدة، وعقيب الجماع ~~من بعلها، لأنه ربما قد اشتمل رحمها على ولد منه، فلا يريد فراقها. فأما ~~إذا حاضت، ثم طهرت، فنفسه تتوق إليها، لطول عهده بجماعة، فلا يقدم على ~~طلاقها في هذه الحالة إلا لحاجة إليه. فلم يبح له الشارع أن يطلقها إلا في ~~هذه الحال، أو في حال استبانة حملها، لأن إقدامه أيضا على طلاقها في هذه ~~الحال دليل على حاجته إلى الطلاق وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~بمنعه لعبد الله بن عمر أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيه، بل ~~أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، إن بدا له أن يطلقها فيطلقها. ~~وفي ذلك عدة حكم: # منها- أن الطهر المتصل بالحيضة، هو وهي حكم القرء الواحد، فإذا طلقها في ~~ذلك الطهر، فكأنه طلقها في الحيضة، لاتصاله بها، وكونه معها، كالشيء ~~الواحد. # الثانية- أنه لو أذن له في طلاقها في ذلك الطهر، فيصير كأنه راجع لأجل ~~الطلاق، وهذا ضد مقصود الرجعة. فإن الله تعالى إنما شرعها للإمساك ولمنفعة ~~النكاح، وعود الفراش، فلا يكون لأجل الطلاق، فيكون كأنه راجع ليطلق. وإنما ~~شرعت الرجعة ليمسك. وبهذا بعينه أبطلنا نكاح ms4472 المحلل، فإن الله سبحانه ~~وتعالى شرع النكاح للإمساك والمعاشرة، والمحلل تزوج ليطلق، فهو مضاد لله ~~تعالى في شرعه ودينه. # الثالثة- أنه إذا صبر عليها حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، زال ما ~~في نفسه من الغضب الحامل له على الطلاق، وربما صلحت الحال بينهما، وأقلعت ~~عما يدعوه إلى الطلاق، فيكون تطويل هذه المدة رحمة به وبها. وإذا كان ~~الشارع ملتفتا إلى مثل هذه الرحمة والشفقة على الزوج، وشرع الطلاق على هذا ~~الوجه الذي هو أبعد شيء عن الندم، فكيف يليق بشرعه أن يشرع إبانتها ~~وتحريمها عليه بكلمة واحدة يجمع فيها ما شرعه متفرقا، بحيث لا يكون له سبيل ~~إليها. وكيف يجتمع في حكمة الشارع، وحكمة هذا وهذا؟ فهذه الوجوه ونحوها مما ~~بين بها الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع، هي بعينها تعين عدم الوقوع، وأنه ~~إنما يقع المشروع وحده، وهي الواحدة. # PageV09P254 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية # 2] # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) # فإذا بلغن أي: المطلقات اللواتي في عدة أجلهن يعني آخر العدة. أي: # إذا قرب انقضاؤه وشارفنه فأمسكوهن بمعروف أي. فراجعوهن بما أمركم الله به ~~من الحقوق التي أوجبها الله لهن من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة أو ~~فارقوهن بمعروف أي: اتركوهن حتى تنقضي عددهن فتبين منكم بمعروف، وهو ~~إيفاؤهن ما لهن من حق، كالصداق والمتعة، على ما أوجب عليه لهن. # وأشهدوا ذوي عدل منكم أي: أشهدوا عند الرجعة والفرقة من يرضي دينهما ~~وأمانتهما. # قال ابن عباس: فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين. وإن لم يراجعها، فإذا ~~انقضت عدتها، فقد بانت منه بواحدة، وهي أملك بنفسها، ثم تتزوج من شاءت هو ~~أو غيره. # وهذا الإشهاد على المراجعة والطلاق مندوب، ومنهم من ذهب إلى وجوبه ~~عليهما، ومنهم من فرق بين المراجعة فأوجبه فيها، وبين الطلاق فاستحبه. ~~وظاهر الأمر في الآية الوجوب ms4473 فيهما، والترجيح يجب أن يكون بدليل مرجح. ومما ~~يؤيد الوجوب أن الأوامر في الآية كلها، قبل وبعد، للوجوب إجماعا، ولا دليل ~~يصرف الأمر بالإشهاد عن ظاهره، فبقي كسابقه ولا حقه، وإن كان القران لا ~~يفيد المشاركة في الحكم، إلا أنه عاضد ومؤيد، إذا لم يوجد صارف. ثم الأمر ~~بالإشهاد عند الطلاق، يدل على أن الحلف بالطلاق، أو تعليق وقوعه بأمر، كله ~~مما لا يعد طلاقا في الشرع، لأن ما طلب فيه الإشهاد، لا بد أن ينوي فيه ~~إيقاعه ويعزم عليه ويتهيأ له. وجدير بعصمة ينوي حلها، وكانت معقودة أوثق ~~عقد، أن يشهد عليه، بعد أن يسبقها مراجعة من حكمين من قبل الزوجين، كما ~~أشارت إليه آية الحكم. فليتدبر الطلاق المشروع، والطلاق المبتدع، وبالله ~~التوفيق. # قال الزمخشري: قيل فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم ~~في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث. # PageV09P255 # وأقيموا الشهادة لله أي: لوجهه خالصا، وذلك أن يقيموها لا للمشهود له، ~~ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض، سوى إقامة الحق، ودفع الظلم، كقوله ~~تعالى: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم [النساء: 135] . ~~انتهى. # وتدل الآية على حظر أخذ الأجرة على أداء الشهادة، ويؤيده قوله تعالى: # ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإن المشار إليه هو الحث ~~على إقامة الشهادة لوجه الله، ولأجل القيام بالقسط، ويحتمل عوده على جميع ~~ما في الآية. # ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية # 3] # ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) # ويرزقه من حيث لا يحتسب قال الزمخشري: يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ~~لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن، والأبعد من الندم. ~~ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة، ولم يضار المعتدة، ولم يخرجها من ~~مسكنها، واحتاط فأشهد، يجعل الله له مخرجا مما في شأن الأزواج ms4474 من الغموم، ~~والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس، ويعطه الخلاص، ويرزقه من وجه لا ~~يخطره بباله ولا يحتسبه، إن أوفى المهر وأدى الحقوق والنفقات، وقل ماله. ~~ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ذلكم يوعظ به يعني: ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. انتهى. ### | تنبيه: # قال ابن الفرس: قال أكثر المفسرين: معنى الآية في الطلاق أي: من لا يتعدى ~~طلاق السنة إلى طلاق الثلاث يجعل له مخرجا إن ندم في الرجعة. قال: وهذا ~~يستدل به على تحريم جمع الثلاث وأنها إذا جمعت وقعت- نقله في (الإكليل) . # وقال ابن القيم في (الإغاثة) : اعلم أنه من اتقى الله في طلاقه، فطلق كما ~~أمره الله ورسوله وشرعه له، أغناه عن الحيل كلها. ولهذا قال تعالى، بعد أن ~~ذكر حكم الطلاق المشروع ومن يتق الله يجعل له مخرجا. فلو اتقى الله عامة ~~المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال، فإن ~~الطلاق الذي شرعه الله سبحانه: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، ويطلقها ~~واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي # PageV09P256 # عدتها، فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها. وإن لم يراجعها حتى انقضت ~~عدتها، أمكنه أن يستقبل العقد عليها من غير زوج آخر. وإن لم يكن له غرض لم ~~يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمن فعل هذا لم يندم، ولم يحتج إلى حيلة ولا ~~تحليل. # ولهذا سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك، وفارقت ~~امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا. # وقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفا. # فقال: أما ثلاث، فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر، اتخذت آيات الله هزؤا. # قال مجاهد: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت ~~حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ~~ابن عباس! يا ابن عباس! وإن الله تعالى قال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~وإنك لم تتق الله ms4475 فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك- ذكره أبو ~~داود «1» - والبحث طويل الذيل لا يستغنى عن مراجعته. # ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي من يتوكل على ما شرعه، ويفوض أمره إلى ما ~~جعله المخرج، لأنه لا دواء أنجع منه إن الله بالغ أمره قرئ بالإضافة، أي ~~يبلغ ما أراد من أمره، فمن تيقن فوض أمره إليه، وعول عليه. وقرئ إن الله ~~بالغ أمره أي تام وكامل أمره وحكمه وشرعه، لما فيه من الحكم والرحمة قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا أي حدا وتقديرا، حسبما تقتضيه الحكمة. ومنه تقديره ما ~~قدر في أمر الطلاق، مما بينه في شأنه وتوقيته، معرفة المخرج منه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية # 4] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم أي أشكل عليكم حكمهن، أو ~~شككتم في الدم الذي يظهر منهن لكبرهن، أمن الحيض أو هو من الاستحاضة؟ # فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن أي من الجواري لصغرهن إذا طلقهن ~~أزواجهن PageV09P257 # بعد الدخول، فعدتهن ثلاثة أشهر. فحذف لدلالة المذكور عليه وأولات الأحمال ~~أجلهن في انقضاء عددهن أن يضعن حملهن أي ما في بطنهن. والآية عامة في ~~المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن. # ويروى عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الآية خاصة في المطلقات. # وأما المتوفى عنها فعدتها آخر الأجلين. # قال ابن جرير: والصواب أنه عام في جميع أولات الأحمال، لأنه تعالى عم ~~القول بذلك، ولم يخصص الخبر عن مطلقة دون متوفى عنها. # فإن قيل: إن سياق الخبر في أحكام المطلقات. يجاب: بأن نظمها خبر مبتدأ عن ~~أحكام عدد جميع أولات الأحمال، المطلقات وغير المطلقات. # وفي الصحيحين «1» عن أم سلمة أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها ~~بأربعين ليلة فخطبت، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، # وكان أبو السنابل فيمن خطبها. # ومن ms4476 يتق الله أي فلم يخالف إذنه في طلاق امرأته يجعل له من أمره يسرا وهو ~~تسهيل الرجعة ما دامت في عدتها، والقدرة على خطبتها، إن انقضت ودعته نفسه ~~إليها بسبب التقوى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 5] # ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~(5) # ذلك أي ما ذكر من حكم الطلاق والرجعة والعدة أمر الله أنزله إليكم أي ~~لتأتمروا له وتعملوا به. ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا أي ~~بالمضاعفة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 6] # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم أي من سعتكم التي تجدون، PageV09P258 # وطاقتكم ومقدرتكم ولا تضآروهن أي لا تستعملوا معهن الضرار لتضيقوا عليهن ~~أي في المسكن ببعض الأسباب، من إنزال من لا يوافقهن، أو بشغل مكانهن، أو ~~غير ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج أو الافتداء. ### | ### | تنبيه: # # قال في (الإكليل) : في الآية وجوب السكنى للمطلقات كلهن، وللبوائن، لتقدم ~~سكنى الرجعيات، ولقوله بعده وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن فإنه خاص ~~بالبوائن. وفيه أن الإسكان يعتبر بحال الزوج، وتحريم المضارة بها، وإلجائها ~~إلى الخروج. وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن قال ابن جرير ~~أي وإن كان نساؤكم المطلقات أولات حمل، وكن بائنات منكم، فأنفقوا عليهن في ~~عدتهن منكم حتى يضعن حملهن. # فعن ابن عباس في الآية قال: هذه المرأة يطلقها زوجها، فيبت طلاقها وهي ~~حامل، فيأمره الله أن يسكنها، وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت فحتى تفطم، ~~وإن أبان طلاقها، وليس بها حبل، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها، ولا نفقة. # وكذلك المرأة يموت عنها زوجها فإن كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ذي ~~بطنها إذا كان ميراث، وإن لم يكن ميراث أنفق عليها الوارث حتى تضع وتفطم ms4477 ~~ولدها، كما قال الله عز وجل: وعلى الوارث مثل ذلك [البقرة: 233] . فإن لم ~~تكن حاملا فإن نفقتها كانت من مالها. # ثم قال ابن جرير: وقال آخرون عنى بقوله: وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ~~حتى يضعن حملهن كل مطلقة، ملك زوجها رجعتها أو لم يملك. وممن قال ذلك عمر ~~بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما. # فعن إبراهيم قال: كان عمر وعبد الله يجعلان للمطلقة ثلاثا، السكنى ~~والنفقة والمتعة. وكان عمر إذا ذكر عنده حديث فاطمة بنت قيس، أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في غير بيت زوجها. # قال: ما كنا لنجيز في ديننا شهادة امرأة. # ثم قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا ~~أن تكون حاملا، لأن الله جل ثناؤه جعل النفقة بقوله: وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن للحوامل دون غيرهن من البائنات من أزواجهن، ولو كان البوائن ~~من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهن من النفقة على أزواجهن سواء، لم يكن ~~لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هن وغيرهن في ذلك ~~سواء. # PageV09P259 # وفي خصوصهن بالذكر دون غيرهن أدل الدليل على أن لا نفقة لبائن، إلا أن ~~تكون حاملا، وبالذي قلنا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: حدثتني فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس. أن ~~أبا عمرو المخزومي طلقها ثلاثا، فأمر لها بنفقة فاستقلتها. وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن. فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني ~~مخزوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند ميمونة، فقال: يا رسول ~~الله! إن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ليس لها نفقة، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن انتقلي إلى بيت أم شريك، وأرسل إليها أن لا تسبقيني بنفسك. ثم أرسل ~~إليها أن أم ms4478 شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانتقلي إلى ابن مكتوم، فإنك ~~إذا وضعت خمارك لم يرك. فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. # انتهى. # وقال الناصر في (الانتصاف) : لا يخفى على المتأمل لهذه الآي أن المبتوتة ~~غير الحامل، لا نفقة لها، لأن الآي سيقت لبيان الواجب، فأوجب السكنى لكل ~~معتدة تقدم ذكرها، ولم يوجب سواها. ثم استثنى الحوامل فخصهن بإيجاب النفقة ~~لهن حتى يضعن حملهن، وليس بعد هذا البيان بيان. والقول بعد ذلك بوجوب ~~النفقة لكل معتدة مبتوتة، حاملا أو غير حامل، لا يخفى منافرته لنظم الآية. # والزمخشري نصر مذهب أبي حنيفة فقال: فائدة تخصيص الحوامل بالذكر أن الحمل ~~ربما طال أمده، فيتوهم متوهم أن النفقة لا تجب بطوله فحصت بالذكر تنبيها ~~على قطع هذا الوهم. وغرض الزمخشري بذلك أن يحمل التخصيص على هذه الفائدة ~~كيلا يكون له مفهوم في إسقاط النفقة لغير الحوامل، لأن أبا حنيفة يسوي بين ~~الجميع في وجوب النفقة. انتهى. # وفي (الإكليل) : في الآية وجوب الإنفاق على البائن الحامل حتى تنقضي ~~عدتها. ومفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها. واستدل بعموم الآية من أوجبها ~~للحامل المتوفى عنها. انتهى. # فإن أرضعن لكم يعني: نساءكم البوائن منكم فآتوهن أجورهن أي: على رضاعهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف أي ليقبل بعضكم من بعض ما أمر به من معروف، يعني: ~~المجاملة والمسامحة في الإرضاع والأجر. والخطاب للآباء والأمهات. # PageV09P260 ### | ### | تنبيه: # # في (الإكليل) : فيها أن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجرة مثل، وجب على الأب ~~دفعها إليها، وليس له أن يسترضع غيرها. وفيه دليل على أن الأم أولى ~~بالحضانة. # قال إلكيا: وفيه دلالة على أن الأجرة إما تستحق بالفراغ من العمل. انتهى. # وفي قوله: بمعروف طلب أن لا يماكس الأب، ولا تعاسر الأم، لأنه ولدهما ~~معا، وهما شريكان فيه، وفي وجوب الإشفاق عليهن. قال الزمخشري-. # وإن تعاسرتم أي ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في الأجرة، أو طلب الزيادة ~~ونحوه، فسترضع له أخرى قال ابن جرير: أي فلا سبيل له عليها، وليس له ~~إكراهها ms4479 على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعة غير أمه البائنة منه. # وقال الزمخشري: أي فستوجد، ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه. وفيه طرف من ~~معاتبة الأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها ~~غيرك. تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم. انتهى. # قال الناصر: وخص الأم بالمعاتبة، لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها، ~~وهو غير متمول ولا مضنون به في العرف، وخصوصا في الأم على الولد، ولا كذلك ~~المبذول من جهة الأب، فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذا، أجدى باللوم، ~~وأحق بالعتب. انتهى. # وفيه أيضا إشارة إلى معاتبة الأب أيضا، كما حققه بعضهم، وذلك أن الأب لما ~~أسقط عن درجة الخطاب، وبين أن معاسرته لا تجدي، إذ لا بد مرضعة أخرى بأجر، ~~وهذه أشفق منها، كان في حكم المعاتب المذكور في الجواب. وبه يندفع ما يقال: ~~إن المعاسرة فعل الأب والأم، فكيف يخص الأم بالذكر في الجزاء. وحاصله أنهما ~~مذكوران فيه، إلا أن الأم مصرح بها، والأب مرموز إليه. وتقدير ابن جرير ~~يشير إليه أيضا. # تنبيه: # في (الإكليل) : تدل على أن الأم لا تجبر على الرضاع حيث وجد غيرها، وقبل ~~الصبي ثديها، وإلا أجبرت عليه. # قال ابن العربي: والآية أصل في وجوب نفقة الولد على الأب، خلافا لمن ~~أوجبها عليهما معا. # PageV09P261 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية # 7] # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) # لينفق ذو سعة من سعته أي من سعة ماله وغناه على امرأته البائنة في أجر ~~رضاع ولده منها، وعلى ولده الصغير ومن قدر عليه رزقه أي ضيق عليه فلينفق ~~مما آتاه الله أي على قدر ماله وطاقته لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~يعني: وسعها وطاقتها، فلا يكلف الفقير نفقة الغني، ولا أحدا إلا فرضه الذي ~~وجب عليه سيجعل الله بعد عسر يسرا أي سيؤتي المقل بعد ضيق فرجا، وبعد فقر ms4480 ~~غنى، تسلية للمعسرين من فقراء الأزواج، وتصبير لمطلقاتهن، وتطييب لقلوب ~~الجميع، وتبشر عام. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : فيه أن النفقة يراعى فيها حال المنفق يسارا وإعسارا، وإن ~~نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر، لا حال المنفق عليه، واستدل بقوله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها من قال: لا فسخ بالعجز عن الإنفاق على الزوجة. وفي ~~الآية استحباب مراعاة الإنسان نفسه في النفقة والصدقة. ففي الحديث: إن ~~المؤمن أخذ عن الله أدبا حسنا: إذا هو وسع عليه وسع، وإذا هو قتر عليه قتر. # روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب سأل عن أبي عبيدة فقيل له: إنه يلبس ~~الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: # انظر ماذا يصنع إذا هو أخذها، فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب ~~الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال رحمه الله: تأول هذه الآية لينفق ذو سعة ~~من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. # ثم حذر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده فيما شرعه، عناية بما مر من الأحكام، ~~بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 9] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) # PageV09P262 # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها أي أعرضت عنه على وجه العتو والعناد، ~~ورسله أي وعن أمر رسله كذلك فحاسبناها حسابا شديدا أي على ما قدمت، فلم ~~نغادر لها منه شيئا وعذبناها عذابا نكرا أي منكرا فذاقت وبال أمرها أي ~~عاقبة ما اكتسبت وجزاءه وكان عاقبة أمرها خسرا قال ابن جرير: أي غبنا، ~~لأنهم باعوا نعيم الآخرة بخسيس من الدنيا قليل، وآثروا اتباع أهوائهم على ~~اتباع أمر الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 10] # أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا (10) # أعد الله لهم عذابا شديدا يعني عذاب النار المعد في القيامة فاتقوا الله ms4481 ~~أي خافوه واحذروا بطشه بأداء فرائضه. واجتناب معاصيه يا أولي الألباب أي ~~العقول الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسله. نعت للمنادى، أو عطف بيان له قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 11] # رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) # رسولا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وجعله نفس الذكر مبالغة، لذلك أبدل ~~منه يتلوا عليكم آيات الله مبينات أي لمن سمعها وتدبرها أنها حق من عند ~~الله ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور أي من الضلال ~~إلى الهدى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا أي طيبه، وفيه تعجيب له وتعظيم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطلاق (65) : آية 12] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن أي: المعبود المستحق للعبادة، ~~من هذا خلقه. لا ما يشرك معه. وهاهنا. # PageV09P263 ### | لطائف: # الأولى- قال الزمخشري: قيل ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا ~~هذه. انتهى. # قال بعض علماء الفلك: أما كون الأرضين سبعا كالسماوات، فهو أمر نجهله ولا ~~نفهمه إلا إذا أريد به أن للأرض سبع طبقات، قال: والحق يقال أن كون الأرضين ~~سبعا، هو كما يظهر لنا وهم من أوهام القدماء، ولذلك لم يرد في القرآن ~~الشريف لفظ الأرض مجموعا- أي أرضين- ولم يرد فيه مطلقا أن الأرضين سبع، مع ~~أنه ذكر أن السماوات سبع، مرارا عديدة وفي كل مرة يذكر معها الأرض ~~بالافراد. نعم! ورد فيه قوله تعالى: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن وهي الآية الوحيدة التي فهموا ~~منها أن الأرضين سبع. وهي كما ms4482 لا يخفى لا تفيد ذلك مطلقا. # قال: ولنا في تفسيرها وجهان: # أما أن تكون من في قوله تعالى: ومن الأرض زائدة، وإما أن تكون غير زائدة. # أما على الوجه الأول: فتقدير الآية هكذا: الله الذي خلق سبع سماوات ~~والأرض خلقها مثلهن. وعلى تفسيرنا هذا تكون هذه الآية دالة على أن الأرض ~~خلقت كباقي الكواكب السيارة من كل وجه. أي: أنها إحدى السيارات، وهو أمر ما ~~كان معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان يخطر ببال أحد من ~~العرب، وذلك من دلائل صدق القرآن. والأرض مثل السيارات الأخرى في المادة، ~~وكيفية خلقها، وكونها تسير حول الشمس، وتستمد النور والحرارة منها، وكونها ~~مسكونة بحيوانات كالكواكب الأخرى، وكونها كروية الشكل، فالسيارات أو ~~السماوات هي متماثلة من جميع الوجوه، وكلها مخلوقة من مادة واحدة. وهي مادة ~~الشمس، وعلى طريقة واحدة، قال الله تعالى: أولم ير الذين كفروا أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا [الأنبياء: 30] . أي شيئا واحدا ففتقناهما أي فصلنا ~~بعضهما عن بعض، فالأرض خلقها الله تعالى مثل السموات تماما. # وأما على الوجه الثاني: وهو أن من غير زائدة، فتقدير الآية هكذا: الله ~~الذي خلق سبع سماوات وخلق من الأرض أرضا مثلهن، فالآية واردة على طريقة # PageV09P264 # التجريد، كقولك: اتخذت لي سبعة أصدقاء، ولي من فلان صديق مثلهم. أي مثلهم ~~في الصداقة. أو التقدير: وبعض الأرض مثلهن في مادتها وعناصرها. وعليه، فليس ~~في القرآن الشريف أدنى دليل على أن الأرضين سبع كما يزعمون. انتهى. # الثانية- ذكر ابن الأثير في (المثل السائر) في النوع السادس، في اختلاف ~~صيغ الألفاظ واتفاقها وتفاوتها في الحسن فيه، ما مثاله: # وفي صدد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا، ولم يرد مجموعا، كلفظة ~~الأرض، فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة. فإذا ذكرت السماء مجموعة. جيء ~~بها مفردة معها في كل موضع من القرآن. ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: ~~ومن الأرض مثلهن في قوله تعالى: الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن. # انتهى. # الثالثة- قرئ مثلهن بالنصب، ms4483 عطفا على (سبع) وبالرفع على الابتداء، وخبره ~~من الأرض. # يتنزل الأمر بينهن أي يجري أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن. # وقوله: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ~~علة ل (خلق) أو ل (يتنزل) أو لمضمر يعمهما، كفعل ما فعل لتعلموا ... إلخ، ~~فإن كلا منها يدل على كمال قدرته وعلمه. # قال ابن جرير: أي فخافوا أيها الناس المخالفون أمر ربكم، عقوبته، فإنه لا ~~يمنعه من عقوبتكم مانع. وهو على ذلك قادر ومحيط أيضا بأعمالكم، فلا يخفى ~~عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها، يوم تجزى كل نفس ما كسبت. # PageV09P265 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة التحريم # مدنية، وآيها اثنتا عشرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم. # قال المهايمي: ناداه ليقبل إليه بالكلية، ويدبر عن كل ما سواه من الأزواج ~~وغيرهن. # وعبر عنه بالمبهم إشعارا منه بأنه من غاية عظمته، بحيث لا يعلم كنهه. ~~وأتى بلفظ النبي إشعارا بأنه الذي نبي بأسرار التحليل والتحريم الإلهي. ~~والمراد بتحريمه ما أحل له، امتناعه منه، وحظره إياه على نفسه. وهذا ~~المقدار مباح، ليس في ارتكابه جناح. وإنما قيل له لم تحرم ما أحل الله لك ~~رفقا به، وشفقة عليه، وتنويها لقدره ولمنصبه صلى الله عليه وسلم، أن يراعي ~~مرضاة أزواجه بما يشق عليه، جريا على ما ألف من لطف الله تعالى نبيه، ورفعه ~~عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه، ومن أجله خلقوا، ليظهر الله ~~كمال نبوته، بظهور نقصانهم عنه- كما أفاده الناصر-. ### | تنبيهان: # الأول- للأثريين في هذا الذي حرمه، صلوات الله عليه، على نفسه، روايات. # فروى البخاري ومسلم «1» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش، ms4484 ويمكث عندها، فتواطأت أنا ~~وحفصة أن أيتنا دخل عليها فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ ~~فدخل على إحداهما PageV09P266 # فقالت ذلك له فقال: بل شربت عسلا عند زينب ابنة جحش، فلن أعود له، وقد ~~حلفت! لا تخبري بذلك أحدا، فنزلت الآية. # وروى الشيخان «1» أيضا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب ~~الحلواء والعسل، وكان إذا صلى العصر دار على نسائه، فيدنو من كل واحدة ~~منهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ~~ذلك، فقيل لي: أهدت إليها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منه شربة، فقلت: والله لنحتالن له! فذكرت ذلك لسودة، وقلت لها: ~~إذا دخل عليك، ودنا منك، فقولي له: يا رسول الله! أكلت مغافير؟ فإنه سيقول ~~لك: لا! فقولي له: وما هذه الريح؟ وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يوجد ~~منه الريح الكريه! فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: أكلت ~~نحله العرفط، حتى صار فيه- أي في العسل- ذلك الريح الكريه. وإذا دخل علي ~~فسأقول له ذلك. وقولي أنت يا صفية ذلك. فلما دخل على سودة قالت له مثل ما ~~علمتها عائشة، وأجابها بما تقدم. فلما دخل على صفية، قالت له مثل ذلك. فلما ~~دخل على عائشة قالت له مثل ذلك. فلما كان اليوم الآخر ودخل على حفصة قالت ~~له: يا رسول الله! ألا أسقيك منه؟ قال. لا حاجة لي به؟ قالت: إن سودة تقول: ~~سبحان الله، لقد حرمناه منه، فقلت لها: اسكتي؟ # و (المغافير) صمغ حلو له رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له (العرفط) بضم ~~العين المهملة والفاء. # وفي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة، وفي سابقتها أنها زينب. # والاشتباه في الاسم لا يضر، بعد ثبوت أصل القصة. # وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين، وكانتا زوجتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبي ~~صلى الله ms4485 عليه وسلم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي ~~يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت ~~غيرة شديدة، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاريته، ودخلت حفصة، ~~فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني! فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: والله لأرضينك، فإني مسر إليك سرا فاحفظيه! قالت: ما هو؟ قال: إني ~~أشهدك أن سريتي هذه علي حرام، رضا لك. وكانت حفصة وعائشة PageV09P267 # تظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم. فانطلقت حفصة إلى عائشة. ~~فأسرت إليها أن أبشري، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته. ~~فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم، أظهر الله عز وجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله على رسوله لما تظاهرتا عليه: يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك ... الآيات. # وروي أيضا عن الضحاك قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة ~~يغشاها، فبصرت به حفصة، وكان اليوم يوم عائشة، وكانتا متظاهرتين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اكتمي علي، ولا تذكري لعائشة ما رأيت، فذكرت حفصة ~~لعائشة، فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا ~~يقربها أبدا، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يكفر يمينه ويأتي جاريته. # وروى النسائي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم ~~تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله هذه الآية. # ولم يرجح ابن جرير أحد السببين المرويين في نزولها على الآخر، بل وقف على ~~إجمال الآية، على عادته في أمثالها، ولذا قال: الصواب أن يقال: كان الذي ~~حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئا كان الله قد أحله له، وجائز ~~أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون شرابا من الأشربة، وجائز أن يكون ~~غير ذلك، غير أنه، أي ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالا، فعاتبه ~~الله على تحريمه على ms4486 نفسه كما كان له قد أحله، وبين له تحلة يمينه. انتهى. # والذي يظهر لي، هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها، وذلك ~~لوجوه: # منها- أن مثله يبتغي به مرضاة الضرات، ويهتم به لهن. # ومنها- أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه ابتغاء مرضاتهن، بل فيه ~~أنه حلف لا يشربه أنفة من ريحه. ثم رغب إلى عائشة أن لا تحدث صاحبته به ~~شفقة عليها. إلا أن يكن عاتبنه في ذلك، ولم يحتمل لطف مزاجه الكريم ذلك، ~~فحرمه. # ولكن ليس في الرواية ما يشعر به. وما زاد على ذلك فمن اجتهاد الرواة. # ومنها- أن الاهتمام بإنزال سورة على حدة، لتقريع أزواجه صلى الله عليه ~~وسلم وتأديبهن في المظاهرة عليه، وإيعادهن على الإصرار على ذلك، بالاستبدال ~~بهن، وإعلامهن برفعة مقامه، وأن ظهراءه مولاه وجبريل والملائكة والمؤمنون، ~~كل ذلك يدل على أن أمرا عظيما دفعهن إلى تحريمه ما حرم وما هو إلا الغيرة ~~من مثل ما روي في شأن الجارية، # PageV09P268 # فإن الأزواج يحرصن أشد الحرص على ما يقطع وصلة الضرة الضعيفة ويبترها من ~~عضو الزوجية. هذا ما ظهر لي الآن. # وأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد ~~منه أن الآية تشمل قصته بعمومها، على ما عرف من عادة السلف في قولهم: نزلت ~~في كذا، كما نبهنا عليه مرارا. وكأنه عليه السلام كان حرم ذلك الشراب، ثم ~~أخبر الرواة بأن مثله فرضت فيه التحلة، فلا مانع من العود إلى شربه- والله ~~أعلم-. # الثاني- في (الإكليل) : استدل بها على أن من حرم على نفسه أمة أو طعاما ~~أو زوجة، لم تحرم عليه، وتلزمه كفارة يمين. # وروى البخاري «1» عن ابن عباس قال: في الحرام يكفر. لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة. # وذهب ابن جرير إلى أنه كان مع التحريم يمين، ورد كون التحريم بمجرده ~~يمينا، وفيه نظر، لأن اليمن في عرفهم أعم من القسم بالله، كما ذهب إليه ابن ~~عباس والحسن وقتادة وابن جبير وغيرهم. # قال قتادة: إن النبي صلى الله ms4487 عليه وسلم حرمها، يعني جاريته، فكانت ~~يمينا- رواه ابن جرير # - وسيأتي ما يؤيده. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية # 2] # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم أي: شرع تحليلها- وهو حل ما عقدته- ~~بالكفارة،. والتحلة، مصدر بمعنى التحليل. والله مولاكم أي: متولي أموركم ~~وهو العليم أي بمصالحكم الحكيم أي: في تدبيره إياكم بما شرعه وحكم به. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن قدامة في (الروضة) . دلت الآية على أن حكم خطابه صلى الله ~~عليه وسلم لا يختص به، لأنه لما عاتبه في تحريم ما أحل له قال عقيبه: قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم وابتدأ الخطاب بمناداته وحده، ثم تممه بلفظ ~~الجمع بقوله: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء. والمسألة طويلة الذيل في ~~الأصول. PageV09P269 # الثاني- قال تقي الدين ابن تيمية: التحلة مصدر حللت الشيء تحليلا وتحلة، ~~كما يقال: كرمته تكريما وتكرمه، وهذا المصدر يسمى به المحلل نفسه، الذي هو ~~الكفارة فإن أريد المصدر، فالمعنى: فرض الله لكم تحليل اليمين، وهو حلها ~~الذي هو خلاف العقد. # ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز، بهذه الآية ~~على التكفير قبل الحنث، لأن التحلة لا تكون بعد الحنث، فإنه بالحنث ينحل ~~اليمين، وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لينحل اليمين، وإنا هي بعد ~~الحنث كفارة، لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله. فإذا ~~تبين أن ما اقتضت اليمين وجوب الوفاء بها، رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة ~~التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار. # الثالث- شمل قوله تعالى: أيمانكم تحريم الحلال المذكور قبل، وهو الزوجة، ~~لدخوله فيه دخولا أوليا، بل كل يمين. # قال تقي الدين ابن تيمية في فتاويه: قوله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون، أن الله قد فرض لها تحلة. # وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة، بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي ~~صلى ms4488 الله عليه وسلم، مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى: فلو فرض ~~يمين واحدة ليس لها تحلة، لكان مخالفا للآية. كيف وهذا عام لم تخص فيه صورة ~~واحدة، لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عموما معنويا، مع عمومه اللفظي؟ فإن ~~اليمين معقود يوجب منع المكلف من الفعل، فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما ~~فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق، أكثر منه ~~في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب: فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن ~~النفس، أو ليقطعن رحمه، أو ليمنعن الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها، فإنه ~~يجعل الطلاق عرضة ليمينه، أن يبر ويصلح بين الناس، أكثر مما يجعل الله ~~عرضة، ثم إن وفي بيمينه، كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع ~~المسلمون على تحريم الدخول فيه. وإن طلق امرأته، ففي الطلاق أيضا من ضرر ~~الدين والدنيا ما لا خفاء به. وأيضا فإنه تعالى قال: لم تحرم ما أحل الله ~~لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم وذلك يقتضي أنه ما من تحريم لما أحل ~~الله، إلا والله غفور لفاعله، رحيم به، وأنه لا علة تقتضي ثبوت ذلك ~~التحريم. لأن قوله لأي شيء استفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير، لا ~~سبب لتحريمك ما أحل الله لك، والله غفور رحيم، فلو كان الحالف # PageV09P270 # بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له، لكان هنا سبب ~~يقتضي تحريم الحلال، ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل. # ومما يوضح عمومه أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم # حديث «1» : من حلف فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، فأدخلوا ~~فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله # . وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهما في مسألة نذر ~~اللجاج والغضب. فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية، وجعلوا قوله تحلة ~~أيمانكم كفارة أيمانكم عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر. # ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما، ms4489 سواء. # فإذا قيل: المراد بالآية اليمين بالله فقط، فإن هذا هو المفهوم من مطلق ~~اليمين، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله: عقدتم ~~الأيمان [المائدة: 89] ، وتحلة أيمانكم منصرفا إلى اليمين المعهودة عليهم، ~~وهي اليمين بالله، وحينئذ فلا يعلم من اللفظ إلا المعروف عندهم، والحلف ~~بالطلاق ونحوه لم يكن معروفا عندهم. ولو كان اللفظ عاما، فقد علمنا أنه لم ~~يدخل فيه اليمين التي ليست مشروعة، كاليمين بالمخلوقات، فلا يدخل الحلف ~~بالطلاق ونحوه، لأنه ليس من اليمين المشروعة # لقوله «2» : (من كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت) # وهذا سؤال من يقول: كل يمين غير مشروعة، فلا كفارة لها ولا حنث. # فيقال: لفظ اليمين شمل هذا كله، بدليل استعمال النبي صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله. # كقوله صلى الله عليه وسلم: النذر حلف # . وقوله الصحابة لمن حلف بالهدي بالعتق: كفر يمينك. وكذلك فهمه الصحابة ~~من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # ولإدخال العلماء ذلك في # قوله صلى الله عليه وسلم «3» : من حلف فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل، ~~وإن شاء ترك # . ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال: لم تحرم ما أحل الله لك ثم ~~قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فاقتضى هذا أن نفس تحريم الحلال يمين، ~~كما استدل به ابن عباس. PageV09P271 # وسبب نزول الآية إما تحريمه العسل، وإما تحريمه مارية القبطية. وعلى ~~التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية، وليس يمينا بالله، لهذا أفتى ~~جمهور الصحابة، كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم. # أن تحريم الحلال يمين مكفرة، إما كفارة كبرى كالظهار، وإما كفارة صغرى ~~كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا. # وأيضا فإن قوله: لم تحرم ما أحل الله لك. إما أن يراد به لم تحرم بلفظ ~~الحرام. وإما لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها. وإما لم تحرمه مطلقا، ~~فإن أريد الأول والثالث، فقد ثبت تحريمه بغير الحلف بالله تعالى، ثم فيعم، ~~وإن أريد به ms4490 تحريمه بالحلف بالله، فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال. ~~ومعلوم أن اليمين بالله لم يوجب الحرمة الشرعية. لكن لما أوجبت امتناع ~~الحالف من الفعل، فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا، لا شرعيا. فكل يوجب ~~امتناعه من الفعل، فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في قوة قوله: لم تحرم ما أحل ~~الله لك وحينئذ فقوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم لا بد أن يعم كل يمين ~~حرمت الحلال، لأن هذا حكم ذلك الفعل، فلا بد أن يطابق صوره، لأن تحريم ~~الحلال هو سبب قوله: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما، ~~لئلا يكون جوابا عن البعض دون البعض، مع قيام السبب المقتضي للتعميم. # وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) الذين أوجبوا كفارة اليمين ~~بالتحريم أسعد بالنص من الذين أسقطوها. فإن الله سبحانه ذكر تحلة الأيمان ~~عقيب قوله: # لم تحرم ما أحل الله لك. وهذا صريح في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة ~~الأيمان، إما مختصا به، وإما شاملا له ولغيره، فلا يجوز أن يخلي سبب ~~الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة، ويتعلق بغيره، وهذا ظاهر ~~الامتناع. # وأيضا فإن المنع من فعله بالتحريم، كالمنع منه باليمين، بل أقوى. فإن ~~اليمين، إن تضمن هتك حرمة اسمه سبحانه، فالتحريم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره، ~~فإنه إذا شرع حلالا فحرمه المكلف، كان تحريمه هتكا لحرمة ما شرعه. # ونحن نقول: لم يتضمن الحنث في اليمين هتك حرمة الاسم، ولا التحريم هتك ~~حرمة الشرع، كما يقوله من يقوله من الفقهاء، وهو تعليل فاسد جدا، فإن الحنث ~~إما جائز، وإما واجب، أو مستحب. وما جوز الله لأحد البتة أن يهتك حرمة ~~اسمه، وقد شرع لعباده الحنث مع الكفارة. # PageV09P272 # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم «1» أنه إذا حلف على يمين، ورأى غيرها ~~خيرا منها كفر عن يمينه، وأتى المحلوف عليه. ومعلوم أن هتك حرمة اسمه تبارك ~~وتعالى، لم يبح في شريعة قط، وإنما الكفارة كما سماها الله تعالى، ms4491 تحلة. ~~وهي تفعلة من (الحل) ، فهي تحل ما عقد به اليمين ليس إلا. وهذا العقد، كما ~~يكون باليمين، يكون بالتحريم. وظهر سر قوله تعالى: قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم، عقيب قوله: # لم تحرم ما أحل الله لك. # وقال رحمه الله فيه، قبل: أما من قال إنه يمين مكفرة بكل حال، فمأخذ قوله ~~أن تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين يكفر بالنص والمعنى وآثار ~~الصحابة، فإن الله سبحانه قال: يا أيها النبي لم تحرم ... الآية. ولا بد أن ~~يكون تحريم الحلال داخلا تحت هذا الفرض، لأنه سببه، وتخصيص محل السبب من ~~جملة العام، ممتنع قطعا، إذ هو المقصود بالبيان أولا، فلو خص لخلا سبب ~~الحكم عن البيان، وهو ممتنع. وهذا استدلال في غاية القوة. فسألت عنه شيخ ~~الإسلام رحمه الله تعالى فقال: نعم! التحريم يمين كبرى في الزوجة، كفارتها ~~كفارة الظهار، ويمين صغرى فيما عداها، كفارتها كفارة اليمين بالله. قال ~~وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم: إن التحريم يمين يكفر. # وقال رحمه الله في (أعلام الموقعين) : لا يجوز أن يفرق بين المسلم وبين ~~امرأته بغير لفظ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارة يمين حرمه لشدة ~~اليمين، إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد، ولا هي من لغو اليمين، وهي ~~يمين منعقدة، ففيها كفارة يمين. # ثم قال في المذهب الثالث عشر: إنه يمين يكفره ما كفر اليمين على كل حال. ~~صح ذلك أيضا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ~~ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن ~~والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع ~~والأوزاعي وأبي ثور، وخلق سواهم رضي الله عنهم. وحجة هذا القول. # ظاهر القرآن، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا ~~بد أن PageV09P273 # يتناوله يقينا، فلا يجوز جعل تحلة الأيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج ~~المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها ms4492 لأجله. # وقال في (زاد المعاد) : لا فرق بين التحريم (في غير الزوجة) بين الأمة ~~وغيرها عند الجمهور، إلا الشافعي وحده، فإنه أوجب في تحريم الأمة خاصة، ~~كفارة اليمين، إذ التحريم له تأثير في الأبضاع عنده، دون غيرها: وأيضا فإن ~~سبب نزول الآية تحريم الجارية، فلا يخرج محل السبب عن الحكم، ويتعلق بغيره. ~~ومنازعوه يقولون: النص علق فرض تحلة اليمين بتحريم الحلال، وهو أعم من ~~تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفار حيث وجد سببها. وقد تقدم تحريره. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية # 3] # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) # وإذ أسر النبي يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إلى بعض أزواجه هي حفصة في ~~قول الرواة: ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والشعبي ~~والضحاك- كما نقله ابن جرير- حديثا وهو تحريم فتاته في قولهم. قال ابن ~~جرير: أو ما حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له، وقوله: لا ~~تذكري ذلك لأحد. # فلما نبأت به أي أخبرت بالسر، صاحبتها كما تقدم، وأظهره الله عليه أي ~~أطلعه على تحديثها به، عرف بعضه أي عرفها بعض ما أفشته معاتبا وأعرض عن بعض ~~أي بعض الحديث تكرما، فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير أي الذي لا تخفى عليه خافية. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في الآية أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه ~~من زوجة أو صديق، وأنه يلزمه كتمانه. وفيها حسن المعاشرة مع الزوجات، ~~والتلطف في العتب، والإعراض عن استقصاء الذنب. # وحكى الزمخشري عن سفيان قال: ما زال التغافل من فعل الكرام. # ثم أشار تعالى إلى غضبه لنبيه، صلوات الله عليه، مما أتت به من إفشاء ~~السر إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب ~~التوبة منه، بقوله سبحانه: # PageV09P274 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: ms4493 [سورة التحريم (66) : آية # 4] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي إلى الحق. وهو ما وجب من مجانبة ما ~~يسخط رسوله. وقد صح عن ابن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن ~~المتظاهرتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عائشة وحفصة. # وفي خطابهما، على الالتفات من الغيب إلى الخطاب، مبالغة، فإن المبالغ في ~~العتاب يصير المعاتب مصرودا بعيدا عن ساحة الحضور. ثم إذا اشتد غضبه توجه ~~إليه وعاتبه بما يريد. وإن تظاهرا عليه أي تتظاهرا وتتفقا على ما يسوؤه، ~~فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير أي ~~متظاهرون على من أراد مساءته، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء ~~ظهراؤه؟ ولما كانت الملائكة أعظم المخلوقات وأكثرهم، ختم الظهراء بهم ليكون ~~أفخم في التنويه بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إذ هي ~~هنا بمثابة جيش جرار، يملأ القفار، يتأثر أميره وقائده، ليحمل على عدوه ~~ومناوئه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية 5] # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات أي خاضعات لله ~~بالطاعة مؤمنات أي مصدقات بالله ورسوله قانتات أي مطيعات لما يؤمرن به ~~تائبات أي من الذنوب لا يصررن عليها عابدات أي متعبدات لله، كأن العبادة ~~امتزجت بقلوبهن، حتى صارت ملكة لهن سائحات قيل: معناه صائمات- وسننبه على ~~ما فيه- ثيبات وأبكارا. # اعلم أن في توصيف المبدلات بهذه الصفات، تعريضا بوجوب اتصاف الأزواج بها، ~~لا سيما أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ### | تنبيه: # ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد من (سائحات) صائمات أو مهاجرات. # وقد قدمنا في سورة التوبة في تفسير (السائحون) أن الحق فيه هو المعنى ~~الحقيقي، # PageV09P275 # لعدم ما يمنع منه، ولا يصار إلى المجاز إلا ms4494 لمانع. ولذا قال بعض ~~المحققين: إنه يستفاد من هذه الآية مشروعية السياحة للنساء، كما هي كذلك ~~للرجال، فمعنى قوله تعالى سائحات مسافرات، سواء كان السفر لهجرة أو اطلاع ~~على آثار الأمم البائدة. وقد خصصت السنة عموم سفرهن بكونه مع زوج أو محرم ~~لهن، حفظا لهن. # ثم قال: كأن الذي دعا البعض لتفسير (السائحات) بالصائمات، أو بخصوص ~~المهاجرات، تصوره أن السياحة في البلاد لا تناسب طبيعة النساء المأمورات ~~بالحجاب، وكأنه يفهم من الحجاب أنه الحبس المؤبد، أو كأن الهواء نعمة ~~مخصوصة بغير النساء، أو كأنهن لم يخلقن إلا لسجون البيوت التي ربما تكون ~~أنكى من أعمق سجون الجناة، أو كأنهن لم يخلق لهن من هذه الدنيا الرحيبة سوى ~~بيت واحد؟! وأما قوله تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا [البقرة: 29] ، ~~فكأنه مخصوص بالرجل، أو كأن الآيات الآمرة بالسير للنظر والعبرة والإحاطة ~~والخبرة، نازلة من السماء ليس للأمة جميعا، بل للنصف منها، وهو الرجال. ~~وحاشا أن يكون ذلك! أين هديه صلى الله عليه وسلم في سفره مع أزواجه؟ فقد ~~كان يقرع بينهن، فأيتهن خرجت قرعتها خرج بها، وسافرت معه. وقد صار ذلك ~~شريعة معمولا بها في الدين. وهكذا صح «1» أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~بصفية أردفها خلفه وهو مع الركب. # وبالجملة فالسياحة في القرآن الكريم ليست ترمي إلى غاية واحدة، بل إلى ~~عدة غايات وفوائد: # أولا- إدراك المعقولات، والإحاطة بعظات المسموعات، كما نتعلمه من آية ~~أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] . # ثانيا- الوقوف على أحوال الأمم البائدة، وما لهم من جليل الآثار الداعية ~~للاعتبار، كما نتعلمه من قول الكتاب الحكيم: أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في ~~الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق [غافر: 21] ، وقوله: ~~PageV09P276 # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا ms4495 أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات، ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [الروم: 9] . # ثالثا- البحث والتنقيب في أنحاء المسكونة بالنظر في الكون، وفي الفنون، ~~للوصول إلى معرفة مبدع هذا العالم تعالى، كما يحثنا الكتاب الكريم على تسنم ~~هذا المرتقى العالي بقوله: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ~~[العنكبوت: # 20] . # رابعا- الحصول على ربح التجارة كما نتعلم ذلك من قول الكتاب الكريم ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [المزمل: 20] . # فهل ترى هذه الفوائد ذات البال مختصة بالرجل دون الأنثى، حتى يكون السير ~~خاصا بالرجل؟ كلا! وقد امتن الله على أهل سبأ بما حكاه بقوله: وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ~~ليالي، وأياما آمنين [سبأ: 18] . وامتن على جميع عباده بقوله: هو الذي ~~يسيركم في البر والبحر [يونس: 22] ، وقال تعالى متاعا لكم وللسيارة ~~[المائدة: 96] ، فهل يجوز أن نذهب إلى أن هذه المنن هي من مخصوصات الرجل ~~دون النساء؟ كلا! بل الكل مغمور بهذه المنات، كما هو مقتضى عموم الآيات. ~~انتهى ملخصا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية # 6] # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا أي سببها. وذلك بترك ~~المعاصي، وفعل الطاعات، والقيام على تأديب الأهل، وأخذهن بما تأخذون به ~~أنفسكم وقودها الناس والحجارة أي تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب عليها ~~ملائكة أي تلي أمرها وتعذيب أهلها، زبانية غلاظ شداد أي جفاة قساة لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون قال الزمخشري. وليست الجملتان في معنى ~~واحد. فإن معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ~~ينكرونها ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، لا يتثاقلون عنه، ولا ~~يتوانون فيه. انتهى. # وقيل: الجملة الأولى لبيان استمرار إتيانهم بأوامره، والثانية لأنهم لا ~~يفعلون شيئا ما لم يؤمروا به، كقوله ms4496 تعالى: وهم بأمره يعملون [الأنبياء: ~~27] ، فإن # PageV09P277 # استمرارهم على فعل ما يؤمرون به يفيده، فلا تكرار. وقيل: إنه من الطرد ~~والعكس، وهو يكون في كلامين، يقرر منطوق أحدهما مفهوم الآخر، وبالعكس. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية # 7] # يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) # يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون أي يقال ~~لهم ذلك عند دخولهم النار. فالمراد ب (اليوم) وقت دخولهم إياها. فتعريفه ~~للعهد، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم، أو العذر لا ينفعهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية 8] # يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) # يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا أي توبة ترقع الخروق، ~~وترتق الفتوق، وتصلح الفاسد، وتسد الخلل. من (النصح) بمعنى الخياطة. أو ~~توبة خالصة عن شوب الميل إلى الحال الذي تاب عنه، والنظر إليه بعدم ~~الالتفات، وقطع النظر عنه. من (النصوح) بمعنى الخلوص عسى ربكم أي بمناصحة ~~أنفسكم بالتوبة النصوح أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه # أي لا يذلهم. تعريض لأعدائهم بالخزي والصغار نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا أي أدمه أو زده واغفر لنا إنك على كل ~~شيء قدير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية 9] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين أي بالسنان والبرهان واغلظ عليهم ~~أي فيما تجاهدهم به، لتنكسر صلابتهم، وتلين شكيمتهم وعريكتهم، فتنقهر ~~نفوسهم وتذل وتخضع. ومأواهم جهنم وبئس المصير. # PageV09P278 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : آية 10] # ضرب الله مثلا ms4497 للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط أي حالهما كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما أي بالمظاهرة عليهما والكفر والعصيان، مع ~~تمكنهما من الطاعة والإيمان فلم يغنيا عنهما من الله أي من عذابه شيئا وقيل ~~أي لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: ادخلا النار مع الداخلين أي مع سائر ~~الداخلين من الفجرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التحريم (66) : الآيات 11 الى 12] # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران ~~التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين (12) # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين أي من عملهم وعذابهم ~~ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها أي حفظته وصانته فنفخنا فيه من روحنا ~~يعني جبريل عليه السلام، أو من روح خلقناه بلا توسط، وهو عيسى عليه السلام ~~وصدقت بكلمات ربها أي بصحفه المنزلة من عنده وكتبه أي الموحاة. # والعطف للتفسير، أو الكلمات أعم من المكتوب والمحفوظ من أوامره ووصاياه ~~المتوارثة، والكتب خاصة بالمخطوط من الأسفار. وكانت من القانتين أي من ~~المواظبين على الطاعة لله، والخضوع لأحكامه. والتذكير للتغليب. ### | تنبيهات: # الأول: قال الزمخشري: مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على ~~كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم، من غير إبقاء ولا محاباة ولا ينفعهم ~~مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب، أو وصلة صهر، لأن عداوتهم # PageV09P279 # لهم، وكفرهم بالله ورسوله، قطع العلائق، وبت الوصل، وجعلهم أبعد من ~~الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر، نبيا من أنبياء الله- ~~بحال امرأة نوح وامرأة ms4498 لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان ~~عنهما، بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج، إغناء ما من عذاب الله. ومثل ~~حال المؤمنين في وصلة الكافرين لا تضرهم، ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم ~~عند الله- بحال امرأة فرعون، ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى ~~أعداء الله، الناطق بالكلمة العظمى. ومريم ابنة عمران، وما أوتيت من كرامة ~~الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أن قومها كانوا كفارا. وفي ~~طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط ~~منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما كرهه، وتحذير لهما ~~على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ قوله ~~تعالى: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [آل عمران: 97] ، وإشارة إلى أن ~~من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا ~~تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك الفضل لا ~~ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين. والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت ~~عليه كما أفشت حفصة على رسول الله. وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب، بالغة ~~من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره. انتهى. # الثاني: قال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) اشتملت هذه الآيات على ~~ثلاثة أمثال: مثل للكفار، ومثلين للمؤمنين. # فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ~~ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب، أو وصلة صهر، أو ~~سبب من أسباب الاتصال. فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة، إلا ما كان ~~منها متصلا بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو ~~النكاح، مع عدم الإيمان، لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما. ~~فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. قطعت ~~الآية حينئذ طمع من ركب معصية الله، وخالف أمره، ورجا أن ينفعه صلاح غيره ms4499 ~~من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال. فلا اتصال فوق ~~اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يغن نوح عن ابنه، ولا إبراهيم عن أبيه، ~~ولا نوح ولوط عن امرأتيهما من الله شيئا. قال تعالى: لن تنفعكم أرحامكم ولا ~~أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم [الممتحنة: 3] ، وقال تعالى: يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا # [الانفطار: 19] ، # PageV09P280 # وقال تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا [البقرة: 48 و 123] ، ~~وقال: واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، ~~إن وعد الله حق [لقمان: 33] ، وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أن ~~من تعلقوا به من دون الله، من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم ~~القيامة، أو يجيرهم من عذاب الله أو يشفع لهم عند الله. وهذا أصل ضلال بني ~~آدم وشركهم وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الذي بعث الله جميع رسله، ~~وأنزل جميع كتبه، بإبطاله، ومحاربة أهله ومعاداتهم. # وأما المثلان اللذان للمؤمنين. فأحدهما امرأة فرعون، ووجه المثل أن اتصال ~~المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصية الغير لا تضر ~~المؤمن المطيع شيئا في الآخرة، وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي ~~تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله، فتأتي عامة. فلم يضر امرأة فرعون ~~اتصالها به، وهو أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ~~وهما رسولا رب العالمين. # المثل الثاني للمؤمنين: مريم، التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر. # فذكر ثلاثة أصناف النساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح، ~~والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر، والمرأة العزب التي لا وصلة ~~بينها وبين أحد. فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها، والثانية لا تضرها ~~وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرها عدم الوصلة شيئا. # ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنها سيقت ~~في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من تظاهرهن عليه، وأنهن ~~إن لم يطعن الله ورسوله، ms4500 ويردن الدار الآخرة، لم ينفعهن اتصالهن برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ولهذا إنما ~~ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة. # قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة. ثم ضرب لهما ~~المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة. وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم ~~اعتبار آخر: وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا، قذف أعداء الله اليهود لها، ~~ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأها الله عنه، مع كونها الصديقة الكبرى ~~المصطفاة على نساء العالمين، فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه. ~~وفي هذه تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، ~~وتوطين نفسها على # PageV09P281 # ما قال فيها الكاذبون، إن كانت قبلها. كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ~~ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن، والتخويف والتحريض لهن على الطاعة ~~والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه. وأسرار التنزيل ~~فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون. ~~انتهى. # الثالث- قال القاشاني: بين تعالى أن الوصل الطبيعية، والاتصالات الصورية ~~غير معتبرة في الأمور الأخروية. بل المحبة الحقيقية، والاتصالات الروحانية، ~~هي المؤثرة فحسب. والصورية التي بحسب اللحمة الطبيعية والخلطة والمعاشرة لا ~~يبقى لها أثر فيما بعد الموت، ولا تكون إلا في الدنيا، بالتمثيلين ~~المذكورين. وإن المعتبر في استحقاق الكرامة عند الله هو العمل الصالح، ~~والاعتقاد الحق، كإحصان مريم، وتصديقها بكلمات ربها، وطاعتها المعدة إياها ~~لقبول نفخ روح الله فيها. وقد يلوح بينهما أن النفس الخائنة التي لا تفي ~~بالطاعة، ولا تحفظ الأسرار، وتبيح المخالفة، داخلة في نار الحرمان، وجحيم ~~الهجران مع المحجوبين، ولا تغني هداية الروح عنها شيئا من الإغناء في باب ~~العذاب. وأن القلب المقهور تحت استيلاء النفس الأمارة الفرعونية، الطالب ~~للخلاص بالالتجاء إلى الحق الذي قويت فيه قوة محبة الله لصفائه، وضعفت قوة ~~قهره للنفس والشيطان لعجزه وضعفه، ms4501 لا يبقى في العذاب مخلدا ويخلص إلى ~~النجاة، ويبقى في النعيم سرمدا، وإن تعذب بمجاورتها حينا، وتألم بأفعالها ~~برهة. وأن النفس المتزينة بفضيلة العفة المشار إليها بإحصان الفرج، هي ~~القابلة لفيض روح القدس المتنورة بنور الروح المصدقة بكلمات الرب، من ~~العقائد الحكمية، والشرائع الإلهية، المطيعة لله مطلقا، علما وعملا، سرا ~~وجهرا. # انتهى ملخصا. # الرابع- في (الإكليل) : استدل بقوله تعالى امرأت فرعون على صحة أنكحة ~~الكفار. أقول: ويستدل بقوله تعالى امرأت نوح وامرأت لوط إلى قوله: # فخانتاهما على جواز استدامة الرجل الصالح نكاح امرأته الفاسقة العاصية، ~~وعلى أن استبقاءها بدون مفارقة لا يعد من قلة التورع. وهو جلي. ويستدل بذلك ~~أيضا على أن نكاح المشركات كان جائزا في شرع من قبلنا، وقد حظره الإسلام ~~أشد الحظر، كما مر في آيات عديدة. # الخامس: قال ابن كثير في قوله تعالى عن حكاية امرأة فرعون رب ابن لي # PageV09P282 # عندك بيتا في الجنة # قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار، وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع. # السادس- قال الزمخشري: في دعاء امرأة فرعون دليل على أن الاستعاذة بالله، ~~والالتجاء إليه، ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين، ~~وسنن الأنبياء. والمرسلين فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين [الشعراء: 118] ، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين [يونس: 85- 86] . # PageV09P283 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الملك # قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على كثير مما ينبغي أن يكون عليه الملك ~~من كثرة الخيرات، وعموم القدرة، والإحياء والإماتة، واختبار أعمال الناس، ~~والغلبة والغفران، ورفع الأبنية لخدامه وعدم التفاوت في رعاياه، وتزيين ~~بلاده، والقهر على الأعداء، والترحم على الأولياء، والأمن ورخص الأسعار، ~~وأن لا يقدر أحد على نصر من عاداه، ولا على رزق من منعه. انتهى. # وتسمى سورة (تبارك) . وهي مكية. وآيها ثلاثون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير قال ms4502 ابن جرير: أي تعاظم الذي ~~بيده ملك الدنيا والآخرة، وسلطانهما، نافذ فيهما أمره وقضاؤه، وهو على ما ~~يشاء فعله ذو قدرة، لا يمنعه مانع، ولا يحول بينه وبينه عجز. # وقال القاشاني: الملك، عالم الأجسام، كما أن الملكوت عالم النفوس. # ولذلك وصف ذاته باعتبار تصريفه عالم الملك، بحسب مشيئته بالتبارك، الذي ~~هو غاية العظمة، ونهاية الازدياد في العلو والبركة. وباعتبار تسخيره عالم ~~الملكوت، بمقتضى إرادته بالتسبيح، الذي هو التنزيه، كقوله فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء [يس: 83] ، كلا بما يناسبه، لأن العظمة والازدياد والبركة ~~تناسب الأجسام، والتنزه يناسب المجردات عن المادة. فمعنى (تبارك) تعالى ~~وتعاظم، الذي يتصرف في عالم الملك بيد قدرته، لا يتصرف فيه غيره فبيده كل ~~ما وجد من الأجسام، لا بيد غيره، يصرفها كما يشاء، وهو القادر على كل ما ~~عدم من الممكنات، يوجدها على ما يشاء. # PageV09P284 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية # 2] # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا أي: قدر الموت والحياة ~~فأمات من شاء وما شاء، وأحيى من أراد وما أراد، إلى أجل معلوم. أو أجد ~~الحياة، وأزالها حسبما قدره. # قال القاشاني: الموت والحياة من باب العدم والملكة. فإن الحياة هي ~~الإحساس والحركة الإرادية ولو اضطرارية كالتنفس. والموت عدم ذلك عما من ~~شأنه أن يكون له. وعدم الملكة ليس عدما محضا، بل فيه شائبة الوجود. والألم ~~يعتبر فيه المحل القابل للأمر الوجودي، فلذلك صح تعلق الخلق به، كتعلقه ~~بالحياة، وجعل الغرض من خلقهما، بلاء الإنسان في حسن العمل وقبحه، أي العلم ~~التابع للمعلوم الذي يترتب عليه الجزاء، وهو العلم الذي يظهر على المظاهر ~~الإنسانية بعد وقوع المعلوم، فإنه ليس إلا علم الله الكامن في الغيب، ~~الظاهر بظهور المعلوم، لأن الحياة هي التي يتمكن بها على الأعمال، والموت ~~هو الداعي إلى حسن العمل الباعث عليه، وبه يظهر آثار الأعمال، كما أن ~~الحياة يظهر بها أصولها، وبهما تتفاضل النفوس في الدرجات، وتتفاوت ms4503 في ~~الهلاك والنجاة. وقدم الموت على الحياة، لأن الموت في عالم الملك ذاتي، ~~والحياة عرضية. وقيل: إن أريد به العدم السابق، فتقدمه ظاهر، لسبقه على ~~الوجود. أو العدم اللاحق، فتقديمه لأن فيه عظة وتذكرة، وردعا عن ارتكاب ~~المعاصي. # وهو العزيز أي: الغالب الذي يقهر من أساء العمل الغفور أي لذنوب من أناب ~~إليه وأحسن العمل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 3] # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور (3) # الذي خلق سبع سماوات طباقا قال ابن جرير: طبقا فوق طبق، بعضها فوق بعض. # وقال المهايمي: أي يوافق بعضها بعضا بلا تضاد، ليتم أمر الحكمة في ~~الكوائن والفواسد. # PageV09P285 # وقال بعض علماء الفلك: اعلم أن لفظ (السماء) يطلق لغة على كل ما علا ~~الإنسان، فإنه من السمو، وهو العلو، فسقف البيت سماء. ومنه قوله تعالى ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع [الحج: 15] ، أي فليمدد بحبل إلى سقف ~~بيته. # وهذا الفضاء اللانهائي سماء. ومنه قوله تعالى: كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء [إبراهيم: 24] . والسحاب سماء، ومنه قوله تعالى أنزل من ~~السماء ماء [البقرة: 22] ، والكواكب سماوات. فالسماوات السبع المذكورة ~~كثيرا في القرآن الشريف، هي هذه السيارات السبع، وهي طباق، أي: أن بعضها ~~فوق بعض، لأن فلك كل منها فوق فلك غيره. # ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أي: تخالف وعدم تناسب في رعاية الحكم، بل ~~راعاها في كل خلقه. # فارجع البصر أي إن شككت، فكرر النظر هل ترى من فطور؟ أي: # خلل. وأصل (الفطور) الصدوع والشقوق. أريد به لازمه. كذا قالوه، والصحيح ~~أنه على حقيقته أي: هل ترى من انشقاق وانقطاع بين السموات، بحيث تذهب ~~باتصالات الكواكب فتفرقها، وتقطع علاقاتها وأحبال تجاذبها؟ كلا! بل هي ~~متجاذبة، مرتبط بعضها ببعض من كل جهة، كما تقدم في سورة (ق) في آية: # أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج [ق: ~~6] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية ms4504 # 4] # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) # ثم ارجع البصر أي كرره كرتين أي: رجعتين أخريين، ابتغاء الخلل والفساد ~~والعبث. والمراد بالتثنية التكرير. ينقلب أي: يرجع إليك البصر خاسئا أي: ~~مطرودا عن إصابة المطلوب. وهو حسير أي: معيي كال. ### | تنبيهات: # الأول- ذهب الزمخشري إلى أن قوله تعالى ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ~~صفة ثانية لقوله: سبع سماوات وضع فيها- خلق الرحمن- موضع الضمير للتعظيم، ~~والأصل (فيهن) وتابعة القاضي والقاشاني، وعبارته: # نهاية كمال عالم الملك في خلق السموات، لا ترى أحكم خلقا، وأحسن نظاما ~~وطباقا منها. وأضاف خلقها إلى الرحمن، لأنها من أصول النعم الظاهرة، # PageV09P286 # ومبادئ سائر النعم الدنيوية، وسلب التفاوت عنها لمطابقة بعضها بعضا، وحسن ~~انتظامها وتناسبها. وإنما قال ثم ارجع البصر كرتين لأن تكرار النظر، وتجوال ~~الفكر، مما يفيد تحقق الحقائق وإذا كان ذلك فيها عند طلب الخروق والشقوق، ~~لا يفيد إلا الخسوء والحسور، تحقق الامتناع، وما أتعب من طلب وجود الممتنع. ~~انتهى. # ولو جعل قوله تعالى: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت مستأنفا، مقررا ~~بعمومه لتناسب خلقه وإتقانه، وتناهي حسنه، فيشمل ما قبله- لكان أولى من ~~تخصيصه بوصفية ما قبله، ويكون كآية: أحسن كل شيء خلقه [السجدة: 7] ، وآية: ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء [النمل: 88] ، وتلطف بعضهم فقال: في الآية إشارة ~~إلى قياس تقديره: ما ترى فيها من تفاوت لأنها من خلقه تعالى. وما ترى في ~~خلقه من تفاوت. # الثاني- للإمام ابن حزم رحمه الله كلام في هذه الآية في كتاب (الفصل) ~~ساقه في مباحثه مع المعتزلة، نأثره هنا لنفاسته، قال رحمه الله: # التفاوت المعهود هو ما نافر النفوس، أو خرج عن المعهود، فنحن نسمي الصورة ~~المضطربة بأن فيها تفاوتا، فليس هذا التفاوت الذي نفاه الله تعالى عن خلقه، ~~فإذن ليس هو الذي يسميه الناس تفاوتا، فلم يبق إلا أن التفاوت الذي نفاه ~~الله تعالى عما خلق هو شيء غير موجود فيه البتة، لأنه لو وجد في خلق الله ~~تعالى تفاوت، لكذب قول الله عز وجل ms4505 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ولا يكذب ~~الله تعالى إلا كافر، فبطل ظن المعتزلة أن الكفر والظلم والكذب والجور ~~تفاوت، لأن كل ذلك موجود في خلق الله عز وجل، مرئي فيه، مشاهد بالعيان فيه، ~~فبطل احتجاجهم. # فإن قال قائل: فما هذا التفاوت الذي أخبر الله عز وجل أنه لا يرى في ~~خلقه؟ # قيل لهم: هو اسم لا يقع على مسمى موجود في العالم أصلا، بل هو معدوم ~~جملة، إذ لو كان شيئا موجودا في العالم، لوجد التفاوت في خلق الله تعالى. ~~والله تعالى قد أكذب هذا، وأخبر أنه لا يرى في خلقه. # ثم نقول، وبالله تعالى التوفيق: إن العالم كله ما دون الله تعالى، وهو ~~كله مخلوق لله تعالى، أجسامه وأعراضه كلها، لا نحاشي شيئا منها. ثم إذا نظر ~~الناظر في تقسيم أنواع أعراضه، وأنواع أجسامه، جرت القسمة جريا مستويا في ~~تفضيل أجناسه وأنواعه، بحدودها المميزة لها، وفصولها المفرقة بينها، على ~~رتبة واحدة، # PageV09P287 # وهيئة واحدة، إلى أن يبلغ إلى الأشخاص التي تلي أنواع، الأنواع لا تفاوت ~~في شيء من ذلك البتة، بوجه من الوجوه، ولا تخالف في شيء منه أصلا. ومن وقف ~~على هذا علم أن الصورة المستقبحة عندنا، والصورة المستحسنة عندنا. واقعتان ~~معا تحت نوع الشكل والتخطيط، ثم تحت نوع الكيفية، ثم تحت اسم العرض، وقوعا ~~مستويا لا تفاضل فيه، ولا تفاوت في هذا بوجه من التقسيم. # وكذلك أيضا نعلم أن الكفر والإيمان بالقلب واقعان تحت نوع الاعتقاد، ثم ~~تحت فعل النفس، ثم تحت الكيفية والعرض، وقوعا مستويا لا تفاضل فيه، ولا ~~تفاوت من هذا الوجه من التقسيم. وكذلك أيضا نعلم أن الإيمان والكفر باللسان ~~واقعان تحت نوع فرع الهواء بآلات الكلام، ثم تحت نوع الحركة وتحت نوع ~~الكيفية، وتحت اسم العرض، وقوعا حقا مستويا لا تفاوت فيه ولا اختلاف. # وهكذا القول في الظلم والإنصاف، وفي العدل والجور، وفي الصدق والكذب، وفي ~~الزنا والوطء الحلال. وكذلك كل ما في العالم، حتى يرجع جميع الموجودات إلى ~~الرؤوس الأول ms4506 التي ليس فوقها رأس يجمعها إلا كونها مخلوقة لله تعالى. وهي ~~الجوهر والكم والكيف والإضافة. فانتفى التفاوت عن كل ما خلق الله تعالى، ~~وعادت الآية المذكورة حجة على المعتزلة، ضرورة لا منفك لهم عنها، وهي أنه ~~لو كان وجود الكفر والكذب والظلم تفاوتا كما زعموا، لكان التفاوت موجودا في ~~خلق الرحمن. # وقد كذب الله تعالى ذلك، وهي أن يرى في خلقه تفاوت. انتهى كلامه. # الثالث- قال الناصر: في قوله تعالى ينقلب إليك البصر خاسئا وضع للظاهر ~~موضع المضمر. وفيه من الفائدة التنبيه على أن الذي يرجع خاسئا حسيرا غير ~~مدرك الفطور، هو الآلة التي يلتمس بها إدراك ما هو كائن، فإذا لم يدرك شيء، ~~دل على أنه لا شيء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 5] # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح قال ابن جرير: وهي النجوم. وجعلها ~~بمصابيح لإضاءتها. وكذلك الصبح، إنما قيل له صبح، للضوء الذي يضيء للناس من ~~النهار. وجعلناها رجوما للشياطين قال ابن كثير: عاد الضمير في قوله تعالى # PageV09P288 # وجعلناها على جنس المصابيح، لا على عينها، لأنه لا يرمي بالكواكب التي في ~~السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها- والله أعلم-. # وقال القاضي: أي وجعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب ~~المسببة عنها. وقيل: معناه وجعلناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس- وهم ~~المنجمون-. # قال الشهاب: مرضه لأنه خلاف الظاهر المأثور. و (الرجم) يكون بمعنى الظن، ~~مجازا معروفا. والآية بمعنى آية الصافات إنا زينا السماء الدنيا بزينة ~~الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل ~~جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب [الصافات: ~~6- 10] ، وأعتدنا لهم عذاب السعير أي في الآخرة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : الآيات 6 الى 11] # وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها ~~شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم ms4507 خزنتها ~~ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من ~~شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير (10) # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) # وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير أي المرجع ذلك العذاب المحرق. # قال الناصر: هذا من الاستطراد. لما ذكر وعيد الشياطين، استطرد ذلك وعيد ~~الكافرين عموما. # إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا أي لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها، الأصوات ~~المنكرة المنافية لأصوات الأناسي، أو لأنفسهم. فإنهم يصطرخون فيها بأصوات ~~الحيوانات المنكرة الصوت، كقوله لهم فيها زفير وشهيق [هود: 106] ، أولها ~~نفسها، تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق، وهو الصوت الذي يخرج من ~~الجوف بشدة، كصوت الحمار. # وهي تفور أي: تغلي بهم وتعلو. # تكاد تميز من الغيظ أي تتفرق أجزاؤها من الغيظ على الذين أغضبوا الله # PageV09P289 # ورسوله. شبهت في شدة غليانها، وقوة تأثيرها في أهلها، بإنسان شديد الغيظ ~~على غيره، مبالغ في إيصال الضرر إليه، فتوهم لها صورة كصورة الحالة المحققة ~~الوجدانية، وهي الغضب الباعث على ذلك. واستعير لتلك الحالة المتوهمة الغيظ- ~~كما في شرح المفتاح الشريفي- وأما ثبوت الغيظ الحقيقي لها، بخلق الله فيها ~~إدراكا، فبحث آخر. لكنه قد قيل هنا: إنه لا حاجة إلى ادعاء التجوز فيه، لأن ~~(تكاد) تأباه، كما في قوله: يكاد زيتها يضيء [النور: 35] ، وقد صرح به ~~علماء المعاني في بحث المبالغة والغلو. وجوز أن يراد غيظ الزبانية. ~~فالإسناد مجازي، أو على تقدير مضاف- كما في (العناية) -. # كلما ألقي فيها فوج أي: جماعة من الكفرة سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير أي: ~~في الدنيا ينذركم هذا العذاب. # قال في (الإكليل) : استدل به على أنه لا تكليف قبل البعثة. # قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير أي: فكذبنا الرسل، وأفرطنا في التكذيب، حتى نفينا الإنزال ~~والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال. # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل أي: من النذر ما جاءت به، ms4508 سماع طالب الحق، ~~وعقل من نبذ الهوى ما كنا في أصحاب السعير أي: في عداد أهل النار. ### | تنبيهان: # الأول- قال الناصر: لو تفطن نبيه لهذه الآية لعدها دليلا على تفضيل السمع ~~على البصر، فإنه قد استدل على ذلك بأخفى منها. # الثاني- قال ابن السمعاني في (القواطع) : استدل به من قال بتحكيم العقل. # وقال الزمخشري: قيل إنما جمع بين السمع والعقل، لأن مدار التكليف على ~~أدلة السمع والعقل. # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير أي: فأقروا بجحدهم الحق، وتكذيبهم ~~الرسل، فبعدا لهم، اعترفوا أو أنكروا، فإن ذلك لا ينفعهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية # 12] # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) # PageV09P290 # إن الذين يخشون ربهم بالغيب أي يخافونه أو يخافون عذابه، وهم لم يروه لهم ~~مغفرة وأجر كبير. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 13] # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور أي بضمائرها، فكيف بما ~~نطق به؟ والمعنى: فاتقوه واخشوه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 14] # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) # ألا يعلم من خلق أي: ألا يعلم السر والجهر، من خلق الأشياء، والخلق ~~يستلزم العلم كما قال: وهو اللطيف الخبير أي اللطيف بعباده، الخبير ~~بأعمالهم. # وقيل: معنى الآية: ألا يعلم الله من خلقه، وهو بهذه المثابة ف (من) ~~مفعول، والعائد مقدر. # قال الغزالي: إنما يستحق اسم اللطيف من يعلم دقائق الأمور وغوامضها، وما ~~لطف منها، ثم يسلك في إيصال ما يصلحها سبيل الرفق، دون العنف. و (الخبير) ~~هو الذي لا يعزب عن علمه الأمور الباطنة، فلا تتحرك في الملك والملكوت ذرة، ~~ولا تسكن أو تضطرب نفس، إلا وعنده خبرها. وهو بمعنى العليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 15] # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا أي لينة سهلة المسالك. فامشوا في مناكبها ~~أي: في نواحيها ms4509 وجوانبها على التشبيه. # قال ابن جرير: لأن نواحيها نظير مناكب الإنسان التي هي من أطرافه. # وكلوا من رزقه أي التمسوا من نعمه تعالى. # قال الشهاب: فالأكل والرزق، أريد به طلب النعم مطلقا، وتحصيلها أكلا ~~وغيره. فهو اقتصار على الأهم الأعم، على طريق المجاز أو الحقيقة. # قال: وأنت إذا تأملت نعيم الدنيا، وما فيها، لم تجد شيئا منها على المرء ~~غير ما أكله، وما سواه متمم له، أو دافع للضرر عنه. # PageV09P291 # وإليه النشور أي نشوركم من قبوركم للجزاء. ### | تنبيه: # قال في (الإكليل) : في قوله تعالى فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه الأمر ~~بالتسبب والكسب. # وقال ابن كثير: في الآية تذكير بنعمته تعالى على خلقه في تسخيره لهم ~~الأرض، وتذليله إياها لهم، بأن جعلها ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها ~~من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من ~~المنافع، ومواضع الزرع والثمار. والمعنى: سافروا حيث شئتم من أقطارها، ~~وترددوا في أقاليمها وأرجائها، في أنواع المكاسب والتجارات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : الآيات 16 الى 17] # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض خطاب للكافرين. أي أأمنتم العلي ~~الأعلى أن يخسف بكم الأرض فيغيبكم إلى أسفل سافلين. فإذا هي تمور أي: تضطرب ~~وتهتز هزا شديدا بكم، وترتفع فوقكم، وتنقلب عليكم. # أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا وهو التراب، فيه الحصباء ~~الصغار، فستعلمون كيف نذير قال ابن جرير: أي عاقبة نذيري لكم، إذا كذبتم ~~به، ورددتموه على رسولي. # وقد بين تعالى نذيره لهم في غير ما آية، وهو زهوق باطلهم إذا أصروا، ونصر ~~رسوله، وغلبة جنده، كما قال تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين [ص: 88] . # قال الشهاب: (النذير) مصدر، والياء محذوفة، والقراء مختلفون فيها: فمنهم ~~من حذفها وصلا، وأثبتها وقفا، ومنهم من حذفها في الحالين اكتفاء بالكسرة ~~وكذلك الحال في ms4510 (نكير) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : الآيات 18 الى 19] # ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم ~~صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) # PageV09P292 # ولقد كذب الذين من قبلهم أي مع كونهم أشد منهم عددا وعددا فكيف كان نكير ~~أي نكيري تكذيبهم. وذلك بإنزال العذاب بهم، ودحر باطلهم. # قال القاضي: هو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، وتهديد لقومه المشركين. # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، ~~ويقبضن أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن، وقت، للاستظهار. # ولتجدده عبر عنه بالفعل، إشارة إلى أنه أمر طارئ على الصف. يفعل في بعض ~~الأحيان للتقوي بالتحريك. كما يفعله السابح في الماء، يقيم بدنه أحيانا، ~~بخلاف البسط والصف، فإنه الأصل الثابت في حالة الطيران، ولذا اختير له ~~الاسم. # ما يمسكهن أي في الجو إلا الرحمن أي المفيض لكل ما قدر له، حسب استعداده ~~بسعة رحمته. ومنه ما دبر للطيور من بنية يتأتى منها الجري في الجو. # إنه بكل شيء بصير قال القاشاني: أي فيعطيه ما يليق به، ويسويه بحسب ~~مشيئته، ويودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته، ثم يهديه إليه بتوفيقه. # ثم بكت تعالى المشركين، بنفي أن يكون لهم ناصر غيره سبحانه، بقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 20] # أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ~~(20) # أمن هذا الذي هو جند لكم أي معشر المشركين ينصركم من دون الرحمن أي إن ~~أراد بكم سوءا، فيدفع عنكم بأسه. إن الكافرون إلا في غرور أي من ظنهم أن ~~أربابهم تنفع أو تضر. أو أنها تقربهم إلى الله زلفى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 21] # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه يعني المطر ونحوها بل لجوا أي تمادوا ~~في عتو أي عناد وطغيان ونفور أي شراد عن ms4511 الحق واستكبار، مع وضوح براهينه، ~~فأصروا على اعتقاد أنهم يحفظون من النوائب، ويرزقون ببركة آلهتهم، وأنهم ~~الجند الناصر الرازق، مكابرة وعنادا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 22] # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) # PageV09P293 # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم تمثيل ~~للضالين والمهتدين. و (المكب) هو المتعثر الذي يخر على وجهه لو عورة طريقه، ~~واختلاف سطحه ارتفاعا وانخفاضا. والذي يمشي سويا هو القائم السالم من ~~العثار، لاستواء طريقه، واستقامة سطحه. # قال القاضي: والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين، والدينين ~~بالمسلكين. # ولعل الاكتفاء بما في الكب من الدلالة على حال المسلك، للإشعار بأن ما ~~عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقا. أي: فلذلك ذكر المسلك في الثاني دون ~~الأول. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : الآيات 23 الى 26] # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) # قل هو أي المستحق للعبادة وحده، وسلوك صراطه الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة أي العقول والإدراكات قليلا ما تشكرون أي باستعمالها ~~فيما خلقت له قل هو الذي ذرأكم في الأرض أي خلقكم فيها لتعبدوه، وتقوموا ~~بالقسط الذي أمر به وإليه تحشرون أي للجزاء ويقولون متى هذا الوعد أي الحشر ~~أو الفتح على رسوله وظهور دينه إن كنتم صادقين أي في الإنذار به، والترهيب ~~منه قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين أي بين الحجة على ما ~~أنذركم به، من زهوق باطلكم إذا جاء أجله. وأما تعيين وقته، فليس إلي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية # 27] # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) # فلما رأوه أي: ما وعدوا به من العذاب، وزهوق باطلهم زلفة أي: قريبا، أو ~~ذا زلفة، أي قرب سيئت ms4512 وجوه الذين كفروا أي ظهر عليها آثار الاستياء من ~~الكآبة والغم والانكسار والحزن وقيل أي لهم تبكيتا هذا الذي كنتم به تدعون ~~أي تطلبون وتستعجلون به، من الدعاء، أو تدعون أن لا بعث، من (الدعوى) . ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 28] # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) # PageV09P294 # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم كان كفار مكة يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم ريب المنون، تخلصا من ~~دعوته وانتشارها، فأمر أن يقول لهم ذلك. أي أخبروني إن أماتني الله ومن معي ~~من المؤمنين، أو رحمنا بتأجيل آجالنا وانتصارنا، فمن يجيركم من عذاب أليم ~~قضى الله وقوعه بكم لكفركم؟. # قال ابن كثير: أي خلصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا بالتوبة ~~والإنابة، والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب ~~والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا، فلا مناص لكم من عذابه ونكاله الواقع ~~بكم. والمعني بالعذاب: إما الدنيوي، وهو خزيهم بالانتصار عليهم، ودحور ~~ضلالهم. أو الأخروي، وهو أشد وأبقى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 29] # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا أي اعتمدنا في أمورنا، لا على ما ~~تتكلون عليه من رجالكم وأموالكم. فستعلمون من هو في ضلال مبين أي في ذهاب ~~عن الحق، وانحراف عن طريقه منا ومنكم، إذا جاء نصر الله والفتح في الدنيا، ~~ونشأته الثانية في الأخرى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الملك (67) : آية 30] # قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا أي غائرا لا تناله الدلاء، أو ذاهبا في ~~الأرض فمن يأتيكم بماء معين؟ أي جار ظاهر سهل التناول. # قال الرازي: المقصود تقريرهم ببعض نعمه تعالى، ليريهم قبح ما هم عليه من ~~الكفر. أي: أخبروني إن صار ماؤكم ms4513 ذاهبا في الأرض، فمن يأتيكم بماء معين؟ ~~فلا بد وأن يقولوا: هو الله. فيقال لهم حينئذ: فلم تجعلون من لا يقدر على ~~شيء أصلا، شريكا له في العبودية. وهو كقوله تعالى: أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون. أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ [الواقعة: 68] ، أي بل ~~هو الذي أنزله وسلكه ينابيع، رحمة بالعباد، فله الحمد. # PageV09P295 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القلم # وتسمى سورة القلم. وهي مكية. وآيها اثنتان وخمسون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ~~ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) # ن بالسكون على الوقف: اسم للحرف المعروف، قصد به التحدي. أو اسم للسورة، ~~منصوب ب (اذكر) أو مرفوع خبرا لمحذوف والقلم أي الذي يخط به وما يسطرون أي ~~يكتبون. و (ما) مصدرية أو موصولة. وقوله ما أنت بنعمة ربك بمجنون جواب ~~القسم، قصد به تكذيب المشركين في إفكهم المحدث عنه بآية: وقالوا يا أيها ~~الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون [الحجر: 6] . # قال الزجاج: (أنت) هو اسم (ما) ، و (بمجنون) الخبر. وقوله: بنعمة ربك ~~كلام وقع في البين. والمعنى: انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما يقال: أنت ~~بحمد الله عاقل، وأنت بحمد الله فهم. ومعناه: أن تلك الصفة المحمودة إنما ~~حصلت، والصفة المذمومة إنما زالت، بواسطة إنعام الله ولطفه وإكرامه. فالباء ~~في بنعمة متعلقة بمعنى النفي المدلول عليه ب (ما) والباء في بمجنون زائدة. # وإن لك لأجرا أي ثوابا على أذى المشركين، واحتمال هذا الطعن، والصبر عليه ~~غير ممنون أي غير منقوص ولا مقطوع. # قال ابن جرير: من قولهم (حبل منين) إذا كان ضعيفا، وقد ضعفت منته، أي: # قوته. أو غير ممنون به عليك، زيادة في العناية به صلى الله عليه وسلم، ~~والتنويه بمقامه. # وإنك لعلى خلق عظيم قال ابن جرير: أي أدب عظيم. وذلك أدب القرآن الذي ~~أدبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه. # PageV09P296 # قالت عائشة «1» : كان خلق رسول الله ms4514 صلى الله عليه وسلم القرآن # . أي كما هو في القرآن. # قال الرازي: وهذا كالتفسير لقوله بنعمة ربك والدلالة القاطعة على براءته ~~مما رمى به، لأن الأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والفصاحة التامة، ~~والعقل الكامل، والبراءة من كل عيب، والاتصاف بكل مكرمة، كانت ظاهرة منه. ~~وإذا كانت ظاهرة محسوسة فوجودها ينافي حصول الجنون. فكذب من أضافه إليه ~~وضل، بل هو الأحرى بأن يرمى بما قذف به. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 5 الى 7] # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين (7) # فستبصر ويبصرون أي أولئك الجاحدون المتفوهون بتلك العظيمة. # بأيكم المفتون أي المجنون. والباء مزيدة. أو الفتنة والفتون ذهابا، إلى ~~أن المصدر يجيء على زنة المفعول والباء أصلية بمعنى (في) . أي: من كوشف ~~بأسرار العلوم، وأوتي جوامع الكلم، أم من حجب عما في نفسه من آيات الله ~~والعبر، وفتن بعبادة الصنم. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله أي: عن طريق ~~الحق الذي أمر به، وهو أعلم بالمهتدين أي بمن اتبع الحق، وسلك سبيله، ~~فسيجزي الفريقين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 8 الى 16] # فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين ~~(10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) # عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) # فلا تطع المكذبين أي بآيات الله، وما جاءهم من الحق. # قال الزمخشري: تهييج وإلهاب على معاصاتهم. # ودوا لو تدهن فيدهنون أي: ودوا لو تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من ~~الحق، فيمالئونك- رواه ابن جرير عن مجاهد- ثم قال: أي: لو تلين لهم في دينك ~~بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال ~~جل ثناؤه: PageV09P297 # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات [الإسراء: 74- 75] ، وإنما هو مأخوذ من الدهن، شبه التليين في ~~القول بتليين الدهن. # ولا ms4515 تطع كل حلاف أي: كثير الحلف. قال الزمخشري: وكفى به مزجرة لمن اعتاد ~~الحلف، ومثله قوله تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم [البقرة: # 224] . مهين أي: حقير الرأي والتمييز. # هماز أي: عياب طعان. قال ابن جرير: والهمز أصله الغمز. فقيل للمغتاب: ~~هماز، لأنه يطعن في أعراض الناس بما يكرهون، وذلك غمز عليهم. # مشاء بنميم أي نقال لحديث الناس بعضهم في بعض، للإفساد بينهم. # مناع للخير أي بخيل بالمال، ضنين به. والخير المال. أو صاد عن الإسلام. # معتد أي: على الناس، متجاوز في ظلمهم أثيم كثير الآثام. # عتل أي جاف غليظ. دعي بعد ذلك زنيم أي: دعي ملصق في النسب، ليس منهم. أو ~~مريب يعرف بالشر. قال ابن جرير: ومعنى (بعد) في هذا الموضع معنى (مع) . # وقال الشهاب: الإشارة لجميع ما قبله من النقائص، لا للأخير فقط. وهي ~~للدلالة على أن ما بعده أعظم في القباحة. ف (بعد) هنا ك (ثم) الدلة على ~~التفاوت الرتبي، كما مر في قوله: بعد ذلك ظهير [التحريم: 4] . # أن كان ذا مال وبنين قال الزمخشري: متعلق بقوله ولا تطع يعني: ولا تطعه ~~مع هذا المثالب، لأن كان ذا مال. أي: ليساره وحظه من الدنيا. ويجوز أن ~~يتعلق بما بعده، على معنى لكونه متمولا مستظهرا بالبنين، كذب بآياتنا. # إذا تتلى عليه آياتنا أي: تقرأ عليه آيات كتابنا قال أساطير الأولين أي: # هذا مما كتبه الأولون، استهزاء به، وإنكارا منه أن يكون ذلك من عند الله. # وقوله: سنسمه على الخرطوم عدة منه تعالى بغاية إذلاله، بعد تناهي كبره ~~وعجبه وزهوه وعتوه. تقول العرب: وسمته بميسم السوء: يريدون أنه ألصق به من ~~العار ما لا يفارقه. قال جرير: # لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث، جدعت أنف الأخطل # قال الزمخشري: الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، # PageV09P298 # لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه (الأنفة) وقالوا: ~~الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع ~~أنفه، ورغم أنفه. فعبر بالوسم على الخرطوم ms4516 عن غاية الإذلال والإهانة، لأن ~~السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه؟ ولقد وسم العباس ~~أباعره في وجوهها، # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكرموا الوجوه # ، فوسمها في جواعرها. وفي لفظ (الخرطوم) استخفاف به واستهانة، لأن أصل ~~الخرطوم للخنزير والفيل. وقيل: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها ~~عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة بان بها ~~عنهم. انتهى. ### | تنبيه: # قيل: عنى بالآية الأخنس بن شريق. قال ابن جرير: وأصله من ثقيف، وعداده في ~~بني زهرة. أي: لأنه التحق بهم حتى كان منهم في الجاهلية. ولذا سمي زنيما ~~للصوقه بالقوم، وليس منهم وقيل: هو الوليد بن المغيرة، ادعاه أبو بعد ثماني ~~عشرة من مولده. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 17 الى # 18] # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة أي بلونا مشركي مكة، فاختبرنا بهذا ~~التنزيل الحكيم، هل يشكرون نعمته، فيحيوا حياة طيبة، أو يصرون على تكذيبه، ~~فلا تكون عاقبتهم إلا كعاقبة أهل الجنة في امتحانهم الآتي، ثم دمارهم. # وقيل: معناه أصبناهم ببلية، وهي القحط والجوع، بدعوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كما بلونا أصحاب الجنة وهم قوم من أهل الكتاب- على ما روي عن ~~ابن عباس- أو ناس من الحبشة- في قول عكرمة- أي: كتابيون. فيتفق مع ما قبله، ~~وليس من ضرورة الاعتبار بالمثل والعظة به، تعيين أهله، لولا محبة المأثور ~~إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين أي: ليقطعن ثمارها مبكرين بحيث لا يعلم مسكين ~~بذلك ولا يستثنون قال المهايمي: أي: ولا يخرجون شيئا من حق المساكين، ~~واقتصر عليه. وحكاه الرازي والقاضي قولا ثانيا. والأول أن معناه: ولا ~~يقولون إن شاء الله- واقتصر عليه ابن جرير والأول أظهر، والاستثناء بمعنى ~~الإخراج الحسي، والجملة معطوفة على ليصرمنها ومقسم عليها. # PageV09P299 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 19 الى # 20] # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) # فطاف عليها ms4517 طائف من ربك أي فطرق جنة هؤلاء القوم، طارق من أمر الله ~~لتدميرها. # قال ابن جرير: ولا يكون الطائف في كلام العرب إلا ليلا، ولا يكون نهارا. ~~وقد يقولون: أطفت بها نهارا. وذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده: # أطفت بها نهارا غير ليل ... وألهى ربها طلب الرخال # و (الرخال) أولاد الضأن الإناث. # فقوله: وهم نائمون أي مستغرقون في سباتهم، غافلون عما يمكر بهم. # تأكيد على الأول، وتأسيس على الثاني فأصبحت كالصريم أي كالبستان الذي صرم ~~ثمره، بحيث لم يبق فيه شيء. أو كالليل الأسود لاحتراقها. وأنشد في ذلك ابن ~~جرير لأبي عمرو بن العلاء: # ألا بكرت وعاذلتي تلوم ... تهجدني وما انكشف الصريم # وقال أيضا: # تطاول ليلك الجون البهيم ... فما ينجاب عن صبح صريم ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 21 الى 27] # فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا ~~وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد ~~قادرين (25) # فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) # فتنادوا أي فنادى بعضهم بعضا مصبحين أي وقت الصبح، ولم يشعروا بما جرى ~~عليهم بالليل أن اغدوا أي اخرجوا غدوة على حرثكم أي زرعكم إن كنتم صارمين ~~أي قاصدين قطع ثمارها، وقد قطعها البلاء من أصلها فانطلقوا وهم يتخافتون أي ~~يكتمون ذهابهم ويتسارون فيما بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين أي ~~فقير. فالجملة مفسرة. أو (أن) مصدرية. أي بأن. # قال الزمخشري: والنهي عن الدخول للمسكين، نهي لهم عن تمكينه منه. أي # PageV09P300 # لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل. كقولك: لا أرينك هاهنا. # وغدوا على حرد أي غدوا إلى جنتهم، على نشاط وسرعة وجد من أمرهم، أو على ~~منع وغضب قادرين أي في زعمهم على ما أصروا عليه من الصرام وحرمان المساكين. ~~فلما رأوها أي فلما صاروا إليها، ورأوها محترقا حرثها قالوا إنا لضالون بل ~~نحن محرومون أي أنكروها وشكوا فيها. هل هي جنتهم أم لا. فقال بعضهم ~~لأصحابه: ظنا منه أنهم قد أغفلوا طريق جنتهم وأن التي ms4518 رأوها غيرها: إنا، ~~أيها القوم، لضالون طريق جنتنا! فقال من علم أنها جنتهم، وأنهم لم يخطئوا ~~الطريق: # بل نحن، أيها القوم، محرومون، حرمنا منفعة جنتنا بذهاب حرثها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 28 الى 32] # قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ~~ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا ~~طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) # قال أوسطهم أي أعدلهم وخيرهم رأيا ألم أقل لكم لولا تسبحون أي: # تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، وتخشون انتقامه من المجرمين. ~~وكان أوسطهم وعظهم حين عزموا على عزيمتهم الخبيثة، فعصوه، فعيرهم. قالوا ~~سبحان ربنا إنا كنا ظالمين أي في ترك استثناء حق المساكين، ومنع المعروف ~~عنهم من تلك الجنة فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون أي يلوم بعضهم بعضا. قالوا ~~يا ويلنا إنا كنا طاغين # أي متجاوزين حدود الله تعالى في تفريطنا وعزمنا السيئ عسى ربنا أن يبدلنا ~~خيرا منها أي بتوبتنا إليه، وندمنا على خطأ فعلنا، وعزمنا على عدم العود ~~إلى مثله. إنا إلى ربنا راغبون أي في العفو عما فرط منا، والتعويض عما ~~فاتنا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : آية 33] # كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) # كذلك العذاب أي في الدنيا لمن خالف الرسل، وكفر بالحق، وبغى الفساد في ~~الأرض. ولعذاب الآخرة أكبر أي أعظم منه لو كانوا يعلمون أي لارتدعوا وتابوا ~~وأنابوا. فالجواب مقدر. قال الشهاب: لأنه ليس قيدا لما قبله، إذ لا مدخلية ~~لعلمهم في كون العذاب أكبر. # PageV09P301 ### | ### | تنبيه: # # قال في (الإكليل) : قال ابن الفرس: استدل بهذه القصة عبد الوهاب على أن ~~من فر من الزكاة قبل الحول بتبديل أو خلط، فإن ذلك لا يسقطها. ووجه ذلك: ~~أنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم. ~~وفيها كراهة الجذاذ والحصاد بالليل، كما ورد التصريح بالنهي عنه في الحديث، ~~لأجل الفقراء. # هذا، وحكى الزمخشري عن قتادة أنه سئل ms4519 عن أصحاب الجنة: أهم من أصحاب الجنة ~~أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا. # وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيرا منها- والله أعلم-. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 34 الى 43] # إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما ~~لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون ~~(38) # أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم ~~أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) # إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم أفنجعل المسلمين كالمجرمين أي في ~~الكرامة والمثوبة الحسنى، والعاقبة الحميدة. ما لكم كيف تحكمون أي بما ينبو ~~عنه العقل السليم، فإنهما لا يستويان في قضيته. أم لكم كتاب فيه تدرسون إن ~~لكم فيه لما تخيرون أي من الأمور لأنفسكم، وتشتهونه لكم، كقوله: أم آتيناهم ~~كتابا فهم على بينة منه [فاطر: 40] ، وهذا توبيخ لهم وتقريع فيما كانوا ~~يقولون من الباطل، ويتمنون من الأماني الكاذبة أم لكم أيمان علينا بالغة ~~إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون أي تقضون من أمانيكم ومزاعمكم. # قال الزمخشري: يقال: لفلان علي يمين بكذا، إذا ضمنته منه، وحلفت له على ~~الوفاء به. يعني: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في ~~التوكيد. إن لكم لما تحكمون جواب القسم، لأن معنى (أم لكم أيمان علينا) أم ~~أقسمنا لكم. ف (بالغة) - كما قال الشهاب- معناه المراد منه، متناهية في # PageV09P302 # التوكيد. وأصله بالغة أقصى ما يمكن، فحذف منه اختصارا، وشاع في هذا ~~المعنى. # سلهم أيهم بذلك أي: الحكم زعيم أي كفيل به، يدعيه ويصححه. # أم لهم شركاء أي ناس يشاركونهم في هذا الزعم، ويوافقونهم عليه. فليأتوا ~~بشركائهم إن كانوا صادقين أي: في دعواهم. # قال الزمخشري: يعني أن أحدا لا يسلم لهم بهذا، ولا يساعدهم عليه، كما أنه ~~لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد به ms4520 عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به. ففيه ~~تنبيه على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل. # يوم يكشف عن ساق قال ابن عباس: أي عن أمر شديد مفظع من هول يوم القيامة. ~~ألا تسمع العرب تقول: شالت الحرب عن ساق؟ - رواه ابن جرير. # ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون أي لما أحاط بهم من العذاب الهائل ~~الحائل. # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة أي: تغشاهم ذلة العصيان السالف لهم. وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون أي: لا مانع يمنعهم منه. والمراد من السجود: ~~عبادة الله وحده، وإسلام الوجه له، والعمل بما أمر به من الصالحات. ### | تنبيه: # ما أثرنا عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى (عن ساق) هو المعنى الظاهر ~~المناسب للتهويل المطرد في توصيف ذلك اليوم. في أمثال هذه الآية، وعليه ~~اقتصر الزمخشري، وعبارته: # الكشف عن الساق، والإبداء عن الخدام، مثل في شدة الأمر، وصعوبة الخطب. # وأصله في الروع والهزيمة، وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، وإبداء ~~خدامهن عند ذلك. قال حاتم: # أخو الحرب، إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقال ابن الرقيات: # تذهل الشيخ عن بنيه، وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء # وجاءت منكرة للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة، منكر خارج عن المألوف ~~كقوله: # PageV09P303 # يوم يدع الداع إلى شيء نكر [القمر: 6] ، كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع ~~هائل. # وقال أبو سعيد الضرير: أي يوم يكشف عن أصل الأمر. وساق الشيء: أصله الذي ~~به قوامه، كساق الشجر وساق الإنسان. أي: تظهر يوم القيامة حقائق الأشياء ~~وأصولها. فالساق بمعنى أصل الأمر، وحقيقته. استعارة من ساق الشجر، وفي ~~(الكشف) تجوز آخر، أو هو ترشيح له. # وقال الإمام ابن حزم رحمه الله في (الفصل) : ما صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن يوم القيامة أن الله عز وجل يكشف عن ساقه، فيخرون سجدا. فهذا ~~كما قال الله عز وجل في القرآن: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود. وإنما ~~هو إخبار ms4521 عن شدة الأمر، وهول الموقف، كما تقول العرب: قد شمرت الحرب عن ~~ساقها. قال جرير: # ألا رب سامي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا # والعجب ممن ينكر هذه الأخبار الصحاح. وإنما جاءت بما جاء به القرآن نصا. # ولكن من ضاق علمه أنكر ما لا علم له به. وقد عاب الله هذا فقال بل كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه [يونس: 39] انتهى. # هذا وقد ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن الآية وعيد دنيوي للمشركين، لا ~~أخروي. قال: إنه لا يمكن حمله على يوم القيامة، لأنه تعالى قال في وصف هذا ~~اليوم: ويدعون إلى السجود، ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا تكليف، بل المراد ~~منه: إما آخر أيام الرجل في دنياه، كقوله تعالى: يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~[الفرقان: 22] ، ثم إنه يرى الناس يدعون إلى الصلوات إذا حضرت أوقاتها، وهو ~~لا يستطيع الصلاة، لأنه الوقت الذي لا ينفع نفسا إيمانها. وإما حال الهرم ~~والمرض والعجز. وقد كانوا قبل ذلك يدعون إلى السجود، وهم سالمون مما بهم ~~الآن، إما من الشدة النازلة بهم من هول ما عاينوا عند الموت، أو من العجز ~~والهرم. ونظير هذه الآية قوله فلولا إذا بلغت الحلقوم [الواقعة: 83] انتهى. # قال الرازي: واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن حمل اللفظ على ما قاله أبو ~~مسلم. # فأما قوله إنه لا يمكن حمله على القيامة، بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ~~هاهنا، والتكاليف زائلة يوم القيامة، فجوابه: أن ذلك لا يكون على سبيل ~~التكليف، بل على سبيل التقريع والتخجيل، فلم قلتم إن ذلك غير جائز؟ # PageV09P304 # ثم تأثر تعالى تخويفهم بعظمة يوم القيامة، بترهيبهم بما عنده وفي قدرته، ~~من القهر، فقال سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : آية 44] # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث أي كله إلي فإني أكفيكه، وهذا من بليغ ~~الكناية. كأنه يقول: حسبك انتقاما منه، أن تكل أمره إلي، وتخلي بيني وبينه، ~~فإني عالم بما يجب ms4522 أن يفعل به، قادر على ذلك. سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~أي سنكيدهم بالإمهال وإدامة الصحة، وزيادة النعم، من حيث لا يعلمون أنه ~~استدراج، وسبب لهلاكهم. يقال: استدرجه إلى كذا، أي: استنزله إليه درجة ~~فدرجة، حتى يورطه فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : آية 45] # وأملي لهم إن كيدي متين (45) # وأملي لهم أي أمهلهم وأنسئ في آجالهم ملاوة من الزمان، لتكمل حجة الله ~~عليهم. إن كيدي متين أي كيدي بأهل الكفر شديد قوي. # قال الزمخشري: الصحة والرزق والمد في العمر، إحسان من الله وإفضال، يوجب ~~عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم. فلما تدرجوا ~~به إلى الهلاك، وصف النعم بالاستدراج. وقيل: كم من مستدرج بالإحسان إليه، ~~وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. وسمى إحسانه وتمكينه ~~(كيدا) ، كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد، حيث كان سببا للتورط في ~~الهلكة. ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 46 الى # 47] # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) # أم تسئلهم أجرا أي على ما أتيتهم به من النصيحة، ودعوتهم إليه من الحق. # فهم من مغرم مثقلون أي من عزة ذلك الأجر مثقلون. أي أثقلهم الأداء، ~~فتحاموا لذلك قبول نصيحتك، وتجنبوا الدخول فيما دعوتهم إليه. والمعنى: لم ~~تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمله حتى يثبطهم عن ~~الإيمان. أم # PageV09P305 # عندهم الغيب فهم يكتبون # أي منه ما يحكمون به، فيجادلونك بما فيه، ويزعمون أنهم على كفرهم بربهم ~~أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به، وأنهم مستغنون عن وحيه وتنزيله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 48 الى 50] # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين (50) # فاصبر لحكم ربك وهو إمهالهم، وتأخير ظهورك عليهم. أي لا يثنينك، عن تبليغ ~~ما أمرت ms4523 به، أذاهم وتكذيبهم، بل امض صابرا عليه ولا تكن كصاحب الحوت يعني: ~~يونس عليه السلام إذ نادى أي دعا ربه في بطن الحوت وهو مكظوم أي مملوء غيظا ~~وغما. والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والونى عن التبليغ، فتبتلى ~~ببلائه لولا أن تداركه نعمة من ربه وهو قبول توبته ورحمته، تضرعه وابتهاله ~~لنبذ بالعراء وهو مذموم قال الزمخشري: يعني أن حاله كانت على خلاف الذم حين ~~نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذم. والعراء: # الفضاء من الأرض. # فاجتباه ربه أي برحمته. قال القاشاني: لمكان سلامة فطرته، وبقاء نور ~~استعداده، وعدم رسوخ الهيئة الغضبية، والتوبة عن فرطات النفس، فقربه تعالى ~~إليه فجعله من الصالحين أي لمقام النبوة والرسالة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القلم (68) : الآيات 51 الى 52] # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه ~~لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قال الزمخشري: يعني أنهم من شدة ~~تحديقهم، ونظرهم إليك شزرا، بعيون العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك، أو ~~يهلكونك. من قولهم (نظر إلى نظرا يكاد يصرعني، ويكاد يأكلني) أي لو أمكنه ~~بنظره الصرع أو الأكل، لفعله. قال: # يتقارضون، إذا التقوا في موطن، ... نظرا يزل مواطئ الأقدام # وأنشد ابن عباس- وقد مر بأقوام حددوا النظر إليه-: # PageV09P306 # نظروا إلي بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر # وبين تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم للقرآن، وهو قوله: لما سمعوا الذكر أي القرآن، معاداة لحكمته. ويقولون ~~إنه لمجنون أي من الهذيان الذي يهذي به في جنونه، لعدم تمالك أنفسهم من ~~الحسد منه، والتنفير عنه. وما هو إلا ذكر للعالمين أي عظة وحكمة وتذكير ~~وتنبيه لهم، على ما في عقولهم وفطرهم من التوحيد. فكيف يجنن من جاء بمثله؟ ~~- وبالله التوفيق-. # PageV09P307 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الحاقة # مكية. وآيها إحدى وخمسون. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة الحاقة # (69) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم ms4524 # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) # الحاقة أي الساعة الحاقة التي تحق فيها الأمور، ويجب فيها الجزاء على ~~الأعمال. من قولهم: حق عليه الشيء، إذا وجب. وقوله: ما الحاقة من وضع ~~الظاهر موضع المضمر، تفخيما لشأنها، وتعظيما لهولها. وما أدراك ما الحاقة ~~قال بعضهم: من عوائد العرب في محاوراتهم اللطيفة، إذا أرادوا تشويق المخاطب ~~في معرفة شيء ودرايته، أتوا بإجمال وتفصيل. أي: أي شيء أعلم المخاطب ما هي؟ # تأكيدا لتفخيم شأنها، حتى كأنها خرجت من دائرة علم المخاطب. على معنى: أن ~~عظم شأنها، وما اشتملت عليه من الأوصاف، مما لم تبلغه دراية أحد من ~~المخاطبين، ولم تصل إليه معرفة أحد من السامعين، ولا أدركه وهمه، وكيفما ~~قدر حالها، فهي وراء ذلك وأعظم. ومنه يعلم أن الاستفهام كناية عن لازمه، من ~~أنها لا تعلم، ولا يصل إليها دراية دار، ولا تبلغها الأفكار. ### | ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 4 الى # 8] # كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) # PageV09P308 # كذبت ثمود وعاد بالقارعة أي بالساعة التي تقرع الناس بأهوالها وهجومها ~~عليهم. # قال الزمخشري: ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع في الحاقة، زيادة ~~في وصف شدتها. ولما ذكرها وفخمها، أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها، وما حل بهم ~~بسبب التكذيب، تذكيرا لأهل مكة، وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم. # فأما ثمود وهم قوم صالح عليه السلام فأهلكوا بالطاغية أي بالواقعة ~~المجاوزة للحد في الشدة، أو بطغيانهم، و (الطاغية) مصدر كالعافية. # وأما عاد وهم قوم هود عليه السلام فأهلكوا بريح صرصر أي: شديدة العصوف ~~والبرد عاتية أي: متجاوزة الحد المعروف في الهبوب والبرودة. # سخرها أي: سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أي متتابعات من (حسمت ~~الدابة) ، إذا تابعت بين كيها. شبه تتابع الريح المستأصلة بتتابع الكي ~~القاطع للداء. أو معناه: نحسات، حسمت ms4525 كل خير واستأصلته، أو قاطعات، قطعت ~~دابرهم. هذا على أن (حسوما) جمع حاسم، كشهود وقعود. فإن كان مصدرا فنصبه ~~بمضمر. أي تحسم حسوما، أو بأنه مفعول له. أي سخرها عليهم للحسوم، أي ~~الاستئصال. وقد قيل: إن تلك الأيام هي أيام العجز. والعامة تقول: (العجوز) ~~وهي التي تكون في عجز الشتاء، أي آخره. # فترى القوم فيها صرعى أي هلكى، جمع صريع كأنهم أعجاز نخل خاوية أي ساقطة ~~مجتثة من أصولها كآية: كأنهم أعجاز نخل منقعر [القمر: 20] ، فهل ترى لهم من ~~باقية أي: بقاء. أو نفس باقية، أو بقية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 9 الى # 12] # وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم ~~تذكرة وتعيها أذن واعية (12) # وجاء فرعون ومن قبله أي: من الأمم المكذبة، كقوم نوح وعاد وثمود ~~والمؤتفكات وهي قرى قوم لوط بالخاطئة أي: بالخطإ، أو الأفعال الخاطئة، على ~~المجاز في النسبة. فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية أي: زائدة في الشدة. ~~إنا لما طغى الماء أي: كثر وتجاوز حده المعروف، بسبب إصرار قوم نوح على ~~الكفر والمعاصي، وتكذيبه، عليه السلام حملناكم في الجارية أي السفينة التي ~~تجري في الماء. # PageV09P309 # قال ابن جرير: خاطب الذين نزل فيهم القرآن، وإنما حمل أجدادهم نوحا ~~وولده، لأن الذين خوطبوا بذلك، ولد الذين حملوا في الجارية، فكان حمل الذين ~~حملوا فيها من الأجداد، حملا لذريتهم. # لنجعلها # أي تلك الفعلة التي هي إنجاء المؤمنين، وإغراق الكافرين لكم تذكرة # أي: آية وعبرة تذكرون بها صدق وعده في نصر رسله، وتدمير أعدائه. # وتعيها # أي تحفظها أذن واعية # أي حافظة لما سمعت عن الله، متفكرة فيه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 13 الى # 17] # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~(14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك ~~على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) # فإذا نفخ في الصور ms4526 نفخة واحدة أي: لخراب العالم. # قال أبو السعود: هذا شروع في بيان نفس الحاقة، وكيفية وقوعها، إثر بيان ~~عظم شأنها بإهلاك مكذبيها. # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة أي: رفعتا وضربتا ببعضهما من شدة ~~الزلازل. وفي توصيفها بالوحدة تعظيم لها، وإشعار بأن المؤثر لدك الأرض ~~والجبال وخراب العالم، هي وحدها، غير محتاجة إلى أخرى. # فيومئذ وقعت الواقعة أي: نزلت النازلة، وهي القيامة. # وانشقت السماء أي: انصدعت فهي يومئذ واهية متمزقة. # والملك على أرجائها أي: جوانبها وأطرافها حين تشقق. ويحمل عرش ربك فوقهم ~~أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يومئذ ثمانية أي: من الملائكة أو من ~~صفوفها. # قال ابن كثير: يحتمل أن يكون المراد بهذا العرش (العرش العظيم) ، أو ~~العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة، لفصل القضاء، - والله أعلم- انتهى. # ومثله، من الغيوب التي يؤمن بها، ولا يجب اكتناهها. وتقدم في سورة ~~الأعراف، في تفسير آية ثم استوى على العرش [الأعراف: 54] كلام لبعض علماء ~~الفلك على هذه الآية، فتذكره. # PageV09P310 # وذهب بعض منهم إلى أن المراد بالعرش ملكه تعالى للسموات والأرض، وب ~~(الثمانية) السموات السبع والأرض. وعبارته: ويحمل بالجذب عرش ربك أي: ملك ~~ربك للأرض والسموات فوقهم يومئذ أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم ~~القيامة، ثمانية أي: السموات السبع والأرض. # قال: وهذا يدل على أن (السبع) ليس للكثرة، بل المراد به الحقيقة. فهم ~~ثمانية يحملون العرش، أي: ملك الأرض والسموات السبع بالجذب، كما هو حاصل ~~اليوم. ولكن ذلك يكون بشكل عظيم جدا. # ثم قال: ولا وجه لمعترض يقول: إن حملة العرش مسبحة، لقوله تعالى: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم [غافر: 7] ، فكيف تسبح ~~السماوات والأرض؟ لأنه يجاب بقوله تعالى: تسبح له السماوات السبع والأرض ~~ومن فيهن [الإسراء: 44] . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 18 الى # 24] # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية ~~(21) في جنة عالية (22) # قطوفها دانية ms4527 (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) # يومئذ تعرضون أي: على ربكم للحساب والمجازاة لا تخفى منكم خافية أي سريرة ~~كانت تخفى في الدنيا بستر الله. # فأما من أوتي كتابه بيمينه أي: علامة لفوزه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه أي: ~~تعالوا، أو خذوا. والهاء للسكت، لا ضمير غيبة. # قال الشهاب: فحقها أن تحذف وصلا، وتثبت وقفا، لتصان حركة الموقوف عليه، ~~فإذا وصل استغنى عنها. ومنهم من أثبتها في الوصل لإجرائه مجرى الوقف، أو ~~لأنه وصل بنية الوقف. وإثباتها وصلا قراءة صحيحة، ولا يلتفت لقول بعض ~~النحاة: # إنها لحن. # إني ظننت أي: علمت أني ملاق حسابيه أي جزائي يوم القيامة. أي: # فأعددت له عدته من الإيمان والعمل الصالح. # فهو في عيشة راضية أي: ذات رضا، ملتبسة به، فيكون بمعنى (مرضية) . # أو الأصل: راض صاحبها، فأسند الرضا إليها، لجعلها، لخلوصها عن الشوائب، ~~كأنها # PageV09P311 # نفسها راضية مجازا ويجوز أن يكون فيه استعارة مكنية وتخييلية، كما فصل في ~~(المطول) . # في جنة عالية قطوفها جمع قطف بكسر القاف، وهو ما يقطف من ثمرها دانية أي ~~قريبة سهلة التناول. # كلوا أي: يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية أي: # الماضية في الحياة الدنيا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 25 الى # 37] # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني ~~سلطانيه (29) # خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) # فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا ~~الخاطؤن (37) # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول أي: عند ما يلاقي العذاب يا ليتني لم ~~أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه أي: أي شيء حسابي. # يا ليتها كانت القاضية قال ابن جرير: أي يا ليت الموتة التي متها في ~~الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها، ms4528 ولم يكن بعدها حياة ولا بعث. و ~~(القضاء) هو الفراغ. وقيل: إنه تمنى الموت الذي يقضي عليه، فتخرج منه نفسه. # ما أغنى عني ماليه أي: ما دفع من عذاب الله شيئا. # هلك عني سلطانيه أي ملكي وتسلطي على الناس. أو حجتي، فلا حجة لي أحتج ~~بها. # خذوه أي: يقال لخزنة النار: خذوه بالقهر والشدة فغلوه أي: ضموا يده إلى ~~عنقه، إذ لم يشكر ما ملكته. # ثم الجحيم صلوه أي: أدخلوه ليصلى فيها، لأنه لم يشكر شيئا من النعم، ~~فأذيقوه شدائد النقم. # ثم في سلسلة أي حلقة منتظمة بأخرى، وهي بثالثة، وهلم جرا. # ذرعها أي: مقدارها سبعون ذراعا فاسلكوه فأدخلوه فيها. أي: لفوه بها، بحيث ~~يكون فيما بين حلقها مرهقا، لا يقدر على حركة. # PageV09P312 # قال القاشاني: والسبعون في العرف عبارة عن الكثرة غير المحصورة، لا العدد ~~المعين. # ثم علل استحقاقه ذلك، على طريقة الاستئناف، بقوله: إنه كان لا يؤمن بالله ~~العظيم أي: المستحق للعظمة وحده، بل كان يشرك معه الجماد المهين. # ولا يحض على طعام المسكين أي: إطعامه، فضلا عن بذله، لتناهي شحه. # فليس له اليوم هاهنا حميم أي: قريب تأخذه الحمية له. # ولا طعام إلا من غسلين أي: من غسالة أهل النار وصديدهم. # قال ابن جرير: كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: كل جرح غسلته ~~فخرج منه شيء فهو (غسلين) - فعلين- من الغسل من الجراح والدبر، وزيد فيه ~~الياء والنون بمنزلة عفرين. # لا يأكله إلا الخاطؤن أي. الآثمون، أصحاب الخطايا. يقال: خطئ الرجل، إذا ~~تعمد الخطأ. قال الرازي: الطعام ما هيئ للأكل. فلما هيئ الصديد ليأكله أهل ~~النار كان طعاما لهم. ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم مقام الطعام، فسمي ~~طعاما. كما قال: # تحية بينهم ضرب وجيع ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 38 الى # 43] # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) ~~وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) # تنزيل من رب العالمين (43) # فلا أقسم ms4529 بما تبصرون وما لا تبصرون أي: بالمشاهدات والمغيبات. وهذا ~~القسم- كما قال الرازي- يعم جميع الأشياء على الشمول، لأنها لا تخرج من ~~قسمين: مبصر وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والعالم ~~العلوي والسفلي، وهكذا. وتقدم في (الواقعة) الكلام على كلمة (لا أقسم) ~~فتذكر. # إنه أي: القرآن لقول رسول كريم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، يبلغه عن ~~الله تعالى، لأن الرسول لا يبلغ عن نفسه. # وما هو بقول شاعر أي: كما تزعمون، فإن بين أسلوبه وحقائقه، وبين وزن ~~الشعلة وخيالاته، بعد المشرقين. # قليلا ما تؤمنون. تصدقون بما ظهر صدقه وبرهانه، عنادا وعتوا. والقلة # PageV09P313 # كناية عن النفي والعدم. ونصب (قليلا) على أنه نعت لمصدر، أو زمان مقدر. ~~أي إيمانا وزمانا. والناصب (تؤمنون) أو (تذكرون) . و (ما) زائدة- هذا ما ~~قاله ابن عادل- وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون نافية ومصدرية. # ولا بقول كاهن أي كما تدعون أخرى بأنه من سجع الكهان قليلا ما تذكرون أي ~~تتعظون وتعتبرون. قيل: نفى الإيمان في الأول، والذكرى في الثاني، لأن عدم ~~مشابهة القرآن للشعر أمر بين، لا ينكره إلا معاند. فلا عذر لقائله في ترك ~~الإيمان، وهو أكفر من حمار. وأما مباينته للكهانة، فيتوقف على تذكر ما، لأن ~~الكاهن يأخذ جعلا، ويجيب عما سئل عنه ويتكلف السجع، ويكذب كثيرا، وإن التبس ~~على الحمقى لإخباره عن بعض المغيبات بكلام منثور، فتأمل. # تنزيل أي هو تنزيل من رب العالمين أي ممن رباهم بصنوف نعمه، ومنها ما ~~نزله وأوحاه ليهتدوا به إلى سبل السعادة، ومناهج الفلاح. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 44 الى # 47] # ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه ~~الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) # ولو تقول علينا بعض الأقاويل أي افترى علينا. وسمى الكذب تقولا، لأنه قول ~~متكلف، كما تشعر به صيغة التفعل. والأقاويل إما جمع (قول) على غير القياس، ~~أو جمع الجمع كالأناعيم، جمع أقوال وأنعام. قيل: تسمية الأقوال المفتراة ~~(أقاويل) تحقيرا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كالأضاحيك. ms4530 # لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين قال ابن جرير: أي لأخذنا منه ~~بالقوة منا والقدرة، ثم لقطعنا منه نياط القلب. وإنما يعني بذلك أنه كان ~~يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. وقد قيل: إن معنى قوله لأخذنا منه باليمين ~~لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه. قال: وإنما ذلك كقول ذي السلطان إذا أراد ~~الاستخفاف ببعض من بين يديه لبعض أعوانه: خذ بيده، فأقمه، وافعل به كذا ~~وكذا: قالوا: وكذلك معنى قوله لأخذنا منه باليمين أي لأهناه. كالذي يفعل ~~بالذي وصفنا حاله. انتهى. # وقال الزمخشري: المعنى لو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا، كما ~~يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معاجلة بالسخط والانتقام. فصور قتل الصبر ~~بصورته ليكون أهول. وهو أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته. وخص اليمين عن اليسار، ~~لأن # PageV09P314 # القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه ~~في جيده، وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور، لنظره إلى السيف، أخذ ~~بيمينه. فمعنى لأخذنا منه باليمين لأخذنا بيمينه. كما أن قوله لقطعنا منه ~~الوتين لقطعنا وتينه، وهذا بين. انتهى. # وما قرره الزمخشري أبلغ في المراد، وهو بيان المعاقبة بأشد العقوبة، إذ ~~على الأول يفوت التصوير والتفصيل والإجمال، لأن قوله باليمين بعد لأخذنا ~~منه بيان بعد الإبهام، ويصير قوله منه زائدا من غير فائدة، ويرتكب المجاز ~~من غير فائدة أيضا- كما في (العناية) -. # فما منكم من أحد عنه حاجزين أي ليس أحد منكم يحجزنا عنه، ويحول بيننا ~~وبين عقوبته، لو تقول علينا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الحاقة (69) : الآيات 48 الى 52] # وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على ~~الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) # وإنه أي القرآن لتذكرة للمتقين أي عظة لمن يتقي عقاب الله بالإيمان به ~~وحده، وما نزل من عنده. وإنا لنعلم أن منكم مكذبين أي له، إيثارا للدنيا ~~والهوى. أي فنجازيكم على إعراضكم. وإنه لحسرة على الكافرين أي ندامة عليهم، ~~إذا رأوا ثواب المؤمنين به. وإنه لحق ms4531 اليقين أي للحق اليقين الذي لا ريب ~~فيه. فسبح باسم ربك العظيم أي دم على ذكر اسمه، وادأب على الدعوة إليه ~~وحده، وإلى ما أوحاه إليك. فالعاقبة لك، ولمن اتبعك من المؤمنين. # PageV09P315 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المعارج # وتسمى سورة سأل سائل. وهي مكية. وآيها أربع وأربعون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج ~~(3) # سأل سائل بعذاب واقع للكافرين قال مجاهد: أي دعا داع بعذاب يقع في ~~الآخرة، وهو قولهم اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] . والسائل هو النضر بن الحارث بن ~~كلدة- فيما رواه النسائي عن ابن عباس- وقد قيل: إن الموعود بوقوعه عذاب ~~الدنيا. وقد قتل النضر ببدر، ففي الآية إخبار عن مغيب وقع مصداقه. ~~وللكافرين صفة ثانية ل (عذاب) ، أو صلة ل (واقع) . واللام للتعليل، أو ~~بمعنى (على) . ليس له دافع من الله أي راد يرده من جهته، لتعلق إرادته به. ~~وهذا كقوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده [الحج: 47] . # وقوله تعالى ذي المعارج قال الرازي: المعارج جمع معرج، وهو المصعد. # ومنه قوله تعالى ومعارج عليها يظهرون [الزخرف: 33] . # والمفسرون ذكروا فيه وجوها: # أحدها- قال ابن عباس في رواية: أي هي السموات. وسماها معارج لأن الملائكة ~~يعرجون فيها. # وثانيها- قال قتادة: ذي الفواضل والنعم. وذلك لأن لأياديه ووجوده إنعامه ~~مراتب، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة. # وثالثها- أن المعارج هي الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة. وقوله ~~تعالى: # PageV09P316 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : آية 4] # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال ابن ~~جرير: # أي تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل، إليه عز وجل، في يوم كان مقدار ~~صعودهم ذلك، في يوم لغيرهم من الخلق، خمسين ألف سنة. وذلك أنها تصعد من ~~منتهى أسفل ms4532 الأرض، إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع. # وقيل: بل معناه تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يفرغ فيه من القضاء بين ~~خلقه، كان قدر ذلك اليوم الذي فرغ فيه من القضاء بينهم قدر خمسين ألف سنة. # وقد قيل: إن (في يوم) متعلق ب (واقع) . والمراد به يوم القيامة. # فعن ابن عباس: هو يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف ~~سنة. والمقدار المذكور إما حقيقي، أو مجاز عن الاستطالة. # قال الشهاب: وهكذا زمان كل شدة، كما قيل: # تمتع بأيام السرور، فإنها ... قصار، وأيام الغموم طوال # ونقل الرازي عن أبي مسلم أن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها، من أول ما خلق ~~الله إلى آخر الفناء. فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ~~ونزولهم، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة. ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت ~~القيامة معلوما، لأنا لا ندري كم مضى وكم بقي. انتهى. وهو بعيد، وهذه الآية ~~كآية يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف ~~سنة مما تعدون [السجدة: 5] ، ولا منافاة في التقدير، لأن المعني به ~~الاستطالة، لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات. ~~والقرآن يفسر بعضه بعضا- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 5 الى # 14] # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) # PageV09P317 # فاصبر صبرا جميلا أي: على ما يقولون. ولا يضق صدرك، فقد قرب الانتقام ~~منهم. # إنهم يرونه أي: العذاب الدنيوي أو الأخروي بعيدا أي: وقوعه، لعدم إيمانهم ~~بوعيده تعالى. ونراه قريبا أي قريب الحضور. يوم تكون السماء كالمهل أي ~~كالشيء المذاب، أو دردي الزيت. و (يوم) إما ظرف ل (قريبا) ، أو لمحذوف. # وتكون الجبال كالعهن أي: كالصوف. # ولا يسئل حميم حميما أي ms4533 قريب قريبا عن شأنه، لشغله بشأن نفسه. # يبصرونهم أي يعرفون أقرباءهم، ومع ذلك يفر بعضهم من بعض. وفيه تنبيه على ~~أن المانع من هذا السؤال هو الاندهاش مما نزل، لا احتجاب بعضهم من بعض. # يود المجرم أي يتمنى الكافر لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه أي الذين هم ~~محل شفقته. # وصاحبته أي التي هي أحب إليه وأخيه أي الذي يستعين به في النوائب. # وفصيلته أي عشيرته التي تؤويه أي تضمه إليها عند الشدائد. # ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه أي الافتداء. أو المذكور. أو من في الأرض. # عطف على (يفتدى) . و (ثم) للاستبعاد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 15 الى # 18] # كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى ~~(18) # كلا أي لا يكون ذلك إنها أي النار الموعود بها المجرم لظى أي لهب خالص. ~~نزاعة للشوى أي الأطراف، كاليد والرجل. أو جمع (شواة) وهي جلدة الرأس. ~~تدعوا أي إلى صليها من أدبر أي عن الحق وتولى أي عن الطاعة. وجمع أي المال ~~فأوعى أي جعله في وعاء وكنزه، ومنع حق الله منه، فلم نزك، ولم ينفق فيما ~~أوجب الله عليه إنفاقه فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 21] # إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا ~~(21) # إن الإنسان خلق هلوعا أي قليل الصبر، شديد الحرص، كما بينه بقوله: # إذا مسه الشر أي الضر والبلاء جزوعا أي كثير الجزع من قلة صبره. # PageV09P318 # وإذا مسه الخير أي كثر ماله، وناله الغنى منوعا أي لما في يده، بخيل به، ~~لشدة حرصه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 22 الى # 35] # إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق ~~معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) # والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين ~~هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك ms4534 فأولئك هم العادون (31) # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) # إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون أي مقيمون، لا يضيعون منها شيئا. ~~والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم أي المتعفف الذي أدبرت عنه ~~الدنيا، فلا يسأل الناس. وقيل: الذي لا ينمي له مال. وقيل: المصاب ثمره، ~~أخذا من قوله أصحاب الجنة في السورة قبل بل نحن محرومون [القلم: 27] . # واللفظ أعم من ذلك كله. # وقد روى ابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن الحق المعلوم أهو الزكاة؟ فقال: # إن عليك حقوقا سوى ذلك. # ومثله عن ابن عباس قال: هو سوى الصدقة، يصل بها رحما، أو يقري بها ضيفا، ~~أو يحمل بها كلا، أو يعين بها محروما. # وعن الشعبي: أن في المال حقا سوى الزكاة. # والذين يصدقون بيوم الدين أي الجزاء. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون قال ~~ابن جرير: أي وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له ~~فرضا، ولا يتعدون له حدا. إن عذاب ربهم غير مأمون أي أن ينال من عصاه، ~~وخالف أمره. والذين هم لفروجهم حافظون أي لغلبة ملكة الصبر، وامتلاك ~~ناصيته. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ~~وراء ذلك قال ابن جرير: أي التمس لفرجه منكحا سوى زوجته، أو ملك يمينه.. ~~فأولئك هم العادون أي الذين عدوا ما أحل الله لهم، إلى ما حرمه عليهم. ~~والذين هم لأماناتهم # PageV09P319 # وعهدهم راعون # قال ابن جرير: أي لأمانات الله التي ائتمنهم عليها من فرائضه، وأمانات ~~عباده التي ائتمنوا عليها، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ~~ونهاهم، وعهود عباده التي أعطاهم، على ما عقده لهم على نفسه راعون، يرقبون ~~ذلك ويحفظونه فلا يضيعونه. والذين هم بشهاداتهم قائمون أي لا يكتمون ما ~~استشهدوا عليه، ولكنهم يقومون بأدائها حيث يلزمهم أداؤها، غير مغيرة ولا ~~مبدلة. # والذين هم على صلاتهم يحافظون أي لا يضيعون لها ميقاتا ولا حدا. ms4535 قيل: ~~الحفظ عن الضياع، استعير للإتمام والتكميل للأركان والهيئات. ولذا قال ~~القاضي: وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولا وآخرا، باعتبارين: للدلالة على ~~فضلها، وإنافتها على غيرها. # أولئك في جنات مكرمون أي بثواب الله تعالى، لاتصافهم بمكارم الأخلاق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 36 الى 39] # فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع ~~كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) # فمال الذين كفروا قبلك مهطعين أي مسرعين للحضور، ليظفروا بما يتخذونه ~~هزؤا. # وعن ابن زيد: (المهطع) الذي لا يطرف. # عن اليمين وعن الشمال عزين أي متفرقين حلقا ومجالس، جماعة جماعة، معرضين ~~عنك، وعن كتاب الله. أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم أي ولم يتصف ~~بصفات أهلها المنوه بها قبل. كلا أي لا يكون ذلك، لأنه طمع في غير مطمع. ~~إنا خلقناهم مما يعلمون أي من النطف. يعني: ومن قدر على ذلك فلا يعجزه ~~إهلاكهم، فليحذروا عاقبة البغي والفساد. ولذا قال: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المعارج (70) : الآيات 40 الى 44] # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) # فلا أقسم برب المشارق والمغارب يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه، أو # PageV09P320 # مشرق كل كوكب ومغربه، أو الأقطار التي تشرق فيها الشمس وتغرب. إنا ~~لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين أي بمغلوبين، إن أردنا ~~ذلك. فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون أي أخذهم فيه ~~وهلاكهم. يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون أي يسرعون. # و (النصب) الضم المنصوب للعبادة، أو العلم المنصوب على الطريق ليهتدي به ~~السالك، أو ما ينصب علامة لنزول الملك وسيره. فهم يسرعون إسراع عبدة ~~الأصنام نحو صنمهم، أو إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها. ms4536 أو إسراع الجند ~~إلى راية الأمير. خاشعة أبصارهم أي من الخزي والهوان. ترهقهم ذلة أي تغشاهم ~~ذلة من هول ما حاق بهم. ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون أي بأنهم ملاقوه. # PageV09P321 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة نوح # قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته وأدعيته. وهي مكية. # وآيها ثمان وعشرون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم يعني ~~عذاب الطوفان قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ~~يغفر لكم من ذنوبكم أي يعفو عنها. ومن إما مزيدة، أو تبعيضيه. وهو ما وعدهم ~~العقوبة عليها. وأما ما لم يعدهم العقوبة عليها، فقد تقدم عفوه لهم عنها. ~~أو هو ما سبق، فإن الإسلام يجب ما قبله ويؤخركم إلى أجل مسمى وهو أقصى ما ~~قدره بشرط الإيمان. أي فلا يعاجلكم بعذاب غرق أو نحوه. إن أجل الله أي الذي ~~كتبه على من كذب وتولى إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون أي من أهل العلم ~~والنظر لأنبتم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 5 الى 14] # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا (9) # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) # PageV09P322 # قال أي نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه ms4537 الحيل، في تلك المدد ~~الطوال، رب إني دعوت قومي أي إلى التوحيد والعمل الصالح ليلا ونهارا أي ~~دائما بلا فتور ولا توان. فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أي من الحق الذي ~~أرسلتني به وإني كلما دعوتهم أي إلى الإيمان لتغفر لهم أي بسببه جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم أي سدوا مسامعهم من استماع الدعوة واستغشوا ثيابهم أي ~~تغطوا بها من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين وأصروا أي على الشر ~~والكفر واستكبروا استكبارا أي تعاظموا عن الإذعان للحق، وقبول ما دعوتهم ~~إليه من النصيحة ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ~~أي دعوتهم مرة بعد مرة، على وجوه متنوعة، ما بين مجاهرة وإظهار بلا خفاء، ~~وما بين إعلان وصياح بهم، وما بين إسرار فيما بيني وبينهم في خفاء. وهذه ~~المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. فقلت استغفروا ~~ربكم أي سلوه العفو عما سلف بالتوبة النصوح إنه كان غفارا أي لذنوب من تاب ~~وأناب. يرسل السماء أي المطر عليكم مدرارا أي متتابعا. ويمددكم بأموال ~~وبنين أي فيكثرها عندكم ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا أي لسقيا جناتكم ~~ومزارعكم. ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا ترون له عظمة، إذ تشركون معه ما ~~لا يسمع ولا يبصر. فنفي الرجاء مراد به نفي لازمه، وهو الاعتقاد، مبالغة. ~~وجوز أن يكون الرجاء بمعنى الخوف، أي ما لكم لا تخافون عظمة الله. ومنه ~~قوله: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # قال الشهاب: وهو أظهر. # وقد خلقكم أطوارا أي تارات، ترابا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة، ~~وهكذا طورا بعد طور. أي ومقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه وأخذه، لعظيم ~~قدرته. هذا في أنفسكم. وهكذا يستدل على باهر عظمته، وقاهر قدرته من آياته ~~الكونية. كما قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 15 الى # 20] # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا (16) والله أنبتكم ms4538 من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) # لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس # PageV09P323 # سراجا # أي يزيل ظلمه الليل، وينير وجه الأرض. والله أنبتكم من الأرض نباتا أي ~~أنشأكم منها. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا أي للحساب والجزاء. والله جعل ~~لكم الأرض بساطا أي تستقرون عليها وتمتهدونها. لتسلكوا منها سبلا فجاجا أي ~~طرقا مختلفة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 21 الى 25] # قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ~~ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) ~~مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) # قال نوح رب إنهم عصوني أي خالفوا أمري وردوا علي ما دعوتهم إليه من الهدى ~~والرشاد، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا أي رؤساءهم المتبوعين، ~~أهل المال والجاه، المعرضين عن الحق، الذين غرتهم أموالهم وأولادهم، فهلكوا ~~بسببهما، وخسروا سعادة الدارين. # ومكروا مكرا كبارا أي متناهيا كبره، فإن (الكبار) أكبر من (الكبير) . # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال ~~قتادة: كانت آلهة تعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك. # قال: فكان (ود) لكلب بدومة الجندل، وكانت (سواع) لهزيل، وكان (يغوث) لبني ~~غطيف من مراد بالجرف، وكان (يعوق) لهمذان، وكان (نسر) لذي الكلاع من حمير. # وقال (في رواية) : والله ما عدا- أي كل منها- خشبة أو طينة أو حجرا. # وقال ابن جرير: كان خبرهم- فيما بلغنا- من محمد بن قيس قال: كانوا قوما ~~صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم ~~الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. ~~فصورهم. # فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم ~~يسقون المطر، فعبدوهم. # وروى ms4539 البخاري «1» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال. صارت الأوثان التي ~~PageV09P324 # كانت في قوم نوح في العرب، بعد: أما (ود) ، فكانت لكلب بدومة الجندل، ~~وأما (سواع) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند ~~سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمذان، وأما (نسر) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: # أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ~~انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا. ~~فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم، عبدت. ### | تنبيهات: # الأول- قال الرازي: في انتقالها عن قوم نوح إلى العرب. إشكال، لأن الدنيا ~~قد خربت في زمان الطوفان، فكيف بقيت تلك الأصنام، وكيف انتقلت إلى العرب. ~~ولا يمكن أن يقال إن نوحا عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها، لأنه عليه ~~السلام إنما جاء لنفيها وكسرها، فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة ~~سعيا منه في حفظها؟ انتهى كلامه. # ونحن نقول: إن جوابه بديهي، وهو أن انتقالها إلى العرب بواسطة نقل أحوال ~~قوم نوح وأبنائهم وعوائدهم، على ألسنة الرحل والسمار، لأن سيرة القرن ~~المتقدم في العصر المتأخر، وسنة الخالف أن يؤرخ السالف. وجلي أن النفس أميل ~~إلى الجهل منها إلى العلم، لا سيما إذ زين له المنكر بصفة تميل إليها، ~~فتكون ألصق به. وهكذا كان بعد انقراض العلم وحملته، أن حدث ما حدث من ~~عبادتها، كما أشارت إليه رواية ابن عباس عند البخاري: حتى إذا هلك أولئك، ~~وتنسخ العلم، عبدت. وعجيب من الرازي أن لا يجد مخرجا من سؤاله، وهو على طرف ~~الثمام. # الثاني- قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : حكى الواقدي قال: كان (ود) ~~على صورة رجل، و (سواع) على صورة امرأة و (يغوث) على صورة أسد، و (يعوق) ~~على صورة فرس، و (نسر) على صورة طائر. وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على ~~صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها. انتهى. # الثالث- قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) أول ما كاد به الشيطان عباد ~~الأصنام، ms4540 من جهة العكوف على القبور، وتصاوير أهلها، ليتذكروهم بها، كما قص ~~الله سبحانه قصصهم في كتابه فقال: وقالوا لا تذرن آلهتكم.. الآية. # ثم قال: وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة، ~~تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم: فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم # PageV09P325 # الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح عليه ~~السلام، ولهذا لعن «1» النبي صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور ~~المساجد السرج، ونهى عن الصلاة إلى القبور، وسأل ربه سبحانه أن لا يجعل ~~قبره وثنا يعبد، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا، # وقال «2» : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد # ، وأمر بتسوية القبور، وطمس التماثيل، فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك ~~كله، إما جهلا، وإما عنادا لأهل التوحيد، ولم يضرهم ذلك شيئا ### | .... # إلى آخر ما ذكره رحمه الله. # وقوله تعالى: وقد أضلوا أي: الرؤساء كثيرا، أي خلقا كثيرا، أو الأصنام ~~كقوله تعالى: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم: 36] . ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا أي خذلانا واستدراجا. وإنما دعا ذلك ليأسه من إيمانهم. # قال أبو السعود: ووضع الظاهر موضع ضميرهم، للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، ~~وتعليل الدعاء عليهم به مما خطيئاتهم أي من أجلها أغرقوا أي بالطوفان ~~فأدخلوا نارا أي أذيقوا به عذاب النار فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا. # قال الزمخشري: تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله، وأنها غير قادرة على ~~نصرهم، وتهكم بهم، كأنه قال فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ~~ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله تعالى: أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ~~[الأنبياء: 43] . # وقال الرازي: لما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل المقدورات، بطل القول ~~بالوسائط. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة نوح (71) : الآيات 26 الى 28] # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) PageV09P326 # وقال ms4541 نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا أي أحدا. # قال ابن جرير: يعني ب (الديار) من يدور في الأرض فيذهب ويجيء فيها، وهو ~~(فيعال) من الدوران، ديوارا اجتمعت الياء والواو، فسبقت الياء الواو وهي ~~ساكنة، وأدغمت الواو فيها، وصيرتا ياء مشددة. والعرب تقول: ما بها ديار ولا ~~عريب ولا دوي ولا صافر ولا نافخ ضرمة. # إنك إن تذرهم يضلوا عبادك عن طريق الحق. ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا قال ~~أبو السعود: أي إلا من سيفجر ويكفر. فوصفهم بما يصيرون إليه، وكأنه اعتذار ~~مما عسى يرد عليه، من أن الدعاء بالاستئصال، مع احتمال أن يكون من أخلافهم ~~من يؤمن، منكر، وإنما قاله لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعد ~~ما جربهم، واستقرأ أحوالهم قريبا من ألف سنة. # وقال بعضهم: مل نوح عليه السلام من دعوة قومه وضجر، واستولى عليه الغضب، ~~ودعا ربه لتدمير قومه وقهرهم، وحكم بظاهر الحال أن المحجوب الذي غلب عليه ~~الكفر لا يلد إلا مثله، فإن النطفة التي تنشأ من النفس الخبيثة المحجوبة، ~~وتتربى بهيئاتها المظلمة، لا تقبل إلا نفسا مثلها، كالبذر الذي لا ينبت إلا ~~من صنفه وسنخه. انتهى. # رب اغفر لي ولوالدي قال ابن جرير: أي رب اعف عني، واستر علي ذنوبي وعلى ~~والدي، ولمن دخل بيتي مؤمنا قال ابن جرير: أي ولمن دخل مسجدي ومصلاي، مصليا ~~مؤمنا بواجب فرضك عليه. وقيل: بيتي منزلي. وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا أي هلاكا وخسارا. # PageV09P327 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الجن # قال المهايمي: سميت بها لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان، ~~وتقبيح الكفر، مع كون أقوالهم أشد تأثيرا في قلوب العامة، لتعظيمهم إياهم. # وهي مكية. وآيها ثمان وعشرون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن أي ms4542 لهذا القرآن الحكيم. والمشهور أن ~~النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقد يستعمل إلى الأربعين كالرهط- كما في ~~(المجمل) -. # قال القاشاني: قد مر أن في الوجود نفوسا أرضية قوية، لا في غلظ النفوس ~~السبعية والبهيمية وكثافتها، وقلة إدراكها، ولا على هيئات النفوس الإنسانية ~~واستعداداتها، ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة، الغالب عليها الأرضية، ولا ~~في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي، وتتجرد متعلقة ~~بأجرام عنصرية لطيفة، غلبت عليها الهوائية أو النارية أو الدخانية، على ~~اختلاف أحوالها. سماها بعض الحكماء الصور المعلقة، ولها علوم وإدراكات من ~~جنس علومنا وإدراكاتنا. # ولما كانت قريبة بالطبع إلى الملكوت السماوية، أمكنها أن تتلقى من عالمها ~~بعض الغيب، فلا تستبعد أن ترتقي إلى أفق السماء، فتسترق السمع من كلام ~~الملائكة، أي النفوس المجردة. ولما كانت أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى ~~السماوية، تأثرت بتأثير تلك القوى، فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها، وإدراك ~~مداها من العلوم. ولا ينكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق ~~وتهلك، أو تنزجر من # PageV09P328 # الارتقاء إلى الأفق السماوي فتتسفل، فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان، ~~وقد أخبر عنها أهل الكشف والعيان، الصادقون من الأنبياء والأولياء، خصوصا ~~أكملهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم. انتهى. # وفي الآية- كما قال القاضي- دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم، ~~ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها، فأخبر ~~الله به رسوله. # فقالوا أي لما رجعوا إلى قومهم إنا سمعنا قرآنا قال المهايمي أي كتابا ~~جامعا للحقائق الإلهية والكونية، والأحكام والمواعظ، وجميع ما يحتاج إليه ~~في أمر الدارين. عجبا أي غريبا، لا تناسبه عبارة الخلق، ولا يدخل تحت ~~قدرتهم. # يهدي إلى الرشد أي إلى الحق وسبيل الصواب فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ~~أي من خلقه، في العبادة معه. ### | تنبيهات: # الأول- هذا المقام شبيه بقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن [الأحقاف: 29] الآية. # وقد روى البخاري عن ابن عباس قال. # انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق ms4543 ~~عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب! فرجعت ~~الشياطين فقالوا: ما لكم؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا ~~الشهب! قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ~~ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث؟ فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ~~ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء! قال: ~~فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة، ~~وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن ~~تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى ~~قومهم فقالوا: يا قومنا! إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن ~~نشرك بربنا أحدا. وأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: قل أوحي ~~إلي أنه استمع نفر من الجن وإنما أوحي إليه قول الجن. ورواه مسلم أيضا وزاد ~~في أوله: ما قرأ رسول الله على الجن ولا رآهم، انطلق ... إلى آخره. # الثاني- قال الماوردي: ظاهر الآية أنهم آمنوا عند سماع القرآن. قال: ~~والإيمان يقع بأحد أمرين: إما بأن يعلم حقيقة الإعجاز، وشروط المعجزة، فيقع ~~له العلم بصدق الرسول. أو يكون عنده علم من الكتب الأولى، فيها دلائل على ~~أنه النبي المبشر به، وكلا الأمرين في الجن محتمل. انتهى. # PageV09P329 # الثالث- قال الرازي: في الآية فوائد: # إحداها- أن يعرفوا بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى الإنس، فقد بعث إلى ~~الجن. # وثانيها- أن يعلم قريش أن الجن، مع تمردهم، لما سمعوا القرآن عرفوا ~~إعجازه، فآمنوا بالرسول. # وثالثها- أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس. # ورابعها- أن يعلم أن الجن يستمعون كلامنا، ويفهمون لغاتنا. # وخامسها- أن يظهر أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان. # وفي كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا عرفها الناس. انتهى. # ولما سمعوا القرآن، ووفقوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا على الخطأ فيما ~~اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه، واتخاذه صاحبة وولدا، فاستعظموه، ~~ونزهوه عنه، فقالوا: ### | القول في تأويل قوله ms4544 تعالى: [سورة الجن (72) : آية 3] # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا أي تعالى ملكه وعظمته، وصدق ~~ربوبيته، عن اتخاذ الصاحبة والولد. # قال ابن جرير: الجد بمعنى الحظ. يقال: فلان ذو جد في هذا الأمر إذا كان ~~له حظ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية (البخت) . والمعنى: أن حظوته من ~~الملك والسلطان والقدرة العظيمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد، لأن ~~الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، ~~وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد. فقال ~~النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف ~~خلقه، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 4 الى # 6] # وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس ~~والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا (6) # وأنه كان يقول سفيهنا يعنون به مضلهم ومغويهم على الله شططا أي قولا ذا ~~شطط. صفة لقول مقدر بتقدير مضاف. أو جعل عين الشطط مبالغة فيه. # PageV09P330 # وأصله مجاوزة الحد. والمراد منه نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى: ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا أي في نسبة ما ليس بحق، ~~إليه سبحانه. وهو اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك، لظنهم أن أحدا لا يكذب ~~على الله، حتى تبين لهم بالقرآن كذب السفيه وافتراؤه. وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا روى ابن جرير عن ابن عباس قال: ~~كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا ~~الوادي، فزادهم ذلك إثما. ففي الآية إشارة إلى ما كانوا يعتقدون في ~~الجاهلية من أن الوديان مقر الجن وأن رؤساءها تحميهم منهم. وهكذا قال ~~إبراهيم: كانوا إذا نزلوا الوادي قالوا: نعوذ ms4545 بسيد هذا الوادي من شر ما ~~فيه، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضرا ولا نفعا. # وقال الربيع بن أنس: كانوا يقولون: فلان من الجن رب هذا الوادي، فكان ~~أحدهم إذا دخل الوادي يعوذ برب الوادي من دون الله. قال: فيزيدهم ذلك رهقا، ~~وهو الفرق. # وقال ابن زيد: كان الرجل في الجاهلية إذا نزل بواد قبل الإسلام قال: إني ~~أعوذ بكبير هذا الوادي. فلما جاء الإسلام، عاذوا بالله وتركوهم. انتهى. # أي: لأن ذلك من الشرك، ولذا نزلت سورتا المعوذتين لتعليم الاستعاذة بالله ~~تعالى وحده والتبرؤ من الاستعاذة بغيره. وكذلك أذكار الاستعاذات المأثورة، ~~فإنها للإرشاد لذلك. # روى مسلم «1» عن خولة بنت حكيم قالت: من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات ~~الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك. # قال بعضهم: في الحديث تفسير آية الجن، وأن ما فيها من الشرك، وأن كون ~~الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر، أو جلب نفع، لا يدل على أنه ليس من ~~الشرك. # وفي الآية تأويل غريب نقله الرازي وهو أن المراد كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الإنس أيضا، لكن من شر الجن، مثل أن يقول الرجل: أعوذ ~~برسول الله من شر جن هذا الوادي. وأصحاب هذا التأويل، إنما ذهبوا إليه لأن ~~الرجل اسم الإنس لا اسم الجن. وهذا ضعيف، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من ~~الجن لا يسمى رجلا. # انتهى. PageV09P331 # والضمير المرفوع في (فزادوهم) . للجن، على معنى: فزادوهم باستعاذتهم بهم، ~~غيا وإثما وضلالا. أو للإنس على معنى: فزادوا الجن باستعاذتهم كبرا وعتوا. # و (الرهق) في الأصل غشيان الشيء، فخص بما يعرض من الكبر أو الضلال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 7 الى # 9] # وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # وأنهم أي وأوحى إلي أن الجن ظنوا ms4546 كما ظننتم أي في جاهليتكم. # أن لن يبعث الله أحدا أي رسولا إلى خلقه يدعوهم إلى توحيده وما فيه ~~سعادتهم. أو لن ينشر الله أحدا من قبره للحساب والجزاء. # وقيل: الضمير في وأنهم للإنس، ذهابا إلى أن قوله: وأنه كان رجال وأنهم ~~ظنوا من كلام الجن، والخطاب لهم. # وأنا لمسنا السماء أي تطلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا أي حفظة ورواجم. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا أي كنا نقعد من السماء مقاعد لنستمع ما يحدث، ~~وما يكون فيها، فمن يستمع الآن فيها يجد له شهاب نار قد رصد له. # قال الزمخشري: وفي قوله: ملئت دليل على أن الحادث هو الملء والكثرة. # وكذلك قوله: نقعد منها مقاعد أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس ~~والشهب. والآن ملئت المقاعد كلها. وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد ~~حتى عثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : آية 10] # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا يعنون أن ما ~~حدث من منعهم السمع من السماء، ورجم من استمع منهم بالشهب، كان يقولون هو ~~لأمر # PageV09P332 # عظيم أراده الله بأهل الأرض، إما عذاب أو رحمة. أي: حتى علموا بعد ~~باستماعهم القرآن، أنه لخير أريد بهم، وذلك بعثة نبي مصلح يرشد إلى الحق. # قال الناصر: ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل. والمراد ~~بالمريد هو الله عز وجل، وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 11 الى 17] # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن ~~يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ms4547 ومنا القاسطون ~~فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) # وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) # وأنا منا الصالحون أي المسلمون العاملون بطاعة الله ومنا دون ذلك أي قوم ~~دون ذلك، وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه، أو الكافرون كنا طرائق ~~قددا أي أهواء مختلفة، وفرقا شتى. وهذا بيان للقسمة قبل. أي كنا مثلها أو ~~ذويها. و (الطرائق) : جمع طريقة، وهي طريقة الرجل ومذهبه. و (القدد) الضروب ~~والأجناس المختلفة، جمع (قدة) كالقطعة. # وأنا ظننا أي علمنا أن لن نعجز الله في الأرض أي إن أراد بنا سوءا ولن ~~نعجزه هربا أي إن طلبنا. # قال الزمخشري: هذه صفة أحوال الجن، وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم، ~~منهم أخيار وأشرار، ومقتصدون، وأنهم يعتقدون أن الله عز وجل عزيز غالب لا ~~يفوته مطلب، ولا ينجي عنه مهرب. # وأنا لما سمعنا الهدى أي القرآن الذي يهدي إلى الطريق المستقيم آمنا به ~~أي صدقنا بأنه حق من عند الله، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا أي أن ينقص من ~~حسناته فلا يجازى عليها ولا رهقا أي أن ترهقه ذلة، وتلحقه هيئة معذبة موجبة ~~للخسوء والطرد. يعني: أنه يجزى الجزاء الأوفى، وتكون له في العز العاقبة ~~الحسنى. وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون أي الكافرون الجائرون عن طريق ~~الحق، فمن أسلم أي أذعن وانقاد فأولئك تحروا رشدا أي ترجوا وتوخوا رشدا ~~عظيما، وقصدوا صوابا واستقامة. # PageV09P333 # وقوله: فمن أسلم.. إلخ من كلام الله أو الجن. قال الزمخشري: وقد زعم من ~~لا يرى للجن ثوابا، أن الله تعالى أوعد قاسطيهم، وما وعد مسلميهم، وكفى به ~~وعدا أن قال فأولئك تحروا رشدا فذكر سبب الثواب وموجبه. والله أعدل من أن ~~يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد. أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # أي توقد بهم، كما توقد بكفار الإنس. وأن لو استقاموا أي الجن أو الإنس أو ~~كلاهما على الطريقة أي طريقة الحق والعدل لأسقيناهم ماء غدقا ms4548 أي لوسعنا ~~عليهم الرزق. # وإنما تجوز بالماء الغدق، وهو الكثير، عما ذكر، لأنه أصل المعاش وسعة ~~الرزق، ولعزة وجوده بين العرب. أو لأن غيره يعلم منه بالأولى. لنفتنهم فيه ~~أي لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. ومن يعرض عن ذكر ربه أي عبادته ~~أو موعظته يسلكه عذابا صعدا أي شديدا شاقا. # قال الزمخشري: الصعد: مصدر صعد. يقال: صعد صعدا وصعودا. فوصف به العذاب ~~لأنه يتصعد المعذب، أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : آية 18] # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) # وأن المساجد لله أي مختصة به فلا تدعوا مع الله أحدا أي فلا تعبدوا فيها ~~غيره. تعريض بما كان عليه المشركون من عبادتهم غيره تعالى بمسجده الحرام، ~~ونصبهم في التماثيل والأنصاب، وبما عليه أهل الكتاب. فإن المساجد لم تشد ~~إلا ليذكر فيها اسمه تعالى وحده. ومن هنا ذهبت الحنابلة إلى أنه لا يجتمع ~~في دين الله مسجد وقبر، وأن أيهما طرأ على الآخر وجب هدمه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : آية 19] # وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) # وأنه لما قام عبد الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، يدعوه أي يعبد ~~ربه، كادوا يكونون عليه لبدا أي جماعات بعضها فوق بعض، تعجبا مما رأوه من ~~عبادته، واقتداء أصحابه به، وإعجابا بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم ~~يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره. فالضمير في (كادوا) للجن. وقد بين ~~ذلك حديث البخاري كما تقدم. وجوز رجوعه للمشركين بمكة. والمعنى: لما قام ~~رسولا يعبد الله وحده، مخالفا للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه، كاد ~~المشركون لتظاهرهم عليه، وتعاونهم على عداوته، يزدحمون عليه متراكمين- حكاه ~~الزمخشري- ثم # PageV09P334 # قال: لبدا جمع لبدة، وهو ما تلبد بعضه على بعض، ومنها لبدة الأسد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 20 الى 21] # قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا (21) # قل وقرئ ms4549 (قال) إنما أدعوا ربي أي أعبده، وأبتهل إليه وحده، ولا أشرك به ~~أحدا أي فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم، أو إطباقكم على مقتى. قل إني ~~لا أملك لكم ضرا ولا رشدا أي لأن ذلك لله تعالى، وحده، فلا تستعجلوني ~~بالعذاب. # قال الشهاب في توضيح ما للقاضي هنا: إما أن يراد بالرشد النفع، تعبيرا ~~باسم السبب عن المسبب، أو يراد بالضر الغي، تعبيرا باسم المسبب عن السبب. ~~ويجوز أن يجرد من كل منهما ما ذكر في الآخر. فيكون احتباكا. والتقدير: لا ~~أملك لكم ضرا ولا نفعا، ولا غيا ولا رشدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 22 الى 24] # قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من ~~الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) # قل إني لن يجيرني من الله أحد أي إن أراد بي سوءا ولن أجد من دونه ملتحدا ~~أي ملتجأ إن أهلكني. وأصله: المدخل من اللحد. وقوله: إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته استثناء من قوله: لا أملك فإن التبليغ إرشاد ونفع. فهو متصل، وما ~~بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة. أي لا أملك إلا التبليغ والرسالات، من ~~معاني الوحي، وأحكام الحق. ومن يعص الله ورسوله أي فلم يسمع ما جاء به، ولم ~~يقبل ما يبلغه فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون أي ~~في الرسالات الإلهية، من الظهور عليهم والفتح، أو العذاب الأخروي. فسيعلمون ~~من أضعف ناصرا وأقل عددا أي أجند الرحمن أو إخوان الشيطان. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : الآيات 25 الى 27] # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) # PageV09P335 # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ms4550 أي غاية تطول مدتها. # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه رصدا أي حرسا من الملائكة يحفظونه من تخاليط الشياطين ~~ووساوسهم، حتى يبلغ ما أمر به من غيبه ووحيه. # قال القاشاني: (رصدا) أي حفظة إما من جهة الله التي إليها وجهه، فروح ~~القدس والأنوار الملكوتية والربانية. وإما من جهة البدن، فالملكات الفاضلة ~~والهيئات النورية الحاصلة من هياكل الطاعات والعبادات، يحفظونه من تخبيط ~~الجن، وخلط كلامهم من الوساوس والأوهام والخيالات، بمعارفها اليقينية، ~~ومعانيها القدسية، والواردات الغيبية، والكشوف الحقيقية. انتهى. ### | تنبيه: # قال الزمخشري: يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى ~~للنبوة خاصة، لا كل مرتضى. # قال: وفي هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم، وإن كانوا أولياء ~~مرتضين، فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على ~~الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله ~~في السخط. انتهى. # وأجاب أبو السعود بأن معنى الآية: فلا يطلع على غيبه اطلاعا كاملا ينكشف ~~به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين، أحدا من خلقه، إلا من ارتضى ~~من رسول. أي إلا رسولا ارتضاه لإظهاره على بعض غيوبه المتعلقة برسالته، كما ~~يعرب عنه بيان (من ارتضى) بالرسول تعلقا تاما، إما لكونه من مبادئ رسالته ~~بأن يكون معجزة دالة على صحتها، وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة ~~التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون، وكيفيات أعمالهم، وأجزيتها ~~المترتبة عليها في الآخرة، وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من ~~جملتها قيام الساعة والبعث، وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من ~~وظائف الرسالة. وأما ما لا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب، التي من ~~جملتها قيام الساعة، فلا يظهر عليه أحدا أبدا. على أن بيان وقته مخل ~~بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة. وليس فيه ما يدل على نفي ~~كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف. فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب ~~الكشف بالرسل، لا يستلزم ms4551 عدم حصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم # PageV09P336 # أصلا، ولا يدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من ~~الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. انتهى. # وملخصه تقييد الغيب بما هو معجزة أو من وظائف الرسالة. وهكذا نحا النسفي ~~في الجواب، مع بيان الفارق وعبارته أي إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب، ~~ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، فإنه يطلعه على غيبه ما شاء: و (من رسول) ~~بيان (من ارتضى) . والولي إذا أخبر بشيء فظهر، فهو غير جازم عليه، ولكنه ~~أخبر بناء على رؤياه، أو بالفراسة. على أن كل كرامة للولي فهي معجزة ~~للرسول. # انتهى. # وقال الرازي: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه- يعني ~~الزمخشري ومن تابعه- والذي تدل عليه أن قوله (على غيبه) ليس فيه صيغة عموم، ~~فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه، ~~فنحمله على وقت وقوع القيامة، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا ~~الغيب لأحد، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئا من الغيوب لأحد. # قال: والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقب قوله: إن ~~أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا يعني: لا أدري وقت وقوع القيامة. ~~ثم قال بعده عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا أي وقت وقوع القيامة من ~~الغيب الذي لا يظهره الله لأحد. وبالجملة فقوله: (على غيبه) لفظ مفرد مضاف، ~~فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد. فأما العموم فليس في اللفظ دلالة ~~عليه. # فإن قيل: فإذا حملتم ذلك على القيامة، فكيف قال: إلا من ارتضى من رسول مع ~~أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله؟ # قلنا: بل يظهره عند القرب من إقامة القيامة، وكيف لا وقد قال: ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا [الفرقان: 25] ، ولا شك أن الملائكة ~~يعلمون في ذلك الوقت قيام القيامة. وأيضا يحتمل أن يكون هذا الاستثناء ~~منقطعا، كأنه قال: ms4552 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص، وهو يوم القيامة، ~~أحدا. ثم قال بعده: لكن من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن. لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ~~جوابا لسؤال من سأله عن وقت وقوع القيامة على سبيل الاستهزاء به، ~~والاستحقار لدينه ومقالته. # PageV09P337 # وملخصه تخصيص الغيب بوقت وقوع القيامة بدلالة السياق، والرسول بالملك. # وناقشه في العناية بأن المرضي حمل الرسول على المتعارف لدلالة الساق ~~والسياق عليه هذا، ونقل النسفي عن التأويلات ما مثاله: # قال بعضهم: في هذه الآية تكذيب المنجمة، وليس كذلك، فإن فيهم من يصدق ~~خبره، وكذلك المتطببة فإنهم يعرفون طبائع النبات، وهذا لا يعرف بالتأمل، ~~فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق. # انتهى. # وهذا الجواب يلجأ إليه المتفقهة زعما بأن معرفة مواقيت الكسوف، وخواص ~~المفردات مما يشمله علم الغيب. والصواب عدم شموله لمثله، لأنه مما يتيسر ~~للناس أن يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث، كالعلوم الرياضية ~~والطبيعية والزراعية والصنائع والهيئة الفلكية. وبالجملة فكل ما يمكن ~~للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يكون من الغيب في شيء. ولذا قال بعض الحكماء: ~~لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية، لكان يجب أن تعطل ~~مواهب الحس والعقل، وينزع الاستقلال من الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من ~~كل شيء بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها ~~في كل زمن ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم. وإن شئت فقل: لوجب أن ~~لا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه. نعم، إن الأنبياء ينبهون الناس ~~بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ~~ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في ~~العبرة. وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل ~~دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ # قال «1» # (أنتم أعلم بأمور دنياكم) # انتهى. فاحفظه فإنه من ms4553 المضنون به على غير أهله. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الجن (72) : آية 28] # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (28) # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم متعلق ب يسلك غاية له. والضمير إما ~~PageV09P338 # ل (الرصد) ، وإما ل من ارتضى. والجمع باعتبار معنى (من) . أي ليبلغوا، ~~فيظهر متعلق علمه. وإيراد علمه تعالى للعناية بأمر الإبلاغ، والإشعار ~~بترتيب الجزاء عليه، والمبالغة في الحث عليه، والتحذير عن التفريط فيه. ~~وأحاط بما لديهم أي بما عند الرصد، أو الرسل عليهم السلام. حال من فاعل ~~يسلك جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك ~~الرصد. وأحصى كل شيء عددا أي فردا فردا لسعة علمه. تقرير ثان لإحاطته بما ~~عند الرسل من وحيه وكلامه، ووعد ووعيد كما عرف من نظائره. # PageV09P339 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة المزمل # قال المهايمي: سميت به لدلالته على عظم أمر الوحي، لأن أقوى الخلائق كان ~~يرتعد عنده فيتزمل. # وهي مكية، قيل: إلا قوله تعالى: إن ربك يعلم إلى آخر السورة، وآيها ~~عشرون. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة المزمل # (73) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # يا أيها المزمل أي المتزمل. من (تزمل) بثيابه إذا تلفف بها. فأدغم التاء ~~في الزاي خوطب صلى الله عليه وسلم بحكاية حاله وقت نزول الوحي، ملاطفة ~~وتأنيسا وتنشيطا للتشمر لقيام الليل، وقيل: معناه المتحمل أعباء النبوة، من ~~تزمل الزمل، إذا تحمل الحمل. ففيه استعارة. شبه إجراء التبليغ بتحمل الحمل ~~الثقيل، بجامع المشقة. # قال الشهاب: وأورد عليه أنه مع صحة المعنى الحقيقي، واعتضاده بالأحاديث ~~الصحيحة، لا وجه لادعاء التجوز فيه. # وقد يجاب بأن الأحاديث رويت في نزول سورة (المدثر) لا في هذه السورة، كما ~~سيأتي إن شاء الله، إلا أن يقال: هما بمعنى واحد. # قم الليل أي: فيه للصلاة، ودع التزمل للهجوع إلا قليلا أي بحكم الضرورة ms4554 ~~للاستراحة، ومصالح البدن ومهماته التي لا يمكن بقاؤه بدونها. # ثم بين تعالى قدر القيام مخيرا له بقوله: نصفه أي نصف الليل بدل من ~~الليل. أو انقص منه أي من النصف قليلا أي إلى الثلث. # PageV09P340 # أو زد عليه أي النصف إلى الثلثين، والمقصود التخيير بين قيام النصف وما ~~فوقه وما دونه. ولا يقال: كيف يكون النصف قليلا وهو مساو للنصف الآخر؟ لأن ~~القلة بالنسبة إلى الكل، لا إلى عديله. # ورتل القرآن ترتيلا أي بينه تبيينا، وترسل فيه ترسلا. # قال الزمخشري: ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤدة، بتبيين الحرف، وإشباع ~~الحركات، حتى يجيء المتلو منه شبيها بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور ~~الأقحوان، وأن لا يهذه هذا، ولا يسرده سردا. ### | تنبيه: # قال السيوطي: في الآية استحباب ترتيل القراءة، وأنه أفضل من الهذ به، وهو ~~واضح. # وقد ثبت في السنة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية، وأنها ~~كانت مفسرة حرفا حرفا، وأنه كان يقف على رؤوس الآي. # واستدل بالآية على أن الترتيل والتدبر، مع قلة القراءة أفضل من سرعة ~~القراءة مع كثرتها، لأن المقصود من القرآن فهمه وتدبره، والفقه فيه، والعمل ~~به. # قال ابن مسعود: لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل. قفوا ~~عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : آية 5] # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا أي رصينا، لرزانة لفظه، ومتانة معناه، ورجحانه ~~فيهما على ما عداه. ولما كان الراجح من شأنه ذلك، تجوز بالثقيل عنه. أو ~~ثقيلا على المتأمل فيه، لافتقاره إلى مزيد تصفيه للسر، وتجريد للنظر. أو ~~ثقيلا تلقيه، لقول عائشة «1» رضي الله عنها: رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل ~~عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا. وعلى ~~كل فالجملة معللة للأمر بالترتيل، وأن ثقله مما يستدعيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : آية 6] # إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) PageV09P341 # إن ms4555 ناشئة الليل أي نشأته وطبيعة خلقه ومظهره هي أشد وطئا أي مواقفة لما ~~يراد منها من جمع الهم، وهدوء البال. وأقوم قيلا أي أشد مقالا وأصوبه. # قال ابن قتيبة: لأن الليل تهدأ فيه الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، ويخلص ~~القول، ولا يكون دون تسمعه وتفهمه حائل. # ونقل السيوطي عن الجاحظ قال: ناشئة الليل هي المعاني المستنبطة من القرآن ~~بالليل، أشد وطأ أبين أثرا. وأقوم قيلا، أصح مما تخرجه الأفكار بالنهار، ~~لخلو السمع والبصر عن الاشتغال. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : الآيات 7 الى # 9] # إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب ~~المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) # إن لك في النهار سبحا طويلا أي تقلبا في مهماتك، واشتغالا بها، فلذا أمرت ~~بقيام الليل. واذكر اسم ربك أي دم على ذكره ليلا ونهارا. قال الزمخشري: # وذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب: تسبيح وتهليل وتكبير وتمجيد ~~وتوحيد وصلاة وتلاوة قرآن، ودراسة علم، وغير ذلك مما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستغرق به ساعات ليله ونهاره. وتبتل إليه تبتيلا أي أخلص ~~إليه، بتجريد النفس عن غيره، إخلاصا عظيما. رب المشرق والمغرب لا إله إلا ~~هو فاتخذه وكيلا أي تكل إليه مهامك، فإنه سيكفيكها. # قال ابن جرير: أي فيما يأمرك، وفوض إليه أسبابك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : الآيات 10 الى 14] # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) # واصبر على ما يقولون أي من الأذى والفري واهجرهم هجرا جميلا أي بالإعراض ~~عن مكافأتهم بالمثل، كما قال تعالى: ودع أذاهم وتوكل على الله [الأحزاب: ~~48] ، وذرني والمكذبين أي دعني وإياهم، وكل أمرهم إلي، فإن بي غنيمة عنك في ~~الانتقام منهم. أولي النعمة أي التنعم، يريد صناديد قريش ومترفيهم. # PageV09P342 # ومهلهم قليلا أي تمهل عليهم زمانا، أو إمهالا قليلا. ms4556 إن لدينا أنكالا أي ~~قيودا وجحيما أي نارا شديدة الحر والاتقاد وطعاما ذا غصة أي يغص به آكله ~~فلا يسيغه، وعذابا أليما أي ونوعا آخر من أنواع العذاب مؤلما لا يعرف كنهه. ~~أي فلا ترى موكولا إليه أمرهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام. يوم ترجف ~~الأرض والجبال أي تضطرب وترتج بالزلزال، وكانت الجبال كثيبا مهيلا أي رملا ~~متفرقا منثورا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : الآيات 15 الى 16] # إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) # إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم أي بإجابة من أجاب وإباء من أبى كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا أي يدعوه إلى الحق. فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا ~~وبيلا أي ثقيلا، وذلك بإهلاكه ومن معه، غرقا في اليم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : الآيات 17 الى 19] # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان ~~وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا أي كيف تقون أنفسكم إن بقيتم ~~على كفركم، ولم تؤمنوا بالحق، يوم القيامة، وحاله في الهول ما ذكر. # قال ابن أبي الحديد: يقال في اليوم الشديد: إنه ليشيب نواصي الأطفال، ~~كلام جار مجرى المثل. وليس ذلك على حقيقته، لأن الأمة مجمعة على أن الأطفال ~~لا تتغير حلاهم في الآخرة إلى الشيب. والأصل في هذا أن الهموم والأحزان إذا ~~توالت على الإنسان شاب سريعا. قال أبو الطيب: # والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم # السماء منفطر به قال الزمخشري: وصف لليوم بالشدة أيضا. وأن السماء على ~~عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ # قال السمين: وإنما لم تؤنث الصفة لأحد وجوه: منها- تأويله بالمشتق. # ومنها- أنها على النسب، أي ذات انفطار، نحو: مرضع وحائض. ومنها- أنها ~~تذكر وتؤنث. ومنها- أنها اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: ~~سماءة، وفي اسم الجنس التذكير والتأنيث. والباء في (به) سببية ms4557 أو ~~للاستعانة، أو بمعنى (في) . # PageV09P343 # كان وعده مفعولا أي لأنه لا يخلف وعده، فاحذروا ذلك اليوم. إن هذه أي ~~الآيات الناطقة بالوعيد الشديد تذكرة أي موعظة لمن اعتبر بها واتعظ، فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا # أي بالإيمان به، والعمل بطاعته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المزمل (73) : آية 20] # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه أي تتهجد فيه هذه ~~التارات المختلفة، وتتشمر للعبادة فيه هذا التشمر امتثالا لأمره وتبتلا ~~إليه، وطائفة من الذين معك أي يعلمهم كذلك، والله يقدر الليل والنهار أي أن ~~يجعلهما على مقادير يجريان عليها، فتارة يعتدلان، وتارة يزيد أحدهما في ~~الآخر، وبالعكس مما يشق لأجله المواظبة على قيامه بما علمه منكم- أشار إليه ~~ابن كثير-. أو المعنى: # يقدر فيهما ما شاء من الأوامر. ومنه تقديره في قيام الليل ما قدره، مما ~~أمر به أول السورة من التخيير، ترخيصا وتيسيرا. علم أن لن تحصوه أي قيام ~~الليل، على النحو الذي دأبتم عليه، أو قيام الليل كله، للحرج والعسر فتاب ~~عليكم أي عاد عليكم باليسر ورفع الحرج. فاقرؤا ما تيسر من القرآن أي في ~~صلاة الليل بلا تقدير. أو المراد: لا تتجاوزوا ما قدره لكم، رحمة بأنفسكم. ~~وفيه رد من غلوهم في قيام الليل كله، أو الحرص عليه، شوقا إلى العبادة، ~~وسبقا إلى الكمالات. # قال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا يصيب مما أمر به من ~~قيام ما فرض عليه- نقله الرازي-. # علم أن ms4558 سيكون منكم مرضى أي يضعفهم المرض عن قيام الليل وآخرون يضربون في ~~الأرض أي للتجارة وغيرها، فيقعدهم ذلك عن قيام الليل وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله أي لنصرة الدين، فلا يتفرغون للقيام فيه فاقرؤا ما تيسر منه أي ~~من القرآن. ولا تحرجوا أنفسكم، لأنه تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر. # PageV09P344 ### | تنبيهات: # الأول- ذهب كثير من السلف إلى وجوب قيام الليل المفهوم من الأمر به طليعة ~~السورة، منسوخ بهذه الآيات. # روى ابن جرير عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حصيرا يصلي عليه من الليل، فتسامع به الناس فاجتمعوا، فخرج كالمغضب- وكان ~~بهم رحيما- فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: يا أيها الناس؟ اكلفوا من ~~الأعمال ما تطيقون، فإنه الله لا يمل من الثواب، حتى تملوا من العمل، وخير ~~الأعمال ما دمتم عليه. ونزل القرآن. يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ... ~~الآية، حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى ~~الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم، فردهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل. # قال ابن كثير: والحديث في الصحيح بدون زيادة نزول هذه السورة. وهذا ~~السياق قد يوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك، وإنما هي مكية. ~~انتهى كلامه. # أقول: وبمثل هذه الرواية يستدل على أن مراد السلف بقولهم: (ونزلت الآية) ~~الاستشهاد بها في قضية تنطبق عليها- كما بيناه مرارا-. # وأخرج أيضا عن ابن عباس قال: أمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا ~~قليلا. # فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف عنهم فرحمهم، وأنزل الله بعد هذا علم أن ~~سيكون منكم ... الآية. فوسع الله- وله الحمد- ولم يضيق. # وعن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت يا أيها المزمل قاموا بها حولا حتى ~~ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت فاقرؤا ما تيسر منه فاستراح الناس. # وهكذا روي عن سعيد والحسن وعكرمة وقتادة. # قال ابن حجر في (شرح البخاري) : ذهب بعضهم إلى أن صلاة الليل كانت ~~مفروضة، ثم نسخت بقيام بعض الليل مطلقا، ثم نسخ بالخمس. وأنكره المروزي. # وذهب بعضهم ms4559 إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة. # وقال السيوطي في (الإكليل) : قوله تعالى قم الليل إلا قليلا هو منسوخ بعد ~~أن كان واجبا، بآخر السورة. وقيل: محكم، فاستدل به ندب قيام الليل. واستدل ~~به طائفة على وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وآخرون على وجوبه ~~على الأمة أيضا، ولكن ليس الليل كله، بل صلاة ما فيه، وعليه الحسن وابن ~~سيرين. انتهى. # أقول: من ذهب إلى أن الأمر محكم وأنه للندب، يرى أن آخر السورة تعليم لهم ~~الرفق بأنفسهم، لأنه تاب عليهم باليسر، ورفع عنهم الآصار. وفيه ما يدل على # PageV09P345 # عنايتهم بالمندوب، وحرصهم عليه، حتى أفضى الحال إلى الرفق بهم فيه. ويدل ~~عليه أثر عائشة في ربطهم الحبل للتعلق به، استعانة على قراءة القرآن، وكثرة ~~تلاوته. # الثاني- قال ابن كثير: في قوله تعالى: فاقرؤا ما تيسر من القرآن تعبير عن ~~الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان ولا تجهر بصلاتك [الإسراء: 110] ، ~~أي بقراءتك. وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، بهذه الآية، على ~~أنه لا تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ~~ولو بآية، أجزأه. # واعتضدوا بحديث (المسيء صلاته) الذي في الصحيحين «1» : ثم اقرأ ما تيسر ~~معك من القرآن. وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين ~~«2» أيضا، # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة إلا أن تقرأ بفاتحة ~~الكتاب. # انتهى. # الثالث- في قوله تعالى: وآخرون يقاتلون في سبيل الله علم من أعلام ~~النبوة. # قال ابن كثير: هذه الآية، بل السورة كلها، مكية. ولم يكن القتال شرع بعد، ~~فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة. # الرابع- قال ابن الفرس: في قوله: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله فضيلة التجارة، لسوقها في الآية مع الجهاد. # أخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب قال: ما من حال يأتيني عليه الموت ~~بعد الجهاد في سبيل الله، أحب إلي أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله. ms4560 ثم ~~تلا هذه الآية. # وقال السيوطي: هذه الآية أصل في التجارة. # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي زكاة أموالكم. # قال ابن كثير: وهذا يدل لمن قال بأن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير ~~النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة. # وأقرضوا الله قرضا حسنا يعني به بذل المال في سبيل الخيرات على أحسن ~~PageV09P346 # وجه، كأن يكون من أطيب المال، وإعطاءه للمستحق من غير تأخير، واتقاء المن ~~والأذى. وسر الأمر ب (الحسن) أن القرض لما كان يعطى بنية الأخذ، لا يبالي ~~بأي شيء وأي مقدار يعطي منه، فأشير إلى إيثار المقام الأرفع. ولكونه محقق ~~الرجوع إليه دل التعبير به على تحقق العوض هنا. وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~أي في الدنيا من صدقة أو نفقة في وجوه الخير، أو عمل بطاعة الله، أو غير ~~ذلك من أعمال البر تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا أي ثوابا مما عندكم ~~من متاع الدنيا. # واستغفروا الله أي سلوه غفران ذنوبكم، إن الله غفور رحيم أي ذو مغفرة ~~لذنوب من تاب إليه وأناب، ورحمة أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. # PageV09P347 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة المدثر # مكية. وآيها ست وخمسون آية. # قال ابن كثير: ثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من ~~القرآن يا أيها المدثر وخالفه الجمهور، فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا ~~قوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق كما سيأتي بيان ذلك هنالك، إن شاء الله ~~تعالى. # روى البخاري «1» عن يحيى بن كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن ~~أول ما نزل من القرآن فقال: يا أيها المدثر. قلت: يقولون: اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلت له مثل ما قلت ~~لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني، فلم أر شيئا، ~~ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي ms4561 فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر ~~شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا. فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء ~~باردا. قال، فدثروني وصبوا علي ماء باردا. فنزلت يا أيها المدثر قم فأنذر. # وروى الشيخان أيضا «2» عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ~~جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة ~~الوحي، فقال في حديثه: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، ~~فإذا الملك الذي PageV09P348 # جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبا، فرجعت ~~فقلت: زملوني زملوني. فدثروني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر ... ~~الآيات. # قال ابن كثير: وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل ~~هذا لقوله (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) وهو جبريل حين أتاه بقوله اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد. هذا وجه ~~الجمع: # أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة. # وروى الطبراني عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما ~~أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس ~~بساحر، وقال بعضهم كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر، وقال ~~بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: سحر يؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. # فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله ~~تعالى: يا أيها المدثر ... الآيات # PageV09P349 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) # والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) # يا أيها المدثر أي المتلفف بثيابه لنوم أو استدفاء، من الدثار، وهو كل ما ~~كان من الثياب فوق الشعار. والشعار الثوب الذي يلي الجسد. وأصله (المتدثر) ~~فأدغم، خوطب بذلك لحالته التي كان عليها وقت نزول الوحي. أو لقوله: دثروني ~~كما تقدم- وقيل: معناه المدثر بدثار النبوة والرسالة، ms4562 من قولهم: ألبسه الله ~~لباس التقوى، وزينه برداء العلم. ويقال: تلبس فلان بأمر كذا. فجعل النبوة ~~كالدثار واللباس مجازا. # قال الشهاب: إما أن يراد المتحلي بها والمتزين، كما أن اللباس الذي فوق ~~الشعار يكون حلية لصاحبه وزينة. وكذا يسمى (خلة) . والتشبيه بالدثار في ~~ظهورها، أو في الإحاطة. والأول أتم. # قم أي من مضجعك ودثارك. أو قيام عزم وجد فأنذر أي فحذر قومك من العذاب إن ~~لم يؤمنوا. # قال الشهاب: لم يقل (وبشر) لأنه كان في ابتداء النبوة، والإنذار هو ~~الغالب، لأن البشارة لمن آمن، ولم يكن إذ ذاك. أو هو اكتفاء لأن الإنذار ~~يلزمه التبشير. # وربك فكبر قال ابن جرير أي فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك، دون ~~غيره من الآلهة والأنداد. # وقال القاشاني: أي إن كنت تكبر شيئا وتعظم قدره، فخصص ربك بالتعظيم ~~والتكبير، لا يعظم في عينك غيره، ويصغر في قلبك كل ما سواه، بمشاهدة ~~كبريائه. # وثيابك فطهر أي: بالماء من الأنجاس. قال ابن زيد، كان المشركون لا ~~يتطهرون، فأمره أن يتطهر ويطهر ثيابه. وقيل هو أمر بتطهير القلب مما يستقذر ~~من الآثام. # PageV09P350 # قال قتادة: العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دنس الثياب. وإذا ~~وفي وأصلح، قالوا: مطهر الثياب. # وعن ابن عباس: أي لا تلبسها على معصية، ولا على غدرة. ثم أنشد لغيلان ابن ~~سلمة الثقفي: # وإني، بحمد الله، لا ثوب فاجر ... لبست، ولا من غدرة أتقنع # وفي الوجه الأول بقاء لفظي الثياب والتطهير على حقيقتهما، وفي الثاني ~~تجوز بهما. وبقي وجه ثالث، وهو حمل الثياب على حقيقتها، والتطهير على ~~مجازه، وهو التبصير. لأن العرب كانوا يطيلون ثيابهم، ويجرون أذيالهم خيلاء ~~وكبرا، فأمر بمخالفتهم. ورابع وهو عكس هذا، وذلك، بحمل الثياب على الجسد أو ~~النفس كناية، كما قال عنترة: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # أي: نفسه. ولذا قال: # ليس الكريم على القنا بمحرم # واستصوب ابن الأثير في (المثل الساتر) الوجه الأول. قال في الفصل الثالث ~~من فصول مقدمته: اعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ms4563 ظاهر لفظه، ومن يذهب ~~إلى التأويل يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: وثيابك فطهر. فالظاهر من لفظ ~~الثياب هو ما يلبس. ومن تأول، ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس. ~~وهذا لا بد له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. # ثم قال: المعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف. والمعنى ~~المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف، إذ باب التأويل غير محصور، ~~والعلماء متفاوتون في هذا، فإنه قد يأخذ بعضهم وجها ضعيفا من التأويل، ~~فيكسوه بعبارته قوة تميزه عن غيره من الوجوه القوية، فإن السيف بضاربه: # إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن، إذا التقى الجمعان # تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان # انتهى. # ويكفي دليلا ما للعرب من الشواهد والأمثال. والاستعمال لا ينحصر في ~~الحقيقة. نعم، المتبادر أولى وأجدر، وهو عنوان الحقيقة. # وقوله تعالى: والرجز فاهجر أي اتركه. و (الرجز) بكسر الراء كالرجس والسين ~~والزاي يتبادلان، لأنهما من حروف الصفير. # PageV09P351 # و (الرجس) اسم للقبيح المستقذر. كني به عن عبادة الأوثان خاصة، لقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان [الحج: 30] ، أو عن كل ما يستكره من الأفعال ~~والأخلاق والجملة من جوامع الكلم في مكارم الأخلاق، كأنه قيل: اهجر الجفا ~~والسفه وكل قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز. # وقيل: المراد بالرجز العذاب، وهجره كناية عن هجر ما يؤدي إليه من الشرك ~~والمعاصي. # فالرجز مجاز، وقد أقيم مقام سببه. أو هو بتقدير مضاف، أي أسباب الرجز. أو ~~التجوز بالتشبيه. # وقرئ بضم الراء، وهو لغة في المكسور، وهما بمعنى، وهو العذاب. # وعن مجاهد أنه بالضم بمعنى الصنم، وبالكسر العذاب. # وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو بريء منه، إما أمر لغيره تعريضا، أو ~~المراد الدوام على هجره. # ولا تمنن تستكثر أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها، بمعنى: لا تعط شيئا ~~لتعطى أكثر منه. يقال: مننت فلانا كذا، أي أعطيته. كما قال: هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك [ص: 39] ، أي فأعط أو أمسك. وأصله أن من أعطى ms4564 فقد من، فسميت ~~العطية بالمن على سبيل الاستعارة. وجوز القفال أن يكون الاستكثار عبارة عن ~~طلب العوض كيف كان زائدا أو مساويا. قال: وإنما حسنت هذه الاستعارة، لأن ~~الغالب أن الثواب يكون زائدا على العطاء. فسمي طلب الثواب استكثارا حملا ~~للشيء على أغلب أحواله. وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ~~ولد، للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيبا، ثم اتسع الأمر، فسمي ~~ربيبا، وإن كان، حين تتزوج أمه، كبيرا. # وسر النهي أن يكون العطاء خاليا عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه ~~تعففا وكمالا وعلو همة. # وقيل: معنى الآية لا تعط عطاء مستكثرا له، فإن مكارم الأخلاق استقلال ~~العطاء، وإن كان كثيرا، فالسين للعد والوجدان. وسبق في سورة الروم في قوله ~~تعالى: # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله [الروم: 39] ~~، كلام في هذه الآية أيضا فارجع إليه. # ولربك فاصبر أي على أذى المشركين. # PageV09P352 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 8 الى # 10] # فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير ~~(10) # فإذا نقر في الناقور أي نفخ في الصور. و (الناقور) من النقر، بمعنى ~~التصويت. وأصله القرع الذي هو سبب الصوت. ومنه منقار الطائر لأنه يقرع به ~~أي: # لما كان الصوت يحدث بالقرع. تجوز به عنه، وأريد به النفخ لأنه نوع من ~~الصوت. # فذلك يومئذ يوم عسير أي شديد. # على الكافرين غير يسير أي هين، لما يحيق بهم من صنوف الردى. وفي قوله: ~~غير يسير تأكيد يمنع أن يكون عسيرا عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بيسره على ~~المؤمنين. ففيه جمع بين وعيد الكافرين وبشارة المؤمنين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 11 الى 17] # ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) # كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) # ذرني ومن خلقت وحيدا أي لا مال له ولا ولد. # وجعلت له مالا ممدودا أي مبسوطا كثيرا، ms4565 أو ممدودا بالنماء. # وبنين شهودا أي رجالا يشهدون معه المحافل والمجامع، أو حضورا معه يأنس ~~بهم، لا يحوجه سفرهم وركوبهم الأخطار، لاستغنائهم عن التكسب والمدح. # ومهدت له تمهيدا أي بسطت له في العيش والجاه والرياسة. # ثم يطمع أن أزيد أي من المال والولد والجاه. أو من النعيم الأخروي. وهذا ~~أظهر لقوله: كلا أي لا يكون ما يأمل ويرجو، لأن الجدير بالزيادة من نعيم ~~الآخرة هم المتقون، لا هو، إنه كان لآياتنا عنيدا أي معاندا للحجج المنزلة ~~والمرسلة. # سأرهقه صعودا أي سأغشيه عقبة شاقة المصعد. وهو مثل لما يلقى من العذاب ~~الشاق الصعب الذي لا يطاق- قاله الزمخشري-. # قال الشهاب: ومعنى كونه مثلا، أنه شبه ما يسوقه الله له من المصائب، ~~بتكليف الصعود في الجبال الوعرة الشاهقة، وأطلق لفظه عليه. فهو استعارة ~~تمثيلية. # ثم علل إرهاقه ذلك بقوله: # PageV09P353 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 18 الى 20] # إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) # إنه فكر أي ماذا يقول في هذه الآيات الكريمة والذكر الحكيم وقدر أي في ~~نفسه ما يقوله وهيأه. # فقتل كيف قدر أي لعن، كيف قدر ذلك الافتراء الباطل، واختلق ما يكذبه ~~وجدانه فيه. # ثم قتل كيف قدر تكرير للمبالغة في التعجب منه، وقد اعتيد فيمن عجب غاية ~~التعجب أنه يكثر من التعجب ويكرره. # وثم للدلالة على الثانية أبلغ في التعجب من الأولى للعطف ب (ثم) الدالة ~~على تفاوت الرتبة. فكأنه قيل: قتل بنوع ما من القتل، لا بل قتل بأشده ~~وأشده. لذا ساغ العطف فيه، مع أنه تأكيد. # وقد جوز الزمخشري في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أن تكون تعجيبا من تقديره ~~وإصابته فيه المحز ورميه الغرض الذي كان تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على ~~طريقة الاستهزاء به، أو حكاية لما ذكره من قولهم: فقتل كيف قدر تهكما بهم ~~وبإعجابهم بتقديره، واستعظامهم لقوله. # ثم قال: ومعنى قول القائل: قتله الله، ما أشجعه، وأخزاه الله، ما أشعره، ~~الإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن ms4566 يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 21 الى 25] # ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر ~~يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) # ثم نظر أي في ذلك المقدر. أي تروى فيه. قال الرازي: وهذه المرتبة الثالثة ~~من أحوال قلبه. فالنظر الأول للاستخراج، واللاحق للتقدير، وهذا هو ~~الاحتياط. # وقال غيره: ثم نظر أي في وجوه القوم. # ثم عبس أي قطب وجهه كبرا وتهيئوا لقذف تلك الكبيرة وبسر أي # PageV09P354 # كلح وجهه. شأن اللئيم في مراوغته ومخاتلته، والحسود في آثار حقده على ~~صفحات وجهه. ثم أدبر أي عن الحق واستكبر أي عن الإيمان به. فقال إن هذا إلا ~~سحر يؤثر أي ما هذا القرآن إلا سحر يروى ويتعلم. أي يأثره عن غيره. إن هذا ~~إلا قول البشر أي ليس بكلام الله، كما يقوله. ### | تنبيه: # اتفق المفسرون أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة المخرومي، أحد ~~رؤساء قريش، لعنه الله. وكان من خبره ما رواه ابن إسحاق أن الوليد بن ~~المغيرة، اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال ~~لهم: يا معشر قريش! إنه قد حضر هذا الموسم. وإن وفود العرب ستقدم عليكم ~~فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا رأيا واحدا ولا تختلفوا، فيكذب ~~بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا. قالوا: فأنت، يا أبا عبد شمس! فقل، وأقم ~~لنا رأيا نقل به. قال: # بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا، والله ما هو بكاهن! لقد ~~رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون! قال: ~~ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا ~~وسوسته. قالوا: # فنقول شاعر! قال: ما هو بشاعر. لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ~~ومقبوضة ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر! قال: ما هو بساحر. لقد ~~رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد ~~شمس؟ ms4567 قال: والله! إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما ~~أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه، لأن ~~تقولوا: هو ساحر جاء بقول، هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء ~~وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا ~~يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم. لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، ~~وذكروا لهم أمره. فأنزل الله تعالى في الوليد ابن المغيرة، وفي ذلك، من ~~قوله: ذرني ومن خلقت وحيدا ... الآيات. # وعن قتادة: قال الوليد: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل، فإذا هو ليس بشعر، ~~وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر. ~~فأنزل الله الآيات- رواه ابن جرير-. # وثم روايات بنحو ما ذكر. # وقد روى مجاهد أن الوليد كان بنوه عشرة. وحكى الثعلبي عن مقاتل أنه # PageV09P355 # أسلم منهم ثلاثة: خالد وعمار وهشام. قال ابن حجر في (الإصابة) : والصواب ~~خالد وهشام والوليد. فأما عمارة، فإنه مات كافرا، لأن قريشا بعثوه للنجاشي، ~~فجرت له معه قصة، فأصيب بعقله. وقد ثبت أنه ممن دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليهم من قريش، لما وضع عقبة بن أبي معيط سلى الجزور على ظهره، وهو ~~يصلي. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 26 الى # 30] # سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر ~~(29) عليها تسعة عشر (30) # سأصليه سقر أي جهنم. وهو بدل من سأرهقه صعودا بدل اشتمال، لاشتمال سقر ~~على الشدائد وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر قال الزمخشري: # أي لا تبقي شيئا يلقى فيها إلا أهلكته، وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد. ~~أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا ~~محالة. لواحة للبشر أي محرقة لجلود، من (لوحته الشمس) إذا سودت ظاهره ~~وأطرافه. # و (البشر) جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. أو اسم جنس بمعنى الناس. وجوز أن ~~يكون المعنى: ms4568 لائحة للناس، من (لاح) بمعنى ظهر، والبشر بمعنى الناس. عليها ~~تسعة عشر أي من الخزنة المتولين أمرها، والتسلط على أهلها، وفيه إشارة إلى ~~أن زبانية العذاب الأخروي، تفوق زبانية الجبابرة في الدنيا أضعافا مضاعفة، ~~تنبيها على هول العذاب، وكبر مكانه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : آية 31] # وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) # وما جعلنا أصحاب النار أي خزنتها إلا ملائكة أي وهم أقوى الخلق بأسا، ~~وأشدهم غضبا لله، ليباينوا جنس المعذبين، فلا يستروحون لهم. وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا أي من مشركي قريش. أي إلا عدة من شأنها أن ~~يفتتن بها الكافرون، فيجعلوها موضع البحث والهزء. # قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى ~~قادر # PageV09P356 # على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على ما لا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء. # وقال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص ~~بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه. قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا ~~بالإيمان به. ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أي رسالة النبي صلوات الله عليه ~~لإنبائه من وعيد الجاحدين المفسدين ما لديهم مصداقه. واللام متعلقة ب جعلنا ~~الثانية. # فإن قيل: كيف يصح جعلهم في نفس الأمر على هذا العدد، معللا باستيقان أهل ~~الكتاب، وازدياد المؤمنين، واستبعاد أهل الشك والنفاق، وليس إيجادهم تسعة ~~عشر سببا لشيء من ذلك، وإنما السبب لما ذكر، هو الإخبار عن عددهم بأنه تسعة ~~عشر؟ # والجواب: أن الجعل يطلق على معنيين: # أحدهما- جعل الشيء متصفا بصفة في نفس الأمر. # وثانيهما- الإخبار باتصافه بها، ويقال له: الجعل بالقول. أي وما جعلنا ~~عدتهم بالإخبار عنها إلا عددا يقتضي فتنتهم، لاستيقان أهل الكتاب ... إلخ. ms4569 ~~أي وقلنا ذلك وأخبرنا به لاستيقان ... إلخ. وعبر عن الإخبار بالجعل، ~~لمشاكلة قوله وما جعلنا أصحاب النار ... إلخ- هذا ما قرره شراح القاضي-. # ويزداد الذين آمنوا إيمانا أي تصديقا إلى تصديقهم بالله ورسوله. ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا أي حتى يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. # قال الزمخشري: فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، ~~والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟ # قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد ~~الهجرة، والكافرون بمكة، ماذا أراد الله بهذا مثلا. وليس في ذلك إلا إخبار ~~بما سيكون، كسائر الإخبارات بالغيوب. وذلك لا يخالف كون السورة مكية. ويجوز ~~أن يراد بالمرض الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم ~~قاطعين بالكذب. انتهى. # وقال الرازي: إن قيل: لم سموه مثلا؟ # PageV09P357 # فالجواب: أنه لما كان هذا عددا عجيبا، ظن القوم أنه ربما لم يكن مرادا ~~لله منه ما أشعر به ظاهره، بل جعله مثلا لشيء آخر، وتنبيها على مقصود آخر، ~~لا جرم سموه مثلا. # كذلك يضل الله من يشاء أي إضلاله لصرفه اختياره إلى جانب الضلال: # عند مشاهدته آيات الله الناطقة بالحق. ويهدي من يشاء أي هدايته لصرف ~~اختياره عند مشاهدته لتلك الآيات إلى جانب الهدى وما يعلم جنود ربك إلا هو ~~قال الزمخشري: أي وما يعلم ما عليه كل جند من العدد الخاص، من كون بعضها ~~على عقد كامل، وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده، من الحكمة ~~إلا هو. ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات ~~والأرضين وأمثالها. أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه ~~الزيادة على عدد الخزنة المذكور، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا ~~تعلمونها. انتهى. # ويجوز أن تكون الجملة تأييدا لكون ما تقدم مثلا. أي أن المؤمنين يستيقنون ~~بأن عدتهم ضربت مثلا للكثرة غير المعتاد سماعها ms4570 للكافرين. ومن سنته تعالى ~~ضرب الأمثال في تنزيله، وإلا فلا يعلم جنوده التي يسلطها على تعذيب من يشاء ~~إلا هو. وهذا معنى آخر، لم أقف الآن على من نبه عليه. ويؤيده قوله: # وما هي أي عدتهم المذكورة إلا ذكرى للبشر أي عظة يرهبون منها عذاب النار، ~~وهول أصحابها. # وقيل الضمير ل (سقر) . وقيل: للآيات. والأقرب عندي هو الأول لسلامته من ~~دعوى كون ما قبله معترضا، إذا أعيد الضمير لغيره، ولتأييده لما قبله ~~بالمعنى الذي ذكرناه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 32 الى # 37] # كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى ~~الكبر (35) نذيرا للبشر (36) # لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) # كلا ردع لمن أنكر العدة أو سقر أو الآيات. أو إنكار لأن تكون لهم ذكرى ~~لأنهم لا يتذكرون، والقمر والليل إذ أدبر أي ولى ذاهبا بطلوع الفجر. # PageV09P358 # والصبح إذا أسفر أي أضاء. ومن فوائد القسم بها الاعتبار بفوائدها، ~~والاستدلال بآياتها، كما تقدم في سورة (الصافات) : # إنها لإحدى الكبر أي الأمور العظام. # نذيرا للبشر أي إنذارا لهم، فنصبه على أنه تمييز عن (إحدى) لما تضمنه من ~~معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذارا. ف نذيرا بمعنى الإنذار، كنكير ~~بمعنى الإنكار. أو على أنه حال عما دلت عليه الجملة. أي كبرت منذرة، ف ~~نذيرا مصدر مؤول بالوصف، أو وصف بمعنى منذرة. # لمن شاء منكم أن يتقدم أي يسبق إلى الإيمان والطاعة أو يتأخر أي يتخلف. ~~ولمن بدل من للبشر أي منذرة لمن شاءوا التقدم والفوز، أو التأخر والهلاك. ~~أو خبر مقدم، وأن يتقدم مبتدأ مؤخر، كقولك لمن توضأ أن يصلي، كآية فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر [الكهف: 39] ، وفي الثاني بعد وزعم أبو حيان أن ~~اللفظ لا يحتمله، ولم يسلم له. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى # 48] # كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) ~~عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) # قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك ms4571 نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع ~~الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) # فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) # كل نفس بما كسبت رهينة أي مرهونة ومحبوسة به عند الله تعالى: إلا أصحاب ~~اليمين أي فإنهم فكوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه ~~بأداء الحق. في جنات أي هم في جنات لا يدرك وصفها يتساءلون عن المجرمين أي ~~يسألون عنهم. وإيثار صيغة التفاعل للتكثير. ومنه (دعوته وتداعيناه) . # وقال القاشاني: أي يسأل بعضهم بعضا عن حال المجرمين، لاطلاعهم عليها، وما ~~أوجب تعذيبهم وبقاءهم في سقر، فأجاب المسؤولون بأنا سألناهم عن حالهم ~~بقولنا: ما سلككم في سقر قالوا أي بلسان الحال أو المقال لم نك من المصلين ~~ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين أي كنا # PageV09P359 # موصوفين بهذه الرذائل من اختيار الراحات البدنية، ومحبة المال، وترك ~~العبادات البدنية، والخوض في الباطل، والهزء والهذيان، والتكذيب بالجزاء، ~~وإنكار المعاد. # حتى أتانا اليقين أي الموت، فرأينا به ما كنا ننكره عيانا. فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين أي من نبي أو ملك، لو قدر على سبيل فرض المحال، لأنهم غير ~~قابلين لها. فلا إذن في الشفاعة لذلك. فلا شفاعة، فلا تنفع. # قال ابن جرير: أي فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل ~~التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ~~ذكره، مشفع بعض خلقه في بعض. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 56] # فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون ~~الآخرة (53) # كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو ~~أهل التقوى وأهل المغفرة (56) # فما لهم عن التذكرة معرضين أي فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم ~~بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها، فيتعظوا ويعتبروا. كأنهم حمر مستنفرة ~~أي كأنهم في الإعراض عن الذكرى، وبلادة قلوبهم، حمر شديدة النفار. ms4572 فرت من ~~قسورة أي أسد، أو عصبة قنص من الرماة. بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة أي ينزل عليه كتاب كما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم. ونحوه آية ~~وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [الأنعام: ~~124] ، وآية ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [الإسراء: 93] ، ~~وآية ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ... [الأنعام: 7] ~~الآية. # كلا أي لا يكون مرادهم، ولا يتبع الحق أهواءهم. أو ليس إرادتهم تلك ~~للرغبة في الإيمان، فقد جاءهم ما يكفيهم عن اقتراح غيره، وإنما هم مردة ~~الداء، ولذا قال: بل لا يخافون الآخرة أي لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا ~~يخشون العقاب، لإيثارهم العاجلة. أي فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة ~~الله، والإباء عن الإيمان بتنزيله. كلا ردع عن إعراضهم إنه تذكرة فمن شاء ~~ذكره أي فاتعظ # PageV09P360 # وعمل بما فيه من أمر الله ونهيه. وما يذكرون إلا أن يشاء الله أي ذكرهم ~~واتعاظهم، لأنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه. وفيه ترويح لقلبه صلوات الله ~~عليه، مما كان يخامره من إعراضهم، ويحرص عليه من إيمانهم. هو أهل التقوى أي ~~حقيق بأن يتقى عقابه، ويؤمن به ويطاع. وأهل المغفرة أي حقيق بأن يغفر لمن ~~آمن به وأطاعه. # PageV09P361 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القيامة # قال المهايمي: سميت به لتضمنها غاية تعظيم ذلك اليوم، من لا يتناهى ثوابه ~~وعقابه، بحيث تتحسر فيه كل نفس من تقصيرها، وإن عملت ما عملت. # وهي مكية. وآيها أربعون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) # لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة قال القاشاني: جمع بين ~~القيامة والنفس اللوامة، في القسم بهما، تعظيما لشأنهما، وتناسبا بينهما. ~~إذ النفس اللوامة، هي المصدقة بها، المقرة بوقوعها، المهيئة لأسبابها، ~~لأنها تلوم نفسها أبدا في التقصير، والتقاعد عن الخيرات، وإن أحسنت، لحرصها ~~على الزيادة في الخير، ms4573 وأعمال البر، تيقنا بالجزاء، فكيف بها إن أخطأت ~~وفرطت وبدرت منها بادرة غفلة ونسيانا. # ومر الكلام على لا أقسم في مواقعه قبل هذا فتذكر. وحذف جواب القسم لدلالة ~~قوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 3 الى 4] # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه عليه، وهو لتبعثن. قال القاشاني: المراد ~~بالقيامة، هاهنا، الصغرى، لهذه الدلالة بعينها. # بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي بلى! نجمع عظامه، قادرين تسوية بنانه ~~التي هي أطراف خلقته وتمامها، على صغرها ولطافتها، وضم بعضها إلى بعض، فكيف ~~بكبار العظام؟! # PageV09P362 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : آية 5] # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه أي ليدوم على الفجور، فيما يستقبله من ~~الزمان، ولا يثنيه عنه شيء، ولا يتوب منه أبدا. # قال الشهاب: أمامه ظرف مكان، استعير هنا للزمان المستقبل، فيفيد ~~الاستمرار والضمير للإنسان، أو ليوم القيامة. وقيل الدوام والاستمرار، لأنه ~~خبر عن حال الفاجر، بأنه يريد ليفجر في المستقبل. على أن إرادته وحسبانه ~~هما عين الفجور. وفي إعادة المظهر ما لا يخفى من التهديد ونعي قبيح ما ~~ارتكبه، وأن الإنسانية تأباه. وقيل: حمله على الاستمرار ليصح الإضراب، ~~ويصير المعنى بل يريد الإنسان أن يستمر على فجوره، ولا يتوب، فلذا أنكر ~~البعث. # وقال القاشاني: أي ليدوم على الفجور بالميل إلى اللذات البدنية، والشهوات ~~البهيمية، غارزا رأسه فيها، فيما بين يده من الزمان الحاضر والمستقبل، ~~فيغفل عن القيامة لقصور نظره عنها، وكونه مقصورا على اللذات العاجلة، وفرط ~~تهالكه عليها، واحتجابه بها عن الآجلة، سائلا عنها، متعنتا مستبعدا إياها، ~~كما قال سبحانه: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 6 الى # 13] # يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس ~~والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) # كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم ~~وأخر (13) # يسئل أيان يوم القيامة أي متى يكون؟ استبعادا وهزؤا. والجملة استئناف ms4574 أو ~~حال أو تفسير لقوله (يفجر) ، أو بدل منه والاستئناف بياني، كأنه قيل: لم ~~يريد الدوام على الفجور؟ قيل: لأنه أنكر البعث واستهزأ به فإذا برق البصر ~~أي تحير ودهش. أي لما أتى من أمر الله. قال مجاهد: أي عند الموت. وخسف ~~القمر أي ذهب ضوؤه وجمع الشمس والقمر أي جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء ~~لواحد منهما. وقيل: إنها يجمعان ثم يكوران، كما قال جل ثناؤه إذا الشمس ~~كورت [التكوير: 1] ، قال ابن زيد: جمعا فرمي بهما في الأرض. يقول الإنسان ~~يومئذ أين المفر أي الفرار. أي يطلب مهربا ومحيصا لدهشته، أو يقول قول ~~الآيس لعلمه بأنه لا قرار حينئذ. كلا ردع له عن طلب المفر، لا وزر أي لا ~~ملجأ. # إلى ربك يومئذ المستقر # أي مستقر العباد، من نار أو جنة. أي مفرض إليه لا إليه لا إلى غيره ~~مستقرهم، أو استقرار أمرهم، والحكم فيهم ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم # أي # PageV09P363 # من عمله الذي يوجب نجاته وثوابه، من الخيرات والصالحات، وأخر # أي منه ففرط وقصر فيه ولم يعمله. # قال الشهاب: بما قدم # كناية عما عمل، وما أخر # ما تركه ولم يعمله. # وهو مجاز مشهور فيما ذكر. أو ما قدمه، ما عمله، وما أخره، عمل من اقتدى ~~به بعده عملا له، كأنه وقع منه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 14 الى 15] # بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) # بل الإنسان على نفسه بصيرة # قال القاشاني: أي حجة بينة، يشهد بعمله، لبقاء هيئات أعماله المكتوبة ~~عليه في نفسه، ورسوخها في ذاته، وصيرورة صفاته صور أعضائه، فلا حاجة إلى أن ~~ينبأ من خارج. # قال الشهاب: بصيرة # مجاز عن الحجة الظاهرة. أو بصيرة # بمعنى بينة، وهي صفة لحجة مقدرة. وجعل الحجة بصيرة لأن صاحبها يبصر بها، ~~فالإسناد مجازي. # أو هي بمعنى دالة مجازا. أو هو استعارة مكنية وتخييلية. والإنسان # مبتدأ، وبصيرة # خبره، وعلى # متعلق به. والتأنيث للمبالغة، أو لكونه صفة (حجة) . # ولو ألقى معاذيره # أي ولو ألقى أعذاره ms4575 مجادلا عن نفسه بكل معذرة. وفيه إشارة إلى أن ما عليه ~~المشركون من الشرك وعبادة الأوثان، وإنكار البعث، منكر باطل، تنكره قلوبهم، ~~وأنهم في دفاعهم يجادلون بالباطل. ولا غرو أن ينكر القلب ما تدفعه الفطرة ~~السليمة، والدين دين الفطرة. # قال الشهاب: شبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستقاء به، فيكون ~~فيه تشبيه لذلك بالماء المروي للعطش. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 16 الى 19] # لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) # لا تحرك به لسانك لتعجل به # أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي، لتأخذه على عجلة، مخافة أن ~~يتفلت منك. إن علينا جمعه # أي في صدرك، وإثبات حفظه في قلبك، بحيث لا يذهب عليك منه شيء. وقرآنه # أي أن تقرأه بعد فلا تنسى فإذا قرأناه # أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام، # PageV09P364 # فاتبع قرآنه # أي كن مقفيا له ولا تراسله. ثم إن علينا بيانه أي بيان ما فيه، إذا أشكل ~~عليك شيء من معانيه، أو أن نبينه على لسانك. ### | تنبيهات: # الأول- ما ذكرناه في تأويل الآية هو المأثور في الصحيحين وغيرهما. # ولفظ البخاري «1» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحرك شفتيه إذا أنزل عليه، فقيل له لا تحرك به لسانك # يخشى أن يتفلت منه إن علينا جمعه # أن نجمعه في صدرك وقرآنه # أن تقرأه فإذا قرأناه # يقول أنزل عليه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه # أن نبينه على لسانك. زاد في رواية: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد ذلك، إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما قرأه. # قال ابن زيد: أي لا تكلم بالذي أوحينا إليك، حتى يقضى إليك وحيه، فإذا ~~قضينا إليك وحيه، فتكلم به. يعني: أن هذه الآية نظير قوله تعالى: ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب ms4576 زدني علما [طه: 114] . # قال ابن كثير: وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك ~~وغير واحد أن هذه الآية نزلت في ذلك، وأنها تعليم من الله عز وجل لرسوله، ~~كيفية تلقيه الوحي. # الثاني- ذكروا في مناسبة وقوع الآية معترضة في أحوال القيامة- على ~~تأويلهم المتقدم- وجوها: # منها- تأكيد التوبيخ على ما جبل عليه الإنسان- والمرء مفتون بحب العاجل- ~~حتى جعل مخلوقا من عجل. ومن محبة العاجل، وإيثاره على الآجل، تقديم الدنيا ~~الحاضرة على الآخرة، الذي هو منشأ الكفر والعناد، المؤدي إلى إنكار الحشر ~~والمعاد. فالنهي عن العجلة في هذا يقتضي النهي فيما عداه، على آكد وجه. ~~وهذه مناسبة تامة بين ما اعترض فيه وبينه. قاله الشهاب. # ومنها- أن عادة القرآن، إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد، حيث يعرض ~~يوم القيامة، أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا ~~التي تنشأ عنها المحاسبة عملا وتركا، كما قال في الكهف: ووضع الكتاب فترى ~~المجرمين مشفقين مما فيه [الكهف: 49] ، إلى أن قال: PageV09P365 # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن [الإسراء: 89] الآية. وقال في طه: يوم ~~ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا [طه: 102] ، إلى أن قال فتعالى ~~الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني ~~علما [طه: 114] . # ومنها- أن أول السورة لما نزل إلى قوله: ولو ألقى معاذيره # صادف أنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل، وحرك ~~به لسانه من عجلته خشية من تفلته، فنزلت لا تحرك به لسانك # إلى قوله: ثم إن علينا بيانه ثم عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدأ به. # قال الفخر الرازي: ونحوه ما لو ألقى المدرس على الطالب مثلا مسألة، ~~فتشاغل الطالب بشيء عرض له فقال له: ألق إلي بالك، وتفهم ما أقول. ثم كمل ~~المسألة فمن لا يعرف السبب يقول: ليس هذا الكلام مناسبا للمسألة، بخلاف من ~~عرف ذلك- قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) -. # الثالث- استدلوا على التأويل السابق بقوله تعالى: ثم إن علينا بيانه على ~~جواز تأخير البيان عن وقت ms4577 الخطاب، كما هو مذهب الجمهور لما تقتضيه ثم من ~~التراخي. وأول من استدل لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيب، وتبعوه. # وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على أن ~~المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسان، فلا!. # قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل. يقال (بان ~~الكوكب إذا ظهر) قال: ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو ~~بعضه، ولا اختصاص بالأمر المذكور دون بعض. # وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم منه ~~جواز تأخير البيان الإجمالي، فلا يتم الاستدلال. وتعقب باحتمال إرادة ~~المعنيين: الإظهار والتفصيل وغير ذلك، لأن قوله بيانه جنس مضاف، فيعم جميع ~~أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ~~ذلك- قاله الحافظ في (الفتح) -. # وجوز القفال أن تكون ثم للترتيب في الإخبار. أي ثم إنا نخبرك بأن علينا ~~بيانه، فلا تدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وضعفه الرازي بأنه ~~ترك للظاهر من غير دليل. # الرابع- ما قدمناه من معنى قوله تعالى: لا تحرك به لسانك # إلخ، وما استفيد # PageV09P366 # منه، وما قيل في مناسبته لما قبله، كله إذا جرى على المأثور فيها. وحاول ~~القفال معنى فقال كما نقله عنه الرازي-: إن قوله تعالى: لا تحرك به لسانك # ليس خطابا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الإنسان المذكور ~~في قوله ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] ، فكان ذلك حال ما ينبأ بقبائح أفعاله، وذلك بأن يعرض عليه ~~كتابه فيقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 14] . ~~فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف، وسرعة القراءة، فيقال له لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به # فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة، أن نجمع أعمالك عليك، وأن ~~نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه، بالإقرار بأنك فعلت تلك ~~الأفعال. ثم إن علينا بيان أمره، وشرح مراتب عقوبته. # وحاصل الأمر من ms4578 تفسير هذه الآية: أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على ~~الكافر جميع أعماله، على سبيل التفصيل. وفيه أشد الوعيد في الدنيا، وأشد ~~التهويل في الآخرة. # ثم قال القفال: فهذا وجه حسن، ليس في العقل ما يدفعه، وإن كانت الآثار ~~غير واردة به. انتهى. # ونقل الشهاب أن بعضهم ارتضى هذا الوجه، وقدمه على الوجه السابق. # وزعم الحافظ ابن حجر أن الحامل على هذا الوجه الأخير هو عسر بيان ~~المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أحوال القيامة. أي ولما بين الأئمة ~~المناسبة التي أثرناها عنهم، لم يبق وجه للذهاب إلى هذا الوجه الأخير، مع ~~أن هذا الوجه- هو فيما يظهر- فيه غاية القوة والارتباط به قبله وما بعده، ~~مما يؤثره على المأثور، الذي قد يكون مدركه الاجتهاد، والوقوف مع ظاهر ~~ألفاظ الآية. ومما يؤيده ما أورد عليه أن ابن عباس لم ير النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تلك الحال، لأن الظاهر أن ذلك كان في مبدأ البعث النبوي، ولم ~~يكن ابن عباس ولد حينئذ. ولا مانع- كما قال ابن حجر- أن يخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك بعد، فيراه ابن عباس، أو يخبر به، فيكون من مراسيل ~~الصحابة- والله أعلم-. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 20 الى # 25] # كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ~~ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) # تظن أن يفعل بها فاقرة (25) # كلا بل تحبون العاجلة أي الدنيا العاجلة، بإيثار شهواتها. وتذرون الآخرة # PageV09P367 # أي بالإعراض عن الأعمال التي تورث منازلها، أو تنسون الآخرة ووعيدها، ~~وهول حسابها وجزائها. وجوه يومئذ ناضرة أي حسنة جميلة من النعيم إلى ربها ~~ناظرة أي مشاهدة إياه، ترى جمال ذاته العلية، ونور وجهه الكريم، كما وردت ~~بذلك الأخبار والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووجوه يومئذ باسرة ~~أي كالحة، لجهامة هيئاتها، وهول ما تراه هناك من الأهوال، وأنواع العذاب ~~والخسران. تظن أن يفعل بها فاقرة أي داهية تفصم فقار الظهر، لشدتها وسوء ~~حالها ووبالها. وشتان ما بين المرتبتين! ويظهر ms4579 أن في عود الضمير من بها إلى ~~الوجوه- مرادا بها الذوات- شبه استخدام. ولم أر من نبه عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 26 الى # 30] # كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت ~~الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) # كلا إذا بلغت التراقي أي بلغت النفس أعالي الصدر. وإضمارها، وإن لم يجر ~~لها ذكر، لدلالة السياق عليها، كقول حاتم: # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # قال الرازي: يكنى ببلوغ النفس التراقي، عن القرب من الموت، ومنه قول دريد ~~ابن الصمة: # ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي # ونظيره قوله تعالى: فلولا إذا بلغت الحلقوم [الواقعة: 83] . وقيل من راق # قال ابن جرير: أي وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به، وطلبوا ~~له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئا. أي ~~فالاستفهام بمعنى الطلب لراق أو طبيب. وجوز كونه بمعنى الإنكار، يأسا من أن ~~يقدر أحد على نفعه برقية أو عوذة. ### | لطيفة: # قال الواحدي: إن إظهار النون عند حروف الفم لحن. فلا يجوز إظهار نون من # في قوله: من راق # . وروى حفص عن عاصم إظهار النون في قوله: من راق # وبل ران قال أبو علي الفارسي: ولا أعرف وجه ذلك. قال الواحدي: # PageV09P368 # والوجه أن يقال قصد الوقف على من # وبل فأظهرهما. ثم ابتدأ بما بعدهما. # وهذا غير مرضي من القراءة. انتهى. # نقله الرازي. # وظن أنه الفراق أي وأيقن الذي قد نزل ذلك به، أنه فراق الدنيا والأهل ~~والمال. والتفت الساق بالساق أي التوت ساقه بساقه، فلا يقدر على تحريكها. # وقيل: هما ساقاه، إذا التفتا في الكفن. وقيل: الساق عبارة عن الشدة، كما ~~مر في سورة (القلم) . والتعريف للعهد أيضا. # قال الشهاب: فإن قلت: ما مر هو الكشف عن الساق، ووجه ظاهر، لأن المصاب ~~يكشف عن ساقه، فكيف ينزل هذا عليه؟ # قلت: الأمر كما ذكرت، لكنه شاع فيه، ففهم ذلك من الساق ms4580 وحده، حتى صار ~~عبارة عن كل أمر فظيع- كما أشار إليه الراغب- انتهى. # إلى ربك يومئذ المساق أي سوقه إلى حكمه تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القيامة (75) : الآيات 31 الى 40] # فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) ~~أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان ~~علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى (40) # فلا صدق أي بالدين والكتاب. أو صدق ماله، أي ما زكاه ولا صلى أي الصلاة ~~التي هي رأس العبادات، التي سها عنها. ولكن كذب أي بدل التصديق وتولى أي ~~بدل الصلاة التي بها كمال التوجه إلى الله تعالى: ثم أي مع هذه التقصيرات ~~في جنب الله تعالى: ذهب إلى أهله يتمطى أي يتبختر في مشيته. # وأصله (يتمطط) أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه. ### | تنبيهات: # الأول- الضمير في الآيات للإنسان المتقدم في قوله تعالى: أيحسب الإنسان. # الثاني- قال الرازي: إنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين ~~وفروعه، وفيما يتعلق بدنياه. أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق ~~بالدين، # PageV09P369 # ولكن كذب به. وأما ما يتعلق بفروع الدين فهو أنه ما صلى، ولكنه تولى، ~~وأعرض. # وأما ما يتعلق بدنياه، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى ويختال في مشيته. # الثالث- دلت الآية على أن الكافر يستحق الذم والعقاب بترك الصلاة، كما ~~يستحقهما بترك الإيمان. # الرابع- قال الرازي: قال أهل العربية: (لا) هاهنا في موضع (لم) فقوله: ~~فلا صدق ولا صلى أي لم يصدق ولم يصل، وهو كقوله: فلا اقتحم العقبة [البلد: ~~11] ، أي لم يقتحم. # وكذلك ما روي «1» : أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا استهل. قال الكسائي: لم ~~أر العرب قالت في مثل هذا كلمة وحدها، حتى تتبعها بأخرى، إما مصرحا بها، أو ~~مقدرا. أما المصرح، فلا يقولون لا عبد الله خارج، حتى يقولوا ولا فلان، ولا ~~يقولون مررت برجل لا يحسن، حتى يقولوا ولا يجمل. وأما ms4581 المقدر فهو كقوله: ~~فلا اقتحم العقبة [البلد: 11] ، ثم اعترض الكلام فقال: وما أدراك ما العقبة ~~فك رقبة أو إطعام، وكان التقدير: لا فك رقبة ولا أطعم مسكينا، فاكتفى به ~~مرة واحدة. ومنهم من قال: التقدير في قوله: فلا اقتحم أي أفلا اقتحم، وهلا ~~اقتحم. انتهى. أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أي ويل لك مرة بعد مرة. دعاء ~~عليه بأن يليه ما يكرهه وأذلاء متكررا متضاعفا. # وقيل: المعنى بعدا لك. فبعدا في أمر دنياك، وبعدا لك فبعدا في أمر أخراك- ~~حكاه الرازي عن القاضي- ثم قال: قال القفال: هذا يحتمل وجوها. # أحدها- أنه وعيد مبتدأ من الله للكافر. # والثاني- أنه شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعدوه- يعني أبا جهل- ~~فاستنكره عدو الله لعزته عند نفسه، فأنزل الله تعالى مثل ذلك. # والثالث- أن يكون ذلك أمرا من الله لنبيه بأن يقولها لعدو الله، فيكون ~~المعنى: ثم ذهب إلى أهله يتمطى، فقل له يا محمد: أولى لك فأولى، أي احذر، ~~PageV09P370 # فقد قرب منك ما لا قبل لك به من المكروه. انتهى. والأظهر هو الأول. ### | لطيفة: # تفسير أولى لك ب (ويل لك) قال الشهاب: هو محصل معناه المراد منه، فإنه ~~مثله، فيرد للدعاء عليه، أو للتهديد والوعيد. # وعن الأصمعي أنها تكون للتحسر على أمر فات. # هذا هو المعنى المراد بها. وأما الكلام في لفظها فقيل: هو فعل ماض دعائي ~~من (الولي) واللام مزيدة. أي أولاك الله ما تكرهه. أو غير مزيدة، أي أدنى ~~الهلاك لك. وقريب منه قول الأصمعي: إن معناه قاربه ما يهلكه أن ينزل به. ~~واستحسنه ثعلب. # وقيل: إنه اسم وزنه (أفعل) من الويل، فقلب. وقيل فعلى، ولذا لم ينون. # ومعناه ما ذكر، وألفه للإلحاق لا للتأنيث. وعلى الاسمية هو مبتدأ، و (لك) ~~الخبر. # وقيل: إنه اسم فعل مبني، ومعناه وليك شر بعد شر. # ونقل الزمخشري عن أبي علي أنه علم لمعنى الويل، وهو غير منصرف للعلمية ~~ووزن الفعل. وقيل عليه: إن الويل غير متصرف، ومثل (يوم أيوم) غير منقاس، ~~ولا يفرد عن الموصوف. وادعاء ms4582 القلب من غير دليل، لا يسمع، وعلم الجنس خارج ~~عن القياس. فما ذكر بعيد من وجوه عدة. وقيل: الأحسن أنه أفعل تفضيل خبر ~~لمبتدأ يقدر كما يليق بمقامه. فالتقدير هنا: النار أولى لك. يعني: أنت أحق ~~بها، وأهل لها. انتهى. # أيحسب الإنسان أن يترك سدى أي: هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يجازى، مع أنه ~~الإنسان الذي أودع العقل وعلم البيان، وغرز في طبعه أن يعيش مجتمعا، وخص من ~~المواهب ما فضل على غيره. فمن تمام الإحسان إليه إنقاذه من حيرته، وإعلامه ~~بسبيل هدايته، وأن لا يترك خابطا في متائه جهالته، وقد كان ذلك بفضل الله ~~ونعمته، كما أشار لذلك بقوله: # ألم يك نطفة من مني يمنى أي يصب في الرحم. # ثم كان علقة أي دما فخلق أي قدر أعضاءه فسوى أي سوى تلك الأعضاء لأعمالها ~~وعدلها. # PageV09P371 # فجعل منه الزوجين أي الصنفين الذكر والأنثى أي لبقاء نوعه، يعمر الدنيا ~~إلى الأجل الذي كتبه وقدره. # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى أي فيوجدهم بعد مماتهم لعمارة الآخرة. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحانك، فبلى- ~~رواه أبو داود عن رجل من الصحابة. # ورواه أيضا عن أبي هريرة بلفظ: من قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فليقل: بلى. ورواه الإمام أحمد والترمذي # أيضا- والله أعلم-. # PageV09P372 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإنسان # وتسمى سورة (الدهر) و (الأمشاج) و (هل أتى) وهي مكية وآيها إحدى وثلاثون. # روى الإمام مسلم «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان ~~يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة- الم تنزيل السجدة- وهل أتى على الإنسان ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية # 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا أي في ذلك الحين، بل ~~كان شيئا منسيا، نطفته في الأصلاب. والاستفهام للتقرير. # قال الشهاب: ms4583 أي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه، والمقرر به من ينكر ~~البعث. وقد علم أنهم يقولون: نعم، قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه. فيقال ~~لهم: فالذي أوجدهم بعد أن لم يكونوا، كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ # والمراد بالإنسان جنس بني آدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 2] # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج أي ذات أخلاط، وهي موادها المؤلفة منها. ~~جمع مشج أو مشيج. كسبب وأسباب، ونصير وأنصار. أو مفرد، كبرمة أعشار (البرمة ~~القدر. وأعشار أي منكرة كأنها صارت عشر قطع) انتهى نبتليه أي نختبره. ~~والجملة في موضع الحال أي خلقناه مبتلين له، أي مريدين ابتلاءه، لا عبثا ~~وسدى فجعلناه سميعا بصيرا أي لننظر هل صرف سمعه وبصره إلى استماع آيات الله ~~والنظر فيها. ولما كان تمام المنة بهما بهبة العقل، أشار إليه بقوله ~~سبحانه: PageV09P373 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية # 3] # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) # إنا هديناه السبيل أي سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك. أي عرفناه وبينا ~~له ذلك، بأدلة العقل والسمع إما شاكرا أي بالاهتداء والأخذ فيه وإما كفورا ~~أي بالإعراض عنه. ونصبهما ب (يكون) مقدرة. أي ليكون إما شاكرا وإما كفورا. ~~أي ليتميز شكره من كفره، وطاعته من معصيته. كقوله: ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~[الملك: 2] . # (قال الرازي) قال القفال: ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل: ~~قد نصحت لك. إن شئت فاقبل وإن شئت فاترك. أي فإن شئت فتحذف الفاء. فكذا ~~المعنى إنا هديناه السبيل فإما شاكرا وإما كفورا. فتحذف الفاء. وقد يحتمل ~~أن يكون ذلك على جهة الوعيد. أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر، وإن شاء ~~فليشكر. فإنا أعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا. كقوله: وقل الحق من ربكم ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [الكهف: 29] . انتهى. ### | لطيفة: # قال في (النهر) : لما كان الشكر قل من يتصف به قال (شاكرا) ولما كان ~~الكفر كثيرا من يتصف ms4584 به ويكثر وقوعه من الإنسان بخلاف الشكر قال: كفورا ~~بصيغة المبالغة. انتهى. # وهذا ألطف من القول بمراعاة رؤوس الآي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 4] # إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) # إنا أعتدنا للكافرين سلاسل أي ليقادوا بها ويستوثق بها منهم شدا في ~~الجحيم وأغلالا أي لتشد فيها أيديهم إلى أعناقهم وسعيرا أي نارا تسعر عليهم ~~فتتوقد. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 5 الى 6] # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا (6) # إن الأبرار أي الذين بروا بطاعتهم ربهم في أداء فرائضه واجتناب معاصيه # PageV09P374 # يشربون من كأس أي خمر، أطلقت عليها للمجاورة كان مزاجها أي ما تمزج به ~~كافورا قال ابن جرير: يعني في طيب رائحتها كالكافور. ولما كان الكافور من ~~أطيابهم كان كناية عما يطيب به مما له عرف ذكي عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا أي يثيرونها من منابعها في روض الجنة، إثارة مبهجة، تفننا ~~في النعيم. وعينا منصوب بنحو (يؤتون) والباء في بها بمعنى من. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية # 7] # يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) # يوفون بالنذر استئناف مسوق لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر من النعيم، مشتمل ~~على نوع تفصيل لما ينبئ عنه اسم الأبرار إجمالا. كأنه قيل: ماذا يفعلون حتى ~~ينالوا تلك الرتبة العالية؟ فقيل: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم، فكيف بما ~~أوجبه الله تعالى عليهم؟ ويخافون يوما كان شره أي عذابه مستطيرا منتشرا ~~ظاهرا للغاية. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 8] # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) # ويطعمون الطعام على حبه أي مع حب الطعام، كقوله: حتى تنفقوا مما تحبون ~~[آل عمران: 92] ، أو على حب الله تعالى، لما سيأتي من قوله: لوجه الله ~~[الإنسان: 9] ، مسكينا ويتيما وأسيرا أي مأسورا من حرب أو مصلحة. # وإنما اقتصر على الثلاثة لأنهم من أهم من تجدر الصدقة عليهم. فإن المسكين ~~عاجز عن الاكتساب لما ms4585 يكفيه. واليتيم مات من يعوله ويكتسب له، مع نهاية ~~عجزه بصغره. والأسير لا يملك لنفسه نصرا ولا حيلة. # قال في (الإكليل) : والآية تدل على أن إطعام المشرك ما يتقرب به إلى الله ~~تعالى، أي لقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 9] # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) # إنما نطعمكم لوجه الله أي قائلين ذلك بلسان الحال أو المقال، إزاحة لتوهم ~~المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأة. أي لا نقصد بإطعامكم إلا ثوابه تعالى ~~والقربة إليه والزلفى عنده. وإطلاق (الوجه) على الذات مجاز مشهور لا نريد ~~منكم جزاء أي مكافأة ولا شكورا أي ثناء ومديحا. # PageV09P375 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 10] # إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) # إنا نخاف من ربنا يوما أي عذاب يوم عبوسا أي شديدا مظلما. أو تعبس فيه ~~الوجوه من شدة مكارهه وطول بلائه قمطريرا أي شديد العبوسة والكرب. وخوفهم ~~من اليوم كناية عن عمل ما يؤمنهم فزعه وهوله، من الصالحات. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 11 الى # 13] # فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) # فوقاهم الله شر ذلك اليوم أي بسبب ما ذكر من خوفهم منه ولقاهم نضرة أي في ~~الوجوه وسرورا أي في القلوب وجزاهم بما صبروا أي على طاعة الله واجتناب ~~محارمه والدعوة لسبيله واحتمال الأذى جنة وحريرا أي يلبسونه ويتزينون به ~~متكئين فيها على الأرائك أي السرر لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا أي لا حرا ~~ولا بردا. من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 14 الى 16] # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة ~~وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) # ودانية عليهم ظلالها أي ظلال أشجارها. أي قريبة منهم، مظلة عليهم، زيادة ~~في نعيمهم وذللت قطوفها تذليلا أي سهلت ثمارها لمتناوليها. ms4586 فلا يرد أيديهم ~~عنها بعد ولا شوك. ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب جمع كوب، وهو كوز لا ~~أذن له: كانت قواريرا قواريرا من فضة قال أبو البقاء: حسن التكرير لما اتصل ~~به من بيان أصلهما. ولولا التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية، لشدة ~~اتصال الصفة بالموصوف قدروها تقديرا أي في أنفسهم أن تكون على مقادير ~~وأشكال على حسب شهواتهم. فجاءت كما قدروا. أو قدرها لهم السقاة على قدر ~~ريهم. لا يزيد ولا ينقص. وهو ألذ للشارب، لكونه على مقدار حاجته، لا يفضل ~~عنها ولا يعجز. # قال أبو حيان: أقرب من هذا ما نحاه أبو حاتم. وهو أن أصله قدر ريهم منها ~~تقديرا والري العطش، فحذف المضاف وحرف الجر وأوصل الفعل له بنفسه. # قال الشهاب: وفي كونه أقرب، نظر. فإنه أكثر تكلفا. ولكن كل حزب بما لديهم ~~فرحون. # PageV09P376 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 17 الى 18] # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا أي ما يشبهه في الطعم. وكانت العرب ~~يستلذون الشراب الممزوج به عينا فيها تسمى سلسبيلا وهي شديدة الجرية ~~المنسابة بنوع خاص بهيج. ونصب عينا بنحو (يؤتون) أو (ينظرون) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية # 19] # ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) # ويطوف عليهم ولدان مخلدون أي لا يموتون. أو دائم شبابهم لا يتغيرون عن ~~تلك السن. أو مسورون. أو مقرطون. إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا أي لحسنهم ~~وكثرتهم في منازلهم، وانبثاثهم في منازه أماكنهم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 20 الى 21] # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ~~وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) # وإذا رأيت ثم أي نظرت في الجنة، ورميت بطرفك ما أوتي الأبرار رأيت نعيما ~~وملكا كبيرا أي واسعا لا ينفذه البصر عاليهم ثياب سندس وهو ما رق من الحرير ~~خضر قرئ بالرفع صفة ل ثياب ms4587 وبالجر ل سندس وإستبرق وهو ما غلظ من الديباج. ~~وفيه القراءتان، رفعا وجرا وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا أي ~~ليس برجس كخمر الدنيا. أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدى الوضرة، وتدوسه ~~الأقدام الدنسة، ولم يجعل في الدنان التي لم يعن بتنظيفها. والآية مما ~~يستروح بها في نجاسة الخمر، لما فيها من التعريض بها. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 22] # إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) # إن هذا أي ما عد من ثوابهم كان لكم جزاء أي على ما قدمتم من الصالحات ~~وكان سعيكم مشكورا أي مجازى عليه غير مضيع. # PageV09P377 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية # 23] # إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) # إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا أي عظيما لا يقدر قدره. أي فأمره الحق ~~ووعده الصدق. والقصد تثبيت قلبه صلوات الله عليه، وشرح صدره وتحقيق أن ~~المنزل وحي. وعدم المبالاة برميهم له بالسحر والكهانة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 24] # فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) # فاصبر لحكم ربك أي من الصدع به، والتبليغ لآية والعمل بأوامره ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا أي ولا تطع في معصيته تعالى من مشركي مكة، من ركب الإثم ~~وجاهر بالكفر، ممن يريدك عن الرجوع عن دعوتك، بما شئت من مال أو مطلب وأو ~~إما على بابها. أي لا تطع من كان فيه أحد هذين الوصفين، فالنهي عمن اجتمعا ~~فيه يعلم بالطريق الأولى. وإما بمعنى الواو. # قال الفراء: أو هاهنا بمنزلة الواو. وفي الجحد والاستفهام والجزاء يكون ~~بمعنى (لا) فهذا من ذلك مع الجحد. انتهى. # وإما بمعنى (بل) إضراب إلى وصف هو به أخلق وأجدر. وإما للتخيير في ~~التسمية أي من شئت تسميه بالآثم أو الكفور، لتحقق مفهومهما فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 25 الى 26] # واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ~~(26) # واذكر اسم ربك أي بدعائه وتسبيحه والصلاة ms4588 له بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد ~~له أي بالتهجد فيه وسبحه ليلا طويلا أي مقدارا طويلا، نصفه أو زيادة عليه. ~~وفي هذه الأوامر، مع الأمر في أول (المزمل) وأمثالها، ما يدل على العناية ~~بقيام الليل والحرص عليه. # ويأتي البحث المتقدم هنا أيضا. في أن الأمر خاص به صلوات الله عليه بناء ~~على أنه للوجوب، أو يشمل غيره تبعا وهو للقدر المشترك، قولان معروفان في ~~نظيره. والقصد حثه صلى الله عليه وسلم أن يستعين في دعوة قومه والصدع بما ~~أمر به، بالصبر على # PageV09P378 # أذاهم والصلاة والتسبيح وقد كثر ذلك في مواضع من التنزيل كقوله: ~~واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] ، وقوله: فاصبر على ما يقولون وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود [ق: ~~39- 40] ، وأمثالهما. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 27] # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) # إن هؤلاء أي المشركين يحبون العاجلة أي اللذات العاجلة، فيسعون لها ~~جهدهم، وإن أهلكوا الحرث والنسل ويذرون وراءهم يوما ثقيلا أي شديدا، لثقل ~~حسابه وشدته وعسره. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 28] # نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) # نحن خلقناهم وشددنا أسرهم أي خلقهم وأعضاء بناهم. # قال الشهاب: الأسر، معناه لغة الشد والربط. ويطلق أيضا على ما يشد ويربط ~~به. ولذا سمي الأسير أسيرا بمعنى مربوطا. فشبهت الأعصاب بالحبال المربوط ~~بها، ليقوى البدن بها أو لإمساكها للأعضاء. ولذا سموها رباطات أيضا. # وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا أي بإهلاكهم والإتيان بآخرين. وهذا محط ~~الترهيب، وما قبله كالتعليل له. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : آية 29] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) # إن هذه أي السورة، أو الآيات القريبة تذكرة أي عظة لمن اعتبر واتعظ فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا أي بالطاعة الموصلة لقربه، إيصال السبيل للمقاصد. # فهو تمثيل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإنسان (76) : الآيات 30 الى 31] # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ms4589 حكيما (30) يدخل من يشاء ~~في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) # PageV09P379 # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله قال ابن جرير: أي وما تشاءون اتخاذ السبيل ~~إلى ربكم إلا أن يشاء الله ذلك لكم، لأن الأمر إليه لا إليكم. أي لأن ما لم ~~يشأ الله وقوعه من العبد، لا يقع من العبد. وما شاء منه وقوعه، وقع. وهو ~~رديف (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) هذا تأويل السلف. وقالت ~~المعتزلة: أي وما تشاءون الطاعة إلا أن يشاء الله بقسرهم عليها. والمسألة ~~مبسوطة في الكلام. وقد لخصناها في (شرح لقطة العجلان) فارجع إليه. إن الله ~~كان عليما أي بأحوالهم وما يكون منهم حكيما أي في تدبيره وصنعه وأمره يدخل ~~من يشاء في رحمته قال أبو السعود: # بيان لإحكام مشيئته المترتبة على علمه وحكمته. أي يدخل في رحمته من يشاء ~~أن يدخله فيها. وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ السبيل إليه تعالى، حيث ~~يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة. والظالمين وهم الذين ~~صرفوا مشيئتهم إلى خلاف ما ذكر أعد لهم عذابا أليما يعني عذاب النار. ~~وقاناه الله بمنه وكرمه. # PageV09P380 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المرسلات # وتسمى سورة العرف وهي مكية وآيها خمسون. # روى البخاري «1» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما نحن مع ~~رسول الله في غار بمنى، إذ أنزلت عليه و (المرسلات) فإنه ليتلوها، وإني ~~لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اقتلوها. فابتدرناها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت ~~شركم كما وقيتم شرها. وأخرجه مسلم «2» أيضا. # وروى الإمام أحمد «3» عن ابن عباس عن أمه أنها سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا. ورواه الشيخان أيضا «4» . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى # 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) # والمرسلات ms4590 عرفا إقسام بالرياح المرسلة متتابعة كشعر العرف. أو بالملائكة ~~المرسلة بأمر الله ونهيه. وذلك هو العرف. أو بالرسل من بني آدم المبعوثة ~~بذلك فالعاصفات عصفا أي الرياح الشديدات الهبوب، السريعات الممر والناشرات ~~نشرا أي الرياح التي تنشر السحاب والمطر، كما قال: وهو الذي يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته [الأعراف: 57] ، وقوله: الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا فيبسطه في السماء [الروم: 48] ، أو الملائكة التي تنشر الشرائع ~~والعلم PageV09P381 # والحكمة والنبوة والهداية في الأرض فالفارقات فرقا أي الملائكة التي تفرق ~~بين الحق والباطل بسبب إنزال الوحي والتنزيل. أو الآيات القرآنية التي تفرق ~~كذلك. أو السحب التي نشرن الموات ففرقن بين من يشكر الله تعالى وبين من ~~يكفر كقوله: # لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه [الجن: 16] ، فالملقيات ذكرا أي الملائكة ~~الملقيات ذكر الله إلى أنبيائه، المبلغات وحيه عذرا أو نذرا أي إعذارا من ~~الله لخلقه، وإنذارا منه لهم. مصدران بمعنى الإعذار والإنذار. أي الملقيات ~~ذكرا للإعذار والإنذار. أي لإزالة إعذارهم، وإنذارهم عقاب الله تعالى إن ~~عصوا أمره إنما توعدون لواقع جواب القسم. أي: إن الذي توعدون به من مجيء ~~القيامة والجزاء، لكائن نازل، كقوله: وإن الدين لواقع [الذاريات: 6] ، أو ~~من زهوق ما أنتم عليه من الباطل، وظفر الحق بقرنه، أو ما هو أعم. والأول ~~أولى. لإردافه بعلاماته، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 8 الى # 15] # فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا ~~الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) # ليوم الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15) # فإذا النجوم طمست أي محقت أو ذهب ضياؤها، كقوله: انكدرت [التكوير: 2] ، ~~وانتثرت [الانفطار: 2] . وإذا السماء فرجت أي شققت وصدعت وإذا الجبال نسفت ~~أي اقتلعت من أماكنها بسرعة. فكانت هباء منبثا وإذا الرسل أقتت أي أجلت ~~للاجتماع لوقتها يوم القيامة للشهادة على أممهم والفوز بما وعدوه من ~~الكرامة. والهمزة من أقتت مبدلة من الواو. # قال ابن جرير وقرأه بعض قراء البصرة بالواو وتشديد القاف. وأبو جعفر ~~بالواو وتخفيف القاف. وكل ذلك ms4591 قراءات معروفات ولغات مشهورات بمعنى واحد. ~~فبأيتها قرأ القارئ فمصيب. غير أن من العرب من يستثقل ضمة الواو- كما ~~يستثقل كسرة الياء في أول الحرف. فيهمزها. # لأي يوم أجلت أي أخرت عن معاجلة الثواب والعقاب. أي يقال لأي يوم أجلت ~~فالجملة مقول قول مضمر، هو جواب (إذا) أو حال من مرفوع (أقتت) والمعنى ليوم ~~عظيم أخرت أمور الرسل. وهو تعذيب الكفرة وإهانتهم، وتعظيم المؤمنين ~~ورعايتهم، وظهور ما كانت الرسل تذكرة من أحوال الآخرة وأهوالها، ولذا عظم ~~شأن اليوم، وهول أمره بالاستفهام. وقوله تعالى: ليوم الفصل بدل مما قبله، ~~مبين له. أو متعلق بمقدر. أي أجلت ليوم الفصل بين الخلائق. وقد قيل: لامه ~~بمعنى (إلى) وما أدراك ما يوم الفصل أي بين السعداء والأشقياء. والاستفهام ~~كناية عن تهويله وتعظيمه. # PageV09P382 # ويل يومئذ للمكذبين أي بيوم الفصل. كما قال في سورة المطففين الذين ~~يكذبون بيوم الدين [المطففين: 11] ، والتكذيب به، إنكار البعث له والحشر ~~إليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى 19] # ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) # ألم نهلك الأولين أي الأمم الماضين المكذبين بالرسل والجاحدين بالآيات، ~~كقوم نوح، وعاد، وثمود. ثم نتبعهم الآخرين أي من قوم لوط، وموسى. # فنسلك بهم سبل أولئك. وهو وعيد لأهل مكة كذلك أي مثل ذلك الأخذ العظيم. ~~نفعل بالمجرمين أي بكل من أجرم وطغى وبغى ويل يومئذ للمكذبين قال ابن جرير: ~~أي بأخبار الله التي ذكرها في هذه الآية، الجاحدين قدرته على ما يشاء. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 20 الى 24] # ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) # ألم نخلقكم من ماء مهين أي من نطفة ضعيفة فجعلناه في قرار مكين أي رحم ~~استقر فيها فتمكن إلى قدر معلوم أي وقت معلوم لخروجه من الرحم فقدرنا قرئ ~~بالتخفيف والتشديد. أي فقدرنا على ذلك أو قدرناه فنعم القادرون ويل يومئذ ~~للمكذبين أي بقدرته تعالى على ذلك، ms4592 أو على الإعادة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 25 الى 26] # ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) # ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا قال ابن جرير: أي وعاء. تقول هذا كفت ~~هذا وكفيته إذا كان وعاءه. والمعنى ألم نجعل الأرض كفات أحيائكم وأمواتكم، ~~تكفت أحياءكم في المساكن والمنازل فتضمهم فيها وتجمعهم، وأمواتكم في بطونها ~~في القبور فيدفنون فيها؟ وجائز أن يكون عنى بقوله: كفاتا أحياء وأمواتا ~~تكفت أذاهم في حال حياتهم، وجيفهم بعد مماتهم. انتهى. # و (الكفات) إما اسم جنس لما يضم ويقبض. يقال: كفته الله إليه أي قبضه. # ولذلك سميت المقبرة كفتة وكفاتا. ومنه الضمام والجماع، لما يضم ويجمع. ~~يقال # PageV09P383 # هذا الباب جماع الأبواب. وإما اسم آلة، لأن فعالا كثر فيه ذلك. أو مصدر ~~كقتال. # أول بالمشتق ونعت به، كرجل عدل. أو جمع كافت كصائم وصيام. أو كفت بكسر ~~فسكون كقدح وقداح. # وكفاتا منصوب على أنه مفعول ثان ل نجعل لأنها للتصيير، وأحياء وأمواتا ~~منصوبان على أنهما مفعولان به ل كفاتا. # قال الشهاب: وهذا ظاهر على كون (كفاتا) مصدرا أو جمع كافت. لا على كونه ~~اسم آلة فإنه لا يعمل، كما صرح به النحاة. وحينئذ فيقدر فعل ينصبه من لفظه، ~~كما صرح به ابن مالك في كل منصوب بعد اسم غير عامل. وثمة وجوه أخر. ### | تنبيه: # في (الإكليل) قال إلكيا الهراسي: عنى بالكفات الانضمام. ومراده أنها ~~تضمهم في الحالتين. وهذا يدل على وجوب مواراة الميت فلا يرى منه شيء. وقال ~~ابن عبد البر: احتج ابن القاسم في قطع النباش بهذه الآية. لأنه تعالى جعل ~~القبر للميت كالبيت للحي، فيكون حرزا. انتهى. # ونقله القفال عن ربيعة. وعندي أن مثل هذا الاحتجاج من الإغراق في ~~الاستنباط وتكلف التماس ما يؤيد المذهب المتبوع كيفما كان، مما يعد تعسفا ~~وتعصبا. وبين فحوى الآية وهذا الاستنباط ما بين المنجد والمتهم. ومثله أخذ ~~بعضهم من الآية السابقة لأي يوم أجلت تأجيل القضاة الخصوم في الحكومات، ~~ليقع فصل القضاء عند تمام التأجيل. كما نقله ms4593 في (الإكليل) عن ابن الفرس. # ومآخذ الدين والتشريع ليست من الأحاجي والمعميات. وبالله التوفيق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 27 الى # 28] # وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين ~~(28) # وجعلنا فيها رواسي شامخات أي جبالا شاهقات وأسقيناكم ماء فراتا أي عذبا ~~ويل يومئذ للمكذبين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : آية 29] # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) # انطلقوا أي يقال لهؤلاء المكذبين بهذه النعم والحجج التي احتج بها عليهم ~~يوم القيامة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون أي من عذاب الله للكفرة ~~الفجرة. # PageV09P384 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 30 الى # 40] # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ~~ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) # هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين ~~(37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) # ويل يومئذ للمكذبين (40) # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب أي فرق. وذلك دخان جهنم المرتفع من وقودها، ~~إذا تصاعد تفرق شعبا ثلاثا، لعظمه. # قال الشهاب: فيه استعارة تهكمية لتشبيه ما يعلو من الدخان بالظل. وفيه ~~إبداع، لأن الظل لا يعلو ذا الظل. وقوله تعالى: لا ظليل تهكم بهم. لأن الظل ~~لا يكون إلا ظليلا أي مظللا. فنفيه عنه للدلالة على أن جعله ظلا تهكم بهم، ~~ولأنه ربما يتوهم أن فيه راحة لهم، فنفي هذا الاحتمال بقوله: لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب أي لا يرد عنهم من لهب النار شيئا. والمعنى أنه لا يظلهم من ~~حرها ولا يكنهم من لهبها إنها ترمي بشرر كالقصر أي تقذف كل شررة كالقصر في ~~عظمها، والقصر واحد القصور. # قال ابن جرير: العرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ~~ناقة: # كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجر وأحجار # ثم قال: وقيل بشرر كالقصر ولم يقل كالقصور. والشرر جمع. كما قيل: # سيهزم الجمع ويولون الدبر ولم يقل الأدبار لأن ms4594 الدبر بمعنى الأدبار. وفعل ~~ذلك توفيقا بين رؤوس الآي ومقاطع الكلام. لأن العرب تفعل ذلك كذلك. ~~وبلسانها نزل القرآن. # كأنه جمالت وقرئ (جمالات) جمع (جمال) جمع (جمل) أو جمع (جمالة) جمع (جمل) ~~أيضا. ونظيره: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، وحجارة وحجارات. صفر أي في ~~لونها. فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر. وقيل: # صفر أي سود. # قال قتادة وغيره: أي كالنوق السود، واختاره ابن جرير: زاعما أنه المعروف ~~من # PageV09P385 # كلام العرب ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون أي بحجة. أو في وقت من ~~أوقاته. لأنه يوم طويل ذو مواقف ومواقيت. أو جعل نطقهم كلا نطق، لأنه لا ~~ينفع ولا يسمع فلا ينافي آية والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: 23] ، وو ~~لا يكتمون الله حديثا [النساء: 42] ، وثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون [الزمر: 31] ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون أي لا يمهد لهم الإذن في ~~الاعتذار، لعدم قبول معذرتهم بقيام الحجة عليهم. وإنما لم يقل (فيعتذروا) ~~محافظة على رؤوس الآي. وقيل: هو معطوف على يؤذن منخرط معه في سلك النفي. ~~والمعنى ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، من غير أن يجعل الاعتذار مسببا ~~عن الإذن ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل أي الحق بين العباد جمعناكم أي ~~حشرناكم فيه والأولين أي من الأمم الهالكة فإن كان لكم كيد أي احتيال ~~للتخلص من العذاب فكيدون أي فاحتالوا له. # قال الزمخشري: تقريع لهم على كيدهم لدين الله وذويه، وتسجيل عليهم بالعجز ~~والاستكانة ويل يومئذ للمكذبين أي فإنه لا حيلة لهم في دفع العقاب. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 46] # إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ ~~للمكذبين (45) # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) # إن المتقين أي الذين اتقوا عقاب الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه في ~~ظلال أي كنان من الحر والقر وعيون أي أنهار تجري خلال أشجار وفواكه مما ~~يشتهون أي يرغبون، مقولا لهم: كلوا واشربوا ms4595 هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك ~~نجزي المحسنين أي في طاعتهم وعبادتهم وعملهم ويل يومئذ للمكذبين كلوا ~~وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون أي حظكم حظ من أجرم، وهو الأكل والتمتع أياما ~~قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبدا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المرسلات (77) : الآيات 47 الى 50] # ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ ~~للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون (50) # PageV09P386 # ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا أي اخضعوا لهذا الحق الذي نزل، ~~وتواضعوا لقبوله، واخشعوا لذكره لا يركعون أي لا يخضعون ولا ينقادون ولا ~~يقبلون، تجبرا واستكبارا ويل يومئذ للمكذبين أي الذين كذبوا رسل الله، ~~فردوا عليهم ما بلغوا من أمر الله إياهم ونهيه لهم. وتكرير آية ويل يومئذ ~~للمكذبين للتأكيد. وهو من المقاصد الشائعة. وقيل: لا تكرار، لاختلاف متعلق ~~كل منها. # وتقدم تمام البحث في سورة (الرحمن) فارجع إليه في خاتمتها فبأي حديث بعده ~~يؤمنون أي بعد هذا القرآن، إذا كذبوا به، مع وضوح برهانه وصحة دلائله، في ~~أنه حق منزل من عنده تعالى. وفيه تنبيه على أنه لا حديث يساويه في الفضل أو ~~يدانيه، فضلا عن أن يفوقه ويعلوه، فلا حديث أحق بالإيمان منه. # PageV09P387 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النبأ # وتسمى سورة عم يتساءلون. وهي مكية، وآيها أربعون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) # عم يتساءلون أي هؤلاء المشركون بالله ورسوله. قال ابن جرير وذلك أن قريشا ~~جعلت، فيما ذكر عنها، تختصم وتتجادل في الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، من الإقرار بنبوته، والتصديق بما جاء به من عند الله تعالى، ~~والإيمان بالبعث. # فقال الله تعالى لنبيه: فيم يتساءل هؤلاء القوم ويختصمون؟. و (في) و (عن) ~~في هذا الموضع بمعنى واحد. انتهى. # والاستفهام للتفخيم أو للتبكيت. والتفاعل إما على بابه، أو هو بمعنى ~~(فعل) والمعنى على الأول يتساءلون فيما بينهم. وعلى الثاني يسألون الرسول ms4596 ~~صلوات الله عليه وسلامه، أو المؤمنين. قيل مجيء تفاعل بمعنى فعل إذا كان في ~~الفاعل كثرة، مراعاة لمعنى التشارك بقدر الإمكان ونوقش بأن (تفاعل) يكون ~~بمعنى (فعل) كثيرا وإن لم يتعدد فاعله. كتواني زيد وتدانى الأمر. بل حيث لا ~~يمكن التعدد نحو تعالى الله عما يشركون [النمل: 63] ، وقوله: # عن النبإ العظيم بيان للمفخم شأنه، أو للمبكت من أجله الذي هم فيه ~~مختلفون أي منقسمون، بعضهم يجحده وآخر يرتاب فيه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 4 الى 5] # كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) # كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ردع للمتسائلين ووعيد لهم. والتكرير للمبالغة ~~لحذف مفعول العلم. فإما أن يقدر سيعلمون حقيقة الحال وما عنه السؤال. # أو سيعلمون ما يحل بهم العقوبات والنكال. فتكريره مع الإبهام، يفيد ~~مبالغة. وفي # PageV09P388 # ثم إشعار بأن الوعيد الثاني أشد. لأنها هنا للبعد والتفاوت الرتبي. فكأنه ~~قيل: # ردع وزجر لكم شديد، بل أشد وأشد. وبهذا الاعتبار صار كأنه مغاير لما ~~قبله. ولذا خص عطفه ب ثم غالبا. هذا ملخص ما في (العناية) . # ثم ذكرهم تعالى بدلائل قدرته وآيات رحمته، بقوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 6 الى # 11] # ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا ~~نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) # وجعلنا النهار معاشا (11) # ألم نجعل الأرض مهادا أي فراشا وموطئا تتمهدونها وتفترشونها والجبال ~~أوتادا أي للأرض. أي أرسيناها بالجبال كما يرسي البيت بالأوتاد، حتى لا ~~تميد بأهلها فيكمل كون الأرض مهادا بسبب ذلك. قال الإمام مفتي مصر: وإنما ~~كانت الجبال أوتادا لأن بروزها في الأرض كبروز الأوتاد المغروزة فيها، ~~ولأنها في تثبيت الأرض ومنعها من الميدان والاضطراب، كالأوتاد في حفظ ~~الخيمة من مثل ذلك. # كأن أقطار الأرض قد شدت إليها ولولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب ~~بما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان. # وخلقناكم أزواجا أي ذكورا وإناثا. قال الإمام: ليتم الائتناس والتعاون ~~على سعادة المعيشة وحفظ النسل وتكميله بالتربية. # وجعلنا نومكم سباتا أي راحة ودعة، يريح القوى من ms4597 تعبها ويعيد إليها ما ~~فقد منها. إطلاقا للملزوم وهو (السبات) بمعنى النوم، وإرادة للازم وهو ~~(الاستراحة) . وقيل: السبات هو النوم الممتد الطويل السكون. ولهذا يقال ~~فيمن وصف بكثرة النوم: إنه مسبوت وبه سبات. ووجه الامتنان بذلك ظاهر، لما ~~فيه من المنفعة والراحة، لأن التهويم والنوم الغرار لا يكسبان شيئا من ~~الراحة. وقد أفاض السيد المرتضى في أماليه في لطائف تأويل هذه الآية. # وجعلنا الليل لباسا أي كاللباس بإحاطة ظلمته بكل أحد، وستره لهم. # قال الرازي: ووجه النعمة في ذلك، أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون ~~إذا أراد هربا من عدو أو بياتا له، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان إطلاع غيره ~~عليه. قال المتنبي: # وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب # وأيضا، فكما أن الإنسان، بسبب اللباس، يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع # PageV09P389 # عنه أذى الحر والبرد، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في ~~جمال الإنسان وفي طراوة أعضائه وفي تكامل قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه ~~أذى التعب الجسماني وأذى الأفكار الموحشة. # وجعلنا النهار معاشا أي وقت معاش. إذ فيه تتقلب الخلق في حوائجهم ~~ومكاسبهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 12 الى # 16] # وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) # وبنينا فوقكم سبعا شدادا قال الرازي: أي سبع سماوات شدادا جمع (شديدة) ~~يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان، لا فطور فيها ولا فروج. # وقال الإمام: السبع الشداد الطرائق السبع. وهي ما فيه الكواكب السبعة ~~السيارة المشهورة. وخصها بالذكر لظهورها ومعرفة العامة لها. وجعلنا سراجا ~~وهاجا أي متلألئا وقادا. يعني الشمس وأنزلنا من المعصرات أي السحائب إذا ~~أعصرت، أي شارفت أن تعصرها الرياح ماء ثجاجا أي منصبا متتابعا لنخرج به حبا ~~ونباتا قال ابن جرير: الحب كل ما تضمنه كمام الزرع التي تحصد. والنبات ~~الكلأ الذي يرعى من الحشيش والزروع. # وقال الزمخشري: يريد ما يتقوت من نحو ms4598 الحنطة والشعير، وما يعلف من التبن ~~والحشيش. كما قال: كلوا وارعوا أنعامكم [طه: 54] . # وجنات ألفافا أي حدائق ملتفة الشجر، مجتمعة الأغصان. # قال الرازي: قدم الحب لأنه الأصل في الغذاء. وثنى بالنبات لاحتياج ~~الحيوانات إليه. وأخر الجنات لأن الحاجة إلى الفواكه ليست بضرورية. ثم قال: ~~وكان الكعبي من القائلين بالطبائع. فاحتج بقوله تعالى: لنخرج به حبا إلخ ~~على بطلان قول من قال: إنه تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شيء آخر. أي لأن ~~ارتباط المسببات بالأسباب مما بنى عليه سبحانه، بحكمته الباهرة، نظام ~~العمران. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 17 الى 18] # إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) # إن يوم الفصل أي يوم يفصل بين الناس ويفرق السعداء من الأشقياء، باعتبار ~~تفاوت الأعمال، وهو يوم القيامة كان أي عند الله وفي علمه وحكمه ميقاتا أي ~~حدا معينا، ووقتا مؤقتا، ينتهي الخلق إليه ليرى كل جزاء عمله يوم # PageV09P390 # ينفخ في الصور # بدل من يوم الفصل أو عطف بيان. كناية عن اتصال الأرواح بالأجساد، ورجوعها ~~بها إلى الحياة والحشر في الآخرة. كما قال القاشاني والشهاب. # وقال الإمام: النفخ في الصور تمثيل لبعث الله للناس يوم القيامة بسرعة لا ~~يمثلها إلا نفخة في بوق: فإذا هم قيام ينظرون [الزمر: 68] ، وعلينا أن نؤمن ~~بما ورد من النفخ في الصور. وليس علينا أن نعلم ما هي حقيقة ذلك الصور: ~~فتأتون أفواجا أي فرقا مختلفة، كل فرقة مع إمامهم، على حسب تباين عقائدهم ~~وأعمالهم وتوافقها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 19 الى # 20] # وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) # وفتحت السماء فكانت أبوابا قال ابن جرير: أي وشققت السماء فصدعت، فكانت ~~طرقا، وكانت من قبل شدادا لا فطور فيها ولا صدوع. # وقال القاضي فيما نقله الرازي: وهذا الفتح هو معنى قوله: إذا السماء ~~انشقت [الانشقاق: 1] ، وإذا السماء انفطرت [الانفطار: 1] ، إذ الفتح ~~والتشقق والتفطر تتقارب، وهذا، كما قال ابن جرير، متين للغاية. وتعقب ~~الرازي له، وقوف مع ms4599 الألفاظ لا يفيد. لا سيما والأصل هو التفسير بالنظائر ~~والأشباه. # وسيرت الجبال فكانت سرابا أي رفعت من أماكنها في الهواء. وذلك إنما يكون ~~بعد تفتيتها وجعلها أجزاء متصاعدة كالهباء. وفي الآية تشبيه بليغ. والجامع ~~أن كلا منهما يرى على شكل شيء، وليس به. فالسراب يرى كأنه بحر وليس كذلك. ~~والجبال إذا فتتت وارتفعت في الهواء، ترى كأنها جبال وليست بجبال. بل غبار ~~غليظ متراكم، يرى من بعيد كأنه جبل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 21 الى 26] # إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) # جزاء وفاقا (26) # إن جهنم كانت مرصادا أي موضع رصد، يرصد فيه خزنتها من كان يكذب بها ~~وبالمعاد. على أن مرصادا اسم مكان. أو مجدة في ترصدهم وارتقاب مقدمهم. على ~~أنه صيغة مبالغة للطاغين مآبا أي للذين طغوا في الدنيا، فتجاوزوا حدود الله ~~استكبارا على ربهم، منزلا ومرجعا يصيرون إليه لابثين فيها أحقابا أي دهورا ~~متتابعة إلى غير نهاية. كقوله: خالدين فيها أبدا [الأحزاب: 65] ، لا # PageV09P391 # يذوقون فيها بردا # أي روحا وراحة ولا شرابا إلا حميما أي ماء حارا انتهى غليانه وغساقا أي ~~صديدا. وهو ما يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، في حياض يجتمع فيها، ~~فيسقونه جزاء وفاقا أي: جوزوا بذلك جزاء موافقا لما ارتكبوه من الأعمال، ~~وقدموه من العقائد والأخلاق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 27 الى 29] # إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء ~~أحصيناه كتابا (29) # إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا قال القاشاني: أي ذلك ~~العذاب، لأنهم كانوا موصوفين بهذه الرذائل من عدم توقع المكافاة والتكذيب ~~بالآيات. أي لفساد العمل والعلم. فلم يعملوا صالحا رجاء الجزاء، ولم يعلموا ~~علما فيصدقوا بالآيات. # وكل شيء أحصيناه كتابا قال القاشاني: أي كل شيء من أعمالهم ضبطناه ~~بالكتابة عليهم في صحائف نفوسهم. # وقال الرازي: المراد من قوله: كتابا تأكيد ذلك الإحصاء والعلم. وهذا ~~التأكيد إنما ورد على حسب ms4600 ما يليق بأفهام أهل الظاهر. فإن المكتوب يقبل ~~الزوال، وعلم الله بالأشياء لا يقبل الزوال، لأنه واجب لذاته. انتهى. # وهو بمعنى ما نقله الشهاب أنه تمثيل لإحاطة علمه بالأشياء لتفهيمنا. وإلا ~~فهو تعالى غني عن الكتابة والضبط. ومذهب السلف الإيمان بهذه الظواهر وتفويض ~~تأويلها إلى الله تعالى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 30 الى 36] # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا ~~(32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) # لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا أي يقال لهم ذاك، تقريعا وغضبا وتأنيبا لهم ~~من تخفيف العذاب، وإعلاما بمضاعفته. # ولما ذكر وعيد الكفار، تأثره بوعد الأبرار، بقوله سبحانه إن للمتقين ~~مفازا أي فوزا بالنعيم. ونجاة من النار، التي هي مآب الطاغين حدائق وأعنابا ~~الحدائق # PageV09P392 # جمع حديقة وهي البستان فيه أنواع الشجر المثمر المحوط بالحيطان المحدقة ~~به. # والأعناب معروفة. قال ابن جرير: أي وكروم وأعناب، فاستغنى بالأعناب عنها. # وكواعب أي بنات فلكت ثديهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير أترابا أي ~~متساويات في السن وكأسا دهاقا أي ملأى من خمر لذة للشاربين لا يسمعون فيها ~~أي في الجنة لغوا أي باطلا من القول ولا كذابا أي مكاذبة. # أي لا يكذب بعضهم بعضا. # قال الإمام: اللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين، بل هو من أشد ~~الأذى لقلوبهم. فأراد الله إزاحة ذلك عنهم جزاء من ربك عطاء أي جزاء لهم ~~على صالح أعمالهم، تفضلا منه تعالى بذلك الجزاء حسابا أي كافيا، أو على حسب ~~أعمالهم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : آية # 37] # رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) # رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا قال ابن جرير: ~~أي لا يملكون أن يخاطبوا الله. قال: والمخاطب المخاصم الذي يخاصم صاحبه. ~~وقال غيره: أي لا يملكهم الله منه خطابا في شأن الثواب والعقاب. بل هو ~~المتصرف فيه وحده. وهذا كما تقول (ملكت منه درهما) ms4601 ف (من) ابتدائية متعلقة ~~ب (يملكون) وعلى ما ذكره ابن جرير من أن المعنى لا يملكون أن يخاطبوه بشيء ~~من نقص العذاب، ف (منه) صلة (خطابا) كما تقول (خاطبت منك) على معنى خاطبتك. ~~ك (بعت زيدا) أو (بعت من زيد) ف (منه) بيان مقدم على المصدر لا صلة ~~(يملكون) وقد قرئ (رب) و (الرحمن) بالجر وبالرفع. وقرئ بجر الأول ورفع ~~الثاني. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : الآيات 38 الى 39] # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) # يوم يقوم الروح أي جبريل عليه السلام وهو المعبر عنه بروح القدس في آية ~~أخرى وفيه أقوال أخر نقلها ابن جرير. وما ذكرناه أصوبها. والتنزيل يفسر ~~بعضه بعضا. # PageV09P393 # ثم رأيت الرازي نقل عن القاضي اختياره، قال: لأن القرآن دل على أن هذا ~~الاسم اسم جبريل عليه السلام. وثبت أن القيام صحيح من جبريل، والكلام صحيح ~~منه، ويصح أن يؤذن له. فكيف يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه، أو إلى ~~القرآن الذي لا يصح وصفه بالقيام؟ وقوله تعالى: والملائكة صفا قال ~~القاشاني: أي صافين في مراتبهم، كقوله تعالى: وما منا إلا له مقام معلوم ~~[الصافات: 164] . # وقال الرازي: يحتمل أن يكون المعنى صفا وحدا. ويحتمل أنه صفان، ويجوز ~~صفوفا. والصف في الأصل مصدر، فينبئ عن الواحد والجمع. ورجح بعضهم الأخير ~~لآية وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] ، انتهى. # وقوله تعالى: لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا أي لا يتكلمون ~~في الشفاعة كقوله: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] ، والضمير ~~للملائكة أو أعم كقوله: يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه [هود: 105] . # قال الزمخشري: هما شريطتان: أن يكون المتكلم منهم مأذونا له في الكلام، ~~وأن يتكلم بالصواب، فلا يشفع لغير مرتضى لقوله تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى [الأنبياء: 28] . # ذلك اليوم الحق أي الواقع الذي لا يمكن إنكاره والحق صفة أو خبر. ms4602 # فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا قال ابن جرير: أي فمن شاء اتخذ بالتصديق بهذا ~~اليوم الحق، والاستعداد له والعمل بما فيه، النجاة له من أهواله، مرجعا ~~حسنا يؤوب إليه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النبإ (78) : آية 40] # إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا (40) # ا أنذرناكم عذابا قريبا # يعني عذاب الآخرة وقربه. لأن مبدأه الموت وم ينظر المرء ما قدمت يداه # أي من خير أو شر. أي ينظر جزاءه: يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا # أي مثله. لم أصب حظا من الحياة، لما يلقى من عذاب الله الذي أعد لأمثاله. ~~وقاناه الله بمنه وكرمه. # PageV09P394 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النازعات # وتسمى سورة الساهرة. والطامة. وهي مكية. وآيها ست وأربعون. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # فالمدبرات أمرا (5) # والنازعات غرقا يعني الغزاة أو أيديهم. يقال للرامي (نزع في قوسه) إذا ~~مدها بالوتر. و (نزع في قوسه فأغرق) و (أغرق النازع في القوس) إذا استوفى ~~مدها. # ويضرب مثلا للغلو والإفراط. وغرقا بمعنى إغراقا كالسلام بمعنى التسليم، ~~وهو الإغراق بحذف الزوائد. أو والنازعات الكواكب. من (نزع الفرس سننا) جرى ~~طلقا، أي الجاريات على السير المقدر، والحد المعين، مجدة في السير، مسرعة ~~للغاية. والناشطات نشطا أي الخيل لأنها تخرج من دار إلى دار. من قولهم (ثور ~~ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد. أو هي السهام. يعني خروجها عن أيدي الرماة ~~ونفوذها. وكل شيء حللته، فقد نشطته. ومنه (نشاط الرجل) وهو انبساطه وخفته. # أو الكواكب تنشط من برج إلى برج. والسابحات سبحا أي الخيل تسبح في عدوها ~~فتسبق إلى العدو. وهو مستعار من (سبح في الماء) لكنه ألحق بالحقيقة لشهرته. ~~أو هي الكواكب تسبح في الفلك. لأن مرورها في الجو كالسبح، كما قال تعالى: ~~كل في فلك يسبحون. [الأنبياء: 33] ، فالسابقات سبقا أي الخيل تسبق إلى ~~العدو في حومة ms4603 الوغى. أو الكواكب السيارة تسبق غيرها في السير، لكونها أسرع ~~حركة. فالمدبرات أمرا أي الخيل. أسند إليها أمر تدبير الظفر مجازا لأنها ~~سببه. أو المدبرات مثل المعقبات. أي أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو ~~نزع السهام وسبح الخيل وسبقها، الأمر الذي هو النصر. أو هي الكواكب تدبر ~~أمرا نيط بها. كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، مجازا ~~أيضا. لأنها # PageV09P395 # سببه. أو هي الملائكة تدبر ما نيط بها من أمر الله تعالى. وقد جوز فيما ~~قبلها أن تكون الملائكة أيضا. واللفظ الكريم متسع لما ذكر من المعاني بلا ~~تدافع. ولا إمكان للجزم بواحد، إذ لا قاطع. ولذا قال ابن جرير: الصواب عندي ~~أن يقال إنه تعالى أقسم بالنازعات غرقا، ولم يخصص نازعة دون نازعة. فكل ~~نازعة غرقا، فداخلة في قسمه ملكا أو نجما أو قوسا أو غير ذلك. وكذا عم ~~القسم بجميع الناشطات من موضع إلى موضع. فكل ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا ~~أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنى بالقسم من ذلك، بعض دون بعض. ~~وهكذا في البقية. وكلامه رحمه الله متجه للغاية. إذ فيه إبقاء اللفظ على ~~شموله، وهو أعم فائدة وعدم التكلف للتخصيص بلا قاطع. وإن كانت القرائن ~~واستعمال موادها في مثلها وشواهدها، مما قد يخصص الصيغ. إلا أن التنزيل ~~الكريم يتوقى في التسرع فيه ما لا يتوقى في غيره. ### | لطائف: # قال أبو السعود: العطف مع اتحاد الكل، بتنزيل التغاير العنواني منزلة ~~التغاير الذاتي كما في قوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور، حقيق بأن ~~يكون على حياله، مناطا لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام، بالإقسام به من ~~غير انضمام الأوصاف الأخر إليه. والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتبهما ~~على ما قبلهما بغير مهلة. وغرقا مصدر مؤكد بحذف الزوائد. وانتصاب نشطا ~~وسبحا وسبقا أيضا على المصدرية، وأما أمرا فمفعول للمدبرات. وتنكيره ~~للتهويل والتفخيم. والمقسم عليه محذوف، تعويلا على إشارة ما قبله من ms4604 المقسم ~~به إليه، ودلالة ما بعده من أحوال القيامة عليه، وهو (لنبعثن) وبه تعلق ~~قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 6 الى # 10] # يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها ~~خاشعة (9) يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) # يوم ترجف الراجفة أي الواقعة التي ترجف عندها الأجرام الساكنة. أي تتحرك ~~حركة شديدة وتزلزل زلزلة عظيمة. فالإسناد إليها مجازي لأنها سببه. أو ~~التجوز في الطرف يجعل سبب الرجف راجفا. أو الراجفة الأجرام الساكنة التي ~~تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال. فتسميتها راجفة باعتبار الأول. قال ~~الشهاب: ولو فسرت الراجفة بالمحركة جاز، وكان حقيقة. لأن (رجف) يكون بمعنى ~~حرك وتحرك. # PageV09P396 # تتبعها الرادفة أي السماء وما فيها. تردفها فتنشق وتنتثر كواكبها. ولوقوع ~~ذلك فيها بعد الرجفة الأولى، جعلت رادفة لها. أو الرادفة النفخة الثانية ~~لبعث يوم القيامة. # قال الحسن: هما النفختان. أما الأولى فتميت الأحياء. وأما الثانية فتحيي ~~الموتى. ثم تلا الحسن: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر: 68] ، قلوب يومئذ ~~واجفة أي شديدة الاضطراب، خوفا من عظيم الهول النازل أبصارها خاشعة أي ~~أبصار أهلها ذليلة، مما قد علاها من الكآبة والحزن، من الخوف والرعب. وقوله ~~تعالى: يقولون أإنا لمردودون في الحافرة قال ابن جرير: أي يقول هؤلاء ~~المكذبون بالبعث من مشركي قريش، إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت: # أإنا لمردودون إلى حالنا الأولى قبل الممات، فراجعون أحياء كما كنا؟ وقال ~~أبو السعود: حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به، ~~إثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمي، وذكر مقدماته الهائلة وما يعرض عند ~~وقوعها للقلوب والأبصار. أي يقولون، إذا قيل لهم إنكم تبعثون، منكرين له ~~متعجبين منه: أإنا لمردودون بعد موتنا في الحافرة؟ أي في الحالة الأولى. ~~يعنون الحياة. من قولهم (رجع فلان في حافرته) أي في طريقته التي جاء فيها ~~فحفرها. أي أثر فيها بمشيه. # وتسميتها (حافرة) مع أنها محفورة ms4605 كقوله تعالى: في عيشة راضية [الحاقة: # 21] ، أي منسوبة إلى الحفر والرضا. أو كقولهم (نهاره صائم) على تشبه ~~القابل بالفاعل. أي شبه القابل للفعل بمن يفعله، لتنزيله منزلته. ~~فالاستعارة في الضمير المستتر، وإثبات الحافرية له، تخييل. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 11 الى # 14] # أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة ~~واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) # أإذا كنا عظاما نخرة أي بالية. وقرئ ناخرة. من (نخر العظم) بلي. فصار يمر ~~به الريح فيسمع له نخير، وقوله تعالى: قالوا تلك إذا كرة خاسرة أي ذات خسر. ~~أو خاسرة أصحابها أي إن صحت فنحن إذا خاسرون. قال ابن زيد: وأي كرة أخسر ~~منها؟ أحيوا ثم صاروا إلى النار، فكانت كرة سوء. # PageV09P397 # وقال أبو السعود: هذا حكاية لكفر آخر لهم، متفرع على كفرهم السابق. ولعل ~~توسيط قالوا بينهما للإيذان بأن صدور هذا الكفر عنهم ليس بطريق الاطراد ~~والاستمرار، مثل كفرهم السابق المستمر صدوره عنها في كافة أوقاتهم. حسبما ~~ينبئ. عنه حكايته بصيغة المضارع. أي قالوا ذلك بطريق الاستهزاء، مشيرين إلى ~~ما أنكروه من الردة في الحافرة. وقوله تعالى: فإنما هي زجرة واحدة تعليل ~~لمقدر يقتضيه إنكارهم لإحياء العظام النخرة التي عبروا عنها بالكرة. فإن ~~مداره لما كان استصعابهم إياها، رد عليهم ذلك، فقيل: لا تستصعبوها فإنما هي ~~صيحة واحدة. # أي حاصلة بصيحة واحدة وهي النفخة الثانية. وفيه تهوين لأمر الإعادة. على ~~وجه بليغ لطيف فإذا هم بالساهرة أي على ظهر الأرض أحياء. # قال ابن جرير: والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة (قال) وأراهم سموا ~~ذلك بها لأن فيه نوم الحيوان وسهرها. فوصف بصفة ما فيه. وقيل لأن السراب ~~يجري فيها. من قولهم: (عين ساهرة) للتي يجري ماؤها، وفي ضدها نائمة. والسهر ~~على الأول بمعناه المعروف، والتحوز في الإسناد. # وفي الثاني مجاز على المجاز، لشهرة لأول التي ألحقته بالحقيقة. ثم ذكر ~~سبحانه الكفرة ما حل بمن هو أشد منهم قوة، لما طغوا، ترهيبا وإنذارا، بقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في ms4606 تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 15 الى # 16] # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) # هل أتاك حديث موسى أي خبره حين ناجاه ربه تعالى. قال أبو السعود: # ومعنى هل أتاك إن اعتبر هذا أول ما أتاه صلى الله عليه وسلم من حديثه ~~عليه السلام، ترغيب له في استماع حديثه. كأنه قيل هل أتاك حديثه أنا أخبرك ~~به. وإن اعتبر إتيانه، قبل هذا، وهو المتبادر من الإيجاز في الاقتصاص، حمله ~~صلى الله عليه وسلم على أن يقر بأمر يعرفه قبل ذلك. كأنه قيل أليس قد أتاك ~~حديثه؟ # وقال الشهاب: المقصود من الاستفهام التذكير لا التقرير، كما قيل. ولا ~~مجافاة في المعنى على كل، كما لا يخفى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى إلى ~~حين ناداه بالوادي المطهر المبارك. وهو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية ~~فلسطين. # وإذ ظرف للحديث لا للإتيان، لاختلاف وقتيهما وطوى اسم لذلك الوادي. # ومصدر لنادى. أو المقدس. أي ناداه نداءين. أو المقدس مرة بعد أخرى. # PageV09P398 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 17 الى # 19] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك ~~فتخشى (19) # اذهب إلى فرعون إنه طغى أي عتا وتجاوز حده في العدوان على بني إسرائيل، ~~وانتحال صفات الربوبية، ونسبتها إلى نفسه فقل هل لك إلى أن تزكى أي تتزكى ~~وتتطهر من دنس الشرك والطغيان. وإلى متعلقة بمبتدأ محذوف. أي هل لك سبيل أو ~~رغبة إلى أن تتزكى؟ # وقال أبو البقاء: لما كان المعنى أدعوك. جيء ب إلى فجعل الظرف متعلقا ~~بمعنى الكلام أو بمقدر يدل عليه وأهديك إلى ربك أي أرشدك إلى علم ما يرضيه ~~عنك. وذلك الدين القيم فتخشى أي عقابه من سلب الملك وإذاقة البأس مكان ~~النعم. وذلك بأداء ما ألزمك من فرائضه واجتناب ما نهاك عنه من معاصيه. وفيه ~~إشارة إلى أن الخشية مسببة عن العلم. كما في آية: إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء [فاطر: 28] ، أي ms4607 العلماء به. # قال الزمخشري: # ذكر الخشية لأنها ملاك الأمر. من خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ ~~على كل شر. وبدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض. كما يقول الرجل ~~لضيفه: # هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرفيق. ليستدعيه بالتلطف في القول، ~~ويستنزله بالمداراة من عتوه. كما أمر بذلك في قوله: فقولا له قولا لينا ~~[طه: 44] ، انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 20 الى 26] # فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى ~~(23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) # فأراه الآية الكبرى أي الدلالة الكبرى على أنه لله رسول أرسله إليه. ~~والفاء فصيحة، تفصح عن جمل قد طويت، تعويلا على تفصيلها في السور الأخرى. ~~أي فذهب وبلغ ورجع وتحدى فأراه الآية الكبرى. وهو على ما قاله مجاهد، عصاه ~~ويده. # أي عصاه إذ تحولت ثعبانا مبينا. ويده إذ أخرجها بيضاء للناظرين. ~~وإفرادهما لأنهما كالآية الواحدة في الدلالة. أو هي العصا لأنها كانت ~~المقدمة والأصل. والبقية # PageV09P399 # كالتبع. وقيل وكونها كبرى باعتبار معجزات من قبله من الرسل. أو هو ~~للزيادة المطلقة فكذب وعصى أي فكذب فرعون موسى فيما أتاه من الآيات ~~المعجزة، ودعاها سحرا، وعصاه فيما أمره به من طاعة ربه وخشيته إياه ثم أدبر ~~أي أعرض عما هدي إليه. أو انصرف عن المجلس كبرا يسعى أي يجد في معارضة ~~الآية بالمكايد الشيطانية والحيل النفسانية. أو أدبر بعد ما رأى الثعبان، ~~مرعوبا مسرعا في مشيه فحشر أي جمع السحرة، أو قومه وأتباعه فنادى أي في ~~المجمع بنفسه أو بمناد فقال أنا ربكم الأعلى أي على كل من يلي أمركم. وفي ~~(التنوير) : أي أنا ربكم ورب أصنامكم الأعلى فلا تتركوا عبادتها. # قال القاضي: وقد كان الأليق به، بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية، أن ~~لا يقول هذا القول. لأن، عند ظهور الذلة والعجز كيف يليق أن يقول أنا ربكم ~~الأعلى؟ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت ms4608 صار كالمعتوه الذي لا يدري ما ~~يقول. انتهى. # وهذا على أنه أراد بالرب الخالق والموجد. والظاهر أن مراده ذو السلطان ~~الأعلى والنفوذ الأقوى. وأنه الذي يستأهل الطاعة دون غيره. ولا يخفى ما فيه ~~من جحود قدرة الله تعالى التي هي فوق قدرته، والكفر بآية موسى والصد عن ~~دعوته. ولذا أخذ أشد الأخذ. فإنه لم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى ~~البحر الأحمر، عند خروجهم من مصر، فأغرقه الله تعالى في البحر. وهو معنى ~~قوله تعالى: فأخذه الله نكال الآخرة والأولى أي عذبه عذابهما. أي أن أخذه ~~لم يكن مقصورا على الإغراق وحده، بل نكل به وعذبه عذاب يوم القيامة. ونكال ~~مفعول مطلق (أخذ) بتأويل في الأول أو في الثاني، والإضافة من قبيل إضافة ~~الموصوف إلى الصفة. وقيل الآخرة هي قوله: أنا ربكم الأعلى والأولى هي ~~تكذيبه موسى حين أراه الآية. # قال القفال: وهذا كأنه هو الأظهر. لأنه تعالى قال: فأراه الآية الكبرى ~~فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فذكر المعصيتين ثم ~~قال: # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فظهر أن المراد أنه عاقبة على هذين ~~الأمرين. # انتهى. # وما ذكره القفال كان وقع في قلبي قبل أن أراه. وأراني في إيثار له. ثم ~~ختم تعالى القصة بقوله: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى أي في أخذه وما أحل به من ~~العذاب والخزي، عظة ومعتبرا لمن يخاف الله ويخشى عقابه، ويعلم أن هذه سنته ~~في كل من يقاوم الحق ويحاربه. فإن نبأ الأولين عبرة للآخرين. # PageV09P400 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 27 الى # 33] # أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) # والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) # أأنتم أشد خلقا أم السماء خطاب للمكذبين بالبعث من قريش، المتقدم قولهم ~~أول السورة، بطريق التبكيت، لتنبيههم على سهولته في جانب القدرة الربانية. # فإن من رفع السماء على عظمها، هين عليه خلقهم وخلق أمثالهم، ms4609 وإحياؤهم بعد ~~مماتهم. # كما قال سبحانه: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس [غافر: # 57] ، وقوله تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم [يس: 81] ، ثم بين كيفية خلقها بقوله: بناها قال ابن جرير: أي رفعها ~~فجعلها للأرض سقفا وقال الإمام: البناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض، ~~مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة. وهكذا صنع الله بالكواكب. ~~وضع كلا منها على نسبة من الآخر، مع ما يمسك كلا في مداره، حتى كان عنها ~~علم واحد في النظر، سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا. وهو معنى قوله: ~~رفع سمكها أي أعلاه و (السمك) قامة كل شيء وقد رفع تعالى أجرامها فوق ~~رؤوسنا فسواها عدلها بوضع كل جرم في موضعه وأغطش ليلها أي جعله مظلما. قال ~~ابن جرير: أضاف الليل إلى السماء، لأن الليل غروب الشمس، وغروبها وطلوعها ~~فيها، فأضيف إليها لما كان فيها، كما قيل (نجوم الليل) إذ كان فيه الطلوع ~~والغروب. وأخرج ضحاها أي أبرز نهارها. و (الضحى) انبساط الشمس وامتداد ~~النهار. وإيثار الضحى لأنه وقت قيام سلطان الشمس وكمال إشراقها. والأرض بعد ~~ذلك أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإبراز الأضواء دحاها أي بسطها ~~ومهدها لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها أخرج منها ماءها أي بأن فجر منها ~~عيونا وأجرى أنهارا ومرعاها أي رعيها وهو النبات. # قال الشهاب: والمرعى ما يأكله الحيوان غير الإنسان، فأريد به هنا، مجازا، ~~مطلق المأكول للإنسان وغيره. فهو مجاز مرسل. # وقال الطيبي: يجوز أن يكون استعارة مصرحة. لأن الكلام مع منكري الحشر # PageV09P401 # بشهادة قوله: أأنتم أشد خلقا كأنه قيل: أيها المعاندون الملزوزون في قرن ~~البهائم، في التمتع بالدنيا والذهول عن الآخرة. # والجبال أرساها أي أثبتها فيها متاعا لكم ولأنعامكم أي انتفاعا إلى حين ~~قال أبو السعود: ونصبه إما على أنه مفعول له، أي فعل ذلك تمتيعا لكم ~~ولأنعامكم، لأن فائدة ما ذكر من البسط والتمهيد وإخراج الماء والمرعى، ~~واصلة إليهم وإلى أنعامهم. فإن المراد بالمرعى ما يعم ms4610 ما يأكله الإنسان ~~وغيره- كما تقدم- وإما مصدر مؤكد لفعله المضمر. أي متعكم بذلك متاعا. أو ~~مصدر من غير لفظه، فإن قوله تعالى: أخرج منها ماءها ومرعاها في معنى متع ~~بذلك. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 34 الى 41] # فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت ~~الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) # فإن الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ~~(40) فإن الجنة هي المأوى (41) # فإذا جاءت الطامة الكبرى أي الداهية العظمى التي تطم على كل هائلة من ~~الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها. وهي القيامة للحساب والجزاء يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى أي ما عمل من خير أو شر. وذلك بعرضه عليه وبرزت الجحيم لمن ~~يرى أي أظهرت نار الله لأبصار الناظرين فأما من طغى أي أفرط في تعديه ~~ومجاوزته حد الشريعة والحق، إلى ارتكاب العصيان والفساد والضلال وآثر ~~الحياة الدنيا أي متاعها وشهواتها، على كرامة الآخرة وما أعد فيها للأبرار ~~فإن الجحيم هي المأوى أي مأواه ومرجعه وأما من خاف مقام ربه أي مقامه بين ~~يديه للسؤال، أو جلاله وعظمته. أي اتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ونهى ~~النفس عن الهوى أي فيما يكرهه الله ولا يرضاه منها، فخالفها إلى ما أمره به ~~فإن الجنة هي المأوى أي مصيره يوم القيامة وجواب (إذا) محذوف لدلالة ~~التقسيم عليه. تقديره: ظهرت الأعمال. أو انقسم الناس قسمين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النازعات (79) : الآيات 42 الى 46] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها (46) # PageV09P402 # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها أي إقامتها. أي متى يقيمها الله ويكونها. # قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم كقوله: ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ~~[الإنسان: 27] ، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيما له ثقل، كمرسى ~~السفينة وإرساء الجبال فيم أنت من ذكراها # أي في أي شيء أنت من ذكر ساعتها ms4611 لهم. أي ليس إليك ذكرها لأنها من الغيوب، ~~فلا معنى لسؤالهم إياك عنها. ولذا قال: إلى ربك منتهاها أي منتهى علمها ~~إنما أنت منذر من يخشاها أي ما بعثت إلا لإنذار من يخاف حسابها، وعقاب الله ~~على إجرامه. ولم تكلف علم وقت قيامها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها أي كأن هؤلاء المكذبين بها، وبما فيها من الجزاء والحساب، يوم ~~يشاهدون وقوعها، من عظيم هولها، لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ساعة ~~من نهار، بمقدار عشية أو ضحاها. وإضافة الضحى إلى العشية، لما بينهما من ~~الملابسة، لاجتماعهما في يوم واحد. # PageV09P403 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة عبس # وتسمى الصاخبة. مكية وآيها اثنتان وأربعون. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى # 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) # عبس وتولى أن جاءه الأعمى. # روى ابن جرير: وابن أبي حاتم: عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، ~~وكان يتصدى لهم كثيرا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له ~~عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم. فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى ~~الله عليه وسلم آية من القرآن وقال: # يا رسول الله! علمني مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه. وأقبل على الآخرين فلما قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره وخفق ~~برأسه ثم أنزل الله تعالى: عبس وتولى الآيات. فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، وقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال: هل لك حاجة في شيء؟ # قال ابن كثير: وهكذا ذكر عروة بن الزبير ومجاهد وأبو مالك وقتادة. # والضحاك. وابن زيد. وغير واحد ms4612 من السلف والخلف أنها نزلت في ابن أم ~~مكتوم. # والمشهور أن اسمه عبد الله. ويقال عمرو. والله أعلم. انتهى. # وقال الرازي: أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى هو الرسول صلوات الله ~~عليه. وأجمعوا أن الأعمى هو ابن أم مكتوم. قال الشهاب: وهو مكي قرشي من ~~المهاجرين الأولين. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدنية في أكثر غزواته. وكان ~~ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. # PageV09P404 # قيل: عمي رضي الله عنه بعد نور. وقيل: ولد أعمى. ولذا لقبت أمه أم مكتوم. ~~والتعرض لعنوان عماه، إما لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه صلى الله ~~عليه وسلم وتشاغله بالقوم: وإما لزيادة الإنكار. كأنه قيل: تولى لكونه ~~أعمى. وكان يجب أن يزيده لعماه، تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 3 الى # 10] # وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) ~~فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) # وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) # وما يدريك لعله يزكى أي يتطهر- بما يتلقن منك- من الجهل أو الإثم. # وفي الالتفات إلى الخطاب إنكار للمواجهة بالعتب أولا، إذ في الغيبة إجلال ~~له صلى الله عليه وسلم، لإيهام أن من مصدر منه ذلك غيره، لأنه لا يصدر عنه ~~مثله. كما أن في الخطاب إيناسا بعد الإيحاش، وإقبالا بعد إعراض. # وقال أبو السعود: وكلمة (لعل) مع تحقق التزكي، واردة على سنن الكبرياء أو ~~على اعتبار معنى الترجي بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم. للتنبيه على أن ~~الإعراض عنه، عند كونه مرجو التزكي، مما لا يجوز. فكيف إذا كان مقطوعا ~~بالتزكي؟ كما في قولك (لعلك ستندم على ما فعلت) وفيه إشارة إلى أن إعراضه ~~كان لتزكية غيره. وأن من تصدى لتزكيتهم من الكفرة لا يرجى منهم التزكي ~~والتذكر أصلا أو يذكر فتنفعه الذكرى أي يعتبر ويتعظ فتنفعه موعظتك. وتقديم ~~التزكية على التذكر. من باب تقديم التخلية على التحلية. # أما من استغنى أي بماله وقوته عن ms4613 سماع القرآن والهداية والموعظة فأنت له ~~تصدى أي تعرض بالإقبال عليه، رجاء أن يسلم ويهتدي وما عليك ألا يزكى أي ~~وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام. إن عليك إلا البلاغ. قال الرازي: ~~أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم، إلى أن تعرض عمن أسلم، للاشتغال بدعوتهم ~~وأما من جاءك يسعى أي يسرع في طلب الخير وهو يخشى أي يخاف الله ويتقيه فأنت ~~عنه تلهى أي تعرض وتتشاغل بغيره. ### | تنبيهات: # الأول: قال السيوطي في (الإكليل) : في هذه الآيات حث على الترحيب ~~بالفقراء والإقبال عليهم في مجلس العلم وقضاء حوائجهم، وعدم إيثار الأغنياء ~~عليهم. وقال الزمخشري: لقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا. فقد ~~روي # PageV09P405 # عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. # الثاني: في هذه الآيات ونحوها، دليل على عدم ضنه صلى الله عليه وسلم ~~بالغيب. قال ابن زيد: كان يقال: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم من ~~الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه. # الثالث: قال الرازي: القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام، ~~تمسكوا بهذه الآية وقالوا: لما عاتبه الله في ذلك الفعل، دل على أن ذلك ~~الفعل كان معصية. وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين، ~~إلا بحسب هذا الاعتبار الواحد. وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء. ~~وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه السلام. وإذا كان كذلك، كان ذلك جاريا ~~مجرى ترك الاحتياط وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا البتة. # وأجاب الإمام ابن حزم في (الفصل) بقوله: وأما قوله: عبس وتولى الآيات ~~فإنه كان عليه السلام قد جلس إليه عظيم من عظماء قريش، ورجا إسلامه. وعلم ~~عليه السلام أنه لو أسلم لأسلم بإسلامه ناس كثير، وأظهر الدين. وعلم أن هذا ~~الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته، وهو حاضر معه. فاشتغل ~~عنه عليه السلام بما خاف فوته من عظيم الخير، عما لا يخاف فوته. وهذا غاية ~~النظر في الدين والاجتهاد في ms4614 نصرة القرآن في ظاهر الأمر ونهاية التقرب إلى ~~الله، الذي لو فعله اليوم منا فاعل، لأجر. فعاتبه الله عز وجل على ذلك، إذ ~~كان الأولى عند الله تعالى أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي، وهذا ~~نفس ما قلناه! انتهى. # وقال القاشاني: كان صلى الله عليه وسلم في حجر تربية ربه، لكونه حبيبا. ~~فكلما ظهرت نفسه بصفة حجبت عنه نور الحق، عوتب وأدب كما # قال «1» : (أدبني ربي فأحسن تأديبي) # إلى أن تخلق بأخلاقه تعالى. انتهى. وقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 11 الى 17] # كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة ~~(14) بأيدي سفرة (15) # كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره (17) # كلا ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله. قال أنس رضي الله عنه: # كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه. رواه أبو يعلى. وقوله تعالى ~~إنها تذكرة أي إن المعاتبة المذكورة موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها. ~~PageV09P406 # قال الشهاب: وكون عتابه على ما ذكر عظة، لأنه مع عظمة شأنه ومنزلته عند ~~الله إذا عوتب على مثله. فما بالك بغيره؟ وجوز عود الضمير للآيات وللسورة، ~~والوصية بالمساواة بين الناس، ولدعوة الإسلام. وقوله تعالى: فمن شاء ذكره ~~أي حفظه. على أنه من (الذكر) خلاف النسيان: أو اتعظ به، من (التذكير) . # قال الزمخشري: وذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقيل: # الضمير للقرآن. والكلام استطراد في صحف مكرمة يعني صحف آيات التنزيل ~~وسوره مرفوعة أي عالية المقدار مطهرة من التغيير والنقص والضلالة بأيدي ~~سفرة جمع سافر بمعنى سفير. أو هو الذي سعى بين قومه بالصلح والسلام. يقال: # سفر بين القوم، إذا أصلح بينهم. ومنه قوله: # وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش، إن مشيت # والسفرة، إما الملائكة لأنهم يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله. كأنه ~~محمول بأيديهم. وإما الأنبياء لأنهم وسائط في الوحي يبلغونه للناس كرام أي ~~عنده تعالى، لاصطفائهم للرسالة بررة أي أخيار. جمع (بار) وهو صانع البر ~~والخير. # قتل الإنسان ms4615 ما أكفره قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة ~~المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين، عجب عباده المؤمنين من ~~ذلك. فكأنه قيل: وأي سبب في هذا العجب والترفع؟ مع أن أوله نطفة قذرة وآخرة ~~جيفة مذرة. وفيما بين الوقتين حمال عذرة. فلا جرم، ذكر تعالى ما يصلح أن ~~يكون علاجا لعجبهم، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم. فإن خلق الإنسان تصلح ~~لأن يستدل بها على وجود الصانع وعلى القول بالبعث والحشر والنشر. ومرجعه ~~إلى أن المراد بالإنسان من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته ~~الجليلة الموجبة للإقبال عليه والإيمان به. وجوز أن يراد بالإنسان الجنس ~~المنتظم للمستغني، ولأمثاله من أفراده، لا باعتبار جميع أفراده. ### | لطائف: # الأولى: قال الزمخشري: قتل الإنسان دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم. # لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها. # الثانية: قال ابن جرير: في قوله: ما أكفره وجهان أحدهما التعجب من # PageV09P407 # كفره مع إحسان الله إليه وأياديه عنده. والآخر ما الذي أكفره، أي أي شيء ~~أكفره. # وعلى الثانية، فالهمزة للتصيير ك (أغد البعير) . # الثالثة: قال الزمخشري في هذه الآية: ولا ترى أسلوبا أغلظ منه ولا أخشن ~~منتنا ولا أدل على سخط ولا أبعد شوطا في المذمة. مع تقارب طرفيه ولا أجمع ~~للأئمة، على قصر متنه. وسره ما أشار له الرازي من أن قوله: قتل الإنسان ~~تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب. وقوله: ما أكفره تنبيه على أنهم ~~اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات. # الرابعة: أفاد في (الكشف) أن الدعاء ليس على حقيقته، لامتناعه منه تعالى، ~~لأن منشأه العجز، فالمراد به إظهار السخط باعتبار جزئه الأول، وشدة الذم ~~باعتبار جزئه الثاني. أي لاستحالة التعجب بمعناه المعروف أيضا. وقوله ~~تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 18 الى # 21] # من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) # من أي شيء خلقه شروع في بيان إفراطه في الكفر، بتفصيل ما أفاض عليه من ~~مبدأ فطرته إلى منتهى ms4616 عمره، من فنون النعم الموجب لقضاء حقها بالشكر ~~والطاعة، مع إخلاله بذلك. وفي الاستفهام عن مبدأ خلقه، ثم بيانه بقوله ~~تعالى: # من نطفة خلقه تحقير له. أي من أي شيء حقير مهين خلقه؟ من نطفة مذرة خلقه ~~فقدره أي فهيأه لما يصلح له ويليق به من الأعضاء والأشكال. أو فقدره أطوارا ~~إلى أن تم خلقه ثم السبيل يسره أي سهله. وهو مخرجه من رحم أمه بعد اجتنانه ~~وتعاصيه. أو سبيل الإسلام. # قال ابن زيد هداه للإسلام الذي يسره له وأعلمه به. أي بما غرز في فطرته ~~من الخير، وأودع في غريزته من وجدان معرفة الخالق. وقال مجاهد: يعني سبيل ~~الشقاء والسعادة وهو كقوله: إنا هديناه السبيل [الإنسان: 3] ، واختاره أبو ~~مسلم قال: # المراد من هذه الآية هو المراد من قوله: وهديناه النجدين [البلد: 10] ، ~~فهو يتناول التمييز بين كل خير وشر يتعلق بالدنيا، وبين كل خير وشر يتعلق ~~بالدين. أي جعلناه متمكنا من سلوك سبيل الخير والشر. والتيسير يدخل فيه ~~الإقدار والتعريف والعقل وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب. نقله الرازي. ثم ~~أماته فأقبره أي جعله ذا قبر يوارى فيه. تكرمة له، ولم يجعله مطروحا على ~~وجه الأرض للطير والسباع، كالحيوان. # PageV09P408 # قال الفراء: ولم يقل (فقبره) لأن القابر هو الدافن بيده، والمقبر هو الله ~~تعالى يقال (قبر الميت) إذا دفنه. و (أقبر الميت) إذا أمر غيره بأن يجعله ~~في القبر. # وقال ابن جرير: القابر هو الدافن الميت بيده كما قال الأعشى: # ولو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 22 الى # 32] # ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) # فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا ~~(30) وفاكهة وأبا (31) # متاعا لكم ولأنعامكم (32) # ثم إذا شاء أنشره أي بعثه بعد مماته وأحياه. وإنما قال: إذا شاء لأن وقت ~~البعث غير معلوم لأحد. فهو موكول إلى مشيئة الله تعالى. متى شاء ms4617 أن يحيي ~~الخلق أحياهم. # قال الشهاب: وتخصيص النشور به دون الإماتة والإقبار، لأن وقتهما معين ~~إجمالا، على ما هو المعهود في الأعمار الطبيعية. # كلا لما يقض ما أمره قال ابن جرير: أي ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان ~~الكافر، من أنه قد أذى حق الله عليه، في نفسه وماله، فإنه لما يؤد ما فرض ~~عليه من الفرائض، ربه. # وقال القاشاني: لما بين أن القرآن تذكرة للمتذكرين، تعجب من كفران ~~الإنسان واحتجابه حتى يحتاج إلى التذكير. وعدد النعم الظاهرة التي يمكن بها ~~الاستدلال على المنعم بالحس، من مبادئ خلقته، وأحواله في نفسه، وما هو خارج ~~عنه مما لا يمكن حياته إلا به. وقرر أنه مع اجتماع الدليلين، أي النظر في ~~هذه الأحوال الموجب لمعرفة الموجد المنعم والقيام بشكره، وسماع الوعظ ~~والتذكير بنزول القرآن، لما يقض في الزمان المتطاول ما أمره الله به من شكر ~~نعمته، باستعمالها في إخراج كماله إلى الفعل، والتوصل بها إلى المنعم. بل ~~احتجب بها وبنفسه عنه. انتهى. # ولما فصل تعالى النعم المتعلقة بحدوثه، تأثرها بتعداد النعم المتعلقة ~~ببقائه. # فقال سبحانه فلينظر الإنسان إلى طعامه أي فإن لم يشهد خلق ذاته، وعمي عن # PageV09P409 # الآيات في نفسه، وأصر على جحوده توحيد ربه، فلينظر إلى طعامه ومأكله الذي ~~هو أقرب الأشياء لديه. ماذا صنعنا في إحداثه وتهيئته لأن يكون غذاء صالحا، ~~وقوله تعالى: أنا صببنا الماء أي من المزن صبا أي شديدا ظاهرا. وقد قرئ ~~بكسر همزة (إنا) على الاستئناف المبين لكيفية حدوث الطعام، وبالفتح على ~~البدلية، بدل اشتمال. بمعنى سببية الأول للثاني أو تقوم الثاني بالأول. فهو ~~من اشتمال الثاني عليه أو بدل كل، ادعاء ثم شققنا الأرض شقا أي صدعناها ~~بالنبات. أو شققنا أجزاءها بعد الري ليتخلل الهواء والضباء في جوفها ~~فأنبتنا فيها حبا يعني حب الزرع. # وهو كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب وعنبا وقضبا وهو ~~كل ما أكل من النبات رطبا، كالقثاء والخيار ونحوهما. سمي قضبا لأنه يقضب، ~~أي يقطع مرة بعد ms4618 أخرى وزيتونا ونخلا وحدائق جمع حديقة وهي البساتين ذوات ~~الأشجار المثمرة، عليها حوائط تحيط بها غلبا جمع غلباء أي ضخمة عظيمة. # وعظمها إما لاتساعها البالغ حد البصر، أو لغلظ أشجارها وتكاثفها ~~والتفافها وفاكهة أي ما يؤكل من ثمار الأشجار وأبا وهو المرعى الذي تأكله ~~البهائم من العشب والنبات متاعا لكم ولأنعامكم أي تمتيعا. مفعول له ل ~~(أنبتنا) أو مصدر حذف فعله وجرد من الزوائد. أي متعكم بذلك متاعا. وجعلكم ~~تنتفعون به أنتم وأنعامكم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42] # فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) ~~وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ~~ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # فإذا جاءت الصاخة يعني الداهية الشديدة، وهي صيحة القيامة وصوت زلزالها ~~الهائل المصم للآذان. يقال صخه يصخه، ضرب أذنه فأصمها. وصاح بهم صيحة تصخ ~~الآذان، وقد صخ صخيخا، وهو صوته إذا قرع. وصخ لحديثه إذا أصاخ له، بمعنى ~~استمع كما في (الأساس) ويجوز على الأخير أن تجعل بمعنى المستمعة، مجازا في ~~الإسناد. وجواب (إذا) محذوف يدل عليه ما بعده. كيشتغل كل بنفسه، أو افترق ~~الناس يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته أي زوجته وبنيه أي ~~لاشتغاله بنفسه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه. # PageV09P410 # قال الشهاب: يعني أن الإقبال عليهم إما للنفع أو للانتفاع، وكلاهما منتف ~~لاشتغاله بنفسه عن نفس غيره، وعلمه بعدم نفعه. وتأخير الأحب فالأحب ~~للمبالغة. # فهو للترقي. كذا قيل. # قال الشهاب: والظاهر أنه لم يقصد ذلك لاختلاف الناس والطباع فيه لكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يغنيه أي يكفيه في الاهتمام به. كأنه ذلك الهم الذي نزل به، ~~قد ملأ صدره فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصار شبيها بالغني وجوه يومئذ مسفرة ~~أي مضيئة ضاحكة مستبشرة أي مسرورة بنيل كرامة الله والنعيم المتزايد، وهي ~~وجوه المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقدموا من الخير والعمل ~~الصالح ما ملأوا به صحفهم ووجوه ms4619 يومئذ عليها غبرة أي غبار وكدورة ترهقها ~~قترة أي تغشاها ظلمة أولئك هم الكفرة الفجرة أي الفسقة الذين لا يبالون ما ~~أتوا به من معاصي الله، وركبوا من محارمه، فجوزوا بسوء أعمالهم وخبث ~~نياتهم. # PageV09P411 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة التكوير # وتسمى سورة إذا الشمس كورت وهو مكية وآيها تسع وعشرون. # روى الإمام أحمد «1» عن ابن عمر: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من سره أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا ~~السماء انفطرت. وإذا السماء انشقت وهكذا رواه الترمذي «2» . # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة التكوير # (81) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا ~~الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # إذا الشمس كورت أي أزيلت من مكانها، وألقيت عن فلكها، ومحي ضوؤها وإذا ~~النجوم انكدرت أي تنثرت وانقضت وإذا الجبال سيرت أي رفعت عن وجه الأرض، ~~ونسفت. من أثر الرجفة والزلزال الذي قطع أوصالها وإذا العشار عطلت أي تركت ~~مهملة لا راعي لها ولا طالب. والعشار جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على ~~حملها عشرة أشهر. وخصلها، لأنها أنفس أموالهم. أي فإذا هذه الحوامل التي ~~يتنافس فيها أهلها أهملت، فتركت من شدة الهول النازل بهم، فكيف بغيرها؟ ~~وإذا الوحوش حشرت أي جمعت من كل جانب واختلطت، لما دهم أوكارها ومكامنها من ~~الزلزال والتخريب، فتخرج هائمة مذعورة من أثر زلزال الأرض وتقطع أوصالها ~~وإذا البحار سجرت أي: ملئت بتفجير بعضها إلى بعض، حتى تعود بحرا واحدا. من ~~(سجر التنور) إذا ملأه بالحطب. كقوله: وإذا البحار فجرت وقيل: المعنى تأججت ~~نارا. قال القفال: يحتمل أن تكون جهنم في قعور البحار، PageV09P412 # فهي الآن غير مسجورة لقوام الدنيا. فإذا انتهت مدة الدنيا، أوصل الله ~~تأثير تلك النيران إلى البحار، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك. وأوضحه ~~الإمام بقوله: وقد يكون تسجيرها إضرامها نارا. فإن ما في بطن ms4620 الأرض من ~~النار يظهر إذ ذاك بتشققها وتمزق طبقاتها العليا، أما الماء فيذهب عند ذلك ~~بخارا ولا يبقى في البحار إلا النار. # أما كون باطن الأرض يحتوي على نار فقد ورد به بعض الأخبار. ورد أن البحر ~~غطاء جهنم، وإن لم يعرف في صحيحها. ولكن البحث العلمي أثبت ذلك. ويشهد عليه ~~غليان البراكين وهي جبال النار. انتهى. # قال الرازي: واعلم أن هذه العلامات الستة يمكن وقوعها في أول زمان تخريب ~~الدنيا، ويمكن وقوعها أيضا بعد قيام القيامة. وليس في اللفظ ما يدل على أحد ~~الاحتمالين. أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة. انتهى. # وإذا النفوس زوجت أي قرنت الأرواح بأجسادها. أو ضمت إلى أشكالها في الخير ~~والشر، وصنفت أصنافا ليحشر كل إلى من يجانسه من السعداء والأشقياء. # وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت يعني البنات التي كانت طوائف العرب ~~يقتلونهن. قال السيد المرتضى في (أماليه) : الموءودة هي المقتولة صغيرة. ~~وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات، بأن يدفنوهن أحياء، وهو قوله تعالى: ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب [النحل: 59] ، وقوله تعالى: قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم سفها بغير علم [الأنعام: 140] ، ويقال إنهم كانوا يفعلون ذلك ~~لأمرين: # أحدهما أنهم كانوا يقولون إن الإناث بنات الله، فألحقوا البنات بالله فهو ~~أحق بها منا. والأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهن خشية الإملاق. قال الله ~~تعالى: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق [الأنعام: 151] . قال المرتضى: وجدت ~~أبا علي الجبائي وغيره يقول: إنما قيل لها موءودة لأنها ثقلت بالتراب الذي ~~طرح عليها حتى ماتت. وفي هذا بعض النظر. لأنهم يقولون من الموءودة وأد ~~(يئد) (وأدا) والفاعل (وائد) والفاعلة (وائدة) ومن الثقل يقولون آدني الشيء ~~يؤودني، إذا أثقلني، أودا. انتهى. # وإنما قال (بعض النظر) لأن القلب معهود في اللغة، فلا يبعد أن يكون (وأد) ~~مقلوبا من (آد) . وقال المرتضى: فإن سأل سائل، كيف يصح أن يسأل من لا ذنب ~~له ولا عقل، فأي فائدة في سؤالها عن ذلك، وما وجه الحكمة فيه؟ والجواب من ~~وجهين: أحدهما أن يكون المراد ms4621 أن قاتلها طولب بالحجة في قتلها، وسئل عن ~~قتله لها بأي ذنب كان، على سبيل التوبيخ والتعنيف وإقامة الحجة. فالقتلة ~~هاهنا هم المسؤولون على الحقيقة، لا المقتولة، وإنما المقتولة مسؤول عنها. ~~ويجري هذا مجرى قولهم (سألت حقي) أي طالبت به ومثله قوله تعالى: # PageV09P413 # وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا [الإسراء: 34] ، أي مطالبا به مسؤولا ~~عنه. والوجه الآخر أن يكون السؤال توجه إليها على الحقيقة، على سبيل ~~التوبيخ له، والتقريع له، والتنبيه له، على أنه لا حجة له في قتلها. ويجري ~~هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السلام: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: 116] ، على ~~طريق التوبيخ لقومه، وإقامة الحجة عليهم. فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب ~~ويسأل من لا عقل له ولا فهم؟ فالجواب أن في الناس من زعم أن الغرض بهذا ~~القول، إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه وإدخال الغم عليه في ذلك الوقت على ~~سبيل العقاب، لم يمتنع أن يقع. وإن لم يكن من الموءودة فهم له. لأن الخطاب. ~~وإن علق عليها، وتوجه إليها، والغرض في الحقيقة به غيرها. قالوا وهذا يجري ~~مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده فأقبل على ولده يقول له: ضربت ما ذنبك وبأي ~~شيء استحل هذا منك؟ فغرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. والأولى أن يقال في ~~هذا: # إن الأطفال، وإن كانوا من جهة العقول لا يجب في وصولهم إلى الأغراض ~~المستحقة، أن يكونوا كاملي العقول، كما يجب مثل ذلك في الوصول إلى الثواب. ~~فإن كان الخير متظاهرا والأمة متفقة على أنهم في الآخرة، وعند دخولهم ~~الجنان يكونون على أكمل الهيئات وأفضل الأحوال، وأن عقولهم تكون كاملة، ~~فعلى هذا يحسن توجه الخطاب إلى الموءودة، لأنها تكون في تلك الحال ممن تفهم ~~الخطاب وتعقله. وإن كان الغرض منه التبكيت للقاتل وإقامة الحجة عليه. ~~انتهى. # قال الشهاب: والتبكيت قرره الطيبي، بأن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني ~~ونسبت له الجناية دون الجاني، بعث ذلك الجاني على التفكر في حاله وحال ~~المجني ms4622 عليه. فيرى براءة ساحته، وأنه هو المستحق للعقاب والعذاب. وهذا ~~استدراج على طريق التعريض، وهو أبلغ من التصريح. والمراد بالاستدراج سلوك ~~طريق توصل إلى المطلوب بسؤال غير المذنب ونسبة الذنب له. حتى يبين من صدر ~~عنه ذلك. كما سئل عيسى دون الكفرة، وهو فن من البديع، بديع. انتهى. # وقال الزمخشري وإنما قيل (قتلت) بناء على أن الكلام إخبار عنها. # تنبيه: # قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية تعظيم شأن الوأد، وهو دفن الأولاد ~~أحياء. # وأخرج مسلم «1» # أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل فقال: الوأد الخفي. وهي: وإذا ~~الموءودة سئلت. # انتهى. PageV09P414 # وقد روى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب في هذه الآية قال: جاء قيس بن عاصم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني وأدت بنات لي في ~~الجاهلية. # قال: أعتق عن كل واحدة منهن رقبة. قال: يا رسول الله! إني صاحب إبل. قال: # فانحر عن كل واحدة منهن بدنة. # وروى الدرامي «1» # في أوائل مسنده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله! إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان. فكنا نقتل الأولاد. وكانت عندي ~~ابنة لي. فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها. فدعوتها يوما ~~فاتبعتني فمررت حتى أتيت بئرا من أهلي غير بعيد فأخذت بيدها فرديتها في ~~البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول يا أبتاه يا أبتاه. فبكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى وكف دمع عينيه. فقال له رجل من جلساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أحزنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: كف. # فإنه يسأل عما أهمه. ثم قال له: أعد علي حديثك. فأعاده. فبكى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته. ثم قال له: إن الله ~~قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف عملك. # وكان للعرب تفنن في الوأد، فمنهم من إذا صارت ابنته سداسية يقول لأمها: # طيبيها وزينيها حتى ms4623 أذهب بها إلى أحمائها. وقد حفر لها بئرا في الصحراء. ~~فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها. ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها ~~التراب حتى تستوي البئر بالأرض. # ومنهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع، حفر حفرة لتتمخض على رأس الحفرة. ~~فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة. وإن ولدت ابنا حبسته. وقد اشتهر صعصعة ~~بن ناجية بن عقال، جد الفرزدق بن غالب، بأنه كان ممن فدى الموءودات في ~~الجاهلية، ونهى عن قتلهن. قيل إنه أحيا ألف موءودة، وقيل دون ذلك. وقد ~~افتخر الفرزدق بهذا في قوله: # ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد # وفي قوله أيضا: # أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب ... وفكاك أغلال الأسير المكفر # وكان لنا شيخان ذو القبر منهما ... وشيخ أجار الناس من كل مقبر # على حين تحيى البنات وإذ هم ... عكوف على الأصنام حول المدور # أنا ابن الذي رد المنية فضله ... وما حسب دافعت عنه بمعور PageV09P415 # أبي أحد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر # أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على القبر، يعلم أنه غير مخفر # وفارق ليل من نساء أتت أبى ... تعالج ريحا ليلها غير مقمر # فقالت أجر لي ما ولدت فإنني ... أتيتك من هزلى الحمولة مقتر # رأى الأرض منها راحة فرمى بها ... إلى خدد منها وفي شر محفر # فقال لها نامي فأنت بذمتي ... لبنتك جار من أبيها القنور # وروى أبو عبيدة: أن صعصعة- هذا- وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وفد بني تميم. قال: وكان صعصعة منع الوأد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد ~~وهو يقدر على ذلك. فجاء الإسلام وقد فدى في بعض الروايات أربعمائة موءودة، ~~وفي أخرى ثلاثمائة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي! أوصني. ~~فقال: أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدانيك، فقال: زدني. فقال عليه ~~الصلاة والسلام: احفظ ما بين لحييك ورجليك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ما ~~شيء بلغني عنك فعلته؟ # فقال: يا رسول الله! رأيت الناس يموجون على غير وجه ms4624 ولم أدر أين الصواب. ~~غير أني علمت أنهم ليسوا عليه. فرأيتهم يئدون بناتهم، فعرفت أن ربهم عز وجل ~~لم يأمرهم بذلك. فلم أتركهم. ففديت ما قدرت عليه # . ويقال إنه اجتمع جرير والفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا. ~~فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيي الموتى؟ ~~فقال: إن جدي أحيا الموءودة، وقد قال الله تعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا [المائدة: 32] ، وقد أحيا جدي اثنتين وتسعين موءودة فتبسم ~~سليمان. وقال: إنك مع شعرك لفقيه. نقله المرتضى في (أماليه) وبالجملة، فكان ~~الوأد عادة من أشنع العوائد في الجاهلية، مما يدل على نهاية القسوة وتمام ~~الجفاء والغلظة. # قال الإمام: انظر إلى هذه القسوة وغلظ القلب وقتل البنات البريئات بغير ~~ذنب سوى خوف الفقر والعار، كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط ~~الإسلام قلوب العرب؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه ~~العادة القبيحة. انتهى. # ومن أثر نعمته أن صار أدباء الصدر الأول يصوغون في مدحهن ما هو أبهى من ~~عقود الجمان فمن ذلك قول معن بن أوس: # رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن، لا نكذب، نساء صوالح # وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... خوادم لا يمللنه ونوائح # وقال العلوي الجماني، في صديق له ولدت له بنت فسخطها، شعرا. # PageV09P416 # قالوا له ماذا رزقتا ... فأصاخ ثمت قال: بنتا # وأجل من ولد النساء ... أبو البنات. فلم جزعتا # إن الذين تود من ... بين الخلائق ما استطعتا # نالوا بفضل البنت ما ... كبتوا به الأعداء كبتا # وحكي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ابنته. فقال: من هذه يا ~~معاوية؟ فقال: هذه تفاحة القلب وريحانة العين وشمامة الأنف. فقال: أمطها ~~عنك. # قال: ولم؟ قال: لأنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الشحناء، ~~ويثرن البغضاء. قال: لا تقل ذلك يا عمرو! فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب ~~الموتى، ولا أعان على الزمان، ولا أذهب جيش الأحزان مثلهن، وإنك لواجد خالا ~~قد نفعه بنو أخته، وأبا قد رفعه نسل بنيه. فقال: يا معاوية! ms4625 دخلت عليك وما ~~على الأرض شيء أبغض إلي منهن. وإنى لأخرج من عندك وما عليها شيء أحب إلي ~~منهن. وفي رقعة للصاحب بالتهنئة بالبنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء وأم ~~الأبناء وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ~~ونجباء يتلاحقون # فلو كان النساء كمن وجدنا ... لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... وما التذكير فخر للهلال # والله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادرع اغتباطا، ~~واستأنف نشاطا. فالدنيا مؤنثة. والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها. والأرض ~~مؤنثة ومنها خلقت البرية. وفيها كثرت الذرية. والسماء مؤنثة وقد زينت ~~بالكواكب وحليت بالنجم الثاقب. والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك ~~الحيوان. والحياة مؤنثة، ولو لاها لم تتصرف الأجسام ولا عرف الأنام. والجنة ~~مؤنثة وبها وعد المتقون وفيها ينعم المرسلون. فهنيئا لك هنيئا بما أوتيت، ~~وأوزعك الله شكر ما أعطيت. # ونسخت رقعة لأبى الفرج الببغاء: اتصل بي خبر المولودة المسعودة كرم الله ~~عرقها، وأنبتها نباتا حسنا. وما كان من تغيرك عند اتصال الخبر وإنكارك ما ~~اختاره الله لك في سابق القدر. وقد علمت أنهن أقرب من القلوب، وأن الله بدأ ~~بهن في الترتيب فقال عز من قائل: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ~~[الشورى: 49] ، وما سماه الله تعالى هبة، فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبل ~~أحرى. # فهنأك الله بورود الكريمة عليك. وثمرتها إعداد النسل الطيب لديك. # والنوادر في هذا لا تحصى. وكلها من بركة الإسلام وفضله، وقوله تعالى: # PageV09P417 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التكوير (81) : الآيات 10 الى # 14] # وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) # وإذا الصحف نشرت قال ابن جرير: أي صحف أعمال العباد نشرت لهم، بعد أن ~~كانت مطوية على ما فيها مكتوب من الحسنات والسيئات وإذا السماء كشطت أي ~~قلعت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، كقوله تعالى: يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات [ابراهيم: 48] ، وإذا الجحيم سعرت أي أوقد عليها فأحميت. ~~قال قتادة: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم. ms4626 وإذا الجنة أزلفت أي قربت ~~للمتقين علمت نفس ما أحضرت أي علمت كل نفس عند ذلك، ما قدمت من خير فتصير ~~به إلى الجنة، أو شر فتصير به إلى النار. أي تبين لها عند ذلك ما كانت ~~جاهلة به، وما الذي كان فيه صلاحها من غيره. و (علمت) جواب لجميع ما سبق من ~~الشروط. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 21] # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) # فلا أقسم بالخنس أي الرواجع من النجوم. من (خنس) إذا رجع وتأخر. قال ~~الزمخشري: بينا ترى النجم في آخر البرج، إذ كر راجعا إلى أوله الجوار جمع ~~جارية، من الجري الكنس أي الغيب التي تدخل في بروجها، في رأي العين. من ~~(كنس الوحش) إذا دخل كناسه وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر. فهو في الأصل ~~مجاز بطريق التشبيه، ثم صار بالغلبة في الاستعمال، حقيقة والليل إذا عسعس ~~أي أدبر ولم يبق إلا اليسير، وذلك وقت السحر والصبح إذا تنفس أي أقبل ~~وتبين. أو هب نسيمه اللطيف أو انجابت عنه غمة الليل وكربته. تشبيها بمن نفس ~~عنه كربه. # قال الإمام: أقسم الله تعالى بهذه الدراري لينوه بشأنها من جهة ما في ~~حركاتها من الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في ~~كونها من بديع الصنع وإحكام النظام، مع نعتها، في القسم، بما يبعدها عن ~~مراتب الألوهية، من الخنوس والكنوس، تقريعا لمن خصها بالعبادة واتخذها من ~~دونه أربابا. وفي الليل إذا أدبر زوال تلك الغمة التي تغمر الأحياء بانسدال ~~الظلمة بعد ما استعادت الأبدان نشاطها وانتعشت من فتورها. وفي الصبح إذا ~~تنفس بشرى الأنفس بالحياة الجديدة في النهار الجديد، تنطلق فيه الإرادات ~~إلى تحصيل الرغبات وسد الحاجات والاستدراك والاستعداد لما هو آت. انتهى. # PageV09P418 # وجواب القسم قوله تعالى: إنه لقول رسول كريم يعني روح القدس الذي ينفث في ~~روعه صلى الله عليه ms4627 وسلم وهو جبريل عليه السلام. والضمير إما للبعث ~~والجزاء، المفهوم من قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت أو للمذكور وهو هذا أو ~~للقرآن ذي قوة أي على تحمل أعباء الرسالة، وعلى كل ما يؤمر به، كما تقدم في ~~قوله تعالى: # شديد القوى [النجم: 5] ، عند ذي العرش مكين أي صاحب مكانة وشرف ومنزلة ~~لديه تعالى مطاع ثم أي في الملأ الأعلى أمين أي على وحيه تعالى ورسالته. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التكوير (81) : الآيات 22 الى 25] # وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب ~~بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) # وما صاحبكم بمجنون أي ليس ممن يتكلم عن جنة ويهذي هذيان المجانين. بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين [الصافات: 37] ، وهذا نفي لما كان يبهته به أعداؤه، ~~صلى الله عليه وسلم، حسدا ولؤما. # قال الشهاب: وفي قوله صاحبكم تكذيب لهم بألطف وجه. إذ هو إيماء إلى أنه ~~نشأ بين أظهركم من ابتداء أمره إلى الآن، فأنتم أعرف به وبأنه أتم الخلق ~~عقلا وأرجحهم نبلا وأكملهم وأصفاهم ذهنا. فلا يسند له الجنون إلا من هو ~~مركب من الحمق والجنون. ولله در البحترى في قوله: # إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي، فقل لي كيف أعتذر # ولقد رآه بالأفق المبين أي ولقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل ~~بالأفق الأعلى، المظهر لما يرى فيه. # قال ابن كثير: والظاهر، والله أعلم، أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء ~~لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى. وأما الثانية وهي المذكورة ~~في قوله تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى [النجم: 13- 15] ، ~~فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء. # والقصد من بيان رؤيته لجبريل عليهما السلام، متمثلا له، هو التحقيق ~~الموحي به، وأن أمره مبني على مشاهدة وعيان، لا على ظن وحسبان. وما سبيله ~~كذلك فلا مدخل للريب فيه وما هو على الغيب بضنين أي ببخيل. # PageV09P419 # قال مجاهد: ما يضن عليكم بما يعلم. أي ms4628 لا يبخل بالتعليم والتبليغ. وقال ~~الفراء: يأتيه غيب السماء، وهو شيء نفيس، فلا يبخل به عليكم. وقال أبو علي ~~الفارسي: المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه، كما يكتم الكاهن ذلك ~~ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا وقرئ (بظنين) بالظاء: أي ما هو ~~بمتهم على ما يخبر به من الغيب. # قال القاشاني: لامتناع استيلاء شيطان الوهم وجن التخيل عليه، فيخلط كلامه ~~ويمتزج المعنى القدسي بالوهمي والخيالي، لأن عقله صفي عن شوب الوهم. # والمعنى أنه صادق فيما يخبر به من الوحي واليوم الآخر والجزاء، ليس من ~~شأنه أن يتهم فيه. كما قال هرقل «1» لأبي سفيان: وسألتك هل كنتم تتهمونه ~~بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على ~~الناس ثم يذهب فيكذب على الله. ### | تنبيه: # قال بن جرير: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، ما عليه خطوط مصاحف ~~المسلمين متفقة وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك بضنين بالضاد. لأن ذلك كله ~~كذلك في خطوطها. فأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويل من تأوله (وما ~~محمد، على ما علمه الله من وحيه وتنزيله، ببخيل بتعليمكموه أيها الناس. بل ~~هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه) انتهى. واختار أبو عبيدة القراءة ~~بالظاء لوجهين: # أحدهما أن الكفار لم يبخلوه، وإنما اتهموه، فنفي التهمة أولى من نفي ~~البخل. # وثانيهما قوله: على الغيب ولو كان المراد البخل لقال (بالغيب) لأنه يقال ~~فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا. # وقال الشهاب: قال في (النشر) : هو بالضاد في جميع المصاحف، ولا ينافي هذا ~~قول أبي عبيدة، إن الضاد الظاء في الخط القديم لا يختلفان إلا بزيادة رأس ~~إحداهما على الأخرى، زيادة يسيرة، قد تشتبه. وهو كما قال. ويعرفه من قرأ ~~الخط المسند. وليس فيه اتهام لنقلة المصاحف كما توهم، لأن ما نقلوه موافق ~~للقراءة PageV09P420 # المتواترة. ولا بد مما ذكره أبو عبيدة، لأنهم اشترطوا في القراءات موافقة ~~الرسم العثماني، ولولاه كانت قراءة الظاء مخالفة له. انتهى قال ابن كثير: ~~وكلتا القراءتين متواترة ومعناها ms4629 صحيح كما تقدم وما هو بقول شيطان رجيم أي ~~من إلقاء الشيطان المطرود عن بلوغ هذا المقام. وهو نفي لقولهم إنه كهانة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التكوير (81) : الآيات 26 الى 29] # فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم ~~(28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) # فأين تذهبون أي أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة؟ لا جرم أنكم تنحون ~~الضلال بعد هذه المزاعم في الوحي ومبلغه. فمن سلك طرقها فقد بعد عن الصواب، ~~بما لا يضبط ولم يتقرب إليه بوجه. كمن سلك طريقا يبعده عن سمت مقصده، ~~فيقال: أين تذهب. # قال الزمخشري: استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في ~~بنيات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله، في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى ~~الباطل إن هو أي القرآن المتلو عليكم إلا ذكر للعالمين أي تذكرة وعظة لهم. # قال الإمام: موعظة يتذكرون بها ما غرز الله في طباعهم من الميل إلى ~~الخير. # وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على طباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أمراض ~~الاجتماع. وقوله تعالى: لمن شاء منكم أن يستقيم بدل من (العالمين) أي إنه ~~ذكرى لمن أراد الاستقامة على الطريق الحق، بصرف إرادته وميله إليه والثبات ~~عليه. # أما من أعرض ونأى. فمن أين تنفعه الذكرى، وقد زاده الران عمى؟ وقوله ~~تعالى: # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين أي وما تشاءون شيئا من فعالكم، ~~إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم، وإقداركم عليها، والتخلية بينكم ~~وبينها. وفائدة هذا الإخبار، هو الإعلام بالافتقار إلى الله تعالى، وأنه لا ~~قدرة للعبد على ما لم يقدره الله عز وجل. فهو خاضع لسلطان مشيئته، مقهور ~~تحت تدبيره وإرادته. # PageV09P421 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الانفطار # وهي مكية. وآيها تسعة عشر. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت ms4630 (5) # إذا السماء انفطرت أي انشقت كما في آية ويوم تشقق السماء بالغمام ~~[الفرقان: 25] ، وإذا الكواكب انتثرت أي تساقطت. والانتثار استعارة لإزالة ~~الكواكب، حيث شبهت بجواهر قطع سلكها. وهي مصرحة أو مكنية وإذا البحار فجرت ~~أي فتح بعضها إلى بعض، لزوال الحاجز بزلزلة الأرض وارتجافها وإذا القبور ~~بعثرت أي بحثت وأخرج موتاها. # قال الشهابي: يعني أزيل التراب التي ملئت به، وكان حتى على موتاها ~~فانفتحت وخرج من دفن فيها. وهذا معنى البعثرة. وحقيقتها تبديد التراب أو ~~نحوه. # وهو إنما يكون لإخراج شيء تحته فقد يذكر ويراد معناه ولازمه معا، كما ~~هنا. وقد يتجوز به عن البعث والإخراج كما في سورة العاديات. والفارق بينهما ~~أنه أسند هنا للقبور فكان على حقيقته. وثم، لما فيها، فكانت مجازا عما ذكر. ~~ثم قال: وذهب بعض الأئمة كالزمخشري والسهيلي إلى أنه مركب من كلمتين ~~اختصارا. ومثله كثير في لغة العرب ويسمى نحتا. وأصله (بعث) و (أثير) أي حرك ~~وأخرج. وله نظائر كبسمل، وحوقل، ودمعز. أي قال بسم الله ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله وأدام الله عزه. فعلى هذا يكون معناه النبش والإخراج معا. ولا ~~يرد عليه أن الراء ليست من أحرف الزيادة، كما توهمه أبو حيان، فإنه فرق بين ~~التركيب والنحت من كلمتين، والزيادة على بعض الحروف الأصول من كلمة واحدة، ~~كما فصله في (المزهر) نقلا عن أئمة اللغة. # PageV09P422 # علمت نفس ما قدمت أي لذلك اليوم من عمل صالح أو سيئ وأخرت أي تركت من خير ~~أو شر. أو المعنى: ما قدمت من عمل طيب لم تقصر فيه، وما أخرت أي قصرت فيه. ~~والمراد بالعلم بالتقديم والتأخير، وجدان الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد ~~عليهما. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانفطار (82) : الآيات 6 الى # 8] # يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي ~~صورة ما شاء ركبك (8) # يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم أي: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه ~~والانحراف عن فطرته. وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن ms4631 الاغترار. لأنه ~~بمعنى العظيم الجليل الكامل في نعوته. ومن كان كذلك فجدير بأن يرهب عقابه ~~ويخشى انتقامه وعذابه. لا سيما وله من النعم العظيمة والقدرة الكاملة ما ~~يزيد في الرهبة، كما قال: الذي خلقك فسواك أي جعلك سويا متساوي الأعضاء ~~والقوى. # وأصل التسوية جعل الأشياء على سواء. فتكون على وفق الحكمة ومقتضاها ~~بإعطائها ما تتم به فعدلك أي جعلك معتدلا متناسب الخلق، معتدل القامة. لا ~~كالبهائم. # وقرئ بالتخفيف وهو بمعنى المشدد، أو بمعنى صرفك عن خلقة غيرك إلى خلقة ~~حسنة، مزت بها على سائر الحيوان في أي صورة ما شاء ركبك أي: في أي صورة ~~شاءها ركبك عليها. يعني أنه ركبك في صورة هي أبدع الصور وأعجبها. ف (أي) ~~استفهامية. والمجرور متعلق ب ركبك وما زائدة وجملة شاء صفة صورة. # والقصد أن من خلق هذا الخلق البديع وسواه وعدله بقدرته وتقديره، حتى أحكم ~~صورته في ذلك التركيب، لجدير بأن يتقى بأسه ويحذر بطشه ويرهب أشد الترهيب. ### | تنبيه: # قال الإمام ابن القيم في (الجواب الكافي) في بحث كون القرآن من أوله إلى ~~آخره صريحا في ترتيب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية، على الأسباب، ~~ما تتمته: فليحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب- وهذا من أهم الأمور- فإن ~~العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته، ولا ~~بد. ولكن تغالطه نفسه. # ثم ذكر من أنواع المغترين من يغتر بفهم فاسد، فهمه هو وأضرابه من نصوص ~~القرآن والسنة فاتكلوا عليه. قال: كاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم فيقول: كرمه. وقد يقول بعضهم إنه لقن المغتر ~~حجته. وهذا # PageV09P423 # جهل قبيح. وإنما غره بربه الغرور، وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء، ~~وجهله وهواه. وأتى سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ~~ينبغي الاغترار به ولا إهمال لحقه. فوضع هذا المغتر (الغرور) في غير موضعه، ~~واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به. انتهى. # وفي مثل هذا الغرور يجب- كما قال الغزالي- على العبد أن يستعمل الخوف. # فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم ms4632 عقابه، ويقول: إنه، مع أنه غافر الذنب وقابل ~~التوب، شديد العقاب. وإنه، مع أنه كريم، خلد الكفار في النار أبد الآباد. ~~مع أنه لم يضره كفرهم. بل سلط العذاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع ~~على جملة من عباده في الدنيا. وهو قادر على إزالتها. فمن هذه سنته في ~~عباده، وقد خوفني عقابه، فكيف لا أخافه؟ وكيف أغتر به؟ فالخوف والرجاء ~~قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل. فما لا يبعث على العمل فهو تمن ~~وغرور. # ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم، وسبب إقبالهم على الدنيا، وسبب إعراضهم ~~عن الله تعالى، وإهمالهم السعي للآخرة، فذلك غرور. وقد روي أن الغرور سيغلب ~~على قلوب آخر هذه الأمة. وقد كان ذلك. فقد كان الناس في الإعصار الأول ~~يواظبون على العبادات، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، ~~يخافون على أنفسهم، وهم طول الليل والنهار في طاعة الله، يبالغون في التقوى ~~والحذر من الشبهات، والشهوات، ويبكون على أنفسهم في الخلوات وأما الآن فترى ~~الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين. مع إكبابهم على المعاصي وانهماكهم ~~في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى. زاعمين أنهم واثقون بكرم الله تعالى ~~وفضله، راجون لعفوه ومغفرته. كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم ~~يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون. فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى، ~~وينال بالهوينا، فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم؟ # ثم قال: والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف. ولا يتفكر فيه متفكر إلا ~~ويطول حزنه ويعظم خوفه، إن كان مؤمنا بما فيه. وترى الناس يهذونه هذا. ~~يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها، وكأنهم ~~يقرءون شعرا من أشعار العرب. لا يهمهم الالتفات إلى معانيه، والعمل بما ~~فيه. وهل في العالم غرور يزيد على هذا؟ انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانفطار (82) : الآيات 9 الى # 12] # كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12) # كلا بل تكذبون بالدين قال الإمام: أي لا شيء يغرك ويخدعك. بل إن ms4633 سعة # PageV09P424 # عطاء ربك وحكمته في كرمه، تدلك وتوحي إلى نفسك أنك مبعوث في يوم آخر، ~~لثواب أو عقاب. وإنما الذي يقع منك، أيها الإنسان، هو العناد والتكذيب ~~بالدين. # أي الجزاء، أي الانصراف عمدا وعنادا عما يدعو إليه الشعور الأول، وعن ~~الدليل الذي تقيمه الرسل، والحجة التي يأتي بها الأنبياء. مع أن الله تعالى ~~لم يترك عملا من أعمالك إلا حفظه وأحصاه عليك حتى يوفيك جزاءه كما قال: وإن ~~عليكم لحافظين أي رقباء يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم كراما كاتبين أي ~~يكتبون ما تقولون. # يعلمون ما تفعلون أي من خير أو شر. أي يحصونه عليكم، فلا يغفلون ولا ~~ينسون. # قال الرازي: إن الله تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما ~~بينهم. لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم. ولما كان الأبلغ عندهم في ~~المحاسبة إخراج كتاب بشهود، خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة. ~~فيخرج لهم كتب منشورة، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم، كما يشهد عدول ~~السلطان على من يعصيه ويخالف أمره. فيقولون له: أعطاك الملك كذا وكذا. وفعل ~~بك كذا وكذا، ثم قد خالفته وفعلت كذا وكذا. فكذا ها هنا. والله أعلم بحقيقة ~~ذلك. # انتهى. # ولا يخفى أن الحفظة الكرام وعملهم، من الغيب الذي لا يمكن اكتناهه. # فيجب الإيمان به، كما ورد. مع تفويض كنهه إلى بارئه تعالى. ومن الفضول في ~~العلم التوسع فيما لا يدرك بالنظر وتسويد وجوه الصحف بها. وبالله سبحانه ~~التوفيق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانفطار (82) : الآيات 13 الى 19] # إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين ~~(15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) # ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله (19) # إن الأبرار لفي نعيم قال ابن جرير: أي إن الذين بروا بأداء فرائض الله، ~~واجتناب معاصيه، لفي نعيم الجنان ينعمون فيها. # والأبرار جمع (بر) بفتح الباء وهو المتصف بالبر (بكسرها) أي الطاعة. قال ~~الأصفهاني: وقد اشتمل عليه قوله ms4634 تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق # PageV09P425 # والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177] ، وقوله تعالى: # وإن الفجار لفي جحيم أي الذين فجروا عن أمر الله. أي انشقوا عنه وخالفوه. ~~وهم من لم توجد فيهم نعوت الأبرار المذكورة في الآية قبل يصلونها يوم الدين ~~أي يوم يدان العباد بالأعمال، فيجازون بها وما هم عنها بغائبين أي بخارجين، ~~لأنهم مخلدون في صليها. وقوله تعالى: وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ~~ما يوم الدين تفخيم لأمر ذلك اليوم وتعظيم لشأنه. أي أي شيء أعلمك به؟ أي ~~أنت لا تدريه مع أنه من أوجب ما تهم درايته والبحث عنه. والخطاب للإنسان ~~المتقدم أول السورة. # ثم فسر تعالى بعض شأنه بقوله: يوم لا تملك نفس لنفس شيئا أي من دفع ضر أو ~~كشف هم والأمر يومئذ لله أي أمر الملك الظاهر، ونفوذ القضاء القاهر، يومئذ ~~لله وحده. لاضمحلال الممالك وذهاب الرياسات. # قال الرازي: وهو وعيد عظيم، من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر ~~والطاعة يومئذ، دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا، من مال وولد ~~وأعوان وشفعاء. # PageV09P426 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المطففين # قال المهايمي: سميت به دلالة على أن من أخل بأدنى حقوق الخلق، استحق أعظم ~~ويل من الحق. فكيف من أخل بأعظم حقوق الحق، من الإيمان به وبآياته ورسله؟ ~~وهي مكية على الأظهر. فإن سياقها يؤيد أنها كأخواتها اللائي نزلن بمكة، لا ~~سيما خاتمتها، فإنها صفات المستهزئين الذين كانوا بمكة. وحملها على ~~المنافقين بالمدينة بعيد، إذ لم يبلغ بهم الحال ذلك. وأما ما رواه النسائي ~~وابن ماجة «1» - كما في ابن كثير عن ابن عباس، لما قدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس ms4635 كيلا، فأنزل الله ويل للمطففين فأحسنوا ~~الكيل- فقد ذكرنا مرارا أن معنى الإنزال، في إطلاق السلف، لا يكون مقصورا ~~على أن كذا سبب النزول. بل إن كذا مما نزل فيه ذلك. كأن أهل المدينة تلي ~~عليهم ما سبق إنزاله في مكة. وقيل لهم: أنزل الله حظر ما أنتم عليه والوعيد ~~فيه. فأقلعوا. وهذا ظاهر لمن له أنس بعلم الآثار وملكة فيه. # ومنه يعلم أن قول بعضهم: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف. # وقول آخر: إن كل نوع من المكي والمدني منه آيات مستثناة- منشؤه الحيرة في ~~المطابقة بين ظاهر ما يتبادر من المأثور في سبب النزول، وبين ما يدل عليه ~~السياق من خلافه. وبالوقوف على عرف السلف يزول الإشكال ويتضح الحال. ~~PageV09P427 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) # ويل للمطففين أي هلاك لهم. قال الأصفهاني: ومن قال: ويل واد في جهنم، ~~فإنه لم يرد أن (ويلا) في اللغة هو موضوع لهذا. وإنما أراد: من قال الله ~~تعالى ذلك فيه، فقد استحق مقرا من النار. # ثم بين تعالى المطففين بقوله: الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون أي ~~إذا أخذوا الكيل من الناس يأخذونه وافيا وزائدا. على إيهام أن بذلك تمام ~~الكيل. وإذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أجل مقدارا، ففي الوزن بطريق ~~الأولى. وإيثار على على (من) للإشارة إلى ما فيه عملهم المنكر من الاستعلاء ~~والقهر. شأن المتغلب المتحامل المتسلط، الذي لا يستبرئ لدينه وذمته: وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون أي كالوا للناس أو وزنوا لهم، ينقصونهم حقهم ~~الواجب لهم، وهو الوفاء والتمام. ففيهما حذف وإيصال. # قال ابن جرير: من لغة أهل الحجاز أن يقولوا: وزنتك حقك، وكلتك طعامك، ~~بمعنى وزنت لك وكلت لك. ### | تنبيه: # في (الإكليل) : في الآية ذم التطفيف والخيانة في الكيل والوزن. أي لأنه ~~من المنكر فهو من المحظورات أشد الحظر، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل ~~في ms4636 الأخذ والدفع، ولو في القليل. لأن من دنؤت نفسه إلى القليل دل على فساد ~~طويته وخبث ملكته، وأنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة. ~~قال ابن جرير: # وأصل التطفيف من الشيء الطفيف، وهو القليل النزر. والمطفف: المقلل حق ~~صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن. ومنه قيل للقوم الذين # PageV09P428 # يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم سواء كطف الصاع. يعني بذلك كقرب الممتلئ ~~منه ناقص عن الملء. وقد أمر تعالى بالوفاء في الكيل والميزان. فقال تعالى ~~في عدة آيات: وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم، ذلك خير ~~وأحسن تأويلا [الإسراء: 35] ، وقال تعالى: وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان [الرحمن: 9] ، وقص تعالى علينا أنه أهلك قوم شعيب ودمرهم على ما ~~كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال. ثم قال سبحانه متوعدا لهم: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 4 الى # 6] # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين (6) # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون أي من قبورهم بعد مماتهم ليوم عظيم أي عظيم ~~الهول جليل الخطب كثير الفزع، من خسر فيه أدخل نارا حامية يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين أي لأمره وقضائه فيهم بما يستحقون، في موقف يغشى المجرم فيه ~~من الهول، ما يود الافتداء بكل مستطاع. وفي تأثر الويل للمطففين بما ذكر في ~~هاتين الآيتين. مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. ووجه ذلك، كما ~~لخصه الشهاب، أن في ذكر الظن من التجهيل مع اسم الإشارة الدال على التبعيد، ~~تحقيرا- ووصف يوم قيامهم بالعظمة- وإبدال يوم يقوم منه، فإنه يدل على ~~استعظام ما استحقروه. والحكمة اقتضت أن لا تهمل مثقال ذرة من خير وشر. # وعنوان (رب العالمين) للمالكية والتربية الدالة على أنه لا يفوته ظالم ~~قوي، ولا يترك حق مظلوم ضعيف- وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل ~~وميزانه، وأن من لا يهمل مثل هذا، كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده؟ ~~وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة. فتأمل هذا ms4637 المقام، ففيه ما تتحير فيه ~~الأوهام. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 7 الى 11] # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ~~ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) # كلا ردع عن التطفيف الذي يقترفونه لغفلتهم عن يوم الحساب وضعف اعتقادهم ~~به إن كتاب الفجار أي ما كتب فيه من عملهم السيء وأحصي عليهم. # وإيثار المظهر للإشعار بوصف لهم ثان، وهو الفجور، بخروجهم عن حد العدالة ~~المتفق عليها الشرع والعقل لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم أي مسطور # PageV09P429 # بين الكتابة. أو معلم برقم ينبئ عن قبحه. سمي سجينا- فعيلا من السجن وهو ~~الحبس والتضييق- لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم. فهو بمعنى (فاعل) في ~~الأصل. أو لأنه مطروح في أسفل مكان مظلم. فهو بمعنى (مفعول) كأنه مسجون لما ~~ذكر. وقيل: هو اسم مكان، فيقدر مضاف فيه أو فيما بعده. والتقدير: ما كتاب ~~سجين أو محل كتاب مرقوم؟ فحذف المضاف وقيل إنه مشترك بين المكان والكتاب. ~~وقال الأصفهاني: السجين اسم لجهنم بإزاء عليين. وزيد لفظه تنبيها على زيادة ~~معناه. وقيل: هو اسم للأرض السابعة. # ثم قال: وقد قيل إن كل شيء ذكره الله تعالى بقوله: وما أدراك فسره. وكل ~~ما ذكره بقوله: وما يدريك تركه مبهما. وفي هذا الموضع ذكر وما أدراك وكذا ~~في قوله: وما أدراك ما عليون ثم فسر الكتاب، لا السجين والعليون. وفي هذه ~~الطبقة موضعها الكتب التي يتبع هذا الكتاب، لا هذا. انتهى. # وقال القاشاني: لفي سجين في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة ~~مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة ودركاتها. وهو ديوان أعمال أهل ~~الشر ولذلك فسر بقوله: كتاب مرقوم أي ذلك المحل المكتوب فيه أعمالهم، كتاب ~~مرقوم برقوم هيئات رذائلهم وشرورهم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم ~~الدين أي بيوم الحساب والمجازاة. وفيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا ~~الوصف. لأن إصرارهم على التعدي والاجترام يدل على عدم الظن بالبعث. كما قال ~~تعالى: ### | القول في تأويل ms4638 قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 12 الى 13] # وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير ~~الأولين (13) # وما يكذب به إلا كل معتد أي مجاوز طور الفطرة الإنسانية، بتجاوزه، حد ~~العدالة، إلى الإفراط في أفعاله بالبغي والعدوان أثيم أي مبالغ في ارتكاب ~~أفانين الإثم وأنواع المعاصي إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين أي ~~ما سطروه من الأحاديث والأخبار. يريد أنه ليس بوحي رباني، ولا تنزيل إلهي. ~~مع نصوع بيانه وشواهد برهانه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : آية # 14] # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) # PageV09P430 # كلا أي ليست هذه الآيات بأساطير الأولين. بل هي الحق المبين، والشفاء لما ~~في الصدور بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون أي غطى على مداركهم ما ~~اكتسبوه من الآثام حتى كدر جوهرها وصار صدأ عليها بالرسوخ فيها. و (الرين) ~~أصل معناه الصدأ والوسخ القار، شبه به حب المعاصي الراسخ في النفس. وذلك ~~أنه يحصل من تكرار الفعل ملكة راسخة لا تقبل الزوال، وصفة للنفس قارة فيها. ~~فبكثرة المعاصي يرسخ حبها في القلب بحيث لا يزول، كالصدإ الذي لا يزول ~~بسهولة. قال في (الأساس) : الران ما غطى على القلب وركبه من القسوة للذنب ~~بعد الذنب. من قولهم: (ران عليه الشراب والنعاس) و (ران به) إذا غلب على ~~عقله. و (رين بفلان) ونظيره الغين. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : آية 15] # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) # كلا ردع لهم عن الكسب الرائن على قلوبهم. أو بمعنى حقا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون قال ابن جرير: أي فلا يرونه ولا يرون شيئا من كرامته يصل ~~إليهم، فهم محجوبون عن رؤيته وعن كرامته. وتخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن ~~غيرهم غير محجوب فيراه الله تعالى ويرى كرامته. قال الشهاب: لما كان الحجاب ~~هو الساتر من ستارة بز وغيرها، استعير تارة لعدم الرؤية، لأن المجوب لا يرى ~~ما حجب. وتارة للإهانة، لأن الحقير يحجب ويمنع من الدخول على الرؤساء. ولذا ms4639 ~~قالت العرب: الناس ما بين مرحوب ومحجوب، أي معظم ومهان. وهو بمعانيه محال ~~أن يتصف به الله. فلا يصح إطلاقه عليه تعالى، كما صرحوا به. وإنما يوصف به ~~الخلق، كما في هذه الآية. فإذا أجري على اسم من أسمائه تعالى، فهو وصف سببي ~~لا حقيقي. بل التشبيه للخلق. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 16 الى # 17] # ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) # ثم إنهم لصالوا الجحيم أي محترقون بها. وقد أشار القاشاني إلى سر ترادف ~~هذه الجمل الكريمة، بأن ما اكتسبوه من الذنوب لما صار كالصدإ على قلوبهم ~~بالرسوخ فيها، كدر جوهرها وغيرها عن طباعها. فعندها تحقق الحجاب وانغلق باب ~~المغفرة، ولذلك قال: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لامتناع قبول قلوبهم # PageV09P431 # للنور، وامتناع عودها إلى الصفاء الأول الفطري. كالماء الكبريتي مثلا، إذ ~~لو روق أو صعد لما رجع إلى الطبيعة المائية المبردة، لاستحالة جوهرها. ~~بخلاف الماء المسخن الذي استحالت كيفيته دون طبيعته ولهذا استحقوا الخلود ~~في العذاب. # وحكم عليهم بقوله: ثم إنهم لصالوا الجحيم انتهى. # قال ابن القيم في (بدائع الفوائد) في هذه الآية ما مثاله: جمع لهم سبحانه ~~بين العذابين عذاب الحجاب وعذاب النار. فألم الحجاب يفعل في قلوبهم ~~وأرواحهم، نظير ما تفعله النار في أجسامهم. كحال من حيل بينه وبين أحب ~~الأشياء إليه في الدنيا، وأخذ بأشد العذاب. فإن أخص عذاب الروح أن تتعلق ~~بمحبوب لا غنى لها عنه، وهي ممنوعة من الوصول إليه. فكيف إن حصل لها، مع ~~تواري المحبوب عنها وطول احتجابه، بغضه لها ومقته وطرده وغضبه الشديد ~~عليها؟ فأي نسبة لألم البدن إلى هذا الألم الذي لا يتصوره إلا من بلي به أو ~~بشيء منه؟ فلو توهمت النفوس ما في احتجاب الله سبحانه عنها يوم لقائه من ~~الألم والحسرة، لما تعرضت لأسباب ذلك الاحتجاب. وأنت ترى المحبين في الدنيا ~~لصورة، منتهى حسنها إلى ما يعلم، كيف يضجون من ألم احتجاب محبوبهم عنهم ~~وإعراضه وهجره؟ ويرى أحدهم ms4640 كالموت أو أشد منه من بين ساعة، كما قال: # وكنت أرى كالموت من بين ليلة ... فكيف ببين كان ميعاده الحشر # وإنما يتبين الحال في هذا بمعرفة ما خلقت له الروح وما هيئت له وما فطرت ~~عليه، وما لا سعادة لها ولا نعيم ولا حياة إلا بإدراكه. # فاعلم أن الله سبحانه خلق كل عضو من الأعضاء لغاية ومنفعة، فكماله ولذته ~~في أن يحصل فيه ما خلق له، فخلق العين للإبصار والأذن للسمع والأنف للشم ~~واللسان للنطق واليد للبطش والرجل للمشي والروح لمعرفته ومحبته والابتهاج ~~بقربه والتنعم بذكره. وجعل هذا كمالها وغايتها. فإذا تعطلت من ذلك كانت ~~أسوأ حالا من العين والأذن واللسان واليد والرجل، التي تعطلت عما خلقت له، ~~وحيل بينها وبينه. بل لا نسبة لألم هذه لروح إلى ألم تلك الأعضاء المعطلة ~~البتة. بل ألمها أشد الألم. وهو من جنس ألمها إذ فقدت أحب الأشياء إليها ~~وأعزه عليها، وحيل بينها وبينه، وشاهدت غيرها قد ظفر بوصله وفاز بقربه ~~ورضاه. والروح لا حياة لها ولا نعيم ولا سرور ولا لذة إلا بأن يكون الله ~~وحده هو معبودها وإلهها ومرادها، الذي لا تقر عينها إلا بقربه والأنس به ~~والعكوف بكليتها على محبته والشوق إلى لقائه. فهذا غاية # PageV09P432 # كمالها وأعظم نعيمها وجنتها العاجلة في الدنيا. فإذا كان يوم لقائه كان ~~أعظم نعيمها رفع الحجاب الذي كان يحجبها في الدنيا عن رؤية وجهه وسماع ~~كلامه. # وفي حديث الرؤية «1» : فو الله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إلى ~~وجهه. # ثم قال: وكما جمع سبحانه لأعدائه بين هذين العذابين، وهما ألم الحجاب ~~وألم العذاب، جمع لمحبيه بين نوعي النعيم نعيم القرب والنظر، ونعيم الأكل ~~والشرب والنكاح والتمتع بما في الجنة، في قوله: ولقاهم نضرة وسرورا ~~[الإنسان: 11] الآيات. # ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون أي في الدنيا. قال الإمام: تبكيتا لهم ~~وزيادة في التنكيل بهم. فإن أشد شيء على الإنسان، إذا أصابه مكروه، أن يذكر ~~وهو يتألم له، بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين ms4641 يديه فأهملها. وأسباب ~~التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى # 21] # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم ~~(20) يشهده المقربون (21) # كلا ردع عن التكذيب، أو بمعنى حقا إن كتاب الأبرار لفي عليين قال ~~القاشاني: أي ما كتب من صور أعمال السعداء وهيئات نفوسهم النورانية ~~وملكاتهم الفاضلة، في عليين. وهو مقابل للسجين، في علوه وارتفاع درجته، ~~وكونه ديوان أعمال أهل الخير. كما قال: وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم أي ~~محل شريف رقم بصور أعمالهم: يشهده المقربون أي يحضره المقربون من حضرة ذي ~~الجلال، كما في آية في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: 55] . # والمقربون هم الأبرار: أعاد ذكرهم، بوصف ثان، تنويها بهم وتعديدا ~~لصفاتهم. # أو هم الملائكة إجلالا لهم وتعظيما لشأنهم. # ولما عظم تعالى كتابهم، تأثره بتعظيم منزلتهم، بقوله سبحانه: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 22 الى 26] # إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس ~~المتنافسون (26) PageV09P433 # إن الأبرار لفي نعيم أي عظيم دائم، وذلك نعيمهم في الجنان على الأرائك ~~ينظرون أي على الأسرة والمتكآت ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الكرامة ~~وأفانين النعيم تعرف في وجوههم نضرة النعيم أي بهجته ورونقه، كما يرى على ~~وجوه المترفهين ماؤه وحسنه يسقون من رحيق أي خمر، إلا أنه خص بالخالص الذي ~~لا غش فيه، كما قال حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # ومنه قولهم. مسك رحيق لا غش فيه، وحسب رحيق لا شوب فيه. # وقوله تعالى: مختوم أي ختم على أوانيه تكريما له لصيانته عن أن تمسه ~~الأيدي على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ختامه مسك قال القفال: # أي الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق، هو المسك، كالطين الذي يختم به ~~رؤوس القوارير فكأن ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم. # وعن بعض السلف واللغويين ms4642 المختوم الذي له ختام أي عاقبة، وقد فسرت ~~بالمسك. أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك. والقصد لذة المقطع بذكاء ~~الرائحة وأرجها، على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم والرائحة وفي ذلك أي ~~النعيم المنوه به وما تلاه فليتنافس المتنافسون أي فليرغب الراغبون ~~بالاستباق إلى طاعة الله تعالى: # قال ابن جرير: التنافس أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له، ويتمنى ~~أن يكون له دونه. وهو مأخوذ من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس ~~الناس وتطلبه وتشتهيه. وكأن معناه في ذلك: فليجد الناس فيه وإليه، ~~فليستبقوا في طلبه ولتحرص عليه نفوسهم. وقال الرازي: إن مبالغته تعالى في ~~الترغيب فيه تدل على علو شأنه. وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في ~~مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء. ~~وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 27 الى # 28] # ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) # ومزاجه من تسنيم عطف على (ختامه) صفة أخرى (لرحيق) وما بينهما اعتراض ~~مقرر لنفاسته. أي ما يمزج به ذلك الرحيق من ماء تسنيم. والتسنيم في الأصل ~~مصدر سنمه بمعنى رفعه، ومنه السنام. سمي الماء به لارتفاعه وانصبابه من ~~علو. وقد بينه بقوله: عينا يشرب بها المقربون أي يشربون بها الرحيق، ~~والكلام # PageV09P434 # في الباء، كما في آية يشرب بها عباد الله [الإنسان: 6] ، من كونها زائدة، ~~أو بمعنى (من) أو صلة الامتزاج أو الالتذاذ. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 29 الى # 31] # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) # إن الذين أجرموا يعني كفار قريش كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي استهزاء ~~بهم لإيمانهم بالله وحده وبما أوحاه إلى رسوله صلوات الله عليه، ونبذهم ما ~~ألفوا عليه آباءهم. # قال الإمام: الذين أجرموا هم المعتدون الأئمة الذين شريت نفوسهم في الشر، ~~وصمت آذانهم عن سماع دعوة الحق. هؤلاء كانوا يضحكون من الذين ms4643 آمنوا. ذلك ~~لأنه حين رحم الله هذا العالم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان كبار ~~القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة. وكانت دعوة الحق خافتة لا ~~يرتفع بها إلا صوته عليه السلام، ثم يهمس بها بعض من يليه. ويجيب دعوته من ~~الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم فيسر بها إلى من ~~يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه. ومن شأن القوي المستعز بالقدرة ~~والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ويدعوه إلى غير ما يعرفه، وهو أضعف ~~منه قوة وأقل عددا. كذلك كان شأن جماعة من قريش، كأبي جهل والوليد بن ~~المغيرة، والعاص بن وائل وأشياعهم. وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى ~~عمت البدع، وتفرقت الشيع وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، ~~وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، ~~وحركات أركان لا تشايعها السرائر. وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس ~~إلى العمل، إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب ~~والألقاب. وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب. وأحب كل واحد أن يحمد بما لم يفعل. ~~وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل. واستوى في ذلك الكبير ~~والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم. إذا صار الناس ~~إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق وازدرى السامعون منهم بالداعي إليه. # وانطبق عليهم نص الآية الكريمة. انتهى. # وإذا مروا # أي الذين آمنوا بهم يتغامزون # أي يغمز بعضهم بعضا استهزاء وسخرية. والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب. # PageV09P435 # قال السيوطي: وفي هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين، والضحك منهم، ~~والتغامز عليهم وإذا انقلبوا أي هؤلاء المجرمون من مجالسهم إلى أهلهم ~~انقلبوا فكهين أي متلذذين بالسخرية وحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان. أو ~~بما هم فيه من الشرك والطغيان والتنعم بالدنيا. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المطففين (83) : الآيات 32 الى 36] # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب ~~الكفار ms4644 ما كانوا يفعلون (36) # وإذا رأوهم أي رأوا المؤمنين قالوا إن هؤلاء لضالون أي لتركهم ما عليه ~~العامة، والاعتصام بغيره. وقوله تعالى: وما أرسلوا أي هؤلاء المجرمون ~~القائلون ما ذكر عليهم أي على المسلمين حافظين أي لأعمالهم. جملة حالية من ~~(واو قالوا) أي قالوا ذلك، والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين ~~بهم، يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم. # وهذا تهكم بهم وإشعار بأن ما اجترءوا عليه من القول، من وظائف من أرسل من ~~جهته تعالى. # وقد جوز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين. كأنهم قالوا إن هؤلاء لضالون ~~وما أرسلوا علينا حافظين. إنكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، ~~وإنما قيل عليهم نقلا له بالمعنى كما في قولك: (حلف ليفعلن) لا بالعبارة، ~~كما في قولك: (حلف لأفعلن) أفاده أبو السعود فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون تفريع على ما قبله، للدلالة على أنه جزاء سخريتهم في الدنيا و ~~(اليوم) يوم الدين والجزاء. وضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوه من ~~الهوان والصغار، بعد العزة والكبر. على الأرائك ينظرون إلى ما أوتوا من ~~النعيم، وما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون أي ~~جوزوا ثواب ما كانوا يفعلون في الدنيا. # والجملة متعلقة ب (ينظرون) في محل نصب بعد إسقاط الجار. أو مستأنفة. # والاستفهام للتقرير كأنه خطاب للمؤمنين، تعظيما لهم وتكريما وزيادة في ~~مسرتهم. # أي هل رأيتم كيف جازى الله الكافرين بأعمالهم، أي أنه فعل. و (ما) مصدرية ~~أو موصولة. # PageV09P436 # وثوبه وأثابه بمعنى جازاه. وهو من (ثاب) بمعنى رجع. فالثواب ما يرجع على ~~العبد في مقابلة عمله. ويستعمل في الخير والشر. # ونظير هذه الآيات قوله تعالى: اخسؤا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من ~~عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم ~~هم الفائزون [المؤمنون: 108- 111] . # PageV09P437 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الانشقاق # وتسمى سورة إذا السماء ms4645 انشقت. وهي مكية. وهي خمس وعشرون آية. قيل ترتيب ~~هذه السور الثلاث ظاهر. لأن في (انفطرت) تعريف الحفظة الكاتبين وفي ~~(المطففين) مقر كتبهم. وفي هذه عرضها للقيامة. # روى الإمام مالك «1» عن أبي سلمة أن أبا هريرة قرأ بهم: إذا السماء ~~انشقت. فسجد فيها. فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد ~~فيها. # ورواه مسلم «2» والنسائي «3» وأخرج البخاري «4» عن أبي رافع قال: صليت مع ~~أبي هريرة العتمة. فقرأ إذا السماء انشقت فسجد. فقلت: # ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم # . فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. # وفي رواية للنسائي «5» عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك الذي خلق. PageV09P438 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) # إذا السماء انشقت أي انصدعت وتقطعت كما تقدم في قوله: إذا السماء انفطرت ~~[الانفطار: 1] ، وأذنت لربها وحقت أي سمعت له في تصدعها وتشققها. وهو مجاز ~~عن الانقياد والطاعة. والمعنى أنها انقادت لتأثير قدرته، حين أراد ~~انشقاقها، انقياد المطواع الذي يستمع للآمر ويذعن له. قال ابن جرير: العرب ~~تقول (أذن لك في هذا إذنا) بمعنى استمع لك. ومنه الخبر الذي # روي «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي ~~يتغنى بالقرآن. # يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن. ومنه قول الشاعر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # ومعنى قوله تعالى: وحقت أي: حق لها ووجب أن تنقاد لأمر القادر ولا تمتنع. ~~وهي حقيقة بالانقياد لأنها مخلوقة له في قبضة تصرفه. قال المعرب: الأصل حق ~~الله طاعتها. ولما كان الإسناد في الآية إلى السماء نفسها، والتقدير: وحقت ~~هي، كان أصل الكلام على تقدير مضاف في الضمير المستكن في الفعل. أي وحق ~~سماعها ms4646 وطاعتها. فحذف المضاف، ثم أسند الفعل إلى ضميره، ثم استتر فيه وإذا ~~الأرض مدت أي بسطت وجعلت مستوية وذلك بنسف جبالها وآكامها كما قال: # قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [طه: 106- 107] ، ولذا قال ابن ~~عباس: # مدت مد الأديم العكاظي. لأن الأديم إذا مد، زال كل انثناء فيه واستوى ~~وألقت ما فيها أي ما في جوفها من الكنوز والأموات وتخلت أي: وخلت غاية ~~الخلو، PageV09P439 # حتى لم يبق شيء في باطنها، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو وأذنت لربها ~~وحقت أي انقادت له في التخلية، وحق لها ذلك، وإعادة الآية للتنبيه على أن ~~ذلك تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره ومشيئته. وجواب (إذا) محذوف للتهويل ~~بالإبهام. أي: كان ما كان مما لا يفي به البيان. أو لاقى الإنسان كدحه، كما ~~قال: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانشقاق (84) : الآيات 6 الى # 9] # يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) # يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه قال ابن جرير: أي إنك ~~عامل إلى ربك عملا فملاقيه به، خيرا كان أو شرا. المعنى: فليكن عملك مما ~~ينجيك من سخطه، ويوجب لك رضاه، ولا يكن مما يسخطه عليك فتهلك. وقال ~~القاشاني: أي إنك ساع مجتهد في الذهاب إليه بالموت. أي تسير مع أنفاسك ~~سريعا. كما قيل: # أنفاسك خطاك إلى أجلك أو مجتهد مجد في العمل، خيرا أو شرا، ذاهب إلى ربك ~~فملاقيه ضرورة. قال: والضمير إما للرب وإما للكدح. وأصل الكدح جهد النفس في ~~العمل والكد فيه، حتى يؤثر فيها. من (كدح جلده) إذا خدشه. فاستعير للجد في ~~العمل وللتعب، بجامع التأثير في ظاهر البشرة فأما من أوتي كتابه بيمينه وهم ~~من آمن وعمل صالحا واتصف بما وصف به الأبرار، في غير ما آية فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا قال ابن جرير: بأن ينظر في أعماله فيغفر له سيئها ويجازى على ~~حسنها. وقال القاشاني: بأن تمحى سيئاته ms4647 ويعفى عنه ويثاب بحسناته دفعة ~~واحدة، لبقاء فطرته على صفائها ونوريتها الأصلية وينقلب إلى أهله أي: زوجته ~~وأقاربه. # أو قومه من يجانسه ويقارنه من أصحاب اليمين مسرورا أي بنجاته من العذاب، ~~أو بصحبتهم ومرافقتهم، وبما أوتي من حظوظه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانشقاق (84) : الآيات 10 الى 15] # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) # بلى إن ربه كان به بصيرا (15) # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره أي أعطي كتاب عمله بشماله من وراء ظهره، ~~وهو على هيئة المغضوب عليه، أمام الملك المنصرف به عن ذاك المقام إلى دار # PageV09P440 # الهوان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم [النحل: 60] ، فسوف يدعوا ثبورا أي ينادي بالهلاك وهو أن يقول: # ووا ثبوراه! ووا ويلاه! وهو من قولهم دعا فلان لهفه، إذا قال والهفاه ~~ويصلى سعيرا أي يدخل نارا يحترق بها إنه كان في أهله مسرورا أي منعما ~~مستريحا من التفكر في الحق والدعاء إليه والصبر عليه. لا يهمه إلا أجوفاه، ~~بطرا بالنعم، ناسيا لمولاه إنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع إلى ربه، أو إلى ~~الحياة بالبعث لاعتقاده أنه يحيي ويموت ولا يهلكه إلا الدهر. فلم يك يرجو ~~ثوابا ولا يخشى عقابا ولا يبالي ما ركب من المآثم، على خلاف ما قيل ~~المؤمنين إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين [الطور: # 26] ، إني ظننت أني ملاق حسابيه [الحاقة: 20] ، بلى أي ليحورن وليرجعن ~~إلى ربه حيا كما كان قبل مماته إن ربه كان به بصيرا أي بما أسلف في أيامه ~~الخالية فيجازيه عليه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانشقاق (84) : الآيات 16 الى # 21] # فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن ~~طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) # وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) # فلا أقسم بالشفق وهي الحمرة في الأفق من ناحية مغرب الشمس والليل وما وسق ~~أي جمع وضم مما سكن ms4648 وهدأ فيه من ذي روح كان يطير أو يدب نهارا كذا قال ابن ~~جرير والأظهر أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها، لاشتمال الليل عليها. فكأنه ~~تعالى: أقسم بجميع المخلوقات كما قال: فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ~~[الحاقة: 38- 39] ، والقمر إذا اتسق أي اجتمع وتم نوره وصار كاملا لتركبن ~~طبقا عن طبق أي حالا بعد حال. والمعني بالحال الأولى البعث للجزاء على ~~الأعمال. وبالثانية الحياة الأولى. وفيه تنبيه على مطابقة كل واحدة لأختها. ~~فإن الحياة الثانية تماثل الأولى وتطابقها من حيث الحس والإدراك والألم ~~واللذة، وإن خفي اكتناهها. وجوز أن يكون طبقا جمع طبقة وهي المرتبة. أي ~~لتركبن مراتب شديدة مجاوزة عن مراتب وطبقات، وأطوارا مرتبة بالموت وما بعده ~~من مواطن البعث والنشور. # قال الشهاب: الطبق معناه ما طابق غيره مطلقا في الأصل، ثم إنه خص بما ~~ذكر، وهو الحال المطابقة أو مراتب الشدة المتعاقبة. # وعن للمجاوزة أو بمعنى (بعد) . والبعدية والمجاوزة متقاربان لكنه ظاهر # PageV09P441 # في الثاني فما لهم لا يؤمنون أي بهذا الحديث. وقد أقام لهم الحجة على ~~التوحيد والبعث وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون أي لا يخضعون ولا يستكينون ~~ولا ينقادون. # قال في (الإكليل) : وقد استدل به على مشروعية سجدة التلاوة ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الانشقاق (84) : الآيات 22 الى 25] # بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم ~~(24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) # بل الذين كفروا يكذبون أي بآيات الله وتنزيله، المبين لما ذكر من أحوال ~~القيامة وأهوالها، مع تحقيق موجبات تصديقه، والإضراب عن محذوف تقديره كما ~~قال الإمام، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر إغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته ~~أعماق ضمائرهم. بلى، قد بلغ وأقنع فيما بلغ. ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن ~~الإيمان، ويصدهم عن الإذعان، فليس منشأ التكذيب قصور الدليل. وإنما هو ~~تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته، فالإضراب يرمي إلى محذوف من القول يدل ~~عليه السابق واللاحق والله أعلم بما يوعون أي بما يسرون في ms4649 صدورهم من حقية ~~التنزيل، وإن أخفوه عنادا. أو بما يصمرون من البغي والمكر، فسيجزيهم عليه. ~~ولذا قال: فبشرهم بعذاب أليم أي جزاء على تكذيبهم وإعراضهم وبغيهم إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون أي غير مقطوع أو غير ممنون ~~به عليهم. # والاستثناء منقطع أو متصل، على أن المراد بمن آمن من أسلم منهم فآمنوا ~~باعتبار ما مضى أو بمعنى (يؤمنون) وكونه منقطعا أظهر لمجيء (لهم أجر) بغير ~~فاء. والله أعلم. # PageV09P442 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البروج # مكية. وآيها اثنتان وعشرون. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج والسماء ~~والطارق. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # والسماء ذات البروج أي الكواكب والنجوم شبهت بالبروج، وهي القصور، ~~لعلوها. أو البروج منازل عالية في السماء. # قال ابن جرير: وهو اثنا عشر برجا. فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث ~~فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستسر ليلتين. ومسير الشمس في كل برج منها ~~شهر. وأصل معنى البروج- كما قال الشهاب- الأمر الظاهر من التبرج. ثم صار ~~حقيقة في العرف للقصور العالية. لأنها ظاهرة للناظرين. ويقال لما ارتفع من ~~سور المدينة (برج) أيضا. فشبه- على هذا- الفلك بسور المدينة وأثبت له ~~البروج واليوم الموعود أي الذي وعد فيه العباد لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم ~~القيامة وشاهد وهو كل ما له حس يشهد به ومشهود وهو كل محس يشهد بالحس. # فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها. وتخصيص بعض المفسرين بعضا مما يتناوله ~~لفظهما، لعله لأنه الأهم. أو الأولى أو الأعرف والأظهر، لقرينة عنده. وإلا ~~فاللفظ على عمومه، حتى يقوم برهان على تخصيصه. # PageV09P443 # قتل أصحاب ms4650 الأخدود أي: قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم. على أن الجملة ~~خبرية هي جواب القسم. أو دليل جوابه إن كانت دعائية، والتقدير: لتبلون كما ~~ابتلي من قبلكم، ولينتقمن ممن فتنكم كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في ~~الأخدود. # قال الزمخشري: وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى ~~أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق ~~أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من ~~قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ~~ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم (قتلت قريش) كما قيل: قتل أصحاب الأخدود ~~والأخدود: الحفرة في الأرض مستطيلة. وقوله تعالى: النار ذات الوقود بدل من ~~الأخدود والوقود بالفتح الحطب الجزل الموقد به وأما (الوقود) بالضم فهو ~~الإيقاد إذ هم عليها أي على حافات أخدودها قعود أي قاعدون يتشفون من ~~المؤمنين وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود أي حضور يشاهدون احتراق الأجساد ~~الحية، وما تفعل بها النيران. ولا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم. # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله أي: وما أنكروا منهم، ولا كان لهم ~~ذنب، إلا الإيمان بالله وحده. # قال الراغب: نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة. # ومنه الانتقام العزيز أي الغالب على أعدائه بالقهر والانتقام الحميد أي ~~المحمود على إنعامه وإحسانه الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء ~~شهيد أي على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة، أصحاب الأخدود وغيرهم، شاهد ~~شهودا لا يخفى عليه منه مثقال ذرة، وهو مجازيهم عليه. وفي توصيفه تعالى بما ~~ذكر من النعوت الحسنى، إشعار بمناط إيمانهم. فإن كونه تعالى قاهرا ومنعما، ~~له ذلك الملك الباهر. وهو عليم بأفعال عبيده، مما يوجب أن يخشاه من عرف ~~المصائر، وفي الآية نوع من البديع يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم. وهو ~~معروف في كتب المعاني. ### | تنبيه: # روى ابن جرير عن ابن عباس في أصحاب الأخدود قال: هم ناس من بني إسرائيل ~~خدوا أخدودا ms4651 في الأرض، ثم أوقدوا فيها نارا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود ~~رجالا ونساء، فعرضوا عليها. وهكذا قال الضحاك: هم من بني إسرائيل أخذوا ~~رجالا # PageV09P444 # ونساء فخدوا لهم أخدودا، ثم أوقدوا فيه النيران، فأقاموا المؤمنين عليها. ~~فقالوا: # تكفرون أو نقذفكم في النار. # وقال مجاهد: كان الأخدود شقوقا بنجران. كانوا يعذبون فيها الناس- وتفصيل ~~النبأ- على ما في كتاب (الكنز الثمين) - إن دعوة المسيح عليه السلام الأولى ~~العرية عن شوائب الإلحاد، لما دخلت بلاد اليمن وآمن كثير من أهلها، كان في ~~مقدمة تلك البلاد بلدة نجران. وكان أقام عليها ملك الحبشة أميرا من قبله ~~نصرانيا مثله. وكان بها راهب كبير له الكلمة النافذة والأمر المطاع. ثم إن ~~اليهود الذين كانوا في تلك البلاد تآمروا على طرح نير السلطة المسيحية من ~~اليمن، والإيقاع بمن تنصر، بغضا في المسيحية وكراهة لسلطان مسيحي يملكهم. ~~فأقاموا رجلا يهوديا منهم عند موت ذلك السلطان أو قتله. فأشهر ذلك اليهودي ~~نفسه ملكا على بلاد سبأ. وجاء لمحاربة مدينة نجران، واستولى عليها بالتغلب ~~والقوة والخيانة. ولما دخلها قتل عددا عظيما من سكانها رجالا ونساء. كانت ~~عدتهم- فيما يقال- ثلاثمائة وأربعين شهيدا. وأتى بذاك الراهب محمولا يحف به ~~الجنود. وكان هرما لا يقوى على المشي. فسئل عن عقيدته فأقر بالإيمان بالله ~~تعالى وبما جاء به رسوله عيسى عليه السلام. فأمر بسفك دمه فقتل. وكذلك بقيه ~~الشهداء اعترفوا بما اعترف به دون جبن ولا تهيب، بل بشجاعة وصبر على ما ~~يشاهدونه من أفانين العذاب وأخاديد النيران. ثم ألقت امرأة بنفسها في النار ~~وتبعها طفل لها في الخامسة من عمره. وكل هؤلاء الشهداء أظهروا من السرور ~~بالتألم من أجله تعالى، والفرح بالشهادة، ما أضحوا مثالا وعبرة لكل مفتون ~~من أجل إيمانه ومدافعته عن يقينه. # سواء افتتن بماله أو نفسه أو بسلب حق له. لا جرم أن من تلا ما ورد في ~~الوعد الصادق لكل مفتون في الدين، استبشر بما أعد للمخلصين الصابرين. وتسمى ~~هذه القصة عند النصارى شهادة الحبر أراثا ورفقته. ويؤرخونها بعام (524) من ~~التاريخ المسيحي ms4652 وقد علمت أن في كلام مجاهد ومن قبله إشارة إليها. والله ~~أعلم. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البروج (85) : آية # 10] # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي بلوهم بالأذى ليرجعوا عن إيمانهم. # قال أبو السعود: والمراد بهم. إما أصحاب الأخدود خاصة، وبالمفتونين ~~المطروحون في الأخدود، وإما الذين بلوهم في ذلك بالأذية والتعذيب على ~~الإطلاق وهم داخلون # PageV09P445 # في جملتهم دخولا أوليا ثم لم يتوبوا أي عن كفرهم وفتنتهم فلهم عذاب جهنم ~~ولهم عذاب الحريق أي عذابان منوعان على الكفر وعلى الفتنة. أوهما واحد. أو ~~من عطف الخاص على العام للمبالغة فيه. لأن عذاب جهنم بالزمهرير والإحراق ~~وغيرهما. # والأظهر أنهما واحد. وإنه من عطف التفسير والتوضيح. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البروج (85) : آية 11] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ~~الفوز الكبير (11) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي من هؤلاء المفتونين وغيرهم لهم أي في ~~نشأتهم الأخرى جنات تجري من تحتها الأنهار، ذلك الفوز الكبير أي التام الذي ~~لا فوز مثله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البروج (85) : الآيات 12 الى # 16] # إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) ذو ~~العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) # إن بطش ربك لشديد قال أبو السعود: استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إيذانا بأن لكفار قومه نصيبا موفورا من مضمونه، كما ينبئ عنه التعرض ~~لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام. و (البطش) ~~الأخذ بعنف. وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم. وهو بطشه بالجبابرة ~~والظلمة، وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام. كقوله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [هود: 102] . # إنه هو يبدئ ويعيد أي يبدئ الخلق ثم يعيده. قال الإمام: وهو في كل يوم ~~يبدئ خلقا من نبات وحيوان وغيرهما. ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى. ثم ~~هو يعيد الناس في ms4653 اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه وهو الغفور أي لمن يرجع ~~إليه بالتوبة الودود أي المحب لمن أطاعه وأخلص له ذو العرش أي الملك ~~والسلطان أو السماء المجيد أي العظيم في ذاته وصفاته. وقرئ بالجر صفة ~~للعرش. ومجده: علوه وعظمته فعال لما يريد أي لا يريد شيئا إلا فعله. فلا ~~يحول بينه وبين مراده شيء. فمتى أراد إهلاك الجاحدين ونصر المخلصين، فعل، ~~لأن له ملك السماوات والأرض. ولذا تأثره بقوله سبحانه: # PageV09P446 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البروج (85) : الآيات 17 الى 22] # هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) ~~والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) # في لوح محفوظ (22) # هل أتاك حديث الجنود أي الذين تجندوا على الرسل بأذاهم. # قال ابن جرير: أي قد أتاك ذلك، وعلمته، فاصبر لأذى قومك إياك، لما نالوك ~~به من مكروه، كما صبر الذين تجند هؤلاء الجنود عليهم من رسلي. ولا يثنينك ~~عن تبليغهم رسالتي. كما لم يثن الذين أرسلوا إلى هؤلاء. فإن عاقبة من لم ~~يصدقك ويؤمن بك منهم، إلى عطب وهلاك كالذي كان من هؤلاء الجنود، فالجملة- ~~كما قال أبو السعود- استئناف مقرر لشدة بطشه تعالى بالظلمة العصاة، والكفرة ~~العتاة وكونه (فعالا لما يريد) متضمن لتسليته صلى الله عليه وسلم بالإشعار ~~بأنه سيصيب قومه ما أصاب الجنود. # وقوله تعالى: فرعون وثمود بدل من (الجنود) لأن المراد بفرعون هو وقومه، ~~واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه. والمراد بحديثهم ما صدر عنهم من التمادي ~~في الكفر والضلال وما حل بهم من العذاب والنكال. # بل الذين كفروا في تكذيب أي للحق والوحي، مع وضوح آياته وظهور بيناته، ~~عنادا وبغيا. والإضراب انتقالي للأشد، كأنه قيل ليس حال فرعون وثمود بأعجب ~~من حال قومك. فإنهم مع علمهم بما حل بهم، لم ينزجروا، وفي جعلهم في تكذيب ~~إشارة إلى تمكنه من أنفسهم، وأنه لشدته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه أو ~~البحر بالغريق فيه، مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه وتهويله. # والله من ورائهم محيط أي محص ms4654 عليهم أعمالهم. لا يخفى عليه منها شيء وهو ~~مجازيهم على جميعها. فاللفظ كناية عما ذكر. أو المراد وصف اقتداره عليهم. ~~وأنهم في قبضته وحوزته، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه فلا ~~يجد مهربا. ففيه استعارة تمثيلية. # قال الشهاب: وفيه تعريض توبيخي لهم بأنهم نبذوا الله وراء ظهورهم، ~~وأقبلوا على الهوى والشهوات بوجوه انهماكهم، وقوله تعالى: بل هو قرآن مجيد ~~أي سام شريف لا يماثل في أسلوبه وهدايته في لوح محفوظ قرئ بالرفع صفة ~~(لقرآن) والجر صفة للوح. قال ابن جرير: والمعنى على الأولى محفوظ من ~~التغيير والتبديل في لوح. وعلى الثانية محفوظ من الزيادة فيه والنقصان منه، ~~عما أثبته الله فيه. وبل إضراب عن شدة تكذيبهم وعدم كفهم عنه، إلى وصف ~~القرآن بما ذكر، للإشارة إلى أنه لا ريب فيه ولا يضره تكذيب هؤلاء. فإنه ~~تعالى تولى حفظه وظهوره أبد الآبدين. # PageV09P447 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الطارق # وهي مكية وآيها سبع عشرة. # روى الإمام أحمد «1» : عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي حبل العدواني عن ~~أبيه أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس ~~أو عصا، حين أتاهم يبتغي عندهم النصر. فسمعته يقرأ والسماء والطارق حتى ~~ختمها: قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك. ثم قرأتها في الإسلام. قال ~~فدعتني ثقيف فقالوا: # ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم. فقال من معهم من قريش: نحن أعلم ~~بصاحبنا. لو كنا نعلم ما يقول حقا لا تبعناه. # وروى النسائي «2» عن جابر. قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة أو النساء، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ ~~بالسماء والطارق والشمس وضحاها ونحو هذا؟ PageV09P448 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) # والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب أي المضيء كأنه يثقب ~~ظلمة الليل ms4655 وينفذ فيه، فيبصر بنوره ويهتدي به. وسمي طارقا لأنه يطرق ليلا ~~أي يبدو فيه. # قال الشهاب: الطارق من (الطرق) وأصل معناه الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت. ~~ومنه المطرقة والطريق، لأن السابلة تطرقها. ثم صار في عرف اللغة اسما لسالك ~~الطريق، لتصور أنه يطرقها بقدمه. واشتهر فيه حتى صار حقيقة. وتسمية الآتي ~~ليلا (طارقا) لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها. # والتعريف في النجم للجنس. وأصل معنى (الثقب) الخرق. فالثاقب الخارق. ثم ~~صار بمعنى المضيء، لتصور أنه ثقب الظلام أو الفلك. وفي إبهامه ثم تفسيره، ~~تفخيم لشأنه وتنبيه على الاعتبار والاستدلال به. # إن كل نفس لما عليها حافظ أي مهيمن عليها رقيب. وهو الله تعالى، كما في ~~آية: وكان الله على كل شيء رقيبا [الأحزاب: 52] ، فيحصي عليها ما تكسب من ~~خير أو شر، وقد قرئ (لما) بالتخفيف ف (إن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير ~~الشأن وكل نفس مبتدأ وعليها حافظ خبره. و (ما) صلة واللام هي الفارقة. وقرئ ~~(لما) بالتشديد على أنها بمعنى (إلا) الاستثنائية و (إن) نافية والخبر ~~محذوف. أي ما كل نفس كائنة في حال من الأحوال، إلا في حال أن يكون عليها ~~حافظ ورقيب و (كل) على هذا مؤكدة لأن نفس حينئذ نكرة في سياق النفي، فتعم. # قال ابن جرير: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك، التخفيف. لأن ذلك هو ~~الكلام المعروف من كلام العرب، وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة ~~بكلام # PageV09P449 # العرب. غير أن الفراء كان يرى أنها لغة في هذيل. يجعلون (إلا) مع (إن) ~~المخففة لما. فإن كان صحيحا ما ذكر الفراء فالقراءة بها جائزة صحيحة. وإن ~~كان الاختيار مع ذلك قراءة التخفيف. لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب. ولا ~~ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر. انتهى. # وقد صحح غير واحد ثبوتها. وبها قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة. واستشهد ابن ~~هشام لها في (المغني) فراجعه. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطارق (86) : الآيات 5 الى # 10] # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ms4656 ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) # فما له من قوة ولا ناصر (10) # فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق جواب لمقدر. والفاء فصيحة أي: # إن ارتاب مرتاب في كل نفس من الأنفس عليها رقيب، فلينظر إلخ. # قال الإمام: قوله: فلينظر الإنسان بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم ~~عليها، زيادة في التأكيد. ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا ~~تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها. ثم ~~إن هذا السائل ينشأ خلقا كاملا كالإنسان، مملوءا بالحياة والعقل والإدراك، ~~قادرا على القيام بخلافته في الأرض. فهذا التصوير والتقدير وإنشاء الأعضاء ~~والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكن من تأدية عمله في ~~البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا لا يمكن أن يكون بدون حافظ يراقب ~~ذلك كله ويدبره، وهو الله جل شأنه. ويجوز أن يكون قوله: فلينظر الإنسان مم ~~خلق من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى. كأنه يقول: فإذا عرفت أن ~~كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان أن لا يهمل نفسه، وأن يتفكر في ~~خلقه. وكيف كان ابتداء نشئه ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة، قادر على ~~أن يعيده. فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق. ويعدل بها عن سبل الشر. فإن ~~عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال. انتهى. # ودافق من الدفق. وهو صب فيه دفع. وقد قيل إنه بمعنى مدفوق، وإن اسم ~~الفاعل بمعنى المفعول. كما أن المفعول يكون بمعنى الفاعل ك حجابا مستورا ~~[الإسراء: 45] . # PageV09P450 # والصحيح أنه بمعنى النسبة ك (لابن وتامر) أي ذي دفق، وهو صادق على الفاعل ~~والمفعول. أو هو مجاز في الإسناد. فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة. أو هو ~~استعارة مكنية أو مصرحة بجعله دافقا. لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه ~~بعضا أي يدفعه. أو دافق بمعنى منصب من غير تأويل، كما نقل عن الليث. أقوال. # وقوله تعالى: يخرج من ms4657 بين الصلب والترائب أي من بين صلب الرجل ونحر ~~المرأة. # قال الإمام: الصلب هو كل عظم من الظهر فيه فقار. ويعبر عنه في كلام ~~العامة بسلسلة الظهر. وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقا لاسم الجزء على ~~الكل و (الترائب) موضع القلادة من الصدر، وكنى بالصلب عن الرجل وبالترائب ~~عن المرأة. أي أن ذلك الماء الدافق، إنما يكون مادة لخلق الإنسان، إذا خرج ~~من بين الرجل والمرأة ووقع في المحل الذي جرت عادة الله أن يخلقه فيه، وهو ~~رحم المرأة. # فقوله (يخرج) إلخ وصف لا بد من ذكره لبيان أن الإنسان إنما خلق من الماء ~~الدافق المستوفي شرائط صحة الخلق منه. # وقال بعض علماء الطب: الترائب جمع تريبة وهي عظام الصدر في الذكر ~~والأنثى. ويغلب استعمالها في موضع القلادة من الأنثى، ومنها قول امرئ ~~القيس: # ترائبها مصقولة كالسجنجل # قال: ومعنى الآية أن المني باعتبار أصله وهو الدم، يخرج من شيء ممتد بين ~~الصلب- أي فقرات الظهر في الرجل- والترائب أي عظام صدره. وذلك الشيء الممتد ~~بينهما هو الأبهر (الأورطي) وهو أكبر شريان في الجسم يخرج من القلب خلف ~~الترائب ويمتد إلى آخر الصلب تقريبا. ومنه تخرج عدة شرايين عظيمة. ومنها ~~شريانان طويلان يخرجان منه بعد شرياني الكليتين، وينزلان إلى أسفل البطن ~~حتى يصلا إلى الخصيتين، فيغذيانهما. ومن دمهما يتكون المني في الخصيتين ~~يسميان شرياني الخصيتين، أو الشريانين المنويين فلذا قال تعالى عن المني ~~يخرج من بين الصلب والترائب لأنه يخرج من مكان بينهما وهو الأورطي أو ~~الأبهر. وهذه الآية على هذا التفسير، تعتبر من معجزات القرآن العلمية وهذا ~~القول أوجه وأدق من التفسير الأول. انتهى. # وقوله تعالى: إنه أي الحافظ سبحانه، المتقدم في قوله: لما عليها حافظ أو ~~الخالق المفهوم من خلق على رجعه لقادر أي رجع الإنسان وإعادته في # PageV09P451 # النشأة الثانية، لقادر. كما قدر على إبدائه في النشأة الأولى يوم تبلى ~~السرائر أي تظهر وتعرف خفيات الضمائر. # قال الزمخشري: السرائر ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما ~~أخفى من الأعمال. ms4658 وبلاؤها تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما ~~خبث فما له من قوة ولا ناصر أي من قوة يمتنع بها من عذاب الله وأليم نكاله. ~~ولا ناصر ينصره فيستنقذه ممن ناله بمكروه. يعني أنه فقد ما كان يعهده في ~~الدنيا إذ يرجع إلى قوة بنفسه أو بعشيرته، يمتنع منهم ممن أراده بسوء. ~~وناصر حليف ينصره على من ظلمه واضطهده. ولم يبق له إلا انتظار الجزاء على ~~ما قدم. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الطارق (86) : الآيات 11 الى 17] # والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو ~~بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) # وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # والسماء ذات الرجع أي المطر. يسمى رجعا لأنه تعالى يرجعه وقتا فوقتا إلى ~~العباد، ولولاه لهلكوا وهلكت مواشيهم والأرض ذات الصدع أي النبات، لأنه ~~يصدع الأرض أي يشقها. أي الانشقاق بالنبات. فهو علم أو مصدر إنه أي القرآن ~~الكريم لقول فصل أي حق فرق بين الحق والباطل وما هو بالهزل أي بالكلام الذي ~~ليس له أصل في الفطرة ولا معنى في القلب، بل هو جد الجد إنهم أي المكذبين ~~به، الجاحدين لحقه يكيدون كيدا أي يمكرون مكرا لإبطال أمر الله وإطفاء نوره ~~وأكيد كيدا قال ابن جرير: أي وأمكر مكرا. ومكره جل ثناؤه بهم إملاؤه إياهم ~~على معصيتهم وكفرهم به. يعني أن الكيد هنا استعارة تبعية أو تمثيلية. ~~بتشبيه إمهال الله لهم ليستدرجهم، بالكيد وبهذا يظهر تفريع أمره بإمهالهم ~~في قوله: فمهل الكافرين أي لا تستعجل عقابهم. وقوله: أمهلهم بمعنى (مهلهم) ~~فهو بدل منه للتأكيد. أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد. وقوله: # رويدا أي قليلا. # قال الإمام: وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في ~~الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت. ثم فيه الوعد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بل لكل داع إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن ~~المناوئين له هم الخاسرون. # PageV09P452 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الأعلى # مكية وآيها ms4659 تسع عشرة: قال ابن كثير: والدليل على أنها مكية ما رواه ~~البخاري «1» عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاء ~~عمار وبلال وسعد. # ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم. فما ~~رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به. حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون ~~هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء. فما جاء حتى قرأت سبح اسم ربك ~~الأعلى، في سور مثلها. # وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه ~~السورة سبح اسم ربك الأعلى تفرد به الإمام أحمد «2» # وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: هلا صليت ~~بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. # وعن النعمان بن بشير «3» # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ~~ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما. ~~رواه مسلم وأهل السنن. # وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك ~~الأعلى، وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد والمعوذتين. PageV09P453 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # فجعله غثاء أحوى (5) # سبح اسم ربك الأعلى أي نزه ربك عما يصفه به المشركون من الولد والشريك ~~ونحوهما، كقوله: سبحان ربك رب العزة عما يصفون [الصافات: # 180] ، فالاسم صلة. وسر إيراده أن المنوه به إذا كان في غاية العظمة، ~~كثيرا ما تضاف ألفاظ التفخيم إلى اسمه، فيقال: سبح اسمه ومجد ذكره. كما ~~يقال سلام على المجلس العالي. هذا ما ذكروه. وثمة وجه آخر وهو أن الحق ~~تعالى إنما يعرف بأسمائه الحسنى، لاستحالة اكتناه ذاته العلية، فأقحم ~~تنبيها على ms4660 ذلك. ومما يؤيده ما ذكر من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرءوا ذلك قالوا: # سبحان ربي الأعلى، كما رواه ابن جرير وغيره. # وذهب بعضهم إلى أن المراد تنزيه اسم الله وتقديسه أن يسمى به شيء سواه، ~~كما كان يفعل المشركون من تسميتهم آلهتهم، بعضها اللات وبعضها العزى، حكاه ~~ابن جرير فالإسناد على ظاهره، وهذا ما اعتمده الإمام ابن حزم في (الفصل) ~~حيث رد على من استدل بهذه الآية في أن الاسم عين المسمى، ذهابا إلى أن من ~~الممتنع أن يأمر الله عز وجل بأن يسبح غيره. فقال ابن حزم رحمه الله: # وأما قوله تعالى: سبح اسم ربك الأعلى فهو على ظاهره دون تأويل لأن ~~التسبيح في اللغة التي بها نزل القرآن وبها خاطبنا الله عز وجل، هو تنزيه ~~الشيء عن السوء. وبلا شك أن الله تعالى أمرنا أن ننزه اسمه، الذي هو كلمة ~~مجموعة من حروف الهجاء، عن كل سوء حيث كان من كتاب أو منطوقا به، ووجه آخر ~~وهو أن معنى قوله تعالى: سبح اسم ربك الأعلى ومعنى قوله تعالى: إن هذا لهو ~~حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم [الواقعة: 95- 96] ، معنى واحد. وهو أن ~~يسبح # PageV09P454 # الله تعالى باسمه. ولا سبيل إلى تسبيحه تعالى ولا إلى دعائه ولا إلى ذكره ~~إلا بتوسط اسمه. فكلا الوجهين صحيح. وتسبيح الله تعالى وتسبيح اسمه كل ذلك ~~واجب بالنص. ولا فرق بين قوله تعالى: فسبح باسم ربك العظيم وبين قوله: وسبح ~~بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم [الطور: 48- 49] . # والحمد بلا شك هو غير الله. وهو تعالى يسبح بحمده كما يسبح باسمه، ولا ~~فرق. فبطل تعلقهم بهذه الآية. انتهى كلامه. # وقد يقال فرق بين الآيتين. فإن الباء في بحمد ربك للملابسة، ولا كذلك هي ~~في باسم ربك ومع اتساع اللفظ الكريم للأوجه كلها، فالأظهر هو الأول لما ~~أيده من الأخبار، ولآية فسبحه وآية سبحان ربك والله أعلم. # والأعلى هو الأرفع من كل شيء، قدرة ms4661 وملكا وسلطانا. واستدل السلف بظاهره ~~في إثبات العلو بلا تكييف. والمسألة معروفة. # الذي خلق فسوى قال الزمخشري: أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به ~~متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، ~~وإنه صنعة حكيم والذي قدر فهدى أي قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه ~~وعرفه وجه الانتفاع به والذي أخرج المرعى أي أخرج من الأرض مرعى الأنعام من ~~صنوف النبات فجعله أي بعد خضرته ونضرته غثاء أي جافا يابسا تطير به الريح ~~أحوى أي أسود، صفة مؤكدة (لغثاء) لأن النبات إذا يبس تغير إلى (الحوة) وهي ~~السواد. # قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي ~~معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى أي أخضر إلى ~~السواد فجعله غثاء بعد ذلك. وهذا القول وإن كان غير مدفوع، أن يكون ما ~~اشتدت خضرته من النبات، قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي بخلاف تأويل ~~أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير إذا ~~لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه أو تأخيره. فأما وله في موضعه ~~وجه صحيح، فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير. انتهى. والقول ~~المذكور هو للفراء وأبي عبيدة. # PageV09P455 ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعلى (87) : الآيات 6 الى # 13] # سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ونيسرك ~~لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) # ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى (13) # سنقرئك فلا تنسى أي سنجعلك قارئا، بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه ~~والمعنى نجعلك قارئا للقرآن فلا تنساه. # قال الزمخشري: بشره الله بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما ~~يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. ### | تنبيهات: # الأول: قال الرازي: هذه آية تدل على المعجزة من وجهين: # أحدهما- إنه كان رجلا أميا فحفظه لهذا ms4662 الكتاب المطول عن غير دراسة ولا ~~تكرار ولا كتبة، خارق للعادة، فيكون معجزا. # وثانيهما- إن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة. فهذا إخبار عن أمر عجيب ~~غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع، فكان هذا إخبارا عن الغيب، ~~فيكون معجزا. # الثاني: - قيل (لا تنسى) نهي والألف للإطلاق في الفاصلة وهو جائز مثل ~~السبيلا [الأحزاب: 67] ، والمعنى لا تغفل قراءته وتكريره فتنساه. فالنهي ~~عنه مجاز عن ترك أسبابه الاختيارية. # قال الرازي: والقول المشهور إن هذا خبر. والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحث ~~لا تنسى وتأمن النسيان. كقولك: (سأكسوك فلا تعرى) أي فتأمن العري، قال: ~~واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند ~~التزام مجازات في هذه الآية. منها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالى ~~فلا يصح ورود الأمر والنهي به. فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على ~~الأشياء التي تنافي النسيان. مثل الدراسة وكثرة التذكر. وكل ذلك عدول عن ~~ظاهر اللفظ. # ومنها أن نجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضا خلاف الأصل. # ومنها أنا إذا جعلناه خبرا كان معنى الآية بشارة الله إياه بأني أجعلك ~~بحيث لا # PageV09P456 # تنساه. وإذا جعلناه نهيا كان معناه أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب ~~المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة. وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله ~~مثل الأول. ولأنه على خلاف قوله: لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16] انتهى. # الثالث: قال البرهان الشافعي في كتاب (تفضيل السلف على الخلف) . # إن بعضهم ذكر أن هذه الآية ناسخة لآية: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه وتحقيق معنى النسخ هنا في غاية الإشكال، لأن قوله: ولا تعجل نهي ~~عن العجلة، وقوله: سنقرئك فلا تنسى ليس بأمر بها ليكون ناسخا للنهي عنها. ~~بل هو خبر عن بقاء الحفظ بعد إقرائه. # وفحواه مؤكد لمعنى الخطاب الآخر. لأن تأويله إنا نحفظك تحفيظا لا تخاف ~~معه النسيان. فلا حاجة لك إلى أن تعجل بالقرآن وتحرك به لسانك. ولكنهم سموه ms4663 ~~نسخا، لغة لا حقيقة. على معنى تبدل الحال عنه. فإنه ظهر له الأمن عن ~~النسيان بعد خوفه أن ينساه لما كان يحرك به لسانه. انتهى. # وقوله تعالى: إلا ما شاء الله استثناء مفرغ من أعم المفاعيل. أي لا تنسى ~~مما تقرؤه شيئا من الأشياء، إلا ما شاء الله أن تنساه، مما تقتضيه الجبلة ~~البشرية أحيانا. # قال الزجاج: إلا ما شاء الله أن ينسى فإنه ينسى. ثم يتذكر بعد ذلك ولا ~~ينسى نسيانا كليا دائما. وذلك لأن ما بالجبلة لا يتغير. وإلا لكان الإنسان ~~عالما آخر. # وقد روى البخاري «1» عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله ~~فلانا. لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أسقطتهن. ويروى أنسيتهن. # وقال صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت ~~فذكروني. رواه الشيخان «2» عن ابن مسعود. # وقيل: الاستثناء مجازي بمعنى القلة المراد بها النفي، وذلك أن المخرج في ~~الاستثناء أقل من الباقي. ولأن (ما شاء الله) في العرف يستعمل للمجهول. ~~فكأنه PageV09P457 # قيل: إلا أمرا نادرا لا يعلم. فإذا دل مثله على القلة عرفا، والقلة قد ~~يراد بها النفي في نحو (قل من يقول كذا مجازا) أريد بالاستثناء هنا ذلك. ~~وهذا ما أشار إليه الزمخشري بقوله: (أو قال إلا ما شاء الله) والغرض نفي ~~النسيان رأسا، كما يقول الرجل لصاحبه (أنت سهمي فيما أملك إلا فيما شاء ~~الله) ولا يقصد استثناء شيء. # وهو من استعمال القلة في معنى النفي. # وقال الفراء- فيما نقله الرازي-: إنه تعالى ما شاء أن ينسي محمدا صلى ~~الله عليه وسلم شيئا، إلا المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو ~~أراد أن يصيرا ناسيا لقدر عليه، كما قال: ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك [الإسراء: 86] ، ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك. وبالجملة ففائدة ~~هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم النسيان من ~~فضل الله وإحسانه، لا من قوته. انتهى. # إنه يعلم الجهر وما يخفى أي ما ms4664 يجهر به عباده وما يخفونه من الأقوال ~~والأفعال. وهو تعليل لقوله: سنقرئك مبين لحكمته، وهو سبق علمه تعالى بحاجة ~~البشر إلى إقرائه الوحي وإخراجهم به من الظلمات إلى النور. # ثم أشار إلى أن هذا المقرأ الموحى به للعمل. ليس فيه حرج وعسر، بقوله ~~تعالى: ونيسرك لليسرى أي نوفقك للطريقة اليسرى، أي الشريعة السمحة السهلة، ~~التي هي أيسر الشرائع وأوفقها بحاجة البشر مدى الدهر فذكر أي عباد الله ~~عظمته، وعظهم وحذرهم عقوبته إن نفعت الذكرى أي الموعظة و (إن) إما بمعنى ~~(إذ) كقوله تعالى: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] ، أو ~~بمعنى (قد) على ما قاله ابن خالويه. ويؤيده قوله تعالى: وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين [الذاريات: 55] ، وقيل: (إن) شرطية. والمعنى ذم المذكرين ~~واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، تسجيلا بالطبع على قلوبهم كما تقول للواعظ: ~~(عظ المكاسين إن سمعوا منك) قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنه لن يكون ~~سيذكر أي يقبل التذكرة وينتفع بها من يخشى أي يخاف العقاب على الجحود ~~والعناد، بعد ظهور الدليل ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى أي ~~العظمى ألما وعذابا ثم لا يموت فيها ولا يحيى أي لا يهلك فيستريح، ولا يحيى ~~حياة تنفعه. قيل: إن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة قالوا: # (لا هو حي ولا ميت) فجاء على مألوفهم في كلامهم. و (ثم) هنا للتفاوت ~~الرتبي، إشارة إلى أن خلوده أفظع من دخوله النار، وصليه. # PageV09P458 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعلى (87) : الآيات 14 الى 19] # قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~(16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) # صحف إبراهيم وموسى (19) # قد أفلح من تزكى أي فاز وظفر من تطهر من دنس الشرك والمعاصي، وعمل بما ~~أمره الله به وذكر اسم ربه فصلى أي تذكر جلال ربه وعظمته، فخشع وأشفق وقام ~~بما له وعليه، كقوله تعالى: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~[الأنفال: 2] ، وجوز أن يحمل تزكى على إيتاء الزكاة و (صلى) ms4665 على إقامة ~~الصلاة، كآية: وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] ، لما عهد في كلامه تعالى من ~~الجمع بينهما في عدة آيات، لأنهما مبدأ كل خير وعنوان السعادة. لكن قيل ~~عليه، بأن المعهود في التنزيل الكريم تقديم الصلاة. وأجيب بأنه لا ضير في ~~مخالفة العادة، مع أن الجاري تقديمها إذا ذكرت باسمها. أما إذا ذكرت بفعل ~~مأخوذ منها، فلا كقوله: فلا صدق ولا صلى [القيامة: 31] . والأول أظهر، لأنه ~~أشمل وأعم. وهو أكثر فائدة. # بل تؤثرون الحياة الدنيا قال أبو السعود: إضراب عن مقدر ينساق إليه ~~الكلام. كأنه قيل، إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: لا تفعلون ذلك بل تؤثرون ~~اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها. والخطاب إما للكفرة، فالمراد ~~بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا والاطمئنان بها، والإعراض عن الآخرة ~~بالكلية، كما في قوله تعالى: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها [يونس: 7] الآية، أو للكل، فالمراد بإيثارها ما هو أهم ~~مما ذكر، وما لا يخلو عنه الإنسان غالبا من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة. ~~في السعي وترتيب المبادئ. والالتفات على الأول لشديد التوبيخ. وعلى الثاني ~~كذلك في حق الكفرة، وتشديد العتاب في حق المسلمين. # وقرئ (يؤثرون) بالياء والآخرة خير وأبقى أي أفضل، لخلوصها عما يكدر. ~~وأدوم لعدم انصرام نعيمها. والجملة حال من فاعل تؤثرون مؤكدة للتوبيخ ~~والعتاب إن هذا أي ما ذكر في قوله: قد أفلح من تزكى أو ما في السورة كلها ~~لفي الصحف الأولى أي ثابت فيها معناه صحف إبراهيم وموسى بدل من (الصحف ~~الأولى) وفي إبهامها ووصفها بالقدم، ثم بيانها وتفسيرها، من تفخيم شأنها، ~~ما لا يخفى. # PageV09P459 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الغاشية # مكية. وآيها ست وعشرون. وقد تقدم # حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ (سبح اسم ~~ربك الأعلى والغاشية) في صلاة العيد ويوم الجمعة. # وروى الإمام مالك «1» # أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ms4666 هل أتاك حديث الغاشية (رواه مسلم ~~«2» وأبو داود وغيرهما) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى # 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) # هل أتاك حديث الغاشية أي خبرها وقصتها، وهي القيامة. وأصل الغاشية ~~الداهية التي تغشى الناس بشدائدها. والاستفهام للتعظيم والتعجب مما في ~~حيزه، مع تقريره وجوه يومئذ خاشعة أي ذليلة. وهي وجوه أهل الكفر بالحق ~~والجحود له. والمراد بالوجوه الذوات عاملة ناصبة قال القاشاني: أي تعمل ~~دائبا أعمالا صعبة تتعب فيها، كالهوي في دركات النار، والارتقاء في ~~عقباتها، وحمل مشاق الصور والهيئات المتعبة المثقلة من آثار أعمالها. أو ~~عاملة من استعمال الزبانية إياها في أعمال شاقة فادحة من جنس أعمالها التي ~~ضربت بها في الدنيا، وأتعابها فيها من غير منفعة لهم منها إلا التعب ~~والعذاب. وجوز أن يكون عاملة ناصبة إشارة إلى عملهم في الدنيا. أي عملت ~~ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة. فيكون PageV09P460 # بمنزلة حابطة أعمالها. أو جعلت أعمالها هباء منثورا كما يدل عليه آيات ~~أخر، ويؤيده مقابلة هذه الآية، لقوله في أهل الجنة لسعيها راضية وذلك السعي ~~هو الذي كان في الدنيا. والله أعلم تصلى نارا حامية أي تدخل نارا متناهية ~~في الحرارة. قال القاشاني: أي مؤذية مؤلمة بحسب ما تزاولها في الدنيا من ~~الأعمال تسقى من عين آنية أي بلغت غايتها في شدة الحر ليس لهم طعام إلا من ~~ضريع وهو من جنس الشوك، ترعاه الإبل ما دام رطبا. فإذا يبس تحامته، وهو سم ~~قاتل. قال ابن جرير: الضريع عند العرب نبت يقال له الشبرق، وتسميه أهل ~~الحجاز الضريع، إذا يبس. ولا منافاة بين هذه الآية وآية: ولا طعام إلا من ~~غسلين [الحاقة: 36] . # لأن العذاب ألوان، والمعذبون طبقات. فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة ~~الغسلين، ومنهم أكلة الضريع وقيل الضريع ms4667 مجاز أو كناية، أريد به طعام مكروه ~~حتى للإبل التي تلتذ برعي الشوك، فلا ينافي كونه زقوما أو غسلينا لا يسمن ~~أي لا يخصب البدن ولا يغني من جوع أي لا يسكن داعية النفس ولا نهمها من ~~أجله وجوه يومئذ ناعمة أي ذات حسن، على أنه من النعومة، كناية عن حسن ~~المنظر. أو ناعمة بمعنى متنعمة، على أنه من النعيم لسعيها راضية أي لعملها ~~الذي عملته في الدنيا، وجدها في طريق البر واكتساب الفضائل، شاكرة لا تندم ~~ولا تتحسر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الغاشية (88) : الآيات 10 الى 16] # في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر ~~مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) # ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) # في جنة عالية أي مرتفعة المحل. أو رفيعة القدر، من علو المكانة. # لا تسمع فيها لاغية أي لغوا، أو كلمة ذات لغو، أو نفسا تلغو. لأن كلامهم ~~الحكمة والعلوم والتسبيح والحميد فيها عين جارية أي لا انقطاع لها فيها سرر ~~مرفوعة أي مرتفعة ليروا، إذا جلسوا عليها. جميع ما خولوه من النعيم والملك ~~وأكواب جمع كوب، وهو إناء لا أذن له موضوعة أي بين أيديهم لا يعوزهم تفقدها ~~ونمارق أي وسائد مصفوفة أي فوق الأسرة أو في جوانب المساكن للاستناد إليها ~~وزرابي أي بسط مبثوثة أي مفروشة. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الغاشية (88) : الآيات 17 الى 20] # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) # PageV09P461 # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت قال أبو السعود: استئناف مسوق لتقرير ما ~~فصل من حديث الغاشية، وما هو مبني عليه من البعث الذي هم فيه مختلفون، ~~بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون إنكاره. والهمزة للإنكار والتوبيخ. والفاء ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام وكلمة (كيف) منصوبة بما بعدها، معلقة لفعل ~~النظر. # والجملة في حيز الجر على أنها بدل اشتمال من (الإبل) أي أينكرون ما ذكر ~~من البعث وأحكامه، ويستبعدون وقوعه من قدرة الله عز وجل، فلا ms4668 ينظرون إلى ~~الإبل التي هي نصب أعينهم يستعملونها كل حين، إلى أنها كيف خلقت خلقا بديعا ~~معدولا به عن سنن خلقة سائر أنواع الحيوانات، في عظم جثتها وشدة قوتها ~~وعجيب هيئتها اللائقة به تأتي ما يصدر عنها من الأفاعيل الشاقة، كالنوء ~~بالأوقار الثقيلة وجر الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة. وفي صبرها على ~~الجوع والعطش، حتى أن أظماءها لتبلغ العشر فصاعدا. واكتفائها باليسير، ~~ورعيها لكل ما يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك، مما لا يكاد يرعاه سائر ~~البهائم. وفي انقيادها مع ذلك الإنسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض، ~~حيث يستعملها في ذلك كيفما يشاء، ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير وإلى ~~السماء التي يشاهدونها كل لحظة بالليل والنهار كيف رفعت أي رفعت كواكبها ~~رفعا سحيق المدى، وأمسك كل منها في مداره إمساكا لا يختل سيره ولا يفسده ~~نظامه وإلى الجبال أي التي ينزلون في أقطارها كيف نصبت أي أقيمت منتصبة لا ~~تبرح مكانها، حفظ للأرض من الميدان وإلى الأرض أي التي يضربون فيها ~~ويتقلبون عليها كيف سطحت أي بسطت ومهدت، حسبما يقتضيه صلاح أموره ما عليها ~~من الخلائق. # قال الزمخشري: والمعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة ~~الخالق. حتى لا ينكروا اقتداره على البعث، فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. ### | لطيفة: # ذكر السكاكي في (المفتاح) في بحث الجامع الخيالي أن جمعه على مجرى الإلف ~~والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في استيداع الصور خزانة الخيال. وأنه إذا لم ~~يوفه حقه من التيقظ وأنه من أهل المدر، أنى يستحلى كلام رب العزة مع أهل ~~الوبر، حيث يبصرهم الدلائل ناسقا ذلك النسق أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~الآيات، لبعد البعير عن خياله في مقام النظر، ثم لبعده في خياله عن السماء، ~~وبعد # PageV09P462 # خلقه عن رفعها. وكذا البواقي. لكن إذا وفاه حقه بتيقظه لما عليه تقلبهم ~~في حاجاتهم، جاء الاستحلاء. وذلك إذا نظر أن أهل الوبر، إذا كان مطعمهم ~~ومشربهم وملبسهم من المواشي، كانت عنايتهم مصروفة لا محالة ms4669 إلى أكثرها ~~نفعا، وهي الإبل. ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصل إلا بأن ترعى وتشرب، ~~كان جل مرمى غرضهم نزول المطر، وأهم مسارح النظر عندهم السماء، ثم إذا ~~كانوا مضطرين إلى مأوى يؤويهم وإلى حصن يتحصنون فيه ولا مأوى ولا حصن إلا ~~الجبال. # لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل # فما ظنك بالتفات خاطرهم إليها؟ ثم إذا تعذر طول مكثهم في منزل- ومن ~~لأصحاب مواش بذاك- كان عقد الهمة عندهم بالتنقل من أرض إلى سواها من عزم ~~الأمور. فعند نظره هذا، أيرى البدوي إذا أخذ يفتش عما في خزانة الصور له، ~~لا يجد صورة الإبل حاضرة هناك أو لا يجد صورة السماء لها مقارنة، أو تعوزه ~~صورة الجبال بعدهما، أو لا تنص إليه صورة الأرض تليها بعدهن؟ لا. وإنما ~~الحضري، حيث لم تتآخذ عنده تلك الأمور، وما جمع خياله تلك الصور على ذلك ~~الوجه وإذا تلا الآية قبل أن يقف على ما ذكرت، ظن النسق بجهله معيبا للعيب ~~فيه. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الغاشية (88) : الآيات 21 الى 26] # فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) # ثم إن علينا حسابهم (26) # فذكر أي من أرسلت إليه بآياته تعالى، التي تسوق إلى الإيمان بخالقها ~~الفطرة إنما أنت مذكر أي مبلغ ما نسي من أمره تعالى: لست عليهم بمصيطر أي ~~بمتسلط تقهرهم على الإيمان. وقرئ بالصاد على إبدالها من السين إلا من تولى ~~وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر وهو عذاب جهنم. والاستثناء منقطع. أي لكن ~~من تولى وكفر، فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه العذاب الأكبر على جحده ~~الحق إن إلينا إيابهم أي رجوعهم ومعادهم بالموت والبعث. والجملة تعليل ~~لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر. وجمع الضمير فيه وفيما بعده، باعتبار معنى ~~(من) كما أن إفراده قبل باعتبار لفظها ثم إن علينا حسابهم أي فنجازيهم ~~بالعذاب الأكبر. فإن القهر والغلبة له تعالى وحده. # PageV09P463 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفجر # مكية. وآيها ms4670 تسع عشرة # روى النسائي «1» عن جابر قال: صلى معاذ صلاة. فجاء رجل فصلى معه، فطول. ~~فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف. فبلغ ذلك معاذا، فقال: منافق. فذكر ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل الفتى فقال: يا رسول الله! حيث أصلي ~~معه يطول علي. فانصرفت وصليت في ناحية المسجد فعلفت ناقة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أفتانا يا معاذ؟ أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى والشمس ~~وضحاها والفجر والليل إذا يغشى؟ ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) # والفجر أي الصبح كقوله تعالى: والصبح إذا تنفس [التكوير: 18] ، أقسم ~~تعالى بآياته، لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الناس ~~وسائر الحيوانات، لطلب الأرزاق. وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم. وفيه ~~عبرة لمن تأمل وليال عشر هي، على قول ابن عباس ومجاهد، عشر ذي الحجة، لأنها ~~أيام الاهتمام بنسك الحج. # وفي البخاري «2» عن ابن عباس مرفوعا: ما من أيام العمل الصالح أحب إلى ~~الله فيهن من هذه الأيام يعني عشر ذي الحجة. # وحكى ابن جرير: أنه قيل عني بها عشر المحرم. والرازي، قولا أنها العشر ~~الأواخر من رمضان، لما فيه من ليلة القدر، ولما صح «3» أنه صلوات الله عليه ~~كان إذا PageV09P464 # دخل العشر الأخير من رمضان شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله. وثمة وجه آخر ~~في العشر. وهو أنها الليالي التي يحلولك فيها الليل ويشتد ظلامه ويغشى ~~الأفق سواده. # وتلك خمس من أوائله وخمس من أواخره. وإن لفظة (عشر) بمثابة قوله في السور ~~الآتية إذا يغشى إذا سجى مما يبين وجه العبرة ويجليها أتم الجلاء، ولا بعد ~~في هذا المعنى. بل فيه توافق لبقية الآيات. وبالجملة فأوضح المخصصات ما ~~عضده دليل أو أيدته قرينة أو حاكى نظائره. والله أعلم. # والشفع والوتر يعني الخلق والخالق. فالشفع بمعنى جميع الخلق، للازدواج ~~فيه كما في قوله تعالى: ms4671 ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون [الذاريات: ~~49] ، قال مجاهد: كل خلق الله شفع. السماء والأرض. والبر والبحر. # والجن والإنس والشمس والقمر والكفر والإيمان. والسعادة والشقاوة. والهدى ~~والضلالة. والليل والنهار. # والوتر هو الله تعالى لأنه من أسمائه. وهو بمعنى الواحد الأحد. فأقسم ~~الله بذاته وخلقه. وقيل: المعنى بالشفع والوتر، جميع الموجودات من الذوات ~~والمعاني. لأنها لا تخلو من شفع ووتر. # قال القاضي: ومن فسرهما بالبروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها أو ~~بيومي النحر وعرفة، فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة ~~على التوحيد، أو مدخلا في الدين، أو مناسبة لما قبلهما. # قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم ~~بالشفع والوتر، ولم يخصص نوعا من الشفع ولا من الوتر، دون نوع، بخبر ولا ~~عقل، وكل شفع ووتر، فهو مما أقسم به. مما قال أهل التأويل أنه داخل في قسمه ~~هذا، لعموم قسمه بذلك. # وقد قرئ (الوتر) بفتح الواو وكسرها. وهما لغتان. # والليل إذا يسر أي إذا يمضي، كقوله: والليل إذ أدبر [المدثر: 33] ، ~~والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور ~~النعمة. ففي الليل الراحة التي هي من أعظم النعم، وفي النهار المكاسب ~~وغيرها. وحذف الياء للتخفيف ولتتوافق رؤوس الآي. ومن القراء من حذفها، أصلا ~~ووقفا. ومنهم من خصه بأحدهما، كما فصل في كتب الأداء. # هل في ذلك قسم لذي حجر قال ابن جرير: أي هل فيما أقسمت به من هذه الأمور ~~مقنع لذي حجر. وإنما عني بذلك: أن في هذا القسم مكتفى لمن عقل عن ربه، مما ~~هو أغلظ منه في الإقسام. # PageV09P465 # وقال الرازي: المراد من الاستفهام التأكيد. كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل ~~فيما ذكرته حجة؟ والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من ~~هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية. فهو حقيق بأن يقسم به ~~لدلالته على خالقه. أي على طريقة قوله تعالى: وإنه لقسم لو ms4672 تعلمون عظيم ~~[الواقعة: # 76] ، وإنما أوثرت هذه الطريقة هضما للخلق، وإيذانا بظهور الأمر. و ~~(الحجر) العقل. لأنه يحجر صاحبه، أي يمنعه من ارتكاب ما لا ينبغي. والمقسم ~~عليه محذوف. وهو (ليعذبن) كما ينبئ عنه قوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 6 الى # 8] # ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد (8) # ألم تر كيف فعل ربك بعاد أي ألم تعلم علما يقينيا كيف عذب ربك عادا، ~~فيعذب هؤلاء أيضا، لاشتراكهم فيما يوجبه من جحود الحق والمعاصي. و (عاد) ~~قبيلة من العرب البائدة. وتلقب بإرم أيضا. وهم الذين بعث الله فيهم رسوله ~~هودا عليه السلام. فكذبوه فأهلكهم بريح صرصر عاتية. فقوله تعالى: إرم عطف ~~بيان لعاد ذات العماد أي ذات الخيام المعمدة لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون ~~الغيوث وينتقلون إلى الكلأ حيث كان. ثم يرجعون إلى منازلهم في الأحقاف في ~~حضرموت. وقيل: كني بالعماد عن العلو والشرف والقوة، إلا أن الأشبه- كما قال ~~ابن جرير- بظاهر التنزيل هو الأول. وهو أنهم كانوا أهل عمد سيارة. لأن ~~المعروف في كلام العرب من العماد، ما عمد به الخيام من الخشب والسواري التي ~~يحمل عليها البناء. ثم قال: وتأويل القرآن إنما يوجه إلى الأغلب الأشهر من ~~معانيه، ما وجد إلى ذلك سبيل، دون الأنكر. التي لم يخلق مثلها في البلاد أي ~~في العظم والبطش والأيدي. # قال ابن كثير: كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا. ولهذا ذكرهم ~~هود بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم. فقال: # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة، فاذكروا ~~آلاء الله لعلكم تفلحون [الأعراف: 69] . وقال تعالى: فأما عاد فاستكبروا في ~~الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة [فصلت: 15] . ### | تنبيه: # قال الإمام الدراكة ابن خلدون في (مقدمة) تاريخه في سياق الأخبار الواهية ~~للمؤرخين ما مثاله: وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ms4673 ما يتناقله المفسرون في ~~تفسير # PageV09P466 # سورة (الفجر) في قوله تعالى: إرم ذات العماد فيجعلون لفظه إرم اسما ~~لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين، وينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ~~ابنان. هما شديد وشداد. ملكا من بعده. وهلك شديد فخلص الملك لشداد. ودانت ~~له ملوكهم وسمع وصف الجنة فقال لأبنين مثلها. فبنى مدينة (إرم) في صحارى ~~عدن في مدة ثلاثمائة سنة. وكان عمره تسعمائة سنة. وأنها مدينة عظيمة قصورها ~~من الذهب وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الشجر والأنهار ~~المطردة. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته. حتى إذا كان منها على ~~مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم. ذكر ذلك ~~الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين. وينقلون عن عبد الله بن ~~قلابة، من الصحابة، أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر ~~عليه. وبلغ خبره إلى معاوية فأحضره وقص عليه. فبحث عن كعب الأحبار وسأله عن ~~ذلك فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر ~~قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له. ثم التفت فأبصر ابن ~~قلابة فقال: هذا، والله، ذاك الرجل. # قال ابن خلدون: وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع ~~الأرض. وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال ~~عمرانه متعاقبا. والأدلاء تقص طرقه من كل وجه. ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ~~ولا ذكرها أحد من الأخباريين ولا من الأمم، ولو قالوا إنها درست فيما درس ~~من الآثار لكان أشبه. إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة. وبعضهم يقول إنها ~~دمشق، بناء على أن قوم عاد ملكوها. وقد انتهى الهذيان ببعضهم إلى أنها ~~غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر. مزاعم كلها أشبه بالخرافات. ~~والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد ~~أنها صفة إرم وحملوا العماد على الأساطين. فتعين أن يكون ms4674 بناء. ورشح لهم ~~ذلك قراءة ابن الزبير (عاد إرم) على الإضافة من غير تنوين. ثم وقفوا على ~~تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب ~~المنقولة في عداد المضحكات. وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام. وإن ~~أريد بها الأساطين، فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم. ~~بما اشتهر من قوتهم. لا أنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها. وإن أضيفت، ~~كما في قراءة ابن الزبير، على إضافة الفصيلة إلى القبيلة. كما تقول: قريش ~~كنانة وإلياس مضر، وربيعة نزار. وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي ~~تمحلت لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله عن مثلها ~~لبعدها عن الصحة؟ انتهى. وسبقه الحافظ ابن كثير في تفسيره حيث قال: ومن زعم # PageV09P467 # أن المراد بقوله: إرم ذات العماد مدينة إما دمشق أو إسكندرية، ففيه نظر. ~~فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا، إن جعل إرم بدلا أو عطف بيان؟ فإنه لا يتسق ~~الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، ~~وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة أو ~~إقليم. # قال: وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند ~~هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة ~~إلخ. فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا ~~بذلك عقول الجهلة من الناس إن صدقهم في جميع ذلك. وحكاية عبد الله بن قلابة ~~الأعرابي ليس يصح إسنادها. ولو صح إلى ذلك الأعرابي، فقد يكون اختلق ذلك، ~~أو أنه أصابه نوع من الهوس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، ~~وليس كذلك. وهذا مما يقطع بعدم صحته. وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة ~~والطامعين والمتخيلين، ومن وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة ~~وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير. لكن عليها موانع تمنع ~~من الوصول إليها والأخذ ms4675 منها. فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة ~~والسفهاء. فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير، ونحو ذلك من ~~الهذيانات. ويطنزون بهم. # والله سبحانه وتعالى الهادي للصواب. انتهى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 9 الى # 14] # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا ~~في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) # إن ربك لبالمرصاد (14) # وثمود وهم قوم صالح عليه السلام الذين جابوا الصخر بالواد أي قطعوا صخر ~~الجبال، واتخذوا فيها بيوتا. كما في قوله: وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين [الحجر: 82] ، والباء ظرفية. والمجرور متعلق ب (جابوا) أو هو حال من ~~الفاعل أو المفعول. وقرئ بالياء وبإسقاطها. كما في (يسر) والوادي هو وادي ~~القرى. كانت منازلهم فيه. كما قاله ابن إسحاق وفرعون ذي الأوتاد أي الجنود ~~الذين يشدون له أمره. أو هي أوتاد يشد بها من يعذبه. أو القوى والعدد ~~والعدد التي تم له بها ملكه، ورسخ بطشه وسلطانه، ومنه قولهم، لمن تمكن في ~~أرض ما: ضرب بها أوتادا الذين طغوا في البلاد صفة للمذكورين: عاد وثمود ~~وفرعون. أي تجاوزوا ما وجب عليهم إلى ما حظر من الكفر بالحق والعتو والتمرد ~~والبغي في # PageV09P468 # بلادهم، اغترارا بالقوة وعظم السلطان فأكثروا فيها الفساد أي الضرر ~~والإيذاء وهضم الحقوق فصب عليهم ربك سوط عذاب أي أنزل بهم عذابه، وأحل بهم ~~نقمته، بما طغوا في البلاد وأفسدوا فيها. وقد بين تعالى إهلاكهم مفصلا في ~~غير ما سورة وآية. و (السوط) إما مصدر (ساطه) أي خلطه كما في قول كعب: # لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل # أريد به المفعول هنا. أي أنزل عليهم ما خلط لهم من أنواع العذاب. قيل: # وبما ذكر سميت الآلة المعروفة، وهو الجلد المضفور الذي يضرب به، لكونه ~~مخلوط الطاقات بعضها ببعض. وإما أن يكون السوط الآلة المعروفة. استعيرت ~~لعذاب أدون من غيره. وهو ما اختاره الزمخشري حيث قال: وذكر السوط إشارة إلى ~~أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب ms4676 العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في ~~الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. # وقيل: هو من قبيل (لجين الماء) أي عذابا كالسوط في شدته، وهو ما يقتضيه ~~كلام الطبري، حيث زعم أن السوط مثل لشدة العذاب. # قال الشهاب: وأما استعارة الصب للعذاب فشائعة، كالإذاقة. يقال: صب عليه ~~السوط، وقنعه به وغشاه. وهو تمثيل وتصوير لحلوله أو تتابعه عليه وتكرره. إن ~~ربك لبالمرصاد أي لهؤلاء الذين قص نبأ هلاكهم، ولضربائهم من الكفرة بالحق ~~والعاثين بالفساد. و (المرصاد) اسم مكان للذي يترقب فيه الرصد- جمع راصد- ~~أو صيغة مبالغة. كمطعام ومطعان. فالياء تجريدية وفيه استعارة تمثيلية. شبه ~~كونه تعالى حافظا لأعمال العباد، مترقبا لها ومجازيا على نقيرها وقطميرها. ~~بحيث لا ينجو منه أحد- بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها، ليأخذه ~~فيوقع به ما يريد. ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. # ثم أشار إلى غفلة الإنسان في حالي غناه وفقره. ونعى عليه شأنه فيهما. # بما يقرر ما تقدم من استحقاقه صب العذاب، بقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى # 16] # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه أي بالغنى واليسار فيقول ~~ربي أكرمن أي فضلني، لما لي عنده من الكرامة وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه أي # PageV09P469 # ضيقه عليه وقتره، فلم يكثر ماله ولم يوسع عليه فيقول ربي أهانن أي أذلني ~~بالفقر. وذلك لسوء فكره وقصور نظره في الحالين. فإنه إنما ابتلاه بالغنى ~~ليقوم بواجبه ويعرف حق الله فيه. وبالفقر ليظهر بمظهر العفاف ويتخلق بخلق ~~الصبر على الكفاف. ففي كل ابتلاء وامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب. ~~ونظير الآية، آية: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] وآية، أيحسبون أنما نمدهم به ~~من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون [المؤمنون: 55- 56] وآية، ~~إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير ms4677 منوعا إلا المصلين ~~[المعارج: 19- 22] . وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 17 الى # 20] # كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون ~~التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) # كلا ردع عن قوليه في حاليه. أعني اعتقاد الإكرام في الإعطاء، والإهانة في ~~المنع، بل لطلب الشكر. وهو صرف النعم إلى ما خلقت له، وإعطاء المال لذويه، ~~وأحقهم الأيتام وهم لا يفعلونه، كما قال: بل لا تكرمون اليتيم وهو من فقد ~~كافله ومربيه. فإن من آكد الواجبات القيام على تأديبه وكفالته، صونا له إذا ~~أهمل من فساد طبيعته وعيثه بالضرر في أهل جبلته. ومثله التحاض على مواساة ~~البؤساء. وهؤلاء المنعي عليهم ضلالهم في غفلة عنه، كما قال: ولا تحاضون على ~~طعام المسكين أي لا يحض بعضكم بعضا عليه ولا يتواصى به. # قال الإمام: وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام فيقول لم ~~تطعموا المسكين) ليصرح لك بالبيان الجلي أن أفراد الأمة متكافلون. وإنه يجب ~~أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التزام ~~كل لما يأمر به، وابتعاده عما ينهى عنه. ### | لطيفة: # قال القاشاني: في دلالة قوله تعالى: فأما الإنسان: أي الإنسان يجب أن ~~يكون في مقام الشكر أو الصبر بحكم الإيمان، لحديث (الإيمان نصفان. نصف: # صبر، ونصف شكر) لأن الله تعالى إما إن يبتليه بالنعم والرخاء، فعليه أن ~~يشكره باستعمال نعمته فيما ينبغي من إكرام اليتيم وإطعام المسكين وسائر ~~مراضيه. ولا # PageV09P470 # يكفر نعمته بالبطر والافتخار فيقول: إن الله أكرمني لاستحقاقي وكرامتي ~~عنده، ويترفه في الأكل ويحتجب بمحبة المال وبمنع المستحقين. أو بالفقر وضيق ~~الرزق فيجب عليه أن يصبر ولا يجزع ولا يقول: إن الله أهانني. فربما كان ذلك ~~إكراما له. # بأن لا يشغله بالنعمة عن المنعم، ويجعل ذلك وسيلة له في التوجه إلى الحق ~~والسلوك في طريقه لعدم التعلق، كما أن الأول ربما كان استدراجا منه. انتهى. # وتأكلون التراث أكلا لما قال ابن جرير: أي تأكلون الميراث أكلا شديدا، ms4678 لا ~~تتركون منه شيئا. من قولهم: (لممت ما على الخوان أجمع فأنا ألمه لما) إذا ~~أكلت ما عليه فأتيت على جميعه. # قال ابن زيد: كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، وقرأ ويستفتونك ~~في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان ~~[النساء: 127] ، أي لا تورثونهن أيضا. وقال بكر بن عبد الله: اللم: ~~الاعتداء في الميراث. يأكل ميراثه وميراث غيره وتحبون المال حبا جما أي ~~جمعه وكنزه، حبا كثيرا شديدا. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 21 الى # 26] # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ ~~بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي ~~(24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) # ولا يوثق وثاقه أحد (26) # كلا ردع لهم عن ذلك، وإنكار لفعلهم. وما بعده وعيد عليه بالإخبار عن ~~ندمهم وتحسرهم حين لا ينفعهم الندم إذا دكت الأرض دكا دكا أي دكا بعد دك ~~حتى عادت هباء منثورا. # قال الشهاب: ليس الثاني تأكيدا، بل التكرير للدلالة على الاستيعاب. كقرأت ~~النحو بابا بابا. وجاء القوم رجلا رجلا. و (الدك) قريب من الدق، لفظا ومعنى ~~وجاء ربك والملك صفا صفا قال ابن كثير: أي وجاء الرب، تبارك وتعالى، لفصل ~~القضاء، كما يشاء والملائكة بين يديه صفوفا صفوفا. وسبقه ابن جرير إلى ذلك ~~وعضده بآثار عن ابن عباس وأبي هريرة والضحاك في نزوله تعالى من السماء ~~يومئذ في ظلل من الغمام، والملائكة بين يديه، وإشراق الأرض بنور ربها. ~~ومذهب الخلف في ذلك # PageV09P471 # معروف، من جعل الكلام على حذف مضاف، للتهويل. أي جاء أمره وقضاؤه. أو ~~استعارة تمثيلية لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه. # قال الزمخشري: مثلت حاله في ذلك، بحال الملك إذا حضر بنفسه، ظهر بحضوره ~~من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن ~~بكرة أبيهم انتهى. # وكأن الخلاف بين المذهبين ms4679 لفظي، إذ مبنى مذهب الخلف على أن الظاهر غير ~~مراد. ويعنون بالظاهر ما للخلق مما يستحيل على الخالق، فوجب تأويله. وأما ~~السلف فينكرون أن معنى الظاهر منها ما للخلق. بل هو ما يتبادر إلى فهم ~~المؤمن الذي يعلم أن ذاته تعالى، كما أنها لا تشبه الذوات، فكذلك صفات لا ~~تشبه الصفات. لأنها لا تكيف ولا تعلم بوجه ما. فهي حقيقة النسبة إليه ~~سبحانه. على ما يليق به. كالعلم والقدرة. لا تمثيل ولا تعطيل. # قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه: واعلم أن من المتأخرين من يقول إن ~~مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا ~~لفظ مجمل. فإن قوله (ظاهرها غير مراد) يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت ~~المخلوقين وصفات المحدثين. مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي، أنه ~~مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، و (إن الله معنا) ظاهره أنه إلى جانبنا، ~~ونحو ذلك. فلا شك أن هذا غير مراد، ومن قال إن مذهب السلف أن هذا غير مراد، ~~فقد أصاب في المعنى، لكن أخطأ في إطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات ~~والأحاديث. فإن هذا المجال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا ~~الموضع. اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون ~~القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار، معذورا في هذا الإطلاق. فإن الظهور ~~والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية. انتهى. # وقد بسط رحمه الله الكلام على ذلك في (الرسالة المدنية) وأوضح أن الكلام ~~في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذي حذوه ويتبع فيه مثاله. فإذا كان ~~إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا ~~إثبات كيفية. # وقال رحمه الله في بعض فتاويه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله. ~~وبالتأويل الجاري على نهج السبيل. ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد ~~منا، أنا لا نقول # PageV09P472 # بالمجاز والتأويل. والله عند لسان كل قائل. ولكن ننكر من ذلك ms4680 ما خالف ~~الحق والصواب، وما فتح به الباب، إلى هدم السنة والكتاب واللحاق بمحرفة أهل ~~الكتاب. # والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز. ولم ~~يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة. وقد ذهب طائفة من العلماء من ~~أصحابه وغيرهم، كأبي بكر بن أبي داود، وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل ~~التميمي، وابن حامد، فيما أظن، وغيرهم، إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز. ~~وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز. ~~فقابلوا الضلال والفساد، بحسم المواد. وخيار الأمور التوسط والاقتصاد. ~~انتهى. # وجيء يومئذ بجهنم أي أظهرت حتى رآها الخلق وعلم الكافر أن مصيره إليها. ~~فمجيئها متجوز به عن إظهارها. كما صرح به آية وبرزت الجحيم لمن يرى ~~[النازعات: 39] ، يومئذ يتذكر الإنسان # تفريطه في الدنيا في طاعة الله وفيما يقرب إليه من صالح الأعمال وأنى له ~~الذكرى أي منفعتها. فالمراد بتذكره ندامته على تفريطه في الصالحات من ~~الأعمال التي تورثه نعيم الأبد، كما فسره بقوله تعالى: يقول يا ليتني قدمت ~~لحياتي أي أسلفت من الأعمال الصالحة لحياتي هذه. فاللام للتعليل. أو: قدمت ~~وقت حياتي. فاللام بمعنى وقت. والحياة هي التي في الدنيا فيومئذ لا يعذب ~~عذابه أحد أي لا يعذب كعذاب الله، أحد في الدنيا ولا يوثق وثاقه أحد أي لا ~~يوثق كوثاقه يومئذ أحد في الدنيا. وقرئ (يعذب ويوثق) على بناء المجهول. # قال السمين: وعذاب ووثاق في الآية، واقعان موقع تعذيب وإيثاق. والمعنى لا ~~يعذب أحد تعذيبا مثل تعذيب الله هذا الكافر. ولا يوثق أحد إيثاقا مثل إيثاق ~~الله إياه بالسلاسل والأغلال. فالوثاق في الآية بمعنى الإيثاق. كالعطاء ~~بمعنى الإعطاء. # ثم أشار إلى ما يقال لمن آمن وعمل صالحا، في مقابلة من تقدم، بقوله ~~تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفجر (89) : الآيات 27 الى 30] # يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في ~~عبادي (29) وادخلي جنتي (30) # يا أيتها النفس المطمئنة أي الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن. ms4681 وهي ~~التي كان قلبها اطمأن بذكر الله وطاعته وخشيته من الاضطراب ارجعي إلى ربك # PageV09P473 # أي وعده وثوابه راضية مرضية أي راضية بما أوتيت، مرضية عند ربها فادخلي ~~في عبادي أي في زمرتهم، وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وادخلي جنتي ~~أي معهم. وهذا القول إما عند الموت أو البعث أو دخول الجنة. # ومن غرائب المأثور هنا، تأويل النفس بالروح، والرب بصاحبها. أي ارجعي إلى ~~جسد صاحبك إيذانا بأن الأرواح المطمئنة ترد يوم القيامة في الأجساد، وأن ~~لها مقرا قبل تعلقها بالبدن في عالم الملكوت. والمسألة من الغوامض بل من ~~الغيوب. # وبمعرفة نظائر التنزيل، يظهر بعد هذا التأويل. # PageV09P474 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة البلد # مكية وهي عشرون آية. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) # لا أقسم بهذا البلد تقدم في مواضع متعددة من التنزيل الكريم تفسير لا ~~أقسم والبلد هو مكة. وقيد القسم بقوله تعالى: وأنت حل بهذا البلد عناية ~~بالنبي صلوات الله عليه. فكأنه إقسام به لأجله، مع تعريض بعدم شرف أهل مكة، ~~وأنهم جهلوا جهلا عظيما، لهمهم بإخراج من هو حقيق به، وبه يتم شرفه. # قال الشهاب: و (الحل) صفة أو مصدر بمعنى الحال على هذا الوجه. ولا عبرة ~~بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة. وقيل معناه وأنت يستحل فيه حرمتك، ~~وتعرض لأذيتك. ففيه تعجيب من حالهم في عداوته، وتعريض بتجميعهم وتفريقهم ~~بأنه لا يستحل فيه الحمام، فكيف يستحل فيه دم مرشد الأنام، عليه الصلاة ~~والسلام؟؟. # وقيل: معناه وأنت حل به في المستقبل. تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، ~~إشارة إلى ما سيقع من فتح مكة وإحلالها له ساعة من نهار، يقتل ويأسر. مع ~~أنها ما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له. ففيه تسلية له، ووعد بنصره، ~~وإهلاك عدوه. # و (الحل) على هذين الوجهين ضد (الحرمة) وفيهما- كما قالوا- بعد. لا سيما ~~إرادة الاستقبال في الوجه ms4682 الأخير، فإنه غير متبادر منه. وإنما كان الأول ~~أولى لتشريفه عليه السلام، بجعل حلوله به مناطا لإعظامه، مع التنبيه من أول ~~الأمر على تحقق مضمون الجواب، بذكر بعض مواد المكايدة، على نهج براعة ~~الاستهلال، وإنه كابد المشاق، ولاقى من الشدائد، في سبيل الدعوة إلى الله، ~~ما لم يكابده داع قبله، صلوات الله عليه وسلامه. # ووالد وما ولد عطف على (هذا البلد) داخل في المقسم به. قيل: عني # PageV09P475 # بذلك آدم وولده وقيل: إبراهيم وولده. والصواب- كما قال ابن جرير- أن ~~المعني به كل والد وما ولد. قال: وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب ~~التسليم لها من خبر أو عقل. ولا خبر بخصوص ذلك ولا برهان، يجب التسليم له ~~بخصوصه. فهو على عمومه كما عمه. # وإيثار (ما) على (من) لإرادة الوصف. فيفيد التعظيم في مقام المدح. وإنه ~~مما لا يكتنه كنهه لشدة إبهامها. ولذا أفادت التعجب أو التعجيب، وإن لم يكن ~~استفهاما كما في قوله تعالى: والله أعلم بما وضعت [آل عمران: 36] أي أي ~~مولود عظيم الشأن وضعته. وهذا على كون المراد إبراهيم والنبي عليهما الصلاة ~~والسلام، ظاهر. أما على أن المراد به آدم وذريته، فالتعجب من كثرتهم، أو ~~مما خص به الإنسان من خواص البشر. كالنطق والعقل وحسن الصورة. حكاه الشهاب. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البلد (90) : الآيات 4 الى # 7] # لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت ~~مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) # لقد خلقنا الإنسان في كبد أي في شدة، يكابد الأمور يعالجها في أطواره ~~كلها، من حمله إلى أن يستقر به القرار. إما في الجنة وإما في النار. # قال الزمخشري: (الكبد) أصله من قولك (كبد الرجل كبدا) فهو أكبد، إذا وجعت ~~كبده وانتفخت. فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة. ~~كما قيل: (كبته) بمعنى أهلكه. وأصله كبده إذا أصاب كبده. قال لبيد: # يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد # أي في شدة ms4683 الأمر وصعوبة الخطب. انتهى. # وفيه تسلية للنبي صلوات الله عليه، مما كان يكابده من قريش، من جهة أن ~~الإنسان لم يخلق للراحة في الدنيا. وأن كل من كان أعظم فهو أشد نصبا. هذا ~~خلاصة ما قالوه. # وقال القاشاني: (في كبد) أي مكابدة ومشقة من نفسه وهواه. أو مرض باطن ~~وفساد قلب وغلظ حجاب. إذ (الكبد) في اللغة غلظ الكبد الذي هو مبدأ القوة ~~الطبيعية وفساده وحجاب القلب وفساده من هذه القوة. فاستعير غلظ الكبد لغلظ ~~حجاب القلب ومرض الجهل. # أيحسب أي لغلظ حجابه ومرض قلبه لاحتجابه بالطبيعة أن لن يقدر عليه # PageV09P476 # أحد # أي أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على مجازاته وقهره وغلبته. مع أن ما هو ~~فيه من المكابدة يكفي لإيقاظه من غفلته واعترافه بعجزه. # يقول أهلكت مالا لبدا أي كثيرا. من (تلبد الشيء) إذا اجتمع. والمراد ما ~~أنفقه للافتخار والمباهاة والرياء. كقولهم (خسرت عليه كذا وكذا) إذا أنفق ~~عليه. # يتفضل على الناس بالتبذير والإسراف، ويحسبه فضيلة لاحتجابه عن الفضيلة ~~وجهله. ولهذا قال: أيحسب أن لم يره أحد أي: أيحسب أن لم يطلع الله تعالى ~~على باطنه ونيته، حين ينفق ماله في السمعة والرياء والمباهاة لا على ما ~~ينبغي في مراضي الله، وهي رذيلة على رذيلة فكيف تكون فضيلة؟ ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البلد (90) : الآيات 8 الى 16] # ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين (10) فلا اقتحم ~~العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) # فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو ~~مسكينا ذا متربة (16) # ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين قال القاشاني: أي ألم ننعم عليه بالآلات ~~البدنية التي يتمكن بها من اكتساب الكمال، ليبصر ما يعتبر به، ويسأل عما لا ~~يعلم، ويتكلم فيه؟ # وقال السيد المرتضى: هذا تذكير ينعم الله عليهم، وما أزاح به علتهم في ~~تكاليفهم، وما تفضل به عليهم من الآلات التي يتوصلون بها إلى منافعهم، ~~ويدفعون بها المضار عنهم. لأن الحاجة إلى أكثر المنافع الدينية والدنيوية ~~ماسة. فالحاجة إلى العينين ms4684 للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام ~~والشراب وإمساكهما في الفم، والنطق أيضا. وقوله تعالى: # وهديناه النجدين أي طريقي الخير والشر، قال الإمام: النجد مشهور في ~~الطريق المرتفعة والمراد بهما طريقا الخير والشر. وإنما سماهما نجدين، ~~ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة مسلك فليس الشر بأهون من الخير كما ~~يظن، وإلى أنهما واضحان جليان لا يخفى واحد منهما على سالك. أي أودعنا في ~~فطرته التمييز بين الخير والشر. وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلاما تدله ~~عليهما. ثم وهبناه الاختيار. فإليه أن يختار أي الطريقين شاء. فالذي وهب ~~الإنسان هذه الآلات. وأودع باطنه تلك القوى، لا يمكن للإنسان أن يفلت من ~~قدرته، ولا يجوز أن يخفى عليه # PageV09P477 # شيء من سريرته. فلا اقتحم العقبة أي فلم يشكر تلك النعم الجليلة باقتحام ~~العقبة. و (الاقتحام) الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. و (العقبة) الطريق ~~الوعرة في الجبل يصعب سلوكها. استعارها لما يأتي، لما فيه من معاناة المشقة ~~ومجاهدة النفس وما أدراك ما العقبة أي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفي ~~الاستفهام زيادة تقريرها وكونها عند الله تعالى بمكانة رفيعة فك رقبة أي ~~عتقها. أو المعاونة عليه وتخليصها من الرق وأسر العبودية، رجوعا به إلى ما ~~فطرت عليه من الحرية أو إطعام في يوم ذي مسغبة أي مجاعة يتيما ذا مقربة أي ~~قرابة. قال السيد المرتضى: وهذا حض على تقديم ذوي النسب والقربى المحتاجين، ~~على الأجانب في الإفضال. # قال: وقد يمكن في مقربة أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى، بل من ~~(القرب) الذي هو من الخاصرة، فكأن المعنى أنه يطعم من خاصرته لصقت من شدة ~~الجوع والضر وهذا أشبه بقوله تعالى: ذا متربة لأن كل ذلك مبالغة في وصفه ~~بالضر. وليس من المبالغة في الوصف بالضر أن يكون قريب النسب. انتهى. وقوله ~~تعالى: أو مسكينا ذا متربة أي فقر شديد لا يواريه إلا التراب. يقال: (ترب) ~~كأنه لصق بالتراب. ويقال: (فقر مدقع) و (فقير مدقع) بمعنى لاصق بالدقعاء، ~~وهي التراب. ### | لطيفة: # ذهب الأكثرون إلى ms4685 أن (لا) من قوله (فلا) نافية. وإنما لم تكرر، مع أن ~~العرب لا تكاد تفردها، كما جاء في آية فلا صدق ولا صلى [القيامة: 31] ، فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 38] ، استغناء بدلالة بقية الكلام على ~~تكرارها. لأن (لا اقتحم) لما فسر بما بعده كان في قوة (لا فك رقبة ولا أطعم ~~مسكينا) وفي الآية أجوبة أخرى. منها أنه لما عطف عليه، كان وهو منفي أيضا. # فكأنها كررت. وقيل (لا) للدعاء. كقولهم (لا نجا ولا سلم) وقيل مخففة من ~~(ألا) التي للتحضيض. وقيل: إنها للنفي فيما يستقبل. وقال الإمام: أما ما ~~قيل من أن (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها، ولم تكرر في الآية، فذلك ~~لا يلتفت إليه. لأن الكتاب نفسه حجة في الفصاحة. وقد ورد في كلامهم عدم ~~تكرارها. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البلد (90) : الآيات 17 الى 18] # ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب ~~الميمنة (18) # ثم كان من الذين آمنوا أي بالحق الذي جاءهم. عطف على المنفي ب (لا) # PageV09P478 # وهو (اقتحم) أو على (فك) وتواصوا أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر أي على ما ~~نابهم في سبيل الدعوة إلى الحق وتواصوا بالمرحمة أي بالرحمة على بعضهم. ~~كقوله: رحماء بينهم [الفتح: 29] ، أو بموجبات رحمته تعالى من القيام بالحق ~~والصدع به وعمل الصالحات أولئك أصحاب الميمنة أي اليمين، أو جهة اليمين ~~التي فيها السعداء. ### | تنبيه: # قال القاشاني: يشير قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة الآيات، إلى قهر النفس ~~بتكلف الفضائل والتزام سلوك طريقها واكتسابها، حتى يصير التطبع طبعا. ثم ~~قال: # فإن الإطعام، خصوصا وقت شدة الاحتياج للمستحق، الذي هو وضع في موضعه، من ~~باب فضيلة العفة بل أفضل أنواعها- والإيمان من فضيلة الحكمة وأشرف أنواعها ~~وأجلها، وهو الإيمان العلمي اليقيني- والصبر على الشدائد من أعظم أنواع ~~الشجاعة- وأخره عن الإيمان لامتناع حصول فضيلة الشجاعة بدون اليقين. # و (المرحمة) أي التراحم والتعاطف من أفضل أنواع العدالة. فانظر كيف عدد ~~أجناس الفضائل الأربع التي يحصل بها كمال النفس. بدأ ms4686 بالعفة التي هي أولى ~~الفضائل. # وعبر عنها بمعظم أنواعها. وأخص خصالها الذي هو السخاء. ثم أورد الإيمان ~~الذي هو الأصل والأساس. وجاء بلفظة (ثم) لبعد مرتبته عن الأولى في الارتفاع ~~والعلو. # وعبر عن الحكمة به لكونه أم سائر مراتبها وأنواعها. # ثم رتب عليه الصبر لامتناعه بدون اليقين. وأخر العدالة التي هي نهايتها. # واستغنى بذكر المرحمة، التي هي صفة الرحمن، عن سائر أنواعها. كما استغنى ~~بذكر الصبر عن سائر أنواع الشجاعة. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البلد (90) : الآيات 19 الى 20] # والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) # والذين كفروا بآياتنا أي بأدلتنا وأعلامنا من الكتب والرسل وغير ذلك من ~~آيات الأنفس والآفاق، التي بكل يرتقي إلى معرفة الصراط التي تجب الاستقامة ~~عليه في الاعتقاد والعمل هم أصحاب المشأمة أي الشؤم على أنفسهم، أو جهة ~~الشمال التي فيها الأشقياء. وقال الإمام: أهل اليمين، في لسان الدين ~~الإسلامى، عنوان السعداء. وأهل الشمال عنوان الأشقياء عليهم نار مؤصدة أي ~~مطبقة أبوابها، كناية عن حبسهم المخلد فيها، وسد سبل الخلاص منها، أجارنا ~~الله بفضله وكرمه منها. # PageV09P479 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الشمس # مكية، وآيها خمس عشرة. # وقد تقدم # حديث جابر الذي في الصحيح «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لمعاذ: هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) # والشمس وضحاها أي ضوئها إذا أشرقت. قال الراغب: (الضحى) انبساط الشمس ~~وامتداد النهار، وبه سمي الوقت. وحقيقته- كما قال الشهاب- تباعد الشمس عن ~~الأفق المرئي وبروزها للناظرين، ثم صار حقيقة في وقته. وقال الإمام: # يقسم بالشمس نفسها ظهرت أو غابت لأنها خلق عظيم. ويقسم بضوئها لأنه مبعث ~~الحياة ومجلى الهداية في عالمها الفخيم. وهل كنت ترى حيا أو تبصر ناميا، أو ~~هل كنت تجد ms4687 نفسك، لولا ضياء الشمس، جل مبدعه؟. # والقمر إذا تلاها أي تبع الشمس، قال الإمام: وذلك في الليالي البيض، من ~~الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة. وهو قسم بالقمر عند ~~امتلائه أو قربه مع الامتلاء. إذ يضيء الليل كله مع غروب الشمس إلى الفجر. ~~وهو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره. وهو ظهوره وانتشاره ~~الليل كله. # والنهار إذا جلاها أظهر الشمس. وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن ~~PageV09P480 # الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وفي هذه الأقسام كلها- كما قاله ~~الإمام- إشارة إلى تعظيم أمر الضياء وإعظام قدر النعمة فيه ولفت أذهاننا ~~إلى أنه من آيات الله الكبرى ونعمه العظمى وفي قوله: إذا جلاها بيان للحالة ~~التي ينطق فيها النهار بتلك الحكمة الباهرة والآية الظاهرة. وهي حالة ~~الصحو. أما يوم الغيم الذي لا تظهر فيه الشمس، فحاله أشبه بحال الليل الذي ~~يقسم به في قوله: والليل إذا يغشاها أي يغشى الشمس ويعرض دون ضوئها فيحجبه ~~عن الأبصار. وذلك في ليالي الظلمة الحالكة المشار إليها بقوله في الآية ~~المتقدمة: وليال عشر [الفجر: 2] ، على القول الأخير. قال الإمام: ولقلة ~~أوقات الظلمة، عبر في جانبها بالمضارع لا مفيد للحاق الشيء وعروضه متأخرا ~~عما هو أصل في نفسه. أما النهار فإنه يجلي الشمس دائما من أوله إلى آخره. ~~وذلك شأن له في ذاته. ولا ينفك عنه إلا لعارض كالغيم أو الكسوف قليل ~~العروض.. ولهذا عبر في جانبه بالماضي المفيد لوقوع المعنى من فاعله، بدون ~~إفادة أنه مما ينفك عنه. # والسماء وما بناها أي ومن رفعها، وصيرها بما فيها من الكواكب، كالسقف أو ~~القبة المحكمة الزينة المحيطة بنا. ف (ما) موصولة بمعنى (من) أوثرت لإرادة ~~الوصفية. أي والقادر الذي أبدع خلقها. # قالوا: وذكر ما بناها مع أن في ذكر السماء غنية عنه، للدلالة على إيجادها ~~وموجدها صراحة والأرض وما طحاها أي بسطها. من كل جانب، لافتراشها وازدراعها ~~والضرب في أكنافها. # قال الإمام: وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم ms4688 بعض ~~الجاهلين. أي بتحريفه الكلم عن معناه المراد منه ونفس وما سواها أي خلقها ~~فعدل خلقها ومزاجها، وأعدها لقبول الكمال: فألهمها فجورها وتقواها أي ~~أفهمها إياهما، وأشعرها بهما، بالإلقاء الملكي والتمكين من معرفتهما، وحسن ~~التقوى وقبح الفجور بالعقل الهيولاني. ### | لطيفة: # جوز في (ما) كونها مصدرية في الكل، ولا يضره خلو الأفعال من فاعل ظاهر ~~ومضمر إذا لا مرجع له. وعطف الفعل على الاسم لأنه يكفي لصحة الإضمار دلالة ~~السياق. وهي موجودة هنا. وأن العطف على صلة (ما) لا عليها مع صلتها. فكأنه ~~قيل: ونفس وتسويتها، فإلهامها إلخ. وعطف الفعل على الاسم ليس بفاسد. نعم في ~~الوجه الأول توافق القرائن وهو أسد. وأما الثاني فوجه يتسع النظم الكريم ~~له. وأما تنكير (نفس) فللتكثير أو التعظيم. # PageV09P481 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشمس (91) : الآيات 9 الى 12] # قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ ~~انبعث أشقاها (12) # قد أفلح من زكاها أي زكى نفسه وطهرها من رجس النقائص والآثام. أو نماها ~~بالعلم والعمل والوصول إلى الكمال وبلوغ الفطرة الأولى: وقد خاب من دساها ~~أي أخملها ووضع منها، بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي وترك طاعة ~~الله تعالى. هذا ما قاله ابن جرير: وقال غيره: أي نقص تزكيتها وأخفى ~~استعدادها وفطرتها التي خلقت عليها بالجهالة والفسوق. وهو مأخوذ من (دس ~~الشيء في التراب) أي أدخله فيه وأخفاه. وأصل (دسى) دسس. كتقضى البازي. # وجملة قد أفلح إلخ جواب القسم وحذف اللام للطول. # قال القاضي: وكأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه، أقسم ~~عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته الذي هو ~~أقصى درجات القوة النظرية ويذكرهم عظائم الإله ليحملهم على الاستغراق في ~~شكر نعمائه الذي هو منتهى كمالات القوة العملية. # وذهب الزمخشري إلى أن هذه الجملة كلام تابع لقوله: فألهمها فجورها ~~وتقواها على سبيل الاستطراد. وجواب القسم محذوف تقديره: ليدمدمن الله ~~عليهم. أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4689 كما دمدم على ~~ثمود، لأنهم كذبوا صالحا عليه السلام. وقد دل عليه قوله تعالى: كذبت ثمود ~~بطغواها أي بسبب طغيانها ومجاوزتها الحد في الفجور. ف (الطغوى) مصدر. وجوز ~~أن يراد به العذاب نفسه، على حذف مضاف أو بدونه مبالغة كما يوصف بغيره من ~~المصادر. # أي كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى، كقوله: فأهلكوا بالطاغية ~~فالطغوى على هذا من التجاوز عن الحد والزيادة من العذاب. والباء صلة (كذبت) ~~وقوله تعالى: إذ انبعث أشقاها ظرف ل (كذبت) أو (طغوى) أي حين قام أشقى ثمود ~~لعقر ناقة صالح عليه السلام. وكانوا نهوا عن مسها بسوء، وأنذروا عاقبة ~~المخالفة، كما قال تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشمس (91) : الآيات 13 الى 15] # فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ~~ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15) # فقال لهم رسول الله يعني صالحا عليه السلام لقومه- ناقة الله وسقياها # PageV09P482 # أي احذروا واتقوا ناقة الله التي جعلها آية بينة وشربها، الذي اختصه الله ~~به في يومها. وكان عليه السلام تقدم إليهم عن أمر الله أن للناقة شرب يوم ~~ولهم شرب يوم آخر، غير يوم الناقة. كما بينته آية الشعراء قال: هذه ناقة ~~لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ~~[الشعراء: 155- 156] ، أي لا تؤذوا الناقة ولا تتعدوا عليها في شربها ويوم ~~شربها فكذبوه أي فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا فعقروها أي ~~قتلوها. # قال في النهاية: أصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. ~~ثم اتسع حتى استعمل في القتل والهلاك. وذلك أنهم أجمعوا على منعها الشرب ~~ورضوا بقتلها. وعن رضا جميعهم قتلها قاتلها وعقرها من عقرها. ولذلك نسب ~~التكذيب والعقر إلى جميعهم فدمدم عليهم ربهم بذنبهم أي أهلكهم وأزعجهم بسبب ~~كفرهم به وتكذيبهم رسوله وعقرهم ناقته، استهانة به واستخفافا بما بعث به. ~~وقيل: # دمدم أطبق عليهم العذاب. وقيل: الدمدمة حكاية صوت الهدة فسواها أي فسوى ~~الدمدمة عليهم جميعا، فلم يفلت منهم أحد. ms4690 بمعنى جعلها سواء بينهم أو الضمير ~~لثمود. أي جعلها عليهم سواء ولا يخاف عقباها أي لا يخشى تبعة إهلاكهم لأنه ~~العزيز الذي لا يغالب. # قال الشهاب: أي لا يخاف عاقبتها كما يخاف الملوك عاقبة ما تفعله. فهو ~~استعارة تمثيلية لإهانتهم وأنهم أذلاء عند الله. فالضمير في (يخاف) لله وهو ~~الأظهر. ويجوز عوده للرسول صلى الله عليه وسلم أي أنه لا يخاف عاقبة إنذاره ~~لهم وهو على الحقيقة، كما إذا قيل: الضمير للأشقى أي أنه لا يخاف عاقبة ~~فعله الشنيع. والواو الحال أو الاستئناف. ### | تنبيه: # قال ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) : المقصود أن الآية أوجبت لهم ~~البصيرة فآثروا الضلالة والكفر عن علم ويقين. ولهذا، والله أعلم، ذكر قصتهم ~~من بين قصص سائر الأمم في سورة والشمس وضحاها لأنه ذكر فيها انقسام النفوس ~~إلى الزكية الراشدة المهتدية وإلى الفاجرة الضالة الغاوية. وذكر فيها ~~الأصلين: القدر والشرع. # فقال: فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 8] ، فهذا قدره وقضاؤه ثم قال: قد ~~أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [الشمس: 9] ، فهذا أمره ودينه. وثمود، ~~هداهم فاستحبوا العمى على الهدى. فذكر قصتهم ليبين سوء عاقبة من آثر الفجور ~~على التقوى. والتدسية على التزكية. والله أعلم. # PageV09P483 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الليل # مكية، وآيها إحدى وعشرون. وقد تقدم # قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ «1» : هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، ~~والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الليل (92) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # والليل إذا يغشى أي يغشى الشمس أو النهار بظلمته، فيذهب بذاك الضياء ~~والنهار إذا تجلى أي ظهر بزوال الليل أو تبين بطلوع الشمس. # قال الإمام: والتعبير في الغشيان بالمضارع، لما سبق من عروض الظلمة لأصل ~~النور الذي هو أكمل مظاهر الوجود، حتى عبر به عن الوجود نفسه. أما تجلي ~~النهار فهو لازم له. لهذا عبر عنه بالماضي كما سبق بيانه وما خلق الذكر ~~والأنثى أي ms4691 والقادر الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد. ف ~~(ما) موصولة بمعنى (من) أوثرت لإرادة الوصفية، كما تقدم. # قال الإمام: وإنما أقسم بذاته بهذا العنوان، لما فيه من الإشعار بصفة ~~العلم المحيط بدقائق المادة وما فيها، والإشارة إلى الإبداع في الصنع. إذ ~~لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى، في الحيوان، يحصل بمحض الاتفاق ~~من طبيعة لا شعور لها بما تفعل، كما يزعم بعض الجاحدين. فإن الأجزاء ~~الأصلية في المادة متساوية النسبة إلى كون الذكر أو كون الأنثى. فتكوين ~~الولد من عناصر واحدة تارة ذكرا وتارة أنثى، دليل على أن واضع هذا النظام ~~عالم بما يفعل، محكم فيما يضع ويصنع. انتهى. PageV09P484 # وقوله: إن سعيكم لشتى جواب القسم. أو هو مقدر، كما مر تفصيله. أي مختلف ~~في جزائه. ومفرق في عاقبته. فمنه ما يسعد به الساعي ومنه ما يشقى به، فشتان ~~ما بينهما، كما فصله بعد. و (شتى) إما جمع شتيت أو شت، بمعنى متفرق، ~~والمصدر المضاف يفيد العموم. فيكون جمعا معنى. ولذا أخبر عنه ب (شتى) وهو ~~جمع. وفيه وجه آخر وهو أنه مفرد مصدر مؤنث. كذكرى وبشرى. فهو بتقدير مضاف، ~~أو مؤول، أو بجعله عين الافتراق، مبالغة. # قال الرازي: ويقرب من هذه الآية قوله: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ~~[الحشر: 20] ، وقوله: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [السجدة: 18] ~~، وقوله: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم، ساء ما يحكمون # [الجاثية: 21] . # وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الليل (92) : الآيات 5 الى # 11] # فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) # فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) # فأما من أعطى تفصيل لتلك المساعي الشتى، وتبيين لمآلها ما تقدم. # قال الرازي: وفي أعطى وجهان: # أحدهما- أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب، ~~وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم. كما كان يفعله أبو بكر، سواء ms4692 كان ~~ذلك واجبا أو نفلا وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله: ومما رزقناهم ينفقون ~~[البقرة: 3] ، فإن المراد منه كل ما كان إنفاقا في سبيل الله، سواء كان ~~واجبا أو نفلا وقد مدح الله قوما فقال: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا [الإنسان: 8] ، وقال في آخر هذه السورة وسيجنبها الأتقى الذي ~~يؤتي ماله يتزكى [الليل: 17- 18] الآية. # وثانيهما- أن قوله أعطى يتناول إعطاء حقوق المال، وإعطاء حقوق الناس في ~~طاعة الله تعالى. يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة. انتهى. # إلا أن الأول هو المناسب للإعطاء. لأن المعروف فيه تعلقه بالمال خصوصا ~~وقد وقع في مقابلة ذكر البخل والمال واتقى أي ربه فاجتنب محارمه وصدق # PageV09P485 # بالحسنى # أي بالمثوبة الحسنى. قال قتادة: أي صدق بموعود الله الحسن. وهو بمعنى قول ~~مجاهد، إنها الجنة كما قال تعالى: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ~~[الشورى: 23] ، فسمى مضاعفة الأجر (حسنى) وقال القاشاني: أي صدق بالفضيلة ~~الحسنى التي هي مرتبة الكمال بالإيمان العلمي، إذ لو لم يتيقن بوجود كمال ~~كامل لم يمكنه الترقي. فسنيسره لليسرى أي فسنهيئه ونوفقه للطريقة اليسرى، ~~التي هي السلوك في طريق الحق، لقوة يقينه. # قال الشهاب: ولما كانت مؤدية إلى اليسر، وهو الأمر السهل الذي يستريح به ~~الناس وصفت بأنها يسرى، على أنه استعارة مصرحة أو مجاز مرسل أو تجوز في ~~الإسناد. # وأما من بخل أي بالنفقة في سبيل الله، ومنع ما وهب الله له من فضله من ~~صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها واستغنى أي عن ربه فلم يرغب إليه ~~بالعمل له بطاعته بالزيادة فيما خوله، أو استغنى بماله عن كسب الفضيلة، ~~وعمه به عن الحق وكذب بالحسنى أي بوجود المثوبة للحسنى، لمن آمن بالحق، ~~لاستغنائه بالحياة الدنيا واحتجابه بها عن عالم الآخرة. فسنيسره للعسرى أي ~~للطريقة العسرى المؤدية إلى الشقاء الأبدي. # قال الإمام: الخطة العسرى هي الخطة التي يحط فيها الإنسان من نفسه، ويغض ~~من حقها وينزل بها إلى حضيض البهيمية، ويغمسها في أو حال الخطيئة. وهي أعسر ~~الخطتين على ms4693 الإنسان، لأنه لا يجد معينا عليها لا من فطرته ولا من الناس ~~وما يغني عنه ماله إذا تردى أي وما يفيده ماله الذي تعب في تحصيله، وأفنى ~~عمره في حفظه وبطر الحق لأجله، إذا هلك، من قولهم: (تردى من الجبل وفي ~~الهوة) وفي التعبير به إشارة إلى أنه بما قدمه من أعماله الخبيثة، هو ~~المهلك والموقع لنفسه. وهو الحافر على حتفه بظلفه و (ما) نافية أو استفهام ~~في معنى الإنكار. وقوله: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الليل (92) : الآيات 12 الى 21] # إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى ~~(14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) # وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) # إن علينا للهدى استئناف مقرر لما قبله. أي علينا بموجب قضائنا المبني على ~~الحكم البالغة، حيث خلقنا الخلق للإصلاح في الأرض، أن نبين لهم طريق # PageV09P486 # الهدى ليجتنبوا مواقع الردى. وقد فعل سبحانه ذلك بإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب، والتمكين من الاستدلال والاستبصار، بخلق العقل وهبة الاختيار. # وإن لنا للآخرة والأولى أي ملكا وخلقا. فلا يضرنا توليكم عن الهدى. # وذلك لغناه تعالى المطلق، وتفرده بملك ما في الدارين، وكونه في قبضة ~~تصرفه. لا يحول بينه وبينه أحد، ولا يحصله أحد، حتى يضر عدم اهتدائه أو ~~ينفع اهتداؤه. # وفيه إشارة إلى تناهي عظمته وتكامل قهره وجبروته. وإن من كان كذلك، فجدير ~~أن يبادر لطاعته ويحذر من معصيته. ولذا رتب عليه قوله: فأنذرتكم نارا تلظى ~~أي تتلظى وتتوهج. وهي نار الآخرة لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب أي بالحق ~~الذي جاءه وتولى أي عن آيات ربه وبراهينها التي وضح أمرها وبهر نورها، ~~عنادا وكفرا وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى أي ينفق ماله في سبيل ~~الخير، يتزكى عن رجس البخل ودنس الإمساك وما لأحد عنده من نعمة تجزى أي من ~~يد يكافئه عليها. أي لا يؤتيه للمكافأة والمعارضة إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى أي لكن يؤتيه ابتغاء ms4694 وجه ربه وطلب مرضاته. لا لغرض آخر من مكافأة أو ~~محمدة أو سمعة. وفي حصر (الأتقى) بالمنفق، على الشريطة المذكورة، عناية ~~عظيمة به، وترغيب شديد في اللحاق به، كيف لا؟ وبالمال قوام الأعمال، ورفع ~~مباني الرشاد وهدم صروح الفساد. وقوله تعالى: ولسوف يرضى قال ابن جرير: أي ~~ولسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله عز وجل، يتزكى بما يثيبه الله في ~~الآخرة عوضا مما أتى في الدنيا في سبيله إذا لقي ربه تبارك وتعالى. ففيه ~~وعد كريم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها، إذ به يتحقق الرضا. ~~وهذا على، إن ضمير (يرضى) ل (الأتقى) لا للرب. قال الشهاب: وهو الأنسب ~~بالسياق واتساق الضمائر. # وذهب بعضهم إلى الثاني، ومنهم الإمام، قال: أي ولسوف يرضى الله عن ذلك ~~الأتقى الطالب بصفة رضاه (ثم قال) : والتعبير ب (سوف) لإفادة أن الرضا ~~يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال، لأن يبلغ العبد درجة الرضا ~~الإلهي. ### | تنبيه: # قال ابن كثير: ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه. حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. # ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها. فإن اللفظ لفظ العموم وهو ~~قوله تعالى: # وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى ولكنه ~~مقدم # PageV09P487 # الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة. فإنه كان ~~صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم. ولم ~~يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها. ولكن كان فضله ~~وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل. # ولهذا قال له عروة بن مسعود، وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية: أما والله! ~~لولا يد لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة. ~~فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل. ms4695 فكيف بمن عداهم؟ # وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أنفق زوجين في ~~سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله هذا خير. فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله! ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: نعم، وأرجو ~~أن تكون منهم # . انتهى. # PageV09P488 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الضحى # مكية وآيها إحدى عشرة. ### | لطيفة: # قال ابن كثير: روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي ~~بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن ~~قسطنطين وشبل بن عباد. فلما بلغت والضحى قال لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل ~~سورة. فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك. وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد ~~فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك. وأخبره ابن ~~عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك. فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد ~~بن عبد الله البزي، من ولد القاسم بن أبي بزة. وكان إماما في القراءات. ~~وأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه. وكذلك أبو ~~جعفر العقيلي، قال: هو منكر الحديث. # لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في (شرح الشاطبية) عن الشافعي أنه سمع ~~رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال: أحسنت وأصبت السنة. وهذا يقتضي صحة ~~هذا الحديث. ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته. فقال بعضهم: # يكبر من آخر والليل إذا يغشى. وقال آخرون: من آخر والضحى وكيفية التكبير ~~عند بعضهم أن يقول (الله أكبر) ويقتصر، ومنهم من يقول (الله أكبر لا إله ~~إلا الله والله أكبر) وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول ### | سورة الضحى # ، أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتر تلك المدة، ~~ثم جاء الملك فأوحى إليه والضحى والليل إذا سجى ms4696 السورة بتمامها، كبر فرحا ~~وسرورا، ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف. فالله أعلم. # PageV09P489 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك ~~من الأولى (4) # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) # والضحى تقدم في سورة والشمس وضحاها تفسير الضحى بالضوء وارتفاع النهار ~~ارتفاعا عاليا والليل إذا سجى أي اشتد ظلامه. وأصله من التسجية وهي ~~التغطية، لستره بظلمته. كما في آية وجعلنا الليل لباسا [النبأ: 10] ، ما ~~ودعك ربك جواب القسم. أي: ما تركك وما قطعك قطع المودع. # قال الشهاب في (العناية) : فالتوديع مستعار استعارة تبعية للترك هنا. ~~وفيه من اللطف والتعظيم ما لا يخفى. فإن الوداع إنما يكون بين الأحباب ومن ~~تعز مفارقته. # كما قال المتنبي: # حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع # وقال في (شرح الشفاء) : الوداع له معنيان في اللغة: الترك وتشييع ~~المسافر. # فإن فسر بالثاني هنا على طريق الاستعارة، يكون فيه إيماء إلى أن الله لم ~~يتركه أصلا. # فإنه معه أينما كان. وإنما الترك، لو تصور في جانبه، ظاهر مع دلالته بهذا ~~المعنى على الرجوع. فالتوديع إنما يكون لمن يحب ويرجى عوده. وإليه أشار ~~الأرجاني بقوله: # إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد # وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع (عادوا) # فقوله وما قلى مؤكد له. (قال) : وهذا، لم أر من ذكره مع غاية لطفه. # وكلهم فسروه بالمعنى الأول. ولما رأوا صيغة الفعل تفيد زيادة المعنى ~~والمبالغة فيه. فيقتضي الانقطاع التام، قالوا: إن المبالغة في النفي لا في ~~المنفي فتركه لحكم عليه، لا لضرره بهجره. أو لنفي القيد والمقيد. وقرئ ما ~~ودعك بالتخفيف. وورد # PageV09P490 # في الحديث «1» شر الناس من ودعه الناس اتقاء فحشه. وورد في الشعر، كقوله: # فكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الذي ودعوا # ولهذا قال في (المصباح) بهذا: اعلم أن قولهم، في علم التصريف، أماتوا ~~ماضي يدع ويذر خطأ. وجعله استعارة من الوديعة تعسف. انتهى ms4697 وكذا قال في ~~(المستوفى) : أنه كله ورد في كلام العرب، ولا عبرة بكلام النحاة فيه، وإذا ~~جاء نهر الله بطل نهر معقل. وإن كان نادر. انتهى وقوله تعالى: وما قلى أي: ~~وما أبغضك. والقالي: المبغض. يعني ما هجرك عن بغض. # قال الشهاب: وحذف مفعول (قلى) اختصارا للعلم به، وليجري على نهج الفواصل ~~التي بعده، أو لئلا يخاطبه بما يدل على البغض. ### | ### | تنبيه: # # روى ابن جرير: عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ~~القرآن أبطأ عنه جبريل أياما، فعير بذلك. فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. ~~فأنزل الله هذه الآية، # وفي رواية: إن قائل ذلك امرأة أبي لهب، وفي أخرى أنها خديجة رضي الله ~~عنها. ولا تنافي، لاحتمال صدوره من الجميع. إلا أن قول المشركين وقول ~~خديجة- إن صح- توجع وتحزن- # وفي رواية إسماعيل مولى آل الزبير قال: فتر الوحي حتى شق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأحزنه. فقال: لقد خشيت أن يكون صاحبي قلاني. فجاء ~~جبريل بسورة والضحى وللآخرة خير لك من الأولى # قال ابن جرير: أي وللدار الآخرة، وما أعد الله لك فيها، خير لك من الدار ~~الدنيا وما فيها. يقول: فلا تحزن على ما فاتك منها، فإن الذي لك عند الله ~~خير لك منها. وقال القاضي: أو: لنهاية أمرك خير من بدايته. فإنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال ولسوف يعطيك ربك فترضى أي ~~يعطيك من فواضل نعمه في العقبى حتى ترضى، وهذه عدة كريمة شاملة لما أعطاه ~~الله تعالى في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر ~~وإعلاء الدين، بالفتوح الواقعة في عصره عليه الصلاة والسلام، وفي أيام ~~خلفائه الراشدين وغيرهم من ملوك الإسلام، وفشو دعوته في مشارق الأرض ~~ومغاربها، ولما PageV09P491 # ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلا الله تعالى. وبالجملة، فهذه ~~الآية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام في الدارين، حيث ~~أجمله ووكله إلى رضاه وهذا غاية الإحسان والإكرام. ### | تنبيه: # قال في (المواهب اللدنية) ms4698 : وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى واحدا ~~من أمته في النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور ~~الشيطان لهم، ولعبه بهم. فإنه صلوات الله عليه وسلامه يرضى بما يرضى به ربه ~~تبارك وتعالى، وهو سبحانه وتعالى يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة. ~~وقد ولع الحشوية بتقوية أمثال هذه الآثار المفتراة تغريرا للجهال وتزيينا ~~لموارد الضلال. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الضحى (93) : الآيات 6 الى 11] # ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما ~~اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) # وأما بنعمة ربك فحدث (11) # ألم يجدك يتيما فآوى قال أبو السعود: تعديد لما أفاض عليه من أول أمره ~~إلى ذلك الوقت، من فنون النعماء العظام، ليستشهد بالحاضر الموجود على ~~المترقب الموعود. فيطمئن قلبه وينشرح صدره، والهمزة لإنكار النفي وتقرير ~~المنفي على أبلغ وجه. كأنه قيل: قد وجدك إلخ. والوجود بمعنى العلم. # روي أن أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر. وماتت أمه وهو ابن ثمان ~~سنين، فكفله عمه أبو طالب وعطفه الله عليه فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه ووجدك ~~ضالا فهدى # أي غافلا عما أوحاه إليك من الهدى والفرقان، فهداك إليه وجعلك إماما له، ~~كما في آية ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] . # قال الشهاب: فالضلال مستعار من (ضل في طريقه) إذا سلك طريقا غير موصلة ~~لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة، من طريق الاكتساب ووجدك عائلا أي ~~فقيرا فأغنى أي فأغناك بمال خديجة الذي وهبته إياه. أو بما حصل لك من ربح ~~التجارة فأما اليتيم فلا تقهر فلا تغلبه على ماله فتذهب بحقه، استعطافا منك ~~له وأما السائل فلا تنهر قال ابن جرير: أي وأما من سألك من ذي حاجة فلا ~~تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته. أي لأن للسائل حقا، كما قال تعالى: ~~والذين في # PageV09P492 # أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم # [المعارج: 24- 25] . # وقد ذهب الحسن- فيما ms4699 نقله الرازي- إلى أن المراد من السائل من يسأل ~~العلم. فيكون في مقابلة قوله تعالى: ووجدك ضالا فهدى وهكذا قال ابن كثير: # أي وكما كنت ضالا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد. قال ~~الإمام: # ويؤيد هذا المعنى ما ورد في أحوال الذين كانوا يسألونه عليه الصلاة ~~والسلام بيان ما يشتبه عليهم. فمنهم أهل الكتاب الممارون. ومنهم الأعراب ~~الجفاة. ومنه من كان يسأل عما لا يسأل عنه الأنبياء. فلا غرو أن يأمره الله ~~بالرفق بهم، وينهاه عن نهرهم، كما عاتبه على التولي عن الأعمى السائل، في ~~سورة عبس. انتهى. # وأما بنعمة ربك فحدث أي بشكرها وإظهار آثارها، فيرغب فيما لديه منها، ~~ويحرص على أن تصدر المحاويج عنها. وهذا هو سر الأمر بالتحدث بها. وفي الآية ~~تنبيه على أدب عظيم. وهو التصدي للتحدث بالنعمة وإشهارها، حرصا على التفضل ~~والجود والتخلق بالكرم، وفرارا من رذيلة الشح الذي رائده كتم النعمة ~~والتمسكن والشكوى. # قال الإمام: عن عادة البخلاء أن يكتموا مالهم، لتقوم لهم الحجة في قبض ~~أيديهم عن البذل. فلا تجدهم إلا شاكين من القل. أما الكرماء فلا يزالون ~~يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من ~~رزقه. فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء ~~وإعانة المحتاجين. # فهذا هو قوله: وأما بنعمة ربك فحدث أي إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه ~~الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء. وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن ~~هذا من الفجفجة التي يتنزه عنها النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يعرف عنه في ~~امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض. ولكن الذي عرف عنه ~~أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويا. وقد يقال: إن المراد من النعمة النبوة. ~~ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ووجدك عائلا فتكون ~~النعمة بمعنى الغنى. ولو كانت بمعنى النبوة، لكانت مقابلة لقوله: ووجدك ~~ضالا وقد علمت الحق في مقابله. والله أعلم. # PageV09P493 # بسم الله الرحمن ms4700 الرحيم ### | سورة الشرح # مكية. وقيل: مدنية، وهو الأقوى عندي. فإن استقرار هذه النعم المعدودة ~~فيها، إنما كان بالمدينة المنورة، كما لا يخفى. وآيها ثمان. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى # 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) # ألم نشرح لك صدرك أي: ألم نوسعه بإلقاء ما يسره ويقويه، وإظهار ما خفي ~~عليه من الحكم والأحكام، وتأييده وعصمته، حتى علم ما لم يعلم وصار مستقر ~~الحكمة ووعاء حقائق الأنباء، والهمزة لإنكار النفي. ونفي النفي إثبات. ولذا ~~عطف المثبت عليه. وأصل الشرح بسط اللحم ونحوه، مما فيه توسيع مستلزم لإظهار ~~باطنه، وما خفي منه. استعمل في القلب الشرح والسعة، لأنه محل الإدراك لما ~~يسر وضده. فجعل إدراكه لما فيه مسرة يزيل ما يحزنه، شرحا وتوسيعا. وذلك ~~لأنه بالإلهام ونحوه، مما ينفس كربه ويزيل همه، بظهور ما كان غائبا عنه ~~وخفيا عليه، مما فيه مسرته. كما يقال (شرح الكتاب) إذا وضحه. ثم استعمل في ~~الصدر الذي هو محل القلب مبالغة فيه. لأن اتساع الشيء يتبعه اتساع ظرفه. ~~ولذا تسمع الناس يسمون السرور بسطا. ثم سموا ضده ضيقا وقبضا. وهو من المجاز ~~المتفرع على الكناية بوسائط، وبعد الشيوع زال الخفاء وارتفعت الوسائط- هذا ~~ما حققه الشهاب. # ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك قال الشهاب: الوزر الحمل الثقيل. ووضعه: # إزالته عنه. لأنه إذا تعدى ب (على) كان بمعنى التحميل. وإذا تعدى ب (من) ~~كان بمعنى الإزالة. والإنقاض: حصول النقيض وهو صوت فقرات الظهر. وقيل: صوت ~~الجمل أو الرحل أو المركوب إذا ثقل عليه. فالإنقاض، التثقيل في الحمل حتى ~~يسمع له نقيض، أي صوت، كما قاله الأزهري. # PageV09P494 # وقال ابن عرفة: هو إثقال يجعل ما حمل عليه نقضا. أي مهزولا ضعيفا. وقد ~~مثل بذلك حاله صلوات الله عليه، مما كان يثقل عليه ويغمه من قلة المستجيبين ~~لدعوته، وضعف من سبق إلى الإيمان به، وشيوع الشرك والضلال في جزيرة العرب، ~~وقوة أهلها. ووضعه عنه ms4701 هو كثرة من آمن بعد، ودخولهم في دين الله أفواجا، ~~وقوة أتباعه وانمحاء الشرك والجاهلية من الجزيرة، وذل أهلها بعد العز، ~~وانقيادهم بعد شدة الإباء. وقيل: الآية كناية عن عصمته وتطهيره من دنس ~~الآثام كقوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] . # والوجه الأول أقوى، وفي الآية، على كل، استعارة تمثيلية. والوضع ترشيح ~~لها ورفعنا لك ذكرك أي بالنبوة وفرض الاعتراف برسالته وجعله شرطا في قبول ~~الإيمان وصحته. وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة. فليس خطيب ~~ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا رسول الله. # وعن مجاهد: أي لا أذكر إلا ذكرت معي. قال الشهاب وهذا- أي المأثور عن ~~مجاهد- إن أخذ كلية خالف الواقع. فإنه كم ذكر الله وحده! وكم ذكر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وحده! وإن عين موضعا فهو ترجيح بلا مرجح. وإن جعلت ~~القضية مهملة، فلا يخفى ما في الإهمال من الركاكة. # قال: وقد أمعنت فيه النظر فلم أر ما يثلج الصدر، ويرد السائل غير صفر، ~~حتى لاح لي أن الجواب الحق أن يقال: الذكر محمول على الذكر في مجامع ~~العبادة ومشاهدها. فإن ذكره صلى الله عليه وسلم مقرون بذكره فيها في الواقع ~~في الصلوات والخطب. # فلا ترى مشهدا من مشاهد الإسلام إلا وهو كذلك. فلا ينفك ذكره صلى الله ~~عليه وسلم عن ذكره تعالى في يوم من الأيام، ولا ليلة من الليالي بل ولا في ~~وقت من الأوقات المعتد بها، فتتجه الكلية. فإن قلت: من أين لك هذا التقييد، ~~فهل هو إلا ترجيح من غير مرجح؟ # قلت: المقام ناطق بهذا القيد. فإن المراد التنويه بذكره صلى الله عليه ~~وسلم وإشاعة قدره، الدال على قربه صلى الله عليه وسلم من ربه، كقرب اسمه من ~~اسمه، وإنما يكون هذا بذكره في المحافل والمشاهد والجوامع والمساجد. وأي ~~إشاعة أقوى من الآذان؟ لا في الأسواق والطرق التي يطرح فيها كل ذكر. # ثم قال: واعلم أن تحقيق ms4702 هذا المقام ما قاله الإمام الشافعي في أول ~~(رسالته الجديدة) وبينه السبكي في تعليقة على الرسالة فقال رحمه الله ~~تعالى: # قال الإمام رضي الله تعالى عنه عن مجاهد في تفسير الآية: لا أذكر إلا ~~ذكرت معي: أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدا رسول الله. قال ~~الشافعي: يعني # PageV09P495 # ذكره عند الإيمان بالله والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن وعند ~~العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية. # قال السبكي: هذا الاحتمال من الشافعي جيد جدا. وهو مبني على أن المراد ~~بالذكر، الذكر بالقلب، وهو صحيح. فعلى هذا يعم. لأن الفاعل للطاعة أو الكاف ~~عن المعصية امتثالا لأمر الله تعالى به، ذاكرا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بقلبه، لأنه المبلغ لها، عن الله. وهذا أعم من الذكر باللسان، فإنه مقصور ~~على الإسلام والأذان والتشهد والخطبة ونحوها. قال الشافعي: فلم تمس بنا ~~نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين أو دنيا. أو رفع عنا بها مكروه ~~فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها. فعلم من هذا ~~أنه إن أبقى العموم والحصر على ظاهره، حمل الذكر على الذكر القلبي فيشمل كل ~~موطن من مواطن العبادة والطاعة، فإن العاقل المؤمن إذا ذكر الله، تذكر من ~~دل على معرفته وهداه إلى طاعته، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ~~قيل: # فأنت باب الله أي امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل؟ # ولك أن تقول: المراد برفع ذكره تشريفه صلى الله عليه وسلم بمقارنته لذكره ~~في شعائر الدين الظاهرة، وأولها كلمتا الشهادة، وهما أساس الدين ثم الأذان ~~والصلاة والخطب. # فالحصر إضافي. انتهى كلام الشهاب. وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الشرح (94) : الآيات 5 الى 8] # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) # فإن مع العسر يسرا إشارة إلى أن الذي منحه، صلوات الله عليه، من شرح ~~الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر، بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول ~~السير، كان على ms4703 ما جرت به سنته تعالى في هذا النوع من الخليقة. وهو أن مع ~~العسر يسرا. ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب. (وأل) في (العسر) ~~للاستغراق ولكنه استغراق بالمعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه. فهو ~~العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى ~~المطلوب. ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف. فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، ~~وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل ~~الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ~~ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما ~~تلاقيه عند الصدمة الأولى، فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة. وقد كان ~~هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر ~~والنظر حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك، وهو # PageV09P496 # الوحي والنبوة. ثم لم تكسر مقاومات قومه شيئا من عزمه. بل ما زال يلتمس ~~الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة ~~والقياصرة وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارا طوالا. أفاده الإمام رحمه ~~الله. ### | لطيفة: # تنكير (يسرا) للتعظيم. والمراد يسر عظيم وهو يسر الدارين. وفي كلمة (مع) ~~إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر، كأنه مقارن للعسر. فهو استعارة، شبه التقارب ~~بالتقارن، فاستعير لفظ (مع) لمعنى (بعد) وقوله تعالى: إن مع العسر يسرا ~~تكرير للتأكيد، أو عدة مستأنفة بأن العسر مشفوع بيسر آخر كثواب الآخرة. ~~وعليه أثر: «1» (لن يغلب عسر يسرين) فإن المعرف إذا أعيد يكون الثاني عين ~~الأول، سواء كان معهودا أو جنسا. وأما المنكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد ~~مغاير لما أريد بالأول فإذا فرغت أي من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك ~~فانصب أي خذ في عمل آخر واتعب فيه. فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما ~~تجنيه من ثمرة العمل، قاله الإمام وإلى ربك فارغب # أي في الدعوة إليه. أي ms4704 لا ترغب إلا إلى ذاته، دون ثواب أو غرض آخر، لتكون ~~دعوتك وهدايتك إليه، قال القاشاني. # وقال ابن جرير: اجعل نيتك ورغبتك إليه دون من سواه من خلقه. إذ كان هؤلاء ~~المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد، والأظهر ~~عندي، اعتمادا على ما صححناه من أن الآية مدنية وأنها من أواخر ما نزل- أن ~~يكون معنى قوله تعالى فإذا فرغت فانصب أي فرغت من مقارعة المشركين، وظفرت ~~بأمنيتك منهم، بمجيء نصر الله والفتح، فانصب في العبادة والتسبيح ~~والاستغفار، شكرا لله على ما أنعم، وأرغب إليه خاصة ابتغاء لمرضاته. فتكون ~~الآيتان بمعنى سورة إذا جاء نصر الله والفتح ثم رأيت ابن جرير نقل مثله عن ~~ابن زيد عن أبيه قال: فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب وانقطع جهادهم، ~~فانصب لعبادة الله وإليه فارغب. وهو ظاهر. نعم لفظ الآية عام فيما أثرناه ~~جميعه. إلا أن السياق والنظائر- وهو أهم ما يرجع إليه- يؤيد ما قاله ابن ~~زيد واعتمدناه. والله أعلم. PageV09P497 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة التين # مكية، ويقال: مدنية. وأيد الأول بقوله: وهذا البلد وآيها ثمان. # روي عن البراء بن عازب «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين ~~والزيتون. # فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. أخرجه الجماعة. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة التين # (95) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) # اعلم أن المفسرين لم يختلفوا في أن البلد الأمين مكة المشرفة، الآمن ~~أهلها أن يحاربوا كما قال تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم [العنكبوت: 67] ، وأما المقسمات بها قبل، ففيها أقوال للسلف ~~لاحتمال موادها لكل منها. فعن مجاهد والحسن وغيرهما أن التين الذي يؤكل ~~والزيتون الذي يعصر. قالوا: وخصهما لكثرة فوائدهما وعظم منافعهما. وعن ~~قتادة (التين) الجبل الذي عليه دمشق و (الزيتون) الذي عليه بيت المقدس. وعن ~~كعب وابن زيد: (التين) مسجد دمشق و (الزيتون) بيت المقدس. فطهر أنهما ~~الشجران ms4705 المعلومان أو جبلان أو مسجدان. وصوب ابن جرير الأول منها، وعبارته: # والصواب من القول في ذلك عندنا، قول من قال التين هو التين الذي يؤكل ~~والزيتون هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت. لأن ذلك هو المعروف عند العرب. # ولا يعرف جبل يسمى تينا ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ~~ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام، القسم بمنابت التين ~~ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهبا وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة ~~في ظاهر التنزيل PageV09P498 # ولا من قول من لا يجوز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس ~~منابت الزيتون. انتهى كلامه. وفيه نظر، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. كيف ~~وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين ~~في تقويم البلاد. # قال صاحب (الذخيرة) في تعداد جبال فلسطين: ويتصل بجبال إسرائيل جبل ~~الزيتون. قال: وقد دعي كذلك لكثرة الزيتون فيه، وهو قريب المسافة من ~~أورشليم، وفيه صعد المسيح لكي يرتفع إلى السماء. انتهى. # ويسمى أيضا طور زيتا إلى الآن. على أن فيما صوبه ابن جرير، تبقى المناسبة ~~بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد- غير ~~مفهومة. كما قاله الإمام. فالأرجح أنهما موضعان أو موضع واحد معظم، ويكون ~~المقسم به ثلاثة مواضع مقدسة. # قال ابن كثير: وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله من كل واحد منها ~~نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار. فالأول محل التين والزيتون ~~وهو بيت المقدس الذي بعث الله فيه عيسى ابن مريم عليهما السلام. # والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. # والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم وفي التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من ~~طور سيناء: يعني الذي كلم الله عليه موسى. وأشرق من ساعير: يعني جبل بيت ~~المقدس الذي بعث الله عنه ms4706 عيسى. واستعلن من جبال فاران: يعني جبل مكة التي ~~أرسل الله منها محمدا صلى الله عليه وسلم. فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب ~~الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان. ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم ~~بالأشرف منهما. انتهى كلام ابن كثير. # ومراده ببعض الأئمة، شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان. ~~فإنه ذكر ذلك في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ونحن ننقلها ~~زيادة في إيضاح المقام، واهتماما بتحقيقه. قال رحمه الله (فصل شهادة الكتب ~~المتقدمة بنبوته صلى الله عليه وسلم) : وذلك مثل قوله في التوراة ما قد ~~ترجم بالعربية: جاء الله من طور سيناء. وبعضهم يقول في الترجمة: تجلى الله ~~من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران. قال كثير من العلماء ~~(واللفظ لأبي محمد بن قتيبة) : ليس بهذا خفاء على من تدبره. ولا غموض. لأن ~~مجيء الله من طور سيناء، إنزاله التوراة # PageV09P499 # على موسى بطور سيناء. كالذي هو عند أهل الكتاب وعندنا. وكذلك يجب أن يكون ~~إشراقه من ساعير، إنزاله على المسيح الإنجيل. وكان المسيح من ساعير أرض ~~الجليل بقرية تدعى ناصرة، وباسمها تسمى من اتبعه نصارى. وكما وجب أن يكون ~~إشراقه من ساعير بالمسيح، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران، ~~إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في جبال فاران. وهي جبال مكة. # قال: وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة. فإن ادعوا ~~أنها غير مكة- وليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم- قلنا أليس في التوراة أن ~~إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا دلونا على الموضع الذي استعلن ~~الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح. أو ليس ~~استعلن وعلن بمعنى واحد وهما: ظهر وانكشف. فهل تعلمون دينا ظهر ظهور ~~الإسلام وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه؟؟. # وقال أبو هاشم بن طفر: ساعير جبل بالشام، منه ظهرت نبوة المسيح عليه ~~السلام. قلت: وبجانب بيت لحم- القرية التي ولد فيها المسيح- قرية تسمى إلى ~~اليوم ساعير. ولها جبال تسمى ms4707 جبال ساعير، وعلى هذا فيكون ذكر الثلاثة ~~الجبال: # جبل حراء الذي ليس حول مكة جبل أعلى منه، وفيه كان أول نزول الوحي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحوله من الجبال جبال كثيرة. وذلك المكان يسمى ~~فاران إلى هذا اليوم. وفيه كان ابتداء نزول القرآن. والبرية التي بين مكة ~~وطور سينا تسمى برية فاران. ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح، نزل ~~كتاب في شيء من تلك الأرض، ولا بعث نبي. فعلم أن ليس المراد باستعلانه من ~~جبال فاران، إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. وهو سبحانه ذكر هذا في ~~التوراة على الترتيب الزماني فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن. ~~وهذه الكتب نور الله وهداه. # وقال في الأول: جاء أو ظهر. وفي الثاني: أشرق. وفي الثالث: استعلن. وكان ~~مجيء التوراة مثل طلوع الفجر أو ما هو أظهر من ذلك. ونزول الإنجيل مثل ~~إشراق الشمس زاد به النور والهدى. وأما نزول القرآن فهو بمنزلة ظهور الشمس ~~في السماء. # ولهذا قال: واستعلن من جبال فاران. فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ظهر به ~~نور الله وهداه في شرق الأرض وغربها، أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، ~~كما يظهر نور الشمس إذا استعلنت في مشارق الأرض ومغاربها. ولهذا سماه الله ~~سراجا منيرا. وسمى الشمس سراجا وهاجا. والخلق محتاجون إلى السراج المنير، ~~أعظم من حاجتهم إلى السراج # PageV09P500 # الوهاج. فإن الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت. بل قد يتضررون به بعض ~~الأوقات. وأما السراج المنير فيحتاجون إليه في كل وقت، وكل مكان، ليلا ~~ونهارا، سرا وعلانية. وقد قال صلى الله عليه وسلم «1» : زويت لي الأرض ~~فرأيت مشارقها ومغاربها. وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. وهذه الأماكن ~~الثلاثة، أقسم الله بها في القرآن في قوله: # والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين فأقسم بالتين والزيتون، ~~وهو الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه فيها ~~الإنجيل. وأقسم بطور سيناء وهو الجبل الذي كلم الله موسى وناداه فيه، من ~~واديه ms4708 الأيمن، في البقعة المباركة من الشجرة- وأقسم بهذا البلد الأمين وهو ~~مكة الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل، وأمه هاجر فيه. وهو الذي جعله الله ~~حرما آمنا ويتخطف الناس من حوله. # وجعله آمنا خلقا وأمرا، قدرا وشرعا. # ثم قال (ابن تيمية) : فقوله تعالى: والتين والزيتون وطور سينين وهذا ~~البلد الأمين إقسام منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة التي ظهر فيها ~~نوره وهداه، وأنزل فيها كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن. كما ذكر ~~الثلاثة في التوراة بقوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن ~~من جبال فاران. # ولما كان ما في التوراة خبرا عنها، أخبر بها على ترتيبها الزماني، فقدم ~~الأسبق فالأسبق وأما في القرآن، فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها. وذلك تعظيم ~~لقدرته سبحانه وآياته وكتبه ورسله. فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد ~~درجة. فختمها بأعلى الدرجات. فأقسم أولا بالتين والزيتون. ثم بطور سينين، ~~ثم بمكة. لأن أشرف الكتب الثلاثة القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل. وكذلك ~~الأنبياء. فأقسم بها على وجه التدريج كما في قوله: والذاريات ذروا ~~فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا [الذاريات: 1- 4] ، فأقسم ~~بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة. # فأقسم بالرياح الذاريات ثم بالسحاب الحاملات للمطر فإنها فوق الرياح، ثم ~~بالجاريات يسرا، وقد قيل إنها السفن، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب ~~المذكورة في قوله: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس [التكوير: 15- 16] ، ~~فسماها جواري كما سمى الفلك جواري في قوله: ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام [الشورى: 32] ، والكواكب فوق السحاب ثم قال: فالمقسمات أمرا ~~[الذاريات: 4] ، وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله. PageV09P501 # واستظهر بعض المعاصرين أن قوله تعالى: والتين يعني به شجرة (بوذا) مؤسس ~~الديانة البوذية، التي تحرفت كثيرا عن أصلها الحقيقي. لأن تعاليم بوذا لم ~~تكتب في زمنه. وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية. ثم كتبت بعد ذلك ~~حينما ارتقى أتباعها. # ثم قال: والراجح عندنا، بل المحقق إذا صح تفسيرنا لهذه الآية، أنه كان ~~نبيا صادقا ويسمى (سكياموتي) أو (جوناما) وكان في أول أمره يأوي إلى شجرة ~~تين عظيمة وتحتها ms4709 نزل عليه الوحي. وأرسله الله رسولا. فجاءه الشيطان ليفتنه ~~هناك فلم ينجح معه. ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين، وتسمى عندهم ~~(التينة المقدسة) وبلغتهم (أجابالا) . # قال: ففي هذه الآية ذكر الله تعالى أعظم أديان البشر الأربعة الموحاة منه ~~تعالى لهدايتهم ونفعهم في دينهم ودنياهم. فالقسم فيها كالتمهيد لقوله بعده: ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم إلى آخر السورة. # قال: ولا يزال أهل الأديان الأربعة هم أعظم أمم الأرض وأكثرهم عددا ~~وأرقاهم. # والترتيب في ذكرها في الآية، هو باعتبار درجة صحتها بالنسبة لأصولها ~~الأولى. فبدأ تعالى بالقسم بالبوذية لأنها أقل درجة في الصحة وأشد الأديان ~~تحريفا عن أصلها. # كما يبدأ الإنسان بالقسم بالشيء الصغير، ثم يرتقي للتأكيد إلى ما هو ~~أعلى. ثم النصرانية وهي أقل من البوذية تحريفا. ثم اليهودية وهو أصح من ~~النصرانية، ثم الإسلامية وهو أصحها جميعا وأبعدها عن التحريف والتبديل. بل ~~إن أصولها، الكتاب والسنة العملية المتواترة، لم يقع فيها تحريف مطلقا. ومن ~~محاسن هذه الآية الشريفة غير ذلك، ذكر ديني الفضل (البوذية والمسيحية) أولا ~~ثم ديني العدل (اليهودية والإسلامية) ثانيا للإشارة إلى الحكمة بتربية ~~الفضل والمسامحة مع الناس أولا. ثم تربية الشدة والعدل. وكذلك بدأ الإسلام ~~باللين والعفو ثم بالشدة والعقاب. # ولا يخفى على الباحثين التشابه العظيم بين بوذا وعيسى ودينيهما. وكذلك ~~التشابه بين موسى ومحمد ودينيهما. فلذا جمع الأولان معا والآخران كذلك. ~~وقدم البوذية على المسيحية لقدم الأولى. كما قدم الموسوية على المحمدية ~~لهذا السبب بعينه. # ومن محاسن الآية أيضا الرمز والإشارة إلى ديني الرحمة بالفاكهة والثمرة، ~~وإلى ديني العدل بالجبل والبلدة الجبلية (مكة) وهي البلد الأمين. ومن ~~التناسب البديع بين ألفاظ الآية أن التين والزيتون ينبتان كثيرا في أودية ~~الجبال، كما في جبل الزيتون # PageV09P502 # بالشام وطور سيناء، وهما مشهوران بها. فهذه الآية قسم بأول مهابط الوحي، ~~وأكرم أماكن التجلي الإلهي على أنبيائه الأربعة، الذين بقيت شرائعهم للآن. ~~وأرسلهم الله لهداية الناس الذين خلقهم في أحسن تقويم. انتهى بحروفه. والله ~~أعلم. ### | لطيفة: # لم ينصرف (سينين) كما ms4710 لا ينصرف (سيناء) لأنه جعل اسما للبقعة أو الأرض. ~~فهو علم أعجمي. ولو جعل اسما للمكان أو المنزل أو اسما لمذكر لانصرف، لأنك ~~سميت به مذكرا. وقرأ العامة (سينين) بكسر السين. وقرأ بعض السلف بفتحها. ~~وآخرون (سيناء) بالكسر والفتح ممدودا. قال السمين: وهذه لغات اختلفت في هذا ~~الاسم السرياني، على عادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية. # وقوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التين (95) : الآيات 4 الى 8] # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين ~~(7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم أي في أحسن تعديل خلقا، وشكلا، صورة ~~ومعنى قال الشهاب: الظرف في موضع الحال من الإنسان. والتقويم فعل الله، فهو ~~بمعنى القوام أو المقوم، أو فيه مضاف مقدر، أي قوام أحسن تقويم، أو (في) ~~زائدة والتقدير: قومناه أحسن تقويم. # ثم رددناه أسفل سافلين أي جعلناه أسفل من سفل، وهم أصحاب النار لعدم ~~جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي لو عمل بمقتضاها لكان في ~~أعلى عليين، ف (رد) بمعنى جعل التي تنصب مفعولين. قال الشهاب: و (السافلين) ~~العصاة وغيرهم، وأسفل سافل للمتعدد المتفاوت. و (ثم) للتراخي الزماني أو هو ~~رتبي، وجوز نصب أسفل بنزع الخافض صفة لمحذوف. أي إلى مكان أسفل سافلين. أي ~~محل النار. أو النار بمعنى جهنم. وهذا ما قاله مجاهد حيث قال: (في النار) ~~وفي رواية (إلى النار) والسافلين، على هذا، الأمكنة السافلة وهي دركاتها. # وجمعها للعقلاء للفاصلة، أو للتنزيل منزلة العقلاء. كذا قالوا. ولو أريد ~~بهم أهل النار والدركات، لأنهم أسفل السفل كالأول، لكان أولى. # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون أي غير مقطوع أو غير # PageV09P503 # منقوص أو غير محسوب أو غير ممنون به عليهم. والاستثناء متصل من ضمير ~~(رددناه) فإنه في معنى الجمع لأن المكني عنه وهو الإنسان، في معنى الجنس. # هذا، وقد اعتمد ابن جرير في تأويل الآية، ms4711 ما روي عن ابن عباس من أن ~~المعنى (ثم رددناه إلى أرذل العمر. وأن من كان يعمل بطاعة الله في شبيبته ~~كلها، ثم كبر حتى ذهب عقله، كتب له مثل عمله الصالح الذي كان يعمل في ~~شبيبته، ولم يؤاخذ بشيء مما عمل في كبره وذهاب عقله، من أجل أنه مؤمن وكان ~~يطيع الله في شبيبته) . # وعبارة ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، وأشبهها بتأويل ~~الآية، قول من قال معناه: ثم رددناه أي إلى أرذل العمر إلى عمر الخرفى ~~الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر، فهو في أسفل من سفل في إدبار العمر، ~~وذهاب العقل. # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال صحتهم وشبابهم فلهم أجر غير ~~ممنون بعد هرمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم، في حال ما كانوا ~~يعملون وهم أقوياء على العمل. # قال: وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب في ذلك، لأن الله تعالى ذكره ~~أخبر عن خلقه ابن آدم وتصريفه في الأحوال، احتجاجا بذلك على منكري قدرته ~~على البعث بعد الموت. ألا نرى أنه يقول: فما يكذبك بعد بالدين يعني بعد هذه ~~الحجج. ومحال أن يحتج على قوم كانوا منكرين معنى من المعاني بما كانوا له ~~منكرين. وإنما الحجة على كل قوم بما لا يقدرون على دفعه مما يعاينونه ~~ويحسونه، أو يقرون به وإن لم يكونوا له محسين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان ~~القوم، للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا أهل ~~الهرم والخرف من بعد الشباب والجلد شاهدين، علم أنه إنما احتج عليهم بما ~~كانوا له معاينين من تصريفه خلقه ونقله إياهم من حال التقويم الحسن، ~~والشباب والجلد إلى الهرم والضعف وفناء العمر وحدوث الخرف. انتهى كلامه. # وعليه فيكون الاستثناء منقطعا، استدراكا للدفع ما يتوهم من أن التساوي في ~~أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره، ويكون (الدين) حينئذ مبتدأ، والفاء ~~داخلة في خبره. وأما على الوجه الأول، فالفاء للتفريع، ومدخولها جملة ~~مترتبة عليه، ومؤكدة له. وقوله تعالى: فما يكذبك ms4712 بعد بالدين خطاب للإنسان ~~على طريق الالتفات، لتشديد التوبيخ والتبكيت، أي فما يحملك على التكذيب ~~بالدين، أي # PageV09P504 # الجزاء بعد البعث، وإنكاره بعد هذه الدلائل. والمعنى: إن خلق الإنسان من ~~نطفة وتقويمه بشرا سويا، وتحويله من حال إلى حال، كمالا ونقصانا، من أوضح ~~الدلائل على قدرة الله عز وجل على البعث، والجزاء فأي شيء تضطرك إلى ~~التكذيب به؟ # وجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعنى يكذبك إما ينسبك إلى ~~الكذب (كفسقته إذا قلت له إنه فاسق) والباء في بالدين بمعنى (في) أي يكذبك ~~في إخبارك به. أو سببية أي بسبب إخبارك به وإثباته. أو المعنى ما يجعلك ~~مكذبا بالدين. على أن الباء صلته. وهو من باب الإلهاب والتعريض بالمكذبين، ~~والمعنى إنه لا يكذبك شيء ما بعد هذا البيان بالدين. لا كهؤلاء الذين لا ~~يبالون بآيات الله ولا يرفعون لها رأسا. والاستفهام للإنكار والتعجب. # واستصوب ابن جرير: قول من قال (ما) بمعنى (من) أي فمن يكذبك يا محمد بعد ~~الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين. # قال الشهاب: (فما) استفهام عمن يعقل، وفيه نظر، لأنه خلاف المعروف، فلا ~~يرتكب مع صحة بقائها على أصلها، كما بيناه لك. والداعي لارتكاب هذا، أن ~~المعنى عليه أظهر إذا كان المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنكار ~~توبيخي للمكذبين له صلى الله عليه وسلم بعد ما ظهر لهم من دلائل صدقه وصحة ~~مدعاه أليس الله بأحكم الحاكمين أي بأحكم من حكم في أحكامه. قال أبو ~~السعود: أي أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا، حتى يتوهم ~~عدم الإعادة والجزاء، وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين، تعين الإعادة ~~والجزاء. فالجملة تقريرا لما قبلها. وقيل: الحكم بمعنى القضاء، فهي وعيد ~~للكفار وأنه يحكم عليهم بما يستحقونه من العذاب و (أحكم) من الحكم أو ~~الحكمة. قيل: والثاني أظهر. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأها قال: # بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. أرسله قتادة، ورفعه أبو هريرة إلى النبي ~~صلى الله ms4713 عليه وسلم # PageV09P505 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العلق # سورة العلق. وهي مكية بالإجماع. وصدرها أول آية نزلت من القرآن، كما صحت ~~بذلك الأخبار. وأما أول سورة نزلت كاملة فهي الفاتحة. ويروى في الأوائل ~~غيرها، ولا منافاة. لأن الأولية حقيقية ونسبية. # روى الشيخان «1» وغيرهما عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء. فكان يخلوا بغار حراء فيتحنث فيه ~~الليالي ذوات العدد. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود ~~لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ قال: ما أنا ~~بقارئ. قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت: # ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال ~~اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم # فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده. PageV09P506 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) # علم الإنسان ما لم يعلم (5) # اقرأ باسم ربك الذي خلق أي اقرأ ما يوحى إليك من القرآن ملتبسا باسمه ~~تعالى. أي مبتدئا به لتتحقق مقارنته لجميع أجزاء المقروء. قال أبو السعود: # والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية، والتبليغ إلى الكمال اللائق ~~شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام، للإشعار بتبليغه عليه السلام ~~إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية، بإنزال الوحي المتواتر. ووصف الرب ~~بقوله تعالى: الذي خلق لتذكير أول النعماء الفائضة عليه صلى الله عليه وسلم ~~منه تعالى. والتنبيه على أن من قدر على خلق الإنسان على ما هو عليه من ~~الحياة، وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية، من مادة لم تشم ms4714 رائحة ~~الحياة فضلا عن سائر الكمالات، قادر على تعليم القراءة للحي العالم ~~المتكلم- أي الذي أنشأ الخلق واستأثر به أو خلق كل شيء. # وقال الإمام: ترى من سياق الرواية التي قدمناها أن المتبادر من معنى ~~الآية الأولى: كن قارئا باسم الله من قبيل الأمر التكويني. فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن قارئا ولا كاتبا. ولذلك كرر القول مرارا: ما أنا ~~بقارئ. وبعد ذلك جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئا وإن لم يكن كاتبا. فإنه ~~سينزل عليه كتاب يقرؤه. وإن كان لا يكتبه. ولذلك وصف الرب بالذي خلق، أي ~~الذي أوجد الكائنات التي لا يحيط بها الوصف، قادر أن يوجد فيك القراءة وإن ~~لم يسبق لك تعلمها. لأنك لم تكن تدري ما الكتاب. # فكأن الله يقول: كن قارئا بقدرتي وبإرادتي. وإنما عبر بالاسم، لأنه كما ~~سبق في (سورة سبح) دال على ما تعرف به الذات، وخلق القراءة يلفتك إلى الذات ~~وصفاتها جميعا. لأن القراءة علم في نفس حية. فهي تخط ببالك من الله وجوده ~~وعلمه وقدرته وإرادته. أما إذا حملنا الأمر على التكليف وقلنا: إن المعنى ~~أنك مأمور إذا قرأت أن تقرأ باسم الله. وهو خلاف المتبادر، فيكون معنى ذلك: ~~إذا قرأت فاقرأ # PageV09P507 # دائما على أن تكون قراءتك عملا تنفذه لله لا لغيره فلو فرض أنه قرأ وجعل ~~قراءته لله لا لأحد سواه ولم يذكر الاسم، فهو قارئ باسم الله. وإنما طلبت ~~التسمية باللسان لتكون منبهة للضمير في بداية كل عمل، إلى أن يرجع إلى الله ~~في ذلك العمل. # ويلاحظ أنه يعمل لاسمه لا لاسم غيره سبحانه. انتهى. وهو جيد خلق الإنسان ~~من علق أي دم جامد. وهي حالة الجنين في الأيام الأولى لخلقه، وتخصيص خلق ~~الإنسان بالذكر من بين سائر المخلوقات، لاستقلاله ببدائع الصنع والتدبير ~~وتفخيما لشأنه. إذ هو أشرفها وإليه التنزيل. وهو المأمور بالقراءة وإنما ~~قال علق دون (علقة) كما في الآية الأخرى، لرعاية الفواصل، ولأن الإنسان ~~مراد به الجنس. # فهو في معنى الجمع. فلذا جمع ما خلق ms4715 منه ليطابقه. وخص العلق دون غيره من ~~التارات، لأنه أدل على كمال القدر، من المضغة. مع استلزامه لما تقدمه. ومع ~~رعاية الفواصل. # قال الإمام: أي ومن كان قادرا على أن يخلق من الدم الجامد إنسانا، وهو ~~الحي الناطق الذي يسود بعلمه على سائر المخلوقات الأرضية، ويسخرها لخدمته ~~يقدر أن يجعل من الإنسان الكامل مثل النبي صلى الله عليه وسلم قارئا. وإن ~~لم يسبق له تعلم القراءة. وجاء بهذه الآية بعد سابقتها، ليزيد المعنى ~~تأكيدا. كأنه يقول لمن كرر القول أنه ليس بقارئ: أيقن أنك قد صرت قارئا ~~بإذن ربك الذي أوجد الكائنات، وما القراءة إلا واحدة منها. والذي أنشأ ~~الإنسان خلقا كاملا من دم جامد لا شكل فيه ولا صورة. # وإنما القراءة صفة عارضة على ذلك الإنسان الكامل. فهي أولى بسهولة ~~الإيجاد، ولما كانت القراءة من الملكات التي لا تكسبها النفس إلا بالتكرار، ~~والتعود على ما جرت به العادة في الناس، ناب تكرار الأمر الإلهي عن تكرار ~~المقروء، في تصييرها ملكة للنبي صلى الله عليه وسلم فلهذا كرر الأمر بقوله: ~~اقرأ وربك الأكرم وجملة وربك إلخ استئنافية لبيان أن الله أكرم من كل من ~~يرتجي منه الإعطاء. فيسير عليه أن يفيض عليك هذه النعمة، نعمة القراءة، من ~~بحر كرمه. ثم أراد أن يزيده اطمئنانا بهذه الموهبة الجديدة، فوصف مانحها ~~بأنه الذي علم بالقلم أي أفهم الناس بواسطة القلم كما أفهمهم بواسطة ~~اللسان. والقلم آلة جامدة لا حياة فيها، ولا من شأنها في ذاتها الإفهام. ~~فالذي جعل من الجماد الميت الصامت آلة للفهم والبيان، ألا يجعل منك قارئا ~~مبينا وتاليا معلما وأنت إنسان كامل؟؟ ثم أراد أن يقطع الشبهة من نفسه، ~~ويبعد عنه استغراب أن يقرأ ولم يكن قارئا، فقال: علم الإنسان ما لم يعلم أي ~~إن الذي صدر أمره بأن تكون قارئا، وأوجد فيك ملكة القراءة والتلاوة، ~~وسيبلغك فيها # PageV09P508 # مبلغا لم يبلغه سواك، هو الذي علم الإنسان جميع ما هو متمتع به من العلم، ~~وكان في بدء خلقه لا يعلم ms4716 شيئا، فهل يستغرب من هذا المعلم الذي ابتدأ العلم ~~للإنسان ولم يكن سبق له علم بالمرة، أن يعلمك القراءة وعندك كثير من العلوم ~~سواها ونفسك مستعدة بها لقبول غيرها؟؟ انتهى. ### | تنبيهات: # الأول: قال الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) في مباحث عجائب ~~الإنسان وما في خلقه من الحكم: ثم تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين. ~~البيان النطقي والبيان الخطي وقد اعتد بهما سبحانه في جملة ما اعتد به من ~~نعمة على العبد. فقال في أول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فتأمل كيف جمع في هذه الكلمات مراتب الخلق ~~كلها، وكيف تضمنت مراتب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه. فذكر ~~أولا عموم الخلق وهو إعطاء الوجود الخارجي. ثم ذكر ثانيا خصوص خلق الإنسان ~~لأنه موضع العبرة. والآية فيه عظيمة. # ومن شهوده عما فيه محض تعدد النعم. وذكر مادة خلقه هاهنا من العلقة. وفي ~~سائر المواضع يذكر ما هو سابق عليها. أما مادة الأصل وهو التراب والطين أو ~~الصلصال الذي كالفخار، أو مادة الفرع وهو الماء المهين. وذكر في هذا الموضع ~~أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقة. فإنه كان قبلها نطفة فأول انتقالها ~~إنما هو إلى العلقة. ثم ذكر ثالثا التعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على ~~عباده. إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات ويضبط ~~حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين ~~اللاحقين. ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، ودرست السنن ~~وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذاهب السلف. وكان معظم الخلل الداخل على ~~الناس في دينهم ودنياهم، إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحور صور العلم من ~~قلوبهم. فجعل لهم الكتاب وعاء حافظا للعلم من الضياع. كالأوعية التي تحفظ ~~الأمتعة من الذهاب والبطلان. فنعمة الله عز وجل بتعليم القلم بعد القرآن، ~~من أجل النعم. والتعليم به، وإن كان ms4717 مما يخلص إليه الإنسان بالفطنة ~~والحيلة، فإن الذي بلغ به ذلك وأوصله إليه عطية وهبها الله منه، وفضل أعطاه ~~الله إياه، وزيادة في خلقه وفضله. فهو الذي علمه الكتابة، وإن كان هو ~~المتعلم ففعله فعل مطاوع لتعليم الذي علم بالقلم. فإنه علمه فتعلم. كما أنه ~~علمه الكلام فتكلم. هذا، ومن أعطاه الذهن الذي يعي به، واللسان الذي يترجم # PageV09P509 # به، والبنان الذي يخط به، ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعلم دون سائر ~~الحيوانات، ومن الذي أنطق لسانه وحرك بنانه، ومن الذي دعم البنان بالكف، ~~ودعم الكف بالساعد. # فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعليم بالقلم. فقف وقفة في حال ~~الكتابة وتأمل حالك وقد أمسكت القلم وهو جماد، ووضعته على القرطاس وهو ~~جماد، فتولد من بينهما أنواع الحكم وأصناف العلوم وفنون المراسلات والخطب ~~والنظم والنثر، وجوابات المسائل. فمن الذي أجرى فلك المعاني على قلبك، ~~ورسمها في ذهنك، ثم أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك، ثم حرك بها ~~بنانك حتى صارت نقشا عجيبا، معناه أعجب من صورته، فتقضي به مآربك وتبلغ به ~~حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية والجهات المتباعدة، فيقوم مقامك، ~~ويترجم عنك. ويتكلم على لسانك ويقوم مقام رسولك، ويجدي عليك ما لا يجدي من ~~ترسله، سوى من علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم؟ والتعليم بالقلم يستلزم ~~المراتب الثلاثة: مرتبة الوجود الذهني والوجود اللفظي والوجود الرسمي. فقد ~~دل التعليم بالقلم على أنه سبحانه هو المعطي لهذه المراتب. ودل قوله: خلق ~~على أنه يعطي الوجود العيني. فدلت هذه الآيات، مع اختصارها ووجازتها ~~وفصاحتها، على أن مراتب الوجود بأسرها مسندة إليه تعالى خلقا وتعليما. وذكر ~~خلقين وتعليمين خلقا عاما وخلقا خاصا، وتعليما خاصا وتعليما عاما. وذكر من ~~صفاته هاهنا اسم (الأكرم) الذي هو فيه كل خير وكل كمال. فله كل كمالا وصفا، ~~ومنه كل خير فعلا. فهو (الأكرم) في ذاته وأوصافه وأفعاله. وهذا الخلق ~~والتعليم إنما نشأ من كرمه وبره وإحسانه، لا من حاجة دعته إلى ذلك، وهو ~~الغني الحميد. ms4718 # الثاني: قال الإمام: لا يوجد بيان أبرع ولا دليل أقطع على فضل القراءة ~~والكتابة والعلم بجميع أنواعه. من افتتاح الله كتابه وابتدائه الوحي بهذه ~~الآيات الباهرات. فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم ينبهم النظر فيه ~~إلى النهوض إلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم، وكسر تلك ~~الأبواب التي غلقها عليهم رؤساؤهم وحبسوهم بها في ظلمات من الجهل وإن لم ~~يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستضيئوا بهذا الضياء الساطع، فلا ~~أرشدهم الله أبدا. # الثالث: قال الرازي: في قوله: باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ~~إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة. ~~وفي قوله: الذي علم بالقلم إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى ~~معرفتها إلا بالسمع. فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية. والثاني إلى ~~النبوة. وقدم الأول على # PageV09P510 # الثاني تنبيها على أن معرفة الربوبية غنية عن النبوة، وأما النبوة فإنها ~~محتاجة إلى معرفة الربوبية. وقوله تعالى: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العلق (96) : الآيات 6 الى # 8] # كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) # كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى أي حقا إن الإنسان ليتجاوز حده ~~ويستكبر على ربه، أن رأى نفسه استغنت. ف (كلا) بمعنى (حقا) لعدم ما يتوجه ~~إليه الردع ظاهرا، لتأخر نزول هذا عما قبله- على ما تقدم في المأثور- أو هو ~~ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر، لدلالة الكلام عليه. فإن ~~مفتتح السورة إلى هذا المقطع يدل على عظيم منته تعالى على الإنسان فإذا ~~قيل: كلا يكون ردعا للإنسان الذي قابل تلك النعم بالكفران والطغيان. أي ما ~~هكذا ينبغي أن يكون الإنسان. ينعم عليه ربه بتسوية خلقه وتعليمه ما لم يكن ~~يعلم، وإنعامه بما لا كفء له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ويطغى عليه أن ~~رآه استغنى. # قال الكرخي، ومذهب أبي حيان أن (كلا) بمعنى (ألا) الاستفتاحية، وصوبه ابن ~~هشام بكسر همزة (إن) بعدها كما بعد حرف ms4719 التنبيه. وفي (الكواشي) : يجوز في ~~(كلا) أن تكون تنبيها، فيقف على ما قبلها. وردعا، فيقف عليها. ### | تنبيه: # دلت الآية على قاعدة عظيمة في باب التمول المحمود، قررها الحكماء ~~المصلحون. وهو أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير. قالوا: لأن إفراط ~~الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الإنسان، كما نطقت به الآية الكريمة. # قال بعض الحكماء: التحول لأجل الحاجات وبقدرها، محمود بثلاثة شروط. # وإلا كان حرص التمول من أقبح الخصال. # الشرط الأول: أن يكون إحراز المال بوجه مشروع حلال. أي إحرازه من بذل ~~الطبيعة أو بالمعارضة أو في مقابل عمل. # والشرط الثاني: أن لا يكون في التمول تضييق على حاجات الغير، كاحتكار ~~الضروريات، أو مزاحمة الصناع والعمال الضعفاء، أو التغلب على المباحات. مثل ~~امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحا لكافة مخلوقاته. وهي أمهم ترضعهم ~~لبن جهازاتها وتغذيهم بثمراتها وتؤويهم في حضن أجزائها. # PageV09P511 # الشرط الثالث لجواز التمول: هو أن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير، ~~وإلا فسدت الأخلاق. ولذلك حرمت الشرائع السماوية كلها، والحكمة السياسية ~~والأخلاقية والعمرانية أكل الربا. وذلك لقصد حفظ التساوي والتقارب بين ~~الناس في القوة المالية. لأن الربا كسب بدون مقابل مادي، ففيه معنى الغصب. ~~وبدون عمل، ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق. وبدون تعرض لخسائر ~~طبيعية كالتجارة والزراعة والأملاك. دع أن بالربا تربو الثروات، فيختل ~~التساوي بين الناس، كما تقدم بيانه في أواخر سورة البقرة. # وقوله تعالى: إن إلى ربك الرجعى # أي المرجع في الآخرة. قال أبو السعود: # تهديد للطاغي وتحذير له من عاقبة الطاغين. والالتفات للتشديد في التهديد، ~~و (الرجعى) مصدر بمعنى الرجوع. وتقديم الظرف لقصره عليه. أي إن إلى مالك ~~أمرك رجوع الكل بالموت والبعث، لا إلى غيره، استقلالا ولا اشتراكا. فسترى ~~حينئذ عاقبة طغيانك. وقد جوز كون الخطاب للرسول صلوات الله عليه، والتهديد ~~والتحذير بحاله. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العلق (96) : الآيات 9 الى # 14] # أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو ~~أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) # ألم يعلم ms4720 بأن الله يرى (14) # أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أي يمنعه عن الصلاة. وعبر بالنهي، إشارة ~~إلى عدم اقتداره على غير ذلك. قال ابن عطية: لم يختلف المفسرون في أن ~~الناهي أبو جهل والعبد المصلي النبي صلى الله عليه وسلم. كما روي في ~~الصحيحين. # ولفظ البخاري «1» عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند ~~الكعبة لأطأن على عنقه. # فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو فعله لأخذته الملائكة # . وفي الآية تقبيح وتشنيع لحال ذاك الكافر، وتعجيب منها وإيذان بأنها من ~~الشناعة والغرابة بحيث يجب أن يراها كل من يتأتى منه الرؤية ويقضي منها ~~العجب. ولفظ (العبد) وتنكيره، لتفخيمه عليه السلام، واستعظام النهي وتأكيد ~~التعجب منه. وقيل: إنه من إرخاء العنان في الكلام المنصف، إذ قال (ينهى) ~~ولم يقل (يؤذي) و (عبدا) دون (نبيا) والرؤية هاهنا بصرية، وفيما بعدها ~~قلبية. معناه: أخبرني. فإن الرؤية لما كانت سببا للإخبار عن PageV09P512 # المرئي، أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها. قاله أبو ~~السعود. # وقال الإمام: كلمة (أرأيت) صارت تستعمل في معنى (أخبرني) على أنها لا ~~يقصد بها في مثل هذه الآية الاستخبار الحقيقي، ولكن يقصد بها إنكار ~~المستخبر عنها وتقبيحها. فكأنه يقول: ما أسخف عقل هذا الذي يطغى به الكبر ~~فينهى عبدا من عبيد الله عن صلاته، خصوصا وهو في حالة أدائها. وقوله: أرأيت ~~إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أي أرأيت إن كان ذلك الناهي على طريقة ~~سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما ~~يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد؟ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما بعده. ~~أي ألم يعلم بأن الله يرى. وعليه، فالضمائر كلها ل (الذي ينهى) وجوز عود ~~الضمير المستتر في (كان) للعبد المصلي. وكذا في (أمر) أي أرأيت الذي ينهى ~~عبدا يصلي؟ والمنهي على الهدي آمر بالتقوى. والنهي مكذب متول، فما أعجب من ~~هذا! وذهب الإمام رحمه الله، في تأويل الآية إلى معنى آخر. وعبارته: أما ~~قوله: ms4721 أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى فمعناه أخبرني عن حاله إن كان ~~ذلك الطاغي على الهدى وعلى صراط الحق، أو أمر بالتقوى مكان نهيه عن الصلاة، ~~أفما كان ذلك خيرا له وأفضل؟ وقوله: # أرأيت إن كذب وتولى أي نبئني عن حاله إن كذب بما جاء به النبيون. وتولى ~~أي أعرض عن العمل الطيب، أفلا يخشى أن تحل به قارعة ويصيبه من عذاب الله ما ~~لا قبل له باحتمال؟ فجواب كل من الشرطين محذوف كما رأيت في تفسير المعنى ~~وهو من الإيجاز المحمود، بعد ما دل على المحذوف بقوله: ألم يعلم بأن الله ~~يرى أي أجهل أن الله يطلع على أمره؟ فإن كان تقيا على الهدى أحسن جزاءه، ~~وإن كذب وتولى لم يفلت من عقوبته. ثم إن ما يطيل به المفسرون في المفعول ~~الثاني لفعل (أرأيت) الأولى ومفعوليها في الثانية والثالثة. فهو مما لا ~~معنى له؟ لأن القرآن قدوة في التعبير، وقد استعملها بمفعول واحد وبلا مفعول ~~أصلا بمعنى (أخبرني) . # والجملة المستخبر عن مضمونها، تسد مسد المفاعيل. انتهى كلامه رحمه الله. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العلق (96) : الآيات 15 الى 19] # كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ~~ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) # كلا ردع عن النهي عن الصلاة لئن لم ينته أي عن هذا الطغيان، وعن النهي عن ~~الصلاة، وعن التكذيب والتولي لنسفعا بالناصية أي لنأخذن بناصيته، # PageV09P513 # ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة. والأخذ ~~بالناصية هنا، مثل في القهر والإذلال والتعذيب والنكال. وقوله تعالى: ناصية ~~كاذبة خاطئة بدل من (الناصية) ولم يقتصر على إحدى الجملتين، لأن ذكر الأولى ~~للتنصيص على أنها ناصية الناهي والثانية لتوصف بما يدل على علة السفع ~~وشموله لكل من وجد فيه ذلك. ووصفها بالكذب والخطأ، وهما لصاحبها، على ~~الإسناد المجازي، للمبالغة لأنها تدل على وصفه بالكذب بطريق الأولى، ولأنه ~~لشدة كذبه كان كل جزء من أجزائه يكذب. وكذا حال الخطأ، وهو كقوله: وتصف ~~ألسنتهم ms4722 الكذب [النحل: 62] ، و (وجهها يصف الجمال) - والتجوز بإسناد ما ~~للكل إلى الجزء، كما يسند إلى الجزئي في قوله (بنو فلان قتلوا قتيلا) ~~والقاتل أحدهم. ### | لطيفة: # قال في (البحر) : كتبت نون (لنسفعا) بالألف باعتبار الموقف عليها ~~بإبدالها ألفا. وقال السمين: الوقف على هذه النون بالألف تشبيها لها ~~بالتنوين. وتكتب هنا ألفا اتباعا للوقف لأن قاعدة الرسم مبنية على حال ~~الوقف والابتداء فليدع ناديه أي أهل مجلسه، ليمنع المصلين ويؤذي أهل الحق ~~الصادقين، اتكالا على قوتهم وغفلة عن قهر الحق وسخطه. والجملة إما بتقدير ~~مضاف، أو على الإسناد المجازي من إطلاق اسم المحل على من حل فيه. والنادي ~~المجلس الذي ينتدي فيه القوم، أي يجتمعون سندع الزبانية أي زبانية العذاب ~~من جنوده تعالى فيهلكونه في الدنيا، أو يردونه في النار في الآخرة وهو ~~صاغر، ولم يرسم (سندع) بالواو في المصاحف باتباع الرسم للفظ، أو لمشاكلة ~~قوله: (فليدع) وقيل إنه مجزوم في جواب الأمر وفيه نظر كلا ردع للناهي بعد ~~ردع، وزجر إثر زجر لا تطعه أي لا تطع ذاك الطاغي إذا نهاك عن عبادة ربك. ~~قال الزمخشري: أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه كقوله فلا تطع المكذبين ~~[القلم: 8] ، واسجد واقترب أي صل لربك وتقرب منه بالعبادة وتحبب إليه ~~بالطاعة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: أقرب ما يكون العبد من ربه ~~وهو ساجد. فأكثروا من الدعاء. ### | تنبيهات: # الأول: قدمنا أن الآيات نزلت في أبي جهل، على ما صح في الأخبار، قال ~~الإمام: ولا مانع من أن يكون في الآيات إشارة إليه، ولكنها عامة في كل وقت ~~وزمن كما ترى. والخطاب فيها موجه إلى من يخاطب لا إلى شخص النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والله أعلم. # PageV09P514 # الثاني: قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : إنما شدد الأمر- أمر ~~الوعيد- في حق أبي جهل ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي معيط، حيث طرح سلى ~~الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو يصلي- لأنهما وإن اشتركا في مطلق ~~الأذية حال صلاته لكن زاد ms4723 أبو جهل بالتهديد وبدعوة أهل طاعته، وبوطء العنق ~~الشريف. وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة له، لو فعل ذلك. وقد ~~عوقب عقبة بدعائه صلى الله عليه وسلم وعلى من شاركه في فعله، فقتلوا يوم ~~بدر، كأبي جهل. # الثالث: قال الإمام: ذكر الصلاة في الصورة لا يدل على أن بقيتها نزل بعد ~~فرض الصلاة. فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صلاة قبل أن تفرض ~~الصلوات الخمس المعروفة. # الرابع: قال في (اللباب) : سجدة هذه السورة من عزائم سجود التلاوة عند ~~الشافعي. فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها. يدل عليه ما # روي عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقرأ ~~باسم ربك وإذا السماء انشقت: أخرجه مسلم في صحيحه. # PageV09P515 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القدر # قال السيوطي: فيها قولان، والأكثر أنها مكية، وآيها خمس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # إنا أنزلناه في ليلة القدر أي أنزلنا القرآن على قلب خاتم النبيين، بمعنى ~~ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقد وصفت بالمباركة في قوله تعالى: إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين [الدخان: 3] ، وكانت في رمضان، ~~لقوله تعالى: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. # [البقرة: 185] . # قال الإمام: سميت ليلة القدر، إما بمعنى ليلة التقدير، لأن الله تعالى ~~ابتدأ فيها تقدير دينه وتحديد الخطة لنبيه في دعوة الناس إلى ما ينقذهم مما ~~كانوا فيه. أو بمعنى العظمة والشرف، من قولهم (فلان له قدر) أي له شرف ~~وعظمة. لأن الله قد أعلى فيها منزلة نبيه وشرفه وعظمه بالرسالة، وقد جاء ~~بما فيه الإشارة، بل التصريح، بأنها ليلة جليلة، بجلالة ما وقع فيها من ~~إنزال القرآن. فقال: وما أدراك ما ليلة ms4724 القدر أي وما الذي يعلمك مبلغ شأنها ~~ونباهة أمرها ليلة القدر خير من ألف شهر فكرر ذكرها ثلاث مرات. ثم أتى ~~بالاستفهام الدال على أن شرفها ليس مما تسهل إحاطة العلم به، ثم قال: (إنها ~~خير من ألف شهر) لأنه قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهم يختبطون في ~~ظلمات الضلال. فليلة يسطع فيها نور الهدى خير من ألف شهر من شهورهم الأولى. ~~ولك أن تقف في التفضيل عند النص، وتفوض الأمر، في # PageV09P516 # تحديد ما فضلت عليه الليلة بألف شهر، إلى الله تعالى. فهو الذي يعلم سبب ~~ذلك ولم يبينه لنا، ولك أن تجري الكلام على عادتهم في التخاطب. وذلك في ~~الكتاب كثير. ومنه الاستفهام الواقع في هذه السور وما أدراك ما ليلة القدر ~~فإنه جار على عادتهم في الخطاب. وإلا فالعليم الخبير لا يقع منه أن يستفهم ~~عن شيء. فيكون التحديد بالألف لا مفهوم له، بل الغرض منه التكثير. وإن أقل ~~عدد تفضله هو ألف شهر. ثم إن درجات فضلها على هذا العدد غير محصورة. فإذا ~~قلت (إخفاء الصدقة خير من إظهارها) لم تعين درجة الأفضلية. وهي درجات فوق ~~درجات وقد جاء في الكتاب في واقعة واحدة، هي واقعة بدر، أن الله أمد ~~المؤمنين بألف من الملائكة، أو بثلاثة آلاف، أو بخمسة آلاف، كما تراه في ~~الأنفال وآل عمران. فالعدد هناك لا مفهوم له، كما هو ظاهر. فهي ليلة خير من ~~الدهر إن شاء الله. ثم استأنف لبيان بعض مزاياها فقال: تنزل الملائكة ~~والروح فيها يخبر جل شأنه أن أول عهد للنبي صلى الله عليه وسلم بشهود ~~الملائكة، كان في تلك الليلة. تنزلت من عالمها الروحاني الذي لا يحده حد ~~ولا يحيط به مقدار، حتى تمثلت لبصره صلى الله عليه وسلم، والروح هو الذي ~~يتمثل له مبلغا للوحي، وهو الذي سمي في القرآن بجبريل. وإنما تظهر الملائكة ~~والروح بإذن ربهم أي إنما تتجلى الملائكة على النفس الكاملة، بعد أن هيأها ~~الله لقبول تجليها. وليست تتجلى الملائكة لجميع النفوس ms4725 كما هو معلوم. فذلك ~~فضل الله يختص به من يشاء. واختصاصه هو إذنه ومشيئته. ثم إن هذا الإذن ~~مبدؤه الأوامر والأحكام. لأن الله يجلي الملائكة على النفوس، لإيحاء ما ~~يريده منها. ولهذا قال: # من كل أمر أي أن الله يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه ~~إلى عباده. فيكون الإذن مبتدئا من الأمر على هذا المعنى. والأمر هاهنا هو ~~الأمر في قوله: فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ~~[الدخان: 4- 5] ، فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام، لا في شيء آخر ~~سواها. ولهذا قال بعضهم: إن (من) هاهنا بمعنى الباء، أي بكل أمر. ولا حاجة ~~إليه لما قلنا. وإنما عبر بالمضارع في قوله: تنزل الملائكة وقوله: فيها ~~يفرق كل أمر حكيم مع أن المعنى ماض، لأن الحديث عن مبدأ نزول القرآن- ~~لوجهين: # الأول: لاستحضار الماضي لعظمته على نحو ما في قوله: وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول [البقرة: 214] ، فإن المضارع بعد الماضي يزيد الأمر تصويرا. ~~والثاني: لأن مبدأ النزول كان فيها. ولكن بقية الكتاب وما فيه من تفصيل ~~الأوامر والأحكام كان فيما بعد. فكأنه يشير إلى أن ما ابتدأ فيها يستمر في ~~مستقبل الزمان حتى يكمل الدين. وقوله تعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر أي ~~أنها كانت ليلة سالمة من كل # PageV09P517 # شر وأذى. والإخبار عنها بالسلام نفسه- وهو الأمن والسلامة- للمبالغة في ~~أنه يشبها كدر، بل فرج الله فيها عن نبيه كل كربة. وفتح له فيها سبل ~~الهداية، فأناله بذلك ما كان يتطلع إليها، الأيام والشهور الطوال. ### | تنبيهات: # الأول: قدمنا أن ليلة القدر التي ابتدأ فيها نزول القرآن كانت في رمضان ~~لآية شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ولا إجماع في تعيين تلك الليلة. بل في ~~صحيح البخاري «1» : أنها رفعت. أي رفع العلم بتعيينها. # وفي رواية فيه: نسيتها أو أنسيتها # . من قوله صلوات عليه. ولذا رغب في قيام رمضان كله رجاء موافقتها في ليلة ~~منه. نعم الأقوى رواية أنها في العشر الأخير من رمضان لما كان من اهتمامه ~~صلى الله عليه ms4726 وسلم بالاعتكاف فيه وإحياء ليله وإيقاظ أهله. وقد ذهب ابن ~~مسعود والشعبي والحسن وقتادة إلى أنها ليلة أربع وعشرين قال ابن حجر: ~~وحجتهم حديث واثلة أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان. وقد اضطربت أقوال ~~السلف فيها. صحابة ومن بعدهم. # حتى أنافت على أربعين قولا. # قال الإمام: ثم الأخبار الصحيحة متضافرة على أنه في شهر رمضان. ولا ~~نعينها من بين لياليه. فقد اختلف فيها الروايات اختلافا عظيما. وكتاب الله ~~لم يعينها. وما ورد في الأحاديث من ذكرها، إنما قصد به حث المؤمنين على ~~إحيائها بالعبادة، شكرا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذي ابتدأ الله ~~إفاضته فيهم، في أثنائها. # ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادا وجماعات فمن رجح عنده خبر في ليلة ~~أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق، فعليه أن يشكر الله بالفراغ إليه ~~بالعبادات في الشهر كله. وهذا هو السر في عدم تعيينها. وتشير إليه آية ~~البقرة فإنها تجعل الشهر كله ظرفا لنزول القرآن، ليذكر المؤمنون نعمة الله ~~عليهم فيه. فهي ليلة عبادة وخشوع، وتذكر لنعمة الحق والدين. فلا تكون ليلة ~~زهو ولهو تتخذ فيها مساجد الله مضامير للرياء، يتسابق إليها المنافقون. ~~ويحدث أنفسهم بالبعد عنها المخلصون. كما جرى عليه عمل المسلمين في هذه ~~الأيام. فإن كل ما حفظوه من ليلة القدر هو أن تكون لهم فيها ساعة سمر ~~يتحدثون فيها بما لا ينظر الله إليه. ويسمعون شيئا من كتاب الله لا ينظرون ~~فيه ولا يعتبرون بمعانيه. بل إن أصغوا إليه، فإنما يصغون لنغمة تاليه، ثم ~~يسمعون من الأقوال ما لم يصح خبره، ولم يحمد في الآخرين ولا الأولين أثره. ~~ولهم PageV09P518 # خيالات في ليلة القدر لا تليق بعقول الأطفال، فضلا عن الراشدين من ~~الرجال. انتهى. # وقال الطبري: إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنه يظهر في تلك ~~الليلة للعيون، ما لا يظهر في سائر السنة. إذ لو كان ذلك حقا، لم يخف على ~~كل من قام ليالي السنة، فضلا عن ليالي رمضان. # الثاني: حكى الحافظ ms4727 ابن حجر في (فتح الباري) قولا عن بعض العلماء أن ليلة ~~القدر خاصة بسنة واحدة وقعت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولعل مستنده ~~ما صح أنها رفعت. وقد قدمنا معناه. ولذا ذهب الجمهور إلى خلافه. وعندي أن ~~لا تنافي. لأن المراد بالأول هو ليلة نزول القرآن وما كان فيها من التجلي ~~الخاص التي انفردت به- وبالثاني أن ما يوافق تلك الليلة من رمضان كل عام، ~~هي ليلة فيها مزية على غيرها، بفضل اختصت به دون غيرها. وهذا هو السر في ~~قيام رمضان والتماسها في العشر الأواخر منه. أعني إحياء ما ماثلها من ~~الليالي تبركا وتيمنا وشكرا لله تعالى على تلك النعمة والهداية، فالقائم في ~~ليالي العشر الأخير، أو في رمضان، مصادف البتة لما ماثل تلك الليلة. لأنها ~~منه قطعا. وقد باين الإسلام في تفضيل بعض الأوقات بتشريع اتخاذها موسما ~~للعبادة. ما ابتدعه رؤساء الأديان الأخر في تذكاراتهم وجعلها أعيادا، تصرف ~~ساعاتها للبطالة والزينة واللهو، مما ينافي حكمة ذكراها فتأمل الفرق، واحمد ~~الله على اتباع الحق. # الثالث: قال الإمام: ما يقوله الكثير من الناس من أن الليلة المباركة ~~التي يفرق فيها كل أمر حكيم، هي ليلة النصف من شعبان، وأن الأمور التي تفرق ~~فيها هي الأرزاق والأعمار، وكذلك ما يقولونه من مثل ذلك في ليلة القدر، فهو ~~من الجراءة على الكلام في الغيب بغير حجة قاطعة. وليس من الجائز لنا أن ~~نعتقد بشيء من ذلك، ما لم يرد به خبر متواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ~~ومثل ذلك لم يرد، لاضطراب الروايات، وضعف أغلبها، وكذب الكثير منها. ومثلها ~~لا يصح الأخذ به في باب العقائد. ومثل ذلك يقال في بيت العزة، ونزول القرآن ~~فيه جملة واحدة في تلك الليلة. فإنه لا يجوز أن يدخل في عقائد الدين. لعدم ~~تواتر خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه. وإلا كنا من الذين (إن ~~يتبعون إلا الظن) نعوذ بالله. وقد وقع المسلمون في ms4728 هذه المصيبة، مصيبة ~~الخلط بين ما يصح الاعتقاد به من غيب الله ويعد من عقائد الدين، وبين ما ~~يظن به للعمل على فضيلة من الفضائل. فأحذر أن تقع فيها مثلهم، انتهى كلامه ~~رحمه الله تعالى. # PageV09P519 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة البينة # ويقال سورة القيمة. وسورة المنفكين. وسورة البرية. وعدد آياتها ثمان وهي ~~مدنية على الأصح. # روى الإمام أحمد بن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي ابن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا قال: وسماني ~~لك، قال: نعم. فبكى. ورواه البخاري ومسلم «1» . # وفي رواية الإمام أحمد «2» عن أبي حبة البدري قال: لما نزلت لم يكن الذين ~~كفروا قال جبريل: يا رسول الله! إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة. قال أبي: ~~وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فبكى أبي. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة البينة # (98) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) # لم يكن الذين كفروا أي جحدوا نبوة النبي صلوات الله عليه بعنادهم، بعد ما ~~تبينوا الحق منها من أهل الكتاب أي اليهود والنصارى الذي عرفوه وسمعوا ~~أدلته وشاهدوا آياته، لم يكونوا هم والمشركين أي وثني العرب منفكين أي عن ~~غفلتهم وجهلهم بالحق، ووقوفهم عند ما قلدوا فيه آباءهم، ولا يعرفون من الحق ~~شيئا حتى تأتيهم البينة أي الحجة القاطعة المثبتة للمدعي، وهي هنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فمجيئه هو الذي أحدث هذه الرجة فيما رسخ من عقائدهم ~~وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومناكرتهم بأنه كان شيئا ~~معروفا لهم، يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحق أن يتبع. فإن ما ~~هم فيه أجمل وأبدع. ومتابعة الآباء PageV09P520 # فيه أشهى إلى النفوس وأمتع. تلك البينة التي تعرفهم وجه الحق ms4729 هي رسول من ~~الله أي محمد صلى الله عليه وسلم يتلوا صحفا مطهرة وهي صحف القرآن المطهرة ~~من الخلط وحشو المدلين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ~~ومنكروه معا فيها كتب قيمة أي مستقيمة لا عوج فيها. واستقامة الكتب ~~اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت: 42] ، والكتب التي في صحف القرآن ~~ومصاحفه، إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين كموسى وعيسى وغيرهما، مما ~~حكاه الله في كتابه عنهم. فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم. وقد ترك ~~حكاية ما لبس في الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه. ولهذا لم يجد ~~الجاحدون لرسالته عليه السلام من أهل الكتاب سبيلا إلى إنكار الحق. وإنما ~~فضلوا عليه سواه. أن هي سور القرآن. فإن كل سورة من سوره، كتاب قويم. فصحف ~~القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة. ولما ~~كان لسائل أو يسأل: إذا كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، ~~وقد انفكوا عن ذلك الظلام المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون ~~أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟ # أجاب الحق تعالى بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على ~~الحق الذي لا يختلف وجهه، بما أوحى الله به إلى أنبيائهم. وكان من حقهم أن ~~يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله حتى لا ينحرفوا عنه. فإذا عرض لأحدهم شبهة ~~رجع في كشفها إلى العارف بمعاني الكتب. ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم ~~معانيها وفهم أساليبها ويحافظوا عليها حتى لا يضللهم فيها مضلل. لكن هذه ~~البينة لم تفدهم شيئا فإنهم اختلفوا في التأويل وتفرقوا في المذاهب حتى صار ~~أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر. وكان ذلك بغيا منهم، واستمرارا ~~في المراد، وإصرارا على ما قاد إليه الهوى. وهذا هو قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة ms4730 البينة (98) : الآيات 4 الى 5] # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك ~~دين القيمة (5) # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة أي على ألسنة ~~أنبيائهم. فهكذا كان شأنهم في النبي صلى الله عليه وسلم جحدوا بينته كما ~~جحدوا بينة أنبيائهم. # بتفرقهم فيها، وبعدهم بالتفرق عن حقيقتها. فإن كان هذا شأن أهل الكتاب في ~~بينتهم وبينتنا، فما ظنك بالمشركين، وهم أعرق في الجهالة وأسلس قيادا ~~للهوى، # PageV09P521 # منهم؟؟ وقول تعالى: وما أمروا أي والحال أن أهل الكتاب ما أمروا بلسان ~~أنبيائهم وكتبهم إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين أي الإذعان والخضوع، ~~وذلك بتنقيته من أن يشركه فيه شيء. لا واسطة ولا مال، ولا كرامة ولا جاه ~~حنفاء أي متبعي إبراهيم عليه السلام، أو على مثاله. وأصله جمع (حنيف) بمعنى ~~المائل المنحرف. سمي به إبراهيم عليه السلام لانحرافه عن وثنية الناس كافة ~~ويقيموا الصلاة أي الإتيان بها، لإحضار القلب هيبة المعبود وترويضه بالخشوع ~~لا أن تكون مجرد حركات ظاهرة. فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء، البتة ويؤتوا ~~الزكاة أي بصرفها في مصارفها التي عينها الله تعالى: وذلك دين القيمة أي ~~الكتب القيمة. # أو دين الأمة القيمة المستقيمة. ومعنى الآية: إن أهل الكتاب قد افترقوا، ~~ولعنت كل فرقة أختها. وكان افتراقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة، مع ~~أنهم لم يؤمروا ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله ويخلصوا ~~له عقائدهم وأعمالهم، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة، ولا يقلدون أهل الضلال ~~من الأمم الأخرى. # وأن يخشعوا لله في صلاتهم، وإن يصلوا عباد الله بزكاتهم. فإذا كان هذا هو ~~الأصل الذي يرجع إليه في الأوامر، فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم، ~~فيردوا إليه كل ما يعرض لهم من المسائل ويحلوا به كل ما يعترض أمامهم من ~~المشاكل. ومتى تحكم الإخلاص في الأنفس، تسلط الإنصاف عليها، فسادت فيها ~~الوحدة، ولم ms4731 تطرق طرقها الفرقة. هذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب. فما ~~نقول في حالنا؟ أفما ينعاه كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا، في افتراقنا ~~في الدين، وأن صرنا فيه شيعا، وملأناه محدثات وبدعا؟ بهذا الذي تقدم عرفت ~~أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عند دعوتهم ~~إلى قبول ما جاء به. وإن من في قوله: من أهل الكتاب للتبعيض. وأن معنى (لم ~~يكونوا منفكين) : # أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم، فيقع الزلزال في عقائدهم، فينفكوا عن ~~الغفلة المحضة التي كانوا فيها، حتى تأتيهم البينة. ويجوز أن يكون المراد ~~من الذين كفروا والله أعلم، أولئك الذين جحدوا شيئا من دين الله تعالى عند ~~ما جاءهم. ولم ينظروا في دليله. أو أعرضوا عنه بعد ما عرفوا دليله سواء ~~كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب. وإن آمنوا بعد ذلك وصدقوا. فأراد ~~الله أن يذكر منته على من آمن من هؤلاء. فبين أن الذين كفروا، أي جحدوا ما ~~أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشركي ~~العرب، لم يكونوا براجعين عن كفرهم وجحودهم هذا، حتى يأتيهم الرسول فيبين ~~لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر، فيؤمنوا. فما أعظم فضل الله عليهم في ~~إرسال رسوله إليهم! # PageV09P522 # وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم. وبذلك أو ~~هذا ظهر معنى (حتى) وبطل جميع ما يهذي به كثير من المفسرين الذين أضلهم ~~التقليد، عن الرأي السديد، فصعبوا من القرآن سهله، وحرموا من فهمه أهله. ~~انتهى كلام الإمام نقلناه من أول السورة إلى هنا بالحرف لنفاسته، ولكونه ~~أحسن ما فسرت به، وقاعدتنا التي انتهجناها في هذا التفسير أن نؤثر في معاني ~~آياته، أحسن ما قيل فيها. فلذلك سميناه (محاسن التأويل) هدانا الله إلى ~~أقوم السبيل. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البينة (98) : آية 6] # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) # إن الذين ms4732 كفروا أي بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فجحدوا نبوته من ~~أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية أي شر من ~~برأه الله وخلقه. قال الإمام: لأن منكر الحق، بعد معرفته وقيام الدليل ~~عليه، منكر في الحقيقة لعقل نفسه، مهلك لروحه، جالب الهلاك لغيره. ### | لطائف: # الأولى- دلت هذه الآية والتي قبلها على أن عنوان (المشركين) لا يتناول ~~أهل الكتاب في عرف القرآن، بل هو خاص بالوثنيين. أعني من يدينون بالإشراك ~~وتعدد الأرباب، فأهل الكتاب- وهم اليهود والنصارى- لا يتناولهم ذلك العنوان ~~وإن دخل في عقائدهم الشرك. لأنه دخيل لا أصيل. ولذلك ينفرون من وصمة الشرك. ~~وبسببه حل النكاح منهم دون الوثنيين. # الثانية- قال ابن جرير: العرب لا تهمز البرية. وبترك الهمزة فيها قرأتها ~~قراء الأمصار، غير شيء يذكر عن نافع بن أبي نعيم. فإنه حكى بعضهم عنه أنه ~~كان يهمزها. # وذهب بها إلى قول الله: من قبل أن نبرأها وأنها فعلية من ذلك. وأما الذين ~~لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين: أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز ~~فيها كما تركوه من الملك، وهو مفعل، من (ألك) أو (لأك) ومن (يرى) و (ترى) و ~~(نرى) ، وهو (تفعل) من رأيت. والآخر أن يكونوا وجهوها إلى أنها فعيلة من ~~(البراء) وهو التراب. حكي عن العرب سماعا فقيل (بفيك البراد) يعني به ~~التراب. انتهى. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البينة (98) : الآيات 7 الى 8] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم ~~جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~ذلك لمن خشي ربه (8) # PageV09P523 # إن الذين آمنوا أي بالله ورسوله محمد، صلوات الله عليه وعملوا الصالحات ~~أي من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر، مع القيام ~~بفرائض العبادات، والإخلاص في سائر ضروب المعاملات. لأن إذعانهم الصحيح، ~~ووجدانهم لذة معرفة الحق، ملكت الحق قيادهم. فعملوا الأعمل الصالحة، قاله ~~الإمام أولئك هم خير البرية أي أفضل الخليقة، لأنهم ms4733 بمتابعة الحق عند ~~معرفته بالدليل القائم عليه، قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم ~~الله بها. وبالعمل الصالح، قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام ~~الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير ~~والسعادة. فمن يكون أفضل منهم؟ قاله الإمام جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري ~~من تحتها الأنهار أي بساتين إقامة، لا ظعن فيها، تجري من تحت أشجارها ~~وغرفها الأنهار خالدين فيها أبدا أي ماكثين على الدوام، لا يخرجون عنها ولا ~~يموتون فيها رضي الله عنهم أي بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا لخلوصهم من ~~عقابه في ذلك ورضوا عنه لأنهم بحسن يقينهم يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به ~~في الدنيا. فهم راضون عنه. ثم إذا ذهبوا إلى نعم الآخرة، وجدوا من فضل الله ~~ما لا محل للسخط معه، فهم راضون عن الله في كل حال. أفاده الإمام. # ذلك أي هذا الجزاء الحسن وهذا الرضاء لمن خشي ربه أي خاف الله في الدنيا. ~~في سره وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. فإن الخشية ملاك ~~السعادة الحقيقية. # قال الإمام: أراد بهذه الكلمة الرفيعة الاحتياط لدفع سوء الفهم الذي وقع ~~ولا يزال يقع فيه العامة من الناس، بل الخاصة كذلك. وهو أن مجرد الاعتقاد ~~بالوراثة، وتقليد الأبوين، ومعرفة ظواهر بعض الأحكام، وأداء بعض العبادات، ~~كحركات الصلاة وإمساك الصوم، مجرد هذا لا يكفي في نيل ما أعد الله من ~~الجزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات. وإن كانت قلوبهم حشوها الحسد والحقد ~~والكبرياء والرياء. وأفواههم ملؤها الكذب والنميمة والافتراء، وتهز أعطافهم ~~رياح العجب والخيلاء. وسرائرهم مسكن العبودية والرق للأمراء. بل ولمن دون ~~الأمراء. خالية من أقل مراتب الخشوع والإخلاص لرب الأرض والسماء- كلا لا ~~ينالون حسن الجزاء. فإن خشية ربهم لم تحل قلوبهم. ولهذا لم تهذب من نفوسهم. ~~ولا يكون ذلك الجزاء إلا لمن خشي ربه، وأشعر خوفه قلبه. والله أعلم. # PageV09P524 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة الزلزلة # قال ابن كثير: مكية. ورجح السيوطي أنها مدنية. وآيها ثمان. # روى الترمذي «1» عن ms4734 ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~زلزلت تعدل نصف القرآن. وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. وقل يا أيها ~~الكافرون تعدل ربع القرآن # . وسيأتي سر ذلك في تفسير سورة الكافرين والإخلاص إن شاء الله تعالى. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة الزلزلة # (99) : الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) # إذا زلزلت الأرض زلزالها أي أصابها ذلك الزلزال الشديد والاهتزاز الرهيب. # فالإضافة للتفخيم أو الاختصاص، بمعنى الزلزال المخصوص بها. وهي الرجة ~~التي لا غاية وراءها. والأقرب الأول. لآية: يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم [الحج: 1] ، وقرئ بفتح الزاي. وقد قيل هما مصدران. ~~وقيل المفتوح اسم والمكسور مصدر. وهو المشهور وأخرجت الأرض أثقالها أي قذفت ~~ما في باطنها من كنوز ودفائن وأموات وغير ذلك. لشدة الزلزلة وتشقق ظهرها. ~~كقوله: وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت [الانشقاق: 3- 4] ، والأثقال ~~جمع (ثقل) بفتحتين. # وهو متاع المسافر وكل نفيس مصون. وهذا على الاستعارة. ويجوز أن يكون بكسر ~~فسكون بمعنى حمل البطن، على التشبيه أيضا. لأن الحمل يسمى ثقلا كما في قوله ~~تعالى: فلما أثقلت [الأعراف: 189] ، قاله الشريف المرتضى في (الدرر) . ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الزلزلة (99) : الآيات 3 الى # 8] # وقال الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها (5) ~~يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~(7) # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) PageV09P525 # وقال الإنسان ما لها أي قال من يكون من الإنسان شاهدا لهذا الزلزال، الذي ~~فجأه ودهشه، ولم يعهد مثله: ما لهذه الأرض رجت الرجة الهائلة، وبعثر ما ~~فيها من الأثقال المدفونة يومئذ بدل من (إذا) أي في ذلك الوقت تحدث أخبارها ~~أي تبين الأرض بلسان حالها، ما لأجله زلزالها وإخراج أثقالها. فتدل دلالة ~~ظاهرة على ذلك. وهو الإيذان بفناء النشأة الأولى وظهور نشأة أخرى. فالتحديث ~~استعارة أو مجاز مرسل مطلق الدلالة. # قال أبو مسلم: أي يومئذ يتبين لك ms4735 أحد جزاء عمله. فكأنها حدثت بذلك. # كقولك (الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة) فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة، ~~تحدث أن الدنيا قد انقضت، وأن الآخرة قد أقبلت. # بأن ربك أوحى لها الباء سببية متعلق ب (تحدث) أي تحدث بسبب إيحاء ربك ~~لها، وأمره إياها بالتحديث. والإيحاء استعارة أو مجاز مرسل لإرادة لازمه. ~~وهو إحداث ما تدل به على خرابها. # وقال القاشاني: أي أشار إليها وأمرها بالاضطراب والخراب وإخراج الأثقال. # يعني الأمر التكويني. وهو تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها يومئذ يصدر ~~الناس أشتاتا أي ينصرفون عن مراقدهم إلى مواطن حسابهم وجزائهم، متفرقين ~~سعداء وأشقياء ليروا أعمالهم أي ليريهم الله جزاء أعمالهم فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره أي فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير، يرى ثوابه هنالك. ~~والذرة النملة الصغيرة وهي مثل في الصغر. وقيل الذر هو الهباء الذي يرى في ~~ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره أي ومن كان عمل في ~~الدنيا وزن ذرة من شر، يرى جزاءه ثمة. ### | تنبيهات: # الأول- دل لفظ (من) على شمول الجزاء بقسميه، للمؤمن وغيره. # قال الإمام: أي من يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره، فإنه يراه ويجد جزاءه. # لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر. غاية الأمر أن حسنات الكفار الجاحدين ~~لا تصل بهم إلى أن تخلصهم من عذاب الكفر، فهم به خالدون في الشقاء. والآيات ~~التي تنطق بحبوط أعمال الكفار، وأنها لا تنفعهم، معناها هو ما ذكرنا. أي أن ~~عملا من # PageV09P526 # أعمالهم لا ينجيهم من عذاب الكفر، وإن خفف عنهم بعض العذاب الذي كان ~~يرتقبهم، على بقية السيئات الأخرى، أما عذاب الكفر نفسه فلا يخفف عنهم منه ~~شيء. كيف لا، والله جل شأنه يقول: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين ~~[الأنبياء: 47] ، فقوله: فلا تظلم نفس شيئا أصرح قول في أن الكافر والمؤمن ~~في ذلك سواء. وإن كلا يوفى يوم القيامة جزاءه. ms4736 وقد ورد أن حاتما يخفف عنه ~~لكرمه. وأن أبا لهب يخف عنه لسروره بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~نقله بعضهم من الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة ولا يخفف عنه ~~عذاب سيئة ما، لا أصل له. فقد قال بما قلناه كثير من أئمة السلف رضي الله ~~عنهم. على أن كلمة (الإجماع) كثيرا ما يتخذها الجهلاء السفهاء آلة لقتل روح ~~الدين، وحجرا يلقمونه أفواه المتكلمين. وهم لا يعرفون للإجماع الذي يقوم به ~~الحجة معنى، فبئس ما يصنعون. انتهى. # وقد سبقه الشهاب في (حواشيه) على القاضي، حيث ناقش صاحب المقاصد في دعواه ~~الإجماع على إحباط عمل الكفرة. وعبارته: كيف يدعى الإجماع على الإحباط ~~بالكلية، وهو مخالف لما صرح به في الآية؟ والذي يلوح للخاطر، بعد استكشاف ~~سرائر الدفاتر، أن الكفار يعذبون على الكفر بحسب مراتبه. فليس عذاب أبي ~~طالب كعذاب أبي جهل. ولا عذاب المعطلة كعذاب أهل الكتاب، كما تقتضيه الحكمة ~~والعدل الإلهي. انتهى الثاني- قال في (الإكليل) : في هاتين الآيتين، ~~الترغيب في قليل الخير وكثيره. والتحذير من قليل الشر وكثيره. أخرج عبد ~~الرزاق عن ابن مسعود قال: هذه الآية أحكم آية في القرآن. وفي لفظ (أجمع) ~~وسمى «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية الجامعة الفاذة، حين سئل ~~عن زكاة الحمير # فقال: ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # وروى الأمام أحمد «2» عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق، أنه أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقرأ عليه: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره إلخ. قال: # حسبي. لا أبالي أن لا أسمع غيرها. ورواه النسائي في تفسيره. PageV09P527 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العاديات # مكية أو مدنية. وآيها إحدى عشرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # فوسطن به جمعا (5) # والعاديات ضبحا إقسام بخيل الغزاة التي ms4737 تعدو نحو العدو، فتضبح. # و (الضبح) صوت أنفاسها إذا عدت. وليس المراد بالصوت الصهيل. بل قولها ~~(اح. # اح) كما قاله ابن عباس. ونصب ضبحا إما بفعله المحذوف، أو بالعاديات ~~لإفادته معناه، أو بالحالية فالموريات قدحا أي تورى النار بحوافرها. والقدح ~~هو الضرب لإخراج النار، والإيراء يترتب عليه. لأنه إخراج النار وإيقادها. ~~فإيراؤها ما يرى من صدم حوافرها للحجارة. وتسمى نار الحباحب. ولما كان ~~مرتبا على عدوها، عطفه بالفاء، وكون المراد به الحرب- بعيد. وفي إعرابه ~~الوجوه السابقة. # فالمغيرات صبحا أي تغير على العدو في وقته. يقال (أغار على العدو) إذا ~~هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يستلب ماله. # قال الإمام: وهو وصف عرض للخيل من الغاية التي أجريت لها. أي أنها تعدو ~~ويشتد عدوها حتى يخرج الشرر من حوافرها، لتهجم على عدو وقت الصباح، وهو وقت ~~المفاجأة لأخذ العدو على غير أهبة فأثرن به نقعا أي فأهجن، بذلك الوقت، ~~غبارا من الإثارة. وهي التهييج وتحريك الغبار ونحوه ليرتفع. وانتفع: الغبار ~~كما ذكرنا، وورد بمعنى الصياح. فجوز إرادته هنا بمعنى صياح من هجم عليه، ~~وأوقع به. لا صياح المغير المحارب، وإن جاز على بعد فيه. أي هيجن الصياح ~~بالإغارة على العدو، وضمير (به) للوقت والباء ظرفية. وفيه احتمالات أخر. ~~ككونه للعدو أو للإغارة، لتأويلها بالجري. فالباء سببية أو للملابسة. ويجوز ~~كونها ظرفية أيضا. والضمير للمكان الدال عليه السياق، للعلم بأن الغبار لا ~~يثار إلا من موضع. وهو الذي اختاره ابن جرير. # PageV09P528 # قال الشهاب: وذكر إثارة الغبار، للإشارة إلى شدة العدو وكثرة الكر والفر. # وتخصيص الصبح، لأن الغارة كانت معتادة فيه. أي لمباغتة العدو. والغبار ~~إنما يظهر نهارا و (أثرن) معطوف على ما قبله. # قال الناصر: وحكمة الإتيان بالفعل معطوفا على الاسم، الذي هو العاديات أو ~~ما بعده، لأنها أسماء فاعلين تعطي معنى الفعل. وحكمة مجيء هذا المعطوف فعلا ~~عن اسم فاعل، تصوير هذه الأفعال في النفس. فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل ~~بعد الاسم لما بينهما من التخالف. وهو أبلغ من التصوير بالأسماء ms4738 المتناسقة. ~~وكذلك التصوير بالمضارع بعد الماضي. # وقوله تعالى: فوسطن به جمعا أي فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء، ~~ففرقنه وشتتنه. يقال: (وسطت القوم) بالتخفيف و (وسطته) بالتشديد و (توسطته) ~~بمعنى واحد. وفي الضمير الوجوه المتقدمة. # قال الإمام رحمه الله: أقسم تعالى بالخيل متصفة بصفاتها التي ذكرها، آتية ~~بالأعمال التي سردها لينوه بشأنها ويعلي من قدرها في نفوس المؤمنين أهل ~~العمل والجد. ليعنوا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر، وليحملهم أنفسهم على ~~العناية بالفروسية والتدرب على ركوب الخيل، والإغارة بها. ليكون كل واحد ~~منهم مستعدا في أي وقت كان، لأن يكون جزءا من قوة الأمة إذا اضطرت إلى صد ~~عدو. أو بعثها باعث على كسر شوكته. وكان في هذه الآيات القارعات، وفي تخصيص ~~الخيل بالذكر في قوله: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم [الأنفال: 60] ، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد ~~تحصر- ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض ~~مهارة في ركوب الخيل. ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في ~~عقائلها. وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقانا. أفليس أعجب ~~العجب أن ترى أمما، هذا كتابها، قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار ~~يشار إلى راكبها بينهم بالهزؤ والسخرية؟ وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى ~~بلاد أخرى. # ثم قال: يقسم الله بالخيل صاحبة تلك الصفات التي رفع ذكرها، ليؤكد الخبر ~~الذي جاء في قوله: ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العاديات (100) : الآيات 6 الى # 8] # إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد ~~(8) # PageV09P529 # إن الإنسان لربه لكنود أي لكفور. يكفر نعمه ولا يشكرها. أي لا يستعملها ~~فيما ينبغي ليتوصل بها إليه. # قال المهايمي: أي لكفور، فيوجب قتله بهذه الخيول وقهره بهذا الغضب. # وعن أبي أمامة: الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده وإنه على ~~ذلك لشهيد أي وإن الإنسان على كنوده، لشهيد يشهد على نفسه به، لظهور ms4739 أثره ~~عليه. فالشهادة مستعارة لظهور آثار كفرانه وعصيانه بلسان حاله. # قال القاشاني: لشهادة عقله ونور فطرته إنه لا يقوم بحقوق نعم الله، ويقصر ~~في جنب الله بكفرانه وإنه لحب الخير لشديد أي وإنه لحب المال والدنيا ~~وإيثارها، لقوي. ولحب تقوى الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس وإنه لحب الخير ~~الموصل إلى الحق، شديد منقبض، غير هش منبسط. أو اللام للتعليل. أي إنه لأجل ~~حب المال بخيل. فلذلك يحتجب به غارزا رأسه في تحصيله وحفظه وجمعه ومنعه، ~~مشغولا به عن الحق، معرضا به عن جنابه. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العاديات (100) : الآيات 9 الى 11] # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير (11) # أفلا يعلم أي أبعد هذا الاحتجاب ومخالفة العقل، ولا يعلم بنور فطرته وقوة ~~عقله إذا بعثر ما في القبور أي بعث وأثير ما في القبور وإخراج موتاها وحصل ~~ما في الصدور أي أظهر وأبرز ما في صدورهم ونفوسهم من أسرارهم ونياتهم ~~المكتومة فيها، من خير أو شر إن ربهم بهم يومئذ لخبير أي عالم بأسرارهم ~~وضمائرهم وأعمالهم. فيجازيهم على حسبها يومئذ. وتقديم الظرف، إما لمكان نظم ~~السجع ورعاية الفواصل، أو للتخصيص لوقوع علمه تعالى كناية عن مجازاته. وهي ~~إنما تكون يومئذ. # قال الرازي: وإنما خص أعمال القلوب بالتحصيل دون أعمال الجوارح، لأن ~~أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب. فإنه لولا البواعث والإرادات في ~~القلوب، لما حصلت أفعال الجوارح. ولذلك جعلها تعالى الأصل في الذم فقال: ~~آثم قلبه [البقرة: 283] ، والأصل في المدح فقال: وجلت قلوبهم [الأنفال: 2] ~~، و [الحج: 35] . # PageV09P530 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة القارعة # مكية وآيها إحدى عشرة. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى # 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) # القارعة ما القارعة قال أبو السعود: القرع هو الضرب بشدة واعتماد، بحيث ~~يحصل منه صوت شديد، وهي القيامة. سميت بها لأنها تفزع القلوب والأسماع ms4740 ~~بفنون الأفزاع والأهوال. وتخرج جميع الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى ~~حال: # السماء بالانشقاق والانفطار، والشمس والنجوم وبالتكوير والانكدار ~~والانتثار، والأرض بالزلزال والتبديل والجبال بالدك والنسف. وهي مبتدأ خبره ~~قوله تعالى ما القارعة على أن (ما) الاستفهامية خبر والقارعة مبتدأ، لا ~~بالعكس. لأن محط الفائدة هو الخبر لا المبتدأ. ولا ريب في أن مدار إفادة ~~الهول والفخامة هاهنا. هو كلمة (ما) لا (القارعة) أي أي شيء عجيب هي في ~~الفخامة والفظاعة؟ وقد وضع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل. وقوله ~~تعالى: وما أدراك ما القارعة تأكيد لهولها وفظاعتها، ببيان خروجها عن دائرة ~~علوم الخلق على معنى أن عظم شأنها ومدى شدتها، بحيث لا تكاد تناله دراية ~~أحد، حتى يدريك بها. أي: وأي شيء أعلمك ما شأن القارعة؟ ولما كان هذا منبئا ~~عن الوعد الكريم بإعلامها، أنجز ذلك بقوله تعالى: # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث أي هي يوم يكون الناس فيه كالفراش ~~المبثوث في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة والاضطراب، والتطاير إلى ~~الداعي، كتطاير الفراش إلى النار. ف (يوم) خبر محذوف بني على الفتح. ~~لإضافته إلى الفعل، أو هو منصوب. بإضمار (اذكر) كأنه قيل، بعد تفخيم أمر ~~القارعة وتشويقه عليه الصلاة # PageV09P531 # والسلام إلى معرفتها: اذكر يوم يكون الناس وتكون الجبال كالعهن المنفوش ~~أي كالصوف المندوف في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو. ولما كان من المعلوم ~~أن ذلك اليوم هو اليوم الذي تبتدئ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير ~~الأعمال وما تستحقه من الجزاء، رتب عليه قوله تعالى: ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة القارعة (101) : الآيات 6 الى 11] # فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) ~~فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) # نار حامية (11) # فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية قال ابن جرير: أي فأما من ثقلت ~~موازين حسناته، يعني بالموازين الوزن. والعرب تقول (لك عندي درهم بميزان ~~درهمك) ويقولون (داري بميزان دارك ووزن دارك) يراد حذاء دارك. قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة ... عندي لكل ms4741 مخاصم ميزانه # يعني بقوله (ميزانه) كلامه وما ينقض عليه حجته. وكان مجاهد يقول: ليس ~~ميزان إنما هو مثل ضرب. انتهى وعليه، فالموازين جمع ميزان. وجوز كونه جمع ~~موزون، وهو العمل الذي له خطر ووزن عند الله تعالى. ومعنى قوله: في عيشة ~~راضية أي في عيشة قد رضيها في الجنة. ف (راضية) بمعنى مرضية على التجوز في ~~الكلمة نفسها أو في إسنادها. # أو استعارة مكنية وتخييلية وأما من خفت موازينه أي وزن حسناته فأمه هاوية ~~أي فمأواه ومسكنه الهاوية التي يهوي فيها على رأسه في جهنم. # قال الشهاب: فسمى المأوى (أما) على التشبيه تهكما. لأن أم الولد مأواه ~~ومقره. وفي (التأويلات) : قيل المراد أم رأسه. أي يلقى في النار منكوسا على ~~رأسه. # انتهى. # والأول هو الموافق لقوله: وما أدراك ما هيه نار حامية فإنه تقرير لها بعد ~~إبهامها، والإشعار بخروجها عن الحدود المعهودة للتهويل. أصل ما هيه ما هي، ~~كناية عن الهاوية فأدخل في آخرها هاء السكت وقفا. وتحذف وصلا. وقد أجيز ~~إثباتها مع الوصل. # PageV09P532 # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة التكاثر # وهي مكية وآيها ثمان. # القول في تأويل قوله تعالى: [ ### | سورة التكاثر # (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر أي شغلكم التباهي بالكثرة في المال ~~والولد ونحوهما. فيقول هذا: أنا أكثر منك مالا، والآخر: أنا أكثر منك ولدا. ~~وهكذا مما يصرف عن الجد في العمل، ويطفئ نور الاستعداد وصفاء الفطرة والعقل ~~والكمالات المعنوية الباقية. ذهب بكم التفاخر والتباهي بهذه الأمور ~~الفانية، من كثرة الأموال والأولاد، وشرف الآباء والأجداد كل مذهب حتى زرتم ~~المقابر أي حتى هلكتم ومتم وصرتم من أصحاب القبور، فأفنيتم عمركم في ~~الأعمال السيئة وما تنبهتم طول حياتكم إلى ما هو سبب سعادتكم ونجاتكم. ~~وزيارة القبور عبارة عن الموت. # روى الزمخشري شواهد لها. قال الشهاب: وفيها ms4742 إشارة إلى تحقق البعث. لأن ~~الزائر لا بد من انصرافه عما زاره. ولذا قال بعض الأعراب لما سمعها: بعثوا، ~~ورب الكعبة! وقال ابن عبد العزيز: لا بد لمن زار، أن يرجع إلى جنة أو نار. ~~وسمى بعض البلغاء المقبرة، دهليز الآخرة كلا ردع عن الاشتغال بالتكاثر، ~~وتوهم أن الفوز بالتفاخر. فإن الفوز بالتناصر على الحق والتحلي بالفضائل ~~سوف تعلمون أي مغبة ما أنتم عليه، في الآخرة، من وخامة عاقبة الاشتغال بهذه ~~الشهوات السريعة الزوال، العظيمة الوبال، لبقاء تبعاتها. # PageV09P533 # ثم كلا سوف تعلمون تكرير للتأكيد و (ثم) للدلالة على أن الثاني أبلغ من ~~الأول. أو الأول عند الموت، والثاني عند النشور كلا لو تعلمون علم اليقين ~~أي لو تعلمون ما بين أيديكم من الجزاء، علم الأمر اليقين، لكان ما لا يدخل ~~تحت الوصف من الندم والتحسر على فوات العمر العزيز في التكاثر، والذهول عن ~~الحق به. # واليقين بمعنى المتيقن، صفة لمحذوف، أو صفة للعلم، على أنه من إضافة ~~الصفة للموصوف، وحذف جواب (لو) ليطلبه العقل من الشرط وما سبقه، ليستحكم ~~فيه فضل استحكام. وقوله تعالى: لترون الجحيم جواب قسم مضمر، أكد به الوعيد، ~~وشدد به التهديد، وأوضح به ما أنذروه تفخيما ثم لترونها عين اليقين أي ~~الرؤية التي هي نفس اليقين، فالعين هنا بمعنى النفس، كما في (جاء زيد عينه) ~~أي نفسه. # وإنما كانت نفس اليقين، لأن الانكشاف بالرؤية والمشاهدة، فوق سائر ~~الانكشافات. # فهو أحق بأن يكون عين اليقين. والتكرير للتأكيد. # قال الإمام: وكني برؤية الجحيم، عن ذوق العذاب فيها. وهي كناية شائعة في ~~الكتاب العزيز. ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم أي عن النعيم الذي ألهاكم ~~التكاثر به والتفاخر في الدنيا. ماذا عملتم فيه؟ ومن أين وصلتم إليه؟ وفيم ~~أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟ ويدخل في ذلك ما أنعم عليهم من السمع والبصر وصحة ~~البدن. # قال ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله ~~العباد فيم استعملوا وهو أعلم بذلك منهم. وهو قوله: إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان ms4743 عنه مسؤلا [الإسراء: 36] ، قال ابن جرير: لم يخصص في ~~خبره تعالى نوعا من النعيم دون نوع. بل عم. فهو سائلهم عن جميع النعيم. ~~ولذا قال مجاهد: أي عن كل شيء من لذة الدنيا. وقال قتادة: إن الله عز وجل ~~سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه. # PageV09P534 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة العصر # مكية، وقيل مدنية، وآيها ثلاث. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # والعصر أي الدهر. أقسم تعالى به لانطوائه على تعاجيب الأمور القارة ~~والمارة. ولذا قيل له (أبو العجب) . ولأنه يذكر بما فيه من النعم وأضدادها. ~~فينبه الإنسان على أنه مستعد للخسران والسعادة. وللتنويه به والتعظيم من ~~شأنه، تعريضا ببراءته مما يضاف إليه من الخسران والذم. كما قيل: # يعيبون الزمان وليس فيه ... معيب غير أهل للزمان # وجوز أن يراد بالعصر، الوقت المعروف الذي تجب فيه صلاة العصر. # قال الإمام: كان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا ~~في شؤونهم. وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضا. ~~فيتوهم الناس أن الوقت مذموم. فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ~~ليس مما يذم ويسب، كما اعتاد الناس أن يقولوا (زمان مشؤوم) و (وقت نحس) و ~~(دهر سوء) وما يشبه ذلك. بل هو عاد للحسنات كما هو عاد للسيئات. وهو ظرف ~~لشئوون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع. فكيف يذم في ~~ذاته، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة. # إن الإنسان لفي خسر أي خسران، لخسارته رأس ماله؟ الذي هو نور الفطرة ~~والهداية الأصلية، بإيثار الحياة الدنيا واللذات الفانية والاحتجاب بها ~~وبالدهر، # PageV09P535 # وإضاعة الباقي في الفاني إلا الذين آمنوا أي بالله وبما أنزل من الحق، ~~إيمانا ملك إرادتهم فلا يعملون إلا ما يوافق اعتقاداتهم. كما قال: وعملوا ~~الصالحات قال القاشاني: أي من الفضائل والخيرات. ms4744 أي اكتسبوها فربحوا زيادة ~~النور الكمالي على النور الاستعدادي الذي هو رأس مالهم. # وتواصوا بالحق أي أوصى بعضهم بعضا بما أنزل الله في كتابه من أمره، ~~واجتناب ما نهى عنه من معاصيه وتواصوا بالصبر أي على ما يبلو الله به ~~عباده. أو على الحق، فإن الوصول إلى الحق سهل. وأما البقاء عليه والصبر معه ~~بالاستقامة والجهاد لأجله، فذاك الذي يظهر به مصداق الإيمان وحقيقته. ### | تنبيهات: # الأول- قال الإمام ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) قال الشافعي رضي ~~الله عنه: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة، لكفتهم. وبيان ذلك أن المراتب ~~أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله. إحداها معرفة الحق. الثانية عمله ~~به. # الثالثة تعليمه من لا يحسنه. الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. ~~فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة. وأقسم سبحانه في هذه السورة ~~بالعصر أن كل أحد في خسر، إلا الذين آمنوا. وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا ~~به، فهذه مرتبة. # وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه أخرى. وتواصوا ~~بالحق، وصى به بعضهم بعضا تعليما وإرشادا، فهذه مرتبة ثالثة. وتواصوا ~~بالصبر، صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات. فهذه مرتبة ~~رابعة. # وهذا نهاية الكمال. فإن الكمال أن يكون الشخص كاملا في نفسه، مكملا ~~لغيره. وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية. فصلاح القوة العلمية ~~بالإيمان. # وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات. وتكميله غيره، بتعليمه إياه وصبره ~~عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة، على اختصارها، هي من ~~أجمع سور القرآن للخير بحذافيره. والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما ~~سواه، شافيا من كل داء، هاديا إلى كل خير. انتهى. # الثاني: قال الرازي: هذه السورة فيها وعيد شديد. وذلك لأنه تعالى حكم ~~بالخسار على جميع الناس، إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة. وهي: ~~الإيمان. # والعمل الصالح. التواصي بالحق. والتواصي بالصبر. فدل ذلك على أن النجاة ~~معلقة بمجموع هذه الأمور. وأنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه، فكذلك ~~يلزمه # PageV09P536 # في غيره أمور. ms4745 منها الدعاء إلى الدين. والنصيحة. والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر. وأن يحب له ما يحب لنفسه ثم كرر التواصي ليتضمن الأول الدعاء ~~إلى الله، والثاني الثبات عليه. والأول الأمر بالمعروف، والثاني النهي عن ~~المنكر. ومنه قوله تعالى: وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك [لقمان: 17] ، ~~وقال عمر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. # الثالث: قال الرازي: دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه. ~~فلذلك قرن التواصي بالصبر. # الرابع: تخصص التواصي بالحق والصبر، مع اندراجهما في الأعمال الصالحة، ~~لإبراز كمال الاعتناء بهما. # قال الإمام: من تلك الأعمال الدعوة إلى الحق والوصية بالصبر. لكنه أراد ~~تخصيص هذين الأمرين بالذكر، لأنهما حفاظ كل خير ورأس كل أمر. والحق هو ما ~~تقرر من حقيقة ثابتة أو شريعة صحيحة. وهو ما أرشد إليه دليل قاطع أو عيان ~~ومشاهدة. فشرط النجاة من الخسران، أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم، ~~ويمكنوه من قلوبهم، ثم يحمل الناس بعضهم بعضا عليه، بأن يدعو كل صاحبه إلى ~~الاعتقاد بالحقائق الثابتة، التي لا ينازع فيها العقل ولا يختلف فيها ~~النقل. وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات، التي لا قرار ~~للنفوس عليها، ولا دليل يهدي إليها. ولا يكون ذلك إلا بإعمال الفكر وإجادة ~~النظر في الأكوان، حتى تستطيع النفس دفع ما يرد عليها من باطل الأوهام. ~~وهذا إطلاق للعقل من كل قيد، مع اشتراط التدقيق في النظر. لا الذهاب مع ~~الطيش والانخداع للعادة والوهم. ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس على الحق ~~الصحيح بعد أن يعرفه فهو من الخاسرين. كما ترى في الآية بالنص الصريح الذي ~~لا يقبل التأويل. والصبر قوة للنفس على احتمال المشقة في العمل الطيب، ~~واحتمال المكروه من الحرمان من اللذة، إن كان في نيلها ما يخالف حقا أو ما ~~لا تأذن به الشريعة الصحيحة التي لا اختلاف فيها. واحتمال الآلام إذا عرضت ~~المصائب بدون جزع ولا خروج في دفعها عن حدود الحق والشرع. فشرط النجاة من ~~الخسران أن تصبر، وأن توصي غيرك بالصبر، وتحمله على ms4746 تكميل قواه بهذه ~~الفضيلة الشريفة، التي هي أم الفضائل بأسرها، ولا يمكنك حمله على ذلك، حتى ~~تكون بنفسك متحليا بها. وإلا دخلت فيمن يقول، ولا يفعل كما يقول. فلم تكن ~~ممن يعمل الصالحات. انتهى. # PageV09P537 # الخامس- قال الإمام: إنما قال وتواصوا ولم يقل (وأوصوا) ليبين أن النجاة ~~من الخسران إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة على الحق، ونزوع كل منهم إلى ~~أن يوصي به قومه ومن يهمه أمر الحق، ليوصي صاحبه بطلبه، يهمه أن يرى الحق ~~فيقبله. فكأن في هذه العبارة الجزلة، قد نص على تواصيهم بالحق وقبولهم ~~الوصية به إذا وجهت إليهم. # السادس- قال ابن كثير: ذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن ~~عبيد الله ابن حصن قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ~~إلى آخرها. ثم يسلم أحدهما على الآخر. قال الإمام: قد ظن الناس أن ذلك كان ~~للتبرك. وهو خطأ. وإنما كان ليذكر كل واحد منهما صاحبه بما ورد فيها. خصوصا ~~من التواصي بالحق والتواصي بالصبر. حتى يجتلب منه قبل التفرق، وصية خير لو ~~كانت عنده. # وقد فسر الإمام رحمه الله هذه السورة بتفسير على حدة لم يسبق إلى نظيره، ~~فعلى من أراد التوسع في أسرارها، أن يرجع إليه. # PageV09P538 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الهمزة # مكية، وآيها تسع. ### | ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى # 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) # ويل لكل همزة لمزة أي لكل من يطعن في أعراض الناس ويغتابهم أصله من الهمز ~~بمعنى الكسر، ومن اللمز بمعنى الطعن، الحقيقيين. ثم استعيرا لذلك ثم صارا ~~حقيقة عرفية فيه. قال زياد الأعجم: # تدلى بود إذا لاقيتني كذبا ... وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة # وبناء (فعلة) يدل على أن ذلك عادة منه قد ضري بها، لأنه من صيغ المبالغة ~~والآية عني بها من كان مع ms4747 المشركين بمكة، همازا لمازا. كما في قوله تعالى: ~~إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون ~~[المطففين: ### | 29- 30 # ] ، وقوله: هماز مشاء بنميم [القلم: 11] الآيات، فالسبب، وإن يكن خاصا، ~~إلا أن الوعيد عام، يتناول كل من باشر ذلك القبيح. وسر وروده عاما، ليكون ~~جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه. # الذي جمع مالا وعدده أي أحصى عدده ولم ينفقه في وجوه البر. # قال الإمام: أي أن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس، هو جمعه المال ~~وتعديده. أي عده مرة بعد أخرى، شغفا به وتلذذا بإحصائه. لأنه لا يرى عزا ~~ولا شرفا ولا مجدا في سواه. فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه، انتفخ وظن أنه ~~من رفعة المكانة، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه. فهو يهزأ به ويهمزه ~~ويلمزه. ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمز واللمز وتمزيق العرض. لأن ~~غروره بالمال أنساه الموت وصرف عنه ذكر المآل فهو يحسب أن ماله أخلده أي ~~يظن أن ماله الذي جمعه وأحصاه، وبخل بإنفاقه، مخلده في الدنيا، فمزيل عنه ~~الموت. # PageV09P539 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الهمزة (104) : الآيات 4 الى 9] # كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) ~~التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) # في عمد ممددة (9) # كلا أي فليرتدع عن هذا الحسبان، فإن الأمر ليس كما ظن. بل لا بد أن يفارق ~~هذه الحياة إلى حياة أخرى يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال، كما قال: ~~لينبذن في الحطمة أي ليلقين وليقذفن يوم القيامة في النار التي من شأنها أن ~~تحطم كل ما يلقى فيها. أي تكسره، وكلمة (النبذ) تفيد التحقير والتصغير وما ~~أدراك ما الحطمة استفهام عنها لتهويل أمرها. كأنها ليست من الأمور التي ~~تدركها العقول نار الله الموقدة أي هي النار التي لا تنسب إلا إليه سبحانه، ~~لأنه هو منشئها في عالم لا يعلمه سواه. # قال أبو السعود: وفي إضافتها إليه سبحانه، ووصفها بالإيقاد، ms4748 من تهويل ~~أمرها ما لا مزيد عليه التي تطلع على الأفئدة قال ابن جرير: أي التي يطلع ~~ألمها ووهجها على القلوب والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى. حكي عن العرب ~~سماعا (متى طلعت أرضنا) و (طلعت أرضي) بلغت. # وقال الزمخشري: يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على ~~أفئدتهم، وهي أوساط القلوب. ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا ~~أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه. فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت ~~عليه!! ويجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات ~~الخبيثة. أو تطالع، على سبيل المجاز معادن موجبها إنها عليهم مؤصدة أي ~~مغلقة مطبقة لا مخلص لهم منها في عمد ممددة صفة لمؤصدة، أو حال من الضمير ~~المجرور. وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقوله: والمعنى أنه يؤكد يأسهم من ~~الخروج، وتيقنهم بحبس الأبد، فتؤصد عليهم الأبواب، وتمدد على العمد، ~~استيثاقا في استيثاق. ويجوز أن يكون المعنى أنها عليهم مؤصدة، موثقين في ~~عمد ممددة، مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص. # و (المقاطر) جمع (مقطرة) بالفتح، وهي جذع كبير فيه خروق يوضع فيها أرجل ~~المحبوسين من اللصوص ونحوهم (وتقطر) أي يجعل كل بجنب آخر و (عمد) قرئ بضم ~~العين والميم وفتحهما. # قال ابن جرير: وهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من # PageV09P540 # القراء. ولغتان صحيحتان. والعرب تجمع العمود عمدا وعمدا، بضم الحرفين ~~وفتحهما، كما تفعل في جمع إهاب تجمعه أهبا وأهبا. ### | تنبيه: # قال القاشاني في بيان آفات رذيلتي الهمز واللمز اللتين نزلت في وعيدهما ~~السورة، ما مثاله: الهمز أي الكسر من أعراض الناس واللمز أي الطعن فيهم، ~~رذيلتان مركبتان من الجهل والغضب والكبر. لأنهما يتضمنان الإيذاء وطلب ~~الترفع على الناس. وصاحبهما يريد أن يتفضل على الناس، ولا يجد في نفسه ~~فضيلة يترفع بها. # فينسب العيب والرذيلة إليهم، ليظهر فضله عليهم. ولا يشعر أن ذلك عين ~~الرذيلة. # فهو مخدوع من نفسه وشيطانه موصوف برذيلتي القوة النطقية والغضبية. # ثم قال: وفي قوله تعالى: وعدده إشارة أيضا ms4749 إلى الجهل. لأن الذي جعل المال ~~عدة للنوائب، لا يعلم أن نفس ذلك المال يجر إليه النوائب. لاقتضاء حكمة ~~الله تفريقه في النائبات، فكيف يدفعها؟ وكذا في قوله: يحسب أن ماله أخلده ~~أي لا يشعر أن المقتنيات المخلدة لصاحبها هي العلوم والفضائل النفسانية ~~الباقية، لا العروض والذخائر الجسمانية الفانية ولكنه مخدوع بطول الأمل، ~~مغرور بشيطان الوهم عن بغتة الأجل. والحاصل أن الجهل الذي هو رذيلة القوة ~~الملكية، أصل جميع الرذائل، ومستلزم لها. فلا جرم أنه يستحق صاحبه المغمور ~~فيها، العذاب الأبدي المستولي على القلب المبطل لجوهره. # PageV09P541 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفيل # مكية، وآيها خمس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) # فجعلهم كعصف مأكول (5) # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل يعني الذين قدموا من اليمن يريدون تخريب ~~الكعبة من الحبشة، ورئيسهم أبرهة الحبشي الأشرم. كما سيأتي. # قال أبو السعود: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير ~~رؤيته صلى الله عليه وسلم بإنكار عدمها. والرؤية علمية. أي ألم تعلم علما ~~رصينا متاخما للمشاهدة والعيان، باستماع الأخبار المتواترة، ومعاينة الآثار ~~الظاهرة. وتعليق الرؤية بكيفية فعله عز وجل لا بنفسه، بأن يقال ألم تر ما ~~فعل ربك إلخ- لتهويل الحادثة والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة ~~دالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله صلى ~~الله عليه وسلم. # فإن ذلك من الإرهاصات. لما روي أن القصة وقعت في السنة التي ولد فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كما سنأثره. وقوله تعالى: ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل بيان إجمالي لما فعل بهم. أي ألم يجعل مكرهم وسعيهم لتخريب الكعبة في ~~تضييع وإبطال لما حاولوا، وتدميرهم أشد تدمير. # قال الرازي: اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية (إن قيل) لم ~~سماه كيدا وأمره كان ظاهرا، فإنه كان ms4750 يصرح أنه يهدم البيت؟ (قلنا) نعم لكن ~~الذي # PageV09P542 # كان في قلبه شر مما أظهر. لأنه كان يضمر الحسد للعرب، وكان يريد صرف ~~الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة، منهم ومن بلدهم، إلى نفسه وإلى بلدته وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل أي طوائف متفرقة، يتبع بعضها بعضا من نواح شتى و ~~(أبابيل) جمع لا واحد له، على ما حكاه أبو عبيدة والفراء. وزعم أبو جعفر ~~الرؤاسي- وكان ثقة- أنه سمع واحدها إبالة بكسر الهمزة وتشديد الموحدة. وهي ~~حزمة الحطب. استعير لجماعة الطير. وحكى الكسائي عن بعض النحويين في مفردها ~~(أبول) وعن آخرين (أبيل) سماعا كما أثره ابن جرير. والتنكير في (طيرا) إما ~~للتحقير، فإنه مهما كان أحقر كان صنع الله أعجب وأكبر. أو للتفخيم، كأنه ~~يقول وأي طير ترمي بحجارة صغيرة فلا تخطئ المقتل. أفاده الرازي. # ترميهم بحجارة من سجيل أي من طين متحجر. وروى ابن وهب عن ابن زيد أن ~~المعني بالسجيل السماء الدنيا لأن اسمها سجيل. # قال ابن جرير: وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ~~ولا عقل ولا لغة. وأسماء الأشياء لا تدرك إلا من لغة سائرة أو خبر من الله ~~تعالى ذكره فجعلهم كعصف مأكول قال ابن جرير: كزرع أكلته الدواب فراثته، ~~فيبس وتفرقت أجزاؤه. شبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم، وتفرق آراب ~~أبدانهم بها، بتفرق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع. # قال الشهاب: ولم يذكر الروث لهجتنه. فجاء على الآداب القرآنية. وفيه ~~إظهار تشويه حالهم. # وقال أبو مسلم: (العصف) التين، لقوله: ذو العصف والريحان.. # [الرحمن: 12] ، لأنه تعصف به الريح عند الذر، فتفرقه عن الحب وهو إذا كان ~~مأكولا فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه. انتهى. # ومن الوجوه في الآية أن يكون المعنى: كزرع قد أكل حبه وبقي تبنه، ~~والتقدير كعصف مأكول الحب. كما يقال فلان حسن أي حسن الوجه. فأجرى (مأكول) ~~على (العصف) من أجل أنه أكل حبه. لأن هذا المعنى معلوم. ومنها أيضا أن معنى ~~(مأكول) مما يؤكل، يعني تأكله ms4751 الدواب. يقال لكل ما يصلح للأكل (هو مأكول) ~~والمعنى جعلهم كتبن تأكله الدواب في التفرق والتفتت والهلاك. أشار له ~~الرازي. ### | تنبيهات: # الأول: كان السبب الذي من أجله حلت عقوبة الله تعالى لأصحاب الفيل، # PageV09P543 # مسير أبرهة الحبشي بجنده مع الفيل إلى بيت الله الحرام لتخريبه، وواقعة ~~الفيل في ذاتها معروفة متواترة الرواية. حتى إنهم جعلوها مبدأ تاريخ يحددون ~~به أوقات الحوادث. فيقولون: ولد عام الفيل وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل ~~ونحو ذلك. # وتفصيل نبئها على ما أثره ابن هشام: أن أبرهة الحبشي كان أمير صنعاء ~~للنجاشي. # وكان ذا دين في النصرانية. فبنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها. ثم ~~كتب للنجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك. # ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك ~~إلى النجاشي غضب رجل من كنانة فخرج حتى أتى الكنيسة فقعد فيها (أي أحدث ~~فيها) ثم خرج فلحق بأرضه. فأخبر بذلك أبرهة فقال: من صنع هذا؟ فقيل صنع هذا ~~رجل من العرب من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، لما سمع قولك ~~(أصرف إليها حج العرب) غضب فجاء فقعد فيها. أي أنها ليست لذلك بأهل. # فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة ~~فتهيأت وتجهزت. ثم سار وخرج معه بالفيل. وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا ~~به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله ~~الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر. ~~فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله ~~الحرام، وما يريد من هدمه وإخرابه. فأجابه إلى ذلك من أجابه. ثم عرض له ~~فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأتى به أسيرا. فلما أراد قتله قال له ذو نفر: ~~أيها الملك! لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي. فتركه ~~من القتل وحبسه عنده في ms4752 وثاق. وكان أبرهة رجلا حليما. ثم مضى أبرهة على ~~وجهه ذلك يريد ما خرج له. # حتى إذا كان بأرض خثعم عرض نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم: شهران ~~وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب. فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا. ~~فأتى به. # فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك! لا تقتلني فإني دليلك بأرض ~~العرب. وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم: شهران وناهس، بالسماع والطاعة. فخلى ~~سبيله وخرج به معه يدله. حتى إذا مر بالطائف خرج له مسعد بن معتب الثقفي في ~~رجاله ثقيف. # فقالوا له: أيها الملك! إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك ~~خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد- يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي ~~بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه. فتجاوز عنهم- واللات بيت لهم بالطائف ~~كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة- فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى ~~مكة. # PageV09P544 # فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس. فلما أنزله به مات أبو رغال ~~هنا لك: # فرجمت قبره العرب. فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس. فلما نزل أبرهة ~~المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى ~~إلى مكة. # فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم. وأصاب فيها مائتي بعير لعبد ~~المطلب ابن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها. فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن ~~كان بذلك الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به. فتركوا ذلك. وبعث ~~أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم ~~قل له: إن الملك يقول لك: إني لم آت لحربكم. إنما جئت لهدم هذا البيت. فإن ~~لم تعرضوا لنا دونه بحرب، فلا حاجة لي في دمائكم. # فإن هو لم يرد حربي فأتني به. فلما دخل حناطة مكة سأل من سيد قريش ~~وشريفها. فقيل له عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. ~~فقال له عبد المطلب: والله! ما نريد حربه وما ms4753 لنا بذلك من طاقة. هذا بيت ~~الله الحرام وبيت خليله عليه السلام (أو كما قال) فإن يمنعه منه فهو بيته ~~وحرمه. وأن يخل بينه وبينه، فو الله! ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: ~~فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه ~~بعض بنيه حتى أتى العسكر. فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دخل عليه وهو ~~في محبسه. فقال له: يا ذا نفر! هل عندك من غناء فيما نزل ثبا؟ فقال له ذو ~~نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا. ما عندي ~~غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي. فسأرسل إليه ~~وأوصيه بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فيكلمه بما بدا ~~لك ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. فقال: حسبي. # فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة. # يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال. وقد أصاب له الملك مائتي ~~بعير، فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت. فقال: أفعل. فكلم أنيس ~~أبرهة فقال له: # أيها الملك! هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة، وهو يطعم ~~الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال. فأذن له عليك فليكلمك في حاجته. # قال فأذن له أبرهة. قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم. ~~فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته. وكره أن تراه الحبشة ~~يجلسه معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه ~~عليه إلى جنبه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان. ~~فقال: حاجتي # PageV09P545 # أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فلما قال له ذلك قال أبرهة ~~لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني. ~~أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك. وتترك بيتا هو دينك ودين ms4754 آبائك، قد جئت ~~لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا ~~سيمنعه. قال: وما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك، وكان، فيما يزعم أهل ~~العلم، قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة- يعمر بن نفاثة ~~سيد بني بكر وخويلد بن واثلة سيد هذيل. فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة ~~على أن يرجع عنهم لا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم، أكان ذلك أم لا. # فرد أبرهة على عبد المطلب الإبل التي أصاب له. فلما انصرفوا عنه، انصرف ~~عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف ~~الجبال والشعاب، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة ~~باب الكعبة. وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. # فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: # لا هم إن العبد يم ... نع رحله، فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم، عدوا محالك # إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك # ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف ~~الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح ~~أبرهة تهيأ لدخول مكة. وهيأ فيله وعبأ جيشه، وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم ~~الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام ~~إلى جنب الفيل فأخذ بأذنه. فقال له: ابرك أو ارجع راشدا من حيث جئت فإنك في ~~بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه فبرك الفيل: وخرج نفيل يشتد حتى أصعد في ~~الجبل. # وضربوا الفيل ليقوم. فضربوا رأسه ليقوم فأبى. فأدخلوا محاجن لهم في مراقه ~~فبزغوه بها- أي أدموه- ليقوم فأبى. فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ~~ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى ~~مكة فبرك. # وأرسل الله تعالى طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ~~منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، ms4755 وحجران في رجليه، أمثال الحمص ~~والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك. وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين ~~يبتدرون الطريق # PageV09P546 # الذي منه جاءوا. ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فقال نفيل ~~حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب # فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك. على كل منهل. # وأصيب أبرهة في جسده. وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة. كلما سقطت منه ~~أنملة أتبعتها منه مدة تمث- أي تسيل- قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل ~~فرخ الطائر. فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، فيما يزعمون. # قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة. أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة ~~والجدري بأرض العرب، ذلك العام. # قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعد الله ~~على قريش من نعمته عليهم وفضله، ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ~~ومدتهم، فقال تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك. بأصحاب الفيل السورة. # ثم قال ابن إسحاق: فلما رد الله الحبشة عن مكة، وأصابهم بما أصابهم به من ~~النقمة، أعظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة ~~عدوهم. فقالوا في ذلك أشعارا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة، وما رد عن ~~قريش من كيدهم. ثم ساق القصائد في ذلك. # وإنما آثرت في سياقها ما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق. لأنه أحسن اقتصاصا ~~وأبلغ سبكا، لإثارته عن صميم العربية روايات نبغاء رجالها، فرحمه الله ورضي ~~عنه. # التنبيه الثاني: إنما أضيف أمر القصة إلى الفيل، واشتهرت به، لاصطحابهم ~~الفيل معهم للبطش والتخريب، فإنه لو تم لقائديه كيدهم، لكان الفيل يدهم ~~العاملة وسهمهم النافذ. وذلك أن جبابرة البلاد التي يوجد فيها الفيل ~~يتخذونه آلة بطش وانتقام. فإذا غضبوا على محارب وأسروه، أو وزير وأوثقوه، ~~أو بلد ونازلوا حصنه- أرسلوا على دار المغضوب عليه أو حصنه الفيل، فنطح ~~برأسه ونابه الصرح فيدكه. # وقواعد البنيان فيهدمها. فيكون أمضى من معاول وفؤوس. ms4756 وأعظم رعبا ورهبة في ~~النفوس. وربما ألقوا المسخوط عليه بين يديه، فأعمل فيه نابه، ولف عليه ~~خرطومه وشاله، ومثل به تمثيلا، كان أشد بطشا وتنكيلا. وقد حدثني بغرائب هذه ~~الفظائع الجاهلية بعض آل ملوك الأفغان لما أقام مدة بالشام. # الثالث: قال القاشاني: قصة أصحاب الفيل مشهورة، وواقعتهم قريبة من عهد # PageV09P547 # الرسول صلى الله عليه وسلم وهي إحدى آيات قدرة الله، وأثر من سخطه على من ~~اجترأ عليه بهتك حرمه. وإلهام الطيور والوحوش أقرب من إلهام الإنسان لكون ~~نفوسهم ساذجة. وتأثير الأحجار بخاصية أودعها الله تعالى فيها، ليس بمستنكر. ~~ومن اطلع على عالم القدرة، وكشف له حجاب الحكمة، عرف لمية أمثال هذه. # قال: وقد وقع في زماننا مثلها من استيلاء الفأر على مدينة أبيورد وإفساد ~~زروعهم ورجوعها في البرية إلى شط جيحون، وأخذ كل واحدة منها خشبة من الأيكة ~~التي على شط نهرها وركوبها عليها وعبورها بها من النهر. # الرابع: قال الإمام الماوردي في (أعلام النبوة) : آيات الملك باهرة، ~~وشواهد النبوات قاهرة. تشهد مباديها بالعواقب فلا يلتبس بها كذب بصدق. ولا ~~منتحل بمحق. وبحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها. ولما دنا مولد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاطرت آيات نبوته وظهرت آيات بركته. فكان من ~~أعظمها شأنا، وأظهرها برهانا. وأشهرها عيانا وبيانا أصحاب الفيل. أنقذهم ~~النجاشي من أرض الحبشة في جمهور جيشه إلى مكة لقتل رجالها وسبي ذراريها ~~وهدم الكعبة. وآية الرسول في قصة الفيل أنه كان في زمانها حملا في بطن أمه ~~بمكة. لأنه ولد بعد خمسين يوما من الفيل. فكانت آيته في ذلك من وجهين: ~~أحدهما أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا. # فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملا ووليدا. ~~والثاني أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به دفع أصحاب الفيل عنهم. ~~وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو قائل بالزندقة ~~أو مانع من الرجعة. ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسا ~~للنبوة وتعظيما للكعبة، وأن ms4757 يجعلها قبلة للصلاة ومنسكا للحج. # فإن قيل. فكيف منع عن الكعبة قبله مصيرها قبلة ومنسكا، ولم يمنع الحجاج ~~من هدمها وقد صارت قبلة ومنسكا حتى أحرقها ونصب المنجنيق عليها؟ # قيل: فعل الحجاج كان بعد استقرار الدين، فاستغنى عن آيات تأسيسه، وأصحاب ~~الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس البنوة ومجيء ~~الرسالة. على أن الرسول قد أنذر بهدمها فصار الهدم آية بعد أن كان المنع ~~آية فلذلك اختلف حكمهما في الحالين والله تعالى أعلم. # ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل، تهيبوا الحرم وأعظموه ~~وزادت حرمته في النفوس ودانت لقريش بالطاعة وقالوا: أهل الله قاتل عنهم ~~وكفاهم # PageV09P548 # كيد عدوهم، فزادوهم تشريفا وتعظيما، فصاروا أئمة ديانين، وقادة متبوعين. ~~وصار أصحاب الفيل مثلا في الغابرين. وكان شأن الفيل رادعا لكل باغ ودافعا ~~لك طاغ. # وقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن نبوته وبعد هجرته، جماعة ~~شاهدوا الفيل وطير الأبابيل. منهم حكيم بن حزام وحاطب بن عبد العزى ونوفل ~~بن معاوية. لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة وعشرين سنة منها ستين سنة في ~~الجاهلية وستين سنة في الإسلام، انتهى. # الخامس: ورد في كثير من الأحاديث الصحيحة الإشارة إلى نبأ الفيل. # روى البخاري «1» # أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أظل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط ~~به على قريش، بركت ناقته فزجروها فألحت فقالوا: خلأت القصواء- أي حرنت- ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق. ~~ولكن حبسها حابس الفيل # ، قال ابن الأثير في (النهاية) : هو فيل أبرهة الحبشي الذي جاء يقصد خراب ~~الكعبة، فحبس الله الفيل فلم يدخل الحرم. ورد رأسه راجعا من حيث جاء. يعني ~~أن الله حبس ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الحديبية. فلم ~~تتقدم ولم تدخل الحرم. لأنه أراد أن يدخل مكة بالمسلمين. # وفي الصحيحين «2» أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: ~~إن الله حبس عن مكة ms4758 الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين. وإنه قد عادت حرمتها ~~اليوم كحرمتها بالأمس. ألا فليبلغ الشاهد الغائب. PageV09P549 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة قريش # مكية، وآيها أربع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت ~~(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف قال ابن هشام: إيلاف قريش إلفهم ~~الخروج إلى الشام في تجارتهم. وكانت لهم خرجتان: خرجة في الشتاء وخرجة في ~~الصيف. قال: أخبرني أبو زيد الأنصاري أن العرب تقول: ألفت الشيء إلفا، ~~وآلفته إيلافا، في معنى واحد وأنشدني لذي الرمة: # من المؤلفات الرمل إدماء حرة ... شعاع الضحى في لونها يتوضح # والإيلاف أيضا أن يكون للإنسان ألف من الإبل أو البقر أو الغنم أو غير ~~ذلك، ويقال آلف فلان إيلافا، قال الكميت بن زيد: # بعام يقول له المؤلفو ... ن هذا المعيم لنا المرجل # والمعيم العام الذي قل فيه اللبن. والإيلاف أيضا أن يصير القوم ألفا يقال ~~آلف القوم إيلافا. قال الكميت: # وآل مزيقياء غداة لاقوا ... بني سعد بن ضبة مؤلفينا # والإيلاف أيضا أن يؤلف الشيء، فيألفه ويلزمه. يقال: آلفته إياه إيلافا. # والإيلاف أيضا أن تصير ما دون الألف ألفا. يقال: آلفته إيلافا. انتهى. ~~ولورود الإيلاف بهذه المعاني، ظهر سر إبداله بالمقيد منه بعد إطلاقه. مع ما ~~في الإبهام، ثم التفسير من التفخيم والتقرير. روى ابن جرير عن عكرمة قال: ~~كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذه في الشتاء وإلى تلك في ~~الصيف. وعن ابن زيد # PageV09P550 # قال: كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام والشتاء إلى اليمن في التجارة. ~~إذا كان الشتاء امتنع الشام منهم لمكان البرد. وكانت رحلتهم في الشتاء إلى ~~اليمن. وعن ابن عباس قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف. والأكثرون على ~~الأول. واللام في قوله (لإيلاف) متعلق بقوله تعالى: ليعبدوا رب هذا البيت # أي فليعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين. ودخلت الفاء، لما في الكلام من معنى ~~الشرط. إذ ms4759 المعنى، أن نعم الله تعالى عليهم غير محصورة. فإن لم يعبدوه ~~لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة. والبيت هو الكعبة المشرفة الذي ~~أطعمهم من جوع أي جوع شديد كانوا فيه قبل الرحلتين ف (من) تعليلية أي أنعم ~~عليهم وأطعمهم لإزالة الجوع عنهم أو بدلية وآمنهم من خوف أي مما يخاف منه ~~من لم يكن من أهل الحرم من الغارات والحروب والقتال والأمور التي كانت ~~العرب يخاف بعضها من بعض. قال ابن زيد: # كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضا. فأمنوا من ذلك لمكان ~~الحرم وقرأ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء [القصص: 57] ، ~~ونظيره أيضا قوله تعالى: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم [العنكبوت: 67] . ### | تنبيه: # زعم بعض الناس أن اللام في (لإيلاف) متعلق بما قبله أي فجعلهم كعصف مأكول ~~لإيلاف قريش. قال الشهاب: وعلى هذا لا بد من تأويله. والمعنى: أهلكهم ولم ~~يسلط على أهل حرمه ليبقوا على ما كانوا عليه. أو أهلك من قصدهم ليعتبر ~~الناس ولا يجترئ عليهم أحد، فيتم لهم الأمن في الإقامة والسفر. أو هي لام ~~العاقبة. # انتهى. # ولا يخفى ما فيه من التكلف. ولذا قال ابن جرير في رده: وأما القول الذي ~~قاله من حكينا قوله أنه من صلة قوله: فجعلهم كعصف مأكول فإن ذلك لو كان ~~كذلك لوجب أن يكون (لإيلاف) بعض (ألم تر) وأن لا تكون سورة منفصلة من (ألم ~~تر) وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان، كل واحدة منهما ~~منفصلة عن الأخرى، ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك. ولو كان ~~قوله: # لإيلاف قريش من صلة قوله: فجعلهم كعصف مأكول لم تكن ألم تر تامة حتى توصل ~~بقوله: لإيلاف قريش لأن الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر. انتهى. # PageV09P551 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الماعون # مدنية، وآيها سبع. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك ms4760 الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) # الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) # أرأيت الذي يكذب بالدين أي بثواب الله وعقابه، فلا يطيعه في أمره ونهيه ~~قال أبو السعود: استفهام أريد به تشويق السامع إلى معرفة من سيق له الكلام ~~والتعجيب منه. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. أو لكل عاقل. والرؤية ~~بمعنى العلم. والفاء في قوله تعالى: فذلك الذي يدع اليتيم جواب شرط محذوف، ~~على أن (ذلك) مبتدأ والموصول خبره. والمعنى: هل عرفت الذي يكذب بالجزاء أو ~~بالإسلام، إن لم تعرفه أو إن أردت أن تعرفه فهو الذي يدفع اليتيم دفعا ~~عنيفا ويزجره زجرا قبيحا. يقال: # دفعت فلانا عن حقه: دفعت عنه وظلمته ولا يحض على طعام المسكين أي لا يحث ~~غيره من ذوي اليسار على إطعام المحتاج وسد خلته. بل يبخل بسعيه عند ~~الأغنياء لإغاثة البؤساء. # قال الشهاب: إن كان الطعام بمعنى الإطعام، كما قاله الراغب، فهو ظاهر. ~~وإلا ففيه مضاف مقدر. أي بذل طعام المسكين. واختياره على الإطعام للإشعار ~~بأنه كأنه مالك لما يعطى له كما في قوله: في أموالهم حق معلوم للسائل ~~والمحروم [المعارج: 24- 25] ، فهو بيان لشدة الاستحقاق. وفيه إشارة للنهي ~~عن الامتنان. # PageV09P552 # قال أبو السعود: وإذا كان حال من ترك حث غيره على ما ذكر، فما ظنك بحال ~~من ترك ذلك مع القدرة؟. # قال الزمخشري: جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء ~~الضعيف. يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لخشي الله تعالى وعقابه، ~~ولم يقدم على ذلك. فحين أقدم عليه علم أنه مكذب، فما أشده من كلام! وما ~~أخوفه من مقام! وما أبلغه في التحذير من المعصية وإنها جديرة بأن يستدل بها ~~على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين، وقوله تعالى: فويل للمصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون قال ابن جرير: أي لاهون يتغافلون عنها وذلك باللهو عنها ~~والتشاغل بغيرها. # وتضييعها أحيانا وتضييع وقتها أخرى. وقال القاشاني: أي فويل لهم، أي ~~للموصوفين بهذه الصفات، من دع ms4761 اليتيم وعدم الحث على طعام المسكين. الذي إن ~~صلوا غفلوا عن صلاتهم لاحتجابهم عن حقيقتها بجهلهم وعدم حضورهم. # و (المصلين) من باب وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بأن أشرف ~~أفعالهم وصور حسناتهم سيئات وذنوب، لعدم ما هي به معتبرة من الحضور ~~والإخلاص، وأورد على صيغة الجمع لأن المراد بالذي يكذب هو الجنس الذين هم ~~يراؤن أي يراءون الناس بصلاتهم إذا صلوا لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب، ولا ~~رهبة من عقاب. وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظنوهم منهم فيكفوا عنهم. ~~وأصل المراءاة أن ترى غيرك ويراك. أريد به العمل عند الناس ليثنوا عليهم. ~~أوضحه الشهاب. # ويمنعون الماعون أي ما يعان به الخلق ويصرف في معونتهم من الأموال ~~والأمتعة وكل ما ينتفع به، لكون الجهل حاكما عليهم بالاستئثار بالمنافع ~~وحرمانهم عن النظر التوحيدي وعدم اعتقادهم بالجزاء. فلا محبة لهم للحق ~~للركون إلى العالم الفاني، ولا عدالة في أنفسهم للاتصاف بالرذائل والبعد عن ~~الفضائل، فلا يعاونون أحدا فلن يفلحوا أبدا. قاله القاشاني ### | تنبيه: # المعني بهذه الآيات أولا وبالذات المنافقون في عهد النبوة. ويدخل فيها ~~ثانيا وبالعرض، كل من وجد فيهم تلك الخلال الذميمة اعتبارا بالعموم. ~~فالسورة مدنية. # ونظيرها في المنافقين قوله تعالى: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا # [النساء: 142] ، ولذا قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير: # هم المنافقون، كانوا يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا ~~غابوا، ويمنعونهم العارية بغضا لهم، وهو الماعون. # PageV09P553 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكوثر # مكية، ويقال مدنية، وآيها ثلاث. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # إنا أعطيناك الكوثر أي الخير الكثير من القرآن والحكمة والنبوة والدين ~~الحق والهدى وما فيه سعادة الدارين. روى ابن جرير عن أبي بشر قال: سألت ~~سعيد ابن جبير عن الكوثر، فقال: هو الخير الكثير الذي آتاه الله إياه. فقلت ~~لسعيد: إنا كنا نسمع أنه نهر في ms4762 الجنة. فقال: هو من الخير الذي أعطاه الله ~~إياه فصل لربك وانحر قال الإمام: أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك ~~مما هو نسك لك لله وحده، فإنه هو مربيك ومسبغ نعمه عليك دون سواه، كما قال ~~تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام: 162- 163] ، إن شانئك هو الأبتر قال ابن ~~جرير: # أي مبغضك يا محمد، وعدوك، هو الأبتر. يعني الأقل الأذل المنقطع دابره ~~الذي لا عقب له. # روى ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له. فإذا هلك ~~انقطع ذكره) فأنزل الله هذه السورة. وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب. وذلك ~~حين مات ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب أبو لهب إلى المشركين ~~فقال: بتر محمد الليلة. فأنزل الله، في ذلك، السورة. وقال شمر بن عطية: ~~نزلت في عقبة بن أبي معيط. قال ابن كثير: والآية تعم جميع من اتصف بذلك، ~~ممن ذكر وغيرهم. # وقال الإمام: كان المستهزئون من قريش كالعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط # PageV09P554 # وأبي لهب وأمثالهم، إذا رأوا أبناء النبي صلى الله عليه وسلم يموتون، ~~ويقولون: بتر محمد، أي لم يبق له ذكر في أولاده من بعده، ويعدون ذلك عيبا ~~يلمزونه به وينفرون به الناس من أتباعه وكانوا إذا رأوا ضعف المسلمين ~~وفقرهم وقلتهم يستخفون بهم ويهونون أمرهم، ويعدون ذلك مغمزا في الدين، ~~ويأخذون القلة والضعف دليلا على أن الدين ليس بحق، ولو كان حقا لنشأ مع ~~الغنى والقوة، شأن السفهاء مع الحق في كل زمان أو مكان غلب فيه الجهل. وكان ~~المنافقون إذا رأوا ما فيه المؤمنون من الشدة والبأساء يمنون أنفسهم بغلبة ~~إخوانهم القدماء من الجاحدين. وينتظرون السوء بالمسلمين لقلة عددهم وخلو ~~أيديهم من المال. وكان الضعفاء من حديثي العهد بالإسلام من المؤمنين، تمر ~~بنفوسهم خواطر السوء عند ما تشتد ms4763 عليهم حلقات الضيق. فأراد الله سبحانه أن ~~يمحص من نفوس هؤلاء، ويبكت الآخرين، فأكد الخبر لنبيه، أن ما يخيله النظر ~~القصير قليلا، هو الكثير البالغ الغاية في الكثرة، ليؤكد له الوعد بأنه هو ~~الفائز وأن متبعه هو الظافر، وإن عدوه هو الخائب، الأبتر الذي يمحى ذكره ~~ويعفى أثره. ### | تنبيه: # لما روي من سبب نزول هذه السورة مما رويناه، ذهب إمام اللغة ابن جني إلى ~~تأويل الكوثر بالذرية الكثيرة. وهو معنى بديع فيه مناسبة لسبب النزول. # قال ابن جني في (شرح ديوان المتنبي) في قوله يمدح طاهر بن الحسين العلوي: # وأبهر آيات التهامي أنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب # في جملة ما أملاه علي أبو الفضل العروضي: أن قريشا وأعداء النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا يقولون: إن محمدا أبتر لا عقب له. فإذا مات استرحنا منه ~~فأنزل الله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر أي العدد الكثير، ولست بالأبتر الذي ~~قالوه. ومراده بالعدد الكثير الذرية وهم أولاد فاطمة. قال العروضي: فإن ~~قيل: الإنسان بالأبناء والآباء والأمهات. # قلنا: هذا خلاف حكم الله تعالى فإنه قد قال: ومن ذريته داود وسليمان، إلى ~~قوله ويحيى وعيسى [الأنعام: 84] ، فجعل عيسى من أولاد إبراهيم ومن ذريته. # ولا خلاف في أنه لم يكن لعيسى أب. انتهى. # وقد بسطنا أدلة انتساب الأسباط إلى أجدادهم في كتاب (شرف الأسباط) بما لا ~~مزيد عليه. فراجعه. # PageV09P555 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الكافرون # مكية، وآيها ست. # قال ابن كثير: ثبت في صحيح مسلم: عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرأ بهذه السورة وب قل هو الله أحد في ركعتي الطواف. # وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ~~بهما في ركعتي الفجر. # وروى الإمام أحمد «1» عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ~~الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة ~~قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد # وروى الإمام أحمد «2» عن ms4764 الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول الله! علمني ~~شيئا أقوله عند منامي. قال: إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: قل يا أيها ~~الكافرون، فإنها براءة من الشرك # وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن. قال في (اللباب) : ووجه ذلك أن ~~القرآن مشتمل على الأمر والنهي، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بعمل ~~القلوب وإلى ما يتعلق بعمل الجوارح، فحصل من ذلك أربعة أقسام وهذه السورة ~~مشتملة على النهي عن عبادة غير الله تعالى، وهي من الاعتقاد، وذلك من أفعال ~~القلوب. فكانت هذه السورة ربع القرآن على هذا التقسيم. وسيأتي في تفسير ~~الإخلاص سر آخر. PageV09P556 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) # قل يا أيها الكافرون أي المشركون الجاحدون للحق، الذي وضحت حجته واتضحت ~~محجته لا أعبد ما تعبدون أي من الآلهة والأوثان الآن ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد أي الآن ولا أنا عابد أي فيما أستقبل ما عبدتم أي فيما مضى ولا أنتم ~~عابدون أي فيما تستقبلون أبدا ما أعبد أي فيما أستقبل ما عبدتم أي الآن ~~وفيما أستقبل- هكذا فسره الإمام ابن جرير رحمه الله. ثم قال: وإنما قيل ذلك ~~كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص ~~بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا، وسبق لهم ذلك في السابق ~~من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذين طمعوا فيه ~~وحدثوا به أنفسهم. وإن ذلك الغير كائن منه ولا منهم في وقت من الأوقات. ~~وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم مع الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبدا ~~فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا. إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف، وهلك ~~بعض قبل ذلك كافرا. ثم # روى رحمه الله ms4765 عن ابن إسحاق عن سعيد ابن مينا قال: لقي الوليد بن المغيرة ~~والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف، رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا محمد! هلم، فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا ~~كله. فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شركناك فيه وأخذنا ~~بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا ~~وأخذ منه بحظك. فأنزل الله قل يا أيها الكافرون # السورة # وفي رواية: وأنزل الله في ذلك هذه السورة، وقوله: قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون [الزمر: 64- 66] ، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين # انتهى. # PageV09P557 # وقيل: الجملتان الأخيرتان لنفي العبادة حالا كما أن الأوليين لنفسها ~~استقبالا قال أبو السعود: وإنما لم يقل (ما عبدت) ليوافق (ما عبدتم) لأنهم ~~كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام وهو عليه السلام لم يكن حينئذ ~~موسوما بعبادة الله تعالى. # وإيثار (ما) في ما أعبد على (من) لأن المراد هو الوصف كأنه قيل: ما أعبد ~~من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته. وقيل: إن ما مصدرية. أي ~~لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي. وقيل: الأوليان بمعنى (الذي) والأخريان ~~مصدريتان. وقيل: قوله تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم تأكيد لقوله تعالى: لا ~~أعبد ما تعبدون وقوله تعالى: ولا أنتم عابدون ما أعبد ثانيا تأكيدا لمثله ~~المذكور أولا. انتهى. # ونقل ابن كثير عن الإمام ابن تيمية أن المراد بقوله: لا أعبد ما تعبدون ~~نفي الفعل، لأنها جملة فعلية ولا أنا عابد ما عبدتم نفي قبوله لذلك ~~بالكلية، لأن النفي بالجملة الاسمية آكد، فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا ~~لذلك. ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا وهو قول حسن. # واختار الإمام كون (ما) في الأوليين موصولة وفيما بعدهما مصدرية، قال: # فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود. ومفاد الجملتين ~~الأخريين تمام الاختلاف في العبادة. فلا معبودنا واحد ولا عبادتنا واحدة، ~~لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، ms4766 المتعالي عن الظهور ~~في شخص معين، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهره بناصية كل من نابذ ~~المبلغين الصادقين عنه. والذي تعبدونه على خلاف ذلك. وعبادتي مخلصة لله ~~وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى، فلا تسمى على ~~الحقيقة عبادة. فأين هي من عبادتي؟ وقوله تعالى: لكم دينكم تقرير لقوله ~~تعالى: لا أعبد ما تعبدون وقوله تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم كما أن قوله ~~تعالى: ولي دين تقرير لقوله تعالى: # ولا أنتم عابدون ما أعبد والمعنى أن دينكم، الذي هو الإشراك، مقصور على ~~الحصول لكم، لا يتجاوزه إلى الحصول لي أيضا، كما تطمعون فيه. فإن ذلك من ~~المحالات. وأن ديني الذي هو التوحيد، مقصور على الحصول لي، لا يتجاوزه إلى ~~الحصول لكم، فلا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه. ### | تنبيه: # قال ابن كثير استدل الإمام الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة لكم دينكم ~~ولي دين # PageV09P558 # على أن الكفر كله ملة واحدة فورث اليهود من النصارى وبالعكس، إذا كان ~~بينهما نسب أو سبب يتوارث به. لأن الأديان، ما عدا الإسلام، كلها كالشيء ~~الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من ~~اليهود، وبالعكس. # لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (لا يتوارث أهل ملتين شتى) # PageV09P559 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النصر # مدنية، وآيها ثلاث. # وهي آخر سورة نزلت في رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وروى البيهقي عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، لما نزلت ~~هذه السورة: إنه قد نعيت إلي نفسي. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # إذا جاء نصر الله أي لدينه الحق على الباطل والفتح أي فتح مكة الذي فتح ~~الله به بينه وبين قومه صلوات الله عليه، فجعل ms4767 له الغلبة عليهم وضعف أمرهم ~~في التمسك بعقائدهم الباطلة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا أي ~~ورأيت الناس من صنوف العرب وقبائلها عند ذلك يدخلون في دين الله، وهو دينك ~~الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة ~~الباطل فيقبلون عليه أفواجا طوائف وجماعات لا آحادا، كما كان في بدء الأمر ~~أيام الشدة. # إذ حصل ذلك كله وهو لا ريب حاصل فسبح بحمد ربك أي فنزه ربك عن أن يهمل ~~الحق ويدعه للباطل يأكله. وعن أن يخلف وعده في تأييده. وليكن هذا التنزيه ~~بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي ~~إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين ولا يصلح ~~عمل المفسدين. والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه ~~رياء المرائين واستغفره أي اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق ~~والضجر والحزن، لتأخر زمن النصر والفتح. والاستغفار إنما يكون بالتوبة ~~الخالصة. والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله، وتغليب هذه ~~الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وهو وإن كان مما يشق على نفوس ~~البشر، ولكن الله علم أن نفس # PageV09P560 # نبيه صلى الله عليه وسلم قد تبلغ ذلك الكمال. فلذلك أمره به، وكذلك ~~تقاربه قلوب الكمل من أصحابه وأتباعه عليه السلام. والله يتقبل منهم إنه ~~كان توابا أي إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة، لأنه رب ~~يربي النفوس بالمحن. فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشددها بحسن ~~الوعد. ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال. وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها. ~~وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التواب الرحيم. وكأن الله يقول: إذا حصل الفتح، ~~وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق، فقد ارتفع الخوف وزال موجب ~~الحزن، فلم يبق إلا تسبيح الله وشكره، والنزوع إليه عما كان من خواطر ~~النفس. فلن تعود الشدة تأخذ نفوس المخلصين ما داموا على تلك الكثرة في ذلك ~~الإخلاص. ومن ms4768 هذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمر قد تم ولم يبق له ~~إلا أن يسير إلى ربه، فقال فيما روي عنه: إنه قد نعيت إليه نفسه. هذا ملخص ~~ما أورده الإمام في تفسيره. ### | تنبيهات: # الأول- قال ابن كثير: المراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا. فإن أحياء ~~العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة. يقولون إن ظهر على قومه، فهو نبي. فلما ~~فتح الله عليه مكة، دخلوا في دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت ~~جزيرة العرب إيمانا. ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله ~~الحمد والمنة. # وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة: كنا بماء ممر الناس. وكان يمر ~~بنا الركبان فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن ~~الله أرسله أوحى إليه (أو أوحى الله بكذا) فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما ~~يغرى في صدري. وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه. ~~فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم ~~بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم ... الحديث. # الثاني- قال الرازي: إذا حملنا الفتح على فتح مكة، فللناس في وقت نزول ~~هذه السورة قولان: # أحدهما- أن فتح مكة كان سنة ثمان. ونزلت هذه السورة سنة عشر. وروي أنه ~~عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما. ولذلك سميت سورة التوديع. # ثانيهما- أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه. ونظيره: إن الذي فرض ~~عليك القرآن لرادك إلى معاد [القصص: 85] ، وقوله: إذا جاء نصر الله والفتح ~~يقتضي الاستقبال، إذ لا يقال فيما وقع إذا جاء و (إذا وقع) وإذا صح هذا ~~القول صارت # PageV09P561 # هذه الآية من جملة المعجزات. من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقا ~~له. # والإخبار عن الغيب معجزة. انتهى. # قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : ولأبي يعلى، من حديث ابن عمر: نزلت ~~هذه السورة في أوسط أيام التشريق، في ms4769 حجة الوداع. فعرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه الوداع. # ثم قال: وسئلت عن قول الكشاف: إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام ~~التشريق، فكيف صدرت ب (إذا) الدالة على الاستقبال؟ فأجبت بضعف ما نقله. # وعلى تقدير صحته، فالشرط لم يتكمل بالفتح. لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن ~~كمل، فبقية الشرط مستقبل. # وقد أورد الطيبي السؤال، وأجاب بجوابين: # أحدهما- أن (إذا) قد ترد بمعنى (إذ) كما في قوله تعالى: وإذا رأوا ~~تجارة.. [الجمعة: 11] الآية. # ثانيهما- أن كلام الله قديم. وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى. انتهى. ~~كلامه. # الثالث- قال الشهاب: المراد ب (الناس) العرب. ف (أل) عهدية. أو المراد ~~الاستغراق العرفي. والمراد عبدة الأصنام منهم. لأن نصارى تغلب لم يسلموا في ~~حياته صلى الله عليه وسلم وأعطوا الجزية. # الرابع- # روى البخاري «1» عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن نزلت عليه: إذا جاء نصر الله والفتح إلا- يقول فيها: ~~سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. # وفيه عنها أيضا «2» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ~~ركوعه وسجوده: # سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن. # قال الحافظ ابن حجر: معنى (يتأول القرآن) يجعل ما أمر به من التسبيح ~~والتحميد والاستغفار، في أشرف الأوقات والأحوال. # وقال ابن القيم في (الهدى) كأنه أخذه من قوله تعالى: واستغفره لأنه كان ~~يجعل الاستغفار في خواتم الأمور. فيقول إذا سلم من الصلاة: أستغفر الله ~~ثلاثا. وإذا خرج من الخلاء قال: غفرانك. وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء ~~المناسك: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ... [البقرة: 199] ~~الآية. PageV09P562 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة المسد # ويقال سورة أبي لهب، مكية وآيها خمس. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) # تبت يدا أبي لهب وتب أي خسرت يداه، ms4770 وخسر هو. واليدان كناية عن الذات ~~والنفس، لما بينهما من اللزوم في الجملة، أو مجاز من باب إطلاق الجزء على ~~الكل. وجملة وتب مؤكدة لما قبلها، أو المراد بالأولى خسرانه فيما كسبه ~~وعمله بيديه، حيث لم يفده ولم ينفعه. وما بعده عبارة عن خسرانه في نفسه ~~وذاته لأن سعي المرء لإصلاح نفسه وعمله. فأخبر بأن محروم منهما، كما تشير ~~له الآيتان بعد: أعني هلاك عمله وهلاك نفسه. وقال ابن جرير: كان بعض أهل ~~العربية يقول قوله: تبت يدا أبي لهب دعاء عليه من الله. وأما قوله: وتب ~~فإنه خبر. أي عما سيحقق له في الدنيا والآخرة. وعبر عنه بالماضي لتحققه. # وأبو لهب أحد عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزى. وقد ~~اشتهر بكنيته وعرف بها لولد له يقال له لهب. أو لتلهب وجنتيه وإشراقهما. مع ~~الإشارة إلى أنه من أهل النار، وأن مآله إلى نار ذات لهب. فوافقت حاله ~~كنيته، فحسن ذكره بها. # قال الرواة: كان أبو لهب من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم. ~~وأذية له وبغضة له وازدراء به وتنقصا له ولدعوته. ومات على كفره بعد وقعة ~~بدر ولم يحضرها. بل أرسل عنه بديلا. فلما بلغه ما جرى لقريش مات غما- وقد ~~روى الشيخان عن ابن عباس قال: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: ~~214] ، صعد النبي # PageV09P563 # صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى: يا بني فهر! يا بني عدي! (لبطون من ~~قريش) حتى اجتمعوا. # فجعل الرجل إذا لم يستطع أرسل رسولا، لينظر ما هو. فجاء أبو لهب وقريش ~~فقال: # أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ ~~قالوا: # نعم. ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. ~~فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فنزلت هذه السورة. # وروى الإمام أحمد «1» عن ربيعة بن عباد الديلي قال: رأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: ms4771 ~~لا إله إلا الله، تفلحوا. # والناس مجتمعون عليه. ووراءه رجل وضيء الوجه أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه ~~صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب. وفي رواية ~~له: يتبعه من خلفه يقول: يا بني فلان! هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات ~~والعزى وحلفاءكم من الجن، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة. فلا تسمعوا له ~~ولا تتبعوه. # ما أغنى عنه ماله وما كسب أي أي شيء أغنى عنه ماله وما كسبه من سخط الله ~~عليه وخسرانه. فكسبه هو عمله الذي يظن أنه منه على شيء. وقيل: ولده. لقرن ~~الأولاد بالأموال في كثير من الآيات. وكانت العرب تعد أولادها للنائبات ~~كالأموال، فنفى إغناءهما عنه حين حل به التباب. # قال الشهاب: والذي صححه أهل الأثر أن أولاده، لعنه الله، ثلاثة: معتب ~~وعتبة وهما أسلما. وعتيبة (مصغرا) وهذا هو الذي دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاهر بإيذائه وعداوته، ورد ابنته وطلقها. # وقال صلوات الله عليه وسلامه: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فأكله السبع ~~في خرجة خرجها إلى الشام. # وفيه يقول حسان رضي الله عنه: # من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع # ثم قال. ولهب هو أحد هؤلاء فيما قيل، قال الثعالبي: ومنه يعلم أن الأسد ~~يطلق عليه كلب. ولما أضيف إلى الله، كان أعظم أفراده سيصلى نارا ذات لهب أي ~~توقد واشتعال، وهي نار الآخرة، جزاء ما كان يأتيه من مقاومة الحق ومجاحدته ~~وامرأته حمالة الحطب أي وسيصلاها معه امرأته أيضا: ف امرأته مرفوع عطفا على ~~الضمير في سيصلى أو على الابتداء، وفي جيدها الخبر. وقرئ PageV09P564 # حمالة بالنصب على الشتم والذم، وبالرفع نعتا أو بدلا أو عطف بيان. إنما ~~قيل لها ذلك لأنها كانت تحطب الكلام وتمشي بالنميمة. كما قاله مجاهد وعكرمة ~~وقتادة. # قال الزمخشري: ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس، يحمل الحطب ~~بينهم، أي يوقد بينهم ويورث الشر، قال: # البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب # يمدحها بأنها من ms4772 البيض الوجوه وأنها بريئة من أن تصطاد على سوء ولؤم ~~فيها. # ومن أن تمشي بالسعاية والنميمة بين الناس. وإنما جعل رطبا ليدل على ~~التدخين الذي هو زيادة الشر. ويقال: فلان يحطب على فلان، إذا أغرى به. # قال الشهاب: وهي استعارة مشهورة لطيفة، كاستعارة حطب جهنم للأوزار. # قال ابن كثير: وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي أم جميل، واسمها ~~(أروى) بنت حرب بن أمية. وهي أخت أبي سفيان وعمة معاوية. وكانت عونا لزوجها ~~على كفره وجحوده وعناده في جيدها حبل من مسد قال الإمام رحمه الله: # أي في عنقها حبل من الليف. أي أنها في تكليف نفسها المشقة الفادحة، ~~للإفساد بين الناس وتأريث نيران العداوة بينهم، بمنزلة حامل الحطب الذي في ~~عنقه حبل خشن، يشد به ما حمله إلى عنقه، حتى يستقل به. وهذه أشنع صورة تظهر ~~بها امرأة تحمل الحطب، وفي عنقها حبل من الليف، تشد به الحطب إلى كاهلها، ~~حتى تكاد تختنق به. # وقال أيضا: قد أنزل الله في أبي لهب وفي زوجته هذه السورة، ليكون مثلا ~~يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه، مطاوعة لهواه وإيثارا لما ألفه ~~من العقائد والعوائد والأعمال، واغترارا بما عنده من الأموال، وبما له من ~~الصولة أو من المنزلة في قلوب الرجال، وأنه لا تغني عنه أمواله ولا أعماله ~~شيئا. وسيصلى ما يصلى. # نسأل الله العافية. # PageV09P565 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الإخلاص # مكية، وآيها أربع. # روى البخاري «1» عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~رجلا على سرية. وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب (قل هو الله أحد) . # فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ~~ذلك. فسألوه. # فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أخبروه أن الله تعالى يحبه. # وروى الإمام أحمد «2» عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قل هو الله أحد ms4773 تعدل ثلث القرآن. وأخرجه البخاري في قصة. # وروى الإمام أحمد «3» عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا محمد! انسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى هذه السورة. ~~PageV09P566 ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) # قل هو أي الخبر الحق المؤيد بالبرهان الذي لا يرتاب فيه، وهو ما يعبر عنه ~~النحويون بالقصة أو الحديث أو الشأن. قال أبو السعود: ومدار وضعه موضعه، مع ~~عدم سبق ذكره، الإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث يستحضره كل أحد، وإليه ~~يشير كل مشير، وإليه يعود كل ضمير الله أحد أي واحد في الألوهية والربوبية. # قال الزمخشري: أحد بمعنى واحد. وقال ابن الأثير: (الأحد) في أسمائه ~~تعالى، الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر. والهمزة فيه بدل من الواو. ~~وأصله (وحد) لأنه من الوحدة. وفي (المصباح) : يكون (أحد) مرادفا (لواحد) في ~~موضعين سماعا: # أحدهما- وصف اسم البارئ تعالى فقال هو الواحد وهو الأحد، لاختصاصه ~~بالأحدية. فلا يشركه فيها غيره. ولهذا لا ينعت به غير الله تعالى. فلا يقال ~~(رجل أحد) ولا (درهم أحد) ونحو ذلك. # والموضع الثاني- أسماء العدد للغلبة وكثرة الاستعمال. فيقال أحد وعشرون، ~~وواحد وعشرون. وفي غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال، بأن (الأحد) ~~لنفي ما يذكر معه، فلا يستعمل إلا في الجحد، لما فيه من العموم، نحو ما قام ~~أحد. # أو مضافا نحو (ما قام أحد الثلاثة) . و (الواحد) اسم لمفتتح العدد. ~~ويستعمل في الإثبات، مضافا وغير مضاف. فيقال (جاءني واحد من القوم) . ~~انتهى. # وقال الأزهري: الواحد من صفات الله تعالى، معناه أنه لا ثاني له. ويجوز ~~أن ينعت الشيء بأنه واحد. فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى، لخلوص هذا ~~الاسم الشريف له جل ثناؤه. # PageV09P567 # قال الإمام: ونكر الخبر لأن المقصود أن يخبر عن الله بأنه واحد، لا بأنه ~~لا واحد سواه. فإن ms4774 الوحدة تكون لكل واحد. تقول (لا أحد في الدار) بمعنى لا ~~واحد من الناس فيها. والذي كان يزعمه المخاطبون هو التعدد في ذاته. فأراد ~~نفي ذلك بأنه أحد. وهو تقرير لخلاف ما يعتقد به أهل الأصلين من المجوس، وما ~~يعتقده القائلون بالثلاثة، منهم ومن غيرهم. وسيأتي لابن تيمية كلام آخر في ~~سر إيثاره بالتنكير الله الصمد أي الذي يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه ~~في الرغائب. إذ ينتهى إليه منتهى السؤدد، قاله الغزالي في (المقصد الأسنى) ~~. وهكذا قال ابن جرير: الصمد عند العرب هو السيد الذي يصمد إليه، الذي لا ~~أحد فوقه، وكذلك تسمى أشرافها. # ومنه قول الشاعر: # ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # قال الشهاب: فهو (فعل) بمعنى مفعول. وصمد بمعنى قصد. فيتعدى بنفسه ~~وباللام وإلى. وقال ابن تيمية رحمه الله: وفي الصمد للسلف أقوال متعددة، قد ~~يظن أنها مختلفة وليست كذلك بل كلها صواب. والمشهور منها قولان: # أحدهما- أن الصمد هو الذي لا جوف له. # والثاني- أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج. # والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. # والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين. # تم توسع رحمه الله في مأخذ ذلك واشتقاقه والمأثور فيه، إلى أن قال: # وإنما أدخل اللام في الصمد ولم يدخلها في أحد لأنه ليس في الموجودات ما ~~يسمى أحدا في الإثبات مفردا غير مضاف. ولم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله ~~وحده. وإنما يستعمل في غير الله في النفي وفي الإضافة وفي العدد المطلق. ~~وأما اسم الصمد فقد استعمله أهل اللغة في حق المخلوقين، كما تقدم، فلم يقل ~~صمد بل قال: الله الصمد فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه. ~~فإنه المستوجب لغايته على الكمال. والمخلوق، وإن كان صمدا من بعض الوجوه، ~~فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه. فإنه يقبل التفرق والتجزئة. وهو أيضا محتاج ~~إلى غيره. فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد ms4775 يصمد إليه كل ~~شيء ولا يصمد هو إلى شيء، إلا الله. وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن # PageV09P568 # يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض. والله سبحانه هو الصمد الذي لا ~~يجوز عليه شيء من ذلك، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة، لا ~~يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه. # وقال أبو السعود. وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو ~~بمعزل من استحقاق الألوهية. وتعرية الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة ~~للأولى. بين أولا ألوهيته عز وجل المستتبعة لكافة نعوت الكمال، ثم أحديته ~~الموجبة تنزهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجه من الوجوه، وتوهم المشاركة في ~~الحقيقة وخواصها. # ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما سواه، وافتقار جميع المخلوقات ~~إليه، في وجودها وبقائها وسائر أحوالها، تحقيقا للحق، وإرشادا لهم إلى سننه ~~الواضح. ثم صرح ببعض ما يندرج فيما تقدم، بقوله سبحانه لم يلد نصيبا على ~~إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح. ولذلك ورد النفي على صيغة ~~الماضي. أي لم يصدر عنه ولد، لأنه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من جنسه ~~صاحبة فيتوالدا. # كما نطق به قوله تعالى: أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة [الأنعام: 101] ~~، ولا يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه، لاستحالة الحاجة والفناء عليه، سبحانه. ~~انتهى. # وقال ابن تيمية. وقد شمل ما أخبر به سبحانه من تنزيهه وتقديسه عما أضافوه ~~إليه من الولادة، كل أفرادها. سواء سموها حسية أو عقلية، كما تزعمه ~~الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التي هم ~~مضطربون فيها، هل هي جواهر أو أعراض؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور ~~والنفوس بمنزلة الإناث، ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم ~~القريبة. وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم، الذين جعلوا له بنين وبنات، ~~قال تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون [الأنعام: 100] ، وقال تعالى: ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ms4776 [الصافات: 151- 152] ، وكانوا يقولون: ~~الملائكة بنات الله. كما يزعم هؤلاء أن النفوس هي الملائكة، وهي متولدة عن ~~الله، فقال تعالى: ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون [النحل: 57] ، ~~والآيات في هذا كثيرة. # وقوله: ولم يولد نفي لإحاطة النسب من جميع الجهات. فهو الأول الذي لم ~~يتقدمه والد كان منه، وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه. قال ~~الإمام: # قوله: ولم يولد يصرح ببطلان ما يزعمه بعض أرباب الأديان من أن ابنا لله ~~يكون # PageV09P569 # إلها. ويعبد عبادة الإله، ويقصد فيما يقصد فيه الإله. بل لا يستحي ~~الغالون منهم أن يعبروا عن والدته بأم الإله القادرة، فإن المولود حادث ولا ~~يكون إلا بمزاج، وهو لا يسلم من عاقبة الفناء، ودعوى أنه أزلي مع أبيه، مما ~~لا يمكن تعقله. فهو سبحانه منزه عن ذلك ولم يكن له كفوا أحد أي ولم يكن أحد ~~يكافئه أي يماثله من صاحبة أو غيرها. وقال الإمام: الكفؤ معناه المكافئ ~~والمماثل في العمل والقدرة. # وهو نفي لما يعتقده بعض الوثنيين في الشيطان مثلا. فقد نفى بهذه السورة ~~جميع أنواع الإشراك. وقرر جميع أصول التوحيد والتنزيه. وقال ابن جرير: ~~الكفؤ والكفئ والكفاء، في كلام العرب، واحد. وهو المثل والشبه. # وقرئ كفوا بضم الكاف والفاء وقلب الهمزة واوا. وقرئ بتسكين الفاء وهمزها، ~~وهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان. و (له) صلة ل كفوا قدمت عليه، مع ~~أن حقها التأخر عنه، للاهتمام بها، لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته ~~تعالى. وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل. ### | فوائد من هذه السورة: # الأولى- قال الشهاب: فإن قلت المأمور: قل من شأنه إذا امتثل أن يتلفظ ~~بالمقول وحده، فلم كانت قل من المتلو فيه وفي نظائره في القراءة؟ قلت: # المأمور به سواء كان معينا أم لا، مأمور بالإقرار بالمقول. فأثبت القول ~~ليدل على إيجاب مقوله ولزوم الإقرار به على مر الدهور. # الثانية: قال الإمام ابن تيمية: احتج بقوله تعالى: الله الصمد من أهل ~~الكلام المحدث من يقول الرب تعالى جسم. كبعض الذين وافقوا هشام بن ms4777 الحكم ~~ومحمد بن كرام وغيرهما. قالوا: هو صمد، والصمد الذي لا جوف له. وهذا إنما ~~يكون في الأجسام المصمتة، فإنها لا جوف لها، كما في الجبال والصخور وما ~~يصنع من عواميد الحجارة. ولهذا قيل في تفسيره إنه الذي لا يخرج منه شيء ولا ~~يدخل فيه شيء ولا يأكل ولا يشرب. ونفي هذا لا يعقل إلا عما هو جسم. وقالوا: ~~أصل الصمد: # الاجتماع. ومنه تصميد المال. وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع. وأما ~~النفاة فقالوا: الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق والانقسام. وكل جسم في ~~العالم يجوز عليه التفرق والانقسام. وقالوا أيضا: الأحد الذي لا يقبل ~~التجزؤ والانقسام. وكل جسم في العالم يجوز عليه التفرق والتجزؤ والانقسام. ~~وقالوا: إذا قلتم هو جسم كان مركبا مؤلفا من الجواهر الفردة أو من المادة ~~والصورة. وما كان مركبا مؤلفا من غيره # PageV09P570 # كان مفتقرا إليه، وهو سبحانه صمد. والصمد الغني عما سواه، فالمركب لا ~~يكون صمدا. انتهى. # وقال الرازي: قد استدل قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم، ~~وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدا ينافي كونه جسما. فمقدمة هذه الآية دالة ~~على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى، ولأن الصمد بهذا ~~التفسير صفة الأجسام المتضاغطة. وتعالى الله عن ذلك. فإذن يجب أن يحمل ذلك ~~على مجازه. وذلك لأن الجسم الذي يكون كذلك، يكون عديم الانفعال والتأثر عن ~~الغير، وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجبا لذاته ممتنع التغير في وجوده ~~وبقائه وجميع صفاته. انتهى. # وأقول: التصحيح في تأويل الصمد ما ذكرناه أولا. وهو ما حكاه ابن جرير ~~وغيره عن العرب في معناه. وإذا تحقق هذا، فلا يعول على هذا الثاني ولا ~~لوازمه. # الثالثة- قال ابن تيمية: كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب، يجب تنزيهه ~~عن أن يماثله شيء من المخلوقات. في شيء من صفات الكمال الثابتة له. # وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله. وهذه السورة دلت على النوعين. ~~فقوله: # أحد من قوله: ولم يكن له كفوا أحد ms4778 ينفي المماثلة والمشاركة. وقوله: # (صمد) يتضمن جميع صفات الكمال. فالنقائص جنسها منفي عن الله تعالى. # وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها. بخلاف ~~ما يوصف به الرب. ويوصف العبد بما يليق به مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ~~ذلك. # فإن هذه ليست نقائص بل ما ثبت لله من هذه المعاني، فإنه يثبت لله على وجه ~~لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات، فضلا عن أن يماثله فيه. بل ما خلقه الله ~~في الجنة من المآكل والمشارب والملابس لا يماثل ما خلقه في الدنيا وإن ~~اتفقا في الاسم، وكلاهما مخلوق. فالخالق تعالى أبعد في مماثلة المخلوقات من ~~المخلوقات إلى المخلوق. وقد سمى الله نفسه عليما حليما رؤوفا رحيما سميعا ~~بصيرا عزيزا ملكا جبارا متكبرا، وسمى أيضا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء. مع ~~العلم أنه ليس المسمى بهذه الأسماء من المخلوقين مماثلا للخالق جل جلاله في ~~شيء من الأشياء. # الرابعة- قدمنا ما ورد في الحديث من أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن. # وقد ذكروا في ذلك وجوها- منها ما قاله أبو العباس بن سريج: أن القرآن ~~أنزل على ثلاثة أقسام. ثلث منها الأحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها ~~الأسماء والصفات. وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات. # PageV09P571 # وقال الغزالي في (جواهر القرآن) : مهمات القرآن هي معرفة الله ومعرفة ~~الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم. فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة. والباقي ~~توابع. وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث، وهي معرفة الله وتقديسه ~~وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع. وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفؤ. # قال: والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج ~~سواه. نعم، ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم. فلذلك تعدل ثلث القرآن ~~أي ثلث الأصول من القرآن كما قال (الحج عرفة) أي هو الأصل والباقي تبع. # وقال ابن القيم في (زاد المعاد) : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص والكافرون. # وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد ~~الاعتقاد والقصد. فسورة ms4779 الإخلاص متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب ~~إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه. ~~والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه. ~~ونفي الولد والوالد الذي هو من لازم الصمدية وغناه وأحديته ونفي الكفؤ ~~المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير: فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال ~~له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثل له في كماله ونفي مطلق الشريك ~~عنه، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع ~~فرق الضلال والشرك. ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. فإن القرآن مداره على ~~الخبر والإنشاء. والإنشاء ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن ~~الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه- فأخلصت سورة الإخلاص ~~الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن. وخلصت قارئها المؤمن من ~~الشرك العلمي. كما خلصت سورة قل يا أيها الكافرون من الشرك العملي الإرادي ~~القصدي. ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ~~ومنزله منازله، كانت سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، والأحاديث بذلك ~~تكاد تبلغ مبلغ التواتر. وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، وفي ~~الترمذي «1» : # من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، يرفعه: إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل ~~هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن. # رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد. PageV09P572 # ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها، ~~وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض. ~~وإزالته وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته. لأن هذا يزول ~~بالعلم والحجة ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه، بخلاف شرك ~~الإرادة والقصد، فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة ~~هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد والتكرار في ~~سورة قل يا أيها الكافرون المتضمنة لإزالة الشرك العملي ما لم ms4780 يجيء مثله في ~~سورة قل هو الله أحد. # ولما كان القرآن شطرين: شطرا في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها والأمور ~~الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها. وشطرا في الآخرة وما يقع فيها. ~~وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر ~~فيها إلا الآخرة، وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها، كانت تعدل نصف ~~القرآن. فأحر بهذا الحديث أن يكون صحيحا. والله أعلم. # الخامسة- قال ابن تيمية: سورة قل هو الله أحد أكثرهم على أنها مكية. # وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة، وسؤال الكفار من أهل الكتاب ~~اليهود بالمدينة. ولا منافاة. فإن الله أنزلها بمكة أولا. ثم لما سئل نحو ~~ذلك أنزلها مرة أخرى. وهذا مما ذكر طائفة من العلماء. وقالوا: إن الآية أو ~~السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ذلك. فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد ~~يكون جميعه حقا. والمراد بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها، نزل جبريل فقرأها ~~عليه، ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك السبب. وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. ~~انتهى. # وقد تقدم في مقدمة هذا التفسير، ومواضع أخر منه، تحقيق البحث في معنى سبب ~~النزول، بما يدفع المنافاة في أمثال هذا، فراجعه. ولهذه السورة الشريفة ~~تفاسير على حدة. من أمثلها كتابان لشيخ الإسلام ابن تيمية: أحدهما في ~~تفسيرها، والثاني في سر كونها تعدل ثلث القرآن،. فاحتفظ بهما. والله ~~الهادي. # PageV09P573 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفلق # مكية، وآيها خمس: # روى الإمام مسلم «1» عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة، لم ير مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل ~~أعوذ برب الناس. # وروى الإمام أحمد «2» وأبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهما في سفر. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ms4781 ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # قل أعوذ برب الفلق أي ألوذ به وألتجئ إليه. والفلق فعل بمعنى المفعول. # كقصص بمعنى مقصوص. قال ابن تيمية: كل ما فلقه الرب فهو فلق. قال الحسن: # الفلق كل ما انفلق عن شيء كالصبح والحب والنوى. قال الزجاج: وإذا تأملت ~~الخلق بان لك أن أكثره عن انفلاق كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر. وقد قال ~~كثير من المفسرين: الفلق الصبح. فإنه يقال: هذا أبين من فلق الصبح وفرق ~~الصبح. # وقال بعضهم: الفلق الخلق كله. وأما من قال إنه واد في جهنم أو شجرة في ~~جهنم أو أنه اسم من أسماء جهنم. فهذا أمر لا نعرف صحته. لا بدلالة الاسم ~~عليه، ولا بنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في تخصيص ربوبيته بذلك ~~حكمة، بخلاف ما إذا قال: # رب الخلق أو رب كل ما انفلق أو رب النور الذي يظهره على العباد بالنهار. ~~فإن في تخصيصه هذا بالذكر. ما يظهر به عظمة الرب المستعاذ به. انتهى. ~~PageV09P574 # وقوله تعالى: من شر ما خلق أي من شر ما خلقه من الثقلين وغيرهم. كائنا ما ~~كان من ذوات الطبائع والاختيار. وقوله سبحانه ومن شر غاسق إذا وقب قال أبو ~~السعود: تخصيص لبعض الشرور بالذكر، مع اندراجه فيما قبله لزيادة مساس ~~الحاجة إلى الاستعاذة منه، لكثرة وقوعه. ولأن تعيين المستعاذ منه أدل على ~~الاعتقاد بالاستعاذة، وأدعى إلى الإعاذة. وقال الإمام ابن تيمية: وإذا قيل ~~الفلق يعم ويخص، فبعمومه أستعيذ من شر ما خلق، وبخصوصه للنور النهاري ~~أستعيذ من شر غاسق إذا وقب. فإن الغاسق قد فسر بالليل كقوله: أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل [الإسراء: 78] ، وهذا قول أكثر المفسرين وأهل ~~اللغة قالوا: ومعنى وقب دخل في كل شيء. قال الزجاج: الغاسق البارد. وقيل ~~لليل غاسق، لأنه أبرد من النهار. # وقد روى الترمذي «1» والنسائي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر ~~إلى القمر فقال: يا عائشة! تعوذي بالله من شره، فإنه الغاسق إذا وقب. # وروي من ms4782 حديث أبي هريرة مرفوعا: الغاسق النجم # . وقال ابن زيد: هو الثريا. وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها ~~وترتفع عند طلوعها. وهذا المرفوع قد ظن بعض الناس منافاته لمن فسره بالليل ~~فجعلوه قولا آخر، ثم فسروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق ~~القمر إذا كسف واسود. ومعنى وقب دخل في الكسوف. وهذا ضعيف فإن ما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض بقوله غيره، وهو لا يقول إلا الحق. وهو ~~لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه بل مع ظهوره. وقد قال الله تعالى: ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~[الإسراء: 12] ، فالقمر آية الليل. # وكذلك النجوم إنما تطلع فترى بالليل. فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر ~~بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته. والدليل مستلزم للمدلول. فإذا كان ~~شر القمر موجودا، فشر الليل موجود. وللقمر من التأثير ما ليس لغيره. فتكون ~~الاستعاذة من الشر الحاصل عنه أقوى. ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على ~~التقوى «2» (هو مسجدي) هذا مع أن الآية تتناول مسجد قباء قطعا. وكذلك قوله ~~عن أهل الكساء «3» (هؤلاء أهل بيتي) مع أن القرآن يتناول نساءه فالتخصيص ~~لكون المخصوص أولى بالوصف. # فالقمر أحق ما يكون بالاستعاذة، والليل مظلم منتشر فيه شياطين الإنس ~~والجن، ما لا تنتشر بالنهار. ويجري فيه من أنواع الشر ما لا يجري بالنهار ~~من أنواع الكفر والفسوق والعصيان والسرقة والخيانة والفواحش وغير ذلك. ~~فالشر دائما مقرون بالظلمة. ولهذا PageV09P575 # إنما جعله الله لسكون الآدميين وراحتهم. لكن شياطين الإنس والجن تفعل فيه ~~من الشر ما لا يمكنها فعله بالنهار. ويتوسلون بالقمر وبدعوته وعبادته. وأبو ~~معشر البلخي له (مصحف القمر) يذكر فيه من الكفريات والسحريات ما يناسب ~~الاستعاذة منه. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. # ثم خص تعالى مخلوقات أخر بالاستعاذة من شرها، لظهور ضررها وعسر الاحتياط ~~منها. فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها، ~~فقال سبحانه: ومن شر النفاثات في العقد قال ابن جرير: أي ومن ms4783 شر السواحر ~~اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، وبه قال أهل التأويل. فعن ~~مجاهد: # الرقي في عقد الخيط. وعن طاوس: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية ~~المجانين. # ومثله عن قتادة والحسن. وقال الزمخشري: النفاثات النساء أو الجماعات ~~السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين. والنفث النفخ مع ~~ريق. ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار أو سقيه أو ~~إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ولكن الله عز وجل قد يفعل عند ~~ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية ~~والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهن وإلى نفثهن. والثابتون ~~بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به. # فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه: # أحدها- أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إثمهن في ذلك. # والثاني- أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخد عنهم به من باطلهن. # الثالث- أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. انتهى. # وفي الآية تأويل آخر. وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله. قال: النفاثات ~~النساء. # والعقد عزائم الرجال وآراؤهم، مستعار من عقد الحبال. والنفث وهو تليين ~~العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حبله سهلا. فمعنى الآية: إن النساء ~~لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ~~ومن عزيمة إلى عزيمة. فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن. كقوله: إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم [التغابن: 14] ، فكذلك عظم الله كيدهن ~~فقال: إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] . # PageV09P576 ### | تنبيه: # قال الشهاب: نقل في (التأويلات) عن أبي بكر الأصم أنه قال: إن حديث سحره ~~صلوات الله عليه، المروي هنا، متروك لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه ~~مسحور. وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه. ونقل الرازي عن القاضي ~~أنه قال: هذه الرواية باطلة. وكيف يمكن القول بصحتها، والله تعالى يقول: ~~والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] ، وقال ولا ms4784 يفلح الساحر حيث أتى [طه: ~~69] ، ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة. ولأنه، لو صح ذلك، لكان من ~~الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين، ولقدروا على تحصيل الملك ~~العظيم لأنفسهم، وكل ذلك باطل. ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور. فلو وقعت ~~هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة، ولحصل فيه، عليه السلام، ~~ذلك العيب. ومعلوم أن ذلك غير جائز. انتهى. ولا غرابة في أن لا يقبل هذا ~~الخبر لما برهن عليه، وإن كان مخرجا في الصحاح. وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها ~~سالما من النقد، سندا أو معنى. كما يعرفه الراسخون. على أن المناقشة في خبر ~~الآحاد معروفة من عهد الصحابة. # قال الإمام الغزالي في (المستصفى) : ما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر ~~الواحد. كرد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة (بروع بنت واشق) ~~وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. وكرد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب ~~الميت ببكاء أهله عليه. وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأمثال ذلك مما ذكر. أورد ذلك الغزالي في ~~مباحث (خبر الآحاد في شبه المخالفين فيه) وذكر رحمه الله في (مباحث ~~الإجماع) إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، لأدلة ظاهرة قامت عندهم. # وقال الإمام ابن تيمية في (المسودة) : الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما ~~كانت الصحابة ترده، لاعتقاده غلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الراد أن الدليل ~~قد دل على أن الرسول لا يقول هذا. فإن هذا لا يكفر ولا يفسق. وإن لم يكن ~~اعتقاده مطابقا، فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي ~~صحيحة عند أهل الحديث. انتهى. # وقال العلامة الفناري في (فصول البدائع) : ولا يضلل جاحد الآحاد. ~~والمسألة # PageV09P577 # معروفة في الأصول. وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي ~~من أكبر رد خبر رواه مثل البخاري، وضلل منكره. فعلمت أن هذا من الجهل بفن ~~الأصول، لا ms4785 بل بأصول مذهبه. كما رأيت عن الفناري. ثم قلت: العهد بأهل الرأي ~~أن لا يقيموا للبخاري وزنا. وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ. ~~فمتى صادقوه حتى يضللوا من رد خبرا فيه؟ وقد برهن على مدعاه. وقام يدافع عن ~~رسول الله ومصطفاه. # وبعد، فالبحث في هذا الحديث شهير قديما وحديثا. وقد أوسع المقال فيه شراح ~~(الصحيح) وابن قتيبة في شرح (تأويل مختلف الحديث) والرازي. والحق لا يخفى ~~على طالبه، والله أعلم. # ومن شر حاسد إذا حسد قال الزمخشري: أي إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي ~~الغوائل للمحسود. لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره، فلا ضرر يعود منه على من ~~حسده بل هو الضار لنفسه، لاغتمامه بسرور غيره. # PageV09P578 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الناس # مكية، وهي ست آيات. ### | القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) # قل أعوذ برب الناس أي ألجأ إليه وأستعين به، وبرب الناس الذي يربيهم ~~بقدرته ومشيئته وتدبيره. وهو رب العالمين كلهم والخالق للجميع ملك الناس أي ~~الذي ينفذ فيهم أمره وحكمه وقضاؤه ومشيئته دون غيره إله الناس أي معبودهم ~~الحق وملاذهم إذا ضاق بهم الأمر. دون كل شيء سواه. والإله المعبود الذي هو ~~المقصود بالإرادات والأعمال كلها من شر الوسواس أي الشيطان ذي الوسوسة. وقد ~~زعم الزمخشري ومن تبعه أن الوسواس مصدر أريد به الموسوس أو بتقدير (ذي) . ~~وحقق غير واحد أنه صفة كالثرثار، وأن فعلالا (مصدر فعلل) بالكسر والمفتوح ~~شاذ، وقد بسط الكلام في ذلك الإمام ابن القيم في (بدائع الفوائد) الخناس أي ~~الذي عادته أن يخنس- أي يتأخر- إذا ذكر الإنسان ربه، لأنه لا يوسوس إلا مع ~~الغفلة وكلما تنبه العبد فذكر الله، خنس الذي يوسوس في صدور الناس أي ~~بالإلقاء الخفي في النفس. إما بصورة خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما ~~بغير صوت. # قال ابن ms4786 تيمية: و (الوسوسة) من جنس (الوشوشة) بالشين المعجمة. يقال # PageV09P579 # (فلان يوسوس فلانا) و (قد وشوشه) إذا حدثه سرا في أذنه. وكذلك الوسوسة. ~~ومنه وسوسة الحلي. لكن هو بالسين المهملة، أخص. # وقال الإمام: إنما جعل الوسوسة في الصدور، على ما عهد في كلام العرب من ~~أن الخواطر في القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم، وكثيرا ما يقال (إن ~~الشك يحوك في صدره) وما الشك إلا في نفسه وعقله. وأفاعيل العقل في المخ، ~~وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم وضربات القلب وضيق الصدر أو انبساطه. # وقوله تعالى: من الجنة والناس بيان للذي يوسوس، على أنه ضربان: ضرب من ~~الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، وإنما نجد في أنفسنا أثرا ينسب ~~إليهم. وضرب من الإنس كالمضلين من أفراد الإنسان، كما قال تعالى: وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا [الأنعام: 112] ، وإيحاؤهم هو وسوستهم. # قال ابن تيمية: فإن قيل: فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس، فلا ~~حاجة إلى ذكر الاستعاذة من وسواس الناس، فإنه تابع لوسواس الجن. قيل: بل ~~الوسوسة نوعان: نوع من الجن، ونوع من نفوس الإنس. كما قال: ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه [ق: 16] ، فالشر من الجهتين جميعا. والإنس ~~لهم شياطين كما للجن شياطين. # وقال أيضا: الذي يوسوس في صدور الناس نفسه لنفسه، وشياطين الجن وشياطين ~~الإنس. فليس من شرط الموسوس أن يكون مستترا عن البصر، بل قد يشاهد. ### | لطائف: # الأولى- قال ابن تيمية: إنما خص الناس بالذكر، لأنهم المستعيذون. # فيستعيذون بربهم الذي يصونهم، وبملكهم الذي أمرهم ونهاهم وبإلههم الذي ~~يعبدونه من شر الذي يحل بينهم وبين عبادته. ويستعيذون أيضا من شر الوسواس ~~الذي يحصل في نفوس منهم ومن الجنة. فإنه أصل الشر الذي يصدر منهم والذي يرد ~~عليهم. # وقال الناصر: في التخصيص جرى على عادة الاستعطاف، فإنه معه أتم. # PageV09P580 # الثانية- تكرر المضاف إليه وهو (الناس) باللفظ الظاهر، لمزيد الكشف ~~والتقرير والتشريف بالإضافة. فإن الإظهار أنسب بالإيضاح المسوق ms4787 له عطف ~~البيان. # وأدل على شرف الإنسان. وقيل: لا تكرار. لجواز أن يراد بالعام بعض أفراده. # ف (الناس) الأول بمعنى الأجنة والأطفال المحتاجين للتربية. والثاني ~~الكهول والشبان، لأنهم المحتاجون لمن يسوسهم. والثالث الشيوخ لأنهم ~~المتعبدون المتوجهون لله. # قال الشهاب: وفيه تأمل. # الثالثة: في تعداد الصفات العليا هنا، إشارة إلى عظم المستعاذ منه. وأن ~~الآفة النفسانية أعظم من المضار البدنية، حيث لم يكرر ذلك المستعاذ به في ~~السورة قبل، وكرره هنا إظهارا للاهتمام في هذه دون تلك. نقله الشهاب. # الرابعة: قال ابن تيمية: الوسواس من جنس الحديث والكلام. ولهذا قال ~~المفسرون في قوله: ما توسوس به نفسه قالوا: ما تحدث به نفسه. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «1» : إن الله تجاوز لأمتي ما تحدث به أنفسها ~~ما لم تتكلم به أو تعمل به. # وهو نوعان: خبر وإنشاء فالخبر إما عن ماض وإما عن مستقبل. فالماضي يذكره ~~والمستقبل يحدثه، بأن يفعل هو أمورا، أو أن أمورا ستكون بقدر الله أو فعل ~~غيره. # فهذه الأماني والمواعيد الكاذبة. والإنشاء أمر ونهي وإباحة. # الخامسة- قال ابن تيمية: الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة ~~المذمومة هو الكتاب والسنة. فإن كان مما ألقى في النفس مما دل الكتاب ~~والسنة على أنه تقوى لله، فهو من الإلهام المحمود. وإن كان مما دل على أنه ~~فجور، فهو من الوسواس المذموم. وهذا الفرق مطرد لا ينقض. # وقد ذكر أبو حازم في الفرق بين وسوسة النفس والشيطان، فقال: ما كرهته ~~نفسك لنفسك فهو من الشيطان فاستعذ بالله منه. وما أحبته نفسك لنفسك فهو من ~~نفسك فانهها عنه. # السادسة- قال الإمام الغزالي في (الإحياء) في بيان تفصيل ما ينبغي أن ~~يحضر PageV09P581 # في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة، ما مثاله: وإذا قلت (أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم) فاعلم أنه عدوك ومرصد لصرف قلبك الله عز وجل، ~~حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل، وسجودك له. مع أنه لعن بسبب سجدة ~~واحدة تركها ولم يوفق لها. وإن استعاذتك بالله سبحانه منه، بترك ms4788 ما يحبه، ~~بما يحب الله عز وجل ولا بمجرد قولك. فإن من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو ~~ليقتله فقال (أعوذ منك بهذا الحصن الحصين) وهو ثابت على مكانه ذلك لا ~~ينفعه، بل لا يفيده إلا بتبديل المكان. فكذلك من يتبع الشخوات التي هي محاب ~~الشيطان ومكاره الرحمن، فلا يغنيه مجرد القول، فليقترن قوله بالعزم على ~~التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان. وحصنه (لا إله إلا الله) إذ قال عز ~~وجل فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم- ولا إله إلا الله حصني. فمن ~~دخل حصني أمن من عذابي. والمتحصن به من لا معبود له سوى الله سبحانه. فأما ~~من اتخذ إلهه هواه، فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل. انتهى. # وملخصه أن التعوذ ليس هو مجرد القول، بل القول عبارة عما كان للمتعوذ من ~~ابتعاده بالفعل عما يتعوذ منه، فكان ترجمة لحالهم. وهذا المعنى كان يلوح لي ~~من قبل أن أراه في كلام حجة الإسلام، حتى رأيته، فحمدت الله على الموافقة. # السابعة- قال الإمام الغزالي في (الإحياء) أيضا، في بيان تسلط الشيطان ~~على القلب بالوسواس. ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها، ما مثاله: # أعلم أن القلب في مثال قبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل ~~باب. ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب. أو هو مثال مرآة ~~منصوبة تجتاز عليها أصناف السور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا ~~يخلو عنها. أو مثال حوض نصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه. وإنما ~~مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال، إما من الظاهر فالحواس ~~الخمس. وإما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج ~~الإنسان. فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب. وكذلك إذا هاجت ~~الشهوة مثلا بسبب كثرة الأكل وسبب قوة من المزاج، حصل منها في القلب أثر. ~~وإن كف عن الإحساس، فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء ~~إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ms4789 ينتقل القلب من حال إلى حال آخر. # PageV09P582 # والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائما من هذه الأسباب، وأخص الآثار ~~الحاصلة في الخواطر- وأعني الخواطر ما يحصل فيه من الأفكار والأذكار- وأعني ~~به إدراكاته علوما، إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر. فإنها تسمى ~~خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها. # والخواطر هي المحركات للإرادات. فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد ~~خطور المنوي بالبال لا محالة. فمبدأ الأفعال الخواطر. ثم الخاطر يحرك ~~الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم يحرك النية، والنية تحرك الأعضاء. ~~والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو للشر، أعنى إلى ما يضر في ~~العاقبة. وإلى ما يدعو إلى الخير، أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة. فهما ~~خاطران مختلفان. فافتقرا إلى اسمين مختلفين. فالخاطر المحمود يسمى إلهاما ~~والخاطر المذموم، أعني الداعي إلى الشر، يسمى وسواسا. ثم إنك تعلم أن هذه ~~الخواطر حادثة. ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث. ومهما اختلفت الحوادث دل ~~ذلك على اختلاف الأسباب. هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات ~~على الأسباب. فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه واسود ~~بالدخان، علمت أن سب السواد غير سبب الاستنارة. # وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان. فسبب الخاطر الداعي إلى الخير ~~يسمى ملكا. وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا. واللطف الذي يتهيأ به ~~القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا. والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان ~~يسمى إغواء وخذلانا. فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسام مختلفة. والملك ~~عبارة عن خلق خلقه الله تعالى، شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق ~~والوعد بالخير والأمر بالمعروف. وقد خلقه وسخره لذلك. والشيطان عبارة عن ~~خلق شأنه ضد ذلك. وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف، عند الهم ~~بالخير، بالفقر. # فالوسوسة في مقابلة الإلهام. والشيطان في القابلة الملك، والتوفيق في ~~مقابلة الخذلان. # ثم قال الغزالي: ولا يمحو وسوسة الشيطان من القلب إلا ذكر ما سوى ما ~~يوسوس به. لأنه إذا خطر في ms4790 القلب ذكر شيء انعدم منه ما كان من قبل. ولكن كل ~~شيء سوى الله تعالى، وسوى ما يتعلق به، فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان. # وذكر الله هو الذي يؤمن جانبه ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال. ولا يعالج ~~الشيء # PageV09P583 # إلا بضده. وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله بالاستعاذة والتبرؤ عن الحول ~~والقوة، وهو معنى قولك: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم) وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الغالب عليهم ذكر ~~الله تعالى. وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة. ~~قال الله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون [الأعراف: 201] . # ثم قال: فالوسوسة هي هذه الخواطر. والخواطر معلومة. فإذن، الوسواس معلوم ~~بالمشاهدة. وكل خاطر فله سبب. ويفتقر إلى اسم يعرفه. فاسم سببه الشيطان. ~~ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي. وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته. فقد اتضح ~~بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام، والملك والشيطان والتوفيق ~~والخذلان. انتهى. # وإلى هنا وقف القلم بالمؤلف رضي الله تعالى عنه. وبه تم كتاب (محاسن ~~التأويل) والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # PageV09P584 ### | فهرس الجزء التاسع # سورة ق الآية 1 5 الآيتان 2 و 3 6 الآيات 4- 6 7 الآيات 7- 11 8 الآيات ~~12- 14 9 الآية 15 10 الآية 16 11 الآية 17 17 الآية 18 18 الآيات 19- 21 ~~19 الآية 22 20 الآيتان 23 و 24 21 الآية 25 22 الآية 26 23 الآيتان 27 و ~~28 24 الآية 29 25 الآية 30 27 الآية 31 28 الآيات 32- 36 29 الآية 37 30 ~~الآيات 38- 42 31 الآيات 43- 45 32 سورة الذاريات الآيتان 1 و 2 33 الآيتان ~~3 و 4 34 الآيات 5- 9 35 الآيات 10- 13 36 الآيات 14- 19 37 الآية 20 39 ~~الآيات 21- 23 40 الآيات 24- 30 41 الآيات 31- 40 42 الآيات 41- 46 43 ~~الآيات 47- 49 44 الآيات 50- 54 45 الآيات 55- 58 ms4791 46 الآيتان 59 و 60 47 ~~سورة الطور الآيات 1- 6 49 الآيات 7- 16 50 الآيات 17- 24 51 الآيات 25- 31 ~~52 الآيات 32- 43 53 الآيات 44- 47 54 الآية 48 55 الآية 49 56 سورة النجم ~~الآيات 1- 4 58 الآيات 5- 7 59 # PageV09P585 # الآيتان 8 و 9 63 الآية 10- 18 64 الآيتان 19 و 20 70 الآيتان 21 و 22 73 ~~الآية 23 75 الآيات 24- 26 76 الآيات 27- 29 77 الآيات 30- 32 78 الآيات ~~33- 39 80 الآيات 40- 49 82 الآيات 50- 56 83 الآيات 57- 62 84 سورة القمر ~~الآيتان 1 و 2 86 الآيات 3- 5 89 الآيات 6- 9 90 الآيات 10- 16 91 الآيات ~~17- 28 92 الآيات 28- 32 93 الآيات 33- 40 94 الآيات 41- 46 95 الآيات 47- ~~50 96 الآيات 51 و 53 97 الآيتان 54 و 55 98 سورة الرحمن الآيات 1- 4 99 ~~الآيات 5- 9 101 الآيات 10- 13 102 الآيات 14- 16 103 الآيات 17- 21 104 ~~الآيات 22- 25 105 الآيات 26- 30 106 الآيتان 31 و 32 107 الآيتان 33 و 34 ~~108 الآيتان 35 و 36 109 الآيات 37- 40 110 الآيات 41- 45 111 الآيات 46- ~~59 112 الآيات 60- 78 113 سورة الواقعة الآيات 1- 11 119 الآية 12 120 ~~الآيات 13- 26 121 الآيات 27- 43 123 الآيات 44- 56 124 الآيات 57- 62 125 ~~الآيات 63- 70 126 الآيات 71- 74 127 الآيات 75- 79 128 الآيات 80- 82 132 ~~الآيات 83- 85 133 الآيات 86- 96 134 سورة الحديد الآيات 1- 3 137 الآية 4 ~~138 الآيات 5- 8 141 الآيتان 9 و 10 142 الآيتان 11 و 12 144 # PageV09P586 # الآية 13 145 الآيتان 14 و 15 146 الآية 16 147 الآيات 17- 19 148 ~~الآيتان 20 و 21 151 الآيات 22- 24 152 الآية 25 153 الآيتان 26 و 27 156 ~~الآية 28 159 الآية 29 160 سورة المجادلة الآية 1 161 الآيات 2- 4 162 ~~الآية 5 165 الآية 6 و 7 167 الآية 8 168 الآيتان 9 و 10 169 الآية 11 170 ~~الآيتان 12 و 13 174 ms4792 الآيات 14- 19 177 الآيات 20- 22 178 سورة الحشر ~~الآيتان 1 و 2 182 الآيات 3- 5 183 الآيتان 6 و 7 185 الآية 8 186 الآية 9 ~~187 الآية 10 189 الآية 11 190 الآيات 12- 14 191 الآية 15 192 الآيات 16- ~~18 193 الآيتان 19 و 20 194 الآية 21 195 الآيات 22- 24 196 سورة الممتحنة ~~الآية 1 199 الآيتان 2 و 3 200 الآية 4 204 الآية 5 205 الآيات 6- 9 206 ~~الآية 10 208 الآيتان 11 و 12 210 الآية 13 213 سورة الصف الآيات 1- 3 215 ~~الآية 4 216 الآية 5 219 الآية 6 220 الآيات 7- 9 223 الآيات 10- 13 224 ~~الآية 14 225 سورة الجمعة الآيتان 1 و 2 227 الآية 3 228 الآيتان 4 و 5 229 ~~الآيات 6- 10 230 الآية 11 231 # PageV09P587 # سورة المنافقون الآيتان 1 و 2 234 الآيتان 3 و 4 235 الآيات 5- 7 236 ~~الآية 8 237 الآيات 9- 11 240 سورة التغابن الآيات 1- 3 242 الآيات 4- 6 ~~243 الآيتان 7 و 8 244 الآية 9 245 الآيات 10- 14 246 الآية 15 247 الآيات ~~16- 18 248 سورة الطلاق الآية 1 249 الآية 2 255 الآية 3 256 الآية 4 257 ~~الآيتان 5 و 6 258 الآيات 7- 9 262 الآيات 10- 12 263 سورة التحريم الآية 1 ~~266 الآية 2 269 الآية 3 274 الآيتان 4 و 5 275 الآية 6 277 الآيات 7- 9 ~~278 الآيات 10- 12 279 سورة الملك الآية 1 284 الآيتان 2 و 3 285 الآية 4 ~~286 الآية 5 288 الآيات 6- 11 289 الآية 12 290 الآيتان 13 و 15 291 الآيات ~~16- 19 292 الآيات 20- 22 293 الآيات 23- 28 294 الآيتان 29 و 30 295 سورة ~~القلم الآيات 1- 4 296 الآيات 5- 16 297 الآيتان 17 و 18 299 الآيات 19- 27 ~~300 الآيات 28- 33 301 الآيات 34- 43 302 الآيات 44- 47 305 الآيات 48- 52 ~~306 سورة الحاقة الآيات 1- 8 308 الآيات 9- 12 309 ms4793 الآيات 13- 17 310 ~~الآيات 18- 24 311 الآيات 25- 37 312 الآيات 38- 43 313 # PageV09P588 # الآيات 44- 47 314 الآيات 48- 52 315 سورة المعارج الآيات 1- 3 316 ~~الآيات 4- 14 317 الآيات 15- 21 318 الآيات 22- 35 319 الآيات 36- 44 320 ~~سورة نوح الآيات 1- 14 322 الآيات 15- 20 323 الآيات 21- 25 224 الآيات 26- ~~28 226 سورة الجن الآيتان 1 و 2 328 الآيات 3- 6 330 الآيات 7- 10 332 ~~الآيات 11- 17 333 الآيتان 18 و 19 334 الآيات 20- 27 335 الآية 28 338 ~~سورة المزمل الآيات 1- 4 340 الآيتان 5 و 6 341 الآيات 7- 14 342 الآيات ~~15- 19 343 الآية 20 344 سورة المدثر الآيات 1- 7 350 الآيات 8- 17 353 ~~الآيات 18- 25 354 الآيات 26- 31 356 الآيات 32- 37 358 الآيات 38- 48 359 ~~الآيات 49- 56 360 سورة القيامة الآيات 1- 4 362 الآيات 5- 13 363 الآيات ~~14- 19 364 الآيات 20- 25 367 الآيات 26- 30 368 الآيات 31- 40 369 سورة ~~الإنسان الآيتان 1 و 2 373 الآيات 3- 6 374 الآيات 7- 9 375 الآيات 10- 16 ~~376 الآيات 17- 22 377 الآيات 23- 26 378 الآيات 27- 31 379 سورة المرسلات ~~الآيات 1- 7 381 الآيات 8- 15 382 الآيات 16- 26 383 الآيات 27- 29 384 ~~الآيات 30- 40 385 الآيات 41- 50 386 # PageV09P589 # سورة النبأ الآيات 1- 5 388 الآيات 6- 11 389 الآيات 12- 18 390 الآيات ~~19- 26 391 الآيات 27- 36 392 الآيات 37- 39 393 الآية 40 394 سورة ~~النازعات الآيات 1- 5 395 الآيات 6- 10 396 الآيات 11- 14 397 الآيتان 15 و ~~16 398 الآيات 17- 26 399 الآيات 27- 33 401 الآيات 34- 46 402 سورة عبس ~~الآيتان 1 و 2 404 الآيات 3- 10 405 الآيات 11- 17 406 الآيات 18- 21 408 ~~الآيات 22- 32 409 الآيات 33- 42 410 سورة التكوير الآيات 1- 9 412 الآيات ~~10- 21 418 الآيات 22- 25 419 الآيات 26- 29 421 سورة الانفطار الآيات 1- 5 ~~422 الآيات 6- 8 423 الآيات 9- 12 424 الآيات 13- 19 425 سورة المطففين ~~الآيات 1- 3 428 الآيات 4- 11 429 الآيات 12- 14 430 الآيات 15- 17 431 ~~الآيات 18- 26 433 الآيتان 27 ms4794 و 28 434 الآيات 29- 31 435 الآيات 32- 36 ~~436 سورة الانشقاق الآيات 1- 5 439 الآيات 6- 15 440 الآيات 16- 21 441 ~~الآيات 22- 25 442 سورة البروج الآيات 1- 9 443 الآية 10 445 الآيات 11- 16 ~~446 الآيات 17- 22 447 سورة الطارق الآيات 1- 4 449 الآيات 5- 10 450 ~~الآيات 11- 17 452 # PageV09P590 # سورة الأعلى الآيات 1- 5 454 الآيات 6- 13 456 الآيات 14- 19 459 سورة ~~الغاشية الآيات 1- 9 460 الآيات 10- 20 461 الآيات 21- 26 463 سورة الفجر ~~الآيات 1- 5 464 الآيات 6- 8 466 الآيات 9- 14 468 الآيتان 15 و 16 469 ~~الآيات 17- 20 470 الآيات 21- 26 471 الآيات 27- 30 473 سورة البلد الآيات ~~1- 3 475 الآيات 4- 7 476 الآيات 8- 16 477 الآيتان 17 و 18 478 الآيتان 19 ~~و 20 479 سورة الشمس الآيات 1- 8 480 الآيات 9- 15 482 سورة الليل الآيات ~~1- 4 484 الآيات 5- 11 485 الآيات 12- 21 486 سورة الضحى الآيات 1- 5 490 ~~الآيات 6- 11 492 سورة الشرح الآيات 1- 4 494 الآيات 5- 8 496 سورة التين ~~الآيات 1- 3 498 الآيات 4- 8 503 سورة العلق الآيات 1- 5 507 الآيات 6- 8 ~~511 الآيات 9- 14 512 الآيات 15- 19 513 سورة القدر الآيات 1- 5 516 سورة ~~البينة الآيات 1- 3 520 الآيتان 4 و 5 521 الآيات 6- 8 523 سورة الزلزلة ~~الآيات 1- 5 525 الآيات 6- 8 526 سورة العاديات الآيات 1- 5 528 الآيات 6- ~~8 529 الآيات 9- 11 530 # PageV09P591 # سورة القارعة الآيات 1- 5 531 الآيات 6- 11 532 سورة التكاثر الآيات 1- 8 ~~533 سورة العصر الآيات 1- 3 535 سورة الهمزة الآيات 1- 3 539 الآيات 4- 9 ~~540 سورة الفيل الآيات 1- 5 542 سورة قريش الآيات 1- 4 550 سورة الماعون ~~الآيات 1- 7 552 سورة الكوثر الآيات 1- 3 554 سورة الكافرون الآيات 1- 6 ~~557 سورة النصر الآيات 1- 3 560 سورة المسد الآيات 1- 5 563 سورة الإخلاص ~~الآيات 1- 4 567 سورة الفلق الآيات 1- 5 574 سورة الناس الآيات 1- 6 579 ~~PageV09P592 ms4795