######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001197 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: القاسمي #META# 010.AuthorNAME :: القاسمي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أخرى :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين #META# 030.LibURI :: JK_001197 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | مقدمة المؤلف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمدك يا ذا الجلال والإكرام على ما أكملت لنا من دين الإسلام ونصلي ~~ونسلم على نبي الهدى والرحمة المبعوث بالكتاب والحكمة خاتم النبيين وإمام ~~المرشدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين # أما بعد فإن موعظة العامة والتصدي لإرشادهم في الدروس العامة من الأمور ~~المهمة المنوطة بخاصة الأمة إذ هم أمناء الشرع ونور سراجه ومصابيح علومه ~~وحفاظ سياجه وكان السلف يملون مما وقر في صدورهم ما يرونه أمس بحالهم ~~وزمنهم ومكانهم ولما امتد الفتوح في الإسلام ابتدئ بجمع الهدي النبوي ~~للأنام ثم اتسع العمران وعظمت الحضارة فأخذ ينمو التفريع والتخريج ~~والانبساط في الفنون على نسبتها في الغزارة واستبحرت في فنون العلم الأسفار ~~ودنت لمقتطفه مباحثه الكبار وصار المعول في بثه عليها والملجأ في تعرف ~~حقائقه عليها وتنوعت في كل فن مصنفاته وزخرت من كل بحث مؤلفاته حتى حار ~~طالبه في انتقاء الأحسن واستوقف كثرتها نظره في تخير الأتقن وأصبح التبصر ~~في أجودها عنوان الذكاء والوقوف على أنفعها آية النباهة والارتقاء ولما ~~كانت عظة العوام بإيقافهم على جواهر دين الإسلام وإعلامهم محاسن الدين ~~وواجباته ونوافله ومحظوراته وما يأمر به من الأخلاق الكريمة ويزجر عنه من ~~المساوئ الذميمة ليرتقوا إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم فيفوزوا بما في ~~الاعتصام به سعادتهم وفلاحهم من أوجب الواجبات وآكد المفروضات لما أخذ الله ~~على العلماء من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقف ~~المدعوون على شرائعه تعالى فيما أمر وزجر ووعد وأوعد وبشر وأنذر فلزم ~~الداعي إلى الله PageV01P039 تعالى أن يجتهد بفطنته لما يعينه في دعوته ~~فينتخب من المدونات أنفعها وينتقي من لباب لبابها أرفعها إذ كثير مما اعتيد ~~في المحافل تدريسه لم يكن على بناء إفادة العامة تأسيسه ولا برهان بعد عيان # موضوع ذكرى العامة موضوع جليل لا يصلح له إلا كل حكيم نبيل أتدري من ~~المذكر أو الواعظ أو المرشد هو إنسان حافظ لحدود الله قائم على إرشاد ~~العقول وتهذيب النفوس ms001 وتثقيف الأذهان وتنوير المدارك وتصحيح المعتقدات ~~وإبانة سر العبادات وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة وتراث ~~الضلالة # المذكر وارث محمدي واقف على مقاصد التشريع وحكمته عالم مواضع الخلاف ~~والوفاق سائس لسامعيه بما يلائمهم من الأحكام لا يصعد بهم قمم الشدة ~~والتعسير ولا يهبط بهم إلى حضيض الترخيص غلوا في التيسير بل يسير بهم على ~~جادة الحق وسواء الطريق # المذكر ينشر العلم النافع بين الناس ويحثهم على العمل به ويخاطبهم على ~~قدر عقولهم ويتنزل لإرشادهم إلى لغتهم يعاشر بالنصح ويخالطهم لتأليف قلوبهم # المذكر هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم ~~وتحريرهم من رق الخرافات والوهم وهو كالسراج فإذا لم ينتفع بضوئه فلا فائدة ~~في وجوده وحق ما قيل لا يكون العالم عالما حتى يظهر أثر علمه في قومه إذ ~~ليس مسؤولا عن نفسه وحدها بل عنها وعن عشيرته وأمته فمن الواجب عليه أن ~~يعلم ويعظ ويبلغ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم # وعلى الجملة فالمذكر لا بد أن يكون كاملا في تعليمه كاملا في إرشاده ~~كاملا في أخلاقه # وغير خاف أن مذكر العامة على قوة ملكته وسعة مداركه يضطر إلى مادة تعينه ~~على ذكراه وتمد ذاكرته إذا أم مبتغاه ولكن أين تلك المادة الممدة فإني لم ~~أر بين المصنفات على كثرتها ما ألف لذكرى العامة مستوفيا للشروط التامة بأن ~~يفقهوا معناه ويدركوا منطوقه ومغزاه ويكون وافيا بحاجياتهم آتيا على جميع ~~كمالياتهم مجردا عن دقائق المسائل قريب الأخذ للمتناول فيستعين به المذكر ~~ويهتدي به المستبصر ولم أزل أترقب من نفحات التوفيق ما يهدئ البال إلى أن ~~PageV01P040 رأيت بعد ما لونت في عام التدريس كل كتاب نفيس الأعوام الطوال ~~أن من أنفع ما يقتبس منه عظة المؤمنين مواضيع تنتخب من إحياء علوم الدين ~~للعلامة الإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ~~عليه الرحمة والرضوان ثم اتفق أن تذاكرت مع حكيم إمام واستطلعت رأيه الصائب ~~في هذا المرام فقال متأسفا ms002 إن هذا الموضوع لم يصنف فيه إلا أن أحسن ما ~~لدينا لذلك هو الإحياء بعد تجريده فعددت ذلك من بدائع الموافقات وأتذكر ~~الآن أن أحد الأعلام في دمشق أشار على من استشاره من المدرسين بالإحياء ~~فأخذ المدرس في قراءته بالحرف عملا بالأمر الصرف ثم شكا له ضيق صدره من ~~مباحث لا تفقهها العوام ولا ينتفع بها إلا خاصة الأنام فأجابه بأن أمره كان ~~لفصول تنتخب منه وقد تحققت بذلك كمال حذقه رحمه الله ورضي عنه لذلك عزمت ~~سنة 1323 على اختصاره في جزأين موجزين على الشريطة السالفة أساير فيهما ~~ترتيب أصله بلا مخالفة والمأمول أن تحظى بالغاية المتوخاة والضالة المنشودة ~~وبالله المستعان وعليه التكلان PageV01P041 # | كتاب العلم # # | فضيلة العلم # شواهده من القرآن آيات كثيرة منها قوله عز وجل @QB@ شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط @QE@ فانظر كيف بدأ سبحانه ~~وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا شرفا وفضلا وقال ~~الله تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ ~~وقال عز وجل @QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ رد حكمه ~~في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله ~~تعالى # وأما الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ويلهمه رشده وقال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء ~~ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا PageV01P042 شرف فوق شرف الوراثة لتلك ~~الرتبة وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني ~~إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم وقال صلى الله عليه ~~وسلم في تفضيل العلم على العبادة والشهادة فضل العالم على العابد كفضلي على ~~أدنى رجل من أصحابي فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة وكيف حط ms003 رتبة ~~العمل المجرد عن العلم وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب ~~عليها ولولاه لم تكن عبادة وقال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد ~~كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب # ومن وصايا لقمان لابنه يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله ~~سبحانه يحيى القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء # | فضيلة التعلم # أما الآيات فقوله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين @QE@ وقوله عز وجل @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ # وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك ~~الله به طريقا إلى الجنة وقال صلى الله عليه وسلم لأن تغدو فتتعلم بابا من ~~العلم خير من أن تصلي مئة ركعة وقال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة ~~على كل مسلم PageV01P043 # وقال أبو الدرداء لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة وقال أيضا العالم ~~والمعلم شريكان في الخير وسائر الناس همج لا خير فيهم وقال الشافعي رضي ~~الله عنه طلب العلم أفضل من النافلة وقال فتح الموصلي رحمه الله أليس ~~المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قال كذلك القلب إذا ~~منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم ~~والحكمة وبهما حياته كما أن غذاء الجسد الطعام ومن فقد العلم فقلبه مريض ~~وموته لازم ولكنه لا يشعر به إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه فنعوذ ~~بالله من يوم كشف الغطاء فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه عليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه موت رواته وإن أحدا لم يولد ~~عالما وإنما العلم بالتعلم # | فضيلة التعليم # أما الآيات فقوله عز وجل @QB@ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون @QE@ والمراد هو التعليم والإرشاد وقوله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ وهو إيجاب ~~للتعليم وقوله تعالى @QB@ وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ms004 @QE@ وهو ~~تحريم للكتمان كما قال PageV01P044 تعالى في الشهادة @QB@ ومن يكتمها فإنه ~~آثم قلبه @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن لأن يهدي الله ربك رجلا واحدا خير لك من ~~الدنيا وما فيها وقال صلى الله عليه وسلم من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم ~~القيامة بلجام من نار وقال صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه ملائكته وأهل ~~سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم ~~الناس الخير وقال صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ~~ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع PageV01P045 به أو ولد صالح يدعو له وقال صلى ~~الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله وقال صلى الله عليه وسلم رحمة الله ~~على خلفائي قيل ومن خلفاؤك قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله # ومن الآثار ما روي عن معاذ أنه قال تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ~~وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة ~~وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على ~~الدين والمصبر على البأساء والضراء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير ~~قادة سادة هداة يقتدى بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أفعالهم يبلغ ~~العبد به منازل الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته ~~بالقيام به يطاع الله عز وجل وبه يعبد وبه يوحد ويمجد وبه يتورع وبه توصل ~~الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ~~ويحرمه الأشقياء وقال الحسن رحمه الله لولا العلماء لصار الناس مثل ~~PageV01P046 البهائم أي إنهم بالتعلم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد ~~الإنسانية # | بيان العلم الذي هو فرض عين # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم فمنه ما ms005 ~~يدرك به التوحيد ويعلم به ذات الله تعالى وصفاته ومنه ما تعرف به العبادات ~~والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل ومنه ما تعلم به أحوال ~~القلب ما يحمد منها كالصبر والشكر والسخاء وحسن الخلق وحسن المعاشرة والصدق ~~والإخلاص وما يذم كالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والغضب والعداوة ~~والبغضاء والبخل فمعرفة ما تكتسب به الأولى وما تجتنب به الثانية فرض عين ~~كتصحيح المعتقدات والعبادات والمعاملات PageV01P047 # | كتاب عقيدة أهل السنة # # | في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام # عقيدتهم في ذاته تعالى وتقدس أنه إله واحد لا شريك له قديم لا أول له ~~مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له دائم لا انصرام له لم يزل ولا ~~يزال موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد ~~وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم وأنه ~~ليس بجسم مصور ولا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ولا تحيط به الجهات ولا ~~تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله ~~وبالمعنى الذي أراده وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى ~~فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى ~~بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ~~وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد إذ لا يماثل ~~قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا ~~يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل ~~أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه في ذاته معلوم الوجود ~~بالعقول مرئي الذات بالأبصار في دار القرار نعمة منه ولطفا بالأبرار ~~وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر ~~لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يعارضه ms006 فناء ولا موت ~~وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع وأنه عالم بجميع ~~المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة ~~الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو PageV01P048 الهواء ويعلم ~~السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بعلم ~~قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال وأنه تعالى مدير للكائنات مدبر ~~للحادثات فلا يجري في الملك والملكوت أمر إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته ~~فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا راد لأمره ولا معقب لحكمه وأنه تعالى ~~سميع بصير لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ~~ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام لا يشبه سمعه وبصره سمع وبصر الخلق ~~كما لا تشبه ذاته ذات الخلق وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد وأن ~~القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام وأنه ~~تعالى كلم موسى عليه السلام بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وأن ~~القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد وأنه سبحانه ~~وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله على أحسن الوجوه ~~وأكملها وأتمها وأعدلها وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته فكل ما سواه من ~~إنس وجن وملك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد ومدرك ومحسوس حادث اخترعه ~~بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا إذ كان في الأزل ~~موجودا وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا ~~لما سبق من إرادته ولما حق في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته وأنه ~~متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لا ~~عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان وأنه عز وجل يثيب عباده ~~المؤمنين على الطاعات يحكم الكرم والوعد ms007 لا بحكم اللزوم له إذ لا يجب عليه ~~لأحد فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق وأن حقه في الطاعات واجب ~~على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا بمجرد العقل ولكنه ~~بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعيده فوجب ~~على الخلق تصديقهم فيما جاؤوا به وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمدا صلى ~~الله عليه وسلم برسالته إلى العرب والعجم والجن والإنس وأنه ختم الرسالة ~~والنبوة ببعثته فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا وأنزل عليه كتابه الحكيم وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط ~~المستقيم وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر به وأن الساعة آتية لا ريب ~~فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون PageV01P049 وأنه تعالى قد ~~خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم ~~وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم ~~محجوبين عن رؤيته # وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب ~~الخمور وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ~~نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ونرجو الجنة ~~للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ونقول إن الله عز وجل يخرج ~~قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا ~~لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر ~~وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين وندين بحب السلف ~~الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه عليه السلام ونثني عليهم بما أثنى ~~الله به عليهم ونتولاهم أجمعين ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه وإن الله أعز به الدين ~~وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للصلاة ms008 وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وإن الذين قاتلوه ~~قاتلوه ظلما وعدوانا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة ونتولى سائر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم ونعول فيما اختلفنا فيه ~~على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في ~~دين الله ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم ونرى الصدقة عن موتى ~~المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك ونقول إن الصالحين يجوز ~~أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم PageV01P050 # | كتاب أسرار الطهارة # قال تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور وعنه بني الدين على النظافة ~~ففطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر إذ يبعد أن ~~يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم الطهور نصف الإيمان عمارة الظاهر ~~بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقاءه مشحونا بالأخباث ~~والأقذار هيهات هيهات والطهارة لها أربع مراتب # المرتبة الأولى تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات # المرتبة الثانية تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام # المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة ~~PageV01P051 # المرتبة الرابعة تطهير السر عما سوى الله تعالى وهو طهارة الأنبياء صلوات ~~الله عليهم والصديقين ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز الطبقة ~~السافلة فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته بالمحمودة ما ~~لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارته بالخلق المحمود ولن يصل ~~إلى ذلك من لم يفرغ من طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها بالطاعات وكلما ~~عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وكثرت عقباته فلا تظن أن هذا الأمر يدرك بالمنى ~~وينال بالهوينا نعم من عميت ms009 بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب ~~الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى ~~اللب المطلوب فصار يمعن فيها ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب ~~وتنظيف الظاهر وطلب المياه الجارية الكثيرة ظنا منه بحكم الوسوسة وتخبل ~~العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي هذه فقط وجهالة بسيرة الأولين ~~واستغراقهم جميع الهم والفكر في تطهير القلب وتساهلهم في أمر الظاهر حتى إن ~~عمر رضي الله عنه مع علو منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية ولقد كانوا ~~يصلون على الأرض في المساجد وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء فكانت ~~عنايتهم كلهم بنظافة الباطن ولم ينقل عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات ~~وقد انتهت النوبة إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة فأكثر أوقاتهم في تزيينهم ~~الظواهر كفعل الماشطة بعروسها والباطن هنا خراب مشحون بخبائث الكبر والعجب ~~والجهل والرياء والنفاق ولا يستنكرون ذلك ولا يتعجبون منه ولو اقتصر مقتصر ~~على الاستنجاء بالحجر أو صلى على الأرض من غير سجادة مفروشة أو توضأ من ~~آنية كافر أقاموا عليه القيامة وشدوا عليه النكير ولقبوه بالقذر فانظر كيف ~~صار المنكر معروفا والمعروف منكرا وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس ~~حقيقته وعلمه إذا عرفت هذه المقدمة فلنتكلم الآن من مراتب الطهارة على ~~الرابعة وهي نظافة الظاهر فنقول طهارة الظاهر ثلاثة أقسام PageV01P052 ~~طهارة عن الخبث وطهارة عن الحدث وطهارة عن فضلات البدن وهي التي تحصل ~~بالقلم والاستحداد استعمال النورة والختان وغيرها # | القسم الأول في طهارة الخبث # والنظر فيه يتعلق بالمزال والمزال به والإزالة # | الطرف الأول في المزال وهي النجاسة # الأعيان ثلاثة جمادات وحيوانات وأجزاء حيوانات أما الجمادات فطاهرة كلها ~~إلا الخمر وكل منتبذ مسكر والحيوانات طاهرة كلها إلا الكلب والخنزير فإذا ~~ماتت فكلها نجسة إلا خمسة # 1 الآدمي # 2 والسمك # 3 والجراد # 4 ودود التفاح وفي معناه كل ما يستحيل من الأطعمة # 5 وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء وغيرهما فلا ينجس الماء ~~بوقوع شيء منها فيه # وأما أجزاء ms010 الحيوانات فقسمان # أحدهما ما يقطع منه وحكمه حكم الميت والشعر لا ينجس بالجز والموت والعظم ~~ينجس # الثاني الرطوبات الخارجة من باطنه فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر فهو ~~طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط وما له مقر وهو مستحيل فنجس إلا ما هو ~~مادة الحيوان كالمني والبيض والقيح والدم والروث والبول نجس من PageV01P053 ~~الحيوانات كلها ولا يعفى عن شيء من هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن ~~خمسة # الأول أثر النجو بعد الإستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج # والثاني طين الشوارع وغبار الروث في الطريق يعفى عنه مع تيقن النجاسة ~~بقدر ما يتعذر الإحتراز عنه وهو الذي لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط أو سقطة # الثالث ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها فيعفى عنه بعد ~~الدلك للحاجة # الرابع دم البراغيث ما قل منه أو كثر إلا إذا جاوز حد العادة سواء كان في ~~ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته # الخامس دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد دلك ابن عمر رضي الله عنه ~~بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغسل وفي معناه ما يترشح من لطخات ~~الدماميل التي تدوم غالبا وكذلك أثر الفصد إلا ما يقع نادرا من جراح أو ~~غيره فيلحق بدم الاستحاضة ولا يكون في معنى البثرات التي لا يخلو الإنسان ~~عنها في أحواله ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر الطهارة ~~على التساهل وما أبدع فيها وسوسة لا أصل لها # | الطرف الثاني في المزال به # وهو إما جامد وإما مائع أما الجامد فحجر الاستنجاء وهو مطهر تطهير تخفيف ~~بشرط أن يكون صلبا طاهرا منشفا غير محترم وأما المائعات فلا تزال النجاسات ~~بشيء منها إلا الماء ولا كل ماء بل الطاهر الذي لم يتفاحش تغيره بمخالطة ما ~~يستغنى عنه ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه ~~أو ريحه فإن لم يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه لم ينجس لقوله ~~صلى الله عليه ms011 وسلم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ~~لونه أو PageV01P054 ريحه # | الطرف الثالث في كيفية الإزالة # النجاسة إن كانت حكمية وهي التي ليس لها جرم محسوس فيكفي إجراء الماء على ~~جميع مواردها وإن كانت عينية فلا بد من إزالة العين وبقاء اللون بعد الحت ~~والقرص معفو عنه ويعفى عن الرائحة إذا عسر إزالتها والعصر مرات متواليات ~~يقوم مقام الحت والقرص في اللون والمزيل للوسواس أن يعلم أن الأشياء خلقت ~~طاهرة ببقين فما لا يشاهد عليه نجاسة ولا يعلمها يقينا يصلي معها # | القسم الثاني طهارة الأحداث # # | آداب قضاء الحاجة # ومنها الوضوء والغسل والتيمم ويتقدمها الاستنجاء فلنورد كيفيتها على ~~الترتيب مع آدابها وسننها مبتدئين بسبب الوضوء وآداب قاضي الحاجة إن شاء ~~الله تعالى # ينبغي أن يبعد عن أعين الناظرين في الصحراء وأن يستتر بشيء إن وجده وأن ~~لا يكشف عورته قبل الإنتهاء إلى موضع الجلوس وأن لا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس وأن لا يبول في الماء الراكد وتحت ~~الشجرة المثمرة وفي الثقب وأن يتقي الموضع الصلب ومهبات الرياح في البول ~~استنزاها من رشاشه وأن يتكئ في جلوسه على الرجل اليسرى وإن كان في بنيان ~~يقدم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ولا يستصحب شيئا عليه اسم ~~الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يقول عند الدخول بسم الله أعوذ ~~بالله من الخبث والخبائث وعند الخروج الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ~~وأبقى علي ما ينفعني وأن يستبرئ من البول بالنتر ثلاثا ولا يكثر التفكر في ~~الاستبراء فيتوسوس PageV01P055 ويشق عليه الأمر وما يحس به من بلل فيقدر ~~انه بقية الماء وقد كان أخفهم استبراء أفقههم فتدل الوسوسة على قلة الفقه ~~ومن الرخصة أن يبول الإنسان قريبا من صاحبه مستترا عنه فعل ذلك رسول صلى ~~الله عليه وسلم مع شدة حيائه ليبين للناس ذلك # | كيفية الاستنجاء # ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار ومثلها كل خشن طاهر ثم يستنجي بالماء بأن ms012 ~~يفيضه باليمنى على محل النجو ويدلك باليسرى حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بحس ~~اللمس ويترك الاستقصاء فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس وليعلم أن ~~كل ما لا يصل إليه الماء فهو باطن ولا يثبت حكم النجاسة للفضلات الباطنة ما ~~لم تظهر وكل ما هو ظاهر وثبت له حكم النجاسة فحد طهوره أن يصل الماء إليه ~~فيزيله ولا معنى للوسواس # | كيفية الوضوء # إذا فرغ من الاستنجاء وأراد القيام إلى الصلاة اشتغل بالوضوء ويبتدئ ~~بالسواك ثم يجلس للوضوء مستقبل القبلة ويسمي ثم يغسل يديه ثلاثا قبل أن ~~يدخلهما الإناء ثم يأخذ غرفة لفيه فيتمضمض بها ثلاثا ويغرغر إلا أن يكون ~~صائما ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثا ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ~~ويستنثر ما فيها ثم يغرف غرفة لوجهه فيغسله من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ~~ما يقبل من الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن في العرض ويوصل الماء إلى ~~منابت الشعور الأربعة الحاجبين والشاربين والعذارين والأهداب لأنها خفيفة ~~في الغالب وإلى منابت اللحية الخفيفة وأما الكثيفة فيفيض الماء على ظاهرها ~~ويندب تخليلها ويدخل الأصابع في محاجر العينين وموضع الرمص ومجتمع الكحل ~~وينقيهما ثم يغسل يديه إلى مرفقيه ثلاثا ويحرك الخاتم ويبدأ باليمين ثم ~~يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويلصق رؤوس أصابع يده اليمنى باليسرى ~~ويضعهما على مقدمة الرأس PageV01P056 ويمرهما إلى القفا ثم يردهما إلى ~~المقدمة ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثم يمسح رقبته بماء جديد ~~ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ويخلل أصابعهما فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء ~~وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من ~~التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين # | ما يكره في الوضوء # يكره في الوضوء أن يزيد على الثلاث وأن يسرف في الماء توضأ صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثا وقال من زاد فقد أساء وظلم وقال سيكون قوم من هذه الأمة يعتدون ~~في الدعاء والطهور ويقال من وهن علم الرجل ولوعه بالماء ms013 في الطهور ويكره أن ~~ينفض اليد فيرش الماء وأن يلطم وجهه بالماء لطما # | الاعتبار بالطهارة # متى فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره ~~وهو موضع نظر الخلق فينبغي أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهر قلبه ~~وهو موضع نظر الرب سبحانه وليتحقق أن طهارة القلب بالتوبة والخلو عن ~~الأخلاق المذمومة والتخلق بالأخلاق الحميدة أولى من أن يقتصر على طهارة ~~الظاهر كمن أراد أن يدعو ملكا إلى بيته فتركه مشحونا بالقاذورات واشتغل ~~بتجصيص ظاهر الباب البراني من الدار وما أجدره بالتعرض للمقت والبوار # | كيفية الغسل # يغسل يديه ثلاثا ثم يستنجي ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت ثم يتوضأ ~~وضوءه للصلاة كما وصفنا إلا غسل القدمين فإنه يؤخرهما ثم يصب الماء على ~~رأسه ثم على شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يدلك ما أقبل من بدنه وما أدبر ويخلل ~~شعر الرأس واللحية ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منه وما خف وليس على ~~المرأة نقض الضفائر إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلال الشعور ويتعهد ~~معاطف البدن PageV01P057 # والغسل الواجب بأربعة بخروج المني والتقاء الختانين والحيض والنفاس وما ~~عداه من الأغسال سنة كغسل العيدين والجمعة والإحرام والوقوف بعرفة ولدخول ~~مكة ولمن غسل ميتا # | كيفية التيمم # من تعذر عليه استعمال الماء لفقده من بعد الطلب أو المانع له عن الوصول ~~إليه من سبع أو حابس أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو لعطش رفيقه ~~أو كان ملكا لغيره ولم يبعه إلا بأكثر من ثمن المثل أو كان به جراحة أو مرض ~~وخاف من استعماله فساد العضو أو شدة الضنى فينبغي أن يصبر حتى يدخل عليه ~~وقت الفريضة ثم يقصد صعيدا طيبا عليه تراب طاهر بحيث يثور منه غبار ويضرب ~~عليه كفيه ضاما بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة ولا يكلف إيصال ~~الغبار إلى ما تحت الشعور خف أو كثف ثم ينزع خاتمه ويضرب ضربة ثانية ويفرج ~~فيها بين أصابعه ويمسح ms014 بكفه اليسرى يده اليمنى وبكفه اليمنى يده اليسرى ~~وإذا صلى به الفرض فله أن يتنفل كيف شاء ويعيد التيمم لفرض ثان # | القسم الثالث من النظافة التنظيف عن الفضلات الطاهرة # وهي نوعان أوساخ وأجزاء # | النوع الأول الأوساخ والرطوبات المترشحة وهي ثمانية # الأول ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل فالتنظيف عنه مستحب بالغسل ~~والترجيل والتدهين إزالة للشعث عنه وكان صلى الله عليه وسلم يدهن الشعر ~~ويرجله غبا ويأمر به # الثاني ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والمسح يزيل ما يظهر منه وما ~~يجتمع في قعر صماخي أذنيه فينبغي أن ينظف برفق عند الخروج من الحمام ~~PageV01P058 # الثالث ما يجتمع في داخل الأنف ويزيله بالاستنشاق والاستنثار # الرابع ما يجتمع على الأسنان وطرف اللسان فيزيله السواك والمضمضة # الخامس ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد ويستحب إزالة ~~ذلك بالغسل والتسريح بالمشط وترك الشعث في اللحية إظهارا للزهد وقلة ~~المبالاة بالنفس محذور وتركه شغلا بما هو أهم منه محبوب وهذه أحوال باطنة ~~بين العبد وبين الله عز وجل والناقد بصير والتلبيس غير رائج عليه بحال # السادس وسخ البراجم وهي معاطف ظهور الأنامل كانت العرب لا تكثر غسل ذلك ~~لتركها غسل اليد عقيب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغسل البراجم # السابع تنظيف الرواحب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب بتنظيفها ~~وهي رؤوس الأنامل وما تحت الأظفار من الوسخ لأنها كانت لا يحضرها المقراض ~~في كل وقت فتجتمع فيها أوساخ # الثامن الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق وذلك ~~يزيله الحمام # | آداب الحمام # لا بأس بدخول الحمام دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمامات ~~الشام وقال بعضهم نعم البيت بيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار روي ذلك عن ~~أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما وقال بعضهم بئس البيت بيت ~~الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء فهذا تعرض لآفته وذاك تعرض لفائدته ولا ~~بأس بطلب فائدته عند الاحتراز ms015 من آفته ولكن على داخل الحمام وظائف من السنن ~~والواجبات فعليه واجبان في عورته وواجبان في عورة غيره أما الواجبان في ~~عورته فهو أن يصونها عن نظر الغير ويصونها عن مس الغير فلا يتعاطى أمرها ~~وإزالة وسخها إلا بيده ويمنع الدلاك من مس الفخذ وما بين السرة إلى العانة ~~والواجبان في PageV01P059 عورة الغير أن يغض بصر نفسه عنها وأن ينهى عن ~~كشفها لأن النهي عن الكشف واجب وعليه ذكر ذلك وليس عليه القبول # وأما السنن فمنها النية وهو أن لا يدخل لعاجل دنيا ولا عابثا لأجل هوى بل ~~يقصد به التنظف المحبوب تزينا للصلاة ويقدم رجله اليسرى عند الدخول ولا ~~يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول وأن لا يكثر صب الماء بل يقتصر ~~على قدر الحاجة فإنه المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه ~~الحمامي لكرهه لا سيما الماء الحار فله مؤنة وفيه تعب وأن يتذكر حر النار ~~بحر الحمام ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم فإنه ~~أشبه بيت بجهنم النار من تحت والظلام من فوق نعوذ بالله من ذلك ولا بأس بأن ~~يصافح الداخل ويقول عافاك الله ولا بأس بأن يدلكه غيره ويغمز ظهره وأطرافه ~~ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة ويكره طبا صب الماء ~~البارد على الرأس عند الخروج وكذا شربه ويكره للمرأة دخوله إلا لضرورة ~~بمئزر سابغ # | النوع الثاني فيما يحدث في البدن من الأجزاء وهي ثمانية # الأول شعر الرأس ولا بأس بحلقه لمن أراد التنظيف ولا بأس بتركه لمن يدهنه ~~ويرجله # الثاني شعر الشارب يندب قص ما طال عن الشفة منه ولا بأس بترك السبالين # الثالث شعر الإبط تستحب إزالته في كل أربعين يوما فأقل # الرابع شعر العانة تستحب إزالته بالحلق أو بالنورة في المدة المتقدمة # الخامس الأظفار وتقليمها مستحب لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها ~~من الوسخ وليس في ترتيب قلمها مروي صحيح # السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة أما السرة ms016 فتقطع في أول ~~PageV01P060 الولادة وأما التطهير بالختان فلا بأس به في اليوم السابع من ~~الولادة وإن خيف منه خطر فالأولى تأخيره # الثامن ما طال من اللحية روي عن بعض الصحابة والتابعين أخذ ما زاد عن ~~القبضة وقال آخرون تركها عافية أحب والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى ~~الطول المفرط فإنه قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه فلا ~~بأس بالاحتراز عنه على هذه النية وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد ~~كراهة من بعض خضابها بالسواد وتبييضها بالكبريت ونتفها ونتف الشيب منها ~~والنقصان والزيادة فيها وتسريحها تصنعا لأجل الرياء وتركها شعثة إظهارا ~~للزهد والنظر إلى سوادها عجبا بالشباب وإلى بياضها تكبرا بعلو السن وخضابها ~~بالحمرة من غير نية تشبها بالصالحين فأما الخضاب بالسواد فقد روي فيه نهي ~~لأنه قد يفضي إلى الغرور والتلبيس وأما تبييضها بالكبريت فقد يكون استعجالا ~~لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم ~~ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات فلا يزيد كبر السن الجاهل إلا جهلا ~~فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته الحمق ~~فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله ~~دونهم وقال ابن عباس رضي الله عنه ما آتى الله عز وجل عبده علما إلا شابا ~~والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل @QB@ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال ~~له إبراهيم @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ وآتيناه الحكم @QE@ PageV01P061 صبيا ) وقال أيوب ~~السختياني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه وقيل لأبي ~~عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال إن كان الجهل يقبح ~~به فالتعلم يحسن به PageV01P062 # | كتاب أسرار الصلاة ومهماتها # الصلاة عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات وغرة الطاعات وقد استقصيت ~~أصولها وفروعها في فن الفقه فنقتصر هنا على ما ms017 لا بد منه للمريد من أعمالها ~~الظاهرة وأسرارها الباطنة # | فضيلة الأذان # قال صلى الله عليه وسلم لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد ~~له يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما ~~يقول المؤذن وذلك محبوب مستحب إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما لا حول ولا ~~قوة إلا بالله وفي قوله قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها وفي التثويب أي ~~قول مؤذن الفجر الصلاة خير من النوم صدقت وبررت وعند الفراغ يقول اللهم رب ~~هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما ~~محمودا الذي وعدته PageV01P063 # | فضيلة المكتوبة # قال الله تعالى @QB@ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ وقال ~~صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما ~~اجتنبت الكبائر وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال الصلاة ~~لمواقيتها وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا حضرت الصلاة قوموا إلى ناركم ~~التي أوقدتموها فأطفئوها # | فضيلة إتمام الأركان # قال صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ركوعها ~~وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني ومن صلى ~~لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها عرجت وهي ~~سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما ~~يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه PageV01P064 # | فضيلة الجماعة # قال صلى الله عليه وسلم صلاة الجمع تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة وروى ~~أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت ~~أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق عليهم ~~بيوتهم وقال عثمان رضي الله عنه مرفوعا من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ~~ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة وقال محمد بن واسع ما أشتهي من الدنيا إلا ~~ثلاثة أخا أن تعوجت قومني وقوتا من الرزق عفوا بغير تبعة ms018 وصلاة في جماعة ~~يرفع عني سهوها ويكتب لي فضلها وقال الحسن لا تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى ~~العلماء وقال ابن عباس رضي الله عنه من سمع المنادي فلم يجب لم يرد خيرا ~~ولم يرد به # | فضيلة السجود # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه ~~الله بها درجة PageV01P065 وحط عنه بها سيئة وقال صلى الله عليه وسلم أقرب ~~ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وقال تعالى @QB@ سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود @QE@ يعني نور الخشوع فإنه يشرق من الباطن على الظاهر # | وجوب الخشوع # قال الله تعالى @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ ظاهر الأمر الوجوب والغفلة ~~تضاد الذكر فمن غفل في صلاته كيف يكون مقيما لها لذكره تعالى وقال سبحانه ~~@QB@ ولا تكن من الغافلين @QE@ وقال تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون @QE@ جعل أول مراتب الفلاح الخشوع في الصلاة إعلاما بأن ~~من فقده فهو بمراحل عن الفوز والنجاح الذي هو معنى الفلاح وقال صلى الله ~~عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع وتضرع وتضع يديك تقول اللهم اللهم فمن ~~لم يفعل فهي خداج وروي من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم PageV01P066 ~~يزدد من الله إلا بعدا وحكي عن مسلم بن يسار أنه كان يصلي في مسجد البصرة ~~فسقط حائط المسجد ففزع أهل السوق لهدته فما التفت ولما هنيء بسلامته عجب ~~وقال ما شعرت بها وقال ابن عباس ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ~~ساه # | فضيلة المسجد وموضع الصلاة # قال الله عز وجل @QB@ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~@QE@ وقال صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له ~~بيتا في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين ~~قبل أن يجلس وقال صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ~~وقال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس ms019 همهم ~~إلا الدنيا وليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم PageV01P067 # | أعمال الصلاة الظاهرة # إذا فرغ المصلي من الوضوء والطهارة من الخبث في البدن والمكان والثياب ~~وستر العورة من السرة إلى الركبة فعليه أن ينتصب قائما متوجها إلى القبلة ~~وليقرب من جدار الحائط فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع تفرق الفكر وليحجر ~~على بصره أن يجاوز موضع سجوده وليدم هذا القيام كذلك إلى الركوع من غير ~~التفات ثم ينوي أداء الصلاة بقلبه ويرفع يديه إلى حذو منكبيه مقبلا بكفيه ~~إلى القبلة ويبسط الأصابع ولا يقبضها ولا يتكلف فيها تفريجا ولا ضما بل ~~يتركها على مقتضى طبعها ويكبر ثم يضع اليدين على صدره ويضع اليمنى على ~~اليسرى ولا ينفض يديه إذا فرغ من التكبير بل يرسلهما إرسالا خفيفا رفيقا ~~وينبغي أن يضم الهاء من قوله الله ضمة خفيفة من غير مبالغة ولا يدخل بين ~~الهاء والألف شبه الواو بين باء أكبر ورائه ألفا كأنه يقول أكبار ويجزم راء ~~التكبير ولا يضمها # | القراءة # ثم يبتدى بدعاء الاستفتاح عقب التكبير قائلا الله أكبر كبيرا والحمد لله ~~كثيرا وسبحان الله بكره وأصيلا أو وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين أو سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك ~~اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم يقول أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ثم يقرأ الفاتحة ويقول بعدها آمين ولا يصلها بقوله ولا الضالين ~~ويجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء إلا أن يكون مأموما ويجهر ~~بالتأمين ثم يقرأ السورة أو قدر ثلاث آيات من القرآن فما فوقها ولا يصل آخر ~~السورة بتكبيرة الهوي بل يفصل بينهما بقدر قوله سبحان الله ويقرأ في الصبح ~~من السور الطوال من المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الظهر والعصر والعشاء ~~من أوساطه وفي الصبح في السفر @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ و @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ وكذلك في ركعتي الفجر والطواف والتحية ms020 PageV01P068 # | الركوع ولواحقه # ثم يركع ويراعي فيه أمورا وهو أن يكبر للركوع وأن يرفع يديه مع تكبيرة ~~الركوع وأن يمد التكبير إلى تمام الركوع وأن يضع راحتيه على ركبتيه في ~~الركوع وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة على طول الساق وأن ينصب ركبتيه ولا ~~يثنيهما وأن يمد ظهره مستويا لا يكون رأسه أخفض ولا أرفع وأن يجافي مرفقيه ~~عن جنبيه وتضم المرأة مرفقيها إلى جنبيها وأن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا ~~والزيادة إلى السبعة وإلى العشرة حسن إن لم يكن إماما ثم يرتفع من الركوع ~~إلى القيام ويرفع يديه ويقول سمع الله لمن حمده ويطمئن في الإعتدال ويقول ~~ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء ~~بعد ويقنت في الصبح في الركعة الثانية بالكلمات المأثورة # | السجود # ثم يهوي إلى السجود مكبرا فيضع ركبتيه على الأرض ويضع جبهته وكفيه مكشوفة ~~ويكبر عند الهوي ولا يرفع يديه مع غير الركوع ويجافي مرفقيه عن جنبيه ولا ~~تفعل المرأة ذلك ويفرج بين رجليه ولا تفعل المرأة ذلك ويرفع بطنه عن فخذيه ~~ولا تفعل المرأة ذلك ويضع يديه على الأرض حذاء منكبيه ولا يفرج بين ~~أصابعهما بل يضمهما ولا يفترش ذراعيه على الأرض ويقول سبحان ربي الأعلى ~~ثلاثا فإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما ثم يرفع من السجود فيطمئن جالسا ~~معتدلا فيرفع رأسه مكبرا ويجلس على رجله اليسرى وينصب قدمه اليمنى ويضع ~~يديه على فخذيه والأصابع منشورة ولا يتكلف ضمها ولا تفريجها ويقول رب اغفر ~~لي وارحمني وارزقني واهدني واجبرني وعافني واعف عني ويأتي بالسجدة الثانية ~~كذلك ويصلي الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ في الابتداء # | التشهد # ثم يتشهد في الركعة الثانية التشهد الأول ثم يصلي على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض أصابعه اليمنى ~~إلا المسبحة ويشير بها PageV01P069 عند قوله إلا الله ويجلس في هذا التشهد ~~على رجله اليسرى كما بين السجدتين وفي التشهد الأخير يستكمل الدعاء المأثور ~~بعد الصلاة ms021 على النبي صلى الله عليه وسلم ويجلس فيه على وركه الأيسر لأنه ~~ليس مستوفزا للقيام بل هو مستقر ويضع رجله اليسرى خارجة من تحته وينصب ~~اليمنى ثم يقول السلام عليكم ورحمة الله ويلتفت يمينا بحيث بري خده الأيمن ~~وشمالا كذلك وينوي بالسلام من على يمينه من الملائكة والمسلمين في الأولى ~~وينوي مثل ذلك في الثانية ولا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع روحه # | المنهيات # نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الحاقن والحاقب والحازق وعن ~~صلاة الجائع والمتلثم فأما الحاقن فمن البول والحاقب من الغائط والحازق ~~صاحب الخف الضيق فإن كل ذلك يمنع الخشوع وفي معناه الجائع المهتم وفهم نهي ~~الجائع من قوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا ~~بالعشاء والنهي عن التلثم من حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يغطي الرجل فاه في الصلاة وقال الحسن كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى ~~العقوبة أسرع ويكره أيضا أن ينفخ في الأرض عند السجود وأن يسوي الحصا بيده ~~وأن يستند في قيامه إلى حائط وقال بعض السلف أربعة في الصلاة من الجفاء ~~الالتفات ومسح الوجه وتسوية الحصا وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك # | تمييز الفرائض والسنن # ما تقدم يشتمل على فرائض وسنن وهيئات فالسنن من الأفعال رفع اليدين في ~~تكبيرة الإحرام وعند الهوي إلى الركوع وعند الرفع منه والجلسة للتشهد الأول ~~PageV01P070 والتورك والافتراش هيئات تابعة للجلسة وترك الالتفات هيئة ~~للقيام وتحسين لصورته والسنن من الأذكار دعاء الاستفتاح والتعوذ وقول آمين ~~وقراءة السورة وتكبيرات الانتقالات والذكر في الركوع والسجود والاعتدال ~~والتشهد الأول والصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء في التشهد ~~الأخير والتسليمة الثانية هذه السنن وما عداها فهو واجب واعلم أن الصلاة ~~كالإنسان فروحها وحياتها أعني الخشوع وحضور القلب والإخلاص كروح الإنسان ~~وحياته وأركانها تجري منها مجرى قلبه ورأسه وكبده إذ يفوت وجود الصلاة ~~بفواتها كما ينعدم الإنسان بعدمها والسنن تجري منها مجرى اليدين والعينين ~~والرجلين منه ms022 فهي لا تفوت الحياة بفواتها ولكن يصير المرء بفقدها مشوه ~~الخلقة مذموما والهيئات تجري منها مجرى أسباب الحسن من الحاجبين واللحية ~~والأهداب وحسن اللون ونحوها فمن اقتصر على أقل ما يجزئ من الصلاة كان كمن ~~أهدى إلى ملك من الملوك عبدا مقطوع الأطراف فالصلاة قربة وتحفة تتقرب بها ~~إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها طالب القربة من السلاطين إليهم وهذه ~~التحفة تعرض على الله عز وجل ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر فإليك الخيرة في ~~تحسين صورتها وتقبيحها فإن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها # | بيان الشروط الباطنة من أعمال القلب # # | اشتراط الخشوع وحضور القلب # إعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ ~~وظاهر الأمر الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون ~~مقيما للصلاة لذكره وقوله تعالى @QB@ ولا تكن من الغافلين @QE@ نهي وظاهره ~~التحريم وقوله تعالى @QB@ حتى تعلموا ما تقولون @QE@ تعليل لنهي السكران ~~وهو PageV01P071 مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا ~~وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع حصر بالألف واللام ~~وكلمة إنما للتحقيق والتوكيد وقوله صلى الله عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء ~~والمنكر وقال صلى الله عليه وسلم كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب وما ~~أراد به إلاالغافل وقال صلى الله عليه وسلم ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ~~منها والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل كما ورد به الخبر والكلام مع ~~الغفلة ليس بمناجاة البتة ولو حلف الإنسان وقال لأشكرن فلانا وأثني عليه ~~وأسأله حاجة ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم لم ~~يبر في يمينه ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو ولا يعرف ~~حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه إذ لا يكون كلامه خطابا ونطقا معه ما ~~لم يكن هو حاضرا في قلبه فلو كانت تجري ms023 هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا ~~أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد ~~يوجبه الخطاب إليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ولا شك في أن المقصود من ~~القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله عز وجل ~~والقلب بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده بل هو غافل عن المخاطب ~~واللسان يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت ~~لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان به # وبالجملة فحضور القلب هو روح الصلاة ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة ~~تضادها PageV01P072 # | بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة # يجمع تلك المعاني على كثرتها ست جمل حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة ~~والرجاء والحياء فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها # أما التفاصيل فالأول حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ~~ملابس له ومتكلم به فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر ~~جائلا في غيرهما والتفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب وهو اشتمال ~~القلب على العلم بمعنى اللفظ وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء ~~الصلاة تمنعه عن الفحشاء والمنكر والتعظيم وراء الحضور والفهم زائد عليهما ~~والهيبة زائدة على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم والإجلال ~~والرجاء الطمع بمثوبته تعالى ويقابله الخوف من عقابه تعالى بتقصيره والحياء ~~استشعار تقصيره وتوهم ذنب # وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك ~~تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم ~~أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن ~~متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا علاج ~~لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين ~~أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك هو الإيمان والتصديق بأن ms024 الآخرة خير وأبقى ~~وأن الصلاة وسيلة إليها # وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك ~~المعنى وعلاجه ما تقدم مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر وعلاج ~~دفعها قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها # وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين # إحداهما معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان # الثانية معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من ~~المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم # وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ~~ونفوذ PageV01P073 مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وأنه لو أهلك الأولين ~~والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة وكلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة # وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ~~ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه ~~انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة # وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظم ~~حق الله عز وجل ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها ~~وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال ~~الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت وهذه ~~المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء # فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة ~~السبب معرفة العلاج ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين # | بيان الدواء النافع في حضور القلب # اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ~~ومستحيا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها بقدر ~~قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم الخاطر ~~وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة ولا ينهى عن الصلاة إلا الخواطر ~~الواردة الشاغلة فالدواء في إحضار القلب هو ms025 دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء ~~إلا بدفع سببه فلتعلم سببه # وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا باطنا # أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى ~~يتبعه وينصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سببا ~~للافتكار ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لا ~~بد وأن يتفرق به فكره وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو لا يترك بين ~~يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز ~~من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة ~~PageV01P074 # وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لم ~~ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب فهذا طريقه أن يرد ~~النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك ~~أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر ~~المقام بين يدي الله سبحانه وهول المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة ~~عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره # فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل ~~الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الصارفة عن ~~إحضار القلب ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات بشهواته ~~فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق كما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم وصلى بها ~~نزعها بعد صلاته وقال صلى الله عليه وسلم اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ~~ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بإنبجانية أبي جهم # | بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة # إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول ms026 النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك ~~وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم ينادون باللطف ~~يوم العرض الأكبر # وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد ثم في ثيابك وهو ~~غلافك الأقرب ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك ~~وهو قلبك فاجتهد له تطهرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على ~~الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك PageV01P075 # وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ~~ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا ~~يطلع عليها إلا ربك عز وجل فاحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها ~~وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه ساتر وإنما يكفرها الندم والحياء ~~والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكامنها ~~فتذل به نفسك ويستكن تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد ~~المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف # وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله ~~تعالى أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا ~~منك هيهات فلا مطلوب سواه وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح ~~وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت ~~وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه ~~الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى ~~جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا ~~بالتفرغ عما سواه # وأما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل ~~تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبرؤ عن الترؤس والتكبر مع ذكر ~~خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال ms027 واعلم في ~~الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه قيامك بين ~~يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله # وأما النية فعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها ~~رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه لك في ~~المناجاة مع كثرة عصيانك فعظم في نفسك قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف ~~تناجي وبماذا تناجي وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك ~~من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف # وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في ~~PageV01P076 قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه أو كان هواك أغلب عليك من أمر ~~الله عز وجل وأنت أطوع له منك لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيكون قولك ~~الله أكبر كلاما باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته وما أعظم الخطر ~~في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرمه سبحانه وعفوه # وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ~~وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله ~~سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه وإنما وجه القلب ~~هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات والأرض فانظر إليه أمتوجه إلى أمانيه ~~وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السموات وإياك أن تكون ~~أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بإنصرافه ~~عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك ~~في الحال صادقا وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو ~~الذي سلم المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في أن ~~تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال وإذا قلت وما أنا من ~~المشركين فأخطر ببالك الشرك الخفي كمن يقصد بعبادته وجه الله ms028 وحمد الناس ~~فكن حذرا متقيا من هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست ~~من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل ~~والكثير منه وإذا قلت محياي ومماتي لله فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه ~~موجود لسيده وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ~~ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال وإذا قلت أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك ~~على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ~~وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل ~~لا بمجرد قولك فإن من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو ليقتله فقال أعوذ منك ~~بهذا الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه ذلك لا ينفعه بل لا يفيده إلا بتبديل ~~المكان فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا ~~يغنيه مجرد القول ومن اتخذ إلهه هواه فهو في PageV01P077 ميدان الشيطان لا ~~في حصن الله تعالى واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة ~~وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم ~~معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها ~~فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام ~~الله سبحانه وافهم أن معناها أن الأمور كلها بالله سبحانه وإذا كانت الأمور ~~به تعالى فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله ومن ~~يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكره لا من حيث أنه مسخر من ~~الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى ~~فإذا قلت @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك ~~رحمته فينبعث به رجاؤك ثم استثر من ms029 قلبك التعظيم والخوف بقولك @QB@ مالك ~~يوم الدين @QE@ أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له وأما الخوف فلهول يوم ~~الجزاء والحساب الذي هو مالكه ثم جدد الإخلاص بقولك @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~وجدد العجز والاحتياج والتبرؤ من الحول والقوة بقولك @QB@ وإياك نستعين ~~@QE@ وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة إذ وفقك لطاعته ثم ~~عين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ ~~الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا ~~واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين ثم التمس الإجابة وقل ~~آمين ولو لم يكن لك من صلاتك حظ سوى ذكر الله في جلاله وعظمته فناهيك بذلك ~~غنيمة فكيف بما ترجوه من ثوابه وفضله وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من ~~السور فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر ~~منته وإحسانه ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق ~~الأمر والنهي والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق المنة والاعتبار حق أخبار ~~الأنبياء وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم ~~وصفاء القلب ودرجات ذلك لا تنحصر والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار ~~الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا ثم يراعي الهيبة ~~في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل # وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت ~~واحد PageV01P078 من الحضور قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل مقبل ~~على المصلي ما لم يلتفت وكما تحب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى ~~الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة فإذا التفت إلى ~~غيره فذكره باطلاع الله عليك وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ~~ليعود إليه والزم الخشوع للقلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة ~~الخشوع ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلا ~~مصليا ms030 يعبث بلحيته أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم ~~الراعي ولهذا ورد في الدعاء اللهم أصلح الراعي والرعية وهو القلب والجوارح # وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع ~~يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك ~~وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك ~~وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه ~~أعظم من كل شيء عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار ثم ترتفع من ركوعك ~~مؤكدا للرجاء في نفسك بقولك سمع الله لمن حمده أي أجاب لمن شكره ثم تردف ~~ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول ربنا لك الحمد وتكثر الحمد بقولك ملء ~~السموات وملء الأرض ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز ~~أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما ~~حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل وإذا وضعت ~~نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله وأنك من ~~التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل سبحان ربي ~~الأعلى وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الآثار فإذا رق وظهر ذلك ~~فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر ~~والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا PageV01P079 حاجتك وقائلا رب اغفر وارحم ثم ~~أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك # وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من ~~الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله وكذلك الملك لله وهو معنى ~~التحيات وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه وسلم وقل سلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه ثم ~~تسلم على نفسك وعلى عباد الله الصالحين ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك ~~سلاما ms031 وافيا بعدد عباده الصالحين ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالرسالة مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ~~ومستأنفا للتحصن بها ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع ~~والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة وأشرك في دعائك أبويك ~~وسائر المؤمنين واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم ~~الصلاة به واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة ثم أشعر ~~قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ~~ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقبلها بكرمه ~~وفضله # هذا تفصيل صلاة الخاشعين @QB@ الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ @QB@ ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ و @QB@ الذين هم على صلاتهم دائمون @QE@ ~~والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان نفسه ~~على هذه الصلوات فبالقدر الذي يسر له منها ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ~~ينبغي أن يتحسر وفي مداواة ذلك ينبغي أن يجتهد وأما صلاة الغافلين فهي ~~مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته نسأله تعالى أن يتغمدنا برحمته ومغفرته إذ ~~لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته # ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات قال الله عز وجل @QB@ قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ PageV01P080 ) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة ~~مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال @QB@ ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون @QE@ ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات @QB@ ~~أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون @QE@ فوصفهم بالفلاح ~~أولا وبوراثة الفردوس آخرا وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي ~~إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم @QB@ ما سلككم في سقر قالوا ~~لم نك من المصلين @QE@ فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله ~~تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم فنسأل الله أن يجعلنا منهم # | الإمامة # على الإمام وظائف قبل الصلاة وفي القراءة وفي أركان الصلاة وبعد السلام # | أما ms032 الوظائف التي هي قبل الصلاة فست # أولها أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه وأن لا يتقدم ووراءه من هو ~~أفقه منه إلا إذا امتنع من هو أولى منه فله التقدم ويكره عند ذلك المدافعة # ثانيها أن يراعي الإمام أوقات الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله ~~تعالى ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الأولى ولا ينبغي أن يؤخر ~~الصلاة لانتظار كثرة الجمع بل عليه المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت فهي ~~أفضل من كثرة الجماعة ومن تطويل السورة وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صلاة الفجر وكانوا في سفر وإنما تأخر للطهارة فلم ينتظر وقدم عبد ~~الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام ~~يقضيها فأشفقوا من PageV01P081 ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أحسنتم هكذا فافعلوا وذهب مرة يصلح بين قوم فتأخر عن صلاة الظهر فقدموا أبا ~~بكر رضي الله عنه حتى جاء صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقام إلى جانبه ~~وليس على الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار الإمام # ثالثها أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا أمانة الله تعالى في طهارته وجميع ~~شروط صلاته أما الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة قال الشيخ تقي الدين ابن ~~تيمية عليه الرحمة # ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرة بل رزق للإعانة على الطاعة وكذلك ~~المال الموقوف على أعمال البر والموصى به أو المنذور له ليس كالأجرة والجعل ~~انتهى قال الحارثي فالقائل بالمنع من أخذ الأجرة على نوع القرب لا يمنع من ~~أخذ المشروط في الوقف # وأما الأمانة فهي الطهارة باطنا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر ~~فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم ~~فينبغي أن يكون خير القوم وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا يطلع ~~عليه سواه فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن يستحي ~~بل يأخذ بيد ms033 من يقرب منه ويستخلفه # رابعها أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا وشمالا فإن رأى خللا ~~أمر بالتسوية قيل كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب ولا يكبر حتى ~~يفرغ المؤذن من الإقامة والمؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد الناس ~~للصلاة PageV01P082 # خامسها أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات ولا يرفع المأموم ~~صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه وليؤخر المأموم تكبيره عن تكبيرة الإمام ~~فيبتدىء بعد فراغه # | وأما وظائف القراءة فثلاث # أولها أن يسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ويجهر بالفاتحة والسورة ~~بعدها في جميع الصبح وأولتي العشاء والمغرب وكذلك المنفرد ويجهر بقوله آمين ~~في الصلاة الجهرية وكذا المأموم ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام معا لا ~~تعقيبا # الثانية أن يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات أولاهن إذا كبر لدعاء ~~الاستفتاح الثانية إذا فرغ من الفاتحة الثالثة إذا فرغ من السورة قبل أن ~~يركع وهي أخفها وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير فقد نهي عن التعجيل ~~فيه ولا يقرأ المأموم وراء الإمام إلا الفاتحة وإن لم يسمع المأموم في ~~الجهرية لبعده أو كان في السرية فلا بأس بقراءته السورة # الثالثة التخفيف أولى سيما إذا كثر الجمع لقوله صلى الله عليه وسلم إذا ~~صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلى ~~لنفسه فليطول ما شاء وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ اقرأ سورة سبح والسماء ~~والطارق والشمس وضحاها PageV01P083 # | وأما وظائف الأركان فثلاثة # أولها أن يخفف الركوع والسجود فلا يزيد في التسبيحات على ثلاث # الثانية في المأموم ينبغي أن لا يسابق الإمام في الركوع والسجود بل يتأخر ~~فلا يهوي للسجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى الأرض ولا يهوي للركوع حتى ~~يستوي الإمام راكعا # الثالثة لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرا من التطويل ولا ~~يخص نفسه بالدعاء بل يأتي بصيغة الجمع فيقول اللهم اغفر لنا # | وأما وظائف التحلل فثلاث # أولها أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة # الثانية أن يثبت عقب السلام سيما إذا كان خلفه ms034 نسوة فلا يقوم حتى ينصرفن # الثالثة إذا وثب فينبغي أن يقبل بوجهه على الناس # | فضل الجمعة وآدابها # اعلم أن هذا يوم عظيم عظم الله به الإسلام وخص به المسلمين قال الله ~~تعالى @QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~@QE@ فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة وقال صلى ~~الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة وقال صلى الله عليه ~~وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه والعذر مثل المطر ~~والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم ونحوها ويستحب الغسل ~~فيه ولا بأس من تقريبه من الرواح ليكون أقرب عهدا بالنظافة ويستحب فيه أخذ ~~الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وتطييب الرائحة ولبس أحسن الثياب ويستحب ~~البكور إلى الجامع وأن يكون في سعيه خاشعا متواضعا مبادرا إلى ندائه تعالى ~~إلى الجمعة وينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين أيديهم والبكور يسهل ~~عليه ذلك فقد ورد وعيد شديد في تخطي PageV01P084 الرقاب ومهما كان الصف ~~الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا حقهم وتركوا مواضع ~~الفضيلة قال الحسن البصري رضي الله عنه تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب ~~الجامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم وإذا دخل المسجد فليركع ركعتين وإن كان ~~الإمام يخطب ولا يمر بين يدي الناس بل يجلس إلى أقرب أسطوانه أو حائط حتى ~~لا يمرون بين يديه أعني بين يدي المصلي فإن ذلك منهي عنه ومن اجتاز به ~~فينبغي أن يدفعه فإن لم يجد أسطوانه فلينصب بين يديه شيئا طوله قدر ذراع ~~ليكون ذلك علامة لحده ويندب طلب الصف الأول فإن فضله كثير والقرب من الخطيب ~~ليستمع الخطبة وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد وعليه أن ~~يقطع الكلام عند خروج الخطيب بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة وقال ~~صلى الله عليه وسلم من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا ومن لغا ~~والإمام يخطب ms035 فلا جمعة له وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو ~~رمي حصاة لا بالنطق فإذا قضيت الصلاة فليرجع إلى شأنه ذاكرا الله عز وجل ~~مفكرا في آلائه شاكرا الله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره وكان صلى الله ~~عليه وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ويستحب أن يكثر الصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وفي ليلته وأن يتصدق فيه إلا على من ~~سأل والإمام يخطب قال ابن مسعود إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا ~~يعطى يعني هؤلاء السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل ~~قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد ~~من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا يكون مبتاعا في المسجد فإن البيع والشراء ~~في المسجد مكروه وقالوا لا بأس لو أعطى الفضة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في ~~المسجد وينبغي أن يزيد في الجمعة في أنواع خيراته فإن الله سبحانه إذا أحب ~~عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال PageV01P085 # | مسائل متفرقة يحتاج إلى معرفتها # # | مسألة # الفعل القليل وإن كان لا يبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة وذلك في دفع ~~المار وقتل العقرب وحاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع ومهما تثاءب فلا ~~بأس أن يضع يده على فيه وإن عطس حمد الله عز وجل في نفسه ولم يحرك لسانه ~~وإن تجشأ فينبغي أن لا يرفع رأسه إلى السماء # | مسألة # يسن أن يقف الواحد عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا والمرأة الواحدة تقف ~~خلف الإمام فإن كان معها رجل وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل # | مسألة # المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته فليوافق الإمام وليبن ~~عليه وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه وإن قنت مع الإمام وإن أدرك مع ~~الإمام بعض القيام فلا يشتغل بالدعاء وليبدأ بالفاتحة وليخففها فإن ركع ~~الإمام قبل تمامها وقدر على لحوقه في اعتداله عن ms036 الركوع فليتم فإن عجز وافق ~~الإمام وركع وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنه بالسبق وإن ركع الإمام ~~وهو في السورة فليقطعها وإن أدرك الإمام في السجود أو التشهد كبر للإحرام ~~ثم جلس ولم يكبر بخلاف ما إذا أدركه في الركوع فإنه يكبر ثانيا في الهوي ~~لأن ذلك انتقال محسوب له ولا يكون مدركا للركعة ما لم يطمئن راكعا في ~~الركوع والإمام بعد في حد الراكعين فإن لم يتم طمأنينته إلا بعد مجاوزة ~~الإمام حد الراكعين فاتته الركعة # | مسألة # من فاتته الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهر أولا ثم العصر فإن وجد جماعة ~~فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى # | مسألة # من صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحب قضاء الصلاة ولا يلزمه ولو رأى ~~PageV01P086 النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتم وأصل هذا قصة خلع ~~النعلين حيث أخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~عليهما نجاسة فخلعهما ولم يستأنف الصلاة # | مسألة # من ترك التشهد الأول أو شك فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا أخذ باليقين وسجد ~~سجدتي السهو قبل السلام فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب # | مسألة # الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع لأن امتثال أمر ~~الله عز وجل مثل امتثال أمر غيره وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد ومن دخل ~~عليه عالم فقام له فلو قال نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد الفاضل ~~لأجل فضله متصلا بدخوله مقبلا عليه بوجهي كان سفيها عقله بل كما يراه ويعلم ~~فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما إلا إذا قام لشغل آخر أو في ~~غفلة واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون ~~القيام مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل وانتفاء باعث آخر سواه ~~وقصد التعظيم به ليكون تعظيما فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك ~~بمدة لم يكن معظما ثم هذه الصفات لا بد وأن تكون معلومة وأن ms037 تكون مقصودة ثم ~~لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة ~~عليها إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا ~~الوجه فكأنه لم يفهم النية فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت ~~وقمت فالوسوسة محض الجهل # | مسألة # لا ينبغي أن يتقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود والرفع منهما ~~ولا في سائر الأعمال ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره فهذا معنى ~~الاقتداء فإن تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف وقد شدد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم النكير فيه وقال أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول ~~الله رأسه رأس حمار PageV01P087 # | مسألة # حق على من حضر الصلاة إذا رأى من غيره إساءة في صلاته أن يغيره وينكر ~~عليه وإن صدر من جاهل رفق بالجاهل وعلمه فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع ~~المنفرد بالوقوف خارج الصف والإنكار على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ~~ذلك من الأمور وعن عمر رضي الله عنه قال تفقدوا إخوانكم في الصلاة فإذا ~~فقدتموهم فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم والعتاب إنكار ~~على من ترك الجماعة ولا ينبغي أن يتساهل فيه وقد كان الأولون يبالغون فيه # | بيان نوافل العبادات # اعلم أن ما عدا الفرائض من الصلوات يسمى نافلة وتطوعا فمنه ما يتعلق ~~بأسباب كالكسوف والاستسقاء ومنه ما يتعلق بأوقات كرواتب الصلاة ونحوها فمن ~~الثاني راتبة الصبح وهي ركعتان يدخل وقتها بطلوع الفجر فإن دخل المسجد وقد ~~قامت الصلاة فليشتغل بالمكتوبة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ثم إذا فرغ من المكتوبة قام إليهما ~~وصلاهما وراتبة الظهر أربع قبلها وأربع بعدها وله الاقتصار على ركعتين قبل ~~وبعد وراتبة العصر وهي أربع ركعات قبلها ولم تكن مواظبته صلى الله عليه ~~وسلم عليها كمواظبته على نافلة الظهر وراتبة المغرب وهما ركعتان بعد ~~الفريضة وأما ركعتان قبلها بين أذان المؤذن ms038 وإقامته على سبيل المبادرة فكان ~~يفعله كثير من الصحب وصح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها على سبيل ~~التخيير وراتبة العشاء بعدها ركعتان أو أربع وأما الوتر فوقته بعد العشاء ~~وأكثره إحدى عشرة ركعة وله أن يوتر بتسع وسبع وخمس وثلاث موصولة بتسليمة ~~واحدة أو مفصولة بتسليمتين وجعله بعد التهجد في آخر الليل أفضل وأما صلاة ~~الضحى فأكثر ما نقل في عدد ركعاتها ثمان وأقله ركعتان ووقتها بعد إشراق ~~الشمس وارتفاعها وأما صلاة العيدين فهي سنة مؤكدة وشعار PageV01P088 من ~~شعائر الدين ويستحب يوم العيد الاغتسال والتزين والتطيب وأما صلاة التراويح ~~فهي عشرون ركعة وكيفيتها معروفة وأما صلاة الخسوف فركعتان ينادي لهما ~~ويصليهما الإمام بالناس جماعة في المسجد وفي كل منهما ركوعان وسجودان ثم ~~يخطب بعدهما ويأمر الناس بالصدقة والتوبة ووقتها عند ابتداء الخسوف إلى ~~تمام الانجلاء وأما صلاة الاستسقاء فإذا غارت الأنهار وانقطعت الأمطار ~~فيستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من الصدقة ~~والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي ثم يخرج بهم اليوم الرابع وبالعجائز ~~والصبيان في ثياب بذلة واستكانة متواضعين ولو خرج أهل الذمة أيضا متميزين ~~لم يمنعوا فإذا اجتمعوا في المصلى الواسع من الصحراء نودي الصلاة جامعة ~~فصلى بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العيد بغير تكبير ثم يخطب خطبتين ويكثر من ~~الاستغفار والدعاء وأما صلاة الجنائز فكيفيتها معروفة وهي من فرائض ~~الكفايات وإنما تصير نفلا في حق من لم تتعين عليه بحضور غيره وأما تحية ~~المسجد فركعتان وهي سنة مؤكدة وإن اشتغل بفرض أو قضاء تأدى به التحية وحصل ~~الفضل إذ المقصود أن لا يخلو ابتداء دخوله عن العبادة الخاصة بالمسجد وأما ~~ركعتا الوضوء بعده فمستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها الصلاة وأما صلاة ~~الاستخارة فمن هم بأمر فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ركعتين ~~يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ وفي الثانية ~~الفاتحة و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ فإذا فرغ دعا وقال اللهم إني استخيرك ~~بعلمك ms039 وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ~~ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فقدره لي وبارك لي فيه ثم يسره لي وإن كنت ~~تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفني ~~عنه واصرفه عني واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ويسمي حاجته # | الأوقات التي تكره فيها الصلاة # هي خمسة بعد العصر وبعد الصبح ووقت الزوال ووقت الطلوع والغروب تكره فيها ~~صلاة لا سبب لها أما ما له سبب كقضاء راتبة وكسوف وجنازة فلا تكره فيها وسر ~~النهي التوقي من مضاهاة عبدة الشمس وبعث الداعية والنشاط ففي تعطيل هذه ~~الأوقات زيادة تحريض وبعث على انتظار قضاء الوقت PageV01P089 # | ما يقضى من النوافل # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فقيل له أما ~~نهيتنا عن هذا فقال هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد ~~وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غلبه نوم ~~أو مرض فلم يقم تلك الليلة صلى من أول النهار اثنتي عشرة ركعة فمن كان له ~~ورد فعاقه عن ذلك عذر فينبغي أن لا يرخص لنفسه في تركه بل يتداركه في وقت ~~آخر حتى لا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية فتداركه حسن على سبيل مجاهدة ~~النفس فيقصد به أن لا يفتر في دوام عمله PageV01P090 # | كتاب أسرار الزكاة # جعل الله تعالى الزكاة أحد مباني الإسلام وأردف بذكرها الصلاة التي هي ~~أعلى الأعلام فقال تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا وشدد الوعيد على المقصرين فيها فقال @QB@ والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم @QE@ ومعنى الإنفاق في ~~سبيل ms040 الله إخراج الزكاة قال الأحنف بن قيس كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر ~~فقال بشر PageV01P091 الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي في ~~أقفائهم يخرج من جباههم ولهذا التشديد صار من مهمات الدين الكشف عن أسرار ~~الزكاة ومعانيها الظاهرة والباطنة وفي ذلك فصول # | أداء الزكاة وشروطها # اعلم أنه يجب على مؤدي الزكاة مراعاة أمور # الأول البدار عقيب الحول وفي زكاة الفطر لا يؤخرها عن يوم الفطر ويدخل ~~وقت وجوبها بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان ووقت تعجيلها شهر رمضان كله ~~ومن آخر زكاة ماله مع التمكن عصى ولم يسقط عنه بتلف ماله وتمكنه بمصادفة ~~المستحق وتعجيل الزكاة جائز # الثاني أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر فإن أعين المساكين في كل بلدة تمتد ~~إلى أموالها وفي النقل تخييب للظنون فإن فعل ذلك أجزأه في قول ولكن الخروج ~~عن شبهة الخلاف أولى فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة ثم لا بأس أن يصرف ~~إلى الغرباء في تلك البلدة # الثالث أن يقسم ماله بعدد الموجودين من الأصناف الثمانية في بلده ويوجد ~~في جميع البلاد أربعة أصناف الفقراء والمساكين والغارمون والمسافرون أعني ~~أبناء السبيل وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف PageV01P092 # | سر كون الزكاة من مباني الإسلام # في ذلك ثلاثة معان # المعنى الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد ~~المعبود وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن ~~المحبة لا تقبل الشركة والتوحيد باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن به درجة ~~الحب بمفارقة المحبوب و الأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم ~~بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء ~~المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو ~~مرموقهم ومعشوقهم ولذلك قال الله تعالى @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا ~~إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة بالمال أهون ولما فهم هذا المعنى في بذل ~~الأموال انقسم ms041 الناس إلى ثلاثة أقسام قسم صدقوا التوحيد ونزلوا عن جميع ~~أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما كما جاء أبو بكر رضي الله عنه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع أمواله وقسم دون هؤلاء وهم الممسكون ~~أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار ~~الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر ~~مهما ظهر وجوهها وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة وقد ذهب جماعة من ~~التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد ~~قال الشعبي بعد أن قيل له هل في المال حق سوى الزكاة قال نعم أما سمعت ~~PageV01P093 قوله عز وجل @QB@ وآتى المال على حبه ذوي القربى @QE@ الآية ~~واستدلوا بقوله عز وجل @QB@ ومما رزقناهم ينفقون @QE@ وبقوله تعالى @QB@ ~~وأنفقوا من ما رزقناكم @QE@ فهو داخل في حق المسلم على المسلم ومعناه أنه ~~يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته عدا مال الزكاة والقسم ~~الثالث الذين يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه وهي ~~أقل الرتب وقد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم ~~للآخرة # المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات قال تعالى @QB@ ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل ~~المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا ~~والزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك وإنما طهارته ~~بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى # المعنى الثالث شكر النعمة فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وماله ~~فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ~~ينظر PageV01P094 إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح ~~نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع ~~العشر أو العشر من ماله # | وظائف المزكي # الأولى التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة ms042 في الامتثال بإيصال السرور ~~إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق الزمان أن يعوق عن الخيرات وعلما بأن في ~~التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب ومهما ~~ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم فإن ذلك لمة الملك وما أسرع ~~تقلب المؤمن والشيطان يعدكم الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر وله لمة عقيب لمة ~~الملك فليغتنم الفرصة فيه # الوظيفة الثانية الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال تعالى @QB@ ~~وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ وقد بالغ في فضل الإخفاء ~~جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي فكان بعضهم يوصل إلى يد الفقير ~~على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا ~~يفشيه كل ذلك توصلا إلى رضاء الرب واحترازا من الرياء والسمعة ومهما كا ~~الشهرة مقصودة له حبط عمله # الثالثة أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس ~~سره من داعية الرياء فقد قال تعالى @QB@ إن تبدوا الصدقات فنعما هي @QE@ ~~وذلك حيث يقتضي الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ~~ملأ من الناس PageV01P095 فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في ~~الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في ~~الإظهار محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير فإنه ربما يتأذى ~~بأن يرى في صورة المحتاج فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر ~~هذا المعنى في إظهاره وقد قال الله تعالى @QB@ وأنفقوا من ما رزقناهم سرا ~~وعلانية @QE@ ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب فليكن العبد ~~دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيها ومن عرف الفوائد ~~والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة اتضح له الأولى والأليق بكل حال # الرابعة أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى @QB@ لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى @QE@ والمن أن يذكرها ويتحدث بها أو يستخدمه بالعطاء ~~أو يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى ms043 أن يظهرها أو يعيره بالفقر أو ينتهره أو ~~يوبخه بالمسألة وأصل المن أن يرى نفسه محسنا إلى الفقير ومنعما عليه وحقه ~~أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته ~~من النار وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به فحقه أن يتقلد منة الفقير ومهما ~~عرف المعاني الثلاثة التي ذكرها في الفصل قبل لم ير نفسه محسنا إلا إلى ~~نفسه إما ببذل ماله إظهار لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل ~~أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد # وأما الأذى فمنبعه رؤيته أنه خير من الفقير وهذا جهل لأنه لو عرف فضل ~~الفقر على الغنى وخطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تمنى درجته كيف وقد ~~جعله الله تعالى متجرة له حتى يخلصه من عهدته بقبوله منه # الخامسة أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من ~~PageV01P096 المهلكات وهو محبط للأعمال قيل لا يتم المعروف إلا بثلاث ~~تصغيره وتعجيله وستره # السادسة أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه فإن الله تعالى ~~طيب ولا يتقبل إلا طيبا وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب ~~إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو أهله فيكون قد آثر على الله عز وجل ~~غيره ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره وقد ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~@QE@ أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض # السابعة أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم ~~الأصناف الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوصها وهي ستة # الأولى أن يطلب الأتقياء لأنهم يستعينون بالمال على التقوى فيكون شريكا ~~لهم في طاعتهم بإعانته إياهم # الثانية أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم والعلم ms044 ~~أشرف العبادات مهما صحت فيه النية وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم ~~فقيل له لو عممت فقال إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء ~~فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم ~~للعلم أفضل PageV01P097 # الثالثة أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد وتوحيده أنه إذا أخذ ~~العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه وأن الواسطة مسخر بتسخير ~~الله إذ سلط عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى ومن لم يصف باطنه عن ~~رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط فكأنه لم ينفك عن الشرك الخفي فليتق ~~الله سبحانه في تصفية توحيده عن كدورات الشرك وشوائبه # الرابعة أن يكون مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى أو يكون من أهل ~~المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التحمل قال الله ~~تعالى @QB@ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا @QE@ أي لا يلحون في السؤال لأنهم أغنياء بيقينهم أعزة بصبرهم وهذا ~~ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة وبالكشف عن بواطن أحوال أهل ~~الخير والتجمل فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين ~~بالسؤال # الخامسة أن يكون معيلا أو محبوسا بمرض أو بسبب من الأسباب فيوجد فيه معنى ~~قوله عز وجل @QB@ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله @QE@ أي حبسوا في طريق ~~الآخرة بعيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب @QB@ لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~@QE@ لأنهم مقصوصو الجناح مقيدو الأطراف فبهذه الأسباب كان عمر رضي الله ~~عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها وكان صلى الله عليه ~~وسلم يعطي العطاء على مقدار العيلة وسئل عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء ~~فقال كثرة العيال وقلة المال PageV01P098 # السادسة أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة رحم وفي صلة ~~الرحم من الثواب ما لا يحصى قال علي رضي الله عنه لأن أصل أخا من إخواني ~~بدرهم أحب إلي من ms045 أن أتصدق بعشرين درهما والأصدقاء وإخوان الخير أيضا ~~يقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب فليراع هذه الدقائق فهذه ~~هي الصفات المطلوبة وفي كل صفة درجات فينبغي أن يطلب أعلاها فإن وجد من جمع ~~جملة من هذه الصفات فهي الذخيرة الكبرى والغنيمة العظمى # | مصارف الزكاة وأصناف قابضيها # اعلم أنه لا يستحق الزكاة إلا مسلم اتصف بصفة من صفات الأصناف الثمانية ~~المذكورين في كتاب الله تعالى # الصنف الأول الفقراء والفقير هو الذي ليس له مال ولا قدرة على الكسب فمن ~~قدر على كسب فإن ذلك يخرجه عن الفقر وإن كان متفقها ويمنعه الاشتغال بالكسب ~~عن التفقه فهو فقير ولا تعتبر قدرته وإن كان متعبدا يمنعه الكسب من وظائف ~~العبادات وأوراد الأوقات فليكتسب لأن الكسب أولى من ذلك # الصنف الثاني المساكين والمسكين هو الذي لا يفي دخله بخرجه فقد يملك ألف ~~درهم وهو مسكين وقد لا يملك إلا فأسا وحبلا وهو غني والدويرة التي يسكنها ~~والثوب الذي يستره على قدر حاله لا يسلبه اسم المسكين وكذا أثاث البيت أعني ~~ما يحتاج إليه وذلك ما يليق به وكذا كتب الفقه لا تخرجه عن المسكنة فإنه ~~محتاج إليها # الصنف الثالث العاملون وهم السعاة الذين يجمعون الزكوات ويدخل فيه الكاتب ~~والمستوفي والحافظ والنقال PageV01P099 # الصنف الرابع المؤلفة قلوبهم على الإسلام وهو الشريف الذي أسلم وهو مطاع ~~في قومه وفي إعطائه تقريره على الإسلام وترغيب نظائره وأتباعه # الصنف الخامس الأرقاء يدفع إلى السيد ما يفك به رقبة العبد ويدفع للعبد ~~أيضا ما يفك به رقبته # الصنف السادس الغارمون والغارم هو الذي استقرض في طاعة أو مباح وهو فقير ~~فإن استقرض في معصية فلا يعطى إلا إذا تاب وإن كان غنيا لم يقض دينه إلا ~~إذا كان قد استقرض لمصلحة وإطفاء فتنة # الصنف السابع الغزاة الذين لهم مرسوم في ديوان المرتزقة فيصرف إليهم سهم ~~وإن كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو # الصنف الثامن ابن السبيل وهو الذي شخص من بلده ليسافر في غير معصية أو ~~اجتاز فيه ms046 فيعطى إن كان فقيرا وإن كان له مال ببلد آخر أعطي بقدر بلغته # | وظائف القابض وهي أربع # الأولى أن يفهم أن الله عز وجل أوجب صرفه إليه ليكفى همه ويكون عونا له ~~على الطاعة فإن استعان به على المعصية كان كافرا لأنعم الله عز وجل مستحقا ~~للبعد PageV01P100 والمقت من الله سبحانه # الثانية أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه ويكون شكره دعاؤه بحيث لا ~~يخرج عن كونه واسطة ولكنه طريق وصول نعمة الله سبحانه إليه وللطريق حق من ~~حيث جعله الله طريقا وواسطة وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله سبحانه فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله وقد أثنى الله عز ~~وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها نحو قوله تعالى @QB@ نعم ~~العبد إنه أواب @QE@ إلى غير ذلك وقال صلى الله عليه وسلم من أسدى إليكم ~~معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ومن ~~تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ولا يحقره ولا يذمه ولا ~~يعيره بالمنع إذا منع ويفخم عنده نفسه وعند الناس صنيعه فوظيفة المعطي ~~الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام وعلى كل عبد القيام بحقه ~~وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل فإن من لا يرى الواسطة واسطة ~~فقد جهل وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا # الثالثة أن ينظر فيما يأخذه فإن لم يكن من حله تورع عنه فلا يأخذ ممن ~~أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه وكان ما يسلم له لا يعرف له ~~مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق ~~به وذلك إذا عجز عن الحلال # الرابعة أن يتوقى مواقع الريبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه فلا يأخذ إلا ~~المقدار المباح ولا يأخذ إلا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق ثم إذا ~~تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا بل ما يتمم كفايته من وقت ms047 أخذه إلى سنة ~~فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخر لعياله ~~قوت سنة ومن العلماء من ذهب إلى أن للفقير أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة ~~فيستغني به طول عمره أو يهيئ بضاعة PageV01P101 ليتجر بها ويستغني لأن هذا ~~هو الغنى وقد قال عمر رضي الله عنه إذا أعطيتم فأغنوا حتى ذهب قوم إلى أن ~~من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم ~~ولما تبرع أبو طلحة رضي الله عنه ببستانه قال له صلى الله عليه وسلم اجعله ~~في قرابتك فهو خير لك فأعطاه حسان وأبا قتادة فحائط من تخل لرجلين كثير مغن # | صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها # # | فضيلة الصدقة # من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم تصدقوا ولو بتمرة وفي رواية اتقوا ~~النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وقال صلى الله عليه وسلم كل ~~امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس وقال صلى الله عليه وسلم صدقة السر ~~تطفيء غضب PageV01P102 الرب عز وجل وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل ~~قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا بلغت ~~الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان وقال صلى الله عليه وسلم ~~ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين ~~المتعفف إقرؤوا إن شئتم @QB@ لا يسألون الناس إلحافا @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وسلم ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل ما دامت عليه ~~منه رقعة # ومن الآثار قول عروة لقد تصدقت عائشة رضي الله عنها بخمسين ألفا وإن ~~درعها لمرقع وكان عمر رضي الله عنه يقول اللهم اجعل الفضل عند خيارنا لعلهم ~~يعودون به على أولي الحاجة منا وقال ابن أبي الجعد إن الصدقة لتدفع سبعمائة ~~باب من السوء وفضل سرها على علانيتها بسبعين ضعفا PageV01P103 # | وجوب فضل إخفاء الصدقة # قال الله تعالى @QB@ إن ms048 تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم @QE@ وفي الإخفاء خمسة معان # الأول أنه أبقى للستر على الآخذ فإن أخذه ظاهرا هتك ستر المروءة وكشف عن ~~الحاجة وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء ~~من التعفف # الثاني أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه ~~أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب ~~الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى قال أيوب السختياني إني لأترك لبس ~~الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد وقال آخر خشية أن يقول إخواني من ~~أين له هذا # الثالث إعانة المعطي على إسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء ~~أكثر والإعانة على إتمام المعروف معروف دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا ~~فرده ودفع إليه شيئا آخر في السر فقبل فقيل له في ذلك فقال إن هذا عمل ~~بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه ورد ~~بعضهم ما دفع إليه علانية وقال له إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان لله ~~تعالى ولم تقنع بالله عز وجل فرددت عليك شركك # الرابع أن في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا وليس للمؤمن أن يذل نفسه # الخامس الاحتراز عن شبهة الشركة لحديث من أهدي له هدية وعنده قوم فهم ~~شركاؤه فيها والأعمال بالنيات فينبغي للمخلص أن يكون مراقبا لنفسه حتى لا ~~يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بمكر الشيطان # نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق PageV01P104 # | كتاب أسرار الصوم # أعظم الله على عباده المنة بما دفع عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه إذ جعل ~~الصوم حصنا لأوليائه وجنة وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم الصوم نصف الصبر ~~قال تعالى @QB@ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ فقد جاز ثواب ~~الصوم قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه وسلم ~~والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول الله عز ~~وجل إنما يذر شهوته ms049 وطعامه لأجلي فالصوم لي وأنا الذي أجزي به وهو موعود ~~بلقاء الله تعالى في جزاء صومه قال صلى الله عليه وسلم للصائم فرحتان فرحة ~~عند إفطاره وفرحة عند PageV01P105 لقاء ربه وقيل في قوله تعالى @QB@ فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون @QE@ كان عملهم ~~الصيام لأنه قال @QB@ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ فيفرغ ~~للصائم جزاؤه إفراغا ويجازف جزافا فلا يدخل تحت وهم و تقدير وجدير بأن يكون ~~كذلك لأن الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت العبادات كلها له ~~لمعنيين # أحدهما أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد وجميع الطاعات ~~بمشهد من الخلق ومرأى والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في الباطن ~~بالصبر المجرد # والثاني أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان الشهوات وإنما تقوى ~~بالأكل والشرب وفي قمع عدو الله نصرة الله سبحانه وناصر الله تعالى موقوف ~~على النصرة له قال تعالى @QB@ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم @QE@ ~~فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا ~~الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه ~~الباطنة # | الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده # أما الواجبات الظاهرة فستة $ # الأول مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين ~~يوما من شعبان ونعني بالرؤية العلم ويحصل بذلك قول عدل واحد ولا يثبت هلال ~~شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه ~~صدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به PageV01P106 # الثاني النية ولا بد لكل ليلة من نية معينة جازمة ينوي فريضة صوم رمضان ~~لله تعالى # الثالث الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه ~~بالأكل والشرب والسعوط والحقنة ولا يفسد بالفصد والحجامة والاكتحال وإدخال ~~الميل في الأذن والإحليل وما يصل بغير قصد من غبار الطريق أو ذبابة تسبق ~~إلى جوفه أو ما يسبق إلى ms050 جوفه في المضمضة فلا يفطر إلا إذا بالغ في المضمضة ~~فيفطر لأنه مقصر وهو الذي أردنا بقولنا عمدا فأما ذكر الصوم فأردنا به ~~الاحتراز عن الناسي فإنه لا يفطر # الرابع الإمساك عن الجماع فإن جامع ناسيا لم يفطر وإن جامع ليلا أو احتلم ~~فأصبح جنبا لم يفطر # الخامس الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع ~~فإن ذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل لكن يكره ذلك ~~إلا أن يكون شيخا أو مالكا لأربه فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى # السادس الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم ~~يفسد صومه وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم ~~البلوى به إلا أن يبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك PageV01P107 # | وأما لوازم الإفطار فأربعة # # | القضاء والكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبها بالصائمين # أما القضاء فوجوبه عام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر ~~فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد أما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء عليهم ~~ولا يشترط التتابع في قضاء رمضان ولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا # وأما الكفارة فلا تجب إلا بالجماع وما عداه لا تجب به كفارة والكفارة عتق ~~رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا # وأما إمساك بقية النهار فيجب على من عصى بالفطر أو قصر فيه ويجب الإمساك ~~إذا شهد بالهلال عدل واحد يوم الشك والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا ~~لم يطق # وأما الفدية فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما لكل ~~يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل يوم ~~مدا # | سنن الصيام # تأخير السحور تعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة الجود في شهر رمضان ~~مدارسة القرآن الاعتكاف في العشر الأخير ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة ~~الإنسان ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاح وبالأكل والنوم وغسل اليد ms051 في ~~الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه # | أنواع الصوم ودرجاته # اعلم أن الصوم ثلاث درجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص أما ~~صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق وأما صوم الخصوص ~~فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام وأما ~~صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما ~~سوى الله عز وجل بالكلية PageV01P108 # | أسرار الصوم وشروطه الباطنة # # | هي ستة أمور # الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما ~~يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله تعالى # الثاني حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء ~~والخصومة والمراء # الثالث كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء ~~إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين السمع وأكل السحت فقال تعالى @QB@ سماعون ~~للكذب أكالون للسحت @QE@ # الرابع كف بقية الجوارح من اليد والرجل عن الآثام وعن المكاره وكف البطن ~~عن الشبهات وقت الإفطار فلا معنى للصوم عن الطعام الحلال ثم الإفطار على ~~الحرام فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش فقيل هو الذي يفطر ~~على الحرام وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس ~~بالغيبة وهو حرام وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام # الخامس أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ فما من ~~وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال وكيف يستفاد من الصوم قهر ~~عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما ~~يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات أن يدخر جميع الأطعمة لرمضان ~~فيؤكل من الطعام فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء ~~وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى وإذا دفعت المعدة من ms052 ضحوة نهار ~~PageV01P109 إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات ~~وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو ~~تركت على عادتها فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في ~~العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل ومن جعل بين قلبه وبين صدره ~~مخلاة من الطعام فهو عن الملكوت محجوب # السادس أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري ~~أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في ~~آخر كل عبادة يفرغ منها # | التطوع بالصيام # اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد ~~في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع أما السنة فبعد أيام ~~رمضان يوم عرفة ويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي الحجة وكان صلى الله عليه ~~وسلم يكثر صوم شعبان وفي الخبر أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ~~لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته وفي الخبر إذا ~~كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما ~~فإن وصل شعبان برمضان فجائز ولا يجوز أن يقصد استقبال رمضان بيومين أو ~~ثلاثة إلا أن يوافق وردا له وكره بعض الصحابة أن يصام رجب كله حتى لا يضاهى ~~بشهر رمضان # وأما ما يتكرر في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره ووسطه الأيام البيض وهي ~~الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر PageV01P110 # وأما في الأسبوع فالاثنين والخميس والجمعة فيستحب فيها الصيام وتكثير ~~الخيرات لتضاعف أجورها ببركه هذه الأوقات # وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن سره ~~تصفيه القلب وتفريغ الهم لله عز وجل PageV01P111 # | كتاب أسرار الحج # جعل الله البيت العتيق مثابة للناس وأمنا وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا ~~وتحصينا ومنا وجعل زيارته والطواف به حجابا بين العبد وبين العذاب ومجنا ~~والحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وتمام ms053 الإسلام وكمال الدين ~~وأجدر بها أن تصرف العناية إلى شرحها وتفصيل أركانها وسننها وآدابها ~~وفضائلها وأسرارها # | فضائل الحج وفضيلة البيت ومكة والمدينة وشد الرحال إلى المساجد # قال الله عز وجل @QB@ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ~~يأتين من كل فج عميق @QE@ قال قتادة لما أمر الله عز وجل إبراهيم عليه ~~السلام أن يؤذن في الناس بالحج نادى يا أيها الناس إن الله عز وجل بنى بيتا ~~فحجوه وقال صلى الله عليه وسلم من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه ~~كيوم ولدته أمه PageV01P112 ويروى أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة وكل من ~~حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة وعن الحسن البصري رضي الله ~~عنه أن صدقة درهم فيها بمئة ألف وكذلك كل حسنة بمئة ألف ويقال إن السيئات ~~تضاعف بها كما تضاعف الحسنات ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~مكة استقبل الكعبة وقال إنك لخير أرض الله عز وجل وأحب بلاد الله تعالى إلي ~~ولولا أني أخرجت منك لما خرجت # وما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأعمال ~~فيها أيضا مضاعفة قال صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف ~~صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وبعد مدينته الأرض المقدسة فإن الصلاة ~~فيها بخمسمائة صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وما بعد هذه البقاع الثلاث ~~فالمواضع فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام بها للمرابطة فيها فيه فضل ~~عظيم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ~~المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة ~~متماثلة ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر # | شروط وجوب الحج وصحة أركانه وواجباته ومحظوراته # أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان الوقت والإسلام فيصح حج الصبي ويحرم ~~بنفسه إن كان مميزا ويحرم عنه وليه إن كان صغيرا ويفعل به ما يفعل في الحج ~~من الطواف والسعي ms054 وغيره وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة ~~إلى طلوع الفجر من يوم النحر فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي ~~PageV01P113 عمرة وجميع السنة وقت العمرة وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام ~~فالبلوغ والعقل والوقت # وأما شرط لزومه فالاستطاعة وهي نوعان # أحدهما المباشرة وذلك له أسباب # أما في نفسه فبالصحة وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ~~ولا عدو قاهر وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه وأن يملك ~~نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة وأن يملك ما يقضي به ديونه وأن يقدر على ~~راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة # وأما النوع الثاني فاستطاعة المعضوب بماله وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد ~~فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه ومن استطاع لزمة الحج وله التأخير ولكنه ~~فيه على خطر فإن تيسر له ولو في آخر عمره سقط عنه وإن مات قبل الحج لقي ~~الله عز وجل عاصيا بترك الحج وكان الحج في تركته يحج عنه وإن لم يوص كسائر ~~ديونه ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى قال عمر رضي ~~الله عنه لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن ~~يستطيع إليه سبيلا وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس لو علمت ~~رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه وبعضهم كان له جار ~~موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه # وأما الأركان التي لا يصح الحج دونها فخمسة الإحرام والطواف والسعي بعده ~~والوقوف بعرفة والحلق على قول وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف PageV01P114 # | وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة # الأول الإفراد وذلك أن يقدم الحج وحده فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم ~~واعتمر # الثاني القران وهو أن يجمع فيقول لبيك بحجة وعمرة فيصير محرما بهما ~~ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج وعلى القارن دم شاة إلا المكي # الثالث التمتع ms055 وهو أن يجاوز الميقات محرما بعمرة ويتحلل بمكة ويتمتع ~~يمحظورات الإحرام إلى وقت الحج ثم يحرم بالحج ويلزمه دم شاة فإن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو متتابعة وسبعة إذا رجع ~~إلى الوطن # وأما محظورات الحج والعمرة فستة # الأول اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة بل ينبغي أن يلبس إزار ~~ورداء و نعلين ولا بأس بالمنطقة و الاستظلال في المحمل و لكن لا ينبغي أن ~~يغطي رأسه وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن ~~إحرامها في وجهها # الثاني الطيب فليتجنب كل ما يعده العقلاء طيبا فإن تطيب أو لبس فعليه دم ~~شاة # الثالث الحلق والقلم وفيهما الفدية أعني دم شاة ولا بأس بالكحل ودخول ~~الحمام والفصد والحجامة وترجيل الشعر # الرابع الجماع وهو مفسد قبل التحلل الأول وفيه بدنه أو بقرة أو سبع شياه ~~وإن كان بعد التحلل الأول لزمه البدنة ولم يفسد حجه # الخامس مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة فهو محرم وفيه شاة ويحرم النكاح ~~والإنكاح ولا دم فيه لأنه لم ينعقد # السادس قتل صيد البر أعني ما يؤكل فإن قتل صيدا فعليه مثله من النعم ~~يراعي فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ولا جزاء فيه PageV01P115 # | ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع # # | وهي عشر جمل # $ # الجملة الأولى في السير $ من أول الخروج إلى الإحرام وفيها مسائل # الأولى في المال ينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد ~~النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب ~~من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه ~~يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالضعفاء والفقراء ويتصدق بشيء قبل خروجه ~~فإن اكترى فليظهر للمكاري كل ما يريد أن يحمله من قليل أو كثير ليحصل رضاه ~~فيه # الثانية في الرفيق ينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير معينا عليه إن ~~نسى ذكره وإن ذكر أعانه وإن جبن شجعه وإن عجز ms056 قواه وإن ضاق صدره صبره ويودع ~~رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه فيودعهم ويلتمس أدعيتهم والسنة في الوداع ~~أن يقول أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وكان صلى الله عليه وسلم ~~يقول لمن أراد السفر في حفظ الله وكنفه زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك ~~الخير أينما كنت # الثالثة في الخروج من الدار ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين فإذا ~~فرغ رفع يديه ودعا الله عن إخلاص وقال اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة ~~في الأهل والمال والولد والأصحاب احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة اللهم إنا ~~نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضي اللهم إنا نعوذ بك من ~~وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد # الرابعة إذا حصل على باب الدار قال بسم الله توكلت على الله لا حول ولا ~~قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أذل أو أذل أو أزل أو أزل أو ~~PageV01P116 أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي اللهم إني لم أخرج أشرا ولا ~~بطرا ولا رياء ولا سمعة بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك وقضاء فرضك ~~واتباع سنة نبيك # الخامسة في الركوب فإذا ركب قال @QB@ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون @QE@ # | الجملة الثانية في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة # الأدب الأول أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام أعني إذا انتهى إلى الميقات ~~الذي يحرم الناس منه ويتمم غسله بالتنظيف ويسرح لحيته ورأسه ويقلم أظفاره ~~ويقص شاربه ويستكمل النظافة التي ذكرناها في الطهارة # الثاني أن يفارق الثياب المخيطة ويلبس ثوبي الإحرام فيرتدي ويتزر بثوبين ~~أبيضين ويتطيب في ثيابه وبدنه # الثالث أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبا أو يبدأ ~~بالسير إن كان راجلا فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانا أو ~~إفرادا كما أراد ويقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة ~~لك والملك لا شريك لك ms057 لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد # الرابع يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام خصوصا عند اصطدام الرفاق و ~~عند اجتماع الناس و عند كل صعود وهبوط وعند كل ركوب ونزول رافعا بها صوته ~~بحيث لا يبح حلقه فإنه لا ينادي أصم ولا غائبا كما ورد في الخبر وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا أعجبه شيء قال لبيك إن العيش عيش الآخرة PageV01P117 # | الجملة الثالثة في آداب دخول مكة إلى الطواف # يستحب أن يغتسل بذي طوى وإذا وقع بصره على البيت فليقل لا إله إلا الله ~~والله أكبر اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام اللهم هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته اللهم فزده تعظيما ~~وزده تشريفا وتكريما وزده مهابة وزد من حجه برأ وكرامة اللهم افتح لي أبواب ~~رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم ثم لا يعرج على شيء دون ~~الطواف وهو طواف القدوم إلا أن يجد الناس في المكتوبة فيصلي معهم ثم يطوف # | الجملة الرابعة في الطواف # فإذا أراد افتتاح الطواف إما للقدوم وإما لغيره فينبغي أن يراعي أمورا ~~ستة # الأول أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث والخبث في الثوب والبدن ~~والمطاف وستر العورة فالطواف بالبيت صلاة ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام ~~وليضطبع قبل ابتداء الطواف وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه اليمنى ويجمع ~~طرفيه على منكبه الأيسر فيرخي طرفا وراء ظهره وطرفا على صدره ويقطع التلبية ~~عند ابتداء الطواف ويشتغل بالأدعية المروية # الثاني إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره وليقف عند الحجر ~~الأسود وليتنح عنه قليلا ليكون الحجر قدامه فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ~~إبتداء طوافه وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات ليكون قريبا من البيت ~~فإنه أفضل # الثالث أن يقول قبل مجاورة الحجر بل في ابتداء الطواف بسم الله والله ~~أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم ويطوف # الرابع أن ms058 يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة ~~المعتادة ومعنى الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وهو دون العدو وفوق ~~المشي PageV01P118 المعتاد والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة ~~والجلادة والقوة هكذا كان القصد أولا قطعا لطمع الكفار وبقيت تلك السنة ~~والأفضل الرمل مع الدنو من البيت فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل ~~فليخرج إلى حاشية المطاف وليرمل ثلاثة ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم وليمش ~~أربعة وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب وإن منعه الزحمة أشار ~~باليد وقبل وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان # الخامس إذا تم الطواف سبعة فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع ~~استجابة الدعوة وليلزق بالبيت وليتعلق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت وليضع ~~عليه خده الأيمن وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل اللهم يا رب البيت العتيق ~~أعتق رقبتي من النار اللهم هذا مقام العائذ بك من النار وليدع بحوائجه ~~الخاصة ويستغفر من ذنوبه # السادس إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين وهما ركعتا ~~الطواف وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى ~~واغفر لي في الأخرى والأولى # | الجملة الخامسة في السعي # فإذا فرغ من الطواف فليخرج من باب الصفا فإذا انتهى إلى الصفا وهو جبل ~~فيرقى فيه درجا في حضيض الجبل ثم يسعى بينه وبين المروة سبع مرات والطهارة ~~مستحبة للسعي وليست بواجبة بخلاف الطواف # | الجملة السادسة في الوقوف وما قبله # الحاج إذا انتهى يوم عرفة إلى عرفات فلا يتفرغ لطواف لقدوم ودخول مكة قبل ~~الوقوف وإذا وصل قبل ذلك بأيام فطاف طواف القدوم فيمكث محرما إلى اليوم ~~السابع من ذي الحجة فيخطب الإمام بمكة خطبة بعد الظهر عند الكعبة ويأمر ~~الناس بالاستعداد للخروج إلى منى يوم التروية والمبيت بها وبالغدو منها إلى ~~عرفة PageV01P119 لإقامة فرض الوقوف بعد الزوال إذ وقت الوقوف من الزوال ~~إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر فينبغي أن يخرج إلى منى ملبيا ويمكث ~~هذه الليلة ms059 بمنى فإذا أصبح يوم عرفة صلى الصبح فإذا طلعت الشمس على ثبير ~~جبل سار إلى عرفات وليغتسل للوقوف ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ~~وقصر الصلاة وليكثر من أنواع التحميد والتسبيح والتهليل والثناء على الله ~~عز وجل والدعاء والتوبة ولا يصوم في هذا اليوم ليقوى على المواظبة على ~~الدعاء ولا يقطع التلبية يوم عرفة بل الأحب أن يلبي تارة ويكب على الدعاء ~~أخرى وليدع بما بدا له وليستغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات ~~وليلح في الدعاء وليعظم المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء # | الجملة السابعة في بقية أعمال الحج # إذا أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فينبغي أن يكون على السكينة والوقار ~~فإذا بلغ المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء قاصرا لها بأذان وإقامتين ثم ~~يمكث تلك الليلة بمزدلفة ويتزود الحصى منها ففيها أحجار رخوة فيأخذ سبعين ~~حصاة فإنها بقدر الحاجة ثم ليغلس بصلاة الصبح وليأخذ في المسير حتى إذا ~~انتهى إلى المشعر الحرام وهو آخر المزدلفة فيقف ويدعو إلى الإسفار ثم يدفع ~~منها قبل طلوع الشمس حتى ينتهي إلى موضع يقال له وادي محسر فيستحب له أن ~~يحرك دابته حتى يقطع عرض الوادي وإن كان راجلا أسرع في المشي ثم إذا أصبح ~~يوم النحر خلط التلبية بالتكبير فيلبي تارة ويكبر أخرى فينتهي إلى منى ~~ومواضع الجمرات وهي ثلاثة فيتجاوز الأولى والثانية فلا شغل له معهما يوم ~~النحر حتى ينتهي إلى جمرة العقبة ويرمي بعد طلوع الشمس سبع حصيات رافعا يده ~~مستقبلا القبلة أو الجمرة قائلا مع كل حصاة الله أكبر على طاعة الرحمن ورغم ~~الشيطان اللهم تصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك ثم ليذبح الهدي إن كان معه ~~والأولى أن يذبح بنفسه وليقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وبك وإليك تقبل ~~مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم والتضحية بالبدن أفضل ثم بالبقر ثم بالشاة ~~والضأن PageV01P120 أفضل من المعز والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء ~~وليأكل منه إن كان من هدي التطوع ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعجفاء ثم ~~ليحلق بعد ذلك ومهما ms060 حلق بعد رمي الجمرة فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل ~~المحظورات إلا النساء والصيد ثم يفيض إلى مكة ويطوف كما وصفناه وهذا الطواف ~~طواف ركن في الحج ويسمى طواف الزيارة وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة ~~النحر وأفضل وقته يوم النحر ولا تحل له النساء إلى أن يطوف فإذا طاف تم ~~التحلل وحل الجماع وارتفع الإحرام بالكلية ولم يبق إلا رمي أيام التشريق ~~والمبيت بمنى وهي واجبات بعد زوال الإحرام على سبيل الإتباع للحج # وأسباب التحلل ثلاثة الرمي والحلق والطواف الذي هو ركن ومهما أتى باثنين ~~من هذه الثلاثة فقد تحلل أحد التحللين ولا حرج عليه في التقديم والتأخير ~~بهذه الثلاثة مع الذبح ولكن الأحسن أن يرمي ثم يذبح ثم يحلق ثم يطوف # ثم إذا فرغ من الطواف عاد إلى منى للمبيت والرمي فيبيت تلك الليلة بمنى ~~فإذا أصبح اليوم الثاني من العيد وزالت الشمس اغتسل للرمي وقصد الجمرة ~~الأولى ورمى إليها بسبع حصيات فإذا تعداها وقف مستقبل القبلة وحمد الله ~~تعالى وهلل وكبر ودعا مع حضور القلب وخشوع الجوارح ثم يتقدم إلى الجمرة ~~الوسطى ويرمي كما رمى الأولى ويقف كما وقف للأولى ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ~~ويرمي سبعا ويرجع إلى منزله ويبيت تلك الليلة بمنى ويصبح فإذا صلى الظهر في ~~اليوم الثاني من أيام التشريق رمى في هذا اليوم إحدى وعشرين حصاة كاليوم ~~الذي قبله ثم هو مخير بين المقام بمنى وبين العودة إلى مكة فإن خرج من منى ~~قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وإن صبر إلى الليل فلا يجوز له الخروج بل لزمه ~~المبيت حتى يرمي يوم النفر الثاني واحدا وعشرين حجرا كما سبق وفي ترك ~~المبيت والرمي إراقة دم وله أن يزور البيت في ليالي منى بشرط أن لا يبيت ~~إلا بمنى ولا يتركن حضور الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف فإن فضله عظيم # | الجملة الثامنة في صفة العمرة وما بعدها إلى طواف الوداع # من أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده ms061 فليغتسل ويلبس ثياب الإحرام كما سبق ~~PageV01P121 في الحج ويحرم بالعمرة من ميقاتها وينوي العمرة ويلبي ويصلي ~~ركعتين ويدعو بما شاء ثم يعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل المسجد الحرام ~~فإذا دخل المسجد ترك التلبية وطاف سبعا وسعى سبعا كما وصفنا فإذا فرغ حلق ~~رأسه وقد تمت عمرته والمقيم بمكة ينبغي أن يكثر الاعتمار والطواف وليكثر ~~شرب ماء زمزم وليرتو حتى يتضلع # | الجملة التاسعة في طواف الوداع # مهما عن له الرجوع إلى الوطن بعد الفراغ من إتمام الحج والعمرة فلينجز ~~أولا أشغاله وليشد رحاله وليجعل آخر أشغاله وداع البيت ووداعه بأن يطوف به ~~سبعا كما سبق ولكن من غير رمل واضطباع فإذا فرغ منه صلى ركعتين خلف المقام ~~وشرب من ماء زمزم ثم يأتي الملتزم ويدعو ويتضرع قائلا اللهم أصحبني العافية ~~في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني واجمع ~~لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير # | الجملة العاشرة في زيارة المدينة وآدابها # من قصد زيارة المدينة فليصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه ~~كثيرا وليغتسل قبل الدخول وليتطيب وليلبس أنظف ثيابه فإذا دخلها فليدخلها ~~متواضعا معظما ويقصد المسجد ويصلي فيه بجنب المنبر ركعتين ثم يأتي قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيقف عند وجهه وذلك بأن يستدبر القبلة ويستقبل ~~جدار القبر على نحو من أربعة أذرع من السارية التي في زاوية جدار القبر ~~وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله فإن المس والتقبيل للمشاهد عادة ~~النصارى واليهود بل الوقوف من بعد أقرب للاحترام فيقف ويقول السلام عليك يا ~~رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا أمين الله السلام عليك ~~يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة الله السلام عليك يا أبا القاسم السلام ~~عليك يا سيد المرسلين السلام عليك يا خاتم النبيين السلام عليك يا رسول رب ~~العالمين السلام عليك يا قائد الخير السلام عليك يا فاتح البر السلام عليك ~~يا نبي الرحمة السلام عليك ms062 يا هادي الأمة PageV01P122 السلام عليك وعلى أهل ~~بيتك وأصحابك الطيبين جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن قومه ورسولا عن ~~أمته وصلى عليك أفضل الصلاة وأكمل ما صلى على أحد من خلقه كما استنقذنا بك ~~من الضلالة وبصرنا بك من العماية وهدانا بك من الجهالة أشهد أنك بلغت ~~الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت عدوك وهديت أمتك وعبدت ربك حتى ~~أتاك اليقين فصلى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيبين وسلم وشرف وكرم وعظم ثم ~~يتأخر قدر ذراع ويسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم يتأخر قدر ذراع ~~أيضا ويسلم على الفاروق عمر رضي الله عنه ويقول السلام عليكما يا وزيري ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعاونين له على القيام بالدين ما دام حيا ~~والقائمين في أمته بعده بأمور الدين تتبعان في ذلك آثاره وتعملان بسنته ~~فجزاكما الله خير ما جزى وزيري نبي عن دينه ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ~~ركعتين ويكثر من الدعاء ما استطاع ويستحب له أن يأتي أحدا ويزور قبور ~~الشهداء وأن يأتي البقيع ويزور خياره وأن يأتي قباء في كل سبت ويصلي فيه ~~وإن أمكنه الإقامة بالمدينة مع مراعاة الخدمة فلها فضل عظيم ثم إذا عزم على ~~الخروج من المدينة فيستحب أن يأتي القبر الشريف ويعيد دعاء الزيارة ويسأل ~~الله تعالى أن يرزقه العودة إليه ثم يصلي ركعتين في الروضة فإذا خرج فليخرج ~~رجله اليسرى ثم اليمنى وليتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~قدر عليه # | سنن الرجوع من السفر # يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ~~ساجدون لربنا حامدون فإذا أشرف على مدينته يحرك الدابة ويرسل إلى أهله من ~~يخبرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا وإذا دخل ~~البلد فليقصد المسجد أولا وليصل ركعتين وإذا استقر في منزله فلا ينبغي أن ~~ينسى ms063 ما أنعم الله به عليه من زيارة حرمه وقبر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة واللهو والخوض في المعاصي فما ذلك ~~علامة الحج المبرور بل علامته أن يعود راغبا في الآخرة متأهبا للقاء رب ~~البيت بعد لقاء البيت PageV01P123 & الباب الثالث في الآداب الدقيقة ~~والأعمال الباطنة & # | دقائق الآداب وهي سبعة # الأول أن تكون النفقة حلالا والهم مجردا لله تعالى وتعظيم شعائره ومن حج ~~عن غيره فينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله تعالى ومعاونة أخيه المسلم ~~بإسقاط الفرض عنه لا أن يتخذ ذلك مكسبه ومتجره ليتوصل بالدين إلى الدنيا ~~فيطلب الدنيا بعمل الآخرة بل ليتوصل بالدنيا إلى الدين أي التمكن من الحج ~~والزيارة فيه # الثاني التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا ~~إسراف بل على الاقتصاد وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل ~~قال ابن عمر من كرم الرجل طيب زاده في سفره # الثالث ترك الرفث والفسوق والجدال كما نطق به القرآن والرفث اسم جامع لكل ~~لغو وفحش من الكلام ويدخل فيه مغازلة النساء ومداعبتهن والتحدث بشأن الجماع ~~ومقدماته فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور والداعي إلى المحظور محظور ~~والفسق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله عز وجل والجدل هو المبالغة في ~~الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويناقض حسن الخلق فلا ينبغي أن يكون ~~كثير الاعتراض على رفيقه وجماله وعلى غيرهم من أصحابه بل يلين جانبه ويخفض ~~جناحه للسائرين إلى بيت الله عز وجل ويلزم حسن الخلق وليس حسن الخلق كف ~~الأذى بل احتمال الأذى # الرابع أن يجتنب زي المترفين المتكبرين فلا يميل إلى أسباب التفاخر ~~والتكاثر فيكتب في ديوان المتكبرين ويخرج عن حزب الصالحين وفي الحديث إنما ~~الحاج الشعث التفث يقول الله تعالى @QB@ ثم ليقضوا تفثهم @QE@ والتفث الشعث ~~والاغبرار وقضاؤه بالحلق وقص الشارب والأظفار PageV01P124 # الخامس أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق ولا يقف عليها الوقوف ~~الطويل وينزل أحيانا عنها إحسانا إليها # السادس أن ms064 يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبا عليه ويجتهد أن يكون من سمين ~~النعم ونفيسه وليأكل منه إن كان تطوعا وليس المقصود اللحم إنما المقصود ~~تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظم لله عز وجل @QB@ ~~لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم @QE@ # السابع أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي وبما أصابه من خسران ~~ومصيبة في مال أو بدن إن أصابه ذلك فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب ~~فلا يضيع منه شيء عند الله عز وجل ويقال من علامة قبول الحج ترك ما كان ~~عليه من المعاصي وأن يتبدل بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو ~~والغفلة مجالس الذكر واليقظة # | طريق الاعتبار بأعمال الحج الباطنة والتذكر لأسرارها ومعانيها # في كل واحد من أعمال المناسك تذكره للمتذكر وعبرة للمعتبر إذا انفتح ~~بابها انكشف لكل خارج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وغزارة فهمه وقد شرف ~~الله البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه ونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه ~~حرما لبيته تفخيما لأمره وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ووضعه على ~~مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا ~~متواضعين لرب البيت خضوعا لجلاله مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو ~~يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم ~~وفي الإحرام والتلبية إجابة نداء الله عز وجل وفي دخول مكة تذكر الانتهاء ~~إلى حرم الله فليخش أن لا يكون أهلا للقرب وليرج الرحمة وفي مشاهدة البيت ~~إحضار عظمة البيت في القلب وتقدير مشاهدته لرب البيت لشدة تعظيمه إياه وفي ~~الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله ~~وما القصد طواف الجسم بل طواف القلب بذكر الرب وفي التعلق بأستار الكعبة ~~والالتصاق بالملتزم طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت وتبركا بالمماسة ~~والإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بشاب من أذنب إليه ~~المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر PageV01P125 [ له أنه لا ms065 ملجأ له منه إلا ~~إليه وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو عنه وفي السعي بين الصفا والمروة ~~مضاهاة تردد العبد بفناء الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى إظهارا للخلوص في ~~الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ~~ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد فلا يزال يتردد على فناء الدار ~~مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى وفي الوقوف ~~بعرفة ورؤية ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات تذكر اجتماع ~~الأمم في عرصات القيامة وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول وفي ~~تذكر ذلك إلزام القلب الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل ورجاء الحشر في ~~زمرة الفائزين المرحومين وتحقيق الرجاء بالإجابة فالموقف شريف والرحمة إنما ~~تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب النقية ولا ينفك الموقف ~~عن طبقات من الصالحين وأرباب القلوب فإذا اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة ~~والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم وامتدت إليه أعناقهم ~~وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة فلا تظنن أنه ~~يخيب أملهم ويضيع سعيهم ويدخر عنهم رحمة تغمرهم وفي رمي الجمار انقياد ~~للأمر إظهارا للرق والعبودية وقصد رمي وجه الشيطان وقصم ظهره وفي زيارة ~~المدينة ومشاهدتها تذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز ~~وجل وسننه وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل وأنها ~~العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة وأن ~~فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة وأنها جمعت أفضل خلق الله ~~حيا وميتا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم PageV01P126 # | كتاب آداب تلاوة القرآن # قد امتن الله على عباده بنبيه المرسل وكتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه حتى اتسع على أهل الافتكار طريق الاعتبار بما فيه ~~من القصص والأخبار ms066 واتضح به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم بما فصل ~~فيه من الأحكام وفرق بين الحلال والحرام فهو الضياء والنور وبه النجاة من ~~الغرور وفيه شفاء لما في الصدور من تمسك به فقد هدي ومن عمل به فقد فاز قال ~~تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ومن أسباب حفظه في ~~القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته مع القيام بآدابه ~~وشروطه والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب الظاهرة وذلك ما ~~لا بد من بيانه وتفصيله # | فضل القرآن وأهله وذم المقصرين في تلاوته # قال صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن ثم رأى أحدا أوتي أفضل مما أوتي ~~فقد استصغر ما عظمه الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم أفضل عبادة أمتي ~~تلاوة القرآن وقال PageV01P127 صلى الله عليه وسلم خيركم من تعلم القرآن ~~وعلمه وقال ابن مسعود إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين ~~والآخرين وقال عمرو بن العاص من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا ~~أنه لا يوحى إليه # وقد جاء في ذم تلاوة الغافلين قوله صلى الله عليه وسلم ما آمن بالقرآن من ~~استحل محارمه وقوله صلى الله عليه وسلم إقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك ~~فلست تقرؤه وقال أنس رب تال للقرآن والقرآن يلعنه وقال ابن مسعود أنزل ~~القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدهم ليقرأ القرآن من فاتحته ~~إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به وقال بعض العلماء إن العبد ~~ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ~~ظالم نفسه ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم PageV01P128 # | ظاهر آداب التلاوة # الأدب الأول في حال القارئ وهو أن يكون على الوضوء واقفا على هيئة الأدب ~~والسكون إما قائما وإما جالسا مستقبل القبلة مطرقا رأسه غير متربع ولا متكئ ~~ولا جالس على هيئة التكبر فإن قرأ على غير وضوء أو كان مضطجعا في الفراش ~~فله أيضا فضل ولكنه دون ذلك قال ms067 الله تعالى @QB@ الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض @QE@ فأثنى على الكل ~~ولكن قدم القيام في الذكر ثم القعود ثم الذكر مضطجعا # الثاني في مقدار القراءة وللقراء عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار ~~والمأثور عن عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم ~~كانوا يختمون القرآن في كل جمعة يقسمونه سبعة أحزاب # الثالث الترتيل هو المستحب في هيئة القرآن لأنا سنبين أن المقصود من ~~القراءة التفكر والترتيل معين عليه ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءته مفسرة حرفا حرفا قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي ~~من أن أقرأ القرآن كله هذرمة وجلي أن الترتيل والتؤدة أقرب إلى التوقير ~~والاحترام وأشد PageV01P129 تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال # الرابع البكاء وهو مستحب مع القراءة ومنشؤه الحزن وذلك أن يتأمل ما فيه ~~من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره ~~فيحزن لا محالة ويبكي # الخامس أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجدة سجد وكذلك إذا سمع من غيره ~~سجدة سجد إذا سجد التالي ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة وقد قيل في كمالها ~~إنه يكبر رافعا يديه لتحريمه ثم يكبر للهوي للسجود ثم يكبر للارتفاع ثم ~~يسلم # السادس أن يقول في مبتدأ قراءته أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر وإذا مر بآية دعاء ~~واستغفار دعا واستغفر وإن مر بمرجو سأل أو بمخوف استعاذ يفعل ذلك بلسانه أو ~~بقلبه # السابع الإسرار بالقراءة أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ~~ذلك على نفسه فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش على مصل فالجهر أفضل لأن ~~العمل فيه أكثر ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه ولأنه يطرد ~~النوم في رفع الصوت ويزيد في نشاطه ms068 للقراءة ويقلل من كسله فمتى حضره شيء من ~~هذه النيات فالجهر أفضل # الثامن تحسين القراءة وترتيبها من غير تمطيط مفرط يغير النظم فذلك سنة ~~وفي الحديث زينوا القرآن بأصواتكم وفي آخر ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقيل ~~أراد به الاستغناء وقيل أراد به الترنم وترديد الألحان به وهو أقرب عند أهل ~~اللغة واستمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال لقد أوتي هذا من ~~مزامير آل PageV01P130 داود ويروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كانوا إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن # | أعمال الباطن في التلاوة وهي سبعة # الأول فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في ~~إيصال كلامه إلى أفهام خلقه # الثاني التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر ~~في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر ولن تحضره عظمة ~~المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله فإذا حضر بباله العرش والكرسي ~~والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار وعلم أن ~~الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد وأن الكل في قبضة قدرته ~~مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله ~~فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام # الثالث حضور القلب وترك حديث النفس والتجرد له عند قراءته وصرف الهم إليه ~~عن غيره كان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية وهذه ~~الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم للكلام الذي يتلوه ويستبشر به ~~ويستأنس لا يغفل عنه وفي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له ~~فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره # الرابع التدبر وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه ~~يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره والمقصود من القراءة التدبر ~~ولذلك سن فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن قال ~~علي ms069 رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها ~~وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية يرددها # الخامس التفهم وهو أن يستوضح عن كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل ~~PageV01P131 على ذكر صفات الله عز وجل وذكر أفعاله وذكر أحوال الأنبياء ~~وأحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنة ~~والنار أما صفات الله عز وجل فكقوله @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~@QE@ وكقوله تعالى @QB@ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر @QE@ فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها # وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها فليفهم التالي منها ~~صفات الله عز وجل وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على عظمته ~~فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل فمن عرف الحق رآه في كل شيء ~~ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل @QB@ أفرأيتم ما تحرثون @QE@ @QB@ ~~أفرأيتم ما تمنون @QE@ @QB@ أفرأيتم الماء الذي تشربون @QE@ @QB@ أفرأيتم ~~النار التي تورون @QE@ فلا يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمني بل ~~يتأمل في المني وهو نطفة متشابهة الأجزاء ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى ~~اللحم والعظم والعروق والعصب وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من ~~الرأس واليد والرجل والكبد والقلب وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات ~~الشريفة من السمع والبصر والعقل وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات ~~المذمومة من الغضب والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة كما قال تعالى ~~@QB@ أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين @QE@ فيتأمل ~~هذه العجائب ليترقى منها إلى أعجب العجائب وهو الصنعة التي منها صدرت هذه ~~الأعاجيب فلا يزال ينظر إلى الصنعة ويرى الصانع وأما أحوال الأنبياء عليهم ~~السلام فإذا سمع منها أنهم كذبوا وضربوا وقتل بعضهم ثم سمع نصرتهم في آخر ~~الأمر فهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق وأما ms070 أحوال المكذبين كعاد ~~وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن ~~حظه منه الاعتبار في نفسه PageV01P132 # السادس التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم القرآن لأسباب ~~وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن ومن حجب ~~الفهم أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها عن مخارجها وهذا ~~يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل فلا ~~يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه فهذا يكون ~~تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني وأعظم ضحكة للشيطان ~~من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس # السابع التخصيص وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فإن سمع أمرا ~~أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور وإن سمع وعدا أو وعيدا فكذلك وإن سمع قصص ~~الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود وإنما المقصود أن تعتبر به وتأخذ ~~من بضاعته ما تحتاج إليه فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ولذلك قال تعالى @QB@ ما نثبت به فؤادك ~~@QE@ فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء ~~وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى وكيف لا يقدر ~~هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسول الله خاصة بل ~~هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة ~~الكتاب فقال تعالى @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به @QE@ وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد كما قال ~~تعالى @QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ قال محمد القرظي من بلغه القرآن فكأنما ~~كلمه الله وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد ~~كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه PageV01P133 ولذلك قال ~~بعض العلماء هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل ms071 بعهوده نتدبرها في ~~الصلوات وننفذها في الطاعات # الثامن التأثر وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون ~~له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره ومهما ~~تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب على آيات ~~القرآن فلا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها ~~كقوله عز وجل @QB@ وإني لغفار @QE@ ثم أتبع ذلك بأربعة شروط @QB@ لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ وقوله تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر @QE@ ذكر ~~أربعة شروط وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى @QB@ إن رحمة الله قريب ~~من المحسنين @QE@ فالإحسان يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى ~~آخره ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن وإلا كان حظه من ~~التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى @QB@ ألا لعنة ~~الله على الظالمين @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون @QE@ وفي قوله @QB@ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ~~@QE@ إلى غير ذلك من الآيات فالقرآن يراد للعمل به وأما مجرد حركة اللسان ~~فقليل الجدوى وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل ~~والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ ~~القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار فاللسان يرتل والعقل يترجم ~~والقلب يتعظ PageV01P134 # | كتاب الأذكار والدعوات # # | فضيلة الذكر # من الآيات قوله سبحانه وتعالى @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم @QE@ قال ابن عباس أي بالليل والنهار في البر ~~والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والمرض والصحة والسر والعلانية وقال ~~تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا ms072 تكن من الغافلين @QE@ وقال تعالى في ذم المنافقين @QB@ ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا @QE@ # ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا مع عبدي ما ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه وقال صلى الله عليه وسلم من أحب أن يرتع في رياض ~~الجنة فليكثر ذكر الله عز PageV01P135 وجل وسئل صلى الله عليه وسلم أي ~~الأعمال أفضل فقال أن تموت ولسانك رطب بذكر الله عز وجل وقال صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تبارك وتعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ~~الحديث # ومن الآثار قول الحسن الذكر ذكران ذكر الله عز وجل بين نفسك وبين الله عز ~~وجل ما أحسنه وأعظم أجره وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله عز ~~وجل # | فضيلة مجالس الذكر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله عز وجل ~~إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده # | فضيلة التهليل # قال صلى الله عليه وسلم أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وقال صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له له الملك وله الحمد وهو PageV01P136 على كل شيء قدير كل يوم ~~مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة ~~الحديث # | فضيلة التسبيح والتحميد وبقية الأذكار # قال صلى الله عليه وسلم من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا ~~وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه وقال صلى الله عليه ~~وسلم من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مئة مرة حطت خطاياه وقال صلى الله ~~عليه وسلم أحب الكلام إلى الله تعالى أربع سبحان الله والحمد ms073 لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت وقال صلى الله عليه وسلم كلمتان ~~خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم # | سر فضيلة الذكر # إن قلت ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار ~~PageV01P137 أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقة فيها فاعلم أن ~~تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة والقدر الذي يسمح بذكره في علم ~~المعاملة أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب فأما الذكر ~~باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى بل حضور القلب مع الله تعالى على ~~الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر ~~العبادات وهو غاية ثمرة العبادات العملية وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الأنس ~~والحب وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر عنه والمطلوب ذلك الأنس والحب # | فضيلة الدعاء # قال الله تعالى @QB@ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي @QE@ وقال تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين @QE@ وقال تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ~~@QE@ وقال صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة وقال صلى الله عليه وسلم ~~سلوا الله تعالى من فضله فإنه تعالى يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار ~~الفرج # | آداب الدعاء # الأول أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من ~~الأشهر ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من الليل قال تعالى @QB@ ~~وبالأسحار هم يستغفرون @QE@ PageV01P138 # الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال زحف الصفوف في سبيل الله تعالى ~~وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة وخلف الصلوات وبين الأذان ~~والإقامة وحالة السجود وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضا إذ ~~وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات ويوم عرفة ويوم ~~الجمعة وقت اجتماع الهم وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل # الثالث ms074 أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه ثم ينبغي ~~أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء قال عمر رضي الله عنه كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه وقال ~~ابن عباس كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي ~~وجهه فهذه هيئات اليد ولا يرفع بصره إلى السماء # الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر قالت عائشة في قوله تعالى @QB@ ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها @QE@ أي بدعائك وقد أثنى تعالى على نبيه زكريا ~~عليه السلام حيث قال @QB@ إذ نادى ربه نداء خفيا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ # الخامس أن لا يتكلف السجع في الدعاء والأولى أن لا يجاوز الدعوات ~~المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته فما كل أحد ~~يحسن الدعاء # السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية @QE@ # السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه قال صلى الله عليه ~~وسلم لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم ~~المسألة فإنه لا مكره له وقال صلى الله عليه وسلم إذا دعا أحدكم فليعظم ~~الرغبة فإن الله لا PageV01P139 يتعاظمه شيء وقال صلى الله عليه وسلم ادعوا ~~الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب ~~غافل # الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا وأن لا يستبطئ الإجابة # التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى ولا يبدأ بالسؤال ثم يصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بها أيضا # العاشر وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة التوبة ورد المظالم ~~والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة # | فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى @QB@ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما @QE@ وقال صلى الله ms075 عليه وسلم من صلى علي من ~~أمتي كتب له عشر حسنات وقيل يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم ~~صل على محمد عبدك وعلى وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد وروي أن عمر رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P140 يبكي ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من ~~فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل @QB@ من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله @QE@ بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن ~~أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى @QB@ عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم @QE@ بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل ~~النار يودون أن يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون @QB@ يا ~~ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا @QE@ بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان ~~موسى أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع ~~منها الماء صلى الله عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان أعطاه ~~الله الريح غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى ~~السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك بأبي أنت ~~وأمي لئن كان عيسى بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى فماذا بأعجب من الشاة ~~المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت الذراع لا تأكلني فإني مسمومة بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة ~~سنه وطول عمره ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل ولقد لبست الصوف ~~وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعا منك ~~فصلى الله عليك وسلم PageV01P141 # | فضيلة الاستغفار # قال الله عز وجل @QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ms076 ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ وقال تعالى @QB@ فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا @QE@ وقال تعالى @QB@ والمستغفرين بالأسحار @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ~~@QE@ وكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر ~~لي إنك أنت التواب الرحيم وقال صلى الله عليه وسلم من أكثر من الاستغفار ~~جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب وقال ~~صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة ~~وكان صلى الله عليه وسلم يقول في الاستغفار اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ~~وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت PageV01P142 ~~المؤخر وأنت على كل شيء قدير وعن الفضيل رحمه الله استغفار بلا إقلاع توبة ~~الكذابين وعن رابعة العدوية رحمها الله استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير # وأما أوراد الصباح والمساء وخلف الصلوات وفي السحر فلنا فيها كتاب مستقل ~~فليرجع إليه من أحب ذلك # | آداب النوم # الأول الطهارة والسواك # الثاني أن يعد طهوره وسواكه وينوي القيام للعبادة عند التيقظ # الثالث أن لا يبيت من له وصية إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه فإنه لا يأمن ~~القبض من النوم # الرابع أن ينام تائبا من كل ذنب سليم القلب لجميع المسلمين لا يحدث نفسه ~~بظلم أحد ولا يعزم على معصية إن استيقظ # الخامس أن يقتصد في تمهيد الفرش الناعمة # السادس أن لا ينام ما لم يبلغه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به ~~الاستعانة على القيام في آخر الليل # السابع أن ينام مستقبل القبلة # الثامن الدعاء عند النوم بما ورد ومنه قراءة الإخلاص والمعوذتين وينفث ~~بهن PageV01P143 في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده وآية الكرسي والتسبيح ~~ثلاثا وثلاثين والتحميد كذلك والتكبير كذلك # التاسع أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث وليتحقق ~~أنه ms077 يتوفى على ما هو الغالب عليه من حب الله وحب لقائه أو حب الدنيا ويحشر ~~على ما يتوفى عليه # العاشر الدعاء عند التنبه وليقل أولا الحمد لله الذي أحيانا بعد ما ~~أماتنا وإليه النشور ثم ليقرأ خواتم آل عمران @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض @QE@ الآيات وليسبح عشرا وليحمد كذلك وليكبر كذلك وليهلل كذلك قالت ~~عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته ~~قال اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ثم يفتتح الصلاة ويصلي ~~ركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن لم يكن قد ~~صلى الوتر وكان ربما جهر بالقراءة وربما أسر وأكثر ما صح عنه في قيام الليل ~~ثلاث عشرة ركعة # | بيان أن الأوراد للمتجرد للعبادة # اعلم أن الأوراد والأذكار المروية والوظائف الليلية والنهارية إنما تستحب ~~للمتجرد للعبادة الذي لا شغل له غيرها أصلا بحيث لو ترك العبادة لجلس بطالا ~~وأما العالم الذي ينفع الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف فترتيبه ~~الأوراد يخالف ترتيب العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب وإلى التصنيف ~~والإفادة ويحتاج إلى مدة لها لا محالة فإن أمكنه استغراق الأوقات فيه فهو ~~أفضل ما يشتغل به بعد PageV01P144 المكتوبات ورواتبها ويدل على ذلك ما ~~ذكرناه في فضيلة التعليم والتعلم في كتاب العلم وكيف لا يكون كذلك وفي ~~العلم المواظبة على ذكر الله تعالى وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله ~~وفيه منفعة الخلق وهدايتهم إلى طريق الآخرة ورب مسألة واحدة يتعلمها ~~المتعلم فيصلح بها عبادة عمره ولو لم يتعلمها لكان سعيه ضائعا وأما العامي ~~والمتعلم فحضوره مجالس العلم والوعظ أفضل من اشتغاله بالأوراد وكذلك ~~المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع العيال ويستغرق ~~الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق والاشتغال ms078 بالكسب ~~ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته # | فضيلة قيام الليل # من الآيات قوله تعالى @QB@ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون @QE@ وقوله تعالى @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ~~@QE@ وقوله عز وجل @QB@ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما @QE@ وقوله سبحانه ~~@QB@ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق ~~للسائل والمحروم @QE@ ومن الأخبار قول صلى الله عليه وسلم ركعتان يركعهما ~~العبد في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها ) وقوله صلى الله عليه وسلم إن ~~من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم PageV01P145 يسأل الله تعالى خيرا إلا ~~أعطاه إياه وقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين ~~قبلكم # | الأسباب المسهلة لقيام الليل # منها أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام ومنها ~~أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنة الاستعانة على قيام الليل ومنها أن ~~يعرف فضل قيام الليل بسماع هذه الآيات والأخبار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه ~~إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان ومنها وهو ~~أشرف البواعث الحب وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج ~~به ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك الخطرات من الله ~~تعالى خطاب معه فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ ~~بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام # | بيان لذة المناجاة عقلا ونقلا # لا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل فأما العقل ~~فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف ~~يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن ~~الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى فاعلم أنه لو كان الجميل ~~المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمجاورته المجردة ~~دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه وكان يتنعم بإظهار حبه ms079 عليه وذكره ~~بلسانه بمسمع منه وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده فإن قلت إنه ينتظر جوابه ~~فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى فاعلم إنه إن كان يعلم أنه ~~لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت أيضا لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه ~~كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في PageV01P146 أثناء ~~مناجاته فيتلذذ به وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل ~~يتلذذ به في رجاء إنعامه والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله أبقى ~~وأنفع مما عند غيره وكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات وأما النقل ~~فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر ~~المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم كيف أنت والليل قال ما راعيته قط ~~يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما ~~أحزنني شيء سوى طلوع الفجر وقال الفضيل بن عياض إذا غربت الشمس فرحت ~~بالظلام لخلوتي بربي وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي وقال أبو سليمان أهل ~~الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في ~~الدنيا وقال بعضهم ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل ~~التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة وقال بعضهم لذة المناجاة ليست ~~من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم ~~وقال ابن المنكدر ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ولقاء الإخوان ~~والصلاة في الجماعة وقيل لبعضهم كيف الليل عليك فقال ساعة أنا فيها بين ~~حالتين أفرح بظلمته إذا جاء واغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط ~~PageV01P147 # | طرق القسمة لأجزاء الليل # إحياء الليل له سبع مراتب # الأولى إحياء كل الليل وهو شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الله تعالى ~~وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام ~~وردوا المنام إلى ms080 النهار اشتهر ذلك عن أربعين من التابعين # الثانية أن يقوم نصف الليل # الثالثة أن يقوم ثلث الليل من النصف الأخير # الرابعة أن يقوم سدس الليل الأخير أو خمسه # الخامسة أن لا يراعي التقدير فينام ويقوم في أجزاء الليل مطلقا # السادسة أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين وحيث يتعذر عليه القيام في ~~وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل القيام قبل الصبح وقت السحر ولا يدركه الصبح ~~نائما وهذه هي الرتبة السابعة # وأما قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المقدار فلم يكن على ~~ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ثلثه أو تلثيه أو سدسه يختلف ذلك ~~من الليالي ودل عليه قوله تعالى في الموضعين @QB@ إن ربك يعلم أنك تقوم ~~أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه @QE@ ) فأدنى من ثلثي الليل كأنه نصفه ونصف ~~سدسه PageV01P148 فإن كسر قوله @QB@ ونصفه وثلثه @QE@ كان نصف الثلثين ~~وثلثه فيقرب من الثلث والربع وإن نصب كان نصف الليل وثلثه وقالت عائشة رضي ~~الله عنها كان صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ يعني الديك وهذا ~~يكون السدس فما دونه PageV01P149 # | كتاب آداب الأكل والدعوة والضيافة # إن الله تعالى أحسن تدبير الكائنات فخلق الأرض والسموات وأنزل الماء ~~الفرات من المعصرات فأخرج به الحب والنبات وقدر الأرزاق والأقوات وحفظ ~~بالمأكولات قوى الحيوانات وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل ~~الطيبات فشكرا له على ممر الأوقات # ولما كان مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب ولا طريق إلى ~~الوصول للقائه إلا بالعلم والعمل ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة ~~البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر ~~الحاجة على تكرر الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف إن الأكل من الدين ~~وعليه نبه قوله تعالى @QB@ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ وها نحن ~~نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها PageV01P150 # | بيان ما لا بد للآكل من مراعاته # وهو ثلاثة أقسام # | القسم الأول في الآداب المتقدمة على الأكل وهي خمسة # الأول ms081 أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا ~~للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين ~~وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على ~~القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال فقال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ إلى قوله @QB@ ولا ~~تقتلوا أنفسكم @QE@ فالأصل في الطعام كونه طيبا وهو من الفرائض وأصول الدين # الثاني غسل اليد لأنها لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى ~~النظافة والنزاهة # الثالث أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا ~~بالأكل ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون ~~الجوع أحد ما لا بد من تقديمه على الأكل ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ~~ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب # الرابع أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام # الخامس أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده فإن خير ~~الطعام ما كثرت عليه الأيدي وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده # | القسم الثاني في آدابه حالة الأكل # وهو أن يبدأ ببسم الله في أوله وبالحمد لله في آخره ويجهر به ليذكر غيره ~~ويأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم يبتلعها لا يمد اليد إلى ~~الأخرى فإن PageV01P151 ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولا كان صلى الله ~~عليه وسلم لا يعيب مأكولا كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه وأن يأكل مما يليه ~~إلا الفاكهة فله أن يجيل يده فيها ولا يضع على الخبز قصعة ولا غيرها إلا ما ~~يؤكل به ولا يمسح يده بالخبز ولا ينفخ في الطعام الحار بل يصبر إلى أن يسهل ~~أكله ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع في كفه بل يضع النواة من ~~فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ما له عجم وثفل وأن ms082 لا يترك ما استرذله ~~من الطعام ويطرحه في القصعة بل يتركه مع الثفل حتى لا يلتبس على غيره ~~فيأكله وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه # وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول بسم الله ويشربه مصا لا عبا ~~ولا يشرب قائما ولا مضطجعا وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ولا يتنفس ~~في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية والكوز وكل ما يدار على ~~القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا وأبو بكر رضي ~~الله عنه عن شماله وأعرابي عن يمينه فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ~~ويشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها # | القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام # وهو أن يمسك قبل الشبع ثم يغسل يده ويتخلل ويرمي المخرج بالخلال وأن يشكر ~~الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى @QB@ ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله @QE@ فإن أكل طعام الغير فليدع له ~~وليقل اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته واجعلنا وإياه من الشاكرين وإن ~~أفطر عند قوم فليقل أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم ~~الملائكة وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ويستحب عقيب الطعام ~~أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا # | آداب الاجتماع على الأكل وهي سبعة # الأول أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل ~~إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم ~~الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له PageV01P152 # الثاني أن لا يسكتوا على الطعام ولكن يتكلمون بالمعروف # الثالث أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة عما يأكله فإن ~~ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا بل ينبغي أن ~~يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم فإن ~~قلل رفيقه نشطه ms083 ورغبه في الأكل وقال له كل ولا يزيد في قوله كل على ثلاث ~~فإن ذلك إلحاح وإضجار فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما الطعام أهون من أن يحلف عليه # الرابع أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له كل أو يتفقده في الأكل بل يحمل ~~عن أخيه مؤنة ذلك ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه ~~فإن ذلك تصنع بل يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ولكن ~~يعود نفسه حسن الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع نعم ~~لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن وإن ~~زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فهو حسن # الخامس أن غسل اليد في الطست لا بأس به قال أنس إذا أكرمك أخوك فاقبل ~~كرامته ولا تردها روي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد ~~على يده في الطست فلما فرغ قال يا أبا معاوية أتدري من صب على يدك فقال لا ~~قال صبه أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته ~~فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء ~~على يد ضيفه هكذا فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله ~~PageV01P153 عليه وقال لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض # السادس أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم ~~ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد ~~اليد ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا فإن امتنع لسبب فليعتذر ~~إليهم دفعا للخجلة عنهم # السابع أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة وعاء الأكل ~~ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه وإذا أخرج شيئا من فيه صرف وجهه ~~عن الطعام وأخذ بيساره ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل فقد يكرهه ms084 غيره ~~واللقمة التي قطعها بسنه لا تغمس في المرقة والخل ولا يتكلم بما يذكر من ~~المستقذرات # | فضل تقديم الطعام إلى الزائرين وآدابه # تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير قال الحسن كل نفقة ينفقها الرجل ~~يحاسب عليها إلا نفقته على إخوانه في الطعام فإن الله أكرم من أن يسأله عن ~~ذلك وقال علي رضي الله عنه لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن ~~أعتق رقبة وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول من كرم المرء طيب زاده في سفره ~~وبذله لأصحابه وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون ~~إلا عن ذواق # وأما آدابه فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام أما الدخول فليس من ~~السنة أن يقصد قوما متربصا لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل فإن ذلك من ~~المفاجأة وقد نهي عنه قال الله تعالى @QB@ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه @QE@ يعني منتظرين حينه ونضجه أما إذا ~~كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به وفيه ~~إعانة لأخيه على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة السلف فإن دخل ولم يجد صاحب ~~الدار وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير ~~إذنه إذ المراد من الإذن الرضاء لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة فرب ~~رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه ورب غائب لم يأذن وأكل ~~طعامه محبوب PageV01P154 وقد قال تعالى @QB@ أو صديقكم @QE@ قال الحسن ~~الصديق من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب كان محمد بن واسع وأصحابه ~~يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن فكان الحسن يدخل ويرى ذلك ~~فيسر به ويقول هكذا كنا ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا ~~الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول ذكرتموني أخلاق ~~السلف هكذا كانوا # وأما آداب التقديم فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر كان الفضيل يقول إنما ~~تقاطع ms085 الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه ومن ~~التكلف أن يقدم جميع ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم قال بعضهم دخلنا ~~على جابر رضي الله عنه فقدم لنا خبزا وخلا وقال لولا أنا نهينا عن التكلف ~~لتكلفت لكم # الأدب الثاني وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على ~~المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما عليه فإن علم أنه ~~يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح قال بعضهم الأكل على ~~ثلاثة أنواع مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان بالانبساط ومع أبناء الدنيا ~~بالأدب # الأدب الثالث أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت ~~PageV01P155 نفسه طيبة بفعل ما يفترح فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل # الأدب الرابع أن لا يقول له هل أقدم لك طعاما بل ينبغي أن يقدم إن كان ~~فإن أكل وإلا فيرفعه # | مسائل # الأولى رفع الطعام على المائدة فيه تيسير للأكل فلا كراهة فيه بل هو مباح ~~ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم وما يقال إنه بدعة فجوابه أنه ليس كل ما ~~أبدع منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء ~~علته وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل ونحوه مما لا ~~كراهة فيه # الثانية الأكل والشرب متكئا مكروه مضر للمعدة ومثله الأكل مضطجعا ومنبطحا # الثالثة السنة البداءة بالطعام قبل الصلاة وفي الحديث إذا حضر العشاء ~~والعشاء فابدؤوا بالعشاء وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة ~~الإمام ولا يقوم من عشائه نعم إن كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في ~~تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة # | بيان ما يخص الدعوة والضيافة فضيلة الضيافة # قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وفي ~~أثر لا خير فيمن لا يضيف وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الإيمان قال ~~إطعام الطعام وبذل PageV01P156 السلام وقال صلى الله عليه وسلم في ms086 الكفارات ~~والدرجات إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام # أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال صلى ~~الله عليه وسلم أكل طعامك الأبرار وفي أثر لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل ~~طعامك إلا تقي ولا يقتصر على الأغنياء خاصة بل يضم معهم الفقراء قال صلى ~~الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويحرم منها ~~الفقراء وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم ~~وكذلك يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب ~~الباقين وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب ~~الإخوان وإدخال السرور على قلوب المؤمنين وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه ~~يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب وينبغي أن لا ~~يدعو إلا من يحب إجابته # وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع ولها خمسة ~~آداب # الأول أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه # الثاني أن لا يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي ~~وعدم جاهه بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجلها ~~PageV01P157 # الثالث أن لا يمتنع لكونه صائما بل يحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر ~~وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل ~~وذلك في صوم التطوع وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل وقد قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية ~~وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة ~~والحديث الطيب # الرابع أن يمتنع عن الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو كان يقام في ~~الموضع منكر أو كان الداعي ظالما أو فاسقا أو متكلفا طلبا للمباهاة والفخر # الخامس أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملا في أبواب الدنيا ~~بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملا للآخرة فينوي الاقتداء بسنة ms087 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإكرام أخيه المؤمن وزيارته ليكونا من المتحابين في ~~الله وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن ~~يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه وكان بعض ~~السلف يقول أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب فإن ~~المباح يلتحق بوجوه الخيرات بالنية # وأما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ~~ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد ولا ~~يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا ~~يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه ~~ولا يجلس في مقابلة باب الحجرة الذي للنساء وسترهم ولا يكثر النظر إلى ~~الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره ويخص بالتحية والسؤال من ~~يقرب منه إذا جلس وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل PageV01P158 عند ~~دخوله القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء وأن يغسل صاحب المنزل يده قبل القوم ~~وقبل الطعام لأنه يدعو الناس إلى كرمه ويتأخر في آخر الطعام عنهم وعلى ~~الضيف إذا دخل فرأى منكرا أن يغيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف # | وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة # الأول تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو ~~اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك ~~في التأخير وأحد المعنيين في قوله تعالى @QB@ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين @QE@ أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى @QB@ ~~فما لبث أن جاء بعجل حنيذ @QE@ وقوله @QB@ فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ~~@QE@ والروغان الذهاب بسرعة وقيل في خفية قال حاتم الأصم العجلة من الشيطان ~~إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف وتجهيز ~~الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب # الثاني ترتيب الأطعمة ms088 بتقديم الفاكهة أولا إن كانت فذلك أوفق في الطب ~~فإنها أسرع استحالة فينبغي أن تقع في أسفل المعدة وفي القرآن تنبيه على ~~تقديم الفاكهة في قوله تعالى @QB@ وفاكهة مما يتخيرون @QE@ ثم قال @QB@ ~~ولحم طير مما يشتهون @QE@ ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فإن ~~جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات ودل على حصول الإكرام باللحم قوله ~~تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه ~~وهو أحد معنيي الإكرام أعني تقديم اللحم قال أبو سليمان الداراني رضي الله ~~عنه أكل الطيبات يورث الرضاء عن الله وتتم هذه الطيبات بشرب الماء ~~PageV01P159 البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل قال المأمون شرب ~~الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعضهم الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان ~~والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين وتزيين المائدة بالبقول مستحب أيضا # الثالث أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر ~~الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة ~~اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل ويستحب أن يقدم ~~جميع الألوان دفعة أو يخبر بما عنده # الرابع أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا ~~الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو ~~بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة # الخامس أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في ~~المروءة والزيادة عليه تصنع قال ابن مسعود رضي الله عنه نهينا أن نجيب دعوة ~~من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة وينبغي أن يعزل ~~أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا ~~يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم # فأما الانصراف فله ثلاثة آداب # الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وتمام ~~الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول ms089 والخروج وعلى المائدة # الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق ~~والتواضع # الثالث أن لا يخرج إلا برضاء صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في قدر ~~الإقامة وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى ~~PageV01P160 إخراجه نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ~~ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش لضيف ينزل به # | آداب متفرقة # الأول حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال الأكل في السوق دناءة ونقل عن بعض ~~السلف فعله ووجه الجمع أنه يختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ~~ذاك به لحاله أو عادة بلاده كان شرها وقلة مروءة ومن لا فلا حرج # الثاني قال بعض الأطباء لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم ~~إلا فتيا ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا ~~تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه ولا تشربن فوق ~~الطعام ولا تحبس البول والغائط وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل ~~فامش قبل أن تنام ولو مئة خطوة # الثالث يستحب أن يحمل الطعام إلى أهل الميت ولما جاء نعي جعفر بن أبي ~~طالب قال صلى الله عليه وسلم إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم ~~فاحملوا إليهم ما يأكلون فذلك سنة وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه # الرابع لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل # | تتمة # حكي أن بعضهم كان يمتنع عن إجابة الدعوة ويقول انتظار المرقة ذل وقال آخر ~~إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي وقد أنكر بعضهم هذا ~~PageV01P161 الكلام وقال هذا خلاف السنة قال الغزالي وليس كذلك فإنه ذل إذا ~~كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد بها منة وكان يرى ذلك يدا له على ~~المدعو ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد ~~منة ويرى ذلك شرفا ms090 وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال ~~فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام وأنه يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنة ~~إجابته بل الأولى التعلل ولذلك قال بعض الصوفية لا تجب إلا دعوة من يرى أنك ~~أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول ~~تلك الوديعة منه فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد ~~PageV01P162 # | كتاب آداب النكاح # # | الترغيب فيه # قال الله تعالى @QB@ وأنكحوا الأيامى منكم @QE@ وهذا أمر وقال تعالى @QB@ ~~فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن @QE@ وهذا منع من العضل ونهي عنه وقال تعالى ~~في وصف الرسل ومدحهم @QB@ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية @QE@ فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل ومدح أولياءه بسؤال ذلك ~~في الدعاء فقال @QB@ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين @QE@ الآية وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن ~~رغب عن سنتي فقد رغب عني وقال من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض ~~للبصر وأحصن PageV01P163 للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء هذا ~~يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج والوجاء هو عبارة ~~عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع بالصوم ~~وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف الفساد ~~وقال صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له ~~الحديث ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح # وأما الآثار فقال ابن عباس رضي الله عنه لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج ~~يحتمل أنه جعله من النسك أو تتمة له أو أراد أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة ~~إلا بالتزوج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب وكان يجمع غلمانه لما أدركوا ~~ويقول إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع ms091 الإيمان من قلبه # وأما فوائد النكاح فخمسة الولد وكسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ~~ومجاهدة النفس بالقيام بهن # | ما يراعى من أحوال المرأة # الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد ~~وتتوفر مقاصده ثمان الدين والخلق والحسن وخفة المهر والولادة والبكارة ~~والنسب وأن لا تكون قرابة قريبة # الأولى أن تكون صالحة ذات دين فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء ~~فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين ~~الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه فإن سلك سبيل الحمية ~~PageV01P164 والغيرة لم يزل في بلاء وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا ~~بدينه وعرضه ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة وإن كانت فاسدة الدين باستهلاك ~~ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشا معه فإن سكت ولم ينكره كان شريكا في ~~المعصية مخالفا لقوله تعالى @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ وإن أنكر ~~وخاصم تنغص العمر ولهذا بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريض على ~~ذات الدين فقال تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فعليك بذات الدين ~~تربت يداك ) # الثانية حسن الخلق فإنها إذا كانت سليطة بذيئة اللسان كافرة للنعم كان ~~الضرر منها أكثر من النفع والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء # الثالثة حسن الوجه فذلك أيضا مطلوب إذ به يحصل التحصن والطبع لا يكتفي ~~بالدميمة غالبا وما نقلناه من الحث على الدين ليس زجرا عن رعاية الجمال بل ~~هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين فإن الجمال وحده في ~~غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين ويدل على الالتفات إلى معنى ~~الجمال أن الإلف والمودة تحصل به غالبا وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب ~~الألفة ولذلك استحب النظر فقال إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر ~~إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما أي يؤلف بينهما وكان بعض الورعين لا ينكحون ~~كرائمهم إلا بعد النظر احترازا من الغرور وقال الأعمش كل تزويج يقع ms092 على غير ~~نظر فآخره هم وغم وروي أن رجلا تزوج على عهد عمر رضي الله عنه وكان قد ~~PageV01P165 خضب فنصل خضابه فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر وقالوا حسبناه ~~شابا فأوجعه عمر ضربا وقال غررت القوم والغرور يقع في الجمال والخلق جميعا ~~فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر وفي الخلق بالوصف والاستيصاف ولا ~~يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن لا ~~يميل إليها فيفرط في الثناء ولا يحسدها فيقصر وقل من يصدق فيه بل الخداع ~~والإغراء أغلب والاحتياط فيه مهم # الرابعة أن تكون خفيفة المهر فقد نهي عن المغالاة في المهر وتزوج بعض ~~الصحابة على نواة من ذهب يقال قيمتها خمسة دراهم وزوج سعيد بن المسيب ابنته ~~من أبي هريرة رضي الله عنه على درهمين ثم حملها هو إليه ليلا فأدخلها من ~~الباب ثم انصرف ثم جاءها بعد سبعة أيام فسلم عليها وفي خبر من بركة المرأة ~~سرعة تزويجها وسرعة رحمها أي الولادة ويسر مهرها وكما تكره المغالاة في ~~المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة الرجل ولا ينبغي أن ينكح ~~طمعا في المال وإذا أهدى إليهم فلا ينبغي أن يهدي ليضطرهم إلى المقابلة ~~بأكثر منه وكذلك إذا أهدوا إليه فنية طلب الزيادة نيه فاسدة وداخل في قوله ~~تعالى @QB@ ولا تمنن تستكثر @QE@ أي تعطي لتطلب أكثر # الخامسة أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزويجها # السادسة أن تكون بكرا قال صلى الله عليه وسلم لجابر وقد نكح ثيبا هلا ~~بكرا تلاعبها وتلاعبك # السابعة أن تكون نسيبة أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها ~~PageV01P166 ستربي بناتها وبنيها فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب ~~والتربية وفي خبر تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع # الثامنة أن لا تكون من القرابة القريبة فإن ذلك يقلل الشهوة فهذه هي ~~الخصال المرغبة في النساء # ويجب على الولي أيضا أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ~~ساء خلقه أو خلقه أو ضعف دينه ms093 أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في ~~نسبها ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد جنى على ~~دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار قال رجل للحسن قد ~~خطب ابنتي جماعة فممن أزوجها قال ممن يتقي الله فإن أحبها أكرمها وإن ~~أبغضها لم يظلمها # | آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق والنظر فيما على الزوج والزوجة # أما الزوج فعليه مراعاة الاعتدال والأدب في اثني عشر أمرا في الوليمة ~~والمعاشرة والدعابة والسياسة والغيرة والنفقة والتعليم والقسم والتأديب في ~~النشوز والوقاع والولادة والمفارقة بالطلاق # الأدب الأول الوليمة وهي مستحبة قال أنس رضي الله عنه رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أثر صفرة فقال ما هذا ~~فقال تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال بارك الله لك أو لم ولو بشاة ~~وأو لم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق وتستحب تهنئته ~~فيقول PageV01P167 من دخل على الزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما ~~في خير ويستحب إظهار النكاح قال صلى الله عليه وسلم فصل ما بين الحلال ~~والحرام الدف والصوت # الأدب الثاني حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن قال تعالى ~~@QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ وقال في تعظيم حقهن @QB@ وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا @QE@ وقال @QB@ والصاحب بالجنب @QE@ قيل هي المرأة وليس حسن الخلق ~~معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره ~~الواحدة منهن يوما إلى الليل # الثالث أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي ~~تطيب قلوب النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل ~~إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق وأرى عائشة لعب الحبشة بالمسجد ~~واستوقفته طويلا وهو يقول لها حسبك وقال صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم ~~لأهله وأنا خيركم لأهلي وقال عمر رضي الله ms094 عنه ينبغي للرجل أن يكون مع أهله ~~مثل الصبي وقال صلى الله عليه وسلم لجابر هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ووصفت ~~أعرابية زوجها وقد مات فقالت والله لقد كان ضحوكا إذا ولج سكيتا إذا خرج ~~آكلا ما وجد غير سائل عما فقد # الرابع أن لا ينبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد ~~يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها بل يراعي الاعتدال فيه فلا يدع ~~الهيبة والانقباض مهما رأى منكرا ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة ~~بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض فبالعدل قامت السموات ~~والأرض فكل ما جاوز حده انعكس على ضده فينبغي أن يسلك سبيل الاقتصاد في ~~المخالفة PageV01P168 والموافقة وتتبع الحق في جميع ذلك ليسلم من شرهن فإن ~~الغالب عليهن سوء الخلق ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة ~~وعليه أن ينظر إلى أخلاقها أولا بالتجربة ثم ليعاملها بما يصلحها كما ~~يقتضيه حالها # الخامس الاعتدال في الغيرة وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى ~~غوائلها ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن فقد نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورات النساء وفي رواية أن تبغت النساء ولما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره قال قبل دخول المدينة لا تطرقوا ~~النساء ليلا فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره وفي الحديث ~~إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة ~~لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي ~~محمودة وذلك في الريبة وكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في ~~حضور المسجد سيما في العيدين فالخروج للمسجد مباح للمرأة العفيفة مباح ~~برضاء زوجها ولكن القعود أسلم وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم فإن الخروج ~~للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد ~~فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها ms095 عن الرجال ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها ~~عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر ~~عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان ~~مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق ~~النساء لأمروا بالتنقيب أو منعن من الخروج إلا لضرورة # السادس الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي ~~أن يسرف بل يقتصد قال تعالى @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ قال ابن ~~PageV01P169 سيرين يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة حلاوة وينبغي أن ~~يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك فهذا أقل درجات الخير ~~وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير تصريح إذن من الزوج ولا ينبغي أن ~~يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه فإن ذلك مما يوعز الصدور ويبعد ~~عن المعاشرة بالمعروف ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه ~~وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته وأهم ما يجب عليه مراعاته في ~~الإنفاق أن يطعمها من الحلال ولا يدخل مداخل السوء لأجلها فإن ذلك جناية ~~عليها لا مراعاة لها # السابع أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز ~~الواجب ويعلم زوجته أحكام الصلاة ويخوفها من الله إن تساهلت في أمر الدين ~~فإن كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء وإن قصر علم ~~الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج فإن ~~لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال بل عليها ذلك ويعصى الرجل بمنعها # الثامن إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن فإن خرج ~~إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن فإن ظلم امرأة بليلتها قضى لها فإن ~~القضاء واجب عليه وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت وأما في الحب والوقاع ~~فذلك لا يدخل تحت الاختيار وكان صلى الله عليه وسلم يطاف به محمولا ms096 في مرضه ~~في كل يوم وكل ليلة فيبيت عند كل واحدة منهن ومهما وهبت واحدة ليلتها ~~لصاحبتها ثبت الحق لها # التاسع التأديب في النشوز ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما فإن ~~كان من جانبهما جميعا أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على ~~إصلاحها فلا بد من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ~~ويصلحا أمرهما @QB@ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما @QE@ وأما إذا كان ~~النشوز من المرأة خاصة فالرجال قوامون على النساء فله أن يؤدبها ويحملها ~~على الطاعة قهرا ولكن PageV01P170 ينبغي أن يتدرج في تأديبها وهو أن يقدم ~~أولا الوعظ والتحذير والتخويف فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد ~~عنها بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال فإن لم ينجح ~~ذلك فيها ضربها ضربا غير مبرح ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه # العاشر في آداب الجماع يستحب أن يقدم عليه الحديث والمؤانسة وأن يغطي ~~رأسه ويغض صوته ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها ~~ولا يأتيها في المحيض حتى تطهر وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ولا يأتيها ~~في غير المأتى إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى والأذى في غير المأتى دائم ~~فهو أشد تحريما من إتيان الحائض وقوله تعالى @QB@ فأتوا حرثكم أنى شئتم ~~@QE@ أي في أي وقت شئتم وله أن يستمني بيديها وأن يستمتع بما تحت الإزار ~~بما يشتهي سوى الوقاع وله أن يؤاكل الحائض ويخالطها في المضاجعة وغيرها ومن ~~الآداب أن لا يعزل فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة فإن عزل فمن ~~العلماء من أباحه ومنهم من أحله برضاها وحرمه بدون رضاها لئلا يؤذيها ~~والصحيح الأول وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أنه قال كنا نعزل على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل وفي لفظ آخر كنا نعزل فبلغ ذلك ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا وقد يبعث على العزل استبقاء ms097 جمال ~~المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق أو الخوف من ~~كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ~~ودخول مداخل السوء فإن قلة الحرج معين على الدين # | الحادي عشر في آداب الولادة وهي خمسة # الأول أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخير له في ~~أيهما فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن تكون بنتا بل ~~الثواب فيهن أكثر قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له ~~ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما PageV01P171 صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة ~~كهاتين # الثاني أن يؤذن في أذن المولود حين ولادته # الثالث أن يسميه اسما حسنا ومن كان له اسم مكروه يستحب تبديله # الرابع العقيقة عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة وأن يتصدق بوزن شعره ~~ذهبا أو فضة # الخامس أن يحنكه بتمرة أو حلاوة روي ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم # الثاني عشر في الطلاق وهو أبغض المباحات إلى الله تعالى وإنما يكون مباحا ~~إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ومهما طلقها فقد آذاها ولا يباح إيذاء الغير ~~إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه قال تعالى @QB@ فإن أطعنكم فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا @QE@ أي لا تطلبوا حيلة للفراق وإن كرهها أبوه لا لغرض ~~فاسد فليطلقها برا به ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية وكذلك مهما ~~كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل ~~مال ويكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل ~~عليها وتجارة على البضع قال تعالى @QB@ فلا جناح عليهما فيما افتدت به @QE@ ~~فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة ~~ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور PageV01P172 # الأول أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه فإن الطلاق في الحيض أو الطهر ~~الذي جامع فيه برعي حرام وإن كان ms098 واقعا لما فيه من تطويل العدة عليها فإن ~~فعل ذلك فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء ~~أمسكها # الثاني أن يقتصر على طلقة واحدة لأنها تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة ~~إن ندم في العدة وإذا طلق ثلاثا ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى ~~الصبر مدة وعقد المحلل منهي عنه ويكون هو الساعي فيه # الثالث أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف وتطييب قلبها ~~بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق قال تعالى @QB@ ~~ومتعوهن @QE@ وجه الحسن بن علي رضي الله عنهما بعض أصحابه لطلاق امرأتين من ~~نسائه وقال قل لهما اعتدا وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم # الرابع أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح فقد ورد في إفشاء سر ~~النساء وعيد عظيم # | حقوق الزوج على الزوجة # على الزوجة طاعة الزوج في كل ما طلب منها مما لا معصية فيه وقد ورد في ~~تعظيم حق الزوج عليها أخبار كثيرة قال صلى الله عليه وسلم أيما امرأة ماتت ~~وزوجها عنها راض دخلت الجنة وقال صلى الله عليه وسلم إذا صلت المرأة خمسها ~~وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها قال ابن عباس أتت ~~امرأة من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة أيم وأريد ~~أن أتزوج فما حق الزوج قال إن من حق الزوج على الزوجة إذا أرادها فراودها ~~عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه ومن حقه أن لا تعطي شيئا من بيته إلا ~~بإذنه فإن PageV01P173 فعلت ذلك كان الوزر عليها والأجر له ومن حقه أن لا ~~تصوم تطوعا إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يتقبل منها وإن خرجت من ~~بيتها بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى بيته أو تتوب فحقوق الزوج ~~على الزوجة كثيرة وأهمها أمران أحدهما الصيانة والستر والآخر ترك المطالبة ~~مما وراء الحاجة والتعفف عن كسبه إذا كان حراما ms099 ومن حقها على الوالدين ~~تعليمها حسن المعاشرة وآداب العشرة مع الزوج كما روي أن أسماء بن خارجة ~~الفزاري قال لابنته عند التزوج إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى ~~فراش لا تعرفينه وقرين لا تألفينه فكوني له أرضا يكن لك سماء وكوني له ~~مهادا يكن لك عمادا وكوني له أمة يكن لك عبدا لا تلحفي به فيقلاك ولا ~~تباعدي عنه فينساك إن دنا منك فاقربي منه وإن نأى فابعدي عنه واحفظي أنفه ~~وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر إلا جميلا ~~فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها ~~لازمة لمغزلها لا يكثر صعودها وإطلاعها قليلة الكلام لجيرانها لا تدخل ~~عليهم إلا في حال يوجب الدخول تحفظ بعلها في غيبته وحضرته وتطلب مسرته في ~~جميع أمورها ولا تخونه في نفسها وماله ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن ~~خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق ~~محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إلى صديق بعلها في ~~حاجاتها بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه همها صلاح شأنها وتدبير ~~بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس ~~البعل حاضرا لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها وبعلها وتكون ~~قانعة من زوجها بما رزق الله وتقدم حقه على حق نفسها وحق سائر PageV01P174 ~~أقاربها متنظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء مشفقة ~~على أولادها حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج # ومن آدابها أن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه # ومن آدابها ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى اللعب ~~والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها # ومما يجب عليها من حقوق النكاح إذا مات عنها زوجها أن لا تحد عليه أكثر ~~من أربعة أشهر وعشرة وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة ms100 قال صلى الله عليه ~~وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة ~~أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ويلزمها لزوم مسكن النكاح إلى آخر العدة ~~وليس لها الانتقال إلى أهلها ولا الخروج إلا لضرورة # ومن آدابها أن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها كما كان عليه نساء ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين PageV01P175 # | كتاب آداب الكسب والمعاش # # | فضل الكسب والحث عليه # أما من الكتاب فقوله تعالى @QB@ وجعلنا النهار معاشا @QE@ فذكره في معرض ~~الامتنان وقال تعالى @QB@ وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون @QE@ ~~فجعلها ربك نعمة وطلب الشكر عليها وقال تعالى @QB@ فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله @QE@ وأما الأخبار فمنها قوله صلى الله عليه وسلم لأن ~~يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله ~~فيسأله أعطاه أو منعه وكان صلى الله عليه وسلم جالسا مع أصحابه ذات يوم ~~فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة وقد بكر يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه ~~وجلده في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا هذا فإنه أن ~~كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين ~~شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في ~~سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان وقيل يا رسول ~~الله أي الكسب أطيب قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور وقال صلى الله عليه ~~وسلم خير الكسب كسب العامل إذا نصح أي بأن PageV01P176 أتقن وتجنب الغش ~~وقام بحق الصنعة وقال عمر رضي الله عنه لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول ~~اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وقال ابن مسعود رضي ~~الله عنه إني لأكره أن أرى الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته ~~وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنه ما ms101 تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال ~~لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم أما سمع قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي وقوله صلى الله ~~عليه وسلم حين ذكر الطير فقال تغدو خماصا وتروح بطانا فذكر انها تغدو في ~~طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ~~ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا ~~الكسب والتجارة نعم ترك الكسب أفضل لعالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ~~ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي أي الفقيه والمفسر والمحدث وأمثالهم أو ~~رجل مشتغل بمصالح المسلمين كالسلطان والقاضي والشاهد فهؤلاء إذا كان يكفون ~~من الأموال المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء ~~فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب ولهذا أشار الصحابة على ~~أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ولي الخلافة إذ كان ذلك يشغله عن ~~المصالح وكان يأخذ كفايته من مال المصالح ورأى ذلك أولى ثم لما توفي أوصى ~~برده إلى بيت المال ولكنه رآه في الابتداء أولى # | بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة # اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط ~~PageV01P177 الله تعالى وهذا الظلم يعنى به ما استضر به الغير وهو منقسم ~~إلى ما يعم ضرره وإلى ما يخص المعامل # | القسم الأول فيما يعم ضرره وهو أنواع # الأول الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهو ظلم ~~عام وصاحبه مذموم في الشرع وذلك في وقت قلة الأطعمة وحاجة الناس إليه حتى ~~يكون في تأخير بيعه ضرر ما أما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس عنها ~~ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر قحطا ~~فليس في هذا إضرار وأما إذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخاره إضرار فلا ~~ريب في تحريمه # ومع عدم الضرار لا ms102 يخلو احتكار الأقوات عن كراهية فإنه ينتظر مبادئ ~~الضرار وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار محذور كانتظار عين الضرار ~~ولكنه دونه وانتظار عين الضرار أيضا هو دون الإضرار فبقدر درجات الإضرار ~~تتفاوت درجات الكراهية والتحريم # الثاني ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم إذ يستضر به ~~المعامل إن لم يعرف وإن عرف فسيروجه على غيره فيتردد في الأيدي ويعم الضرر ~~ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه لأنه هو الذي فتح هذا الباب ~~قال بعضهم إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم لأن السرقة معصية واحدة ~~وقد تمت وانقطعت وإنفاق الزيف قد يكون عليه وزرها بعد موته إلى مئة سنة أو ~~مئتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد من نقص أموال الناس ~~وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مئة ~~سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ويسأل عنها إلى آخر انقراضها قال تعالى @QB@ ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم @QE@ أي نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما ~~نكتب ما قدموه وفي مثله قوله تعالى @QB@ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ~~@QE@ وإنما أخر آثار أعماله من PageV01P178 سنة سيئة عمل بها غيره وفي ~~الزيف أمور منها أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا ~~تمتد إليه اليد وإياه أن يروجه في بيع آخر فإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل ~~جاز ومنها أنه يجب على التاجر تعلم النقد لئلا يسلم إلى أحد زيفا وهو لا ~~يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم فلكل عمل علم به يتم نصح ~~المسلمين فيجب تحصيله ومنها أنه إن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد ~~البلد فعليه أن يخبر به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في ~~جملة النقد بطريق التلبيس فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على ~~الفساد فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا وذلك محظور وإعانة ms103 على الشر ~~ومشاركة فيه وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على ~~نوافل العبادات والتخلي لها # | القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل # فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل بأن لا يضر بأخيه المسلم ~~والضابط الكلي فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه فكل ما عومل به وشق ~~عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده ~~درهمه ودرهم غيره هذه جملته وأما تفصيله ففي أربعة أمور # الأول أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأنه كذب فإن قبل المشتري ذلك ~~فهو تلبيس وظلم وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة وأما الثناء على السلعة ~~بذكر القدر الموجود فيها من غير مبالغة وإطناب فلا بأس به ولا ينبغي أن ~~يحلف عليها البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر ~~وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس ~~من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة وفي الخبر ويل للتاجر من ~~بلى والله ولا والله وويل للصانع من غد وبعد غد وفي الخبر اليمين الكاذبة ~~منفقة للسلعة ممحقة للكسب PageV01P179 # الثاني أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك ~~واجب فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام وكان تاركا للنصح في المعاملة ~~والنصح واجب ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا وكذلك إذا ~~عرض الثياب في المواضع المظلمة وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل ~~وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر صلى الله عليه وسلم برجل يبيع ~~طعاما فأعجبه فأدخل يده فرأى بللا فقال ما هذا قال أصابته السماء فقال فهلا ~~جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا ويدل على وجوب النصح ~~بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع جريرا على ~~الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط ms104 عليه النصح لكل مسلم فكان جرير إذا ~~قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال إن شئت فخذ وإن شئت فاترك ~~فقيل له إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع فقال إنا بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وكان واثلة بن الأسقع واقفا فباع ~~رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه ~~وجعل يصيح به يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر فقال بل للظهر فقال إن بخفها ~~نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير فعاد فردها فنقصها البائع مئة درهم ~~وقال لواثلة رحمك الله أفسدت علي بيعي فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على النصح لكل مسلم وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لا يحل لأحد يبيع بيعا إلا أن يبين آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه ~~فقد فهموا PageV01P180 من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ولم ~~يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيارة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام ~~الداخلة تحت بيعتهم وهذا الأمر وإن كان يشق على النفس إلا أنه يتيسر على ~~العبد باعتقاد أمرين # أحدهما أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ~~ببركته وقد يهلك الله ما يجمعه من التلبيسات دفعة واحدة فقد حكي أن واحدا ~~كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيع فجاء سيل فغرق البقرة فقال ~~بعض أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة ~~واحدة وأخذت البقرة كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم البيعان إذا صدقا ونصحا ~~بورك لهما في بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما وفي الحديث يد الله ~~على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما فإذا لا يزيد مال من ~~خيانة كما لا ينقص من صدقة # والمعنى الثاني الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن يعلم ~~أن ربح الآخرة وغناها ms105 خير من ربح الدنيا وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي ~~بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستخير العاقل أن يستبدل الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير والخير كله في سلامة الدين وفي الحديث ما آمن بالقرآن ~~من استحل محارمه ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ~~ماله في تجارته في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ~~ينتفع به أياما معدودة وعن بعض التابعين أنه قال لو دخلت الجامع وهو غاص ~~بأهله وقيل لي من خير هؤلاء ومن شرهم لقلت خيرهم أنصحهم لهم وشرهم أغشهم ~~لهم والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله ~~على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن الصنعة ~~ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها غيب فبذلك يتخلص وسأل رجل حذاء ابن سالم ~~فقال كيف لي أن أسلم في بيع النعال فقال اجعل الوجهين سواء ولا تفضل اليمنى ~~على الأخرى وجود الحشو وليكن شيئا واحدا تاما وقارب بين الخرز ولا تطبق ~~PageV01P181 إحدى النعلين على الأخرى ومن ذلك ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه ~~الله من الرفو بحيث لا يتبين قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه وإنما يحل ~~للرفاء إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريدها للبيع فإن قلت فلا تتم المعاملة ~~مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع فأقول ليس كذلك إذ شرط التاجر أن ~~لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ولا يحتاج إلى تلبيس ~~فمن تعود هذا لم يشتر المعيب فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع ~~بقيمته باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب ~~العلف برجلها فهكذا كانت سيرة أهل الدين # الثالث أن لا يكتم في المعيار وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي ~~الكيل فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى @QB@ ويل للمطففين الذين ~~إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا ms106 كالوهم أو وزنوهم يخسرون @QE@ ولا يخلص ~~من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى وينقص إذا أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور ~~فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه ~~وكان بعضهم يقول لا أشتري الويل من الله بحبة وكل من خلط بالطعام ترابا أو ~~غيره ثم كاله فهو من المطففين في الوزن وقس على هذا سائر التقديرات حتى في ~~الذرع الذي يتعاطاه البزاز إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا ~~وإذ باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتا في القدر فكل ذلك من التطفيف المعرض ~~صاحبه للويل # الرابع أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تلقي الركبان ونهى عن النجش أما تلقي الركبان فهو أن ~~يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب PageV01P182 السلعة بالخيار بعد ~~أن يقدم السوق ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه ~~قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه فيقول له الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه ~~وأنتظر ارتفاع سعره ونهى أيضا عن النجش وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي ~~الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة ~~المشتري فيها فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع ~~والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ففعل هذا ~~من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب ومن ذلك أنه ليس له أن يغتنم فرصة ~~وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع ~~الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين ومهما باع ~~مرابحة بأن يقول بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ثم يجب عليه ~~أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان # | الإحسان في المعاملة # قد أمر الله ms107 تعالى بالعدل والإحسان جميعا والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري ~~من التجارة مجرى سلامة رأس المال والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري ~~من التجارة مجرى الربح ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ~~ماله فكذا في معاملات الآخرة ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب ~~الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى @QB@ وأحسن كما أحسن الله ~~إليك @QE@ وقال عز وجل @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان @QE@ وقال سبحانه ~~@QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ وينال المعامل رتبة الإحسان بواحد ~~من ستة أمور # الأول في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة ~~فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ولكن ~~يراعى فيه التقريب ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحا ~~كثيرا وبه تظهر البركة PageV01P183 # الثاني في احتمال الغبن والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير ~~فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله صلى الله ~~عليه وسلم رحم الله سهل البيع وسهل الشراء وأما احتمال الغبن من الغني فليس ~~محمودا بل هو تضييع مال من غير أجر ولا حمد وكان كثير من السلف يستقصون في ~~الشراء ويهبون مع ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم في ذلك فقال إن الواهب ~~يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله # الثالث في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط ~~البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد وكل ذلك ~~مندوب إليه ومحثوث عليه وفي الخبر من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم صدقة ~~إلى أجله فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة ونظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب الدين ~~بيده أي ضع الشطر ففعل فقال للمديون قم فأعطه # الرابع في توفية الدين ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى ~~صاحب ms108 الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه فقد قال صلى الله عليه وسلم ~~خيركم أحسنكم قضاء ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته وإن ~~عجز فلينو PageV01P184 قضاءه مهما قدر ومهما كلمه مستحق الحق بكلام خشن ~~فليتحمله وليقابله باللطف اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لما ردد ~~عليه كلامه صاحب الدين فهم به أصحابه فقال دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ومن ~~الإحسان أن يميل الحكم إلى من عليه الدين لعسره # الخامس أن يقبل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ~~ينبغي أن يرضي لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه وفي الخبر من أقال نادما ~~صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة # السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم ~~على أن لا يطالبهم إن لم يظهر لهم ميسرة وكان من السلف من يقول لفقير خذ ما ~~تريد فإن يسر لك فاقض وإلا فأنت في حل منه وسعة فهذه طرق تجارات السلف ~~وبالجملة فالتجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه # | شفقة التاجر على دينه # لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعا وصفقته خاسرة ~~وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون ممن اشترى ~~الحياة الدنيا بالآخرة بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه ~~بحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه وإنما تتم شفقته على دينه ~~بمراعاة سبعة أمور # الأول حسن النية في ابتداء التجارة فلينو بها الاستعفاف عن السؤال وكف ~~الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على الدين وقياما ~~بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به ولينو النصح للمسلمين وأن يحب ~~لسائر الخلق ما يحب لنفسه ولينو اتباع طريق العدل والإحسان في معاملته كما ~~ذكرناه ولينو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في السوق فإذا ~~أضمر هذه النيات كان PageV01P185 عاملا في طريق الآخرة فإن استفاد مالا فهو ~~مزيد وإن خسر ms109 في الدنيا ربح في الآخرة # الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات فإن ~~الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق فانتظام أمر الكل ~~بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل ومن الصناعات ما هي مهمة ومنها ما يستغنى ~~عنها لرجوعها إلى طلب التنعم والتزيين في الدنيا فليشتغل بصناعة مهمة ليكون ~~لقيامه بها كافيا عن المسلمين مهما في الدين # الثالث أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد قال ~~الله تعالى @QB@ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة @QE@ وكان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق لأهل ~~الذمة والصبيان # الرابع أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل ~~بالتهليل والتسبيح فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل # الخامس أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة وذلك بأن يكون أول داخل ~~وآخر خارج # السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الريب ~~ويستفتي قلبه فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل ~~عنها وكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله # السابع ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه فإنه ~~مراقب ومحاسب فليعد الجواب ليوم الحساب PageV01P186 # | كتاب الحلال والحرام # # | فضيلة الحلال ومذمة الحرام # قال الله تعالى @QB@ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ أمر بالأكل من ~~الطيبات قبل العمل وقيل إن المراد به الحلال وقال تعالى @QB@ ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين @QE@ ثم ~~قال @QB@ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله @QE@ ثم قال @QB@ وإن ~~تبتم فلكم رؤوس أموالكم @QE@ ثم قال ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون ) جعل أكل الربا في أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله ms110 وفي آخره متعرضا ~~للنار والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى وروى ابن مسعود رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب الحلال فريضة على كل مسلم ~~وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة PageV01P187 ~~على كل مسلم المراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثيين ~~واحدا ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر ~~مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا ~~رب فأنى يستجاب لذلك وقال صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار ~~أولى به وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ~~ثم سأل عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ~~ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط ~~الأمعاء وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل أصابعه ~~وتقيأ وقال سهل التستري لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع ~~خصال أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي ظاهرا وباطنا ~~والصبر على ذلك إلى الموت وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين فقيل له من ~~أين تأكل فقال من حيث تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك ~~وقال يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات # | أصناف الحلال ومداخله # اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه ويستغني المريد ~~عن PageV01P188 تطويله بأن يكون له طعمه معينة يعرف بالفتوى حلها وكان لا ~~يأكل من غيرها فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم ~~الحلال والحرام كله ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق يقسم وذلك أن المال ~~إنما يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه # القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما وتفصيله ms111 أن ~~الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام فإنها إما أن تكون من ~~المعادن كالملح والطين وغيرهما أو من النبات أو من الحيوانات فأما المعادن ~~فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر ~~بالآكل أو في بعضها ما يجري مجرى السم والخبز لو كان مضرا لحرم أكله والطين ~~الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر # وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ويزيل الحياة أو الصحة فمزيل ~~العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة ~~الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات ~~فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته # وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وتفصيله في كتب الفقه ~~وما يحل أكله فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط الذابح والآلة ~~والمذبح على ما يذكر في كتب الفقه وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام ~~ولا يحل إلا ميتتان السمك والجراد # القسم الثاني ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه ويتحصل منه أقسام # الأول ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد ~~والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال وشرطه أن لا يكون ~~المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين # الثاني المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أملاك ~~الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين ~~المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد # الثالث ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي فيه الشروط المصححة مع ~~ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة # الرابع ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب ~~PageV01P189 من وجه حلال ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل ~~القسمة بين الورثة وإخراج الحج والزكاة والكفارة إن كان واجبا وبقي أقسام ~~أخر ونحن أشرنا إلى جملتها ليعلم ms112 المريد أن كل ما يأكلها من جهتها ينبغي أن ~~يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل فإنه كما يقال للعالم لم خالفت ~~علمك يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قيل لك طلب العلم فريضة ~~على كل مسلم # | درجات الحلال والحرام # اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض والحلال كله طيب ولكن بعضه ~~أطيب من بعض وأصفى من بعض ولذا كان الورع عن الحرام على درجات فمنه الورع ~~عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء ومنه الورع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ~~ومنه ما لا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما لا بأس به ~~مخافة مما به بأس ومنه ما لا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يتناول ~~لغير الله ولا على نيه التقوي به على عبادة الله أو تتطرق إلى أسبابه ~~المسهلة له كراهية أو معصية # وقد حكي عن ابن سيرين أنه ترك لشريكه أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه ~~شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به وكان لبعضهم مائة درهم على إنسان ~~فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة وكان ~~بعضهم يتجر فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يزنه بزيادة حبة ومن ~~ذلك الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح ~~بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع كما تورع بعضهم ~~من أخذ تراب من حائط بيت كان يسكنه بكراء وكما روي أن عمر بن عبد العزيز ~~كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال لما ~~استبعد ذلك منه وهل ينتفع منه إلا بريحه ومنه أن بعضهم كان عند محتضر فمات ~~ليلا فقال اطفئوا السراج فقد حدث للورثة حق في الدهن وأخذ الحسن رضي الله ~~عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال صلى الله عليه وسلم كخ كخ أي ألقها ms113 ~~وتقيأ PageV01P190 الصديق رضي الله عنه من اللبن الذي سقاه إياه رفيقه وكان ~~تكهن فأعطي اللبن أجرة له وذلك خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه ~~عن جهل وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين ~~وبالجملة فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة ~~وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك ~~الخيار فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخص فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ~~ترخص والسلام # | مراتب الشبهات # قال صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه فهذا الحديث نص ~~في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير ~~من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرفه ~~القليل فنقول # الحلال المطلق ما خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحل عن ~~أسبابه تحريم أو كراهة # والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالخمر لشدته المطربة ~~والبول لنجاسته أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره ~~وهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم ~~يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه والاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال ~~المعدوم في نفسه وأما الشبهة فما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه ~~اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين وللشبهة مثارات # | المثار الأول للشبهة الشك في السبب المحلل والمحرم # فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك وإن ~~غلب أحد الاحتمالين عليه بأن صدر دلالة معتبرة كان الحكم للغالب ولا ~~PageV01P191 يتبين هذا إلا بالأمثال والشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة # القسم الأول أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحلل فهذه ~~شبهة يجب اجتنابها ms114 ويحرم الإقدام عليها # القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم # القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب ~~فهو مشكوك فيه والغالب حله فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب ~~معتبر شرعا فالذي يختار فيه أنه يحل وأن اجتنابه من الورع مثاله أن يرمي ~~إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه ولكن يحتمل أنه مات ~~بسقطة أو بسبب آخر فالمختار أنه حلال لأن الجرح سبب ظاهر وقد تحقق والأصل ~~أنه لم يطرأ عليه غيره فطريانه مشكوك فيه فلا يدفع اليقين بالشك # القسم الرابع أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب ~~معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم مثاله أن يؤدي ~~اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن ~~فتوجب تحريم شربه كما توجب منع الوضوء به # | المثار الثاني للشبهة شك منشؤه الاختلاط # وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط أنواع نوع ~~يقع بعدد محصور كما لو اختلطت ميتة بذكية أو بعشر مذكاة أو اختلطت رضيعة ~~بعشر نسوة فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد ~~والعلامات في هذا وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد فتقابل ~~فيه يقين التحريم والتحليل فضعف الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع ~~فلذلك ترجح # ونوع يقع فيه حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر ~~رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد بل له أن ينكح ~~من شاء منهن وذلك لغلبة الحل والحاجة جميعا إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب ~~أو محرم PageV01P192 بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب ~~النكاح وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء ~~والأكل فإن ذلك حرج وما في الدين من حرج ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان ~~رسول ms115 الله صلى الله عليه وسلم مجن وغل واحد في الغنيمة عباءة لم يمتنع أحد ~~من شراء المجان والعباء في الدنيا وكذلك كل ما سرق وكذلك كان يعرف أن في ~~الناس من يرابي في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية وأما إذا اختلط حرام لا يحصر بحلال لا ~~يحصر كحكم الأموال في زماننا هذا فإنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء ~~بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه ~~من الحرام وقول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط منشئوه استكثار ~~النفوس الفساد واستعظامها له وإن كان نادرا حتى ربما يظن أن الزنا وشرب ~~الخمر قد شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون ~~وإن كان فيهم كثرة وبالجملة فالأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة # | المثار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية # كالبيع في وقت النداء يوم الجمعة والذبح بالسكين المغصوبة والبيع على بيع ~~الغير والسوم على سومه فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على فساد العقد فإن ~~الامتناع من جميع ذلك ورع لأن تناول الحاصل من هذه الأمور مكروه والكراهة ~~تشبه التحريم ومثله كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية كبيع العنب من الخمار ~~وبيع السلاح من قطاع الطريق وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن ~~المأخوذ منه والأقيس أن ذلك صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصى ~~بالذبح بالسكين المغصوب والذبيحة حلال فإنه يعصي عصيان الإعانة على المعصية ~~ولا يتعلق ذلك بعين العقد والمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من ~~الورع المهم PageV01P193 # | تنبيه # لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا ~~جاوز ما رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ~~والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم @QB@ الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ms116 @QE@ ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي # | البحث والسؤال في الحرام والحلال # اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس ~~لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه ~~وليس لك أيضا أن تترك البحث مطلقا بل السؤال لا بد منه من مواقع الريبة ~~ومنشأ الريبة بالنسبة لصاحب المال أن يكون مشكوكا فيه أو معلوما بنوع ظني ~~يستند إلى دلالة وبالنسبة للمال أن يختلط حرامه بحلاله ويكون الحرام أكثر ~~من يقين وجوده فإذا كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون موجودا في الحال ~~لم يكن الأكل حراما ولكن السؤال احتياط والامتناع عنه ورع وإنما يسأل من ~~صاحب اليد إذا لم يكن متهما فإن كان متهما بأنه ليس يدري طريق كسب الحلال ~~أو بأنه لا ثقة في أخباره وأمانته فليسأل من غيره فإذا أخبره عدل واحد قبله ~~وإن أخبره فاسق علم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله ~~لأن المطلوب ثقة النفس والمفتي هو القلب في مثل هذا الوضع وللقلب التفاتات ~~إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه فإذا أطمأن القلب كان ~~الاحتراز حتما واجبا # | كيفية خروج التائب من المظالم المالية # اعلم أن كل من تاب وفي يده مال مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام ~~وإخراجه ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما PageV01P194 # النظر الأول في كيفية التمييز والإخراج من تاب وفي يده ما هو حرام معلوم ~~العين من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل فعليه تمييز الحرام وإن كان ~~ملتبسا مختلطا فإما أن يكون من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان أو ~~يكون في أعيان متمايزة كالدور والثياب فإن كان في المتماثلات أو كان شائعا ~~في المال كله كمن اكتسب المال بتجارة كذب في بعضها وكمن غصب دهنا وخلطه ~~بدهن نفسه وفعل ذلك في الحبوب أو ms117 الدراهم والدنانير فإن كل معلوم القدر مثل ~~أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف وإن أشكل فله ~~طريقان الأخذ باليقين والأخرى الأخذ بغالب الظن والورع في الطريق الأولى ~~فلا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال # فأما إذا اشتبه دار أو ثوب بأمثالهما وكان فيهما تفاوت أخذ الحاكم من ~~طالب بيعها قيمة الأنفس وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويوقف قدر ~~التفاوت إلى البيان والاصطلاح # | مسألة # من ورث مالا ولم يدر مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم ~~علامة فهو حلال باتفاق العلماء وإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج ~~مقدار الحرام بالتحري وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك ~~القدر بالاجتهاد وقال بعض العلماء لا يلزمه والإثم على المورث # النظر الثاني في المصرف فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال إما أن يكون له ~~مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه وإن كان غائبا فينتظر حضوره أو ~~الإيصال إليه وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره وإما ~~أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على عينه ولا يدري أنه مات عن ~~وارث أم لا فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه وربما ~~لا يمكن الرد لكثرة الملاك فهذا ينبغي أن يتصدق به لئلا يضيع وتفوت المنفعة ~~على المالك وعلى غيره وله أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا ~~PageV01P195 # | كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق # # | فضيلة الألفة والأخوة # اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق فحسن الخلق يوجب ~~التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر وحسن ~~الخلق لا يخفى في الدين فضيلته وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم إذ قال @QB@ وإنك لعلى خلق عظيم @QE@ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق وقال ms118 صلى الله عليه ~~وسلم بعثت لأتمم محاسن الأخلاق ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة ~~وانقطاع الوحشة وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي ~~التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع قال ~~الله تعالى مظهرا عظيم منته على المؤمنين @QB@ فأصبحتم بنعمته إخوانا @QE@ ~~أي بالألفة وذم التفرقة وزجر عنها PageV01P196 فقال تعالى @QB@ واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم إن أقربكم مني ~~مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وقال صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وقال صلى الله ~~عليه وسلم من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر ~~أعانه وعنه ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا ~~لصاحبه وعنه صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول حقت محبتي للذين ~~يتزاورون من أجلي وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي وحقت محبتي للذين ~~يتباذلون من أجلي وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي وعنه صلى الله عليه ~~وسلم إن أحبكم إلى الله الذين يألفون أو يؤلفون وإن أبغضكم إلى الله ~~المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان ومن الآثار ما روي عن الفضيل رحمه ~~الله تعالى أنه قال هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة تركتها بأي ~~غيظ كظمته بأي رحم PageV01P197 وصلتها بأي زلة لأخيك غفرتها بأي قريب ~~باعدته في الله بأي بعيد قاربته في الله وقال أيضا نظر الرجل إلى وجه أخيه ~~على المودة والرحمة عبادة # | تحقيق المحبة في الله # هو أن يحب المرء لا يحبه لذاته بل إلى حظوظه الأخروية منه كمن يحب أستاذه ~~لأنه يتوسل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز ~~في الآخرة فهذا من جملة المحبين في الله وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف ~~منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم فهو ms119 محب في الله بل الذي يتصدق ~~بأمواله لله ويجمع الضيفان ويهيئ لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى ~~الله فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبين في الله وكذا لو ~~أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبه في الله أو أحب من ~~يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك للعلم أو العمل ~~ومقصوده من استخدامه في هذه الأعمال الفراغ للعبادة فهو محب في الله أو أحب ~~من ينفق عليه من ماله ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع أغراضه التي ~~يقصدها في دنياه ومقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم والعمل المقرب إلى الله ~~فهو محب في الله فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولي ~~الثروة وكان المواسي والمواسى جميعا من المتحابين في الله وكذا من نكح ~~امرأة صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان ويصون بها دينه أو ليولد له منها ~~ولد صالح أو أحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في الله ~~وكذا إذا اجتمع في قلبه محبة الله والدنيا كمن أحب من يعلمه الدين ويكفيه ~~مهمات الدنيا بالمواساة في المال فهو محب في الله وليس من شرط حب الله أن ~~لا يحب في العاجل حظ البتة إذ الدعاء الذي أمر به الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه فيه جمع بين الدنيا والآخرة @QB@ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة @QE@ وفي المأثور اللهم إني أسألك رحمة أنال بها شرف ~~كرامتك في الدنيا والآخرة ثم إذا قوي الحب في الله حمل على الموالاة ~~والنصرة والذب بالنفس PageV01P198 والمال واللسان وتتفاوت الناس فيه بحسب ~~تفاوتهم في حب الله عز وجل إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس وقد ~~يغلب بحيث لا يبقي للنفس حظا إلا فيما هو حظ المحبوب وقد يكون الحب بحيث ~~يترك به بعض الحظوظ دون بعض كما تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو ~~في ثلثه أ وفي عشره فمقادير الأموال موازين المحبة إذ لا ms120 يعرف درجة المحبوب ~~إلا بمحبوب يترك في مقابلته فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب ~~سواه فلا يمسك لنفسه شيئا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه سلم ابنته ~~التي هي قرة عينه وبذل جميع ماله فحصل من هذا أن كل من أحب عالما أو عابدا ~~أو أحب شخصا راغبا في علم أو في عبادة أو في خير فإنما أحبه في الله ولله ~~وله فيه من الأجر والثواب بقدر قوة حبه # | بيان البغض في الله # اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانا ~~لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله ~~وممقوت عند الله ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده وإظهار البغض يكون بكف ~~اللسان عن مكالمته ومحادثته والإعراض والتباعد عنه وقلة الالتفات إليه أو ~~بالاستخفاف والتغليظ في القول وذلك بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه ~~أما ما يجري مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها ولا يصر عليها فالأولى ~~فيه الستر والإغماض # | الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته # اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين ~~خليله فلينظر أحدكم من يخالل ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في ~~صحبته وجملتها أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا حريص على الدنيا أما ~~العقل فهو PageV01P199 رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق فإلى ~~الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتهما وإن طالت وقد قيل مقاطعة الأحمق قربان إلى ~~الله وأما حسن الخلق فلا بد منه فإن من غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن ~~وأطاع هواه فلا خير في صحبته وأما الفاسق المصر على فسقه فلا فائدة في ~~صحبته بل مشاهدته تهون أمر المعصية على النفس وتبطل نفرة القلب عنها ولأن ~~من لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأعراض ~~قال الله تعالى @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه ms121 عن ذكرنا واتبع هواه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ واتبع سبيل من أناب إلي @QE@ وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق وأوصى ~~علقمة ابنه فقال يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا ~~خدمته صانك وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤونة مانك واصحب من إذا مددت يدك ~~بخير مدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها اصحب من إذا سألته ~~أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك اصحب من إذا قلت صدق قولك ~~وإن حاولت أمرا آمرك وإن تنازعتهما آثرك قال علي رضي الله عنه # ( إن أخاك الحق من كان معك % ومن يضر نفسه لينفعك ) # ( ومن إذا ريب زمان صدعك % شتت فيه شمله ليجمعك ) # وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله لا تصحب إلا أحد رجلين رجلا ترتفق به ~~في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك والاشتغال بغير هذين ~~حمق كبير وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل لأن الطباع مجبولة على ~~التشبه والاقتداء بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه فمجالسة ~~PageV01P200 الحريص على الدنيا تحرك الحرص ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا ~~فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتطلب صحبة العلماء والحكماء قال لقمان لابنه ~~يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا بالحكمة كما تحيا ~~الأرض الميتة بوابل المطر # | حقوق الأخوة والصحبة # اعلم أن لأخيك عليك حقا في المال وفي الإعانة بالنفس وفي اللسان والقلب ~~وفي العفو وفي الدعاء وفي الوفاء والإخلاص وفي التخفيف وفي ترك التكلف ~~والتكليف وذلك يجعلها ثماني جمل # | الحق الأول في المال # روي أن مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى وذلك لأنهما يتعاونان ~~على غرض واحد وكذلك الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما ~~من وجه كالشخص الواحد وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء والمشاركة في ~~المآل والحال وارتفاع الاختصاص والاستئثار والمواساة بالمال مع الأخوة على ms122 ~~ثلاث مراتب # أدناها أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك فإذا سنحت له ~~حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن ~~أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة # الثانية أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك ~~حتى تسمح بمشاطرته في المال # والثالثة هي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة ~~الصديقين ومنتهى رتبة المتحابين ومنتهى هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا فإن ~~لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد ~~بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل ~~والدين فقد قال ميمون بن مهران من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل ~~PageV01P201 القبور وأما الدرجة الأولى فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين روي ~~أن عتبة الغلام رحمه الله جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك ~~إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فأعرض عنه وقال آثرت الدنيا على الله أما ~~استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا وأما الرتبة العليا فهي التي وصف ~~الله تعالى المؤمنين بها في قوله @QB@ وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون @QE@ أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض وكان ~~منهم من لا يصحب من قال نعلي لأنه أضافه إلى نفسه وفهم من كان يعتق أمته ~~إذا حدثته بمجيء أخيه وأخذه من ماله حاجته في غيبته سرورا بما فعل وقال زين ~~العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه ~~أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذن قال لا قال فلستم بإخوان وقال ابن عمر ~~رضي الله عنهما أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة ~~فقال أخي فلان أحوج مني إليه فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم ~~يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع ms123 إلى الأول بعد أن تداوله سبعة وقال أبو ~~سليمان الداراني لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني ~~لاستقللتها له ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء ~~قال علي رضي الله عنه لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق ~~بمئة درهم على المساكين ومن الصفاء في الأخوة الانبساط في بيوت الإخوان كما ~~كان عليه كثير من السلف وقد قال تعالى @QB@ أو صديقكم @QE@ وقال @QB@ أو ما ~~ملكتم مفاتحه @QE@ إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض إليه ~~التصرف كما يريد وكان يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى أنزل الله هذه الآية ~~وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء PageV01P202 # | الحق الثاني في الإعانة بالنفس # وذلك في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات ~~الخاصة وهذه أيضا لها درجات فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ~~ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة قال بعضهم إذا ~~استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي فإن لم ~~يقضها فكبر عليه واقرأ هذه الآية @QB@ والموتى يبعثهم الله @QE@ وكان في ~~السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم يتردد ~~كل يوم إليهم ويمونهم من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا ~~يرون منهم ما لم يروا من أبيهم في حياته وكان أحدهم يتردد إلى باب دار أخيه ~~يقوم بحاجته من حيث لا يعرفه أخوه وبهذا تظهر الشفقة والأخوة إذا لم تثمر ~~الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها قال ميمون بن ~~مهران من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته وبالجملة فينبغي أن تكون حاجه ~~أخيك مثل حاجتك أو أهم من حاجتك وأن تكون متفقدا لأوقات الحاجة غير غافل عن ~~أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك وتغنيه عن السؤال إلى الاستعانة ولا ترى ~~لنفسك حقا بسبب قيامك بها بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقه وقيامك ms124 بأمره ~~وقال عطاء تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل ~~فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم وقال سعيد بن العاص لجليسي علي ثلاث إذا ~~دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له وقد قال تعالى @QB@ ~~رحماء بينهم @QE@ إشارة إلى الشفقة والإكرام ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد ~~بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده عن ~~أخيه PageV01P203 # | الحق الثالث في اللسان # وذلك بالسكوت مرة وبالنطق أخرى أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في ~~غيبته وحضرته بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ~~ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله وإذا رآه في طريق أو حاجة ~~لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده ولا يسأل فربما يثقل عليه ذكره أو ~~يحتاج إلى أن يكذب فيه وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره ~~البتة ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة والوحشة فإن ~~ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده وأن ~~يسكت عن حكاية قدح غيره فيه فإن الذي سبك من بلغك ولا ينبغي أن يخفي ما ~~يسمع من الثناء عليه فإن السرور أولا به يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل ~~وإخفاء ذلك من الحسد وبالجملة فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلا إلا ~~إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت ~~فإذ ذاك لا يبالي بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن إنها ~~إساءة في الظاهر أما ذكر مساوئه وعيوبه ومساوئ أهله فهو من الغيبة وذلك ~~حرام في حق كل مسلم ويزجرك عنه أمران # أحدهما أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئا واحدا مذموما فهون على ~~نفسك ما تراه من أخيك وقدر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما ~~أنك عاجز عما أنت ms125 مبتلى به ولا تستثقله بخصلة مذمومة فأي الرجال المهذب # والأمر الثاني أن تعلم أنك لو طلبت منزها عن كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة ~~ولن تجد من تصاحبه أصلا فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوئ فإذا ~~غلبت المحاسن المساوئ فهو الغاية والمنتهى فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في ~~نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام وأما المنافق ~~اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوئ والعيوب قال ابن المبارك المؤمن يطلب ~~المعاذير والمنافق يطلب العثرات وقال الفضيل الفتوة العفو عن زلات الإخوان ~~ولذلك قال PageV01P204 عليه السلام استعيذوا بالله من جار السوء الذي إن ~~رأى خيرا ستره وإن رأى شرا أظهره # | بحث سوء الظن # وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك ~~إساءة الظن فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا وحده أن لا تحمل فعله ~~على وجه فاسد ما أمكن أن يحمل على وجه خير فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة ~~فاحمله على سهو ونسيان إن أمكن وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا ~~عباد الله إخوانا والتجسس في تطلع الأخبار والتحسس بالمراقبة بالعين فستر ~~العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين واعلم أنه لا يتم إيمان ~~المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما ~~يحب أن يعامله به ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الداء ~~الدفين وهو الحقد والحسد ومن في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف وأمر ~~مخطر وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله # ومن ذلك أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه وله أن ينكره وإن كان كاذبا ~~فليس الصدق واجبا في كل مقام فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه ~~وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه فإن أخاه نازل ~~منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن هذه حقيقة ms126 الأخوة وقد قال ~~عليه السلام من ستر عورة أخيه ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة وقال عليه ~~السلام PageV01P205 إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة وقال المجالس ~~بالأمانة وفي رواية إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحل لأحدهما أن ~~يفشي على صاحبه ما يكره قيل لبعضهم كيف حفظك للسر قال أنا قبره فإن صدور ~~الأحرار قبور الأسرار وأفشى بعضهم سرا له إلى أخيه ثم قال له حفظت فقال بل ~~نسيت وقال العباس لابنه عبد الله إني أرى هذا الرجل يعني عمر رضي الله عنه ~~يقدمك على الأشياخ فاحفظ مني خمسا لا تفشين له سرا ولا تغتابن عنده أحدا ~~ولا يجربن عليك كذبا ولا تعصين له أمرا ولا يطلعن منك على خيانة فقال ~~الشعبي كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف # ومن ذلك السكوت عن المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك قال ابن ~~عباس لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك وقد قال صلى الله عليه وسلم من ~~ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني ~~له بيت في أعلى الجنة هذا مع أن تركه مبطلا واجب وقد جعل ثواب النفل أعظم ~~لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت على الباطل وإنما الأجر على ~~قدر PageV01P206 النصب وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة ~~والمناقشة فإنها عين التدابر والتقاطع فإن التقاطع يقع أولا بالآراء ثم ~~بالأقوال ثم بالأبدان وقال عليه السلام لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ~~ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا وقد قال صلى الله عليه وسلم المسلم ~~أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه ~~المسلم وأشد الاحتقار المماراة فإن من رد على غيره كلاما فقد نسبه إلى ~~الجهل أو الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه وكل ذلك استحقار ~~وإيغار للصدر وإيحاش وفي حديث أبي أمامة قال خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms127 ونحن نتمارى فغضب وقال ذروا المراء لقلة خيره وذروا المراء فإن ~~نفعه قليل وإنه يهيج العداوة بين الإخوان وقال بعض السلف من لاحى الإخوان ~~وماراهم قلت مروءته وذهبت كرامته وقال غيره إياك ومماراة الرجال فإنك لن ~~تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم قال الحسن لا تشترى عداوة رجل بمودة ألف رجل ~~وعلى الجملة فلا باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل ~~واحتقار المردود عليه بإظهار جهله وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار ~~والإيذاء والشتم بالحمق والجهل ولا معنى للمعاداة إلا هذا فكيف تضام الأخوة ~~والمصافاة فقد روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه وقد قال عليه السلام إنكم لا ~~تسعون PageV01P207 الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق ~~والمماراة مضادة لحسن الخلق واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام ~~والفعل والشفقة # | الحق الرابع على اللسان بالنطق # الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضا النطق بالمحاب بل هو أخص ~~بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور وإنما يراد الإخوة ليستفاد منهم ~~لا ليتخلص عن أذاهم والسكوت معناه كف الأذى فعليه أن يتودد إليه بلسانه ~~ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها كالسؤال عن عارض إن عرض وإظهار ~~شغل القلب بسببه واستبطاء العافية عنه وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي ~~أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها وجملة أحواله التي يسر بها ينبغي أن يظهر ~~بلسانه مشاركته له في السرور بها فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء ~~وقد قال عليه السلام إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره وإنما أمر بالإخبار لأن ~~ذلك يوجب زيادة حب فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة فلا يزال الحب ~~يتزايد من الجانبين ويتضاعف والتحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع ومحبوب في ~~الدين ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم فيه الطريق فقال تهادوا تحابوا # ومن ذلك أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره قال عمر رضي الله عنه ms128 ~~ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا وتوسع له في المجلس ~~وتدعوه بأحب أسمائه إليه # ومن ذلك أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء ~~عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة وكذلك الثناء على أولاده وأهله ~~PageV01P208 وصنعته وفعله حتى على عقله وخلقه وهيئته وخطه وشعره وتصنيفه ~~وجميع ما يفرح به وذلك من غير كذب وإفراط ولكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد ~~منه وآكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح فإن إخفاء ذلك ~~محض الحسد # ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك بل على نيته وإن لم يتم ذلك وأعظم من ~~ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض لعرضه ~~بكلام صريح أو تعريض فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة وتبكيت المتعنت ~~وتغليط القول عليه والسكوت عن ذلك موغر للصدر ومنفر للقلب وتقصير في حق ~~الأخوة وإهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه فأخسس بأخ يراك والكلاب ~~تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك وتمزيق ~~الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحوم ~~الميتة فقال @QB@ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا @QE@ فإذن حماية الأخوة ~~بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة وقال بعضهم ما ذكر أخ ~~لي بغيب إلا تصورته جالسا فقلت فيه ما يحب أن يسمع لو حضر # ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيه إلى العلم بأقل من حاجته إلى ~~المال فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه ~~في الدين والدنيا فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك النصيحة ~~وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه وتخوفه بما يكرهه في الدنيا ~~والآخرة لينزجر عنه وتنبهه على عيوبه ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع ~~عليه أحد فما كان على الملأ فهو فضيحة وما ms129 كان في السر فهو شفقة ونصيحة قال ~~ذو النون لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع ~~النفس إلا بالمخالفة # ولا تظنن أن في نصح أخيك إيحاشا لقلبه فإن في تنبيهه على ما لا يعلمه عين ~~الشفقة وهو استمالة القلوب أعني قلوب العقلاء وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم ~~PageV01P209 فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها ~~لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك ~~فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة ~~مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد ~~وهي مخلوقة من نار الله الموقدة ولذلك كان عمر رضي الله عنه يستهدي ذلك من ~~إخوانه ويقول رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ومن كتاب بعض السلف لأخيه ~~اعلم أن من قرأ القرآن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من ~~المستهزئين وقد وصف الله الكاذبين ببغضهم للناصحين إذ قال @QB@ ولكن لا ~~تحبون الناصحين @QE@ وهذا في عيب هو غافل عنه فأما ما يظهره فلا بد من ~~التلطف بنصحه بالتعريض مرة والتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش فإن ~~علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت ~~عنه أولى وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه أما ما يتعلق ~~بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه والتعرض ~~لذلك ليس من النصح في شيء نعم إن كان بحيث يؤدي استمراره عليه إلى القطيعة ~~فالعتاب في السر خير من القطيعة والتعريض به خير من التصريح والمكاتبة خير ~~من المشافهة والاحتمال خير من الكل # | الحق الخامس العفو عن الزلات والهفوات # هفوة الصديق إن كانت في دينه فلا بد من التلطف في نصحه كما قدمنا فإن أصر ~~فمن السلف من رأى مقاطعته ومنهم من رأى إدامة حق مودته وبغض عمله وأما زلته ~~في حقه بما ms130 يوجب إيحاشه فلا خلاف في أن الأولى العفو والاحتمال بل كل ما ~~يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو واجب بحق ~~الأخوة فقد قيل ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا فإن لم يقبله قلبك ~~فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا ~~تقبله فأنت المعيب لا أخوك وقال الأحنف حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا ظلم ~~PageV01P210 الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة ومهما اعتذر إليك أخوك كاذبا ~~كان أو صادقا فاقبل عذره فالمؤمن إن غضب فهو سريع الرضاء وينبغي أن لا ~~يبالغ في البغضة عند الوقيعة قال تعالى @QB@ عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة @QE@ وقال عمر رضي الله عنه لا يكن حبك كلفا ولا ~~بغضك تلفا وهو أن تحب تلف صاحبك # | الحق السادس الدعاء للأخ # فتدعو له في حياته ومماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به كما ~~تدعو لنفسك وفي الحديث إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك ولك مثل ~~ذلك وفي حديث آخر دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب لا ترد وكان أبو الدرداء ~~يقول إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم وكان محمد بن ~~يوسف الأصفهاني يقول وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون ~~بما خلفت وهو منفرد بحزنك مهتم بما قدمت وما صرت إليه يدعو لك في ظلمة ~~الليل وأنت تحت أطباق الثرى وعن بعض السلف الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا ~~للأحياء # | الحق السابع الوفاء والإخلاص # ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع ~~أولاده وأصدقائه فإن الحب إنما يراد للآخرة فإن انقطع قبل الموت حبط العمل ~~وضاع السعي وروي أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ~~ذلك فقال إنها كانت PageV01P211 تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من الدين ~~فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ومراعاتهم أوقع ~~في قلب الصديق من مراعاة الأخ ms131 في نفسه فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر ~~لدلالته على قوة الشفقة والحب ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع حسد ~~في دين ودنيا وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته وبه وصف الله ~~تعالى المحبين في الله تعالى فقال @QB@ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم @QE@ ووجود الحاجة هو الحسد # ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواصل مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ~~ولايته وعظم جاهه والترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم قال الشاعر # ( إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا % من كان يألفهم بالمنزل الخشن ) # واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق ~~بالدين بل من الوفاء له المخالفة والنصح لله # ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة ~~نفور الطبع عن أسبابها كما قيل # ( وجدت مصيبات الزمان جميعها % سوى فرقة الأحباب هينة الخطب ) # وأنشد ابن عيينة هذا البيت وقال لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ~~ما يخيل إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي # ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه PageV01P212 # ومن الوفاء أن لا يصادق عدو صديقه قال الشافعي رحمه الله إذا أطاع صديقك ~~عدوك فقد اشتركا في عداوتك # | الحق الثامن التخفيف وترك التكلف والتكليف # وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه ~~على أن يحمله شيئا من أعبائه فلا يكلفه القيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته ~~إلا الله تعالى استعانة به على دينه واستئناسا بلقائه وتقربا إلى الله ~~تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته قال بعضهم من اقتضى من إخوانه ما لا ~~يقتضونه منه فقد ظلمهم ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم ومن لم ~~يقتض فهو المتفضل عليهم وتمام التخفيف بطي بساط التكليف حتى لا يستحي منه ~~فيما لا يستحي من نفسه وقال علي رضي الله عنه شر الأصدقاء من تكلف لك ومن ~~أحوجك إلى مداراة ms132 وألجأك إلى اعتذار وقال الفضل إنما تقاطع الناس بالتكلف ~~يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه وكان جعفر بن محمد الصادق رضي ~~الله عنهما يقول أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي ~~من أكون معه كما أكون وحدي # ومن التخفيف وترك التكلف أن لا يعترض في نوافل العبادات كان طائفة من ~~الصوفية يصطحبون على أن أحدهم إن أكل النهار كله لم يقل له صاحبه صم وإن ~~صام الدهر كله لم يقل له أفطر وإن نام الليل كله لم يقل له قم وإن صلى ~~الليل كله لم يقل له نم وتستوي حالاته عنده بلا مزيد ولا نقصان وقد قيل من ~~PageV01P213 سقطت كلفته دامت ألفته ومن خفت مؤنته دامت مودته وقال بعضهم ~~إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده ودخل ~~الخلاء وصلى ونام فذكر ذلك لبعض المشايخ فقال بقيت خامسة وهو أن يحضر مع ~~الأهل في بيت أخيه لأن البيت يتخذ للاستخفاء في هذه الأمور الخمس وإلا ~~فالمساجد أروح لصلاة المتعبدين فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الإخاء وارتفعت ~~الحشمة وتأكد الانبساط وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم ~~لصاحبه مرحبا وأهلا وسهلا أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ولك ~~عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا ولك عندنا سهولة في ذلك كله أي لا يشتد ~~علينا شيء مما تريد # ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ~~ويسيء الظن بنفسه ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له فهذه أقل ~~الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ ومهما رأى ~~الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم قال صلى الله عليه ~~وسلم بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم # ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل ~~إشارتهم فقد قال ms133 تعالى @QB@ وشاورهم في الأمر @QE@ فهذا جامع حقوق الصحبة ~~ولا يتم ذلك إلا بأن تنزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك # أما البصر فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك وتنظر إلى محاسنهم ~~وتتعامى عن عيوبهم ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل من جلس إليه نصيبا من وجهه لا ~~يظن جليسه إلا أنه أكرم الناس عليه وكان عليه السلام أكثر الناس تبسما ~~وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما يحدثونه # وأما السمع فبأن تسمع كلامهم متلذذا بسماعه ومصدقا به ومظهرا للاستبشار ~~به ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادة ولا منازعة ومداخلة واعتراض فإن أرهقك ~~عارض اعتذرت إليهم PageV01P214 # وأما اللسان فقد ذكرنا حقوقه ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم ولا يخاطبهم ~~إلا بما يفقهون # وأما اليدان فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد # وأما الرجلان فبأن لا يتقدمهم إلا بقدر ما يقدمونه ولا يقرب منهم إلا ~~بقدر ما يقربونه ويقوم لهم إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم ويقعد متواضعا ~~حيث يقعد # | خاتمة في جملة من آداب المعيشة والمجالسة مع أصناف الخلق # قال بعض الحكماء إن أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا وتوقر ~~من غير كبر وتواضع في غير مذلة وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد ~~الأمور ذميم ولا تنظر في عطفيك ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات ~~وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل ~~أسنانك وإدخال أصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك وكثرة التمطي والتثاؤب في ~~وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها وليكن مجلسك هادئا وحديثك منظوما مرتبا وأصغ ~~إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ولا تسأله إعادته واسكت ~~عن المضاحك ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك ~~ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ولا تتبذل تبذل العبد ولا تلح في الحاجات ~~ولا تشجع ms134 أحدا على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار مالك ~~فإنهم إن رأوه قليلا هنت عندهم وإن كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم وخوفهم من ~~غير عنف ولن لهم من غير ضعف وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك ~~وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيدك ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك وإذا ~~هدأ غيظك فتكلم ولا تجعل مالك أكرم من عرضك وإذا دخلت مجلسا فالأدب فيه ~~البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث اتسع وحيث يكون أقرب إلى ~~التواضع وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس ولا تجلس على الطريق فإن ~~جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد ~~PageV01P215 الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والارتياد لموضع البصاق ولا تبصق في جهة القبلة وإياك أن تمازح ~~لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك ومن بلي في ~~مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه قال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في ~~مجلسه ذلك # | بيان حق المسلم والرحم والجوار # اعلم أن الإنسان لحاجته لمخالطة من هو من جنسه لم يكن له بد من تعلم آداب ~~المخالطة وكل مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقه وحقه على قدر ~~رابطته إما القرابة وهي أخصها أو أخوة الإسلام وهي أعمها وينطوي في معنى ~~الأخوة الصداقة والصحبة وإما الجوار وإما صحبة السفر والمكتب والدرس ~~والصداقة أو الأخوة ولكل واحد من هذه الروابط درجات فالقرابة لها حق ولكن ~~حق الرحم المحرم آكد وللمحرم حق ولكن حق الوالدين آكد وكذلك حق الجار ولكن ~~يختلف بحسب قربه من الدار وبعده ويظهر التفاوت عند النسبة حتى إن البلدي في ~~بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في ms135 البلد وكذلك ~~حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة والاختلاط # | حقوق المسلم # هي أن تسلم عليه إذا لقيته وتجيبه إذا دعاك وتشمته إذا عطس وتعوده إذا ~~مرض وتشهد جنازته إذا مات وتبر قسمه إذا أقسم عليك وتنصح له إذا استنصحك ~~وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك ومنها أن تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما ~~تكره لنفسك قال صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل ~~الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر PageV01P216 وعنه صلى ~~الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا # ومنها أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بفعل ولا قول قال صلى الله عليه وسلم ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم ~~وأموالهم والمهاجر من هجر السوء واجتنبه وعنه صلى الله عليه وسلم لا يحل ~~لمسلم أن يروع مسلما # ومنها أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه قال صلى الله عليه وسلم إن الله ~~أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد # ومنها أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من ~~بعض ففي الحديث لا يدخل الجنة قتات # ومنها أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام مهما غضب عليه قال ~~صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ~~ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وقالت عائشة رضي الله عنها ما انتقم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله ~~وفي الحديث ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا PageV01P217 ومنها أن يحسن إلى ~~كل من قدر عليه منهم ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير الأهل وفي أثر اصنع ~~المعروف في أهله وفي غير أهله فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت ~~من أهله وفي آخر رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى ~~كل بر وفاجر ولم ms136 يكن أحد يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أقبل عليه ~~بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه # ومنها أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه بأن يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن ~~له انصرف # ومنها أن يخالق الجميع بخلق حسن ويعامله بحسب طريقته # ومنها أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان وفي الحديث ليس منا من لم يوقر ~~كبيرنا ولم يرحم صغيرنا والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان إذا قدم من سفره تلقي بالصبيان ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع ~~منهم بين يديه ومن خلفه ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم وكان يؤتى بالصبي ~~الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره فربما بال الصبي ثم ~~يغسل ثوبه صلى الله عليه وسلم بعد # ومنها أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رقيقا قال صلى الله عليه ~~وسلم أتدرون على من حرمت النار قالوا الله ورسوله أعلم قال على اللين الهين ~~السهل القريب وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد ~~فبكلمة طيبة # ومنها أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العدة عطية PageV01P218 وقال العدة دين وقال ثلاث من كن فيه فهو منافق ~~وإن صام وصلى من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان # ومنها أن ينصف الناس من نفسه ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن يؤتى إليه ~~قال صلى الله عليه وسلم يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا ~~وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما # ومنها أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته فينزل الناس ~~منازلهم # ومنها أن يصلح ذات البين بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلا قال صلى الله ~~عليه وسلم أفضل الصدقة إصلاح ذات البين وفي الحديث ليس بكذاب من أصلح بين ~~اثنين فقال خيرا وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب ~~ولا ms137 يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه وقال صلى الله عليه وسلم كل الكذب مكتوب ~~إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما ~~أو يكذب لامرأته ليرضيها # ومنها أن يستر عورات المسلمين كلهم قال صلى الله عليه وسلم من ستر على ~~مسلم ستره PageV01P219 الله تعالى في الدنيا والآخرة وقال صلى الله عليه ~~وسلم لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة وقال صلى الله ~~عليه وسلم يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا ~~الناس ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ~~ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته وروي عن بعض الخلفاء أنه ~~كان يعس من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة ~~وعنده خمر فقال يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال وأنت ~~أيها الأمير لا تعجل فإن كنت عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا قال ~~الله تعالى @QB@ ولا تجسسوا @QE@ وقد تجسست وقال الله تعالى @QB@ وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ وقد تسورت علي وقد قال الله تعالى @QB@ لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم @QE@ الآية وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام فقال ~~الأمير هل عندك من خير إن عفوت عنك قال نعم والله لئن عفوت عني لا أعود إلى ~~مثلها أبدا فعفا عنه وخرج وتركه وقد قال صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى ~~إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم يخبر به وقال ~~صلى الله عليه وسلم من أسمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم ~~PageV01P220 القيامة # ومنها أن يتقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن ~~الغيبة فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكا قال الله ~~تعالى @QB@ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ms138 ~~@QE@ وقال صلى الله عليه وسلم كيف ترون من سب أبويه فقالوا وهل من أحد يسب ~~أبويه فقال نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه وقال عمر رضي الله عنه من أقام ~~نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن # ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة ويسعى في ~~قضاء حاجته بما يقدر قال صلى الله عليه وسلم اشفعوا تؤجروا # ومنها أن يبدأ من يلقى بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام قال الله ~~تعالى @QB@ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وسلم والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا أو لا أدلكم على عمل إذا عملتموه تحاببتم قالوا بلى يا رسول الله ~~قال أفشوا السلام بينكم وعنه صلى الله عليه وسلم يسلم الراكب على الماشي ~~وإذا سلم عن القوم واحد أجزأ عنهم وكان PageV01P221 أنس رضي الله عنه يمر ~~على الصبيان فيسلم عليهم ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ~~ذلك وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما وعصبة من الناس قعود ~~فأومأ بيده بالسلام وقال صلى الله عليه وسلم إذا انتهى أحدكم إلى مجلس ~~فليسلم فإن بداله أن يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من ~~الأخيرة وروي أن من تمام التحية المصافحة وقال الحسن المصافحة تزيد في الود ~~ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركا به وتوقيرا له وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم أذن في تقبيل يده ورأسه والانحناء عند السلام منهي عنه والالتزام ~~والتقبيل قد ورد عند القدوم من السفر والأخذ بالركاب في توقير العلماء ورد ~~به الأثر فعل ذلك ابن عباس بركاب زيد ابن ثابت وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا ويستحب للداخل ~~إذا سلم ولم يجد مجلسا أن لا ينصرف بل يقعد وراء الصف كان رسول الله صلى ~~الله ms139 عليه وسلم جالسا في المسجد إذ إقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس فيها وأما الثاني فجلس ~~خلفهم وأما الآخر فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لهم ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما ~~الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه وسلمت ~~أم هانئ على النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P222 فقال من هذه فقيل له أم ~~هانئ فقال عليه السلام مرحبا يا أم هانئ # ومنها أن يصون عرض أخيه ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر ويرد عنه ~~ويناضل دونه وينصره فإن ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام وفي الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك ~~فيه عرضه وتستحل حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره وما من امرئ خذل ~~مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته # ومنها تشميت العاطس قال عليه السلام في العاطس يقول الحمد لله على كل حال ~~ويقول الذي يشمته يرحمكم الله ويرد عليه العاطس فيقول يهديكم الله ويصلح ~~بالكم ويستحب إذا عطس أن يغض صوته ويخمر وجهه وإذا تثاءب أن يضع يده على ~~فيه # ومنها أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يجامله ويتقيه قال بعضهم خالص المؤمن ~~مخالصة وخالق الفاجر مخالقة فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر وقال ~~أبو الدرداء إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة ~~وهو مع من يخاف شره قال الله تعالى @QB@ ادفع بالتي هي أحسن @QE@ قال ابن ~~عباس في معنى قوله تعالى @QB@ ويدرؤون بالحسنة السيئة @QE@ أي الفحش والأذى ~~PageV01P223 بالسلام والمداراة وقال في قوله تعالى @QB@ ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض @QE@ قال بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة وقالت عائشة ~~رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا ms140 له ~~فبئس رجل العشيرة هو فلما دخل آلان له القول حتى ظننت أن له عنده منزلة ~~فلما خرج قلت له لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن ~~شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس إتقاء فحشه وفي الخبر ~~ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة وقال محمد بن الحنفية ليس بحكيم من لا ~~يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا # ومنها أن يختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين وقد ~~روي أن سليمان عليه السلام في ملكه كان إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس ~~إليه وقال مسكين جالس مسكينا وفي الخبر لا تغبطن فاجرا بنعمة فإنك لا تدري ~~إلام يصير بعد الموت فإن من ورائه طالبا حثيثا PageV01P224 # وأما اليتيم فقال صلى الله عليه وسلم من ضم يتيما حتى يستغني فقد وجبت له ~~الجنة وقال صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم كهاتين وهو يشير بأصبعيه ~~وقال صلى الله عليه وسلم من وضع يده على رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة ~~تمر عليها يده حسنة وقال صلى الله عليه وسلم خير بيت من المسلمين بيت فيه ~~يتيم يحسن إليه وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه # ومنها النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه قال صلى الله ~~عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وعنه من أقر عين مؤمن ~~أقر الله عينه يوم القيامة وعنه من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر ~~له وعنه إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن وأن يفرج ~~عنه غما أو يقضي عنه دينا أو يطعمه من جوع # ومنها أن يعود مرضاهم وأدب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة ~~والدعاء بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع وعند الاستئذان لا يقابل ms141 الباب ~~ويدق برفق ولا يقول أنا إذا قيل له من وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ~~إذا عاد PageV01P225 المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى طبت وطاب ممشاك ~~وتبوأت منزلا في الجنة وعن عثمان رضي الله عنه قال مرضت فعادني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد ~~الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد قاله مرارا ويستحب ~~للعليل أيضا أن يقول أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وقال طاووس أفضل ~~العبادة أخفها وجملة أدب المريض حسن الصبر وقلة الشكوى والضجر والفزع إلى ~~الدعاء والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء # ومنها أن يشيع جنائزهم قال صلى الله عليه وسلم من شيع جنازة فله قيراط من ~~الأجر فإن وقف حتى دفن فله قيراطان والقيراط مثل أحد جبل عظيم في المدينة ~~المنورة والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار # ومنها أن يزور قبورهم والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب قال ~~صلى الله عليه وسلم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه وعن حاتم الأصم من ~~مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم وقال ميمون ~~بن مهران خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى ~~PageV01P226 وقال يا ميمون هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في ~~لذاتهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلاث وأصاب الهوام من أبدانهم ثم بكى ~~وقال والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله # وآداب المعزي خفض الجناح وإظهار الحزن وقلة الحديث وترك التبسم # وآداب تشييع الجنازة لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكر في ~~الموت والاستعداد له والإسراع بالجنازة سنة # فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق والجملة الجامعة فيه ~~أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك ~~فإنه وإن ms142 كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح ولا تنظر ~~إليهم في حال دنياهم بعين التعظيم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها ~~ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم ولا ~~تعادهم بحيث تظهر العداوة إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم ~~القبيحة ولا تسكن إليهم في ثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فقد لا يكون ~~لذلك حقيقة باطنا ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ولا تطمع أن ~~يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب ولا تطمع فيما في ~~أيديهم فتستعجل الذل وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم ~~يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه ~~مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظه عرضا واسترسالا من غير تنصيص ~~على الشخص وإذا بلغك منهم غيبة أو رأيت منهم شرا فكل أمرهم إلى الله واستعذ ~~بالله من شرهم ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر وكن فيهم سميعا لحقهم ~~أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا ~~يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على ~~القليل والكثير ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة ~~فتجربه في أحواله أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه أو ~~تسافر معه فإن رضيته في هذه PageV01P227 الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان ~~كبيرا وابنا لك إن كان صغيرا أو أخا إن كان مثلا لك فهذه جملة آداب ~~المعاشرة مع أصناف الخلق # | حقوق الجوار # اعلم أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق الجار ~~المسلم ما يستحق كل مسلم وزيادة إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم الجيران ~~ثلاثة جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق فالجار الذي له ~~ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم فله حق ms143 الجوار وحق الإسلام وحق الرحم ~~وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وأما الذي له حق ~~واحد فالجار المشرك فانظر كيف اثبت للمشرك حقا بمجرد الجوار وقال صلى الله ~~عليه وسلم أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وقال صلى الله عليه وسلم ما زال ~~جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وقال صلى الله عليه وسلم من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد ~~حتى يأمن جاره بوائقه وقال صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز ~~خشبة في جداره وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول ما لي PageV01P228 أراكم ~~عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب ذلك ~~وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ~~وتؤذي جيرانها فقال صلى الله عليه وسلم هي في النار وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أربعون دارا جار قال الزهري يعني أربعين عن يمينه ويساره وخلفه ~~وبين يديه واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط بل احتمال الأذى بل لا بد ~~فوقه من الرفق وإسداء الخير والمعروف وحكي أن ابن المقفع بلغه أن جارا له ~~يبيع داره في دين ركبه وكان يجلس في ظل داره فقال ما قمت إذا بحرمة ظل داره ~~إن باعها معدما فدفع إليه ثمن الدار وقال لا تبعها وجملة حق الجار أن يبدأ ~~بالسلام ولا يكثر عن حاله السؤال ويعوده في المرض ويعزيه في المصيبة ويقوم ~~معه في العزاء ويهنئه في الفرح ويظهر الشركة في السرور معه ويصفح عن زلاته ~~ولا يطلع من السطح إلى عوراته ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره ولا يضيق ~~طريقه إلى الدار ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره ويستر ما ينكشف له من ~~عوراته وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ~~ولا يسمع عليه كلاما ويغض بصره عن حرمته ولا يديم ms144 النظر إلى خادمته ويتلطف ~~لولده في كلمته ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه هذا إلى جملة ~~الحقوق التي ذكرناها لعامة المسلمين PageV01P229 # | حقوق الأقارب والرحم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا الرحمن وهذه الرحم ~~شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته وقيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل قال أتقاهم لله وأوصلهم لرحمه وآمرهم ~~بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وقال صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين ~~صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة ولما أراد أبو طلحة أن يتصدق بحائط ~~كان له يعجبه عملا بقوله تعالى @QB@ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~@QE@ قال يا رسول الله هي في سبيل الله وللفقراء والمساكين فقال عليه ~~السلام وجب أجرك واقسمه في أقاربك # | حقوق الوالدين والولد # لا يخفى أنه إذا تأكد حق القرابة والرحم فأخص الأرحام وأمسها الولادة ~~فيتضاعف تأكد الحق فيها قال صلى الله عليه وسلم بر أمك وأباك وأختك وأخاك ~~ثم أدناك فأدناك وقال رجل يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما ~~به بعد وفاتهما قال نعم PageV01P230 الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ ~~عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى الأب وعنه ~~صلى الله عليه وسلم رحم الله والدا أعان ولده على بره أي لم يحمله على ~~العقوق بسوء عمله وعنه صلى الله عليه وسلم ساووا بين أولادكم في العطية ~~وعنه أيضا من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه ويستحب الرفق ~~بالولد رأى الأقرع بن حابس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقبل ولده ~~الحسن فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال عليه السلام إن من ~~لا يرحم لا يرحم وقال معاوية للأحنف بن قيس ما تقول في الولد قال يا أمير ~~المؤمنين ثمار ms145 قلوبنا وعماد ظهورنا ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة ~~PageV01P231 وبهم نصول على كل جليلة فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم ~~يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم ولا تكن عليهم قفلا ثقيلا فيملوا حياتك ويودوا ~~وفاتك ويكرهوا قربك فقال معاوية لله أنت يا أحنف لقد أرضيتني عمن سخطت عليه ~~من ولدي ووصله بعطية عظمى # واعلم أن أكثر العلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات وإن لم تجب ~~في الحرام المحض وليس للولد أن يسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما وقال ~~صلى الله عليه وسلم حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده ~~PageV01P232 # | كتاب العزلة والمخالطة # اعلم أن من السلف من آثر العزلة لفوائدها كالمواظبة على العبادة والفكر ~~وتربية العلم والتخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض الإنسان لها بالمخالطة ~~كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسارقة الطبع ~~الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء السوء إلى غير ذلك وأما أكثر ~~السلف فذهبوا إلى استحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان والتآلف ~~والتحبب إلى المؤمنين والإستعانة بهم في الدين تعاونا على البر والتقوى وإن ~~فوائد العزلة المتقدمة يمكن نيلها من المخالطة بالمجاهدة ومغالبة النفس ~~وبالجملة فللمخالطة فوائد عظيمة تفوت بالعزلة # فإن قلت ما هي فوائد المخالطة والدواعي إليها فاعلم أنها هي التعليم ~~والتعلم والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب والاستئناس والإيناس ونيل ~~الثواب وإنالته في القيام بالحقوق أو اعتياد التواضع أو استفادة التجارب من ~~مشاهدة الأحوال والاعتبار بها # فأما العلم والتعليم فهما أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلا ~~بالمخالطة والمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة ومن كان يقدر ~~على التبرز في علوم الشرع والعقل فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران ~~ولهذا قال النخعي وغيره تفقه ثم اعتزل ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر ~~مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس وغايته أن يستغرق في الأوقات بأوراد ~~يستوعبها ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور ويكون في ~~أكثر أحواله PageV01P233 ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من ms146 العباد فالعلم هو ~~أصل الدين ولا خير في عزلة العوام والجهال # وأما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المعلم والمتعلم # وأما الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة إذ لا يتأتى إلا بالمخالطة ومن ~~اكتسب من وجهه وتصدق منه كان أفضل من المعتزل المشتغل بالنافلة # وأما النفع فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على ~~سبيل الحسبة ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب وذلك لا ينال إلا ~~بالمخالطة ومن قدر عليه مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل له من العزلة # وأما التأديب بنصح الغير والتأدب ونعني به الارتياض بمقاساة الناس ~~والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفس وقهرا للشهوات فهي من الفوائد التي ~~تستفاد بالمخالطة # وأما الاستئناس والإيناس فهو مستحب لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة ~~أحواله وأقواله في الدين وقد يتعلق بحظ النفس ويستحب إذا كان الغرض منه ~~ترويح القلب لتهييج دواعي النشاط في العبادة فإن القلوب إذا كربت عميت ~~والنفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح وفي تكليفها الملازمة داعية ~~للفترة وقد قال ابن عباس لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس فلا يستغني ~~المعتزل إذن عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة ~~فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته فقد قال صلى الله ~~عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وليحرص أن يكون حديثه ~~عند اللقاء في أمور الدين والقصور عن الثبات على الحق ففي ذلك متروح للنفس ~~وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه # وأما نيل الثواب فبحضور الجنائز وعيادة المرضى وحضور الجماعة في سائر ~~الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة ~~الجماعة ويزيد عليه وذلك لا يتفق إلا نادرا وكذلك في حضور الإملاكات ~~والدعوات ثواب من حيث إنه إدخال سرور على قلب مسلم # وأما إنالة الثواب فهو أن يأذن بعيادته وتعزيته في المصائب وتهنئته على ~~النعم PageV01P234 فإنهم ينالون بذلك ثوابا فينبغي أن يزن ثواب هذه ~~المخالطات ms147 بآفاتها التي ذكرناها وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة # وأما التواضع فإنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون ~~الكبر سببا في اختيار العزلة أو مخافة أن لا يوقر في المحافل أو لا يقدم أو ~~يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى على اعتقاد الناس في تعبده وزهده ~~وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب ~~العوام والأمراء إليهم ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة ~~وزيارة الناس لبغض إليه زياراتهم له ولكن اعتزاله سببه شدة اشتغاله بالناس ~~لأن قلبة متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام والعزلة ~~بهذا السبب جهل من وجوه # أحدهما أن التواضع والمخالطة لا تنقص عن منصب من هو متكبر بعلمه أو دينه # الثاني أن الذي شغل نفسه بطلب رضاء الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور ~~لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا وأن ~~ضرره ونفعه بيد الله بل رضاء الناس غاية لا تنال فرضاء الله أولى بالطلب ~~ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى والله ما أقول لك إلا نصحا إنه ليس ~~إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ماذا يصلحك فافعله فإذن من حبس نفسه في ~~البيت لتحسن اعتقادات الناس فيه فهو في عناء حاضر في الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أكبر لو كانوا يعلمون وبالجملة فلا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات في ~~علم بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته أو كثرت آفاته # وأما التجارب فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم والعقل ~~الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة ~~والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا ~~جاهلا بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من ~~التجارب ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال وبالجهل يحبط العمل الكثير ~~وبالعلم يزكو PageV01P235 العمل القليل ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل ~~وقد قضى ms148 الشرع بتفضيل العالم على العابد حتى قال صلى الله عليه وسلم فضل ~~العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي إذا عرفت ما تقدم من ~~الفوائد والآفات يتبين لك الأفضل من المخالطة والعزلة وأن ذلك يختلف ~~باختلاف الأحوال PageV01P236 # | كتاب آداب السفر # اعلم أن كل من سافر وكان مطلبه العلم والدين أو الكفاية للاستعانة على ~~الدين كان من سالكي سبيل الآخرة وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان ~~من عمال الدنيا وأتباع الشيطان وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه ~~بأعمال الآخرة وإليك جملة من أقسام الأسفار # القسم الأول السفر في طلب العلم وهو إما واجب وإما نفل وذلك بحسب كون ~~العلم واجبا أو نفلا وذلك العلم إما علم بأمور دينية أو بأخلاقه في نفسه أو ~~بآيات الله في أرضه وقد قال عليه السلام من خرج من بيته في طلب العلم فهو ~~في سبيل الله حتى يرجع ورحل جابر بن عبد الله من المدينة مسيرة شهر في حديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه عن عبد الله بن أنيس حتى سمعه عنه ~~وقال الشعبي لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى أو ~~ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك مهم فإن من لا ~~يطلع على خبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها والنفس في الوطن مع ~~مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من ~~المألوفات فإذا امتحنت بمشاق الغربة وقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال ~~بعيوبها وأما آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع ~~متجاورات وفيها الجبال PageV01P237 والبراري والبحار وأنواع الحيوان ~~والنبات وما من شيء منها إلا وهو شاهد لله بالوحدانية # القسم الثاني أن يسافر لأجل العبادة من حج أو جهاد وفي الحديث لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى # القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين ms149 وذلك أيضا حسن ~~فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين وقد كان من عادة السلف رضي ~~الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن وروي أن بعضهم قيل له إلى أين قال ~~بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها فقيل له وتفعل هذا قال نعم إذا ~~بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فانه أسلم لدينك وأقل لهمك وهذا هرب من ~~غلاء السعر # القسم الرابع السفر هربا مما يقدح في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء ~~السعر أو ما يجري مجراه ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع ~~وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد أو استحبابه ولكن ~~يستثنى الطاعون منه فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه وبالجملة فالسفر ~~ينقسم إلى مذموم ومحمود ومباح والمذموم منه حرام كالسفر للعاق لوالديه ومنه ~~مكروه كالخروج من بلد الطاعون والمحمود منه واجب كالحج وطلب العلم الذي هو ~~فريضة على كل مسلم ومنه مندوب كزيارة العلماء للتخلق بأخلاقهم وآدابهم ~~وتحريك الرغبة للاقتداء بهم واقتباس الفوائد العلمية من أنفاسهم وأما ~~المباح فمرجعه إلى النية فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفف عن السؤال ~~ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار ~~هذا المباح بهذه النية من أعمال الآخرة ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء ~~والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال ~~بالنيات PageV01P238 # | آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه # الأدب الأول أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه ~~نفقته وبرد الودائع إن كانت عنده ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب وليأخذ ~~قدرا يوسع به على رفقائه ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام ومن ~~إظهار مكارم الأخلاق والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه في الضجر فهو ~~الحسن الخلق وتمام حسن خلق المسافر بالإحسان إلى المكاري ومعاونة الرفقة ~~بكل ممكن وإعانة المنقطع بمركوب أو زاد وتمام ms150 ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة ~~في بعض الأوقات من غير فحش ومعصية ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه # الثاني أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده فالرفيق ثم الطريق وليكن رفيقه ممن ~~يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر فإن المرء على دين ~~خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يسافر الرجل وحده وقال إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم وليؤمروا ~~أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة وإنما ~~يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في مصالح السفر ولا نظام إلا في الوحدة ~~ولا فساد إلا من الكثرة وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد و @QB@ ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ # الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء وليدع عند الوداع بقوله ~~لمودعه استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وليدع المقيم له بقوله زودك ~~الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت وليصل المسافر قبل سفره ~~ركعتين صلاة الاستخارة وإذا حصل على باب الدار فليقل بسم الله توكلت على ~~الله لا حول ولا قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو ~~أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي فإذا ركب فليقل @QB@ سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون @QE@ PageV01P239 # الرابع أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق ولا يضربها ~~في وجهها فإنه منهي عنه ويستحب أن ينزل عن الدابة أحيانا يروحها بذلك ويدخل ~~السرور على المكاري ويروض بدنه حذرا من خدر الأعضاء بطول الركوب وليحذر أن ~~يحمل فوق المشروط شيئا وإن خف فإن القليل يجر إلى الكثير قال رجل لابن ~~المبارك وهو على دابة احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى استأذن المكاري ~~فإني لم أشارطه على هذه الرقعة فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء إن هذا ~~مما يتسامح فيه ولكن سلك طريق الورع # الخامس ms151 أن يحتاط إن كان في قافلة فلا يمشي منفردا لأنه ربما يغتال أو ~~ينقطع ويكون بالليل متحفظا عند النوم وينبغي أن يتناوب الرفقاء في الحراسة ~~بالليل وأن يستصحب مرآة ومقراضا ومسواكا ومشطا وليحذر التنطع في الطهارة ~~فقد كان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ولا يبالون ~~بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها حتى توضأ عمر ~~رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية # السادس في آداب الرجوع من السفر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قفل من ~~غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون ~~عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم ~~يرسل إلى المدينة من يبشر بقدومه وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أن يطرق ~~المرء أهله ليلا فيقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه وكان صلى الله عليه وسلم ~~إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل البيت وينبغي أن يحمل لأهل ~~بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه فإن الأعين تمتد إلى ~~القادم من السفر والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار ~~التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحب في الطريق لهم # هذه جملة من الآداب الظاهرة وأما الآداب الباطنة ففي الفصل الأول بيان ~~PageV01P240 جملة منها وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة في علمه في ~~السفر وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها الحكماء ويجتهد أن يستفيد من كل ~~واحد أدبا أو كلمة لينتفع بها وينفع بها وإذا قصد زيارة أخ له فلا يقم عنده ~~أكثر من ثلاثة أيام فذلك حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته ولا يشغل ~~نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك يقطع بركة سفره # | ما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر # اعلم ms152 أن المسافر يحتاج في أول سفره إلى أن يتزود لدنياه وآخرته أما زاد ~~الدنيا فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة فإن خرج من غير زاد فلا بأس ~~به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى متصلة وإن ركب البادية وحده أو مع قوم ~~لا طعام معهم ولا شراب فإن كان ممن يصبر على الجوع أسبوعا أو عشرا مثلا أو ~~يكتفي بالحشيش فله ذلك وإن لم يكن له قوة الصبر على الجوع ولا الاجتزاء ~~بالحشيش فخروجه من غير زاد معصية فإنه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة وليس ~~معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية وإلا لوجب أن يصبر حتى يسخر الله ~~له ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه # وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته ~~وعباداته وذلك أن السفر يفيد في الطهارة رخصتين مسح الخفين والتيمم وفي ~~صلاة الفرض رخصتين القصر والجمع وفي النفل رخصتين أداءه على الراحلة وأداءه ~~ماشيا وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر # فأما المسح على الخفين فقال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن فكل من لبس ~~الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من وقت حدثه ~~ثلاثة أيام ولياليهن إن كان مسافرا أو يوما وليلة إن كان مقيما # وأما التيمم فالتراب بدل عن الماء عند العذر كبعده عن منزله بحيث لو مشى ~~إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو استغاث أو نزل على الماء عدو أو سبع ~~أو PageV01P241 احتاج إليه لعطشه أو عطش أحد رفقائه فيتيمم في هذه الصور ~~وإن بيع الماء بثمن المثل لزمه الشراء أو بعبن لم يلزمه # وأما القصر فله أن يقتصر في كل واحدة من الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ~~ولا يصير مسافرا إلا بمفارقة عمران البلد # وأما الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء في وقتيهما ~~فذلك أيضا في كل سفر ms153 طويل مباح وفي جوازه في السفر القصير قول ثم إن قدم ~~العصر إلى الظهر فلينو الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل الفراغ من ~~الظهر وليؤذن للظهر وليقم وعند الفراغ يقيم للعصر وإن أخر الظهر إلى العصر ~~فيجري على هذا الترتيب # وأما النافلة فقد جوز أداؤها على الراحلة كي لا يتعوق عن الرفقة بسببها ~~وكان صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته أينما توجهت به دابته وأوتر عليه ~~السلام على الراحلة وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا الإيماء ~~ويجعل سجوده أخفض من ركوعه # وأما استقبال القبلة فلا يجب لا في ابتداء الصلاة ولا في دوامها ولكن صوب ~~الطريق بدل عن القبلة فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو متوجها في ~~صوب الطريق لتكون له جهة يثبت فيها وجوز للمسافر أيضا التنفل له ماشيا ~~فيومئ بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد وحكمه حكم الراكب لكن ينبغي أن ~~يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة وكل هارب من عدو أو سيل أو سبع فله أن يصلي ~~الفريضة راكبا أو ماشيا كما ذكرناه في التنفل # وأما الفطر في رمضان للمسافر فهو مرخص له والصوم أفضل له إلا أن كان يضره ~~فالإفطار له أفضل PageV01P242 # | كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ~~والمهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين لو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله ~~لفشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد فنعوذ بالله أن يندرس ~~من هذا القطب عمله وعلمه وأن ينمحي بالكلية حقيقته ورسمه وأن تستولي على ~~القلوب مداهنة الخلق وتنمحي عنها مراقبة الخالق وأن يسترسل الناس في اتباع ~~الهوى والشهوات إسترسال البهائم وأن يعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه ~~في الله لومة لائم فلا معاذ إلا به ولا ملجأ إلا إليه # ينحصر هذا الكتاب في مقاصد # # | وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله # دل على ذلك من الآيات قوله تعالى @QB@ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ms154 ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون @QE@ ففي الآية بيان ~~الإيجاب فإن قوله تعالى @QB@ ولتكن @QE@ أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها ~~بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر بقوله @QB@ وأولئك هم المفلحون @QE@ وفيها ~~بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين ~~وقال تعالى @QB@ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة @QE@ فقد PageV01P243 نعت المؤمنين بأنهم ~~يأمرون بالمعروف فالذي هجر الأمر بالمعروف خارج عن هؤلاء المؤمنين ~~المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى @QB@ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون @QE@ وهذا غاية التشديد إذ علل ~~استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر وقال عز وجل @QB@ كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ وهذا يدل على فضيلة ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا خير أمة وقال تعالى ~~@QB@ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون @QE@ فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي ~~عن السوء وقال تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان @QE@ وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد ~~سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى @QB@ لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون @QE@ فبين أنهم ~~أثموا بترك النهي وقال تعالى @QB@ فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ~~ينهون عن الفساد في الأرض @QE@ الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلا منهم ~~كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين @QE@ وذلك هو الأمر ~~بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا ~~من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ~~فسوف نؤتيه أجرا ms155 عظيما @QE@ # ومن الأخبار ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم ~~فلم يفعل إلا PageV01P244 يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وقد روي في ذلك ~~من الأحاديث ما لا يحصى وبهذه الأدلة يظهر كون الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واجبا وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به # | الشروط التي بها يتحقق التصدي للإنكار # الأول كونه منكرا وهو ما كان محذور الوقوع في الشرع ولفظ المنكر أعم من ~~لفظ المعصية فإن من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق الخمر ~~وكذا أن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه وليس ذلك ~~معصية في حق المجنون ولا يختص المنكر بالكبائر بل كشف العورة في الحمام ~~والخلوة بالأجنبية وإتباع النظر للنسوة الأجنبيات كل ذلك من الصغائر ويجب ~~النهي عنها # الثاني أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس فكل من ستر معصية في داره وأغلق ~~بابه لا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية ولا أن يتجسس عليه وقد ~~نهى الله تعالى عنه في قوله @QB@ ولا تجسسوا @QE@ وكذا لو رئي فاسق وتحت ~~ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه # الثالث أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد فكل ما هو في محل الاجتهاد ~~فلا نكران فيه فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي ما هو من مجاري الاجتهاد ~~يعني المسائل المختلف فيها بين الأئمة إذ لا يعلم خطأ المخالف قطعا بل ظنا ~~فلا بد أن يكون المنكر متفقا عليه وكذا إنما ينكر على الفرق المبتدعة في ~~خطئهم المعلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد # | درجات القيام بالإنكار # الأولى التعريف أي تعريف المزجور أن ما يفعله منكر فإنه قد يقدم عليه ~~بجهله فلعله إذا عرف أنه منكر تركه فيجب تعريفه باللطف من غير عنف فإن في ~~PageV01P245 التعريف كشفا للعورة وإيذاء للقلب فلا بد وأن يعالج دفع أذاه ~~بلطف ms156 الرفق فتقول له إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا جاهلين فعلمنا ~~العلماء فالصواب هو كذا وكذا فيتلطف به هكذا ليصل التعريف من غير إيذاء فإن ~~إيذاء المسلم حرام محذور كما أن تقريره على المنكر محظور وليس من العقلاء ~~من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن آذى بالإنكار فهذا مثاله # الدرجة الثانية النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى وذلك فيمن يقدم ~~على الأمر وهو عالم بكونه منكرا كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم أو على ~~اغتياب المسلمين أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى وتورد ~~عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين ~~وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب بل ينظر إليه نظر المترحم عليه # الدرجة الثالثة التعنيف بالقول الغليظ وذلك عند العجز عن المنع باللطف ~~وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم عليه ~~السلام @QB@ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون @QE@ ولا يفحش في ~~سبه ولهذه الرتبة أدبان # أحدهما أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف # والثاني أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه فيطيل لسانه بما لا يحتاج ~~إليه بل يقتصر على قدر الحاجة # الدرجة الرابعة التغيير باليد وذلك كإراقة الخمر وإتلاف المنكر المتمول ~~أو دفعه عن محرم وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وأما الإراقة والإتلاف ~~فإلى الولاة ومأذونيهم كالضرب والحبس # | آداب القائم بالأمر والنهي # جملتها ثلاث صفات العلم والورع وحسن الخلق # أما العلم فليعلم مواقع الأمر والنهي ليقتصر على حد الشرع فيه # وأما الورع فليردعه عن مخالفة معلومة ولا يحمله على مجاوزة الحد المأذون ~~شرعا غرض من الأغراض وليكون كلامه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا أمر أو ~~نهى ويورث ذلك جراءة عليه PageV01P246 # وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأساسه والعلم ~~والورع لا يكفيان فيه فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعة ~~ما لم يكن في الطبع قبول ms157 له بحسن الخلق وبوجود هذه الصفات الثلاث يصير ~~الإرشاد من القربات وبه تندفع المنكرات وإن فقدت لم يندفع المنكر وقد حكي ~~أن المأمون وعظه واعظ وعنف له في القول فقال يا رجل ارفق فقد بعث الله من ~~هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى @QB@ فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى @QE@ فليكن اقتداء المرشد في الرفق بالأنبياء ~~صلوات الله عليهم & المنكرات المألوفة في العادات & # | منكرات المساجد # اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة فإذا قلنا هذا منكر مكروه ~~فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه وليس بحرام وإذا قلنا منكر ~~محظور أو قلنا منكر مطلقا فنريد به المحظور ويكون السكوت عليه مع القدرة ~~محظورا فمما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع ~~والسجود وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه ومن رأى مسيئا في ~~صلاته فسكت عليه فهو شريكه ومنها قراءة القرآن ملحونة فيجب النهي عن ذلك ~~وتلقين الصحيح والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمنع ~~عن القراءة قبل التعلم فانه عاص به ومنها تراسل المؤذنين في الأذان ~~وتطويلهم بمد كلماته فذلك منكر مكروه ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين ~~يمزجون بكلامهم الكذب والأضاليل والخرافات فيجب الإنكار عليهم ومنها التحلق ~~يوم الجمعة لبيع الأدويه والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال وقراءتهم ~~القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فكل ذلك منكر يمنعون منه ومنها بيع ~~الأطعمة والأدوية والكتب وكذا الخياطة فيطلب المنع منه لأن المساجد لم تبن ~~لهذا ومنها دخول المجانين المعروفين الآن بالمجاذيب والصبيان والسكارى ~~فإنهم يجنبون المساجد وقد أوسعنا الكلام PageV01P247 على منكرات المساجد ~~وبدعها وعوائدها في كتاب أفردناه لذلك فليرجع إليه من أراده # | منكرات الأسواق # من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب فمن قال ~~اشتريت هذه السلعة مثلا بعشرة وأربح فيها كذا وكان كاذبا فهو فاسق وعلى من ~~عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان شريكا له في ms158 ~~الخيانة وعصى بسكوته وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه المشتري عليه ~~وإلا كان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام وكذا التفاوت في الذراع ~~والمكيال والميزان يجب على كل من عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى الوالي حتى ~~يغيره ومنها بيع الملاهي وتلبيس انخراق الثياب بالرفو وكل ما يؤدي إلى ~~التلبيسات وذلك يطول إحصاؤه فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره # | منكرات الشوارع # من المنكرات المعتادة فيها وضع الخشب وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق ~~وإخراج الأجنحة فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة ~~وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه نعم يجوز وضع الحطب ~~وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك يشترك في ~~الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث ~~يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول ~~والركوب وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر ~~الحاجة والمرعي هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر ~~الحاجات ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر إن ~~أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا ~~منع إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر ~~مدة النقل وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر بحيث منع الملاك ~~منه وكذلك طرح القمامة على جوانب الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء ~~بحيث يخشى منه التزلق والتعثر كل ذلك من المنكرات وكذلك إرسال الماء من ~~الميازيب المتخرجة PageV01P248 من الحائط في الطريق الضيقة فإن ذلك ينجس ~~الثياب أو يضيق الطريق وكذلك الثلج الذي يطرحه شخص في الطريق والماء الذي ~~يجتمع فيه من ميزاب معين فعلى الأول والثاني كسح الطريق منهما وأما مياه ~~المطر فتلك على محتسبي البلدة كسحها من الطريق وكذلك إذا كان له كلب ms159 عقور ~~على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه # | منكرات الحمامات # منها كشف العورات والنظر إليها ومن جملتها كشف الدلاك عن الفخذ وما تحت ~~السرة لتنحية الوسخ بل من جملتها إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير ~~حرام كالنظر إليها ومنها الانبطاح على الوجه بين يدي الدلاك لتغميز الأفخاذ ~~والأعجاز فهذا مكروه إن كان مع حائل ولا يحرم إلا إذا خشي حركة الشهوة ~~ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام ومجاري مياهها حجارة ملساء مزلقة يزلق ~~عليها الغافلون فهذا منكر ويجب قلعه وإزالته وينكر على الحمامي إهماله فإنه ~~يفضي إلى السقطة وقد تؤدي السقطة إلى انكسار عضو أو انخلاعه وكذلك ترك ~~الصابون على أرض الحمام منكر وفي الحمام أمور أخر مكروهة تقدمت في كتاب ~~الطهارة # | منكرات الضيافة # منها فرش الحرير للرجال وتبخير البخور في مجمرة ذهب أو فضة والشرب في ~~أواني الفضة ومنها سماع القينات أي النساء المغنيات ومنها أن يكون الطعام ~~حراما أو الموضع مغصوبا ومنها أن يكون فيها من يتعاطى شرب الخمر فلا يجوز ~~الحضور وإن كان فيها مضحك بالحكايات وأنواع النوادر فإن كان يضحك بالفحش ~~والكذب لم يجز الحضور وعند الحضور يجب الإنكار عليه وإن كان ذلك بمزح لا ~~كذب فيه ولا فحش فهو مباح أعني ما يقل منه فأما إتخاذه صنعة وعادة فليس ~~بمباح ومنها الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر بل في المال منكران أحدهما ~~الإضاعة والآخر الإسراف فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق ~~الثوب وتمزيقه وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمنكرات وقد يطلق على ~~الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة والمبالغة تختلف بالإضافة ~~إلى الأحوال قال تعالى @QB@ ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان ~~الشيطان لربه كفورا @QE@ PageV01P249 وقال تعالى @QB@ والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ فمن لم يملك إلا مائة دينار ~~مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في ms160 وليمة فهو ~~مسرف يجب منعه منه وكذا لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه ~~فهو أيضا إسراف محرم وأما فعل ذلك ممن له مال كثير فليس بحرام لأن التزيين ~~من الأغراض الصحيحة وكذلك القول في التجمل بالثياب والأطعمة فذلك مباح في ~~جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته # | المنكرات العامة # اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من ~~حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس ~~جاهلون بالشرع في البلاد فكيف في القرى والبوادي فواجب أن يكون في كل مسجد ~~ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية وواجب على كل فقيه ~~فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل ~~السواد والعرب ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم فإن قام بهذا الأمر واحد سقط ~~الحرج عن الباقين وبالجملة فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها ~~بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ثم يعلم ذلك أهل بيته ثم يتعدى بعد ~~الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل ~~السواد المكتنف ببلده ثم إلى أهل البوادي وهكذا إلى أقصى العالم فإن قام به ~~الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرج به كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا ~~PageV01P250 # | كتاب الآداب النبوية والأخلاق المحمدية # # | بيان تأديب الله تعالى صفية محمدا صلوات الله عليه بالقرآن # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الضراعة والابتهال دائم السؤال من ~~الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق فكان يقول في دعائه ~~اللهم حسن خلقي وخلقي ويقول اللهم جنبني منكرات الأخلاق فاستجاب الله تعالى ~~دعاءه وفاء بقوله عز وجل @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ فأنزل عليه القرآن ~~وأدبه فكان خلقه القرآن وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى @QB@ خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ وقوله @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ وقوله ~~@QB@ واصبر على ms161 ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور @QE@ وقوله @QB@ فاعف عنهم ~~واصفح إن الله يحب المحسنين @QE@ وقوله @QB@ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم @QE@ PageV01P251 وقوله @QB@ والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس @QE@ وقوله @QB@ اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا @QE@ وأمثال هذه التأديبات في ~~القرآن لا تحصر وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ~~ثم منه يشرق النور على كافة الخلق فإنه أدب بالقرآن وأدب الخلق به ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ثم رغب الخلق في محاسن ~~الأخلاق ثم لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى @QB@ وإنك لعلى ~~خلق عظيم @QE@ ثم بين صلوات الله عليه للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ~~ويبغض سفسافها قال علي رضي الله عنه يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم ~~في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد ~~كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاة ~~وفي الحديث إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ومن ذلك حسن ~~المعاشرة وكرم الصنيعة ولين الجانب وبذل المعروف وإطعام الطعام وإفشاء ~~السلام وعيادة المريض المسلم وتشييع الجنازة وحسن الجوار لمن جاورت مسلما ~~كان أو كافرا وتوقير ذي الشيبة المسلم وإجابة الطعام والدعاء عليه والعفو ~~والإصلاح بين الناس والجود والكرم والسماحة وكظم الغيظ واجتناب المحارم ~~والغيبة والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة والنميمة وسوء ذات ~~البين وقطيعة الأرحام وسوء الخلق والتكبر والفخر والاختيال والاستطالة ~~والبذخ والفحش والتفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي والعدوان والظلم قال ~~أنس رضي الله عنه فلم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها وأمرنا بها ولم ~~يدع غشا أو عيبا إلا حذرناه ونهانا عنه ويكفي من ذلك كله هذه الآية @QB@ إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن @QE@ PageV01P252 ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وقال معاذ أوصاني رسول الله ~~صلى الله عليه ms162 وسلم فقال يا معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء ~~بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة اليتيم ولين الكلام ~~وبذل السلام وحسن العمل وقصر الأمل ولزوم الإيمان والتفقه في القرآن وحب ~~الآخرة والجزع من الحساب وخفض الجناح وأنهاك أن تسب حكيما أو تكذب صادقا أو ~~تطيع آثما أو تعصي إماما عادلا أو تفسد أرضا وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر ~~وشجر ومدر وأن تحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية فهكذا أدب ~~عباد الله ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب # | بيان جمل من محاسن أخلاقه صلوات الله عليه # كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس وأعف الناس ~~لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه ~~وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه ~~وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه لا يأخذ مما ~~آتاه الله إلا قوت عامه فقط ويضع سائر ذلك في سبيل الله لا يسأل شيئا إلا ~~أعطاه ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام ~~فاستقرض وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله وكان أشد الناس ~~حياء لا يثبت بصره في وجه أحد ويجيب دعوة الحر والعبد ويقبل الهدية ولو ~~أنها جرعة لبن ويكافئ عليها ويأكلها ولا يأكل الصدقة ولا يستكبر عن إجابة ~~الأمة والمسكين يغضب لربه ولا يغضب لنفسه وقد وجد من أصحابه قتيلا بين ~~اليهود فلم يجف عليهم ولا زاد على مر الحق بل وداه بمائة ناقة وإن بأصحابه ~~لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع يأكل ما ~~حضر ولا يرد ما وجد إن وجد تمرا PageV01P253 دون خبز أكله وإن وجد شواء ~~أكله وإن وجد خبز بر أو شعير أكله وإن وجد حلواء أو عسلا أكله وإن وجد لبنا ~~دون خبز ms163 اكتفى به وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله لا يأكل متكئا ولا على خوان ~~لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى إيثارا على نفسه ~~لا فقرا ولا بخلا وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا وأسكتهم في غير ~~كبر وأبلغهم في غير تطويل وأحسنهم بشرا لا يهوله شيء من أمور الدنيا خاتمه ~~من فضة يلبسه في خنصره الأيمن والأيسر يركب الحمار ويردف خلفه عبده أو غيره ~~يعود المرضى في أقصى المدينة يحب الطيب ويجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ~~ويكرم أهل الفضل ويتألف أهل الشرف بالبر لهم يصل رحمه ولا يجفو على أحد ~~يقبل معذرة المعتذر إليه يمزح ولا يقول إلا حقا ضحكه التبسم من غير قهقهة ~~يرى اللعب المباح فلا ينكره يسابق أهله وترفع الأصوات عليه من الجفاة فيصبر ~~لم يرتفع على عبيده في مأكل ولا ملبس لا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى ~~أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكينا ~~لفقره ولا يهاب ملكا لملكه يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا قد جمع الله ~~تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب نشأ في ~~بلاد الجهل والصحاري في فقر وفي رعاية الغنم يتيما لا أب له ولا أم فعلمه ~~الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين وما ~~فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا وفقنا الله لطاعته ~~في أمره والتأسي به في فعله آمين يا رب العالمين # | بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه # مما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما ضرب بيده أحدا قط إلا أن يضرب بها ~~في سبيل الله تعالى وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله ~~وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم ~~فيكون أبعد الناس من ذلك وما كان يأتيه أحد حر أو ms164 عبد أو أمة إلا قام معه ~~في حاجته وقال أنس رضي الله عنه والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه ~~لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال PageV01P254 دعوه إنما كان هذا بكتاب ~~وقدر وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون ~~هو المنصرف وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة وكان لا يقوم ولا ~~يجلس إلا على ذكر الله وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل ~~عليه فقال ألك حاجة ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس أصحابه لأنه كان حيث انتهى ~~به المجلس جلس وكان يكرم من دخل عليه حتى ربما بسط له ثوبه يجلسه عليه وكان ~~يوثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من ~~وجهه حتى كأن مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مجلسه وتوجهه للجالس إليه ومجلسه مع ~~ذلك حياء وتواضع وأمانة قال تعالى @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت ~~فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك @QE@ ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما ~~لهم واستمالة لقلوبهم ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى بما كناه بها ~~ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن ويكني أيضا الصبيان ~~فيستلين به قلوبهم وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضاء وكان أرأف الناس ~~بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس ولم تكن ترفع في مجلسه الأصوات ~~وكان إذا قام من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك # | بيان كلامه وضحكه صلوات الله عليه # كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما ويقول أنا أفصح ~~العرب وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير يحفظه سامعه ويعيه وكان ~~جهير الصوت أحسن الناس نغمة لا يتكلم في غير حاجة ولا يقول في الرضاء ~~والغضب إلا الحق ويعرض عمن تكلم بغير جميل ويكني عما اضطره الكلام إليه مما ~~يكره وكان إذا سكت تكلم جلساؤه ولا ms165 يتنازع عنده في الحديث ويعظ بالجد ~~والنصيحة وكان أكثر الناس تبسما وصحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما تحدثوا به ~~PageV01P255 وخلطا لنفسه بهم ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه وكان ضحك أصحابه ~~عنده التبسم اقتداء به وتوقيرا له وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى ~~الله وتبرأ من الحول والقوة واستنزل الهدى فيقول اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم # | أخلاقه صلوات الله عليه في الطعام والشراب # كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد وإذا وضعت المائدة قال بسم الله ~~اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنة وكان لا يأكل الحار ويقول إن ~~الله لم يطعمنا نارا فابردوه وكان يأكل مما يليه ويأكل خبز الشعير والقثاء ~~بالرطب وكان أكثر طعامه الماء والتمر وأحب الطعام إليه اللحم وكان يأكل ~~الثريد باللحم ويحب القرع وكان يحب من الشاة الذراع والكتف ولا يحب منها ~~الكليتين ولا الذكر والأنثيين ولا المثانة والغدد والحياء ويكره ذلك وكان ~~لا يأكل الثوم ولا البصل وما ذم طعاما قط إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه وكان ~~يعاف الضب والطحال ولا يحرمهما وكان إذا فرغ قال الحمد لله اللهم لك الحمد ~~أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت لك الحمد غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ~~وكان إذا أكل اللحم PageV01P256 غسل يديه غسلا جيدا وكان يشرب في ثلاث ~~دفعات ويمص الماء مصا ولا يعبه عبا ولا يتنفس في الإناء بل ينحرف عنه وكان ~~ربما قام في بيته فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب # | أخلاقه صلوات الله عليه في اللباس # كان صلى الله عليه وسلم يلبس من الثياب ما وجد وأكثر لباسه البياض وكانت ~~ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين وكان قميصه مشدود الأزرار وربما حل الأزرار ~~وكان له ثوبان لجمعته خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة وكان ربما لبس الإزار ~~الواحد ليس عليه غيره فأم ms166 به الناس وكان له كساء أسود يلبسه ثم وهبه وكان ~~يتختم وربما خرج وفي خاتمة خيط مربوط يتذكر به الشيء وكان يختم به على ~~الكتب وكان يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمامة وربما نزع قلنسوته من ~~رأسه فجعلها سترة بين يديه ثم يصلي إليها وكان إذا لبس ثوبا لبسه من قبل ~~ميامنه ويقول الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس ~~وإذا نزع ثوبه أخرجه من مياسره وكان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا ~~ثم يقول ما من مسلم يكسو مسلما لله إلا كان في ضمان الله وحرزه حيا وميتا ~~وكان له فراش من أدم حشوه ليف وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل تثنى ~~طاقتين تحته وكان من خلقه تسمية دوابه وسلاحه ومتاعه # | عفوه صلى الله عليه وسلم مع القدرة # كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس وأرغبهم في العفو مع القدرة فقد كان ~~في حرب فرأى رجل من المشركين في المسلمين غرة فجاء حتى قام على رأس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال من يمنعك مني فقال الله قال فسقط ~~السيف من يده فأخذ رسول الله السيف وقال من يمنعك مني فقال كن خير آخذ قال ~~قل أشهد أن لا إله إلا PageV01P257 الله وأني رسول الله فقال لا غير أني لا ~~أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء أصحابه فقال جئتكم من عند ~~خير الناس وكم استؤذن صلى الله عليه وسلم في قتل من أساء إليه وقيل دعنا يا ~~رسول الله نضرب عنقه وهو يأبى وينهي ثم يقبل معذرة المعتذر إليه وربما قال ~~رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وكان صلى الله عليه وسلم يقول ~~لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا ~~سليم الصدر # | إغضاؤه صلوات الله عليه عما كان يكرهه # كان صلى الله عليه وسلم رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه ~~غضبه ورضاه وكان ms167 لا يشافه أحدا بما يكرهه بال أعرابي في المسجد بحضرته فهم ~~به الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه البول ثم ~~قال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا # | سخاؤه وجوده صلوات الله عليه # كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأسخاهم وكان في شهر رمضان كالريح ~~المرسلة لا يمسك شيئا وكان علي رضي الله عنه إذا وصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كان أجود الناس كفا وأوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفاهم ~~ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه ~~يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله وما سئل عن شيء قط إلا أعطاه وإن رجلا ~~أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما PageV01P258 بين جبلين فرجع إلى قومه وقال ~~أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وما سئل شيئا قط فقال لا ~~وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير ثم مال إليها فقسمها فما رد ~~سائلا حتى فرغ منها وجاءه رجل فسأله فقال ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا ~~جاءنا شيء قضيناه فقال عمر يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال الرجل # أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا # فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف السرور في وجهه ولما قفل من حنين ~~جاءت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها ~~بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا # | شجاعته صلى الله عليه وسلم # كان صلوات الله عليه أكرم الناس وأشجعهم قال علي رضي الله عنه لقد رأيتني ~~يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من ~~أشد الناس يومئذ بأسا وقال أيضا كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم ~~اتقينا برسول الله صلى ms168 الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ~~ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته فجعل يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد ~~المطلب فما رئي يومئذ أحد أشد منه PageV01P259 # | تواضعه صلوات الله عليه # كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا في علو منصبه وكان يركب الحمار ~~موكفا عليه قطيفة وكان مع ذلك يستردف وكان يعود المريض ويتبع الجنازة ويجيب ~~دعوة المملوك ويخصف النعل ويرقع الثوب وكان يصنع في بيته مع أهله في حاجتهم ~~وكان أصحابه لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك وكان يمر على الصبيان ~~فيسلم عليهم وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب فلا ~~يدري أيهم هو حتى يسأل عنه وكان إذا جلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة ~~أخذ معهم وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث معهم رفقا بهم وتواضعا لهم ~~وكانوا يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ~~ويضحكون فيتبسم هو إذا ضحكوا ولا يزجرهم إلا عن حرام # | خلقته الكريمة صلوات الله عليه # وكان صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وكان أزهر اللون ~~ولم يكن بالآدم ولا الشديد البياض وكان شعره ليس بالسبط ولا الجعد وشعر ~~رأسه يضرب إلى شحمة أذنيه لم يبلغ شيبه عشرين شعرة بيضاء في رأسه ولا في ~~لحيته وكان واسع الجبهة أزج الحاجبين سابغهما أهدب الأشفار مفلج الأسنان كث ~~اللحية وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه وكان عظيم المنكبين بين كتفيه خاتم ~~النبوة وكان يمشي الهوينا كأنما يتقلع من صخر # | شذرة من معجزاته صلوات الله عليه # اعلم أن من شاهد أحواله صلى الله عليه وسلم وأصغى إلى سماع أخباره ~~المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق ~~وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلى طاعته مع ما يروى من ~~عجائب أجوبته في مضايق PageV01P260 الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ~~ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز العقلاء عن إدراك أوائل ~~دقائقها ms169 في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك استمداد من تأييد ~~سماوي وقوة إلهية وأن ذلك كله لا يتصور لمفتر ولا ملبس بل كانت شمائله ~~وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى إن العربي القح كان يراه فيقول والله ما هذا ~~وجه كذاب فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله فكيف من شاهد أخلاقه ومارس ~~أحواله في جميع مصادره وموارده وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن ~~الأخلاق وليتنبه لصدقه صلى الله عليه وسلم وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند ~~الله إذ آتاه الله جميع ذلك وهو أمي لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم ~~يسافر قط في طلب علم بل نشأ بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا ~~مستضغفا فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا دون ~~غيره من العلوم فضلا عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من خواص ~~النبوة لولا صريح الوحي ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك فلو لم يكن له ~~إلا هذه الأمور الظاهرة لكفى وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب فيه ~~محصل فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار من غير تطويل فنقول استفاض ~~أنه صلى الله عليه وسلم أطعم النفر الكثير من الطعام القليل في منزل جابر ~~ومنزل أبي طلحة ويوم الخندق ومرة أطعم أكثر من ثمانين رجلا من أقراص شعير ~~حملها أنس في يده فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم ونبع الماء من بين ~~أصابعه صلوات الله عليه فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش وتوضؤوا من قدح صغير ~~ضاق عن أن يبسط عليه السلام يده فيه وأراق وضوءه في عين تبوك ولا ماء فيها ~~ومرة أخرى في بئر الحديبية فجاشتا بالماء فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ~~ألوف حتى رووا وشرب من بئر الحديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء ~~ورمى صلوات الله عليه جيش العدو بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل بذلك ~~القرآن في قوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ms170 ولكن الله رمى @QE@ وحن الجزع ~~الذي كان يخطب عليه إليه لما عمل له المنبر حتى سمع منه جميع أصحابه مثل ~~صوت الإبل فضمه إليه فسكن ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم بأنهم لا ~~يتمنونه فحيل بينهم وبين تمنيه كما أخبر وأخبر عليه السلام بالغيوب فأنذر ~~عثمان بأن بلوى تصيبه بعدها الجنة وبأن PageV01P261 عمارا تقتله الفئة ~~الباغية وأن الحسن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين وأخبر عليه ~~السلام عن رجل قاتل في سبيل الله أنه من أهل النار فظهر ذلك بأن ذلك الرجل ~~قتل نفسه وهذه كلها أشياء إلهية لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة ~~بها لا بنجوم ولا بكشف ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه ~~إليه واتبعه سراقة بن مالك فساخت قدما فرسه في الأرض حتى استغاثه فدعا له ~~فانطلق الفرس وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سوار كسرى فكان كذلك وأخبر بمقتل ~~الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن قتله وأخبر ~~عليه السلام أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا فكانت ~~منيته فيه وأطعم عليه الصلاة والسلام السم فمات الذي أكله معه وعاش هو صلى ~~الله عليه وسلم بعده أربع سنين وكلمه الذراع المسموم وأخبر عليه السلام ~~بمصارع صناديد قريش ووقفهم على مصارعهم رجلا رجلا فلم يتعد واحد منهم ذلك ~~الموضع وأنذر عليه السلام بأن طوائف من أمته يغزون في البحر فكان كذلك ~~وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها وأخبر بأن ملك أمته سيبلغ ما زوي له ~~منها فكان كذلك فقد بلغ ملكهم من أول المشرق من بلاد الترك إلى آخر ~~PageV01P262 المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر وأخبر فاطمة ابنته رضي ~~الله عنها بأنها أول أهله لحوقا به فكان كذلك وأخبر نساءه أطولهن يدا ~~أسرعهن لحوقا به فكانت زينب أطولهن يدا بالصدقة وأولهن لحوقا به رضي الله ~~عنها ومسح ضرع شاة لا لبن لها فدرت وكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود رضي الله ~~عنه وفعل ms171 ذلك مرة أخرى في خيمة أم معبد الخزاعية وندرت عين بعض أصحابه ~~فردها عليه السلام بيده فكانت أصح عينيه وأحسنهما وتفل في عين علي رضي الله ~~عنه وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته وبعثه بالراية إلى غير ذلك من آياته ~~ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومن يستريب في انخراق العادة على يده ويزعم أن ~~آحاد هذه الوقائع لم ينقل تواترا بل المتواتر هو القرآن فقط كمن يستريب في ~~شجاعة علي رضي الله عنه وسخاوة حاتم الطائي ومعلوم أن آحاد وقائعهم غير ~~متواترة ولكن مجموع الوقائع يورث علما ضروريا ثم لا يتمارى في تواتر القرآن ~~وهو المعجزة الكبرى الباقية بين الخلق وليس لنبي معجزة باقية سواه صلى الله ~~عليه وسلم إذ تحدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغاء الخلق وفصحاء ~~العرب وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ~~ومباهاتهم وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة ~~من مثله إن شكوا فيه وقال لهم @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل @QE@ PageV01P263 هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ~~) قال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم ~~وذراريهم للسبي وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ثم ~~انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر إلى ~~زماننا هذا فلم يقدر أحد على معارضته فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله ثم في ~~أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ثم في معجزاته ثم في استمرار شرعه إلى ~~الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره ~~وبعد عصره مع ضعفه ويتمه ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه فما أعظم توفيق من آمن ~~به وصدقه واتبعه في كل ورد وصدر فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للاقتداء به في ~~الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده آمين PageV01P264 | 2 | # | كتاب رياضة ms172 النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب # الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه ~~وتقديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها ~~بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره ~~والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وبشيره ونذيره الذي كان تلوح ~~أنوار النبوة من بين أساريره ويستنشق حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى ~~آله وأصحابه الذين حسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره # أما بعد فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على ~~التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين والأخلاق السيئة ~~هي السموم القاتلة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن ~~جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة ~~إلى نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أن الأخلاق الجميلة هي ~~الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة ~~أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض ~~الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج ~~للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج ~~PageV01P265 لأمراض القلوب في مرضها وفوت حياة باقية أولى وهذا النوع من ~~الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت ~~تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة عللها ~~وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى ~~@QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ وإهمالها هو المراد بقوله @QB@ وقد خاب من ~~دساها @QE@ ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول ~~في معالجتها بعونه تعالى # | بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق # قال الله تعالى لنبيه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه @QB@ وإنك لعلى خلق ~~عظيم @QE@ وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلقه القرآن وقال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم ms173 الأخلاق وعنه ~~صلى الله عليه وسلم الدين حسن الخلق وهو أن لا تغضب وقيل يا رسول الله ما ~~الشؤم قال سوء الخلق وقال صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت واتبع ~~السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وقيل له يا رسول الله إن فلانة ~~تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة PageV01P266 الخلق تؤذي جيرانها بلسانها ~~قال لا خير فيها هي من أهل النار وقال صلى الله عليه وسلم إن الله استخلص ~~هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم ~~بهما وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضلهم إيمانا قال أحسنهم خلقا وقال ~~صلى الله عليه وسلم إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن ~~الخلق وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن ~~الخلق وعن الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال وهب مثل السيئ الخلق كمثل ~~الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن ~~الخلق أحب من أن يصحبني عابد سيئ الخلق # | ما قاله السلف في حسن الخلق وشرح ماهيته # اعلم أنه روي عنهم في ذلك ما هو كالثمرة والغاية من ذلك ما قاله الحسن ~~رحمه الله حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أن لا ~~يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى وقال PageV01P267 أيضا هو إرضاء ~~الخلق في السراء والضراء وقيل غير ذلك مما هو من ثمرات حسن الخلق وأما ~~حقيقة الخلق فهي هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير ~~حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة ~~المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها ~~الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا وإنما قلنا إنها ~~هيئة راسخة لأن من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه ~~السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما ms174 اشترطنا أن تصدر منه ~~الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب ~~بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم وأمهات الأخلاق وأصولها أربعة ~~الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب ~~من الخطأ في جميع الأحوال الاختيارية ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها ~~يسوس الغضب والشهوة ويحملها على مقتضى الحكمة ويضبطها في الاسترسال ~~والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في ~~إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع فمن ~~اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها وقد أشار القرآن إلى ~~هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك ~~هم الصادقون @QE@ فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هي قوة اليقين وهي ~~ثمرة العقل ومنتهى الحكمة والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط ~~قوة الشهوة والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب ~~على شرط العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال @QB@ أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم @QE@ إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا فليس ~~الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال PageV01P268 # | بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة # اعلم أن بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال ~~بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث ~~دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير فنقول لو كانت ~~الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حسنوا أخلاقكم وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير ~~خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والفرس من الجماح ~~إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك ~~أن نقول الموجودات منقسمة # إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل ms175 ~~أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات وبالجملة كل ما هو حاصل ~~كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله # وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه ~~وشرطه قد يرتبط باختيار العبد فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت ~~خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ولا تصير تفاحا أصلا ولا ~~بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض ~~فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر ~~لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا ~~عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى نعم ~~الجبلات مختلفة بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول وليس المقصود من ~~المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ~~ضرورية في الجبلة فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ولو انقطعت شهوة ~~الوقاع لانقطع النسل ولو انقطع الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما ~~يهلكه ولهلك ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى ~~الشهوة حتى يحمله ذلك على PageV01P269 إمساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك ~~بالكلية بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط ~~والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا ~~وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى ~~@QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن ~~الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية ~~والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما ~~أنا بشر أغضب كما يغضب البشر وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب حتى ~~تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان عليه الصلاة والسلام لا يخرجه غضبه ~~عن الحق وقال تعالى @QB@ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس @QE@ ولم يقل ~~والفاقدين ms176 الغيظ فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال بحيث لا يقهر واحد ~~منهما العقل ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما ممكن ~~وهو المراد بتغيير الخلق فإنه ربما تستولي الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى ~~عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال ~~فدل أن ذلك ممكن والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها والذي ~~يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين أن السخاء خلق محمود ~~شرعا وهو وسط بين طرفي التبذير والتقتير وقد أثنى الله تعالى عليه فقال ~~@QB@ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ وكذلك ~~المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود قال الله تعالى @QB@ ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين @QE@ وقال في الغضب @QB@ ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم خير الأمور ~~أوساطها PageV01P270 # | بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة # قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى ~~اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضا وهذا الاعتدال ~~يحصل على وجهين # أحدهما بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن ~~الخلق قد كفي سلطان الشهوة والغضب بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع # والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس ~~على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق ~~الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجود وهو بذل المال فلا يزال يطالب نفسه ~~ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له وتيسير عليه فيصير ~~به جوادا وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر ~~فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ~~ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه وجميع الأخلاق المحمودة ms177 ~~شرعا تحصل بهذا الطريق وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا فالسخي هو ~~الذي يستلذ بذل المال دون الذي يبذله عن كراهة والمتواضع هو الذي يستلذ ~~التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات ~~الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة وما لم يواظب عليها مواظبة من ~~يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها ~~كما قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة ومهما كانت العبادات ~~وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به ~~ولذلك قال الله تعالى @QB@ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ ثم لا يكفي ~~في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في ~~زمان دون زمان بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر ولا ينبغي ~~أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين ومصير العبادات لذيذة فإن ~~PageV01P271 العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك فإنا نرى المقامر ~~المفلس قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح ~~الناس بغير قمار مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع ~~ذلك فهو يحبه ويلتذ به وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة وكذلك اللاعب ~~بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمهما ~~لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحلقها في جو السماء فكل ذلك نتيجة ~~العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك في ~~المخالطين والمعارف وإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه فكيف ~~لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه ~~الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض ~~الناس ذلك بالعادة فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته ~~فهو كالميل إلى الطعام والشراب فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني وميله ms178 ~~إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه وإنما غذاء القلب الحكمة ~~والمعرفة وحب الله عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد ~~يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها فكل قلب ~~مال إلى حب شيء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا كان أحب ~~ذلك الشيء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك ~~على المرض فإذن قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها ~~بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء فتصير طبعا وهذا من عجيب ~~العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإن كل صفة تظهر في القلب ~~يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة وكل فعل يجري ~~على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب والأمر فيه دور # وإذا تحققت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة وتارة تكون ~~باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم ~~قرناء الخير إخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا فمن ~~تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما فهو ~~غاية الفضيلة ومن كان رذلا بالطبع واتفق له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت ~~له أسباب الشر حتى اعتادها فهو في غاية البعد من الله عز وجل وبين الرتبتين ~~من اختلفت فيه هذه الجهات ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صفته ~~وحالته @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ ~~PageV01P272 @QB@ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون @QE@ # | بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق # قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس والميل عن الاعتدال ~~سقم ومرض فيها كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له والميل عن الاعتدال ~~مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا فنقول مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل ~~والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل ms179 والأخلاق الجميلة إليها مثال البدن في ~~علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه وكما أن الغالب على أصل ~~المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية ~~والأحوال فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل وكما أن البدن في ~~الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء فكذلك ~~النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق ~~والتغذية بالعلم وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون ~~الحافظ للصحة وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه فكذلك النفس منك إن كانت ~~زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد القوة إليها واكتساب ~~زيادة صفائها وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها ~~وكما أن العلة الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة ~~فبالبرودة وبالعكس فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج ~~مرض الجهل بالتعلم ومرض البخل بالتسخي ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره ~~بالكف عن المشتهى تكلفا وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة ~~الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة ~~المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولى فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ~~ومرض القلب والعياذ بالله تعالى مرض PageV01P273 يدوم بعد الموت أبد الآباد ~~وبالجملة فالطريق الكلي في معالجة القلوب هو سلوك مسلك المضادة لكل ما ~~تهواه النفس وتميل إليه وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كلمة ~~واحدة فقال تعالى @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى @QE@ والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم فإذا عزم على ترك ~~شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختبارا فينبغي أن ~~يصبر ويستمر فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت عافانا الله تعالى ~~من فسادها # | بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه # اعلم أن ms180 الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كانت بصيرته ~~نافذة لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الخلق ~~جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين ~~نفسه فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق # الطريق الأول أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا ~~الآفات ويتبع إشارته في مجاهدته وهذا شأن التلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه ~~عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه # الطريق الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا يلاحظ أحواله وأفعاله ~~فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه ينبهه عليه فهكذا كان يفعل الأكابر من ~~أئمة الدين كان عمر رضي الله عنه يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي وكان ~~يسأل حذيفة ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق فهو على جلالة قدره وعلو منصبه ~~هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه فكل من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا كان ~~أقل إعجابا وأعظم اتهاما لنفسه وفرحا بتنبيه غيره على عيوبه وقد آل الأمر ~~في أمثالنا إلى PageV01P274 أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا ~~ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب ~~لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحنا به ~~واشتغلنا بإزالة العقرب وقتلها وإنما نكايتها على البدن ولا يدوم ألمها ~~يوما فما دونه ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد ~~الموت أبد الآباد ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل ~~نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له وأنت أيضا تصنع كيت وكيت ~~وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب ~~التي أثمرتها كثرة الذنوب وأصل كل ذلك ضعف الإيمان فنسأل الله تعالى أن ~~يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكر من ~~يطلعنا ms181 على مساوينا بمنه وفضله # الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط ~~تبدي المساويا ولعل انتفاع الانسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه ~~بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على ~~تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول ~~أعدائه فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم # الطريق الرابع أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب ~~نفسه به وينسبها إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ~~ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به غيره فلا ينفك هو عن ~~أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فليتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من ~~غيره وناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا ~~عن المؤدب وهذا كله من حيل من فقد شيخا مربيا ناصحا في الدين وإلا فمن وجده ~~فقد وجد الطبيب فليلازمه فإنه يخلصه من مرضه # | بيان تمييز علامات حسن الخلق # اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك ~~فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه قد هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن ~~المجاهدة فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق فإن حسن الخلق هو الإيمان وسوء ~~الخلق هو النفاق وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في ~~PageV01P275 كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق فلنورد جملة من ~~ذلك لتعلم آية حسن الخلق قال الله تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم ~~فيها خالدون @QE@ وقال عز وجل @QB@ التائبون العابدون الحامدون ms182 السائحون ~~الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود ~~الله وبشر المؤمنين @QE@ وقال عز وجل @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات ~~عند ربهم ومغفرة ورزق كريم @QE@ وقال تعالى @QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ إلى آخر السورة فمن ~~أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع هذه الصفات علامة ~~حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض ~~دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده وقد وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال المؤمن ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقال عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليكرم ضيفه وقال صلى الله عليه وسلم من كان PageV01P276 يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم جاره وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليصمت وذكر أن صفات المؤمنين هي حسن الخلق فقال صلى الله عليه وسلم أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وقال لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة ~~تؤذيه وقال عليه السلام لا يحل لمسلم أن يروع مسلما وقال صلى الله عليه ~~وسلم إنما يتجالس المتجالسان بأمانه الله عز وجل فلا يحل لأحدهما أن يفشي ~~على أخيه ما يكرهه # وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفا فقد روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه ~~جذبا شديدا وكان عليه برد غليظ الحاشية قال أنس رضي الله عنه حتى نظرت إلى ~~عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه ~~فقال يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه ولما ms183 أكثرت قريش إيذاءه قال اللهم اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون # حكي أن الأحنف بن قيس قيل له ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم قيل له ~~وما بلغ من حلمه قال بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه ~~شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات PageV01P277 فدهشت الجارية ~~فقال لها لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى # وروي أن عليا كرم الله وجهه دعا غلاما فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم ~~يجبه فقام إليه فرآه مضطجعا فقال أما تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك ~~على ترك إجابتي قال أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال امض فأنت حر لوجه الله تعالى # وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله يا مرائي فقال يا هذه وجدت اسمي ~~الذي أضله أهل البصرة # فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغش والغل والحقد ~~بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق فمن لم ~~يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق بل ~~ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجه ~~رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون # | بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم وتحسين ~~أخلاقهم # اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند ~~والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ~~ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في ~~الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر ~~وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه وقد قال الله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ ومهما كان ~~الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ~~ويهذبه ويعلمه محاسن PageV01P278 الأخلاق ويحفظه من ms184 قرناء السوء ولا يعوده ~~التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ~~فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته ~~وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال ومهما رأى فيه مخايل التمييز ~~فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ~~ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه وهذه بشارة ~~تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل ~~يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام ~~فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم ~~الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره وأن لا ~~يحدق في النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ ~~وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفار في ~~بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما وأن يقبح عنده كثرة الأكل بأن ~~يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ~~ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة ~~المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب ~~ما ليس بملون وحرير ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال ~~يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوبا من الحرير أو ملونا ~~فينبغي أن يستنكره ويذمه وأن يحفظ عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ~~ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما ~~أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما ~~لحوحا ذا فضول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم ~~يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار وحكايات الأبرار ms185 وأحوالهم ~~لينغرس في نفسه حب الصالحين ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ~~فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل ~~وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر ~~الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا ~~يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا ~~سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه PageV01P279 فإن أظهر ذلك عليه ربما ~~يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب ~~سرا ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك ~~في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه ~~يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب ~~حافظا هيئة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن ~~القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا ~~ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسخف بدنه فلا يصبر على ~~التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما ~~يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا تعود ترك فعل ~~القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ~~ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء ~~مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه بل يعود التواضع والإكرام لكل ~~من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بداله ~~بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وأن ~~ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها وبالجملة يقبح إلى ~~الصبيان حب الذهب والفضة ms186 والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات ~~والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة أضر من آفة السموم على الصبيان بل وعلى ~~الكبار أيضا وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط ولا يتثاءب ~~بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا ~~يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ~~ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأسا ~~صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويعود حسن الاستماع مهما ~~تكلم غيره مممن هو أكبر منه سنا وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس ~~بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري ~~على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء وأصل تأديب ~~الصبيان الحفظ من قرناء السوء وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن ~~يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه ~~إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة ~~PageV01P280 في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ~~وكل من هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة ~~والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا ~~يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويعلم كل ما ~~يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب ~~والفحش فإذا وقع نشوؤه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار ~~هذه الأمور PageV01P281 # | كتاب آفات اللسان # # | بيان خطر اللسان # اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة منه إلا بالنطق بالخير فعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم ~~قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل ms187 الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه وقال معاذ ~~بن جبل قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال يا ابن جبل وهل يكب الناس في ~~النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول يا ~~لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم وعنه صلى الله عليه ~~وسلم من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر ~~إلى الله قبل الله عذره وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليقل خيرا أو ليسكت وعنه عليه الصلاة والسلام اخزن لسانك إلا من خير ~~فإنك بذلك تغلب الشيطان PageV01P282 # | جمل من آفات اللسان # # | الآفة الأولى الكلام فيما لا يعني # اعلم أن رأس مال العبد أوقاته فمهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ~~ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسببه الباعث عليه هو الحرص على معرفة ما ~~لا حاجة به إليه أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها وعلاج ذلك ~~كله أن يعلم أن أنفاسه رأس ماله وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الخيرات ~~الحسان فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين # | الآفة الثانية فضول الكلام # وهو أيضا مذموم وهذا يتناول الخوض فيما لا يعني والزيادة فيما يعني على ~~قدر الحاجة فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ويمكنه أن يجسمه ~~ويكرره ومهما تادى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين فالثانية فضول أي فضل عن ~~الحاجة وهو أيضا مذموم لما سبق وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر # واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بل المهم محصور في كتاب الله تعالى قال ~~الله عز وجل @QB@ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن أمسك الفضل من ~~لسانه وأنفق الفضل من ماله فانظر كيف ms188 قلب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل ~~المال وأطلقوا فضل اللسان قال عطاء إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول ~~الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو تنطق لحاجتك في ~~معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم PageV01P283 حافظين @QB@ كراما ~~كاتبين @QE@ @QB@ عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد @QE@ أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ~~ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وقال ابن عمر إن أحق ما طهر الرجل لسانه ~~وفي أثر ما أوتي رجل شرا من فضل في لسان # | الآفة الثالثة الخوض في الباطل # وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق ~~وتكبر الجبابرة ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن ذلك مما لا يحل ~~الخوض فيه وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث ولا يعدو كلامهم التفكه ~~بأعراض الناس أو الخوض في الباطل وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها ~~وتفننها فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين ~~والدنيا وفي الحديث أعظم الناس خطايا يوم القيام أكثرهم خوضا في الباطل ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى @QB@ وكنا نخوض مع الخائضين @QE@ وبقوله تعالى ~~@QB@ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم @QE@ وعنه ~~صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ~~ما بلغت يكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من ~~سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة ~~PageV01P284 # | الآفة الرابعة المراء والجدال # وذلك منهي عنه قال صلى الله عليه وسلم لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده ~~موعدا فتخلفه وعنه صلى الله عليه وسلم ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا ~~أوتوا الجدل وعنه لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن ms189 كان محقا # وقال بلال بن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت ~~خسارته وقال ابن أبي ليلى لا أماري صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه وما ~~ورد في ذم المراء والجدال أكثر من أن يحصى # وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ ~~وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ~~فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا ~~بأمور الدين فاسكت عنه # والواجب إن جرى الجدل في مسألة علمية السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة ~~لا على وجه العناد والنكادة أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن وأما ~~قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل ~~فيه فهي المجادلة المحظورة التي لا نجاة من إثمها إلا بالسكوت وما الباعث ~~عليها إلا الترفع بإظهار العلم والفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه وهما ~~صفتان مهلكتان ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض ~~عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح في قائله بكل ~~ما يتصور له فيثور PageV01P285 الشجار بين المتماريين وأما علاجه فهو بأن ~~يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره # | الآفة الخامسة الخصومة # وهي أيضا مذمومة وهي وراء الجدال والمراء وحقيقتها لجاج في الكلام ~~ليستوفي به مال أو حق مقصود وفي الحديث إن أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم ولا تكون الخصومة مذمومة إلا إن كانت بالباطل أو بغير علم كالذي ~~يدافع قبل أن يعلم الحق في أي جانب أو يمزج بخصومته كلمات مؤذية لا حاجة ~~لها في نصرة الحجة وإظهار الحق أو يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم ~~وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال وفي الناس من يصرح به ويقول ~~إنما قصدي عناده وكسر غرضه وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في ms190 بئر ~~ولا أبالي وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جدا فأما المظلوم ~~الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ~~ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام ولكن الأولى تركه ما وجد إليه ~~سبيلا فإن ضبط اللسان في الخصومة على قدر الاعتدال متعذر والخصومة توغر ~~الصدر وتهيج الغضب وإذا هاج نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين ~~حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه فمن بدأ ~~بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في ~~صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب فالخصومة مبدأ كل شر ~~وكذا المراء والجدال فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة وعند الضرورة ينبغي ~~أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جدا نعم أقل ما يفوته ~~في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام وقد قال الله تعالى @QB@ وقولوا ~~للناس حسنا @QE@ وقال ابن عباس رضي الله عنهما من سلم عليك من خلق الله ~~فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا إن الله تعالى يقول @QB@ وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن @QE@ PageV01P286 منها أو ردوها ) وقال ابن عباس أيضا لو ~~قال لي فرعون خيرا لرددت عليه وفي الحديث الكلمة الطيبة صدقة وقال عمر رضي ~~الله عنه البر شيء هين وجه طليق وكلام لين وقال بعض الحكماء الكلام اللين ~~يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح وقال آخر كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ~~ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلا فلعله يعوضك منه ثواب المحسنين # | الآفة السادسة التقعر في الكلام # وهو التشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه فإنه من التكلف الممقوت إذ ~~ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ~~ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ التذكير والخطابة من غير إفراط ~~ولا إغراب فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك # | الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان # وهو مذموم ومنهي عنه ومصدره الخبث ms191 واللؤم قال صلى الله عليه وسلم إياكم ~~والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش ونهى رسول الله عليه السلام ~~عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم ~~شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم وقال عليه السلام ليس ~~المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء وعنه إن PageV01P287 الله ~~لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق وحد الفحش هو التعبير عن الأمور ~~المستقبحة بالعبارات الصريحة وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به ~~فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون ~~عنها بل يدلون عليها بالرموز والكناية قال ابن عباس إن الله حيي كريم يعفو ~~ويكنو كنى باللمس عن الجماع فالمسيس والمس والدخول كنايات عن الوقاع وليست ~~بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعبير ~~وكل ما يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش # والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة ~~الفساق وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب # روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال عليك بتقوى ~~الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه يكن وباله ~~عليه وأجره لك ولا تسبن شيئا قال فما سببت شيئا بعده وعنه صلى الله عليه ~~وسلم سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وعنه صلى الله عليه وسلم ملعون من سب ~~والديه وفي رواية من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا يا رسول الله ~~كيف يسب الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه PageV01P288 # | الآفة الثامنة اللعن # اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن ليس بلعان واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى ~~وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم ~~وفي لعن فاسق معين خطر فليتجتنب ولو بعد ms192 موته بل قد يكون أشد إن كان فيه ~~أذى للحي وفي الحديث لا تسبوا الأموات فتؤذوا به الأحياء ويقرب من اللعن ~~الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم فإنه مذموم وفي الخبر إن ~~المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه # | الآفة التاسعة الغناء والشعر # والمذموم منهما ما اشتمل على محرم أو دعاء إليه كتشبيب بمعين وهجاء وتشبه ~~بالنساء وتهييج لفاحشة ولحوق بأهل الخلاعة والمجون وصرف الوقت إليه ونحو ~~ذلك وما خلا عن ذلك فهو مباح # | الآفة العاشرة المزاح # والمنهي عنه المذموم منه هو المداومة عليه والإفراط فيه فأما المداومة ~~فلأنه اشتغال باللعب والهزل وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك ~~والضغينة في بعض الأحوال ويسقط المهابة والوقار وأما ما يخلو عن هذه الأمور ~~فلا يذم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأمزح ولا أقول ~~إلا حقا ألا إن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا وأما غيره إذا فتح ~~باب المزاح كان غرضه أن يضحك PageV01P289 الناس كيفما كان وقد قال عمر من ~~مزح استخف به وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ~~ولا الدنيء فيجترىء عليك وقيل لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح ويقال ~~المزاح مسلبة للنهى مقطعة للأصدقاء ومن الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة ~~يواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كمن ~~يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد وهو خطأ وبالجملة ~~فإن كنت تقدر على أن تمزح ولا تقول إلا حقا ولا تؤذي قلبا ولا تفرط فيه ~~وتقتصر عليه أحيانا على الندور فلا حرج عليك فيه من مطايباته صلى الله عليه ~~وسلم ما روي أن عجوزا أتته فقال لها لا يدخل الجنة عجوز فبكت فقال لها إنك ~~لست بعجوز يومئذ قال الله تعالى @QB@ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ~~@QE@ وجاءت إمرأة ms193 إليه صلى الله عليه وسلم فقالت إن زوجي يدعوك قال ومن هو ~~أهو الذي بعينه بياض قالت والله ما بعينه بياض فقال بلى إن بعينه بياضا ~~فقالت لا والله فقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد إلا وبعينه بياض وأراد ~~بالبياض المحيط بالحدقة # وجاءت امرأة أخرى فقال يا رسول الله احملني على بعير فقال بل نحملك على ~~ابن البعير فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال صلى الله عليه وسلم ما من ~~بعير إلا وهو ابن بعير # وقال أنس كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير وكان رسول الله PageV01P290 ~~يأتيهم ويقول أبا عمير ما فعل النغير النغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور ~~وقالت عائشة رضي الله عنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~بدر فقال تعالي حتى أسابقك فشددت علي درعي ثم خططنا خطا فقمنا عليه ~~واستبقنا فسبقني وقال هذه مكان ذي المجاز وذلك أنه جاء يوما ونحن بذي ~~المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي بشيء فقال أعطينيه فأبيت وسعيت وسعى في ~~أثري فلم يدركني # وقالت أيضا كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة فصنعت ~~خزيرا وجئت به فقلت لسودة كلي فقالت لا أحبه فقلت والله لتأكلن أو لألطخن ~~به وجهك فقالت ما أنا ذائقته فأخذت بيدي من الصحفة شيئا منه فلطخت به وجهها ~~ورسول الله جالس بيني وبينها فخفض لها ركبته لتستقيد فتناولت من الصحفة ~~شيئا فمسحت به وجهي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك وعن أبي سلمة ~~أنه كان صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي رضي الله عنهما فيرى ~~الصبي لسانه فيهش له # وقال عيينة الفزاري والله ليكونن لي الابن قد تزوج وبقل وجهه وما قبلته ~~قط فقال صلى الله عليه وسلم إن من لا يرحم لا يرحم PageV01P291 # فأكثر هذه المطايبات منقولة مع النساء والصبيان وكان ذلك منه صلى الله ~~عليه وسلم معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل # وقال ms194 صلى الله عليه وسلم مرة لصهيب وبه رمد وهو يأكل تمرا أتأكل التمر ~~وأنت رمد فقال إنما آكل بالشق الآخر يا رسول الله فتبسم صلى الله عليه وسلم ~~قال بعض الرواة حتى نظرت إلى نواجذه # وكان نعيمان الأنصاري رجلا مزاحا لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم ~~أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله هذا قد اشتريته لك ~~واهديته لك فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول له صلى الله عليه وسلم أولم ~~تهده لنا فيقول يا رسول الله إنه لم يكن عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه ~~فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه فهذه مطايبات يباح ~~مثلها على الندور لا على الدوام # | الآفة الحادية عشرة السخرية والاستهزاء # وهو محرم قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن @QE@ ومعنى ~~السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائض على وجه يضحك منه ~~وقد يكون ذلك بالمحاكاة في القول والفعل وقد يكون بالإشارة والإيماء ومرجع ~~ذلك إلى استحقار الغير والضحك عليه والاستهانة به والاستصغار له وعليه نبه ~~قوله تعالى @QB@ عسى أن يكونوا خيرا منهم @QE@ أي لا تستحقره استصغارا ~~فلعله خير منك وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به فأما من جعل نفسه مسخرة ~~وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المرح وقد سبق ما يذم ~~منه وما يمدح PageV01P292 وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما ~~فيه من التحقير والتهاون وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ~~ينتظم أو على أفعاله إذا كانت مشوشة كالضحك على حفظه وعلى صنعته أو على ~~صورته وخلقته لعيب فيه فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهي عنها # | الآفة الثانية عشرة إفشاء السر # وهو منهي عنه لما فيه من ms195 الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة وعنه ~~الحديث بينكم أمانة فافشاء السر خيانة وهو حرام إذا كان فيه إضرار ولؤم إن ~~لم يكن فيه إضرار # | الآفة الثالثة عشرة الوعد الكاذب # فإن اللسان سباق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد ~~خلفا وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم العدة عطية وقد أثنى الله تعالى على ~~نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال @QB@ إنه كان صادق الوعد ~~@QE@ ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاة قال إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من ~~قريش وقد كان مني إليه شبه الوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق أشهدكم ~~أني قد زوجته ابنتي # وعن عبد الله بن أبي الخنساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ~~يبعث وبقيت له بقية فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك فنسيت يومي والغد ~~فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ~~ثلاث أنتظرك # وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله وهو الأولى ثم ~~PageV01P293 إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر ~~فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم إذا حدث ~~كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان وقال صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه ~~كان منافقا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث ~~كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وهذا ينزل على من إذا وعد ~~وهو على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر فأما من عزم على الوفاء فعن له ~~عذر منعه ms196 من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ولكن ~~ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته ولا ينبغي أن يجعل ~~نفسه معذورا من غير ضرورة فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وعد ~~أبا الهيثم خادما فأتى بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقي واحد فأتت فاطمة ~~رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول ألا ترى أثر الرحى بيدي فذكر موعده ~~لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم فآثره على فاطمة لما كان قد ~~سبق من موعده له مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة ولقد كان صلى الله ~~عليه وسلم جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال إن لي ~~عندك موعدا يا رسول الله قال صدقت فاحتكم ما شئت فقال أحتكم ثمانين ضائنة ~~وراعيها قال هي لك وقال احتكمت يسيرا # | الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين # وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب قال صلى الله عليه وسلم إياكم والكذب ~~فإنه مع PageV01P294 الفجور وهما في النار وعنه إن الكذب باب من أبواب ~~النفاق وعنه كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب ومر ~~صلى الله عليه وسلم برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان يقول أحدهما والله لا ~~أنقصك من كذا وكذا ويقول الآخر والله لا أزيدك على كذا وكذا فمر بالشاة وقد ~~اشتراها أحدهما فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة وعنه صلى الله عليه وسلم ~~قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته ~~والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره وعنه صلى الله عليه وسلم من حلف ~~على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه ~~غضبان وقال عليه السلام لمعاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة ~~والوفاء بالعهد وبذل الطعام وخفض الجناح # | بيان ما رخص فيه من الكذب # اعلم أن الكذب إنما حرم لما فيه من الضرر على المخاطب أو ms197 على غيره وقد ~~يتعلق به مصلحة فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا كما إذا كان في الصدق سفك ~~دم امرئ قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب وكما إذا كان لا يتم PageV01P295 ~~مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه أو تعاشر ~~الزوجين إلا بالكذب فالكذب مباح إلا أنه يقتصر فيه على حد الضرورة لئلا ~~يتجاوز إلى ما يستغنى عنه وفي معنى ذلك وردت أحاديث كثيرة قال ثوبان الكذب ~~كله إثم إلا ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا # | بيان الحذر من الكذب بالمعاريض # قد نقل عن السلف إن في المعاريض مندوحة عن الكذب وإنما أرادوا إذا اضطر ~~الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا ~~التصريح جميعا ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روي أن مطرفا دخل على ~~زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني ~~الله وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت له امرأته ما ~~جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها بشيء فقال كان عندي ~~ضاغط قالت كنت أمينا عند رسول الله وأبي بكر فبعث عمر معك ضاغطا وقامت بذلك ~~بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا قال ما ~~أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى ~~قوله ضاغطا رقيبا وأراد به الله تعالى وكان النخعي إذا طلبه من يكره أن ~~يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له اطلبه في المسجد ولا تقولي ليس ~~ههنا كيلا يكون كذبا ومما تباح به المعاريض قصد تطييب قلب الغير بالمزاح ~~كقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة PageV01P296 عجوز وقوله للأخرى ~~الذي في عينه بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير كما تقدم # ومما يتسامح به ما جرت به العادة في المبالغة كقوله قلت لك كذا مائة مرة ~~فإنه لا ms198 يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة إلا أنه إذا لم يكن ~~قال ذلك إلا مرة واحدة كان كذبا # وأما ما يعتاد التساهل به في الكذب في مثل أن يقال كل الطعام فيقول لا ~~أشتهيه فذلك منهي عنه وهو حرام إن لم يكن فيه غرض صحيح ومثل ذلك أن يقول ~~يعلم الله فيما لا يعلمه # وأما الكذب في حكاية المنام فالإثم فيه عظيم وفي الحديث إن من أعظم ~~الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينيه في المنام ما لم ير أو ~~يقول علي ما لم أقل # | الآفة الخامسة عشرة الغيبة # قد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه الكريم وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة ~~فقال تعالى @QB@ ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه ~~وماله وعرضه والغيبة تتناول العرض وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من ~~تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته PageV01P297 ومن تتبع عورته يفضحه ولو في ~~جوف بيته وعن مجاهد انه قال في قوله تعالى @QB@ ويل لكل همزة لمزة @QE@ ~~الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس وقال بعضهم أدركنا ~~السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض ~~الناس وقال ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك # | بيان معنى الغيبة وحدودها # اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواء ذكرته بنقص في ~~بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى ~~في ثوبه وداره ودابته أما البدن فذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول ~~والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان وأما النسب ~~فبأن تقول أبوه فاسق أو خسيس أو زبال أو نحوه مما يكرهه وأما ms199 الخلق فبأن ~~تقول سيئ الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبان متهور وما يجري مجراه وأما ~~في أفعاله فكقولك هو سارق كذاب شارب خمر خائن ظالم متهاون بالصلاة أو ~~الزكاة لا يحترز من النجاسات ليس بارا بوالديه ونحوه وأما فعله فكقولك إنه ~~قليل الأدب متهاون بالناس كثير الكلام كثير الأكل نؤوم يجلس في غير موضعه ~~وأما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب ونحوه # والقول الجامع في الغيبة ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم الغيبة ذكرك ~~أخاك بما يكرهه وإنما حرم الذكر باللسان لما فيه من تفهيم الغير نقصان أخيه ~~وتعريفه بما يكرهه ولذا كان التعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول ~~والإشارة والإيماء PageV01P298 والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم ~~المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام فمن أومأ بيده إلى قصر أحد أو طوله أو ~~حاكاه في المشي كما يمشي فهو غيبة والكتابة عن شخص في عيب به غيبة لأن ~~القلم أحد اللسانين وكذا قولك من قدم من السفر أو بعض من مر بنا اليوم إذا ~~كان المخاطب يفهمه فهو غيبة وكذا من يفهم عيب الغير بصيغة الدعاء كقوله ~~الحمد لله الذي لم يبتلنا بكذا وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما ~~أحسن أحوال فلان لكن ابتلي بما يبتلى به كلنا وهو كذا فيذكر نفسه ومقصوده ~~أن يذم غيره في ضمن ذلك ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض ~~الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى إليه ويعلم ما يقول فيذكر ~~الله تعالى ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه وكذلك يقول ساءني ما جرى على ~~صديقنا من الاستخفاف به فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام لأنه لو اغتم به ~~لاغتم بإظهار ما يكرهه وكذلك يقول ذلك المسكين قد بلي بآفة عظيمة تاب الله ~~علينا وعليه وهو في كل ذلك يظهر الدعاء والله مطلع على خبث ضميره وخفي قصده ~~وهو لجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت عظيم ms200 ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على ~~سبيل التعجب فإنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع ~~فيها وكان يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق فيقول عجيب ما علمت أنه كذلك كنت ~~أحسب فيه غير هذا عافانا الله من بلائه فإن كل ذلك تصديق للمغتاب والتصديق ~~بالغيبة غيبة بل الساكت شريك المغتاب إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه إن خاف ~~وفي الحديث من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله يوم ~~القيامة على رؤوس الخلائق وفي رواية من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على ~~الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة # | الأسباب الباعثة على الغيبة # منها التشفي وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإنه إذا هاج غضبه PageV01P299 ~~فيشتفي بذكر مساوئه فسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع وقد ~~يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا ~~دائما لذكر المساوئ فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة # ومنها موافقة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر ~~الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه ~~فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة وقد يغضب رفقاؤه فيضطر إلى أن يغضب ~~لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب ~~والمساوئ # ومنها إرادة التصنع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره # ومنها الحسد يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك ~~النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه حتى يكفوا عن الثناء عليه ~~وإكرامه لأنه يثقل عليه ذلك # ومنها اللعب والهزل وتزجية الوقت بالضحك فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس ~~على سبيل المحاكاة والتعجب # ومنها السخرية والاستهزاء استحقارا له ومنشؤه التكبر واستجهال المستهزأ ~~به # وثمة أسباب غامضة فيها دسائس للشيطان وهي أن يذكر إنسان في حالة التعجب ~~أو الرحمة أو الغضب لله تعالى فيقول مثلا تعجبت من فلان كيف يجلس بين يدي ~~فلان وهو جاهل فيكون تعجبه من ms201 المنكر لصدقه أو يقول مسكين فلان غمني أمره ~~وما ابتلي به وهو صادق في الاغتمام وكذا قد يغضب على منكر قارفه إنسان ~~فيظهر غضبه ويذكر اسمه والواجب في ذلك ستر اسمه وعدم إظهاره على غيره ولا ~~عذر في ذكر الاسم في ذلك # | بيان العلاج الذي به يمنع اللسان عن الغيبة # اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل وعلاج كف ~~اللسان عن الغيبة إجمالا أن يعلم أنه يتعرض لسخط الله تعالى إذا اغتاب ~~لارتكابه ما نهى الله عنه فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم ~~يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها ~~عيبا اشتغل PageV01P300 بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن ~~شغله عيبه عن عيوب الناس ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم ~~نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك ~~الغيب كعجزه وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا ~~فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها وإذا لم يجد العبد عيبا ~~في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس وأكل ~~لحم الميتة من أعظم العيوب بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه برئ من كل عيب ~~جهل بنفسه وهو من أعظم الذنوب وينفعه أيضا أن يعلم أن تألم غيره كتألمه ~~بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما ~~لا يرضاه لنفسه وبالجملة فمن قوي إيمانه انكف عن الغيبة لسانه # | بيان تحريم الغيبة بالقلب وذلك بسوء الظن # اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك ~~بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك ولست أعني به إلا عقد ~~القلب وحكمه على غيره ظنا بأمر سيئ فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو ms202 عنه ~~ولكن المنهي عنه أنه يظن والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب ~~فقد قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم @QE@ وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك ~~أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل فإن لم ~~ينكشف كذلك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد ~~قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة @QE@ وفي الحديث إن الله حرم من المسلم دمه وماله وأن ~~يظن به ظن السوء وحينئذ فإذا خطر لك وسواس سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن ~~نفسك PageV01P301 وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان وأن ما رأيته منه ~~يحتمل الخير والشر فإن قلت فبماذا يعرف عقد الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث ~~فتقول أمارة عقد الظن أن يتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا ما ~~ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه والمخرج منه أن ~~لا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في الجوارح ~~وربما يلقي الشيطان أن هذا من فطنتك وسرعة تنبهك وذكائك وأن المؤمن ينظر ~~بنور الله تعالى وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته ومهما عرفت ~~هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه # ومن ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل ~~بالتجسس وهو أيضا منهي عنه قال الله تعالى @QB@ ولا تجسسوا @QE@ فالغيبة ~~وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة ومعنى التجسس أن لا يترك عباد ~~الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان ~~مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه وقد مضى في كتاب الأمر بالمعروف حكم ~~التجسس وحقيقته # | بيان الأعذار المرخصة في الغيبة # اعلم أنه إذا لم يمكن التوصل إلى غرض صحيح في الشرع إلا ms203 بذكر مساوئ الغير ~~فإنه يرخص فيه ولا إثم وذلك في أمور # منها التظلم وذلك كمظلوم يرفع ظلامته على إنسان إلى أمير ليستوفي له حقه ~~إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا بنسبته إلى الظلم قال صلى الله عليه وسلم إن ~~لصاحب الحق مقالا وعنه مطل الغني ظلم # ومنها الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى منهج الصلاح # ومنها الاستفتاء كما يقول للمفتي ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي إذا لم يفد ~~PageV01P302 الإبهام أو التعريض وذلك لما روي عن هند بنت عتبة أنها قالت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي ~~أفآخذ من غير علمه فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فذكرت الشح والظلم لها ~~ولولدها ولم يزجرها عليه السلام إذ كان قصدها الاستفتاء # ومنها تحذير المسلم من الشر كما إذا علمت من إنسان ضررا فحذرت شخصا منه ~~وكالمزكي يطعن في الشاهد إذا سئل عنه وكذلك المستشار في التزويج وإيداع ~~الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير لا على قصد الوقيعة # ومنها أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش فلا حرج ~~في ذكره لضرورة التعريف ولأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد ~~أن قد صار مشهورا به نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو ~~أولى ولذلك يقال للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص # ومنها أن يكون مجاهرا بالفسق متظاهرا به ولا يكره أن يذكر به فلا غيبة له ~~بما يتظاهر به # | بيان كفارة الغيبة # اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج من ~~حق الله سبحانه ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته إن قدر عليه ولم ~~يخش محذورا وقال الحسن يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وفي الحديث أيعجز ~~أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم PageV01P303 إني قد ~~تصدقت بعرضي على الناس أي لا أطلب مظلمة في القيامة منه ولا أخاصمه وليس ms204 ~~المراد إباحة تناول عرضه بل العفو عن جريمته وقد قال تعالى @QB@ خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ وفي الحديث أن جبريل قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي ~~من حرمك # | الآفة السادسة عشرة النميمة # قال الله تعالى @QB@ هماز مشاء بنميم @QE@ وقال تعالى @QB@ ويل لكل همزة ~~لمزة @QE@ قيل الهمزة النمام وقال تعالى @QB@ حمالة الحطب @QE@ قيل إنها ~~كانت نمامة حمالة للحديث وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة نمام وعنه ~~صلى الله عليه وسلم أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين ~~يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين ~~الإخوان الملتمسون للبراء العثرات PageV01P304 # وحد النميمة هو كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه ~~أو كرهه ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء ~~وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في ~~المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره ~~كشفه بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في ~~حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن ~~يشهد به مراعاة لحق المشهود عليه # والباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي له ~~أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل # وكل من حملت إليه نميمة فعليه أن لا يسارع إلى صدقه لقوله تعالى @QB@ إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ وأن ينهاه وينصح له وأن لا يظن بالغائب سوءا ~~وأن لا يحمله ذلك على التجسس # وقال الحسن من نم إليك نم عليك وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ~~ولا يوثق بقوله ولا بصداقته وكيف لا وهو لا ينفك عن الغدر والخيانة ~~والإفساد بين الناس وهو ممن يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض وقال تعالى @QB@ إنما ms205 السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض ~~بغير الحق @QE@ والنمام منهم وقال صلى الله عليه وسلم إن من شرار الناس من ~~اتقاه الناس لشره والنمام منهم وقيل لمحمد بن كعب القرظي أي خصال المؤمن ~~أوضع له فقال كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد وقال بعضهم لو صح ~~ما نقله النمام إليك لكان هو المجترئ بالشتم عليك والمنقول عنه أولى بحلمك ~~لأنه لم يقابلك بشتمك PageV01P305 # | الآفة السابعة عشرة كلام ذي الوجهين # وهو ذو اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام ~~يوافقه من الثناء عليه في معاداته وذمه الآخر ووعده بأن ينصره على خصمه وهو ~~من علامات النفاق نعم إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا ~~فيه لم يكن ذا لسانين ولا منافقا فإن الإنسان قد يصادق متعاديين وأما لو ~~نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النمام لأن ~~النمام ينقل من أحد الجانبين فقط وهذا يزيد النقل من الجانب الآخر ويزيد أن ~~يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه نعم من ابتلي بمراعاة ~~أحد الجانبين في قول ما لضرورة وخاف من تركه فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز ~~قال أبو الدرداء رضي الله عنه إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ~~وقالت عائشة استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إئذنوا له ~~فبئس رجل العشيرة هو ثم لما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله ~~قلت فيه ما قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس الذي يكرم ~~اتقاء شره ولكن هذا ورد في الإقبال وفي الكشر والتبسم وإلا فلا يجوز الثناء ~~ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل فإن فعل فهو ~~منافق بل ينبغي أن ينكر فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه وللضرورات ~~حكمها # | الآفة الثامنة عشرة المدح # وهو منهي عنه في بعض المواضع أما ms206 الذم فهو الغيبة والوقيعة وقد ذكرنا ~~حكمها والمدح يدخله ست آفات أربع من المادح واثنتان في الممدوح فأما المادح # فالأولى أنه قد يفرط فيه فينتهي به إلى الكذب # والثانية أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون مضمرا ~~له ولا معتقدا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيا منافقا # والثالثة أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الإطلاع عليه # والرابعة أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز قال ~~PageV01P306 الحسن من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله في الأرض # وأما الممدوح فيضره من وجهين # أحدهما أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا وهما مهلكان # الثاني هو أنه إذا أثنى عليه فرح وفتر ورضي عن نفسه وقل تشميره للعمل # فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح لم يكن به بأس بل ~~ربما كان مندوبا إليه # وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور ~~ويتذكر أنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه المادح وأنه لو انكشف له جميع أسراره ~~وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وكان علي رضي الله عنه إذا أثني ~~عليه يقول اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا ~~مما يظنون وعلى المادح أن لا يجزم القول إلا بعد خبرة باطنة سمع عمر رضي ~~الله عنه رجلا يثني على رجل فقال أسافرت معه قال لا قال أخالطته في ~~المبايعة والمعاملة قال لا قال فأنت جاره صباحه ومساءه قال لا فقال والله ~~الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه وفي الحديث إن كان أحدكم لا بد مادحا ~~أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا # | الآفة التاسعة عشرة الخطأ في دقائق لفظية # ينبغي التنبيه لدقائق الخطأ في فحوى الكلام والحذر عن الغفلة عنها لا ~~سيما فيما يتعلق بالله وصفاته مثاله ما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يقل أحدكم ما شاء الله وشئت ms207 ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت وذلك لأن ~~في العطف المطلق تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحترام وكان إبراهيم يكره أن ~~يقول الرجل أعوذ PageV01P307 بالله وبك ولولا الله وفلان ويجوز أن يقول ~~أعوذ بالله ثم بك ولولا الله ثم فلان وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن أحدكم ~~ليشرك حتى يشرك بكلبه فيقول لولاه لسرقنا الليلة # وقال عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينهاكم أن ~~تحلفوا بآبائكم قال عمر فوالله ما حلفت بها منذ سمعتها # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم عبدي ~~ولا أمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي ولا يقل ~~المملوك ربي ولا ربتي وليقل سيدي وسيدتي فكلكم عبيد الله والرب الله سبحانه ~~وتعالى # وقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد ~~أسخطتم ربكم # فعلى المتكلم أن يوافقه ورع حافظ ومراقبة لازمة ليسلم عن الخطر # | الآفة العشرون سؤال العوام عن الغوامض # من حق العوام الاشتغال بالعمل الصالح إلا أن الفضول خفيف على القلب ~~والعامي قد يفرح بالخوض في العلم إذ الشيطان يخيل إليه أنه من العلماء وأهل ~~الفضل ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى قد يتكلم بما هو كفر ولا يدري وكل من سأل ~~عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم فإنه بالإضافة إليه عامي ~~وفي الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وإضاعة المال ~~وكثرة السؤال وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على المنع من السؤال ~~PageV01P308 قبل أوان استحقاقه إذ قال @QB@ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ~~حتى أحدث لك منه ذكرا @QE@ فلما سأل عن السفينة أنكر عليه حتى اعتذر وقال ~~@QB@ لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا @QE@ فلما لم يصبر حتى ~~سأل ثلاثا قال @QB@ هذا فراق بيني وبينك @QE@ وفارقه فسؤال العوام عن غوامض ~~الدين من أعظم الآفات فيجب منعهم من ذلك وزجرهم PageV01P309 # | كتاب ms208 ذم الغضب والحقد والحسد # إن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع الأفئدة وإنها ~~لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين في ~~قلب كل جبار عنيد كاستخراج الحجر النار من الحديد وقد انكشف للناظرين بنور ~~اليقين إن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين فمن استفزته نار الغضب ~~فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ ~~فإن شأن الطين السكون والوقار وشأن النار التلظي والاستعار والحركة ~~والاضطراب ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وبهما هلك من هلك وفسد من فسد ~~ومفيضهما مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا كان الحقد والحسد والغضب مما يسوق ~~العبد إلى مواطن العطب فما أحوجه إلى معرفة معاطبه ومساوئه ليحذر ذلك ~~ويتقيه ويميطه عن القلب إن كان وينفيه وهاك بيان ذلك بعونه تعالى # | بيان ذم الغضب # قال الله تعالى @QB@ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ الآية ذم الكفار بما ~~تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل ~~عليهم من السكينة وروي أن رجلا قال يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال لا ~~تغضب ثم أعاد عليه PageV01P310 فقال لا تغضب وقال صلى الله عليه وسلم ما ~~تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكن الذي يملك ~~نفسه عند الغضب # وعن جعفر الغضب مفتاح كل شر وقال بعض الأنصار رأس الحمق الحدة وقائده ~~الغضب ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم والحلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة ~~والسكوت عن جواب الأحمق جوابه وقال الحسن من علامات المسلم قوة في دين وحزم ~~في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكيس في رفق وإعطاء في حق وقصد في غنى ~~وتجمل في فاقة وإحسان في قدرة وتحمل في رفاقة وصبر في شدة لا يغلبه الغضب ~~ولا تجمح به الحمية ولا تغلبه شهوة ولا تفضحه بطنة ولا يستخفه حرصه ولا ~~تقصر به نيته ms209 فينصر المظلوم ويرحم الضعيف ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا ~~يقتر يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء # | درجات الناس مع الغضب # اعلم أن قوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب وانتشاره في ~~العروق وارتفاعه إلى أعالي البدن كما ترتفع النار والماء الذي يغلي في ~~القدر فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها تحكي لون ~~ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها # ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإفراط والاعتدال ~~PageV01P311 # أما التفريط ففقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه إنه ~~لا حمية له وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة ~~والحمية فقال @QB@ أشداء على الكفار @QE@ وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~@QB@ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم @QE@ وإنما الغلظة والشدة من آثار ~~قوة الحمية وهو الغضب # وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ~~وطاعته ولا يبقى للمرء معه بصيرة وفكرة ولا اختيار بل يصير في صورة المضطر ~~ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج ~~الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على ~~الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في ~~حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته وقبح باطنه ~~أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم ~~انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فقس المثمر ~~بالثمرة فهذا أثره في الجسد # وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو ~~العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ # وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن ~~وقد يمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه وقد يضرب بيده على الأرض وربما يعتريه ms210 مثل ~~الغشية وربما يضرب الجمادات والحيوانات أو يكسر القصعة أو يشتم البهيمة أو ~~ترفسه دابة فيرفسها ويقابلها بذلك كالمجنون # وأما أثره في القلب فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمساءات ~~والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء وغير ذلك من ~~القبائح فهذه ثمرة الغضب المفرط # وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم ~~والزوجة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس وهو أيضا مذموم إذ من ~~PageV01P312 ثمراته عدم الغيرة على الحرم وهو صونها قال صلى الله عليه وسلم ~~إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد والله أغير مني وإنما خلقت الغيرة لحفظ ~~الأنساب ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب ولذلك قيل كل أمة وضعت ~~الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها # ومن ضعف الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات وقد قال تعالى @QB@ ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ # ففقد الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث ~~تجب الحمية وينطفيء حيث يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة ~~التي كلف الله بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال خير الأمور أوساطها # | زوال الغضب بالرياضة وغيرها # اعلم أنه ما دام الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب ~~لأنه من مقتضى الطبع إلا أنه قد تفيد الرياضة في محو قوته وذلك بالمجاهدة ~~وتكلف الحلم والاحتمال مدة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا فالرياضة ~~ليست لينعدم غيظ القلب لأنه غير ممكن ولكن ليستعمله على حد يستحبه الشرع ~~ويستحسنه العقل وذلك بكسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن ~~وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه وقد يتصور فقد الغيظ بغلبة نظر ~~التوحيد أو بأن يعلم أن الله يحب منه أن لا يغتاظ فتطفئ شدة حبه لله تعالى ~~غيظه أو بأن يشتغل القلب بضروري أهم من الغضب فلا يكون في القلب متسع للغضب ~~لاشتغاله بغيره فإن استغراق القلب ببعض المهمات يمنع ms211 الإحساس بما عداه ~~PageV01P313 # | بيان الأسباب المهيجة للغضب # قد عرفت أن علاج كل علة بحسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة ~~أسباب الغضب وأسبابه المهيجة له هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء ~~والتعبير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على حصول المال والجاه وهي ~~بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب ~~فلا بد من إزالتها بأضدادها فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع وتميت العجب ~~بمعرفتك بنفسك وتزيل الفخر بأنك من جنس أقل مخلوق إذ الناس يجمعهم في ~~الانتساب أب واحد وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب أكبر الرذائل وأما ~~المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه وأما ~~الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي ~~تبلغك إلى سعادة الآخرة وأما الهزء فتزيله بالتكرم على إيذاء الناس وبصيانة ~~النفس عن أن يستهزأ بك وأما التعيير فبالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس ~~عن مر الجواب وأما شدة الحرص فبالصبر على مر العيش وبالقناعة بقدر الضرورة ~~طلبا لعز الاستغناء وترفعا عن ذل الحاجة وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من ~~هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة وحاصل رياضتها الرجوع إلى ~~معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها ثم المواظبة على مواظبة ~~أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة هينة مألوفة على النفس فإذا انمحت عن ~~النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت أيضا من الغضب الذي يتولد منها ~~وأشد البواعث للغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة وعزة نفس حتى تميل ~~النفس إليه وتستحسنه وهذا من الجهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل ويعالج هذا ~~الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم ~~الغيظ فإن ذلك منقول عن الأنبياء والعلماء # | بيان علاج الغضب بعد هيجانه # ما تقدم هو حسم لمواد الغضب حتى لا يهيج فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب ~~التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم وإنما يعالج ~~الغضب عند ms212 هيجانه بمعجون العلم والعمل أما العلم فهو أمور # الأول أن يتفكر فيما ورد في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال ~~PageV01P314 فيرغب في ثوابه وتمنعه الرغبة في الأجر عن الانتقام وينطفئ عنه ~~غيظه # الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله لو أمضى غضبه وهل يأمن من غضب الله عليه ~~يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى العفو # الثالث أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو لمقابلته ~~والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه ~~بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة # الرابع أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة ~~الغضب ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع ~~العادي ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء ~~والحكماء ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس وبين أن ~~يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن ~~كان قد بقي معه مسكة من عقل # الخامس أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ~~مثل قول الشيطان له إن هذا يحمل منك على العجز والذلة وتصير حقيرا في أعين ~~الناس فيقول لنفسه ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم ~~القيامة ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين فمهما كظم ~~الغيظ فينبغي أن يكظمه لله وذلك يعظمه عند الله فما له وللناس وأما العمل ~~فأن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وإن كنت قائما فاجلس وإن كنت ~~جالسا فاضطجع ويستحب أن يتوضأ بالماء البارد فإن الغضب من النار والنار لا ~~يطفئها إلا الماء # | فضيلة كظم الغيظ # قال الله تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين @QE@ دلت الآية على أن الكاظمين من ~~المتقين وأن مغفرة ربهم تنالهم وجنته أعدت لهم فما أفضل هذا الجزاء ms213 ~~PageV01P315 وقال صلى الله عليه وسلم من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن ~~اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته وقال صلى الله ~~عليه وسلم أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة وروي أن ~~رجلا من جفاة الأعراب قال لعمر رضي الله عنه والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي ~~الجزل فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل يا أمير المؤمنين ألم تسمع ~~قول الله تعالى @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ وإن هذا ~~من الجاهلين فسكن عمر رضي الله عنه وعفا عنه # | فضيلة الحلم # اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف ~~الحلم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة ~~شديدة ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا ~~يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه ~~وإنكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا وفي ~~الحديث إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم إشارة إلى أن اكتساب الحلم طريقه ~~التحلم أولا وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم وعنه صلى الله عليه ~~وسلم إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم وعن الحسن في قوله ~~تعالى @QB@ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ قال حلماء PageV01P316 ~~إن جهل عليهم لم يجهلوا وعن مجاهد في آية @QB@ وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~@QE@ أي إذا أوذوا صفحوا وعن علي رضي الله عنه ليس الخير أن يكثر مالك ~~وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن لا تباهي الناس بعبادة الله ~~وإذا أحسنت حمدت الله تعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى وقال أكثم دعامة ~~العقل الحلم وجماع الأمر الصبر وقال معاوية لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى ~~يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية لعمرو ~~بن الأهتم أي الرجال أشجع قال من ms214 رد جهله بحلمه قال أي الرجال أسخى قال من ~~بذل دنياه لصلاح دينه وقال معاوية لعرابة بم سدت قومك قال كنت أحلم عن ~~جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي ومن ~~جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأنا خير منه وقال أنس بن مالك في قوله ~~تعالى @QB@ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم @QE@ هو الرجل يشتمه ~~أخوه فيقول إن كنت كاذبا فغفر الله لك وإن كنت صادقا فغفر الله لي وعن علي ~~ابن الحسين رضي الله عنهما أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له ~~بألف درهم فقال بعضهم جمع له خمس خصال محمودة الحلم وإسقاط الأذى وتخليص ~~الرجل مما يبعده من الله عز وجل وحمله على الندم PageV01P317 والتوبة ~~ورجوعه إلى المدح بعد الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير # | بيان القدر الذي يجوز به الانتصار من الكلام # اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة ~~الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب وكذلك سائر ~~المعاصي وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة التعيير فقال إن ~~امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب ~~فيه قالوا والنهي النبوي عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه والأفضل تركه ~~ولكنه لا يعصى به قالوا والذي يرخص فيه أن تقول من أنت ويا أحمق ويا جاهل ~~إذ ما من أحد إلا وفيه حمق وجهل فقد آذاه بما ليس بكذب وكذلك قوله يا سيئ ~~الخلق يا ثلابا للأعراض وكان ذلك فيه وكذلك قوله لو كان فيك حياء لما تكلمت ~~وما أحقرك في عيني بما فعلت واستدلوا بالحديث المستبان ما قالا فعلى البادئ ~~منهما حتى يعتدي المظلوم فأثبت للمظلوم انتصارا إلى أن يعتدي # فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء وهو رخصة في ms215 الإيذاء جزاء على إيذائه ~~السابق قال الغزالي ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ولكن الأفضل تركه فإنه ~~يجره إلى ما وراءه ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه والسكوت عن أصل ~~الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه ولكن من ~~الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ولكن يعود سريعا وفي الحديث ~~خير بني آدم البطيء الغضب السريع الفيء وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء ~~PageV01P318 # | معنى الحقد ونتائجه الوخيمة وفضيلة الرفق # اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن ~~واحتقن فيه فصار حقدا ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له ~~والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس ~~بحقود والحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر أمورا منكرة # الأول الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغتم ~~بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين # الثاني أن يزيد على إضمار الحسد في الباطن فيشمت بما أصابه من البلاء # الثالث أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك # الرابع وهو دونه أن تعرض عنه استصغارا له # الخامس أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وعورة # السادس أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه # السابع إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه # الثامن أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صله رحم أو رد مظلمة وكل ذلك حرام ~~وأقل درجات الحقد لو احترز عن هذه الآفات الثماني أن يترك البشاشة أو الرفق ~~والعناية والقيام بحاجاته أو المعاونة على المنفعة له وكله مما ينقص الدرجة ~~في الدين ويفوت الثواب الجزيل # ولما حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفق على مسطح وكان قريبه لأمر ما ~~نزل قوله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله ms216 غفور رحيم @QE@ PageV01P319 فقال أبو بكر نعم نحب ذلك ~~وعاد إلى الإنفاق عليه والأولى أن يبقى على ما كان عليه فإن أمكنه أن يزيد ~~في الإحسان مجاهدة للنفس وإرغاما للشيطان فذلك مقام الصديقين وهو من فضائل ~~أعمال المقربين # | فضيلة العفو والإحسان # اعلم أن معنى العفو أن يستحق حقا فيسقطه ويبرأ عنه من قصاص أو غرامة قال ~~الله تعالى @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وأن تعفوا أقرب للتقوى @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم التواضع لا يزيد ~~العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا ~~يعزكم الله والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله ) وقال صلى ~~الله عليه وسلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك ~~وتعفو عمن ظلمك وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه دخل على أمير يعرض له ~~بالعفو فذكر الحسن قصة يوسف عليه السلام وما صنع به إخوته ومن بيعهم إياه ~~وطرحهم له في الجب فقال باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم وذكر ما لقي من كيد ~~النساء ومن الحبس ثم قال أيها الأمير ماذا صنع الله به أداله منهم ورفع ~~ذكره وأعلى كلمته وجعله على خزائن الأرض فماذا صنع حين أكمل له أمره وجمع ~~له أهله قال @QB@ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ~~@QE@ فعفا ذلك PageV01P320 الأمير وروي أن ابن مسعود سرقت له دراهم فجعلوا ~~يدعون على من أخذها فقال لهم اللهم إن كان حملته على أخذها حاجة فبارك له ~~فيها وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه وقال معاوية عليكم ~~بالحلم والاحتمال فإذا أمكنتكم الفرصة فعليكم بالصفح والإفضال # | فضيلة الرفق # اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة ~~والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب ~~وحفظها على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الرفق وبالغ فيه فقال من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي ms217 حظه من خير الدنيا ~~والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة وقال صلى ~~الله عليه وسلم إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق وقال صلى الله عليه ~~وسلم لعائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا ~~شانه # وسر الترغيب في الرفق والثناء عليه هو كون الطباع إلى العنف والحدة أميل ~~وإن كان العنف في محله حسنا فإن الحاجة قد تدعو إليه ولكن على الندور ~~والكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف فيعطي كل أمر حقه PageV01P321 # | ذم الحسد # اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد الذميم وللحسد من الفروع الذميمة ما ~~لا يكاد يحصى وقد ورد في ذمه أخبار كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ~~الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقوله لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا ~~تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله ومن الآثار ~~قول بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد حسد إبليس آدم عليه السلام على ~~رتبته فأبى أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية وعن ابن سيرين رحمه الله ما ~~حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على ~~أمر الدنيا وهي حقيرة في الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر ~~الدنيا وهو يصير إلى النار وقال بعضهم الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة ~~وذلا ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ~~ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا # | حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه # الحسد نوعان # أحدهما كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه # وثانيهما عدم محبة زوالها وتمني مثلها وهذا يسمى غبطة فالأول حرام بكل ~~حال إلا نعمة أصابها فاجر وهو يستعين بها على محرم كإفساد وإيذاء فلا يضر ~~محبة زوالها عنه من حيث هي آلة الفساد ويدل على تحريم الحسد الأخبار التي ~~نقلناها وإن هذه الكراهة ms218 تسخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض وذلك ~~لا عذر فيه ولا رخصة وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون ~~لك PageV01P322 منه مضرة وإلى هذا أشار القرآن بقوله @QB@ إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها @QE@ وهذا الفرح شماتة والحسد والشماتة ~~يتلازمان وقال تعالى @QB@ ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا @QE@ أي لا ~~تضيق صدورهم به ولا يغتمون فأثنى عليهم بعدم الحسد وأما المنافسة فليست ~~بحرام بل قد تكون مطلوبة قال تعالى @QB@ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ سابقوا إلى مغفرة من ربكم @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه ~~الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس فلا حرج على من يغبط غيره في نعمة ~~ويشتهي لنفسه مثلها مهما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها له وأما تمني ~~عين نعمة الغير بانتقالها إليه لرغبته فيها بحيث يكون مطلوبه تلك النعمة لا ~~زوالها فهو مذموم لقوله تعالى @QB@ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض @QE@ وأما تمنيه لمثل ذلك فليس مذموما فاعرف الفرق # | أسباب الحسد # للحسد المذموم مداخل كثيرة وأسباب عديدة # فمنها العداوة والبغضاء وهذا أشد أسباب الحسد فإن من آذاه شخص بسبب من ~~الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه ~~الحقد والحقد يقتضي منه التشفي والانتقام فإن عجز المتنغص عن أن يتشفى ~~بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند ~~PageV01P323 الله تعالى فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها وظنها مكافأة له من ~~جهة الله على بغضه وأنها لأجله ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد مراده ~~وربما يخطر له أنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه ~~بل أنعم عليه وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما وإنما غاية ~~التقي أن لا يبغي وأن يكره ذلك من نفسه # ومنها ms219 التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره # ومنها حب الرياسة وطلب الجاه بأن يكون منفردا عديم النظير غير مشارك في ~~المنزلة يسوءه وجود مناظر له في المنزلة # ومنها خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله بحيث يشق عليه أن يوصف عنده حسن ~~حال عبد فيما أنعم عليه ويفرح بذكر فوات مقاصد أحد واضطراب أموره وتنغص ~~عيشه فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ~~ذلك من ملكه وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع ~~ومعالجته شديدة لأنه خبث في الجبلة لا عن عارض حتى يتصور زواله وقد يجتمع ~~بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد بذلك ~~ويقوي قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة بل ينتهك حجاب المجاملة ~~وتظهر العداوة بالمكاشفة أعاذنا المولى من ذلك بلطفه وكرمه # | بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب # اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوي أمراض القلوب إلا ~~بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر ~~عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ~~ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت ~~الحسد لا محالة أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله ~~تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكة بخفي ~~حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية في حدقة التوحيد وقذى في عين ~~الإيمان وناهيك بهما جناية على الدين وقد انضاف إلى ذلك أنك فارقت أولياءه ~~وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى وشاركت إبليس والكفار في محبتهم ~~للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما ~~تأكل النار الحطب وأما كونه ضررا في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا ~~أو تتعذب به ولا تزال في كمد PageV01P324 وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله ~~تعالى عن ms220 نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية ~~تنصرف عنهم فتبقى مغموما ضيق الصدر فقد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك ~~وتشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك ~~نقدا ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب ~~لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ~~ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في ~~الآخرة فما أعجب من يتعرض لسخط الله من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله ~~وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه لا ضرر على ~~المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك وأما أن ~~المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح أما منفعته في الدين فهو أنه ~~مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح ~~فيه وهتك ستره وذكر مساوئه فهذه هدايا تهديها إليه إذ تهدي إليه حسناتك حتى ~~تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما كما حرمت في الدنيا عن النعمة فإذا تأملت ~~هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة ~~وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في ~~الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت باقية ومن تفكر بهذا بذهن ~~صاف وقلب حاضر انطفأت نار الحسد من قلبه وأما العمل النافع فيه فهو أن يكلف ~~نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد وذلك بالتواضع للمحسود والثناء والمدح وإظهار ~~السرور بالنعمة فتعود القلوب إلى التآلف والتحاب وبذلك تستريح القلوب من ~~ألم الحسد وغم التباغض فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على ~~القلوب جدا ولكن النفع في الدواء المر فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل ~~حلاوة الشفاء وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب ~~إليهم بالمدح والثناء بقوة العلم بالمعاني ms221 التي ذكرناها وقوة الرغبة في ~~ثواب الرضاء بقضاء الله تعالى PageV01P325 # | كتاب ذم الدنيا # الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرآن مشتمل على ذم ~~الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة بل هو مقصود الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن ~~لظهورها وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها فقد روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر على شاة ميتة فقال أترون هذه الشاة هينة على أهلها قالوا ~~من هوانها ألقوها قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة ~~على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها ~~شربة ماء وقال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون # | بيان الدنيا المذمومة # اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما ~~الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بد وأن نبين الدنيا ~~المذمومة المأمور PageV01P326 باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما ~~هي فنقول # دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك فالقريب الداني يسمى دنيا ~~وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت فكل ما ~~لك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك ~~إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هو ثلاثة أقسام # القسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو العلم ~~النافع والعمل الصالح # القسم الثاني وهو المقابل له على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ~~ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة ~~على قدر الحاجات والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات أي في السرف ~~فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة # القسم الثالث وهو متوسط بين ms222 الطرفين كل حظ عاجل معين على أعمال الآخرة ~~وهو ما لا بد منه ليتأتي للإنسان البقاء والصحة التي بها يصل إلى العلم ~~والعمل وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه معين على الأول ووسيلة إليه ~~فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به ~~متناولا للدنيا ولم يصر به من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة ~~للآخرة وإن أخذ ذلك بقصد حظ النفس فهو من الدنيا فإذن الدنيا حظ نفسك ~~العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى @QB@ ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ ومجامع ~~الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله تعالى في قوله @QB@ أنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد @QE@ PageV01P327 # والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى @QB@ زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا @QE@ وبالجملة فكل ~~ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فذلك ليس من الدنيا # | بيان حقيقة الدنيا في نفسها # اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ وله في إصلاحها ~~شغل وإنما الأعيان الموجودة التي لدينا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال ~~الله تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~@QE@ فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ~~ومشرب ومنكح ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان # أما النبات فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي # وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذهب ~~والفضة ولغير ذلك من المقاصد # وأما الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم أما البهائم فيطلب منها لحومها ~~للمآكل وظهورها للمركب والزينة وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي ليستخدم ~~كالغلمان أو ليتمتع به كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها بأن ~~يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك ~~قلوب الآدميين فهذه هي ms223 الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله ~~تعالى في قوله @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين @QE@ وهذا من ~~الإنس @QB@ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة @QE@ وهذا من الجواهر ~~والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآلئ واليواقيت وغيرها @QB@ والخيل ~~المسومة والأنعام @QE@ وهي البهائم والحيوانات @QB@ والحرث @QE@ وهو النبات ~~والزرع فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب ~~وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب ~~المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع PageV01P328 صفات القلب المعلق ~~بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب ~~الثناء وحب التكاثر والتفاخر وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي ~~كالأعيان التي ذكرناها # العلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه ~~وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما ~~نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب ~~وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن ~~هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لقوامه ليتقوى بها على إصلاح ~~دينه حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته وبقي ~~ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ولا ~~يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة فقد كانوا على ~~المنهج القصد وعلى السبيل الواضح فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل ~~للدين وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور ~~تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواما وذلك هو العدل والوسط بين ~~الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى PageV01P329 # | كتاب ذم البخل وذم المال # ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في الدنيا ~~عامة والمال بعض أجزائها الجدير بإفراد البحث عنه إذ فيه آفات وغوائل ~~وللإنسان من فقده صفة الفقر ومن وجوده وصف الغنى وهما حالتان يحصل بهما ~~الاختيار والامتحان ms224 ثم للفاقد حالتان القناعة والحرص وإحداهما مذمومة ~~والأخرى محمودة وللحريص حالتان طمع فيما في أيدي الناس وتشمر للحرف ~~والصناعات مع اليأس عن الخلق والطمع شر الحالتين وللواجد حالتان إمساك بحكم ~~البخل والشح وإنفاق وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللمنفق حالتان تبذير ~~واقتصاد والمحمود هو الاقتصاد وهذه أمور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض ~~فيها مهم ونحن نشرحه بعونه تعالى # | بيان ذم المال وكراهة حبه # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم @QE@ فمن اختار ماله وولده على ~~ما عند الله فقد خسر وغبن خسرانا مبينا وقال تعالى @QB@ إن الإنسان ليطغى ~~أن رآه استغنى @QE@ PageV01P330 فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~وقال تعالى @QB@ ألهاكم التكاثر @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم تعس عبد ~~الدينار وتعس عبد الدرهم تعس ولا انتعش وإذا شيك فلا انتقش بين أن محبهما ~~عابد لهما ومن عبد حجرا فهو عابد صنم أي من قطعه ذلك عن الله تعالى وعن ~~أداء حقه فهو كعابد صنم وهو شرك إلا أن الشرك خفي وجلي نعوذ بالله منهما ~~وقال صلى الله عليه وسلم يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما ~~أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وقال صلى الله عليه وسلم ما ~~ذئبان ضاريان أرسلا في غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الشرف والمال والجاه في ~~دين الرجل المسلم وقال صلى الله عليه وسلم هلك المكثرون إلا من قال به في ~~عباد الله هكذا وهكذا وقليل ما هم وعن يحيى بن معاذ قال الدرهم عقرب فإن لم ~~تحسن رقيته فلا تأخذه فإنه إن لدغك قتلك سمه قيل وما رقيته قال أخذه من حله ~~PageV01P331 ووضعه في حقه وعنه رحمه الله مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون ~~بمثلها للعبد في ماله عند موته قيل وما هما قال يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله # | بيان مدح المال والجمع ms225 بينه وبين الذم # اعلم أن الله تعالى قد سمي المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال جل ~~وعز @QB@ إن ترك خيرا @QE@ وقال تعالى ممتنا على عباده @QB@ ويمددكم بأموال ~~وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم نعم ~~المال الصالح للرجل الصالح ولا تقف على وجه الجمع بين الذم والمدح إلا بأن ~~تعرف حكمة المال ومقصوده وآفاته حتى ينكشف لك أنه خير من وجه وشر من وجه ~~وأنه محمود من حيث هو خير ومذموم من حيث هو شر فإنه ليس بخير محض ولا هو شر ~~محض بل هو سبب الأمرين جميعا وما هذا وصفه فيمدح تارة ويذم أخرى # | بيان تفصيل آفات المال وفوائده # قدمنا أن المال فيه خير وشر فمن عرف فوائده وغوائله أمكنه أن يحترز من ~~شره ويستدر من خيره أما الفوائد فدنيوية ودينية أما الدنيوية فمعروفة وأما ~~الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع # النوع الأول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة كالسفر للحج والعلم وإما ~~فيما يقويه على العبادة من مطعم وملبس ومسكن ومنكح وضرورات المعيشة وما لا ~~يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة # النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس وهو أربعة أقسام الصدقة والمروءة ووقاية ~~العرض وأجرة الاستخدام # أما الصدقة فلا يخفى ثوابها # وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والاشراف في ضيافة وهدية ~~وإعانة وما يجري مجراها فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما يسلم إلى ~~المحتاج PageV01P332 إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد ~~الإخوان والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف ~~بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل المروءة والفتوة وهذا أيضا مما ~~يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام ~~من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها # وأما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء ودفع ~~شرهم وهو أيضا مع تنجز فائدته في العاجلة من الحظوظ الدينية ففي الحديث ما ~~وقى به المرء ms226 عرضه كتب له به صدقة وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية ~~الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكافأة ~~والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة # وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان كثيرة ولو ~~تولاها بنفسه ضاعت أوقاته # النوع الثالث ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام كبناء ~~المساجد والقناطر والرباطات ودور المرضى وغير ذلك من الأوقاف المرصدة ~~للخيرات وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية ~~الصالحين وناهيك بها خيرا فهذه جملة فوائد المال في الدين # وأما الآفات فدينية ودنيوية وأما الدينية فثلاث # الأولى أن تجر إلى المعاصي فإن المال يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور # الثانية أنه يجر إلى التنعم في المباحات والتمرن عليه حتى يصير مألوفا ~~عنده ومحبوبا لا يصبر عنه وإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه ~~بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في الكذب والنفاق وسائر الأخلاق ~~الرديئة لينتظم له أمر دنياه ويتيسر له تنعمه وذلك من شؤم المال # الثالثة أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى وكل ما شغل العبد عن ~~الله فهو خسران وأما الآفات الدنيوية فكثيرة كالخوف والحزن والغم والهم ~~والتعب في PageV01P333 دفع الحساب وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه والفكر ~~في خصومة الشركاء ومنازعتهم # وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها فإن ترياق المال أخذه من حله وصرفه في ~~الخيرات وما عدا ذلك سموم وآفات نسأله تعالى السلامة والعون بلطفه وكرمه # | بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة والاقتصاد # ينبغي للفقير أن يكون قانعا منقطع الطمع عن الخلق غير متلفت إلى ما في ~~أيديهم ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان لئلا يتدنس بذل الحرص فيجره إلى ~~مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة ~~القناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واديان من ذهب ~~لابتغى لهما ثالثا وعلاج ذلك لا يكون إلا بأمور # الأول الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق ms227 وهو الأصل في القناعة فإن ~~من كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة وفي الحديث ما عال من اقتصد ~~وعنه صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد ~~في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب وعنه صلى الله عليه وسلم الاقتصاد ~~وحسن السمت والهدي الصالح جزء من بضعة وعشرين جزءا من النبوة # الثاني أن يتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه # الثالث أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الحرص والطمع من ~~الذل والمداهنة PageV01P334 # الرابع أن يكثر تأمله في تنعم الكفرة والحمقى ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء ~~والأولياء ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على ~~مشابهة الفجار أو الأبرار فيهون عليه الصبر على القليل والقناعة باليسير # الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال ويتم ~~ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فبهذه الأمور يقدر ~~على اكتساب خلق القناعة وعماد الأمر الصبر # | بيان فضيلة السخاء # اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة ~~الحرص وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف ~~والتباعد عن الشح والبخل فإن السخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو ~~أصل من أصول النجاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة ~~منها خلقان يحبهما الله تعالى حسن الخلق والسخاء وخلقان يبغضهما سوء الخلق ~~والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس وعنه صلى ~~الله عليه وسلم إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام ~~وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الإسلام إلا ~~أعطاه وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى ~~قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة وقال صلى ~~الله ms228 عليه وسلم إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من ~~النار وإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار ~~وجاهل سخي أحب أحب إلى الله من عالم بخيل وأدوأ الداء PageV01P335 البخل ~~وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما انفق الرجل على نفسه وأهله ~~كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة ~~فعلى الله خلقها وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة والدال على الخير ~~كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان وعن الحسن بن علي الكرم هو التبرع بالمعروف ~~قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل وعن عبد الله ~~بن جعفر أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام ~~كنت له أهلا ومن سخاء السلف ما حكي أن ابن عامر اشترى دارا بتسعين ألف درهم ~~فلما كان الليل سمع بكاء أهلها فسأل فقيل يبكون لدراهم فقال يا غلام إيتهم ~~فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا وكان الليث بن سعد لا يتكلم كل يوم حتى ~~يتصدق على ثلثمائة وستين مسكينا وعن أسماء بن خارجة أن عبد الملك سأله عن ~~خصال حدث بها عنه فأجابه أسماء ما PageV01P336 مددت رجلي بين يدي جليس لي ~~قط ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه قوما إلا كانوا أمن علي مني عليهم ولا نصب ~~لي رجل وجهه قط يسألني شيئا فاستكثرت شيئا أعطيته إياه وعن الشافعي أن حماد ~~بن أبي سليمان انقطع زره وهو راكب فمر على خياط وأراد النزول فبادره الخياط ~~وحلف عليه أن لا ينزل وأصلح له زره وهو راكب فأخرج له صرة فيها عشرة دنانير ~~وسلمها له واعتذر إليه من قلتها قال الشافعي لا أزال أحب حمادا لما بلغني ~~عنه وأنشد الشافعي لنفسه # ( يا لهف قلبي على مال أجود به % على المقلين من أهل المروءات ) # ( إن اعتذاري إلى من جاء يسألني % ما ليس عندي من إحدى ms229 المصيبات ) # وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع ~~أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر ~~له بمائة ألف درهم فبكى فقال له سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل ~~مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى وروي أن عليا كرم الله وجهه بكى فقيل ما يبكيك ~~فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني وروي أن رجلا ~~أتى صديقا له فدق عليه الباب فقال ما جاء بك قال علي أربعمائة درهم دين ~~فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي فسألته امرأته فقال أبكي لأني ~~لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي فرحم الله من هذه أخلاقهم وغفر لهم # | بيان ذم البخل # قال الله تعالى @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة @QE@ PageV01P337 وقال صلى الله عليه ~~وسلم إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ~~ويستحلوا محارمهم وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل وعنه صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يبغض البخيل في حياته السخي عند موته وقال صلى الله ~~عليه وسلم خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق وعن علي كرم الله ~~وجهه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك ~~قال الله تعالى @QB@ ولا تنسوا الفضل بينكم @QE@ وقال الشعبي لا أدري أيهما ~~أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة ~~له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل وقال صلى الله عليه وسلم ~~لوفد بني لحيان من سيدكم قالوا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال صلى ~~الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح ms230 وكان عمرو ~~يولم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج وعن علي رضي PageV01P338 ~~الله عنه قال والله ما استقصى كريم قط حقه قال الله تعالى @QB@ فلما نبأت ~~به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض @QE@ وقال بشر النظر إلى البخيل ~~يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين وقال ابن المعتز أبخل ~~الناس بماله أجودهم بعرضه # | بيان الإيثار وفضله # اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجات السخاء ~~الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه وإنما السخاء عبارة عن بذل ما ~~لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد وكما أن السخاوة ~~قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن ~~يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ويشتهي ~~الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها فهذا بخيل ~~على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه فانظر ما ~~بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة ~~في السخاء وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال @QB@ ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ فقد روي أنه نزل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف ~~إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج وجعل يمد يده ~~إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف الطعام فلما أصبح قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم ونزلت ~~@QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ فالسخاء خلق من أخلاق الله ~~تعالى والإيثار أعلى درجات السخاء وكان ذلك من دأب PageV01P339 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال تعالى @QB@ وإنك لعلى ~~خلق عظيم @QE@ # قيل خرج عبد الله بن ms231 جعفر رضي الله عنهما إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم ~~وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من ~~الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد ~~الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به ~~هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع ~~وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ~~ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من ~~الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه # وقال عمر رضي الله عنه أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رأس شاة فقال إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه فلم يزل كل واحد يبعث ~~به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول # وقال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك من أيام فتوح الشام أطلب ابن عم لي ~~ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به ~~فقلت أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي انطلق به ~~إليه قال فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه ~~فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد ~~مات فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين # | بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما # اعلم أن المال خلق لحكمة وهو صلاحه لحاجات الخلق فيمكن إمساكه عن ~~PageV01P340 صرفه إلى ما خلق الصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن ~~الصرف إليه ويمكن التصرف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث ~~يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الإمساك تبذير ~~وبينهما وسط هو المحمود وينبغي ms232 أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقد قيل له @QB@ ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط @QE@ وقال تعالى @QB@ والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما @QE@ فالجود وسط بين ~~الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ~~ولا بد أن يكون قلبه طيبا به غير منازع له فيه ثم إن الواجب بذله قسمان ~~واجب بالشرع وواجب بالمروءة والعادة والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا ~~واجب المروءة فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل ~~كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة أو يؤديها ولكنه يشق عليه ~~فإنه بخيل بالطبع أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من ~~أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل # ومن واجب المروءة ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح ~~واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فمن كثر ماله استقبح منه ما لا ~~يستقبح من الفقير من المضايقة ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ~~ما لا يستقبح مع الأجانب ويستقبح من الجار ما لا يستقبح مع البعيد ويستقبح ~~في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة وبالجملة فالبخيل هو الذي ~~يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة ومن أدى واجب ~~الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل نعم لا يتصف بصفة الجود ~~والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات فاصطناع ~~المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب ~~نفس ولا يكون عن طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في ~~الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله ومثله من يبعثه ~~عليه الخوف من الهجاء أو ملامة الخلق فإنه ليس من الجود لأنه مضطر إليه ~~بهذه البواعث ms233 وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد PageV01P341 # | بيان علاج البخل # اعلم أن البخل سببه حب المال ولحب المال سببان # أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل # الثاني أن يحب عين المال ويلتذ بوجوده وإن علم أنه زائد عن حاجاته بقية ~~عمره وقدمنا أن علاج كل علة بمضادة سببها فيعالج حب الشهوات بالقناعة ~~باليسير وبالصبر ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران ~~وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن ~~خالقه خلق معه رزقه وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث ~~وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شر ~~ويعالج قلبه أيضا بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء ~~وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم ومن الأدوية النافعة كثرة ~~التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له فإنه ما من بخيل ~~إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل البخيل من أصحابه فيعلم أنه مستثقل ~~ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه ويعالج قلبه أيضا بأن ~~يتفكر في مقاصد المال وأنه لماذا خلق فلا يحفظ منه إلا قدر حاجته والباقي ~~يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله فهذه الأدوية من جهة المعرفة ~~والعلم فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا ~~والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإذا تحركت الشهوة فينبغي أن ~~يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف فإن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه ~~PageV01P342 # | كتاب ذم الجاه والرياء # اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم بل ~~المحمود الخمول إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه قال ~~الله تعالى @QB@ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا @QE@ جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض وبين أن ms234 الدار الآخرة ~~للخالي عن الإرادتين جميعا وقال عز وجل @QB@ من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون @QE@ وهذا أيضا ~~متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة ~~من زينتها وفي الحديث حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه بالأصابع في ~~دينه ودنياه إلا من عصمه الله إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم وروي في فضيلة الخمول عنه صلى الله عليه وسلم رب أشعت أغبر ~~ذي طمرين PageV01P343 لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وعنه صلى الله ~~عليه وسلم ألا أدلكم على أهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ~~وأهل النار كل متكبر مستكبر جواظ والأخبار في مذمة الشهرة وفضيلة الخمول ~~كثيرة ومعلوم أن المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في ~~القلوب وحب الجاه منشأ كل فساد ثم إن المذموم هو طلب الشهرة والحرص عليها ~~فأما وجودها من الله تعالى من غير تكلف من العبد فليس بمذموم # | بيان الحد الذي يباح فيه الجاه # اعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع ~~بها ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها أي القدرة على التصرف ~~فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه فحكم الجاه حكم ملك الأموال فإنه ~~عرض من أعراض الحياة الدنيا وينقطع بالموت والدنيا مزرعة الآخرة فكل ما خلق ~~في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة فحب الجاه والمال لأجل التوسل بهما ~~إلى مهمات البدن غير مذموم وحبهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته ~~مذموم ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة ~~معصية وما لم يتوصل إلى اكتسابه بكذب وخداع وارتكاب محظور وما لم يتوصل إلى ~~اكتسابه بعبادة فإن التوصل إلى الجاه والمال بالعبادة جناية على الدين وهو ~~حرام # والقول الفصل في طلب المنزلة والجاه ms235 في قلوب الناس أن يقال يطلب ذلك على ~~ثلاثة أوجه وجهان مباحان ووجه محظور PageV01P344 # أما الوجه المحظور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة ~~هو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع ~~وهو لا يكون كذلك فهذا حرام لأنه كذب وتلبيس إما بالقول أو بالمعاملة # وأما أحد المباحين فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسف صلى ~~الله عليه وسلم في ما أخبر عنه الرب تعالى @QB@ اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم @QE@ فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما وكان محتاجا ~~إليه وكان صادقا فيه # والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلم فلا ~~تزول منزلته به فهذا أيضا مباح لأن حفظ الستر على القبائح جائز ولا يجوز ~~هتك الستر كالذي يخفي عمن يريد استئجاره أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ~~ورع فإن قوله إني ورع تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع بل ~~يمنع العلم بالشرب # ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده فإن ذلك ~~رياء وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله وهو مراء بما ~~يفعله فكيف يكون مخلصا فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذا بكل معصية وذلك ~~يجري مجرى اكتساب المال بالحرام من غير فرق وكما لا يجوز له أن يتملك مال ~~غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع فإن ~~ملك القلوب أعظم من ملك الأموال # | سبب حب المدح وبغض الذم # لا يعرف طريق العلاج لذلك ما لم يعرف سببه لأن ما لا يعرف سببه لا يمكن ~~معالجته إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض # لحب المدح والتذاذ القلب به أسباب # الأول وهو الأقوى شعور النفس بالكمال ومهما شعرت بكمالها ارتاحت واهتزت ~~وتلذذت والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها # السبب الثاني أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ~~ومعتقد ms236 فيه ومسخر تحت مشيئته وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ ~~PageV01P345 # الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا سيما ~~إذا كان ممن يعتد بثنائه في ملأ فيكون المدح ألذ والذم أشد على النفس فأما ~~العلة الأولى وهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في ~~قوله كما إذا مدح بأنه نسيب أو سخي أو عالم بعلم أو متورع عن المحظورات وهو ~~يعلم من نفسه ضد ذلك فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال وتبقى لذة ~~الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وما بعدها فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ~~ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلت اللذة الثانية وهو استيلاؤه على ~~قلبه فبطلت اللذات كلها # | بيان علاج حب الجاه # اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق ~~مشغوفا بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا ~~إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصل الفساد ويجر ذلك لا محالة ~~إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى ~~اقتناص القلوب فإذن حب الجاه من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب ~~وعلاجه مركب من علم وعمل أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه ~~وهو كمال القدرة على قلوب الناس إن صفا وسلم فآخره الموت فليس هو من ~~الباقيات الصالحات فلا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي ~~لا انقطاع لها وأما العمل فبأن يأنس بالخمول ليسقط من نفوسهم ويستعين عليه ~~بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول وينظر في أحوال السلف وإيثارهم ~~ثواب الآخرة على زخرف الدنيا # | بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم # اعلم أن أكثر الخلق إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصارت حركاتهم ~~كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من ~~المهلكات فيجب معالجته وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره ~~الذم فمن الأسباب استشعار الكمال ms237 بسبب قول المادح فطريقك فيه أن ترجع إلى ~~عقلك وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا فإن كنت ~~متصفا بها فإن كانت كالثروة والجاه فهذه لا تستحق المدح فالفرح بها كالفرح ~~بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما تذروه الرياح وهذا من قلة ~~PageV01P346 العقل وإن كانت كالعلم والورع فهذه وإن استحقت المدح إلا أنه ~~لا ينبغي الفرح بها لأن الخاتمة غير معلومة وإن كانت الصفة التي مدحت بها ~~أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون # ومن الأسباب الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح وهو أيضا يرجع إلى قدرة ~~عارضة لا ثبات لها ولا تستحق الفرح بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه ~~وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف لأن آفات المدح على الممدوح عظيمة كما تقدم ~~في آفات اللسان وقال النبي صلى الله عليه وسلم مرة للمادح ويحك قصمت ظهره # | بيان علاج كراهة الذم # يفهم ذلك مما تقدم والقول الوجيز فيه أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال ~~إما قد يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة وإما أن يكون صادقا ~~ولكن قصده الإيذاء والتعنت وإما أن يكون كاذبا # فإن كان صادقا وقصده النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه بل ~~ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى ~~تتقيه فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت ~~عليها فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل # وإن كان قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت ~~جاهلا به لتقلع عنه وذلك من أسباب سعادتك فينبغي أن تفرح به لأن تنبهك ~~بقوله غنيمة وجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة والإنسان إنما يعرفها من ~~قول أعدائه فينبغي أن تغتنمه وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين ~~نفسه وهو نعمة منه عليك فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به # الحالة الثالثة ms238 أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي أن ~~لا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه بل تتفكر في ثلاثة أمور # أحدها إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه وما ستره الله من ~~عيوبك أكثر فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما أنت ~~بريء عنه # والثاني أن ذلك كفارة لبقية مساوئك وذنوبك وكل من اغتابك فقد أهدى ~~PageV01P347 إليك حسناته وكل من مدحك فقد قطع ظهرك فما بالك تفرح بقطع ~~الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله تعالى وأنت تزعم أنك تحب ~~القرب من الله # وأما الثالث فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك ~~نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله ~~عليه فتشمت به الشيطان وتقول اللهم أهلكه بل ينبغي أن تقول اللهم أصلحه ~~اللهم تب عليه اللهم ارحمه كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لقومي ~~اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه ~~حمزة يوم أحد # ومما يهون عليك كراهية المذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم ~~يعظم أثر ذلك في قلبك وأصل الدين القناعة وبهما ينقطع الطمع عن المال ~~والجاه وما دام الطمع قائما كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه غالبا ~~وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة ولا ينال ذلك إلا بهدم الدين ~~فلا ينبغي أن يطمع طالب الجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامة دينه فإن ذلك ~~بعيد جدا # | بيان ذم الرياء # وهو طلب الجاه والمنزلة بالعبادات اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ~~ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار # أما الآيات فقوله تعالى @QB@ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~الذين هم يراؤون @QE@ وقوله عز وجل @QB@ والذين يمكرون السيئات لهم عذاب ~~شديد ومكر أولئك هو يبور @QE@ قال مجاهد هم أهل الرياء وقال تعالى @QB@ ~~إنما نطعمكم لوجه الله لا ms239 نريد منكم جزاء ولا شكورا @QE@ فمدح PageV01P348 ~~المخلصين بنفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى @QB@ فمن كان ~~يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ نزل ذلك ~~فيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله # ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل من عمل لي عملا ~~أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما اخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك ~~الأصغر يا رسول الله قال الرياء يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جاز ~~العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون ~~عندهم الجزاء وقال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ~~ذرة من رياء وقال صلى الله عليه وسلم إن أدنى الرياء شرك وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكان يخفيها ~~عن شماله ولذلك ورد إن فضل عمل السر على عمل الجهر بسبعين ضعفا PageV01P349 # وروي أن المسيح عليه السلام كان يقول إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ~~ولحيته ويمسح شفتيه لئلا يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن ~~شماله وإذا صلى فليرخ ستر بابه # ومن الآثار ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته ~~فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في ~~القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال أنت أنت ~~لو كان هذا في بيتك وقال الضحاك لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا ~~يقولن هذا لله وللرحم فإن الله تعالى لا شريك له # | بيان حقيقة الرياء وجوامع ما يراءى به # اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم ~~خصال الخير والمراءى به كثير ويجمعه خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به ms240 ~~العبد للناس وهو البدن والزي والقول والعمل والأتباع والأشياء الخارجة فأما ~~الرياء في الدين بالبدن فكإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد ~~وعظم الحزن على أمر الدين غلبة خوف الآخرة وكتشعيث الشعر ليدل به على ~~استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر ومثله خفض الصوت وإغارة ~~العينين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم أو متوقر للدين أو ضعيف القوة ~~من الجوع وعن هذا روي إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه ~~لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء # وأما الرياء بالهيئة والزي فمثل تشعيث الشعر وحلق الشارب وإطراق الرأس في ~~المشي والهدء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب ولبس ~~الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام كل ذلك يرائي به ليظهر ~~أنه متبع للسنة ومقتد بالصالحين ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ~~ولبس الثياب الزرق تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن ~~ومنه التقنع فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ومنه الطيلسان يلبسه من ~~هو خال عن العلم PageV01P350 ليوهم أنه من أهل العلم والمراؤون بالزي على ~~طبقات كل طبقة منهم يرى منزلته في زي مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى ما ~~دونه وإلى ما فوقه وإن كان مباحا بل هو عنده بمنزلة الذبح وذلك لخوفه أن ~~يقول الناس قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ورغب في الدنيا # وأما الرياء بالقول فرياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ ~~الأخبار والآثار لإظهار شدة العناية بأحوال الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر ~~في محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب ~~للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام ~~والمبادرة إلى أن الحديث صحيحأو غير صحيح لإظهار الفضل فيه والمجادلة على ~~قصد إفحام الخصم # وأما الرياء بالعمل فكمراءاة المصلي بطول القيام وطول السجود والركوع ~~وإطراق الرأس وترك الالتفات # وأما المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير ~~عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا ms241 أو عابدا من العباد ليقال إن ~~أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه أو أميرا من الأمراء ليقال إنهم ~~يتبركون به وكالذي يكثر ذكر الشيوخ وطواف البلاد ليتباهى عند خصمه # فهذه مجامع ما يرائي به المراؤون وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في ~~قلوب العباد لاعتقاده أنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزوال لا ~~يغتر به إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال # ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللسان ~~بالثناء والحمد ومنهم من يريد انتشار الصيت ومنهم من يريد الاشتهار عند ~~الأمراء لتقبل شفاعته فيقوم له جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك ~~إلى جمع حطام وكسب مال ولو كان من الحرام وهؤلاء شر طبقات المرائين # | حكم الرياء # اعلم أن الرياء إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فأما المراءاة ~~بما ليس من العبادات فقد تكون مباحة كتسوية العمامة والشعر وتحسين الثوب ~~لئلا تزدريه أعين الناس واحترازا من ألم المذمة وطلبا لراحة الأنس بالإخوان ~~وقد تكون طاعة كما PageV01P351 إذا كان متبوعا وعمله المذكور يرغب في ~~اتباعه واستمالة القلوب إليه وقد تكون مذمومة كما إذا حملت على ما لا يجوز ~~أو دعت إلى أمور محظورات وبالجملة فحكمها تابع للغرض المطلوب بها وأما ~~العبادات كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فالمرائي فيها يبطل عبادته ~~ويعصي ويأثم والمعني فيه أمران # أحدهما يتعلق بالعباد وهو التلبيس والمكر لأنه خيل اليهم أنه مخلص مطيع ~~لله وأنه من أهل الدين وليس كذلك # الثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو ~~مستهزئ بالله كما ورد ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار ~~كما جرت عادة الخدم وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواريه أو غلام من غلمانه ~~فإن هذا استهزاء بالملك إذا لم يقصد التقرب إليه بخدمته بل قصد بذلك عبدا ~~من عبيده فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ~~ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا وهل ms242 ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على ~~تحصيل أغراضه من الله وأنه أولى بالتقرب إليه من الله إذ آثره على ملك ~~الملوك فجعله مقصود عبادته وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى فهذا ~~من كبائر المهلكات ولذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر ~~ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية فإنه ~~وإن لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله وعن هذا كان شركا خفيا وذلك ~~غاية الجهل ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكون ~~من مصالح حاله أكثر مما يملكه الله تعالى مع أن العباد كلهم عاجزون عن ~~أنفسهم لا يملكون لها ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لغيرهم هذا في الدنيا فكيف ~~في يوم @QB@ لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا @QE@ بل ~~تقول الأنبياء فيه نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ما يرتقبه ~~بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة ~~الله في سخط الله تعالى # | درجات الرياء # اعلم أن أغلظ أنواع الرياء هو الرياء بأصل الإيمان وصاحبه مخلد في النار ~~وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب وهذا هو النفاق المذكور ~~PageV01P352 في القرآن الكريم في مواضع شتى وذلك مما يقل في زماننا ويلحق ~~به من يجحد الجنة والنار والدار الآخرة أو يعتقد طي بساط الشرع والأحكام ~~ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المنافقين ~~المرائين المخلدين في النار # وقسم من الرياء دون الأول بكثير كمن يحضر الجمعة أو الصلاة ولولا خوف ~~المذمة لكان لا يحضرها أو يصل رحمه أو يبر والديه لا عن رغبة لكن خوفا من ~~الناس أو يزكي أو يحج كذلك فيكون خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب ~~الله وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت # وقسم يرائي بالنوافل يكسل عنها في الخلوة ثم يبعثه ms243 الرياء على فعلها ~~كحضور الجماعة وعيادة المريض واتباع الجنازة وصوم عرفة وعاشوراء خوفا من ~~المذمة وطلبا للمحمدة ويعلم الله تعالى أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء ~~الفرائض وهذا أيضا عظيم ولكن دون ما قبله # وقسم يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع ~~والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك ~~الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من ~~الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد ~~خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا ~~إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة فهذا أيضا من الرياء المحظور لأن فيه ~~تقديما للمخلوقين على الخالق فإن قال المرائي إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم ~~عن الغيبة فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس الأمر كذلك فإن ~~ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك بغيبة غيرك فلو كان ~~باعثك الدين لكانت شفقتك على نفسك أكثر # وقسم يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة ~~لعبادته كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين ~~والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة في القراءة على ~~الصورة المعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت مما لو خلا ~~بنفسه لكان لا يقدم عليه # وقسم يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل ~~PageV01P353 القوم وقصده للصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه ~~وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى ~~يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يراءى به وبعضه أشد من بعض ~~والكل مذموم # | بيان المراءى لأجله # اعلم أن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض ~~من الأغراض وله درجات # أشدها أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ويظهر التقوى ~~والورع وغرضه أن ms244 يعرف بالأمانة فيولى منصبا أو يسلم إليه تفرقة مال ليستأثر ~~بما قدر عليه منه أو يودع الودائع فيأخذها أو يتوصل إلى التحبب بامرأة ~~لفجور ونحوه أو يحضر مجالس العلم والتذكير وقصده النظر لأمرد فهؤلاء أبغض ~~المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ويقرب منهم ~~من يقترف جريمة وهو مصر عليها فيظهر التقوى لينفي التهمة عن نفسه # ثانيها أن يكون غرضه نيل حظ من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة ~~أو شريفة كالذي يظهر العلم والعبادة ليرغب في تزويجه أو إعطائه فهذا رياء ~~محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول # الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من ~~أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة ~~العامة كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا ~~يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار # وكذلك يسبق إلى الضحك أو يبدو منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين ~~الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول ما أعظم ~~غفلة الآدمي عن نفسه والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ~~ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى ~~جماعة يصلون التراويح ويتهجدون أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون ~~فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل ~~شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء فلا يشرب خوفا من أن يعلم ~~الناس أنه غير صائم أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح ~~بإني صائم ولكن يقول لي عذر وهو جمع بين خبيثين فإنه يري أنه صائم ثم يري ~~أنه مخلص PageV01P354 ليس بمراء وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون ~~مرائيا فيريد أن يقال إنه ساتر لعبادته ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن ms245 أن ~~يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ~~ويمنع من الصوم أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان لأنه محب للإخوان شديد ~~الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألح علي اليوم ولم أجد بدا من ~~تطييب قلبه ومثل أن يقول إن أبوي أو أحدهما يشفقان علي يظنان أن لو صمت ~~لمرضت فلا يدعاني أصوم فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى ~~الإنسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن # أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في ~~الصوم وقد علم الله ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله ~~فيكون ملبسا وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك ~~فيه غيره وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه ~~وفيه مكيدة وغرور فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت ~~الله وغضبه ومن أشد المهلكات # | بيان الرياء الخفي الذي هوأخفى من دبيب النمل # اعلم أن الرياء جلي وخفي فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو ~~قصد الثواب وهو أجلاه وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده إلا ~~أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل ~~عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ~~ولا بالتسهيل والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن في القلب وأجلى علاماته أن ~~يسر باطلاع الناس على طاعته فرب عبد يخلص في عمله ولا يعتقد الرياء بل ~~يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له ~~وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح ~~السرور ولولا التفات القلب إلى الناس ما ظهر سروره عند اطلاع الناس فلقد ~~كان الرياء مستكنا في القلب استكنان النار في الحجر ms246 فأظهر منه اطلاع الخلق ~~أثر الفرح والسرور ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك ~~بكراهية فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي من الرياء حتى يتحرك على نفسه ~~حركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض أو ~~بالشمائل كخفض PageV01P355 الصوت وآثار الدموع وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث ~~لا يريد الإطلاع ولا يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن ~~يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه وأن ~~يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ~~ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة ~~التي أخفاها ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم ~~يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل وكل ذلك يوشك أن يحبط ~~الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون # ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون في إخفائها أعظم مما ~~يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة ~~فيجازيهم الله في يوم القيامة بإخلاصهم إذ علموا أن الله لا يقبل في ~~القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة وأنه يوم لا ينفع ~~فيه مال ولا بنون ولا يجزي والد عن ولده # فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين أن ~~يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء فلو كان مخلصا لما ~~بالى بالناس لعلمه أنهم لا يقدرون على رزق ولا أجل ولا زيادة ثواب ونقصان ~~عقاب # فإن قلت فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته فالسرور مذموم كله ~~أو بعضه محمود وبعضه مذموم فنقول السرور منقسم إلى محمود ومذموم فالمحمود ~~مثل أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه الخلق علم ~~أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع الله به ~~وألطافه به ms247 إذ لا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون فرحه بجميل ~~نظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال تعالى @QB@ قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا @QE@ # ومثل أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره ~~فيكون له أجر العلانية بما اظهر وأجر السر بما قصده أولا ومن اقتدي به في ~~طاعة فله PageV01P356 مثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيء وتوقع ذلك جدير بأن يكون سبب السرور # ومثل أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم ~~للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة فهذا فرح بحسن إيمان عباد الله وعلامة ~~الإخلاص في هذا الورع أن يكون فرحه بحمدهم غيره مثل فرحه بحمدهم إياه # وأما السرور المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى ~~يمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه بالإكرام فهذا مكروه # | بيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط # إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد عليه وارد الرياء فلا يخلو إما ~~أن يرد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ فإن ورد بعد الفراغ سرور ~~مجرد بالظهور من غير إظهار فهذا لا يفسد العمل إذ العمل قد تم على نعت ~~الإخلاص سالما عن الرياء إلا إذا ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به ~~وأظهره فهذا مخوف وفي الآثار والأخبار ما يدل على أنه محبط وأما إذا ورد ~~وارد الرياء قبل الفراغ من العمل وكان عقد على الإخلاص فإن كان مجرد سرور ~~فلا يؤثر في العمل وإن كان رياء باعثا على العمل وختم العبادة به حبط أجره ~~لأن الواجب عليه أداء عمل خالص لوجه الله والخالص ما لا يشوبه شيء فلا يكون ~~مؤديا للواجب مع هذا الشوب وأما الرياء الذي يقارن حال العقد كأن يبتدئ ~~الصلاة على قصد الرياء فإن استمر عليه حتى سلم فلا خلاف في أنه يقضي ولا ~~يعتد بصلاته وإن ندم عليه في أثناء ذلك ms248 واستغفر ورجع قبل التمام فالأرجح ~~أنه لا تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف لأن باعثه في الرياء في ابتداء ~~العقد دون امتثال الأمر فلم ينعقد افتتاحه فلم يصح ما بعده # | بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه # عرفت مما سبق أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وأنه من ~~كبائر المهلكات وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته # وفي علاجه مقامان # أحدهما قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه PageV01P357 # والثاني دفع ما يخطر منه في الحال # | المقام الأول في قلع عروقه وأصوله # وأصله حب المنزلة والجاه وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول وهي حب لذة المحمدة ~~والفرار من ألم الذم والطمع فيما في أيدي الناس فهذه الثلاثة هي التي تحرك ~~المرائي إلى الرياء وعلاجه أن يعلم مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما ~~يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله تعالى وما ~~يتعرض له من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر فمهما تفكر العبد في هذا ~~الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في ~~الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال فإنه يسهل عليه قطع الرغبة عنه كمن ~~يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه ثم أي غرض له في ~~مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ولا ينفعه ~~يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أن ~~الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه ولا ~~رازق إلا الله ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد ~~لم يخل عن المنة والمهانة فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد وقد ~~يصيب وقد يخطئ وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته وأما ذمهم فلم يحذر ~~منه ولا يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتب الله عليه ولا يعجل أجله ms249 ولا يؤخر رزقه ~~ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة ولا يبغضه إلى الله إن كان ~~محمودا عند الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فإذا ~~قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه ~~والعاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه فهذا من الأدوية العلمية القالعة ~~مغارس الرياء وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق ~~الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش فلا تنازعه نفسه إلى طلب علم ~~غير الله به # | المقام الثاني في دفع العارض منه أثناء العبادة # وذلك لا بد أيضا من تعلمه فإن من جاهد نفسه بقلع مغارس الرياء وقطع الطمع ~~واستحقار مدح المخلوقين وذمهم فقد لا يتركه الشيطان في أثناء العبادة بل ~~يعارضه بخطرات الرياء فإذا خطر له معرفة اطلاع الخلق دفع ذلك بأن قال ما ~~PageV01P358 لك وللخلق علموا أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأي فائدة في ~~علم غيره فإن هاجت الرغبة إلى لذة الحمد ذكر ما رسخ في قلبه من قبل آفة ~~الرياء وتعرضه للمقت الإلهي وخسرانه الأخروي # | بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات # اعلم أن في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار ~~فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء قال الحسن إن ~~السر أحرز العملين ولكن في الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى الله تعالى على ~~السر والعلانية فقال @QB@ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم @QE@ والإظهار قسمان # أحدهما في نفس العمل والآخر بالتحدث بما عمل # القسم الأول إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها كما روي ~~عن الأنصاري الذي جاء بالصرة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من سن سنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه وتجري سائر ~~الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيره ولكن الاقتداء في ~~الصدقة على الطباع أغلب فالسر أفضل من علانية ms250 لا قدوة فيها أما العلانية ~~للقدوة فأفضل من السر ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر الأنبياء بإظهار ~~العمل للاقتداء وقوله عليه السلام له أجرها واجر من عمل بها ولكن على من ~~يظهر العمل وظيفتان # إحداهما أن يظهره حيث يعلم أن يقتدى به أو يظن ظنا ورب رجل يقتدي به أهله ~~دون جيرانه وربما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق وربما يقتدي به أهل محلته ~~وإنما العالم المعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة فغير العالم إذا أظهر ~~بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء والنفاق وذموه ولم يقتدوا به فليس له ~~الإظهار من PageV01P359 غير فائدة وإنما يصح الإظهار بنية القدوة ممن هو في ~~محل القدوة على من هو في محل الاقتداء به # الثانية أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه إلى ~~الإظهار بعذر الاقتداء وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه مقتدى به فليحذر ~~العبد خدع النفس فإن النفس خدوع والشيطان مترصد وحب الجاه على القلب غالب ~~وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا ~~والسلامة في الإخفاء وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا ~~فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء # القسم الثاني أن يتحدث بما فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه ~~والخطر في هذا أشد لأن مؤنة النطق خفيفة على اللسان وقد تجري في الحكاية ~~زيادة ومبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوي عظيمة إلا أنه لو تطرق إليه ~~الرياء لم يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه ~~أهون والحكم فيه أن من قوي قلبه وتم إخلاصه وصغر الناس في عينه واستوى عنده ~~مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرغبة في الخير بسببه فهو ~~جائز بل مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات لأنه ترغيب في الخير ~~والترغيب في الخير خير وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء # | بيان الخطأ في ترك الطاعات خوفا من الرياء ms251 # من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به وذلك غلط وموافقة ~~للشيطان وجر إلى البطالة وترك للخير فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا ~~تترك العمل وجاهد خاطر الرياء وألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك إلى ~~أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين وهو مطلع على قلبك بل إن قدرت على أن تزيد ~~في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل فإن قال لك الشيطان أنت مراء ~~فاعلم كذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من كراهية الرياء وإبائه وخوفك منه ~~وحيائك من الله تعالى وإن لم يبق باعث ديني بل تجرد باعث الرياء فاترك ~~العمل عند ذلك PageV01P360 # | بيان ما على المريد قبل العمل وبعده وفيه # اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في ~~جميع طاعاته ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله لا يرجو إلا الله ~~فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه ~~الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض ~~للمقت وإحباط العمل وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة فإن النفس ~~تكاد تغلي حرصا على الإفشاء فينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة عظم عمله ~~ملك الآخرة ونعيم الجنة أبد الآباد وعظم غضب الله على من طلب بطاعته ثوابا ~~من عباده ثم يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حتى لا يظهره ولا يتحدث به وإذا فعل ~~جميع ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عمله خائفا أنه ربما داخله من الرياء ~~الخفي ما لم يقف عليه فيكون شاكا في قبوله ورده مجوزا أن يكون الله قد أحصى ~~عليه من نيته الخفية ما مقته بها ورد عمله بسببها ويكون هذا الشك والخوف في ~~دوام عمله وبعده وأما في الابتداء فيكون متيقنا أنه مخلص ما يريد بعمله إلا ~~الله حتى يصح عمله وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد ~~سبق وهو غافل عنه ms252 # والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم ~~نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب ~~على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة وحمد وثناء من المتعلم والمنعم ~~عليه فإن ذلك يحبط الأجر فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة أو ~~مرافقة في المشي في الطريق ليستكبر باستتباعه أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ ~~أجره فلا ثواب له غيره نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله ~~بعلمه ليكون له مثل أجره ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا ~~يحبط ذلك أجره إذا كان لا يريده ولا يستبعده منه لو قطعه ويجب على المتعلم ~~أن يلزم قلبه حمد الله ويتعلم لله ويعبد لله ويخدم المعلم لله لا يكون له ~~في قلبه منزلة ولا في قلب الخلق فإن العباد أمروا ألا يعبدوا إلا الله ولا ~~يريدوا بطاعتهم غيره # وأما المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه ~~ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس الرياء في ~~صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكونه لمعرفة الناس ~~باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو ولا يدري أنه المخفف للعمل عليه فاستشعار ~~النفس عز PageV01P361 العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة فينبغي أن ~~يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة ~~واحدة فلو تغيروا عن اعتقادهم به لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة ~~إن وجدها في قلبه فيردها في الحال بعقله وإيمانه ولو كان في عبادة واطلع ~~الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم يدخله سرور بسبب إطلاعهم عليه ومن ~~علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا يجد عن ~~إقبال الغني زيادة هزة في نفسه لإكرامه إلا إذا كان في الغني زيادة علم أو ~~زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى ms253 فمن كان استرواحه إلى ~~مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طماع # ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ~~ما سوى الله من قلبك وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها ~~بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة PageV01P362 # | كتاب ذم الكبر والعجب # # | ما ورد في ذم الكبر # قال تعالى @QB@ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد @QE@ وقال تعالى @QB@ إنه لا يحب ~~المستكبرين @QE@ وقال @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل ~~من كبر وقال عليه السلام يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن ~~PageV01P363 نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل ولا جبار وقال صلى الله عليه وسلم لا ينظر ~~الله إلى رجل يجر إزاره بطرا وجاء في فضل التواضع قوله صلى الله عليه وسلم ~~ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله وعنه صلى ~~الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ~~ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة وعنه عليه السلام من تواضع ~~لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ~~ومن أكثر ذكر الله أحبه الله # وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي ~~قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته # | بيان حقيقة الكبر وآفته # اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو ~~أعمال تصدر من الجوارح وتلك الأعمال أكثر من أن تحصى وآفته عظيمة وغائلته ~~هائلة وكيف لا تعظم آفته وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة ms254 من في ~~قلبه مثقال PageV01P364 ذرة من كبر وإنما صار حجابا دون الجنة لأنه يحول ~~بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة والكبر ~~وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها لأن المتكبر لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ~~ما يحب لنفسه ولا يقدر على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين ولا يقدر على ترك ~~الحقد ولا يقدر أن يدوم على الصدق ولا يقدر على ترك الغضب ولا يقدر على كظم ~~الغيظ ولا يقدر على ترك الحسد ولا يقدر على النصح اللطيف ولا يقدر على قبول ~~النصح ولا يسلم من الإزراء بالناس ومن اغتيابهم وبالجملة فما من خلق ذميم ~~إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه وما من خلق محمود إلا وهو ~~عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة ~~منه وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له ~~وفيه وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين # ومنشؤه استحقار الغير وازدراؤه واستصغاره ولذلك شرح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الكبر بهاتين الآفتين بقوله الكبر بطر الحق وغمص الخلق أي ~~ازدراؤهم واستحقارهم وهم عباد الله أمثاله أو خير منه وهذه الآفة الأولى ~~وبطر الحق هو رده وهي الآفة الثانية فكل من رأى أنه خير من أخيه واحتقر ~~أخاه وازدراه ونظر إليه بعين الاستصغار أو رد الحق وهو يعرفه فقد تكبر ~~ونازع الله في حقه # ووجه الآفة الأولى أن الكبر والعز والعظمة لا تليق إلا بالملك القادر ~~فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله ~~الكبر واستعظام النفس واستحقار الغير فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى ~~في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله أن يأخذ الغلام تاج الملك فيضعه على رأسه ~~ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال وما ~~أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ما تعاطاه فالخلق كلهم عباد الله وله ~~العظمة والكبرياء ms255 عليهم فمن تكبر على عبد من عباد الله فقد نازع الله في ~~حقه # ووجه الآفة الثانية أن من سمع الحق من عبد من عباد الله واستنكف عن قبوله ~~وتشمر لجحده فما ذاك إلا للترفع والتعاظم واستحقار غيره حتى تأبى أن ينقاد ~~له وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال @QB@ وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون @QE@ ~~PageV01P365 ) فكل من يتضح له الحق على لسان أحد ويأنف من قبوله أو يناظر ~~للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك ~~من تحمله الأنفة على عدم قبول الوعظ كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم @QE@ # | بيان ما به التكبر # اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها ~~صفة من صفات الكمال وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي فالديني هو ~~العلم والعمل والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار فهذه ~~سبعة أسباب # الأول العلم وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه ~~كمال العلم فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم ويستخدم من خالطه منهم ~~وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف ~~على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم وسبب كبره بالعلم أمران # أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما في الحقيقة فإن العلم ~~الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه ~~وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر قال تعالى @QB@ إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء @QE@ # ثانيهما أن يخوض في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق فإنه ~~لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات فبقي خبيث الجوهر ~~فإذا خاض في العلم صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر ~~في الخير أثره وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال العلم كالغيث ينزل من ms256 السماء ~~حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر ~~مرارة والحلو كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم وليس يعلم المسكين أن الورع ~~ليس في الجبهة PageV01P366 حلاوة فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوله على قدر ~~هممها وأهوائها فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته ~~الكبر هو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا وإذا كان الرجل ~~خائفا مع علمه فازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفا # الثاني العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة الكبر واستمالة قلوب الناس ~~العباد فيترشح منهم الكبر في الدين والدنيا أما في الدنيا فهو أنهم يتوقعون ~~ذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس وكأنهم يرون عبادتهم منة على ~~الخلق وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك ~~تحقيقا مهما رأى ذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الرجل يقول هلك ~~الناس فهو أهلكهم وإنما قال ذلك لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق ~~الله مغتر آمن من مكره غير خائف من سطوته وكيف لا يخاف ويكفيه شرا احتقاره ~~لغيره قال صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم وكثير من ~~العباد إذا استخف به مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر الله له ولا يشك في ~~أنه صار ممقوتا عند الله وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل وجمع بين الكبر ~~والعجب والاغترار بالله وقد ينتهي الحق والغباوة ببعضهم إلى أن يتحدى ويقول ~~سترون ما يجري عليه وإذا أصيب بنكبة زعم أن ذلك من كراماته وأن الله ما ~~أراد إلا الانتقام له مع أنه يرى طبقات من الكفار يسبون الله ورسوله وعرف ~~جماعة آذوا الأنبياء صلوات الله عليهم فمنهم من قتلهم ومنهم من ضربهم ثم إن ~~الله أمهل أكثرهم ولا يعاقبهم في الدنيا بل ربما أسلم بعضهم فلم يصبه مكروه ~~في الدنيا ولا في الآخرة أفيظن هذا الجاهل المغرور أنه أكرم على الله من ~~أنبيائه ms257 وأنه قد انتقم له بما لم ينتقم لأنبيائه به ولعله في مقت الله ~~بإعجابه وكبره وهو غافل عن هلاك نفسه فهذه عقيدة المغترين وأما الأكياس من ~~العباد فيقولون ما كان يقوله السلف بعد انصرافه من عرفات كنت أرجو الرحمة ~~لجميعهم لولا كوني فيهم فانظر إلى الفرق بين الرجلين هذا يتقي الله ظاهرا ~~وباطنا وهو وجل على نفسه مزدر لعمله وذاك يضمر من الرياء والكبر والغل ما ~~هو ضحكة للشيطان به ثم إنه يمتن على الله بعمله ومن آثار الكبر في العابد ~~أن يعبس وجهه PageV01P367 كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم وليس يعلم ~~المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب ولا في الرقبة حتى تطأطأ ولا في ~~الذيل حتى يضم إنما الورع في القلوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التقوى ههنا وأشار إلى صدره فقد كان صلى الله عليه وسلم أكرم الخلق وأتقاهم ~~وكان أوسعهم خلقا وأكثرهم بشرا وتبسما وانبساطا كما قال تعالى @QB@ واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين @QE@ # الثالث التكبر بالحسب والنسب فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك ~~النسب وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيأنف من مخالطة الناس ~~ومجالستهم وقد يجري على لسانه التفاخر به فيقول لغيره من أنت ومن أبوك فأنا ~~فلان ابن فلان ومع مثلي تتكلم وقد روي أن أبا ذر رضي الله عنه قال قاولت ~~رجلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له يا ابن السوداء فغضب صلى الله ~~عليه وسلم وقال يا أبا ذر ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل فقال أبو ~~ذر فاضطجعت وقلت للرجل قم فطأ على خدي فانظر كيف نبهه صلى الله عليه وسلم ~~على أن ذلك جهل وانظر كيف تاب وقلع من نفسه شجرة الكبر إذ عرف أن العز لا ~~يقمعه إلا الذل # الرابع التفاخر بالجمال وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى ~~التنقص والثلب والغيبة وذكر عيوب الناس # الخامس الكبر بالمال وذلك يجري بين الأمراء والتجار في ms258 لباسهم وخيولهم ~~ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه وكل ذلك جهل بفضيلة الفقر وآفة ~~الغنى # السادس الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف # السابع التكبر بالأتباع والأنصار والعشيرة والأقارب # فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض PageV01P368 # نسأله تعالى العون بلطفه ورحمته # | بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر # اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه ~~رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في ~~الإيراد ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته فمن ~~المتكبرين من يجمع ذلك كله ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض فمنها ~~التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره ~~يمشي خلفه ومنها أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في ~~الدين وهو ضد التواضع ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس ~~بين يديه والتواضع خلافه ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع ~~خلافه روي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ ~~فقال الضيف أقوم إلى المصباح فأصلحه فقال ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه ~~قال أفأنبه الغلام فقال هي أول نومة نامها فقام وملأ المصباح زيتا فقال ~~الضيف قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ~~ما نقص مني شيء وخير الناس من كان عند الله متواضعا # ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وقال علي لا ينقص الرجل الكامل من ~~كماله ما حمل من شيء إلى عياله ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع ~~وعلامة المتكبر فيه حرصه على التزين للناس للشهرة والمخيلة وأما طلب التجمل ~~لذاته في غير سرف ولا مخيلة فليس من الكبر والمحبوب الوسط من اللباس الذي ~~لا ms259 يوجب شهرة بالجودة ولا بالرداءة وقد قال صلى الله عليه وسلم كلوا ~~واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة إن الله يحب أن يرى أثر ~~نعمته على عبده ومنها أن يتواضع بالاحتمال إذا PageV01P369 سب وأوذي وأخذ ~~حقه فذلك هو الأصل # وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~فينبغي أن يقتدى به ومنه ينبغي أن يتعلم # وقد قال ابن أبي سلمة قلت لأبي سعيد الخدري ما ترى فيما أحدث الناس من ~~الملبس والمشرب والمركب والمطعم فقال يا ابن أخي كل لله واشرب لله والبس ~~لله وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف ~~وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيته كان يحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ويشتري الشيء ~~من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده يصافح الغني والفقير ويسلم مبتدئا ~~على كل من استقبله من صغير أو كبير يجيب إذا دعي ولا يحقر ما دعي إليه لين ~~الخلق جميل المعاشرة طليق الوجه شديد في غير عنف متواضع في غير مذلة جواد ~~من غير سرف رقيق القلب زادت عائشة رضي الله عنها وإنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يمتلئ قط شبعا ولم يبث إلى أحد شكوى وإن كانت الفاقة لأحب إليه من ~~اليسار والغنى # فمن طلب التواضع فليقتد به صلى الله عليه وسلم ومن لم يرض لنفسه بذلك فما ~~أشد جهله فلقد كان أعظم خلق الله منصبا في الدنيا والدين فلا عز ولا رفعة ~~إلا في الاقتداء به # | بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع # اعلم أن الكبر من المهلكات وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمني بل ~~بالمعالجة وفي معالجته مقامان # أحدهما قلع شجرته من مغرسها في القلب # الثاني دفع العارض منه بالأسباب التي قد يتكبر بها PageV01P370 # | المقام الأول في استئصال اصله # علاجه علمي وعملي ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما # أما العلمي فهو أن ms260 يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر ~~فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه لا يليق به إلا التواضع وإذا عرف ~~ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله أما معرفته ربه وعظمته ~~ومجده فالقول فيه يطول وأما معرفته نفسه فهو أيضا يطول ولكنا نذكر من ذلك ~~ما ينفع في إثارة التواضع ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب الله فإن ~~في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته قال تعالى @QB@ قتل ~~الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم ~~أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره @QE@ فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان ~~وإلى آخر أمره وإلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أما أول ~~الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا وقد كان في حيز العدم دهورا وأي شيء ~~أخس من العدم ثم خلقه الله من أقذر الأشياء إذ خلقه من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما فهذا بداية وجوده فما ~~صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في إبتدائه ~~كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا ~~يبطش ولا يدرك ولا يعلم فبدأ بموته قبل حياته وبضعفه قبل قوته وبجهله قبل ~~علمه وبعماه قبل بصره وبصممه قبل سمعه وببكمه قبل نطقه وبضلاله قبل هداه ~~وبفقره قبل غناه وبعجزه قبل قدرته فهذا معنى قوله تعالى @QB@ من أي شيء ~~خلقه من نطفة خلقه فقدره @QE@ ثم امتن عليه فقال @QB@ ثم السبيل يسره @QE@ ~~وهذا إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت وإنما خلقه من التراب ~~الذليل الذي يوطأ بالأقدام والنطفة القذرة بعد عدمها ليعرف خسة ذاته فيعرف ~~بها ذاته فيعرف بها نفسه وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها ~~عظمته وجلاله وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل ms261 وعلا فمن كان هذا بدءه وهذه ~~أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء وهو على التحقيق أضعف ~~الضعفاء ولكن هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم وذلك لدلالة ~~خسة أوله ولا حول ولا قوة إلا بالله نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له ~~الوجود باختياره PageV01P371 لجاز أن يطغى وينسى المبدأ والمنتهى ولكنه سلط ~~عليه في دوام وجوده الأمراض والآفات يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى ~~فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن يذكر الشيء فينساه ~~ويريد أن ينسى الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ولا يأمن في لحظة من ليله أو ~~نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ~~ما يهواه في دنياه فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني عبد مملوك لا ~~يقدر على شيء من نفسه ولا شيء من غيره فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه وأنى ~~يليق الكبر به لولا جهله فهذا وسط أحواله فليتأمله وأما آخره فهو الموت ~~المشار إليه بقوله تعالى @QB@ ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره @QE@ ~~ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته فيعود ~~جمادا كما كان أول مرة لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته لا حس فيه ولا حركة ~~ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه ~~وتنخر عظامه ويأكل الدود أجزاءه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة ~~يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الإنتان وليته بقي كذلك ~~فما أحسنه لو ترك لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلا فيخرج من ~~قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة ~~قائمة وسماء مشققة ممزقة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة ~~وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد وجهنم تزفر وجنة ينظر ms262 إليها المجرم فيتحسر ~~ويرى صحائف منشورة فيقال له اقرأ كتابك فيقول وما هو فيقال كان قد وكل بك ~~في حياتك التي كنت تتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ~~ما تنطق به أو تعمله من قليل أو كثير وصغير وكبير قد نسيت ذلك وأحصاه الله ~~عليك فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو تساق إلى دار العذاب فينقطع قلبه ~~فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنتشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه ~~فإذا شاهده قال @QB@ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها @QE@ فهذا آخر أمره وهو معنى قوله تعالى @QB@ ثم إذا شاء أنشره ~~@QE@ فما لمن هذا حاله والتكبر والتعظم بل PageV01P372 ماله وللفرح فضلا عن ~~البطر فقد ظهر له أول حاله ووسطه ولو ظهر آخره والعياذ بالله تعالى ربما ~~اختار أن يصير مع البهائم ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا ~~فمن هذا حاله في العاقبة إلا أن يعفو الله عنه وهو على شك من العفو فكيف ~~يفرح ويبطر وكيف يتكبر ويتجبر حقا يكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة ~~وذلا فهذا هو العلاج العلمي القامع لأصل الكبر # وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على ~~أخلاق المتواضعين كما وصفناه من شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~أحوال الصالحين ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ولذلك أمر العرب ~~الذين تكبروا على الله ورسوله بالإيمان وبالصلاة جميعا وقيل الصلاة عماد ~~الدين وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عمادا ومن جملتها ما فيها من التواضع ~~بالمثول قائما وبالركوع وبالسجود وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء ~~فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه وينقطع شراك نعله فلا ينكس ~~رأسه لإصلاحه فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر ~~بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم وبه أمر سائر الخلق # | المقام الثاني فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة المتقدمة # ذكرنا في كتاب ذم الجاه أن الكمال ms263 الحقيقي هو العلم والعمل فأما ما عداه ~~مما يفنى بالموت فكمال وهمي ونحن نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في جميع ~~أسبابه السبعة # الأول النسب فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أن هذا ~~جهل من حيث أنه تعزز بكمال غيره ومن كان خسيسا فمن أين تجبر خسته بكمال ~~غيره وبمعرفة نسبه الحقيقي أعني أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة وجده ~~البعيد تراب وقد عرف الله تعالى نسبه فقال @QB@ وبدأ خلق الإنسان من طين ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين @QE@ فإذا كان أصله من التراب وفصله من ~~النطفة فمن أين تأتيه الرفعة فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان ومن عرفه لا ~~يتكبر بالنسب PageV01P373 # الثاني الكبر بالجمال ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ولا ينظر إلى ~~الظاهر نظر البهائم ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه ~~بالجمال إذ خلق من أقذار ووكل به في جميع أجزائه الأقذار وسيموت فيصير جيفة ~~أقذر من سائر الأقذار وجماله لا بقاء له بل هو في كل حين يتصور أن يزول ~~بمرض أو سبب من الأسباب فكم من وجوه جميلة قد سمحت بهذه الأسباب فمعرفة ذلك ~~تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها # الثالث الكبر بالقوة ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط الله عليه من العلل ~~والأمراض وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز أو أن شوكة لو ~~دخلت في رجله لأعجزته وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة فمن لا ~~يطيق شوكة ولا يقاوم بقة فلا ينبغي أن يفتخر بقوته ثم إن قوي الإنسان فلا ~~يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل وأي افتخار في صفة يسبقك بها ~~البهائم # السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار ~~والتكبر بالمناصب والولايات وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات الإنسان وهذا ~~أقبح أنواع الكبر فلو ذهب ماله أو احترقت داره ms264 لعاد ذليلا وكم في اليهود من ~~يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل فأف لشرف يسبقه به يهودي أو يأخذه سارق ~~في لحظة فيعود ذليلا مفلسا # السادس الكبر بالعلم وهو أعظم الآفات وعلاجه بأمرين # أحدهما أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد وأنه يحتمل من الجاهل ما ~~لا يحتمل عشره من العالم فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش ~~وخطره أعظم # ثانيهما أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده وأنه إذا تكبر ~~صار ممقوتا عند الله بغيضا فهذا مما يزيل التكبر ويبعث على التواضع وإذا ~~دعته نفسه للتكبر على فاسق أو مبتدع فليتذكر ما سبق من ذنوبه وخطاياه لتصغر ~~نفسه في عينه وليلاحظ إبهام عاقبته وعاقبة الآخر فلعله يختم له بالسوء ~~ولذاك بالحسنى حتى يشغله الخوف عن التكبر عليه ولا يمنعه ترك التكبر عليه ~~أن يكرهه ويغضب لفسقه بل يبغضه ويغضب لربه إذ أمره أن يغضب عليه من غير ~~تكبر عليه # السابع التكبر بالورع والعبادة وذلك فتنة عظيمة على العباد وسبيله أن ~~يلزم قلبه التواضع لسائر العباد قال وهب بن منبه ما تم عقل عبد حتى ~~PageV01P374 يكون فيه خصال وعد منها خصلة قال بها ساد مجده وبها علا ذكره ~~أن يرى الناس كلهم خيرا منه وإنما الناس عنده فرقتان فرقة هي أفضل منه ~~وأرفع وفرقة هي شر منه وأدنى فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه وإن رأى من ~~هو خير منه سره ذلك وتمنى أن يلحق به وإن رأى من هو شر منه قال لعل هذا ~~ينجو وأهلك أنا فلا تراه إلا خائفا من العاقبة ويقول لعل بر هذا باطن فذلك ~~خير له ولا أدري لعل فيه خلقا كريما بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ~~ويختم له بأحسن الأعمال وبري ظاهر فذلك شر لي فلا يأمن فيما أظهره من ~~الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها قال فحينئذ كمل عقله وساد أهل زمانه # والذي يدل على فضيلة هذا الإشفاق قوله تعالى @QB@ يؤتون ما ms265 آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون @QE@ أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من ~~قبولها وقال تعالى @QB@ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين @QE@ وقد وصف الله تعالى الملائكة عليهم ~~السلام مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم على العبادات بالدؤوب على الإشفاق ~~فقال تعالى مخبرا عنهم @QB@ يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ @QB@ وهم ~~من خشيته مشفقون @QE@ فمتى زال الإشفاق والحذر غلب الأمن من مكر الله وذلك ~~يوجب الكبر وهو سبب الهلاك فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك والتواضع دليل ~~الخوف وهو مسعد # فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار الخلق أكثر مما يصلحه بظاهر ~~الأعمال # فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب إلا أن النفس بعد هذه المعرفة قد ~~تضمر التواضع وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة فإذا وقعت الواقعة عادت إلى ~~PageV01P375 طبعها فعن هذا لا ينبغي أن يكتفى في المداواة بمجرد المعرفة بل ~~ينبغي أن تكمل بالعمل وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من ~~النفس وبيانه أن يمتحن النفس بالامتحانات الدالة على استخراج ما في الباطن ~~والامتحانات كثيرة فمنها وهو أولها أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه ~~فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والشكر ~~له على تنبيهه فذلك يدل على أن فيه كبرا دفينا فليتق الله فيه ويشتغل ~~بعلاجه أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه وخطر عاقبته وأن الكبر لا ~~يليق إلا بالله تعالى وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف ~~بالحق وأن يطلق اللسان بالحمد والثناء ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على ~~الاستفادة ويقول ما أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا كما ~~نبهتني له فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها فإذا ~~واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعا وسقط ثقل الحق عن قلبه وطاب له ~~قبوله ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه ms266 بما فيهم ففيه كبر # الامتحان الثاني أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على ~~نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم فإن ثقل ذلك عليه فهو متكبر ~~فليواظب عليه تكلفا حتى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر # وههنا للشيطان مكيدة وهو أن يجلس في صف النعال أو يجلس بينه وبين الأقران ~~بعض الأرذال فيظن أن ذلك تواضع وهو عين الكبر فإن ذلك يخف على نفوس ~~المتكبرين إذ يوهمون أنهم تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد تكبر ~~بإظهار التواضع أيضا بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس بجنبهم ولا ينحط عنهم ~~إلى صف النعال فذلك هو الذي يخرج خبث الكبر من الباطن # الامتحان الثالث أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء ~~والأقارب فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر فإن هذه الأفعال من مكارم الأخلاق ~~والثواب عليها جزيل فنفور النفس عنها ليس إلا لخبث في الباطن فليشتغل ~~بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف التي تزيل داء ~~الكبر # الامتحان الرابع أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى ~~البيت فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء # وكل ذلك من أمراض القلوب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك وقد أهمل ~~PageV01P376 الناس طب القلوب واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب ~~عليها الموت لا محالة والقلوب لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى ~~@QB@ إلا من أتى الله بقلب سليم @QE@ # | بيان غاية الرياضة في خلق التواضع # اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان ووسط فطرفه الذي يميل إلى ~~الزيادة يسمى تكبرا وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسسا ومذلة والوسط ~~يسمى تواضعا والمحمود أن يتواضع في غير مذلة وتخاسس فإن # ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم % ) # وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر ومن ~~يتأخر عنهم فهو متواضع أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه والعالم إذا دخل ~~عليه دنيء فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم وسوى ms267 له نعله وغدا إلى باب ~~الدار خلفه فقد تخاسس وتذلل وهو أيضا غير محمود بل المحمود عند الله العدل ~~وهو أن يعطي كل ذي حق حقه فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من ~~درجته فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال ~~وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك وأن لا يرى نفسه خيرا منه فلا ~~يحتقره ولا يستصغره وهو لا يعرف خاتمة أمره # | بيان ذم العجب وآفاته # اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~قال تعالى @QB@ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا @QE@ ذكر ~~ذلك في معرض الإنكار وقال عز وجل @QB@ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا @QE@ فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم ~~وشوكتهم وقال PageV01P377 تعالى @QB@ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ ~~وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل وقد يعجب الإنسان بعمل هو مخطئ فيه كما ~~يعجب بعمل هو مصيب فيه وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى ~~متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال ابن مسعود الهلاك في اثنتين القنوط والعجب ~~وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر ~~والقانط لا يسعى ولا يطلب والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا ~~يسعى وقد قال تعالى @QB@ فلا تزكوا أنفسكم @QE@ أي لا تعتقدوا أنها بارة ~~وقال تعالى @QB@ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى @QE@ والمن نتيجة استعظام ~~الصدقة واستعظام العمل هو العجب # | بيان آفة العجب # اعلم أن آفات العجب كثيرة فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه ~~فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى هذا مع ~~العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ~~ذنوبه لا يذكرها لظنه أنه مستغن عن تفقدها وما يتذكره منها فيستصغره فلا ~~يجتهد في إزالته بل يظن أنه يغفر له وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ~~ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه ms268 بالتوفيق والتمكين منها ثم إذا ~~أعجب بها عمي عن آفاتها وذلك أن المعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله ~~وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي هي ~~نعمة من نعمه ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها وإن أعجب ~~برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن PageV01P378 الاستشارة والسؤال ~~فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه وربما يعجب بالرأي ~~الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه ~~ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على ~~خطاياه # فهذا وأمثاله من آفات العجب فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن ~~يغتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه وقد استغنى وهو الهلاك الصريح نسأل ~~الله العظيم حسن التوفيق لطاعته # | بيان علاج العجب على الجملة # اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه ~~المعرفة المضادة لذلك الجهل وذلك أن المعجب بجماله أو قوته أو نسبه وما لا ~~يدخل تحت اختياره إنما يعجب بما ليس إليه لأن كل ذلك من فضل الله وإنما هو ~~محل لفيضان جوده تعالى فله الشكر والمنة لا لك إذ أفاض على عبده ما لا ~~يستحق وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فإذن منشأ العجب بذلك هو ~~الجهل وإزالة ذلك بالعلم المحقق بأن العبد وعمله وأوصافه كلها من عند الله ~~تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق وهذا ينفي العجب والإدلال ويورث ~~الخضوع والشكر والخوف من زوال النعمة قال الله تعالى @QB@ ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا @QE@ قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه وهو خير الناس ما منكم من أحد ينجيه عمله قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ومهما غلب الخوف على القلب ~~شغله خشية سلب هذه النعمة عن الإعجاب بها وأنى لذي ms269 بصيرة أن يعجب بعمله ولا ~~يخاف على نفسه فإذن هذا هو العلاج القامع لمادة العجب من القلب PageV01P379 # | بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه # اعلم أن مجموع ما به العجب ثمانية أقسام # الأول أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته وقوته وحسن صوته وينسى أنه ~~نعمة من الله تعالى وهو بعرضة الزوال في كل حال وعلاجه التفكر في أقذار ~~باطنه في أول أمره وفي آخره وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة كيف تمزقت ~~في التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع # الثاني البطش والقوة كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم ~~@QB@ من أشد منا قوة @QE@ وعلاجه أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته وأنه إذا ~~أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه # الثالث العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين ~~والدنيا وثمرته الاستبداد بالرأي وترك المشورة واستجهال الناس المخالفين له ~~ولرأيه ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي ~~والعقل وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ويتفكر أنه بأدنى ~~مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه فلا يأمن أن يسلب عقله إن ~~أعجب به ولم يقم بشكره ويستقصر علمه وعقله وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا ~~قليلا وإن اتسع علمه وأن ما جهله مما عرفه الناس أكثر مما عرفه فكيف بما لم ~~يعرفه الناس من علم الله تعالى وأن يتهم عقله وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون ~~بعقولهم ويضحك الناس منهم فيحذر أن يكون منهم وهو لا يدري فإن القاصر العقل ~~لا يعلم قصور عقله فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه ومن ~~أعدائه لا من أصدقائه فإن من يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا وهو لا يظن ~~بنفسه إلا الخير ولا يفطن لجهل نفسه فيزداد به عجبا # الرابع العجب بالنسب الشريف حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة ~~آبائه وأنه مغفور له وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه ms270 في أفعالهم ~~وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم ~~العجب بل الخوف ومذمة النفس ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال الحميدة لا ~~بالنسب فليشرف بما شرفوا به ولذلك قال تعالى @QB@ يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى @QE@ PageV01P380 أي لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم ~~في اصل واحد ثم ذكر فائدة النسب فقال @QB@ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~@QE@ ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال @QB@ إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية أي ~~كبرها كلكم بنو آدم وآدم من تراب ولما نزل قوله تعالى @QB@ وأنذر عشيرتك ~~الأقربين @QE@ ناداهم بطنا بعد بطن حتى قال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت ~~عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعملا لأنفسكما فإني لا أغني ~~عنكما من الله شيئا فبين أنهم إذا مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش فمن ~~عرف هذه الأمور وعلم أن شرفه بقدر تقواه وقد كان من عادة آبائه التواضع ~~اقتدى بهم في التقوى والتواضع وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما ~~انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق # الخامس العجب بنسب الأمراء وأعوانهم دون نسب العلم والدين وهذا غاية ~~الجهل وعلاجه أن يتفكر في منكراتهم وما جروا على الناس من المحظورات فيشكر ~~الله أن عصمه من تبعاتهم # السادس العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب كما قال ~~الكفار @QB@ نحن أكثر أموالا وأولادا @QE@ وكما قال المؤمنون يوم حنين لا ~~نغلب اليوم من قلة وعلاجه ما ذكرناه في الكبر وهو أن يتفكر في ضعفه وضعفهم ~~وأن كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ثم كيف يعجب وهم سيفارقونه ~~إذا مات ودفن وحده ذليلا مهانا ويسلمونه إلى البلى والحيات والعقارب ولا ~~يغنون عنه PageV01P381 شيئا ويهربون منه يوم القيامة @QB@ يوم يفر المرء من ~~أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه @QE@ فكيف تعجب بمن يفارقك في أشد أحوالك ~~ويهرب منك وكيف تتكل على ms271 من لا ينفعك وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك # السابع العجب بالمال كما أخبر تعالى عن ذاك الكافر إذ قال @QB@ أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا @QE@ وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه وإلى ~~أن في اليهود من يزيد عليه في المال وينظر إلى فضيلة الفقراء وخفة حسابهم ~~وكيف يتصور من المؤمن أن يعجب بماله ولا يخلو من تقصير في القيام بحقوق ~~المال من أخذه من حله ووضعه في حقه وأن مآل المتهور في الجمع والمنع إلى ~~الخزي والبوار # الثامن العجب بالرأي الخطأ قال تعالى @QB@ أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا @QE@ وقال تعالى @QB@ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا @QE@ وقد أخبر رسول ~~الله صلوات الله عليه أن بذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا وكل معجب ~~برأيه @QB@ كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ وعلاجه أن يتهم رأيه أبدا فلا يغتر ~~به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقل صحيح جامع لشروط الأدلة ~~ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة ~~تامة وعقل ثاقب وجد وتشمير في الطلب وممارسة للكتاب والسنة ومجالسة لأهل ~~العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور ~~والصواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب بل ~~يشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين نسأله ~~تعالى العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال PageV01P382 # | كتاب ذم الغرور # إن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة والمغرور ~~هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا وبقي في العمى فاتخذ ~~الهوى قائدا والشيطان دليلا ولما كان الغرور أم الشقاوات ومنبع الهلكات لزم ~~شرح مداخله ومجاريه وتفصيل ما يكثر وقوع الغرور فيه ليحذره المريد بعد ~~معرفته فيتقيه فالموفق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد فأخذ منها ~~حذره وبنى على الحزم والبصيرة أمره # | بيان ذم الغرور وحقيقته # اعلم أن قوله تعالى @QB@ فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ms272 يغرنكم بالله ~~الغرور @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم ~~الأماني @QE@ الآية كاف في ذم الغرور وقال صلى الله عليه وسلم الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة ~~من الشيطان فمن اعتقد أنه على PageV01P383 خير إما في العاجل أو في الآجل ~~عن شبهة فاسدة فهو مغرور وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه ~~فأكثر الناس إذن مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم # وأشد الغرور غرور الكفار وغرور العصاة والفساق فأما غرور الكفار فقد أشير ~~إليه في قوله تعالى @QB@ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون @QE@ وعلاج هذا الغرور إما التصديق ~~بالإيمان وإما بالبرهان أما التصديق بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله تعالى ~~في قوله @QB@ ما عندكم ينفد وما عند الله باق @QE@ وفي قوله عز وجل @QB@ ~~وما عند الله خير @QE@ وقوله @QB@ والآخرة خير وأبقى @QE@ وقوله @QB@ فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا @QE@ وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~طوائف من الكفار فصدقوه وآمنوا به ولم يطالبوه بالبرهان ومنهم من قال نشدتك ~~الله أبعثك الله رسولا فكان يقول نعم فيصدق هذا إيمان العامة وهو يخرج من ~~الغرور # وأما المعرفة بالبيان والبرهان فأن تعرف فساد ما وسوس به الشيطان من ~~الغرور بالتبصر في دعوى الأنبياء والعلماء وتصديقهم فإنه أيضا يزيل الغرور ~~وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص ومثالهم مريض لا يعرف دواء علته وقد ~~اتفق الأطباء وأهل الصناعة من عند آخرهم على أن دواءه النبت الفلاني فإنه ~~تطمئن نفس المريض إلى تصديقهم ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطبية بل ~~يثق بقولهم ويعمل به ولو بقي معتوه يكذبهم في ذلك وهو يعلم بالتواتر وقرائن ~~الأحوال أنهم أكثر منه عددا وأغزر منه فضلا وأعلم منه بالطب بل لا علم له ~~بالطب فيعلم كذبه PageV01P384 بقولهم ولا يعتقد كذبهم بقوله ولا يغتر في ~~علمه بسببه ولو اعتمد ms273 قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا فكذلك من ~~نظر إلى المقرين بالآخرة والمخبرين عنها والقائلين بأن التقوى هي الدواء ~~النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق الله وأعلاهم رتبة في البصيرة ~~والمعرفة والعقل وهم الأنبياء والحكماء والعلماء واتبعهم علية الخلق على ~~أصنافهم وشذ منهم آحاد ممن غلبت عليهم الشهوة ومالت نفوسهم إلى التمتع فعظم ~~عليهم ترك الشهوات وعظم عليهم الاعتراف بأنهم من أهل النار فجحدوا الآخرة ~~وكذبوا الأنبياء فكما أن قول الصبي والمعتوه لا يزيل طمأنينة القلب إلى ما ~~اتفق عليه الأطباء فكذلك قول هذا الغبي الذي استرقته الشهوات لا يشكك في ~~صحة أقوال الأنبياء والعلماء وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق وهو ~~يقين جازم يستحث على العمل لا محالة والغرور يزول به # وأما غرور العصاة من المسلمين فبقولهم إن الله كريم وإنا نرجو عفوه ~~واتكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم ~~رجاء وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين وأن نعمة الله واسعة ورحمته ~~شاملة وكرمه عميم وأين معاصي العباد في بحار كرمه وإنا موحدون فنرجوه ~~بوسيلة الإيمان وربما كان مستدرجاتهم التمسك بصلاح الآباء وعلو رتبتهم ~~كاغترار العلوية بنسبهم ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف والتقوى والورع وظنهم ~~أنهم أكرم على الله من آبائهم إذ آباؤهم مع غاية الورع والتقوى كانوا ~~خائفين وهم مع غاية الفسق والفجور آمنون وذلك نهاية الاغترار بالله تعالى ~~أينسى المغرور أن نوحا عليه السلام أراد أن يستصحب ولده معه في السفينة فلم ~~يرد فكان من المغرقين @QB@ فقال رب إن ابني من أهلي @QE@ فقال تعالى @QB@ ~~يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح @QE@ وأن إبراهيم عليه السلام ~~استغفر لأبيه فلم ينفعه ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل ~~أبيه ويروى بشرب أبيه ويصير عالما بعلم أبيه ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي ~~أبيه فالتقوى فرض عين فلا يجزي فيه والد عن ولده شيئا وكذا العكس # | بيان الغلط في تسمية التمني والغرور رجاء # فإن قلت فأين ms274 الغلط في قول العصاة والفجار إن الله كريم وإنا نرجو رحمته ~~PageV01P385 ومغفرته وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فالجواب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كشف عن ذلك فقال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق ~~من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وهذا هو التمني على الله تعالى ~~غير الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى خدع به الجهال وقد شرح الله الرجاء فقال ~~@QB@ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله @QE@ يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء ~~على الأعمال قال الله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة @QE@ أفترى أن من استؤجر على إصلاح ~~أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف ~~بل يزيد فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجر ويزعم ~~أن المستأجر كريم افتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا أو راجيا وهذا ~~للفرق بين الرجاء والغرة قيل للحسن قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل ~~فقال هيهات هيهات تلك أمانيهم يترجحون فيها من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا ~~هرب منه # وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا وهو بعد لم ينكح فهو معتوه فكذلك من ~~رجا رحمة الله ولم يعمل صالحا ولم يترك المعاصي فهو مغرور فكما أنه إذا نكح ~~بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن ~~الرحم وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات وترك ~~السيئات وبقي مترددا بين الخوف والرجاء يخاف أن لا يقبل منه ويرجو أن يثبته ~~حتى يموت على التوحيد ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا ~~يميل إلى المعاصي فهو كيس ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله @QB@ وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا @QE@ PageV01P386 # | موضع الرجاء المحمود # فإن قلت فأين موضع الرجاء المحمود فاعلم أنه محمود في ms275 موضعين # أحدهما في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان وأنى ~~تقبل توبتك فيقنطه من رحمة الله تعالى فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ~~ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده وأن ~~التوبة طاعة تكفر الذنوب قال تعالى @QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى @QE@ فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج وإن توقع المغفرة ~~مع الإصرار فهو مغرور # الثاني أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجى نفسه ~~نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة ~~فيقبل على الفضائل ويتذكر قوله تعالى @QB@ قد أفلح المؤمنون الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون @QE@ الآيات # فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة والرجاء الثاني يقمع الفتور ~~المانع من النشاط والتشمر فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو ~~رجاء وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة كما إذا ~~خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل ففتره الشيطان عن التوبة والعبادة وقال ~~له لك رب كريم فهذا غرة وعند هذا يجب أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله ~~وعظيم عقابه ويقول إنه مع انه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وإنه مع ~~أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد وقد خوفني عقابه فكيف لا أخافه ~~وكيف أغتر به # فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل فما لا يبعث على ~~العمل فهو تمن وغرور ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على ~~الدنيا وسبب إعراضهم عن الله تعالى وإهمالهم السعي للآخرة فذلك غرور وقد ~~كان السلف يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات ويبكون على أنفسهم ~~في الخلوات وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين غير خائفين مع إكبابهم على ~~المعاصي وإنهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى زاعمين أنهم واثقون ~~PageV01P387 بكرم الله وعفوه كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم ~~يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف ms276 الصالحون فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى ~~وينال بالهوينا فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم وقد قال تعالى @QB@ ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان @QE@ @QB@ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ ~~والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ~~ويعظم خوفه إن كان مؤمنا # | بيان بعض أصناف المغترين # فمنهم فرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها ~~عن المعاصي واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذب مثلهم ولو ~~نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم إنما يراد لمعرفة الحلال والحرام ~~ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها فهي ~~علوم لا تراد إلا للعمل وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل وقد ورد ~~فيمن لا يعمل بعلمه ما فيه أشد الترهيب كقوله تعالى @QB@ مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا @QE@ فأي خزي أعظم من ~~التمثيل بالحمار # وفرقة أخرى أحكموا العلم والعمل فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا ~~المعاصي إلا أنهم لم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات الذميمة من الكبر ~~والحسد والرياء وطلب العلا وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة في ~~البلاد والعباد فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا بواطنهم ونسوا قوله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى ~~قلوبكم وأعمالكم فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب والقلب هو الأصل إذ لا ~~ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم ومثال هؤلاء قبور الموتى ظاهرها مزين ~~وباطنها جيفة PageV01P388 # وفرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات ~~الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد وخصصوا اسم الفقه بها وربما ~~ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح كاللسان عن ~~الغيبة ولا البطن عن الحرام ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء ~~وسائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين من حيث العمل ومن حيث العلم # أما من العمل فقد قدمنا أولا وجه الغرور فيه ومثالهم مثال المريض إذا ~~تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكرارها وتعليمها ms277 المرضى ولم يشتغل بشربها ~~واستعمالها أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا هيهات هيهات فلا بد من شربه ~~وصبره على مرارته على أنه بعد على خطر من شفائه # وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم المعاملات وظن أنه علم الدين ~~وترك علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما طعن في ~~المحدثين وقال إنهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون وترك أيضا علم تهذيب ~~الأخلاق وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته وهو الذي يورث الخوف ~~والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى فإن الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته ~~المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال تعالى @QB@ ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم # وفرقة اشتغلوا بالوعظ والتذكير والتكلم في أخلاق النفس والزهد والإخلاص ~~وهم مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها ~~فقد صاروا موصوفين بها وهم منفكون عنها عند الله لحرصهم على السمعة وحسدهم ~~لمن يتقدمهم من أقرانهم وغيظهم على من يثني على معاصريهم وجمعهم لحطام ~~الدنيا فهؤلاء أعظم الناس غرة # وفرقة منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا فهم يحفظون ~~الكلمات ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها ولو في الأسواق مع الجلساء وكل ~~منهم يظن أنه إذا حفظ كلام الزهاد فقد أفلح ونال الغرض وصار مغفورا له من ~~غير أن يحفظ باطنه عن الآثام وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم ~~PageV01P389 # وفرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا به وزعموا ~~أنهم قد غفر لهم وأنهم من علماء الأمة فأفنوا أعمارهم في ذلك وأعرضوا عن ~~معرفة معاني الشريعة والعمل بها كمن ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في ~~القرآن واقتصر عليه وهو غرور إذ المقصود من الحروف المعاني وإنما الحروف ~~أدوات فاللب هو العمل والذي فوقه كالقشر للعمل فالقانعون به مغترون إلا من ~~اتخذه منزلا فلم ms278 يعرج عليه إلا بقدر حاجته فتجاوزه حتى وصل إلى لباب العمل ~~فحمل نفسه عليه فصفاها من الشوائب والآفات # | غرور أرباب العبادة وهم فرق عديدة # منهم فرقة تعمقوا حتى خرجوا إلى العدوان والسرف كالذي يغلب عليه الوسوسة ~~في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى المحكوم بطهارته في الشرع ويقدر الاحتمالات ~~البعيدة قريبة في النجاسة ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان ~~أشبه بسيرة الصحابة إذ توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية مع ظهور ~~احتمال النجاسة وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة من الوقوع في ~~الحرام # ومنهم فرقة غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد ~~نية صحيحة على زعمه وقد يوسوسون في التكبير حتى قد يغيرون صيغة التكبير ~~لشدة الاحتياط فيه على زعمهم يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون في جميع ~~الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم على خير عند ربهم # وفرقة تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من ~~مخارجها فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح ~~المخارج في جميع صلاته لا يهمه غيره ذاهلا عن معنى القرآن والاتعاظ به وصرف ~~الفهم إلى أسراره وهذا من أقبح أنواع الغرور فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة ~~القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام ومثال هؤلاء ~~مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان وأمر أن يؤديها على وجهها فأخذ يؤدي ~~الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى وهو في ذلك ~~غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس فما أحراه بأن يقام عليه ~~التأديب ويحكم عليه بفقد العقل PageV01P390 # وفرقة اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم والليلة ~~مرة ولسان أحدهم يجري وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر في معاني ~~القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ويقف عند أوامره ونواهيه ويعتبر ~~بمواضع الاعتبار فيه فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به ~~مع الغفلة ms279 عنه ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا وأشار عليه فيه ~~بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه ~~فهو مستمر على خلاف ما أمره به مولاه إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل ~~يوم مائة مرة فهو مستحق للعقوبة ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور ~~نعم تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى بل لحفظه وحفظه يراد لمعناه ومعناه يراد ~~للعمل به والانتفاع بمعانيه وقد يكون له صوت طيب فهو يقرؤه ويلتذ به ويغتر ~~باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه وإنما هي لذته في ~~صوته فليتفقد قلبه وليخش ربه # وفرقة اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو الأيام الشريفة وهم فيها لا ~~يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبواطنهم عن الحرام عند ~~الإفطار وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار وهو مع ذلك يظن ~~بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه وذلك غاية الغرور # وفرقة اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء ~~الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة ~~الإسلام ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض ولا يحذرون من الرفث والخصام ثم ~~يحضر البيت بقلب ملوث بذميم الأخلاق لم يقدم تطهيره على حضوره وهو مع ذلك ~~يظن أنه على خير من ربه فهو مغرور # وفرقة جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بذلك ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ~~ظاهرهم وباطنهم فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه إن فلانا ~~مجاور بمكة وتراه يقول قد جاورت بمكة كذا وكذا سنة ثم إنه قد يجاور ويمد ~~عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس ويظهر فيه الرياء وجملة من المهلكات كان ~~عنها بمعزل لو ترك المجاورة ولكن حب المحمدة وأن يقال إنه من المجاورين ~~ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل فهو أيضا مغرور PageV01P391 # وفرقة زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ومن المسكن بالمساجد ~~أو المدارس وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد وهو مع ms280 ذلك راغب بالرياسة والجاه ~~إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم ~~المهلكين فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى ~~الدنيا ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون ~~منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق وقد يؤثر الخلوة ~~والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الناس وينظر إليهم بعين ~~الاستحقار ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وربما يعطى المال فلا ~~يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده فهو راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب ~~الدنيا ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو مغرور ومع ذلك فربما لا يخلو عن ~~توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء والميل إلى المريدين له والمثنين عليه ~~والنفرة عن المائلين إلى غيره وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله ~~منه # وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح ولا يخطر له مراعاة القلب ~~وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات ويتوهم أنه مغفور ~~له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ بأحوال القلب وقد يظن أن العبادات الظاهرة ~~تترجح بها كفة حسناته وهيهات وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس ~~أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح ثم لا يخلو هذا المغرور من سوء خلقه مع ~~الناس وخشونته وتلوث باطنه بالرياء وحب الثناء فإذا قيل له أنت من أوتاد ~~الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وظن أن تزكية الناس ~~له دليل على كونه مرضيا عند الله ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه # وفرقة حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ترى أحدهم يفرح بصلاة ~~الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولا يجد للفريضة لذة ولا يشتد حرصه ~~على المبادرة بها في أول الوقت وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ~~عن ربه ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم PageV01P392 # | غرور المتصوفة وهم فرق كثيرة ms281 # ففرقة منهم اغتروا بالزي والهيئة والمنطق فيجلسون على السجادات مع إطراق ~~الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر وفي تنفس الصعداء وفي خفض الصوت في الحديث ~~ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن ~~والظاهر من الآثام الخفية والجلية وكل ذلك من أوائل منازل التصوف مع أنهم ~~لم يحوموا قط حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها # وفرقة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال ~~والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ولا يعرف هذه الأمور إلا ~~بالأسامي والألفاظ لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ويظن أن ~~ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين ~~والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام حتى إن الفلاح ~~ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم ويتلقف منهم تلك الكلمات ~~المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ويستحقر بذلك ~~جميع العباد والعلماء ويقول إنهم عن الله محجوبون ويدعي لنفسه الوصول إلى ~~الحق وأنه من المقربين وهو عند الله من المنافقين وعند أرباب القلوب من ~~الحمقى الجاهلين لم يحكم قط علما ولم يهذب خلقا ولم يرتب عملا ولم يراقب ~~قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه # وفرقة وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسووا بين الحلال ~~والحرام فبعضهم يقول إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي وبعضهم يقول ~~الأعمال بالجوارح ولا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب وقلوبنا والهة بحب ~~الله وواصلة إلى معرفة الله وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا وقلوبنا عاكفة ~~في الحضرة الربوبية فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ويزعمون أنهم قد ~~ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية وأن ~~الشهوات لا تصدهم عن طريق الله لقلوبهم فيها وكل هذا من وساوس يخدعهم ~~الشيطان بها والإباحية من الكفار المارقين نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين # وفرقة ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة فتصدوا لخدمة الصوفية فجمعوا ~~قوما وتكلفوا بخدمتهم واتخذوا ذلك شبكة للرياسة وجمع المال فيجمعون من ~~الحرام والشبهات ms282 وينفقون عليهم لتكثر أتباعهم وينتشر بالخدمة اسمهم وما ~~باعثهم إلا الرياء والسمعة PageV01P393 # وثمة فرق أخر لا يحصى غرورها والغرض من ذلك التنبيه على أمثلة تعرف ~~الأجناس دون الاستيعاب فإن ذلك يطول # | غرور أرباب الأموال # والمغترون منهم فرق ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد وما يظهر للناس ~~ليتخلد ذكرهم أو يذيع صيتهم وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك وقد ~~يكون بناؤها من جهات محظورة تعرضوا لسخط الله في كسبها وكان الواجب ردها ~~إلى ملاكها إما بأعيانها وإما رد بدلها عند العجز وقد يكون الأهم التفرقة ~~على المساكين وهم لا يفعلون ذلك خيفة أن لا يظهر ذلك للناس فيكون غرضهم في ~~البناء الرياء وجلب الثناء مع أن صرف المال إلى من في جواره أو بلده من ~~فقراء وأيتام أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى المساجد وزينتها فما خف عليهم ~~الصرف إلى المساجد إلا ليظهر ذلك بين الناس وهناك محظور آخر وهو أنه قد ~~يصرف المال إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش المنهي عنها لشغلها قلوب ~~المصلين والمقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب وذلك يفسد قلوب المصلين ~~فوبال ذلك كله يرجع إليه وهو مع ذلك يغتر به ويرى أنه من الخيرات مع أنه ~~تعرض لما لا يرضي الله تعالى # وفرقة ينفقون الأموال في الصدقات على المساكين ويطلبون به المحافل ~~الجامعة ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف ويكرهون التصدق في السر ~~ويرون إخفاء الفقير لما يأخذه منهم جناية عليهم وكفرانا وربما يحرصون على ~~إنفاق المال في الحج فيحجون مرة بعد أخرى وربما تركوا جيرانهم جياعا ولذلك ~~قال ابن مسعود في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب يهون عليهم السفر ويبسط ~~لهم في الرزق ويرجعون محرومين مسلوبين يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال ~~والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه وقال أبو نصر التمار إن رجلا جاء ~~يودع بشر بن الحارث وقال قد عزمت على الحج فتأمرني بشيء فقال له كم أعددت ~~للنفقة فقال ألفي درهم قال بشر فأي شيء تبتغي لحجتك تزهدا أو اشتياقا ms283 إلى ~~البيت أو ابتغاء مرضاة الله قال ابتغاء مرضاة الله PageV01P394 قال فإن ~~اصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من ~~مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك قال نعم قال اذهب فأعطها عشرة أنفس مديون يقضي ~~دينه وفقير يرم شعثه ومعيل يحيي عياله ومربي يتيم يفرحه وإن قوي قلبك ~~تعطيها واحدا فافعل فإن إدخالك السرور على قلب مسلم وإغاثة اللهفان وكشف ~~الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما ~~أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم ~~بشر رحمه الله تعالى وأقبل عليه وقال له المال إذا جمع من وسخ التجارات ~~والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى ~~الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين # وفرقة من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البخل ~~ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار ~~وقيام الليل وختم القرآن وهم مغرورون لأن البخل المهلك قد استولى على ~~بواطنهم فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال فقد اشتغل بطلب فضائل وهو مستغن ~~عنها ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول بطبخ ~~دواء يسكن به الصفراء ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى دواء ولذلك قيل لبشر ~~إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره ~~وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من ~~تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء # وفرقة غلبهم البخل فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط ثم إنهم يخرجون ~~من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ~~ويتردد في حاجاتهم أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة أو من ~~لهم فيه على الجملة غرض أو يسلمون إلى من يعينه واحد من الأكابر ممن يستظهر ~~بحشمه لينال بذلك ms284 عنده منزلة فيقوم بحاجاته وكل ذلك مفسدات للنية ومحبطات ~~للعمل وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع لله تعالى وهو فاجر إذ طلب بعبادة الله ~~عوضا من غيره وغرور أصحاب الأموال لا يحصى وإنما ذكرنا هذا القدر للتنبيه ~~على أجناس الغرور PageV01P395 # وفرقة أخرى من عوام أرباب الأموال اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ~~ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ ~~دون العمل والاتعاظ أجرا وهم مغرورون لأن فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا في ~~الخير فإن لم يهيج الرغبة فلا خير فيه والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل ~~فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها وما يراد لغيره فإذا قصر عن ~~الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ وتدخله ~~رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن ~~يصفق بيديه ويقول يا سلام سلم أو نعوذ بالله أو سبحان الله ويظن أنه قد أتى ~~بالخير كله وهو مغرور وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء ~~فيسمع ما يجري أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ~~ثم ينصرف وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا فكذلك سماع وصف الطاعات دون ~~العمل بها لا يغني من الله شيئا فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير ~~أفعالك حتى تقبل على الله تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا فذلك ~~الوعظ زيادة حجة عليك فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا # فإن قلت ما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يمكن الاحتراز منه إذ لا يقوى ~~أحد على الحذر من خفايا هذه الآفات قلت الإنسان إذا فترت همته في شيء أظهر ~~اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل ~~واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض حتى أن الإنسان إذا ~~أراد أن يستنزل الطير المحلق في جو السماء مع بعده منه استنزله وإذا أراد ms285 ~~أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها إلى غير ذلك من دقائق ~~حيل الآدمي كل ذلك لأن همه أمر دنياه فلو أهمه أمر آخرته فليس عليه إلا شغل ~~واحد وهو تقويم قلبه ولما تخاذل عن تقويم قلبه ظنه محالا وليس ذلك بمحال ~~لأنه شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ومن اتبعهم بإحسان فلا يعجز عنه أيضا ~~من صدقت إرادته وقويت همته بل لا يحتاج إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل ~~الدنيا ونظم أسبابها # فإن قلت قد قربت الأمر فيه مع أنك أكثرت في ذكر مداخل الغرور فبم ينجو ~~العبد من الغرور فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور بالعقل والعلم والمعرفة ~~فهذه ثلاثة أمور لا بد منها PageV01P396 # أما العقل فأعني به الفطرة الغريزية والنور الأصلي الذي به يدرك الإنسان ~~حقائق الأشياء لأن أساس السعادات كلها العقل والكياسة # وأما المعرفة فأن يعرف نفسه وربه ويعرف الدنيا والآخرة فإذا عرف ذلك ثار ~~من قلبه بمعرفة الله حب الله وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها وبمعرفة ~~الدنيا الرغبة عنها ويصير أهم أموره ما يوصله إلى الله تعالى وينفعه في ~~الآخرة وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في الأمور كلها واندفع عنه ~~كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدنيا والجاه والمال وما دامت ~~الدنيا أحب إليه من الآخرة وهوى نفسه أحب إليه من رضاء الله تعالى فلا ~~يمكنه الخلاص من الغرور فإذا غلب حب الله على قلبه بمعرفته بالله وبنفسه ~~الصادرة عن كمال عقله فيحتاج إلى المعنى الثالث وهو العلم أعني العلم بما ~~يقربه من الله وما يبعده عنه فيعرف من العبادات شروطها فيراعيها وآفاتها ~~فيتقيها ومن العادات أسرار المعايش وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع وما ~~هو مستغن عنه فيعرض عنه ومن المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق ~~الله فإن المانع من الله الصفات المذمومة في الخلق فيعلم المذموم ويعلم ~~طريق علاجه ويعرف من المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد وأن توضع خلفا عن ~~المذمومة بعد محوها # فإذا أحاط ms286 بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور ~~وأصل ذلك كله أن يغلب حب الله على القلب ويسقط حب الدنيا منه حتى تقوى به ~~الإرادة وتصح به النية ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها نسأل الله ~~العون والتوفيق وحسن الخاتمة آمين PageV01P397 # | كتاب التوبة # # | حقيقة التوبة # اعلم أن التوبة معنى ينتظم من ثلاثة أمور علم وحال وفعل والأول موجب ~~للثاني والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه سنة الله في الملك والملكوت أما ~~العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها سموما مهلكة وحجابا بين العبد وبين ~~كل محبوب فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة ~~تألم للقلب بسبب فوات المحبوب فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم فإن ~~كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت ~~لمحبوبه ندما فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا الألم في ~~القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال وبالماضي ~~وبالاستقبال أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا وأما ~~بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر وأما ~~بالماضي فبتلافي ما فات بالخير والقضاء إن كان قابلا للخير فالعلم والندم ~~والقصد المتعلق بالترك يطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم ~~التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالمقدمة والترك كالثمرة وبهذا ~~الاعتبار جاء في الأثر الندم توبة إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره ~~وعن عزم يتبعه ويتلوه # | بيان وجوب التوبة وفضلها # اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات وهو واضح بنور البصيرة عند ~~PageV01P398 من شرح الله بنور الإيمان صدره فإن من عرف أن لا سعادة في دار ~~البقاء إلا في لقاء الله تعالى وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة محول بينه ~~وبين ما يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم وعلم أن لا مبعد عن لقاء الله ~~إلا اتباع الشهوات ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله بدوام ذكره ms287 وعلم ~~أن الذنوب سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن ~~طريق البعد واجب للوصول إلى القرب وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم ~~وهكذا الإيمان الحاصل عن البصيرة ومن لم يترشح لهذا المقام فيلاحظ ما ورد ~~من الآيات والآثار فقد قال تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون @QE@ وهذا أمر على العموم وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا @QE@ ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا ~~عن الشوائب # ويدل على فضل التوبة قوله تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين @QE@ وقال ( عليه الصلاة والسلام ) التائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له والأخبار في ذلك كثيرة # | وجوب التوبة على الفور وعلى الدوام # لا يخفى أن وجوبها على الفور أمر لا يستراب فيه إذ معرفة كون المعاصي ~~مهلكات من نفس الإيمان وهو واجب على الفور والعلم بضرر الذنوب إنما أريد ~~ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان وهو ~~المراد بقوله ( عليه الصلاة والسلام ) لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ~~وذلك لكون PageV01P399 الزنا مبعدا عن الله تعالى موجبا للمقت كسائر ~~المعاصي لأنها للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان فكما أنها تغير مزاج ~~الإنسان ولا تزال تجتمع حتى تفسده فيموت دفعة كذلك تعمل سموم الذنوب بروح ~~الإيمان عملا تحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين # وأما وجوب التوبة على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية ~~بجوارحه فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب ~~بالقلب فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد ~~الخواطر المذهلة عن ذكر الله فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم ~~بالله وصفاته وأفعاله وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بالتشاغل بضدها ~~رجوع عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع ولا يتصور الخلو في حق الآدمي ~~عن هذا النقص وإنما يتفاوتون بالمقادير فأما الأصل فلا بد ms288 منه ولهذا قال ~~عليه السلام إنه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم والليلة سبعين ~~مرة الحديث ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال @QB@ ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر @QE@ وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره # وإنما أطلقنا الوجوب في كل حال والتوبة عن بعض ما ذكر من الفضائل لا ~~الفرائض لأنا نعني بالواجب ما لا بد منه للوصول به إلى القرب المطلوب من رب ~~العالمين والمقام المحمود بين الصديقين والتوبة عن جميع ما ذكرناه واجبة في ~~الوصول إليه كما يقال الطهارة واجبة في صلاة التطوع أي لمن يريدها فإنه لا ~~يتوصل إليها إلا بها # واعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات ~~أصلا وليس معنى التوبة تركها فقط بل تمام التوبة بتدارك ما مضى وكل شهوة ~~اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة ~~إلى وجه المرآة الصقيلة فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رينا كما يصير بخار ~~النفس في PageV01P400 وجه المرآة عند تراكمه خبثا كما قال تعالى @QB@ كلا ~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ فإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع ~~على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد ~~وأفسده وصار لا يقبل الصقل بعده وصار كالمطبوع من الخبث ولا يكفي في تدارك ~~اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو تلك الأريان التي انطبعت ~~في القلب كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس والبخارات ~~المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان ~~وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من الطاعات ~~وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة وإليه الإشارة بقوله عليه ~~السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها فإذن لا يستغني العبد في حال من أحواله عن ~~محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات # ولقد صدق أبو سليمان الداراني ms289 حيث قال لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره ~~إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى ~~الممات فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله وإنما قال هذا ~~لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة ~~وإن ضاعت منه و صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد وكل ساعة من العمر ~~بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها فإنها صالحة لأن توصلك إلى ~~سعادة الأبد وتنقذك من شقاوة الأبد وأي جوهر أنفس من هذا فإذا ضيعتها في ~~الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا فإن كنت لا تبكي على هذه المصيبة فذلك لجهلك ~~ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة ونوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته والناس ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا فعند ذلك ينكشف لكل مفلس إفلاسه ولكل مصاب مصيبته ~~وقد رفع الناس عن التدارك كما قال تعالى @QB@ وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها @QE@ وقد قيل في PageV01P401 ~~معنى الآية إنه يقول حالتئذ يا ملك الموت أخرني يوما أتوب فيه إلى ربي ~~وأتزود صالحا لنفسي فيقول فنيت الأيام فلا يوم فيقول فأخرني ساعة فيقول ~~فنيت الساعات فلا ساعة فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتزهق نفسه ~~ولمثل هذا يقال @QB@ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب @QE@ معناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن ~~يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب ~~فلا يقبل المحو ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها ومن ~~ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين # أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى ms290 يصير رينا وطبعا فلا ~~يقبل المحو # الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو فيأتي ~~الله بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم # | بيان أن التوبة الصحيحة مقبولة # اعلم أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة فإن نور الحسنة ~~يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة كما لا طاقة لظلام الليل مع بياض النهار ~~وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون ~~والماء الحار ينظفه لا محالة فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب وغسله ~~بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ~~كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول فإنما عليك التزكية والتطهير وأما القبول ~~فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له وهو المسمى فلاحا في قوله ~~@QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ # فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا ~~يزول والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه ~~في تجاويف الثوب فلا يقوى الصابون على قلعه فمثال ذلك أن تتراكم الذنوب حتى ~~PageV01P402 تصير طبعا ورينا على القلب فمثل هذا القلب لا يرجع ولا يتوب ~~نعم قد يقول باللسان تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد غسلت الثوب وذلك ~~لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن ~~به فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد بل هو الغالب على كافة الخلق ~~المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية # هذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ولكنا نعضد جناحه ببعض ~~آيات وأخبار فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة ولا يوثق به قال تعالى ~~@QB@ غافر الذنب وقابل التوب @QE@ وقال سبحانه @QB@ وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفو عن السيئات @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ~~يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع ~~الشمس من مغربها ms291 وبسط اليد كناية عن طلب التوبة وقال صلى الله عليه وسلم ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له # | بيان ما تكون عنه التوبة وهي الذنوب # اعلم أن التوبة ترك الذنب ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته وإذا كانت ~~التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا فمعرفة الذنوب إذا واجبة ~~والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل ثم إن ~~مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات صفات ربوبية وصفات شيطانية وصفات بهيمية ~~وصفات سبعية # فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر وحب المدح ~~والثناء وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول ~~أنا ربكم الأعلى وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم ~~يعدوها PageV01P403 ذنوبا وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر ~~المعاصي # الثانية هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد والبغي والحيلة ~~والخداع والأمر بالفساد والمنكر وفيه يدخل الغش والنفاق والدعوة إلى البدع ~~والضلال # الثالثة الصفة البهيمية ومنها يتشعب الشره والحرص على قضاء شهوة البطن ~~والفرج ومنه يتشعب الزنا واللواط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام ~~لأجل الشهوات # الرابعة الصفة السبعية ومنها يتشعب الغضب والحقد والتهجم على الناس ~~بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال ويتفرع عنها جمل من الذنوب # فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح ~~فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس وبعضها ~~على العين والسمع وبعضها على اللسان وبعضها على البطن والفرج وبعضها على ~~اليدين والرجلين وبعضها على جميع البدن ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه ~~واضح # | انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر # اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر وقد كثر الاختلاف فيها فقال ~~قائلون لا صغيرة ولا كبيرة بل كل مخالفة لله فهي كبيرة وهذا ضعيف إذ قال ~~تعالى @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ms292 اللمم ~~@QE@ وقال بعض السلف كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر وقد روي ~~عن الصحابة والتابعين في عدد الكبائر أقوال وذهب أبو طالب المكي إلى أنها ~~سبع عشرة جمعها من الأخبار والآثار # أربع في القلب وهي الشرك بالله والإصرار على معصيته والقنوط من رحمته ~~والأمن من مكره وأربع في اللسان وهي شهادة الزور وقذف المحصن والسحر ~~واليمين الغموس وهي التي يحق بها باطلا أو يبطل بها حقا وقيل هي ~~PageV01P404 التي يقتطع بها مال امرئ مسلم باطلا ولو سواكا من أراك سميت ~~غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار وثلاث في البطن وهي شرب الخمر والمسكر من ~~كل شراب وأكل مال اليتيم ظلما وأكل الربا وهو يعلم واثنتان في الفرج وهما ~~الزنا واللواط واثنتان في اليدين وهما القتل والسرقة وواحدة في الرجلين وهو ~~الفرار من الزحف أن يفر الواحد من اثنين والعشرة من العشرين وواحدة في جميع ~~الجسد وهو عقوق الوالدين وجملة عقوقهما أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما ~~وإن سألاه حاجة فلا يعطيهما وإن يسباه فيضربهما ويجوعان فلا يطعمهما هذا ~~كلام أبي طالب وهو قريب إلا أنه لم يرد تفصيلها بعد ولا حد جامع بل ورد ~~بألفاظ مختلفات والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم ~~استعظامه إياها وإلى ما يعلم أنها معدودة في الصغائر وإلى ما يشك فيه فلا ~~يدرى حكمه وربما قصد الشارع الإبهام ليكون العباد على وجل وحذر فلا يتجرؤون ~~على الصغائر ثم إن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة ~~والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع مجاهدا نفسه ~~فإن امتنع لعجز أو خوف فهذا لا يصلح للتكفير أصلا # | بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب # اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها الإصرار والمواظبة ولذلك قيل لا صغيرة ~~مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها يكون ~~العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب عليها العبد ومثال ذلك قطرات من ms293 الماء تقع ~~على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأعمال أدومها وإن قل # ومنها أن يستصغر الذنب فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند ~~الله تعالى وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور ~~القلب عنه وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الإلف به ~~وذلك يوجب شدة الأثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور ~~PageV01P405 تسويده بالسيئات وقد روي أن المؤمن يرى ذنبه كحبل فوقه يخاف أن ~~يقع عليه والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره وكذلك يعظم من العالم ~~ما لا يعظم من الجاهل ويتجاوز عن العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن ~~العارف لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف # ومنها السرور بالصغيرة والفرح بها فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد ~~كبرت وعظم أثرها في تسويد قلبه كمن يقول أما رأيتني كيف مزقت عرضه وكيف ~~فضحته حتى خجلته وكيف روجت عليه الزائف وكيف خدعته فهذا وأمثاله مما تكبر ~~به الصغائر فإن الذنوب مهلكات # ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا يدري أنه ~~إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من ~~الله به وذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله # ومنها أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره ~~فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن ~~أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمتا إلى جناية فتغلظت بهما فإن ~~انضاف إلى ذلك ترغيب الغير فيه صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر # ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ~~ذنبه وفي الخبر من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من ~~أوزارهم شيئا وكما يتضاعف وزر العالم على ms294 الذنب فكذلك يتضاعف ثوابه على ~~الحسنات إذا اتبعوا فحركات المقتدى بفعالهم في طوري الزيادة والنقصان ~~تتضاعف آثارها إما بالربح وإما بالخسران # | تمام التوبة وشروطها ودوامها # ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا فالندم هو توجع القلب عند ~~شعوره بفوات المحبوب وعلامته طول الحسرة والحزن واسكاب الدمع والفكر فمن ~~استشعر عقوبة نازلة بولده طال عليه مصيبته وبكاؤه وأي عزيز أعز PageV01P406 ~~عليه من نفسه وأي عقوبة أشد من النار وأي سبب أدل على نزول العقوبة من ~~المعاصي وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ولو حدثه إنسان واحد يتطبب أن مرض ~~ولده لا يبرأ وأنه سيموت منه لطال في الحال حزنه فليس ولده بأعز من نفسه ~~ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ولا الموت بأشد من النار ولا ~~المرض بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله تعالى والتعرض بها إلى النار ~~فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى فعلامة صحة الندم رقة ~~القلب وغزارة الدمع ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا من ~~حلاوتها فيستبدل بالميل كراهية وبالرغبة نفرة كمن ينفر عن عسل فيه سم ولو ~~كان في غاية الجوع والشهوة للحلاوة فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون ~~وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم ولا تصح التوبة ولا ~~تصدق إلا بمثل هذا الإيمان ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون ~~فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى متهاونا بالذنوب مصرا عليها فهذا شرط تمام ~~الندم وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب # وأما القصد الذي ينبعث منه وهو إرادة التدارك فله تعلق بالحال وهو يوجب ~~ترك كل محظور هو ملابس له وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال وله تعلق ~~بالماضي وهو تدارك ما فرط وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية ~~إلى الموت # ومن أهم ما يجب تداركه الحقوق المالية فمن تناول مالا بغضب أو خيانة أو ~~غبن ms295 في معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة ~~أجير أو أكل أجرته فكل ذلك يجب أن يفتش عنهم ليستحلهم أو ليؤدي حقوقهم لهم ~~أو لورثتهم وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق قبل أن يحاسب في القيامة ~~وليناقش قبل أن يناقش فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه فإن ~~عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات بقدر كثرة مظالمه فهذا طريق ~~كل تائب في رد المظالم الثابتة في ذمته أما أمواله الحاضرة فليرد إلى ~~المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به فإن ~~اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ويتصدق بذلك ~~المقدار # وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو بعيبهم في الغيبة ~~فليطلب كل من تعرض له بلسانه أو آذى قلبه بفعل من أفعاله فمن وجده وأحله ~~PageV01P407 بطيب قلب منه فذلك كفارته ومن مات أو غاب أو تعذر استحلاله فقد ~~فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات # ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل وما ~~يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامة # | أقسام العباد في دوام التوبة # اعلم أن التائبين في التوبة على أربع طبقات # الطبقة الأولى أن يتوب العاصي ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ~~ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التي لا ينفك ~~البشر عنها في العادات فهذا هو الاستقامة على التوبة وصاحبه هو السابق ~~بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات واسم هذه التوبة التوبة النصوح واسم هذه ~~النفس الساكنة النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية # الطبقة الثانية تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر ~~الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد ولكن يبتلى بها في ~~مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنه كلما أقدم عليها ~~لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على ms296 أن يتشمر للاحتراز من أسبابها التي ~~تعرضه لها وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة إذ تلوم صاحبها على ~~ما يستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وقصد وهذه أيضا رتبة ~~عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهي أغلب أحوال التائبين لأن الشر ~~معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه وإنما غاية سعيه أن يغلب خيره شره حتى ~~يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات فأما أن تخلو بالكلية كفة السيئات فذلك في ~~غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال تعالى @QB@ الذين ~~يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة @QE@ فكل ~~إلمام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو ~~عنه قال تعالى @QB@ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم @QE@ فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم PageV01P408 لتندمهم ~~ولومهم أنفسهم عليه وفي الخبر لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة ~~أي الحين بعد الحين وفي الخبر كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون ~~فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ينقص التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة ~~المصرين # الطبقة الثالثة أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض ~~الذنوب فيقدم عليها عن قصد لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ذلك مواظب على ~~الطاعات وتارك جملة من الذنوب وهو يود لو كفي شرها في حال قضاء الشهوة وعند ~~الفراغ يتندم ويقول ليتني لم أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في قهرها لكنه ~~يسول نفسه ويسوف توبته يوما بعد يوم فهذه النفس هي التي تسمى النفس المسولة ~~وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم @QB@ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا @QE@ فأمره من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما ~~تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره ~~فربما يختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيئة إن تداركه الله بفضله ألحقه ~~بالسابقين وإلا فيخشى عليه # الطبقة ms297 الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة ~~الذنب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك ~~انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هي النفس ~~الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ويخاف على هذا سوء الخاتمة وانتظاره مع ~~هذه الحالة المغفرة من الله تعالى غرور فإن المقصر عن الطاعة المصر على ~~الذنوب الغير السالك سبيل المغفرة المنتظر للغفران يعد عند أرباب القلوب من ~~المعتوهين كما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ~~ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عند ذوي ~~البصائر من الحمقى المغرورين PageV01P409 فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم ~~بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه ~~حماقته إذ يقول إن الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ومعصيتي ليست تضره ~~ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب الدينار وإذا قيل له إن الله ~~كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس ~~في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ~~ويقول ما هذا الهوس السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإنما ينال ذلك بالكسب ~~وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة الله ولا يعلم ~~المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا ~~وأنه قد أخبر إذ قال @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ فنعوذ بالله من ~~الضلال # | ما يفعله التائب بعد الذنب # اعلم أن الواجب على التائب إن كان جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة ~~أو عن إلمام بحكم الاتفاق هو أن يبادر إلى التوبة والندم والاشتغال ~~بالتكفير بحسنة تضادها فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة ~~الشهوة فقد عجز عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن ~~يدرأ بالحسنة السيئة فيمحوها فيكون ممن ms298 خلط عملا صالحا وآخر سيئا فالحسنات ~~المكفرة للسيئات إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ولتكن الحسنة في ~~محل السيئة وفيما يتعلق بأسبابها فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله ~~تعالى في سؤال المغفرة والعفو ويتذلل تذلل العبد الآبق ويخفض من كبره فيما ~~بين العباد وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات وأما ~~باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر ~~لي ذنوبي وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار المأثورة وأما بالجوارح فبالطاعات ~~والصدقات وأنواع العبادات وبالجملة فينبغي أن يحاسب نفسه كل يوم ويجمع ~~سيئاته ويجتهد في دفعها بالحسنات # واعلم أنه ليس كل استغفار نافعا ففي خبر المستغفر من الذنب وهو مصر ~~PageV01P410 عليه كالمستهزئ بآيات الله وقال بعض السلف الاستغفار باللسان ~~توبة الكذابين وقالت رابعة استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير وذلك لأن ~~الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون ~~للقلب فيه شركة كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة أستغفر الله ~~وكما يقول إذا سمع صفة النار نعوذ بالله منها من غير أن يتأثر به قلبه وهذا ~~يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له فأما إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى ~~الله تعالى وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص نية ورغبة فهذه ~~حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة وعلى هذا تحمل الأخبار الواردة في ~~فضل الاستغفار حتى قال صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في ~~اليوم سبعين مرة ثم إن للتوبة ثمرتين # إحداهما تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له # والثانية نيل الدرجات # وللتكفير أيضا درجات فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية وبعضه تخفيف له ~~ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن ~~خلا عن حل عقدة الإصرار فليس يخلو عن الفائدة أصلا فلا ينبغي أن تظن أن ~~وجودها كعدمها فإنه لا تخلو ذرة من خير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في ~~الميزان عن أثر فإياك أن تستصغر ذرات ms299 الطاعات فلا تأتيها وذرات المعاصي فلا ~~تنفيها فإذن التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا بل أقول ~~الاستغفار باللسان أيضا حسنة إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة ~~اللسان في تلك الساعات بغيبة مسلم أو فضول كلام فرابعة بقولها استغفارنا ~~يحتاج إلى استغفار كثير لا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث أنه ذكر الله ~~بل تذم غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه ~~PageV01P411 # | دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار # اعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء وكل داء حصل من سبب فدواؤه ~~إبطاله ولا يبطل الشيء إلا بضده ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ولا ~~يضاد الغفلة إلا العلم ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة ~~للشهوة # وأما الأنواع النافعة في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب فهي ~~أربعة أنواع # الأول أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين وكذا ما ~~ورد من الأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين # الثاني حكايات الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ~~ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم صلى الله ~~عليه وسلم في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة ونحوها فإنه لم يرد بها ~~القرآن والأخبار ورود الأسمار بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن ~~الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن ~~غيرهم في الذنوب الكبار فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع ~~المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة # الثالث أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب وأن ~~كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فينبغي أن يخوف به وفي خبر ~~إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقال بعض السلف ليست اللعنة سوادا في ~~الوجه ونقصانا في المال إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو ~~شر ms300 منه وهو كما قال لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر ~~له الشر فقد أبعد والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب فإنه يدعو ~~إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة العلماء ~~المنكرين للذنوب ومن مجالسة الصالحين بل يمقته الله تعالى ليمقته الصالحون ~~وبالجملة فالأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا فمن ابتلي بشيء منها كان ~~عقوبة له وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على ~~كفرانه وأما PageV01P412 المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه ~~جزاء على طاعته ويوفق لشكرها وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته # الرابع ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة ~~وغير ذلك # والمدار في هذا الباب على الفكر النافع وهو الفكر في عقاب الآخرة ~~وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم وليعتبر ~~بأنه لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى ~~الموت وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه مع أن الموت ألمه لحظة ~~ومفارقته للدنيا لا بد منها فيقول كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء ~~المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني طبيب يدعي الطب بلا معجزة على طبه ~~وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض وكل يوم في الآخرة بمقدار ~~خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ومتى استشعر قلبه ذلك انبعث خوفه وإذا قوي ~~الخوف تيسر بمعونته الصبر وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك فمن أعطى من ~~قلبه حسن الإصغاء واستشعر الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره ~~الله تعالى لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسيسره الله للعسرى ~~فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى وما على الأنبياء ~~إلا شرح طرق الهدى وإنما لله الآخرة والأولى PageV01P413 # | كتاب الصبر والشكر # # | فضيلة الصبر # قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين ~~موضعا وأضاف أكثر الدرجات ms301 والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من ~~قائل @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا ~~الصبر ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى @QB@ إن الله مع الصابرين @QE@ ~~وجمع لهم بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى @QB@ أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون @QE@ ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم ~~الصبر نصف PageV01P414 الإيمان وسئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال ~~الصبر والسماحة # | حقيقة الصبر وأقسامه # اعلم أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى وباعث ~~الدين هو ما هدي إليه الإنسان من معرفة الله ورسوله ومعرفة المصالح ~~المتعلقة بالعواقب وهي الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات ~~وباعث الهوى هو مطالبة الشهوات بمقتضاها فمن ثبت حتى قهره واستمر على ~~مخالفة الشهوة التحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر ~~في دفعها التحق بأتباع الشياطين # ثم إن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال # أحدها أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام ~~الصبر وعند هذا يقال من صبر ظفر والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون فلا ~~جرم هم الصديقون المقربون @QB@ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا @QE@ # الحالة الثانية أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين ~~فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون ~~وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء الله في ~~قلوبهم @QB@ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة @QE@ فخسرت صفقتهم # الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها ~~وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعد لا من الظافرين وأهل هذه الحالة هم ~~الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم # والتاركون للمجاهدة مع ms302 الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضل ~~PageV01P415 سبيلا إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد ~~مقتضى الشهوات وهذا قد خلق له ذلك وعطله فهو الناقص حقا # وإذا دامت التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر # | بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال # اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين ما يوافق ~~هواه وما لا يوافقه بل يكرهه وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما وهو في ~~جميع الأحوال لا يخلو عن هذين النوعين فإذن لا يستغني قط عن الصبر # النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة ~~العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج ~~العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون ~~إليها والانهماك في ملاذها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان ولذلك حذر ~~الله عباده من فتنة المال والزوج والولد فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله @QE@ وقال عز وجل @QB@ إن ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم @QE@ فالرجل كل الرجل من يصبر على ~~العافية ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها ~~وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي ~~لسانه ببذل الصدق وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه وهذا الصبر متصل ~~بالشكر وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند ~~غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة اللذيذة وقدر عليها ~~فلهذا عظمت فتنة السراء # النوع الثاني ما لا يوافق الهوى والطبع وذلك إما أن يرتبط باختيار العبد ~~كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختياره كالمصائب أو لا يرتبط باختياره ~~ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه فهذه ثلاثة ~~أقسام # القسم الأول ما يرتبط باختياره وهما ضربان PageV01P416 # الضرب الأول ms303 الطاعة والعبد يحتاج إلى الصبر عليها لأن منها ما تنفر عنه ~~النفس بسبب الكسل كالصلاة أو بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما جميعا كالحج ~~والجهاد وكل ذلك يحتاج إلى صبر # الضرب الثاني المعاصي وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى ~~@QB@ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ فما أحوج العبد إلى الصبر عنها ~~سيما ما لا يثقل منها على النفس كالغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس ~~تعريضا وتصريحا وأنواع المزح المؤذي للقلوب وضروب الكلمات التي يقصد بها ~~الإزراء والاستحقار والقدح في الموتى ولمصير ذلك معتادا في المحاورات بطل ~~استقباحها من القلوب لعموم الأنس بها وهي من أكبر الموبقات # القسم الثاني ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو أوذي ~~بفعل أو قول وجني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة ~~يكون واجبا وتارة يكون فضيلة قال تعالى @QB@ واصبر على ما يقولون واهجرهم ~~هجرا جميلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور @QE@ ~~أي تصبروا على المكافأة ولذلك مدح الله تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص ~~وغيره فقال تعالى @QB@ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ~~لهو خير للصابرين @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم صل من قطعك وأعط من حرمك ~~واعف عمن ظلمك # القسم الثالث ما لا يدخل تحت حصر الاختيار كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك ~~الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء وسائر أنواع البلاء ~~فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر وإنما ينال درجة الصبر في المصائب ~~بترك الجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة ~~وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم لأن هذه الأمور داخلة تحت ~~PageV01P417 اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضاء بقضاء الله تعالى ~~ويبقى مستمرا على عادته ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت كما روي عن أم ~~سليم رحمها الله قالت توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته ms304 في ~~ناحية البيت فهيأت له إفطاره فجعل يأكل فقال كيف الصبي فقلت بحمد الله لم ~~يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك ~~حتى أصاب مني حاجته ثم قلت ألا تعجب من جيراننا قال ما لهم قلت أعيروا ~~عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا فقال بئس ما صنعوا فقلت هذا ابنك كان ~~عارية من الله تعالى وإن الله قبضه إليه فحمد الله واسترجع ثم غدا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال اللهم بارك لهما في ليلتهما قال ~~الراوي فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلهم قد قرؤوا القرآن # ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع لأن ذلك ~~مقتضى البشرية ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فاضت ~~عيناه فقيل له في ذلك فقال هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء بل ~~ذلك لا يخرج أيضا عن مقام الرضاء # وقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال ~~حتى من اعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على وساوس الشيطان باطنا PageV01P418 ~~فإن اختلاج الخواطر لا يسكن ولا يزال في شغل دائم بسببها يضيع به الزمان ~~وقد يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات ولا تظنن أن الشيطان يخلو عنه قلب ~~فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم وسيلانه مثل الهواء في القدح ~~فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد ~~طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة فكذلك ~~القلب المشغول بفكر مهم في الدين يخلو عن جولان الشيطان وإلا فمن غفل ولو ~~في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى @QB@ ومن ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين @QE@ وفي خبر إن الله تعالى ~~يبغض الشاب الفارغ وهذا لأن الشاب إذا تعطل ms305 عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين ~~به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ~~ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وهكذا ولذا قال الحلاج لما سئل عن التصوف هي ~~نفسك إن لم تشغلها شغلتك فإذن حقيقة الصبر وكماله الصبر عن كل حركة مذمومة ~~وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت نسأل ~~الله حسن التوفيق بمنه وكرمه # | دواء الصبر وما يستعان به عليه # اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقا أو ~~ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل وقد قدمنا أن الصبر عبارة عن ~~مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى وكل مصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر ~~فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر ~~فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة فأما تقوية باعث الدين ~~فإنما تكون بطريقين # أحدهما إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن ~~PageV01P419 يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر وفي حسن ~~عواقبه في الدنيا والآخرة # الثاني أن يصارع باعث الهوى بالتدريج إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت ~~فيه # وأما تضعيف باعث الشهوة فبقطع الأسباب المهيجة له كغض البصر الذي يحرك ~~القلب أو الفرار من الصور المشتهاة بالكلية أو تسلية النفس بالمباح من ~~الجنس الذي يشتهيه كالنكاح فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما ~~يغني عن المحظورات منه ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد فهذا ~~منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر # | بيان فضيلة الشكر # اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه فقال تعالى @QB@ فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ما يفعل الله بعذابكم ~~إن شكرتم وآمنتم @QE@ وقال تعالى @QB@ وسنجزي الشاكرين @QE@ وقطع تعالى ~~بالمزيد مع الشكر فقال سبحانه @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ ومن الأحاديث ~~قوله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر # | حقيقة الشكر # اعلم أن الشكر ms306 ينتظم من علم وحال وعمل فالعلم معرفة النعمة من ~~PageV01P420 المنعم والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه والعمل هو القيام بما ~~هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان أما ~~بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فإظهار الشكر لله ~~تعالى بالتحميدات الدالة عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في ~~طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته # | بيان الشكر في حق الله تعالى # اعلم أن العبد لا يكون شاكرا لمولاه إلا إذا استعمل نعمته في محبته أي ~~فيما أحبه لعبده لا لنفسه وأما إذا استعمل نعمته فيما كرهه فقد كفر نعمته ~~كما إذا أهملها وعطلها وإن كان هذا دون الأول إلا أنه كفران للنعمة ~~بالتضييع وكل ما خلق في الدنيا إنما خلق إلة للعبد ليتوصل به إلى سعادته # ثم إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما ~~يكرهه ولتمييز ذلك مدركان # أحدهما السمع ومستنده الآيات والأخبار # الثاني بصيرة القلب وهو النظر بعين الاعتبار لإدراك حكمة الله تعالى في ~~كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود ~~وذلك المقصود هو المحبوب وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية أما الجلية ~~فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار ~~فيكون النهار معاشا والليل لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار والسكون عند ~~الاستتار فهذا من جملة حكم الشمس لا كل الحكم فيها بل فيها حكم أخرى كثيرة ~~دقيقة وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض ~~بأنواع النبات مطعما للخلق ومرعى للأنعام وقد انطوى القرآن على جملة من ~~الحكم الجلية التي تحملها أفهام الخلق دون الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ ~~قال تعالى @QB@ أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا ~~وعنبا @QE@ الآية وأما الحكمة في سائر الكواكب فخفية لا يطلع عليها كافة ~~الخلق والقدر الذي يحتمله فهم الخلق إنها زينة للسماء لتستلذ العين بالنظر ~~إليها وأشار إليه قوله تعالى ms307 @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ~~@QE@ PageV01P421 ) فجميع أجزاء العالم سماؤه وكواكبه ورياحه وبحاره وجباله ~~ومعادنه ونباته وحيواناته وأعضاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم ~~كثيرة من حكمة واحدة إلى عشر إلى ألف إلى عشرة آلاف وكذا أعضاء الحيوان ~~تنقسم إلى ما يعرف حكمتها كالعلم بأن العين للإبصار واليد للبطش والرجل ~~للمشي وهكذا فإذن كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ولا على ~~الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى فمن ضرب غيره بيده فقد كفر ~~نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه لا ~~ليهلك بها غيره ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين إذ خلقت ~~ليبصر بها ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بها ما يضره فيهما وكذا من نعم ~~الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة ~~في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أعيان ~~كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما ~~يستغني عنه فخلقت لتقدر بهما الأموال فتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين ~~الأموال بالعدل ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء ولحكم أخرى ~~فكل من عمل فيهما عملا يخالف الغرض المقصود منهما فقد كفر نعمة الله فيهما ~~فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكذا من كسر غصنا من شجرة من ~~غير حاجة ناجزة مهمة ومن غير غرض صحيح فقد كفر نعمة الله تعالى في خلق ~~الأشجار وخلق اليد أما اليد فإنها لم تخلق للعبث بل للطاعة والأعمال ~~المعينة على الطاعة وأما الشجر فإنما خلقه الله تعالى وجعل له العروق وساق ~~إليه الماء وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوئه فينتفع به ~~عباده فكسره قبل منتهى نشوئه لا على وجه ينتفع به عباده مخالفة لمقصود ~~الحكمة وعدول عن العدل فإن كان له غرض صحيح فله ذلك إذ الشجر والحيوان ms308 جعلا ~~فداء لأغراض الإنسان فإنهما جميعا فانيان هالكان فإفناء الأخس في بقاء ~~الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~@QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ وبالجملة فمن ~~فهم حكمة الله تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر ~~واستقصاء ذلك يطول PageV01P422 # | السبب الصارف للخلق عن الشكر # اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة فإنهم منعوا ~~بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها ثم ~~إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه الحمد لله الشكر ~~لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت ~~بها وهي طاعة الله عز وجل فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا ~~غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان # | ما يشترك فيه الصبر والشكر # اعلم أنه ما من نعمة من النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تكون بلاء بالإضافة ~~ونعمة كذلك فرب عبد تكون له الخيرة في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله ~~لبطر وبغى قال الله تعالى @QB@ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى @QE@ وكذلك ~~الزوجة والولد والقريب وأمثالها فإن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ~~ونعمة أيضا فإذن في خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضا إما على المبتلى أو ~~على غير المبتلى فإذن كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق ولا نعمة مطلقة ~~فيجتمع فيها على العبد وظيفتان الصبر والشكر جميعا فإن قلت فهما متضادان ~~فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على غم ولا شكر إلا على فرح فاعلم أن الشيء ~~الواحد قد يغتم به من وجه ويفرح به من وجه آخر فيكون الصبر من حيث الاغتمام ~~والشكر من حيث الفرح وفي كل فقر ومرض وخوف وبلاء في الدنيا خمسة أمور ينبغي ~~أن يفرح العاقل بها ويشكر عليها # أحدهما أن كل مصيبة ومرض فيتصور ms309 أن يكون أكبر منها إذ مقدورات الله تعالى ~~لا تتناهى فلو ضعفها الله وزادها ماذا كان يرده ويحجزه فليشكر إذ لم تكن ~~أعظم منها في الدنيا # الثاني أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه وفي الخبر اللهم لا تجعل ~~مصيبتنا في ديننا PageV01P423 # الثالث أنه ما من عقوبة إلا ويتصور أن تؤخر إلى الآخرة ومصائب الدنيا ~~يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخف وقعها ومصيبة الآخرة تدوم فلعله ~~لم تؤخر عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبته في الدنيا فلم لا يشكر الله على ~~ذلك # الرابع أن هذه المصيبة والبلية كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب وكان لا بد ~~من وصولها إليه وقد وصلت ووقع الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها فهذه ~~نعمة # الخامس أن ثوابها أكثر منها فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة وكل بلاء في ~~الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال وينفع في المآل فمن عرف ~~هذا تصور منه أن يشكر على البلايا ومن لم يعرف هذه النعم في البلاء لم ~~يتصور منه الشكر لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة ومن لا يؤمن بأن ~~ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة والأخبار ~~الواردة في ثواب الصبر على المصائب كثيرة ويكفي في ذلك قوله تعالى @QB@ ~~إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ # ثم مع فضل النعمة في البلاء كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ في دعائه من ~~بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وكان يستعيذ من شماتة الأعداء وغيرها وفي الحديث ~~عنه صلى الله عليه وسلم سلوا الله العافية فما أعطي أحد أفضل من العافية ~~إلا اليقين وأشار باليقين إلى عافية القلب عن مرض الجهل والشك فعافية القلب ~~أعلى من عافية البدن وفي دعائه صلى الله عليه وسلم وعافيتك أحب إلي # فنسأل الله تعالى المان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية في الدين ~~والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين PageV01P424 # | كتاب الخوف والرجاء # الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود ومطيتان بهما ~~يقطع من طرق الآخرة ms310 كل عقبة كؤود فلا يقود إلى قرب الرحمن إلا أزمة الرجاء ~~ولا يصد عن نار الجحيم إلا سياط التخويف فلا بد إذا من بيان حقائقهما # | بيان حقيقة الرجاء # قد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان ~~كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار ~~وسياقة الماء إليها والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة ~~التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ~~ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء ~~أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة ~~برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا ~~مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سوق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الشوك عن ~~الأرض والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظرا من فضل الله ~~تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي ~~انتظاره رجاء وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها الماء ~~ولم يشتغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا ~~لا رجاء وإن بث البذر في أرض طيبة لكن لا ماء لها وأخذ ينتظر مياه الأمطار ~~حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضا سمي انتظاره تمنيا لا PageV01P425 رجاء ~~فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت ~~اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف ~~القواطع والمفسدات فالعبد إذ بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب ~~عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت ~~وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه ~~باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى أسباب الإيمان في إتمام أسباب ~~المغفرة إلى الموت وإن قطع عن بذر ms311 الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب ~~مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة ~~فانتظاره حمق وغرور قال صلى الله عليه وسلم الأحمق من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله وقال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا @QE@ وقال تعالى @QB@ فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا @QE@ وذم الله تعالى صاحب ~~البستان إذ دخل جنته وقال @QB@ ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا @QE@ فإذن العبد المجتهد ~~في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة وما ~~تمام النعمة إلا بدخول الجنة وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه ~~من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذلك ~~قال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمة الله @QE@ معناه أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة الله وقال تعالى ~~@QB@ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور @QE@ فأما من ينهمك فيما يكرهه الله تعالى ولا ~~يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث ~~البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهده بسقي ولا تنقية قال يحيى بن معاذ ~~من أعظم الاغترار عندي PageV01P426 التمادي في الذنوب على رجاء العفو من ~~غير ندامة وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر ~~النار وطلب دار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على ~~الله عز وجل مع الإفراط # ( ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها % إن السفينة لا تجري على اليبس ) # فإذن حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما ~~تقلبت الأحوال ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى والتنعم ~~بمناجاته والتلطف في التملق له فإن هذه الأحوال لا بد وأن تظهر على كل من ~~يرجو ms312 ملكا من الملوك أو شخصا من الأشخاص فكيف لا يظهر ذلك في حق الله تعالى ~~فإن كان لا يظهر فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض ~~الغرور والتمني # | بيان حقيقة الخوف # اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في ~~الاستقبال والعلم بأسباب المكروه وهو السبب الباعث المثير لإحراق القلب ~~وتألمه وذلك الإحراق هو الخوف فالخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله ~~تعالى ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه مانع وتارة ~~يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي وتارة يكون بهما جميعا وبحسب ~~معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه وأنه لا يسأل عما ~~يفعل وهو يسألون تكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم أنا أخوفكم لله وكذلك قال الله تعالى @QB@ إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف ~~واحتراق القلب ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى ~~الصفات أما في البدن فبالنحول والبكاء وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي ~~وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل وأما في الصفات فبأن ~~يقمع الشهوات ويكدر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير ~~العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما فتحترق الشهوات PageV01P427 ~~بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع والاستكانة ويفارقه ~~الكبر والحقد والحسد ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة ~~والضنة بالأنفاس واللحظات ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات وما ~~ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى ~~للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنان قال ~~الله تعالى @QB@ هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون @QE@ وقال تعالى @QB@ رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه @QE@ وكل ما دل على فضيلة العلم دل ~~على فضيلة الخوف لأن الخوف ثمرة العلم # | الدواء الذي يستجلب به الخوف # اعلم أن من قعد ms313 به القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن ~~يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم وينسب ~~عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين فلا يتمارى في أن الاقتداء ~~بهم أولى لأنهم الأنبياء والأولياء والعلماء وأما الآمنون فهم الفراعنة ~~والجهال والأغبياء أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو سيد الأولين والآخرين ~~وكان أشد الناس خوفا حتى روي أنه سمع قائلا يقول لطفل مات هنيئا لك عصفور ~~من عصافير الجنة فغضب وقال ما يدريك أنه كذلك والله إني رسول الله وما أدري ~~ما يصنع بي إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ~~وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك أيضا على جنازة عثمان بن مظعون وكان ~~من المهاجرين الأولين لما قالت أم PageV01P428 سلمة هنيئا لك الجنة فكانت ~~تقول أم سلمة بعد ذلك والله لا أزكي أحدا بعد عثمان وروي في حديث آخر عن ~~رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا لك هاجرت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقتلت في سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان ~~يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره وفي حديث آخر أنه دخل صلى الله عليه ~~وسلم على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول هنيئا لك الجنة فقال صلى ~~الله عليه وسلم من هذه المتألية على الله تعالى وما يدريك لعل فلانا كان ~~يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه وكيف لا يخاف المؤمنون كلهم وهو صلى ~~الله عليه وسلم يقول شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم ~~يتساءلون فقال العلماء لعل ذلك لما في سورة هود من الإبعاد كقوله تعالى ~~@QB@ ألا بعدا لعاد قوم هود @QE@ @QB@ ألا بعدا لثمود @QE@ @QB@ ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود @QE@ مع علمه صلى الله عليه وسلم بأنه لو شاء الله ما ~~أشركوا إذ لو شاء لآتى كل نفس هداها وفي سورة الواقعة @QB@ ليس لوقعتها ~~كاذبة خافضة رافعة @QE@ PageV01P429 أي جف القلم بما ms314 هو كائن وتمت السابقة ~~حتى نزلت الواقعة إما خافضة قوما كانوا مرفوعين في الدنيا وإما رافعة قوما ~~كانوا مخفوضين في الدنيا وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة وانكشاف ~~الخاتمة وهو قوله تعالى @QB@ وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ~~ما أحضرت @QE@ وفي عم يتساءلون @QB@ يوم ينظر المرء ما قدمت يداه @QE@ ~~الآية وقوله تعالى @QB@ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا @QE@ # والقرآن من أوله إلى آخره مخاوف لمن قرأه بتدبر ولو لم يكن فيه إلا قوله ~~تعالى @QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ لكان كافيا ~~إذ علق المغفرة على أربعة شروط يعجز العبد عن آحادها وأشد منه قوله تعالى ~~@QB@ فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ ليسأل الصادقين عن صدقهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان @QE@ وقوله تعالى @QB@ أفأمنوا مكر الله @QE@ الآية وقوله @QB@ ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد @QE@ وقوله @QB@ ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ الآيتين وكذلك قوله تعالى @QB@ والعصر إن ~~الإنسان لفي خسر @QE@ إلى آخر السورة فهذه أربعة شروط للخلاص من الخسران ~~وإنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم لأنهم لم يأمنوا مكر الله ~~تعالى @QB@ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون @QE@ وخوف الكاملين لا ~~يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله تعالى PageV01P430 وخفايا أفعاله ~~ومعاني صفاته فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من الأمن وكيف يؤمن ~~تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وإن القلب أشد تقلبا من ~~القدر في غليانها وقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه إن المؤمن لا يسكن روعه ~~حتى يترك جسر جهنم وراءه وروي عن مخاوف الأنبياء والصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم ما لا يحصى ونحن أجدر بالخوف منهم ولكن صدتنا عن ملاحظة أحوالنا ~~غفلتنا وقسوتنا فلا قرب الرحيل ينبهنا ولا كثرة الذنوب تحركنا ولا خطر ~~الخاتمة يزعجنا ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا ~~واتجرنا ms315 وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ونجتهد في طلب أرزاقنا ثم إذا طمحت ~~أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا اللهم اغفر لنا ~~وارحمنا والذي إليه رجاؤنا جل جلاله يقول @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~@QE@ @QB@ ولا يغرنكم بالله الغرور @QE@ @QB@ يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم @QE@ ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا عن أودية غرورنا وأمانينا فما ~~هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها فنسأل ~~الله تعالى أن يتوب علينا بمنه وفضله PageV01P431 # | كتاب الفقر والزهد # # | فضيلة الفقر والفقراء الراضين الصادقين # عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال وعنه ~~صلى الله عليه وسلم يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام و عنه ~~صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم معافى في جسمه آمنا في سربه عنده قوت يومه ~~فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ولما طلبت سادات العرب وأغنياؤهم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن ينحي عن مجلسه فقراء الصحابة ترفعا عن مجالستهم إذا ~~جلسوا إليه نزل قوله تعالى @QB@ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم @QE@ يعني الفقراء @QB@ تريد زينة ~~الحياة الدنيا @QE@ يعني الأغنياء @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~@QE@ يعني الأغنياء واستأذن ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعنده رجل من أشراف PageV01P432 قريش فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى @QB@ عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى @QE@ يعني ابن أم مكتوم @QB@ أما من استغنى فأنت له ~~تصدى @QE@ يعني هذا الشريف وقال يحيى بن معاذ حبك للفقراء من أخلاق ~~المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين وفرارك من صحبتهم من علامة ~~المنافقين وعن علي رضي الله عنه مرفوعا أحب العباد إلى الله تعالى الفقير ~~القانع برزقه الراضي عن الله تعالى # | آداب الفقير في فقره # اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغي أن يراعيها ms316 # فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله تعالى به من ~~الفقر أعني أنه لا يكون كارها فعل الله تعالى من حيث أنه فعله وإن كان ~~كارها للفقر # وأما أدب ظاهره فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر ~~فقره ففي الحديث إن الله تعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال وقال تعالى ~~@QB@ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف @QE@ # وأما في أعماله فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه قال علي كرم الله وجهه ~~ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقير ~~على الغني ثقة بالله عز وجل فهذه رتبة وأقل منها أن لا يخالط الأغنياء ولا ~~يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادئ الطمع وينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحق ~~مداهنة للأغنياء وطمعا في العطاء # وأما أدبه في أفعاله فأن لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة ولا يمنع بذل قليل ~~ما يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غنى ~~PageV01P433 # | آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال # ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور نفس المال وغرض المعطي وغرضه ~~في الأخذ # أما نفس المال فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات فإن كان فيه شبهة ~~فليحترز من أخذه # وأما غرض المعطي فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطييب قلبه وطلب محبته وهو ~~الهدية أو الثواب وهو الصدقة والزكاة أو الذكر والرياء والسمعة # أما الأول وهو الهدية فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولكن ينبغي أن لا يكون فيها منة فإن كان فيها منه فالأولى تركها ~~فإن علم أن بعضها مما تعظم المنة فليرد البعض دون البعض # الثاني أن يكون للثواب المجرد وذلك صدقة أو زكاة فعليه أن ينظر في صفات ~~نفسه هل هو مستحق للزكاة فإن اشتبه عليه فهو محل شبهة وإن كانت صدقة وكان ~~يعطيه لدينه فلينظر إلى باطنه فإن كان مقارفا لمعصية ms317 في السر لو علمها ~~المعطي لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالتصدق عليه فهذا حرام أخذه كما لو ~~أعطاه لظنه أنه عالم أو علوي ولم يكن فإن أخذه حرام محض لا شبهة فيه # الثالث أن يكون غرض السمعة والرياء والشهرة فينبغي أن يرد عليه قصده ~~الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا على غرضه الفاسد # وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد له منه أو ~~مستغن عنه فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في ~~المعطي فالأفضل له الأخذ قال صلى الله عليه وسلم من أتاه شيء من هذا المال ~~من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه فلا يرده فأما إذا ~~كان ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو ~~التكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان ~~مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه PageV01P434 وإمساكه وإن كان متكفلا بحقوق ~~الفقراء فليأخذ ما زاد على حاجته فإنه غير زائد على حاجة الفقراء وليبادر ~~به إلى الصرف إليهم وبالجملة فالزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء ~~وفتنة لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك فلا تغفل ~~عن الفرق بين الرفق والابتلاء قال الله تعالى @QB@ إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا @QE@ # | تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب المضطر إليه # اعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات قال صلى الله عليه وسلم ~~من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم ~~القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم وفي لفظ آخر كانت مسألته خدوشا ~~وكدوحا في وجهه وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد وكان صلى الله عليه ~~وسلم يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال وسمع عمر رضي الله عنه سائلا يسأل بعد ~~المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل ms318 فقال ألم أقل ~~لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال ~~لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها يبن يدي أبل الصدقة وضربه ~~بالدرة وقال لا تعد ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ~~وإنما استجاز ذلك رضي الله عنه لكونه لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال ~~وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم ~~يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف ~~أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة ~~وعلفها من المصالح نعم يباح السؤال بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة ~~فالضرورة كسؤال الجائع عند PageV01P435 خوفه على نفسه موتا أو مرضا وسؤال ~~العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه وهو مباح ما دام السائل عاجزا عن ~~الكسب فإن القادر على الكسب وهو بطال ليس له السؤال إلا إذا استغرق طلب ~~العلم أوقاته وأما المستغني فهو الذي يطلب الشيء وعنده مثله وأمثاله فسؤاله ~~حرام قطعا وأما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء وكمن له ~~جبة لا قميص تحتها في الشتاء وهو يتأذى بالبرد وكمن يسأل الكراء لفرس ولا ~~ينبغي أن يأخذ ما يعلم أن باعثه الحياء فإنه حرام محض وما يشك فيه فليستفت ~~قلبه فيه وليترك حزاز القلب فإنه الإثم وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه ~~وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهرته فإن قوي ~~الحرص وضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن للقرائن الدالة على ~~الكراهة وبهذه الدقائق يطلع على سر قوله صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل ~~الرجل من كسبه وقد ورد في وعيد من يسأل وهو غني قوله صلى الله عليه وسلم من ~~سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر وقد ورد في حد ~~الغنى المحرم للسؤال ms319 آثار مختلفة متنوعة يمكن تنزيلها على اختلاف أحوال ~~المحتاجين إذ الحاجة لا تقبل الضبط فأمرها منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه ~~بينه وبين الله تعالى فيستفتي فيه قلبه ويعمل به إن كان سالكا طريق الآخرة ~~نسأله تعالى حسن التوفيق بلطفه # | فضيلة الزهد وحقيقته # قال تعالى @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى @QE@ وقال تعالى @QB@ من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب @QE@ وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تعالى ~~@QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ ~~PageV01P436 ) قال صلى الله عليه وسلم تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم ~~فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب و الفضة فأي شيء ندخر فقال صلى ~~الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على ~~أمر آخرته وعنه صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الناس قريب ~~من الجنة والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار والبخل ثمرة ~~الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد والثناء على الثمرة ثناء على المثمر ~~لا محالة وعنه صلى الله عليه وسلم ازهد في الدنيا بحبك الله وازهد فيما في ~~أيدي الناس يحبك الناس # ثم إن أصناف ما فيه الزهد تكاد تخرج عن الحصر وقد ذكر الله تعالى في آية ~~واحدة سبعة منها فقال تعالى @QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك ~~متاع الحياة الدنيا @QE@ ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال عز وجل @QB@ ~~اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد @QE@ ثم رده في موضع آخر إلى اثنين فقال تعالى @QB@ إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو @QE@ ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال @QB@ ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ms320 @QE@ PageV01P437 ) فالهوى لفظ يجمع ~~جميع حظوظ النفس في الدنيا فينبغي أن يكون الزهد فيه # والحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها إلى ما هو خير منها ~~علما بأن المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ # واعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك فإن ترك المال وإظهار ~~الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد بل لا بد من الزهد في حظوظ النفس ~~وينبغي أن يعول الزاهد في باطنه على ثلاث علامات # الأولى أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى @QB@ لكي لا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم @QE@ # الثانية أن يستوي عنده ذامه ومادحه # الثالثة أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة ~~PageV01P438 # | كتاب النية والأخلاص والصدق # # | فضيلة النية # قال الله تعالى @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه @QE@ وقال تعالى @QB@ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما @QE@ والمراد ~~بتلك الإرادة هي النية وقال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن ~~كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وفي ~~حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال ~~إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا ~~نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا وكيف ذلك يا ~~رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا PageV01P439 بحسن النية وقال ~~صلى الله عليه وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه وفي حديث أبي هريرة من ~~تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ادان دينا وهو لا ينوي ~~قضاءه فهو سارق # | تفضيل الأعمال المتعلقة بالنية # اعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام طاعات ومعاص ومباحات # فأما المعاصي فلا تتغير عن موضعها بالنية أعني أن المعصية لا تنقلب طاعة ~~بالنية كالذي يغتاب إنسانا ms321 مراعاة لقلب غيره أو يطعم فقيرا من مال غيره أو ~~يبني مدرسة أو مسجدا بمال حرام وقصده الخير فهذا كله جهل والنية لا تؤثر في ~~إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى ~~الشرع شر آخر فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله فهو عاص بجهله إذ طلب ~~العلم فريضة على كل مسلم والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع فكيف يمكن ~~أن يكون الشر خيرا هيهات ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى ما عصي الله تعالى ~~بمعصية أعظم من الجهل قيل يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل قال نعم ~~الجهل بالجهل وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن ~~بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ورأس ~~العلم العلم بالعلم كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل وقد قال تعالى @QB@ ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ نعم للنية دخل في المعاصي وهو ~~أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها PageV01P440 # القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها ~~أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوي الرياء صارت ~~معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ~~ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب إذ كل واحدة حسنة ثم تضاعف كل ~~حسنة بعشرة أمثالها كما ورد ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ~~ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين # أولها أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله # ثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في صلاة # ثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات # رابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة ودفع الشواغل ~~الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد # خامسها التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به # سادسها أن يقصد إفادة العلم بأمر معروف ونهي ms322 عن منكر إذ المسجد لا يخلو ~~عمن يسيء في صلاته أو يتعاطى ما لا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى ~~الدين فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته # سابعها أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد ~~معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله # ثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت ~~الله ما يقتضي هتك الحرمة فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات إذ ~~ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده ~~في طلب الخير وتشمره له فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات # القسم الثالث المباحات وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات ~~يصير بها من محاسن القربات كالتطيب مثلا فإنه بقصد التلذذ والتنعم مباح ~~وأما إذا نوى به اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترويح جيرانه ~~ليستريحوا بروائحه ودفع الرائحة الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء ~~مخالطيه وزيادة فطنته وذكائه ليسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر فهذا ~~وأمثاله من النيات الحسنة التي لا يعجز عنها من غلب طلب الخير على قلبه مما ~~ينال بها معالي الدرجات وأما من قصد بالتطيب إظهار التفاخر بكثرة المال أو ~~رياء الخلق ليذكر بذلك أو ليتودد إلى قلوب النساء الأجنبيات أو PageV01P441 ~~لغير ذلك فهذا يجعل الطيب معصية ويكون في القيامة أنتن من الجيفة والمباحات ~~كثيرة لا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه ولهذا قال بعض ~~السلف إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي ~~للخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى لأن كل ما هو ~~سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن فهو معين على الدين فمن قصد من ~~الأكل التقوي على العبادة ومن الوقاع تحصين دينه وتطييب قلب أهله والتوصل ~~به إلى ولد صالح يعبد الله تعالى بعده كان مطيعا ms323 بأكله ونكاحه وبالجملة ~~فإياك ثم إياك أن تستحقر شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها وشرورها ولا ~~تعد جوابها يوم السؤال والحساب فإن الله مطلع عليك وشهيد @QB@ ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ وقد قال الحسن إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم ~~القيامة فيقول بيني وبينك الله فيقول والله ما أعرفك فيقول بلى أنت أخذت ~~لبنة من حائطي وأخذت خيطا من ثوبي فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب ~~الخائفين فإن كنت من أولي العزم والنهى ولم تكن من المغترين فانظر لنفسك ~~الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك # | فضيلة الإخلاص وحقيقته # قال الله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ألا لله الدين الخالص @QE@ وقال تعالى @QB@ إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله @QE@ وقال تعالى @QB@ فمن ~~كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ وعن ~~علي كرم الله وجهه لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لمعاذ بن PageV01P442 جبل أخلص العمل يجزك منه القليل وقال ~~يعقوب المكفوف المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته # واعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي ~~خالصا ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس ~~مخلصا فهو مشرك إلا أن الشرك درجات وقد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص ~~بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب فإذا امتزج قصد التقرب ~~بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص ومثاله أن ~~يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يحج ليصح مزاجه بحركة ~~السفر أو ليتخلص من عدو له أو يصلي بالليل لغرض دنيوي أو يتعلم العلم أو ~~يخدم العلماء والصوفية لذلك أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ~~ليشيع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه ~~بين الصلاح والوقار فمهما ms324 كان باعثه التقرب إلى الله تعالى ولكن انضاف إليه ~~خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله ~~عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك ~~وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم ~~كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه فإن الخالص من العمل ~~هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى وهذا لا يتصور إلا من ~~محب لله لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار ولذا كان علاج الإخلاص كسر حظوظ ~~النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب فإذ ~~ذاك يتيسر الإخلاص وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه ~~الله ويكون فيها مغرورا لأنه لا يرى وجه الآفة فيها فليكن العبد شديد ~~التفقد والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو PageV01P443 ~~لا يشعر # | فضيلة الصدق ودرجاته # قال الله تعالى @QB@ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه @QE@ وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ~~ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى ~~النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا # والصدق درجات # الأولى صدق اللسان وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق ~~وكمال صدق القول الاحتراز عن المعاريض فقد قيل في المعاريض مندوحة عن الكذب ~~وذلك لأنها تقوم مقام الكذب إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه ~~المصلحة في بعض الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي ~~الحذر عن الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على الأسرار فمن ~~اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ~~ويقتضيه الدين فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه ~~لأن الصدق ما ms325 أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى ~~صورته بل إلى معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما ~~وجد إليه سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى ~~بغيره وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد وليس هذا من الكذب في شيء ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ~~أو أنمى خيرا ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع من أصلح بين ~~اثنين ومن كان له زوجتان ومن كان في مصالح الحرب والصدق ههنا يتحول إلى ~~النية فلا يراعى فيه الإ صدق النية وإرادة الخير فمهما صح قصده وصدقت نيته ~~وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا PageV01P444 كيفما كان لفظه ثم ~~التعريض فيه أولى وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في ~~داره فقال لزوجته خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي ليس هو ~~ههنا واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدقا وأفهم ~~الظالم أنه ليس في الدار وهذا الذي ذكرناه من الاحتراز عن صريح اللفظ وعن ~~المعاريض إلا عند الضرورة هو الكمال الأول في صدق الأول وهناك كمال ثان وهو ~~أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله @QB@ وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض @QE@ فإن قلبه إن كان منصرفا عن الله تعالى ~~مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب وكقوله @QB@ إياك نعبد @QE@ وكقوله ~~أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم ~~يكن كلامه صدقا ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله أنا عبد الله لعجز عن ~~تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا ~~في قوله وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال صلى الله عليه وسلم تعس ~~عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الخميصة سمى كل من ms326 تقيد قلبه بشيء عبدا له ~~وإنما العبد الحق لله عز وجل من أعتق من غير الله تعالى واشتغل بالله ~~وبمحبته وتقيد ظاهره وباطنه بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى # الدرجة الثانية الصدق في النية والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا ~~يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شوب من حظوظ ~~النفس بطل صدق النية # الثالثة صدق العزم وهو الجزم فيه بقوة والصادق فيه هو الذي تصادف عزيمته ~~في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد بل تسخو نفسه أبدا ~~بالعزم المصمم الجازم على الخيرات كمن يقول إن رزقني الله مالا تصدقت بشطره ~~وإن أعطاني الله ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق ~~فصدق هذه العزيمة هو سخاء نفسه بما نوى # الرابعة في الوفاء بالعزم فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة ~~في PageV01P445 الوعد والعزم والمؤونة فيه خفيفة فإذا حقت الحقائق وحصل ~~التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم ~~وهذا يضاد الصدق فيه ولذلك قال الله تعالى @QB@ رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه @QE@ فقد روي عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله ~~سعد بن معاذ فقال إلى أين فقال واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد ~~فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة فقالت ~~أخته ما عرفت أخي إلا بثيابه فنزلت هذه الآية @QB@ رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه @QE@ # وقال مجاهد رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود فقالا إن رزقنا الله تعالى ~~مالا لنصدقن فبخلوا به فنزلت @QB@ ومنهم من عاهد ms327 الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون @QE@ فجعل العزم عهدا وجعل الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا # الخامسة الصدق في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على ~~أمر في باطنه لا يتصف هو به فمن وقف على هيئة الخشوع في صلاته لا يرائي ~~غيره ولكنه في الباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته فهو كاذب بلسان ~~الحال في عمله غير صادق فيه فالصدق فيه هو استواء السريرة والعلانية بأن ~~يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره PageV01P446 # ( إذا السر والإعلان في المؤمن استوى % فقد عز في الدارين واستوجب الثنا ~~) # ( فإن خالف الإعلان سرا فماله % على سعيه فضل سوى الكد والعنا ) # ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض ~~فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا PageV01P447 # | كتاب المحاسبة والمراقبة # # | بيان لزوم المحاسبة # قال الله تعالى @QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد @QE@ وقال تعالى @QB@ يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره @QE@ وقال تعالى @QB@ ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت ~~من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه @QE@ PageV01P448 # استدل بذلك أرباب البصائر ms328 أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنهم سيناقشون في ~~الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات فتحققوا أنهم لا ينجيهم ~~من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس ~~والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في ~~القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه ~~دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته ~~فحتم على كل حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه ~~والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فإن كل نفس من أنفاس ~~العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى ~~نعيمه أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك ~~خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل # | بيان مشارطة النفس # إذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه لمشارطة النفس ~~فيقول لها ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس ~~عن التجارة وطلب الربح وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلي ~~وأنعم علي به ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى ~~أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا ~~اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها فلا تميلي إلى الكسل والدعة ~~والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا تفارقك ~~وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق وقد قال بعضهم هب أن المسيء قد ~~عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين أشار به إلى الغبن والحسرة وقال الله ~~تعالى @QB@ يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن @QE@ فهذه وصيته لنفسه ~~في PageV01P449 أوقاته ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي العين ~~والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل فيوصيها بحفظها عن معاصيها # أما العين فيحفظها عن النظر ms329 إلى وجه من ليس له بمحرم أو إلى عورة مسلم أو ~~النظر إلى مسلم بعين الاحتقار ثم إذا صرفها عن هذا لم يقنع به حتى يشغلها ~~بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله بعين ~~الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ~~ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ والاستفادة # وهكذا ينبغي أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو لا سيما اللسان والبطن # أما اللسان فلأنه منطلق بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة وجنايته عظيمة ~~بالغيبة والكذب والنميمة وتزكية النفس ومذمة الخلق والأطعمة واللعن والدعاء ~~على الأعداء والمماراة في الكلام وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب آفات اللسان ~~فهو بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر والتذكير وتكرار العلم والتعليم وإرشاد ~~عبد الله إلى طريق الله وإصلاح ذات البين وسائر خيراته # وأما البطن فيكلفه ترك الشره وتقليل الأكل من الحلال واجتناب الشبهات ~~ويمنعه من الشهوات وهكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول ولا ~~تخفى معاصي الأعضاء وطاعتها ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي تتكرر ~~عليه في اليوم والليلة وكيفية الاستعداد لها بأسبابها وكذا فيمن يشتغل بشيء ~~من أعمال الدنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس قلما يخلو يوم عن مهم جديد ~~وواقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها فعليه أن يشترط على نفسه ~~الاستقامة فيها والانقياد للحق في مجاريها ويحذرها مغبة الإهمال ويعظها كما ~~يوعظ العبد الآبق المتمرد فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن ~~العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها @QB@ وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين @QE@ PageV01P450 # | فضيلة المراقبة # روي أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلوات الله عليه عن الإحسان فقال أن ~~تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وقد قال تعالى @QB@ أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إن الله كان عليكم رقيبا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين ms330 هم بشهاداتهم قائمون @QE@ وسئل بعضهم عن ~~قوله تعالى @QB@ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه @QE@ فقال معناه ~~ذلك لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده وقال رجل للجنيد بم ~~أستعين على غض البصر فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى ~~المنظور إليه # | حقيقة المراقبة # المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ويعنى بها حالة للقلب ~~يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب أما ~~الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه وأما المعرفة فهي العلم بأن ~~الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل ~~نفس بما كسبت وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف ثم ~~للمراقب PageV01P451 في أعماله نظران نظر قبل العمل ونظر في العمل أما قبل ~~العمل فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان ~~فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن ~~كان لغير الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به ~~وميله إليه وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها وأما النظر الثاني للمراقبة ~~عند الشروع في العمل فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه ويحسن النية ~~في إتمامه ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه # وهذا ملازم له في جميع أحواله لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في ~~معصية أو في مباح فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب ~~وحراستها عن الآفات وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع ~~والحياء والاشتغال بالتفكير وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم ~~بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن ~~بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا بد له من الشكر عليها وكل ذلك من ~~المراقبة بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض الله تعالى عليه إما فعل يلزمه ~~مباشرته ms331 أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله ~~تعالى ويسابق به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على ~~طاعته ولكل واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة @QB@ ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه @QE@ ومن كان فارغا من الفرائض وقدر على ~~الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها فإن من فاته مزيد ربح وهو ~~قادر على دركه فهو مغبون والأرباح تنال بمزايا الفضائل # | بيان محاسبة النفس بعد العمل # قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~@QE@ وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال وقال تعالى @QB@ ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون @QE@ والتوبة نظر في ~~الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه وقال تعالى @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ PageV01P452 وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة وقال ~~عمر رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وقال ~~مالك بن دينار رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ~~ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا إذا علمت هذا ~~فينبغي أن يكون للمرء في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على ~~جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة ~~أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق ~~به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة وقلة ~~التوفيق ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران ~~ليتبين له الزيادة من النقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان ~~من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في ~~دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم ms332 هذه التجارة ~~جملة النهار ومعاملة نفسه الأمارة بالسوء فليحاسبها على الفرائض أولا فإن ~~أداها على وجهها شكر الله تعالى عليه ورغبها في مثلها وإن فوتها من أصلها ~~طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكب معصية ~~اشتغل بعقوبتها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرط كما يصنع ~~التاجر بشريكه وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة # | توبيخ النفس ومعاتبتها # اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى ~~الشر فرارة من الخير وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى ~~عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها فإن أهملتها جمحت ~~وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل ~~والملامة رجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد ~~الله راضية مرضية فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها قال الله تعالى @QB@ ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين @QE@ PageV01P453 وسبيلك أن تقبل عليها ~~فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها ويشتد أنفها ~~واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة ~~والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا أما تعرفين ما بين يديك من ~~الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب فمالك تشتغلين باللهو وأنت ~~مطلوبة لهذا الخطب الجسيم أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ليس ~~بآت أما تتدبرين قوله تعالى @QB@ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم @QE@ ويحك ~~يا نفس إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم ~~كفرك وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك # ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان ~~غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه ~~أفتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات هيهات جربي ms333 نفسك إن ألهاك البطر عن أليم ~~عذابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام أو قربي أصبعك من النار ~~ليتبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله وفضله فما لك لا تعولين على كرم ~~الله تعالى في مهمات دنياك فإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما ~~لا ينقضي إلا بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من ~~وجوه الحيل فلم لا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر ~~عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجته من غير سعي منك ولا طلب أفتحسبين أن الله ~~كريم في الآخرة دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها وأن رب ~~الآخرة والدنيا واحد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى يا نفس أما تستعدين للشتاء ~~بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ولا تتكلين ~~في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ~~ذلك فإنه قادر على ذلك أفتظنين أن العبد ينجو بغير سعي هيهات كما لا يندفع ~~برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا ~~بحصن التوحيد وخندق الطاعات PageV01P454 وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك ~~طريق التحصن ويسر لك أسبابه لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه انظري يا ~~نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله وبأي لسان تجيبين وأعدي للسؤال جوابا ~~وللجواب صوابا واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار ~~مقامة وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود واعلمي أنه ليس للدين عوض ولا ~~للإيمان بدل ولا للجسد خلف ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن ~~لم يسر فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن ~~الموعظة فقد رضي بالنار # فهذه طريق القوم في معاتبة نفوسهم ومقصودهم منها التنبيه والاسترعاء ومن ~~أهمل المعاتبة لم يكن لنفسه مراعيا ويوشك أن لا يكون الله عنه ms334 راضيا ~~PageV01P455 # | كتاب التفكر # # | فضيلة التفكر # اعلم أنه قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا ~~تحصى وأثنى على المتفكرين فقال تعالى @QB@ الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا @QE@ ~~وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله وروي في السنة ~~تفكر ساعة خير من عبادة سنة وقال حاتم من العبرة يزيد العلم ومن الذكر يزيد ~~الحب ومن التفكر يزيد الخوف وقال الشافعي رحمه الله تعالى استعينوا على ~~الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر ثم إن ثمرة الفكر هي العلم واستجلاب ~~معرفة ليست حاصلة وإذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال ~~القلب تغيرت أعمال الجوارح فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها ~~لأنه الذي ينقل من المكارة إلى المحاب ويهدي إلى استثمار العلوم ونتاج ~~المعارف والفوائد PageV01P456 # | بيان مجاري الفكر # اعلم أن أنواع مجاري الفكر أربعة الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات ~~والصفات المنجيات # فأما المعاصي فينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة ثم ~~بدنه هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها أو لابسها بالأمس فيتداركها ~~بالترك والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز والتباعد عنها ~~فينظر في اللسان ويقول إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء ~~بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره ~~فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ويتفكر في شواهد القرآن ~~والسنة على شدة العذاب فيها فيحترز منها ويتفكر في سمعه أنه يصغي به إلى ~~الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو وأنه ينبغي أن يحترز عنه ويتفكر في ~~بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من ~~الحلال وذلك مكروه عند الله وإما بأكل الحرام والشبهة فيتفكر في الاحتراز ~~عن مداخله ويتفكر في طريق الحلال وموارده ويقرر ms335 على نفسه أن العبادات كلها ~~ضائعة مع أكل الحرام وأن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها فهكذا يتفكر في ~~أعضائه حتى يحفظها # وأما الطاعات فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها وكيف ~~يحرسها عن النقصان والتقصير أو كيف يجبر نقصانها بالنوافل # ثم يرجع إلى عضو فيتفكر في الأفعال التي تتعلق به مما يحبه الله تعالى ~~فيقول إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات والأرض عبرة ولتستعمل في طاعة ~~الله تعالى وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله وأنا قادر على أن أشغل العين ~~بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله وأنا قادر على أن أنظر إلى فلان المطيع ~~بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه فلم لا أفعله وكذلك يقول في سمعه إني ~~قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلم فمالي أعطله وقد أنعم الله ~~علي به وأودعنيه لأشكره فمالي أكفر نعمة الله فيه بتضييعه وتعطيله وكذلك ~~يتفكر في اللسان ويقول إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى بالتعليم ~~والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال عن أحوال الفقراء وإدخال ~~السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة وكل كلمة طيبة فإنها ~~صدقة وكذلك يتفكر في ماله فيقول أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني فإني ~~مستغن عنه ومهما احتجت PageV01P457 إليه رزقني الله تعالى مثله وإن كنت ~~محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال وهكذا يفتش عن ~~جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله بل عن دوابه وأولاده فإن كل ذلك أدواته ~~وأسبابه ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها فيستنبط بدقيق الفكر وجوه ~~الطاعات الممكنة بها ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات ويتفكر ~~في إخلاص النية فيها وقس على هذا سائر الطاعات # وأما الصفات المهلكة التي محلها القلب فيعرفها مما تقدم وهي استيلاء ~~الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة ~~والغرور وغير ذلك ويتفقد من قلبه هذه الصفات ويتفكر في طريق العلاج لها مما ~~سلف ذكره # وأما المنجيات فهي ms336 التوبة والندم على الذنوب والصبر على البلاء والشكر ~~على النعماء والخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص والصدق في الطاعات ~~ومحبة الله وتعظيمه والرضا بأفعاله والشوق إليه والخشوع والتواضع له مما ~~تقدم ذكره فيتفكر كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي ~~المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا ~~يثمرها إلا علوم وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار فإذا أراد أن يكتسب لنفسه ~~أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا وليتفكر فيها وليجمعها على نفسه ~~وليعظمها في قلبه ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها ~~وليحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم وإذا ~~أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله وأياديه عليه وفي ~~إرساله جميل ستره عليه وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر في جلال الله ~~وجماله وعظمته وكبريائه وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه وإذا أراد ~~حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة والباطنة ثم لينظر في الموت ~~وسكراته ثم فيما بعده من سؤال القبر وحياته وعقاربه وديدانه ثم في هول ~~النداء عند نفخة الصور ثم في هول المحشر عند جميع الخلائق على صعيد واحد ثم ~~في المناقشة في الحساب والمضايقة في النقير والقطمير ثم ليحضر في قلبه صورة ~~جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها وزقومها وصديدها وأنواع العذاب ~~PageV01P458 فيها وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها وأنهم إذا ~~رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وهلم جرا إلى جميع ما ورد في ~~القرآن من شرحها وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها ~~وأشجارها وحورها وولدانها ونعيمها المقيم وملكها الدائم فهكذا طريق الفكر ~~الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة أو التنزه عن صفات ~~مذمومة # وأما ذكر مجامع تلك الأحوال فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر ~~فإن القرآن جامع لجميع المقامات والأحوال وفيه شفاء للعالمين فيه ما يورث ~~الخوف والرجاء والصبر ms337 والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال وفيه ما يزجر عن ~~سائر الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى ~~التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة ~~بغير تدبر وفهم فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة ~~منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد ~~صدق المعاملة PageV01P459 # وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع ~~الكلم وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة ولو تأملها العالم حق التأمل ~~لم ينقطع فيها نظره طول عمره # | بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى # اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه وكل ذرة ~~من الذرات ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته ~~وإحصاء ذلك غير ممكن فلنذكر من الموجودات ما يدرك بحس البصر فإنه الأقرب ~~إلى الأفهام وذلك من الآيات التي حث على التفكر فيها القرآن الكريم # | آية الإنسان # من آياته تعالى الإنسان المخلوق من النطفة وأقرب شيء إليك نفسك وفيك من ~~العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر ~~عشيره وأنت غافل عنه فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة ~~غيرك وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال @QB@ وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ وذكر أنه مخلوق من نطفة قذرة فقال @QB@ قتل ~~الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم ~~أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن آياته أن خلقكم من ~~تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم يك نطفة من مني ~~يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم نخلقكم من ماء مهين ~~فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم @QE@ ثم ذكر تعالى كيف جعل النطفة علقة ~~والعلقة مضغة والمضغة عظاما ms338 فقال تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة @QE@ الآية ~~فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه ~~فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة PageV01P460 لو تركت ساعة ~~ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب وكيف ~~جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم وكيف قادهم بسلسلة ~~المحبة والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع ~~وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود ~~من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وكبر وكيف جعل النطفة وهي بيضاء ~~مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متشابهة ~~متساوية إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من اللحوم ~~والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة فدور الرأس وشق السمع والبصر والأنف ~~والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع ~~بالأنامل ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال ~~والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل ~~مخصوص وفي آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات ما لو ذهبنا إلى وصفها ~~لانقضى فيها الأعمار # فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة ~~رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال ~~مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت وعريض ودقيق ولما كان ~~الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه مفتقرا للتردد في ~~حاجاته لم يجعل عظمه عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها ~~الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها ~~وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعظم الآخر ~~كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الآخر حفرا غائصة ~~فيه موافقة ms339 لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها فصار الإنسان إن أراد ~~تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر عليه ذلك ثم انظر كيف ~~خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة ~~الرأس كما تراه فمنها ما يخص القحف واللحي الأعلى واللحي الأسفل ~~PageV01P461 والبقية هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن وبعضها حادة تصلح ~~للقطع وهي الأنياب والأضراس والثنايا ثم جعل الرقبة مركبا للرأس ثم ركب ~~الرقبة على الظهر وركب الظهر من اسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع ~~وعشرين خرزة ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام ~~العانة وعظام العجز ثم عظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين وتعداد ذلك ~~يطول فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة والقصد أن ينظر في مدبرها ~~وخالقها كيف قدرها وخالف بين أشكالها وخصصها بعددها المخصوص لأنه لو زاد ~~عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها واحدا ~~لكان نقصانا يحتاج إلى جبره ثم أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين ~~وعددها ومنابتها وانشعابها أعجب من هذا كله وشرحه يطول وكل ذلك صنع الله في ~~قطرة ماء قذرة فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السموات ~~وكواكبها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظنن أن ذرة من ملكوت ~~السموات تنفك عن حكمة وحكم بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من ~~بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات ولذلك قال ~~تعالى @QB@ أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها @QE@ فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ~~ثانيا وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا ~~أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو ~~جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية ms340 ~~خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة ~~تأنق النقاش في تصويرها لكثر تعجبك منه وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة ~~فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها ~~وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ~~فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها وزين ظاهرها وباطنها ورتب ~~عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعلها سميعة ~~بصيرة عالمة ناطقة وخلق لها الظهر أساسا لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها ~~والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها ~~وهيئتها ثم PageV01P462 حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع ~~الأقذاء عنها ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السموات مع اتساع أكنافها ~~وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها ثم شق أذنيه وأودعهما ماء مرا ليحفظ سمعها ~~ويدفع الهوام عنها وحوطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس ~~بدبيب الهوام إليها وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ~~ويطول طريقه فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم ثم رفع ~~الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله وفتح منخريه وأودع فيه حاسة الشم ليستدل ~~باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء ~~غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا وترجمانا ~~ومعربا عما في القلب وزين الفم بالأسنان ولتكون آلة الطحن والكسر والقطع ~~فأحكم أصولها وحدد رؤوسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة ~~الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق على ~~الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت ~~وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات لتقطع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها ~~الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في ~~الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى ~~اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقان حتى ~~يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد ms341 الصوت في الظلمة ثم زين الرأس بالشعر ~~والأصداغ وزين الوجه باللحية والحاجبين وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس ~~الشكل وزين العينين بالأهداب ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل ~~مخصوص فسخر المعدة لنضج الغذاء والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم والمثانة ~~لقبول الماء حتى تخرجه في طريق الإحليل والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم ~~إلى سائر أطراف البدن ثم خلق اليدين وطولهما لتمتد إلى المقاصد وعرض الكف ~~وقسم الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بثلاث أنامل ووضع الأربع في جانب والإبهام ~~في جانب لتدور الإبهام على الجميع وبهذا الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء ~~ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تتقطع ~~وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل وليحك بها بدنه عند ~~الحاجة ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه PageV01P463 ولو في النوم ~~والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا ~~بعد تعب طويل ثم خلق هذا كله من النطفة وهي في داخل الرحم في ظلمات ثلاث ~~فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته ~~فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج ~~من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه ثم لما خرج ~~واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه سخيفا لا ~~يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين ~~الفرث والدم سائغا خالصا وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت منها ~~حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا ~~جدا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا ~~القليل ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند ~~شدة الجوع ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى ms342 تمام ~~الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم ~~يوافقه اللبن السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن ~~فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها فسبحانه كيف أخرج تلك ~~العظام الصلبة في تلك اللثاث اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام ~~بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة ~~على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة ~~والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ثم شابا ثم ~~كهلا ثم شيخا إما كفورا أو شكورا مطيعا أو عاصيا مؤمنا أو كافرا تصديقا ~~لقوله تعالى @QB@ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا @QE@ فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة ~~تبهرك عجائب الحضرة الربانية والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا ~~حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همته إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه ~~كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول ما أحذقه ~~PageV01P464 وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه ~~وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا يدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته # فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك ~~وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك لا تعرف من ~~نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فتنام وتشتهي فتجامع وتغضب فتقاتل والبهائم ~~تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة ~~الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها ~~يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصديقين ~~مقربا من حضرة رب العالمين وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من ~~الدنيا بشهوات ms343 البهائم فإنه شر من البهائم بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ~~ذلك وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة الله فيها فأولئك ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض ~~التي هي مقرك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ثم ارتفع منها إلى ~~ملكوت السموات # | آية الأرض # من آياته تعالى أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ~~ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا ~~لها تمنعها من أن تميد ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع ~~جوانبها وقد أكثر تعالى في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها ~~فظهرها مقر الأحياء وبطنها مرقد الأموات قال الله تعالى @QB@ ألم نجعل ~~الأرض @QE@ PageV01P465 كفاتا أحياء وأمواتا ) فانظر إلى الأرض وهي ميتة ~~فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأخضرت وأنبتت عجائب النبات وخرجت منها ~~أصناف الحيوانات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ ~~الصم الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار تجري على ~~وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب الكدر ماء رقيقا صافيا زلالا ~~وجعل به كل شيء حي فأخرج به فنون الأشجار والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون ~~ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والصفات ~~والروائح يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة ~~فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان في النواة نخلة مطوقة ~~بعناقيد الرطب ومتى كان في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ثم ~~انظر إلى أرض البوادي وفتش ظاهرها وباطنها فتراها ترابا متشابها فإذا أنزل ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا ~~متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر فانظر إلى ~~كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعه ~~وكيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة فهذا ms344 النبات يغذي وهذا يقوي ~~وهذا يحيي وهذا يقتل وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا يفرح وهذا ينوم فلم تنبت من ~~الأرض ورقة ولا نبتة إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها ~~وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص ولو أردنا أن ~~نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعه ومنافعه وأحواله وعجائبه لانقضت الأيام ~~في PageV01P466 وصف ذلك فيكفيك من كل نبذة يسيرة تدل على طريق الفكر فهذه ~~عجائب النبات # | آية أصناف الحيوانات # اعلم أن من آياته تعالى أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما ~~يمشي وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى عشر وعلى مائة ~~كما يشاهد في بعض الحشرات ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال والأخلاق ~~والطباع فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر وإلى البهائم الأهلية تر فيها ~~من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها وحكمة مصورها وكيف ~~يمكن أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أ ن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة ~~أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي ~~إلفها لزوجها وفي ادخارها لنفسها وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى ~~حاجاتها لم نقدر على ذلك وكل يشهد بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب ~~صنعته لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم فالبصير يرى في هذا الحيوان ~~الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه ~~الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات # وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات وأشكالها وطباعها غير محصورة ~~وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة نعم إذا رأى حيوانا ولو ~~دودا تجدد تعجبه وقال سبحان الله ما أعجبه والإنسان أعجب الحيوانات وليس ~~يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها ونظر إلى أشكالها وصورها ~~ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها ~~الله لباسا لخلقه وأكنانا لهم في ظعنهم وإقامتهم وآنية لأشربتهم وأوعية ~~لأغذيتهم ms345 وصوانا لأقدامهم وجعل ألبانها ولحومها أغذية لهم ثم جعل بعضها ~~زينة للركوب وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر ~~الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصورها فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع ~~منافعها سابق على خلقه إياها فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر ~~ومن غير PageV01P467 تأمل وتدبر ومن غير استعانة بوزير أو مشير فهو العليم ~~الخبير الحكيم القدير فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق الشهادة من ~~قلوب العارفين بتوحيده فما للخلق إلا الإذعان لقهره وقدرته والاعتراف ~~بربوبيته والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله وعظمته فمن ذا الذي يحصي ثناء ~~عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنما غاية معرفتنا الاعتراف بالعجز عن ~~معرفته فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنه ورأفته # | آية البحار # من آياته تعالى البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض وفيها من عجائب ~~الحيوان والجواهر أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض كما أن سعته أضعاف سعة ~~الأرض أنظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء وانظر كيف أنبت ~~المرجان من صم الصخور ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي ~~يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى ~~على وجه الماء وسير فيها التجار وطلاب الأموال وغيرهم وسخر لهم الفلك لتحمل ~~أثقالهم # وأعجب من ذلك كله الماء ما هو أظهر من كل ظاهر وهو كيفية قطرة الماء وهو ~~جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع ~~القبول للتقطيع به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات فلو احتاج ~~العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في ~~تحصيلها لو ملك ذلك ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض ~~وملك الدنيا في إخراجها # فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ونفائس الجواهر ويغفل عن ~~نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ عنها بذل جميع ~~الدنيا فيها فتأمل في عجائب المياه ms346 والأنهار والآبار والبحار ففيها متسع ~~للفكر ومجال وكل ذلك شواهد متظاهرة وآيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة ~~عن جلال بارئها معربة عن كمال حكمته # | آية الهواء وعجائب الجو # ومن آياته تعالى الهواء اللطيف فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال ~~PageV01P468 سبحانه @QB@ وأرسلنا الرياح لواقح @QE@ فيصل بحركته روح الهواء ~~إلى الحيوانات والنباتات فتستعد للنماء وإن شاء جعله عذابا على العصاة من ~~خليقته كما قال تعالى @QB@ إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ~~تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر @QE@ # ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم والرعود والبروق والأمطار ~~والثلوج والشهب والصواعق فهي عجائب ما بين السماء والأرض وقد أشار القرآن ~~إلى جملة ذلك في قوله تعالى @QB@ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين @QE@ وهذا هو الذي بينهما وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال ~~تعالى @QB@ والسحاب المسخر بين السماء والأرض @QE@ وحيث تعرض للرعد والبرق ~~والسحاب والمطر فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا ~~كدورة فيه وكيف يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء وهو مع رخاوته حامل ~~للماء الثقيل وممسك له في جو السماء إلى أن يأذن الله في إرسال الماء ~~وتقطيع القطرات حتى يصيب الأرض قطرة قطرة فلو اجتمع الأولون والآخرون على ~~أن يخلقوا منها قطرة لعجزوا وكل ذلك من فضل الجبار القادر لا إله إلا هو # | آية السموات # ومن آياته تعالى ملكوت السموات وما فيها من الكواكب وقد عظم الله تعالى ~~أمر السموات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في مواضع ~~وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى @QB@ والسماء والطارق @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم @QE@ وقد علمت ~~أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون وما أقسم الله بها ~~فما PageV01P469 ظنك بما أقسم الله تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها ~~إليه فقال تعالى @QB@ وفي السماء رزقكم وما توعدون @QE@ وأثنى على ~~المتفكرين فيه فقال @QB@ ويتفكرون في ms347 خلق السماوات والأرض @QE@ فارفع رأسك ~~إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف ~~مشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ومن ~~غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ~~ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طي السجل للكتب وتدبر كثرة كواكبها واختلاف ~~ألوانها وكيفية أشكالها ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي ~~تطلع في كل يوم وتغرب ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولم ~~تعرف المواقيت ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام فكان لا ~~يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار ~~والنهار في الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص وانظر ~~كيف أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وعجائب السموات لا ~~مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر ~~وعلى الجملة فما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى فيه حكم كثيرة وكل ~~العالم كبيت واحد والسماء سقفه فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا ~~بالصبغ مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول ~~عمرك وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه ~~وإلى عجائب أمتعته وغرائب حيواناته ثم لا تتحدث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه ~~ليس لك هم إلا شهوتك اشتغلت بأنواع الغرور وغفلت عن النظر في جمال ملكوت ~~السموات والأرض فاستكثر من معرفة عجيب صنع الله تعالى لتكون معرفتك بجلاله ~~وعظمته أتم والله الملهم PageV01P470 # | كتاب ذكر الموت وما بعده # # | فضيلة ذكر الموت # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثروا من ذكر هاذم اللذات وعنه ~~صلوات الله عليه أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ~~وعنه عليه الصلاة والسلام كفى بالموت واعظا وعنه أكيس الناس أكثرهم ذكرا ~~للموت وأشدهم استعدادا له أولئك هم الأكياس ms348 ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة ~~الآخرة # وعن مطرف بن عبد الله قال إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم ~~فاطلبوا نعيما لا موت فيه # واعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه ~~لا PageV01P471 محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وإذا ذكر به كرهه ونفر منه ~~أولئك هم الذين قال الله فيهم @QB@ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون @QE@ ثم ~~الناس إما منهمك وإما تائب مبتدئ وإما عارف منته # أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل ~~بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا # وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية ~~فيفي بتمام التوبة # وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقائه لحبيبه والمحب لا ~~ينسى قط موعد لقاء الحبيب # ثم إن أنجع طريق في ذكر الموت أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا ~~قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ~~ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وخلت ~~منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأنه مثلهم وستكون عاقبته كعاقبتهم ~~فملازمة هذه الأفكار مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر ~~الموت في القلب فيستعد له ويتجافى عن دار الغرور ومهما طاب قلبه بشيء من ~~الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته نظر ابن مطيع ذات يوم ~~إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ~~ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى رحمه الله تعالى # | فضيلة قصر الأمل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر إذا أصبحت فلا تنتظر ~~المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك وعن ~~PageV01P472 علي رضي الله عنه رفعه إن أشد ما اخاف عليكم خصلتان اتباع ~~الهوى ms349 وطول الأمل فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فإنه ~~الحب للدنيا # وسبب طول الأمل حب الدنيا والأنس بها والجهل باستبعاد الموت فجأة ولا ~~يدري أن ذلك غير بعيد فإن الموت لا وقت له من شباب وشيب وكهولة ومن صيف ~~وشتاء وخريف وربيع ومن ليل ونهار فلا يقدر نزول الموت به مع رؤياه من مات ~~بين يديه ولا يقدر أن تشيع جنازته وهو لا يزال يشيع الجنائز فما أغفله وما ~~أجهله فسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ويدفن في ~~قبره ولا علاج لذلك إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب ~~وجزيل الثواب فمهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فإن حب ~~الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير # | المبادرة إلى العمل وحذر آفة التأخير # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك ~~وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وقال صلى ~~الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ أي إنه لا ~~يغتنمهما ثم يعرف قدرهما عند زوالهما وكان الحسن يقول في موعظته المبادرة ~~المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها ~~إلى الله عز وجل رحم الله امرأ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه ثم قرأ هذه ~~الآية @QB@ إنما نعد لهم عدا @QE@ يعني الأنفاس آخر العدد خروج نفسك آخر ~~العدد فراق أهلك آخر العدد دخولك في قبرك # وسبب التأخير هو الأنس بالدنيا وشهواتها والتسويف فلا يزال يسوف ويؤخر ~~ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر وهكذا على ~~PageV01P473 التدرج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال ~~إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته وأكثر أهل النار ~~وصياحهم من سوف يقولون واحزناه من سوف والمسوف المسكين لا يدري أن الذي ~~يدعوه ms350 إلى التسويف اليوم هو معه غدا وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا ~~ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا فراغ قط هيهات فما يفرغ منها إلا ~~من اطرحها # ( فما قضى أحد منها لبانته % وما انتهى أرب إلا إلى أرب ) # نساله تعالى أن لا يجعل لنا بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء # | بيان سكرة الموت والاعتبار بالجنائز وزيارة القبور # اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى ~~سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ~~ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده لا سيما ~~وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك # واعلم أن الجنائز عبرة للبصير وفيها تنبيه وتذكير لا لأهل الغفلة فإنها ~~لا تزيدهم مشاهدتها إلا قسوة لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ~~ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون أو يحسبون ذلك ولكنهم على ~~القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا يحسبون فبطل ~~حسبانهم وانقرض على القرب زمانهم فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدر نفسه ~~محمولا عليها فإنه محمول عليها على القرب وكأن قد ولعله في غد أو بعد غد ~~قال ثابت البناني كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعا باكيا فهكذا كان ~~خوفهم من الموت والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ~~ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته ولا يتفكر أقرانه ~~وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ولا يتفكر واحد منهم ~~إلى ما شاء الله في جنازة نفسه وفي حاله إذا حمل عليها ولا سبب لهذه الغفلة ~~إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب حتى PageV01P474 نسينا الله تعالى ~~واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا فصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا ~~يعنينا فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة # فمن آداب حضور الجنازة التفكر والتنبه والاستعداد و المشي ms351 أمامها على ~~هيئة التواضع ومن آدابه حسن الظن بالميت وإن كان فاسقا وإساءة الظن بالنفس ~~وإن كان ظاهرها الصلاح فإن الخاتمة مخطرة لا يدرى حقيقتها # وأما زيارة القبور فهي مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد وأما ~~النساء فلا يفي خير زيارتهن بشرها لأنهن يكثرن الهجر على رؤوس المقابر ولا ~~يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه عظائم والزيارة سنة فكيف يحتمل ذلك ~~لأجلها نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها وذلك ~~بشرط الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر # والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا لوجه الميت وأن ~~يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله فإن ذلك من عادة النصارى قال نافع ~~كان ابن عمر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي ~~السلام على أبي بكر السلام على أبي وينصرف وكان بعض السلف إذا وقف على باب ~~المقابر يقول آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله ~~حسناتكم فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها وللمزور الانتفاع ~~بدعائه فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار ~~به وإنما يحصل له الاعتبار به بأن يتصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه ~~وكيف يبعث من قبره وأنه على القرب سيلحق به ويستحب الثناء على الميت وأن لا ~~يذكر إلا بالجميل قال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا ~~إلى ما قدموا # | بيان المأثور عند موت الولد # حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت ~~PageV01P475 منزلة ما لو كان في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ~~ووطنه فإنه لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما ~~إلا تقدم وتأخر وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق ms352 المتأخر ~~وإذا اعتقد هذا قل جزعه وحزنه لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما ~~يعزى به كل مصاب فعن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لسقط ~~أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي وإنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى ~~على الأعلى وإلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا ~~كانوا له جنة من النار فقالت امرأة أو اثنان يا رسول الله قال أو اثنان ~~وليخلص الوالد الدعاء لولده عند الموت فإنه أرجى دعاء وأقربه إلى الإجابة ~~وقف أبو سنان على قبر ابنه فقال اللهم إني قد غفرت له ما وجب لي عليه فاغفر ~~له ما وجب لك عليه فإنك أجود وأكرم ووقف أعرابي على قبر ابنه فقال اللهم ~~إني قد وهبت له ما قصر فيه من بري فهب له ما قصر فيه من طاعتك وينبغي أن ~~يتذكر عند موت الولد الفجائع الكبرى ليتسلى بها عن شدة الجزع فما من مصيبة ~~إلا ويتصور ما هو أعظم منها وما يدفعه الله في كل حال فهو الأكثر # | ذكرى ما بعد الموت من البرزخ وأهوال القيامة # كما أن للموت شدة في أحواله وسكراته وخطرا في خوف العاقبة كذلك الخطر في ~~مقاساة ظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره ~~إن كان مغضوبا عليه وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور ~~PageV01P476 والبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل ~~والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ثم جواز الصراط ثم انتظار النداء عند ~~فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من ~~معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك ~~لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم ~~الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم ~~واستعدادهم ms353 لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما ~~تكتنفه من المصاعب والأهوال بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ~~ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه ~~الذي أخبره صدقت ثم مد يده لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب ~~العمل أبلغ من تكذيب اللسان فمثل نفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتا من شدة ~~الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال ~~فيها بلاهم وقد أزعجهم الرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم ~~وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال الله تعالى @QB@ ونفخ في الصور فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون @QE@ فتفكر في الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم انتظارا لما يقضى ~~عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم ~~فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسموات وطمس الشمس ~~والقمر وأظلمت الأرض واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة وازدحموا في الموقف ~~شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم فتأمل يا مسكين في طول هذا اليوم وشدة ~~الانتظار فيه والخجلة والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى وأنت ~~عار مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر لما يجري عليك القضاء بالسعادة أو ~~بالشقاوة وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه ~~القاهر سلطانه القريب أوانه يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت @QB@ وتضع كل ~~ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد @QE@ ~~يوم ترى السماء فيه قد PageV01P477 انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت ~~والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد سيرت والعشار قد عطلت ~~والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى الأبدان قد زوجت والجحيم قد ~~سعرت والجنة قد أزلفت # وقد وصف الله بعض دواهي يوم القيامة وأكثر من أساميه لتقف بكثرة أساميه ~~على كثرة معانيه فليس المقصود ms354 بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب بل ~~الغرض تنبيه أولي الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفي كل نعت من ~~نعوتها معنى فاحرص على معرفة معانيها فمن أساميها يوم القيامة ويوم الحسرة ~~ويوم الندامة ويوم المحاسبة ويوم الزلزلة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم ~~القارعة ويوم الغاشية ويوم الراجفة ويوم الحاقة ويوم الطامة ويوم الصاخة ~~PageV01P478 ويوم التلاق ويوم التناد ويوم الجزاء ويوم الوعيد ويوم العرض ~~ويوم الوزن ويوم الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الخزي ويوم عسير ويوم ~~الدين ويوم النشور ويوم الخلود ويوم لا ريب فيه ويوم لا تجزي PageV01P479 ~~نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم # فالويل كل الويل للغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب ~~المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول @QB@ ~~اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم @QE@ ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول @QB@ ~~اقتربت الساعة وانشق القمر @QE@ @QB@ إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا @QE@ ~~@QB@ وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا @QE@ ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ ~~دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم ~~وأساميه ولا نستعد للتخلص من دواهيه فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم ~~يتداركنا الله بواسع رحمته # | صفة السؤال # ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من ~~غير ترجمان فتسأل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت في كرب ~~القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماء إلى موقف ~~العرض على الجبار فيقومون صفا صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وينادون ~~واحدا بعد واحد فعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى ~~أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف ~~سترهم على ملأ ms355 الخلائق وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش @QB@ وأشرقت ~~الأرض بنور ربها @QE@ PageV01P480 ) وأيقن قلب كل عبد بإقبال الجبار ~~لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه المقصود بالأخذ ~~والسؤال دون من عداه فيبدأ سبحانه بالأنبياء @QB@ يوم يجمع الله الرسل ~~فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب @QE@ فيا لشدة يوم ~~تذهل فيه عقول الأنبياء من شدة الهيبة ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى ~~شفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه فكيف ~~ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت ~~شهدت عليك جوارحك وأنت بقلب خافق وطرف خاشع وأعطيت كتابك الذي لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت ~~عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان ~~تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول وفي الخبر لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من ~~عند ربه حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ~~وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم فأعظم يا مسكين ~~بحياتك عند ذلك وبخطرك ثم لا تغفل عن الفكر في الميزان وتطاير الكتب إلى ~~الشمائل والأيمان @QB@ فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت ~~موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية @QE@ # | صفة الخصماء ورد المظالم # اعلم أنه لا ينجو من خطر الميزان إلا من حاسب في الدنيا نفسه ووزن فيها ~~بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن ~~كل معصية قبل أن يموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض الله ~~تعالى ويرد المظالم حبة بعد حبة حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة ~~فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه فهذا ~~يأخذ بيده PageV01P481 وهذا يقبض على ناصيته وهذا يقول ظلمتني ms356 وهذا يقول ~~شتمتني وهذا يقول استهزأت بي وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري وهذا يقول ~~عاملتني فغششتني وهذا يقول أخفيت عيب سلعتك عني وهذا يقول كذبت في سعر ~~متاعك وهذا يقول رأيتني محتاجا وأنت غني فما أكرمتني وهذا يقول وجدتني ~~مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عني فما راعيتني فبينما أنت كذلك وقد ~~أنشبت الخصماء فيك مخالبهم وأنت مبهوت متحير من كثرتهم إذ قرع سمعك نداء ~~الجبار جل جلاله @QB@ اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم @QE@ فعند ~~ذلك ينخلع قلبك وتتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله حيث قال @QB@ ولا ~~تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ~~مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء @QE@ فما أشد ترحك ~~اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم وما أشد حسراتك في ذلك اليوم ~~إذا وقف بك على بساط العدل وكشف عن فضائحك ومساويك فاحذر من التعرض لسخط ~~الله وعقابه الأليم واستقم على صراطه المستقيم فمن استقام في هذا العالم ~~على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا ومن عدل عن الاستقامة في ~~الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى تعثر في أول قدم من الصراط وتردى # | القول في أهوال جهنم وقانا الله عذابها # يا أيها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة ~~على الانقضاء والزوال دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك ~~فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قال سبحانه @QB@ وإن منكم إلا واردها ~~كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ ~~فأنت من الورود على يقين ومن النجاة في شك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد ~~فعساك تستعد للنجاة منه وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من PageV01P482 ~~دواهي القيامة ما قاسوا فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة ~~أنبائها وتشفيع شفعائها إذ أحاطت المجرمين ظلمات ذات شعب وأظلت عليهم نار ~~ذات لهب وسمعوا لها زفيرا يفصح عن شدة الغيظ و الغضب فعند ms357 ذلك أيقن ~~المجرمون بالعطب وجثت الأمم على الركب حتى أشفق البرءاء من سوء المنقلب ~~فهناك تسوق الزبانية المجرمين إلى العذاب الشديد وينكسونه في قعر الجحيم ~~ويقولون له @QB@ ذق إنك أنت العزيز الكريم @QE@ فاسكنوا دارا يخلد فيها ~~الأسير ويوقد فيها السعير شرابهم فيها الحميم ومستقرهم الجحيم شدت أقدامهم ~~إلى النواصي واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ينادون من أكنافها ويصيحون في ~~نواحيها وأطرافها يا مالك قد نضجت منا الجلود يا مالك أخرجنا منها فإنا لا ~~نعود فتقول الزبانية هيهات لات حين أمان ولا خروج لكم من دار الهوان ~~فاخسؤوا فيها ولاتكلمون ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون ~~فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون ولا ينجيهم الندم ولا ~~يغنيهم الأسف يدعون بالويل والثبور وتغلي بهم النار كغلي القدور تهشم ~~بمقامع الحديد جباههم فيتفجر الصديد من أفواههم وهم مع ذلك يتمنون الموت ~~فلا يموتون فكيف بك لو نظرت إليهم وقد اسودت وجوههم أشد سواد من الحميم ~~وأعميت أبصارهم وأبكمت ألسنتهم وكسرت عظامهم ومزقت جلودهم ولهيب النار سار ~~في بواطن أجزائهم وحيات PageV01P483 الهاوية وعقاربها متشبثة بظواهر ~~أعضائهم هذا بعض جملة أحوالهم وانظر إلى تفاوت الدركات فإن الآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت فمن منهمك ~~مستكثر كالغريق فيها ومن خائض فيها إلى حد محدود فكذلك تناول النار لهم ~~متفاوت فإن الله لا يظلم مثقال ذرة فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في ~~النار كيفما كان بل لكل واحد حد معلوم على قدر عصيانه وذنبه إلا أن أقلهم ~~عذابا لو عرضت عليه الدنيا لافتدى بها من شدة ما هو فيه فيا لحسرة هؤلاء ~~وقد بلوا بما بلوا به ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذاتها # فانظر يا مسكين في هذه الأهوال والعجب منك حيث تضحك وتلهو وتشتغل بمحقرات ~~الدنيا ولست تدري بماذا سبق القضاء في حقك فإن قلت فليت شعري ماذا موردي ~~وإلى ماذا مآلي ومرجعي وما الذي سبق به القضاء في ms358 حقي فلك علامة تستأنس بها ~~وتصدق رجاءك بسببها وهو أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك فإن كلا ميسر لما خلق ~~له فإن كان قد يسر لك سبيل الخير فأبشر فإنك مبعد عن النار وإن كنت لا تقصد ~~خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ويتيسر لك أسبابه فاعلم ~~أنك مقضي عليك فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة المطر على النبات ودلالة ~~الدخان على النار فقد قال الله تعالى @QB@ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار ~~لفي جحيم @QE@ فاعرض نفسك على الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين # | صفة الجنة وأصناف نعيمها # اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها يقابلها دار أخرى فتأمل في ~~نعيمها وسرورها فإن من بعد من إحداهما استقر لا محالة في الأخرى فسق نفسك ~~بسوط التقوى لتنال الملك العظيم وتسلم من العذاب الأليم فتفكر في أهل الجنة ~~وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم جالسين على منابر الياقوت ~~متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة ~~PageV01P484 بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن ~~الياقوت والمرجان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ينظرون فيها إلى وجه الملك ~~الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا ~~يخافون فيها ولا يحزنون ومن ريب المنون آمنون فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه ~~صفتها ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها كيف يأنس ~~ويتهنأ بعيش دونها والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من ~~الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا ~~بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته كيف وأهلها ملوك ~~آمنون وفي أنواع السرور ممتعون لهم فيها كل ما يشتهون وإلى وجه الله الكريم ~~ينظرون وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ~~ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرآن فليس وراء بيان الله تعالى بيان ~~وأقرأ قوله تعالى @QB@ ولمن ms359 خاف مقام ربه جنتان @QE@ إلى آخر سورة الرحمن ~~واقرأ سورة الواقعة وسورة الإنسان وغيرها من السور ففيها ما يدلك على أن ~~ثمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في الأثر ~~ويكفي من الاطلاع على جملتها ما بينا وقد ورد في تفصيل صفاتها كثير من ~~الأخبار المدونة في الأسفار الكبار واعلم أن درجات الآخرة متفاوتة فإن ~~الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة ~~والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر ~~فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله تعالى فقد ~~أمرك الله بالمسابقة والمنافسة فيها فقال تعالى @QB@ وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين @QE@ PageV01P485 وقال تعالى ~~@QB@ إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم ~~يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من ~~تسنيم عينا يشرب بها المقربون @QE@ # اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول أو عمل ونستغفرك من كل ما زلت به القدم أو طغى به ~~القلم يا واسع المغفرة يا أرحم الراحمين # | قال مؤلفه رحمه الله # تم بحمده تعالى اختصار إحياء علوم الدين ليلة الجمعة السادسة عشرة من ~~ربيع الثاني قبيل العشاء سنة 1324 ه في دارنا ظاهر باب الجابية في زقاق ~~العلامة المكتبي على يد جامعه الفقير محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم ~~بن صالح القاسمي الدمشقي عفا المولى عن زلله بمنه وفضله آمين PageV01P486 ms360