######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022842 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022842 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22842 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22842 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مأمون بن محيي الدين الجنان #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1415 هـ - 1995 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين] # المؤلف: محمد جمال الدين القاسمي (المتوفى: 1332ه) # المحقق: مأمون بن محيي الدين الجنان # الناشر: دار الكتب العلمية # سنة النشر: 1415 ه - 1995 م # عدد الأجزاء: 1 # [الكتاب مشكول، وترقيمه موافق للمطبوع] PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # المقدمة # الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا على ما خص به هذه الأمة بالأئمة ~~الأعلام حماة الدين، الذين صرفوا عنان فكرهم في الذب عنه من تضليل المخرفين ~~والمهرفين، فبينوا للعامة الحق من الباطل والغث من السمين. وأشهد أن لا إله ~~إلا الله شهادة المؤمنين الموقنين. وأشهد أن محمدا رسول الله الصادق الوعد ~~الأمين، أدى الرسالة وبلغ الأمانة، فكان مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا، ورضي الله عن الصحابة الطيبين ومن اتبعهم بإحسان إلى ~~يوم الدين. # وبعد: هذا كتاب «موعظة المؤمنين» للشيخ محمد جمال الدين القاسمي، اختصر ~~فيه كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي: «لذكرى العامة. . . وافيا ~~بحاجياتهم. . . مجردا عن دقائق المسائل قريب الأخذ للمتناول» وقد عني ~~بتحقيق هذا الكتاب سابقا وطبع في بيروت، إلا أن تحقيقنا هذا ليس عملا مكررا ~~بقدر ما هو إعادة مع زيادة تعليقات وتصويبات كان لا بد منها بعد ما غفل ~~عنها في الطبعات السابقة. # ولا نكون بهذا أنكرنا على السادة المحققين ما بذلوه من جهد كبير، فلهم ~~دائما فضل السبق. # - أما عن عملي في هذا الكتاب فبعد مقابلة النصوص أثبت في المتن ما رأيته ~~الأقرب إلى النص الأصلي، مع بيان الأرجح والتعليل، وقد زودته بالإحالات ~~الشاملة مع اعتماد الدقة في الأسماء والتواريخ، ومما ألحقت بالشرح تراجم من ~~وردت أسماؤهم في المتن مقرونة بسنة الوفاة مع الإشارة إلى مصادر معلوماتها. ~~كما شرعت بتخريج الأحاديث بعزوها إلى أمهات الكتب والتصانيف لإيضاح مظانها ~~على المسترشدين السائلين. # وأهملت الأحاديث التي تم إخراجها في كتاب «المغني عن حمل الأسفار في ~~الأسفار للعراقي» إلا بعضا منها. وقد بينت بعض حال الرواة بالاعتماد على ~~جملة من أقوال المحدثين. ثم علقت على بعض المسائل في التفسير كما شرحت بعض ~~المبهمات ms001 والعبارات والمصطلحات وغريب اللفظ بما يفي بالمراد. وقد ذيلته ~~بمجموعة فهارس لا غنية لباحث أو دارس مبتدئا كان أو متبحرا عنها، وبينت ~~كيفية استعمالها في مواضعها. # PageV01P003 # أما عن الزيادات على المتن فقد بينتها في الحاشية مع الإشارة إليها، ~~والتي لم أشر إليها فقد اكتفيت بهذه العلامة [] لبيان أنها مزيدة. وأما عن ~~الحواشي فقد حذفت منها روايات المصحح والناسخ واختلافهما، وذلك أن المقصود ~~في الأصل توثيق المحقق نقله. # فكان الكتاب كافيا شافيا للمطالع المكتفي بمتنه وللباحث المتعقب حقيقة ~~المتن وما فيه. # والغاية من تحقيق هذا الكتاب خدمة الواعظ المسترشد وطلبة العلم، فإن كنت ~~قد وفقت فالخير قصدت وإلا حسبي أنني حاولت. # - ولا أنسى في هذا المقام من كلمة شكر أوجهها إلى كل من ساهم وساعد في ~~إخراج هذا الكتاب على ما هو عليه، عرفانا مني بالجميل والفضل. # - هذا ما حاولت صنعه ولا أدعي أنني بلغت في هذا كمالا فالكمال لله وحده، ~~لكنها محاولة آمل أن يجد فيها الدارس ما يصبو إليه. وأسأل الله التوفيق ~~والسداد وحسن الختام، إنه على كل شيء قدير. # وإن كان ثمة شيء يذكر فهو ثنائي على أساتذتي الذين منهم تعلمت وعلى كتبهم ~~عولت ومن آثارهم اقتبست، غفر الله لي ولهم، آمين. والله من وراء القصد. # مأمون بن محيي الدين الجنان # دمشق 11\ 5\ 1994 ص. ب 29173 # PageV01P004 ### | ترجمة موجزة للمؤلف # هو الشيخ جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد بن سعيد بن قاسم ~~الحلاق، من سلالة الحسين السبط. مولده ووفاته (1283 - 1332 ه) إمام الشام ~~في عصره علما وتضلعا، وقد امتاز عن الكثيرين من علمائها باستقلاله عن ~~الفضوليات وخلوه من تضليل الواهمين. ولم يكتف بالوقوف على أسرار الشريعة، ~~بل درس أيضا العلوم العصرية وبها ظهر فضل طريقته العلمية. فقد انتدبته ~~الحكومة للرحلة وإلقاء الدروس العامة في القرى والبلاد السورية، فأقام في ~~عمله هذا أربع سنوات (1308 - 1312 ه) . ثم رحل إلى مصر، وزار المدينة. # اتهم بتأسيس مذهب جديد في الدين سموه «المذهب الجمالي» فقبضت عليه ~~الحكومة سنة (1313ه) ms002 . وسألته، فرد التهمة فأخلي سبيله واعتذر إليه والي ~~دمشق. فانقطع في منزله للتصنيف والتأليف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة في ~~التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب. ونشر بحوثا كثيرة في المجلات ~~والصحف. وقيل: إن مصنفاته تنوف عن اثنين وسبعين مصنفا. مما قاله جرجي أفندي ~~الحداد في رثائه: # نم يا جمال الدين غير مروع ... إن الزمان بما ابتليت كفيل # فستعرف الأجيال فضلك في غد ... إن كان لم يعرفه هذا الجيل # آثاره: # كان لثقافة جمال الدين العظيمة والاطلاع الواسع والاتصال بعلماء عصره ~~الأثر الكبير في حياته العلمية فألف كتبا كثيرة في علوم مختلفة منها: ### | 1 - # الأجوبة المرضية: عما أورده كمال الدين بن الهمام على المستدلين بثبوت ~~سنة المغرب القبلية، طبع في مطبعة المقتبس دمشق سنة (1326ه) . # PageV01P005 ### | 2 - # إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق: طبع في مطبعة المقتبس سنة (1329ه) . ### | 3 - # الإسراء والمعراج: طبع في دمشق سنة (1331ه) . ### | 4 - # أوامر مهمة في إصلاح القضاء الشرعي: في تنفيذ بعض العقود على مذهب ~~الشافعية وغيرهم، طبع في مطبعة الترقي في دمشق د. ت. ### | 5 - # الأوردة المأثورة: طبع في بيروت سنة (1320ه) . ### | 6 - # تاريخ الجهمية والمعتزلة: طبع في صيدا سنة (1320ه) . ### | 7 - # تعطير المشام في مآثر دمشق الشام. ### | 8 - # تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب: طبع في مطبعة والدة عباس مصر سنة ~~(1326ه) . ### | 9 - # جوامع الآداب في أخلاق الإنجاب: طبع في مطبعة السعادة سنة (1339ه) . ### | 10 - # خطب: وهي مجموعة خطب للمؤلف ج طبع في دمشق سنة (1325ه) . ### | 11 - # حياة البخاري: طبع في صيدا سنة (1230ه) . ### | 12 - # دلائل التوحيد: طبع في دمشق سنة (1230ه) . ### | 13 - # الشاي والقهوة والدخان: طبع في مصر سنة (1320ه) . ### | 14 - # شذرة السيرة المحمدية: طبع في مطبعة المنار سنة (1321ه) . ### | 15 - # شرف الأسباط: طبع في دمشق سنة (1231ه) . ### | 16 - # الطائر الميمون في حل لغز الكنز المدفون: طبع في دمشق سنة (1322ه) . ### | 17 - # فتاوى مهمة في الشريعة الإسلامية: في المحاكم العثمانية المصرية. ### | 18 - # الفتوى في الإسلام: طبع في دمشق سنة (1329ه) . ### | 19 - # مذاهب الإعراب وفلاسفة الإسلام في ms003 الجن: طبع في دمشق مطبعة المقتبس سنة ~~(1328ه) . # PageV01P006 ### | 20 - # المسح على الجوربين: ويليه كتاب الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس، طبع في ~~مطبعة الترقي في دمشق (1332ه) . ### | 21 - # موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين: وهو كتابنا هذا، طبع في مطبعة ~~السعادة سنة (1331ه) . ### | 22 - # النفحة الرحمانية شرح متن الميدانية في التجويد: ذيل الشرح بتكملة في ~~آداب التالي والتلاوة. طبع في دمشق سنة (1323ه) . ### | 23 - # نقد النصائح الكافية على تعديل معاوية: وهو رد على كتاب النصائح الكافية ~~عن تولي معاوية. تأليف محمد بن عقيل طبع بدمشق عام (1328ه) . # PageV01P007 ### | مقدمة المؤلف # الشيخ محمد جمال الدين القاسمي # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمدك يا ذا الجلال والإكرام على ما أكملت لنا من دين الإسلام، ونصلي ~~ونسلم على نبي الهدى والرحمة، المبعوث بالكتاب والحكمة، خاتم النبيين وإمام ~~المرشدين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين. # أما بعد: فإن موعظة العامة والتصدي لإرشادهم في الدروس العامة من الأمور ~~المهمة المنوطة بخاصة الأمة، إذ هم أمناء الشرع ونور سراجه، ومصابيح علومه ~~وحفاظ سياجه. وكان السلف يملون مما وقر في صدورهم ما يرونه أمس بحالهم ~~وزمنهم ومكانهم، ولما امتد الفتوح في الإسلام ابتدئ بجمع الهدي النبوي ~~للأنام، ثم اتسع العمران وعظمت الحضارة، فأخذ ينمو التفريع والتخريج ~~والانبساط في الفنون على نسبتها في الغزاة، واستبحرت في فنون العلم ~~الأسفار، ودبت لمقتطفه مباحثه الكبار، وصار المعول في بثه عليها، والملجأ ~~في تعرف حقائقه عليها، وتنوعت في كل فن مصنفاته، وزخرت من كل بحث مؤلفاته، ~~حتى حار طالبه في انتقاء الأحسن، واستوقف كثرتها نظره في تخير الأتقن، ~~وأصبح التبصر في أجودها عنوان الذكاء، والوقوف على أنفعها آية النباهة ~~والارتقاء. ولما كانت عظة العوام بإيقافهم على جواهر دين الإسلام، وإعلامهم ~~محاسن الدين وواجباته، ونوافله ومحظوراته، وما يأمر به من الأخلاق الكريمة، ~~ويزجر عنه من المساوئ الذميمة، ليرتقوا إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم، فيفوزوا ~~بما في الاعتصام به سعادتهم وفلاحهم من أوجب الواجبات وآكد المفروضات، لما ~~أخذ الله على العلماء من الدعوة إلى الخير والأمر ms004 بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فيقف المدعوون على شرائعه تعالى فيما أمر وزجر، ووعد وأوعد وبشر ~~وأنذر، فلزم الداعي إلى الله تعالى أن يجتهد بفطنته لما يعينه في دعوته، ~~فينتخب من المدونات أنفعها، وينتقي من لباب لبابها أرفعها، إذ كثير مما ~~اعتيد في المحافل تدريسه، لم يكن على بناء إفادة العامة تأسيسه، ولا برهان ~~بعد عيان. # PageV01P009 # موضوع ذكرى العامة موضوع جليل، لا يصلح له إلا كل حكيم نبيل. أتدري من ~~المذكر أو الواعظ أو المرشد؟ هو إنسان حافظ لحدود الله، قائم على إرشاد ~~العقول، وتهذيب النفوس، وتثقيف الأذهان، وتنوير المدارك وتصحيح المعتقدات ~~وإبانة سر العبادات، وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة وتراث ~~الضلالة. # المذكر وارث محمدي، واقف على مقاصد التشريع وحكمته، عالم مواضع الخلاف ~~والوفاق، سائس لسامعيه بما يلائمهم من الأحكام. لا يصعد بهم قمم الشدة ~~والتعسير، ولا يهبط بهم إلى حضيض الترخيص غلوا في التيسير، بل يسير بهم على ~~جادة الحق وسواء الطريق. # المذكر ينشر العلم النافع بين الناس، ويحثهم على العمل به، ويخاطبهم على ~~قدر عقولهم، ويتنزل لإرشادهم إلى لغتهم، يعاشر بالنصح، ويخالطهم لتأليف ~~قلوبهم. # المذكر هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، ~~وتحريرهم من رق الخرافات والوهم. وهو كالسراج فإذا لم ينتفع بضوئه فلا ~~فائدة في وجوده، وحق ما قيل «لا يكون العالم عالما حتى يظهر أثر علمه في ~~قومه» إذ ليس مسؤولا عن نفسه وحدها، بل عنها وعن عشيرته وأمته، فمن الواجب ~~عليه أن يعلم ويعظ ويبلغ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعلى الجملة فالمذكر لا بد أن يكون كاملا في تعليمه، كاملا في إرشاده، ~~كاملا في أخلاقه. # وغير خاف أن مذكر العامة على قوة ملكته وسعة مداركه، يضطر إلى مادة تعينه ~~على ذكراه، وتمد ذاكرته إذا أم مبتغاه. ولكن أين تلك المادة الممدة؟ فإني ~~لم أر بين المصنفات على كثرتها ما ألف لذكرى العامة مستوفيا للشروط التامة، ~~بأن يفقهوا معناه، ويدركوا منطوقه ومغزاه، ويكون وافيا بحاجياتهم ms005 آتيا على ~~جميع كمالياتهم، مجردا عن دقائق المسائل قريب الأخذ للمتناول ; فيستعين به ~~المذكر، ويهتدي به المستبصر. ولم أزل أترقب من نفحات التوفيق ما يهدئ ~~البال، إلى أن رأيت بعد ما لونت في عام التدريس كل كتاب نفيس الأعوام ~~الطوال أن من أنفع ما يقتبس منه عظة المؤمنين مواضيع تنتخب من (إحياء علوم ~~الدين) للعلامة الإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ~~الطوسي - عليه الرحمة والرضوان -. ثم اتفق أن تذاكرت مع إمام حكيم واستطلعت ~~رأيه الصائب في هذا المرام، فقال متأسفا: «إن هذا الموضوع لم يصنف فيه إلا ~~أن أحسن ما لدينا لذلك هو الإحياء بعد تجريده» فعددت ذلك من بدائع ~~الموافقات. وأتذكر الآن أن أحد الأعلام في دمشق أشار على من استشاره من ~~المدرسين بالإحياء، فأخذ المدرس في قراءته بالحرف، عملا بالأمر # PageV01P010 # الصرف، ثم شكا له ضيق صدره من مباحث لا تفقهها العوام، ولا ينتفع بها إلا ~~خاصة الأنام، فأجابه بأن أمره كان لفصول تنتخب منه، وقد تحققت بذلك كمال ~~حذقه - رحمه الله ورضي عنه -، لذلك عزمت سنة (1323) على اختصاره في جزأين ~~موجزين على الشريطة السالفة، أساير فيهما ترتيب أصله بلا مخالفة، والمأمول ~~أن تحظى بالغاية المتوخاة والضالة المنشودة، وبالله المستعان، وعليه ~~التكلان. # PageV01P011 ### | كتاب العلم ### | فضيلة العلم: # شواهده من القرآن آيات كثيرة منها قوله عز وجل: (شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط) [آل عمران: 18] فانظر كيف بدأ ~~سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا ~~وفضلا. وقال الله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات) [المجادلة: 11] وقال عز وجل: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون) [الزمر: 9] وقال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر: ~~28] وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم) [النساء: 83] رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق ~~رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله تعالى. # وأما الأخبار: فقال رسول الله صلى ms006 الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ويلهمه رشده» وقال صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة ~~الأنبياء» ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك ~~الرتبة. # وقال صلوات الله عليه: «إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى ~~الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم» . # وقال صلى الله عليه وسلم في تفضيل العلم على العبادة والشهادة: «فضل ~~العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» . # فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن ~~العلم، وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها، ولولاه ~~لم تكن عبادة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر ~~على سائر الكواكب» . # ومن وصايا لقمان لابنه: «يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله ~~سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء» . # PageV01P013 ### | فضيلة التعلم: # أما الآيات فقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين) [التوبة: 122] وقوله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ~~[النحل: 43، والأنبياء: 7] . # وأما الأخبار: فقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما ~~سلك الله به طريقا إلى الجنة» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي ~~مائة ركعة» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» . # وقال أبو الدرداء: «لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة» وقال أيضا: ~~«العالم والمعلم شريكان في الخير، وسائر الناس همج لا خير فيهم» . # وقال الشافعي - رضي الله عنه -: «طلب العلم أفضل من النافلة» ، وقال فتح ~~الموصلي - رحمه الله -: «أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت؟ ~~قالوا: بلى، قال: كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت» ~~ولقد صدق، فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته، كما أن غذاء الجسد ~~الطعام، ومن فقد العلم ms007 فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر به، إذ حب ~~الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه. فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء، فإن الناس ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه موت ~~رواته، وإن أحدا لم يولد عالما، وإنما العلم بالتعلم» . ### | فضيلة التعليم: # أما الآيات فقوله عز وجل: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) # PageV01P014 # [التوبة: 122] والمراد هو التعليم والإرشاد، وقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) [آل عمران: 187] وهو ~~إيجاب للتعليم، وقوله تعالى: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) ~~[البقرة: 146] وهو تحريم للكتمان، كما قال تعالى في الشهادة: (ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه) [البقرة: 283] وقال تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ~~وعمل صالحا) [فصلت: 33] وقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة) [النحل: 125] وقال تعالى: (ويعلمهم الكتاب والحكمة) [البقرة: 129، ~~آل عمران: 164، والجمعة: 2] وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم لما بعث ~~معاذا إلى اليمن: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ~~" وقال صلى الله عليه وسلم: " من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة ~~بلجام من نار " وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله سبحانه وملائكته وأهل ~~سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم ~~الناس الخير " وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا ~~من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " الدال على الخير كفاعله " وقال صلى الله عليه وسلم " رحمة ~~الله على خلفائي، قيل ومن خلفاؤك، قال " الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد ~~الله ". # ومن الآثار ما روي عن معاذ أنه قال: " تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، ~~وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، ~~وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على ~~الدين، والمصبر على ms008 البأساء والضراء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير ~~قادة سادة هداة يقتدى بهم، أدلة في الخير، تقتص آثارهم، وترمق أفعالهم، ~~يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلى ; والتفكر فيه يعدل بالصيام، # PageV01P015 # ومدارسته بالقيام، به يطاع الله عز وجل، وبه يعبد، وبه يوحد ويمجد، وبه ~~يتورع، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه ~~السعداء ويحرمه الأشقياء ". وقال الحسن - رحمه الله -: " لولا العلماء لصار ~~الناس مثل البهائم " أي: إنهم بالتعلم يخرجون الناس من حد البهيمة إلى حد ~~الإنسانية. ### | بيان العلم الذي هو فرض عين: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» فمنه ~~ما يدرك به التوحيد ويعلم به ذات الله تعالى وصفاته، ومنه ما تعرف به ~~العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل، ومنه ما تعلم به ~~أحوال القلب ما يحمد منها كالصبر والشكر والسخاء وحسن الخلق وحسن المعاشرة ~~والصدق والإخلاص، وما يذم كالحقد والحسد والغش والكبر والرياء والغضب ~~والعداوة والبغضاء والبخل، فمعرفة ما تكتسب به الأولى وما تجتنب به الثانية ~~فرض عين كتصحيح المعتقدات والعبادات والمعاملات. # PageV01P016 ### | كتاب عقيدة أهل السنة ### | «في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام» # عقيدتهم في ذاته تعالى وتقدس أنه إله واحد لا شريك له، قديم لا أول له، ~~مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، دائم لا انصرام له. لم يزل ولا ~~يزال، موصوفا بنعوت الجلال، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد ~~وانقراض الآجال، بل هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم ; ~~وأنه ليس بجسم مصور، ولا يماثل موجودا، ولا يماثله موجود، ولا تحيط به ~~الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات. وأنه مستو على العرش على الوجه ~~الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى ~~تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن ~~الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات ~~عن ms009 الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل ~~الوريد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، ~~وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن ~~أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه ~~كان، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالأبصار في دار ~~القرار نعمة منه ولطفا بالأبرار، وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه ~~الكريم، وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه ~~سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع، ~~المتوحد بالإيجاد والإبداع ; وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من ~~تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة ~~الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس # PageV01P017 # الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا ~~به في أزل الآزال ; وأنه تعالى مدير للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجري في ~~الملك والملكوت أمر إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته. فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، وأنه تعالى سميع بصير، لا يعزب ~~عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، ولا يحجب سمعه بعد، ~~ولا يدفع رؤيته ظلام. لا يشبه سمعه وبصره سمع وبصر الخلق، كما لا تشبه ذاته ~~ذات الخلق، وأنه تعالى متكلم آمر ناه، واعد متوعد، وأن القرآن والتوراة ~~والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام، وأنه تعالى كلم موسى ~~- عليه السلام - بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه، وأن القرآن كلام ~~الله ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد، وأنه سبحانه وتعالى لا موجود ~~سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من ms010 عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها ~~وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته، فكل ما سواه من إنس وجن وملك ~~وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد ومدرك ومحسوس حادث، اخترعه بقدرته بعد العدم ~~اختراعا، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان في الأزل موجودا وحده ~~ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من ~~إرادته ولما حق في الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته، وأنه متفضل ~~بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجود، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن ~~لزوم، فله الفضل والإحسان، والنعمة والامتنان، وأنه عز وجل يثيب عباده ~~المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم اللزوم له، إذ لا يجب عليه ~~لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق، وأن حقه في الطاعات ~~واجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه - عليهم السلام - لا بمجرد ~~العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ~~ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم بما جاؤوا به، وأنه بعث النبي الأمي ~~القرشي محمدا - صلى الله عليه وسلم - برسالته إلى [كافة] العرب والعجم ~~والجن والإنس، وأنه ختم الرسالة والنبوة ببعثته فجعله آخر المرسلين بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم وشرح ~~به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم، وألزم الخلق تصديقه في جميع ما ~~أخبر به، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم ~~يعودون، وأنه تعالى قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها ~~بالنظر إلى وجهه الكريم، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في ~~آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته. # وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب ~~الخمور، وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ~~ولا نارا إلا من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، ونرجو ~~الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا ms011 بالنار معذبين، ونقول إن # PageV01P018 # الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ونؤمن بعذاب القبر وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب ~~المؤمنين، وندين بحب السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه - عليه ~~السلام -، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين ; ونقول إن ~~الإمام الفاضل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق - ~~رضوان الله عليه - وإن الله أعز به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه ~~المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم للصلاة - وسموه ~~بأجمعهم خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه -، ثم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وإن الذين قاتلوه قاتلوه ~~ظلما وعدوانا، ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فهؤلاء الأئمة بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلافتهم خلافة النبوة، ونتولى سائر ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونكف عما شجر بينهم، ونعول فيما ~~اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ~~ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونرى ~~الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك ونقول إن ~~الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم. # PageV01P019 ### | كتاب أسرار الطهارة # قال تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) ~~[المائدة: 6] وقال تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) ~~[التوبة: 108] . # وقال صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور» وعنه «بني الدين على ~~النظافة» ففطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر إذ ~~يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «الطهور نصف الإيمان» عمارة ~~الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحونا ~~بالأخباث والأقذار، هيهات هيهات. والطهارة لها أربع مراتب. ms012 # المرتبة الأولى: تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات. # المرتبة الثانية: تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام. # المرتبة الثالثة: تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة. # المرتبة الرابعة: تطهير السر عما سوى الله تعالى وهو طهارة الأنبياء - ~~صلوات الله عليهم - والصديقين. ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يجاوز ~~الطبقة السافلة، فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة وعمارته ~~بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم وعمارتها بالخلق ~~المحمود، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ من طهارة الجوارح عن المناهي وعمارتها ~~بالطاعات، وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وكثرت عقباته، فلا تظن أن هذا ~~الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا. نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه ~~الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي كالقشرة ~~الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب، فصار يمعن فيها ويستوعب جميع ~~أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب وتنظيف الظاهر وطلب المياه الجارية ~~الكثيرة، ظنا منه بحكم الوسوسة وتخبل العقل أن الطهارة المطلوبة الشريفة هي ~~هذه فقط، وجهالة بسيرة الأولين واستغراقهم جميع الهم والفكر في تطهير القلب ~~وتساهلهم في أمر الظاهر، حتى إن عمر - رضي الله عنه - مع علو منصبه توضأ من ~~ماء # PageV01P020 # في جرة نصرانية. ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد، وكانوا يقتصرون ~~على الحجارة في الاستنجاء. فكانت عنايتهم كلهم بنظافة الباطن، ولم ينقل عن ~~أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات. وقد انتهت النوبة إلى طائفة يسمون ~~الرعونة نظافة، فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها، ~~والباطن هنا خراب مشحون بخبائث الكبر والعجب والجهل والرياء والنفاق ولا ~~يستنكرون ذلك ولا يتعجبون منه. ولو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر، أو ~~صلى على الأرض من غير سجادة مفروشة، أو توضأ من آنية كافر، أقاموا عليه ~~القيامة وشدوا عليه النكير ولقبوه بالقذر. فانظر كيف صار المنكر معروفا ~~والمعروف منكرا، وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته وعلمه، إذا ~~عرفت هذه المقدمة فلنتكلم الآن من مراتب الطهارة على الرابعة، وهي ms013 نظافة ~~الظاهر فنقول: طهارة الظاهر ثلاثة أقسام: طهارة عن الخبث، وطهارة عن الحدث، ~~وطهارة عن فضلات البدن، وهي التي تحصل بالقلم والاستحمام واستعمال النورة ~~والختان وغيرها. ### | القسم الأول: في طهارة الخبث # والنظر فيه يتعلق بالمزال والمزال به والإزالة. ### | الطرف الأول في المزال وهي النجاسة: # الأعيان ثلاثة: جمادات، وحيوانات، وأجزاء حيوانات. أما الجمادات فطاهرة ~~كلها إلا الخمر، وكل منتبذ مسكر، والحيوانات طاهرة كلها إلا الكلب ~~والخنزير، فإذا ماتت فكلها نجسة إلا خمسة: ### | 1 - # الآدمي. ### | 2 - # والسمك. ### | 3 - # والجراد. ### | 4 - # ودود التفاح وفي معناه كل ما يستحيل من الأطعمة. ### | 5 - # وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء وغيرهما، فلا ينجس الماء ~~بوقوع شيء منها فيه. # وأما أجزاء الحيوانات فقسمان: # أحدهما: ما يقطع منه وحكمه حكم الميت، والشعر لا ينجس بالجز والموت، ~~والعظم ينجس. # الثاني: الرطوبات الخارجة من باطنه، فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر فهو ~~طاهر كالدمع # PageV01P021 # والعرق واللعاب والمخاط، وما له مقر، وهو مستحيل فنجس، إلا ما هو مادة ~~الحيوان كالمني والبيض. والقيح والدم والروث والبول نجس من الحيوانات كلها، ~~ولا يعفى عن شيء من هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن خمسة. # الأول: أثر النجو بعد الاستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج. # والثاني: طين الشوارع وغبار الروث في الطريق يعفى عنه مع تيقن النجاسة ~~بقدر ما يتعذر الاحتراز عنه، وهو الذي لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط أو ~~سقطة. # الثالث: ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها فيعفى عنه بعد ~~الدلك للحاجة. # الرابع: دم البراغيث ما قل منه أو كثر إلا إذا جاوز حد العادة سواء كان ~~في ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته. # الخامس: دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد. دلك ابن عمر - رضي الله ~~عنه - بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغسل. وفي معناه ما يترشح من ~~لطخات الدماميل التي تدوم غالبا، وكذلك أثر الفصد إلا ما يقع نادرا من جراح ~~أو غيره فيلحق بدم الاستحاضة ولا يكون ms014 في معنى البثرات التي لا يخلو ~~الإنسان عنها في أحواله، ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر ~~الطهارة على التساهل، وما أبدع فيها وسوسة لا أصل لها. ### | الطرف الثاني في المزال به: # وهو إما جامد وإما مائع، أما الجامد فحجر الاستنجاء وهو مطهر تطهير ~~تخفيف. بشرط أن يكون صلبا طاهرا منشفا غير محترم، وأما المائعات فلا تزال ~~النجاسات بشيء منها إلا الماء، ولا كل ماء، بل الطاهر الذي لم يتفاحش تغيره ~~بمخالطة ما يستغنى عنه. ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة ~~طعمه أو لونه أو ريحه، فإن لم يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه ~~لم ينجس لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» . ### | الطرف الثالث في كيفية الإزالة: # النجاسة إن كانت حكمية، وهي التي ليس لها جرم محسوس فيكفي إجراء الماء ~~على # PageV01P022 # جميع مواردها، وإن كانت عينية فلا بد من إزالة العين، وبقاء اللون بعد ~~الحت والقرص معفو عنه، ويعفى عن الرائحة إذا عسر إزالتها، والعصر مرات ~~متواليات يقوم مقام الحت والقرص في اللون، والمزيل للوسواس أن يعلم أن ~~الأشياء خلقت طاهرة بيقين، فما لا يشاهد عليه نجاسة ولا يعلمها يقينا يصلي ~~معها. ### | القسم الثاني: طهارة الأحداث ### | آداب قضاء الحاجة # ومنها الوضوء والغسل والتيمم ويتقدمها الاستنجاء، فلنورد كيفيتها على ~~الترتيب مع آدابها وسننها مبتدئين بسبب الوضوء، وآداب قاضي الحاجة إن شاء ~~الله تعالى. # ينبغي أن يبعد عن أعين الناظرين في الصحراء، وأن يستتر بشيء إن وجده، وأن ~~لا يكشف عورته قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس، وأن لا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها، وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس، وأن لا يبول في الماء الراكد ~~وتحت الشجرة المثمرة وفي الثقب، وأن يتقي الموضع الصلب ومهبات الرياح في ~~البول استنزاها من رشاشه، وأن يتكئ في جلوسه على الرجل اليسرى، وإن كان في ~~بنيان يقدم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، ولا يستصحب شيئا ms015 ~~عليه اسم الله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يقول عند ~~الدخول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وعند الخروج: الحمد لله ~~الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ما ينفعني. وأن يستبرئ من البول بالنتر ~~ثلاثا، ولا يكثر التفكر في الاستبراء فيتوسوس ويشق عليه الأمر، وما يحس به ~~من بلل فيقدر أنه بقية الماء، وقد كان أخفهم استبراء أفقههم، فتدل الوسوسة ~~على قلة الفقه، ومن الرخصة أن يبول الإنسان قريبا من صاحبه مستترا عنه. فعل ~~ذلك رسول الله - صلوات الله عليه - مع شدة حيائه ليبين للناس ذلك. ### | كيفية الاستنجاء: # ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار، ومثلها كل خشن طاهر ; ثم يستنجي بالماء ~~بأن يفيضه باليمنى على محل النجو ويدلك باليسرى حتى لا يبقى أثر يدركه الكف ~~بحس اللمس، ويترك الاستقصاء فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس، ~~وليعلم أن كل ما لا يصل إليه الماء فهو باطن، ولا يثبت حكم النجاسة للفضلات ~~الباطنة ما لم تظهر، وكل ما هو ظاهر وثبت له حكم النجاسة فحد طهوره أن يصل ~~الماء إليه فيزيله ولا معنى للوسواس. ### | كيفية الوضوء: # إذا فرغ من الاستنجاء وأراد القيام إلى الصلاة، اشتغل بالوضوء، ويبتدئ ~~بالسواك ثم يجلس للوضوء مستقبلا القبلة ويسمي ثم يغتسل يديه ثلاثا قبل أن ~~يدخلهما الإناء، ثم يأخذ غرفة لفيه فيتمضمض بها ثلاثا ويغرغر، إلا أن يكون ~~صائما، ثم يأخذ غرفة لأنفه ويستنشق ثلاثا، # PageV01P023 # ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها، ثم يغرف غرفة لوجهه ~~فيغسله من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن في الطول، ومن ~~الأذن إلى الأذن في العرض، ويوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة «الحاجبين ~~والشاربين والعذارين والأهداب» لأنها خفيفة في الغالب، وإلى منابت اللحية ~~الخفيفة، وأما الكثيفة فيفيض الماء على ظاهرها، ويندب تخليلها، ويدخل ~~الأصابع في محاجر العينين وموضع الرمص ومجتمع الكحل وينقيهما، ثم يغسل يديه ~~إلى مرفقيه ثلاثا ويحرك الخاتم ويبدأ باليمين. ثم يستوعب رأسه بالمسح بأن ~~يبل يديه ويلصق رؤوس أصابع ms016 يده اليمنى باليسرى ويضعهما على مقدمة الرأس ~~ويمرهما إلى القفا ثم يردهما إلى المقدمة، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما ~~بماء جديد، ثم يمسح رقبته بماء جديد، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ويخلل ~~أصابعهما. فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين» . ### | ما يكره في الوضوء: # يكره في الوضوء أن يزيد على الثلاث وأن يسرف في الماء. توضأ عليه الصلاة ~~والسلام ثلاثا وقال: «من زاد فقد أساء وظلم» وقال: «سيكون قوم من هذه الأمة ~~يعتدون في الدعاء والطهور» ويقال: «ومن وهن علم الرجل ولوعه بالماء في ~~الطهور» ويكره أن ينفض اليد فيرش الماء وأن يلطم بالماء لطما. ### | الاعتبار بالطهارة: # متى فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره ~~وهو موضع نظر الخلق، فينبغي أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهر ~~قلبه وهو موضع نظر الرب سبحانه، وليتحقق أن طهارة القلب بالتوبة والخلو عن ~~الأخلاق المذمومة والتخلق بالأخلاق الحميدة أولى من أن يقتصر على طهارة ~~الظاهر، كمن أراد أن يدعو ملكا إلى بيته فتركه مشحونا بالقاذورات واشتغل ~~بتجصيص ظاهر الباب البراني من الدار وما أجدره بالتعرض للمقت والبوار. ### | كيفية الغسل: # يغسل يديه ثلاثا ثم يستنجي ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت، ثم يتوضأ ~~وضوءه للصلاة كما وصفنا إلا غسل القدمين فإنه يؤخرهما، ثم يصب الماء على ~~رأسه ثم على شقه # PageV01P024 # الأيمن ثم الأيسر، ثم يدلك ما أقبل من بدنه وما أدبر، ويخلل شعر الرأس ~~واللحية ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منه وما خف. وليس على المرأة نقض ~~الضفائر إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلال الشعور. ويتعهد معاطف ~~البدن. # والغسل الواجب بأربعة: بخروج المني والتقاء الختانين والحيض والنفاس ; ~~وما عداه من الأغسال سنة كغسل العيدين والجمعة والإحرام والوقوف بعرفة ~~ولدخول مكة ولمن غسل ميتا. ### | كيفية التيمم: # من تعذر عليه ms017 استعمال الماء لفقده من بعد الطلب، أو المانع له عن الوصول ~~إليه من سبع أو حابس، أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو لعطش رفيقه، ~~أو كان ملكا لغيره ولم يبعه إلا بأكثر من ثمن المثل، أو كان به جراحة أو ~~مرض وخاف من استعماله فساد العضو أو شدة الضنى، فينبغي أن يصبر حتى يدخل ~~عليه وقت الفريضة، ثم يقصد صعيدا طيبا عليه تراب طاهر بحيث يثور منه غبار، ~~ويضرب عليه كفيه ضاما بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة، ولا يكلف ~~إيصال الغبار إلى ما تحت الشعور خف أو كثف، ثم ينزع خاتمه ويضرب ضربة ثانية ~~ويفرج فيها بين أصابعه ويمسح بكفه اليسرى يده اليمنى وبكفه اليمنى يده ~~اليسرى. وإذا صلى به الفرض فله أن ينتفل كيف شاء ويعيد التيمم لفرض ثان. ### | القسم الثالث: من النظافة التنظيف عن الفضلات الطاهرة # وهي نوعان: أوساخ وأجزاء. ### | النوع الأول الأوساخ والرطوبات المترشحة # وهي ثمانية: # الأول: ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل، فالتنظيف عنه مستحب ~~بالغسل والترجيل والتدهين إزالة للشعث عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يدهن ~~الشعر ويرجله غبا ويأمر به. # الثاني: ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والمسح يزيل ما يظهر منه، وما ~~يجتمع في قعر صماخي أذنيه فينبغي أن ينظف برفق عند الخروج من الحمام. # الثالث: ما يجتمع في داخل الأنف ويزيله بالاستنشاق والاستنثار. # الرابع: ما يجتمع على الأسنان وطرف اللسان فيزيله السواك والمضمضة. # الخامس: ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد، ويستحب إزالة ~~ذلك بالغسل والتسريح بالمشط، وترك الشعث في اللحية إظهارا للزهد وقلة ~~المبالاة بالنفس محذور، وتركه شغلا بما هو أهم منه محبوب. وهذه أحوال باطنة ~~بين العبد وبين الله عز وجل، والناقد بصير والتلبيس غير رائج بحال. # PageV01P025 # السادس: وسخ البراجم وهي معاطف ظهور الأنامل، كانت العرب لا تكثر غسل ذلك ~~لتركها غسل اليد عقيب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ، فأمرهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بغسل البراجم. # السابع: ms018 تنظيف الرواجب، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العرب ~~بتنظيفها وهي رؤوس الأنامل وما تحت الأظافر من الوسخ لأنها كانت لا يحضرها ~~المقراض في كل وقت فتجتمع فيها أوساخ. # الثامن: الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق وذلك ~~يزيله الحمام. ### | آداب الحمام: # لا بأس بدخول الحمام، دخل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمامات ~~الشام، وقال بعضهم: «نعم البيت بيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار» روي ذلك ~~عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنهما -. وقال بعضهم: «بئس ~~البيت بيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء» فهذا تعرض لآفته، وذاك تعرض ~~لفائدته، ولا بأس بطلب فائدته عند الاحتراز من آفته. ولكن على داخل الحمام ~~وظائف من السنن والواجبات، فعليه واجبان في عورته، وواجبان في عورة غيره. ~~أما الواجبان في عورته فهو أن يصونها عن نظر الغير ويوصونها عن مس الغير، ~~فلا يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، ويمنع الدلاك من مس الفخذ وما بين ~~السرة إلى العانة. والواجبان في عورة الغير أن يغض بصر نفسه عنها وأن ينهى ~~عن كشفها، لأن النهي عن الكشف واجب وعليه ذكر ذلك وليس عليه القبول. # وأما السنن فمنها النية، وهو أن لا يدخل لعاجل دنيا ولا عابثا لأجل هوى، ~~بل يقصد به التنظف المحبوب تزينا للصلاة، ويقدم رجله اليسرى عند الدخول، ~~ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر صب الماء بل ~~يقتصر على قدر الحاجة، فإنه المأذون فيه بقرينة الحال، والزيادة عليه لو ~~علمه الحمامي لكرهه، لا سيما الماء الحار فله مؤنة وفيه تعب، وأن يتذكر حر ~~النار بحر الحمام ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم، ~~فإنه أشبه بيت بجهنم، النار من تحت والظلام من فوق نعوذ بالله من ذلك. ولا ~~بأس بأن يصافح الداخل ويقول عافاك الله، ولا بأس بأن يدلكه غيره ويغمز ظهره ~~وأطرافه. ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة. ويكره طبا ms019 ~~صب الماء البارد على الرأس عند الخروج وكذا شربه. ويكره للمرأة دخوله إلا ~~لضرورة بمئزر سابغ. # PageV01P026 ### | النوع الثاني فيما يحدث في البدن من الأجزاء # وهي ثمانية: # الأول: شعر الرأس ولا بأس بحلقه لمن أراد التنظيف، ولا بأس بتركه لمن ~~يدهنه ويرجله. # الثاني: شعر الشارب يندب قص ما طال عن الشفة منه ولا بأس بترك السبالين. # الثالث: شعر الإبط تستحب إزالته في كل أربعين يوما فأقل. # الرابع: شعر العانة تستحب إزالته بالحلق أو بالنورة في المدة المتقدمة. # الخامس: الأظفار وتقليمها مستحب لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها ~~من الوسخ وليس في ترتيب قلمها مروي صحيح. # السادس والسابع: زيادة السرة وقلفة الحشفة، أما السرة فتقطع في أول ~~الولادة، وأما التطهير بالختان فلا بأس به في اليوم السابع من الولادة، وإن ~~خيف منه خطر فالأولى تأخيره. # الثامن: ما طال من اللحية. روي عن بعض الصحابة والتابعين أخذ ما زاد عن ~~القبضة، وقال آخرون: «تركها عافية أحب» ، والأمر في هذا قريب إن لم ينته ~~إلى الطول المفرط فإنه قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه ~~فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية. وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها ~~أشد كراهة من بعض: خضابها بالسواد، وتبييضها بالكبريت، ونتفها ونتف الشيب ~~منها، والنقصان والزيادة فيها، وتسريحها تصنعا لأجل الرياء، وتركها شعثة ~~إظهارا للزهد، والنظر إلى سوادها عجبا للشباب وإلى بياضها تكبرا بعلو السن، ~~وخضابها بالحمرة من غير نية تشبها بالصالحين. فأما الخضاب بالسواد فقد روي ~~فيه نهي لأنه قد يفضي إلى الغرور والتلبيس، وأما تبييضها بالكبريت فقد يكون ~~استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير وترفعا عن الشباب وإظهارا ~~لكثرة العلم، ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات، فلا يزيد كبر السن ~~الجاهل إلا جهلا، فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها، ومن ~~كانت غريزته الحمق فطول المدة يؤكد حماقته، وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب ~~بالعلم، كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقدم «ابن عباس» وهو حديث السن ~~على أكابر الصحابة ms020 ويسأله دونهم، وقال «ابن عباس» - رضي الله عنه -: ما أتى ~~الله - عز وجل - عبده علما إلا شابا، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله عز ~~وجل: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) [الأنبياء: 60] وقوله ~~تعالى: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) [الكهف: 13] وقوله تعالى: ~~(وآتيناه الحكم صبيا) [مريم: 12] وقال «أيوب السختياني» : أدركت الشيخ ابن ~~ثمانين سنة يتبع # PageV01P027 # الغلام يتعلم منه، وقيل «لأبي عمرو بن العلاء» أيحسن من الشيخ أن يتعلم ~~من الصغير؟ فقال: «إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به» . # PageV01P028 ### | كتاب أسرار الصلاة ومهماتها # الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرة الطاعات وقد ~~استقصيت أصولها وفروعها في فن الفقه، فنقصر هنا على ما لا بد منه للمريد من ~~أعمالها الظاهرة وأسرارها الباطنة. ### | فضيلة الأذان: # قال صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا ~~شهد له يوم القيامة» وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم النداء فقولوا ~~مثل ما يقول المؤذن» وذلك محبوب مستحب إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: ~~«لا حول ولا قوة إلا بالله» ، وفي قوله: قد قامت الصلاة: «أقامها الله ~~وأدامها» وفي التثويب أي قول مؤذن الفجر: الصلاة خير من النوم: «صدقت ~~وبررت» وعند الفراغ يقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته» . ### | فضيلة المكتوبة: # قال الله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) [النساء: ~~103] وقال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات ~~لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» ، وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ ~~فقال: «الصلاة لمواقيتها» وكان «أبو بكر» - رضي الله عنه - يقول إذا حضرت ~~الصلاة: (قوموا إلى ناركم التي أوقدتموها فأطفئوها) . ### | فضيلة إتمام الأركان: # قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ركوعها ~~وسجودها وخشوعها # PageV01P029 # عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول: حفظك الله كما حفظتني، ومن صلى لغير وقتها ~~ولم يسبغ وضوءها ولم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها ms021 عرجت وهي سوداء ~~مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف ~~الثوب الخلق فيضرب بها وجهه» . ### | فضيلة الجماعة: # قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجمع تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» ~~وروى «أبو هريرة» أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال: ~~(لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق ~~عليهم بيوتهم) وقال: «عثمان» - رضي الله عنه - مرفوعا: (من شهد العشاء ~~فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة) . وقال محمد بن واسع: ~~«ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثة: أخا إن تعوجت قومني، وقوتا من الرزق عفوا ~~بغير تبعة، وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها ويكتب لي فضلها» وقال الحسن: «لا ~~تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى العلماء» وقال «ابن عباس» - رضي الله عنه -: ~~«من سمع المنادي فلم يجب لم يرد خيرا ولم يرد به» . ### | فضيلة السجود: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يسجد لله سجدة إلا ~~رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة» وقال صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» وقال تعالى: (سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود) [الفتح: 29] يعني نور الخشوع فإنه يشرق من الباطن على ~~الظاهر. # PageV01P030 ### | وجوب الخشوع: # قال الله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) [طه: 14] ظاهر الأمر الوجوب، ~~والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في صلاته كيف يكون مقيما لها لذكره تعالى. ~~وقال سبحانه: (ولا تكن من الغافلين) [الأعراف: 205] وقال تعالى: (قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: 1، 2] جعل أول مراتب ~~الفلاح الخشوع في الصلاة إعلاما بأن من فقده فهو بمراحل عن الفوز والنجاح ~~الذي هو معنى الفلاح، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الصلاة تمسكن وتواضع ~~وتضرع وتضع يديك تقول اللهم اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج» ، وروي: «من لم ~~تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» ، وحكي عن «مسلم ms022 ~~بن يسار» أنه كان يصلي في مسجد البصرة فسقط حائط المسجد ففزع أهل السوق ~~لهدته فما التفت، ولما هنئ بسلامته عجب وقال: ما شعرت بها. وقال «ابن عباس» ~~: «ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه» . ### | فضيلة المسجد وموضع الصلاة: # قال الله عز وجل: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) ~~[التوبة: 18] وقال صلى الله عليه وسلم: «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة ~~بنى الله له بيتا في الجنة» وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم ~~المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد» وقال صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان ~~يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا، وليس لله فيهم حاجة فلا ~~تجالسوهم» . ### | أعمال الصلاة الظاهرة: # إذا فرغ المصلي من الوضوء والطهارة من الخبث في البدن والمكان والثياب ~~وستر العورة من السرة إلى الركبة، فعليه أن ينتصب قائما متوجها إلى القبلة، ~~وليقرب من جدار الحائط فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع تفرق الفكر، وليحجر ~~على بصره أن يجاوز موضع سجوده، # PageV01P031 # وليدم هذا القيام كذلك إلى الركوع من غير التفات، ثم ينوي أداء الصلاة ~~بقلبه ويرفع يديه إلى حذو منكبيه مقبلا بكفيه إلى القبلة ويبسط الأصابع ولا ~~يقبضها ولا يتكلف فيها تفريجا ولا ضما بل يتركها على مقتضى طبعها، ويكبر، ~~ثم يضع اليدين على صدره ويضع اليمنى على اليسرى، ولا ينفض يديه إذا فرغ من ~~التكبير، بل يرسلهما إرسالا خفيفا رفيقا، وينبغي أن يضم الهاء من قوله: ~~«الله» ضمة خفيفة من غير مبالغة، ولا يدخل بين الهاء والألف شبه الواو، ولا ~~بين باء «أكبر» ورائه ألفا كأنه يقول: «أكبار» ويجزم راء التكبير ولا ~~يضمها. ### | القراءة: # ثم يبتدي بدعاء الاستفتاح عقب التكبير قائلا: «الله أكبر كبيرا والحمد ~~لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا» ، أو «وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين ms023 لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين» أو «سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك» ، ثم يقول: أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ الفاتحة ويقول بعدها آمين، ولا يصلها ~~بقوله: (ولا الضالين) ، ويجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء إلا أن ~~يكون مأموما، ويجهر بالتأمين، ثم يقرأ السورة أو قدر ثلاث من القرآن فما ~~فوقها، ولا يصل آخر السورة بتكبيرة الهوي بل يفصل بينهما بقدر قوله: «سبحان ~~الله» ويقرأ في الصبح من السور الطوال من المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي ~~الظهر والعصر والعشاء من أوساطه، وفي الصبح في السفر (قل يا أيها الكافرون) ~~[الكافرون: 1] و (قل هو الله أحد) [الإخلاص: 1] وكذلك في ركعتي الفجر ~~والطواف والتحية. ### | الركوع ولواحقه: # ثم يركع ويراعي فيه أمورا وهو أن يكبر للركوع. وأن يرفع يديه مع تكبيرة ~~الركوع، وأن يمد التكبير إلى تمام الركوع، وأن يضع راحتيه على ركبتيه في ~~الركوع وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة على طول الساق، وأن ينصب ركبتيه ~~ولا يثنيهما، وأن يمد ظهره مستويا لا يكون رأسه أخفض ولا أرفع، وأن يجافي ~~مرفقيه عن جنبيه، وتضم المرأة مرفقيها إلى جنبيها، وأن يقول: " سبحان ربي ~~العظيم " ثلاثا، والزيادة إلى السبعة وإلى العشرة حسن إن لم يكن إماما، ثم ~~يرتفع من الركوع إلى القيام ويرفع يديه ويقول: " سمع الله لمن حمده " ~~ويطمئن في الاعتدال ويقول: ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما ~~بينهما وملء ما شئت من شيء بعد " ويقنت في الصبح في الركعة الثانية ~~بالكلمات المأثورة. ### | السجود: # ثم يهوي إلى السجود مكبرا فيضع ركبتيه على الأرض ويضع جبهته وكفيه مكشوفة ~~ويكبر عند الهوي ولا يرفع يديه مع غير الركوع، ويجافي مرفقيه عن جنبيه ولا ~~تفعل المرأة # PageV01P032 # ذلك، ويفرج بين رجليه ولا تفعل المرأة ذلك، ويرفع بطنه عن فخذيه ولا تفعل ~~المرأة ذلك، ويضع يديه على الأرض حذاء منكبيه ولا يفرج بين أصابعهما بل ~~يضمهما، ولا يفترش ذراعيه على الأرض، ويقول: «سبحان ربي الأعلى» ms024 ثلاثا فإن ~~زاد فحسن إلا أن يكون إماما، ثم يرفع من السجود فيطمئن جالسا معتدلا فيرفع ~~رأسه مكبرا ويجلس على رجله اليسرى وينصب قدمه اليمنى ويضع يديه على فخذيه ~~والأصابع منشورة، ولا يتكلف ضمها ولا تفريجها ويقول: «رب اغفر لي وارحمني ~~وارزقني واهدني واجبرني وعافني واعف عني» ويأتي بالسجدة الثانية كذلك ويصلي ~~الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ في الابتداء. ### | التشهد: # ثم يتشهد في الركعة الثانية التشهد الأول ثم يصلي على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلى آله ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويقبض أصابعه ~~اليمنى إلا المسبحة ويشير بها عند قوله: «إلا الله» ، ويجلس في هذا التشهد ~~على رجله اليسرى كما بين السجدتين. وفي التشهد الأخير يستكمل الدعاء ~~المأثور بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجلس فيه على وركه ~~الأيسر لأنه ليس مستوفزا للقيام بل هو مستقر، ويضع رجله اليسرى خارجة من ~~تحته وينصب اليمنى ثم يقول: «السلام عليكم ورحمة الله» ويلتفت يمينا بحيث ~~يري خده الأيمن وشمالا كذلك، وينوي بالسلام من على يمينه من الملائكة ~~والمسلمين في الأولى، وينوي مثل ذلك في الثانية، ولا يرفع صوته إلا بقدر ما ~~يسمع روحه. ### | المنهيات: # نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الحاقن والحاقب والحازق ~~وعن صلاة الجائع والمتلثم. # فأما الحاقن فمن البول، والحاقب من الغائط، والحازق صاحب الخف الضيق فإن ~~كل ذلك يمنع الخشوع، وفي معناه الجائع المهتم، وفهم نهي الجائع من قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» ~~والنهي عن التلثم من حديث: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغطي ~~الرجل فاه في الصلاة» ، وقال الحسن: «كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى ~~العقوبة أسرع» . # ويكره أيضا أن ينفخ في الأرض عند السجود وأن يسوي الحصا بيده وأن يستند ~~في قيامه إلى حائط، وقال بعض السلف: «أربعة في الصلاة من الجفاء: الالتفات، ~~ومسح الوجه، وتسوية الحصا، وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك» . # PageV01P033 ### | تمييز الفرائض والسنن: ms025 # ما تقدم يشتمل على فرائض وسنن وهيئات ; فالسنن من الأفعال: رفع اليدين في ~~تكبيرة الإحرام وعند الهوي إلى الركوع وعند الرفع منه والجلسة للتشهد ~~الأول، والتورك والافتراش هيئات تابعة للجلسة، وترك الالتفات هيئة للقيام ~~وتحسين لصورته. # والسنن من الأذكار: دعاء الاستفتاح والتعوذ وقول آمين وقراءة السورة ~~وتكبيرات الانتقالات والذكر في الركوع والسجود والاعتدال والتشهد الأول ~~والصلاة فيه على النبي - صلوات الله عليه - والدعاء في التشهد الأخير ~~والتسليمة الثانية ; هذه السنن وما عداها فهو واجب. # واعلم أن الصلاة كالإنسان، فروحها وحياتها أعني الخشوع وحضور القلب ~~والإخلاص كروح الإنسان وحياته، وأركانها تجري منها مجرى قلبه ورأسه وكبده ~~إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها كما ينعدم الإنسان بعدمها، والسنن تجري منها ~~مجرى اليدين والعينين والرجلين منه فهي لا تفوت الحياة بفواتها ولكن يصير ~~المرء بفقدها مشوه الخلقة مذموما، والهيئات تجري منها مجرى أسباب الحسن من ~~الحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون ونحوها، فمن اقتصر على أقل ما يجزئ ~~من الصلاة كان كمن أهدى إلى ملك من الملوك عبدا مقطوع الأطراف، فالصلاة ~~قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها طالب القربة من ~~السلاطين إليهم، وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل ثم ترد عليك يوم العرض ~~الأكبر، فإليك الخيرة في تحسين صورتها وتقبيحها، فإن أحسنت فلنفسك وإن أسأت ~~فعليها. ### | بيان الشروط الباطنة من أعمال القلب ### | اشتراط الخشوع وحضور القلب: # اعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) [طه: ~~14] وظاهر الأمر الوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف ~~يكون مقيما للصلاة لذكره؟ وقوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين) [الأعراف: ~~205] نهي وظاهره التحريم، وقوله تعالى: (حتى تعلموا ما تقولون) [النساء: ~~43] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار ~~الدنيا، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الصلاة تمسكن وتواضع» حصر ~~بالألف واللام وكلمة «إنما» للتحقيق والتوكيد، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» وصلاة ~~الغافل ms026 لا تمنع من الفحشاء والمنكر، وقال صلى الله عليه وسلم: «كم من قائم ~~حظه من صلاته التعب والنصب» وما أراد به إلا الغافل. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها» والتحقيق فيه أن المصلي مناج ~~ربه عز وجل كما ورد به الخبر، والكلام # PageV01P034 # مع الغفلة ليس بمناجاة البتة، ولو حلف الإنسان وقال: لأشكرن فلانا وأثني ~~عليه وأسأله حاجة، ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في ~~النوم لم يبر في يمينه، ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو ~~لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه، إذ لا يكون كلامه خطابا ~~ونطقا معه ما لم يكن هو حاضرا في قلبه، فلو كانت تجري هذه الكلمات على ~~لسانه وهو حاضر إلا أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من ~~الأفكار ولم يكن له قصد يوجبه الخطاب إليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه. ~~ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء، ~~والمخاطب هو الله عز وجل، والقلب بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا ~~يشاهده، بل هو غافل عن المخاطب واللسان يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن ~~المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد ~~الإيمان به. # وبالجملة فحضور القلب هو روح الصلاة، ومن عرف سر الصلاة علم أن الغفلة ~~تضادها. ### | بيان المعاني الباطنة التي بها تتميز حياة الصلاة # يجمع تلك المعاني على كثرتها ست جمل: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، ~~والهيبة، والرجاء، والحياء، فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في ~~اكتسابها. # أما التفاصيل: فالأول: حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ~~ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما، ولا يكون ~~الفكر جائلا في غيرهما، والتفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب، وهو ~~اشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في ~~أثناء الصلاة تمنعه ms027 عن الفحشاء والمنكر، والتعظيم وراء الحضور، والفهم زائد ~~عليهما، والهيبة زائدة على التعظيم وهي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم ~~والإجلال، والرجاء الطمع بمثوبته تعالى، ويقابله الخوف من عقابه تعالى ~~بتقصيره، والحياء استشعار تقصيره وتوهم ذنب. # وأما أسباب هذه المعاني الستة، فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة، فإن قلبك ~~تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم ~~أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن ~~متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج ~~لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم ~~يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير ~~وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها. # وأما التفهم: فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك ~~المعنى، وعلاجه ما تقدم مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر. وعلاج ~~دفعها قطع موادها، أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها. # PageV01P035 # وأما التعظيم: فهي حالة للقلب تتولد مع معرفتين: # إحداهما: معرفة جلالة الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان. # الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد ~~من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم. # وأما الهيبة والخوف: فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ~~ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ~~ينقص من ملكه ذرة. وكلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة. # وأما الرجاء: فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه وعميم إنعامه ولطائف ~~صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة ~~بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة. # وأما الحياء: فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظم ~~حق الله عز وجل، ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها ~~وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه ms028 جلال ~~الله عز وجل والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه ~~المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء. # فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه، ففي معرفة ~~السبب معرفة العلاج، ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان واليقين. ### | بيان الدواء النافع في حضور القلب # اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ~~ومستحيا من تقصيره، فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها ~~بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم ~~الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة. ولا ينهى عن الصلاة إلا ~~الخواطر الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر، ولا ~~يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه. # وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا باطنا: # أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر، فإن ذلك قد يختطف الهم حتى ~~يتبعه وينصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سببا ~~للافتكار. ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه، ولكن الضعيف ~~لا بد وأن يتفرق به فكره. وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو لا يترك ~~بين يديه ما يشغل حسه، ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره، ~~ويحترز من الصلاة على الشوارع وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش ~~المصبوغة. # PageV01P036 # وأما الأسباب الباطنة فهي أشد، فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا ~~لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب. فهذا طريقه أن ~~يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ~~ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة ~~وخطر المقام بين يدي الله سبحانه وهو المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم ~~بالصلاة عما يهمه فلا يترك لنفسه شغلا ms029 يلتفت إليه خاطره. # فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل ~~الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الصارفة عن ~~إحضار القلب، ولا شك أنها تعود إلى مهماته، وأنها إنما صارت مهمات بشهواته، ~~فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق كما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما لبس الخميصة التي أتاه بها «أبو جهم» وعليها علم وصلى بها ~~نزعها بعد صلاته، وقال صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ~~ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بإنبجانية أبي جهم» . ### | بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة: # إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر بظاهرك ~~وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم ينادون باللطف ~~يوم العرض الأكبر. # وأما ### | الطهارة: # فإذا أتيت بها في مكانك وهو طرفك الأبعد، ثم في ثيابك وهو غلافك الأقرب، ~~ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى، فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك، ~~فاجتهد له تطهرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في ~~المستقبل، فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك. # وأما ### | ستر العورة: # فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع ~~لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ~~ربك عز وجل، فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر ~~عن عين الله سبحانه ساتر، وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد ~~بإحضارها في قلبك انبعاث وجود الخوف والحياء من مكانها فتذل به نفسك، ~~ويستكن تحت الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم ~~المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف. # وأما ### | الاستقبال: # فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، # PageV01P037 # أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور ms030 إلى أمر الله عز وجل ليس مطلوبا منك؟ ~~هيهات، فلا مطلوب سواه، وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح ~~وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب، فإنها إذا بغت ~~وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه ~~الله عز وجل. فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك، واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه ~~إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا ~~بالتفرغ عما سواه. # وأما ### | الاعتدال قائما: # فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل تنبيها على إلزام القلب ~~التواضع والتذلل والتبرؤ عن الترؤس والتكبر، مع ذكر خطر القيام بين يدي ~~الله عز وجل في هول المطلع عند العرض للسؤال، واعلم في الحال أنك قائم بين ~~يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك ~~الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله. # وأما ### | النية: # فعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها رجاء لثوابه ~~وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا للمنة منه بإذنه لك في المناجاة مع ~~كثرة عصيانك، فعظم في نفسك قدر مناجاته، وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا ~~تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ~~ويصفر وجهك من الخوف. # وأما ### | التكبير: # فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك، فإن كان في قلبك شيء هو أكبر ~~من الله سبحانه أو كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل وأنت أطوع له منك ~~لله تعالى فقد اتخذته إلهك وكبرته فيكون قولك «الله أكبر» كلاما باللسان ~~المجرد، وقد تخلف القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة ~~والاستغفار وحسن الظن بكرمه سبحانه وعفوه. # وأما ### | دعاء الاستفتاح: # فأول كلماته قولك «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» وليس المراد ~~بالوجه الوجه الظاهر، فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة، والله سبحانه يتقدس ~~عن أن تحده الجهات ms031 حتى تقبل بوجه بدنك عليه، وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه ~~به إلى فاطر السماوات والأرض فانظر إليه: أمتوجه إلى أمانيه وهمه في البيت ~~والسوق متبع للشهوات، أو مقبل على فاطر السماوات؟ وإياك أن تكون أول ~~مفاتحتك للمناجاة بالكذب ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما ~~سواه، فاجتهد في الحال في صرفه إليه، وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك ~~في الحال صادقا. وإذا قلت: «حنيفا مسلما» فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم ~~هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في ~~أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال. وإذا قلت: «وما ~~أنا من المشركين» فأخطر ببالك الشرك الخفي كمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد ~~الناس، فكن حذرا متقيا من هذا الشرك واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك ~~بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك، فإن اسم الشرك يقع على ~~القليل والكثير منه. وإذا قلت: «محياي ومماتي لله» # PageV01P038 # فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده، وأنه إن صدر ممن رضاه ~~وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ~~ملائما للحال. وإذا قلت: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فاعلم أنه عدوك ~~ومترصد لصرف قلبك عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل ~~وسجودك له، مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها، وأن استعاذتك بالله سبحانه ~~منه بترك ما يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك، فإن من قصده ~~سبع أو عدو ليفترسه أو ليقتله فقال: أعوذ منك بهذا الحصن الحصين وهو ثابت ~~على مكانه ذلك لا ينفعه، بل لا يفيده إلا بتبديل المكان، فكذلك من يتبع ~~الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول، ومن ~~اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله تعالى. واعلم أن من ~~مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير ms032 فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما ~~تقرأ، فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس، فإن حركة ~~اللسان غير مقصودة، بل المقصود معانيها، فإذا قلت: (بسم الله الرحمن ~~الرحيم) فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أن معناها ~~أن الأمور كلها بالله سبحانه، وإذا كانت الأمور به تعالى فلا جرم كان ~~(الحمد لله رب العالمين) ، ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله، ومن يرى ~~من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكره لا من حيث إنه مسخر من ~~الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى. ~~فإذا قلت: (الرحمن الرحيم) فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته ~~فينبعث به رجاؤك، ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك: (مالك يوم الدين) ~~، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا له، وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب ~~الذي هو مالكه، ثم جدد الإخلاص بقولك: (إياك نعبد) وجدد العجز والاحتياج ~~والتبرؤ من الحول والقوة بقولك: (وإياك نستعين) ، وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك ~~إلا بإعانته، وأن له المنة إذ وفقك لطاعته. ثم عين سؤالك ولا تطلب إلا أهم ~~حاجتك وقل: (اهدنا الصراط المستقيم) الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى ~~مرضاتك، وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة ~~الهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من ~~الكفار والزائغين. ثم التمس الإجابة وقل: «آمين» . ولو لم يكن لك من صلاتك ~~حظ سوى ذكر الله في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة، فكيف بما ترجوه من ~~ثوابه وفضله. وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور فلا تغفل عن أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه وذكر منته وإحسانه، ولكل واحد ~~حق: فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر والنهي، والاتعاظ ~~حق الموعظة، والشكر حق المنة، والاعتبار حق أخبار الأنبياء ; وتكون هذه ~~المعاني بحسب درجات الفهم، ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء القلب، ~~ودرجات ذلك لا تنحصر، ms033 والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا ~~حق القراءة وهو حق الأذكار والتسبيحات أيضا، ثم يراعي الهيبة في القراءة ~~فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل. # PageV01P039 # وأما ### | دوام القيام: # فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد من الحضور قال ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم يلتفت» وكما ~~تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب حراسة السر عن ~~الالتفات إلى غير الصلاة، فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليك ~~وبقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجي ليعود إليه، والزم الخشوع للقلب ~~فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع، ومهما خشع الباطن خشع ~~الظاهر، قال صلى الله عليه وسلم - وقد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته -: «أما ~~هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي» ولهذا ورد في الدعاء ~~«اللهم أصلح الراعي والرعية» وهو القلب والجوارح. # وأما ### | الركوع والسجود: # فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع يديك مستجيرا بعفو ~~الله عز وجل من عقابه، ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك، وتجتهد في ترقيق ~~قلبك وتجيد خشوعك وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك، وتستعين على ~~تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه أعظم من كل شيء ~~عظيم، وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار. ثم ترتفع من ركوعك مؤكدا للرجاء ~~في نفسك بقولك: «سمع الله لمن حمده» أي أجاب لمن شكره، ثم تردف ذلك بالشكر ~~المتقاضي للمزيد فتقول: «ربنا لك الحمد» وتكثر الحمد بقولك: «ملء السماوات ~~وملء الأرض» ، ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة فتمكن أعز ~~أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، وإن أمكنك أن لا تجعل بينهما ~~حائلا فتسجد على الأرض فافعل، فإنه أجلب للخشوع وأدل على الذل، وإذا وضعت ~~نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله، وأنك من ~~التراب خلقت وإليه تعود، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله ms034 وقل: «سبحان ربي ~~الأعلى» وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الآثار، فإذا رق وظهر ذلك ~~فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر ~~والبطر، فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا: «رب اغفر وارحم» ثم أكد ~~التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك. # وأما ### | التشهد: # فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من الصلوات والطيبات ~~أي من الأخلاق الطاهرة لله، وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات، وأحضر في ~~قلبك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقل: «سلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته» ، وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه، ثم تسلم ~~على نفسك وعلى عباد الله الصالحين، ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما ~~وافيا بعدد عباده الصالحين، ثم تشهد له تعالى بالوحدانية «ولمحمد» # PageV01P040 # نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة مجددا عهد الله سبحانه بإعادة ~~كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها، ثم ادع في آخر صلاتك بالدعاء المأثور ~~مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق الرجاء بالإجابة، وأشرك في ~~دعائك أبويك وسائر المؤمنين، واقصد عند التسليم السلام على الملائكة ~~والحاضرين، وانو ختم الصلاة به، واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام ~~هذه الطاعة، ثم أشعر قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخف أن لا ~~تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ~~ذلك أن يقبلها بكرمه وفضله. # هذا تفصيل صلاة الخاشعين (الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: 2] ~~(والذين هم على صلواتهم يحافظون) [المعارج: 34] و (الذين هم على صلاتهم ~~دائمون) [المعارج: 23] والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في ~~العبودية. فليعرض الإنسان نفسه على هذه الصلوات فبالقدر الذي يسر له منها ~~ينبغي أن يفرح، وعلى ما يفوته ينبغي أن يتحسر، وفي مداواة ذلك ينبغي أن ~~يجتهد. وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته. نسأله ~~تعالى أن يتغمدنا برحمته ومغفرته إذ لا وسيلة لنا إلا الاعتراف بالعجز عن ~~القيام ms035 بطاعته. # ومفتاح مزيد الدرجات هي الصلوات، قال الله عز وجل: (قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: 1، 2] فمدحهم بعد الإيمان بصلاة ~~مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال: ~~(والذين هم على صلواتهم يحافظون) [المعارج: 34] ثم قال تعالى في ثمرة تلك ~~الصفات: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) ~~[المؤمنون: 10، 11] فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا. وما عندي أن ~~هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد، ولذلك قال الله عز وجل في ~~أضدادهم ; (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين) [المدثر: 42، 43] ~~فالمصلون هم ورثة الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ~~ودنوه من قلوبهم ; فنسأل الله أن يجعلنا منهم. ### | الإمامة: # على الإمام وظائف قبل الصلاة وفي القراءة وفي أركان الصلاة وبعد السلام: # أما الوظائف التي هي قبل الصلاة فست: [أولها] : أن لا يتقدم للإمامة على ~~قوم يكرهونه، وأن لا يتقدم ووراءه من هو أفقه منه إلا إذا امتنع من هو أولى ~~منه فله التقدم، ويكره عند ذلك المدافعة. # [ثانيها] . # PageV01P041 # [ثالثها] : أن يراعي الإمام أوقات الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان ~~الله تعالى، ففضل أول الوقت على آخره كفضل الآخرة على الأولى، ولا ينبغي أن ~~يؤخر الصلاة لانتظار كثرة الجمع بل عليه المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت ~~فهي أفضل من كثرة الجماعة ومن تطويل السورة، وقد تأخر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صلاة الفجر وكانوا في سفر وإنما تأخر للطهارة فلم ينتظر ~~وقدم «عبد الرحمن بن عوف» فصلى بهم حتى فاتت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ركعة فقام يقضيها فأشفقوا من ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «قد أحسنتم هكذا فافعلوا» وذهب مرة بين قوم فتأخر عن صلاة الظهر ~~فقدموا أبا بكر - رضي الله عنه - حتى جاء صلوات الله عليه وهو في الصلاة ~~فقام إلى جانبه. وليس على الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار ~~الإمام. # [رابعها] : أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا ms036 أمانة الله تعالى في طهارته ~~وجميع شروط صلاته، أما الإخلاص فبأن لا يأخذ عليها أجرة قال [الشيخ: تقي ~~الدين ابن تيمية: ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضا وأجرة بل رزقا للإعانة ~~على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به أو المنذور له ~~ليس كالأجرة والجعل انتهى. # قال «الحارثي» : فالقائل بالمنع من أخذ الأجرة على نوع القرب لا يمنع من ~~أخذ المشروط في الوقف] . # وأما الأمانة فهي الطهارة باطنا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر، ~~فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم ~~فينبغي أن يكون خير القوم. وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا ~~يطلع عليه سواه، فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن ~~يستحي بل يأخذ بيد من يقرب منه ويستخلفه. # [خامسها] : أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا وشمالا فإن رأى ~~خللا أمر بالتسوية. قيل كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب، ولا يكبر ~~حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، والمؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد ~~الناس للصلاة. # PageV01P042 # [سادسها] : أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات، ولا يرفع ~~المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه، وليؤخر المأموم تكبيرة عن تكبيرة ~~الإمام فيبتدئ بعد فراغه. ### | وأما وظائف القراءة فثلاث: # أولها: أن يسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ويجهر بالفاتحة والسورة ~~بعدها في جميع الصبح وأولتي العشاء والمغرب، وكذلك المنفرد، ويجهر بقوله ~~آمين في الصلاة الجهرية، وكذا المأموم، ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام ~~معا لا تعقيبا. # الثانية: أن يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات أولاهن: إذا كبر لدعاء ~~الاستفتاح. الثانية: إذا فرغ من الفاتحة. الثالثة: إذا فرغ من السورة قبل ~~أن يركع وهي أخفها، وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير، فقد نهي عن ~~التعجيل فيه، ولا يقرأ المأموم وراء الإمام إلا الفاتحة، وإن لم يسمع ~~المأموم في الجهرية لبعده أو كان في السرية فلا بأس بقراءته السورة. # الثالثة: التخفيف أولى سيما إذا كثر الجمع لقوله - صلى الله ms037 عليه وسلم -: ~~" إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وإذا ~~صلى لنفسه فليطول ما شاء " وقال صلوات الله عليه " لمعاذ ": " اقرأ سورة " ~~سبح ": و " السماء والطارق " و " الشمس وضحاها ". ### | وأما وظائف الأركان فثلاثة: # أولها: أن يخفف الركوع والسجود فلا يزيد في التسبيحات على ثلاث. # الثانية: في المأموم ينبغي أن لا يسابق الإمام في الركوع والسجود بل ~~يتأخر فلا يهوي للسجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى الأرض، ولا يهوي ~~للركوع حتى يستوي الإمام راكعا. # الثالثة: لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرا من التطويل، ولا ~~يخص نفسه بالدعاء بل يأتي بصيغة الجمع فيقول: اللهم اغفر لنا. ### | وأما وظائف التحلل فثلاث: # أولها: أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة. # الثانية: أن يثبت عقب السلام سيما إذا كان خلفه نسوة فلا يقوم حتى ~~ينصرفن. # الثالثة: إذا وثب فينبغي أن يقبل بوجهه على الناس. ### | فضل الجمعة وآدابها: # اعلم أن هذا يوم عظيم عظم الله به الإسلام وخص به المسلمين، قال الله ~~تعالى: # PageV01P043 # (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ~~[الجمعة: 9] فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه» ~~والعذر مثل: المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم، ~~ونحوها. ويستحب الغسل فيه ولا بأس من تقريبه من الرواح ليكون أقرب عهدا ~~بالنظافة، ويستحب فيه أخذ الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وتطييب الرائحة ولبس ~~أحسن الثياب، ويستحب البكور إلى الجامع وأن يكون في سعيه خاشعا متواضعا ~~مبادرا إلى ندائه تعالى إلى الجمعة، وينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر ~~بين أيديهم، والبكور يسهل عليه ذلك، فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب، ~~ومهما كان الصف الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا ~~حقهم وتركوا مواضع الفضيلة. قال ms038 «الحسن البصري» - رضي الله عنه -: «تخطوا ~~رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم» . وإذا ~~دخل المسجد فليركع ركعتين وإن كان الإمام يخطب، ولا يمر بين يدي الناس بل ~~يجلس إلى أقرب أسطوانة أو حائط حتى لا يمرون بين يديه - أعني بين يدي ~~المصلي - فإن ذلك منهي عنه، ومن اجتاز به فينبغي أن يدفعه، فإن لم يجد ~~أسطوانة فلينصب بين يديه شيئا طوله قدر ذراع ليكون ذلك علامة لحده. ويندب ~~طلب الصف الأول فإن فضله كثير، والقرب من الخطيب ليستمع الخطبة، وتكره ~~الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد. وعليه أن يقطع الكلام عند ~~خروج الخطيب، بل يشتغل بجواب المؤذن ثم باستماع الخطبة، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «من قال لصاحبه والإمام يخطب: أنصت فقد لغا، ومن لغا والإمام يخطب ~~فلا جمعة له» وهذا يدل على أن الإسكات ينبغي أن يكون بإشارة أو رمي حصاة لا ~~بالنطق. فإذا قضيت الصلاة فليرجع إلى شأنه ذاكرا الله عز وجل مفكرا في ~~آلائه شاكرا الله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره، وكان صلى الله عليه ~~وسلم يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ويستحب أن يكثر الصلاة على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم وفي ليلته، وأن يتصدق فيه إلا على من ~~سأل والإمام يخطب، قال «ابن مسعود» : «إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق ~~أن لا يعطى» يعني هؤلاء السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن ~~يسأل قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط. وكره بعض السلف شراء الماء في ~~المسجد من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا يكون مبتاعا في المسجد، فإن البيع ~~والشراء في المسجد مكروه، وقالوا لا بأس لو أعطى # PageV01P044 # الفضة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد. وينبغي أن يزيد في الجمعة في ~~أنواع خيراته، فإن الله سبحانه إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة ~~بفواضل الأعمال. ### | مسائل متفرقة يحتاج إلى معرفتها ### | مسألة: # الفعل القليل وإن كان لا ms039 يبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة، وذلك في دفع ~~المار وقتل العقرب وحاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع، ومهما تثاءب فلا ~~بأس أن يضع يده على فيه، وإن عطس حمد الله عز وجل في نفسه ولم يحرك لسانه، ~~وإن تجشأ فينبغي أن لا يرفع رأسه إلى السماء. ### | مسألة: # يسن أن يقف الواحد عن يمين الإمام متأخرا عنه قليلا، والمرأة الواحدة تقف ~~خلف الإمام، فإن كان معها رجل وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل. # مسألة: # المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته فليوافق الإمام وليبن ~~عليه، وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه وإن قنت مع الإمام. وإن أدرك مع ~~الإمام بعض القيام فلا يشتغل بالدعاء وليبدأ بالفاتحة وليخففها فإن ركع ~~الإمام قبل تمامها وقدر على لحوقه في اعتداله عن الركوع فليتم، فإن عجز ~~وافق الإمام وركع، وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنه بالسبق. وإن ركع ~~الإمام وهو في السورة فليقطعها، وإن أدرك الإمام في السجود أو التشهد كبر ~~للإحرام، ثم جلس ولم يكبر، بخلاف ما إذا أدركه في الركوع فإنه يكبر ثانيا ~~في الهوي؛ لأن ذلك انتقال محسوب له، ولا يكون مدركا للركعة ما لم يطمئن ~~راكعا في الركوع والإمام بعد في حد الراكعين، فإن لم يتم طمأنينته إلا بعد ~~مجاوزة الإمام حد الراكعين فاتته الركعة. # مسألة: # من فاتته الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهر أولا ثم العصر، فإن وجد جماعة ~~فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى. # مسألة: # من صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحب قضاء الصلاة ولا يلزمه، ولو رأى ~~النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتم ; وأصل هذا قصة خلع النعلين حيث ~~أخبر جبريل - عليه السلام - # PageV01P045 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن عليهما نجاسة فخلعهما، لم يستأنف ~~الصلاة. ### | مسألة: # من ترك التشهد الأول أو شك فلم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا أخذ باليقين وسجد ~~سجدتي السهو قبل السلام فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب. ms040 ### | مسألة: # الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع، لأن امتثال أمر ~~الله عز وجل مثل امتثال أمر غيره، وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد، ومن ~~دخل عليه عالم فقام له فلو قال نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد ~~الفاضل لأجل فضله متصلا بدخوله مقبلا عليه بوجهي كان سفيها عقله، بل كان ~~يراه ويعلم فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما إلا إذا قام لشغل ~~آخر أو في غفلة. واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا ~~كاشتراط كون القيام مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل وانتفاء ~~باعث آخر سواه وقصد التعظيم به ليكون تعظيما، فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر ~~فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما، ثم هذه الصفات لا بد وأن تكون معلومة وأن ~~تكون مقصودة ثم لا يطول حضورها في النفس في لحظة واحدة، وإنما يطول نظم ~~الألفاظ الدالة عليها إما تلفظا باللسان وإما تفكرا بالقلب، فمن لم يفهم ~~نية الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية، فليس فيه إلا أنك دعيت إلى ~~أن تصلي في وقت فأجبت وقمت، فالوسوسة محض الجهل. ### | مسألة: # لا ينبغي أن يتقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود والرفع منهما ~~ولا في سائر الأعمال، ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره فهذا معنى ~~الاقتداء، فإن تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف، وقد شدد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - النكير فيه وقال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن ~~يحول الله رأسه رأس حمار» . ### | مسألة: # حق على من حضر الصلاة إذا رأى من غيره إساءة في صلاته أن يغيره وينكر ~~عليه، وإن # PageV01P046 # صدر من جاهل رفق بالجاهل وعلمه، فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع ~~المنفرد بالوقوف خارج الصف، والإنكار على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ~~ذلك من الأمور. وعن «عمر» - رضي الله عنه - قال: «تفقدوا إخوانكم في الصلاة ~~فإذا فقدتموهم فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم» والعتاب ms041 ~~إنكار على من ترك الجماعة، ولا ينبغي أن يتساهل فيه، وقد كان الأولون ~~يبالغون فيه. ### | بيان نوافل العبادات # اعلم أن ما عدا الفرائض من الصلوات يسمى نافلة وتطوعا، فمنه ما يتعلق ~~بأسباب كالكسوف والاستسقاء، ومنه ما يتعلق بأوقات كرواتب الصلاة ونحوها. ~~فمن الثاني راتبة الصبح وهي ركعتان يدخل وقتها بطلوع الفجر، فإن دخل المسجد ~~وقد قامت الصلاة فليشتغل بالمكتوبة، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» ، ثم إذا فرغ من المكتوبة ~~قام إليهما وصلاهما. وراتبة الظهر أربع قبلها وأربع بعدها وله الاقتصار على ~~ركعتين قبل وبعد. وراتبة العصر وهي أربع ركعات قبلها ولم تكن مواظبته صلوات ~~الله عليه عليها كمواظبته على نافلة الظهر. وراتبة المغرب: وهما ركعتان بعد ~~الفريضة، وأما ركعتان قبلها بين أذان المؤذن وإقامته على سبيل المبادرة ~~فكان يفعله كثير من الصحابة، وصح أمر النبي - صلوات الله عليه - بها على ~~سبيل التخيير. وراتبة العشاء: بعدها ركعتان أو أربع. وأما الوتر فوقته بعد ~~العشاء وأكثره إحدى عشرة ركعة، وله أن يوتر بتسع وسبع وخمس وثلاث موصولة ~~بتسليمة واحدة أو مفصولة بتسليمتين، وجعله بعد التهجد في آخر الليل أفضل. ~~وأما صلاة الضحى: فأكثر ما نقل في عدد ركعاتها ثمان، وأقله ركعتان، ووقتها ~~بعد إشراق الشمس وارتفاعها. وأما صلاة العيدين: فهي سنة مؤكدة وشعار من ~~شعائر الدين، ويستحب يوم العيد الاغتسال والتزين والتطيب. وأما صلاة ~~التراويح: فهي عشرون ركعة، وكيفيتها معروفة. وأما صلاة الخسوف: فركعتان ~~ينادي لهما ويصليهما الإمام بالناس جماعة في المسجد وفي كل منهما ركوعان ~~وسجودان، ثم يخطب بعدهما ويأمر الناس بالصدقة والتوبة، ووقتها عند ابتداء ~~الخسوف إلى تمام الانجلاء. وأما صلاة الاستسقاء: فإذا غارت الأنهار وانقطعت ~~الأمطار فيستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من ~~الصدقة والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي، ثم يخرج بهم اليوم الرابع، ~~وبالعجائز والصبيان في ثياب بذلة واستكانة متواضعين، ولو خرج أهل الذمة ~~أيضا متميزين لم يمنعوا، فإذا اجتمعوا في المصلى ms042 الواسع من الصحراء نودي: ~~الصلاة جامعة، فصلى بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العيد بغير تكبير، ثم يخطب ~~خطبتين ويكثر من الاستغفار والدعاء. وأما صلاة الجنائز: فكيفيتها معروفة ~~وهي من فرائض الكفايات وإنما تصير نفلا في حق من لم تتعين عليه بحضور غيره. # وأما تحية # PageV01P047 # المسجد: فركعتان وهي سنة مؤكدة وإن اشتغل بفرض أو قضاء تأدى به التحية ~~وحصل الفضل، إذ المقصود أن لا يخلو ابتداء دخوله عن العبادة الخاصة ~~بالمسجد. وأما ركعتا الوضوء بعده فمستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها ~~الصلاة. وأما صلاة الاستخارة: فمن هم بأمر فقد أمر النبي - صلوات الله عليه ~~- أن يصلي ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و (قل يا أيها الكافرون) ~~[الكافرون: 1] وفي الثانية الفاتحة و (قل هو الله أحد) [الإخلاص: 1] فإذا ~~فرغ دعا وقال: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك ~~العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت ~~تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فقدره ~~لي وبارك لي فيه ثم يسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ~~ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفني عنه واصرفه عني وقدر لي الخير حيث ~~كان ثم رضني به» ويسمي حاجته. ### | الأوقات التي تكره فيها الصلاة: # هي خمسة: بعد العصر، وبعد الصبح، ووقت الزوال، ووقت الطلوع والغروب تكره ~~فيها صلاة لا سبب لها، أما ما له سبب كقضاء راتبة وكسوف وجنازة فلا تكره ~~فيها، وسر النهي التوقي من مضاهاة عبدة الشمس وبعث الداعية والنشاط، ففي ~~تعطيل هذه الأوقات زيادة تحريض وبعث على انتظار قضاء الوقت. ### | ما يقضى من النوافل: # روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر فقيل له ~~أما نهيتنا عن هذا فقال: «هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما ~~الوفد» وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا غلبه نوم أو مرض فلم يقم تلك الليلة صلى ms043 من أول النهار اثنتي ~~عشرة ركعة» فمن كان له ورد فعاقه عن ذلك عذر فينبغي أن لا يرخص لنفسه في ~~تركه، بل يتداركه في وقت آخر حتى لا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية، ~~فتداركه حسن على سبيل مجاهدة النفس فيقصد به أن لا يفتر في دوام عمله. # PageV01P048 ### | كتاب أسرار الزكاة # جعل الله تعالى الزكاة أحد مباني الإسلام وأردف بذكرها الصلاة التي هي ~~أعلى الأعلام فقال تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) [البقرة: 43، 83، ~~110، النساء: 77، النور: 56، والمزمل: 20] وقال صلى الله عليه وسلم: " بني ~~الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " وشدد ~~الوعيد على المقصرين فيها فقال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) [التوبة: 34] ومعنى الإنفاق في سبيل الله ~~إخراج الزكاة، قال: " الأحنف بن قيس ": " كنت في نفر من قريش فمر " أبو ذر ~~" فقال: " بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكي في أقفائهم ~~يخرج من جباههم ". ولهذا التشديد صار من مهمات الدين الكشف عن أسرار الزكاة ~~ومعانيها الظاهرة والباطنة، وفي ذلك فصول. ### | أداء الزكاة وشروطها: # اعلم أنه يجب على مؤدي الزكاة مراعاة أمور: # الأول: البدار عقيب الحول، وفي زكاة الفطر لا يؤخرها عن يوم الفطر، ويدخل ~~وقت وجوبها بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، ووقت تعجيلها شهر رمضان كله، ~~ومن أخر # PageV01P049 # زكاة ماله من التمكن عصى ولم يسقط عنه بتلف ماله، وتمكنه بمصادفة ~~المستحق، وتعجيل الزكاة جائز. # الثاني: أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر فإن أعين المساكين في كل بلدة ~~تمتد إلى أموالها، وفي النقل تخييب للظنون، فإن فعل ذلك أجزأه في قول، ولكن ~~الخروج عن شبهة الخلاف أولى، فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة، ثم لا بأس ~~أن يصرف إلى الغرباء في تلك البلدة. # الثالث: أي يقسم ماله بعدد الموجودين من الأصناف الثمانية في بلده، ويوجد ~~في جميع البلاد أربعة أصناف: (الفقراء والمساكين والغارمون ms044 والمسافرون) ~~أعني أبناء السبيل وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف. ### | سر كون الزكاة من مباني الإسلام: # في ذلك ثلاثة معان: ### | المعنى الأول: # أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود، وشرط ~~تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد، فإن المحبة لا ~~تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى، وإنما يمتحن به درجة الحب ~~بمفارقة المحبوب، والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا، ~~بسببها يأنسون بهذا العالم وينفردون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب، ~~فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ~~ومعشوقهم، ولذلك قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة) [التوبة: 111] وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة ~~شوقا إلى لقاء الله عز وجل، والمسامحة بالمال أهون، ولما فهم هذا المعنى في ~~بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم صدقوا التوحيد ونزلوا عن ~~جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما كما جاء " أبو بكر " - رضي الله ~~عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجميع أمواله. وقسم دون هؤلاء ~~وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات ; فيكون ~~قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم، وصرف الفاضل عن ~~الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار ~~الزكاة. وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة " ~~كالنخعي والشعبي وعطاء ومجاهد. قال: " الشعبي " بعد # PageV01P050 # أن قيل له: هل في المال حق سوى الزكاة قال: نعم أما سمعت قوله عز وجل: ~~(وآتى المال على حبه ذوي القربى) [البقرة: 177] الآية، واستدلوا بقوله عز ~~وجل: (ومما رزقناهم ينفقون) [البقرة: 3، الأنفال: 3، والحج: 35، القصص: 54، ~~السجدة: 16 والشورى: 38] وبقوله تعالى: (وأنفقوا من ما رزقناكم) ~~[المنافقون: 10] فهو داخل في حق المسلم على المسلم، ومعناه أنه يجب على ~~الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته عدا مال الزكاة. والقسم الثالث الذين ~~يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينتقصون منه وهي أقل الرتب، ~~وقد اقتصر ms045 جميع العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة. ### | المعنى الثاني: # التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات، قال تعالى: (ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون) [الحشر: 9، والتغابن: 16] وإنما تزول صفة البخل بأن ~~تتعود بذل المال، فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ~~اعتيادا، والزكاة بهذا المعنى طهرة، أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك، ~~وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله ~~تعالى. ### | المعنى الثالث: # شكر النعمة ; فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وماله، فالعبادات ~~البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى ~~الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله ~~تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله. ### | وظائف المزكي: ### | [الوظيفة الأولى] . ### | [الثانية] : # التعجيل عن وقت الوجوب إظهارا للرغبة في الامتثال بإيصال السرور إلى # PageV01P051 # قلوب الفقراء، ومبادرة لعوائق الزمان أن يعوق عن الخيرات، وعلما بأن في ~~التأخير آفات مع ما يتعرض العبد له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب. ومهما ~~ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم فإن ذلك لمة الملك وما أسرع ~~تقلب المؤمن و (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) [البقرة: 268] ~~والمنكر وله لمة عقيب لمة الملك فليغتنم الفرصة فيه. ### | [الثالثة] : # الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة. قال تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم) [البقرة: 271] وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى ~~اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي، فكان بعضهم يوصل إلى يد الفقير على يد ~~غيره بحيث لا يعرف المعطي، وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه، ~~كل ذلك توصلا إلى رضاء الرب واحترازا من الرياء والسمعة، ومهما كانت الشهرة ~~مقصودة له حبط عمله. ### | [الرابعة] : # أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس سره من ~~داعية الرياء، فقد قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) [البقرة: ms046 271] ~~وذلك حيث يقتضي الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ~~ملأ من الناس فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار، بل ~~ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان. وهذا لأن في الإظهار ~~محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير، فإنه ربما يتأذى بأن ~~يرى في صورة المحتاج، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا ~~المعنى في إظهاره، وقد قال الله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) ~~[الرعد: 22، وفاطر: 29] ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب. ~~فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيها، ومن عرف ~~الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة اتضح له الأولى والأليق بكل حال. ### | [الخامسة] : # أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى، قال الله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى) [البقرة: 264] والمن أن يذكرها ويتحدث بها أو يستخدمه ~~بالعطاء أو يتكبر عليه لأجل عطائه، والأذى أن يظهرها أو يعيره بالفقر أو ~~ينتهره أو يوبخه بالمسألة. وأصل المن أن يرى نفسه محسنا إلى الفقير ومنعما ~~عليه، وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو ~~طهرته ونجاته من النار، وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به، فحقه أن يتقلد ~~منة الفقير، ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرها في الفصل قبل لم ير نفسه ~~محسنا إلا إلى نفسه إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه ~~عن رذيلة البخل أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد. # وأما الأذى فمنبعه رؤيته أنه خير من الفقير، وهذا جهل لأنه لو عرف فضل ~~الفقر على الغنى وخطر الأغنياء لما استحقر الفقير، بل تمنى درجته، كيف وقد ~~جعله الله تعالى متجرة له حتى يخلصه من عهدته بقبوله منه. ### | [السادسة] : # أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها، والعجب من المهلكات # PageV01P052 # وهو محبط للأعمال قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تصغيره وتعجيله وستره. ### | [السابعة] : # أن ينتقي من ماله أجوده ms047 وأحبه إليه وأجله وأطيبه، فإن الله تعالى طيب ولا ~~يتقبل إلا طيبا، وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب، إذ قد ~~يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو أهله فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره، ولو ~~فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره، وقد قال ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) ~~[البقرة: 267] أي لا تأخذه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض. ### | [الثامنة] : # أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من عموم الأصناف ~~الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوصها وهي ستة: # الأولى: أن يطلب الأتقياء لأنهم يستعينون بالمال على التقوى فيكون شريكا ~~لهم في طاعتهم بإعانتهم إياهم. # الثانية: أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم، والعلم ~~أشرف العبادات مهما صحت فيه النية، وكان «ابن المبارك» يخصص بمعروفه أهل ~~العلم فقيل له: لو عممت، فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام ~~العلماء فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم ~~فتفريغهم للعلم أفضل. # الثالثة: أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد، وتوحيده أنه إذا أخذ ~~العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه وأن الواسطة مسخر بتسخير ~~الله إذا سلط عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى، ومن لم يصف باطنه عن ~~رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط فكأنه لم ينفك عن الشرك الخفي، فليتق ~~الله سبحانه في تصفية توحيده عن كدورات الشرك وشوائبه. # الرابعة: أن يكون مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى، أو يكون من أهل ~~المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلبات التحمل، قال الله ~~تعالى: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا) [البقرة: 273] أي لا يلحون في السؤال لأنهم أغنياء ms048 بيقينهم أعزة ~~بصبرهم، وهذا ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في # PageV01P053 # كل محلة وبالكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، فثواب صرف المعروف ~~إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهدين بالسؤال. # الخامسة: أن يكون معيلا أو محبوسا بمرض أو بسبب من الأسباب فيوجد فيه ~~معنى قوله عز وجل: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) [البقرة: 273] أي ~~حبسوا في طريق الآخرة بعيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب (لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض) [البقرة: 273] لأنهم مقصوصو الجناح مقيدو الأطراف. فبهذه الأسباب ~~كان «عمر» - رضي الله عنه - يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما ~~فوقها، وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء على مقدار العيلة. وسئل «عمر» ~~- رضي الله عنه - عن جهد البلاء فقال: كثرة العيال وقلة المال. # السادسة: أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة رحم، وفي صلة ~~الرحم من الثواب ما لا يحصى قال «علي» - رضي الله عنه -: «لأن أصل أخا من ~~إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما» . والأصدقاء وإخوان الخير ~~أيضا يقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب، فليراع هذه ~~الدقائق فهذه الصفات المطلوبة، وفي كل صفة درجات فينبغي أن يطلب أعلاها، ~~فإن وجد من جمع جملة من هذه الصفات فهي الذخيرة الكبرى والغنيمة العظمى. ### | مصارف الزكاة وأصناف قابضيها: # اعلم أنه لا يستحق الزكاة إلا مسلم اتصف بصفة من صفات الأصناف الثمانية ~~المذكورين في كتاب الله تعالى [التوبة: 60] . ### | الصنف الأول: الفقراء، # والفقير هو الذي ليس له مال ولا قدرة على الكسب فمن قدر على كسب فإن ذلك ~~يخرجه عن الفقر، وإن كان متفقها ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فهو فقير ~~ولا تعتبر قدرته، وإن كان متعبدا يمنعه الكسب من وظائف العبادات وأوراد ~~الأوقات فليكتسب لأن الكسب أولى من ذلك. ### | الصنف الثاني: المساكين، # والمسكين هو الذي لا يفي دخله بخرجه فقد يملك ألف درهم وهو مسكين، وقد لا ~~يملك إلا فأسا وحبلا وهو غني. والدويرة التي يسكنها والثوب الذي يستره على ~~قدر حاله ms049 لا يسلبه اسم المسكين، وكذا أثاث البيت أعني ما يحتاج إليه وذلك ~~ما يليق به، وكذا كتب الفقه لا تخرجه عن المسكنة فإنه محتاج إليها. # PageV01P054 ### | الصنف الثالث: العاملون، # وهم السعاة الذين يجمعون الزكوات ويدخل فيه الكاتب والمستوفي والحافظ ~~والنقال. ### | الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم # على الإسلام، وهو الشريف الذي أسلم وهو مطاع في قومه، وفي إعطائه تقريره ~~على الإسلام وترغيب نظائره وأتباعه. ### | الصنف الخامس: الأرقاء، # يدفع إلى السيد ما يفك به رقبة العبد، ويدفع للعبد أيضا ما يفك به رقبته. ### | الصنف السادس: الغارمون، # والغارم هو الذي استقرض في طاعة أو مباح وهو فقير، فإن استقرض في معصية ~~فلا يعطى إلا إذا تاب، وإن كان غنيا لم يقض دينه إلا إذا كان قد استقرض ~~لمصلحة وإطفاء فتنة. ### | الصنف السابع: الغزاة، # الذين لهم مرسوم في ديوان المرتزقة فيصرف إليهم سهم وإن كانوا أغنياء ~~إعانة لهم على الغزو. ### | الصنف الثامن: ابن السبيل، # وهو الذي شخص من بلده ليسافر في غير معصية أو اجتاز فيه فيعطى إن كان ~~فقيرا وإن كان له مال ببلد آخر أعطي بقدر بلغته. ### | وظائف القابض وهي أربع: # الأولى: أن يفهم أن الله عز وجل أوجب صرفه إليه ليكفي همه ويكون عونا له ~~على الطاعة، فإن استعان به على المعصية كان كافرا لأنعم الله عز وجل مستحقا ~~للبعد والمقت من الله سبحانه. # الثانية: أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه، ويكون شكره دعاؤه بحيث لا ~~يخرج عن كونه واسطة ولكنه طريق وصول نعمة الله سبحانه إليه، وللطريق حق من ~~حيث جعله الله طريقا وواسطة، وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله سبحانه فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» وقد أثنى الله عز ~~وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها نحو قوله # PageV01P055 # تعالى: (نعم العبد إنه أواب) [ص: 30، 44] إلى غير ذلك، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى ~~تعلموا أن قد كافأتموه» ومن تمام ms050 الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ~~ولا يحقره ولا يذمه ولا يعيره بالمنع إذا منع، ويفخم عنده نفسه وعند الناس ~~صنيعه، فوظيفة المعطي الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام، وعلى ~~كل عبد القيام بحقه، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل، فإن من ~~لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا. # الثالثة: أن ينظر فيما يأخذه فإن لم يكن من حله تورع عنه، فلا يأخذ ممن ~~أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه، وكان ما يسلم له لا يعرف له ~~مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة، فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق ~~به وذلك إذا عجز عن الحلال. # الرابعة: أن يتوقى مواقع الريبة والاشتباه في مقدار ما يأخذه فلا يأخذ ~~إلا المقدار المباح، ولا يأخذ إلا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق، ثم ~~إذا تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا بل ما يتمم كفايته من وقت أخذه إلى ~~سنة، فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ادخر لعياله قوت سنة. ومن العلماء من ذهب إلى أن للفقير أن يأخذ مقدار ما ~~يشتري به ضيعة فيستغني به طول عمره أو يهيئ بضاعة ليتجر بها ويستغني لأن ~~هذا هو الغنى، وقد قال «عمر» - رضي الله عنه -: إذا أعطيتم فأغنوا. حتى ذهب ~~قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة ~~آلاف درهم. ولما تبرع «أبو طلحة» - رضي الله عنه - ببستانه، قال له صلى ~~الله عليه وسلم: «اجعله في قرابتك فهو خير لك» فأعطاه «حسان» و «أبا قتادة» ~~فحائط من نخل لرجلين كثير مغن. # PageV01P056 # صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها ### | فضيلة الصدقة: # من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا ولو بتمرة» وفي رواية: ~~«اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «كل امرئ في ظل ms051 صدقته حتى يقضى بين الناس» وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل» وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟ ~~قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، إنما ~~المسكين المتعفف، إقرؤوا إن شئتم (لا يسألون الناس إلحافا) [البقرة: 273] ~~وقال صلى الله عليه وسلم:» ما من مسلم يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز ~~وجل ما دامت عليه منه رقعة «. # ومن الآثار قول عروة:» لقد تصدقت عائشة - رضي الله عنها - بخمسين ألفا ~~وأن درعها لمرقع. وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: اللهم اجعل الفضل عند ~~خيارنا لعلهم يعودون به على أولي الحاجة منا. وقال «ابن أبي الجعد» : «إن ~~الصدقة لتدفع سبعمائة باب من السوء، وفضل سرها على علانيتها بسبعين ضعفا» . ### | وجوب فضل إخفاء الصدقة: # قال الله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم) [البقرة: 271] وفي الإخفاء خمسة معان: # الأول: أنه أبقى للستر على الأخذ، فإن أخذه ظاهرا هتك ستر المروءة وكشف ~~عن # PageV01P057 # الحاجة، وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله ~~أغنياء من التعفف. # الثاني: أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه ~~أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء ; والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب ~~الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى. قال «أيوب السختياني» : «إني لأترك ~~لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد» . وقال آخر: «خشية أن يقول ~~إخواني من أين له هذا» . # الثالث: إعانة المعطي على إسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء ~~أكثر والإعانة على إتمام المعروف معروف. دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ~~ظاهرا فرده ودفع إليه شيئا آخر في السر فقبل، فقيل له في ذلك، فقال: «إن ~~هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء ms052 أدبه في عمله فرددته ~~عليه» . ورد بعضهم ما دفع إليه علانية وقال له: «إنك أشركت غير الله سبحانه ~~فيما كان لله تعالى ولم تقنع بالله عز وجل فرددت عليك شركك» . # الرابع: أن في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا وليس للمؤمن أن يذل نفسه. # الخامس: الاحتراز عن شبهة الشركة لحديث: «من أهدي له هدية وعنده قوم فهم ~~شركاؤه فيها» والأعمال بالنيات فينبغي للمخلص أن يكون مراقبا لنفسه حتى لا ~~يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بمكر الشيطان. # نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق. # PageV01P058 ### | كتاب أسرار الصوم # أعظم الله على عباده المنة بما دفع عنهم كيد الشيطان وخيب ظنه، إذ جعل ~~الصوم حصنا لأوليائه وجنة، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: " الصوم نصف ~~الصبر " قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: 10] فقد ~~جاز ثواب الصوم قانون التقدير والحساب، وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ~~يقول الله عز وجل: " إنما يذر شهوته وطعامه لأجلي فالصوم لي وأنا الذي أجزي ~~به " وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزاء صومه، قال صلى الله عليه وسلم: " ~~للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه ". وقيل في قوله تعالى: ~~(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ~~17] كان عملهم الصيام لأنه قال: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ~~[الزمر: 10] فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازف جزافا، فلا يدخل تحت وهم ~~وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك لأن الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه، ~~وإن كانت العبادات كلها له، لمعنيين: # أحدهما: أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد، وجميع ~~الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل فإنه عمل في ~~الباطن بالصبر المجرد. # والثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان الشهوات وإنما تقوى ~~بالأكل والشرب، وفي قمع عدو الله نصرة الله سبحانه، وناصر الله ms053 تعالى موقوف ~~على النصرة له، قال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [محمد: ~~7] فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار جنة ; وإذا عظمت فضيلته إلى ~~هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة بذكر أركانه وسننه وشروطه ~~الباطنة. # PageV01P059 ### | الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده # أما الواجبات الظاهرة فستة: # الأول: مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين ~~يوما من شعبان، ونعني بالرؤية العلم، ويحصل بذلك قول عدل واحد. ولا يثبت ~~هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة، ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب ~~على ظنه صدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي به. # الثاني: النية، ولا بد لكل ليلة من نية معينة جازمة ينوي فريضة صوم رمضان ~~لله تعالى. # الثالث: الإمساك عن إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه ~~بالأكل والشرب والسعوط والحقنة، ولا يفسد بالفصد والحجامة والاكتحال وإدخال ~~الميل في الأذن والإحليل وما يصل بغير قصد من غبار الطريق أو ذبابة تسبق ~~إلى جوفه، أو ما يسبق إلى جوفه في المضمضة فلا يفطر إلا إذا بالغ في ~~المضمضة فيفطر لأنه مقصر، وهو الذي أردنا بقولنا عمدا. فأما ذكر الصوم ~~فأردنا به الاحتراز عن الناسي فإنه لا يفطر. # الرابع: الإمساك عن الجماع، فإن جامع ناسيا لم يفطر، وإن جامع ليلا ~~واحتلم فأصبح جنبا لم يفطر. # الخامس: الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع ~~فإن ذلك يفطر، ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل لكن يكره ذلك ~~إلا أن يكون شيخا أو مالكا لإربه فلا بأس بالتقبيل، وتركه أولى. # السادس: الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم، وإن ذرعه القيء لم ~~يفسد صومه، وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم ~~البلوى به إلا أن يبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك. ### | وأما لوازم الإفطار فأربعة # القضاء، والكفارة، والفدية، وإمساك بقية النهار تشبها بالصائمين: # أما القضاء فوجوبه عام على كل مسلم ms054 مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر، ~~فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد. أما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء ~~عليهم. ولا يشترط التتابع في قضاء رمضان ولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا. # وأما الكفارة فلا تجب إلا بالجماع، وما عداه لا تجب به كفارة، والكفارة ~~عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين، وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا ~~مدا. # وأما إمساك بقية النهار فيجب على من عصى بالفطر أو قصر فيه. ويجب الإمساك ~~إذا شهد بالهلال عدل واحد يوم الشك. والصوم في السفر أفضل من الفطر إلا إذا ~~لم يطق. # PageV01P060 # وأما الفدية فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما لكل ~~يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء، والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل ~~يوم مدا. # [سنن الصيام] # تأخير السحور، تعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة، الجود في شهر ~~رمضان، مدارسة القرآن، الاعتكاف في العشر الأخير، ولا يخرج المعتكف إلا ~~لحاجة الإنسان. ولا بأس في المسجد بالطيب وعقد النكاح وبالأكل والنوم وغسل ~~اليد في الطست فكل ذلك قد يحتاج إليه. ### | أنواع الصوم ودرجاته: # اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. ~~أما صوم العموم: فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق، وأما صوم ~~الخصوص: فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن ~~الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار ~~الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية. # أسرار الصوم وشروطه الباطنة: # هي ستة أمور: # الأول: غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ~~ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله تعالى. # الثاني: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء ~~والخصومة والمراء. # الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم ~~الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله عز وجل بين السمع وأكل السحت فقال تعالى: ~~(سماعون للكذب أكالون للسحت) [المائدة: 42] . # الرابع: كف بقية الجوارح ms055 من اليد والرجل عن الآثام وعن المكاره، وكف ~~البطن عن الشبهات وقت الإفطار فلا معنى للصوم عن الطعام الحلال ثم الإفطار ~~على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش» فقيل: «هو ~~الذي يفطر على الحرام» وقيل: «هو الذي يمسك عن الطعام # PageV01P061 # الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام» ، وقيل: «هو الذي لا يحفظ ~~جوارحه عن الآثام» . # الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ، فما من ~~وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال، وكيف يستفاد من الصوم قهر ~~عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما ~~يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى استمرت العادات أن يدخر جميع الأطعمة ~~لرمضان فيؤكل من الطعام فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر، ومعلوم أن مقصود الصوم ~~الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار ~~إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت ~~لذتها، وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على ~~عادتها، فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى ~~الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من ~~الطعام فهو عن الملكوت محجوب. # السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري ~~أيقبل صومه فهو من المقربين، أو يرد عليه فهو من الممقوتين، وليكن كذلك في ~~آخر كل عبادة يفرغ منها. ### | التطوع بالصيام: # اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة، وفواضل الأيام بعضها ~~يوجد في كل سنة، وبعضها يوجد في كل شهر، وبعضها في كل أسبوع. # أما السنة فبعد أيام رمضان يوم عرفة ويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي ~~الحجة، وكان صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان. وفي الخبر: «أفضل ms056 الصيام ~~بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب ~~وأرجى لدوام بركته. وفي الخبر: «إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان» ~~ولهذا يستحب أن يفطر قبل رمضان أياما، فإن وصل شعبان برمضان فجائز، ولا ~~يجوز أن يقصد استقبال رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق وردا له. وكره ~~بعض الصحابة أن يصام رجب كله حتى لا يضاهى بشهر رمضان. # وأما ما يتكرر في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره، ووسطه الأيام البيض وهي ~~الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. # PageV01P062 # وأما في الأسبوع فالاثنين والخميس والجمعة فيستحب فيها الصيام وتكثير ~~الخيرات لتضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات. # وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم وأن سره ~~تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل. # PageV01P063 ### | كتاب أسرار الحج # جعل الله البيت العتيق مثابة للناس وأمنا، وأكرمه بالنسبة إلى نفسه ~~تشريفا وتحصينا ومنا، وجعل زيارته والطواف به حجابا بين العبد وبين العذاب ~~ومجنا. والحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وتمام الإسلام ~~وكمال الدين، وأجدر بها أن تصرف العناية إلى شرحها وتفصيل أركانها وسننها ~~وآدابها وفضائلها وأسرارها. ### | [الباب الأول] فضائل الحج وفضيلة البيت ومكة والمدينة # وشد الرحال إلى المسجد # قال الله عز وجل: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين ~~من كل فج عميق) [الحج: 27] قال " قتادة ": لما أمر الله عز وجل " إبراهيم " ~~- عليه السلام - أن يؤذن في الناس بالحج نادى: " يا أيها الناس إن الله عز ~~وجل بنى بيتا فحجوه " وقال صلى الله عليه وسلم: " من حج البيت فلم يرفث ولم ~~يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " ويروى: " إن الكعبة تحشر كالعروس ~~المزفوفة، وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة. وعن " ~~الحسن البصري " - رضي الله عنه - أن صدقة درهم فيها بمائة ألف، وكذلك كل ~~حسنة بمائة ألف. ويقال: إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات. ولما عاد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة استقبل ms057 الكعبة وقال: " إنك لخير ~~أرض الله عز وجل وأحب بلاد الله تعالى إلي، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت ~~". # وما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالأعمال ~~فيها أيضا مضاعفة، # PageV01P064 # قال صلى الله عليه وسلم: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه ~~إلا المسجد الحرام " وبعد مدينته الأرض المقدسة فإن الصلاة فيها بخمسمائة ~~صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وما بعد هذه البقاع الثلاث فالمواضع ~~فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام بها للمرابطة فيها فيه فضل عظيم، ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة ~~متماثلة، ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر. ### | شروط وجوب الحج وصحة أركانه وواجباته ومحظوراته # أما الشرائط: فشرط صحة الحج اثنان: الوقت والإسلام، فيصح حج الصبي ويحرم ~~بنفسه إن كان مميزا، ويحرم عنه وليه إن كان صغيرا، ويفعل به ما يفعل في ~~الحج من الطواف والسعي وغيره. # وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم ~~النحر، فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة، وجميع السنة وقت العمرة. # وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فالبلوغ والعقل والوقت. # وأما شرط لزومه: فالاستطاعة وهي نوعان: # أحدهما: المباشرة وذلك له أسباب: # أما في نفسه فبالصحة، وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ~~ولا عدو قاهر، وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه، وأن ~~يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة، وأن يملك ما يقضي به ديونه، وأن ~~يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن استمسك على الزاملة. # وأما النوع الثاني: فاستطاعة المعضوب بماله وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد ~~فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه، ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير ولكنه ~~فيه على خطر، فإن تيسر له ولو في آخر ms058 عمره سقط عنه، وإنما مات قبل الحج لقي ~~الله عز وجل عاصيا بترك الحج، وكان الحج في تركته يحج عنه وإن لم يوص كسائر ~~ديونه، ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى ; قال «عمر» ~~رضي الله عنه: لقد هممت أن أكتب في الأمصار # PageV01P065 # بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا. وعن «سعيد بن جبير» ~~وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: لو علمت رجلا غنيا وجب عليه الحج ثم مات قبل ~~أن يحج ما صليت عليه. # وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم يحج فلم يصل عليه. # وأما ### | الأركان التي لا يصح الحج دونها # فخمسة: الإحرام، والطواف، والسعي بعده، والوقوف بعرفة، والحلق على قول. ~~وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف. ### | وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة: # الأول: الإفراد وذلك أن يقدم الحج وحده فإذا فرغ خرج إلى الحل فأحرم ~~واعتمر. # الثاني: القران وهو أن يجمع فيقول: لبيك بحجة وعمرة فيصير محرما بهما ~~ويكفيه أعمال الحج، وتندرج العمرة تحت الحج، وعلى القارن دم شاة إلا المكي. # الثالث: التمتع وهو أن يجاوز الميقات محرما بعمرة ويتحلل بمكة ويتمتع ~~بمحظورات الإحرام إلى وقت الحج ثم يحرم بالحج، ويلزمه دم شاة، فإن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو متتابعة، وسبعة إذا رجع ~~إلى الوطن. # وأما محظورات الحج والعمرة فستة: # الأول: اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة، بل ينبغي أن يلبس إزارا ~~ورداء ونعلين، ولا بأس بالمنطقة والاستظلال في المحمل ولكن لا ينبغي أن ~~يغطي رأسه، وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن ~~إحرامها في وجهها. # الثاني: الطيب فليجتنب كل ما يعده العقلاء طيبا، فإن تطيب أو لبس فعليه ~~دم شاة. # الثالث: الحلق والقلم وفيهما الفدية أعني دم شاة، ولا بأس بالكحل ودخول ~~الحمام والفصد والحجامة وترجيل الشعر. # الرابع: الجماع، وهو مفسد قبل التحلل الأول وفيه بدنة أو بقرة أو سبع ~~شياه، وإن كان بعد التحلل لزمه البدنة ولم يفسد حجه. ms059 # الخامس: مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة فهو محرم وفيه شاة، ويحرم ~~النكاح والإنكاح ولا دم فيه لأنه لم ينعقد. # PageV01P066 # السادس: قتل صيد البر أعني ما يؤكل، فإن قتل صيدا فعليه مثله من النعم ~~يراعى فيه التقارب في الخلقة، وصيد البحر حلال ولا جزاء فيه. ### | [الباب الثاني] ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع # وهي عشر جمل: ### | الجملة الأولى في السير: # من أول الخروج إلى الإحرام. وفيها مسائل: # الأولى في المال: ينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد ~~النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع، ~~ويستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على ~~وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالضعفاء والفقراء، ويتصدق بشيء قبل ~~خروجه، فإن اكترى فليظهر للمكاري كل ما يريد أن يحمله من قليل أو كثير ~~ليحصل رضاه فيه. # الثانية في الرفيق: ينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير معينا عليه، ~~إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن جبن شجعه، وإن عجز قواه، وإن ضاق صدره ~~صبره، ويودع رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه، فيودعهم ويلتمس أدعيتهم. ~~والسنة في الوداع أن يقول: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» . # وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن أراد السفر: «في حفظ الله وكنفه، زودك ~~الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الخير أينما كنت» . # الثالثة في الخروج من الدار: ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين، فإذا ~~فرغ رفع يديه ودعا الله عن إخلاص وقال: «اللهم أنت الصاحب في السفر ~~والخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب، احفظنا وإياهم من كل آفة وعاهة، ~~اللهم إنا نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم إنا ~~نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال والولد» ~~. # الرابعة: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم ms060 أو أظلم أو ~~أجهل أو يجهل علي، اللهم إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة بل ~~خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك وقضاء فرضك واتباع سنة نبيك. # PageV01P067 # الخامسة في الركوب: فإذا ركب قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [الزخرف: 13، 14] . ### | الجملة الثانية في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة: # الأدب الأول: أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام، أعني إذا انتهى إلى الميقات ~~الذي يحرم الناس منه، ويتمم غسله بالتنظيف، ويسرح لحيته ورأسه ويقلم أظفاره ~~ويقص شاربه ويستكمل النظافة التي ذكرناها في الطهارة. # الثاني: أن يفارق الثياب المخيطة ويلبس ثوبي الإحرام فيرتدي ويتزر بثوبين ~~أبيضين، ويتطيب في ثيابه وبدنه. # الثالث: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبا أو ~~يبدأ بالسير إن كان راجلا، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة قرانا ~~أو إفرادا كما أراد ويقول: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد ~~والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا، اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد» . # الرابع: يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام خصوصا عند اصطدام الرفاق ~~وعند اجتماع الناس وعند كل صعود وهبوط وعند كل ركوب ونزول رافعا بها صوته ~~بحيث لا يبح حلقه فإنه لا ينادي أصم ولا غائبا كما ورد في الخبر ; وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا أعجبه شيء قال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» . ### | الجملة الثالثة في آداب دخول مكة إلى الطواف. # يستحب أن يغتسل بذي طوى، وإذا وقع بصره على البيت فليقل: لا إله إلا الله ~~والله أكبر، اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك السلام تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام، اللهم هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته اللهم فزده تعظيما، ~~وزده تشريفا وتكريما، وزده مهابة، وزد من حجه برا وكرامة، اللهم افتح لي ~~أبواب رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم. ثم لا يعرج على شيء ~~دون الطواف - وهو طواف القدوم - إلا أن يجد ms061 الناس في المكتوبة فيصلي معهم ~~ثم يطوف. ### | الجملة الرابعة في الطواف: # فإذا أراد افتتاح الطواف إما للقدوم وإما لغيره فينبغي أن يراعي أمورا ~~ستة: # الأول: أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث والخبث في الثوب والبدن ~~والمطاف # PageV01P068 # وستر العورة، فالطواف بالبيت صلاة ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام، ~~وليضطبع قبل ابتداء الطواف وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه اليمنى ويجمع ~~طرفيه على منكبه الأيسر فيرخي طرفا وراء ظهره وطرفا على صدره، ويقطع ~~التلبية عند ابتداء الطواف ويشتغل بالأدعية المروية. # الثاني: إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره وليقف عند الحجر ~~الأسود، وليتنح عنه قليلا ليكون الحجر قدامه فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه ~~في ابتداء طوافه، وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات ليكون قريبا من ~~البيت فإنه أفضل. # الثالث: أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف «باسم الله والله ~~أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم» ويطوف. # الرابع: أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الأربعة الأخر على الهيئة ~~المعتادة، ومعنى الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهو دون العدو ~~وفوق المشي المعتاد والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة ~~والقوة، هكذا كان القصد أولا قطعا لطمع الكفار وبقيت تلك السنة، والأفضل ~~الرمل مع الدنو من البيت فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل، فليخرج ~~إلى حاشية المطاف وليرمل ثلاثة، ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم وليمش ~~أربعة، وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب، وإن منعه الزحمة أشار ~~باليد وقبل، وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان. # الخامس: إذا تم الطواف سبعة فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع ~~استجابة الدعوة وليلزق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت وليضع عليه خده الأيمن ~~وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل: «اللهم يا رب البيت العتيق أعتق رقبتي من ~~النار، اللهم هذا مقام العائذ بك من النار» . وليدع بحوائجه ويستغفر من ~~ذنوبه. # السادس: إذا فرغ من ms062 ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين وهما ركعتا ~~الطواف، وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل: «اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى ~~واغفر لي في الأخرى والأولى» . ### | الجملة الخامسة في السعي: # فإذا فرغ من الطواف فليخرج من باب الصفا فإذا انتهى إلى الصفا وهو جبل ~~فيرقى فيه درجا في حضيض الجبل ثم يسعى بينه وبين المروة سبع مرات. والطهارة ~~مستحبة للسعي وليست بواجبة بخلاف الطواف. ### | الجملة السادسة في الوقوف وما قبله: # الحاج إذا انتهى يوم عرفة إلى عرفات فلا يتفرغ لطواف القدوم ودخول مكة ~~قبل الوقوف، وإذا وصل قبل ذلك بأيام فطاف طواف القدوم فيمكث محرما إلى ~~اليوم السابع من ذي الحجة، فيخطب الإمام بمكة خطبة بعد الظهر عند الكعبة ~~ويأمر الناس بالاستعداد للخروج إلى # PageV01P069 # منى يوم التروية والمبيت بها، وبالغدو منها إلى عرفة لإقامة فرض الوقوف ~~بعد الزوال، إذ وقت الوقوف من الزوال إلى طلوع الفجر الصادق من يوم النحر ~~فينبغي أن يخرج إلى منى ملبيا ويمكث هذه الليلة بمنى، فإذا أصبح يوم عرفة ~~صلى الصبح فإذا طلعت الشمس على ثبير «جبل» سار إلى عرفات، وليغتسل للوقوف ~~ويجمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وقصر الصلاة، وليكثر من أنواع ~~التحميد والتسبيح والتهليل والثناء على الله عز وجل والدعاء والتوبة، ولا ~~يصوم في هذا اليوم ليقوى على المواظبة على الدعاء، ولا يقطع التلبية يوم ~~عرفة بل الأحب أن يلبي تارة ويكب على الدعاء أخرى، وليدع بما بدا له، ~~وليستغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وليلح في الدعاء وليعظم ~~المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء. ### | الجملة السابعة في بقية أعمال الحج: # إذا أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فينبغي أن يكون على السكينة والوقار، ~~فإذا بلغ المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء قاصرا لها بأذان وإقامتين، ثم ~~يمكث تلك الليلة بمزدلفة، ويتزود الحصى منها ففيها أحجار رخوة، فيأخذ سبعين ~~حصاة فإنها بقدر الحاجة. ثم ليغلس بصلاة الصبح وليأخذ في المسير حتى إذا ~~انتهى إلى المشعر الحرام - وهو آخر المزدلفة - فيقف ويدعو إلى الإسفار، ثم ms063 ~~يدفع منها قبل طلوع الشمس حتى ينتهي إلى موضع يقال له وادي محسر فيستحب له ~~أن يحرك دابته حتى يقطع عرض الوادي، وإن كان راجلا أسرع في المشي. ثم إذا ~~أصبح يوم النحر خلط التلبية بالتكبير فيلبي تارة ويكبر أخرى، فينتهي إلى ~~منى ومواضع الجمرات وهي ثلاثة، فيتجاوز الأولى والثانية فلا شغل له معهما ~~يوم النحر حتى ينتهي إلى جمرة العقبة، ويرمي بعد طلوع الشمس سبع حصيات ~~رافعا يده مستقبلا القبلة أو الجمرة قائلا مع كل حصاة: «الله أكبر على طاعة ~~الرحمن ورغم الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك» . ثم ليذبح ~~الهدي إن كان معه - والأولى أن يذبح بنفسه وليقل: «باسم الله والله أكبر ~~اللهم منك وبك وإليك تقبل مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم» . # والتضحية بالبدن أفضل ثم بالبقر ثم بالشاة، والضأن أفضل من المعز، ~~والبيضاء أفضل من الغبراء والسوداء. # وليأكل منه إن كان من هدي التطوع. # ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعجفاء ثم ليحلق بعد ذلك، ومهما حلق بعد ~~رمي الجمرة فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل المحظورات إلا النساء ~~والصيد. # ثم يفيض إلى مكة ويطوف كما وصفناه، وهذا الطواف طواف ركن في الحج ويسمى ~~طواف الزيارة، وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، وأفضل وقته يوم ~~النحر، ولا تحل له النساء إلى أن يطوف فإذا طاف تم التحلل وحل الجماع ~~وارتفع الإحرام بالكلية. # ولم يبق إلا رمي أيام التشريق والمبيت بمنى. وهي واجبات بعد زوال الإحرام ~~على سبيل الإتباع للحج. # PageV01P070 # وأسباب التحلل ثلاثة: # الرمي، والحلق، والطواف الذي هو ركن، ومهما أتى باثنين من هذه الثلاثة ~~فقد تحلل أحد التحللين. ولا حرج عليه في التقديم والتأخير بهذه الثلاثة مع ~~الذبح. ولكن الأحسن أن يرمي ثم يذبح ثم يحلق ثم يطوف. # ثم إذا فرغ من الطواف عاد إلى منى للمبيت والرمي، فيبيت تلك الليلة بمنى، ~~فإذا أصبح اليوم الثاني من العيد وزالت الشمس اغتسل للرمي وقصد الجمرة ~~الأولى ورمى إليها بسبع حصيات، فإذا تعداها وقف مستقبلا ms064 القبلة وحمد الله ~~تعالى وهلل وكبر ودعا مع حضور القلب وخشوع الجوارح. # ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى ويرمي كما رمى الأولى ويقف كما وقف للأولى. # ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ويرمي سبعا. # ويرجع إلى منزله ويبيت تلك الليلة بمنى ويصبح فإذا صلى الظهر في اليوم ~~الثاني من أيام التشريق رمى في هذا اليوم إحدى وعشرين حصاة كاليوم الذي ~~قبله. # ثم هو مخير بين المقام بمنى وبين العودة إلى مكة. # فإن خرج من منى قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وإن صبر إلى الليل فلا يجوز ~~له الخروج بل لزمه المبيت حتى يرمي يوم النحر الثاني واحدا وعشرين حجرا كما ~~سبق. # وفي ترك المبيت والرمي إراقة دم. # وله أن يزور البيت في ليالي منى بشرط أن لا يبيت إلا بمنى. # ولا يتركن حضور الفرائض مع الإمام في مسجد الخيف فإن فضله عظيم. ### | الجملة الثامنة في صفة العمرة وما بعدها إلى طواف الوداع: # من أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده فليغتسل ويلبس ثياب الإحرام كما سبق في ~~الحج ويحرم بالعمرة من ميقاتها، وينوي العمرة ويلبي ويصلي ركعتين ويدعو بما ~~شاء، ثم يعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل المسجد الحرام، فإذا دخل المسجد ~~ترك التلبية وطاف سبعا وسعى سبعا كما وصفنا، فإذا فرغ حلق رأسه وقد تمت ~~عمرته. # والمقيم بمكة ينبغي أن يكثر الاعتمار والطواف. # وليكثر شرب ماء زمزم وليرتو حتى يتضلع. ### | الجملة التاسعة في طواف الوداع: # مهما عن له الرجوع إلى الوطن بعد الفراغ من إتمام الحج والعمرة فلينجز ~~أولا أشغاله وليشد رحاله وليجعل آخر أشغاله وداع البيت ; ووداعه بأن يطوف ~~به سبعا كما سبق ولكن من غير رمل واضطباع. # فإذا فرغ منه صلى ركعتين خلف المقام وشرب من ماء زمزم، ثم يأتي الملتزم ~~ويدعو ويتضرع قائلا: «اللهم أصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني، وأحسن ~~منقلبي، وارزقني طاعتك أبدا ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك ~~على كل شيء قدير» . ### | الجملة العاشرة في زيارة المدينة وآدابها: # من قصد ms065 زيارة المدينة فليصل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه ~~كثيرا، وليغتسل قبل الدخول، وليتطيب وليلبس أنظف ثيابه، فإذا دخلها ~~فليدخلها متواضعا معظما ويقصد المسجد # PageV01P071 # ويصلي فيه بجنب المنبر ركعتين، ثم يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيقف عند وجهه، وذلك بأن يستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر على نحو من ~~أربعة أذرع من السارية التي في زاوية جدار القبر، وليس من السنة أن يمس ~~الجدار ولا أن يقبله فإن المس والتقبيل للمشاهد عادة النصارى واليهود، بل ~~الوقوف من بعد أقرب للإحترام، فيقف ويقول: «السلام عليك يا رسول الله، ~~السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا أمين الله، السلام عليك يا حبيب ~~الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك ~~يا سيد المرسلين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا رسول رب ~~العالمين، السلام عليك يا قائد الخير، السلام عليك يا فاتح البر، السلام ~~عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا هادي الأمة، السلام عليك وعلى أهل بيتك ~~وأصحابك الطيبين، جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن قومه ورسولا عن أمته، ~~وصلى عليك أفضل الصلاة وأكمل ما صلى على أحد من خلقه كما استنقذنا بك من ~~الضلالة وبصرنا بك من العماية وهدانا بك من الجهالة. أشهد أنك بلغت الرسالة ~~وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت عدوك وهديت أمتك وعبدت ربك حتى أتاك ~~اليقين، فصلى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيبين وسلم وشرف وكرم وعظم» . # ثم يتأخر قدر ذراع ويسلم على «أبي بكر الصديق» رضي الله عنه، ثم يتأخر ~~قدر ذراع أيضا ويسلم على «الفاروق عمر» رضي الله عنه ويقول: «السلام عليكما ~~يا وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعاونين له على القيام بالدين ما ~~دام حيا والقائمين في أمته بعده بأمور الدين، تتبعان في ذلك آثاره وتعملان ~~بسنته، فجزاكما الله خير ما جزى وزيري نبي عن دينه» ثم يأتي الروضة فيصلي ~~فيها ركعتين ويكثر من الدعاء ما استطاع ويستحب له ms066 أن يأتي أحدا ويزور قبور ~~الشهداء، وأن يأتي البقيع ويزور خياره وأن يأتي قباء في كل سبت ويصلي فيه. # وإن أمكنه الإقامة بالمدينة مع مراعاة الخدمة فلها فضل عظيم. # ثم إذا عزم على الخروج من المدينة فيستحب أن يأتي القبر الشريف ويعيد ~~دعاء الزيارة ويسأل الله تعالى أن يرزقه العودة إليه، ثم يصلي ركعتين في ~~الروضة فإذا خرج فليخرج رجله اليسرى ثم اليمنى وليتصدق على جيران رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما قدر عليه. # سنن الرجوع من السفر: # يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ~~ساجدون لربنا حامدون» . فإذا أشرف على مدينته يحرك الدابة ويرسل إلى أهله ~~من يخبرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة، ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا، وإذا ~~دخل البلد فليقصد المسجد أولا وليصل ركعتين، وإذا استقر في منزله فلا ينبغي ~~أن ينسى ما أنعم الله به عليه من زيارة حرمه وقبر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فيكفر تلك النعمة، بأن يعود إلى الغفلة واللهو والخوض في المعاصي، فما ذلك ~~علامة الحج المبرور، بل علامته أن يعود راغبا في الآخرة متأهبا للقاء رب ~~البيت بعد لقاء البيت. # PageV01P072 ### | الباب الثالث في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة ### | دقائق الآداب - وهي سبعة. # الأول: أن تكون النفقة حلالا والهم مجردا لله تعالى وتعظيم شعائره، ومن ~~حج عن غيره فينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله تعالى ومعاونة أخيه المسلم ~~بإسقاط الفرض عنه لا أن يتخذ ذلك مكسبه ومتجره ليتوصل بالدين إلى الدنيا ~~فيطلب الدنيا بعمل الآخرة، بل ليتوصل بالدنيا إلى الدين أي التمكن من الحج ~~والزيارة فيه. # الثاني: التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا ~~إسراف بل على الاقتصاد، وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله عز وجل ~~قال «ابن عمر» : من كرم الرجل طيب زاده في سفره. # الثالث: ترك الرفث والفسوق والجدال ms067 كما نطق به القرآن «والرفث» اسم جامع ~~لكل لغو وفحش من الكلام، ويدخل فيه مغازلة النساء، ومداعبتهن والتحدث بشأن ~~الجماع ومقدماته فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور والداعي إلى المحظور ~~محظور. # «والفسق» اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله عز وجل. # «والجدل» هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويناقض حسن ~~الخلق، فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجماله وعلى غيرهم من ~~أصحابه، بل يلين جانبه ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت الله عز وجل، ويلزم ~~حسن الخلق، وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى. # الرابع: أن يجتنب زي المترفين المتكبرين فلا يميل إلى أسباب التفاخر ~~والتكاثر فيكتب في ديوان المتكبرين ويخرج عن حزب الصالحين، وفي الحديث: ~~«إنما الحاج الشعث التفث» يقول الله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم) [الحج: 29] ~~والتفث: الشعث والاغبرار، وقضاؤه بالحلق وقص الشارب والأظفار. # الخامس: أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق ولا يقف عليها الوقوف ~~الطويل، وينزل أحيانا عنها إحسانا إليها. # السادس: أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبا عليه ويجتهد أن يكون من ~~سمين النعم ونفيسه وليأكل منه إن كان تطوعا، وليس المقصود اللحم إنما ~~المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال التعظم لله عز ~~وجل: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) [الحج: 37] ~~. # السابع: أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي وبما أصابه من خسران ~~ومصيبة # PageV01P073 # في مال أو بدن إن أصابه ذلك، فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب، فلا ~~يضيع منه شيء عند الله عز وجل. # ويقال: «من علامة قبول الحج ترك ما كان عليه من المعاصي، وأن يتبدل ~~بإخوانه البطالين إخوانا صالحين، وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر ~~واليقظة» . # طريق الاعتبار بأعمال الحج الباطنة والتذكر لأسرارها ومعانيها: # في كل واحد من أعمال المناسك تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر إذا انفتح ~~بابها انكشف لكل خارج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وغزارة فهمه، وقد شرف ~~الله البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصدا ms068 لعباده، وجعل ما حواليه ~~حرما لبيته تفخيما لأمره، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، ووضعه على ~~مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا ~~متواضعين لرب البيت خضوعا لجلاله، مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو ~~يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم. # وفي الإحرام والتلبية إجابة نداء الله عز وجل، وفي دخول مكة تذكر ~~الانتهاء إلى حرم الله، فليخش أن لا يكون أهلا للقرب وليرج الرحمة. # وفي مشاهدة البيت إحضار عظمة البيت في القلب وتقدير مشاهدته لرب البيت ~~لشدة تعظيمه إياه، وفي الطواف بالبيت تشبه بالملائكة المقربين الحافين حول ~~العرش الطائفين حوله، وما القصد طواف الجسم بل طواف القلب بذكر الرب، وفي ~~التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب ~~البيت وتبركا بالممارسة والإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب ~~المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ~~ملجأ له منه إلا إليه وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو عنه. # وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاة تردد العبد بفناء الملك جائيا وذاهبا ~~مرة بعد أخرى إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي ~~دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو ~~رد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية ~~إن لم يرحم في الأولى. # وفي الوقوف بعرفة ورؤية ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات باختلاف اللغات ~~تذكر اجتماع الأمم في عرصات القيامة، وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين ~~الرد والقبول، وفي تذكر ذلك إلزام القلب الضراعة والابتهال إلى الله عز ~~وجل، ورجاء الحشر في زمرة الفائزين المرحومين وتحقيق الرجاء بالإجابة ~~فالموقف شريف، والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة ~~القلوب النقية، ولا ينفك الموقف عن طبقات من الصالحين وأرباب القلوب، فإذا ~~اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى ms069 الله سبحانه ~~أيديهم وامتدت إليه أعناقهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمة واحدة ~~على طلب الرحمة فلا تظنن أنه يخيب أملهم ويضيع سعيهم ويدخر عنهم رحمة ~~تغمرهم. # وفي رمي الجمار انقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وقصد رمي وجه الشيطان ~~وقصم ظهره. # وفي زيارة المدينة ومشاهدتها تذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته، وأنها داره التي شرع # PageV01P074 # فيها فرائض ربه عز وجل وسننه وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه ~~الله عز وجل، وأنها العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه ولأول المسلمين ~~وأفضلهم عصابة، وأن فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة وأنها ~~جمعت أفضل خلق الله حيا وميتا صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. # PageV01P075 ### | كتاب آداب تلاوة القرآن # قد امتن الله على عباده بنبيه المرسل، وكتابه المنزل الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه حتى اتسع على أهل الافتكار طريق الاعتبار ~~بما فيه من القصص والأخبار، واتضح به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم، ~~بما فصل فيه من الأحكام، وفرق بين الحلال والحرام، فهو الضياء والنور، وبه ~~النجاة من الغرور، وفيه شفاء لما في الصدور، من تمسك به فقد هدي، ومن عمل ~~به فقد فاز. قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9] ~~. # ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته ~~مع القيام بآدابه وشروطه، والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة والآداب ~~الظاهرة، وذلك ما لا بد من بيانه وتفصيله. ### | فضل القرآن وأهله وذم المقصرين في تلاوته: # قال صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن ثم رأى أحدا أوتي أفضل مما أوتي ~~فقد استصغر ما عظمه الله تعالى ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه ". # وقال " ابن مسعود ": " إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم ~~الأولين والآخرين ". # وقال " عمرو بن العاص ": " من قرأ القرآن فقد أدرجت ms070 النبوة بين جنبيه إلا ~~أنه لا يوحى إليه ". # وقد جاء في ذم تلاوة الغافلين قوله صلى الله عليه وسلم: " ما آمن بالقرآن ~~من استحل محارمه ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " اقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك فلست تقرؤه ~~". # وقال أنس: " رب تال للقرآن والقرآن يلعنه ". # وقال " ابن مسعود: " أنزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا، إن # PageV01P076 # أحدهم ليقرأ من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به ". # وقال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول: ~~(ألا لعنة الله على الظالمين) [هود: 18] وهو ظالم نفسه ألا: (لعنة الله على ~~الكاذبين) [آل عمران: 61] وهو منهم. ### | ظاهر آداب التلاوة: ### | الأدب الأول في حال القارئ: # وهو أن يكون على الوضوء واقفا على هيئة الأدب والسكون إما قائما وإما ~~جالسا، مستقبلا القبلة مطرقا رأسه غير متربع ولا متكئ ولا جالس على هيئة ~~التكبر، فإن قرأ على غير وضوء أو كان مضطجعا في الفراش فله أيضا فضل ولكنه ~~دون ذلك، قال الله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) [آل عمران: 191] فأثنى على الكل ولكن قدم ~~القيام في الذكر ثم القعود ثم الذكر مضطجعا. ### | الثاني في مقدار القراءة: # وللقراء عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار، والمأثور عن «عثمان وزيد ~~بن ثابت وابن مسعود وأبي بن كعب» رضي الله عنهم أنهم كانوا يختمون القرآن ~~في كل جمعة يقسمونه سبعة أحزاب. ### | الثالث: الترتيل: # هو المستحب في هيئة القرآن لأنا سنبين أن المقصود من القراءة التفكر، ~~والترتيل معين عليه، ولذلك نعتت «أم سلمة» رضي الله عنها قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءته مفسرة حرفا حرفا. # قال «ابن عباس» رضي الله عنهما: «لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما ~~وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة» وجلي أن الترتيل والتؤدة ~~أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال. ### | الرابع البكاء: # وهو مستحب مع القراءة، ومنشؤه الحزن وذلك ms071 أن يتأمل ما فيه من # PageV01P077 # التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره ~~فيحزن لا محالة ويبكي. ### | الخامس: أن يراعي حق الآيات # فإذا مر بآية سجدة سجد، وكذلك إذا سمع من غيره سجدة سجد إذا سجد التالي، ~~ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة ; وقد قيل في كمالها: إنه يكبر رافعا يديه ~~لتحريمه ثم يكبر للهوي للسجود ثم يكبر للارتفاع ثم يسلم. # السادس: أن يقول في مبتدأ قراءته: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم، وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر، وإذا مر بآية ~~استغفار دعا واستغفر، وإن مر بمرجو سأل، أو بمخوف استعاذ، يفعل ذلك بلسانه ~~أو بقلبه. ### | السابع: الإسرار بالقراءة # أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه، فإن لم يخف ~~ولم يكن في الجهر ما يشوش على مصل فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأنه ~~يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه، ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ~~ويزيد في نشاطه للقراءة ويقلل من كسله، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر ~~أفضل. ### | الثامن: تحسين القراءة # وترتيبها من غير تمطيط مفرط يغير النظم فذلك سنة، وفي الحديث: «زينوا ~~القرآن بأصواتكم» وفي آخر: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» فقيل به ~~الاستغناء، وقيل أراد به الترنم وترديد الألحان به وهو أقرب عند أهل اللغة، ~~واستمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة «أبي موسى» فقال: «لقد أوتي هذا من ~~مزامير آل داود» ويروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا ~~اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن. ### | أعمال الباطن في التلاوة وهي سبعة: # الأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في ~~إيصال كلامه إلى أفهام خلقه. # PageV01P078 # الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن ~~يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، ولن تحضره ~~عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله، ms072 فإذا حضر بباله العرش ~~والكرسي والسماوات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، ~~وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد وأن الكل في قبضة ~~قدرته مترددون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن ~~عاقب فبعدله، فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام. # الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس والتجرد له عند قراءته وصرف الهم ~~إليه عن غيره، كان بعض السلف إذا قرأ سورة لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية، ~~وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه ~~ويستبشر به ويستأنس لا يغفل عنه، وفي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان ~~التالي أهلا له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره. # الرابع التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ~~ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره، والمقصود من القراءة ~~التدبر، ولذلك سن فيه الترتيل لأن الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر ~~بالباطن، قال " علي " رضي الله عنه: " لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في ~~قراءة لا تدبر فيها "، وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن ~~يكون خلف إمام، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآية يرددها. # الخامس: التفهم وهو أن يستوضح عن كل آية ما يليق بها، إذ القرآن يشتمل ~~على ذكر صفات الله عز وجل وذكر أفعاله، وذكر أحوال الأنبياء وأحوال ~~المكذبين لهم، وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار، ~~أما صفات الله عز وجل فكقوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ~~11] وكقوله تعالى: (الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر) [الحشر: 23] فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له ~~أسرارها. # وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السماوات والأرض وغيرها، فليفهم التالي ~~منها صفات الله عز وجل جلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على ~~عظمته، فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل، فمن عرف الحق رآه ms073 في كل ~~شيء ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل: (أفرأيتم ما تحرثون) ~~[الواقعة: 63] (أفرأيتم ما تمنون) [الواقعة: 58] (أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون) [الواقعة: 68] (أفرأيتم النار التي تورون) [الواقعة: 71] فلا يقصر ~~نظره على الماء والنار والحرث والمني بل يتأمل في المني وهو نطفة متشابهة ~~الأجزاء، ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب، ~~وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة: من الرأس، واليد، والرجل، والكبد، ~~والقلب، وغيرها، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة: من السمع، والبصر، ~~والعقل، وغيرها، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة: من الغضب، ~~والشهوة، والكبر، والجهل، والتكذيب، والمجادلة كما قال تعالى: (أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) # PageV01P079 # [يس: 77] فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى أعجب العجائب وهو الصنعة ~~التي منها صدرت هذه الأعاجيب، فلا يزال ينظر إلى الصنعة ويرى الصانع. # وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام فإذا سمع منها أنهم كذبوا وضربوا وقتل ~~بعضهم ثم سمع نصرتهم في آخر الأمر فهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة ~~الحق. # وأما أحوال المكذبين كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار ~~الخوف من سطوته ونقمته، وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه. # السادس: التخلي عن موانع الفهم: فإن أكثر الناس منعوا عن فهم القرآن ~~لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن. # ومن حجب الفهم أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها عن مخارجها ~~وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل، ~~فلا يزال يحملهم على ترديد الحروف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه، فهذا ~~يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني، وأعظم ضحكة ~~للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس. # السابع التخصيص: وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع ~~أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكذلك، وإن ~~سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود ms074 وإنما المقصود أن تعتبر ~~به وتأخذ من بضاعته ما تحتاج إليه، فما من قصة في القرآن إلا وسياقها ~~لفائدة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، ولذلك قال تعالى: (ما نثبت ~~به فؤادك) [هود: 120] فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما قصه عليه من ~~أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله ~~تعالى. # وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين، ولذلك أمر الله ~~تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) [البقرة: 231] وإذا قصد بالخطاب ~~جميع الناس فقد قصد الآحاد كما قال تعالى: (لأنذركم به ومن بلغ) [الأنعام: ~~19] . # قال " محمد القرظي ": من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله " وإذا قدر ذلك لم ~~يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ~~ليتأمله ويعمل بمقتضاه، ولذلك، قال بعض العلماء: " هذا القرآن رسائل أتتنا ~~من قبل ربنا عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات وننفذها في الطاعات " # الثامن التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون ~~له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ~~ومهما تمت معرفته # PageV01P080 # كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب على آيات القرآن، ~~فلا ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف على نيلها كقوله ~~عز وجل: (وإني لغفار) [طه: 82] ثم أتبع ذلك بأربعة شروط (لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى) [طه: 82] وقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر: 1 - 3] ~~ذكر أربعة شروط وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى: (إن رحمة الله قريب ~~من المحسنين) [الأعراف: 56] فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من ~~أوله إلى آخره. # ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن، وإلا كان حظه ms075 من التلاوة ~~حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: (ألا لعنة الله على ~~الظالمين) [هود: 18] وفي قوله تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون) [الصف: 3] وفي قوله: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا) [النجم: 29] وفي قوله تعالى: (ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون) [الحجرات: 11] إلى غير ذلك من الآيات، فالقرآن يراد للعمل به، ~~وأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك ~~فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل ~~تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان ~~يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ. # PageV01P081 ### | كتاب الأذكار والدعوات ### | (فضيلة الذكر) # من الآيات قوله سبحانه وتعالى: (فاذكروني أذكركم) [البقرة: 152] وقال ~~تعالى: (اذكروا الله ذكرا كثيرا) [الأحزاب: 41] وقال تعالى: (الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) [آل عمران: 191] وقال تعالى: (فإذا قضيتم ~~الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) [النساء: 103] قال «ابن ~~عباس» : «أي بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر ~~والمرض والصحة والسر والعلانية» ، وقال تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) [الأعراف: ~~205] وقال تعالى في ذم المنافقين: (ولا يذكرون الله إلا قليلا) [النساء: ~~142] . # ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه. # وقال صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ~~عز وجل. # وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال: أن تموت ولسانك رطب بذكر ~~الله عز وجل. # وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: إذا ذكرني عبدي في نفسه ~~ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإذا تقرب مني ~~شبرا تقربت منه ذراعا الحديث. # ومن الآثار قول الحسن: «الذكر ذكران ذكر الله عز وجل بين نفسك وبين الله ~~عز وجل ما أحسنه وأعظم أجره، ms076 وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله ~~عز وجل» . ### | فضيلة مجالس الذكر: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله عز وجل ~~إلا حفت بهم الملائكة # PageV01P082 # وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده. ### | فضيلة التهليل: # قال صلى الله عليه وسلم: أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له. # وقال صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كل يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب ~~وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة الحديث. ### | فضيلة التسبيح والتحميد وبقية الأذكار: # قال صلى الله عليه وسلم: من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا ~~وثلاثين وكبر ثلاثا وثلاثين وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه. # وقال صلى الله عليه وسلم: من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة ~~حطت خطاياه. # وقال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت. # وقال صلى الله عليه وسلم: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان ~~حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. ### | سر فضيلة الذكر: # إن قلت: ما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار ~~أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقة فيها؟ فاعلم أن تحقيق هذا لا ~~يليق إلا بعلم المكاشفة، والقدر الذي يسمح بذكره في علم المعاملة أن المؤثر ~~النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب، فأما الذكر باللسان والقلب لاه ~~فهو قليل الجدوى، بل حضور القلب مع الله تعالى على الدوام أو في أكثر ~~الأوقات هو المقدم على العبادات، بل به تشرف سائر العبادات وهو غاية ثمرة ~~العبادات العملية. # وللذكر أول ms077 وآخر: فأوله يوجب الأنس والحب، وآخره يوجب الأنس والحب ويصدر ~~عنه، والمطلوب ذلك الأنس والحب. # PageV01P083 ### | فضيلة الدعاء: # قال الله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان فليستجيبوا لي) [البقرة: 186] وقال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~إنه لا يحب المعتدين) [الأعراف: 55] وقال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب ~~لكم) [غافر: 60] وقال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى) [الإسراء: 110] . # وقال صلى الله عليه وسلم: الدعاء مخ العبادة. # وقال صلى الله عليه وسلم: سلوا الله تعالى من فضله فإنه تعالى يحب أن ~~يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج. ### | آداب الدعاء: # الأول: يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من ~~الأشهر ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من الليل، قال تعالى: (وبالأسحار ~~هم يستغفرون) [الذاريات: 18] . # الثاني: أن يغتنم الأحوال الشريفة كحال زحف الصفوف في سبيل الله تعالى ~~وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلوات المكتوبة وخلف الصلوات وبين الأذان ~~والإقامة وحالة السجود. # وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضا إذ وقت السحر وقت صفاء ~~القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات. ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهم ~~وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله عز وجل. # الثالث: أن يدعو مستقبلا القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه، ثم ~~ينبغي أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء. # قال «عمر» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مد يديه ~~في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. # وقال «ابن عباس» : كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما ~~مما يلي وجهه فهذه هيئات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء. # الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر، قالت عائشة في قوله تعالى: (ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [الإسراء: 110] أي بدعائك، وقد أثنى تعالى على ~~نبيه زكريا عليه السلام حيث قال: (إذ نادى ربه نداء خفيا) [مريم: 3] وقال ~~تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) [الأعراف: 55] . # الخامس: أن لا يتكلف السجع في الدعاء، ms078 والأولى أن لا يجاوز الدعوات ~~المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد ~~يحسن الدعاء. # PageV01P084 # السادس: التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية) [الأعراف: 55] . # السابع: أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه قال صلى الله ~~عليه وسلم: لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن ~~شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له. # وقال صلى الله عليه وسلم: إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا ~~يتعاظمه شيء. # وقال صلى الله عليه وسلم: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن ~~الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل. # الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا وأن لا يستبطئ الإجابة. # التاسع: أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى ولا يبدأ بالسؤال ثم يصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويختم بها أيضا. # العاشر: وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة: التوبة ورد المظالم ~~والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة. ### | فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: 56] . # وقال صلى الله عليه وسلم: من صلى علي من أمتي كتب له عشر حسنات وقيل: " ~~يا رسول الله كيف نصلي عليك "؟ فقال قولوا: اللهم صل على محمد عبدك وعلى ~~آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد ~~وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. # وروي أن " عمر " رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبكي ويقول: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن ~~جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء: 80] ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك ~~قبل أن يخبرك بالذنب فقال ms079 تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة: 43] ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن ~~يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون: (ياليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسول) [الأحزاب: 66] بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى ~~أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها ~~الماء صلى # PageV01P085 # الله عليك: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان أعطاه الله الريح ~~غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى السماء ~~السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك. بأبي أنت وأمي لئن ~~كان " عيسى ابن مريم " أعطاه الله إحياء الموتى فماذا بأعجب من الشاة ~~المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت الذراع: لا تأكلني فإني مسمومة. بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في ~~كثرة سنه وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. ولقد لبست ~~الصوف، وركبت الحمار، وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك ~~تواضعا منك فصلى الله عليك وسلم. ### | فضيلة الاستغفار # قال الله عز وجل: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم) [آل عمران: 135] وقال تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) [النساء: 110] وقال تعالى: ~~(فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) [النصر: 3] وقال تعالى: ~~(والمستغفرين بالأسحار) [آل عمران: 17] وقال تعالى: (كانوا قليلا من الليل ~~ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) [الذاريات: 17، 18] . # وكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر ~~لي إنك أنت التواب الرحيم. # وقال صلى الله عليه وسلم: من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب. # وقال صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم ~~سبعين مرة. # وكان صلى الله ms080 عليه وسلم يقول في الاستغفار: اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت ~~على كل شيء قدير. # وعن «الفضيل» رحمه الله: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وعن «رابعة ~~العدوية» رحمها الله: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير. # PageV01P086 # وأما أوراد الصباح والمساء وخلف الصلوات وفي السحر فلنا فيها كتاب مستقل ~~فليرجع إليه من أحب ذلك. ### | آداب النوم: # الأول: الطهارة والسواك. # الثاني: أن يعد طهوره وسواكه وينوي القيام للعبادة عند التيقظ. # الثالث: أن لا يبيت من له وصية إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه فإنه لا يأمن ~~القبض من النوم. # الرابع: أن ينام تائبا من كل ذنب سليم القلب لجميع المسلمين لا يحدث نفسه ~~بظلم أحد ولا يعزم على معصية إن استيقظ. # الخامس: أن يقتصد في تمهيد الفرش الناعمة. # السادس: أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلف استجلابه إلا إذا قصد به ~~الاستعانة على القيام في آخر الليل. # السابع: أن ينام مستقبل القبلة. # الثامن: الدعاء عند النوم بما ورد ومنه قراءة الإخلاص والمعوذتين وينفث ~~بهن في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده وآية الكرسي والتسبيح ثلاثا ~~وثلاثين والتحميد كذلك والتكبير كذلك. # التاسع: أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث وليتحقق ~~أنه يتوفى على ما هو الغالب عليه من حب الله وحب لقائه أو حب الدنيا ويحشر ~~على ما يتوفى عليه. # العاشر: الدعاء عند التنبه وليقل أولا: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما ~~أماتنا وإليه النشور. # ثم ليقرأ خواتم «آل عمران» [190 - 194]- (إن في خلق السماوات والأرض) ~~الآيات، وليسبح عشرا وليحمد كذلك وليكبر كذلك وليهلل كذلك، قالت عائشة رضي ~~الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته قال: ~~اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ms081 ثم يفتتح الصلاة ويصلي ~~ركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن لم يكن قد ~~صلى # PageV01P087 # الوتر. وكان ربما جهر بالقراءة وربما أسر. وأكثر ما صح عنه في قيام الليل ~~ثلاث عشرة ركعة. ### | بيان أن الأوراد للمتجرد للعبادة: # اعلم أن الأوراد والأذكار المروية والوظائف الليلية والنهارية إنما تستحب ~~للمتجرد للعبادة الذي لا شغل له غيرها أصلا بحيث لو ترك العبادة لجلس ~~بطالا، وأما العالم الذي ينفع الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف ~~فترتيبه الأوراد يخالف ترتيب العابد، فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب وإلى ~~التصنيف والإفادة ويحتاج إلى مدة لها لا محالة، فإن أمكنه استغراق الأوقات ~~فيه فهو أفضل ما يشتغل به بعد المكتوبات ورواتبها، ويدل على ذلك ما ذكرناه ~~في فضيلة التعليم والتعلم في كتاب العلم، وكيف لا يكون كذلك وفي العلم ~~المواظبة على ذكر الله تعالى، وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله، وفيه ~~منفعة الخلق وهدايتهم إلى طريق الآخرة، ورب مسألة واحدة يتعلمها المتعلم ~~فيصلح بها عبادة عمره ولو لم يتعلمها لكان سعيه ضائعا. # وأما العامي والمتعلم فحضوره مجالس العلم والوعظ أفضل من اشتغاله ~~بالأوراد، وكذلك المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع ~~العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق ~~والاشتغال بالكسب، ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته. ### | ### | فضيلة قيام الليل: # # من الآيات قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~ومما رزقناهم ينفقون) [السجدة: 16] وقوله تعالى: (أم من هو قانت آناء ~~الليل) [الزمر: 9] وقوله عز وجل: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) ~~[الفرقان: 64] وقوله سبحانه: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم ~~يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) [الذاريات: 17 - 19] . # ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم: ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل ~~خير من الدنيا وما فيها. # وقوله صلى الله عليه وسلم: إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل ~~الله تعالى خيرا إلا ms082 أعطاه إياه. # وقوله صلوات الله عليه: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم. ### | الأسباب المسهلة لقيام الليل # منها أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام، ~~ومنها أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنة الاستعانة على قيام الليل، ~~ومنها أن يعرف فضل قيام الليل بسماع هذه الآيات والأخبار حتى يستحكم به ~~رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة # PageV01P088 # في درجات الجنان، ومنها، وهو أشرف البواعث، الحب وقوة الإيمان بأنه في ~~قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج به ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر ~~بقلبه، وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه، فإذا أحب الله تعالى أحب ~~لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة، فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول ~~القيام. ### | بيان لذة المناجاة عقلا ونقلا # لا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل ; فأما العقل ~~فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف ~~يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله. # فإن قلت: إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى، فاعلم أنه ~~لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ ~~بمجاورته بمسمع منه وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده. # فإن قلت: إنه ينتظر جوابه فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى، ~~فاعلم أنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت أيضا لذة في عرض ~~أحواله عليه ورفع سريرته إليه، كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد ~~على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذذ به، وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه ~~حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه، والرجاء في حق الله تعالى ~~أصدق وما عند الله أبقى وأنفع مما عند غيره، وكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات ~~عليه في الخلوات. # وأما النقل فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم ~~له كما يستقصر المحب ms083 ليلة وصال الحبيب، حتى قيل لبعضهم: كيف أنت والليل؟ ~~قال ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد. # وقال علي بن بكار: «منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر» . # وقال «الفضيل بن عياض» : «إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي وإذا ~~طلعت حزنت لدخول الناس علي» . # وقال أبو سليمان: «أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا ~~الليل ما أحببت البقاء في الدنيا» . # وقال بعضهم: «ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل ~~التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة» . # وقال بعضهم: «لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله ~~تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم» ، وقال # PageV01P089 # ابن المنكدر: «ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل ولقاء الإخوان ~~والصلاة في الجماعة» . # وقيل لبعضهم: «كيف الليل عليك؟» فقال: «ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح ~~بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع ما تم فرحي به قط» . # طرق القسمة لأجزاء الليل # إحياء الليل له سبع مراتب: # الأولى: إحياء كل الليل وهو شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الله تعالى ~~وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام ~~وردوا المنام إلى النهار ; اشتهر ذلك عن أربعين من التابعين. # الثانية: أن يقوم نصف الليل. # الثالثة: أن يقوم ثلث الليل من النصف الأخير. # الرابعة: أن يقوم سدس الليل الأخير أو خمسه. # الخامسة: أن لا يراعي التقدير فينام ويقوم في أجزاء الليل مطلقا. # السادسة: أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين وحيث يتعذر عليه القيام في ~~وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل القيام قبل الصبح وقت السحر ولا يدركه الصبح ~~نائما، وهذه هي الرتبة السابعة. # PageV01P090 # وأما قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث المقدار فلم يكن على ~~ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه أو سدسه يختلف ذلك ~~من الليالي، ودل عليه قوله تعالى في الموضعين: (إن ربك يعلم أنك تقوم ms084 أدنى ~~من ثلثي الليل ونصفه وثلثه) [المزمل: 20] فأدنى من ثلثي الليل كأنه نصفه ~~ونصف سدسه، فإن كسر قوله: (ونصفه وثلثه) ، كان نصف الثلثين وثلثه فيقرب من ~~الثلث والربع، وإن نصب كان نصف الليل وثلثه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ ~~يعني الديك، وهذا يكون السدس فما دونه. # PageV01P091 ### | كتاب آداب الأكل والدعوة والضيافة # إن الله تعالى أحسن تدبير الكائنات، فخلق الأرض والسماوات وأنزل الماء ~~الفرات من المعصرات، فأخرج به الحب والنبات، وقدر الأرزاق والأقوات، وحفظ ~~بالمأكولات قوى الحيوانات، وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل ~~الطيبات. فشكرا له على ممر الأوقات. # ولما كان مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى ~~الوصول للقائه إلا بالعلم والعمل، ولا يمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة ~~البدن، ولا تصفوا سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر ~~الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف: إن الأكل من الدين، ~~وعليه نبه قوله تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) [المؤمنون: 51] وها ~~نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها. ### | بيان ما لا بد للآكل من مراعاته # وهو ثلاثة أقسام: ### | القسم الأول في الآداب المتقدمة على الأكل وهي خمسة: # الأول: أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا ~~للسنة والورع، لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين، ~~وقد أمر الله تعالى بأكل الطيب وهو الحلال، وقدم النهي عن الأكل بالباطل ~~على القتل تفخيما لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال فقال تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إلى قوله: (ولا تقتلوا ~~أنفسكم) [النساء: 29] فالأصل في الطعام كونه طيبا وهو في الفرائض وأصول ~~الدين. # الثاني: غسل اليد لأنها لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى ~~النظافة والنزاهة. # الثالث: أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعا ~~بالأكل، ومن # PageV01P092 # ضرورة هذه النية أن لا يمد ms085 اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع أحد ~~ما لا بد من تقديمه على الأكل، ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع، ومن فعل ~~ذلك استغنى عن الطبيب. # الرابع: أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام. # الخامس: أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده فإن خير ~~الطعام ما كثرت عليه الأيدي ; وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده. ### | القسم الثاني في آدابه حالة الأكل: # وهو أن يبدأ ب «بسم الله» في أوله، وب «الحمد لله» في آخره، ويجهر به ~~ليذكر غيره، ويأكل باليمنى ويصغر اللقمة ويجود مضغها، وما لم يبتلعها لا ~~يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل، وأن لا يذم مأكولا. كان صلى ~~الله عليه وسلم لا يعيب مأكولا، كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه. # وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فله أن يجيل يده فيها، ولا يضع على الخبز ~~قصعة ولا غيرها إلا ما يؤكل به، ولا يمسح يده بالخبز ولا ينفخ في الطعام ~~الحار بل يصبر إلى أن يسهل أكله، ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق، ولا ~~يجمع في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ما له عجم ~~وثفل، وأن لا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة بل يتركه مع ~~الثفل حتى لا يلتبس على غيره فيأكله، وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام ~~إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه. # وأما الشرب: فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول بسم الله ويشربه مصا لا ~~عبا، ولا يشرب قائما ولا مضطجعا، وينظر في الكوز قبل الشرب، ولا يتجشأ ولا ~~يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية. والكوز وكل ما يدار ~~على القوم يدار يمنة. وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا وأبو بكر ~~رضي الله عنه عن شماله وأعرابي عن يمينه فناول الأعرابي وقال: الأيمن ~~فالأيمن. ويشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في ms086 أواخرها ويسمي الله في ~~أوائلها. ### | القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام: # وهو أن يمسك قبل الشبع ثم يغسل يده ويتخلل ويرمي المخرج بالخلال، وأن ~~يشكر الله تعالى بقلبه على ما أطعمه فيرى الطعام نعمة منه، قال الله تعالى: ~~(كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) [البقرة: 172] فإن أكل طعام الغير ~~فليدع له وليقل: «اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته واجعلنا وإياه من ~~الشاكرين» . # وإن أفطر عند قوم فليقل: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت ~~عليكم الملائكة. وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة. # ويستحب عقيب الطعام أن يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا ~~وآوانا. ### | آداب الاجتماع على الأكل وهي سبعة: # الأول: أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل ~~إلا أن # PageV01P093 # يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا ~~اشرأبوا للأكل واجتمعوا له. # الثاني: أن لا يسكتوا على الطعام ولكن يتكلمون بالمعروف. # الثالث: أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة عما يأكله، فإن ~~ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا، بل ينبغي أن ~~يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو استأذنهم، فإن ~~قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له: «كل» ولا يزيد في قوله: «كل» على ~~ثلاث فإن ذلك إلحاح وإضجار، فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع. قال الحسن بن ~~علي رضي الله عنهما: «الطعام أهون من أن يحلف عليه» . # الرابع: أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له: «كل» أو يتفقده في الأكل بل ~~يحمل عن أخيه مؤنة ذلك. # ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل ~~يجري على المعتاد، ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة، ولكن يعود نفسه حسن ~~الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع عند الاجتماع. # نعم لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو ms087 ~~حسن، وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فهو ~~حسن. # الخامس: أن غسل اليد في الطست لا بأس به، قال أنس: «إذا أكرمك أخوك فاقبل ~~كرامته ولا تردها» . # روي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد على يده في الطست ~~فلما فرغ قال: «يا أبا معاوية، أتدري من صب على يدك» فقال: «لا» ، قال: ~~«صبه أمير المؤمنين» فقال: «يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته ~~فأجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله» . # وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه هكذا فعل مالك بالشافعي رضي ~~الله عنهما في أول نزوله عليه وقال: «لا يروعك ما رأيت مني فخدمة الضيف ~~فرض» . # السادس: أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغض بصره ~~عنهم # PageV01P094 # ويشتغل بنفسه، ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد ~~اليد ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا، فإن امتنع لسبب فليعتذر ~~إليهم دفعا للخجلة عنهم. # السابع: أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة «وعاء الأكل» ~~ولا يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه، وإذا أخرج شيئا من فيه صرف ~~وجهه عن الطعام وأخذ بيساره، ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل فقد يكرهه ~~غيره، واللقمة التي قطعها بسنه لا تغمس في المرقة والخل، ولا يتكلم بما ~~يذكر من المستقذرات. ### | فضل تقديم الطعام إلى الزائرين وآدابه # تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير، قال الحسن: «كل نفقة ينفقها ~~الرجل يحاسب عليها إلا نفقته على إخوانه في الطعام فإن الله أكرم من أن ~~يسأله عن ذلك» . # وقال علي رضي الله عنه: «لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن ~~أعتق رقبة» . # وكان «ابن عمر» رضي الله عنهما يقول: «من كرم المرء طيب زاده في سفره ~~وبذله لأصحابه» . # وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ذواق. # وأما آدابه: # فبعضها في الدخول، وبعضها في تقديم الطعام. # أما ms088 الدخول فليس من السنة أن يقصد قوما متربصا لوقت طعامهم فيدخل عليهم ~~وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهي عنه، قال الله تعالى: (لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) [الأحزاب: 53] يعني ~~منتظرين حينه ونضجه، أما إذا كان جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص ~~به وقت أكله فلا بأس به، وفيه إعانة لأخيه على حيازة ثواب الإطعام وهي عادة ~~السلف، فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه إذا أكل ~~من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه، إذ المراد من الإذن الرضاء لا سيما في ~~الأطعمة وأمرها على السعة، فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل ~~طعامه مكروه، ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب وقد قال تعالى: (أو ~~صديقكم) [النور: 61] قال «الحسن» : «الصديق من استروحت إليه النفس واطمأن ~~إليه القلب» . # كان «محمد بن واسع» وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير ~~إذن، فكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول: «هكذا كنا» . # ومشى قوم إلى منزل «سفيان الثوري» فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة ~~وجعلوا يأكلون، فدخل الثوري وجعل يقول: «ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا» ~~. ### | وأما آداب التقديم: # فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر، كان الفضيل يقول: «إنما # PageV01P095 # تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه» ، ~~ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم. # قال بعضهم: «دخلنا على جابر رضي الله عنه فقدم لنا خبزا وخلا وقال: لولا ~~أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم» . # الأدب الثاني: وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق ~~على المزور إحضاره، فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر أيسرهما عليه، فإن علم ~~أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح. # قال بعضهم: «الأكل على ثلاثة أنواع: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان ~~بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب» . # الأدب الثالث: أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت ms089 ~~نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل. # الأدب الرابع: أن لا يقول له: «هل أقدم لك طعاما» ؟ بل ينبغي أن يقدم إن ~~كان، فإن أكل وإلا فيرفعه. # مسائل # الأولى: رفع الطعام على المائدة فيه تيسير للأكل فلا كراهة فيه بل هو ~~مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم، وما يقال إنه بدعة فجوابه أنه ليس كل ~~ما أبدع منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء ~~علته، وليس في المائدة إلا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل ونحوه مما لا ~~كراهة فيه. # الثانية: الأكل والشرب متكئا مكروه مضر للمعدة ومثله الأكل مضطجعا ~~ومنبطحا. # الثالثة: السنة البداءة بالطعام قبل الصلاة، وفي الحديث: «إذا حضر العشاء ~~والعشاء فابدؤوا بالعشاء» ، وكان «ابن عمر» رضي الله عنهما ربما سمع قراءة ~~الإمام ولا يقوم من عشائه ; نعم إن كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن ~~في تأخير الطعام ضرر فالأولى تقديم الصلاة. ### | بيان ما يخص الدعوة والضيافة ### | فضيلة الضيافة: # قال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وفي ~~أثر: لا خير فيمن لا # PageV01P096 # يضيف. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان قال: إطعام الطعام وبذل ~~السلام. # وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات والدرجات: إطعام الطعام والصلاة ~~بالليل والناس نيام. # أما الدعوة: # فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق، قال صلى الله عليه ~~وسلم: أكل طعامك الأبرار. # وفي أثر: لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا يقتصر على ~~الأغنياء خاصة بل يضم معهم الفقراء. # قال صلى الله عليه وسلم: شر الطعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويحرم ~~منها الفقراء. # وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم، وكذلك ~~يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب ~~الباقين، وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب ~~الإخوان وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، وينبغي أن لا يدعو ms090 من يعلم أنه ~~يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب، وينبغي أن لا ~~يدعو إلا من يحب إجابته. # وأما الإجابة: فهي سنة مؤكدة، وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع ولها خمسة ~~آداب: # الأول: أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه. # الثاني: أن لا يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي ~~وعدم جاهه، بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجلها. # الثالث: أن لا يمتنع لكونه صائما بل يحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره ~~فليفطر، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في ~~الصوم وأفضل، وذلك في صوم التطوع وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل، وقد قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: «من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار» ، فالإفطار ~~عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم، ومهما لم يفطر فضيافته ~~الطيب والمجمرة والحديث الطيب. # الرابع: أن يمتنع عن الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو كان يقام في ~~الموضع منكر أو كان الداعي ظالما أو فاسقا أو متكلفا طلبا للمباهاة والفخر. # PageV01P097 # الخامس: أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملا في أبواب ~~الدنيا، بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملا للآخرة فينوي الاقتداء بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإكرام أخيه المؤمن وزيارته ليكونا من ~~المتحابين في الله، وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق ~~اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري ~~مجراه. # وكان بعض السلف يقول: أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام ~~والشراب فإن المباح يلتحق بوجوه الخيرات بالنية. # وأما الحضور: # فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول ~~الانتظار عليهم، ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد، ولا يضيق ~~المكان على الحاضرين بالزحمة، بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه ~~البتة فإنه ms091 قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه، ولا يجلس ~~في مقابلة باب الحجرة الذي للنساء وسترهم، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي ~~يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره، ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه ~~إذا جلس، وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند دخوله القبلة وبيت ~~الماء وموضع الوضوء، وأن يغسل صاحب المنزل يده قبل القوم وقبل الطعام لأنه ~~يدعو الناس إلى كرمه، ويتأخر في آخر الطعام عنهم، وعلى الضيف إذا دخل فرأى ~~منكرا أن يغيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف. ### | وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة: # الأول: تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف، ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد ~~أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق ~~أولئك في التأخير. # وأحد المعنيين في قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) ~~[الذاريات: 24] أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم، دل عليه قوله تعالى: (فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ) [هود: 69] وقوله: (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) ~~[الذاريات: 26] والروغان: الذهاب بسرعة وقيل في خفية. قال «حاتم الأصم» : ~~(العجلة من الشيطان إلا # PageV01P098 # في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إطعام الضيف، وتجهيز ~~الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب) . # الثاني: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولا إن كانت فذلك أوفق في الطب ~~فإنها أسرع استحالة فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي القرآن تنبيه على ~~تقديم الفاكهة في قوله تعالى: (وفاكهة مما يتخيرون) [الواقعة: 20] ثم قال: ~~(ولحم طير مما يشتهون) [الواقعة: 21] . # ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد، فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد ~~جمع الطيبات، ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف «إبراهيم» إذ ~~أحضر العجل الحنيذ أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه، وهو أحد معنيي الإكرام ~~أعني تقديم اللحم، قال «أبو سليمان الداراني» رضي الله عنه: «أكل الطيبات ~~يورث الرضا عن الله» . # وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد، وصب الماء الفاتر على ms092 اليد عند ~~الغسل. قال «المأمون» : «شرب الماء بثلج يخلص الشكر» ، وقال بعضهم: ~~«الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، والتمكن على المائدة خير من ~~زيادة لونين» . وتزيين المائدة بالبقول مستحب أيضا. # الثالث: أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر ~~الأكل بعده. # وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده ~~وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل. # ويستحب أن يقدم جميع الألوان دفعة أو يخبر بما عنده. # الرابع: أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا ~~الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو ~~بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة. # الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في ~~المروءة والزيادة عليه تصنع، قال «ابن مسعود» رضي الله عنه: «نهينا أن نجيب ~~دعوة من يباهي بطعامه» ، وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة. # وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع ~~شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم، وتنطلق في الضيفان ألسنتهم. ### | فأما الانصراف فله ثلاثة آداب: # الأول: أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف، ~~وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة. # PageV01P099 # الثاني: أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن ~~الخلق والتواضع. # الثالث: أن لا يخرج إلا برضاء صاحب المنزل وإذنه، ويراعي قلبه في قدر ~~الإقامة. # وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى ~~إخراجه. # نعم، لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك. # ويستحب أن يكون عنده فراش لضيف ينزل به. ### | آداب متفرقة: # الأول: حكي عن «إبراهيم النخعي» أنه قال: «الأكل في السوق دناءة» ونقل عن ~~بعض السلف فعله، ووجه الجمع أنه يختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص، فمن ~~لا يليق ذاك به لحاله أو عادة ms093 بلاده كان شرها وقلة مروءة، ومن لا فلا حرج. # الثاني: قال بعض الأطباء: «لا تنكح من النساء إلا فتاة، ولا تأكل من ~~اللحم إلا فتيا، ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه، ولا تشربن دواء إلا من ~~علة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه، ولا ~~تشربن فوق الطعام، ولا تحبس البول والغائط، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا ~~أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة. # الثالث: يستحب أن يحمل الطعام إلى أهل الميت، ولما جاء نعي» جعفر بن أبي ~~طالب «قال عليه الصلاة والسلام: إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم ~~فاحملوا إليهم ما يأكلون فذلك سنة، وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه. # الرابع: لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل. ### | تتمة: # حكي أن بعضهم كان يمتنع عن إجابة الدعوة ويقول:» انتظار المرقة ذل «، ~~وقال آخر:» إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي «. # وقد أنكر بعضهم هذا الكلام وقال:» هذا خلاف السنة «. قال» الغزالي «:» ~~وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة # PageV01P100 # ولا يتقلد بها منة، وكان يرى ذلك يدا له على المدعو، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفا وذخرا ~~لنفسه في الدنيا والآخرة، فهذا يختلف باختلاف الحال، فمن ظن به أنه يستثقل ~~الإطعام وأنه يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنة إجابته بل الأولى ~~التعلل، ولذلك قال بعض الصوفية: «لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك ~~وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة ~~منه، فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد» . # PageV01P101 ### | كتاب آداب النكاح ### | (الترغيب فيه) # قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) [النور: 32] وهذا أمر، وقال ~~تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) [البقرة: 232] وهذا منع من العضل ~~ونهي عنه، وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم: ms094 (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية) [الرعد: 38] فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار ~~الفضل، ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال: (والذين يقولون ربنا هب لنا ~~من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) [الفرقان: 74] الآية. # وأما الأخبار: فقوله صلى الله عليه وسلم: النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي ~~فقد رغب عني، وقال: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. هذا يدل على أن سبب الترغيب ~~فيه خوف الفساد في العين والفرج. # والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف ~~عن الوقاع بالصوم. # وقال صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف ~~الفساد. # وقال صلى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاثا ولدا صالحا ~~يدعو له. الحديث ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح. # وأما الآثار: فقال: «ابن عباس» رضي الله عنه: «لا يتم نسك الناسك حتى ~~يتزوج» يحتمل أنه جعله من النسك أو تتمة له أو أراد أنه لا يسلم قلبه لغلبة ~~الشهوة إلا بالتزوج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب، وكان يجمع غلمانه لما ~~أدركوا ويقول: «إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من ~~قلبه» . ### | وأما فوائد النكاح: # فخمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس ~~بالقيام بهن. # PageV01P102 ### | ما يراعى من أحوال المرأة: # الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد ~~وتتوفر مقاصده ثمان: الدين، والخلق، والحسن، وخفة المهر، والولادة ~~والبكارة، والنسب، وأن لا تكون قرابة قريبة. # الأولى: أن تكون صالحة ذات دين فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء، ~~فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين ~~الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية ~~والغيرة لم يزل في بلاء، وإن سلك سبيل التساهل ms095 كان متهاونا بدينه وعرضه ~~ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة. # وإن كانت فاسدة الدين باستهلاك ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشا معه، ~~فإن سكت ولم ينكره كان شريكا في المعصية مخالفا لقوله تعالى: (قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا) [التحريم: 6] وإن أنكر وخاصم تنغص العمر، ولهذا بالغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في التحريض على ذات الدين فقال: تنكح المرأة ~~لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك. # الثانية: حسن الخلق فإنها إذا كانت سليطة بذيئة اللسان كافرة للنعم كان ~~الضرر منها أكثر من النفع، والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء. # الثالثة: حسن الوجه فذلك أيضا مطلوب إذ به يحصل التحصن، والطبع لا يكتفي ~~بالدميمة غالبا، وما نقلناه من الحث على الدين ليس زجرا عن رعاية الجمال بل ~~هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين، فإن الجمال وحده ~~في غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين، ويدل على الالتفات إلى معنى ~~الجمال أن الإلف والمودة تحصلا به غالبا، وقد ندب الشرع إلى مراعاة أسباب ~~الألفة ولذلك استحب النظر فقال: إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة ~~فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما أي يؤلف بينهما. # وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازا من الغرور، ~~وقال «الأعمش» : «كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم» . # وروي أن رجلا تزوج على عهد «عمر» رضي الله عنه وكان قد خضب فنصل خضابه ~~فاستعدى عليه أهل المرأة إلى «عمر» وقالوا: «حسبناه شابا» فأوجعه «عمر» ~~ضربا وقال: «غررت القوم» ، والغرور يقع في الجمال # PageV01P103 # والخلق جميعا فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر، وفي الخلق بالوصف ~~والاستيصاف، ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير ~~بالظاهر والباطن لا يميل إليها فيفرط في الثناء، ولا يحسدها فيقصر. وقل من ~~يصدق فيه بل الخداع والإغراء أغلب والاحتياط فيه مهم. # الرابعة: أن تكون خفيفة المهر فقد نهي عن المغالاة في المهر. # وتزوج بعض ms096 الصحابة على نواة من ذهب يقال قيمتها خمسة دراهم. # وزوج «سعيد بن المسيب» ابنته من «أبي هريرة» رضي الله عنه على درهمين ثم ~~حملها هو إليه ليلا فأدخلها من الباب ثم انصرف، ثم جاءها بعد سبعة أيام ~~فسلم عليها. # وفي خبر: من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها أي الولادة ويسر مهرها ~~وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة ~~الرجل، ولا ينبغي أن ينكح طمعا في المال، وإذا أهدى إليهم فلا ينبغي أن ~~يهدي ليضطرهم إلى المقابلة بأكثر منه، وكذلك إذا أهدوا إليه فنية طلب ~~الزيادة نية فاسدة وداخل في قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر) [المدثر: 6] أي ~~تعطي لتطلب أكثر. # الخامسة: أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزويجها. # السادسة: أن تكون بكرا، قال عليه السلام «لجابر» وقد نكح ثيبا «هلا بكرا ~~تلاعبها وتلاعبك» . # السابعة: أن تكون نسيبة، أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها ~~ستربي بناتها وبنيها، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية، وفي خبر ~~تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع. # الثامنة: أن لا تكون من القرابة القريبة فإن ذلك يقلل الشهوة. # فهذه هي الخصال المرغبة في النساء. # ويجب على الولي أيضا أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ~~ساء # PageV01P104 # خلقه أو خلقه أو ضعف دينه أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في ~~نسبها، ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد جنى على ~~دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار. # قال رجل للحسن: «قد خطب ابنتي جماعة فممن أزوجها؟ قال: ممن يتقي الله فإن ~~أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها» . ### | آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق # والنظر فيما على الزوج والزوجة # أما الزوج: فعليه مراعاة الاعتدال والآداب في اثني عشر أمرا، في الوليمة، ~~والمعاشرة، والدعابة، والسياسة، والغيرة، والنفقة، والتعليم، والقسم، ~~والتأديب في النشوز، والوقاع، والولادة، والمفارقة بالطلاق. ### | الأدب الأول: الوليمة # وهي مستحبة، قال ms097 «أنس» رضي الله عنه: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على «عبد الرحمن بن عوف» رضي الله عنه أثر صفرة فقال: ما هذا؟ فقال: «تزوجت ~~امرأة على وزن نواة من ذهب» ، فقال: «بارك الله لك أولم ولو بشاة. # وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على» صفية «بتمر وسويق. # وتستحب تهنئته فيقول من دخل على الزوج: بارك الله لك وبارك عليك وجمع ~~بينكما في خير. # ويستحب إظهار النكاح، قال عليه السلام: فصل ما بين الحلال والحرام الدف ~~والصوت. ### | الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، # واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن. # قال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) [النساء: 19] وقال في تعظيم حقهن: (وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا) [النساء: 21] وقال: (والصاحب بالجنب) [النساء: 36] قيل: ~~هي المرأة. # وليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند ~~طيشها وغضبها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أزواجه ~~يراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل. # الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى ب ### | المداعبة والمزح والملاعبة # فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ~~معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق. # وأرى» عائشة «لعب الحبشة بالمسجد واستوقفته طويلا وهو يقول لها: حسبك. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # PageV01P105 # » خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. # وقال «عمر» رضي الله عنه: «ينبغي للرجل أن يكون مع أهله مثل الصبي» . # وقال صلى الله عليه وسلم «لجابر» هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ووصفت أعرابية ~~زوجها وقد مات فقالت: والله لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكيتا إذا خرج، آكلا ما ~~وجد، غير سائل عما فقد. ### | الرابع: أن لا ينبسط في الدعابة # وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية ~~هيبته عندها بل يراعي الاعتدال فيه، فلا يدع الهيبة والانقباض مهما رأى ~~منكرا، ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة، بل مهما رأى ما يخالف ~~الشرع والمروءة تنمر وامتعض، فبالعدل قامت السماوات والأرض، فكل ما جاوز ~~حده انعكس على ضده، فينبغي ms098 أن يسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة ~~ويتتبع الحق في جميع ذلك ليسلم من شرهن، فإن الغالب عليهن سوء الخلق ولا ~~يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة. وعليه أن ينظر إلى أخلاقها أولا ~~بالتجربة ثم ليعاملها بما يصلحها كما يقضيه حالها. ### | الخامس: الاعتدال في الغيرة، # وهو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة ~~الظن والتعنت وتجسس البواطن، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع ~~عورات النساء، وفي رواية أن تبغت النساء. # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره قال قبل دخول المدينة: لا ~~تطرقوا النساء ليلا فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره. # وفي الحديث: إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي: غيرة الرجل على ~~أهله من غير ريبة لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه. # وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي محمودة وذلك في الريبة. # وكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء في حضور المسجد سيما في ~~العيدين، فالخروج للمسجد مباح للمرأة العفيفة مباح برضاء زوجها ولكن القعود ~~أسلم، وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست ~~مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد. # فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال. # ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه ~~الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فتنة ~~فلا، إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن ~~متنقبات، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعن ~~من الخروج إلا لضرورة. ### | السادس: الاعتدال في النفقة # فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي أن يسرف بل يقتصد، قال ~~تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) [الأعراف: 31] . # قال «ابن # PageV01P106 # سيرين» : «يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة حلاوة» . وينبغي أن ms099 ~~يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك، فهذا أقل درجات الخير. # وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير تصريح إذن من الزوج، ولا ينبغي أن ~~يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد ~~عن المعاشرة بالمعروف، ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم ~~إياه، وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته. # وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن يطعمها من الحلال، ولا يدخل ~~مداخل السوء لأجلها فإن ذلك جناية عليها لا مراعاة لها. ### | السابع: أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب، # ويعلم زوجته أحكام الصلاة ويخوفها من الله إن تساهلت في أمر الدين، فإن ~~كان الرجل قائما بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء، وإن قصر علم ~~الرجل ولكن ناب عنها في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج، فإن ~~لم يكن ذلك فلها الخروج للسؤال بل عليها ذلك ويعصي الرجل بمنعها. ### | الثامن: إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن # ولا يميل إلى بعضهن فإن خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن، فإن ~~ظلم امرأة بليلتها قضى لها فإن القضاء واجب عليه. وإنما عليه العدل في ~~العطاء والمبيت، وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل تحت الاختيار. # وكان صلى الله عليه وسلم يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم وكل ليلة ~~فيبيت عند كل واحدة منهن. ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ثبت الحق لها. ### | التاسع: التأديب في النشوز، # ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما فإن كان من جانبهما جميعا أو من ~~الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على إصلاحها فلا بد من حكمين ~~أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما: (إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما) [النساء: 35] ، وأما إذا كان النشوز من المرأة ~~خاصة (الرجال قوامون على النساء) [النساء: 34] فله أن يؤدبها ويحملها على ~~الطاعة قهرا، ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها وهو أن يقدم أولا ms100 الوعظ ~~والتحذير والتخويف، فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد عنها ~~بالفراش وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال، فإن لم ينجح ذلك ~~فيها ضربها ضربا غير مبرح، ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه. ### | العاشر في آداب الجماع: # يستحب أن يقدم عليه الحديث والمؤانسة، وأن يغطي رأسه ويغض صوته. ثم إذا ~~قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها، ولا يأتيها # PageV01P107 # في المحيض حتى تطهر. وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ولا يأتيها في غير ~~المأتى، إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى والأذى في غير المأتى دائم فهو أشد ~~تحريما من إتيان الحائض. # وقوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم) [البقرة: 223] أي في أي وقت شئتم. ~~وله أن يستمني بيديها وأن يستمتع بما تحت الإزار بما يشتهي سوى الوقاع. وله ~~أن يؤاكل الحائض ويخالطها في المضاجعة وغيرها. ### | ومن الآداب أن لا يعزل # فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة، فإن عزل فمن العلماء من ~~أباحه، ومنهم من أحله برضاها وحرمه بدون رضاها لئلا يؤذيها، والصحيح الأول. # وفي الصحيحين عن «جابر» رضي الله عنه أنه قال: كنا نعزل على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل وفي لفظ آخر: كنا نعزل فبلغ ذلك نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا «. # وقد يبعث على العزل استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع، واستبقاء ~~حياتها خوفا من خطر الطلق أو الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد ~~والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء فإن قلة الحرج ~~معين على الدين. ### | الحادي عشر في آداب الولادة # وهي خمسة: # الأول: أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخير له في ~~أيهما، فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن تكون بنتا، بل ~~الثواب فيهن أكثر، قال» أنس «: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت ~~له ابنتان أو أختان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت ms101 أنا وهو في الجنة كهاتين. # الثاني: أن يؤذن في أذن المولود حين ولادته. # الثالث: أن يسميه اسما حسنا، ومن كان له اسم مكروه يستحب تبديله. # الرابع: العقيقة عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة وأن يتصدق بوزن شعره ~~ذهبا أو فضة. # الخامس: أن يحنكه بتمرة أو حلاوة، روي ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم. ### | الثاني عشر في الطلاق: # وهو أبغض المباحات إلى الله تعالى، وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيها ~~إيذاء بالباطل، ومهما طلقها فقد آذاها، ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من ~~جانبها أو بضرورة من جانبه، قال تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) ~~[النساء: 34] أي لا تطلبوا حيلة للفراق. # وإن كرهها أبوه لا لغرض فاسد فليطلقها برا به. # ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية، وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو ~~فاسدة الدين. # وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل مال، ويكره للرجل أن يأخذ ~~منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع، قال ~~تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) # PageV01P108 # [البقرة: 229] فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء. # فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة. # ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور: # الأول: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه ; فإن الطلاق في الحيض أو الطهر ~~الذي جامع فيه بدعي حرام وإن كان واقعا ; لما فيه من تطويل العدة عليها، ~~فإن فعل ذلك فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء ~~أمسكها. # الثاني: أن يقتصر على طلقة واحدة ; لأنها تفيد المقصود ويستفيد بها ~~الرجعة إن ندم في العدة. # وإذا طلق ثلاثا ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل وإلى الصبر مدة، ~~وعقد المحلل منهي عنه ويكون هو الساعي فيه. # الثالث: أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف، واستخفاف وتطييب ~~قلبها بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق، قال ~~تعالى: (ومتعوهن) [البقرة: 236] . # وجه» الحسن بن علي «رضي ms102 الله عنهما بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه ~~وقال:» قل لهما اعتدا «، وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم» . # الرابع: أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح فقد ورد في إفشاء ~~سر النساء وعيد عظيم. ### | حقوق الزوج على الزوجة # على الزوجة طاعة الزوج في كل ما طلب منها لا معصية فيه، وقد ورد في تعظيم ~~حق الزوج عليها أخبار كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة ماتت ~~وزوجها عنها راض دخلت الجنة. # وقال صلى الله عليه وسلم: إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها ~~وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها. # قال «ابن عباس» : «أتت» امرأة من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: «إني امرأة أيم وأريد أن أتزوج فما حق الزوج؟» قال: إن من حق الزوج ~~على الزوجة إذا أرادها فراودها عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه. ومن ~~حقه أن لا تعطي شيئا من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان الوزر عليها ~~والأجر له، ومن حقه أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولم ~~يتقبل منها، وإن خرجت من بيتها بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى ~~بيته أو تتوب. # فحقوق الزوج على الزوجة كثيرة وأهمها أمران: # أحدهما الصيانة والستر، والآخر ترك المطالبة مما وراء الحاجة والتعفف عن ~~كسبه إذا كان حراما. # ومن حقها على الوالدين تعليمها # PageV01P109 # حسن المعاشرة وآداب العشرة مع الزوج كما روي أن «أسماء بن خارجة الفزاري» ~~قال لابنته عند التزوج: «إنك خرجت من العش الذي فيه درجت، فصرت إلى فراش لا ~~تعرفينه، وقرين لا تألفينه، فكوني له أرضا يكن لك سماء، وكوني له مهادا يكن ~~لك عمادا، وكوني له أمة يكن لك عبدا، لا تلحفي به فيقلاك، ولا تباعدي عنه ~~فينساك، إن دنا منك فاقربي منه، وإن نأى فابعدي عنه، واحفظي أنفه وسمعه ~~وعينه، فلا يشمن منك إلا طيبا، ولا يسمع إلا حسنا، ولا ينظر إلا جميلا» . # فالقول الجامع في آداب ms103 المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها، ~~لازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تدخل ~~عليهم إلا في حال يوجب الدخول. تحفظ بعلها في غيبته وحضرته، وتطلب مسرته في ~~جميع أمورها، ولا تخونه في نفسها وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن ~~خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق ~~محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها ~~في حاجاتها بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه، همها صلاح شأنها ~~وتدبير بيتها، مقبلة على صلاتها وصيامها، وإذا استأذن صديق لبعلها على ~~الباب وليس البعل حاضرا لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها ~~وبعلها. وتكون قانعة من زوجها بما رزق الله وتقدم حقه على حق نفسها وحق ~~سائر أقاربها، متنظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع به إن شاء، ~~مشفقة على أولادها، حافظة للستر عليهم، قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة ~~الزوج. # ومن آدابها: أن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه. # ومن آدابها: ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى اللعب ~~والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها. # ومما يجب عليها من حقوق النكاح: # إذا مات عنها زوجها أن لا تحد عليه أكثر من أربعة أشهر وعشرا وتتجنب ~~الطيب والزينة في هذه المدة، قال صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج أربعة ~~أشهر وعشرا. # ويلزمها لزوم مسكن النكاح إلى آخر العدة، وليس لها الانتقال إلى أهلها ~~ولا الخروج إلا لضرورة. # ومن آدابها: أن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها كما كان عليه نساء ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. # PageV01P110 ### | كتاب آداب الكسب والمعاش ### | فضل الكسب والحث عليه: # أما من الكتاب فقوله تعالى: (وجعلنا النهار معاشا) [النبأ: 11] فذكره في ~~معرض الامتنان، وقال تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون) ~~[الأعراف: 10] فجعلها ms104 ربك نعمة وطلب الشكر عليها، وقال تعالى: (فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله) [الجمعة: 10] . # وأما الأخبار فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب ~~على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه، ~~وكان صلى الله عليه وسلم جالسا مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذي جلد ~~وقوة وقد بكر يسعى فقالوا: «ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله ~~تعالى» فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ~~ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو ~~في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان ~~خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان. # وقيل: «يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: خير الكسب كسب العامل إذا نصح أي بأن أتقن وتجنب ~~الغش وقام بحق الصنعة. # وقال» عمر «رضي الله عنه:» لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ~~ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة «. # وقال» ابن مسعود «رضي الله عنه:» إني لأكره أن أرى الرجل فارغا لا في أمر ~~دنياه ولا في أمر آخرته «. # وقيل:» لأحمد بن حنبل «رضي الله عنه: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده ~~وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي» ؟ فقال: «أحمد» : هذا رجل جهل العلم ~~أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعل رزقي # PageV01P111 # تحت ظل رمحي. وقوله عليه السلام حين ذكر الطير فقال: تغدو خماصا وتروح ~~بطانا فذكر أنها تغدو في طلب الرزق. # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر ويعملون ~~في نخيلهم، والقدوة بهم. # ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا الكسب والتجارة ; نعم ترك ~~الكسب أفضل لعالم مشتغل بتربية علم الظاهر ms105 مما ينتفع الناس به في دينهم ~~كالمفتي - أي الفقيه والمفسر والمحدث وأمثالهم - أو رجل مشتغل بمصالح ~~المسلمين كالسلطان والقاضي والشاهد، فهؤلاء إذا كان يكفون من الأموال ~~المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء فإقبالهم على ~~ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب، ولهذا أشار الصحابة على «أبي بكر» رضي ~~الله عنهم بترك التجارة لما ولي الخلافة إذ كان ذلك يشغله عن المصالح، وكان ~~يأخذ كفايته من مال المصالح، ورأى ذلك أولى، ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت ~~المال ولكنه رآه في الابتداء أولى. ### | بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة: # اعلم أن المعاملة قد تجري على وجه يشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط ~~الله تعالى، وهذا الظلم يعني به ما استضر به الغير، وهو منقسم إلى ما يعم ~~ضرره وإلى ما يخص المعامل. # القسم الأول فيما يعم ضرره وهو أنواع: # الأول: الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهو ظلم ~~عام وصاحبه مذموم في الشرع، وذلك في وقت قلة الأطعمة وحاجة الناس إليه حتى ~~يكون في تأخير بيعه ضرر ما، أما إذا اتسعت الأطعمة وكثرت واستغنى الناس ~~عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب الطعام ذلك ولم ينتظر ~~قحطا فليس في هذا إضرار، وأما إذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخاره إضرار ~~فلا ريب في تحريمه. # ومع عدم الضرار لا يخلو احتكار الأقوات عن كراهية فإنه ينتظر مبادئ ~~الضرار وهو ارتفاع الأسعار، وانتظار مبادئ الضرار محذور كانتظار عين الضرار ~~ولكنه دونه، وانتظار عين الضرار أيضا هو دون الإضرار فبقدر درجات الإضرار ~~تتفاوت درجات الكراهية والتحريم. # الثاني: ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم إذ يستضر به ~~المعامل إن لم # PageV01P112 # يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره فيتردد في الأيدي ويعم الضرر ويتسع ~~الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه لأنه هو الذي فتح هذا الباب. # قال بعضهم: «إنفاق درهم زيف أشد من سرقة مائة درهم لأن السرقة معصية ~~واحدة وقد تمت ms106 وانقطعت» . # وإنفاق الزيف قد يكون عليه وزرها بعد موته إلى مائة سنة أو مائتي سنة إلى ~~أن يفنى ذلك الدرهم ويكون عليه ما فسد من نقص أموال الناس، وطوبى لمن إذا ~~مات ماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة أو أكثر ~~يعذب بها في قبره ويسأل عنها إلى آخر انقراضها، قال تعالى: (ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم) [يس: 12] أي نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما ~~قدموه، وفي مثله قوله تعالى: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) [القيامة: ~~13] وإنما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل بها غيره. # وفي الزيف أمور: # منها أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه ~~اليد، وإياه أن يروجه في بيع آخر، فإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل جاز. # ومنها أنه يجب على التاجر تعلم النقد لئلا يسلم إلى أحد زيفا وهو لا يدري ~~فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم، فلكل عمل علم به يتم نصح المسلمين ~~فيجب تحصيله. # ومنها أنه إن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر ~~به معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق ~~التلبيس، فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد فهو كبيع ~~العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه، ~~وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات ~~والتخلي لها. ### | القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل: # فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل بأن لا يضر بأخيه المسلم، ~~والضابط الكلي فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه، فكل ما عومل به وشق ~~عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده ~~درهمه ودرهم غيره، هذه جملته، وأما تفصيله ففي أربعة أمور: # الأول: أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأنه ms107 كذب فإن قبل المشتري ذلك ~~فهو تلبيس وظلم وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة. # وأما الثناء على السلعة بذكر القدر الموجود فيها من غير مبالغة وإطناب ~~فلا بأس به. # ولا ينبغي أن يحلف عليها البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس ~~وهي من الكبائر، وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه وقد أساء ~~فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة. # وفي الخبر: " ويل للتاجر من: بلى والله ولا والله وويل للصانع من غد وبعد ~~غد ". # وفي الخبر: اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب. # PageV01P113 # الثاني: أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك ~~واجب، فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام، وكان تاركا للنصح في المعاملة ~~والنصح واجب ; ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا، وكذلك ~~إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة، وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل ~~وأمثاله. # ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر عليه السلام برجل يبيع طعاما فأعجبه ~~فأدخل يده فرأى بللا فقال: ما هذا؟ " قال: " أصابته السماء " فقال: " فهلا ~~جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا. # ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما بايع " جريرا " على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح ~~لكل مسلم، فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال: " ~~إن شئت فخذ وإن شئت فاترك "، فقيل له: " إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك ~~بيع ". فقال: " إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل ~~مسلم. # وكان " واثلة بن الأسقع " واقفا فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل ~~واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة، فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا أشتريتها ~~للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا ~~تتابع السير، فعاد فردها، فنقصها البائع مائة ms108 درهم قال: " لواثلة ": " رحمك ~~الله أفسدت علي بيعي " فقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~النصح لكل مسلم، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لأحد ~~يبيع بيعا إلا أن يبين آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه. # فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا أن ~~ذلك من الفضائل وزيادة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة ~~تحت بيعتهم، وهذا الأمر وإن كان يشق على النفس إلا أنه يتيسر على العبد ~~باعتقاد أمرين: # أحدهما: أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ~~ببركته، وقد يهلك الله ما يجمعه من التلبيسات دفعة واحدة. فقد حكي أن واحدا ~~كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيع فجاء سيل فغرق البقرة فقال ~~بعض أولاده: " إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة ~~واحدة وأخذت البقرة "، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: البيعان إذا # PageV01P114 # صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما وفي ~~الحديث: يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما ~~فإذا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة. # والمعنى الثاني: الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن ~~يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا، وأن فوائد أموال الدنيا ~~تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها، فكيف يستخير العاقل أن يستبدل ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ والخير كله في سلامة الدين، وفي الحديث: ما آمن ~~بالقرآن من استحل محارمه. # ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ماله في تجارته في ~~الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياما ~~معدودة. # وعن بعض التابعين أنه قال: " لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي: من ~~خير هؤلاء ومن شرهم لقلت: خيرهم أنصحهم لهم وشرهم ms109 أغشهم لهم ". # والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا. # ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه ~~لنفسه، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب ~~فبذلك يتخلص. # وسأل رجل حذاء ابن سالم فقال: " كيف لي أن أسلم في بيع النعال "؟ فقال: " ~~اجعل الوجهين سواء، ولا تفضل اليمنى على الأخرى، وجود الحشو، وليكن شيئا ~~واحدا تاما، وقارب بين الخرز، ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى ". # ومن ذلك ما سئل عنه: " أحمد بن حنبل " رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين ~~قال: " لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه، وإنما يحل للرفاء إذا علم أنه يظهره أو ~~أنه لا يريدها للبيع ". # فإن قلت فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع، ~~فأقول: ليس كذلك إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه ~~لنفسه لو أمسكه ولا يحتاج إلى تلبيس، فمن تعود هذا لم يشتر المعيب، فإن وقع ~~في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع بقيمته. # باع " ابن سيرين " شاة فقال للمشتري: " أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب ~~العلف برجلها " فهكذا كانت سيرة أهل الدين. # الثالث: أن لا يكتم في المعيار وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي ~~الكيل، فينبغي أن يكيل كما يكتال، قال الله تعالى: (ويل للمطففين الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) [المطففين: 1 - ~~3] . # ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى وينقص إذا أخذ، إذ العدل الحقيقي ~~قلما يتصور، فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان، فإن من استقصى حقه بكماله ~~يوشك أن يتعداه، وكان بعضهم يقول: " لا أشتري الويل من الله بحبة ". # وكل من خلط بالطعام ترابا أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الوزن، وقس ~~على # PageV01P115 # هذا سائر التقديرات حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز فإنه إذا اشترى ~~أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا، وإذ باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتا ~~في القدر، فكل ذلك من ms110 التطفيف المعرض صاحبه للويل. # الرابع: أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تلقي الركبان ونهى عن النجش ; أما تلقي الركبان فهو أن ~~يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم ~~السوق. # ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن ~~يتسارع إلى بيعه فيقول له الحضري: " اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ~~ارتفاع سعره ". # ونهى أيضا عن النجش وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ~~ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها. # فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر ~~الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد، ففعل هذا من الغش الحرام ~~المضاد للنصح الواجب، ومن ذلك أنه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب ~~المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار، فإن فعل ~~ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين. # ومهما باع مرابحة بأن يقول: بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن ~~يصدق، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان. ### | الإحسان في المعاملة: # قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا، والعدل سبب النجاة فقط وهو ~~يجري من التجارة مجرى سلامة رأس المال، والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة ~~وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات ~~الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة. # ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان ~~وقد قال الله تعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) [القصص: 77] وقال عز وجل: ~~(إن الله يأمر بالعدل والإحسان) [النحل: 90] وقال سبحانه: (إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين) [الأعراف: 56] ### | وينال المعامل رتبة الإحسان بواحد من ستة ms111 أمور: # الأول: في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، ~~فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ولكن ~~يراعى فيه التقريب، ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ~~ربحا كثيرا وبه تظهر البركة. # الثاني: في احتمال الغبن، والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من ~~فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله عليه ~~السلام: رحم الله سهل # PageV01P116 # البيع وسهل الشراء، وأما احتمال الغبن من الغني فليس محمودا بل هو تضييع ~~مال من غير أجر ولا حمد، وكان كثير من السلف يستقصون في الشراء ويهبون من ~~ذلك الجزيل من المال، فقيل لبعضهم في ذلك فقال: إن الواهب يعطي فضله، وإن ~~المغبون يغبن عقله. # الثالث: في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط ~~البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد، وكل ذلك ~~مندوب إليه ومحثوث عليه، وفي الخبر: من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم ~~صدقة إلى أجله، فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة، ~~ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب ~~الدين بيده أي: ضع الشطر ففعل، فقال للمديون: قم فأعطه. # الرابع: في توفية الدين، ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى ~~صاحب الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه فقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~خيركم أحسنكم قضاء، ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته، ~~وإن عجز فلينو قضاءه مهما قدر، ومهما كلمه مستحق الحق بكلام خشن فليتحمله ~~وليقابله باللطف اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لما ردد عليه كلامه ~~صاحب الدين فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ومن الإحسان أن ~~يميل الحكم إلى من عليه الدين لعسره. # الخامس: أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ~~ينبغي أن ms112 يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، وفي الخبر من أقال نادما ~~صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة. # السادس: أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم ~~على أن لا يطالبهم إن لم يظهر لهم ميسرة، وكان من السلف من يقول لفقير: «خذ ~~ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلا فأنت في حل منه وسعة» . # فهذه طرق تجارات السلف. # وبالجملة فالتجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه. # PageV01P117 ### | شفقة التاجر على دينه: # لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعا وصفقته خاسرة، ~~وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا، فيكون ممن ~~اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه، وشفقته ~~على نفسه بحفظ رأس ماله، ورأس ماله دينه وتجارته فيه، وإنما تتم شفقته على ~~دينه بمراعاة سبعة أمور: # الأول: حسن النية في ابتداء التجارة، فلينو بها الاستعفاف عن السؤال وكف ~~الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على الدين وقياما ~~بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به. # ولينو النصح للمسلمين وأن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه، ولينو اتباع ~~طريق العدل والإحسان في معاملته كما ذكرناه، ولينو الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر في كل ما يراه في السوق. # فإذا أضمر هذه النيات كان عاملا في طريق الآخرة، فإن استفاد مالا فهو ~~مزيد، وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة. # الثاني: أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات، فإن ~~الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر ~~الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل، ومن الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما ~~يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب التنعم والتزين في الدنيا، فليشتغل بصناعة ~~مهمة ليكون لقيامه بها كافيا عن المسلمين مهما في الدين. # الثالث: أن لا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة، وأسواق الآخرة المساجد، ~~قال الله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ms113 وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة) [النور: 37] وكان السلف يبتدرون عند الأذان، ويخلون الأسواق ~~لأهل الذمة والصبيان. # الرابع: أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل ~~بالتهليل والتسبيح، فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل. # الخامس: أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، وذلك بأن يكون أول ~~داخل وآخر خارج. # السادس: أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان ~~الريب ويستفتي قلبه، فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه، وإذا حمل إليه سلعة رابه ~~أمرها سأل عنها، وكل منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله. # السابع: ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه فإنه ~~مراقب ومحاسب فليعد الجواب ليوم الحساب. # PageV01P118 ### | كتاب الحلال والحرام ### | فضيلة الحلال ومذمة الحرام: # قال الله تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) [المؤمنون: 51] أمر ~~بالأكل من الطيبات قبل العمل، وقيل: إن المراد به الحلال، وقال تعالى: (ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [البقرة: 188] وقال تعالى: (إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) [النساء: ~~10] وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين) [البقرة: 278] ثم قال: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله) [البقرة: 279] ثم قال: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم) [البقرة: 279] ~~. ثم قال: (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: 2758] جعل ~~أكل الربا في أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار، والآيات ~~الواردة في الحلال والحرام لا تحصى. # وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طلب ~~الحلال فريضة على كل مسلم» . # وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل ~~مسلم المراد به: طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثين واحدا. # ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال: رب أشعث أغبر مشرد ~~في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه ms114 فيقول: يا رب ~~فأنى يستجاب لذلك وقال صلى الله عليه وسلم: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى ~~به. # وأما الآثار: فقد ورد أن «الصديق» رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده، ثم ~~سأل عبده فقال: تكهنت لقوم فأعطوني، فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ~~ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط ~~الأمعاء» . # وكذلك شرب «عمر» رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل أصابعه ~~وتقيأ، وقال «سهل التستري» : «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه ~~أربع خصال: أداء الفرائض بالسنة، وأكل الحلال بالورع، واجتناب النهي ظاهرا ~~وباطنا، والصبر على ذلك إلى # PageV01P119 # الموت» . # وكان «بشر الحافي» رحمه الله من الورعين فقيل له: «من أين تأكل» ؟ فقال: ~~«من حيث تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك» وقال: «يد ~~أقصر من يد، ولقمة أصغر من لقمة» . وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات. ### | أصناف الحلال ومداخله: # اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه، ويستغني ~~المريد عن تطويله بأن يكون له طعمة معينة يعرف بالفتوى حلها وكان لا يأكل ~~من غيرها، فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال ~~والحرام كله، ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق يقسم، وذلك أن المال إنما ~~يحرم إما لمعنى في عينه، أو لخلل في جهة اكتسابه. ### | القسم الأول: # الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما. # وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام، فإنها ~~إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما، أو من النبات، أو من ~~الحيوانات. # فأما المعادن فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من ~~حيث أنه يضر بالآكل أو في بعضها ما يجري مجرى السم، والخبز لو كان مضرا ~~لحرم أكله، والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر. # وأما النبات: # فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل ويزيل الحياة أو الصحة، فمزيل ms115 العقل: ~~البنج والخمر وسائر المسكرات، ومزيل الحياة: السموم، ومزيل الصحة: الأدوية ~~في غير وقتها. # وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات فإن الذي لا يسكر ~~منها أيضا حرام مع قلته. # وأما الحيوانات: # فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وتفصيله في كتب الفقه. وما يحل أكله ~~فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط الذابح والآلة والمذبح على ما ~~يذكر في كتب الفقه، وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام. # ولا يحل إلا ميتتان السمك والجراد. ### | القسم الثاني: # ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه، ويتحصل منه أقسام: # الأول: ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد ~~والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال، وشرطه أن لا يكون ~~المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين. # الثاني: المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أملاك ~~الكفار # PageV01P120 # المحاربين، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين ~~المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد. # الثالث: ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي فيه الشروط المصححة ~~مع ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة. # الرابع: ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب ~~من وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين ~~الورثة وإخراج الحج والزكاة والكفارات إن كان واجبا. # وبقي أقسام أخر ونحن أشرنا إلى جملتها ليعلم المريد أن كل ما يأكلها من ~~جهتها ينبغي أن يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل، فإنه كما يقال ~~للعالم: «لم خالفت علمك» ؟ يقال للجاهل: لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن ~~قيل لك: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» . ### | درجات الحلال والحرام: # اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض، والحلال كله طيب ولكن ~~بعضه أطيب من بعض، وأصفى من بعض، ولذا كان الورع عن الحرام على درجات، فمنه ~~الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء، ms116 ومنه الورع عما يتطرق إليه احتمال ~~التحريم، ومنه ما لا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما ~~لا بأس له مخافة مما به بأس، ومنه ما لا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ~~ولكنه يتناول لغير الله، ولا على نية التقوي به على عبادة الله أو تتطرق ~~إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية. # وقد حكي عن «ابن سيرين» أنه ترك لشريكه أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه ~~شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به. # وكان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن ~~استيفاء الكل خيفة الزيادة. # وكان بعضهم يتجر فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة وما يعطيه يزنه بزيادة ~~حبة. # ومن ذلك الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف ~~من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع كما تورع ~~بعضهم من أخذ تراب من حائط بيت كان يسكنه بكراء. # وكما روي أن «عمر بن عبد العزيز» كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين فأخذ ~~بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة، وقال لما استبعد ذلك منه: «وهل ينتفع منه إلا ~~بريحه» ؟ ومنه أن بعضهم كان عند محتضر فمات ليلا # PageV01P121 # فقال: «أطفئوا السراج فقد حدث للورثة حق في الدهن» ، وأخذ «الحسن» رضي ~~الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال صلى الله عليه وسلم: «كخ، كخ» ~~أي ألقها. # وتقيأ الصديق رضي الله عنه من اللبن الذي سقاه إياه رفيقه - وكان تكهن ~~فأعطي اللبن أجرة له - وذلك خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه عن ~~جهل وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين. # وبالجملة فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة ~~وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته. # وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار، فإن شئت فاستكثر من الاحتياط، وإن ~~شئت فرخص فلنفسك تحتاط ms117 وعلى نفسك ترخص والسلام. ### | مراتب الشبهات: # قال صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا ~~يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه فهذا الحديث نص ~~في إثبات الأقسام الثلاثة ; والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير ~~من الناس وهو الشبهة، فلا بد من بيانها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرفه ~~القليل فنقول: # الحلال المطلق: ما خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه، وانحل عن ~~أسبابه تحريم أو كراهة. # والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالخمر لشدته المطربة ~~والبول لنجاسته، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره، ~~وهذان طرفان ظاهران، ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم ~~يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه «والاحتمال المعدوم دلالته كالاحتمال ~~المعدوم في نفسه» . # وأما الشبهة فما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن ~~سببين مقتضيين للاعتقادين. # وللشبهة مثارات: # المثار الأول للشبهة: الشك في السبب المحلل والمحرم: # فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك، ~~وإن غلب أحد الاحتمالين عليه بأن صدر دلالة معتبرة كان الحكم للغالب، ولا ~~يتبين هذا إلا بالأمثال والشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة: # القسم الأول: أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحلل فهذه ~~شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها. # القسم الثاني: أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم. # PageV01P122 # القسم الثالث: أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب ~~فهو مشكوك فيه، والغالب حله، فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب ~~معتبر شرعا فالذي يختار فيه أنه يحل وأن اجتنابه من الورع، مثاله أن يرمي ~~إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه، ولكن يحتمل أنه مات ~~بسقطة أو بسبب آخر فالمختار أنه حلال لأن الجرح ms118 سبب ظاهر وقد تحقق، والأصل ~~أنه لم يطرأ عليه غيره، فطريانه مشكوك فيه فلا يدفع اليقين بالشك. # القسم الرابع: أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب ~~معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم، مثاله أن يؤدي ~~اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن ~~فتوجب تحريم شربه كما توجب منع الوضوء به. # المثار الثاني: شك منشؤه الاختلاط: # وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز. # والخلط أنواع: # نوع يقع بعدد محصور كما لو اختلطت ميتة بذكية أو بعشر مذكاة أو اختلطت ~~رضيعة بعشر نسوة فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد ~~والعلامات في هذا، وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد ~~فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل فضعف الاستصحاب، وجانب الحظر أغلب في نظر ~~الشرع فلذلك ترجح. # ونوع يقع فيه حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر ~~رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد بل له أن ينكح ~~من شاء منهن، وذلك لغلبة الحل والحاجة جميعا، إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب ~~أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب نكاح، وكذلك ~~من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك ~~حرج وما (في الدين من حرج) [الحج: 78] ، ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مجن وغل واحد في الغنيمة عباءة لم يمتنع أحد ~~من شراء المجان والعباء في الدنيا، وكذلك كل ما سرق، وكذلك كان يعرف أن في ~~الناس من يرابي في الدراهم والدنانير، وما ترك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية. # وأما إذا اختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال في زماننا هذا ~~فإنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال ~~إلا أن يقترن بتلك ms119 العين علامة تدل على أنه من الحرام. # وقول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط منشؤه استكثار النفوس ~~الفساد واستعظامها له وإن كان نادرا، حتى ربما يظن أن الزنا وشرب الخمر قد ~~شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان ~~فيهم كثرة. # وبالجملة فالأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة. # PageV01P123 # المثار الثالث للشبهة: أن يتصل بالسبب المحلل معصية: # كالبيع في وقت النداء يوم الجمعة، والذبح بالسكين المغصوبة، والبيع على ~~بيع الغير والسوم على سومه، فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على فساد العقد ~~فإن الامتناع من جميع ذلك ورع لأن تناول الحاصل من هذه الأمور مكروه، ~~والكراهة تشبه التحريم، ومثله كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية كبيع العنب ~~من الخمار وبيع السلاح من قطاع الطريق. # وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن المأخوذ منه، والأقيس أن ذلك ~~صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصى بالذبح بالسكين المغصوب ~~والذبيحة حلال، فإنه يعصي عصيان الإعانة على المعصية ولا يتعلق ذلك بعين ~~العقد، والمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من الورع المهم. # تنبيه: # لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا ~~جاوز ما رسم له وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، ~~والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم: (الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) [الكهف: 104] ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم: فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي. ### | البحث والسؤال في الحرام والحلال: # اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس ~~لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه، ~~وليس لك أيضا أن تترك البحث مطلقا، بل السؤال لا بد منه من مواقع الريبة، ~~ومنشأ الريبة بالنسبة لصاحب المال أن يكون مشكوكا فيه أو ms120 معلوما بنوع ظني ~~يستند إلى دلالة. # وبالنسبة للمال أن يختلط حرامه بحلاله ويكون الحرام أكثر من يقين وجوده. # فإذا كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون موجودا في الحال لم يكن ~~الأكل حراما ولكن السؤال احتياط والامتناع عنه ورع، وإنما يسأل من صاحب ~~اليد إذا لم يكن متهما، فإن كان متهما بأنه ليس يدري طريق كسب الحلال أو ~~بأنه لا ثقة في أخباره وأمانته فليسأل من غيره، فإذا أخبره عدل واحد قبله، ~~وإن أخبره فاسق علم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز ~~قبوله، لأن المطلوب ثقة النفس والمفتي هو القلب في مثل هذا الوضع. # وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه فإذا ~~اطمأن القلب كان الاحتراز حتما واجبا. ### | كيفية خروج التائب من المظالم المالية: # اعلم أن كل من تاب وفي يده مال مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام ~~وإخراجه، # PageV01P124 # ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما: # النظر الأول: في كيفية التمييز والإخراج: من تاب وفي يده ما هو حرام ~~معلوم العين في غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل فعليه تمييز الحرام ; وإن ~~كان ملتبسا مختلطا فإما أن يكون من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان، ~~أو يكون في أعيان متمايزة كالدور والثياب، فإن كان من المتماثلات أو كان ~~شائعا في المال كله كمن اكتسب المال بتجارة كذب في بعضها، وكمن غصب دهنا ~~وخلطه بدهن نفسه وفعل ذلك في الحبوب أو الدراهم والدنانير، فإن كان معلوم ~~القدر مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف، وإن ~~أشكل فله طريقان: # الأخذ باليقين، والأخرى الأخذ بغالب الظن، والورع في الطريق الأولى فلا ~~يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال. # فأما إذا اشتبه دار أو ثوب بأمثالهم وكان فيهما تفاوت أخذ الحاكم من طالب ~~بيعها قيمة الأنفس وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل، ويوقف قدر ~~التفاوت إلى البيان والاصطلاح. # مسألة: # من ورث مالا ولم يدر: مورثه من ms121 أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ~~ثم علامة فهو حلال باتفاق العلماء، وإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج ~~مقدار الحرام بالتحري. # وإن علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد. ~~وقال بعض العلماء: «لا يلزمه والإثم على المورث» . # النظر الثاني في المصرف: فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال إما أن يكون ~~له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه، وإن كان غائبا فينتظر حضوره أو ~~الإيصال إليه، وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره، وإما ~~أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على عينه ولا يدري أنه مات عن ~~وارث أم لا، فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه، وربما ~~لا يمكن الرد لكثرة الملاك فهذا ينبغي أن يتصدق به لئلا يضيع وتفوت المنفعة ~~على المالك وعلى غيره، وله أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا. # PageV01P125 ### | كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة # والمعاشرة مع أصناف الخلق ### | فضيلة الألفة والأخوة: # اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب ~~التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر. # وحسن الخلق لا يخفى في الدين فضيلته وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه ~~عليه السلام إذ قال: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم: 4] . # وقال صلى الله عليه وسلم: أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن ~~الخلق. # وقال صلى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق. # ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة، وقد ورد في الثناء ~~على نفس الألفة، سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله، من ~~الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع، قال الله تعالى مظهرا عظيم ~~منته على المؤمنين: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) [آل عمران: 103] أي بالألفة، ~~وذم التفرقة وزجر عنها فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~[آل عمران: 103] وقال صلى الله عليه وسلم: إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم ~~أخلاقا ms122 الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. # وقال صلى الله عليه وسلم: " المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا ~~يؤلف " وقال صلى الله عليه وسلم: من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا إن ~~نسي ذكره وإن ذكر أعانه. # وعنه: " ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبا ~~لصاحبه. # وعنه صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول: حقت محبتي للذين يتزاورون ~~من أجلي، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتباذلون من ~~أجلي، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي. # وعنه صلى الله عليه وسلم: " إن أحبكم إلى الله الذين يألفون أو يؤلفون، ~~وإن أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان ". # ومن الآثار ما روي # PageV01P126 # عن " الفضيل " رحمه الله تعالى أنه قال: " هاه، تريد أن تسكن الفردوس ~~وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل ~~عملته، بأي شهوة تركتها، بأي غيظ كظمته، بأي رحم وصلتها، بأي زلة لأخيك ~~غفرتها، بأي قريب باعدته في الله، بأي بعيد قاربته في الله " وقال أيضا: " ~~نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة ". ### | تحقيق المحبة في الله: # هو أن يحب المرء لا يحبه لذاته بل إلى حظوظه الأخروية منه كمن يحب ~~أستاذه؛ لأنه يتوسل به إلى تحصيل وتحسين العمل، ومقصوده من العلم والعمل ~~الفوز في الآخرة، فهذا من جملة المحبين في الله، وكذلك من يحب تلميذه لأنه ~~يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم فهو محب في الله، بل الذي ~~يتصدق بأمواله لله ويجمع الضيفان ويهيئ لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا ~~إلى الله فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبخ فهو من جملة المحبين في الله، ~~وكذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين فقد أحبه في الله، أو ~~أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه، ويفرغه بذلك للعلم ~~أو العمل ومقصوده من استخدامه في هذه الأعمال الفراغ للعبادة فهو محب في ~~الله، أو أحب من ينفق عليه ms123 من ماله ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع ~~أغراضه التي يقصدها في دنياه، ومقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم والعمل ~~المقرب إلى الله فهو محب في الله، فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم ~~جماعة من أولي الثروة وكان المواسي والمواسى جميعا من المتحابين في الله، ~~وكذا من نكح امرأة صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان ويصون بها دينه أو ~~ليولد له منها ولد صالح أو أحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية ~~فهو محب في الله، وكذا إذا اجتمع في قلبه محبة الله والدنيا كمن أحب من ~~يعلمه الدين ويكفيه مهمات الدنيا بالمواساة في المال فهو محب في الله. # وليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجل حظ البتة، إذ الدعاء الذي أمر ~~به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فيه جمع بين الدنيا والآخرة (ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) [البقرة: 201] . # وفي المأثور «اللهم إني أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا ~~والآخرة» . # ثم إذا قوي الحب في الله حمل على الموالاة والنصرة والذب بالنفس والمال ~~واللسان، وتتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله عز وجل، إلا أنه يمتحن ~~الحب بالمقابلة بحظوظ النفس، وقد يغلب بحيث لا يبقي للنفس حظا إلا فيما هو ~~حظ المحبوب، وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض كما تسمح نفسه ~~بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أو في عشره، فمقادير الأموال ~~موازين المحبة؛ إذ لا يعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته، فمن ~~استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه، فلا يمسك لنفسه شيئا مثل أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه فإنه # PageV01P127 # سلم ابنته التي هي قرة عينه وبذل جميع ماله. فحصل من هذا أن كل من أحب ~~عالما أو عابدا أو أحب شخصا راغبا في علم أو في عبادة أو في خير فإنما أحبه ~~في الله ولله، وله فيه من الأجرة والثواب بقدر قوة حبه. ### | بيان البغض في ms124 الله: # اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله، فإنك إن أحببت إنسانا ~~لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله، فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله ~~وممقوت عند الله. # ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده. وإظهار البغض يكون بكف اللسان عن ~~مكالمته ومحادثته والإعراض والتباعد عنه وقلة الالتفات إليه أو بالاستخفاف ~~والتغليظ في القول وذلك بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه؛ أما ما ~~يجري مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها ولا يصر عليها فالأولى فيه ~~الستر والإغماض. ### | الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته # اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المرء ~~على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب ~~بسببها في صحبته، وجملتها أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا حريص على ~~الدنيا. # أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق، فإلى الوحشة ~~والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت، وقد قيل: مقاطعة الأحمق قربان إلى الله. # وأما حسن الخلق فلا بد منه، فإن من غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن وأطاع ~~هواه فلا خير في صحبته. # وأما الفاسق المصر على فسقه فلا فائدة في صحبته، بل مشاهدته تهون أمر ~~المعصية على النفس وتبطل نفرة القلب عنها، ولأن من لا يخاف الله لا تؤمن ~~غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأغراض، قال الله تعالى: (ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه) [الكهف: 28] ، وقال تعالى: (فأعرض عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) [النجم: 29] ، وقال تعالى: ~~(واتبع سبيل من أناب إلي) [لقمان: 15] وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق. # وأوصى «علقمة» ابنه فقال: «يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة ~~فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك، واصحب ~~من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة # PageV01P128 # سدها. اصحب من ms125 إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة ~~واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرا آمرك، وإن تنازعتما آثرك» ~~. قال علي رضي الله عنه: # إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت فيه شمله ليجمعك # وقال «أبو سليمان الداراني» رحمه الله: «لا تصحب إلا أحد رجلين: رجلا ~~ترتفق به في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك، والاشتغال ~~بغير هذين حمق كبير، وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل؛ لأن الطباع ~~مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري ~~صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في ~~الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا وتطلب صحبة العلماء والحكماء، قال» ~~لقمان «لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا ~~بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر» . ### | حقوق الأخوة والصحبة: # اعلم أن لأخيك عليك حقا في المال، وفي الإعانة بالنفس، وفي اللسان ~~والقلب، وفي العفو، وفي الدعاء، وفي الوفاء والإخلاص، وفي التخفيف، وفي ترك ~~التكلف والتكليف وذلك يجعلها ثماني جمل. ### | الحق الأول في المال: # روي أن " مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى " وذلك لأنهما ~~يتعاونان على غرض واحد، وكذلك الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد ~~واحد فهما من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء، ~~والمشاركة في المآل والحال، وارتفاع الاختصاص والاستئثار. # والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب: # أدناها: أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت له ~~حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن ~~أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة. # الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك ~~حتى تسمح بمشاطرته في المال. # والثالثة: هي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه رتبة ~~الصديقين ومنتهى رتبة المتحابين، ومنتهى هذه الرتبة ms126 الإيثار بالنفس أيضا. # فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ~~ينعقد بعد في الباطن، وإنما # PageV01P129 # الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين، فقد قال " ميمون ~~بن مهران ": " من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل القبور ". وأما ~~الدرجة الأولى فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين؛ روي أن " عتبة الغلام " ~~رحمه الله جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال: " أحتاج من مالك إلى أربعة ~~آلاف "، فقال: " خذ ألفين "، فأعرض عنه وقال: " آثرت الدنيا على الله، أما ~~استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا ". وأما الرتبة العليا فهي التي ~~وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله: (وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون) [الشورى: 38] أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن ~~بعض، وكان منهم من لا يصحب من قال: نعلي؛ لأنه أضافه إلى نفسه، ومنهم من ~~كان يعتق أمته إذا حدثته بمجيء أخيه وأخذه من ماله حاجته في غيبته سرورا ~~بما فعل، وقال " زين العابدين علي بن الحسين " رضي الله عنهما لرجل: " هل ~~يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذن؟ " قال: لا، ~~قال: فلستم بإخوان، وقال " ابن عمر " رضي الله عنهما: " أهدي لرجل من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأس شاة فقال: " أخي فلان أحوج مني إليه ~~"، فبعث به إليه، فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر ~~حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة. وقال " أبو سليمان الداراني ": " لو ~~أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له ". ولما كان ~~الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال " علي " رضي الله ~~عنه: " لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم ~~على المساكين ". وفي الصفاء في الأخوة الانبساط في بيوت الإخوان كما كان ~~عليه كثير من السلف، وقد قال تعالى: (أو صديقكم) [النور: ms127 61] . وقال: (أو ~~ما ملكتم مفاتحه) [النور: 61] إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض ~~إليه التصرف كما يريد، وكان يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى أنزل الله هذه ~~الآية وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء. ### | الحق الثاني في الإعانة بالنفس # وذلك في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات ~~الخاصة، وهذه أيضا لها درجات فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ~~ولكن مع البشاشة والاستبشار # PageV01P130 # وإظهار الفرح وقبول المنة، قال بعضهم: «وإذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها ~~فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي، فإن لم يقضها فكبر عليه» واقرأ هذه ~~الآية: (والموتى يبعثهم الله) [الأنعام: 36] . وكان في السلف من يتفقد عيال ~~أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم يتردد كل يوم إليهم ويمونهم ~~من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، بل كانوا يرون منهم ما لم ~~يروا من أبيه في حياته. وكان أحدهم يتردد إلى باب دار أخيه يقوم بحاجته من ~~حيث لا يعرفه أخوه وبهذا تظهر الشفقة. والأخوة إذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق ~~على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها. وقال «ميمون بن مهران» : «من لم ~~تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته» . وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل ~~حاجتك أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله ~~كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال إلى الاستعانة، ولا ترى لنفسك ~~حقا بسبب قيامك بها بل تتقلد منة بقبول سعيك في حقه وقيامك بأمره. وقال ~~«عطاء» : «تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل ~~فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم» . وقال «سعيد بن العاص» : «لجليسي علي ~~ثلاث: إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له» . وقد قال ~~تعالى: (رحماء بينهم) [الفتح: 29] إشارة إلى الشفقة والإكرام. ومن تمام ~~الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه، بل يتنغص لفراقه ~~ويستوحش بانفراده عن أخيه. ### | الحق الثالث في ms128 اللسان: # وذلك ### | بالسكوت # مرة وبالنطق أخرى. أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته ~~بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ولا يناقشه، ~~وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه ~~بذكر غرضه من مصدره ومورده ولا يسأل، فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن ~~يكذب فيه، وليسكت عن أسراره التي بثها ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى ~~أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة والوحشة، فإن ذلك من لؤم ~~الطبع وخبث الباطن، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن ~~حكاية قدح غيره فيه، فإن الذي سبك من بلغك، ولا ينبغي أن يخفي ما يسمع من ~~الثناء عليه فإن السرور أولا به يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل، وإخفاء ~~ذلك من الحسد. وبالجملة فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلا إلا إذا وجب ~~عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت، فإذ ذاك ~~لا يبالي بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن أنها إساءة في ~~الظاهر، أما ذكر مساوئه # PageV01P131 # وعيوبه ومساوئ أهله فهو من الغيبة وذلك حرام في حق كل مسلم، ويزجرك عنه ~~أمران: # أحدهما: أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئا واحدا مذموما فهون على ~~نفسك ما تراه من أخيك وقدر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما ~~أنك عاجز عما أنت مبتلى به، ولا تستثقله بخصلة واحدة مذمومة، فأي الرجال ~~المهذب. # والأمر الثاني: أن تعلم أنك لو طلبت منزها عن كل عيب اعتزلت عن الخلق ~~كافة ولن تجد من تصاحبه أصلا، فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوئ، ~~فإذا غلبت المحاسن المساوئ فهو الغاية والمنتهى، فالمؤمن الكريم أبدا يحضر ~~في نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام. وأما المنافق ~~اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوئ والعيوب. قال «ابن ms129 المبارك» : «المؤمن يطلب ~~المعاذير والمنافق يطلب العثرات» . وقال «الفضيل» : «الفتوة العفو عن زلات ~~الإخوان» ولذلك قال عليه السلام: «استعيذوا بالله من جار السوء الذي إن رأى ~~خيرا ستره وإن رأى شرا أظهره» . ### | (بحث سوء الظن) # وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك ~~إساءة الظن، فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا، وحده أن لا تحمل ~~فعله على وجه فاسد ما أمكن أن يحمل على وجه خير، فأما ما انكشف بيقين ~~ومشاهدة فاحمله على سهو ونسيان إن أمكن، وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا ~~تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ". والتجسس في تطلع الأخبار، والتحسس ~~بالمراقبة بالعين، فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين. # واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات ~~الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به، ومنشأ التقصير في ستر العورة ~~أو السعي في كشفها الداء الدفين وهو الحقد والحسد، ومن في قلبه سخيمة على ~~مسلم فإيمانه ضعيف، وأمر مخطر، وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله. # ومن ذلك: أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه، وله أن ينكره وإن كان كاذبا ~~فليس الصدق واجبا في كل مقام، فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه ~~وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه، فإن أخاه نازل ~~منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن، هذه حقيقة الأخوة، وقد قال ~~عليه السلام: " من ستر عورة أخيه ستره الله # PageV01P132 # تعالى في الدنيا والآخرة " وقال عليه السلام: " إذا حدث الرجل بحديث ثم ~~التفت فهو أمانة " وقال: " المجالس بالأمانة " وفي رواية: " إنما يتجالس ~~المتجالسان بالأمانة ولا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره ". قيل ~~لبعضهم: " كيف حفظك للسر "؟ قال: " أنا قبره، فإن صدور الأحرار قبور ~~الأسرار ". وأفشى بعضهم سرا له إلى أخيه ثم قال له " حفظت " فقال: " بل ms130 ~~نسيت ". وقال العباس لابنه " عبد الله ": " إني أرى هذا الرجل - يعني عمر ~~رضي الله عنه - يقدمك على الأشياخ فاحفظ مني خمسا: لا تفشين له سرا، ولا ~~تغتابن عنده أحدا، ولا يجربن عليك كذبا، ولا تعصين له أمرا، ولا يطلعن منك ~~على خيانة " فقال " الشعبي ": كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف. # ومن ذلك: السكوت على المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك، قال " ~~ابن عباس ": " لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك " وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن ترك ~~المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة " هذا مع أن تركه مبطلا واجب، وقد ~~جعل ثواب النفل أعظم؛ لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت على ~~الباطل، وإنما الأجر على قدر النصب. وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين ~~الإخوان المماراة والمناقشة فإنها عين التدابر والتقاطع، فإن التقاطع يقع ~~أولا بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان، وقال عليه السلام: " لا تدابروا ولا ~~تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا " وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله، بحسب ~~المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وأشد الاحتقار المماراة، فإن من رد على ~~غيره كلاما فقد نسبه إلى الجهل أو الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو ~~عليه، وكل ذلك استحقار وإيغار للصدر وإيحاش، وفي حديث " أبي أمامة " قال: " ~~خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتمارى فغضب وقال: ذروا ~~المراء لقلة خيره، وذروا المراء فإن نفعه قليل، وإنه يهيج العداوة بين ~~الإخوان ". # PageV01P133 # وقال بعض السلف: " من لاحظ الإخوان وماراهم قلت مروءته، وذهبت كرامته ". ~~وقال غيره: " إياك ومماراة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم ". ~~قال " الحسن ": " لا تشترى عداوة رجل بمودة ألف رجل ". وعلى الجملة فلا ~~باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل، واحتقار المردود ~~عليه بإظهار جهله، وهذا ms131 يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق ~~والجهل، ولا معنى للمعاداة إلا هذا، فكيف تضام الأخوة والمصافاة، فقد روى " ~~ابن عباس " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا تمار أخاك ~~ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه " وقد قال عليه السلام: " إنكم لا تسعون ~~الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق " والمماراة مضادة لحسن ~~الخلق. واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة. ### | الحق الرابع على اللسان بالنطق # الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضا النطق بالمحاب، بل هو أخص ~~بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الأخوة ليستفاد ~~منهم لا ليتخلص عن أذاهم، والسكوت معناه كف الأذى، فعليه أن يتودد إليه ~~بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها، كالسؤال عن عارض إن عرض ~~وإظهار شغل القلب بسببه واستبطاء العافية عنه، وكذا جملة أحواله التي ~~يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها، وجملة أحواله التي يسر بها ~~ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها، فمعنى الأخوة المساهمة في ~~السراء والضراء وقد قال عليه السلام: " إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره " وإنما ~~أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب، فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا ~~محالة، فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف، والتحاب بين المؤمنين ~~مطلوب في الشرع ومحبوب في الدين، ولذلك علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيه الطريق فقال: " تهادوا تحابوا ". # ومن ذلك: أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره، قال " عمر " رضي ~~الله عنه: " ثلاث يصفين لك ود أخيك " أن تسلم عليه إذا لقيته أولا، وتوسع ~~له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه ". # ومن ذلك: أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء ~~عنده، فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة، وكذلك الثناء على أولاده ~~وأهله وصنعته وفعله حتى عقله وخلقه وهيئته وخطه وتصنيفه وجميع ما يفرح به ~~وذلك من غير كذب وإفراط، ولكن # PageV01P134 # تحسين ما يقبل ms132 التحسين لا بد منه. وآكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى ~~عليه مع إظهار الفرح، فإن إخفاء ذلك محض الحسد. # ومن ذلك: أن تشكره على صنيعه في حقك بل على نيته وإن لم يتم ذلك، وأعظم ~~من ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض ~~لعرضه بكلام صريح أو تعريض، فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة وتبكيت ~~المتعنت وتغليظ القول عليه، والسكوت عن ذلك موغر للصدر، ومنفر للقلب، ~~وتقصير في حق الأخوة، وإهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه، فأخسس بأخ ~~يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع ~~عنك، وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم، ولذلك شبهه الله ~~تعالى بأكل لحوم الميتة فقال: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) ~~[الحجرات: 12] فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في ~~عقد الأخوة، وقال بعضهم: " ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالسا فقلت فيه ما ~~يحب أن يسمع لو حضر ". # ومن ذلك: التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيه إلى العلم بأقل من حاجته إلى ~~المال، فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه ~~في الدين والدنيا، فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك النصيحة ~~وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه، وتخوفه بما يكرهه في الدنيا ~~والآخرة لينزجر عنه، وتنبهه على عيوبه، ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا ~~يطلع عليه أحد، فما كان على الملأ فهو فضيحة، وما كان في السر فهو شفقة ~~ونصيحة، قال " ذو النون ": " لا تصحب مع الله إلا بالموافقة، ولا مع الخلق ~~إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة ". # ولا تظنن أن في نصح أخيك إيحاشا لقلبه، فإن في تنبيهه على ما لا يعلمه ~~عين الشفقة وهو استمالة القلوب - أعني قلوب العقلاء - وأما الحمقى فلا ~~يلتفت إليهم، فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها ~~لتزكي نفسك عنها كان كمن ms133 ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك، ~~فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك، والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة ~~مهلكات، فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد، ~~وهي مخلوقة من نار الله الموقدة، ولذلك كان " عمر " رضي الله عنه يستهدي ~~ذلك من إخوانه ويقول: " رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ". ومن كتاب بعض # PageV01P135 # السلف لأخيه: " اعلم أن من قرأ القرآن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات ~~الله من المستهزئين ". وقد وصف الله الكاذبين ببغضهم للناصحين إذ قال: ~~(ولكن لا تحبون الناصحين) [الأعراف: 79] وهذا في عيب هو غافل عنه، فأما ما ~~يظهره فلا بد من التلطف بنصحه بالتعريض مرة والتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي ~~إلى الإيحاش، فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى ~~الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى، وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه ~~أو دنياه. أما ما يتعلق بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح ~~والتعامي عنه، والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء، نعم إن كان بحيث يؤدي ~~استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به ~~خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل. ### | الحق الخامس العفو عن الزلات والهفوات: # هفوة الصديق إن كانت في دينه فلا بد من التلطف في نصحه كما قدمنا، فإن ~~أصر فمن السلف من رأى مقاطعته، ومنهم من رأى إدامة حق مودته وبغض عمله، ~~وأما زلته في حقه بما يوجب إيحاشه فلا خلاف في أن الأولى العفو والاحتمال، ~~بل كان ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو ~~واجب بحق الأخوة، فقد قيل: «ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا، فإن لم ~~يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك: ما أقساك يعتذر إليك أخوك ~~سبعين عذرا فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك» وقال «الأحنف» : «حق الصديق أن ~~تحتمل منه ثلاثا: ظلم ms134 الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة» ، ومهما اعتذر إليك ~~أخوك كاذبا كان أو صادقا فاقبل عذره، فالمؤمن إن غضب فهو سريع الرضاء. ~~وينبغي أن لا يبالغ في البغضة عند الوقيعة، قال تعالى: (عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) [الممتحنة: 7] وقال «عمر» رضي الله ~~عنه: «لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا» . وهو أن تحب تلف صاحبك. ### | الحق السادس الدعاء للأخ: # فتدعو له في حياته ومماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به كما ~~تدعو لنفسك، وفي الحديث: «إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: ولك ~~مثل ذلك» وفي حديث آخر: «دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب لا ترد» . وكان ~~«أبو الدرداء» يقول: «إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم ~~بأسمائهم» وكان «محمد بن يوسف الأصفهاني» يقول: «وأين مثل الأخ الصالح؟ ~~أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون بما خلفت وهو منفرد # PageV01P136 # بحزنك مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق ~~الثرى» . وعن بعض السلف: «الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء» . ### | الحق السابع الوفاء والإخلاص: # ومعنى الوفاء: الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع ~~أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة، فإن انقطع قبل الموت حبط ~~العمل وضاع السعي، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أكرم عجوزا دخلت عليه ~~فقيل له في ذلك فقال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من ~~الدين» . فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به، ~~ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه، فإن فرحه بتفقد من ~~يتعلق به أكثر لدلالته على قوة الشفقة والحب. ومن ثمرات المودة في الله أن ~~لا تكون مع حسد في دين ودنيا، وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع ~~فائدته، وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى: (ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم) [الحشر: 9] ووجود الحاجة هو الحسد. # ومن الوفاء: أن لا يتغير حاله في التواصل مع ms135 أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ~~ولايته وعظم جاهه، والترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم، قال ~~الشاعر: # إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم بالمنزل الخشن # واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق ~~بالدين بل من الوفاء له المخالفة والنصح لله. # ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة، ~~نفور الطبع عن أسبابها كما قيل: # وجدت مصيبات الزمان جميعها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # وأنشد «ابن عيينة» هذا البيت وقال: «لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين ~~سنة ما يخيل إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي» . # ومن الوفاء: أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه. # PageV01P137 # ومن الوفاء: أن لا يصادق عدو صديقه، قال «الشافعي» رحمه الله: «إذا أطاع ~~صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك» . ### | الحق الثامن التخفيف وترك التكلف والتكليف: # وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه ~~على أن يحمله شيئا من أعبائه، فلا يكلفه القيام بحقوقه، بل لا يقصد بمحبته ~~إلا الله تعالى استعانة به على دينه واستئناسا بلقائه وتقربا إلى الله ~~تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته. # قال بعضهم: «من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم، ومن اقتضى ~~منهم مثل ما يقتضونه فقد أتبعهم، ومن لم يقتض فهو المتفضل عليهم» ، وتمام ~~التخفيف بطي بساط التكليف حتى لا يستحيي منه فيما لا يستحيي منه نفسه. # وقال «علي» رضي الله عنه: «شر الأصدقاء من تكلف لك ومن تكلف لك، ومن ~~أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار» . # وقال «الفضل» : «إنما تقاطع الناس بالتكلف، يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ~~فيقطعه ذلك عنه» . # وكان «جعفر بن محمد الصادق» رضي الله عنهما يقول: «أثقل إخواني علي من ~~يتكلف وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي» . # ومن التخفيف وترك التكلف: أن لا يعترض في نوافل العبادات، كان طائفة من ~~الصوفية يصطحبون على أن أحدهم إن أكل النهار كله لم ms136 يقل له صاحبه: صم، وإن ~~صام الدهر كله لم يقل له: أفطر، وإن نام الليل كله لم يقل له: قم، وإن صلى ~~الليل كله لم يقل له: نم، وتستوي حالاته عنده بلا مزيد ولا نقصان. # وقد قيل: «من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن خفت مؤنته دامت مودته» . # وقال بعضهم: «إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به: إذا ~~أكل عنده ودخل الخلاء وصلى ونام» ، فذكر ذلك لبعض المشايخ فقال: «بقيت ~~خامسة وهو أن يحضر مع الأهل في بيت أخيه» لأن البيت يتخذ للاستخفاء في هذه ~~الأمور الخمس، وإلا فالمساجد أروح لصلاة المتعبدين، فإذا فعل هذه الخمس فقد ~~تم الإخاء وارتفعت الحشمة وتأكد الانبساط. # وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم # PageV01P138 # لصاحبه: «مرحبا أهلا وسهلا» أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب ~~والمكان، ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا، ولك عندنا سهولة في ذلك ~~كله أي لا يشتد علينا شيء مما تريد. # ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ~~ويسيء الظن بنفسه، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له، فهذه أقل ~~الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ، ومهما رأى ~~الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم، قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» . # ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل ~~إشارتهم فقد قال تعالى: (وشاورهم في الأمر) [آل عمران: 159] فهذا جامع حقوق ~~الصحبة، ولا يتم ذلك إلا بأن تنزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم ~~جميع جوارحك. # أما البصر: فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك وتنظر إلى محاسنهم ~~وتتعامى عن عيوبهم، ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك، ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي كل من جلس إليه نصيبا من ~~وجهه ms137 لا يظن جليسه إلا أنه أكرم الناس عليه، وكان عليه السلام أكثر الناس ~~تبسما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما يحدثونه. # وأما السمع: فبأن تسمع كلامهم متلذذا بسماعه ومصدقا به ومظهرا للاستبشار ~~به، ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادة ولا منازعة ومداخلة واعتراض، فإن أرهقك ~~عارض اعتذرت إليهم. # وأما اللسان: فقد ذكرنا حقوقه، ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم، ولا ~~يخاطبهم إلا بما يفقهون. # وأما اليدان: فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد. # وأما بالرجلان: فبأن لا يتقدمهم إلا بقدر ما يقدمونه ولا يقرب منهم إلا ~~بقدر ما يقربونه، ويقوم لهم إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم، ويقعد ~~متواضعا حيث يقعد. ### | خاتمة في جملة من آداب المعيشة والمجالسة مع أصناف الخلق: # قال بعض الحكماء: «إن أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا، ~~وتوقر من غير كبر، وتواضع في غير مذلة، وكن في جميع أمورك في أوسطها، فكلا ~~طرفي قصد الأمور ذميم» . ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف ~~على الجماعات، وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك ~~وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال أصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك، وكثرة ~~التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها، وليكن مجلسك هادئا ~~وحديثك منظوما مرتبا. وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب ~~مفرط، ولا تسأله إعادته. واسكت عن المضاحك ولا تحدث عن # PageV01P139 # إعجابك بولدك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك، ولا تتصنع تصنع المرأة ~~في التزين، ولا تتبذل تبذل العبد، ولا تلح في الحاجات، ولا تشجع أحدا على ~~الظلم، ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار مالك؛ فإنهم إن رأوه قليلا ~~هنت عندهم، وإن كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم، وخوفهم من غير عنف، ولن لهم من ~~غير ضعف، وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك، وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك، ولا ~~تكثر الإشارة بيدك، ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك، وإذا هدأ غيظك فتكلم، ~~ولا تجعل مالك أكرم من ms138 عرضك. وإن دخلت مجلسا فالأدب فيه البداية بالتسليم ~~وترك التخطي لمن سبق، والجلوس حيث اتسع وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن ~~تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس، ولا تجلس على الطريق، فإن جلست فأدبه: ~~غض البصر، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وإرشاد الضال، ورد ~~السلام، وإعطاء السائل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع ~~البصاق، ولا تبصق في جهة القبلة، وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب، فإن ~~اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك. ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر ~~الله عن قيامه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جلس في مجلس فكثر ~~فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا ~~إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر ما كان في مجلسه ذلك» . ### | بيان حق المسلم والرحم والجوار # اعلم أن الإنسان لحاجته لمخالطته من هو من جنسه لم يكن له بد من تعلم ~~آداب المخالطة، وكل مخالط ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقه، وحقه على ~~قدر رابطته: إما القرابة وهي أخصها أو أخوة الإسلام وهي أعمها - وينطوي في ~~معنى الأخوة الصداقة والصحبة - وإما الجوار وإما صحبة السفر والمكتب والدرس ~~والصداقة أو الأخوة، ولكل واحد من هذه الروابط درجات: فالقرابة لها حق ولكن ~~حق الرحم المحرم آكد، وللمحرم حق ولكن حق الوالدين آكد، وكذلك حق الجار، ~~ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده. ويظهر التفاوت عند النسبة، حتى إن ~~البلدي في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في ~~البلد، وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة والاختلاط. ### | حقوق المسلم: # هي أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا ~~مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح له إذا ~~استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك. ومنها ### | أن تحب له ما تحب لنفسك، # وتكره له ما تكره لنفسك، قال - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P140 # " مثل المؤمنين في توادهم ms139 وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى ~~سائره بالحمى والسهر " وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا ". # ومنها ### | : أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بفعل ولا قول، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ~~والمؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السوء ~~واجتنبه " وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ". # ومنها ### | : أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر ~~أحد على أحد ". # ومنها ### | : أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض، # ففي الحديث: " لا يدخل الجنة قتات ". # ومنها ### | : أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام # مهما غضب عليه، قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ". وقالت ~~" عائشة " رضي الله عنها: " ما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله ". وفي الحديث: " ما زاد الله ~~رجلا بعفو إلا عزا ". # ومنها ### | : أن يحسن إلى كل من قدر عليه منهم # ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير الأهل، وفي أثر: " اصنع المعروف في ~~أهله وفي غيره أهله، فإن أصبت فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت من أهله " ~~وفي آخر: " رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل ~~بر وفاجر "، ولم يكن يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أقبل عليه ~~بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه. # ومنها ### | : أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه # بأن يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له انصرف. # ومنها ### | : أن يخالق الجميع بخلق حسن # ويعامله بحسب طريقته. # PageV01P141 # ومنها ### | : أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان، # وفي الحديث: " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا " والتلطف ~~بالصبيان من ms140 عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا قدم من سفره ~~تلقي بالصبيان ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه، ~~ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم، وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة ~~وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره، فربما بال الصبي ثم يغسل ثوبه - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد. # ومنها ### | : أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رقيقا، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " أتدرون على من حرمت النار " قالوا: " الله ~~ورسوله أعلم "، قال: " على اللين الهين السهل القريب " وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة ". # ومنها ### | أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به، # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " العدة عطية " وقال: " العدة دين ~~" وقال: " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى: من إذا حدث كذب وإذا وعد ~~أخلف وإذا اؤتمن خان ". # ومنها ### | : أن ينصف الناس من نفسه # ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن يؤتى إليه، قال - صلى الله عليه وسلم -: " ~~يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك ~~تكن مسلما ". # ومنها ### | : أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته # فينزل الناس منازلهم. # ومنها ### | : أن يصلح ذات البين # بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلا، قال - صلى الله عليه وسلم -: " أفضل ~~الصدقة إصلاح ذات البين " وفي الحديث: " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال ~~خيرا " وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب، ولا يسقط ~~الواجب إلا بواجب آكد منه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " كل الكذب مكتوب ~~إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة، أو يكذب بين اثنين فيصلح ~~بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها ". # ومنها ### | : أن يستر عورات المسلمين كلهم، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " من ستر على مسلم ستره الله تعالى # PageV01P142 # في الدنيا والآخرة " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يرى المؤمن من ~~أخيه عورة فيسترها عليه ms141 إلا دخل الجنة " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " يا ~~معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا ~~عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله ~~عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته ". وروي عن بعض الخلفاء أنه كان يعس من ~~الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى، فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر، ~~فقال: " يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته "؟ فقال: " وأنت ~~أيها الأمير لا تعجل فإن كنت عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا " قال ~~الله تعالى: (ولا تجسسوا) [الحجرات: 12] وقد تجسست، وقال الله تعالى: (وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) [البقرة: 189] وقد تسورت علي، وقد قال ~~الله تعالى: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) [النور: 27] الآية، وقد دخلت ~~بيتي بغير إذن ولا سلام، فقال الأمير: " هل عندك من خير إن عفوت عنك "؟ ~~قال: " نعم والله لئن عفوت عني لا أعود إلى مثلها أبدا "، فعفا عنه وخرج ~~وتركه. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، ~~وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم يخبر به " وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " من أسمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم ~~القيامة ". # ومنها ### | : أن يتقي مواضع التهم # صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن الغيبة، فإنهم إذا عصوا الله ~~بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكا، قال الله تعالى: (ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) [الأنعام: 108] وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: " كيف ترون من سب أبويه " فقالوا: " وهل من أحد يسب ~~أبويه "؟ فقال: " نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه ". وقال " عمر " رضي الله ~~عنه: " من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن ". # ومنها ### | : أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين # إلى من له عنده منزلة ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر، قال - صلى الله عليه ms142 ~~وسلم -: " اشفعوا تؤجروا ". # ومنها ### | : أن يبدأ من يلقى بالسلام قبل الكلام، # ويصافحه عند السلام قال الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ~~أو ردوها) [النساء: 86] وقال - صلى الله عليه وسلم -: " والذي نفسي بيده # PageV01P143 # لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على عمل ~~إذا عملتموه تحاببتم "، قالوا: بلى يا رسول الله، قال " أفشوا السلام بينكم ~~" وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم عن ~~القوم واحد أجزأ عنهم ". وكان " أنس " رضي الله عنه يمر على الصبيان فيسلم ~~عليهم، ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك، وروي أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - مر في المسجد يوما وعصبة من الناس قعود فأومأ بيده ~~بالسلام، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم ~~فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من ~~الأخيرة ". وروي أن من تمام التحية المصافحة. وقال " الحسن ": " المصافحة ~~تزيد في الود ". ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركا به وتوقيرا له، ~~وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن في تقبيل يده ورأسه. والانحناء عند ~~السلام منهي عنه. والالتزام والتقبيل قد ورد عند القدوم من السفر. والأخذ ~~بالركاب في توقير العلماء ورد به الأثر، فعل ذلك " ابن عباس " بركاب " زيد ~~بن ثابت ". وقال - صلى الله عليه وسلم - " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم ~~يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا ". ويستحب للداخل إذا سلم ولم يجد مجلسا أن ~~لا ينصرف بل يقعد وراء الصف. كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ~~في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر: فأقبل اثنان إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس فيها، وأما الثاني فجلس خلفهم، وأما ~~الآخر فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم " ~~ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما ~~الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث ms143 فأعرض فأعرض الله عنه ". ~~وسلمت " أم هانئ " على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " من هذه " فقيل ~~له: " أم هانئ " فقال عليه السلام: " مرحبا يا أم هانئ ". # PageV01P144 # ومنها ### | : أن يصون عرض أخيه # ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر، ويرد عنه ويناضل دونه وينصره، فإن ذلك ~~يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل حرمته ~~إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره، وما من امرئ خذل مسلما في موطن تنتهك ~~فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ". # ومنها ### | : تشميت العاطس، # قال عليه السلام في العاطس: " يقول الحمد لله على كل حال "، ويقول الذي ~~يشمته: " يرحمكم الله " ويرد عليه العاطس فيقول: " يهديكم الله ويصلح بالكم ~~" ويستحب إذا عطس أن يغض صوته ويخمر وجهه، وإذا تثاءب أن يضع يده على فيه. # ومنها ### | : أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يجامله ويتقيه، # قال بعضهم: خالص المؤمن مخالصة، وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى ~~بالخلق الحسن في الظاهر ". وقال أبو الدرداء: " إنا لنبش في وجوه أقوام وإن ~~قلوبنا لتلعنهم " وهذا معنى المداراة وهو مع من يخاف شره، قال الله تعالى: ~~(ادفع بالتي هي أحسن) [المؤمنون: 96 وفصلت: 34] قال " ابن عباس " في معنى ~~قوله تعالى: (ويدرءون بالحسنة السيئة) [الرعد: 22، والقصص: 54] أي الفحش ~~والأذى بالسلام والمدارة، وقال في قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض) [البقرة: 251 والحج: 40] قال: " بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة " ~~وقالت " عائشة " رضي الله عنها: " استأذن رجل على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " فقال: " ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو " فلما دخل ألان له ~~القول حتى ظننت أن له عنده منزلة، فلما خرج قلت له: " لما دخل قلت الذي قلت ~~ثم ألنت له القول! " فقال: " يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم ~~القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه " وفي الخبر: " ما وقى الرجل به عرضه فهو ~~له ms144 صدقة ". وقال " محمد ابن الحنفية ": " ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف ~~من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا ". # ومنها ### | : أن يختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام، # كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " اللهم أحيني # PageV01P145 # مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ". وقد روي أن " سليمان " ~~عليه السلام في ملكه كان إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس إليه وقال: " ~~مسكين جالس مسكينا " وفي الخبر: " لا تغبطن فاجرا بنعمة فإنك لا تدري إلام ~~يصير بعد الموت فإن من ورائه طالبا حثيثا ". # وأما اليتيم: " فقال - صلى الله عليه وسلم -: " من ضم يتيما حتى يستغني ~~فقد وجبت له الجنة " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أنا وكافل اليتيم ~~كهاتين " وهو يشير بأصبعيه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " من وضع يده على ~~رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة " وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: " خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت من ~~المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ". # ومنها ### | : النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ~~" وعنه: " من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة " وعنه: " من فرج عن ~~مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر له " وعنه: " إن من أحب الأعمال إلى الله ~~إدخال السرور على قلب المؤمن وأن يفرج عنه غما أو يقضي عنه دينا أو يطعمه ~~من جوع ". # ومنها ### | : أن يعود مرضاهم، # وأدب العائد: خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء بالعافية وغض ~~البصر عن عورات الموضع. وعند الاستئذان لا يقابل الباب، ويدق برفق، ولا ~~يقول: " أنا " إذا قيل له من؟ وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: " ~~إذا عاد المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى: طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا ~~في الجنة " وعن " عثمان " رضي الله عنه قال: " مرضت فعادني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: " بسم الله الرحمن الرحيم. أعيذك بالله ms145 الأحد الصمد ~~الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد قاله مرارا " ~~ويستحب للعليل أيضا أن يقول: " أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد " وقال ~~" طاووس ": " أفضل العبادة أخفها ". وجملة أدب المريض حسن الصبر، وقلة ~~الشكوى والضجر، والفزع إلى الدعاء، والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء. # ومنها ### | : أن يشيع جنائزهم، # قال - صلى الله عليه وسلم -: " من شيع جنازة فله قيراط من الأجر، فإن وقف ~~حتى # PageV01P146 # دفن فله قيراطان والقيراط مثل أحد " - جبل عظيم في المدينة المنورة - ~~والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار. # ومنها ### | : أن يزور قبورهم، # والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه " وعن " حاتم الأصم ": " من مر ~~بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم ". وقال " ميمون ~~بن مهران ": " خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور ~~بكى وقال: " يا ميمون هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في ~~لذاتهم، أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات، وأصاب الهوام من أبدانهم، ثم ~~بكى وقال: " والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من ~~عذاب الله ". # وآداب المعزي: خفض الجناح وإظهار الحزن وقلة الحديث وترك التبسم. # وآداب تشييع الجنازة: لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكر في ~~الموت والاستعداد له. والإسراع بالجنازة سنة. # فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق، والجملة الجامعة ~~فيه: أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير ~~منك، فإنه، وإن كان فاسقا، فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح، ولا ~~تنظر إليهم في حال دنياهم بعين التعظيم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما ~~فيها، ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم، ~~ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم ~~القبيحة، ولا ms146 تسكن إليهم في ثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فقد لا يكون ~~لذلك حقيقة باطنا، ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم، ولا تطمع أن ~~يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب، ولا تطمع فيما في ~~أيديهم فتستعجل الذل، وإذا سألت أخا منهم حاجة قضاها فهو أخ مستفاد، وإن لم ~~يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته، ولا تشتغل بوعظ من لا ترى ~~فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك، وليكن وعظه عرضا واسترسالا من غير ~~تنصيص على الشخص، وإذ بلغك منهم غيبة أو رأيت منهم شرا فكل أمرهم إلى الله ~~واستعذ بالله من شرهم، ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر، وكن فيهم ~~سميعا لحقهم أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم، واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا ~~يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة، ويحاسبون على النقير والقطمير ~~ويحسدون على القليل والكثير، ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن ~~تصحبه مدة فتجربه في أحواله، أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة ~~فتحتاج إليه أو تسافر معه، فإن رضيته في هذه # PageV01P147 # الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا، وابنا لك إن كان صغيرا، أو أخا إن ~~كان مثلا لك، فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق. ### | حقوق الجوار # اعلم أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار ~~المسلم ما يستحق كل مسلم وزيادة؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الجيران ثلاثة جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فالجار ~~الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق الإسلام وحق ~~الرحم، وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وأما ~~الذي له حق واحد فالجار المشرك» فانظر كيف أثبت للمشرك حقا بمجرد الجوار، ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما» وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ms147 سيورثه» وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه» وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» . وكان ~~«أبو هريرة» رضي الله عنه يقول: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينها ~~بين أكتافكم» . وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب ذلك، وقيل لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها» فقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «هي في النار» وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أربعون دارا جار» قال «الزهري» : يعني أربعين عن يمينه ويساره وخلفه وبين ~~يديه. واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط بل احتمال الأذى، بل لا بد ~~فوقه من الرفق وإسداء الخير والمعروف، وحكي أن «ابن المقفع» ، بلغه أن جارا ~~له يبيع داره في دين ركبه وكان يجلس # PageV01P148 # في ظل داره فقال: «ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما» فدفع إليه ~~ثمن الدار وقال: «لا تبعها» . وجملة حق الجار أن يبدأ بالسلام، ولا يكثر عن ~~حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ~~ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع من ~~السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا يضيق طريقه إلى ~~الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، ~~وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا ~~يسمع عليه كلاما، ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته ويتلطف ~~لولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. هذا إلى جملة ~~الحقوق التي ذكرناها لعامة المسلمين. ### | حقوق الأقارب والرحم: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: أنا الرحمن ~~وهذه الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» ، وقيل ~~لرسول الله ms148 - صلى الله عليه وسلم -: «أي الناس أفضل» ، قال: «أتقاهم لله ~~وأوصلهم لرحمه وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر» وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة» ~~ولما أراد «أبو طلحة» أن يتصدق بحائط كان له يعجبه عملا بقوله تعالى: (لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) [آل عمران: 92] قال: «يا رسول الله هي ~~في سبيل الله وللفقراء والمساكين» . فقال عليه السلام: «وجب أجرك واقسمه في ~~أقاربك» . ### | حقوق الوالدين والولد: # لا يخفى أنه إذا تأكد القرابة والرحم فأخص الأرحام وأمسها الولادة ~~فيتضاعف تأكد الحق فيها، قال - صلى الله عليه وسلم -: " بر أمك وأباك وأختك ~~وأخاك ثم أدناك فأدناك " وقال رجل: " يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي ~~شيء أبرهما به بعد وفاتهما " قال: " نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما ~~وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما " وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: " إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن ~~يولي الأب ". وعنه - صلى الله عليه وسلم - " رحم الله والدا أعان ولده على ~~بره " أي لم يحمله على العقوق بسوء عمله، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ساووا # PageV01P149 # بين أولادكم في العطية " وعنه أيضا: " من حق الولد على الوالد أن يحسن ~~أدبه ويحسن اسمه ". ويستحب الرفق بالولد، رأى " الأقرع بن حابس " رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو يقبل ولده الحسن فقال: " إن لي عشرة من الولد ~~ما قبلت واحدا منهم " فقال عليه السلام: " إن من لا يرحم لا يرحم " وقال " ~~معاوية " " للأحنف بن قيس ": " ما تقول في الولد؟ قال: " يا أمير المؤمنين ~~ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول ~~على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحبوك ~~جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا ثقيلا فيملوا حياتك ويودوا وفاتك ويكرهوا قربك " ~~فقال معاوية: " لله أنت يا أحنف لقد أرضيتني عمن سخطت عليه من ولدي "، ~~ووصله بعطية عظمى. # واعلم أن ms149 أكثر العلماء على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات وإن لم تجب ~~في الحرام المحض، وليس للولد أن يسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: " حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده ~~". # PageV01P150 ### | كتاب العزلة والمخالطة # اعلم أن من السلف من آثر العزلة لفوائدها كالمواظبة على العبادة والفكر ~~وتربية العلم، والتخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض الإنسان لها بالمخالطة ~~كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسارقة ~~الطبع الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء السوء إلى غير ذلك. # وأما أكثر السلف فذهبوا إلى استحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان ~~والتآلف والتحبب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدين تعاونا على البر ~~والتقوى، وإن فوائد العزلة المتقدمة يمكن نيلها من المخالطة بالمجاهدة ~~ومغالبة النفس. وبالجملة فللمخالطة فوائد عظيمة تفوت بالعزلة. # فإن قلت: ما هي ### | فوائد المخالطة # والدواعي إليها؟ فاعلم: أنها هي التعليم والتعلم، والنفع والانتفاع، ~~والتأديب ### | والتأدب، # و ### | الاستئناس والإيناس، # ونيل الثواب وإنالته في القيام بالحقوق، أو اعتياد التواضع، أو استفادة ~~التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها. # فأما ### | العلم والتعليم: # فهما أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة، والمحتاج إلى ~~التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة، ومن كان يقدر على التبرز في علوم ~~الشرع والعقل فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران، ولهذا قال «النخعي» ~~وغيره: «تفقه ثم اعتزل» ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته ~~بنوم أو فكر في هوس، وغايته أن يستغرق في الأوقات بأوراد يستوعبها ولا ينفك ~~في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور، ويكون في أكثر أحواله ضحكة ~~للشيطان وهو يرى نفسه من العباد، فالعلم هو أصل الدين، ولا خير في عزلة ~~العوام والجهال. # وأما التعليم: ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المعلم والمتعلم. # وأما ### | الانتفاع بالناس: # فبالكسب والمعاملة إذ لا يتأتى إلا بالمخالطة. ومن اكتسب من وجهه وتصدق ~~منه كان أفضل من المعتزل المشتغل بالنافلة. # وأما ### | النفع: # فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ms150 ببدنه، فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة، ~~ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب، وذلك لا ينال إلا بالمخالطة، ومن ~~قدر عليه مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل له من العزلة. # وأما ### | التأديب # بنصح الغير والتأدب: ونعني به الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في # PageV01P151 # تحمل أذاهم كسرا للنفس وقهرا للشهوات فهي من الفوائد التي تستفاد ~~بالمخالطة. # وأما ### | الاستئناس والإيناس: # فهو مستحب لأمر الدين وذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين، ~~وقد يتعلق بحظ النفس. ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي ~~النشاط في العبادة، فإن القلوب إذا كربت عميت، والنفس لا تألف الحق على ~~الدوام ما لم تروح، وفي تكليفها الملازمة داعية للفترة، وقد قال «ابن عباس» ~~: «لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس» فلا يستغني المعتزل إذن عن رفيق ~~يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة، فليجتهد في طلب من لا ~~يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» . وليحرص أن يكون حديثه عند ~~اللقاء في أمور الدين والقصور عن الثبات على الحق، ففي ذلك متروح للنفس ~~وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه. # وأما ### | نيل الثواب: # فبحضور الجنائز وعيادة المرضى، وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا، لا ~~رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد ~~عليه، وذلك لا يتفق إلا نادرا. وكذلك في حضور الإملاكات والدعوات ثواب من ~~حيث إنه إدخال سرور على قلب مسلم. # وأما ### | إنالة الثواب: # فهو أن يأذن بعيادته وتعزيته في المصائب وتهنئته على النعم فإنهم ينالون ~~بذلك ثوابا. فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها وعند ~~ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة. # وأما ### | التواضع: # فإنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة، وقد يكون الكبر سببا في ~~اختيار العزلة، أو مخافة أن لا يوقر في المحافل أو لا يقدم، أو يرى الترفع ~~عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى على اعتقاد الناس في تعبده ms151 وزهده، وعلامة ~~هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا، ويفرحون بتقرب العوام ~~والأمراء إليهم، ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة ~~الناس لبغض إليه زياراتهم له، ولكن اعتزاله سببه شدة اشتغاله بالناس لأن ~~قلبه متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام. والعزلة بهذا ~~السبب جهل من وجوه: # أحدهما: أن التواضع والمخالطة لا تنقص عن منصب من هو متكبر بعلمه أو ~~دينه. # الثاني: أن الذي شغل نفسه بطلب رضاء الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه ~~مغرور؛ لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله ~~شيئا وأن ضرره ونفعه بيد الله، بل رضاء الناس غاية لا تنال، فرضاء الله ~~أولى بالطلب، ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى: «والله ما أقول لك ~~إلا نصحا، إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ماذا # PageV01P152 # يصلحك فافعله» ، فإذن من حبس نفسه في البيت لتحسن اعتقادات الناس فيه فهو ~~في عناء حاضر في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. وبالجملة فلا ~~تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات في علم بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته ~~أو كثرت آفاته. # وأما ### | التجارب: # فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم، والعقل الغريزي ليس ~~كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا وإنما تفيدها التجربة والممارسة، ولا ~~خير في عزلة من لم تحنكه التجارب، فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا، بل ~~ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب، ~~ويحصل بقية التجارب بسماع الأحوال، وبالجهل يحبط العمل الكثير، وبالعلم ~~يزكو العمل القليل، ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل. وقد قضى الشرع ~~بتفضيل العالم على العابد حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: «فضل العالم على ~~العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» . # إذا عرفت ما تقدم من الفوائد والآفات يتبين لك الأفضل من المخالطة ~~والعزلة، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال. # PageV01P153 ### | كتاب آداب السفر # اعلم أن كل من سافر وكان مطلبه العلم والدين أو ms152 الكفاية للاستعانة على ~~الدين كان من سالكي سبيل الآخرة، وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان ~~من عمال الدنيا وأتباع الشيطان، وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه ~~بأعمال الآخرة. وإليك جملة من أقسام الأسفار: ### | القسم الأول: السفر في طلب العلم، # وهو إما واجب وإما نفل وذلك بحسب كون العلم واجبا أو نفلا، وذلك العلم ~~إما علم بأمور دينية أو بأخلاقه في نفسه أو بآيات الله في أرضه، وقد قال ~~عليه السلام: " من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع "، ~~ورحل " جابر بن عبد الله " من المدينة مسيرة شهر في حديث عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بلغه عن " عبد الله بن أنيس، حتى سمعه عنه، وقال " ~~الشعبي ": " لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى أو ~~ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا ". # وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك مهم، فإن من لا يطلع على خبائث صفاته لا ~~يقدر على تطهير القلب منها، والنفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر ~~خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات، فإذا امتحنت بمشاق ~~الغربة وقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعيوبها. وأما آيات الله في ~~أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر، ففيها قطع متجاورات، وفيها الجبال ~~والبراري والبحار، وأنواع الحيوان والنبات، وما من شيء منها إلا وهو شاهد ~~لله بالوحدانية. ### | القسم الثاني: أن يسافر لأجل العبادة من حج أو جهاد، # وفي الحديث: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى ". ### | القسم الثالث: أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين # وذلك أيضا حسن، فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين. وقد كان ~~من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن. وروي أن بعضهم ~~قيل له: " إلى أين "؟ قال: " بلغني عن قرية # PageV01P154 # فيها رخص أريد أن أقيم بها "، فقيل له: " وتفعل هذا "؟ قال: " نعم إذا ~~بلغك أن قرية فيها ms153 رخص فأقم بها فإنه أسلم لدينك وأقل لهمك ". وهذا هرب من ~~غلاء السعر. # القسم الرابع: السفر هربا مما يقدح في البدن كالطاعون، أو في المال كغلاء ~~السعر أو ما يجري مجراه. ولا حرج في ذلك، بل ربما يجب الفرار في بعض ~~المواضع وربما يستحب في بعض بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد أو ~~استحبابه، ولكن يستثنى الطاعون منه فلا ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه. ~~وبالجملة فالسفر ينقسم إلى مذموم ومحمود ومباح، والمذموم منه حرام كالسفر ~~للعاق لوالديه، ومنه مكروه كالخروج من بلد الطاعون، والمحمود منه واجب ~~كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم، ومنه مندوب كزيارة العلماء ~~للتخلق بأخلاقهم وآدابهم وتحريك الرغبة للاقتداء بهم واقتباس الفوائد ~~العلمية من أنفاسهم، وأما المباح فمرجعه إلى النية، فمهما كان قصده بطلب ~~المال مثلا التعفف عن السؤال. ورعاية ستر المروءة على الأهل والعيال، ~~والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية من أعمال ~~الآخرة، ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال ~~الآخرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الأعمال بالنيات ". ### | آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه # الأدب الأول: أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه ~~نفقته، وبرد الودائع إن كانت عنده، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب، ~~وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه. ولا بد في السفر من طيب الكلام، وإطعام ~~الطعام، ومن إظهار مكارم الأخلاق، والسفر من أسباب الضجر، ومن أحسن خلقه في ~~الضجر فهو الحسن الخلق، وتمام حسن خلق المسافر بالإحسان إلى المكاري، ~~ومعاونة الرفقة بكل ممكن، وإعانة المنقطع بمركوب أو زاد، وتمام ذلك مع ~~الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ومعصية ليكون ذلك شفاء ~~لضجر السفر ومشاقه. # الثاني: أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده، فالرفيق ثم الطريق، وليكن رفيقه ~~ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر، فإن المرء على ~~دين خليله، ولا يعرف الرجل إلا برفيقه، وقد ms154 نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يسافر الرجل وحده وقال: «إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم» ~~وليؤمروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب ~~الموافقة. وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في مصالح السفر، ولا ~~نظام إلا في # PageV01P155 # الوحدة ولا فساد إلا من الكثرة، وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل ~~واحد و (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) [الأنبياء: 22] . # الثالث: أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء، وليدع عند الوداع بقوله ~~لمودعه: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» وليدع المقيم له بقوله: ~~«زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت» . وليصل المسافر قبل ~~سفره ركعتين صلاة الاستخارة. وإذا حصل على باب الدار فليقل: «بسم الله ~~توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل ~~أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي» فإذا ركب فليقل: (سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [الزخرف: 13 و 14] ~~. # الرابع: أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق ولا يضربها ~~في وجهها فإنه منهي عنه، ويستحب أن ينزل عن الدابة أحيانا يروحها بذلك ~~ويدخل السرور على المكاري ويروض بدنه حذرا من خدر الأعضاء بطول الركوب، ~~وليحذر أن يحمل فوق المشروط شيئا وإن خف، فإن القليل يجر إلى الكثير، قال ~~رجل «لابن المبارك» وهو على دابة «: احمل لي هذه الرقعة إلى فلان» فقال: ~~«حتى أستأذن المكاري فإني لم أشارطه على هذه الرقعة» فانظر كيف لم يلتفت ~~إلى قول الفقهاء: «إن هذا مما يتسامح فيه» ولكن سلك طريق الورع. # الخامس: أن يحتاط إن كان في قافلة فلا يمشي منفردا لأنه ربما يغتال أو ~~ينقطع، ويكون بالليل متحفظا عند النوم، وينبغي أن يتناوب الرفقاء في ~~الحراسة بالليل، وأن يستصحب مرآة ومقراضا ومسواكا ومشطا. وليحذر التنطع في ~~الطهارة، فقد كان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ولا ~~يبالون ms155 بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها، حتى ~~توضأ «عمر» رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية. # السادس: في آداب الرجوع من السفر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول: ~~«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده ~~وهزم الأحزاب وحده» ، ثم يرسل إلى المدينة من يبشر بقدومه. وكان - صلى الله ~~عليه وسلم - ينهى أن يطرق المرء أهله ليلا فيقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه. ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل ~~البيت. وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر ~~إمكانه، فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر، والقلوب تفرح به فيتأكد ~~الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما ~~يستصحب في الطريق لهم. # PageV01P156 # هذه جملة من الآداب الظاهرة، وأما الآداب الباطنة: ففي الفصل الأول بيان ~~جملة منها، وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة في علمه في السفر، وينوي ~~في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها الحكماء ويجتهد أن يستفيد من كل واحد أدبا ~~أو كلمة لينتفع بها وينفع بها. وإذا قصد زيارة أخ له فلا يقم عنده أكثر من ~~ثلاثة أيام، فذلك حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته، ولا يشغل نفسه ~~بما لا فائدة فيه فإن ذلك يقطع بركة سفره. ### | ما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر # اعلم أن المسافر يحتاج في أول سفره إلى أن يتزود لدنياه وآخرته، وأما زاد ~~الدنيا: فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة، فإن خرج من غير زاد فلا ~~بأس به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى متصلة، وإن ركب البادية وحده أو ~~مع قوم لا طعام معهم ms156 ولا شراب، فإن كان ممن يصبر على الجوع أسبوعا أو عشرا ~~مثلا أو يكتفي بالحشيش فله ذلك، وإن لم يكن له قوة الصبر على الجوع ولا ~~الاجتزاء بالحشيش فخروجه من غير زاد معصية، فإنه ألقى نفسه بيده إلى ~~التهلكة، وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية، وإلا لوجب أن يصبر ~~حتى يسخر الله له ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه. # وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته ~~وعباداته، وذلك أن السفر يفيد في الطهارة رخصتين مسح الخفين والتيمم، وفي ~~صلاة الفرض رخصتين القصر والجمع، وفي النفل رخصتين أداءه على الراحلة ~~وأداءه ماشيا، وفي الصوم رخصة واحدة وهي الفطر. # فأما المسح على الخفين: فقال «صفوان بن عسال» : «أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن» ~~. فكل من لبس الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من ~~وقت حدثه ثلاثة أيام ولياليهن إن كان مسافرا، أو يوما وليلة إن كان مقيما. # وأما التيمم: فالتراب بدل عن الماء عند العذر كبعده عن منزله بحيث لو مشى ~~إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو استغاث، أو نزل على الماء عدو أو سبع، ~~أو احتاج إليه لعطشه أو عطش أحد رفقائه، فيتيمم في هذه الصور، وإن بيع ~~الماء بثمن المثل لزمه الشراء أو بغبن لم يلزمه. # وأما القصر: فله أن يقتصر في كل واحدة من الظهر والعصر والعشاء على ~~ركعتين، ولا يصير مسافرا إلا بمفارقة عمران البلد. # PageV01P157 # وأما الجمع: بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء في وقتيهما ~~فذلك أيضا في كل سفر طويل مباح، وفي جوازه في السفر القصير قول: ثم إن قدم ~~العصر إلى الظهر فلينو الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل الفراغ من ~~الظهر، وليؤذن للظهر وليقم، وعند الفراغ يقيم للعصر، وإن أخر الظهر إلى ~~العصر فيجري على هذا الترتيب. # وأما النافلة: فقد جوز أداؤها على الراحلة ms157 كي لا يتعوق عن الرفقة بسببها، ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته أينما توجهت به دابته، وأوتر ~~عليه السلام على الراحلة. وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا ~~الإيماء. ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. # وأما استقبال القبلة: فلا يجب لا في ابتداء الصلاة ولا في دوامها، ولكن ~~صوب الطريق بدل عن القبلة، فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو ~~متوجها في صوب الطريق لتكون له جهة يثبت فيها. وجوز للمسافر أيضا التنفل له ~~ماشيا، فيومئ بالركوع والسجود ولا يقعد للتشهد، وحكمه حكم الراكب، لكن ~~ينبغي أن يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة. وكل هارب من عدو أو سيل أو سبع فله ~~أن يصلي الفريضة راكبا أو ماشيا كما ذكرناه في التنفل. # وأما الفطر في رمضان للمسافر: فهو مرخص له، والصوم أفضل له إلا إن كان ~~يضره فالإفطار له أفضل. # PageV01P158 ### | كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ~~والمهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، لو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله ~~لفشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد، فتعوذ بالله أن يندس ~~من هذا القطب عمله وعلمه، وأن ينمحي بالكلية حقيقته ورسمه، وأن تستولي على ~~القلوب مداهنة الخلق، وتنمحي عنها مراقبة الخالق، وأن يسترسل الناس في ~~اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وأن يعز على بساط الأرض مؤمن صادق ~~لا تأخذه في الله لومة لائم، فلا معاذ إلا به ولا ملجأ إلا إليه. # ينحصر هذا الكتاب في مقاصد: ### | وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله. # دل على ذلك من الآيات قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران: 104] ~~ففي الآية بيان الإيجاب، فإن قوله تعالى: (ولتكن) أمر، وظاهر الأمر ~~الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر بقوله: (وأولئك هم المفلحون) ~~وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة سقط ms158 الفرض عن ~~الآخرين، وقال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة) [التوبة: 71] فقد نعت المؤمنين ~~بأنهم يأمرون بالمعروف، فالذي هجر الأمر بالمعروف خارج عن هؤلاء المؤمنين ~~المنعوتين في هذه الآية، وقال تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على ~~لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة: 78 و 79] وهذا غاية التشديد إذ ~~علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر، وقال عز وجل: (كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) [آل عمران: 110] وهذا يدل ~~على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ بين أنهم كانوا خير أمة، ~~وقال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) [الأعراف: 165] فبين أنهم ~~استفادوا النجاة بالنهي عن السوء، وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) [المائدة: 2] وهو أمر جزم، ومعنى التعاون ~~الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر # PageV01P159 # والعدوان بحسب الإمكان، وقال تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) [المائدة: 63] فبين أنهم ~~أثموا بترك النهي، وقال تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ~~ينهون عن الفساد في الأرض) [هود: 116] الآية، فبين أنه أهلك جميعهم إلا ~~قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) [النساء: ~~135] وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين، وقال تعالى: (لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) [النساء: 114] . # ومن الأخبار ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر ~~عليهم فلم يفعل إلا ms159 يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده» وقد روي في ذلك من ~~الأحاديث ما لا يحصى. وبهذه الأدلة يظهر كون الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واجبا، وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به. ### | الشروط التي بها يتحقق التصدي للإنكار: # الأول: كونه منكرا وهو ما كان محذور الوقوع في الشرع، ولفظ المنكر أعم من ~~لفظ المعصية، فإن من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق الخمر، ~~وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة أن يمنعه منه وليس ذلك معصية في ~~حق المجنون. ولا يختص المنكر بالكبائر، بل كشف العورة في الحمام والخلوة ~~بالأجنبية وإتباع النظر للنسوة الأجنبيات كل ذلك من الصغائر ويجب النهي ~~عنها. # الثاني: أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس، فكل من ستر معصية في داره وأغلق ~~بابه لا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية ولا أن يتجسس عليه، وقد ~~نهى الله تعالى عنه في قوله: (ولا تجسسوا) [الحجرات: 12] وكذا لو رئي فاسق ~~وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه. # الثالث: أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل ~~الاجتهاد فلا نكران فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي ما هو من مجاري ~~الاجتهاد، يعني المسائل المختلف فيها بين الأئمة؛ إذ لا يعلم خطأ المخالف ~~قطعا بل ظنا، فلا بد أن يكون المنكر متفقا عليه. وكذا إنما ينكر على الفرق ~~المبتدعة في خطئهم المعلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد. # PageV01P160 ### | درجات القيام بالإنكار: # الأولى: التعريف، أي تعريف المزجور أن ما يفعله منكر؛ فإنه قد يقدم عليه ~~بجهله، فلعله إذا عرف أنه منكر تركه، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف، فإن ~~في التعريف كشفا للعورة وإيذاء للقلب، فلا بد وأن يعالج دفع أذاه بلطف ~~الرفق فتقول له: إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا جاهلين فعلمنا العلماء، ~~فالصواب هو كذا وكذا. فيتلطف به هكذا ليصل التعريف من غير إيذاء، فإن إيذاء ~~المسلم حرام محذور، كما أن تقريره على ms160 المنكر محظور، وليس من العقلاء من ~~يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن آذى بالإنكار فهذا مثاله. # الدرجة الثانية: النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى، وذلك فيمن ~~يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكرا، كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم ~~أو على اغتياب المسلمين أو ما يجري مجراه، فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله ~~تعالى، وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، وتحكى له سيرة السلف ~~وعبادة المتقين، وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب بل ينظر إليه نظر ~~المترحم عليه. # الدرجة الثالثة: التعنيف بالقول الغليظ وذلك عند العجز عن المنع باللطف ~~وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، وذلك مثل قول «إبراهيم» ~~عليه السلام: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) [الأنبياء: 67] ~~ولا يفحش في سبه. ولهذه الرتبة أدبان: # أحدهما: أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف. # والثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه فيطيل لسانه بما لا يحتاج ~~إليه، بل يقتصر على قدر الحاجة. # الدرجة الرابعة: التغيير باليد وذلك كإراقة الخمر وإتلاف المنكر المتمول ~~أو دفعه عن محرم. وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع، وأما الإراقة والإتلاف ~~فإلى الولاة ومأذونيهم كالضرب والحبس. ### | آداب القائم بالأمر والنهي # جملتها ثلاث صفات: العلم والورع وحسن الخلق. # وأما العلم: فليعلم مواقع الأمر والنهي ليقتصر على حد الشرع فيه. # وأما الورع: فليردعه عن مخالفة معلومة، ولا يحمله على مجاوزة الحد ~~المأذون شرعا غرض من الأغراض، وليكون كلامه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا ~~أمر أو نهى ويورث ذلك جراءة عليه. # وأما حسن الخلق: فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأساسه، ~~والعلم # PageV01P161 # والورع لا يكفيان فيه، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في ~~قمعه ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق. وبوجود هذه الصفات الثلاث ~~يصير الإرشاد من القربات وبه تندفع المنكرات، وإن فقدت لم يندفع المنكر، ~~وقد حكي أن «المأمون» وعظه واعظ وعنف له في القول فقال: يا رجل ارفق ms161 فقد ~~بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى: (فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه: 44] فليكن اقتداء المرشد في الرفق ~~بالأنبياء صلوات الله عليهم. ### | المنكرات المألوفة في العادات ### | منكرات المساجد: # اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة، فإذا قلنا هذا منكر مكروه ~~فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه وليس بحرام، وإذا قلنا منكر ~~محظور أو قلنا منكر مطلقا فنريد به المحظور، ويكون السكوت عليه مع القدرة ~~محظورا، فمما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في ~~الركوع والسجود، وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه، ومن رأى ~~مسيئا في صلاته فسكت عليه فهو شريكه. ومنها قراءة القرآن ملحونة فيجب النهي ~~عن ذلك وتلقين الصحيح، والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم ~~فليمنع عن القراءة قبل التعلم فإنه عاص به. ومنها تراسل المؤذنين في الأذان ~~وتطويلهم بمد كلماته فذلك منكر مكروه. ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين ~~يمزجون بكلامهم الكذب والأضاليل والخرافات فيجب الإنكار عليهم. ومنها ~~التحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات، وكقيام السؤال ~~وقراءتهم القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فكل ذلك منكر يمنعون منه. ~~ومنها بيع الأطعمة والأدوية والكتب وكذا الخياطة فيطلب المنع منه؛ لأن ~~المساجد لم تبن لهذا. ومنها دخول المجانين - المعروفين الآن بالمجاذيب - ~~والصبيان والسكارى فإنهم يجنبون المساجد. وقد أوسعنا الكلام على منكرات ~~المساجد وبدعها وعوائدها في كتاب أفردناه لذلك فليرجع إليه من أراده. # منكرات الأسواق: # من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب، فمن ~~قال: اشتريت هذه السلعة مثلا بعشرة وأربح فيها كذا وكان كاذبا فهو فاسق، ~~وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه، فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان ~~شريكا له في الخيانة وعصى بسكوته، وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه ~~المشتري عليه وإلا كان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام، وكذا التفاوت ~~في الذراع والمكيال والميزان يجب على كل من ms162 عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى ~~الوالي حتى يغيره، ومنها بيع الملاهي وتلبيس انخراق الثياب بالرفو، وكل ما ~~يؤدي إلى التلبيسات، وذلك يطول إحصاؤه فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره. # PageV01P162 ### | منكرات الشوارع: # من المنكرات المعتادة فيها وضع الخشب وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق ~~وإخراج الأجنحة، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار ~~المارة، وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه؛ نعم يجوز وضع ~~الحطب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك ~~يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه. وكذلك ربط الدواب على ~~الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة ~~النزول والركوب، وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها ~~إلا بقدر الحاجة، والمرعي هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة ~~دون سائر الحاجات. ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس ~~فذلك منكر إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق، أو أمكن العدول بها إلى موضع ~~واسع، وإلا فلا منع، إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك، نعم لا تترك ملقاة على ~~الشوارع إلا بقدر مدة النقل. وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه ~~منكر بحيث منع الملاك منه. وكذلك طرح القمامة على جوانب الطريق وتبديد قشور ~~البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر، كل ذلك من المنكرات. ~~وكذلك إرسال الماء من الميازيب المتخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإن ~~ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق، وكذلك الثلج الذي يطرحه شخص في الطريق ~~والماء الذي يجتمع فيه من ميزاب معين، فعلى الأول والثاني كسح الطريق ~~منهما، وأما مياه المطر فتلك على محتسبي البلدة كسحها من الطريق، وكذلك إذا ~~كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه. ### | منكرات الحمامات: # منها كشف العورات والنظر فيها، ومن جملتها كشف الدلاك عن الفخذ وما تحت ~~السرة لتنحية الوسخ، بل من جملتها إدخال اليد ms163 تحت الإزار فإن مس عورة الغير ~~حرام كالنظر إليها. ومنها الانبطاح على الوجه بين يدي الدلاك لتغميز ~~الأفخاذ والأعجاز فهذا مكروه إن كان مع حائل، ولا يحرم إلا إذا خشي حركة ~~الشهوة. ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام ومجاري مياهها حجارة ملساء ~~مزلقة يزلق عليها الغافلون فهذا منكر ويجب قلعه وإزالته، وينكر على الحمامي ~~إهماله فإنه يفضي إلى السقطة، وقد تؤدي السقطة إلى انكسار عضو أو انخلاعه، ~~وكذلك ترك الصابون على أرض الحمام منكر، وفي الحمام أمور أخر مكروهة تقدم ~~في كتاب الطهارة. ### | منكرات الضيافة: # منها فرش الحرير للرجال وتبخير البخور في مجمرة ذهب أو فضة والشرب في ~~أواني الفضة. ومنها سماع القينات أي النساء المغنيات. ومنها أن يكون الطعام ~~حراما أو الموضع مغصوبا. ومنها أن يكون فيها من يتعاطى شرب الخمر فلا يجوز ~~الحضور، وإن كان فيها # PageV01P163 # مضحك بالحكايات وأنواع النوادر فإن كان يضحك بالفحش والكذب لم يجز ~~الحضور، وعند الحضور يجب الإنكار عليه، وإن كان ذلك بمزح لا كذب فيه ولا ~~فحش فهو مباح أعني ما يقل منه، فأما اتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح. ومنها ~~الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر، بل في المال منكران: أحدهما الإضاعة، ~~والآخر الإسراف، فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب ~~وتمزيقه وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمنكرات، وقد يطلق على الصرف ~~إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة، والمبالغة تختلف بالإضافة إلى ~~الأحوال قال تعالى: (ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) [الإسراء: ~~29] وقال تعالى: (ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان ~~الشيطان لربه كفورا) [الإسراء: 26 و 27] وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان: 67] فمن لم يملك إلا مائة ~~دينار مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة ~~فهو مسرف يجب منعه منه، وكذا لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين ~~بنيانه فهو أيضا إسراف محرم، وأما فعل ذلك ممن له مال كثير ms164 فليس بحرام؛ لأن ~~التزيين من الأغراض الصحيحة، وكذلك القول في التجمل بالثياب والأطعمة فذلك ~~مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته. ### | المنكرات العامة: # اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من ~~حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس ~~جاهلون بالشرع في البلاد فكيف في القرى والبوادي، فواجب أن يكون في كل مسجد ~~ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه ~~فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل ~~السواد والعرب ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم، فإن قام بهذا الأمر واحد سقط ~~الحرج عن الباقين. وبالجملة فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها ~~بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهل بيته، ثم يتعدى بعد ~~الفراغ منهم في جيرانه، ثم إلى أهل محلته، ثم إلى أهل بلده، ثم إلى أهل ~~السواد المكتنف ببلده، ثم إلى أهل البوادي، وهكذا إلى أقصى العالم، فإن قام ~~به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرج به كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا. # PageV01P164 ### | كتاب الآداب النبوية والأخلاق المحمدية ### | بيان تأديب الله تعالى صفيه محمدا صلوات الله عليه بالقرآن: # كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير الضراعة والابتهال، دائم ~~السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فكان يقول في ~~دعائه: «اللهم حسن خلقي وخلقي» ويقول: «اللهم جنبني منكرات الأخلاق» ~~فاستجاب الله تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل: (ادعوني أستجب لكم) [غافر: ~~60] فأنزل عليه القرآن وأدبه فكان خلقه القرآن، وإنما أدبه القرآن بمثل ~~قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: 199] ~~وقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي) [النحل: 90] وقوله: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور) [لقمان: 17] وقوله: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) ~~[المائدة: 13] وقوله: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ms165 بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم) [فصلت: 34] وقوله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) [آل ~~عمران: 134] وقوله: (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا) [الحجرات: 12] وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر. # وهو عليه الصلاة والسلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق ~~النور على كافة الخلق، فإنه أدب بالقرآن وأدب الخلق به. ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق. ثم ~~لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) ~~[القلم: 4] ثم بين صلوات الله عليه للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ويبغض ~~سفسافها. قال علي رضي الله عنه: «يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في ~~حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد ~~كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاة» ~~وفي الحديث: «إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» ومن ذلك: ~~حسن المعاشرة، وكرم الصنيعة، ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطعام، ~~وإفشاء السلام، وعيادة المريض # PageV01P165 # المسلم، وتشييع الجنازة، وحسن الجوار لمن جاورت مسلما كان أو كافرا، ~~وتوقير ذي الشيبة المسلم، وإجابة الطعام والدعاء عليه، والعفو، والإصلاح ~~بين الناس، والجود والكرم والسماحة، وكظم الغيظ، واجتناب المحارم والغيبة ~~والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة والنميمة وسوء ذات البين ~~وقطيعة الأرحام وسوء الخلق والتكبر والفخر والاختيال والاستطالة والبذخ ~~والفحش والتفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي والعدوان والظلم. قال «أنس» ~~رضي الله عنه: «فلم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم ~~يدع غشا أو عيبا إلا حذرناه ونهانا عنه» ، ويكفي من ذلك كله هذه الآية: (إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل: 90] وقال «معاذ» أوصاني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا معاذ أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ~~والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ ms166 الجار، ورحمة اليتيم، ~~ولين الكلام، وبذل السلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه ~~في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح. وأنهاك أن تسب ~~حكيما، أو تكذب صادقا، أو تطيع آثما، أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا. ~~وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكل ذنب توبة، السر ~~بالسر، والعلانية بالعلانية» . فهكذا أدب عباد الله ودعاهم إلى مكارم ~~الأخلاق ومحاسن الآداب. ### | بيان جمل من محاسن أخلاقه صلوات الله عليه: # كان - صلى الله عليه وسلم - أحلم الناس، وأشجع الناس، وأعدل الناس، وأعف ~~الناس، ولم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات ~~محرم منه، وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم ~~يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج ~~إليه، لا يأخذ مما آتاه إلا قوت عامه فقط ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لا ~~يسأل شيئا إلا أعطاه، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى أنه ربما احتاج ~~قبل انقضاء العام فاستقرض. وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة ~~أهله، وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد، ويجيب دعوة الحر ~~والعبد، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويكافئ عليها ويأكلها، ولا يأكل ~~الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين. يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، ~~وقد وجد من أصحابه قتيلا بين اليهود فلم يجف عليهم ولا زاد على مر الحق بل ~~وداه بمائة ناقة، وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به، وكان يعصب ~~الحجر على بطنه من الجوع، يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، إن وجد تمرا دون ~~خبز أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلواء ~~أو عسلا أكله، وإن وجد لبنا دون خبر اكتفى به، وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله، ~~لا يأكل متكئا ولا على خوان، لم يشبع من ms167 خبز # PageV01P166 # بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى إيثارا على نفسه لا فقرا ولا ~~بخلا. وكان - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس تواضعا وأسكنهم في غير كبر، ~~وأبلغهم في غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمور الدنيا، خاتمه ~~من فضة يلبسه في خنصره الأيمن والأيسر، يركب الحمار ويردف خلفه عبده أو ~~غيره. يعود المرضى في أقصى المدينة. يحب الطيب، ويجالس الفقراء، ويؤاكل ~~المساكين ويكرم أهل الفضل، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل رحمه ولا يجفو ~~على أحد. يقبل معذرة المعتذر إليه. يمزح ولا يقول إلا حقا، ضحكه التبسم من ~~غير قهقهة. يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترفع الأصوات عليه من ~~الجفاة فيصبر، لم يرتفع على عبيده في مأكل ولا ملبس، لا يمضي له وقت في غير ~~عمل لله تعالى أو فيما لا بد له منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه، ~~لا يحتقر مسكينا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء ~~مستويا. قد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا ~~يقرأ ولا يكتب. نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقر وفي رعاية الغنم يتيما ~~لا أب له ولا أم فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة ~~وأخبار الأولين والآخرين وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص ~~في الدنيا. وفقنا الله لطاعته في أمره والتأسي به في فعله، آمين يا رب ~~العالمين. ### | بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه: # مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ما ضرب بيده أحدا قط إلا أن يضرب ~~بها في سبيل الله تعالى، وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة ~~الله، وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو ~~قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك، وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة ~~إلا قام معه في حاجته، وقال «أنس» رضي الله عنه: «والذي بعثه بالحق ما ms168 قال ~~لي في شيء قط كرهه لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال دعوه إنما كان هذا ~~بكتاب وقدر» . وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام. ومن قاومه لحاجة ~~صابره حتى يكون هو المنصرف، وكان إذا لقي أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة، ~~وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله. وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي ~~إلا خفف صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة» ؟ ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس ~~أصحابه لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس، وكان يكرم من دخل عليه حتى ربما ~~بسط له ثوبه يجلسه عليه، وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، وكان ~~يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه حتى كأن مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مجلسه ~~وتوجهه للجالس إليه، ومجلسه مع ذلك حياء وتواضع وأمانة، قال تعالى: (فبما ~~رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: ~~159] ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم ويكني من لم ~~تكن له كنية فكان يدعى بما كناه بها، ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد ~~واللاتي لم يلدن، ويكني أيضا الصبيان فيستلين به قلوبهم، وكان أبعد الناس ~~غضبا وأسرعهم رضاء، وكان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس # PageV01P167 # وأنفع الناس للناس. ولم تكن ترفع في مجلسه الأصوات، وكان إذا قام من ~~مجلسه قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب ~~إليك» . ### | بيان كلامه وضحكه صلوات الله عليه: # كان - صلى الله عليه وسلم - أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما ويقول: «أنا ~~أفصح العرب» وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير، يحفظه سامعه ~~ويعيه، وكان جهير الصوت أحسن الناس نغمة، لا يتكلم في غير حاجة ولا يقول في ~~الرضاء والغضب إلا الحق، ويعرض عمن تكلم بغير جميل، ويكني عما اضطره الكلام ~~إليه مما يكره. وكان إذا سكت تكلم جلساؤه، ولا يتنازع عنده في الحديث، ويعظ ~~بالجد والنصيحة. وكان أكثر الناس تبسما وضحكا في وجوه أصحابه ms169 وتعجبا مما ~~تحدثوا به وخلطا لنفسه بهم، ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه، وكان ضحك أصحابه ~~عنده التبسم اقتداء به وتوقيرا له. وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى ~~الله وتبرأ من الحول والقوة واستنزل الهدى فيقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم» . ### | أخلاقه صلوات الله عليه في الطعام والشراب: # كان - صلى الله عليه وسلم - يأكل ما وجد، وإذا وضعت المائدة قال: «بسم ~~الله اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنة» . وكان لا يأكل الحار ~~ويقول: «إن الله لم يطعمنا نارا فأبردوه» وكان يأكل مما يليه، ويأكل خبز ~~الشعير والقثاء بالرطب. وكان أكثر طعامه الماء والتمر، وأحب الطعام إليه ~~اللحم، وكان يأكل الثريد باللحم، ويحب القرع، وكان يحب من الشاة الذراع ~~والكتف ولا يحب منها الكليتين ولا الذكر والأنثيين ولا المثانة والغدد ~~والحياء ويكره ذلك. وكان لا يأكل الثوم ولا البصل. وما ذم طعاما قط، إن ~~أعجبه أكله وإن كرهه تركه. وكان يعاف الضب والطحال ولا يحرمهما. وكان إذا ~~فرغ قال: «الحمد لله اللهم لك الحمد أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت لك الحمد ~~غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه» وكان إذا أكل اللحم غسل يديه غسلا ~~جيدا. وكان يشرب في ثلاث دفعات، ويمص الماء مصا ولا يعبه عبا ولا يتنفس في ~~الإناء بل ينحرف عنه. وكان ربما قام في بيته فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب. ### | أخلاقه صلوات الله عليه في اللباس: # كان - صلى الله عليه وسلم - يلبس من الثياب ما وجد، وأكثر لباسه البياض، ~~وكانت ثيابه كلها مشمرة فوق # PageV01P168 # الكعبين، وكان قميصه مشدود الأزرار وما حل الأزرار، وكان له ثوبان لجمعته ~~خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة، وكان ربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره ~~فأم غيره فأم به الناس، وكان له كساء أسود يلبسه ثم وهبه. وكان يتختم وربما ~~خرج ms170 وفي خاتمه خيط مربوط يتذكر به الشيء، وكان يختم به على الكتب. وكان ~~يلبس القلانس تحت العمائم وبغير عمامة، وربما نزع قلنسوته من رأسه فجعلها ~~سترة بين يديه ثم يصلي إليها. وكان إذا لبس ثوبا لبسه من قبل ميامنه ويقول: ~~«الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في الناس» وإذا نزع ~~ثوبه أخرج من مياسره. وكان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا يقول: «ما ~~من مسلم يكسو مسلما لله إلا كان في ضمان الله وحرزه حيا وميتا» . وكان له ~~فراش من أدم حشوه ليف، وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل تثنى طاقتين ~~تحته. وكان من خلقه تسمية دوابه وسلاحه ومتاعه. ### | عفوه - صلى الله عليه وسلم - مع القدرة: # كان - صلى الله عليه وسلم - أحلم الناس وأرغبهم في العفو مع القدرة، فقد ~~كان في حرب فرأى رجل من المشركين في المسلمين غرة فجاء حتى قام على رأس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف فقال: " من يمنعك مني "؟ فقال: " ~~الله " قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله السيف وقال: " من يمنعك مني ~~"؟ فقال: " كن خير آخذ " قال: " قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~" فقال: " لا، غير أني لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك " فخلى سبيله ~~فجاء أصحابه فقال: " جئتكم من عند خير الناس. وكم استؤذن - صلى الله عليه ~~وسلم - في قتل من أساء إليه وقيل: " دعنا يا رسول الله نضرب عنقه " وهو ~~يأبى وينهى ثم يقبل معذرة المعتذر إليه، وربما قال " رحم الله أخي موسى قد ~~أوذي بأكثر من هذا فصبر " وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا يبلغني ~~أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ". ### | إغضاؤه صلوات الله عليه عما كان يكرهه: # كان - صلى الله عليه وسلم - رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في ~~وجهه غضبه ورضاه، وكان لا يشافه أحدا بما يكرهه، بال أعرابي في المسجد ~~بحضرته فهم به الصحابة فقال ms171 - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزرموه» أي لا ~~تقطعوا عليه البول، ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا» . # PageV01P169 ### | سخاؤه وجوده صلوات الله عليه: # كان - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس وأسخاهم، وكان في شهر رمضان ~~كالريح المرسلة لا يمسك شيئا. وكان «علي» رضي الله عنه إذا وصف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: كان أجود الناس كفا، وأوسع الناس صدرا، وأصدق الناس ~~لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن ~~خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، وما سئل عن شيء ~~قط إلا أعطاه، وإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما بين جبلين فرجع إلى ~~قومه وقال: «أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة» وما سئل شيئا ~~قط فقال: لا، وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير ثم مال إليها ~~فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها، وجاءه رجل فسأله فقال: «ما عندي شيء ~~ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه» فقال عمر: «يا رسول الله ما كلفك ~~الله ما لا تقدر عليه» فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فقال الرجل: ~~«أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعرف السرور في وجهه. # ولما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه ~~فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: «أعطوني ردائي لو كان لي عدد ~~هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا» . ### | شجاعته - صلى الله عليه وسلم -: # كان صلوات الله عليه أكرم الناس وأشجعهم، قال «علي» رضي الله عنه: «لقد ~~رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أقربنا إلى ~~العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا» ، وقال أيضا: «كنا إذا احمر البأس ~~ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يكون أحد ~~أقرب إلى العدو منه» ولما غشيه المشركون نزل ms172 عن بغلته فجعل يقول: «أنا ~~النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» فما رئي يومئذ أحد أشد منه. ### | تواضعه صلوات الله عليه: # كان - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس تواضعا في علو منصبه، وكان يركب ~~الحمار موكفا عليه قطيفة، وكان مع ذلك يستردف، وكان يعود المريض ويتبع ~~الجنازة ويجيب دعوة المملوك ويخصف النعل ويرقع الثوب، وكان يصنع في بيته مع ~~أهله في حاجتهم، وكان أصحابه لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك، وكان ~~يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وكان يجلس بين أصحابه مختلطا # PageV01P170 # بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه، وكان إذا ~~جلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ معهم، وإن تحدثوا في طعام أو ~~شراب تحدث معهم رفقا بهم وتواضعا لهم، وكانوا يتناشدون الشعر بين يديه ~~أحيانا ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون فيبتسم هو إذا ضحكوا ولا ~~يزجرهم إلا عن حرام. ### | خلقته الكريمة صلوات الله عليه: # وكان - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان أزهر ~~اللون ولم يكن بالآدم ولا الشديد البياض، وكان شعره ليس بالسبط ولا الجعد، ~~وشعر رأسه يضرب إلى شحمة أذنيه، لم يبلغ شيبه عشرين شعرة بيضاء في رأسه ولا ~~في لحيته، وكان واسع الجبهة أزج الحاجبين سابغهما أهدب الأشفار مفلج ~~الأسنان كث اللحية، وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه، وكان عظيم المنكبين، ~~بين كتفيه خاتم النبوة، وكان يمشي الهوينا كأنما يتقلع من صخر. ### | شذرة من معجزاته صلوات الله عليه: # اعلم أن من شاهد أحواله - صلى الله عليه وسلم - وأصغى إلى سماع أخباره ~~المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق ~~وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلى طاعته مع ما يروى عن ~~عجائب أجوبته في مضايق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن ~~إشارته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز العقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في ~~طول أعمارهم، لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك استمداد من ms173 تأييد سماوي وقوة ~~إلهية، وأن ذلك كله لا يتصور لمفتر ولا ملبس، بل كانت شمائله وأحواله شواهد ~~قاطعة بصدقه، حتى إن العربي القح كان يراه فيقول: «والله ما هذا وجه كذاب» ~~، فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله، فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في ~~جميع مصادره وموارده؟ وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن الأخلاق، ~~وليتنبه لصدقه - صلى الله عليه وسلم - وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند ~~الله، إذ آتاه الله جميع ذلك وهو أمي لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم ~~يسافر قط في طلب علم، بل نشأ بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا ~~مستضعفا، فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا ~~دون غيره من العلوم فضلا عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من ~~خواص النبوة لولا صريح الوحي، ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك؟ فلو لم ~~يكن له إلا هذه الأمور الظاهرة لكفى. وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا ~~يستريب فيه محصل، فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار من غير تطويل ~~فنقول: استفاض أنه - صلى الله عليه وسلم - أطعم النفر الكثير من الطعام ~~القليل في منزل «جابر» ومنزل «أبي طلحة» ويوم الخندق. ومرة أطعم أكثر من ~~ثمانين رجلا من أقراص شعير حملها أنس في يده فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك ~~وفضل لهم، ونبع الماء من بين أصابعه صلوات الله عليه فشرب أهل العسكر كلهم ~~وهم عطاش، وتوضؤوا من قدح صغير ضاق عن أن يبسط عليه السلام يده فيه، وأراق ~~وضوءه في عين تبوك ولا ماء فيها ومرة أخرى في بئر الحديبية فجاشتا # PageV01P171 # بالماء فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ألوف حتى رووا، وشرب من بئر ~~الحديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء، ورمى صلوات الله عليه جيش ~~العدو بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى: (وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال: 17] وحن الجذع الذي كان يخطب عليه ~~إليه لما عمل له ms174 المنبر حتى سمع منه جميع أصحابه مثل صوت الإبل فضمه إليه ~~فسكن، ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه فحيل بينهم ~~وبين تمنيه كما أخبر، وأخبر عليه السلام بالغيوب فأنذر «عثمان» بأن بلوى ~~تصيبه بعدها الجنة، وبأن «عمارا» تقتله الفئة الباغية، وأن «الحسن» يصلح ~~الله به بين فئتين من المسلمين عظيمتين، وأخبر عليه السلام عن رجل قاتل في ~~سبيل الله أنه من أهل النار فظهر ذلك بأن ذلك الرجل قتل نفسه، وهذه كلها ~~أشياء إلهية لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا ~~بكشف ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه إليه. # واتبعه «سراقة بن مالك» فساخت قدما فرسه في الأرض حتى استغاثه فدعا له ~~فانطلق الفرس، وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سوار كسرى فكان كذلك، وأخبر ~~بمقتل «الأسود العنسي الكذاب» ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن قتله، ~~وأخبر عليه السلام أنه يقتل «أبي بن خلف الجمحي» فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا ~~فكانت منيته فيه، وأطعم عليه الصلاة والسلام السم فمات الذي أكله معه وعاش ~~هو - صلى الله عليه وسلم - بعده أربع سنين، وكلمه الذراع المسموم، وأخبر ~~عليه السلام بمصارع صناديد قريش ووقفهم على مصارعهم رجلا رجلا فلم يتعد ~~واحد منهم ذلك الموضع، وأنذر عليه السلام بأن طوائف من أمته يغزون في البحر ~~فكان كذلك، وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها، وأخبر بأن ملك أمته ~~سيبلغ ما زوي له منها فكان كذلك، فقد بلغ ملكهم من أول المشرق من بلاد ~~الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس # PageV01P172 # وبلاد البربر، وأخبر «فاطمة» ابنته رضي الله عنها بأنها أول أهله لحوقا ~~به فكان كذلك، وأخبر نساءه أطولهن يدا أسرعهن لحوقا به فكانت «زينب» أطولهن ~~يدا بالصدقة وأولهن لحوقا به رضي الله عنها، ومسح ضرع شاة لا لبن لها فدرت ~~وكان ذلك سبب إسلام «ابن مسعود» رضي الله عنه، وفعل ذلك مرة أخرى في خيمة ~~«أم معبد الخزاعية» وندرت عين بعض أصحابه فردها ms175 عليه بيده فكانت أصح عينيه ~~وأحسنهما، وتفل في عين «علي» رضي الله عنه وهو أرمد يوم خيبر فصح من وقته ~~وبعثه بالراية، إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته - صلى الله عليه وسلم -. # ومن يستريب في انخراق العادة على يده ويزعم أن آحاد هذه الوقائع لم ينقل ~~تواترا بل المتواتر هو القرآن فقط كمن يستريب في شجاعة علي رضي الله عنه ~~وسخاوة «حاتم الطائي» ، ومعلوم أن آحاد وقائعهم غير متواترة ولكن مجموع ~~الوقائع يورث علما ضروريا، ثم لا يتمارى في تواتر القرآن وهو المعجزة ~~الكبرى الباقية بين الخلق، وليس لنبي معجزة باقية سواه - صلى الله عليه ~~وسلم - إذ تحدى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغاء الخلق وفصحاء ~~العرب، وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم، والفصاحة صنعتهم وبها ~~منافستهم ومباهاتهم، وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور ~~مثله أو بسورة من مثله إن شكوا فيه، وقال لهم: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) ~~[الإسراء: 88] قال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك حتى عرضوا أنفسهم للقتل ~~ونساءهم وذراريهم للسبي وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته ~~وحسنه، ثم انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا ~~بعد عصر إلى زماننا هذا فلم يقدر أحد على معارضته. فأعظم بغباوة من ينظر في ~~أحواله ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ثم في معجزاته ثم في ~~استمرار شرعه إلى الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ثم في إذعان ملوك # PageV01P173 # الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه. ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه. ~~فما أعظم توفيق من آمن به وصدقه واتبعه في كل ورد وصدر. فنسأل الله تعالى ~~أن يوفقنا للاقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال بمنه وسعة جوده آمين. # PageV01P174 ### | كتاب رياضة النفس # وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب # الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره، وزين صورة الإنسان ms176 بحسن تقويمه ~~وتقديره، وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره، واستحثه على ~~تهذيبها بتخويفه وتحذيره، وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه ~~وتيسيره، والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وبشيره ونذيره، الذي كان ~~تلوح أنوار النبوة من بين أساريره، ويستنشق حقيقة الحق من مخايله وتباشيره، ~~وعلى آله وأصحابه وسلم الذين حسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا ~~بكثيره. # أما بعد: فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين، وأفضل أعمال الصديقين، وهو على ~~التحقيق شطر الدين، وثمرة مجاهدة المتقين، ورياضة المتعبدين. والأخلاق ~~السيئة هي السموم القاتلة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث ~~المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي ~~الأبواب المفتوحة إلى نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، كما أن ~~الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان، وجوار ~~الرحمن. والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس، إلا أنه مرض يفوت ~~حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد، ومهما اشتدت ~~عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة ~~الفانية، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب في مرضها وفوت حياة ~~باقية أولى، وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب، إذ لا يخلو قلب ~~من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد ~~إلى تأنق في معرفة عللها وأسبابها، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها، ~~فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) [الشمس: 9] وإهمالها ~~هو المراد بقوله: (وقد خاب من دساها) [الشمس: 10] ونحن نشير في هذا الكتاب ~~إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها بعونه تعالى. ### | بيان فضيلة حسن الخلق، ومذمة سوء الخلق: # قال الله تعالى لنبيه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه: (وإنك لعلى خلق ~~عظيم) [القلم: 4] وقالت " عائشة " رضي الله عنها: " كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خلقه القرآن " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إنما # PageV01P175 # بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " الدين حسن ~~الخلق، وهو أن ms177 لا تغضب "، وقيل: يا رسول الله، ما الشؤم؟ قال: " سوء الخلق ~~" وقال - صلى الله عليه وسلم -: " اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة ~~تمحها وخالق الناس بخلق حسن " وقيل له: " يا رسول الله إن فلانة تصوم ~~النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها ". قال: " لا خير ~~فيها هي من أهل النار " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله استخلص هذا ~~الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما ~~" وقيل: " يا رسول الله أي المؤمنين أفضلهم إيمانا "؟ قال: " أحسنهم خلقا " ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط ~~الوجه وحسن الخلق " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا ذر، لا عقل ~~كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق " وعن الحسن: " من ساء خلقه عذب نفسه " وقال ~~" وهب ": " مثل السيئ الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا " ~~وقال " الفضيل ": لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب من أن يصحبني عابد سيئ ~~الخلق ". ### | ما قاله السلف في حسن الخلق وشرح ماهيته: # اعلم أنه روي عنهم في ذلك ما هو كالثمرة والغاية، من ذلك ما قاله «الحسن» ~~رحمه الله: «حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى» ، وقال «الواسطي» : ~~«وهو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى» . وقال أيضا: «هو ~~إرضاء الخلق في السراء والضراء» . وقيل غير ذلك مما هو من ثمرات حسن الخلق. # وأما حقيقة الخلق فهي هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر ~~من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال ~~الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر ~~عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا. وإنما قلنا ~~إنها هيئة راسخة لأن من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال ~~خلقه السخاء ما لم # PageV01P176 # يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة ~~من غير روية؛ لأن من ms178 تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا ~~يقال: خلقه السخاء والحلم. # وأمهات الأخلاق وأصولها أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل. # ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأحوال ~~الاختيارية. # ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة، بها يسوس الغضب والشهوة، ويحملها على ~~مقتضى الحكمة، ويضبطها في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها. # ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها. # ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع. # فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها، وقد أشار ~~القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين، فقال تعالى: (إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله أولئك هم الصادقون) [الحجرات: 15] فالإيمان بالله وبرسوله من غير ~~ارتياب هي القوة اليقين، وهي ثمرة العقل ومنتهى الحكمة، والمجاهدة بالمال ~~هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة، والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ~~ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال، فقد وصف الله ~~تعالى الصحابة فقال: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: 29] إشارة إلى ~~أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا، فليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة ~~بكل حال. ### | بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة: # اعلم أن بعض من غلبت عليه البطالة استثقل المجاهدة والرياضة، والاشتغال ~~بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه، ~~وخبث دخلته، فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، فإن الطباع لا تتغير، ~~فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ ~~والتأديبات، ولما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حسنوا أخلاقكم» . # وكيف ينكر هذا في حق الآدمي، وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل البازي من ~~الاستيحاش إلى الأنس، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك ~~تغيير للأخلاق، والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول: الموجودات منقسمة: # إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله، كالسماء والكواكب، بل ~~أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات، وبالجملة كل ms179 ما هو حاصل ~~كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله. # وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه، ~~وشرطه قد يرتبط باختيار العبد، فإن النواة ليس بتفاح ولا نخل، إلا أنها ~~خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها، ولا تصير تفاحا أصلا ~~ولا بالتربية، فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون ~~بعض، فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى ~~لهما أثر لم نقدر عليه أصلا، ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة ~~والمجاهدة # PageV01P177 # قدرنا عليه، وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى. # نعم الجبلات مختلفة، بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول، وليس ~~المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها، وهيهات فإن الشهوة ~~خلقت لفائدة، وهي ضرورية في الجبلة، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، ~~ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انقطع الغضب بالكلية لم يدفع ~~الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك. ومهما بقي أصل الشهوة، فيبقى لا محالة حب ~~المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال، وليس المطلوب ~~إماطة ذلك بالكلية، بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط ~~والتفريط. # والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية، وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن ~~جميعا. وبالجملة أن يكون في نفسه قويا، ومع قوته منقادا للعقل؛ ولذلك قال ~~الله تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: 29] وصفهم بالشدة، ~~وإنما تصدر الشدة عن الغضب، ولو بطل الغضب لبطل الجهاد، وكيف يقصد قلع ~~الشهوة والغضب بالكلية، والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك، إذ قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر» ، وكان إذا تكلم ~~بين يديه بما يكرهه يغضب حتى تحمر وجنتاه، ولكن لا يقول إلا حقا، فكان عليه ~~الصلاة والسلام لا يخرجه غضبه عن الحق، وقال تعالى: (والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس) [آل عمران: 134] ولم يقل والفاقدين الغيظ، فرد الغضب ~~والشهوة إلى حد ms180 الاعتدال بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه، بل يكون ~~العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما، ممكن، وهو المراد بتغيير الخلق، فإنه ~~ربما تستولي الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها عن الانبساط ~~إلى الفواحش، وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال، فدل أن ذلك ممكن، والتجربة ~~والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها. والذي يدل على أن المطلوب هو ~~الوسط في الأخلاق دون الطرفين أن السخاء خلق محمود شرعا، وهو وسط بين طرفي ~~التبذير والتقتير، وقد أثنى الله تعالى عليه فقال: (والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان: 67] وقال تعالى: (ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) [الإسراء: 29] وكذلك ~~المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود، قال الله تعالى: ~~(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) [الأعراف: 31] وقال في ~~الغضب: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) [الفتح: 29] . وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «خير الأمور أوساطها» . ### | بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة: # قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة، وإلى ~~اعتدال قوة الغضب والشهوة، وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضا. وهذا الاعتدال ~~يحصل على وجهين: # PageV01P178 # أحدهما: بجود إلهي وكمال فطري، بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن ~~الخلق، قد كفي سلطان الشهوة والغضب، بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل ~~والشرع. # والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة، وأعني به حمل ~~النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب، فمن أراد مثلا أن يحصل ~~لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجود، وهو بذل المال، فلا يزال ~~يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه، حتى يصير ذلك طبعا له، ~~ويتيسر عليه فيصير به جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد ~~غلب عليه الكبر، فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة، وهو فيها ~~مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه، وجميع ~~الأخلاق المحمودة شرعا تحصل ms181 بهذا الطريق، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه ~~لذيذا، فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال دون الذي يبذله عن كراهة،، ~~والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع. ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم ~~تتعود النفس جميع العادات الحسنة، وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم ~~يواظب عليها مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره ~~الأفعال القبيحة ويتألم بها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة» ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو ~~النقصان، ولا ينال كمال السعادة به؛ ولذلك قال الله تعالى: (وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين) [البقرة: 45] . ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على ~~حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان ما دون زمان، بل ينبغي ~~أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر. ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة ~~إلى حد تصير هي قرة العين ومصير العبادات لذيذة، فإن العادة تقتضي في النفس ~~عجائب # أغرب من ذلك، فإنا نرى المقامر المفلس قد يغلب عليه من الفرح واللذة ~~بقماره، وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار، مع أن القمار ربما ~~سلبه ماله، وخرب بيته، وتركه مفلسا، ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به، وذلك لطول ~~إلفه له وصرف نفسه إليه مدة. # وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو ~~لا يحس بألمهما؛ لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحلقها في جو السماء، ~~فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة، ~~ومشاهدة ذلك من المخالطين والمعارف. وإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل ~~وتميل إليه، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه. بل ~~ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع، يضاهي الميل إلى أكل ~~الطين، فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأما ميله إلى الحكمة، وحب ~~الله تعالى، ومعرفته وعبادته - فهو كالميل إلى الطعام والشراب، فإنه مقتضى ~~طبع القلب، فإنه أمر رباني، وميله ms182 إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض ~~على طبعه، وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل، ولكن انصرف ~~عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعدة، فلا تشتهي الطعام # PageV01P179 # والشراب وهما سببان لحياتها، فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله تعالى، فلا ~~ينفك عن مرض بقدر ميله، إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب ~~الله تعالى وعلى دينه، فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض، فإذن قد عرفت بهذا ~~قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، وهي تكلف الأفعال ~~الصادرة عنها ابتداء، فتصير طبعا، وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح ~~- أعني النفس والبدن، فإن كان صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح ~~حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد ~~يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور. # وإذا تحققت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة، وتارة تكون ~~باعتياد الأفعال الجميلة، وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم، ~~وهم قرناء الخير إخوان الصلاح، إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا، ~~فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما - ~~فهو غاية الفضيلة، ومن كان رذلا بالطبع واتفق له قرناء السوء، فتعلم منهم، ~~وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها - فهو في غاية البعد من الله عز وجل، ~~وبين الرتبتين من اختلفت فيه هذه الجهات، ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ~~ما تقتضيه صفته وحالته: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) [الزلزلة: 7، 8] ~~(وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون) [النحل: 33] . ### | بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق: # قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس، والميل عن الاعتدال ~~سقم ومرض فيها، كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له، والميل عن ~~الاعتدال مرض فيه، فلنتخذ البدن مثالا فنقول: مثال النفس في علاجها بمحو ~~الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها مثال ~~البدن ms183 في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه، وكما أن الغالب ~~على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية ~~والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وإنما أبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل. وكما ~~أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا، وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية ~~بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب ~~الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد ~~القانون الحافظ للصحة، وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس ~~منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة، فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد القوة ~~إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء، فينبغي أن ~~تسعى لجلب ذلك إليها. وكما أن العلة الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها، فإن ~~كانت من حرارة فالبرودة وبالعكس، # PageV01P180 # فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب، علاجها بضدها، فيعالج مرض الجهل ~~بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن ~~المشتهى تكلفا. وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر على ~~المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة ~~والصبر لمداواة مرض القلب، بل أولى، فإن مرض البدن يخلص منه بالموت، ومرض ~~القلب - والعياذ بالله تعالى - مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد. # وبالجملة فالطريق الكلي في معالجة القلوب هو سلوك مسلك المضادة لكل ما ~~تهواه النفس وتميل إليه، وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كلمة ~~واحدة، فقال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى) [النازعات: 40، 41] . والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم، ~~فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها، ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى ~~واختبارا، فينبغي أن يصبر ويستمر، فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ~~ففسدت، عافانا الله تعالى من فسادها. ### | بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه: # اعلم أن الله عز وجل إذا ms184 أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت ~~بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر ~~الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القذى في عين أخيه، ولا يرى الجذع في ~~عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق: # [الطريق] الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا ~~الآفات ويتبع إشارته في مجاهدته، وهذا شأن التلميذ مع أستاذه، فيعرفه ~~أستاذه عيوب نفسه، ويعرفه طريق علاجه. # [الطريق] الثاني: أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا يلاحظ أحواله ~~وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه ينبهه عليه، فهكذا كان يفعل ~~الأكابر من أئمة الدين، كان عمر رضي الله عنه يقول: «رحم الله امرأ أهدى ~~إلي عيوبي» ، وكان يسأل حذيفة ويقول له: أنت صاحب سر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق؟ فهو على جلالة ~~قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه. فكل من كان أوفر عقلا ~~وأعلى منصبا، كان أقل إعجابا وأعظم اتهاما لنفسه وفرحا بتنبيه غيره على ~~عيوبه، وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا ~~عيوبنا، ويكاد هذا أن يكون # PageV01P181 # مفصحا عن ضعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة، فلو نبهنا ~~منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحنا به، واشتغلنا بإزالة ~~العقرب وقتلها، وإنما نكايتها على البدن، ولا يدوم ألمها يوما فما دونه، ~~ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبد الآباد، ~~ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها، ولا نشتغل بإزالتها، بل نشتغل بمقابلة ~~الناصح بمثل مقالته، فنقول له: «وأنت أيضا تصنع كيت وكيت» وتشغلنا العداوة ~~معه عن الانتفاع بنصحه، ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها ~~كثرة الذنوب، وأصل كل ذلك ضعف الإيمان. فنسأل تعالى أن يلهمنا رشدنا، ~~ويبصرنا بعيوبنا، ويشغلنا بمداواتها، ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على ~~مساوينا بمنه وفضله. # الطريق ms185 الثالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه، # فإن عين السخط تبدي المساويا # ، ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق ~~مداهن يثني عليه ويمدحه، ويخفي عنه عيوبه، إلا أن الطبع مجبول على تكذيب ~~العدو وحمل ما يقوله على الحسد، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول ~~أعدائه، فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم. # الطريق الرابع: أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق ~~فليطالب نفسه به وينسبها إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره ~~عيوب نفسه، ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى، فما يتصف به غيره فلا ~~ينفك هو عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه، فليتفقد نفسه ويطهرها عن كل ~~ما يذمه من غيره، وناهيك بهذا تأديبا، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من ~~غيرهم، لاستغنوا عن المؤدب، وهذا كله من حيل من فقد شيخا مربيا ناصحا في ~~الدين، وإلا فمن وجده فقد وجد الطبيب، فليلازمه؛ فإنه يخلصه من مرضه. ### | بيان تمييز علامات حسن الخلق: # اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه، فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك ~~فواحش المعاصي، ربما يظن بنفسه أنه قد هذب نفسه، وحسن خلقه، واستغنى عن ~~المجاهدة، فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق، فإن حسن الخلق هو الإيمان، ~~وسوء الخلق هو النفاق، وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في ~~كتابه، وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق، فلنورد جملة من ذلك لتعلم ~~آية حسن الخلق، قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين ~~هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون) [المؤمنون: 1 - 11] وقال عز وجل: (التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون ms186 الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون ~~لحدود الله وبشر المؤمنين) # PageV01P182 # [التوبة: 112] وقال عز وجل: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ~~ربهم ومغفرة ورزق كريم) [الأنفال: 2 - 4] وقال تعالى: (وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [الفرقان: 63] إلى ~~آخر السورة، فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميع ~~هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون ~~بعض يدل على البعض دون البعض، فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده. وقد ~~وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤمن بصفات كثيرة، وأشار بجميعها ~~إلى محاسن الأخلاق فقال: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وقال عليه ~~السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» وقال: «من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . وذكر أن صفات المؤمنين هي ~~حسن الخلق، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~أخلاقا» وقال: «لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه» وقال عليه ~~السلام: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~يتجالس المتجالسان بأمانة الله عز وجل، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ~~ما يكرهه» . # وأولى ما يمتحن به حسن الخلق: الصبر على الأذى، واحتمال الجفا، فقد روي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوما يمشي ومعه أنس، فأدركه ~~أعرابي، فجذبه جذبا شديدا، وكان عليه برد غليظ الحاشية - قال «أنس» رضي ~~الله عنه: «حتى نظرت إلى عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت فيه ~~حاشية البرد من شدة جذبه» - فقال: «يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك» ، ~~فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضحك، ثم أمر بإعطائه ms187 «، ~~ولما أكثرت قريش إيذاءه قال:» اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون «. # حكي أن» الأحنف بن قيس «قيل له: ممن تعلمت الحلم؟ فقال:» من قيس بن عاصم، ~~قيل له: «وما بلغ حلمه» ؟ قال: «بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له ~~بسفود عليه شواء فسقط من يدها» فوقع على ابن له صغير فمات، فدهشت الجارية، ~~فقال لها: «لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى» . # وروي أن عليا كرم الله وجهه دعا غلاما فلم يجبه، فدعاه ثانيا وثالثا، فلم ~~يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعا، فقال: «أما تسمع يا غلام؟» قال: «بلى» ، قال: ~~«فما حملك على ترك إجابتي» ؟ قال: «أمنت عقوبتك فتكاسلت» ، قال: «امض فأنت ~~حر لوجه الله تعالى» . # PageV01P183 # وقالت امرأة «لمالك بن دينار» رحمه الله: «يا مرائي» ، فقال: «يا هذه ~~وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة» . # فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة، فاعتدلت أخلاقها، ونقيت من الغش والغل ~~والحقد بواطنها، فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى، وهو منتهى حسن ~~الخلق. فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن ~~بها حسن الخلق، بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن ~~الخلق، فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون. ### | بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم: # اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة ~~عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو ~~قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ ~~عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، ~~وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم ~~عليه، وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) ~~[التحريم: 6] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة ~~أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه ms188 من قرناء ~~السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع ~~عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره، ~~فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال. ومهما ~~رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل ~~الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق ~~نور العقل عليه، وهذه بشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب، فالصبي ~~المستحي لا ينبغي أن يهمل، بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه. وأول ما ~~يغلب عليه من الصفات: شره الطعام، فينبغي أن يؤدب فيه، مثل أن لا يأخذ ~~الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه: «بسم الله» عند أخذه، وأن يأكل مما ~~يليه، وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق في النظر إليه ولا ~~إلى من يأكل، وأن لا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ، وأن لا يوالي بين ~~اللقم، ولا يلطخ يده ولا ثوبه، وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى ~~لا يصير بحيث يرى الأدم حتما، وأن يقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه كل من ~~يكثر الأكل بالبهائم، وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل، ويمدح عنده ~~الصبي المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام، وقلة المبالاة ~~به، والقناعة # PageV01P184 # بالطعام الخشن، أي طعام كان، وأن يحبب إليه من الثياب ما ليس بملون ~~وحرير، ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين، وأن الرجال يستنكفون منه ~~ويكرر ذلك عليه، ومهما رأى على صبي ثوبا من الحرير أو ملونا فينبغي أن ~~يستنكره ويذمه، وأن يحفظ عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس ~~الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه، فإن الصبي مهما أهمل ~~في ابتداء نشوئه، خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذابا حسودا سروقا نماما ~~لحوحا، ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب. ~~ثم يشتغل في المكتب، فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار وحكايات ms189 الأبرار ~~وأحوالهم؛ لينغرس في نفسه حب الصالحين، ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر ~~العشق وأهله؛ فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد، ثم مهما ظهر من ~~الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى عليه بما يفرح به ~~ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن ~~يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر ~~أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن أظهر ذلك ~~عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد ثانيا أن ~~يعاتب سرا، ويعظم الأمر فيه، ويقال له: «إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا، ~~وأن يطلع عليك في مثل هذا، فتفتضح بين الناس» . ولا تكثر القول عليه ~~بالعتاب في كل حين؛ فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح، ويسقط وقع ~~الكلام من قلبه. وليكن الأب حافظا هيئة الكلام معه، فلا يوبخه إلا أحيانا، ~~والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح. وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا؛ فإنه ~~يورث الكسل، ولا يمنع منه ليلا، ولكن يمنع الفرش الوطيئة؛ حتى تتصلب ~~أعضاؤه، ولا يسخف بدنه فلا يصبر على التنعم، بل يعود الخشونة في المفرش ~~والملبس والمطعم. وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية، فإنه لا يخفيه ~~إلا وهو يعتقد أنه قبيح، فإذا تعود ترك فعل القبيح، ويعود في بعض النهار ~~المشي والحركة والرياضة؛ حتى لا يغلب عليه الكسل، ويعود أن لا يكشف أطرافه، ~~ولا يسرع المشي. ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه، أو ~~بشيء من مطاعمه وملابسه، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره، والتلطف ~~في الكلام معهم، ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بدا له، بل يعلم أن ~~الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ، وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة، وأن ذلك من دأب ~~الكلب، فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها. وبالجملة يقبح إلى الصبيان ~~حب الذهب ms190 والفضة والطمع فيهما، ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات ~~والعقارب؛ فإن آفة حب الذهب والفضة أضر من آفة السموم على الصبيان، بل وعلى ~~الكبار أيضا. وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط ولا يتثاءب ~~بحضرة غيره، ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ~~ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل، ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة ~~الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام، ويمنع ~~اليمين رأسا - صادقا كان أو كاذبا - حتى لا يعتاد ذلك في الصغر، ويعود حسن ~~الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا، وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له ~~المكان، ويجلس بين يديه، # PageV01P185 # ويمنع من لغو الكلام وفحشه، ومن اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على ~~لسانه شيء من ذلك، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء. # وأصل تأديب الصبيان: الحفظ من قرناء السوء. وينبغي أن يؤذن له بعد ~~الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب، فإن منع ~~الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص ~~عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا. وينبغي أن يعلم طاعة ~~والديه ومعلمه ومؤدبه، وكل من هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي، وأن ينظر ~~إليهم بعين الجلالة والتعظيم، وأن يترك اللعب بين أيديهم، ومهما بلغ سن ~~التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر بالصوم في بعض ~~أيام رمضان، ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع، ويخوف من السرقة، وأكل ~~الحرام، ومن الخيانة، والكذب، والفحش، فإذا وقع نشوؤه كذلك في الصبا فمهما ~~قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور. # PageV01P186 ### | كتاب آفات اللسان ### | بيان خطر اللسان: # اعلم أن خطر اللسان عظيم، ولا نجاة منه إلا بالنطق بالخير، فعن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه، ~~ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا ms191 يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره ~~بوائقه» . # وقال «معاذ بن جبل» قلت: «يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟» فقال: «يا ابن ~~جبل، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» . # وكان «ابن مسعود» رضي الله عنه يقول: «يا لسان: قل خيرا تغنم، واسكت عن ~~شر تسلم، من قبل أن تندم» . # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه ~~وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليسكت» . # وعنه عليه الصلاة والسلام: «اخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب ~~الشيطان» . ### | جمل من آفات اللسان ### | الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعني: # اعلم أن رأس مال العبد أوقاته، فمهما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ~~ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . # وسببه الباعث عليه هو الحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه، أو تزجية ~~الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها. وعلاج ذلك كله أن يعلم أن أنفاسه رأس ~~ماله، وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الخيرات الحسان، فإهماله ذلك ~~وتضييعه خسران مبين. ### | الآفة الثانية: فضول الكلام: # وهو أيضا مذموم، وهذا يتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على ~~قدر الحاجة، فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر، ويمكنه أن يجسمه ~~ويكرره، ومهما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين، فالثانية فضول - أي ~~فضل عن الحاجة - وهو أيضا مذموم؛ لما سبق، وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر. # PageV01P187 # واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر، بل المهم محصور في كتاب الله تعالى، قال ~~الله عز وجل: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس) [النساء: 114] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن ~~أمسك الفضل من لسانه، وأنفق الفضل من ماله» ms192 . # فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك، فأمسكوا فضل المال، وأطلقوا فضل ~~اللسان، قال «عطاء» : إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا ~~يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو تنطق لحاجتك في معيشتك التي لا ~~بد منها. أتنكرون أن عليكم حافظين (كراما كاتبين) [الانفطار: 11] (عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق: 17، 18] ~~أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ~~ليس من أمر دينه ولا دنياه؟ وقال «ابن عمر» : «إن أحق ما طهر الرجل لسانه» ~~. وفي أثر: «ما أوتي رجل شرا من فضل في لسان» . ### | الآفة الثالثة: الخوض في الباطل: # وهو الكلام في المعاصي، كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات ~~الفساق، وتكبر الجبابرة، ومراسمهم المذمومة، وأحوالهم المكروهة، فإن ذلك ~~مما لا يحل الخوض فيه. وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث، ولا يعدو ~~كلامهم التفكه بأعراض الناس أو الخوض في الباطل. وأنواع الباطل لا يمكن ~~حصرها؛ لكثرتها وتفننها، فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من ~~مهمات الدين والدنيا. وفي الحديث: «أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم ~~خوضا في الباطل» ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وكنا نخوض مع الخائضين) ~~[المدثر: 45] وبقوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم ~~إذا مثلهم) [النساء: 140] . # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما ~~يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ~~ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها ~~سخطه إلى يوم القيامة» . ### | الآفة الرابعة: المراء والجدال: # وذلك منهي عنه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ~~ولا تعده موعدا فتخلفه» . # PageV01P188 # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا أوتوا ~~الجدل» . # وعنه: «لا يستكمل عبد حقيقة ms193 الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقا» . # وقال بلال بن سعد: «إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت ~~خسارته» ، وقال ابن أبي ليلى: «لا أماري صاحبي، فإما أن أكذبه وإما أن ~~أغضبه» وما ورد في ذم المراء والجدال أكثر من أن يحصى. # وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، ~~وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، ~~فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به، وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا ~~بأمور الدين فاسكت عنه. # والواجب إن جرى الجدل في مسألة علمية السكوت أو السؤال في معرض ~~الاستفادة، لا على وجه العناد والنكادة، أو التلطف في التعريف لا في معرض ~~الطعن، وأما قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى ~~القصور والجهل فيه - فهي المجادلة المحظورة التي لا نجاة من إثمها إلا ~~بالسكوت، وما الباعث عليها إلا الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على ~~الغير بإظهار نقصه، وهما صفتان مهلكتان. ولا تنفك المماراة عن الإيذاء، ~~وتهييج الغضب، وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق ~~أو باطل، ويقدح في قائله بكل ما يتصور له، فيثور الشجار بين المتماريين. ~~وأما علاجه فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والسبعية الباعثة ~~له على تنقيص غيره. ### | الآفة الخامسة: الخصومة: # وهي أيضا مذمومة، وهي وراء الجدال والمراء، وحقيقتها لجاج في الكلام ~~ليستوفى به مال أو حق مقصود، وفي الحديث: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم ". ولا تكون الخصومة مذمومة إلا إن كانت بالباطل أو بغير علم، كالذي ~~يدافع قبل أن يعلم الحق في أي جانب، أو يمزج بخصومته كلمات مؤذية لا حاجة ~~لها في نصرة الحجة وإظهار الحق، أو يحمله على الخصومة محض العناد؛ لقهر ~~الخصم وكسره، مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال. وفي # PageV01P189 # الناس من يصرح به ويقول: " إنما قصدي عناده وكسر غرضه، وإني إن أخذت منه ~~هذا ms194 المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي " وهذا مقصوده اللدد والخصومة ~~واللجاج، وهو مذموم جدا. فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير ~~لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة، ومن غير قصد عناد وإيذاء - ففعله ~~ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا، فإن ضبط اللسان في الخصومة ~~على قدر الاعتدال متعذر، والخصومة توغر الصدر، وتهيج الغضب، وإذا هاج نسي ~~المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين، حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ~~ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه ~~المحذورات، وأقل ما فيه تشويش خاطره، حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه، ~~فلا يبقى الأمر على حد الواجب، فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال، ~~فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة، وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان ~~والقلب عن تبعات الخصومة، وذلك متعذر جدا. نعم أقل ما يفوته في الخصومة ~~والمراء والجدال طيب الكلام، وقد قال الله تعالى: (وقولوا للناس حسنا) ~~[البقرة: 83] ، وقال " ابن عباس " رضي الله عنهما: " من سلم عليك من خلق ~~الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا؛ إن الله تعالى يقول: (وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [النساء: 86] وقال " ابن عباس " أيضا: " ~~لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه "، وفي الحديث: " الكلمة الطيبة صدقة "، ~~وقال " عمر " رضي الله عنه: " البر شيء هين، وجه طليق، وكلام لين ". وقال ~~بعض الحكماء: " الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح "، وقال ~~آخر: " كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك، فلا تكن به عليه بخيلا، ~~فلعله يعوضك منه ثواب المحسنين ". ### | الآفة السادسة: التقعر في الكلام: # وهو التشدق، وتكلف السجع، والفصاحة، والتصنع فيه، فإنه من التكلف ~~الممقوت، إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم ~~للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم، ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ التذكير ~~والخطابة من غير إفراط ولا إغراب، فلرشاقة اللفظ تأثير في ذلك. ### | الآفة السابعة: الفحش والسب وبذاءة ms195 اللسان: # وهو مذموم ومنهي عنه، ومصدره الخبث واللؤم، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إياكم والفحش، فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش» . # ونهى رسول الله عليه السلام عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال: «لا ~~تسبوا هؤلاء؛ فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء، ألا إن ~~البذاء لؤم» . وقال عليه السلام: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا ~~الفاحش ولا البذيء» . # PageV01P190 # وعنه: «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق» . # وحد الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ذلك ~~يجري في ألفاظ الوقاع ومما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة ~~يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها، بل يدلون عليها بالرموز ~~والكناية، قال «ابن عباس» : «إن الله حيي كريم، يعفو ويكنو، كنى باللمس عن ~~الجماع» . فالمسيس والمس والدخول كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة. وهناك ~~عبارات فاحشة يستقبح ذكرها، ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير، وكل ما ~~يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة؛ فإنه فحش. # والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة ~~الفساق، وأهل الخبث واللؤم، ومن عادتهم السب. # روي أن أعرابيا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أوصني» ، فقال: ~~«عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه، ~~يكن وباله عليه وأجره لك، ولا تسبن شيئا» قال: «فما سببت شيئا بعده» . # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر» . # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «ملعون من سب والديه» ، وفي رواية: «من ~~أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه» ، قالوا: «يا رسول الله، كيف يسب الرجل ~~والديه؟» قال: «يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه» . ### | الآفة الثامنة: اللعن: # اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان، وكل ذلك مذموم، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المؤمن ليس بلعان» . # واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى، وذلك غير جائز إلا على من ~~اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم، وفي ms196 لعن فاسق معين خطر، ~~فليجتنب ولو بعد موته، بل قد يكون أشد إن كان فيه أذى للحي، وفي الحديث: ~~«لا تسبوا الأموات فتؤذوا به الأحياء» ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان ~~بالشر، حتى الدعاء على الظالم فإنه مذموم، وفي الخبر: «إن المظلوم ليدعو ~~على الظالم حتى يكافئه» . ### | الآفة التاسعة: الغناء والشعر: # والمذموم منهما ما اشتمل على محرم أو دعاء إليه، كتشبيب بمعين، وهجاء، ~~وتشبه بالنساء، وتهييج لفاحشة، ولحوق بأهل الخلاعة والمجون، وصرف الوقت ~~إليه، ونحو ذلك، وما خلا عن ذلك فهو مباح. # PageV01P191 ### | الآفة العاشرة: المزاح: # والمنهي عنه المذموم منه هو المداومة عليه والإفراط فيه، فأما المداومة ~~فلأنه اشتغال باللعب والهزل، وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك، ~~والضغينة في بعض الأحوال، ويسقط المهابة والوقار، وأما ما يخلو عن هذه ~~الأمور، فلا يذم، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إني ~~لأمزح ولا أقول إلا حقا» ألا إن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا، ~~وأما غيره إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان. # وقد قال «عمر» : «من مزح استخف به» . # وقال «سعيد بن العاص» لابنه: «يا بني، لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا ~~الدنيء فيجترئ عليك» . # وقيل: لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح «ويقال:» المزاح مسلبة للنهى، ~~مقطعة للأصدقاء «. # ومن الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة يواظب عليه، ويفرط فيه، ثم يتمسك ~~بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم ~~وإلى رقصهم، ويتمسك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن» لعائشة «في ~~النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد، وهو خطأ. # وبالجملة فإن كنت تقدر على أن تمزح، ولا تقول إلا حقا، ولا تؤذي قلبا، ~~ولا تفرط فيه، وتقتصر عليه أحيانا على الندور - فلا حرج عليك فيه. # ومن مطايباته - صلى الله عليه وسلم - ما روي أن عجوزا أتته، فقال لها:» ~~لا يدخل الجنة عجوز، «فبكت، فقال لها:» إنك لست بعجوز يومئذ، قال الله ~~تعالى: ms197 (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا) [الواقعة: 35، 36] وجاءت ~~امرأة إليه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «إن زوجي يدعوك» قال: «ومن هو؟ ~~أهو الذي بعينه بياض؟» قالت: «والله ما بعينه بياض» ، قال: «بلى إن بعينه ~~بياضا» ، فقالت: «لا والله» فقال - صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا ~~وبعينه بياض» وأراد بالبياض المحيط بالحدقة. # وجاءت امرأة أخرى فقالت: «يا رسول الله احملني على بعير» ، فقال: «بل ~~نحملك على ابن البعير» فقالت: «ما أصنع به؟! إنه لا يحملني» ، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما من بعير إلا وهو ابن بعير» . # وقال «أنس» : كان «لأبي طلحة» ابن يقال له «أبو عمير» ، وكان رسول الله ~~يأتيهم ويقول: «أبا عمير، ما فعل النغير» النغير كان يلعب به، وهو فرخ ~~العصفور. # وقالت «عائشة» رضي الله عنها: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في غزوة بدر، فقال: «تعالي حتى أسابقك» فشددت علي درعي، ثم خططنا خطا فقمنا ~~عليه واستبقنا، فسبقني وقال: «هذه مكان ذي المجاز» وذلك أنه جاء يوما ونحن ~~بذي المجاز وأنا جارية، فقد بعثني أبي بشيء، فقال: «أعطينيه» ، فأبيت ~~وسعيت، وسعى في أثري فلم يدركني. # وقالت أيضا: كان عندي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسودة بنت زمعة، ~~فصنعت خزيرا وجئت به، فقلت # PageV01P192 # لسودة: «كلي» ، فقالت: «لا أحبه» ، فقلت: «والله لتأكلن أو لألطخن به ~~وجهك» ، فقالت: «ما أنا ذائقته» ، فأخذت بيدي من الصحفة شيئا منه فلطخت به ~~وجهها، ورسول الله جالس بيني وبينها، فخفض لها ركبته لتستقيد، فتناولت من ~~الصحفة شيئا فمسحت به وجهي، وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك. # وعن «أبي سلمة» أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يدلع لسانه «للحسن بن ~~علي» رضي الله عنهما، فيرى الصبي لسانه فيهش له. # وقال: «عيينة الفزاري» : «والله ليكونن لي الابن قد تزوج وبقل وجهه وما ~~قبلته قط» ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من لا يرحم لا يرحم» . # فأكثر هذه المطايبات منقولة مع النساء والصبيان، وكان ذلك منه - صلى الله ~~عليه وسلم - معالجة ms198 لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل. # وقال - صلى الله عليه وسلم - مرة «لصهيب» وبه رمد وهو يأكل تمرا: «أتأكل ~~التمر وأنت رمد» فقال: «إنما آكل بالشق الآخر يا رسول الله» فتبسم صلى الله ~~عليه وسلم. قال بعض الرواة: «حتى نظرت إلى نواجذه» . # وكان «نعيمان الأنصاري» رجلا مزاحا، لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ~~ثم أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «يا رسول الله، هذا قد ~~اشتريته لك وأهديته لك» فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: «يا رسول الله أعطه ثمن متاعه» فيقول له - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أولم تهده لنا؟!» فيقول: «يا رسول الله، إنه لم يكن ~~عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه» فيضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأمر ~~لصاحبه بثمنه. فهذه مطايبات يباح مثلها على الندور لا على الدوام. ### | الآفة الحادية عشرة: السخرية والاستهزاء: # وهو محرم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) [الحجرات: 11] . # ومعنى السخرية # PageV01P193 # الاستهانة والتحقير، والتنبيه على العيوب والنقائض، على وجه يضحك منه، ~~وقد يكون ذلك بالمحاكاة في القول والفعل، وقد يكون بالإشارة والإيماء. ~~ومرجع ذلك إلى استحقار الغير، والضحك عليه، والاستهانة به، والاستصغار له، ~~وعليه نبه قوله تعالى: (عسى أن يكونوا خيرا منهم) [الحجرات: 11] أي لا ~~تستحقره استصغارا؛ فلعله خير منك، وهذا إنما يحرم فيه حق من يتأذى به، فأما ~~من جعل نفسه مسخرة، وربما فرح من أن يسخر به - كانت السخرية في حقه من جملة ~~المرح، وقد سبق ما يذم منه وما يمدح، وإنما المحرم استصغار يتأذى به ~~المستهزأ به؛ لما فيه من التحقير والتهاون، وذلك تارة بأن يضحك على كلامه ~~إذا تخبط فيه ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة، كالضحك على حفظه، ~~وعلى صنعته، أو على صورته وخلقته لعيب فيه، فالضحك من جميع ذلك داخل في ~~السخرية المنهي عنها. ### | الآفة ms199 الثانية عشرة: إفشاء السر: # وهو منهي عنه؛ لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء، قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» ~~، وعنه: «الحديث بينكم أمانة» ، فإفشاء السر خيانة، وهو حرام إذا كان فيه ~~إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار. ### | الآفة الثالثة عشرة: الوعد الكاذب: # فإن اللسان سباق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء، فيصير الوعد ~~خلفا، وذلك من أمارات النفاق، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود) [المائدة: 1] وقال - صلى الله عليه وسلم -: " العدة عطية " وقد ~~أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز، فقال: (إنه ~~كان صادق الوعد) [مريم: 54] . ولما حضرت " عبد الله بن عمر " الوفاة قال: " ~~إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ~~ألقى الله بثلث النفاق، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي ". # وعن " عبد الله بن أبي الخنساء " قال: " بايعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبيل أن يبعث، وبقيت له بقية، فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، ~~فنسيت يومي والغد، فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه، فقال: " يا فتى لقد ~~شققت علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك ". # وكان " ابن مسعود " لا يعد وعدا إلا ويقول: " إن شاء الله "، وهو الأولى، ~~ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان ~~عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق، قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث ~~كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أربع ~~من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى ~~يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد # PageV01P194 # أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ". # وهذا ينزل على من إذا وعد وهو عزم الخلف أو ترك الوفاء من ms200 غير عذر، فأما ~~من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء، لم يكن منافقا، وإن جرى عليه ~~ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من ~~حقيقته، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة، فقد روي أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان وعد " أبا الهيثم "خادما، فأتي بثلاث من السبي، ~~فأعطى اثنين وبقي واحد، فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول: " ~~ألا ترى أثر الرحى بيدي "؟ فذكر موعده " لأبي الهيثم " فجعل يقول: " كيف ~~بموعدي لأبي الهيثم " فآثره على " فاطمة " لما كان قد سبق من موعده له، مع ~~أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة. ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - ~~جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين، فوقف عليه رجل من الناس فقال: " إن لي عندك ~~موعدا يا رسول الله " قال: " صدقت فاحتكم ما شئت " فقال: " أحتكم ثمانين ~~ضائنة وراعيها " قال: " هي لك " وقال: " احتكمت يسيرا ". ### | الآفة الرابعة عشرة: الكذب في القول واليمين: # وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ~~والكذب؛ فإنه مع الفجور، وهما في النار» . وعنه: «إن الكذب باب من أبواب ~~النفاق» . وعنه: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به ~~كاذب» . ومر - صلى الله عليه وسلم - برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان، يقول ~~أحدهما: «والله لا أنقصك من كذا وكذا» ، ويقول الآخر: «والله لا أزيدك على ~~كذا وكذا» ، فمر بالشاة وقد اشتراها أحدهما فقال: «أوجب أحدهما بالإثم ~~والكفارة» ، وعنه - صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا ينظر إليهم: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، ~~والمسبل إزاره» . وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين بإثم ~~ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان» . وقال ~~عليه السلام لمعاذ: «أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ~~والوفاء بالعهد، وبذل الطعام، وخفض الجناح» . ### | بيان ما رخص فيه من الكذب: # اعلم ms201 أن الكذب إنما حرم لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، وقد ~~يتعلق به مصلحة، فيكون مأذونا فيه، وربما كان واجبا كما إذا كان في الصدق ~~سفك دم امرئ قد اختفى # PageV01P195 # من ظالم، فالكذب فيه واجب، وكما إذا كان لا يتم مقصود الحرب، أو إصلاح ~~ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه، أو تعاشر الزوجين إلا بكذب - ~~فالكذب مباح، إلا أنه يقتصر فيه على حد الضرورة؛ لئلا يتجاوز إلى ما يستغنى ~~عنه، وفي معنى ذلك وردت أحاديث كثيرة، قال «ثوبان» : «الكذب كله إثم، إلا ~~ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا» . ### | بيان الحذر من الكذب بالمعاريض: # قد نقل عن السلف: «إن في المعاريض مندوحة عن الكذب» . وإنما أرادوا إذا ~~اضطر الإنسان إلى الكذب، فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا ~~التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون، ومثال التعريض ما روي أن «مطرفا» دخل ~~على «زياد» ، فاستبطأه، فتعلل بمرض وقال: «ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير ~~إلا ما رفعني الله» ، وكان «معاذ بن جبل» عاملا «لعمر» رضي الله عنه، فلما ~~رجع قالت له امرأته: «ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم؟» - وما كان ~~قد أتاها بشيء - فقال: «كان عندي ضاغط» قالت: «كنت أمينا عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، فبعث» عمر «معك ضاغطا؟!» وقامت بذلك بين ~~نسائها، واشتكت «عمر» ، فلما بلغه ذلك دعا «معاذا» وقال: «بعثت معك ضاغطا؟» ~~قال: «ما أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك» فضحك «عمر» وأعطاه شيئا فقال: ~~«أرضها به» . ومعنى قوله: ضاغطا: رقيبا، وأراد به الله تعالى. # وكان «النخعي» إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية: ~~«قولي له: اطلبه في المسجد، ولا تقولي: ليس هاهنا؛ كيلا يكون كذبا» . # ومما تباح به المعاريض قصد تطييب قلب الغير بالمزاح، كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة عجوز» ، وقوله للأخرى: «الذي في عينه بياض» ، ~~وللأخرى: «نحملك على ولد البعير» - كما تقدم. # ومما يتسامح ms202 به ما جرت به العادة في المبالغة كقوله: قلت لك كذا مائة ~~مرة، فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة، إلا أنه إذا ~~لم يكن قال ذلك إلا مرة واحدة كان كذبا. # وأما ما يعتاد التساهل به في الكذب مثل أن يقال: كل الطعام، فيقول: لا ~~أشتهيه، فذلك منهي عنه، وهو حرام إن لم يكن في غرض صحيح. ومثل ذلك أن يقول: ~~«يعلم الله» فيما لا يعلمه. # PageV01P196 # وأما الكذب في حكاية المنام فالإثم فيه عظيم، وفي الحديث: «إن من أعظم ~~الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يري عينيه في المنام ما لم ير، أو ~~يقول علي ما لم أقل» . ### | الآفة الخامسة عشرة: الغيبة: # قد نص الله سبحانه وتعالى على ذمها في كتابه الكريم، وشبه صاحبه بآكل لحم ~~الميتة، فقال تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه) [الحجرات: 12] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل المسلم على ~~المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» . # والغيبة تتناول العرض، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من ~~تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع عورته يفضحه ولو في جوف بيته» . # وعن مجاهد «أنه قال في قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) [الهمزة: 1] ~~الهمزة: الطعان في الناس، واللمزة: الذي يأكل لحوم الناس. وقال بعضهم» ~~أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة، ولكن في الكف عن ~~أعراض الناس «. وقال» ابن عباس «: فإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر ~~عيوبك» . ### | بيان معنى الغيبة وحدودها: # اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في ~~بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في ~~دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته، أما البدن فذكرك العمش، والحول، والقرع، ~~والقصر، والطول، والسواد، والصفرة، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه ms203 ~~كيفما كان، وأما النسب فبأن تقول: «أبوه فاسق أو خسيس أو زبال، أو نحوه مما ~~يكرهه» ، وأما الخلق فبأن تقول: «سيئ الخلق، بخيل، متكبر، مراء، شديد ~~الغضب، جبان، متهور، وما يجري مجراه» ، وأما في أفعاله فكقولك: «هو سارق، ~~كذاب، شارب خمر، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة أو الزكاة، لا يحترز من ~~النجاسات، ليس بارا بوالديه، ونحوه» وأما فعله فكقولك: «إنه قليل الأدب، ~~متهاون بالناس، كثير الكلام، كثير الأكل، نئوم، يجلس في غير موضعه» ، وأما ~~في ثوبه فكقولك: «إنه واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثياب، ونحوه» . # والقول الجامع في الغيبة ما جاء من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الغيبة ~~ذكرك أخاك بما يكرهه» ، وإنما # PageV01P197 # حرم الذكر باللسان لما فيه من تفهيم الغير نقصان أخيه وتعريفه بما يكرهه؛ ~~ولذا كان التعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول، والإشارة، والإيماء، ~~والغمز، والهمز، والكتابة، والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في ~~الغيبة وهو حرام. فمن أومأ بيده إلى قصر أحد، أو طوله، أو حاكاه في المشي ~~كما يمشي - فهو غيبة، والكتابة عن شخص في عيب به غيبة؛ لأن القلم أحد ~~اللسانين، وكذا قولك: «من قدم من السفر أو بعض من مر بنا اليوم» إذا كان ~~المخاطب يفهمه فهو غيبة، وكذا من يفهم عيب الغير بصيغة الدعاء كقوله: الحمد ~~لله الذي لم يبتلنا بكذا، وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول: ما أحسن ~~أحوال فلان، لكن ابتلي بما يبتلى به كلنا، وهو كذا فيذكر نفسه، ومقصوده أن ~~يذم غيره في ضمن ذلك، ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض ~~الحاضرين، فيقول: سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى إليه ويعلم ما يقول، ~~فيذكر الله تعالى ويستعمل اسمه آلة له في تحقيق خبثه، وكذلك يقول: ساءني ما ~~جرى على صديقنا من الاستخفاف به، فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام؛ لأنه لو ~~اغتم به لاغتم بإظهار ما يكرهه، وكذلك يقول: ذلك المسكين قد بلي بآفة عظيمة ~~تاب الله علينا وعليه، وهو في كل ذلك يظهر ms204 الدعاء، والله مطلع على خبث ~~ضميره، وخفي قصده، وهو لجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت عظيم. # ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب، فإنه إنما يظهر التعجب ~~ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها، وكان يستخرج الغيبة منه بهذا ~~الطريق فيقول: «عجيب، ما علمت أنه كذلك، كنت أحسب فيه غير هذا، عافانا الله ~~من بلائه» فإن كل ذلك تصديق للمغتاب، والتصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت ~~شريك المغتاب، إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه إن خاف، وفي الحديث: «من أذل ~~عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره، أذله الله يوم القيامة على رءوس ~~الخلائق» وفي رواية: «من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن ~~عرضه يوم القيامة» . ### | الأسباب الباعثة على الغيبة: # منها: التشفي، وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنه إذا هاج فيشتفي بذكر ~~مساوئه، فسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع، وقد يمتنع تشفي ~~الغيظ عند الغضب، فيحتقن في الباطن فيصير حقدا ثابتا، فيكون سببا دائما ~~لذكر المساوئ، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة. # ومنها: موافقة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون ~~بذكر الأعراض، فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس - استثقلوه ونفروا ~~عنه، فيساعدهم ويرى ذلك من حسن # PageV01P198 # المعاشرة، وقد يغضب رفقاؤه، فيضطر إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في ~~السراء والضراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوئ. # ومنها: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره. # ومنها: الحسد يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك ~~النعمة عنه، فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه حتى يكفوا عن الثناء عليه ~~وإكرامه؛ لأنه يثقل عليه ذلك. # ومنها: اللعب والهزل وتزجية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك ~~الناس على سبيل المحاكاة والتعجب. # ومنها: السخرية والاستهزاء استحقارا له، ومنشؤه التكبر واستجهال المستهزأ ~~به. # وثمة أسباب غامضة فيها دسائس للشيطان، وهي أن يذكر إنسان في حالة التعجب ~~أو الرحمة أو الغضب لله ms205 تعالى فيقول مثلا: تعجبت من فلان كيف يجلس بين يدي ~~فلان وهو جاهل! فيكون تعجبه من المنكر لصدقه، أو يقول: مسكين فلان، غمني ~~أمره وما ابتلي به، وهو صادق في الاغتمام، وكذا قد يغضب على منكر قارفه ~~إنسان فيظهر غضبه ويذكر اسمه، والواجب في ذلك ستر اسمه وعدم إظهاره على ~~غيره، ولا عذر في ذكر الاسم في ذلك. ### | بيان العلاج الذي به يمنع اللسان عن الغيبة: # اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل. وعلاج كف ~~اللسان عن الغيبة إجمالا أن يعلم أنه يتعرض لسخط الله تعالى إذا اغتاب ~~لارتكابه ما نهى الله عنه، فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة ~~لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك، وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه، فإن وجد ~~فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، وذكر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن ~~شغله عيبه عن عيوب الناس» . ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم ~~نفسه ويذم غيره، بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك ~~العيب كعجزه، وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره، وإن كان أمرا ~~خلقيا فالذم له ذم للخالق، فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها. وإذا لم يجد ~~العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى، ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ~~ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب، بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه ~~أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم الذنوب. وينفعه أيضا أن يعلم أن ~~تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له، فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب ~~فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه. وبالجملة فمن قوي إيمانه انكف ~~عن الغيبة لسانه. ### | بيان تحريم الغيبة بالقلب وذلك بسوء الظن: # اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول، فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك ~~بلسانك بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك، ولست ms206 أعني به ~~إلا عقد القلب وحكمه على غيره ظنا بأمر سيئ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو ~~معفو عنه، ولكن # PageV01P199 # المنهي عنه أن يظن، والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، ~~فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم) [الحجرات: 12] وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام ~~الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل ~~التأويل، فإن لم ينكشف كذلك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه؛ ~~فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) [الحجرات: 6] وفي الحديث: «إن الله ~~حرم من المسلم دمه وماله، وأن يظن به ظن السوء» وحينئذ فإذا خطر لك وسواس ~~سوء الظن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك، وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما ~~كان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر، فإن قلت: «فبماذا يعرف عقد الظن ~~والشكوك تختلج والنفس تحدث؟» فنقول: «أمارة عقد الظن أن يتغير القلب معه ~~عما كان، فينفر عنه نفورا ما، ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه ~~والاغتمام بسببه» . والمخرج منه أن لا يحققه، أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا ~~فعل لا في القلب ولا في الجوارح. وربما يلقي الشيطان أن هذا من فطنتك وسرعة ~~تنبهك وذكائك، وأن المؤمن ينظر بنور الله تعالى، وهو على التحقيق ناظر ~~بغرور الشيطان وظلمته. ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة، فانصحه في السر، ولا ~~يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه. # ومن ### | ثمرات سوء الظن: # التجسس، فإن القلب لا يقنع بالظن، ويطلب التحقيق، فيشتغل بالتجسس وهو ~~أيضا منهي عنه، قال الله تعالى: (ولا تجسسوا) [الحجرات: 12] فالغيبة وسوء ~~الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة. ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله ~~تحت ستر الله، فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر، حتى ينكشف له ما لو كان ~~مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه. وقد مضى في كتاب الأمر بالمعروف ms207 حكم ~~التجسس وحقيقته. ### | بيان الأعذار المرخصة في الغيبة: # اعلم أنه إذا لم يمكن التوصل إلى غرض صحيح في الشرع إلا بذكر مساوئ الغير ~~فإنه يرخص فيه، ولا إثم، وذلك في أمور: # منها: التظلم، وذلك كمظلوم يرفع ظلامته على إنسان إلى أمير ليستوفي له ~~حقه، إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا بنسبته إلى الظلم، قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن لصاحب الحق مقالا "، وعنه: " مطل الغني ظلم ". # ومنها: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى منهج الصلاح. # ومنها: الاستفتاء، كما يقول للمفتي: ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي، إذا لم ~~يفد الإبهام أو # PageV01P200 # التعريض، وذلك لما روي عن " هند بنت عتبة " أنها قالت للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، أفآخذ ~~من غير علمه؟ فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فذكرت الشح والظلم لها ~~ولولدها، ولم يزجرها عليه السلام؛ إذ كان قصدها الاستفتاء. # ومنها: تحذير المسلم من الشر، كما إذا علمت من إنسان ضررا فحذرت شخصا ~~منه، وكالمزكي يطعن في الشاهد إذا سئل عنه، وكذلك المستشار في التزويج ~~وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير، لا على قصد ~~الوقيعة. # ومنها: أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه، كالأعرج والأعمش، فلا ~~حرج في ذكره؛ لضرورة التعريف، ولأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه ~~بعد أن قد صار مشهورا به، نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى ~~فهو أولى؛ ولذلك يقال للأعمى: البصير؛ عدولا عن اسم النقص. # ومنها: أن يكون مجاهرا بالفسق متظاهرا به، ولا يكره أن يذكر به، فلا غيبة ~~له بما يتظاهر به. ### | بيان كفارة الغيبة: # اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله؛ ليخرج من ~~حق الله سبحانه، ثم يستحل المغتاب ليحله، فيخرج من مظلمته إن قدر عليه ولم ~~يخش محذورا، وقال " الحسن ": " يكفيه الاستغفار دون الاستحلال "، وفي ~~الحديث: " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج ms208 من بيته قال: " ~~اللهم إني قد تصدقت بعرضي على الناس " أي لا أطلب مظلمة في القيامة منه ولا ~~أخاصمه، وليس المراد إباحة تناول عرضه، بل العفو عن جريمته، وقد قال تعالى: ~~(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: 199] وفي الحديث أن ~~جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تعالى يأمرك أن تعفو ~~عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك ". ### | الآفة السادسة عشرة: النميمة: # قال الله تعالى: (هماز مشاء بنميم) [القلم: 11] وقال تعالى: (ويل لكل ~~همزة لمزة) [الهمزة: 1] قيل: الهمزة: «النمام» وقال تعالى: (حمالة الحطب) ~~[المسد: 4] # PageV01P201 # قيل: إنها كانت نمامة حمالة للحديث، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يدخل الجنة نمام» وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «أحبكم إلى الله أحاسنكم ~~أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله ~~المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان، الملتمسون للبرآء العثرات» . # وحد النميمة هو كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول ~~إليه، أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو بالكتابة، أو بالرمز، أو ~~بالإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيبا ~~ونقصا في المنقول عنه أو لم يكن. بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر ~~عما يكره كشفه، بل كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس فينبغي أن يسكت عنه، ~~إلا ما في حكايته فائدة لمسلم، أو دفع لمعصية، كما إذا رأى من يتناول مال ~~غيره، فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود عليه. # والباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي ~~له، أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل. # وكل من حملت إليه نميمة فعليه أن لا يسارع إلى صدقه لقوله تعالى: (إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) [الحجرات: 6] وأن ينهاه وينصح له، وأن لا يظن ~~بالغائب سوءا، وأن لا يحمله ذلك على التجسس. # وقال «الحسن» : «من نم إليك نم عليك» ، وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي ~~أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته، وكيف لا وهو ms209 لا ينفك عن العذر ~~والخيانة والإفساد بين الناس، وهو ممن يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض. وقال تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون ~~في الأرض بغير الحق) [الشورى: 42] والنمام منهم. وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره» والنمام منهم. # وقيل «لمحمد بن كعب القرظي» . «أي خصال المؤمن أوضع له» ؟ فقال: «كثرة ~~الكلام، وإفشاء السر، وقبول قول كل أحد» . وقال بعضهم: «لو صح ما نقله ~~النمام إليك لكان هو المجترئ بالشتم عليك، والمنقول عنه أولى بحلمك؛ لأنه ~~لم يقابلك بشتمك» . ### | الآفة السابعة عشرة: كلام ذي الوجهين: # وهو ذو اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين، ويكلم كل واحد منهما بكلام ~~يوافقه من الثناء عليه في معاداته، وذمه الآخر، ووعده بأن ينصره على خصمه، ~~وهو من علامات النفاق. نعم إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما، وكان ~~صادقا فيه - لم يكن ذا لسانين ولا منافقا، فإن الإنسان قد يصادق متعاديين، ~~وأما لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين، وهو شر من ~~النمام؛ لأن النمام ينقل من أحد الجانبين فقط، وهذا يزيد النقل من الجانب ~~الآخر ويزيد أن # PageV01P202 # يحسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه. نعم من ابتلي ~~بمراعاة أحد الجانبين في قول ما لضرورة وخاف من تركه - فهو معذور؛ فإن ~~اتقاء الشر جائز، قال " أبو الدرداء " رضي الله عنه: " إنا لنكشر في وجوه ~~أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ". وقالت " عائشة ": " استأذن رجل على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: " ائذنوا له، فبئس رجل العشيرة هو ". ثم لما ~~دخل ألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله، قلت فيه ما قلت ثم ألنت له ~~القول، فقال: " يا عائشة، إن شر الناس الذي يكرم اتقاء شره " ولكن هذا ورد ~~في الإقبال وفي الكشر والتبسم، وإلا فلا يجوز الثناء، ولا التصديق، ولا ~~تحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل، فإن فعل ms210 فهو منافق، بل ~~ينبغي أن ينكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه، وللضرورات حكمها. ### | الآفة الثامنة عشرة: المدح: # وهو منهي عنه في بعض المواضع، أما الذم فهو الغيبة والوقيعة، وقد ذكرنا ~~حكمها، والمدح يدخله ست آفات: أربع من المادح، واثنتان في الممدوح، فأما ~~المادح: # فالأولى: أنه قد يفرط فيه فينتهي به إلى الكذب. # والثانية: أنه قد يدخله الرياء، فإنه بالمدح مظهر للحب، وقد لا يكون ~~مضمرا ولا معتقدا لجميع ما يقوله، فيصير به مرائيا منافقا. # والثالثة: أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل إلى الاطلاع عليه. # والرابعة: أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز، قال ~~«الحسن» : «من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصى الله في الأرض» . # وأما الممدوح فيضره من وجهين: # أحدهما: أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا، وهما مهلكان. # الثاني: هو أنه إذا أثنى عليه فرح، وفتر، ورضي عن نفسه، وقل تشميره ~~للعمل، فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح، لم يكن به بأس، ~~بل ربما كان مندوبا إليه. # وعلى الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور، ~~ويتذكر أنه يعلم من نفسه ما لا يعلمه المادح، وأنه لو انكشف له جميع أسراره ~~وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه، وكان «علي» رضي الله عنه إذا أثني ~~عليه يقول: «اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني ~~خيرا مما يظنون» . وعلى المادح أن لا يجزم القول إلا بعد خبرة باطنة، سمع ~~«عمر» رضي الله عنه رجلا يثني على رجل فقال: «أسافرت معه» ؟ قال: لا، قال: ~~«أخالطته في المبايعة والمعاملة» ؟ قال: «لا» قال: فأنت جاره صباحه ومساءه؟ ~~قال: «لا» ، فقال: «والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه» . # وفي الحديث: «إن كان أحدكم لا بد مادحا أخاه فليقل: أحسب فلانا ولا أزكي ~~على الله أحدا» . # PageV01P203 ### | الآفة التاسعة عشرة: الخطأ في دقائق لفظية: # ينبغي التنبيه لدقائق الخطأ في فحوى الكلام، والحذر عن الغفلة ms211 عنها، لا ~~سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، مثاله ما جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يقل أحدكم: ما شاء الله وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت» ~~وذلك لأن في العطف المطلق تشريكا وتسوية، وهو على خلاف الاحترام، وكان ~~«إبراهيم» يكره أن يقول الرجل: «أعوذ بالله وبك، ولولا الله وفلان» ، ويجوز ~~أن يقول: «أعوذ بالله ثم بك، ولولا الله ثم فلان» . وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: «إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه فيقول: لولاه لسرقنا الليلة» . # وقال «عمر» : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى ~~ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» ، قال «عمر» : «فوالله ما حلفت بها منذ سمعتها» ~~. # وقال «أبو هريرة» : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقولن ~~أحدكم: عبدي، ولا أمتي، كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، وليقل: غلامي ~~وجاريتي، ولا يقل المملوك: ربي، ولا ربتي، وليقل سيدي وسيدتي، كلكم عبيد ~~الله، والرب الله سبحانه وتعالى» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقولوا للمنافق: سيدنا، فإنه إن يكن ~~سيدكم فقد أسخطتم ربكم» . # فعلى المتكلم أن يوافقه ورع حافظ ومراقبة لازمة ليسلم عن الخطر. ### | الآفة العشرون: سؤال العوام عن الغوامض: # من حق العوام الاشتغال بالعمل الصالح، إلا أن الفضول خفيف على القلب، ~~والعامي قد يفرح بالخوض في العلم، إذ الشيطان يخيل إليه أنه من العلماء ~~وأهل الفضل، ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى يتكلم بما هو كفر ولا يدري. وكل من ~~سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم، فإنه بالإضافة إليه ~~عامي. وفي الحديث: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القيل والقال، ~~وإضاعة المال، وكثرة السؤال» . # وفي قصة «موسى» و «الخضر» عليهما السلام تنبيه على المنع من السؤال قبل ~~أوان استحقاقه، إذ قال: (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا) [الكهف: 70] فلما سأل عن السفينة أنكر عليه، حتى اعتذر وقال: (لا ~~تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) [الكهف: ms212 73] فلما لم يصبر حتى ~~سأل ثلاثا قال: (هذا فراق بيني وبينك) [الكهف: 78] وفارقه. فسؤال العوام عن ~~غوامض الدين من أعظم الآفات، فيجب منعهم من ذلك وزجرهم. # PageV01P204 ### | كتاب ذم الغضب والحقد والحسد # إن الغضب شعلة نار، اقتبست من نار الله الموقدة، التي تطلع الأفئدة، ~~وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد، ويستخرجها الكبر ~~الدفين في قلب كل جبار عنيد، كاستخراج الحجر النار من الحديد، وقد انكشف ~~للناظرين بنور اليقين أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين، فمن ~~استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان، حيث قال: (خلقتني من نار ~~وخلقته من طين) [الأعراف: 12 وص: 76] فإن شأن الطين السكون والوقار، وشأن ~~النار التلظي والاستعار والحركة والاضطراب. # ومن نتائج الغضب: الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك وفسد من فسد، ومفيضهما ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد. # وإذا كان الحقد والحسد والغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب، فما أحوجه ~~إلى معرفة معاطبه ومساوئه؛ ليحذر ذلك ويتقيه، ويميطه عن القلب إن كان ~~وينفيه، وهاك بيان ذلك بعونه تعالى. # بيان ذم الغضب: # قال الله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) [الفتح: 26] الآية: ذم الكفار ~~بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما ~~أنزل عليهم من السكينة. # وروي أن رجلا قال: «يا رسول الله، مرني بعمل وأقلل» ، قال: «لا تغضب» ، ~~ثم أعاد عليه، فقال: «لا تغضب» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما تعدون ~~الصرعة فيكم؟» قلنا «الذي لا تصرعه الرجال» ، قال: «ليس ذلك، ولكن الذي ~~يملك نفسه عند الغضب» . # وعن «جعفر» : «الغضب مفتاح كل شر» ، وقال بعض الأنصار: «رأس الحمق الحدة، ~~وقائده الغضب، ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم، والحلم زين ومنفعة، والجهل ~~شين ومضرة، والسكوت عن جواب الأحمق جوابه» . # وقال «الحسن» : «من علامات المسلم: قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في ~~يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل ms213 في ~~فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في رفاقة، وصبر في شدة، لا # PageV01P205 # يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنة، ولا ~~يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، ولا يبخل، ~~ولا يبذر، ولا يسرف، ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في ~~عناء، والناس منه في رخاء» . ### | درجات الناس مع الغضب: # اعلم أن قوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان دم القلب، وانتشاره في ~~العروق، وارتفاعه إلى أعالي البدن كما ترتفع النار والماء يغلي في القدر، ~~فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما ~~وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها. # ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإفراط والاعتدال: # أما التفريط: ففقد هذه القوة أو ضعفها، وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه: ~~«إنه لا حمية له» ، وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بالشدة والحمية فقال: (أشداء على الكفار) [الفتح: 29] وقال لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [التوبة: 73، ~~والتحريم: 9] وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب. # وأما الإفراط: فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ~~وطاعته، ولا يبقى للمرء معه بصيرة وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة ~~المضطر، ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون، وشدة الرعدة في ~~الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام، حتى ~~يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة. # ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته، ~~واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، ~~وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا، فتغير ~~الظاهر ثمرة تغير الباطن، فقس المثمر بالثمرة. فهذا أثره في الجسد. # وأما أثره في اللسان: فانطلاقه بالشتم، والفحش من الكلام الذي يستحي منه ~~ذو العقل، ويستحي منه قائله ms214 عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب ~~اللفظ. # وأما أثره على الأعضاء: فالضرب، والتهجم، والتمزيق، والقتل والجرح عند ~~التمكن، وقد يمزق ثوب نفسه، ويلطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض، وربما ~~يعتريه مثل الغشية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات، أو يكسر القصعة، أو ~~يشتم البهيمة، أو ترفسه دابة فيرفسها، ويقابلها بذلك كالمجنون. # وأما أثره في القلب: فالحقد والحسد، وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات، ~~والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر وهتك الستر، والاستهزاء، وغير ذلك ~~من القبائح، فهذه ثمرة الغضب المفرط. # PageV01P206 # وأما ثمرة الحمية الضعيفة: فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم ~~والزوجة، واحتمال الذل من الأخساء، وصغر النفس، وهو أيضا مذموم، إذ من ~~ثمراته عدم الغيرة على الحرم وهو صونها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~سعدا لغيور، وأنا أغير من سعد، والله أغير مني» . وإنما خلقت الغيرة لحفظ ~~الأنساب، ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب، ولذلك قيل: «كل أمة وضعت ~~الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها» . # ومن ضعف الغضب: الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات، وقد قال تعالى: (ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله) [النور: 2] . # ففقد الغضب مذموم، وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث ~~حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو ~~الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث قال: «خير الأمور أوساطها» . ### | زوال الغضب بالرياضة وغيرها: # اعلم أنه ما دام الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب؛ ~~لأنه من مقتضى الطبع، إلا أنه قد تفيد الرياضة في محو قوته، وذلك ~~بالمجاهدة، وتكلف الحلم، والاحتمال مدة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا ~~راسخا، فالرياضة ليست لينعدم غيظ القلب؛ لأنه غير ممكن، ولكن ليستعمله على ~~حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل، وذلك بكسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد ~~هيجان الغيظ في الباطن، وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه. # وقد يتصور فقد الغيظ بغلبة نظر التوحيد، أو بأن يعلم أن ms215 الله يحب منه أن ~~لا يغتاظ، فتطفئ شدة حبه لله تعالى غيظه، أو بأن يشتغل القلب بضروري أهم من ~~الغضب، فلا يكون في القلب متسع للغضب لاشتغاله بغيره، فإن استغراق القلب ~~ببعض المهمات يمنع الإحساس بما عداه. ### | بيان الأسباب المهيجة للغضب: # قد عرفت أن علاج كل علة بحسم مادتها وإزالة أسبابها، فلا بد من معرفة ~~أسباب الغضب. # وأسبابه المهيجة له هي: الزهو، والعجب، والمزاح، والهزل، والهزء، ~~والتعيير، والمماراة، والمضادة، والغدر، وشدة الحرص على حصول المال والجاه، ~~وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه ~~الأسباب، فلا بد من إزالتها بأضدادها، فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع، ~~وتميت العجب بمعرفتك بنفسك، وتزيل الفخر بأنك من جنس أقل مخلوق، إذ الناس ~~يجمعهم في الانتساب أب واحد، وإنما الفخر بالفضائل، والفخر والعجب أكبر ~~الرذائل، وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب # PageV01P207 # العمر وتفضل عنه، وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق ~~الحسنة، والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة، وأما الهزء فتزيله ~~بالتكرم على إيذاء الناس، وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك، وأما التعيير ~~فبالحذر عن القول القبيح، وصيانة النفس عن مر الجواب، وأما شدة الحرص ~~فبالصبر على مر العيش، وبالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء، وترفعا ~~عن ذل الحاجة. # وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة ~~وتحمل ومشقة، وحاصل رياضتها الرجوع إلى معرفة غوائلها؛ لترغب النفس عنها، ~~وتنفر عن قبحها، ثم المواظبة على مواظبة أضدادها مدة مديدة حتى تصير ~~بالعادة هينة مألوفة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه ~~الرذائل، وتخلصت أيضا من الغضب الذي يتولد منها. # وأشد البواعث للغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة وعزة نفس، حتى ~~تميل النفس إليه وتستحسنه، وهذا من الجهل، بل هو مرض قلب ونقصان عقل، ~~ويعالج هذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو، وما استحسن منهم ~~من كظم الغيظ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والعلماء. ### | بيان ms216 علاج الغضب بعد هيجانه: # ما تقدم هو حسم لمواد الغضب حتى لا يهيج، فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب ~~التثبت؛ حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم، وإنما يعالج ~~الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل، وأما العلم فهو أمور: # الأول: أن يتفكر فيما ورد في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال، ~~فيرغب في ثوابه، وتمنعه الرغبة في الأجر عن الانتقام، وينطفئ عنه غيظه. # الثاني: أن يخوف نفسه بعقاب الله لو أمضى غضبه، وهل يأمن من غضب الله يوم ~~القيامة وهو أحوج ما يكون إلى العفو. # الثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وتشمر العدو لمقابلته، ~~والسعي في هدم أغراضه، والشماتة بمصائبه، وهو لا يخلو عن المصائب، فيخوف ~~نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة. # الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، بأن يتذكر صورة غيره في حالة ~~الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه، ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع ~~العادي، ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء ~~والحكماء، ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس، وبين أن ~~يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم؛ لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن ~~كان قد بقي معه مسكة من عقل. # الخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ، ~~مثل قول الشيطان له: إن هذا يحمل منك على العجز والذلة وتصير حقيرا في أعين ~~الناس فيقول # PageV01P208 # لنفسه: «ما أعجبك! تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين من خزي يوم ~~القيامة، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين» . # فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله، وذلك يعظمه عند الله، فما له ~~وللناس؟ . # وأما العمل فأن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإن كنت ~~قائما فاجلس، وإن كنت جالسا فاضطجع، ويستحب أن يتوضأ بالماء البارد؛ فإن ~~الغضب من النار، والنار لا يطفئها إلا الماء. ### | فضيلة كظم الغيظ: # قال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ms217 ~~أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين) [آل عمران: 133، 134] دلت الآية على أن الكاظمين ~~من المتقين، وأن مغفرة ربهم تنالهم، وجنته أعدت لهم، فما أفضل هذا الجزاء. ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر ~~إلى ربه قبل الله عذره، ومن خزن لسانه ستر الله عورته» وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أشدكم من غلب نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند القدرة» . # وروي أن رجلا من جفاة الأعراب قال «لعمر» رضي الله عنه: «والله ما تقضي ~~بالعدل، ولا تعطي الجزل» ، فغضب «عمر» حتى عرف ذلك في وجهه، فقال له رجل: ~~يا أمير المؤمنين ألم تسمع قول الله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين) [الأعراف: 199] وإن هذا من الجاهلين، فسكن عمر رضي الله عنه وعفا ~~عنه. ### | فضيلة الحلم: # اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيط؛ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم، أي ~~تكلف الحلم، ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه، ويحتاج فيه إلى ~~مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتياديا فلا يهيج الغيظ، وإن ~~هاج فلا يكون في كظمه تعب، وهو الحلم الطبيعي، وهو دلالة كمال العقل ~~واستيلائه، وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل، ولكن ابتداؤه التحلم وكظم ~~الغيظ تكلفا، وفي الحديث: " إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم " إشارة ~~إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولا وتكلفه، كما أن اكتساب العلم طريقه ~~التعلم. # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة ~~الصائم القائم "، وعن " الحسن " في قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما) [الفرقان: 63] قال: حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. وعن مجاهد ~~في آية: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) [الفرقان: 72] أي: إذا أوذوا صفحوا، ~~وعن " علي " رضي الله عنه: " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن ~~يكثر علمك ويعظم حلمك، وأن لا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت ~~الله تعالى، وإذا # PageV01P209 # أسأت استغفرت الله ms218 تعالى "، وقال " أكثم ": " دعامة العقل الحلم، وجماع ~~الأمر الصبر "، وقال " معاوية ": " لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه ~~جهله وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم ". وقال معاوية لعمرو بن ~~الأهتم: أي الرجال أشجع؟ قال: من رد جهله بحلمه، قال: " أي الرجال أسخى "؟ ~~قال " من بذل دنياه لصلاح دينه ". وقال معاوية لعرابة: " بم سدت قومك "، ~~قال: كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل مثل ~~فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير منه "، وقال ~~" أنس بن مالك " في قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم) [فصلت: 34، 35] هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: " إن كنت كاذبا فغفر الله ~~لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي ". وعن " علي بن الحسين "رضي الله عنهما ~~أنه سبه رجل، فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: " ~~جمع له خمس خصال محمودة: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من ~~الله عز وجل، وحمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى المدح بعد الذم، اشترى ~~جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير ". ### | بيان القدر الذي يجوز به الانتصار من الكلام: # اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله، فلا تجوز مقابلة ~~الغيبة بالغيبة، ولا مقابلة التجسس بالتجسس، ولا السب بالسب، وكذلك سائر ~~المعاصي، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مقابلة التعيير ~~فقال: " إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه ". # وقال قوم: " تجوز المقابلة بما لا كذب فيه "، قالوا: والنهي النبوي عن ~~مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه، والأفضل تركه، ولكنه لا يعصى به، قالوا: ~~والذي يرخص فيه أن تقول: " من أنت، ويا أحمق، # PageV01P210 # ويا جاهل "، إذ ما أحد إلا وفيه حمق وجهل، فقد آذاه بما ليس بكذب، وكذلك ~~قوله: " يا سيئ الخلق، يا ثلابا للأعراض "، وكان ذلك فيه، وكذلك قوله: ms219 " لو ~~كان فيك حياء لما تكلمت، وما أحقرك في عيني بما فعلت ". واستدلوا بالحديث: ~~" المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم. فأثبت للمظلوم ~~انتصارا إلى أن يعتدي. # فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء، وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه ~~السابق. قال " الغزالي ": ولا تبعد الرخصة في هذا القدر، ولكن الأفضل تركه، ~~فإنه يجره إلى ما وراءه، ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه، والسكوت عن ~~أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه، ولكن ~~من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب، ولكن يعود سريعا، وفي ~~الحديث: " خير بني آدم البطيء الغضب، السريع الفيء، وشرهم السريع الغضب، ~~البطيء الفيء ". ### | معنى الحقد ونتائجه الوخيمة وفضيلة الرفق: # اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال، رجع إلى الباطن ~~واحتقن فيه، فصار حقدا، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له ~~والنفار عنه، وأن يدوم ذلك ويبقى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن ~~ليس بحقود» . والحقد ثمرة الغضب، والحقد يثمر أمورا منكرة: # الأول: الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه، فتغتم ~~بنعمة إن أصابها، وتسر بمصيبة إن نزلت به، وهذا من فعل المنافقين. # الثاني: أن يزيد على إضمار الحسد في الباطن فيشمت بما أصابه من البلاء. # الثالث: أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك. # الرابع: وهو دونه أن تعرض عنه استصغارا له. # الخامس: أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر ~~وعورة. # السادس: أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه. # السابع: إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه. # الثامن: أن تمنعه حقه من قضاء دين، أو صلة رحم، أو رد مظلمة، وكل ذلك ~~حرام. وأقل # PageV01P211 # درجات الحقد لو احترز عن هذه الآفات الثماني أن يترك البشاشة، أو الرفق، ~~والعناية، والقيام بحاجاته، أو المعاونة على المنفعة له، وكله مما ينقص ~~الدرجة في الدين، ويفوت الثواب الجزيل. # ولما حلف «أبو بكر» رضي ms220 الله عنه أن لا ينفق على «مسطح» - وكان قريبه - ~~لأمر ما، نزل قوله تعالى: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله غفور رحيم) [النور: 22] فقال «أبو بكر» : «نعم نحب ~~ذلك» وعاد إلى الإنفاق عليه. . . والأولى أن يبقى على ما كان عليه، فإن ~~أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة للنفس وإرغاما للشيطان، فذلك مقام ~~الصديقين، وهو من # فضائل أعمال المقربين. ### | فضيلة العفو والإحسان: # اعلم أن معنى العفو أن يستحق حقا فيسقطه ويبرأ عنه من قصاص أو غرامة، قال ~~الله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: 199] ، ~~وقال تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى) [البقرة: 237] ، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: " التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو ~~لا يزيد العبد إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله، والصدقة لا تزيد المال إلا ~~كثرة، فتصدقوا يرحمكم الله " وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أفضل أخلاق ~~أهل الدنيا والآخرة: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك "، وروي ~~عن الحسن البصري رحمه الله أنه دخل على أمير يعرض له بالعفو، فذكر " الحسن ~~" قصة " يوسف " عليه السلام وما صنع به إخوته، ومن بيعهم إياه، وطرحهم له ~~في الجب، فقال: " باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم "، وذكر ما لقي من كيد النساء ~~ومن الحبس، ثم قال: " أيها الأمير ماذا صنع الله به؟ أداله منهم، ورفع ~~ذكره، وأعلى كلمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا صنع حين أكمل له أمره ~~وجمع أهله؟ قال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ~~[يوسف: 92] فعفا ذلك الأمير. وروي أن " ابن مسعود " سرقت له دراهم، فجعلوا ~~يدعون على من أخذها، فقال لهم: " اللهم إن كان حملته على أخذها حاجة فبارك ~~له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه ". وقال " معاوية ~~": " عليكم بالحلم والاحتمال، فإذا أمكنتكم الفرصة فعليكم بالصفح والإفضال ~~". ### | فضيلة الرفق: # اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة، والعنف ms221 نتيجة الغضب والفظاظة، ~~والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة ~~الغضب وحفظها على حد الاعتدال؛ ولأجل هذا أثنى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على الرفق، وبالغ فيه فقال: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من ~~خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير # PageV01P212 # الدنيا والآخرة» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أحب الله أهل بيت ~~أدخل عليهم الرفق» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لعائشة» : «عليك ~~بالرفق؛ فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» . # وسر الترغيب في الرفق والثناء عليه هو كون الطباع إلى العنف والحدة أميل، ~~وإن كان العنف في محله حسنا فإن الحاجة قد تدعو إليه ولكن على الندور، ~~والكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف، فيعطي كل أمر حقه. ### | ذم الحسد: # اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد الذميم، وللحسد من الفروع الذميمة ما ~~لا يكاد يحصى، وقد ورد في ذمه أخبار كثيرة، منها قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» ، وقوله: «لا تحاسدوا، ولا ~~تقاطعوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم ~~الله» ومن الآثار قول بعض السلف: «إن أول خطيئة كانت هي الحسد، حسد إبليس ~~آدم - عليه السلام - على رتبته، فأبى أن يسجد له، فحمله الحسد على المعصية» ~~. وعن «ابن سيرين» رحمه الله: «ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه ~~إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على أمر الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن ~~كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار» . وقال ~~بعضهم: «الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من الملائكة ~~إلا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند الموقف إلا ~~فضيحة ونكالا» . ### | حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه: # الحسد نوعان: # أحدهما: كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه. # وثانيهما: عدم محبة ms222 زوالها وتمني مثلها، وهذا يسمى غبطة، فالأول حرام بكل ~~حال، إلا نعمة أصابها فاجر وهو يستعين بها على محرم، كإفساد، وإيذاء، فلا ~~يضر محبة زوالها عنه من حيث هي آلة الفساد، ويدل على تحريم الحسد الأخبار ~~التي نقلناها، وإن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على ~~بعض، وذلك لا عذر فيه ولا رخصة، وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من ~~غير أن يكون لك منه مضرة؟ وإلى هذا أشار القرآن بقوله: (إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) [آل عمران: 120] وهذا الفرح شماتة، ~~والحسد والشماتة يتلازمان. وقال تعالى: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا) # PageV01P213 # [الحشر: 9] أي لا تضيق صدورهم به، ولا يغتمون، فأثنى عليهم بعدم الحسد، ~~وأما المنافسة فليست بحرام، بل قد تكون مطلوبة، قال تعالى: (وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون) [المطففين: 26] وقال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ~~ربكم) [الحديد: 21] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: ~~رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل ~~به ويعلمه الناس» فلا حرج على من يغبط غيره في نعمة ويشتهي لنفسه مثلها ~~مهما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها له، وأما تمني عين نعمة الغير ~~بانتقالها إليه لرغبته فيها بحيث يكون مطلوبه تلك النعمة لا زوالها - فهو ~~مذموم لقوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) [النساء: ~~32] وأما تمنيه لمثل ذلك فليس مذموما، فاعرف الفرق. ### | أسباب الحسد: # للحسد المذموم مداخل كثيرة وأسباب عديدة: # فمنها: العداوة والبغضاء، وهذا أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من ~~الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه - أبغضه قلبه، وغضب عليه، ورسخ في ~~نفسه الحقد، والحقد يقتضي منه التشفي والانتقام، فإن عجز المتنغص عن أن ~~يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند ~~الله تعالى، فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها، وظنها مكافأة له من جهة الله ~~على بغضه، وأنها لأجله، ms223 ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك؛ لأنه ضد مراده، وربما ~~يخطر له أنه لا منزلة له عند الله، حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه، بل ~~أنعم عليه. وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وإنما غاية ~~التقي أن لا يبغي، وأن يكره ذلك من نفسه. # ومنها: التعزز، وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره. # ومنها: حب الرياسة وطلب الجاه، بأن يكون منفردا عديم النظر، غير مشارك في ~~المنزلة، يسوءه وجود مناظر له في المنزلة. # ومنها: خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله، بحيث يشق عليه أن يوصف عنده ~~حسن حال عبد فيما أنعم عليه، ويفرح بذكر فوات مقاصد أحد واضطراب أموره ~~وتنغص عيشه، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، ~~كأنهم يأخذون ذلك من ملكه! وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس، ورذالة ~~في الطبع، ومعالجته شديدة؛ لأنه خبث في الجبلة لا في عارض حتى يتصور زواله. ~~وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد، فيعظم فيه ~~الحسد بذلك، ويقوى قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة، بل ينهتك حجاب ~~المجاملة، وتظهر العداوة بالمكاشفة، أعاذنا المولى من ذلك بلطفه وكرمه. # PageV01P214 ### | بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب: # اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا ~~بالعلم والعمل؛ والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر ~~عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين، بل ~~ينتفع به فيهما. ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك - ~~فارقت الحسد لا محالة. # أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى، وكرهت ~~نعمته التي قسمها بين عباده، وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته، ~~فاستنكرت ذلك واستبشعته، وهذه جناية في حدقة التوحيد، وقذى في عين الإيمان، ~~وناهيك بهما جناية على الدين، وقد انضاف إلى ذلك أنك فارقت أولياءه ~~وأنبياءه في حبهم الخير لعباده ms224 تعالى، وشاركت إبليس والكفار في محبتهم ~~للمؤمنين البلايا وزوال النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما ~~تأكل النار الحطب. # وأما كونه ضررا في الدنيا، فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا، أو تتعذب به، ~~ولا تزال في كمد وغم، إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم، ~~فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغموما ~~ضيق الصدر، فقد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك، فقد كنت تريد ~~المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا، ولا تزول النعمة عن المحسود ~~بحسدك، ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة - إن كنت عاقلا - ~~أن تحذر من الحسد، لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع، فكيف وأنت ~~عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة؟ فما أعجب من يتعرض لسخط ~~الله من غير نفع يناله، بل مع ضرر يحتمله، وألم يقاسيه، فيهلك دينه ودنياه ~~من غير جدوى ولا فائدة. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح؛ ~~لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا ~~فواضح، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك، لا سيما إذا أخرجك ~~الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه، وهتك ستره، وذكر مساوئه، فهذه ~~هدايا تهديها إليه، إذ تهدي إليه حسناتك، حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا ~~محروما كما حرمت في الدنيا عن النعمة. # فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك؛ إذ تعاطيت ما تضررت به في ~~الدنيا والآخرة، وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة، وصرت مذموما عند الخالق ~~والخلائق، شقيا في الحال والمآل، ونعمة المحسود دائمة، شئت أم أبيت باقية. ~~ومن تفكر بهذا بذهن صاف وقلب حاضر، انطفأت نار الحسد من قلبه. # وأما العمل النافع فيه فهو أن يكلف نفسه نقيض ما يتقاضاه الحسد، وذلك ~~بالتواضع للمحسود، والثناء، والمدح، وإظهار السرور بالنعمة، فتعود القلوب ~~إلى التآلف والتحاب، وبذلك تستريح القلوب من ms225 ألم الحسد وغم التباغض. فهذه ~~هي أدوية الحسد، وهي نافعة جدا، إلا أنها مرة على القلوب جدا، ولكن النفع ~~في الدواء المر، فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء، وإنما ~~تهون مرارة هذا الدواء - أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح ~~والثناء - بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها، وقوة الرغبة في ثواب الرضاء ~~بقضاء الله تعالى. # PageV01P215 ### | كتاب ذم الدنيا # الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة، وأكثر القرآن مشتمل على ذم ~~الدنيا، وصرف الخلق عنها، وعودتهم إلى الآخرة، بل هو مقصود الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، ولم يبعثوا إلا لذلك، فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات ~~القرآن؛ لظهورها، وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها: # فقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على شاة ميتة، فقال: ~~«أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟» قالوا: «من هوانها ألقوها» ، قال: ~~«والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها، ولو كانت ~~الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» ، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» ، وقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» . ### | بيان الدنيا المذمومة: # اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي، وما ~~الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب، فلا بد وأن نبين الدنيا ~~المذمومة المأمور باجتنابها - لكونها عدوة قاطعة لطريق الله - ما هي، ~~فنقول: # دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك، فالقريب الداني يسمى دنيا، ~~وهو كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهو ما بعد الموت، فكل ~~ما لك فيه حظ ونصيب، وغرض، وشهوة، ولذة - عاجل الحال قبل الوفاة، فهي ~~الدنيا في حقك، إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل ~~هو ثلاثة أقسام: # القسم الأول: ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو العلم ~~النافع والعمل الصالح. # القسم الثاني: وهو ms226 المقابل له على الطرف الأقصى: كل ما فيه حظ عاجل ولا ~~ثمرة له في الآخرة أصلا، كالتلذذ بالمعاصي كلها، والتنعم بالمباحات الزائدة ~~على قدر الحاجات، والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات - أي في ~~السرف - فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة. # PageV01P216 # القسم الثالث: وهو متوسط بين الطرفين: كل حظ عاجل معين على أعمال الآخرة، ~~وهو ما لا بد منه ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي بها يصل إلى العلم ~~والعمل، وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول؛ لأنه معين على الأول ووسيلة ~~إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به ~~متناولا للدنيا، ولم يصر به من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة ~~للآخرة، وإن أخذ ذلك بقصد حظ النفس فهو من الدنيا. فإذن الدنيا: حظ نفسك ~~العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة، ويعبر عنه بالهوى، وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: (ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) [النازعات: 40، ~~41] ومجامع الهوى خمسة أمور، وهي ما جمعه الله تعالى في قوله: (أنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) [الحديد: ~~20] . # والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة، يجمعها قوله تعالى: (زين للناس ~~حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) [آل عمران: 14] وبالجملة ~~فكل ما ليس لله فهو من الدنيا، وما هو لله فذلك ليس من الدنيا. ### | بيان حقيقة الدنيا في نفسها # اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ وله في إصلاحها ~~شغل، وإنما الأعيان الموجودة التي لدينا عبارة عنها، فهي الأرض وما عليها، ~~قال الله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) ~~[الكهف: 7] فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر، وما عليها لهم ملبس ~~ومطعم ومشرب ومنكح، ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام: المعادن والنبات ~~والحيوان. # أما النبات: فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي. # وأما المعادن: فيطلبها للآلات والأواني، كالنحاس والرصاص، وللنقد كالذهب ~~والفضة، ولغير ms227 ذلك من المقاصد. # وأما الحيوان: فينقسم إلى الإنسان والبهائم، أما البهائم فيطلب منها ~~لحومها للمآكل، وظهورها للمركب والزينة، وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي ~~ليستخدم كالغلمان، أو ليتمتع به كالجواري والنسوان، ويطلب قلوب الناس ~~ليملكها بأن يغرس فيها التعظيم والإكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه، إذ ~~معنى الجاه ملك قلوب الآدميين، فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا، ~~وقد جمعها الله تعالى في قوله: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين) ~~وهذا من الإنس، (والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة) وهذا من الجواهر ~~والمعادن، وفيه تنبيه على غيرها من اللآلئ واليواقيت وغيرها، (والخيل ~~المسومة والأنعام) وهي البهائم والحيوان، (والحرث) وهو النبات والزرع، فهذه ~~هي أعيان الدنيا، إلا أن لها مع العبد # PageV01P217 # علاقتين: علاقة مع القلب، وهو حبه لها، وحظه منها، وانصراف همه إليها، ~~حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذه العلاقة ~~جميع صفات القلب المعلق بالدنيا، كالكبر، والغل، والحسد، والرياء، والسمعة، ~~وسوء الظن، والمداهنة، وحب الثناء، وحب التكاثر والتفاخر، وهذه هي الدنيا ~~الباطنة، وأما الظاهرة فهي كالأعيان التي ذكرناها. # العلاقة الثانية مع البدن، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان؛ لتصلح لحظوظه ~~وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها. والخلق إنما ~~نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بالحب، ~~وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف نفسه، وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها - ~~علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لقوامه؛ ليتقوى بها على ~~إصلاح دينه، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه ~~همته، وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها، حتى لا يجاوز حدود الورع ~~والتقوى، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية، وهم الصحابة، ~~فقد كانوا على المنهج القصد، وعلى السبيل الواضح، فإنهم ما كانوا يأخذون ~~الدنيا للدنيا، بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية، وما ~~كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط، بل كان أمرهم بين ذلك قواما، وذلك هو ~~العدل والوسط بين الطرفين، وهو ms228 أحب الأمور إلى الله تعالى. # PageV01P218 ### | كتاب ذم البخل وذم المال # وما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة، بل في الدنيا ~~عامة، والمال بعض أجزائها، الجدير بإفراد البحث عنه، إذ فيه آفات وغوائل، ~~وللإنسان من فقده صفة الفقر، ومن وجوده وصف الغنى، وهما حالتان يحصل بهما ~~الاختبار والامتحان، ثم للفاقد حالتان: القناعة والحرص، وإحداهما مذمومة ~~والأخرى محمودة. وللحريص حالتان: طمع فيما في أيدي الناس، وتشمر للحرف ~~والصناعات مع اليأس عن الخلق، والطمع شر الحالتين. وللواحد حالتان: إمساك ~~بحكم البخل والشح، وإنفاق، وإحداهما مذمومة، والأخرى محمودة، وللمنفق ~~حالتان: تبذير واقتصاد، والمحمود هو الاقتصاد. وهذه أمور متشابهة، وكشف ~~الغطاء عن الغموض فيها مهم، ونحن نشرحه بعونه تعالى. ### | بيان ذم المال وكراهة حبه: # قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ~~ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون: 9] ، وقال تعالى: ~~(إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) [التغابن: 15] ، فمن ~~اختار ماله وولده على ما عند الله فقد خسر وغبن خسرانا مبينا، وقال تعالى: ~~(كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) [العلق: 6، 7] ، فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، وقال تعالى: (ألهاكم التكاثر) [التكاثر: 1] ، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم، تعس ولا انتعش، ~~وإذا شيك فلا انتقش» بين أن محبهما عابد لهما، ومن عبد حجرا فهو عابد صنم، ~~أي من قطعه ذلك عن الله تعالى وعن أداء حقه فهو كعابد صنم، وهو شرك، إلا أن ~~الشرك خفي وجلي، نعوذ بالله منهما. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك ~~إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» . وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الشرف ~~والمال والجاه في دين الرجل المسلم» . وقال - صلى الله عليه وسلم -: «هلك ~~المكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا # PageV01P219 # وهكذا، وقليل ما ms229 هم» . # وعن «يحيى بن معاذ» قال: «الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، ~~فإنه إن لدغك قتلك سمه، قيل: وما رقيته؟ قال: أخذه من حله ووضعه في حقه» ، ~~وعنه رحمه الله: «مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلها للعبد في ماله ~~عند موته» ، قيل: «وما هما» ؟ قال: «يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله» . ### | بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم: # اعلم أن الله تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال عز ~~وجل: (إن ترك خيرا) [البقرة: 180] وقال تعالى ممتنا على عباده: (ويمددكم ~~بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) [نوح: 12] وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» . # ولا تقف على وجه الجمع بين الذم والمدح إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده ~~وآفاته؛ حتى ينكشف لك أنه خير من وجه وشر من وجه، وأنه محمود من حيث هو خير ~~ومذموم من حيث هو شر، فإنه ليس بخير محض ولا هو شر محض، بل هو سبب الأمرين ~~جميعا، وما هذا وصفه، فيمدح تارة ويذم أخرى. ### | بيان تفصيل آفات المال وفوائده # قدمنا أن المال فيه خير وشر، فمن عرف فوائده وغوائله أمكنه أن يحترز من ~~شره ويستدر من خيره. أما الفوائد فدنيوية ودينية، أما الدنيوية فمعروفة، ~~وأما الدينية فتنحصر في ثلاثة أنواع: # النوع الأول: أن ينفقه إما على عبادة كالسفر للحج والعلم، وإما فيما ~~يقويه على العبادة من مطعم، وملبس، ومسكن، ومنكح، وضرورات المعيشة، وما لا ~~يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة. # النوع الثاني: ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام: الصدقة، والمروءة، ~~ووقاية العرض، وأجرة الاستخدام. # أما الصدقة: فلا يخفى ثوابها. # وأما المروءة: فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة، ~~وهدية، وإعانة، وما يجري مجراها، فإن هذه لا تسمى صدقة، بل الصدقة ما يسلم ~~إلى المحتاج، إلا أن هذا من الفوائد الدينية؛ إذ به يكتسب العبد الإخوان ~~والأصدقاء، وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة # PageV01P220 # الأسخياء، فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع ms230 المعروف، ويسلك سبيل المروءة ~~والفتوة، وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه، فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا، ~~والضيافات، وإطعام الطعام، من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها. # وأما وقاية العرض: فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب السفهاء ~~ودفع شرهم، وهو أيضا - مع تنجز فائدته في العاجلة - من الحظوظ الدينية، ففي ~~الحديث: «ما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة» وكيف لا وفيه منع المغتاب ~~عن معصية الغيبة، واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في ~~المكافأة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة. # وأما الاستخدام: فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان كثيرة، ولو ~~تولاها بنفسه ضاعت أوقاته. # النوع الثالث: ما لا يصرفه إلى إنسان معين، ولكن يحصل به خير عام؛ كبناء ~~المساجد، والقناطر، والرباطات، ودور المرضى، وغير ذلك من الأوقاف المرصدة ~~للخيرات، وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت، المستجلبة بركة أدعية ~~الصالحين، وناهيك بها خيرا، فهذه جملة فوائد المال في الدين. # وأما الآفات: فدينية ودنيوية، وأما الدينية فثلاث: # الأولى: أن تجر إلى المعاصي، فإن المال يحرك داعية المعاصي وارتكاب ~~الفجور. # الثانية: أن يجر إلى التنعم في المباحات، والتمرن عليه، حتى يصير مألوفا ~~عنده ومحبوبا لا يصبر عنه، وإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه ~~بالكسب الحلال، فيقتحم الشبهات، ويخوض في الكذب والنفاق، وسائر الأخلاق ~~الرديئة؛ لينتظم له أمر دنياه، ويتيسر له تنعمه، وذلك من شؤم المال. # الثالثة: أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى، وكل ما شغل العبد عن ~~الله فهو خسران. # وأما الآفات الدنيوية فكثيرة؛ كالخوف، والحزن، والغم، والهم، والتعب في ~~دفع الحساب، وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه، والفكر في خصومة الشركاء ~~ومنازعتهم. # وأدوية أفكار الدنيا لا نهاية لها. فإن ترياق المال أخذه من حله، وصرفه ~~في الخيرات، وما عدا ذلك سموم وآفات. نسأله تعالى السلام والعون بلطفه ~~وكرمه. ### | بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة والاقتصاد: # ينبغي للفقير أن يكون قانعا منقطع الطمع عن الخلق، غير متلفت إلى ما ms231 في ~~أيديهم، ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان؛ لئلا يتدنس بذل الحرص، فيجره ~~إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات، وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة ~~القناعة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P221 # «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا» وعلاج ذلك لا يكون ~~إلا بأمور: # الأول: الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق وهو الأصل في القناعة، فإن ~~من كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة، وفي الحديث: «ما عال من اقتصد» ~~، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث منجيات: خشية الله في السر ~~والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب» . وعنه - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الاقتصاد وحسن السمت والهدي الصالح جزء من بضعة وعشرين ~~جزءا من النبوة» . # الثاني: أن يتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه، وإن لم يشتد ~~حرصه. # الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الحرص والطمع من ~~الذل والمداهنة. # الرابع: أن يكثر تأمله في تنعم الكفرة والحمقى، ثم ينظر إلى أحوال ~~الأنبياء والأولياء، ويستمع أحاديثهم، ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين أن ~~يكون على مشابهة الفجار أو الأبرار، فيهون عليه الصبر على القليل، والقناعة ~~باليسير. # الخامس: أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال، ويتم ~~ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا، لا إلى من فوقه. فبهذه الأمور ~~يقدر على اكتساب خلق القناعة، وعماد الأمر الصبر. ### | بيان فضيلة السخاء # اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة ~~الحرص، وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار، والسخاء، واصطناع ~~المعروف، والتباعد عن الشح والبخل، فإن السخاء من أخلاق الأنبياء - عليهم ~~السلام - وهو أصل من أصول النجاة، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيه أحاديث كثيرة منها: «خلقان يحبهما الله تعالى: حسن الخلق والسخاء، ~~وخلقان يبغضهما: سوء الخلق والبخل، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في ~~قضاء حوائج الناس» . # وعنه - صلى الله عليه ms232 وسلم -: «إن من موجبات المغفرة: بذل الطعام، وإفشاء ~~السلام، وحسن الكلام» . # وقال «أنس» : «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل شيئا على ~~الإسلام إلا أعطاه، وأتاه رجل فسأله، فأمر له # PageV01P222 # بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ ~~فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن السخي قريب من الله، قريب من الناس، ~~قريب من الجنة، بعيد من النار، وإن البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، ~~بعيد من الجنة، قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل، وأدوأ ~~الداء البخل» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على ~~نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة، وما أنفق ~~الرجل من نفقة فعلى الله خلفها» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله، ~~والله يحب إغاثة اللهفان» . # وعن «الحسن بن علي» : «الكرم هو التبرع بالمعروف قبل السؤال، والإطعام في ~~المحل، والرأفة بالسائل، مع بذل النائل» . # وعن «عبد الله بن جعفر» : «أمطر المعروف مطرا، فإن أصاب الكرام كانوا له ~~أهلا، وإن أصاب اللئام كنت له أهلا» . # ومن سخاء السلف ما حكي أن «ابن عامر» اشترى دارا بتسعين ألف درهم، فلما ~~كان الليل سمع بكاء أهلها، فسأل، فقيل: «يبكون لدارهم» . فقال: «يا غلام، ~~إيتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا» . # وكان «الليث بن سعد» لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاثمائة وستين ~~مسكينا. # وعن «أسماء بن خارجة» أن «عبد الملك» سأله عن خصال حدث بها عنه، فأجابه ~~أسماء: «ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط، ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه ~~قوما إلا وكانوا أمن علي مني عليهم، ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا ~~فاستكثرت شيئا أعطيته إياه» . # وعن «الشافعي» أن «حماد بن أبي سليمان» انقطع زره وهو راكب، فمر على # PageV01P223 # خياط وأراد النزول، فبادره الخياط وحلف ms233 عليه أن لا ينزل، وأصلح له زره ~~وهو راكب، فأخرج له صرة فيها عشرة دنانير وسلمها له، واعتذر إليه من قلتها. # قال «الشافعي» : «لا أزال أحب حمادا لما بلغني عنه» ، وأنشد الشافعي ~~لنفسه: # يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلين من أهل المروءات # إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيبات # وعن «الربيع بن سليمان» قال: «أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله، فقال: يا ~~ربيع، أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني» . # وقام رجل إلى «سعيد بن العاص» فسأله، فأمر له بمائة ألف درهم، فبكى، فقال ~~له «سعيد» : «ما يبكيك؟ قال: أبكي على الأرض أن تأكل مثلك، فأمر له بمائة ~~ألف أخرى» . # وروي أن عليا كرم الله وجهه بكى، فقيل: «ما يبكيك» ؟ فقال: «لم يأتني ضيف ~~منذ سبعة أيام، أخاف أن يكون الله قد أهانني» . # وروي أن رجلا أتى صديقا له، فدق عليه الباب، فقال: «ما جاء بك» ؟ قال: ~~«علي أربعمائة درهم دين» ، فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي، ~~فسألته امرأته، فقال: «أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي» . # فرحم الله من هذه أخلاقهم وغفر لهم. ### | بيان ذم البخل: # قال الله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [الحشر: 9، ~~والتغابن: 16] وقال تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ~~هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) [آل عمران: ~~180] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، ~~حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة بخيل» . # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يبغض البخيل في حياته، السخي عند ~~موته» . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء ~~الخلق» . # وعن «علي» كرم الله وجهه: سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما ~~في يده ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) [البقرة: ~~237] . # وقال «الشعبي» : «لا ms234 أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم: البخل أو الكذب» ~~. # وقال «بشر بن الحارث» : «البخيل لا غيبة له؛ قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنك إذا لبخيل» . # وقال - صلى الله عليه وسلم - لوفد بني لحيان: «من سيدكم» ؟ قالوا: «جد بن ~~قيس # PageV01P224 # إلا أنه رجل فيه بخل» ، فقال صلى الله عليه وسلم: «وأي داء أدوأ من ~~البخل، ولكن سيدكم عمرو بن الجموح» وكان «عمرو» يولم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا تزوج. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: والله ما استقصى كريم قط حقه قال الله ~~تعالى: (فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض) [التحريم: ~~3] . # وقال «بشر» : «النظر إلى البخيل يقسي القلب، ولقاء البخلاء كرب على قلوب ~~المؤمنين» . # وقال «ابن المعتز» : «أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه» . ### | بيان الإيثار وفضله: # اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات، فأرفع درجات السخاء ~~الإيثار، وهو أن يجود مع الحاجة إليه، وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا ~~يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج، والبذل مع الحاجة أشد، وكما أن السخاوة ~~قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة. # فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال ~~ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن، ولو ~~وجدها مجانا لأكلها، فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة، وذلك يؤثر على نفسه ~~غيره مع أنه محتاج إليه، فانظر ما بين الرجلين، فإن الأخلاق عطايا يضعها ~~الله حيث يشاء، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، وقد أثنى الله على ~~الصحابة رضي الله عنهم به فقال: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ~~[الحشر: 9] . # فقد روي أنه نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله ~~شيئا، فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه ~~الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل، ولا ~~يأكل حتى أكل الضيف الطعام، ms235 فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لقد عجب الله من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم» ونزلت: (ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) [الحشر: 9] . # فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى، والإيثار أعلى درجات السخاء، وكان ذلك ~~من دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال ~~تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم: 4] . # قيل: خرج «عبد الله بن جعفر» رضي الله عنهما إلى ضيعة له فنزل على نخيل ~~قوم وفيه # PageV01P225 # غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام ~~فرمى إليه الغلام بقرص فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ~~ينظر إليه، فقال: «يا غلام كم قوتك كل يوم» ؟ قال: «ما رأيت» ، قال: «فلم ~~آثرت به هذا الكلب» ؟ قال: «ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، ~~فكرهت أن أشبع، وهو جائع» ، قال «فما أنت صانع اليوم» ؟ قال: «أطوي يومي ~~هذا» ، فقال «عبد الله بن جعفر» : «ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى ~~مني» فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه. # وقال «عمر» رضي الله عنه: «أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأس شاة فقال:» إن أخي كان أحوج مني إليه، فبعث به إليه فلم يزل كل ~~واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول «. # وقال» حذيفة العدوي «:» انطلقت يوم اليرموك من أيام فتوح الشام أطلب ابن ~~عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: «إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه، ~~فإذا أنا به، فقلت:» أسقيك «؟ فأشار إلي: أن نعم، فإذا رجل يقول:» آه «، ~~فأشار ابن عمي إلي: انطلق به إليه، قال:» فجئته، فإذا هو هشام بن العاص ~~«فقلت:» أسقيك «؟ فسمع به آخر فقال:» آه «فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته، ~~فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو ~~قد مات رحمة ms236 الله عليهم أجمعين» . ### | بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما: # اعلم أن المال خلق لحكمة، وهو صلاحه لحاجات الخلق، فيمكن إمساكه عن صرفه ~~إلى ما خلق الصرف إليه، ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه، ~~ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ، ويبذل حيث يجب البذل، ~~فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينها وسط هو ~~المحمود، وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه، إذ لم يؤمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء، وقد قيل: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط) [الإسراء: 29] وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان: 67] . # فالجود وسط بين الإسراف والإقتار، وبين البسط والقبض، وهو أن يقدر بذله ~~وإمساكه بقدر الواجب، ولا بد أن يكون قلبه طيبا به غير منازع له فيه، ثم إن ~~الواجب بذله قسمان: واجب بالشرع، وواجب بالمروءة والعادة. # والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع، ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا ~~منهما فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، كالذي يمنع أداء الزكاة، ~~ويمنع عياله وأهله النفقة أو # PageV01P226 # يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع، أو الذي يتيمم الخبيث من ماله، ~~ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل. # ومن واجب المروءة ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات، فإن ذلك مستقبح، ~~واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص، فمن كثر ماله استقبح منه ما لا ~~يستقبح من الفقير من المضايقة، ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه، ~~ما لا يستقبح من الأجانب، ويستقبح من الجار ما لا يستقبح من البعيد، ~~ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة. # وبالجملة فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما ~~بحكم المروءة، ومن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من ~~البخل، نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك ms237 لطلب ~~الفضيلة ونيل الدرجات، فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو ~~الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس، ولا يكون عن طمع ورجاء خدمة أو مكافأة ~~أو شكر أو ثناء، فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه ~~يشتري المدح بماله، ومثله من يبعثه عليه الخوف من الهجاء أو ملامة الخلق ~~فإنه ليس من الجود ; لأنه مضطر إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه ~~فهو معتاض لا جواد. ### | بيان علاج البخل: # اعلم أن البخل سببه حب المال، ولحب المال سببان: # أحدهما: حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل. # الثاني: أن يحب عين المال ويلتذ بوجوده وإن علم أنه زائد عن حاجاته بقية ~~عمره. وقدمنا أن علاج كل علة بمضادة سببها، فيعالج حب الشهوات بالقناعة ~~باليسير وبالصبر، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت، والنظر في موت الأقران ~~وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم، ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن ~~خالقه خلق معه رزقه، وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا، وحاله أحسن ممن ورث، ~~وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب إلى شر، ~~ويعالج قلبه أيضا بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء ~~وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم. # ومن الأدوية النافعة: كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم ~~واستقباحهم له، فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره، ويستثقل البخيل ~~من أصحابه فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في ~~قلبه، ويعالج قلبه أيضا بأن يتفكر في مقاصد المال وأنه لماذا خلق فلا يحفظ ~~منه إلا قدر حاجته والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله. # فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم، فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير ~~له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا، فإذا ~~تحركت الشهوة فينبغي أن يجيب الخاطر الأول، ms238 ولا يتوقف، فإن الشيطان يعده ~~الفقر ويخوفه ويصده عنه. # PageV01P227 ### | كتاب ذم الجاه والرياء # اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار، وهو مذموم، بل ~~المحمود الخمول إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه، ~~قال الله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا) [القصص: 83] جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض وبين أن ~~الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعا، وقال عز وجل: (من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) [هود: ~~15، 16] . # وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا ~~وأكثر زينة من زينتها، وفي الحديث: «حسب امرئ من الشر أن يشير الناس إليه ~~بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله» «إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» . # وروي في فضيلة الخمول عنه صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا ~~يؤبه له لو أقسم على الله لأبره» وعنه صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ~~أهل الجنة: كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، وأهل النار: كل متكبر ~~مستكبر جواظ» . # والأخبار في مذمة الشهرة وفضيلة الخمول كثيرة. # ومعلوم أن المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب. ~~وحب الجاه منشأ كل فساد. ثم إن المذموم هو طلب الشهرة والحرص عليها، فأما ~~وجودها من الله تعالى من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. ### | بيان الحد الذي يباح فيه الجاه: # اعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا، ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع ~~بها، ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها أي: القدرة على ~~التصرف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه، فحكم الجاه حكم ملك ~~الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت، والدنيا مزرعة ~~الآخرة، فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود ms239 منه للآخرة، فحب الجاه والمال ~~لأجل التوسل بهما إلى مهمات البدن غير مذموم، وحبهما لأعيانهما فيما # PageV01P228 # يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم، ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما ~~لم يحمله الحب على مباشرة معصية وما لم يتوصل إلى اكتسابه بكذب وخداع ~~وارتكاب محظور، وما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة، فإن التوصل إلى الجاه ~~والمال بالعبادة جناية على الدين، وهو حرام. # والقول الفصل في طلب المنزلة والجاه في قلوب الناس أن يقال: يطلب ذلك على ~~ثلاثة أوجه: وجهان مباحان ووجه محظور: # أما الوجه المحظور: فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه ~~صفة هو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب، فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ~~ورع، وهو لا يكون كذلك فهذا حرام ; لأنه كذب وتلبيس إما بالقول أو ~~بالمعاملة. # وأما أحد المباحين: فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول «يوسف» ~~صلى الله عليه وسلم في ما أخبر عنه الرب تعالى: (اجعلني على خزائن الأرض ~~إني حفيظ عليم) [يوسف: 55] فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما، ~~وكان محتاجا إليه، وكان صادقا فيه. # والثاني: أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلم فلا ~~تزول منزلته به، فهذا أيضا مباح ; لأن حفظ الستر على القبائح جائز، ولا ~~يجوز هتك الستر، كالذي يخفي عمن يريد استئجاره أنه يشرب الخمر، ولا يلقي ~~إليه أنه ورع فإن قوله: إني ورع تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد ~~الورع، بل يمنع العلم بالشرب. # ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده، فإن ذلك ~~رياء، وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله، وهو مراء بما ~~يفعله فكيف يكون مخلصا؟ فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذا بكل معصية، وذلك ~~يجري مجرى اكتساب المال بالحرام من غير فرق، وكما لا يجوز له أن يتملك مال ~~غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع، فإن ~~ملك القلوب أعظم من ملك الأموال. ms240 ### | سبب حب المدح وبغض الذم: # لا يعرف طريق العلاج لذلك ما لم يعرف سببه ; لأن ما لا يعرف سببه لا يمكن ~~معالجته، إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض. ### | لحب المدح والتذاذ القلب به أسباب: # الأول: وهو الأقوى شعور النفس بالكمال، ومهما شعرت بكمالها ارتاحت واهتزت ~~وتلذذت، والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها. # السبب الثاني: أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد ~~له ومعتقد فيه ومسخر تحت مشيئته، وملك القلوب محبوب، والشعور بحصوله لذيذ. # الثالث: أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، لا ~~سيما إذا كان ممن يعتد بثنائه في ملأ فيكون المدح ألذ، والذم أشد على ~~النفس. فأما العلة الأولى - # PageV01P229 # وهي استشعار الكمال - فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير صادق في قوله كما ~~إذا مدح بأنه نسيب أو سخي أو عالم بعلم أو متورع عن المحظورات، وهو يعلم من ~~نفسه ضد ذلك فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال، وتبقى لذة الاستيلاء ~~على قلبه وعلى لسانه، وما بعدها، فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما ~~يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلت اللذة الثانية، وهو استيلاؤه على قلبه ~~فبطلت اللذات كلها. ### | بيان علاج حب الجاه: # اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، ~~مشغوفا بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا ~~إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد، ويجر ذلك لا محالة ~~إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى ~~اقتناص القلوب. # فإذن حب الجاه من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب، وعلاجه مركب من ~~علم وعمل: أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه، وهو كمال ~~القدرة على قلوب الناس إن صفا وسلم فآخره الموت فليس هو من الباقيات ~~الصالحات، فلا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا ~~انقطاع لها. # وأما العمل فبأن يأنس بالخمول ليسقط من نفوسهم ويستعين عليه ms241 بالأخبار ~~الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول، وينظر في أحوال السلف وإيثارهم ثواب ~~الآخرة على زخرف الدنيا. ### | بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم: # اعلم أن أكثر الخلق إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصارت حركاتهم ~~كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم، وذلك من ~~المهلكات فيجب معالجته. وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره ~~الذم: فمن الأسباب استشعار الكمال بسبب قول المادح. # فطريقك فيه أن ترجع إلى عقلك وتقول لنفسك: هذه الصفة التي يمدحك بها أنت ~~متصف بها أم لا، فإن كنت متصفا بها فإن كانت كالثروة والجاه فهذه لا تستحق ~~المدح، فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما تذروه ~~الرياح، وهذا من قلة العقل، وإن كانت كالعلم والورع فهذه وإن استحقت المدح ~~إلا أنه لا ينبغي الفرح بها ; لأن الخاتمة غير معلومة، وإن كانت الصفة التي ~~مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون. # ومن الأسباب الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح، وهو أيضا يرجع إلى قدرة ~~عارضة لا ثبات لها، ولا تستحق الفرح، بل ينبغي أن يغمك مدح المادح وتكرهه ~~وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف ; لأن آفات المدح على الممدوح عظيمة كما ~~تقدم في آفات اللسان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مرة للمادح، «ويحك ~~قصمت ظهره» . # PageV01P230 ### | بيان علاج كراهة الذم: # يفهم ذلك مما تقدم، والقول الوجيز فيه أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال: ~~إما قد يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة، وإما أن يكون صادقا ~~ولكن قصده الإيذاء والتعنت، وإما أن يكون كاذبا. # فإن كان صادقا وقصده النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه، بل ~~ينبغي أن تتقلد منته، فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى ~~تتقيه، فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت ~~عليها، فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل. # وإن كان قصده ms242 التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت ~~جاهلا به لتقلع عنه، وذلك من أسباب سعادتك فينبغي أن تفرح به ; لأن تنبهك ~~بقوله غنيمة، وجميع مساوئ الأخلاق مهلكة في الآخرة، والإنسان إنما يعرفها ~~من قول أعدائه فينبغي أن تغتنمه، وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين ~~نفسه، وهو نعمة منه عليك، فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به. # الحالة الثالثة: أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي ~~أن لا تكره ذلك، ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور: # أحدها: إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه، وما ستره الله ~~من عيوبك أكثر، فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ما ~~أنت بريء عنه. # والثاني: أن ذلك كفارة لبقية مساوئك وذنوبك، وكل من اغتابك فقد أهدى إليك ~~حسناته، وكل من مدحك فقد قطع ظهرك، فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا ~~الحسنات التي تقربك إلى الله تعالى وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله. # وأما الثالث: فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك ~~نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم، فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله ~~فتشمت به الشيطان وتقول: " اللهم أهلكه "، بل ينبغي أن تقول: " اللهم ~~أصلحه، اللهم تب عليه، اللهم ارحمه " كما قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~اغفر لقومي اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه ~~وقتلوا عمه " حمزة " يوم أحد. # ومما يهون عليك كراهية المذمة قطع الطمع، فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم ~~يعظم أثر ذلك في قلبك، وأصل الدين القناعة، وبهما ينقطع الطمع عن المال ~~والجاه، وما دام الطمع قائما كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه ~~غالبا، وكانت همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة، ولا ينال ذلك إلا ~~بهدم الدين، فلا ينبغي أن يطمع طالب الجاه ومحب المدح ومبغض الذم في ms243 سلامة ~~دينه، فإن ذلك بعيد جدا. # PageV01P231 ### | بيان ذم الرياء: # وهو طلب الجاه والمنزلة بالعبادات: اعلم أن الرياء حرام، والمرائي عند ~~الله ممقوت، وقد شهدت لذلك الآيات والأخبار: # أما الآيات فقوله تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين ~~هم يراءون) [الماعون: 4، 6] وقوله عز وجل (والذين يمكرون السيئات لهم عذاب ~~شديد ومكر أولئك هو يبور) [فاطر: 10] قال «مجاهد» : «هم أهل الرياء» . وقال ~~تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) [الإنسان: 9] ~~. # فمدح المخلصين بنفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى: (فمن ~~كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [الكهف: ~~110] نزل ذلك فيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله. # ومن الأحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل من عمل لي ~~عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن ~~الشرك» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: ~~«وما الشرك الأصغر، يا رسول الله» ؟ قال: «الرياء، يقول الله عز وجل يوم ~~القيامة إذا جاز العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا ~~فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ذرة من ~~رياء» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى الرياء شرك» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق ~~بيمينه فكان يخفيها عن شماله» ولذلك ورد: «إن فضل عمل السر على عمل الجهر ~~بسبعين ضعفا» . # وروي أن المسيح عليه السلام كان يقول: «إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن ~~رأسه ولحيته ويمسح شفتيه، لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف ~~عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه» . # ومن الآثار ما روي أن «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته ~~فقال: «يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في ~~القلوب» . # ورأى ms244 «أبو أمامة الباهلي» رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال: «أنت أنت! ~~لو كان هذا في بيتك» . # وقال «الضحاك» : «لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك، ولا يقولن هذا ~~لله وللرحم، فإن الله تعالى لا شريك له» . # PageV01P232 ### | بيان حقيقة الرياء وجوامع ما يراءى به: # اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم ~~خصال الخير ; والمراءى به كثير ويجمعه خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به ~~العبد للناس، وهو البدن، والزي، والقول، والعمل، والأتباع والأشياء ~~الخارجة. # فأما الرياء في الدين بالبدن فكإظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة ~~الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين غلبة خوف الآخرة، 0 وكتشعيث الشعر ليدل ~~به على استغراق الهم بالدين وعدم التفرغ لتسريح الشعر، ومثله خفض الصوت ~~وإغارة العينين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم أو متوقر للدين أو ~~ضعيف القوة من الجوع، وعن هذا روي " إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ~~ويكحل عينيه " لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء. # وأما الرياء بالهيئة والزي فمثل تشعيث الشعر وحلق الشارب وإطراق الرأس في ~~المشي والهدء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب، ولبس ~~الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام، كل ذلك يرائي به ليظهر ~~أنه متبع للسنة ومقتد بالصالحين، ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ~~ولبس الثياب الزرق تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن، ~~ومنه التقنع فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين، ومنه الطيلسان يلبسه ~~من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلم. # والمراءون بالزي على طبقات كل طبقة منهم يرى منزلته في زي مخصوص فيثقل ~~عليه الانتقال إلى ما دونه وإلى ما فوقه وإن كان مباحا، بل هو عنده بمنزلة ~~الذبح وذلك لخوفه أن يقول الناس: " قد بدا له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ~~ورغب في الدنيا ". # وأما الرياء بالقول فرياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ ~~الأخبار والآثار لإظهار شدة العناية بأحوال الصالحين، وتحريك الشفتين ms245 ~~بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، ~~وإظهار الغضب للمنكرات، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف ~~الصوت في الكلام والمبادرة إلى أن الحديث صحيح أو غير صحيح لإظهار الفضل ~~فيه، والمجادلة على قصد إفحام الخصم. # وأما الرياء بالعمل فكمراءاة المصلي بطول القيام وطول السجود والركوع ~~وإطراق الرأس وترك الالتفات. # وأما المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير ~~عالما من العلماء ليقال: " إن فلانا قد زار فلانا، أو عابدا من العباد ~~ليقال: إن أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه، أو أميرا من الأمراء ~~ليقال: إنهم يتبركون به، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ وطواف البلاد ليتباهى عند ~~خصمه. # فهذه مجامع ما يرائي به المراءون، وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في ~~قلوب العباد # PageV01P233 # لاعتقاده أنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن كان سريع الزوال لا يغتر به ~~إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال. # ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته، بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللسان ~~بالثناء والحمد، ومنهم من يريد انتشار الصيت، ومنهم من يريد الاشتهار عند ~~الأمراء لتقبل شفاعته فيقوم له جاه عند العامة، ومنهم من يقصد التوصل بذلك ~~إلى جمع حطام وكسب مال ولو كان من الحرام، وهؤلاء شر طبقات المرائين. ### | حكم الرياء: # اعلم أن الرياء إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات، فأما المراءاة ~~بما ليس من العبادات فقد تكون مباحة كتسوية العمامة والشعر وتحسين الثوب ~~لئلا تزدريه أعين الناس واحترازا من ألم المذمة وطلبا لراحة الأنس ~~بالإخوان، وقد تكون طاعة كما إذا كان متبوعا وعمله المذكور يرغب في اتباعه ~~واستمالة القلوب إليه، وقد تكون مذمومة كما إذا حملت على ما لا يجوز، أو ~~دعت إلى أمور محظورات، وبالجملة فحكمها تابع للغرض المطلوب بها. وأما ~~العبادات كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فالمرائي فيها يبطل عباداته ~~ويعصي ويأثم، والمعني فيه أمران: # أحدهما: يتعلق بالعباد، وهو التلبيس والمكر ; لأنه خيل إليهم أنه مخلص ~~مطيع لله وأنه من أهل الدين وليس كذلك. # الثاني: يتعلق بالله، وهو أنه ms246 مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو ~~مستهزئ بالله كما ورد، ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار ~~كما جرت عادة الخدم. وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواريه أو غلام من ~~غلمانه، فإن هذا استهزاء بالملك إذ لم يقصد التقرب إليه بخدمته، بل قصد ~~بذلك عبدا من عبيده، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى ~~مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرا، ولا نفعا؟ وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك ~~العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله، وأنه أولى بالتقرب إليه من الله إذ ~~آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته، وأي استهزاء يزيد على رفع العبد ~~فوق المولى؟ فهذا من كبائر المهلكات ولذا سماه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «الشرك الأصغر» ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله ~~لكان فيه كفاية، فإنه وإن لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، وعن ~~هذا كان شركا خفيا، وذلك غاية الجهل، ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان ~~وأوهم عنده أن العباد يملكون من مصالح حاله أكثر مما يملكه الله تعالى، مع ~~أن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لها ضرا ولا نفعا، فكيف يملكون ~~لغيرهم؟ هذا في الدنيا فكيف في يوم: (لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا) [لقمان: 33] . بل تقول الأنبياء فيه: «نفسي نفسي» فكيف ~~يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس؟ ~~فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله تعالى. # PageV01P234 ### | درجات الرياء: # اعلم أن أغلظ أنواع الرياء هو الرياء بأصل الإيمان، وصاحبه مخلد في ~~النار، وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب، وهذا هو النفاق ~~المذكور في القرآن الكريم في مواضع شتى، وذلك مما يقل في زماننا. # ويلحق به من يجحد الجنة والنار والدار الآخرة أو يعتقد طي بساط الشرع ~~والأحكام ميلا إلى أهل الإباحة، أو # يعتقد ms247 كفرا وهو يظهر خلافه، فهؤلاء من المنافقين المرائين المخلدين في ~~النار. # وقسم من الرياء دون الأول بكثير كمن يحضر الجمعة أو الصلاة، ولولا خوف ~~المذمة لكان لا يحضرها، أو يصل رحمه أو يبر والديه لا عن رغبة لكن خوفا من ~~الناس، أو يزكي أو يحج كذلك، فيكون خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من ~~عقاب الله، وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت. # وقسم يرائي بالنوافل يكسل عنها في الخلوة ثم يبعثه الرياء على فعلها ~~كحضور الجماعة وعيادة المريض واتباع الجنازة وصوم عرفة وعاشوراء خوفا من ~~المذمة، وطلبا للمحمدة، ويعلم الله تعالى أنه لو خلا بنفسه لما زاد على ~~أداء الفرائض، وهذا أيضا عظيم ولكن دون ما قبله. # وقسم يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع ~~والسجود، ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك ~~الالتفات وتمم القعود بين السجدتين، وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من ~~الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء، فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد ~~خوفا من مذمته، وكذلك الصائم يصون صومه عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا ~~إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة، فهذا أيضا من الرياء المحظور ; لأن ~~فيه تقديما للمخلوقين على الخالق، فإن قال المرائي: «إنما فعلت ذلك صيانة ~~لألسنتهم عن الغيبة» ، فيقال له: «هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس، وليس ~~الأمر كذلك، فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك ~~بغيبة غيرك، فلو كان باعثك الدين لكانت شفقتك على نفسك أكثر» . # وقسم يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة ~~لعبادته، كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين الهيئة ورفع اليدين ~~والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال والزيادة في القراءة على ~~الصورة المعتادة، وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان وطول الصمت مما لو خلا ~~بنفسه لكان لا يقدم عليه. # وقسم يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل القوم ~~وقصده للصف الأول وتوجهه إلى ms248 يمين الإمام وما يجري مجراه، وكل ذلك مما يعلم ~~الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى يحرم بالصلاة. فهذه ~~درجات الرياء بالإضافة إلى ما يراءى به، وبعضه أشد من بعض، والكل مذموم. # PageV01P235 ### | بيان المراءى لأجله: # اعلم أن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض ~~من الأغراض وله درجات: # أشدها: أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ويظهر ~~التقوى والورع وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى منصبا أو يسلم إليه تفرقة مال ~~ليستأثر بما قدر عليه منه، أو يودع الودائع فيأخذها، أو يتوصل إلى التحبب ~~بامرأة لفجور ونحوه، أو يحضر مجالس العلم والتذكير وقصده النظر لأمرد، ~~فهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى ~~معصيته، ويقرب منهم من يقترف جريمة، وهو مصر عليها فيظهر التقوى لينفي ~~التهمة عن نفسه. # ثانيها: أن يكون غرضه نيل حظ من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة ~~أو شريفة، كالذي يظهر العلم والعبادة ليرغب في تزويجه أو إعطائه، فهذا رياء ~~محظور ; لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول. # الثالثة: أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عباداته خوفا ~~من أن ينظر إليه بعين النقص، ولا يعد من الخاصة والزهاد، ويعتقد أنه من ~~جملة العامة، كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك ~~العجلة كيلا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار. # وكذلك يسبق إلى الضحك أو يبدو منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين ~~الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول " ما أعظم ~~غفلة الآدمي عن نفسه " والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل ~~عليه ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير، وكالذي ~~يرى جماعة يصلون التراويح ويتهجدون أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون ~~فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ويلحق بالعوام، ولو خلا بنفسه لكان لا ~~يفعل ms249 شيئا من ذلك، وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء فلا يشرب خوفا من أن ~~يعلم الناس أنه غير صائم، أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم، وقد لا ~~يصرح ب: إني صائم ولكن يقول: " لي عذر "، وهو جمع بين خبيثين فإنه يري أنه ~~صائم ثم يري أنه مخلص ليس بمراء، وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون ~~مرائيا فيريد أن يقال إنه ساتر لعبادته، ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن ~~يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ~~ويمنع من الصوم، أو يقول أفطرت تطييبا لقلب فلان ; لأنه محب للإخوان شديد ~~الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه، وقد ألح علي اليوم ولم أجد بدا من ~~تطييب قلبه، ومثل أن يقول " إن أبوي أو أحدهما يشفقان علي يظنان أن لو صمت ~~لمرضت فلا يدعاني أصوم، فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى ~~الإنسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن. # PageV01P236 # أما المخلص: فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه، فإن لم يكن له رغبة في ~~الصوم، وقد علم الله منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله فيكون ~~ملبسا، وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك فيه ~~غيره، وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه، ~~وفيه مكيدة وغرور. فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين، وجميعهم تحت ~~مقت الله وغضبه ومن أشد المهلكات. ### | بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل: # اعلم أن الرياء جلي وخفي، فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو ~~قصد الثواب، وهو أجلاه، وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده ~~إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ~~ويثقل عليه، فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه. # وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل، ولا بالتسهيل والتخفيف ms250 أيضا ولكنه مع ~~ذلك مستبطن في القلب، وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس على طاعته، فرب ~~عبد يخلص في عمله، ولا يعتقد الرياء، بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك، ~~ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، ~~وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، ولولا التفات القلب إلى ~~الناس ما ظهر سروره عند اطلاع الناس، فلقد كان الرياء مستكنا في القلب ~~استكنان النار في الحجر، فأظهر منه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور، ثم إذا ~~استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا وغذاء ~~للعرق الخفي في الرياء حتى يتحرك على نفسه حركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا ~~أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض أو بالشمائل كخفض الصوت وآثار الدموع. # وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع، ولا يسر بظهور طاعته ولكنه ~~مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه، ~~وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء، وأن يوسعوا له ~~في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه ~~كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها، ومهما لم يكن وجود العبادة ~~كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من ~~دبيب النمل، وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر، ولا يسلم منه إلا الصديقون. # ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون في إخفائها أعظم مما ~~يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة ~~فيجازيهم الله في يوم القيامة بإخلاصهم، إذ علموا أن الله لا يقبل في ~~القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة، وأنه يوم لا ~~ينفع فيه مال، ولا بنون، ولا يجزي والد عن ولده. # فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر، ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين ~~أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء، فلو ms251 كان مخلصا لما ~~بالى بالناس لعلمه أنهم لا يقدرون على رزق، ولا أجل، ولا زيادة ثواب ونقصان ~~عقاب. # PageV01P237 # فإن قلت: فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته، فالسرور مذموم ~~كله أو بعضه محمود وبعضه مذموم؟ فنقول: السرور منقسم إلى محمود ومذموم، ~~فالمحمود مثل أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه ~~الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله، فيستدل به على حسن صنع ~~الله به وألطافه به، إذ لا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل، فيكون ~~فرحه بجميل نظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، وقد قال ~~تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) [يونس: 58] . # ومثل أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره ~~فيكون له أجر العلانية بما أظهر وأجر السر بما قصده أولا، ومن اقتدي به في ~~طاعة فله مثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وتوقع ~~ذلك جدير بأن يكون سبب السرور. # ومثل أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم ~~للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة، فهذا فرح بحسن إيمان عباد الله، وعلامة ~~الإخلاص في هذا الورع أن يكون فرحه بحمدهم غيره مثل فرحه بحمدهم إياه. # وأما السرور المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى ~~يمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه بالإكرام فهذا مكروه. ### | بيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط: # إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد عليه وارد الرياء فلا يخلو إما ~~أن يرد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ، فإن ورد بعد الفراغ سرور ~~مجرد بالظهور من غير إظهار فهذا لا يفسد العمل، إذ العمل قد تم على نعت ~~الإخلاص سالما عن الرياء، إلا إذا ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به ~~وأظهره، فهذا مخوف، وفي الآثار والأخبار ما يدل على أنه محبط. # وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من ms252 العمل وكان عقد على الإخلاص فإن ~~كان مجرد سرور فلا يؤثر في العمل وإن كان رياء باعثا على العمل وختم ~~العبادة به حبط أجره ; لأن الواجب عليه أداء عمل خالص لوجه الله، والخالص ~~ما لا يشوبه شيء، فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب. # وأما الرياء الذي يقارن حال العقد كأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن ~~استمر عليه حتى سلم فلا خلاف في أنه يقضي، ولا يعتد بصلاته، وإن ندم عليه ~~في أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام فالأرجح أنه لا تنعقد صلاته مع قصد ~~الرياء فليستأنف ; لأن باعثه في الرياء في ابتداء العقد دون امتثال الأمر ~~فلم ينعقد افتتاحه فلم يصح ما بعده. ### | بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه: # عرفت مما سبق أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى، وأنه من ~~كبائر المهلكات، وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته. # وفي علاجه مقامان: # PageV01P238 # أحدهما: قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه. # والثاني: دفع ما يخطر منه في الحال: # المقام الأول في قلع عروقه وأصوله: # وأصله حب المنزلة والجاه، وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول وهي: حب لذة ~~المحمدة، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس، فهذه الثلاثة هي ~~التي تحرك المرائي إلى الرياء. وعلاجه أن يعلم مضرة الرياء وما يفوته من ~~صلاح قلبه، وما يحرم عنه في الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند ~~الله تعالى، وما يتعرض له من العقاب والمقت الشديد والخزي الظاهر. فمهما ~~تفكر العبد في هذا الخزي وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا ~~بما يفوته في الآخرة وبما يحبط عليه من ثواب الأعمال فإنه يسهل عليه قطع ~~الرغبة عنه، كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه. ~~ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم، ولا يزيده حمدهم رزقا، ~~ولا أجلا، ولا ينفعه يوم فقره وفاقته، وهو يوم القيامة. # وأما الطمع فيما في ms253 أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب ~~بالمنع والإعطاء، وأن الخلق مضطرون فيه، ولا رازق إلا الله، ومن طمع في ~~الخلق لم يخل من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة ~~والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب ووهم فاسد، وقد يصيب وقد يخطئ، ~~وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته ومذلته، وأما ذمهم فلم يحذر منه، ولا ~~يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتب الله عليه، ولا يعجل أجله، ولا يؤخر رزقه، ولا ~~يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة، ولا يبغضه إلى الله إن كان محمودا ~~عند الله، فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا، ولا نفعا، فإذا قرر في ~~قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته، وأقبل على الله قلبه، والعاقل لا ~~يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه، فهذا من الأدوية العلمية القالعة مغارس ~~الرياء. وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق ~~الأبواب دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش فلا تنازعه نفسه إلى طلب علم ~~غير الله به. # المقام الثاني في دفع العارض منه أثناء العبادة: # وذلك لا بد أيضا من تعلمه، فإن من جاهد نفسه بقلع مغارس الرياء وقطع ~~الطمع واستحقار مدح المخلوقين وذمهم فقد لا يتركه الشيطان في أثناء ~~العبادة، بل يعارضه بخطرات الرياء، فإذا خطر له معرفة اطلاع الخلق دفع ذلك ~~بأن قال: ما لك وللخلق علموا أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأي فائدة في ~~علم غيره، فإن هاجت الرغبة إلى لذة الحمد ذكر ما رسخ في قلبه من قبل من آفة ~~الرياء وتعرضه للمقت الإلهي وخسرانه الأخروي. ### | بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات: # اعلم أن في إسرار الأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء، وفي الإظهار ~~فائدة الاقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء، قال «الحسن» : ~~«إن السر أحرز العملين» . # PageV01P239 # ولكن في الإظهار أيضا فائدة، ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية ~~فقال: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ms254 الفقراء فهو خير لكم) ~~[البقرة: 271] . والإظهار قسمان: # أحدهما: في نفس العمل، والآخر: بالتحدث بما عمل. # القسم الأول: إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها، كما ~~روي عن الأنصاري الذي جاء بالصرة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه» ~~وتجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيره، ولكن ~~الاقتداء في الصدقة على الطباع أغلب، فالسر أفضل من علانية لا قدوة فيها، ~~أما العلانية للقدوة فأفضل من السر، ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر ~~الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء، وقوله عليه السلام: «له أجرها وأجر من عمل ~~بها» ، ولكن على من يظهر العمل وظيفتان: # إحداهما: أن يظهره حيث يعلم أن يقتدى به أو يظن ظنا، ورب رجل يقتدي به ~~أهله دون جيرانه، وربما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق، وربما يقتدي به أهل ~~محلته، وإنما العالم المعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة، فغير العالم إذا ~~أظهر بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء والنفاق وذموه ولم يقتدوا به فليس له ~~الإظهار من غير فائدة، وإنما يصح الإظهار بنية القدوة ممن هو في محل القدوة ~~على من هو في محل الاقتداء به. # الثانية: أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه إلى ~~الإظهار بعذر الاقتداء وإنما شهوته التجمل بالعمل، وبكونه مقتدى به، فليحذر ~~العبد خدع النفس، فإن النفس خدوع، والشيطان مترصد، وحب الجاه على القلب ~~غالب. # وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات، فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا، ~~والسلامة في الإخفاء، وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا، ~~فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء. # القسم الثاني: أن يتحدث بما فعله بعد الفراغ، وحكمه حكم إظهار العمل ~~نفسه، والخطر في هذا أشد ; لأن مؤنة النطق خفيفة على اللسان، وقد تجري في ~~الحكاية زيادة ومبالغة، وللنفس لذة في إظهار الدعاوى عظيمة إلا أنه لو تطرق ~~إليه الرياء لم ms255 يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا ~~الوجه أهون، والحكم فيه أن من قوي قلبه وتم إخلاصه وصغر الناس في عينه ~~واستوى عنده مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرغبة في ~~الخير بسببه فهو جائز، بل مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات ; ~~لأنه ترغيب في الخير، والترغيب في الخير خير، وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من ~~السلف الأقوياء. # PageV01P240 ### | بيان الخطأ في ترك الطاعات خوفا من الرياء: # من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به، وذلك غلط وموافقة ~~للشيطان وجر إلى البطالة وترك للخير، فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل ~~فلا تترك العمل وجاهد خاطر الرياء وألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك ~~إلى أن تستبدل بحمده حمد المخلوقين، وهو مطلع على قلبك، بل إن قدرت على أن ~~تزيد في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل، فإن قال لك الشيطان: أنت ~~مراء فاعلم كذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من كراهية الرياء وإبائه وخوفك ~~منه وحيائك من الله تعالى، وإن لم يبق باعث ديني، بل تجرد باعث الرياء ~~فاترك العمل عند ذلك. ### | بيان ما على المريد قبل العمل وبعده وفيه: # اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في ~~جميع طاعاته، ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا ~~الله ; فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله، فإن كان ~~في هذه الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر ~~التعرض للمقت وإحباط العمل، وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة، فإن ~~النفس تكاد تغلي حرصا على الإفشاء، فينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في مقابلة ~~عظم عمله ملك الآخرة ونعيم الجنة أبد الآباد، وعظم غضب الله على من طلب ~~بطاعته ثوابا من عباده، ثم يلزم قلبه ذلك بعد الفراغ حتى لا يظهره، ولا ~~يتحدث به، وإذا فعل جميع ms256 ذلك فينبغي أن يكون وجلا من عمله خائفا أنه ربما ~~داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه فيكون شاكا في قبوله ورده، مجوزا أن ~~يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ما مقته بها ورد عمله بسببها، ويكون ~~هذا الشك والخوف في دوام عمله وبعده، وأما في الابتداء فيكون متيقنا أنه ~~مخلص ما يريد بعمله إلا الله حتى يصح عمله، وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر ~~خاطر الرياء إن كان قد سبق، وهو غافل عنه. # والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم ~~نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط، ورجاء الثواب ~~على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة وحمد وثناء من المتعلم والمنعم ~~عليه، فإن ذلك يحبط الأجر، فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة أو ~~مرافقة في المشي في الطريق ليستكبر باستتباعه أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ ~~أجره فلا ثواب له غيره ; نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله ~~بعلمه ليكون له مثل أجره ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا ~~يحبط ذلك أجره إذا كان لا يريده، ولا يستبعده منه لو قطعه. # ويجب على المتعلم أن يلزم قلبه حمد الله ويتعلم لله ويعبد لله ويخدم ~~المعلم لله، لا ليكون له في قلبه منزلة، ولا في قلب الخلق، فإن العباد ~~أمروا ألا يعبدوا إلا الله، ولا يريدوا بطاعتهم غيره. # وأما المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه، ~~ولا يخطر بقلبه # PageV01P241 # معرفة الناس زهده واستعظامهم محله، فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى ~~تتيسر عليه العبادات في خلوته به، وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله ~~واستعظامهم لمحله، وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه ; فاستشعار النفس عز ~~العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة، فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه، ~~وعلامة سلامته أن يكون الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة، فلو تغيروا عن ~~اعتقادهم ms257 به لم يجزع ولم يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة إن وجدها في قلبه ~~فيردها في الحال بعقله وإيمانه. # ولو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم يدخله ~~سرور بسبب اطلاعهم عليه. # ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا ~~يجد عن إقبال الغني زيادة هزة في نفسه لإكرامه إلا إذا كان في الغني زيادة ~~علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى، فمن كان استرواحه ~~إلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مراء أو طماع. # ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر، ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ~~ما سوى الله من قلبك، وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك، ولا ترضى لها ~~بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة. # PageV01P242 ### | كتاب ذم الكبر والعجب ### | ما ورد في ذم الكبر: # قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) [الأعراف: ~~146] وقال تعالى: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) [غافر: 35] وقال ~~تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) [إبراهيم: 15] وقال تعالى: (إنه لا ~~يحب المستكبرين) [النحل: 23] وقال: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين) [غافر: 60] . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من كبر» . # وقال عليه السلام: «يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن ~~نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم، ولا أبالي» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة بخيل، ولا جبار» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرا» . # وجاء في فضل التواضع قوله صلى الله عليه وسلم: «ما زاد الله عبدا بعفو ~~إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» . # وعنه صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه ~~في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة» . # وعنه عليه السلام: «من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه ms258 الله، ومن ~~اقتصد أغناه الله، ومن بذر أفقره الله، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله» . # وقال «الفضيل» وقد سئل عن التواضع «: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته ~~من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته» . ### | بيان حقيقة الكبر وآفته: # اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر، فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر ~~هو أعمال تصدر من الجوارح، وتلك الأعمال أكثر من أن تحصى، وآفته عظيمة ~~وغائلته هائلة، وكيف لا تعظم آفته وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل ~~الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» وإنما صار حجابا دون # PageV01P243 # الجنة ; لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الأخلاق هي ~~أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها ; لأن المتكبر لا ~~يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، وهو رأس ~~أخلاق المتقين، ولا يقدر على ترك الحقد، ولا يقدر أن يدوم على الصدق، ولا ~~يقدر على ترك الغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، ولا يقدر على ترك الحسد، ولا ~~يقدر على النصح اللطيف، ولا يقدر على قبول النصح، ولا يسلم من الإزراء ~~بالناس ومن اغتيابهم. # وبالجملة فما من خلق ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ به عزه، ~~وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه، فمن هذا لم يدخل ~~الجنة من في قلبه مثقال حبة منه. # وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له، وفيه ~~وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين. # ومنشؤه استحقار الغير وازدراؤه واستصغاره، ولذلك شرح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الكبر بهاتين الآفتين بقوله: «الكبر بطر الحق وغمص الخلق» أي ~~ازدراؤهم واستحقارهم وهم عباد الله أمثاله أو خير منه وهذه الآفة الأولى، ~~وبطر الحق هو رده وهي الآفة الثانية. # فكل من رأى أنه خير من أخيه واحتقر أخاه وازدراه ونظر إليه بعين ~~الاستصغار أو رد الحق، وهو يعرفه فقد تكبر ونازع الله في ms259 حقه. # ووجه الآفة الأولى أن الكبر والعز والعظمة لا تليق إلا بالملك القادر، ~~فأما العبد المملوك الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله ~~الكبر واستعظام النفس واستحقار الغير؟ فمهما تكبر العبد فقد نازع الله ~~تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله، ومثاله أن يأخذ الغلام تاج الملك فيضعه ~~على رأسه ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت، وما أعظم تهدفه للخزي ~~والنكال، وما أشد استجراءه على مولاه، وما أقبح ما تعاطاه. # فالخلق كلهم عباد الله وله العظمة والكبرياء عليهم، فمن تكبر على عبد من ~~عباد الله فقد نازع الله في حقه. # ووجه الآفة الثانية أنه من سمع الحق من عبد من عباد الله واستنكف عن ~~قبوله وتشمر لجحده فما ذاك إلا للترفع والتعاظم واستحقار غيره حتى تأبى أن ~~ينقاد له، وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال: ~~(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) [فصلت: ~~26] . # فكل من يتضح له الحق على لسان أحد ويأنف من قبوله، أو يناظر للغلبة ~~والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق، وكذلك من ~~تحمله الأنفة على عدم قبول الوعظ كما قال تعالى: (وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم) [البقرة: 206] . ### | بيان ما به التكبر: # اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها ~~صفة من صفات الكمال، وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي، فالديني هو ~~العلم والعمل، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار، ~~فهذه سبعة أسباب: # PageV01P244 ### | الأول: العلم، # وما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم ~~فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم ويستخدم من خالطه منهم. # وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف ~~على نفسه، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، وسبب كبره بالعلم أمران: # أحدهما: أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما في ms260 الحقيقة، فإن العلم ~~الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه، ~~وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) [فاطر: 28] . # ثانيهما: أن يخوض في العلم، وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيئ الأخلاق، ~~فإنه لم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات فبقي خبيث ~~الجوهر، فإذا خاض في العلم صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ~~ولم يظهر في الخير أثره، وقد ضرب «وهب» لهذا مثلا فقال: العلم كالغيث ينزل ~~من السماء حلوا صافيا فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد ~~المر مرارة والحلو حلاوة، فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها ~~وأهوائها، فيزيد المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا، وهذا ; لأن من كانت همته ~~الكبر هو جاهل فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا، وإذا كان الرجل ~~خائفا مع علمه فازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفا. ### | الثاني العمل والعبادة: # وليس يخلو عن رذيلة الكبر واستمالة قلوب الناس العباد فيترشح منهم الكبر ~~في الدين والدنيا، أما في الدنيا فهو أنهم يتوقعون ذكرهم بالورع والتقوى ~~وتقديمهم على سائر الناس، وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق، وأما في ~~الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا، وهو الهالك تحقيقا مهما ~~رأى ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو ~~أهلكهم» وإنما قال ذلك ; لأن هذا القول منه يدل على أنه مزدر بخلق الله ~~مغتر آمن من مكره غير خائف من سطوته، وكيف لا يخاف ويكفيه شرا احتقاره ~~لغيره، قال صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء شرا أن يحقر أخاه المسلم» . # وكثير من العباد إذا استخف به مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر الله له، ~~ولا يشك في أنه صار ممقوتا عند الله، وذلك لعظم قدر نفسه عنده، وهو جهل ~~وجمع بين الكبر والعجب والاغترار بالله. # وقد ينتهي الحمق والغباوة ببعضهم إلى أن يتحدى ويقول: «سترون ms261 ما يجري ~~عليه» ، وإذا أصيب بنكبة زعم أن ذلك من كراماته، وأن الله ما أراد إلا ~~الانتقام له مع أنه يرى طبقات من الكفار يسبون الله ورسوله، وعرف جماعة ~~آذوا الأنبياء صلوات الله عليهم فمنهم من قتلهم، ومنهم من ضربهم، ثم إن ~~الله أمهل أكثرهم، ولا يعاقبهم في الدنيا، بل ربما أسلم بعضهم فلم يصبه ~~مكروه في الدنيا، ولا في الآخرة: أفيظن # PageV01P245 # هذا الجاهل المغرور أنه أكرم على الله من أنبيائه، وأنه قد انتقم له بما ~~لم ينتقم لأنبيائه به، ولعله في مقت الله بإعجابه وكبره، وهو غافل عن هلاك ~~نفسه، فهذه عقيدة المغترين، وأما الأكياس من العباد فيقولون ما كان يقوله ~~السلف بعد انصرافه من عرفات: «كنت أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم» ~~فانظر إلى الفرق بين الرجلين: هذا يتقي الله ظاهرا وباطنا، وهو وجل على ~~نفسه مزدر لعمله، وذاك يضمر من الرياء والكبر والغل ما هو ضحكة للشيطان به، ~~ثم إنه يمتن على الله بعمله. # ومن آثار الكبر في العابد أن يعبس وجهه كأنه متنزه عن الناس مستقذر لهم، ~~وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى تقطب، ولا في الرقبة حتى ~~تطأطأ، ولا في الذيل حتى يضم، إنما الورع في القلوب، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا» وأشار إلى صدره، فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم أكرم الخلق وأتقاهم، وكان أوسعهم خلقا وأكثرهم بشرا وتبسما وانبساطا ~~كما قال تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [الشعراء: 215] . ### | الثالث: التكبر بالحسب والنسب، # فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملا ~~وعلما، وقد يتكبر بعضهم فيأنف من مخالطة الناس ومجالستهم، وقد يجري على ~~لسانه التفاخر به فيقول لغيره: من أنت ومن أبوك فأنا فلان ابن فلان، ومع ~~مثلي تتكلم! . # وقد روي أن «أبا ذر» رضي الله عنه قال: «قاولت رجلا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت له: يا ابن السوداء، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال:» يا أبا ms262 ~~ذر، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل «فقال» أبو ذر «: فاضطجعت وقلت ~~للرجل: قم فطأ على خدي» . # فانظر كيف نبهه صلى الله عليه وسلم على أن ذلك جهل، وانظر كيف تاب وقلع ~~من نفسه شجرة الكبر إذ عرف أن العز لا يقمعه إلا الذل. ### | الرابع: التفاخر بالجمال، # وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة وذكر ~~عيوب الناس. ### | الخامس: الكبر بالمال # وذلك يجري بين الأمراء والتجار في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغني ~~الفقير ويتكبر عليه، وكل ذلك جهل بفضيلة الفقر وآفة الغنى. ### | السادس: الكبر بالقوة وشدة البطش # والتكبر به على أهل الضعف. ### | السابع: التكبر بالأتباع والأنصار والعشيرة والأقارب. # فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض. # نسأله تعالى العون بلطفه ورحمته. ### | بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر: # اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه ~~رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا، وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في ~~الإيراد، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته. فمن ~~المتكبرين من يجمع ذلك كله، ومنهم # PageV01P246 # من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض، فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أو ~~بين يديه، ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه، ومنها أن لا يزور ~~غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين، وهو ضد التواضع، ومنها أن ~~يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه، ~~ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع خلافه. # روي أن «عمر بن عبد العزيز» أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ، ~~فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ~~ضيفه، قال: أفأنبه الغلام؟ فقال: هي أول نومة نامها، فقام وملأ المصباح ~~زيتا، فقال الضيف: قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذهبت وأنا عمر، ~~ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان ms263 عند الله متواضعا. # ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته، وهو خلاف عادة المتواضعين، كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وقال «علي» : «لا ينقص الرجل ~~الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله» ، ومنها اللباس إذ يظهر به ~~التكبر والتواضع، وعلامة المتكبر فيه حرصه على التزين للناس للشهرة ~~والمخيلة، وأما طلب التجمل لذاته في غير سرف ولا مخيلة فليس من الكبر، ~~والمحبوب الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة، ولا بالرداءة، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف، ولا ~~مخيلة، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ، ومنها أن يتواضع ~~بالاحتمال إذا سب وأوذي وأخذ حقه، فذلك هو الأصل. # وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه: فينبغي أن يقتدى به، ومنه ينبغي أن يتعلم. # وقد قال «ابن أبي سلمة» : قلت لأبي سعيد الخدري: ما ترى فيما أحدث الناس ~~من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي كل لله، واشرب لله، ~~والبس لله، وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية ~~وسرف، وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بيته: كان يحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ~~ويشتري الشيء من السوق، ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده، يصافح الغني ~~والفقير، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير، يجيب إذا دعي، ~~ولا يحقر ما دعي إليه، لين الخلق، جميل المعاشرة، طليق الوجه، شديد في غير ~~عنف، متواضع في # PageV01P247 # غير مذلة، جواد من غير سرف، رقيق القلب. # زادت «عائشة» رضي الله عنها: «وإنه صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا، ~~ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى» . # فمن طلب التواضع فليقتد به صلى الله عليه وسلم، ومن لم يرض لنفسه بذلك ~~فما أشد جهله، فلقد كان ms264 أعظم خلق الله منصبا في الدنيا والدين، فلا عز، ولا ~~رفعة إلا في الاقتداء به. ### | بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع: # اعلم أن الكبر من المهلكات وإزالته فرض عين، ولا يزول بمجرد التمني، بل ~~بالمعالجة، وفي معالجته مقامان: # أحدهما: قلع شجرته من مغرسها في القلب. # الثاني: دفع العارض منه بالأسباب التي قد يتكبر بها. # المقام الأول في استئصال أصله: # علاجه علمي وعملي، ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما: # أما العلمي: فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى، ويكفيه ذلك في إزالة ~~الكبر، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه لا يليق به إلا التواضع، ~~وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله. أما معرفته ربه ~~وعظمته ومجده فالقول فيه يطول، وأما معرفته نفسه فهو أيضا يطول ولكنا نذكر ~~من ذلك ما ينفع في إثارة التواضع، ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب ~~الله، فإن في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته، قال تعالى: ~~(قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ~~ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) [عبس: 17 22] فقد أشارت الآية إلى أول ~~خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه، فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه ~~الآية، أما أول الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان في حيز العدم ~~دهورا، وأي شيء أخس من العدم، ثم خلقه الله من أقذر الأشياء إذ خلقه من ~~تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما، ~~فهذا بداية وجوده، فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت، ~~إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع، ولا يبصر، ولا ~~يحس، ولا يتحرك، ولا ينطق، ولا يبطش، ولا يدرك، ولا يعلم، فبدأ بموته قبل ~~حياته، وبضعفه قبل قوته، وبجهله قبل علمه، وبعماه قبل بصره، وبصممه قبل ~~سمعه، وببكمه قبل نطقه، وبضلاله قبل هداه، وبفقره ms265 قبل غناه، وبعجزه قبل ~~قدرته، فهذا معنى قوله تعالى: (من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره) [عبس: ~~18، 19] ثم امتن عليه فقال: (ثم السبيل يسره) [عبس: 20] وهذا إشارة إلى ما ~~تيسر له في مدة حياته إلى الموت. وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ ~~بالأقدام والنطفة القذرة بعد عدمها ليعرف خسة ذاته فيعرف بها ذاته، فيعرف ~~بها نفسه، وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله، ~~وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا. # PageV01P248 # فمن كان هذا بدأه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر ~~والخيلاء، وهو على التحقيق أضعف الضعفاء، ولكن هذه عادة الخسيس إذا رفع من ~~خسته شمخ بأنفه وتعظم، وذلك لدلالة خسة أوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # نعم، لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى ~~وينسى المبدأ والمنتهى، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض والآفات يهدم ~~البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى، فيجوع كرها ويعطش كرها، ويمرض كرها، ~~ويموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا، ولا خيرا، ولا شرا. # يريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن يذكر الشيء فينساه، ويريد أن ينسى ~~الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه، ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب ~~سمعه وبصره، وتفلج أعضاؤه، ويختلس عقله، ويختطف روحه، ويسلب جميع ما يهواه ~~في دنياه، فهو مضطر ذليل، إن ترك بقي وإن اختطف فني، عبد مملوك لا يقدر على ~~شيء من نفسه، ولا شيء من غيره، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه، وأنى يليق ~~الكبر به لولا جهله، فهذا وسط أحواله فليتأمله. وأما آخره فهو الموت المشار ~~إليه بقوله تعالى: (ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) [عبس: 21 22] ومعناه ~~أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته فيعود جمادا ~~كما كان أول مرة، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته، لا حس فيه، ولا حركة، ثم ~~يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة، ms266 ثم تبلى أعضاؤه، وتتفتت أجزاؤه، ~~وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة ~~يهرب منه الحيوان، ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الإنتان، وليته بقي ~~كذلك فما أحسنه لو ترك، لا، بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلا، ~~فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى ~~قيامة قائمة، وسماء مشققة ممزقة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، ~~وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر، وجنة ينظر ~~إليها المجرم فيتحسر، ويرى صحائف منشورة، فيقال له: اقرأ كتابك، فيقول: ~~«وما هو» ؟ فيقال: كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تتكبر بنعيمها وتفتخر ~~بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله من قليل أو كثير ~~وصغير وكبير، قد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك، فهلم إلى الحساب، واستعد ~~للجواب، أو تساق إلى دار العذاب، فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل ~~أن تنتشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه، فإذا شاهده قال: (ياويلتنا مال ~~هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) [الكهف: 49] فهذا آخر ~~أمره، وهو معنى قوله تعالى: (ثم إذا شاء أنشره) [عبس: 22] فما لمن هذا حاله ~~والتكبر والتعظم؟ ، بل ما له وللفرح فضلا عن البطر؟ فقد ظهر له أول حاله ~~ووسطه، ولو ظهر آخره والعياذ بالله تعالى ربما اختار أن يصير مع البهائم ~~ترابا، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا. فمن هذا حاله في العاقبة ~~إلا أن يعفو الله عنه، وهو على شك من العفو فكيف يفرح ويبطر؟ وكيف يتكبر ~~ويتجبر؟ حقا يكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا. فهذا هو العلاج ~~العلمي القامع لأصل الكبر. # وأما العلاج العملي: فهو التواضع لله بالفعل، ولسائر الخلق بالمواظبة على ~~أخلاق # PageV01P249 # المتواضعين كما وصفناه من شمائل رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أحوال ~~الصالحين، ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل، ولذلك أمر العرب الذين ~~تكبروا على الله ورسوله بالإيمان وبالصلاة جميعا، وقيل: الصلاة عماد ms267 الدين، ~~وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عمادا، ومن جملتها ما فيها من التواضع ~~بالمثول قائما وبالركوع وبالسجود، وقد كان العرب قديما يأنفون من الانحناء ~~فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس ~~رأسه لإصلاحه، فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به ~~لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم. وبه أمر سائر ~~الخلق. # المقام الثاني: فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة المتقدمة: # ذكرنا في كتاب ذم الجاه أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل، فأما ما عداه ~~مما يفنى بالموت فكمال وهمي، ونحن نذكر طريق العلاج من العلم والعمل في ~~جميع أسبابه السبعة: # الأول النسب: فمن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أن هذا ~~جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره، ومن كان خسيسا فمن أين تجبر خسته بكمال ~~غيره وبمعرفة نسبه الحقيقي أعني أباه وجده، فإن أباه القريب نطفة قذرة، ~~وجده البعيد تراب، وقد عرف الله تعالى نسبه فقال (وبدأ خلق الإنسان من طين ~~ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) [السجدة: 7، 8] فإذا كان أصله من التراب ~~وفصله من النطفة فمن أين تأتيه الرفعة؟ فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان، ومن ~~عرفه لا يتكبر بالنسب. # الثاني الكبر بالجمال: ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء، ولا ينظر ~~إلى الظاهر نظر البهائم، ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه ~~تعززه بالجمال، إذ خلق من أقذار ووكل به في جميع أجزائه الأقذار، وسيموت ~~فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار، وجماله لا بقاء له، بل هو في كل حين ~~يتصور أن يزول بمرض أو سبب من الأسباب، فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه ~~الأسباب. فمعرفة ذلك تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها. # الثالث الكبر بالقوة: ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط الله عليه من العلل ~~والأمراض، وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز، أو أن شوكة ~~لو دخلت ms268 في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوته ما لا ينجبر في مدة ; ~~فمن لا يطيق شوكة، ولا يقاوم بقة فلا ينبغي أن يفتخر بقوته. ثم إن قوي ~~الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، وأي افتخار في صفة ~~يسبقك بها البهائم. # السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال: وفي معناه كثرة الأتباع ~~والأنصار، والتكبر بالمناصب والولايات، وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات ~~الإنسان، وهذا أقبح أنواع الكبر، فلو ذهب ماله أو احترقت داره لعاد ذليلا، ~~وكم في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل، فأف لشرف يسبقه به ~~يهودي، أو يأخذه سارق في لحظة فيعود ذليلا مفلسا. # PageV01P250 # السادس الكبر بالعلم: وهو أعظم الآفات وعلاجه بأمرين: # أحدهما أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما ~~لا يحتمل عشره من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته ~~أفحش وخطره أعظم. # ثانيهما: أن يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده، وأنه إذا تكبر ~~صار ممقوتا عن الله بغيضا، فهذا مما يزيل التكبر ويبعث على التواضع. وإذا ~~دعته نفسه للتكبر على فاسق أو مبتدع فليتذكر ما سبق من ذنوبه وخطاياه لتصغر ~~نفسه في عينه، وليلاحظ إبهام عاقبته وعاقبة الآخر فلعله يختم له بالسوء ~~ولذاك بالحسنى، حتى يشغله الخوف عن التكبر عليه، ولا يمنعه ترك التكبر عليه ~~أن يكرهه، ويغضب لفسقه، بل يبغضه ويغضب لربه إذ أمره أن يغضب عليه من غير ~~تكبر عليه. # السابع: التكبر بالورع والعبادة: وذلك فتنة عظيمة على العباد، وسبيله أن ~~يلزم قلبه التواضع لسائر العباد، قال وهب بن منبه: «ما تم عقل عبد حتى يكون ~~فيه خصال» وعد منها خصلة قال: «بها ساد مجده، وبها علا ذكره أن يرى الناس ~~كلهم خيرا منه، وإنما الناس عنده فرقتان: فرقة هي أفضل منه وأرفع، وفرقة هي ~~شر منه وأدنى، فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه، وإن رأى من هو خير منه سره ~~ذلك ms269 وتمنى أن يلحق به، وإن رأى من هو شر منه قال: لعل هذا ينجو وأهلك أنا، ~~فلا تراه إلا خائفا من العاقبة، ويقول: لعل بر هذا باطن فذلك خير له، ولا ~~أدري لعل فيه خلقا كريما بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه، ويختم له ~~بأحسن الأعمال، وبري ظاهر فذلك شر لي، فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن ~~يكون دخلها الآفات فأحبطتها» ، قال: «فحينئذ كمل عقله وساد أهل زمانه» . # والذي يدل على فضيلة هذا الإشفاق قوله تعالى: (يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) [المؤمنون: 60] أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على ~~وجل عظيم من قبولها، وقال تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) ~~[المؤمنون: 57] وقال تعالى: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) [الطور: 26] . # وقد وصف الله تعالى الملائكة عليهم السلام مع تقدسهم عن الذنوب ومواظبتهم ~~على العبادات بالدؤوب على الإشفاق فقال تعالى مخبرا عنهم: (يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون) [الأنبياء: 20] ، (وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء: 28] ~~فمتى زال الإشفاق والحذر غلب الأمن من مكر الله، وذلك يوجب الكبر، وهو سبب ~~الهلاك، فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك، والتواضع دليل الخوف، وهو مسعد. # فإذن ما يفسده العباد بإضمار الكبر واحتقار الخلق أكثر مما يصلحه بظاهر ~~الأعمال. # فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب، إلا أن النفس بعد هذه المعرفة ~~قد تضمر التواضع، وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة، فإذا وقعت الواقعة ~~عادت إلى طبعها، فعن هذا لا # PageV01P251 # ينبغي أن يكتفى في المداواة بمجرد المعرفة، بل ينبغي أن تكمل بالعمل، ~~وتجرب بأفعال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النفس، وبيانه أن يمتحن ~~النفس بالامتحانات الدالة على استخراج ما في الباطن، والامتحانات كثيرة، ~~فمنها وهو أولها: أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه، فإن ظهر شيء من ~~الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والشكر له على تنبيه ~~فذلك يدل على أن فيه كبرا دفينا، فليتق الله فيه ويشتغل بعلاجه. # أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه ms270 خسة نفسه، وخطر عاقبته وأن الكبر لا ~~يليق إلا بالله تعالى. # وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف بالحق، وأن يطلق ~~اللسان بالحمد والثناء، ويقر على نفسه بالعجز، ويشكره على الاستفادة ويقول: ~~«ما أحسن ما فطنت له، وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا كما نبهتني له» ~~فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها. # فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعا، وسقط ثقل الحق عن قلبه، ~~وطاب له قبوله، ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه بما فيهم ففيه كبر. # الامتحان الثاني: أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على ~~نفسه، ويمشي خلفهم، ويجلس في الصدور تحتهم، فإن ثقل ذلك عليه فهو متكبر. ~~فليواظب عليه تكلفا حتى يسقط عنه ثقله، فبذلك يزايله الكبر. # وهاهنا للشيطان مكيدة، وهو أن يجلس في صف النعال أو يجلس بينه وبين ~~الأقران بعض الأرذال فيظن أن ذلك تواضع، وهو عين الكبر، فإن ذلك يخف على ~~نفوس المتكبرين إذ يوهمون أنهم تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد ~~تكبر بإظهار التواضع أيضا، بل ينبغي أن يقدم أقرانه، ويجلس بجنبهم، ولا ~~ينحط عنهم إلى صف النعال، فذلك هو الذي يخرج خبث الكبر من الباطن. # الامتحان الثالث: أن يجيب دعوة الفقير، ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء ~~والأقارب، فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر، فإن هذه الأفعال من مكارم الأخلاق، ~~والثواب عليها جزيل، فنفور النفس عنها ليس إلا لخبث في الباطن، فليشتغل ~~بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف التي تزيل داء ~~الكبر. # الامتحان الرابع: أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى ~~البيت، فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء. # وكل ذلك من أمراض القلوب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك. وقد أهمل الناس ~~طب القلوب واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب عليها الموت لا ~~محالة، والقلوب لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى: (إلا من أتى ~~الله بقلب ms271 سليم) [الشعراء: 89] . ### | بيان غاية الرياضة في خلق التواضع: # اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان ووسط، فطرفه الذي يميل إلى ~~الزيادة # PageV01P252 # يسمى تكبرا، وطرفه يميل إلى النقصان يسمى تخاسسا ومذلة، والوسط يسمى ~~تواضعا، والمحمود أن يتواضع في غير مذلة وتخاسس، فإن: # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها، فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر، ~~ومن يتأخر عنهم فهو متواضع، أي وضع شيئا من قدره الذي يستحقه، والعالم إذا ~~دخل عليه دنيء فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه، ثم تقدم وسوى له نعله، وغدا ~~إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس وتذلل، وهو أيضا غير محمود، بل المحمود عند ~~الله العدل، وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ~~ومن يقرب من درجته، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق ~~في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك، وأن لا يرى نفسه خيرا ~~منه فلا يحتقره، ولا يستصغره، وهو لا يعرف خاتمة أمره. ### | بيان ذم العجب وآفاته: # اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~قال تعالى: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) [التوبة: 25] ~~ذكر ذلك في معرض الإنكار، وقال عز وجل: (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) [الحشر: 2] فرد على الكفار في إعجابهم ~~بحصونهم وشوكتهم، وقال تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) [الكهف: 104] ~~وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل، وقد يعجب الإنسان بعمل هو مخطئ فيه كما ~~يعجب بعمل هو مصيب فيه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه» . # وقال «ابن مسعود» : «الهلاك في اثنتين القنوط والعجب» وإنما جمع بينهما ; ~~لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر، والقانط لا يسعى، ~~ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى، وقد قال ~~تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم) [النجم: 32] أي لا تعتقدوا أنها بارة، وقال ms272 ~~تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) [البقرة: 264] والمن نتيجة ~~استعظام الصدقة، واستعظام العمل هو العجب. # بيان آفة العجب: # اعلم أن آفات العجب كثيرة، فإن العجب يدعو إلى الكبر ; لأنه أحد أسبابه، ~~فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، هذا مع ~~العباد، وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها، فبعض ~~ذنوبه لا يذكرها لظنه أنه مستغن عن تفقدها، وما يتذكره منها فيستصغره فلا ~~يجتهد في إزالته، بل يظن أنه يغفر له. وأما العبادات والأعمال فإنه ~~يستعظمها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين ~~منها، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها، وذلك أن المعجب يغتر بنفسه وبرأيه ~~ويأمن مكر الله # PageV01P253 # وعذابه، ويظن أنه عند الله بمكان، وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي ~~هي نعمة من نعمه، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها، وإن ~~أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد ~~بنفسه ورأيه، ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجب بالرأي الخطأ ~~الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره، ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه، ولا ~~يسمع نصح ناصح، ولا وعظ واعظ، بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على ~~خطاياه. # فهذا وأمثاله من آفات العجب، فلذلك كان من المهلكات، ومن أعظم آفاته أن ~~يغتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه قد استغنى، وهو الهلاك الصريح: نسأل ~~الله العظيم حسن التوفيق لطاعته. ### | بيان علاج العجب على الجملة: # اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده، وعلة العجب الجهل المحض، ~~فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل، وذلك أن المعجب بجماله أو قوته أو نسبه ~~وما لا يدخل تحت اختياره إنما يعجب بما ليس إليه ; لأن كل ذلك من فضل الله، ~~وإنما هو محل لفيضان جوده تعالى، فله الشكر والمنة لا لك إذ أفاض على عبده ~~ما لا يستحق، وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة، فإذن منشأ العجب بذلك ms273 ~~هو الجهل، وإزالة ذلك بالعلم المحقق بأن العبد وعمله وأوصافه كلها من عند ~~الله تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق، وهذا ينفي العجب والإدلال، ~~ويورث الخضوع والشكر والخوف من زوال النعمة، قال الله تعالى: (ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا) [النور: 21] . # قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وهو خير الناس: «ما منكم من أحد ~~ينجيه عمله» قالوا: «ولا أنت يا رسول الله» ، قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله برحمته» ومهما غلب الخوف على القلب شغله خشية سلب هذه النعمة عن ~~الإعجاب بها، وأنى لذي بصيرة أن يعجب بعمله، ولا يخاف على نفسه. فإذن هذا ~~هو العلاج القامع لمادة العجب من القلب. ### | بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه: # اعلم أن مجموع ما به ثمانية أقسام: # الأول: أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وقوته وحسن صوته، وينسى أنه نعمة ~~من الله تعالى، وهو بعرضة الزوال في كل حال. وعلاج التفكر في أقذار باطنه ~~في أول أمره وفي آخره، وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة كيف تمزقت في ~~التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع. # PageV01P254 # الثاني: البطش والقوة كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم: ~~(من أشد منا قوة) [فصلت: 15] وعلاجه أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته، وأنه ~~إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه. # الثالث: العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين ~~والدنيا، وثمرته الاستبداد بالرأي وترك المشورة واستجهال الناس المخالفين ~~له ولرأيه، ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء ~~بالرأي والعقل. # وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض ~~يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه، فلا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب ~~به ولم يقم بشكره، ويستقصر علمه وعقله. # وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا وإن اتسع علمه، وأن ما جهله مما ~~عرفه الناس أكثر مما عرف فكيف بما لم ms274 يعرفه الناس من علم الله تعالى؟ وأن ~~يتهم عقله وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم، فيحذر أن ~~يكون منهم، وهو لا يدري، فإن القاصر العقل لا يعلم قصور عقله. فينبغي أن ~~يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه، ومن أعدائه لا من أصدقائه، فإن من ~~يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا، وهو لا يظن بنفسه إلا الخير، ولا يفطن لجهل ~~نفسه فيزداد به عجبا. # الرابع: العجب بالنسب الشريف حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة ~~آبائه وأنه مغفور له. وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم ~~وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل، وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم ~~العجب، بل الخوف ومذمة النفس، ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال الحميدة ~~لا بالنسب، فليشرف بما شرفوا به، ولذلك قال تعالى: (يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى) [الحجرات: 13] أي لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم في ~~أصل واحد، ثم ذكر فائدة النسب فقال: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ~~[الحجرات: 13] ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال: (إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم) [الحجرات: 13] . # وقال صلى الله عليه وسلم «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية» أي كبرها: ~~«كلكم بنو آدم وآدم من تراب» . # ولما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: 214] ناداهم ~~بطنا بعد بطن حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعملا لأنفسكما فإني لا أغني عنكما من الله ~~شيئا» فبين أنهم إذا مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش. فمن عرف هذه ~~الأمور، وعلم أن شرفه بقدر تقواه، وقد كان من عادة آبائه التواضع اقتدى بهم ~~في التقوى والتواضع، وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى ~~إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق. # PageV01P255 # الخامس: العجب بنسب الأمراء وأعوانهم دون نسب العلم والدين، وهذا غاية ~~الجهل. وعلاجه أن يتفكر في منكراتهم وما جروا على الناس من المحظورات فيشكر ~~الله أن ms275 عصمه من تبعاتهم. # السادس: العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب كما قال ~~الكفار: (نحن أكثر أموالا وأولادا) [سبأ: 35] وكما قال المؤمنون يوم حنين: ~~«لا نغلب اليوم من قلة» . وعلاجه ما ذكرناه في الكبر، وهو أن يتفكر في ضعفه ~~وضعفهم، وأن كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا، ولا نفعا، ثم كيف يعجب وهم ~~سيفارقونه إذا مات ودفن وحده ذليلا مهانا، ويسلمونه إلى البلى والحيات ~~والعقارب، ولا يغنون عنه شيئا. ويهربون منه يوم القيامة: (يوم يفر المرء من ~~أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) [عبس: 34 36] فكيف تعجب بمن يفارقك في أشد ~~أحوالك ويهرب منك، وكيف تتكل على من لا ينفعك وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك؟ ~~. # السابع: العجب بالمال كما أخبر تعالى عن ذاك الكافر إذ قال: (أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا) [الكهف: 34] وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وكثرة ~~حقوقه، وإلى أن في اليهود من يزيد عليه في المال، وينظر إلى فضيلة الفقراء ~~وخفة حسابهم. وكيف يتصور من المؤمن أن يعجب بماله، ولا يخلو من تقصير في ~~القيام بحقوق المال من أخذه من حله ووضعه في حقه، وأن مآل المتهور في الجمع ~~والمنع إلى الخزي والبوار. # الثامن: العجب بالرأي الخطأ، قال تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا) [فاطر: 8] وقال تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) [الكهف: 104] ~~وقد أخبر رسول الله صلوات الله عليه أن بذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت ~~فرقا وكل معجب برأيه، و (كل حزب بما لديهم فرحون) [المؤمنون: 53 والروم: ~~32] . # وعلاجه أن يتهم رأيه أبدا فلا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو ~~سنة أو دليل عقلي صحيح جامع لشرط الأدلة، ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع ~~والعقل وشروطها ومكامن الغلط فيها إلا بقريحة تامة، وعقل ثاقب، وجد وتشمر ~~في الطلب، وممارسة للكتاب والسنة، ومجالسة لأهل العلم طول العمر، ومدارسة ~~للعلوم، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور، والصواب لمن لم يتفرغ ~~لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض ms276 في المذاهب، بل يشتغل بالتقوى واجتناب ~~المعاصي، وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين. # نسأله تعالى العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال. # PageV01P256 ### | كتاب ذم الغرور # إن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة، ~~والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا، وبقي في العمى ~~فاتخذ الهوى قائدا والشيطان دليلا، ولما كان الغرور أم الشقاوات ومنبع ~~الهلكات لزم شرح مداخله ومجاريه، وتفصيل ما يكثر وقوع الغرور فيه ليحذره ~~المريد بعد معرفته فيتقيه، فالموفق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد ~~فأخذ منها حذره، وبنى على الحزم والبصيرة أمره. ### | بيان ذم الغرور وحقيقته: # اعلم أن قوله تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) ~~[لقمان: 33 وفاطر: 5] وقوله تعالى: (ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني) [الحديد: 14] الآية، كاف في ذم الغرور. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها ~~وتمنى على الله» . # فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة ~~وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن ~~شبهة فاسدة فهو مغرور، وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه، ~~فأكثر الناس إذن مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم. # وأشد الغرور: غرور الكفار وغرور العصاة والفساق ; فأما غرور الكفار فقد ~~أشير إليه في قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) [البقرة: 86] . # وعلاج هذا الغرور: إما التصديق بالإيمان، وإما بالبرهان. أما التصديق ~~بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله تعالى في قوله: (ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق) [النحل: 96] . وفي قوله عز وجل: (وما عند الله خير) [آل عمران: ~~198] . وقوله (والآخرة خير وأبقى) [الأعلى: 17] وقوله: (فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا) [لقمان: 33، وفاطر: 5] . # وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك طوائف من الكفار فصدقوه ~~وآمنوا به ولم يطالبوه. # PageV01P257 # بالبرهان ومنهم من قال: «نشدتك الله أبعثك الله رسولا» ؟ فكان ms277 يقول: ~~«نعم» ، فيصدق، هذا إيمان العامة، وهو يخرج من الغرور. # وأما المعرفة بالبيان والبرهان فأن تعرف فساد ما وسوس به الشيطان من ~~الغرور بالتبصر في دعوى الأنبياء والعلماء وتصديقهم، فإنه أيضا يزيل ~~الغرور، وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص، ومثالهم مريض لا يعرف دواء ~~علته وقد اتفق الأطباء وأهل الصناعة من عند آخرهم على أن دواءه النبت ~~الفلاني، فإنه تطمئن نفس المريض إلى تصديقهم، ولا يطالبهم بتصحيح ذلك ~~بالبراهين الطبية، بل يثق بقولهم ويعمل به، ولو بقي معتوه يكذبهم في ذلك، ~~وهو يعلم بالتواتر وقرائن الأحوال أنهم أكثر منه عددا وأغزر منه فضلا وأعلم ~~منه بالطب، بل لا علم له بالطب فيعلم كذبه بقولهم، ولا يعتقد كذبهم بقوله، ~~ولا يغتر في علمه بسببه، ولو اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها ~~مغرورا، فكذلك من نظر إلى المقرين بالآخرة، والمخبرين عنها والقائلين بأن ~~التقوى هي الدواء النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق الله وأعلاهم ~~رتبة في البصيرة والمعرفة والعقل، وهم الأنبياء والحكماء والعلماء، واتبعهم ~~علية الخلق على أصنافهم، وشذ منهم آحاد ممن غلبت عليهم الشهوة ومالت نفوسهم ~~إلى التمتع فعظم عليهم ترك الشهوات، وعظم عليهم الاعتراف بأنهم من أهل ~~النار، فجحدوا الآخرة، وكذبوا الأنبياء، فكما أن قول الصبي والمعتوه لا ~~يزيل طمأنينة القلب إلى ما اتفق الأطباء. فكذلك قول هذا الغبي الذي استرقته ~~الشهوات لا يشكك في صحة أقوال الأنبياء والعلماء. وهذا القدر من الإيمان ~~كاف لجملة الخلق، وهو يقين جازم يستحث على العمل لا محالة، والغرور يزول ~~به. # وأما غرور العصاة من المسلمين فبقولهم: إن الله كريم وإنا نرجو عفوه، ~~واتكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال، وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم واغترارهم ~~رجاء، وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين، وأن نعمة الله واسعة ورحمته ~~شاملة وكرمه عميم، وأين معاصي العباد في بحار كرمه، وإنا موحدون فنرجوه ~~بوسيلة الإيمان. # وربما كان مستدرجاتهم التمسك بصلاح الآباء وعلو رتبتهم كاغترار العلوية ~~بنسبهم، ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف والتقوى والورع، وظنهم أنهم أكرم ms278 على ~~الله من آبائهم إذ آباؤهم مع غاية الورع والتقوى كانوا خائفين، وهم مع غاية ~~الفسق والفجور آمنون وذلك نهاية الاغترار بالله تعالى. # أينسى المغرور أن نوحا عليه السلام أراد أن يستصحب ولده معه في السفينة ~~فلم يرد فكان من المغرقين (فقال رب إن ابني من أهلي) [هود: 45] فقال تعالى: ~~(يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) [هود: 46] ، وأن إبراهيم - عليه ~~السلام - استغفر لأبيه فلم ينفعه. # ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه، ويروى بشرب أبيه، ~~ويصير عالما بعلم أبيه، ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي أبيه. فالتقوى فرض عين ~~فلا يجزي فيه والد عن ولده شيئا، وكذا العكس. ### | بيان الغلط في تسمية التمني والغرور رجاء: # فإن قلت: فأين الغلط في قول العصاة والفجار: إن الله كريم وإنا نرجو ~~رحمته ومغفرته # PageV01P258 # وقد قال: «أنا عند ظن عبدي بي» . فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كشف عن ذلك فقال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع ~~نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» وهذا هو التمني على الله تعالى غير ~~الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى خدع به الجهال. # وقد شرح الله الرجاء فقال: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) [البقرة: 218] يعني أن الرجاء بهم أليق، ~~وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر، وجزاء على الأعمال، قال الله تعالى: ~~(جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: 17، الأحقاف: 14 والواقعة: 24] وقال ~~تعالى: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) [آل عمران: 185] أترى أن من ~~استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد ~~مهما وعد، ولا يخلف، بل يزيد، فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم ~~جلس ينتظر الأجر، ويزعم أن المستأجر كريم، أفتراه العقلاء في انتظاره ~~متمنيا مغرورا أو راجيا؟ وهذا للفرق بين الرجاء والغرة. # قيل «للحسن» : قوم يقولون: نرجو الله ويضيعون العمل فقال: هيهات هيهات، ~~تلك أمانيهم يترجحون فيها، من رجا شيئا طلبه ومن ms279 خاف شيئا هرب منه. # وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا، وهو بعد لم ينكح فهو معتوه، فكذلك من ~~رجا رحمة الله ولم يعمل صالحا ولم يترك المعاصي فهو مغرور. فكما أنه إذا ~~نكح بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن ~~الرحم وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس. فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات وترك ~~السيئات وبقي مترددا بين الخوف والرجاء يخاف أن لا يقبل منه، ويرجو أن ~~يثبته حتى يموت على التوحيد، ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره ~~حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس، ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله (وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) [الفرقان: 42] . ### | موضع الرجاء المحمود: # فإن قلت: فأين موضع الرجاء المحمود؟ فاعلم أنه محمود في موضعين: # أحدهما: في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان: «وأنى ~~تقبل توبتك» ؟ فيقنطه من رحمة الله تعالى، فيجب عند هذا أن يقمع القنوط ~~بالرجاء، ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا، وأن الله كريم يقبل التوبة عن ~~عباده، وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب، قال تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى) [طه: 82] فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج، وإن ~~توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور. # الثاني: أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض فيرجي نفسه ~~نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة ~~فيقبل على الفضائل ويتذكر # PageV01P259 # قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون 1، ~~2] الآيات. # فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة، والرجاء الثاني يقمع الفتور ~~المانع من النشاط والتشمر، فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة ~~فهو رجاء، وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة. كما ~~إذا خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل ففتره الشيطان عن التوبة والعبادة ~~وقال له: «لك رب كريم» فهذا غرة، وعند هذا يجب أن يستعمل ms280 الخوف فيخوف نفسه ~~بغضب الله وعظيم عقابه، ويقول: إنه، مع أنه غافر الذنب وقابل التوب، شديد ~~العقاب، وإنه مع أنه كريم خلد الكفار في النار أبد الآباد، وقد خوفني عقابه ~~فكيف لا أخافه وكيف أغتر به. # فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل، فما لا يبعث على ~~العمل فهو تمن وغرور، ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على ~~الدنيا، وسبب إعراضهم عن الله تعالى، وإهمالهم السعي للآخرة، فذلك غرور، ~~وقد كان السلف يبالغون في التقوى والحذر من الشبهات والشهوات، ويبكون على ~~أنفسهم في الخلوات، وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين غير خائفين مع ~~إكبابهم على المعاصي، وانهماكهم في الدنيا، وإعراضهم عن الله تعالى زاعمين ~~أنهم واثقون بكرم الله وعفوه كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم ~~يعرفه الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون ; فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى ~~وينال بالهوينا فعلى ماذا كان بكاء أولئك وخوفهم وحزنهم؟! وقد قال تعالى: ~~(ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: 46] (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) ~~[إبراهيم: 14] . والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر ~~إلا ويطول حزنه ويعظم خوفه إن كان مؤمنا. ### | بيان بعض أصناف المغترين: ### | فمنهم فرقة # أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي، ~~واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان لا يعذب مثلهم، ولو نظروا بعين ~~البصيرة لعلموا أن العلم إنما يراد لمعرفة الحلال والحرام، ومعرفة أخلاق ~~النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها، فهي علوم لا تراد ~~إلا للعمل، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل. وقد ورد فيمن لا ~~يعمل بعلمه ما فيه أشد الترهيب كقوله تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) [الجمعة: 5] فأي خزي أعظم من التمثيل ~~بالحمار؟ . ### | ### | وفرقة # أخرى أحكموا العلم والعمل فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا ~~المعاصي، إلا أنهم لم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا عنها الصفات الذميمة من الكبر ~~والحسد والرياء وطلب العلا وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة ms281 في ~~البلاد والعباد، فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا # PageV01P260 # بواطنهم ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا ~~إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا ~~القلوب، والقلب هو الأصل إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، ومثال ~~هؤلاء قبور الموتى: ظاهرها مزين وباطنها جيفة. ### | وفرقة # اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات ~~الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد، وخصصوا اسم الفقه بها. وربما ~~ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقدوا الجوارح كاللسان عن ~~الغيبة، ولا البطن عن الحرام، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والحسد والرياء ~~وسائر المهلكات، فهؤلاء مغرورون من وجهين: من حيث العمل ومن حيث العلم. # أما من العمل فقد قدمنا أولا وجه الغرور فيه، ومثالهم المريض إذا تعلم ~~نسخة الدواء واشتغل بتكرارها وتعليمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها، ~~أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا؟ هيهات هيهات، فلا بد من شربه وصبره ~~على مرارته، على أنه بعد على خطر من شفائه. # وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم المعاملات وظن أنه علم ~~الدين، وترك علم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما طعن في ~~المحدثين وقال: إنهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون. وترك أيضا علم ~~تهذيب الأخلاق، وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته، وهو الذي ~~يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى، فإن الفقه هو الفقه عن الله ~~ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال ~~تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [التوبة: 122] والذي يحصل به الإنذار غير ~~هذا العلم. ### | وفرقة # اشتغلوا بالوعظ والتذكير والتكلم في أخلاق النفس والزهد والإخلاص وهم ~~مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ودعوا الخلق إليها فقد ~~صاروا موصوفين بها وهم منفكون عنها عند الله لحرصهم على السمعة وحسدهم لمن ~~يتقدمهم من أقرانهم، وغيظهم على من ms282 يثني على معاصريهم، وجمعهم لحطام ~~الدنيا، فهؤلاء أعظم الناس غرة. # وفرقة منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا، فهم يحفظون ~~الكلمات ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها ولو في الأسواق مع الجلساء، وكل ~~منهم يظن أنه إذا حفظ كلام الزهاد فقد أفلح ونال الغرض، وصار مغفورا له من ~~غير أن يحفظ باطنه عن الآثام، وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم. # وفرقة اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا به وزعموا ~~أنهم قد غفر لهم، وأنهم من علماء الأمة فأفنوا أعمارهم في ذلك وأعرضوا عن ~~معرفة معاني الشريعة والعمل # PageV01P261 # بها، كمن ضيع عمره في تصحيح مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو ~~غرور، إذ المقصود من الحروف المعاني وإنما الحروف أدوات، فاللب هو العمل ~~والذي فوقه كالقشر للعمل. فالقانعون به مغترون إلا من اتخذه منزلا فلم يعرج ~~عليه إلا بقدر حاجته، فتجاوزه حتى وصل إلى لباب العمل، فحمل نفسه عليه ~~فصفها من الشوائب والآفات. ### | غرور أرباب العبادة وهم فرق عديدة: # منهم فرقة تعمقوا حتى خرجوا إلى العدوان والسرف، كالذي يغلب عليه الوسوسة ~~في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى المحكوم بطهارته في الشرع ويقدر الاحتمالات ~~البعيدة قريبة في النجاسة، ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام ~~لكان أشبه بسيرة الصحابة؛ إذ توضأ «عمر» - رضي الله عنه - بماء في جرة ~~نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة، وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة ~~من الوقوع في الحرام. # ومنهم فرقة غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد ~~نية صحيحة على زعمه، وقد يوسوسون في التكبير حتى قد يغيرون صيغة التكبير ~~لشدة الاحتياط فيه على زعمهم، يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون في جميع ~~الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم على خير عند ربهم. # وفرقة تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من ~~مخارجها، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح ~~المخارج في جميع صلاته لا يهمه غيره ذاهلا ms283 عن معنى القرآن والاتعاظ به وصرف ~~الفهم إلى أسراره، وهذا من أقبح أنواع الغرور، فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة ~~القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام، ومثال ~~هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان وأمر أن يؤديها على وجهها فأخذ ~~يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى، وهو في ~~ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس، فما أحراه بأن يقام عليه ~~التأديب ويحكم عليه بفقد العقل. # وفرقة اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم والليلة ~~مرة، ولسان أحدهم يجري وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر في معاني ~~القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه، ويقف عند أوامره ونواهيه، ويعتبر ~~بمواضع الاعتبار فيه، فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به ~~مع الغفلة عنه، ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه كتابا وأشار عليه فيه ~~بالأوامر والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على ~~حفظه، فهو مستمر على خلاف ما أمر به مولاه إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ~~ونغمته كل يوم مائة مرة، فهو مستحق للعقوبة، ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه ~~فهو مغرور. نعم تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى، بل لحفظه، وحفظه يراد لمعناه، ~~ومعناه يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه، وقد يكون له صوت طيب # PageV01P262 # فهو يقرؤه ويلتذ به، ويغتر باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى ~~وسماع كلامه، وإنما هي لذته في صوته فليتفقد قلبه وليخش ربه. # وفرقة اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو الأيام الشريفة وهم فيها لا ~~يحفظون ألسنتهم عن الغيبة، وخواطرهم عن الرياء، وبواطنهم عن الحرام عند ~~الإفطار، وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار، وهو مع ذلك يظن ~~بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه، وذلك غاية الغرور. # وفرقة اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء ~~الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة ms284 ~~الإسلام، ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض، ولا يحذرون من الرفث والخصام، ~~ثم يحضر البيت بقلب ملوث بذميم الأخلاق لم يقدم تطهيره على حضوره، وهو مع ~~ذلك يظن أنه على خير من ربه فهو مغرور. # وفرقة جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بذلك ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ~~ظاهرهم وباطنهم، فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه: إن فلانا ~~مجاور بمكة، وتراه يقول: قد جاورت بمكة كذا وكذا سنة. ثم إنه قد يجاور ويمد ~~عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس، ويظهر فيه الرياء وجملة من المهلكات كان ~~عنها بمعزل لو ترك المجاورة، ولكن حب المحمدة، وأن يقال: إنه من المجاورين ~~ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل فهو أيضا مغرور. # وفرقة زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون، ومن المسكن ~~بالمساجد أو المدارس، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهو مع ذلك راغب ~~بالرياسة والجاه إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد، فقد ترك أهون ~~الأمرين وباء بأعظم المهلكين، فهذا مغرور إذ ظن أنه من الزهاد في الدنيا، ~~وهو لم يفهم معنى الدنيا، ولم يدر أن منتهى لذاتها الرياسة، وأن الراغب ~~فيها لا بد وأن يكون منافقا وحسودا ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث ~~الأخلاق. وقد يؤثر الخلوة والعزلة، وهو مع ذلك مغرور، إذ يتطاول بذلك على ~~الناس وينظر إليهم بعين الاستحقار، ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث ~~القلوب، وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده، فهو راغب في ~~حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا، ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا وهو ~~مغرور، ومع ذلك فربما لا يخلو عن توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء، ~~والميل إلى المريدين له والمثنين عليه، والنفرة عن المائلين إلى غيره، وكل ~~ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه. # وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح، ولا يخطر له مراعاة القلب ~~وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات، ويتوهم أنه مغفور ~~له لعمله الظاهر وأنه # PageV01P263 # غير مؤاخذ بأحوال القلب، وقد يظن ms285 أن العبادات الظاهرة تترجح بها كفة ~~حسناته وهيهات، وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق الأكياس أفضل من أمثال ~~الجبال عملا بالجوارح، ثم لا يخلو هذا المغرور من سوء خلقه مع الناس ~~وخشونته وتلوث باطنه بالرياء وحب الثناء. فإذا قيل له: أنت من أوتاد الأرض ~~وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به، وظن أن تزكية الناس له ~~دليل على كونه مرضيا عند الله، ولا يدري أن ذلك لجهل الناس بخبائث باطنه. # وفرقة حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض، ترى أحدهم يفرح ~~بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل، ولا يجد للفريضة لذة، ولا ~~يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يرويه عن ربه: «ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم» . ### | غرور المتصوفة وهم فرق كثيرة: # ففرقة منهم اغتروا بالزي والهيئة والمنطق، فيجلسون على السجادات مع إطراق ~~الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر، وفي تنفس الصعداء، وفي خفض الصوت في ~~الحديث، ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير ~~الباطن والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل التصوف ~~مع أنهم لم يحوموا قط حولها ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها. # وفرقة ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال ~~والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب، ولا يعرف هذه الأمور إلا ~~بالأسامي والألفاظ ; لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها، ويظن أن ~~ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين ~~والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام، حتى إن الفلاح ~~ليترك فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم ويتلقف منهم تلك الكلمات ~~المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار، ويستحقر بذلك ~~جميع العباد والعلماء ويقول: «إنهم عن الله محجوبون» ، ويدعي لنفسه الوصول ~~إلى الحق وأنه من المقربين، وهو عند الله من المنافقين، وعند أرباب القلوب ~~من الحمقى الجاهلين، لم يحكم قط علما، ولم يهذب خلقا، ولم يرتب عملا، ولم ms286 ~~يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه. # وفرقة وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسووا بين الحلال ~~والحرام، فبعضهم يقول: «إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي» ؟ وبعضهم ~~يقول: «الأعمال بالجوارح لا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب، وقلوبنا والهة ~~بحب الله وواصلة إلى معرفة الله، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا وقلوبنا ~~عاكفة في الحضرة الربوبية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب» ويزعمون ~~أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية، ~~وأن الشهوات لا تصدهم عن طرق الله لقوتهم فيها. وكل هذا من # PageV01P264 # وساوس يخدعهم الشيطان بها، والإباحية من الكفار المارقين. نعوذ بالله أن ~~نكون من الجاهلين. # وفرقة ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة فتصدوا لخدمة الصوفية فجمعوا ~~قوما وتكلفوا بخدمتهم واتخذوا ذلك شبكة للرياسة وجمع المال، فيجمعون من ~~الحرام والشبهات وينفقون عليهم لتكثر أتباعهم وينتشر بالخدمة اسمهم، وما ~~باعثهم إلا الرياء والسمعة. # وثمة فرق أخر لا يحصى غرورها، والغرض من ذلك التنبيه على أمثلة تعرف ~~الأجناس دون الاستيعاب، فإن ذلك يطول. ### | غرور أرباب الأموال: # والمغترون منهم فرق: ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد وما يظهر للناس ~~ليتخلد ذكرهم أو يذيع صيتهم وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك، وقد ~~يكون بناؤها من جهات محظورة تعرضوا لسخط الله في كسبها، وكان الواجب ردها ~~إلى ملاكها إما بأعيانها وإما رد بدلها عند العجز، وقد يكون الأهم التفرقة ~~على المساكين وهم لا يفعلون ذلك خيفة أن لا يظهر ذلك للناس فيكون غرضهم في ~~البناء الرياء وجلب الثناء، مع أن صرف المال إلى من في جواره أو بلده من ~~فقراء وأيتام أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى المساجد وزينتها، فما خف عليهم ~~الصرف إلى المساجد إلا ليظهر ذلك بين الناس. وهناك محظور آخر، وهو أنه قد ~~يصرف المال إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش المنهي عنها لشغلها قلوب ~~المصلين، والمقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب وذلك يفسد قلوب المصلين ; ~~فوبال ذلك كله يرجع إليه، وهو مع ذلك ms287 يغتر به، ويرى أنه من الخيرات مع أنه ~~تعرض لما لا يرضي الله تعالى. # وفرقة ينفقون الأموال في الصدقات على المساكين ويطلبون به المحافل ~~الجامعة، ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف، ويكرهون التصدق في ~~السر، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذه منهم جناية عليهم وكفرانا، وربما ~~يحرصون على إنفاق المال في الحج فيحجون مرة بعد أخرى، وربما تركوا جيرانهم ~~جياعا، ولذلك قال «ابن مسعود» : «في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب، يهون ~~عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، ويرجعون محرومين مسلوبين، يهوي بأحدهم ~~بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه» وقال «أبو نصر ~~التمار» : «إن رجلا جاء يودع» بشر بن الحارث «وقال:» قد عزمت على الحج ~~فتأمرني بشيء «؟ فقال له:» كم أعددت للنفقة «؟ قال:» ألفي درهم «، قال» بشر ~~«:» فأي شيء تبتغي # PageV01P265 # لحجتك تزهدا أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله «؟ قال:» ابتغاء ~~مرضاة الله «قال:» فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلتك وتنفق ألفي ~~درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك «؟ قال:» نعم «، قال: ~~اذهب فأعطها عشرة أنفس: مديونا يقضي دينه، وفقيرا يرم شعثه، ومعيلا يحيي ~~عياله، ومربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدا فافعل، فإن إدخالك ~~السرور على قلب مسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة ~~حجة بعد حجة الإسلام، قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك» ~~فقال: «يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي» ، فتبسم «بشر» - رحمه الله تعالى - ~~وأقبل عليه وقال له: «المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس ~~أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل ~~إلا عمل المتقين» . # وفرقة من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم ~~البخل، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا تحتاج فيها إلى نفقة كصيام ~~النهار وقيام الليل وختم القرآن، وهم مغرورون ; لأن البخل المهلك قد استولى ~~على بواطنهم فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال، فقد ms288 اشتغل بطلب فضائل، وهو ~~مستغن عنها، ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك، وهو ~~مشغول بطبخ دواء يسكن به الصفراء، ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى دواء؟ ~~ولذلك قيل «لبشر» : «إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة» ، فقال: «المسكين ~~ترك حاله ودخل في حال غيره، وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق ~~على المساكين، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ~~ومنعه للفقراء» . # وفرقة غلبهم البخل فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط، ثم إنهم يخرجون ~~من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه، ويطلبون من الفقراء من يخدمهم ~~ويتردد في حاجاتهم أو من يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة، أو ~~من لهم على الجملة غرض، أو يسلمون إلى من يعينه واحد من الأكابر ممن يستظهر ~~بحشمه لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجاته، وكل ذلك مفسدات للنية ومحبطات ~~للعمل، وصاحبه مغرور، ويظن أنه مطيع لله تعالى، وهو فاجر إذ طلب بعبادة ~~الله عوضا من غيره. وغرور أصحاب الأموال لا يحصى وإنما ذكرنا هذا القدر ~~للتنبيه على أجناس الغرور. # وفرقة أخرى من عوام أرباب الأموال اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ~~ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة، ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ ~~دون العمل والاتعاظ أجرا، وهم مغرورون ; لأن فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا في ~~الخير، فإن لم يهيج الرغبة فلا خير فيه، والرغبة محمودة لأنها تبعث على ~~العمل، فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها، وما يراد لغيره فإذا قصر ~~عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له. وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ ~~وتدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولا عزم، وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد ~~على أن يصفق بيديه ويقول: يا سلام سلم، أو نعوذ بالله أو سبحان الله، ويظن ~~أنه قد أتى # PageV01P266 # بالخير كله، وهو مغرور، وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء ~~فيسمع ما يجري، أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له ms289 الأطعمة اللذيذة الشهية ~~ثم ينصرف، وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا، فكذلك سماع وصف الطاعات ~~دون العمل بها لا يغني من الله شيئا، فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير ~~أفعالك حتى تقبل على الله تعالى إقبالا قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا فذلك ~~الوعظ زيادة حجة عليك، فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا. # فإن قلت: ما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يمكن الاحتراز منه إذ لا يقوى ~~أحد على الحذر من خفايا هذه الآفات، قلت: الإنسان إذا فترت همته في شيء ~~أظهر اليأس منه واستعظم الأمر واستوعر الطريق، وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى ~~الحيل واستنبط بدقيق النظر خفايا الطريق في الوصول إلى الغرض، حتى إن ~~الإنسان إذا أراد أن يستنزل الطير المحلق في جو السماء مع بعده منه ~~استنزله، وإذا أراد أن يستسخر السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها، ~~إلى غير ذلك من دقائق حيل الآدمي، كل ذلك ; لأن همه أمر دنياه فلو أهمه أمر ~~آخرته فليس عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه، ولما تخاذل عن تقويم قلبه ~~ظنه محالا وليس ذلك بمحال ; لأنه شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ومن ~~اتبعهم بإحسان، فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته وقويت همته، بل لا يحتاج ~~إلى عشر تعب الخلق في استنباط حيل الدنيا ونظم أسبابها. # فإن قلت: قد قربت الأمر فيه مع أنك أكثرت في ذكر مداخل الغرور ف ### | بم ينجو العبد من الغرور؟ # فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور: بالعقل والعلم والمعرفة، فهذه ثلاثة ~~أمور لا بد منها: # أما العقل فأعني به الفطرة الغريزية والنور الأصلي الذي به يدرك الإنسان ~~حقائق الأشياء ; لأن أساس السعادات كلها العقل والكياسة. # وأما المعرفة فأن يعرف نفسه وربه ويعرف الدنيا والآخرة، فإذا عرف ذلك ثار ~~من قلبه بمعرفة الله حب الله وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها، وبمعرفة ~~الدنيا الرغبة عنها، ويصير أهم أموره ما يوصله إلى الله تعالى وينفعه في ~~الآخرة، وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه ms290 صحت نيته في الأمور كلها واندفع ~~عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدنيا والجاه والمال، وما ~~دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة، وهوى نفسه أحب إليه من رضاء الله تعالى ~~فلا يمكنه الخلاص من الغرور، فإذا غلب حب الله على قلبه بمعرفته بالله ~~وبنفسه الصادرة عن كمال عقله فيحتاج إلى المعنى الثالث، وهو العلم، أعني ~~العلم بما يقربه من الله وما يبعده عنه، فيعرف من العبادات شروطها فيراعيها ~~وآفاتها فيتقيها، ومن العادات أسرار المعايش وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب ~~الشرع، وما هو مستغن عنه فيعرض عنه، ومن المهلكات يعلم جميع العقبات ~~المانعة في طريق الله، فإن المانع من الله الصفات المذمومة في الخلق، فيعلم # PageV01P267 # المذموم ويعلم طريق علاجه، ويعرف من المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد ~~وأن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها. # فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور، ~~وأصل ذلك كله أن يغلب حب الله على القلب، ويسقط حب الدنيا منه حتى تقوى به ~~الإرادة، وتصح به النية، ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها. نسأل ~~الله العون والتوفيق وحسن الخاتمة آمين. # PageV01P268 ### | كتاب التوبة ### | حقيقة التوبة: # اعلم أن التوبة معنى ينتظم من ثلاثة أمور: علم وحال وفعل، والأول موجب ~~للثاني، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه سنة الله في الملك والملكوت. # أما العلم فهو معرفة عظم الذنوب وكونها سموما مهلكة وحجابا بين العبد ~~وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه ~~المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه ~~تألم، فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله ~~المفوت لمحبوبه ندما، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى انبعث من هذا ~~الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال ~~وبالماضي وبالاستقبال، أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابسا، ~~وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، ms291 وأما ~~بالماضي فبتلاقي ما فات بالخير والقضاء إن كان قابلا للخير. # فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك يطلق اسم التوبة على مجموعها. ~~وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم كالمقدمة ~~والترك كالثمرة، وبهذا الاعتبار جاء في الأثر: «الندم توبة» إذ لا يخلو ~~الندم من علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ويتلوه. ### | بيان وجوب التوبة وفضلها: # اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات، وهو واضح بنور البصيرة عند ~~من شرح الله بنور الإيمان صدره، فإن من عرف أن لا سعادة في دار البقاء إلا ~~في لقاء الله تعالى، وأن كل محجوب عنه شقي لا محالة محول بينه وبين ما ~~يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم، وعلم أن لا مبعد عن لقاء الله إلا ~~اتباع الشهوات، ولا مقرب من لقائه إلا الإقبال على الله بدوام ذكره، وعلم ~~أن الذنوب سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن ~~طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم ~~والعزم، وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن البصيرة، ومن لم يترشح لهذا المقام ~~فيلاحظ ما ورد من الآيات والآثار فقد قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) [النور: 31] وهذا أمر على العموم، وقال تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) [التحريم: 8] ومعنى ~~النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشوائب. # PageV01P269 # ويدل على فضل التوبة قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ~~[البقرة: 222] وقال عليه الصلاة والسلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ~~والأخبار في ذلك كثيرة. ### | وجوب التوبة على الفور وعلى الدوام: # لا يخفى أن وجوبها على الفور لا يستراب فيه، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات ~~من نفس الإيمان، وهو واجب على الفور، والعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون ~~باعثا على تركها، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان، وهو ~~المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ~~وذلك لكون الزنا مبعدا عن الله ms292 تعالى موجبا للمقت كسائر المعاصي لأنها ~~للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان، فكما أنها تغير مزاج الإنسان ولا تزال ~~تجتمع حتى تفسده فيموت دفعة، كذلك تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا تحق ~~الكلمة عليه بأنه من الهالكين. # وأما وجوب التوبة على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية ~~بجوارحه، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم ~~بالذنوب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان ~~بإيراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور ~~في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص وله أسباب، وترك أسبابه ~~بالتشاغل بضدها رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة الرجوع، ولا يتصور ~~الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون بالمقادير، فأما الأصل ~~فلا بد منه، ولهذا قال عليه السلام: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله ~~في اليوم والليلة سبعين مرة» الحديث، ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال: ~~(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) [الفتح: 2] وإذا كان هذا حاله ~~فكيف حال غيره. # وإنما أطلقنا الوجوب في كل حال، والتوبة عن بعض ما ذكر من الفضائل لا ~~الفرائض لأنا نعني بالواجب ما لا بد منه للوصول به إلى القرب المطلوب من رب ~~العالمين والمقام المحمود بين الصديقين، والتوبة عن جميع ما ذكرناه واجبة ~~في الوصول إليه كما يقال الطهارة واجبة في صلاة التطوع أي لمن يريدها، فإنه ~~لا يتوصل إليها إلا بها. # واعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات ~~أصلا، وليس معنى التوبة تركها فقط، بل تمام التوبة بتدارك ما مضى، وكل شهوة ~~اتبعها الإنسان ارتفع منها # PageV01P270 # ظلمة إلى قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة، ~~فإن تراكمت ظلمة الشهوات صارت رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند ~~تراكمه خبثا كما قال تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما ms293 كانوا يكسبون) ~~[المطففين: 14] فإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه ~~المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل الصقل ~~بعده وصار كالمطبوع من الخبث، ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في ~~المستقبل بل لا بد من محو تلك الأريان التي انطبعت في القلب، كما لا يكفي ~~في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ~~ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان. # وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع إليه نور من ~~الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة، وإليه الإشارة ~~بقوله عليه السلام: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» فإذن لا يستغني العبد في ~~حال من أحواله عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار ~~تلك السيئات. # ولقد صدق «أبو سليمان الداراني» حيث قال: «لو لم يبك العاقل فيما بقي من ~~عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه إلى ~~الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله» وإنما قال هذا ~~لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة، ~~وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد، وكل ساعة من ~~العمر، بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها، ولا بدل منها فإنها صالحة ; ~~لأنها توصلك إلى سعادة الأبد وتنقذك من شقاوة الأبد، وأي جوهر أنفس من هذا؟ ~~فإذا ضيعتها في الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا، فإن كنت لا تبكي على هذه ~~المصيبة فذلك لجهلك، ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة، ونوم الغفلة يحول ~~بينه وبين معرفته، «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» فعند ذلك ينكشف لكل ~~مفلس إفلاسه ولكل مصاب مصيبته، وقد رفع الناس عن التدارك كما قال تعالى: ~~(وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن ms294 يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) ~~[المنافقون: 10، 11] . # وقد قيل في معنى الآية إنه يقول حالتئذ: «يا ملك الموت أخرني يوما أتوب ~~فيه إلى ربي وأتزود صالحا لنفسي، فيقول: فنيت الأيام فلا يوم» ، فيقول: ~~فأخرني ساعة «، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة» ، فيغلق عليه باب التوبة ~~فيتغرغر بروحه وتزهق نفسه، ولمثل هذا يقال: (وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) [النساء: 18] وقوله ~~تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب) [النساء: 17] . # معناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها ~~قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو، ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف ~~كان بين خطرين عظيمين: # PageV01P271 # أحدهما: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا ~~يقبل المحو. # الثاني: أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، فيأتي ~~الله بقلب غير سليم، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. ### | بيان أن التوبة الصحيحة مقبولة: # اعلم أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة، فإن نور الحسنة ~~يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة كما لا طاقة لظلام الليل مع بياض النهار، ~~وكما أن استعمال الثواب في الأعمال الخسيسة يوسخ الثوب وغسله بالصابون ~~والماء الحار ينظفه لا محالة، فاستعمال القلب في الشهوات يوسخ القلب، وغسله ~~بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه، وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول ~~كما أن كل ثوب نظيف هو مقبول، فإنما عليك التزكية والتطهير، وأما القبول ~~فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له، وهو المسمى فلاحا في قوله: ~~(قد أفلح من زكاها) [الشمس: 9] . # فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا ~~يزول والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول، إلا أن يغوص الوسخ لطول تراكمه ~~في تجاويف الثوب فلا يقوى الصابون على قلعه، فمثال ذلك ms295 أن تتراكم الذنوب ~~حتى تصير طبعا ورينا على القلب، فمثل هذا القلب لا يرجع، ولا يتوب. نعم قد ~~يقول باللسان: تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه: قد غسلت الثوب وذلك لا ~~ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد الوصف المتمكن به. ~~فهذا حال امتناع أصل التوبة، وهو غير بعيد، بل هو الغالب على كافة الخلق ~~المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية. # هذا البيان كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة، ولكنا نعضد جناحه ببعض ~~آيات وأخبار، فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به. قال تعالى: ~~(غافر الذنب وقابل التوب) [غافر: 3] وقال سبحانه: (وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده ويعفو عن السيئات) [الشورى: 25] وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى النهار، ولمسيء النهار إلى الليل ~~حتى تطلع الشمس من مغربها» وبسط اليد كناية عن طلب التوبة، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . # بيان ما تكون عنه التوبة وهي الذنوب: # اعلم أن التوبة ترك الذنب، ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته، وإذا كانت ~~التوبة # PageV01P272 # واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا، فمعرفة الذنوب إذا واجبة، ~~والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله - تعالى - في ترك أو فعل. ثم إن ~~مثارات الذنوب تنحصر في أربع صفات: صفات ربوبية، وصفات شيطانية، وصفات ~~بهيمية، وصفات سبعية. # فأما ما يقتضي النزوع إلى الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر وحب المدح ~~والثناء وحب دوام البقاء، وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن ~~يقول: «أنا ربكم الأعلى» وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها ~~الخلق ولم يعدوها ذنوبا، وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر ~~المعاصي. # الثانية: هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد والبغي والحيلة ~~والخداع والأمر بالفساد والمنكر، وفيه يدخل الغش والنفاق، والدعوة إلى ~~البدع والضلال. # الثالث: الصفة البهيمية، ومنها يتشعب الشره والحرص على قضاء شهوة البطن ms296 ~~والفرج، ومنه يتشعب الزنا واللواط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام ~~لأجل الشهوات. # الرابعة: الصفة السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد والتهجم على الناس ~~بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال، ويتفرع عنها جمل من الذنوب. # فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع على ~~الجوارح، فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس، ~~وبعضها على العين والسمع، وبعضها على اللسان، وبعضها على البطن والفرج، ~~وبعضها على اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى بيان ~~تفصيل ذلك فإنه واضح. ### | انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر: # اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها فقال ~~قائلون: لا صغيرة ولا كبيرة، بل كل مخالفة لله فهي كبيرة، وهذا ضعيف؛ إذ ~~قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما) [النساء: 31] وقال تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم) [النجم: 32] . # وقال بعض السلف: «كل ما أوعد الله عليه بالنار فهو من الكبائر» . # وقد روي عن الصحابة والتابعين في عدد الكبائر أقوال، وذهب «أبو طالب ~~المكي» إلى أنها سبع عشرة، جمعها من الأخبار والآثار: # أربع في القلب: وهي الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، ~~والأمن من مكره. # وأربع في اللسان: وهي شهادة الزور، وقذف المحصن، والسحر، واليمين # PageV01P273 # الغموس وهي التي يحق بها باطلا أو يبطل بها حقا، وقيل: هي التي يقتطع بها ~~مال امرئ مسلم باطلا، ولو سواكا من أراك، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في ~~النار. # وثلاث في البطن: وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب، وأكل مال اليتيم ~~ظلما، وأكل الربا وهو يعلم. # واثنتان في الفرج: وهما الزنا واللواط. # واثنتان في اليدين: وهما القتل والسرقة. # وواحدة في الرجلين: وهو الفرار من الزحف أن يفر الواحد من اثنين والعشرة ~~من العشرين. # وواحدة في جميع الجسد: وهو عقوق الوالدين، وجملة عقوقهما أن يقسما عليه ~~في حق فلا يبر قسمهما، وإن سألاه حاجة فلا يعطيهما، وإن يسباه فيضربهما، ~~ويجوعان فلا يطعمهما. # هذا ms297 كلام أبي طالب وهو قريب، إلا أنه لم يرد تفصيلها بعد، ولا حد جامع بل ~~ورد بألفاظ مختلفات، والحق في ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما ~~يعلم استعظامه إياها، وإلى ما يعلم أنها معدودة في الصغائر، وإلى ما يشك ~~فيه فلا يدرى حكمه، وربما قصد الشارع الإبهام؛ ليكون العباد على وجل وحذر ~~فلا يتجرؤون على الصغائر. # ثم إن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة، ~~كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع مجاهدا نفسه، فإن ~~امتنع لعجز أو خوف فهذا لا يصلح للتكفير أصلا. ### | بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب: # اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب؛ منها الإصرار والمواظبة، ولذلك قيل: لا ~~صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها ~~مثلها يكون العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب عليها العبد، ومثال ذلك قطرات ~~من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر لو صب عليه دفعة ~~واحدة لم يؤثر، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الأعمال ~~أدومها وإن قل» . # ومنها أن يستصغر الذنب؛ فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند ~~الله تعالى، وكلما استصغره كبر عند الله تعالى؛ لأن استعظامه يصدر عن نفور ~~القلب عنه، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يصدر عن الإلف به، ~~وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات، ~~والمحذور تسويده بالسيئات، وقد روي أن المؤمن يرى ذنبه كجبل فوقه يخاف أن ~~يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره. # وكذلك يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل، ويتجاوز عن العامي في أمور ~~لا يتجاوز في أمثالها عن العارف؛ لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة ~~المخالف. # ومنها السرور بالصغيرة والفرح بها، فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد ~~كبرت وعظم أثرها في تسويد قلبه، كمن يقول: أما رأيتني كيف مزقت عرضه، وكيف ~~فضحته حتى خجلته، # PageV01P274 # وكيف روجت عليه الزائف ms298 وكيف خدعته؟ فهذا وأمثاله مما تكبر به الصغائر، ~~فإن الذنوب مهلكات. # ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه، ولا يدري أنه ~~إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما، فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من ~~الله به، وذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله. # ومنها أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره؛ ~~فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن ~~أسمعه ذنبه أو أشهده فعله، فهما جنايتان انضمتا إلى جناية فتغلظت بهما، فإن ~~انضاف إلى ذلك ترغيب الغير فيه صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر. # ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به، فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ~~ذنبه، وفي الخبر: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص من ~~أوزارهم شيئا» وكما يتضاعف وزر العالم على الذنب فكذلك يتضاعف ثوابه على ~~الحسنات إذا اتبعوا. فحركات المقتدى بفعالهم في طوري الزيادة والنقصان ~~تتضاعف آثارها إما بالربح وإما بالخسران. ### | تمام التوبة وشروطها ودوامها # ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا، فالندم هو توجع القلب عند ~~شعوره بفوات المحبوب، وعلامته طول الحسرة والحزن وإسكاب الدمع، والفكر، فمن ~~استشعر عقوبة نازلة بولده طال عليه مصيبته وبكاؤه، وأي عزيز أعز عليه من ~~نفسه؟ وأي عقوبة أشد من النار؟ وأي سبب أدل على نزول العقوبة من المعاصي؟ ~~وأي مخبر أصدق من الله ورسوله؟ ولو حدثه إنسان واحد يتطبب أن مرض ولده لا ~~يبرأ وأنه سيموت منه لطال في الحال حزنه، فليس ولده بأعز من نفسه، ولا ~~الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله، ولا الموت بأشد من النار، ولا المرض ~~بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله - تعالى - والتعرض بها إلى النار. ~~فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى، فعلامة صحة الندم رقة ~~القلب وغزارة الدمع، ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا من ~~حلاوتها، فيستبدل ms299 بالميل كراهية وبالرغبة نفرة كمن ينفر عن عسل فيه سم ولو ~~كان في غاية الجوع والشهوة للحلاوة، فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون، ~~وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل وعمله عمل السم، ولا تصح التوبة ولا ~~تصدق إلا بمثل هذا الإيمان؛ ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون، ~~فلا ترى إلا معرضا عن الله - تعالى - متهاونا بالذنوب مصرا عليها. فهذا شرط ~~تمام الندم، وينبغي أن يدوم إلى الموت وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع ~~الذنوب. # وأما القصد الذي ينبعث منه وهو إرادة التدارك فله تعلق بالحال وهو يوجب ~~ترك محظور هو ملابس له، وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال، وله تعلق ~~بالماضي وهو تدارك ما # PageV01P275 # فرط، وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت. # ومن أهم ما يجب تداركه الحقوق المالية، فمن تناول مالا بغصب أو خيانة أو ~~غبن في معاملة بنوع تلبيس كترويج زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة ~~أجير أو أكل أجرته، فكل ذلك يجب أن يفتش عنهم ليستحلهم أو ليؤدي حقوقهم لهم ~~أو لورثتهم، وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق قبل أن يحاسب في القيامة، ~~وليناقش قبل أن يناقش، فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه، ~~فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات بقدر كثرة مظالمه، فهذا ~~طريق كل تائب في رد المظالم الثابتة في ذمته. وأما أمواله الحاضرة فليرد ~~إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا، وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق ~~به، فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ويتصدق ~~بذلك المقدار. # وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو بعيبهم في الغيبة، ~~فليطلب كل من تعرض له بلسانه أو آذى قلبه بفعل من أفعاله، فمن وجده وأحله ~~بطيب قلب منه فذلك كفارته، ومن مات أو غاب أو تعذر استحلاله فقد فات أمره ~~ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات. # ومن مهمات التائب إذا لم ms300 يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل وما ~~يحرم عليه حتى يمكنه الاستقامة. ### | أقسام العباد في دوام التوبة # اعلم أن التائبين في التوبة على أربع طبقات: # الطبقة الأولى: أن يتوب العاصي ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ~~ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه بالعود إلى ذنوبه، إلا الزلات التي لا ينفك ~~البشر عنها في العادات، فهذا هو الاستقامة على التوبة، وصاحبه هو «السابق ~~بالخيرات» المستبدل بالسيئات حسنات، واسم هذه التوبة: «التوبة النصوح» واسم ~~هذه النفس الساكنة: «النفس المطمئنة» التي ترجع إلى ربها راضية مرضية. # الطبقة الثانية: تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر ~~الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد ولكن يبتلى بها في ~~مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها، ولكنه كلما أقدم ~~عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من أسبابها ~~التي تعرضه لها، وهذه النفس جديرة بأن تكون هي «النفس اللوامة» إذ تلوم ~~صاحبها على ما يستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وقصد، وهذه ~~أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى، وهي أغلب أحوال ~~التائبين، لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه، وإنما غاية سعيه أن ~~يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات، فأما أن تخلو بالكلية ~~كفة السيئات فذلك في غاية البعد، وهؤلاء لهم # PageV01P276 # حسن الوعد من الله إذ قال - تعالى -: (الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) [النجم: 32] فكل إلمام يقع بصغيرة ~~لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم المعفو عنه، قال - تعالى ~~-: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) ~~[آل عمران: 135] فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم ولومهم أنفسهم عليه، ~~وفي الخبر: «لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة» أي بعد الحين، ~~وفي الخبر: «كل بني آدم خطاؤون، وخير الخطائين التوابون» فكل ذلك أدلة ms301 ~~قاطعة على أن هذا القدر لا ينقص التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين. # الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في ~~بعض الذنوب فيقدم عليها عن قصد لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب ~~على الطاعات وتارك جملة من الذنوب وهو يود لو كفي شرها في حال قضاء الشهوة، ~~وعند الفراغ يتندم ويقول: «ليتني لم أفعله، وسأتوب عنه وأجاهد نفسي في ~~قهرها» ، لكنه يسول نفسه ويسوف توبته يوما بعد يوم، فهذه النفس هي التي ~~تسمى (النفس المسولة) وصاحبها من الذين قال الله - تعالى - فيهم: (وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) [التوبة: 102] فأمره من حيث ~~مواظبته على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو، فعسى الله أن يتوب عليه، ~~وعاقبته مخطرة من حيث تسويفه وتأخيره، فربما يختطف قبل التوبة ويقع أمره في ~~المشيئة، إن تداركه الله بفضله ألحقه بالسابقين وإلا فيخشى عليه. # الطبقة الرابعة: أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة ~~الذنب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، بل ينهمك ~~انهماك الغافل في اتباع شهواته، فهذا من جملة المصرين، وهذه النفس هي ~~(النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير) ، ويخاف على هذا سوء الخاتمة، ~~وانتظاره مع هذه الحالة المغفرة من الله - تعالى - غرور، فإن المقصر عن ~~الطاعة المصر على الذنوب الغير السالك سبيل المغفرة المنتظر للغفران، يعد ~~عند أرباب القلوب من المعتوهين كما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه ~~وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في ~~بيته الخرب - يعد عند ذوي البصائر من الحمقى المغرورين، فطلب المغفرة ~~بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة. والعجب من عقل ~~هذا المعتوه وترويجه حماقته إذ يقول: «إن الله كريم وجنته ليست تضيق على ~~مثلي، ومعصيتي ليست تضره» ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب ~~الدينار، وإذا قيل له: «إن الله كريم ودنانير خزانته ليست تقصر على فقرك، ~~وكسلك بترك ms302 التجارة ليس يضرك، فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب» ~~فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ويقول: «ما هذا الهوس؟ السماء لا تمطر ~~ذهبا ولا فضة، وإنما ينال ذلك # PageV01P277 # بالكسب، وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل لسنة الله» . ~~ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد، وأن سننه لا تبديل لها ~~فيهما جميعا، وأنه قد أخبر إذ قال: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [النجم: ~~39] فنعوذ بالله من الضلال. ### | ما يفعله التائب بعد الذنب # اعلم أن الواجب على التائب - إن كان جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة ~~أو عن إلمام بحكم الاتفاق - هو أن يبادر إلى التوبة والندم والاشتغال ~~بالتكفير بحسنة تضادها، فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة ~~الشهوة، فقد عجز عن أحد الواجبين، فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن ~~يدرأ بالحسنة السيئة فيمحوها فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فالحسنات ~~المكفرة للسيئات إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح، ولتكن الحسنة في ~~محل السيئة وفيما يتعلق بأسبابها، فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله - ~~تعالى - في سؤال المغفرة والعفو، ويتذلل تذلل العبد الآبق، ويخفض من كبره ~~فيما بين العباد، وكذلك يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات. # وأما باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول: «رب ظلمت نفسي وعملت ~~سوءا فاغفر لي ذنوبي» وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار المأثورة. وأما ~~بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات. وبالجملة فينبغي أن يحاسب ~~نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد في دفعها بالحسنات. # واعلم أنه ليس كل استغفار نافعا، ففي خبر: «المستغفر من الذنب وهو مصر ~~عليه كالمستهزئ بآيات الله» وقال بعض السلف: «الاستغفار باللسان توبة ~~الكذابين» وقالت «رابعة» : «استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير» وذلك؛ لأن ~~الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون ~~للقلب فيه شركة، كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة: «أستغفر ~~الله» ، وكما يقول إذا سمع صفة النار: «نعوذ بالله منها» من غير أن ms303 يتأثر ~~به قلبه، وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له، فأما إذا انضاف إليه ~~تضرع القلب إلى الله - تعالى - وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة ~~وخلوص نية ورغبة، فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة، وعلى هذا ~~تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» ثم إن للتوبة ثمرتين. # إحداهما: تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له. # والثانية: نيل الدرجات. # وللتكفير أيضا درجات: فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية، وبعضه تخفيف له، ~~ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة، فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن ~~خلا عن حل عقدة # PageV01P278 # الإصرار فليس يخلو عن الفائدة أصلا، فلا ينبغي أن تظن أن وجودها كعدمها ~~فإنه لا تخلو ذرة من خير عن أثر كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر، ~~فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها وذرات المعاصي فلا تنفيها. فإن ~~التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا بل أقول: الاستغفار ~~باللسان أيضا حسنة؛ إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك ~~الساعات بغيبة مسلم أو فضول كلام، «فرابعة» بقولها: «استغفارنا يحتاج إلى ~~استغفار كثير» لا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث أنه ذكر الله، بل تذم ~~غفلة القلب فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه. ### | دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار # اعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء، وكل داء حصل من سبب فدواؤه ~~إبطاله، ولا يبطل الشيء إلا بضده، ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة، ولا ~~يضاد الغفلة إلا العلم، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة ~~للشهوة. # وأما الأنواع النافعة في حل عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب فهي ~~أربعة أنواع: # الأول: أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين، وكذا ~~ما ورد من الأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين. # الثاني: حكايات ms304 الأنبياء والسلف الصالحين وما جرى عليهم من المصائب بسبب ~~ذنوبهم، فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق، مثل أحوال آدم - صلى ~~الله عليه وسلم - في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة، ونحوها، فإنه لم ~~يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسمار بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار ~~لتعلم أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف ~~يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار، فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على ~~أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة. # الثالث: أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب، وأن ~~كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فينبغي أن يخوف به، وفي خبر: ~~«إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» وقال بعض السلف: «ليست اللعنة سوادا ~~في الوجه ونقصانا في المال، إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في ~~مثله أو شر منه» وهو كما قال؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد، فإذا لم يوفق ~~للخير، ويسر له الشر فقد أبعد، والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان، وكل ~~ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من ~~مجالسة العلماء المنكرين للذنوب، ومن مجالسة الصالحين، بل يمقته الله - ~~تعالى - ليمقته الصالحون. # وبالجملة فالأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا، فمن ابتلي بشيء منها ~~كان عقوبة له، وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ويحرم جميل الشكر حتى ~~يعاقب على كفرانه، # PageV01P279 # وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه جزاء على طاعته ويوفق ~~لشكرها، وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة في درجاته. # الرابع: ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا والسرقة ~~وغير ذلك. # والمدار في هذا الباب على الفكر النافع، وهو الفكر في عقاب الآخرة ~~وأهوالها وشدائدها، وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم، وليعتبر ~~بأنه لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى ~~الموت، وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده، تركه مع ms305 أن الموت ألمه لحظة ~~ومفارقته للدنيا لا بد منها، فيقول: «كيف يليق بعقلي أن يكون قول الأنبياء ~~المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني طبيب يدعي الطب بلا معجزة على طبه، ~~وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض، وكل يوم في الآخرة بمقدار ~~خمسين ألف سنة من أيام الدنيا» ومتى استشعر قلبه ذلك انبعث خوفه، وإذا قوي ~~الخوف تيسر بمعونته الصبر، وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك. # فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء واستشعر الخوف فاتقى، وانتظر الثواب وصدق ~~بالحسنى فسييسره الله - تعالى - لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسييسره الله للعسرى، فلا يغني عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك ~~وتردى، وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما لله الآخرة والأولى. # PageV01P280 ### | كتاب الصبر والشكر ### | فضيلة الصبر # قد وصف الله - تعالى - الصابرين بأوصاف، وذكر الصبر في القرآن في نيف ~~وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال ~~عز من قائل: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) [السجدة: 24] . ~~وقال - تعالى -: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ~~[النحل: 96] . وقال - تعالى -: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) ~~[القصص: 54] وقال - تعالى -: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: ~~10] . فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب، إلا الصبر، ووعد الصابرين بأنه ~~معهم فقال - تعالى -: (إن الله مع الصابرين) [البقرة: 153، والأنفال: 46] . ~~وجمع لهم بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال - تعالى -: (أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) [البقرة: 157] . # ومن الأخبار قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصبر نصف الإيمان» . # وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: «الصبر والسماحة» . ### | حقيقة الصبر وأقسامه: # اعلم أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى، وباعث ~~الدين هو ما هدي إليه الإنسان من معرفة الله ورسوله ومعرفة المصالح ~~المتعلقة بالعواقب، وهي الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع ~~الشهوات. # وباعث الهوى هو مطالبة الشهوات بمقتضاها، فمن ثبت حتى قهره واستمر على ~~مخالفة الشهوة ms306 التحق بالصابرين، وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر ~~في دفعها التحق بأتباع الشياطين. # ثم إن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام ~~الصبر، وعند هذا يقال: «من صبر ظفر» والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون ~~فلا جرم هم الصديقون المقربون: (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) [فصلت: ~~30، والأحقاف: 13] . # الحالة الثانية: أن تغلب دواعي الهوى، وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين، ~~فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد، وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون، ~~وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء الله في ~~قلوبهم: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) # PageV01P281 # [البقرة: 86] . فخسرت صفقتهم. # الحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالا بين الجندين، فتارة له اليد عليها ~~وتارة لها عليه، وهذا من المجاهدين يعد لا من الظافرين، وأهل هذه الحالة هم ~~الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم. # والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضل سبيلا، ~~إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات، ~~وهذا قد خلق له ذلك وعطله فهو الناقص حقا. # وإذا دامت التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر. ### | بيان مظان الحاجة إلى الصبر # وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال: # اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين: ما يوافق ~~هواه، وما لا يوافقه بل يكرهه، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما، وهو ~~في جميع الأحوال لا يخلو عن هذين النوعين، فإذن لا يستغني قط عن الصبر. # النوع الأول: ما يوافق الهوى، وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة ~~العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا، وما ~~أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور، فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال ~~والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة، أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان، ~~ولذلك حذر الله عباده من فتنة ms307 المال والزوج والولد فقال - تعالى -: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) [المنافقون: ~~9] وقال عز وجل: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) [التغابن: 14] ~~. فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية، ومعنى الصبر عليها أن لا يركن ~~إليها، وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها، وأن يرعى حقوق الله في ماله ~~بالإنفاق، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصدق، وكذلك في ~~سائر ما أنعم الله به عليه. # وهذا الصبر متصل بالشكر، وإنما كان الصبر على السراء أشد؛ لأنه مقرون ~~بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة ~~اللذيذة وقدر عليها، فلهذا عظمت فتنة السراء. # النوع الثاني: ما لا يوافق الهوى والطبع، وذلك إما أن يرتبط باختيار ~~العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط باختياره كالمصائب، أو لا يرتبط ~~باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه، فهذه ~~ثلاثة أقسام: # القسم الأول: ما يرتبط باختياره، وهما ضربان: # الضرب الأول: الطاعة، والعبد يحتاج إلى الصبر عليها؛ لأن منها ما تنفر ~~عنه النفس # PageV01P282 # بسبب الكسل كالصلاة، أو بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما جميعا كالحج ~~والجهاد، وكل ذلك يحتاج إلى صبر. # الضرب الثاني: المعاصي، وقد جمع الله - تعالى - أنواع المعاصي في قوله - ~~تعالى -: (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) [النحل: 90] فما أحوج العبد ~~إلى الصبر عنها سيما ما لا يثقل منها على النفس كالغيبة والكذب والمراء ~~والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وأنواع المزح المؤذي للقلوب وضروب ~~الكلمات التي يقصد بها الإزراء والاستحقار والقدح في الموتى، ولمصير ذلك ~~معتادا في المحاورات بطل استقباحها من القلوب لعموم الأنس بها، وهي من أكبر ~~الموبقات. # القسم الثاني: ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه، كما لو ~~أوذي بفعل أو قول وجني عليه في نفسه أو ماله، فالصبر على ذلك بترك ~~المكافأة، تارة يكون واجبا وتارة يكون فضيلة، قال - تعالى -: (واصبر على ما ~~يقولون واهجرهم هجرا جميلا) [المزمل: 10] وقال - تعالى -: (ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب ms308 من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور) [آل عمران: 186] أي تصبروا على المكافأة، ولذلك مدح ~~الله - تعالى - العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال - تعالى -: (وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النحل: ~~126] وقال - صلى الله عليه وسلم -: " صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ~~ظلمك ". # القسم الثالث: ما لا يدخل تحت حصر الاختيار كالمصائب، مثل موت الأعزة ~~وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء، وسائر أنواع ~~البلاء، فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر، وإنما ينال درجة الصبر في ~~المصائب بترك الجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار ~~الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم، لأن هذه الأمور داخلة تحت ~~اختياره، فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضاء بقضاء الله - تعالى - ويبقى ~~مستمرا على عادته، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت، كما روي عن " أم سليم ~~" - رحمها الله - قالت: " توفي ابن لي، وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ~~ناحية البيت، فهيأت له إفطاره، فجعل يأكل، فقال: كيف الصبي؟ فقلت: بحمد ~~الله لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة، ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له ~~قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته، ثم قلت: ألا تعجب من جيراننا؟ قال: ما لهم؟ ~~قلت: أعيروا عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا، فقال: بئس ما صنعوا، ~~فقلت: هذا ابنك كان عارية من الله - تعالى - # PageV01P283 # وإن الله قبضه إليه، فحمد الله واسترجع، ثم غدا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبره فقال: "اللهم بارك لهما في ليلتهما " قال الراوي: "فلقد ~~رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلهم قد قرؤوا القرآن ". # ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع؛ لأن ذلك ~~مقتضى البشرية، ولذلك لما مات " إبراهيم " ولد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فاضت عيناه فقيل له في ذلك فقال: "هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده ~~الرحماء " بل ذلك لا ms309 يخرج أيضا عن مقام الرضاء. # وقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال، ~~حتى من اعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على وساوس الشيطان باطنا، فإن اختلاج ~~الخواطر لا يسكن، ولا يزال في شغل دائم بسببها يضيع به الزمان، وقد يتفكر ~~في وجوه الحيل لقضاء الشهوات. # ولا تظنن أن الشيطان يخلو عنه قلب فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم، وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء ~~من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يخلو من ~~الماء يدخل فيه الهواء لا محالة، فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين ~~يخلو عن جولان الشيطان، وإلا فمن غفل ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة ~~قرين إلا الشيطان، ولذلك قال - تعالى -: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين) [الزخرف: 36] وفي خبر: " إن الله - تعالى - يبغض الشاب ~~الفارغ " وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على ~~دينه كان ظاهره فارغا، ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ~~ثم تزدوج أفراخه أيضا وهكذا، ولذا قال " الحلاج " لما سئل عن التصوف: "هي ~~نفسك إن لم تشغلها شغلتك " فإذن حقيقة الصبر وكماله، الصبر عن كل حركة ~~مذمومة، وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك، وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا ~~الموت، نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه. ### | دواء الصبر وما يستعان به عليه # اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء، فالصبر وإن كان شاقا ~~أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل، وقد قدمنا أن الصبر عبارة عن ~~مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى، وكل مصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر ~~فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر، ~~فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة، فأما تقوية باعث الدين ~~فإنما تكون بطريقين: ms310 # PageV01P284 # أحدهما: إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا، وذلك بأن ~~يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر، وفي حسن عواقبه في ~~الدنيا والآخرة. # الثاني: أن يصارع باعث الهوى بالتدريج إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت ~~فيه. # وأما تضعيف باعث الشهوة فبقطع الأسباب المهيجة له كغض البصر الذي يحرك ~~القلب، أو الفرار من الصور المشتهاة بالكلية، أو تسلية النفس بالمباح من ~~الجنس الذي يشتهيه كالنكاح، فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ~~ما يغني عن المحظورات منه، ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد، ~~فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر. ### | بيان فضيلة الشكر # اعلم أن الله - تعالى - قرن الشكر بالذكر في كتابه فقال - تعالى -: ~~(فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة: 152] وقال - تعالى -: ~~(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) [النساء: 147] وقال - تعالى -: ~~(وسنجزي الشاكرين) [آل عمران: 145] وقطع - تعالى - بالمزيد مع الشكر فقال ~~سبحانه: (لئن شكرتم لأزيدنكم) [إبراهيم: 7] ومن الأحاديث قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» . ### | حقيقة الشكر # اعلم أن الشكر ينتظم من علم وحال وعمل، فالعلم معرفة النعمة من المنعم، ~~والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ~~ومحبوبه، ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان، أما بالقلب فقصد ~~الخير وإضماره لكافة الخلق، وأما باللسان فإظهار الشكر لله - تعالى - ~~بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله - تعالى - في ~~طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته. ### | بيان الشكر في حق الله تعالى # اعلم أن العبد لا يكون شاكرا لمولاه إلا إذا استعمل نعمته في محبته، أي ~~فيما أحبه لعبده لا لنفسه، وأما إذا استعمل نعمته فيما كرهه فقد كفر نعمته، ~~كما إذا أهملها وعطلها، وإن كان هذا دون الأول إلا أنه كفران للنعمة ~~بالتضييع، وكل ما خلق في الدنيا إنما خلق آلة للعبد ليتوصل به إلى سعادته. # ثم إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله - تعالى - ~~عما يكرهه، ولتمييز ذلك ms311 مدركان: # أحدهما: السمع ومستنده الآيات والأخبار. # PageV01P285 # الثاني: بصيرة القلب، وهو النظر بعين الاعتبار لإدراك حكمة الله - تعالى ~~- في كل موجود خلقه، إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة، وتحت الحكمة ~~مقصود، وذلك المقصود هو المحبوب. # وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية: أما الجلية فكالعلم بأن الحكمة في ~~خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار فيكون النهار معاشا والليل ~~لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار، فهذا من جملة حكم ~~الشمس لا كل الحكم فيها، بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة، وكذلك معرفة الحكمة ~~في الغيم ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض بأنواع النبات؛ مطعما للخلق ~~ومرعى للأنعام. # وقد انطوى القرآن على جملة من الحكم الجلية التي تحملها أفهام الخلق دون ~~الدقيق الذي يقصرون عن فهمه؛ إذ قال - تعالى -: (أنا صببنا الماء صبا ثم ~~شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا) [عبس: 25 - 28] الآية. # وأما الحكمة في سائر الكواكب فخفية لا يطلع عليها كافة الخلق، والقدر ~~الذي يحتمله فهم الخلق أنها زينة للسماء؛ لتستلذ العين بالنظر إليها، وأشار ~~إليه قوله - تعالى -: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) [الصافات: 6] ~~فجميع أجزاء العالم سماؤه وكواكبه ورياحه وبحاره وجباله ومعادنه ونباته ~~وحيواناته وأعضاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة من حكمة ~~واحدة إلى عشر إلى ألف إلى عشرة آلاف. # وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما يعرف حكمتها كالعلم بأن العين للإبصار ~~واليد للبطش والرجل للمشي، وهكذا. فإذن كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة ~~التي خلق لها ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله - تعالى، ~~فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما ~~يهلكه، ويأخذ ما ينفعه لا ليهلك بها غيره، ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد ~~كفر نعمة العين إذ خلقت ليبصر بها ما ينفعه في دينه ودنياه، ويتقي بها ما ~~يضره فيهما. # وكذا من نعم الله - تعالى - خلق الدراهم والدنانير ms312 وبهما قوام الدنيا، ~~وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل ~~إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما ~~يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه، فخلقت لتقدر بهما الأموال فتتداولهما ~~الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى ~~سائر الأشياء، ولحكم أخرى، فكل من عمل فيهما عملا يخالف الغرض المقصود ~~منهما فقد كفر نعمة الله فيهما، فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة ~~فيهما. # وكذا من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة ناجزة مهمة ومن غير غرض صحيح فقد ~~كفر نعمة الله - تعالى - في خلق الأشجار وخلق اليد، أما اليد فإنها لم تخلق ~~للعبث بل للطاعة والأعمال المعينة على الطاعة، وأما الشجر فإنما خلقه الله ~~- تعالى - وجعل له العروق وساق إليه الماء وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ~~ليبلغ منتهى نشوئه فينتفع به عباده، فكسره قبل منتهى نشوئه لا على وجه ~~ينتفع به عباده مخالفة لمقصود الحكمة وعدول عن العدل، فإن كان له غرض صحيح ~~فله ذلك؛ إذ الشجر والحيوان جعلا فداء لأغراض الإنسان، فإنهما جميعا فانيان ~~هالكان فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما ~~جميعا، وإليه الإشارة بقوله - تعالى -: (وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض جميعا منه) [الجاثية: 13] # PageV01P286 # وبالجملة فمن فهم حكمة الله - تعالى - في جميع أنواع الموجودات قدر على ~~القيام بوظيفة الشكر، واستقصاء ذلك يطول. ### | السبب الصارف للخلق عن الشكر # اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة، فإنهم منعوا ~~بالجهل والغفلة عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها. ثم ~~إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه: «الحمد لله الشكر ~~لله» ، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي ~~أريدت بها وهي طاعة الله عز وجل، فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين ~~المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان. ### | ما يشترك فيه ms313 الصبر والشكر # اعلم أنه ما من نعمة من النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تكون بلاء بالإضافة، ~~ونعمة كذلك، فرب عبد تكون له الخيرة في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله ~~لبطر وبغى، قال الله - تعالى -: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض) [الشورى: 27] وقال - تعالى -: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ~~[العلق: 6 و 7] ، وكذلك الزوجة والولد والقريب وأمثالها؛ فإن الله - تعالى ~~- لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ونعمة أيضا. # فإذن في خلق الله - تعالى - البلاء نعمة أيضا إما على المبتلى أو على غير ~~المبتلى، فإذن كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، ولا نعمة مطلقة فيجتمع ~~فيها على العبد وظيفتان: الصبر والشكر جميعا. # فإن قلت: فهما متضادان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على غم، ولا شكر إلا ~~على فرح؟ فاعلم أن الشيء الواحد قد يغتم به من وجه ويفرح به من وجه آخر، ~~فيكون الصبر من حيث الاغتمام والشكر من حيث الفرح، وفي كل فقر ومرض وخوف ~~وبلاء في الدنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح العاقل بها ويشكر عليها: # أحدها: أن كل مصيبة ومرض فيتصور أن يكون أكبر منها، إذ مقدورات الله - ~~تعالى - لا تتناهى، فلو ضعفها الله وزادها ماذا كان يرده ويحجزه؟ فليشكر إذ ~~لم تكن أعظم منها في الدنيا. # الثاني: أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه، وفي الخبر: «اللهم لا تجعل ~~مصيبتنا في ديننا» . # الثالث: أنه ما من عقوبة إلا ويتصور أن تؤخر إلى الآخرة، ومصائب الدنيا ~~يتسلى عنها بأسباب أخر، تهون المصيبة فيخف وقعها، ومصيبة الآخرة تدوم، ~~فلعله لم تؤخر عقوبته إلى الآخرة وعجلت عقوبته في الدنيا، فلم لا يشكر الله ~~على ذلك؟ # PageV01P287 # الرابع: أن هذه المصيبة والبلية كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، وكان لا ~~بد من وصولها إليه وقد وصلت ووقع الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها، ~~فهذه نعمة. الخامس: أن ثوابها أكثر منها، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة، ~~وكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء ms314 الذي يؤلم في الحال وينفع في ~~المآل، فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلايا، ومن لم يعرف هذه النعم ~~في البلاء لم يتصور منه الشكر؛ لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة، ومن ~~لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على المصيبة، ~~والأخبار الواردة في ثواب الصبر على المصائب كثيرة، ويكفي في ذلك قوله - ~~تعالى -: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: 10] . # ثم مع فضل النعمة في البلاء كان - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ في دعائه ~~من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، وكان يستعيذ من شماتة الأعداء وغيرها، وفي ~~الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم -: «سلوا الله العافية؛ فما أعطي أحد أفضل ~~من العافية إلا اليقين» وأشار باليقين إلى عافية القلب عن مرض الجهل والشك، ~~فعافية القلب أعلى من عافية البدن، وفي دعائه - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وعافيتك أحب إلي» . # فنسأل الله - تعالى - المان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية في الدين ~~والدنيا، والآخرة لنا ولجميع المسلمين. # PageV01P288 ### | كتاب الخوف والرجاء # الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان ~~بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن إلا أزمة ~~الرجاء، ولا يصد عن نار الجحيم إلا سياط التخويف. فلا بد إذا من بيان ~~حقائقهما. ### | بيان حقيقة الرجاء # قد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان ~~كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار ~~وسياقة الماء إليها، والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة ~~التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة يوم الحصاد، ولا يحصد إلا ما زرع، ~~ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء ~~أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة، فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة ~~برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا ~~مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سوق الماء إليه في أوقاته، ms315 ثم نقى الشوك ~~عن الأرض والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثم جلس منتظرا من فضل ~~الله - تعالى - دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، ~~سمي انتظاره رجاء، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ~~الماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه، سمي انتظاره حمقا ~~وغرورا، لا رجاء، وإن بث البذر في أرض طيبة لكن لا ماء لها وأخذ ينتظر مياه ~~الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضا، سمي انتظاره تمنيا لا رجاء. # فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة ~~تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله - ~~تعالى - بصرف القواطع والمفسدات. فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء ~~الطاعات وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله - تعالى - ~~تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره ~~رجاء حقيقيا محمودا في نفسه باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى أسباب ~~الإيمان في إتمام # PageV01P289 # أسباب المغفرة إلى الموت، وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات، أو ~~ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر ~~المغفرة فانتظاره حمق وغرور، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأحمق من أتبع ~~نفسه هواها وتمنى على الله» وقال - تعالى -: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) [مريم: 59] وقال - تعالى -: (فخلف ~~من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) ~~[الأعراف: 169] وذم الله - تعالى - صاحب البستان إذ دخل جنته وقال: (ما أظن ~~أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا) [الكهف: 35 و 36] فإذن العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي ~~حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة، وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة، ~~وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ما فرط منه من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول ms316 ~~التوبة، وإنما الرجاء بعد تأكد الأسباب، ولذلك قال - تعالى -: (إن الذين ~~آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) [البقرة: ~~218] معناه: أولئك يستحقون أن يرجوا رحمة الله، وقال - تعالى -: (إن الذين ~~يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون ~~تجارة لن تبور) [فاطر: 29] فأما من ينهمك فيما يكرهه الله - تعالى - ولا ~~يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث ~~البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا يتعهده بسقي ولا تنقية، قال «يحيى بن ~~معاذ» : «من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب على رجاء العفو من غير ~~ندامة، وتوقع القرب من الله - تعالى - بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر ~~النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على ~~الله عز وجل مع الإفراط» . # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس # فإذن حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما ~~تقلبت الأحوال. # ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله - تعالى - والتنعم بمنجاته ~~والتلطف في التملق له، فإن هذه الأحوال لا بد وأن تظهر على كل من يرجو ملكا ~~من الملوك أو شخصا من الأشخاص، فكيف لا يظهر ذلك في حق الله - تعالى - فإن ~~كان لا يظهر فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض الغرور ~~والتمني. ### | بيان حقيقة الخوف # اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في ~~الاستقبال، والعلم بأسباب المكروه، وهو السبب الباعث المثير لإحراق القلب ~~وتألمه، وذلك الإحراق هو الخوف. فالخوف من الله - تعالى - تارة يكون لمعرفة ~~الله - تعالى - ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه ~~مانع، وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي، وتارة يكون بهما ~~جميعا. وبحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله - تعالى - واستغنائه، ~~وأنه لا يسأل عما # PageV01P290 # يفعل وهم يسألون تكون قوة خوفه. # فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم ms317 -: ~~«أنا أخوفكم لله» وكذلك قال الله - تعالى -: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء) [فاطر: 28] ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب، ~~ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات: أما في ~~البدن فبالنحول والبكاء، وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها ~~بالطاعات تلافيا لما فرط واستعدادا للمستقبل، وأما في الصفات فبأن يقمع ~~الشهوات ويكدر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة كما يصير العسل ~~مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب ~~الجوارح، ويحصل في القلب الذبول والخشوع والاستكانة، ويفارقه الكبر والحقد ~~والحسد، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس ~~واللحظات، ومؤاخذة النفس بالخطرات والخطوات والكلمات. # وما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر، وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله ~~- تعالى - للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل ~~الجنان، قال الله - تعالى -: (هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) [الأعراف: ~~154] وقال - تعالى -: (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) [البينة: ~~8] وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف؛ لأن الخوف ثمرة العلم. ### | الدواء الذي يستجلب به الخوف # اعلم أن من قعد بعد القصور عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن ~~يعالج نفسه بسماع الأخبار والآثار فيطالع أحوال الخائفين وأقوالهم وينسب ~~عقولهم ومناصبهم إلى مناصب الراجين المغرورين، فلا يتمارى في أن الاقتداء ~~بهم أولى؛ لأنهم الأنبياء والأولياء والعلماء، وأما الآمنون فهم الفراعنة ~~والجهال والأغبياء، أما رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فهو سيد الأولين ~~والآخرين وكان أشد الناس خوفا، حتى روي أنه سمع قائلا يقول لطفل مات: " ~~هنيئا لك، عصفور من عصافير الجنة " فغضب وقال: "ما يدريك أنه كذلك، والله ~~إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا لا ~~يزاد فيهم ولا ينقص منهم " وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك أيضا ~~على جنازة " عثمان بن مظعون " وكان من المهاجرين الأولين لما قالت " أم ~~سلمة ": "هنيئا ms318 لك الجنة " فكانت تقول " أم سلمة " بعد ذلك: "والله لا أزكي ~~أحدا بعد عثمان " وروي في حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه: ~~"هنيئا لك، هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتلت في # PageV01P291 # سبيل الله " فقال - صلى الله عليه وسلم -: " وما يدريك لعله كان يتكلم ~~بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره " وفي حديث آخر أنه دخل - صلى الله عليه ~~وسلم - على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول: "هنيئا لك الجنة " فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من هذه المتألية على الله - تعالى - وما يدريك لعل ~~فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه " وكيف لا يخاف المؤمنون ~~كلهم وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول: "شيبتني هود وأخواتها: سورة ~~الواقعة، وإذا الشمس كورت، وعم يتساءلون " فقال العلماء: "لعل ذلك لما في ~~سورة هود من الإبعاد كقوله - تعالى -: (ألا بعدا لعاد قوم هود) [هود: 60] ~~(ألا بعدا لثمود) [هود: 68] (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) [هود: 95] مع ~~علمه - صلى الله عليه وسلم - بأنه لو شاء الله ما أشركوا إذ لو شاء لآتى كل ~~نفس هداها، وفي سورة الواقعة [2 و 3] (ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة) أي ~~جف القلم بما هو كائن وتمت السابقة حتى نزلت الواقعة إما خافضة قوما كانوا ~~مرفوعين في الدنيا، وإما رافعة قوما كانوا مخفوضين في الدنيا. # وفي سورة التكوير أهوال يوم القيامة وانكشاف الخاتمة وهو قوله - تعالى -: ~~(وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت) [التكوير: 12 - 14] ~~وفي عم يتساءلون: (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) [النبأ: 40] الآية، وقوله ~~- تعالى -: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) [النبأ: 38] . # والقرآن من أوله إلى آخره مخاوف لمن قرأه بتدبر ولو لم يكن فيه إلا قوله ~~- تعالى -: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) [طه: 82] لكان ~~كافيا، إذ علق المغفرة على أربعة شروط يعجز العبد عن آحادها، وأشد منه قوله ~~- تعالى -: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى ms319 أن يكون من المفلحين) ~~[القصص: 67] وقوله - تعالى -: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) [الأحزاب: 8] ~~وقوله - تعالى -: (سنفرغ لكم أيها الثقلان) [الرحمن: 31] وقوله - تعالى -: ~~(أفأمنوا مكر الله) [الأعراف: 99] الآية، وقوله (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) [هود: 102] وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره) [الزلزلة: 7] الآيتين، وكذلك قوله - تعالى -: (والعصر إن الإنسان ~~لفي خسر) [العصر: 1 و 2] إلى آخر السورة. فهذه أربعة شروط للخلاص من ~~الخسران، وإنما كان خوف الأنبياء مع ما فاض عليهم من النعم؛ لأنهم لم ~~يأمنوا مكر الله - تعالى -: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) ~~[الأعراف: 99] وخوف الكاملين لا يصدر إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله - ~~تعالى - وخفايا أفعاله ومعاني صفاته، فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي ~~بالتحذير من الأمن، وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن؟ وإن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها؛ وقد قال " معاذ بن جبل " ~~- رضي الله عنه -: "إن المؤمن لا يسكن روعه حتى # PageV01P292 # يترك جسر جهنم وراءه " وروي عن مخاوف الأنبياء والصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم ما لا يحصى، ونحن أجدر بالخوف منهم ولكن صدتنا عن ملاحظة أحوالنا ~~غفلتنا وقسوتنا، فلا قرب الرحيل ينبهنا، ولا كثرة الذنوب تحركنا، ولا خطر ~~الخاتمة يزعجنا. # ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا ~~البحار والبراري وخاطرنا ونجتهد في طلب أرزاقنا، ثم إذا طمحت أعيننا نحو ~~الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا: "اللهم اغفر لنا وارحمنا ". ~~والذي إليه رجاؤنا - جل جلاله - يقول: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ~~[النجم: 39] (ولا يغرنكم بالله الغرور) [لقمان: 33 وفاطر: 5] (يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم) [الانفطار: 6] ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا ~~عن أودية غرورنا وأمانينا، فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا ~~بتوبة نصوح يتداركنا بها. فنسأل الله - تعالى - أن يتوب علينا بمنه وفضله. # PageV01P293 ### | كتاب الفقر والزهد ### | فضيلة الفقر والفقراء والراضين الصادقين # عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ms320 يحب الفقير أبا العيال» وعنه ~~- صلى الله عليه وسلم - «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام» ~~وعنه - صلى الله عليه وسلم - «من أصبح منكم معافى في جسمه آمنا في سربه ~~عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» ولما طلبت سادات العرب ~~وأغنياؤهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينحي عن مجلسه فقراء الصحابة ~~ترفعا عن مجالستهم إذا جلسوا إليه نزل قوله - تعالى -: (واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم) [الكهف: ~~28] يعني الفقراء (تريد زينة الحياة الدنيا) [الكهف: 28] يعني الأغنياء: ~~(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) واستأذن ابن «أم مكتوم» على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعنده رجل من أشراف قريش، فشق ذلك على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأنزل الله - تعالى -: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك ~~لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) [عبس: 1 - 4] يعني ابن «أم مكتوم» (أما ~~من استغنى فأنت له تصدى) [عبس: 5 و 6] يعني هذا الشريف. # وقال «يحيى بن معاذ» : «حبك للفقراء من أخلاق المرسلين، وإيثارك مجالستهم ~~من علامة الصالحين، وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين» وعن علي - رضي ~~الله عنه - مرفوعا: «أحب العباد إلى الله - تعالى - الفقير القانع برزقه ~~الراضي عن الله تعالى» . ### | آداب الفقير في فقره # اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغي أن ~~يراعيها: # فأما أدب باطنه: فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله - تعالى - به من ~~الفقر، أعني أنه لا يكون كارها فعل الله - تعالى - من حيث أنه فعله وإن كان ~~كارها للفقر. # PageV01P294 # وأما أدب ظاهره: فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر ~~فقره، ففي الحديث: «إن الله - تعالى - يحب الفقير المتعفف أبا العيال» وقال ~~- تعالى -: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) [البقرة: 273] . # وأما في أعماله: فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه، قال علي -كرم الله ~~وجهه -: «ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله - تعالى - وأحسن ~~منه تيه الفقير على ms321 الغني ثقة بالله عز وجل» فهذه رتبة، وأقل منها أن لا ~~يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم؛ لأن ذلك من مبادئ الطمع، وينبغي أن ~~لا يسكت عن ذكر الحق مداهنة للأغنياء وطمعا في العطاء. # وأما أدبه في أفعاله: فأن لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة، ولا يمنع بذل ~~قليل ما يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل، وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ~~ظهر غنى. ### | آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال # ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور: نفس المال، وغرض المعطي، ~~وغرضه في الأخذ. # أما نفس المال: فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات فإن كان فيه شبهة ~~فليحترز من أخذه. # وأما غرض المعطي: فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطييب قلبه وطلب محبته وهو ~~الهدية، أو الثواب وهو الصدقة والزكاة، أو الذكر والرياء والسمعة. # أما الأول وهو الهدية: فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولكن ينبغي أن لا يكون فيها منة، فإن كان فيها منة ~~فالأولى تركها، فإن علم أن بعضها مما تعظم به المنة فليرد البعض دون البعض. # الثاني: أن يكون للثواب المجرد وذلك صدقة أو زكاة، فعليه أن ينظر في صفات ~~نفسه: هل هو مستحق للزكاة؟ فإن اشتبه عليه فهو محل شبهة. وإن كانت صدقة ~~وكان يعطيه لدينه فلينظر إلى باطنه: فإن كان مقارفا لمعصية في السر لو ~~علمها المعطي لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالتصدق عليه، فهذا حرام أخذه، ~~كما لو أعطاه لظنه أنه عالم أو علوي ولم يكن، فإن أخذه حرام محض لا شبهة ~~فيه. # الثالث: أن يكون غرضه السمعة والرياء والشهرة فينبغي أن يرد عليه قصده ~~الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا على غرضه الفاسد. # وأما غرضه في الأخذ: فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد له منه أو ~~مستغن عنه، فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في ~~المعطي فالأفضل له الأخذ، قال - صلى الله ms322 عليه وسلم -: «من أتاه شيء من هذا ~~المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه # PageV01P295 # فلا يرده» فأما إذا كان ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون ~~حاله الاشتغال بنفسه أو التكفل بأمور الفقراء والإنفاق عليهم لما في طبعه ~~من الرفق والسخاء، فإن كان مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه، وإن كان ~~متكفلا بحقوق الفقراء فليأخذ ما زاد على حاجته؛ فإنه غير زائد على حاجة ~~الفقراء وليبادر به إلى الصرف إليهم. وبالجملة فالزيادة على قدر الحاجة ~~إنما تأتيك ابتلاء وفتنة لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه، وقدر الحاجة يأتيك ~~رفقا بك فلا تغفل عن الفرق بين الرفق والابتلاء، قال الله - تعالى -: (إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) [الكهف: 7] . ### | تحريم السؤال من غير ضرورة، وآداب المضطر إليه # اعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات، قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يغنيه ~~جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم» وفي لفظ آخر: «كانت ~~مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه» وهذه الألفاظ صريحة في التحريم والتشديد. ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال. # وسمع «عمر» - رضي الله عنه - سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه: ~~«عش الرجل» فعشاه، ثم سمعه ثانيا يسأل فقال: «ألم أقل لك عش الرجل» قال: ~~«قد عشيته» فنظر «عمر» فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال: «لست سائلا ~~ولكنك تاجر» ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة، وضربه بالدرة وقال: ~~«لا تعد» ولولا سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته، وإنما استجاز ذلك ~~- رضي الله عنه - لكونه لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال، وعلم أن من ~~أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا، فلم يدخل في ~~ملكه بأخذه من التلبيس، وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه ms323 ~~بأعيانهم، فبقي مالا لا مالك له، فوجب صرفه إلى المصالح، وإبل الصدقة ~~وعلفها من المصالح. # نعم يباح السؤال بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة، فالضرورة كسؤال ~~الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا، وسؤال العاري وبدنه مكشوف ليس معه ~~ما يواريه، وهو مباح ما دام السائل عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب ~~وهو بطال ليس له السؤال إلا إذا استغرق طلب العلم أوقاته، وأما المستغني ~~فهو الذي يطلب الشيء وعنده مثله وأمثاله، فسؤاله حرام قطعا، وأما المحتاج ~~حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء، وكمن له جبة لا قميص تحتها في ~~الشتاء وهو يتأذى بالبرد، وكمن يسأل الكراء لفرس. ولا ينبغي أن يأخذ ما ~~يعلم أن باعثه الحياء فإنه حرام محض، وما يشك فيه فليستفت قلبه فيه، وليترك ~~حزاز القلب فإنه الإثم، وليدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، وإدراك ذلك بقرائن ~~الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه وشهوته، فإن قوي الحرص وضعفت ~~الفطنة # PageV01P296 # تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن للقرائن الدالة على الكراهة، وبهذه ~~الدقائق يطلع على سر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما أكل الرجل ~~من كسبه» وقد ورد في وعيد من يسأل وهو غني قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا فليستقل منه أو ليستكثر» وقد ورد في حد ~~الغنى المحرم للسؤال آثار مختلفة متنوعة، يمكن تنزيلها على اختلاف أحوال ~~المحتاجين، إذ الحاجة لا تقبل الضبط، فأمرها منوط باجتهاد العبد ونظره ~~لنفسه بينه وبين الله تعالى، فيستفتي فيه قلبه، ويعمل به إن كان سالكا طريق ~~الآخرة. نسأله - تعالى - حسن التوفيق بلطفه. ### | فضيلة الزهد وحقيقته # قال - تعالى -: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) [طه: 131] وقال - تعالى -: (من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له ~~في الآخرة من نصيب) [الشورى: 20] وفي حديث «عمر» ms324 رضي الله عنه، أنه لما نزل ~~قوله - تعالى -: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) ~~[التوبة: 34] قال - صلى الله عليه وسلم -: «تبا للدنيا تبا للدينار ~~والدرهم» فقلنا: «يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ~~ندخر» ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - «ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا ~~وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته» وعنه - صلى الله عليه وسلم -: «السخي ~~قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة، والبخيل بعيد من الله بعيد من ~~الناس قريب من النار» والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا، والسخاء ثمرة الزهد، ~~والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة، وعنه - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ازهد في الدنيا يحبك الله. وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» . # ثم إن أصناف ما فيه الزهد تكاد تخرج عن الحصر، وقد ذكر الله - تعالى - في ~~آية واحدة سبعة منها فقال - تعالى -: (زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) [آل عمران: 14] ثم رده في آية أخرى إلى ~~خمسة فقال عز وجل: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد) [الحديد: 20] ثم رده في موضع آخر إلى اثنين ~~فقال - تعالى -: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) [محمد: 36] ثم رد الكل إلى ~~واحد في موضع آخر فقال: (ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) ~~[النازعات: 40 و 41] فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا فينبغي أن ~~يكون الزهد فيه. # PageV01P297 # والحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها إلى ما هو خير منها ~~علما بأن المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ. # واعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك، فإن ترك المال وإظهار ~~الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد، بل لا بد من الزهد في حظوظ النفس، ~~وينبغي أن يعول الزاهد في باطنه على ثلاث علامات: # الأولى: أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود ms325 كما قال - تعالى -: (لكي ~~لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) [الحديد: 23] . # الثانية: أن يستوي عنده ذامه ومادحه. # الثالثة: أن يكون أنسه بالله - تعالى - والغالب على قلبه حلاوة الطاعة. # PageV01P298 ### | كتاب النية والإخلاص والصدق ### | فضيلة النية: # قال الله - تعالى -: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه) [الأنعام: 52] وقال - تعالى -: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) ~~[النساء: 35] والمراد بتلك الإرادة هي النية، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه» . # وفي حديث «أنس بن مالك» لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~غزوة تبوك قال: «إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ ~~الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة» ~~قالوا: «وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا» ؟ قال: «حبسهم العذر» فشركوا ~~بحسن النية. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» . # وفي حديث «أبي هريرة» : «من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو ~~زان، ومن ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق» . ### | تفضيل الأعمال المتعلقة بالنية: # اعلم أن الأعمال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: طاعات ومعاص ومباحات. # فأما المعاصي: فلا تتغير عن موضعها بالنية، أعني أن المعصية لا تنقلب ~~طاعة بالنية، كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يطعم فقيرا من مال ~~غيره، أو يبني مدرسة أو مسجدا بمال حرام وقصده الخير، فهذا كله جهل والنية ~~لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية، بل قصده الخير بالشر على ~~خلاف مقتضى الشرع شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص ~~بجهله؛ إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم، والخيرات إنما يعرف كونها خيرات ~~بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا؟ هيهات، ولذلك قال " سهل " رحمه الله ~~- تعالى -: "ما عصي ms326 الله بمعصية أعظم من الجهل " قيل: يا أبا محمد هل تعرف # PageV01P299 # شيئا أشد من الجهل "؟ قال: "نعم، الجهل بالجهل " وهو كما قال؛ لأن الجهل ~~بالجهل يسد بالكلية باب التعلم، فمن يظن بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم؟ وكذلك ~~أفضل ما أطيع الله - تعالى - به العلم، ورأس العلم العلم بالعلم. كما أن ~~رأس الجهل الجهل بالجهل، وقد قال - تعالى -: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون) [النحل: 43، والأنبياء: 7] نعم، للنية دخل في المعاصي وهو أنه إذا ~~انضاف قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم وبالها. # القسم الثاني الطاعات: وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها. # أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله - تعالى - لا غير، فإن نوى الرياء ~~صارت معصية. وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة ~~يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب؛ إذ كل واحدة حسنة، ثم ~~تضاعف كل حسنة بعشرة أمثالها كما ورد، ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة، ~~ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين: # أولها: أن يعتقد أنه بيت الله وأن داخله زائر الله. # ثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في صلاة. # ثالثها: الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات. # رابعها: عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في الآخرة، ودفع الشواغل ~~الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد. # خامسها: التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به. # سادسها: أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر؛ إذ المسجد لا ~~يخلو عمن يسيء في صلاته أو يتعاطى ما لا يحل له، فيأمره بالمعروف ويرشده ~~إلى الدين فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته. # سابعها: أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة، ~~والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله. # ثامنها: أن يترك الذنوب حياء من الله - تعالى - وحياء من أن يتعاطى في ~~بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة. # فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات، إذ ms327 ما من طاعة إلا وتحتمل ~~نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمره ~~له، فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات. # القسم الثالث المباحات: وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات ~~يصير بها من محاسن القربات، كالتطيب مثلا فإنه بقصد التلذذ والتنعم مباح، ~~وأما إذا نوى به اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترويح جيرانه ~~ليستريحوا بروائحه، ودفع الرائحة الكريهة عن نفسه التي تؤدي إلى إيذاء ~~مخالطيه، وزيادة فطنته وذكائه ليسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر، فهذا ~~وأمثاله من النيات الحسنة التي لا يعجز عنها من غلب طلب الخير على قلبه مما ~~ينال بها معالي الدرجات. # وأما من قصد بالتطيب إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق ليذكر بذلك ~~أو ليتودد إلى قلوب # PageV01P300 # النساء الأجنبيات أو لغير ذلك، فهذا يجعل الطيب معصية ويكون في القيامة ~~أنتن من الجيفة. # والمباحات كثيرة لا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه، ~~ولهذا قال بعض السلف: "إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي ~~وشربي ونومي ودخولي للخلاء " وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله ~~تعالى؛ لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن فهو معين ~~على الدين، فمن قصد من الأكل التقوي على العبادة، ومن الوقاع تحصين دينه ~~وتطييب قلب أهله والتوصل به إلى ولد صالح يعبد الله - تعالى - بعده كان ~~مطيعا بأكله ونكاحه. # وبالجملة فإياك ثم إياك أن تستحقر شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها ~~وشرورها ولا تعد جوابها يوم السؤال والحساب؛ فإن الله مطلع عليك وشهيد: (ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق: 18] وقد قال " الحسن ": "إن الرجل ~~ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبينك الله، فيقول والله: ما أعرفك، ~~فيقول: بلى أنت أخذت لبنة من حائطي وأخذت خيطا من ثوبي " فهذا وأمثاله من ~~الأخبار قطع قلوب الخائفين. فإن كنت من أولي العزم والنهى ولم تكن ms328 من ~~المغترين فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق عليك. ### | فضيلة الإخلاص وحقيقته: # قال الله - تعالى -: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ~~[البينة: 5] وقال - تعالى -: (ألا لله الدين الخالص) [الزمر: 3] وقال - ~~تعالى -: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله) ~~[النساء: 146] وقال - تعالى -: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [الكهف: 110] وعن " علي " كرم الله وجهه: "لا ~~تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " ~~لمعاذ بن جبل ": "أخلص العمل يجزك منه القليل " وقال " يعقوب المكفوف ": ~~"المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته ". # واعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي ~~خالصا، ويسمى الفعل المصفي المخلص: إخلاصا، والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ~~ليس مخلصا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات، وقد جرى العرف على تخصيص اسم ~~الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله - تعالى - عن جميع الشوائب، فإذا امتزج ~~قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص، ~~ومثاله أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو يحج ليصح ~~مزاجه بحركة السفر، أو ليتخلص من عدو له، أو يصلي بالليل لغرض دنيوي، أو ~~يتعلم العلم أو يخدم العلماء والصوفية لذلك، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض ~~أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله، أو يفعل شيئا من ذلك ليعرف بالخير ويذكر # PageV01P301 # به، وينظر إليه بعين الصلاح والوقار. # فمهما كان باعثه التقرب إلى الله - تعالى - ولكن انضاف إليه خطرة من هذه ~~الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور، فقد خرج عمله عن حد ~~الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله - تعالى - وتطرق إليه الشرك. # وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم ~~كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وزال به إخلاصه، فإن الخالص من العمل ~~هو الذي لا باعث عليه إلا طلب ms329 القرب من الله تعالى، وهذا لا يتصور إلا من ~~محب لله لم يبق لحب الدنيا في قلبه قرار، ولذا كان علاج الإخلاص كسر حظوظ ~~النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ~~ذاك يتيسر الإخلاص. # وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها ~~مغرورا؛ لأنه لا يرى وجه الآفة فيها. فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة ~~لهذه الدقائق، وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو لا يشعر. ### | فضيلة الصدق ودرجاته # قال الله - تعالى -: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) [الأحزاب: 23] ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي ~~إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى ~~الفجور، والفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» ~~. # والصدق درجات: # الأولى صدق اللسان: وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق. ~~وكمال صدق القول الاحتراز عن المعاريض، فقد قيل: «في المعاريض مندوحة عن ~~الكذب» وذلك لأنها تقوم مقام الكذب إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة، ~~وتقتضيه المصلحة في بعض الأحوال، وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري ~~مجراهم، وفي الحذر عن الظلمة، وفي قتال الأعداء والاحتراز عن اطلاعهم على ~~الأسرار. فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما ~~يأمره الحق به ويقتضيه الدين، فإذا نطق به فهو صادق، وإن كان كلامه مفهما ~~غير ما هو عليه؛ لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء ~~إليه، فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه. نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن ~~يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلا، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا توجه إلى سفر ورى بغيره، وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد، ~~وليس هذا من الكذب في شيء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس ~~بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى ms330 خيرا» . # ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع: من أصلح بين اثنين، ومن ~~كان له زوجتان، ومن كان في مصالح الحرب، والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا ~~يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير، فمهما صح قصده وصدقت # PageV01P302 # نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا كيفما كان لفظه، ثم التعريض ~~فيه أولى، وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره ~~فقال لزوجته: خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي: ليس هو ~~ههنا، واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه، فكان قوله صدقا، وأفهم ~~الظالم أنه ليس في الدار، وهذا الذي ذكرناه من الاحتراز عن صريح اللفظ وعن ~~المعاريض إلا عند الضرورة هو الكمال الأول في صدق الأول. # وهناك كمال ثان وهو أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه ~~كقوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) [الأنعام: 79] . فإن قلبه إن ~~كان منصرفا عن الله - تعالى - مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب، ~~وكقوله: (إياك نعبد) [الفاتحة: 5] وكقوله: «أنا عبد الله» فإنه إذا لم يتصف ~~بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقا، ولو طولب يوم ~~القيامة بالصدق في قوله: أنا عبد الله، لعجز عن تحقيقه، فإنه إن كان عبدا ~~لنفسه أو عبدا لدنيا أو عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله، وكل ما تقيد ~~العبد به فهو عبد له. # كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد ~~الخميصة» سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له، وإنما العبد الحق لله - عز وجل ~~- من أعتق من غير الله - تعالى - واشتغل بالله وبمحبته، وتقيد ظاهره وباطنه ~~بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى. # الدرجة الثانية: الصدق في النية والإرادة: ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن ~~لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله - تعالى - فإن مازجه شوب من ~~حظوظ النفس بطل صدق النية. # الثالثة صدق العزم: وهو الجزم فيه بقوة، والصادق فيه ms331 هو الذي تصادف ~~عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد، بل تسخو ~~أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات، كمن يقول: «إن رزقني الله مالا ~~تصدقت بشطره، وإن أعطاني الله ولاية عدلت فيها ولم أعص الله - تعالى - بظلم ~~وميل إلى خلق» فصدق هذه العزيمة هو سخاء نفسه بما نوى. # الرابعة في الوفاء بالعزم: فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة ~~في الوعد والعزم، والمؤونة فيه خفيفة، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت ~~الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم، وهذا يضاد ~~الصدق فيه، ولذلك قال الله - تعالى -: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ~~[الأحزاب: 23] فقد روي عن «أنس» أن عمه «أنس بن النضر» لم يشهد بدرا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشق ذلك على قلبه وقال: «أول مشهد # PageV01P303 # شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غبت عنه؟ أما والله لئن أراني ~~الله مشهدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أصنع» قال: ~~فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله «سعد بن معاذ» فقال: «إلى أين» ؟ فقال: ~~«واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد» فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع ~~وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة، فقالت أخته: ما عرفت أخي إلا بثيابه، ~~فنزلت هذه الآية: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) . # وقال «مجاهد» : «رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود» فقالا: إن رزقنا الله ~~- تعالى - مالا لنصدقن، فبخلوا به فنزلت: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون) [التوبة: 75 - 77] فجعل العزم عهدا، وجعل الخلف فيه ~~كذبا والوفاء به صدقا. # الخامسة الصدق في الأعمال: وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على ~~أمر في باطنه لا يتصف هو به، فمن وقف على هيئة الخشوع في ms332 صلاته ليرائي ~~غيره، ولكنه في الباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته؛ فهو كاذب ~~بلسان الحال في عمله غير صادق فيه، فالصدق فيه هو استواء السريرة والعلانية ~~بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيرا من ظاهره. # إذا السر والإعلان في المؤمن استوى ... فقد عز في الدارين واستوجب الثنا # فإن خالف الإعلان سرا فما له ... على سعيه فضل سوى الكذب والعنا # ثم درجات الصدق لا نهاية لها، وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض، ~~فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا. # PageV01P304 ### | كتاب المحاسبة والمراقبة ### | بيان لزوم المحاسبة # قال الله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) [الأنبياء: 47] وقال ~~تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال ~~هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا) [الكهف: 49] وقال تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم ~~بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد) [المجادلة: 6] وقال ~~تعالى: (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) [الزلزلة: 6 - 8] وقال تعالى: (ثم توفى كل ~~نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) [البقرة: 281 وآل عمران: 161] وقال تعالى: (يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه) [آل عمران: 30] وقال تعالى: (واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) [البقرة: 235] . # استدل بذلك أرباب البصائر أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في ~~الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، فتحققوا أنهم لا ~~ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في ~~الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات. فمن حاسب نفسه قبل أن ~~يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن ~~لم يحاسب نفسه دامت ms333 حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى ~~الخزي والمقت سيئاته. فحتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا ~~يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها، وخطراتها ~~وخطواتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن ~~يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فانقضاء هذه الأنفاس ~~ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل. ### | بيان مشارطة النفس # إذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه لمشارطة النفس ~~فيقول لها: # PageV01P305 # ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع اليأس عن ~~التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلي ~~وأنعم علي به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى ~~أعمل فيه صالحا، فاحسبي أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي ~~هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة، لها فلا تميلي إلى الكسل ~~والدعة والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لا ~~تفارقك، وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق، وقد قال بعضهم: «هب أن ~~المسيء قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين» أشار به إلى الغبن والحسرة، ~~وقال الله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) [التغابن: 9] ~~فهذه وصيته لنفسه في أوقاته. ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي: ~~العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، فيوصيها بحفظها عن ~~معاصيها. # أما العين: فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم أو إلى عورة مسلم ~~أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار، ثم إذا صرفها عن هذا لم يقنع به حتى ~~يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له من النظر إلى عجائب صنع الله ~~بعين الاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء، والنظر في كتاب الله وسنة ~~رسوله، ومطالعة كتب الحكمة ms334 للاتعاظ والاستفادة. # وهكذا ينبغي أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو لا سيما اللسان والبطن. # أما اللسان: فلأنه منطلق بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة، وجنايته عظيمة ~~بالغيبة، والكذب، والنميمة، وتزكية النفس، ومذمة الخلق، والأطعمة، واللعن، ~~والدعاء على الأعداء، والمماراة في الكلام، وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب ~~آفات اللسان، فهو بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر والتذكير، وتكرار العلم ~~والتعليم، وإرشاد عبد الله إلى طريق الله، وإصلاح ذات البين، وسائر خيراته. # وأما البطن: فيكلفه ترك الشره وتقليل الأكل من الحلال واجتناب الشبهات، ~~ويمنعه من الشهوات. وهكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء، واستقصاء ذلك يطول، ~~ولا تخفى معاصي الأعضاء وطاعتها، ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي ~~تتكرر عليه في اليوم والليلة وكيفية الاستعداد لها بأسبابها، وكذا فيمن ~~يشتغل بشيء من أعمال الدنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس، قلما يخلو يوم عن ~~مهم جديد وواقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها، فعليه أن يشترط على ~~نفسه الاستقامة فيها والانقياد للحق في مجاريها، ويحذرها مغبة الإهمال، ~~ويعظها كما يوعظ العبد الآبق المتمرد، فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات ~~مستعصية عن العبودية، ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها: (وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين) [الذاريات: 55] . # PageV01P306 ### | فضيلة المراقبة # روي أن «جبريل» عليه السلام سأل النبي صلوات الله عليه عن الإحسان فقال: ~~«أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وقد قال تعالى: (أفمن ~~هو قائم على كل نفس بما كسبت) [الرعد: 33] وقال تعالى: (ألم يعلم بأن الله ~~يرى) [العلق: 14] وقال تعالى: (إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: 1] وقال ~~الله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون) [المعارج: 32 و 33] وسئل بعضهم عن قوله تعالى: (رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) [البينة: 8] فقال: معناه: ذلك لمن راقب ربه عز ~~وجل، وحاسب نفسه وتزود لمعاده. وقال رجل «للجنيد» : بم أستعين على غض ~~البصر؟ فقال: «بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور ms335 إليه» . ### | حقيقة المراقبة # المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه، ويعنى بها حالة للقلب ~~يثمرها نوع من المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب. أما ~~الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه، وأما المعرفة فهي العلم بأن ~~الله مطلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كل ~~نفس بما كسبت، وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف. ~~ثم للمراقب في أعماله نظران: نظر قبل العمل، ونظر في العمل، أما قبل العمل ~~فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ~~ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق، فإن كان لله تعالى أمضاه، وإن كان لغير ~~الله استحيا من الله وانكف عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله ~~إليه، وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها. وأما النظر الثاني للمراقبة عند ~~الشروع في العمل فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه، ويحسن النية في ~~إتمامه، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه. # وهذا ملازم له في جميع أحواله؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في ~~معصية أو في مباح، فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب ~~وحراستها عن الآفات، وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع ~~والحياء والاشتغال بالتفكير، وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب، ثم ~~بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها. ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن ~~بلية لا بد له من الصبر عليها، ونعمة لا بد له من الشكر عليها، وكل ذلك من ~~المراقبة. بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض الله تعالى عليه: إما فعل ~~يلزمه مباشرته، أو # PageV01P307 # محظور يلزمه تركه، أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق ~~به عباد الله، أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته، ولكل ~~واحد من ذلك حدود لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة: (ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه) [الطلاق: ms336 1] ومن كان فارغا من الفرائض وقدر على الفضائل ~~فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها، فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر ~~على دركه فهو مغبون، والأرباح تنال بمزايا الفضائل. ### | بيان محاسبة النفس بعد العمل # قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) ~~[الحشر: 18] وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال، وقال تعالى: ~~(وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) [النور: 31] والتوبة ~~نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه، وقال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [الأعراف: 201] وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة ~~مرة» وقال «عمر» رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل ~~أن توزنوا» . وقال «مالك بن دينار» : «رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة ~~كذا ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له ~~قائدا» . إذا علمت هذا فينبغي أن يكون للمرء في آخر النهار ساعة يطالب فيها ~~النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع ~~الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا، وكيف لا يحاسب ~~العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟ ما هذه ~~المساهلة إلا عن الغفلة وقلة التوفيق. ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في ~~رأس المال وفي الربح والخسران ليتبين له الزيادة من النقصان، فإن كان من ~~فضل حاصل استوفاه وشكره، وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في ~~المستقبل، فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل، ~~وخسرانه المعاصي، وموسم هذه التجارة جملة النهار، ومعاملة نفسه الأمارة ~~بالسوء فليحاسبها على الفرائض أولا، فإن أداها على وجهها شكر الله تعالى ~~عليه ورغبها في مثلها، وإن فوتها من أصلها طالبها بالقضاء، وإن أداها ناقصة ~~كلفها الجبران بالنوافل، وإن ارتكب معصية اشتغل بعقوبتها ومعاتبتها ليستوفي ~~منها ما ms337 يتدارك به ما فرط كما يصنع التاجر بشريكه، وليتكفل بنفسه من الحساب ~~ما سيتولاه غيره في صعيد القيامة. ### | توبيخ النفس ومعاتبتها # اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى ~~الشر فرارة من الخير، وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى ~~عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهوتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت ~~وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعدل ~~والملامة رجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد ~~الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، قال الله # PageV01P308 # تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) [الذاريات: 55] وسبيلك أن تقبل ~~عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها، وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها، ~~ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها: " يا نفس ما أعظم ~~جهلك، تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا، أما ~~تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب؟ ~~فما لك تشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم؟ أما تعلمين أن كل ما ~~هو آت قريب، وأن البعيد ليس بآت؟ أما تتدبرين قوله تعالى: (اقترب للناس ~~حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون لاهية قلوبهم) [الأنبياء: 1 - 3] ويحك يا نفس إن كانت جراءتك على ~~معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن كان مع علمك ~~باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك. # ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان ~~غضبك عليه ومقتك له؟ فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه؟ ~~أفتظنين أنك تطيقين عذابه، هيهات هيهات جربي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم ~~عذابه، فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام، أو قربي أصبعك من النار ~~ليتبين لك قدر طاقتك؛ أم تغترين بكرم الله وفضله، فما لك لا تعولين على كرم ~~الله تعالى في مهمات دنياك، ms338 فإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما ~~لا ينقضي إلا بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من ~~وجوه الحيل، فلم تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر ~~عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجته من غير سعي منك ولا طلب؟ أفتحسبين أن الله ~~كريم في الآخرة دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها، وأن رب ~~الآخرة والدنيا واحد، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. يا نفس: أما تستعدين ~~للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب ولا ~~تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب ~~وغير ذلك فإنه قادر على ذلك؟ أفتظنين أن العبد ينجو بغير سعي؟ هيهات كما لا ~~يندفع برد الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار ~~وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات. وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك ~~طريق التحصن ويسر لك أسبابه، لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه. انظري يا ~~نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله؟ وبأي لسان تجيبين؟ وأعدي للسؤال جوابا ~~وللجواب صوابا، واعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال ~~لدار مقامة، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود، واعلمي أنه ليس للدين عوض، ~~ولا للإيمان بدل، ولا للجسد خلف، ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار ~~به وإن لم يسر، فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة، واقبلي هذه النصيحة، فإن من ~~أعرض عن الموعظة فقد رضي النار. # فهذه طريق القوم في معاتبة نفوسهم، ومقصودهم منها التنبيه والاسترعاء، ~~ومن أهمل المعاتبة لم يكن لنفسه مراعيا، ويوشك أن لا يكون الله عنه راضيا. # PageV01P309 ### | كتاب التفكر ### | فضيلة التفكر # اعلم أنه قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا ~~تحصى وأثنى على المتفكرين فقال تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ms339 باطلا) [آل ~~عمران: 191] وقد قال «ابن عباس» رضي الله عنهما: إن قوما تفكروا في الله عز ~~وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ~~الله» وروي في السنة: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة» وقال «حاتم» : «من ~~العبرة يزيد العلم، ومن الذكر يزيد الحب، ومن التفكر يزيد الخوف» وقال ~~«الشافعي» رحمه الله تعالى: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط ~~بالفكر» ثم إن ثمرة الفكر هي العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة، وإذا حصل ~~العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح. ~~فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها؛ لأنه الذي ينقل من المكاره ~~إلى المحاب، ويهدي إلى استثمار العلوم ونتاج المعارف والفوائد. ### | بيان مجاري الفكر # اعلم أن أنواع مجاري الفكر أربعة: الطاعات والمعاصي والصفات المهلكات ~~والصفات المنجيات. # فأما المعاصي: فينبغي أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه السبعة، ~~ثم بدنه هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها، أو لابسها بالأمس ~~فيتداركها بالترك والندم، أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد للاحتراز ~~والتباعد عنها، فينظر في اللسان ويقول: إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية ~~النفس والاستهزاء بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ~~ذلك من المكاره، فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى، ويتفكر في ~~شواهد القرآن والسنة على شدة العذاب فيها فيتحرز منها. ويتفكر في سمعه أن ~~يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو، وأنه ينبغي أن يحترز ~~عنه. ويتفكر في بطنه أنه إنما يعصي الله تعالى فيه بالأكل والشرب: إما ~~بكثرة الأكل من الحلال وذلك مكروه عند الله، وإما بأكل الحرام والشبهة، ~~فيتفكر في الاحتراز عن مداخله، ويتفكر في طريق الحلال وموارده، ويقرر على # PageV01P310 # نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام، وأن كل الحلال هو أساس ~~العبادات كلها. # فهكذا يتفكر في أعضائه حتى يحفظها. # وأما الطاعات: فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها وكيف ~~يحرسها عن النقصان والتقصير، أو ms340 كيف يجبر نقصانها بالنوافل. # ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأفعال التي تتعلق به مما يحبه الله ~~تعالى فيقول: إن العين خلقت للنظر في ملكوت السماوات والأرض عبرة، ولتستعمل ~~في طاعة الله تعالى، وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله، وأنا قادر على أن أشغل ~~العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله؟ وأنا قادر على أن أنظر إلى فلان ~~المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه فلم لا أفعله؟ وكذلك يقول في ~~سمعه: إني قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة وعلم فما لي أعطله؟ ~~وقد أنعم الله علي به وأودعنيه لأشكره فما لي أكفر نعمة الله فيه بتضييعه ~~وتعطيله؟ وكذلك يتفكر في اللسان ويقول: إني قادر على أن أتقرب إلى الله ~~تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح، وبالسؤال عن أحوال ~~الفقراء وإدخال السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة، وكل ~~كلمة طيبة فإنها صدقة. وكذلك يتفكر في ماله فيقول: أنا قادر على أن أتصدق ~~بالمال الفلاني فإني مستغن عنه، ومهما احتجت إليه رزقني الله تعالى مثله، ~~وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال. وهكذا ~~يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله، بل عن دوابه وأولاده، فإن كل ذلك ~~أدواته وأسبابه، ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها فيستنبط بدقيق الفكر ~~وجوه الطاعات الممكنة بها، ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات، ~~ويتفكر في إخلاص النية فيها، وقس على هذا سائر الطاعات. # وأما الصفات المهلكة التي محلها القلب: فيعرفها مما تقدم، وهي استيلاء ~~الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة ~~والغرور وغير ذلك، ويتفقد من قلبه هذه الصفات، ويتفكر في طريق العلاج لها ~~مما سلف ذكره. # وأما المنجيات: فهي التوبة والندم على الذنوب، والصبر على البلاء، والشكر ~~على النعماء، والخوف والرجاء، والزهد في الدنيا، والإخلاص والصدق في ~~الطاعات، ومحبة الله وتعظيمه، والرضا بأفعاله، والشوق إليه، والخشوع ~~والتواضع له مما تقدم ذكره. فيتفكر كل يوم في ms341 قلبه: ما الذي يعوزه من هذه ~~الصفات التي هي المقربة إلى الله تعالى، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم ~~أنها أحوال لا يثمرها إلا علوم، وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار؛ فإذا أراد ~~أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا، وليتفكر فيها ~~وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه، ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد ~~في الشرع فيها، وليحقق عند نفسه أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له ~~حال الندم. وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان الله ~~وأياديه عليه، وفي إرساله جميل ستره عليه، وإذا أراد حال المحبة والشوق ~~فليتفكر # PageV01P311 # في جلال الله وجماله وعظمته وكبريائه، وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع ~~صنعه، وإذا أراد حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة والباطنة، ثم ~~لينظر في الموت وسكراته، ثم فيما بعده من سؤال القبر وحياته وعقاربه ~~وديدانه، ثم في هول النداء عند نفخة الصور [الزمر: 68] ثم في هول المحشر ~~عند جميع الخلائق على صعيد واحد، ثم في المناقشة في الحساب والمضايقة في ~~النقير والقطمير، ثم ليحضر في قلبه صورة جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها ~~[يس: 8 والإنسان: 4] وزقومها [الواقعة: 52] وصديدها وأنواع العذاب فيها، ~~وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها [النساء: 56] وأنهم إذا رأوها من ~~مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا [الفرقان: 12] ، وهلم جرا إلى جميع ما ~~ورد في القرآن من شرحها. وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ~~ونعيمها وأشجارها وحورها وولدانها [الواقعة: 17] ونعيمها المقيم وملكها ~~الدائم. فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال ~~محبوبة أو التنزه عن صفات مذمومة. # وأما ذكر مجامع تلك الأحوال فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر، ~~فإن القرآن جامع لجميع المقامات والأحوال، وفيه شفاء للعالمين، فيه ما يورث ~~الخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال، وفيه ما يزجر ~~عن سائر الصفات المذمومة، فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج ~~إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو ms342 مائة مرة، فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ~~ختمة بغير تدبر وفهم، فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة، فإن تحت كل ~~كلمة منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب ~~بعد صدق المعاملة. # وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع ~~الكلم، وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة، ولو تأملها العالم حق ~~التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره. ### | بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى # اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه، وكل ذرة ~~من الذرات ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته، ~~وإحصاء ذلك غير ممكن، فلنذكر من الموجودات ما يدرك بحس البصر فإنه الأقرب ~~إلى الأفهام، وذلك من الآيات التي حث على التفكر فيها القرآن الكريم. ### | آية الإنسان # من آياته تعالى الإنسان المخلوق من النطفة، وأقرب شيء إليك نفسك، وفيك من ~~العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر ~~عشيره وأنت غافل عنه، فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة ~~غيرك وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال: (وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون) [الذاريات: 21] وذكر # PageV01P312 # أنه مخلوق من نطفة قذرة فقال: (قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من ~~نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) [عبس: ~~17 - 22] وقال تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر ~~تنتشرون) [الروم: 20] وقال تعالى: (ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ~~فخلق فسوى) [القيامة: 37، 38] وقال تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه ~~في قرار مكين إلى قدر معلوم) [المرسلات: 20 - 22] ثم ذكر تعالى كيف جعل ~~النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما فقال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة) ~~[المؤمنون: 12 ms343 - 14] الآية، فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع ~~لفظه ويترك التفكر في معناه. فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة ~~لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت: كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب ~~والترائب [الطارق: 7] ، وكيف جمع بين الذكر والأنثى، وألقى الألفة والمحبة ~~في قلوبهم، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع، وكيف استخرج ~~النطفة من الرجل بحركة الوقاع، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه ~~في الرحم، ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما ~~وكبر، وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء، ثم كيف جعلها مضغة، ثم ~~كيف قسم أجزاء النطفة وهي متشابهة متساوية إلى العظام والأعصاب والعروق ~~والأوتار واللحم، ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة: ~~فدور الرأس، وشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ، ثم مد اليد ~~والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء ~~الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء ~~كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ; وفي آحاد هذه الأعضاء من ~~العجائب والآيات ما لو ذهبنا إلى وصفها لانقضى فيها الأعمار. # فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة ~~رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له، ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال ~~مختلفة، فمنه صغير وكبير، وطويل ومستدير، ومجوف ومصمت، وعريض ودقيق. ولما ~~كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه مفتقرا للتردد في ~~حاجته لم يجعل عظمه عظما واحدا، بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها ~~الحركة، وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها، ثم وصل ~~مفاصلها، وربط بعضها بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم، وألصقه بالعظم الآخر ~~كالرباط له، ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه، وفي الآخر حفرا ~~غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها، فصار الإنسان إن ~~أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصل ms344 لتعذر عليه ذلك. ثم ~~انظر كيف خلق عظام الرأس، وكيف جمعها وركبها فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى ~~به كرة الرأس كما تراه، # PageV01P313 # فمنها ما يخص القحف واللحي الأعلى واللحي الأسفل، والبقية هي الأسنان ~~بعضها عريضة تصلح للطحن، وبعضها حادة تصلح للقطع وهي الأنياب والأضراس ~~والثنايا، ثم جعل الرقبة مركبا للرأس، ثم ركب الرقبة على الظهر، وركب الظهر ~~من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة، ثم وصل عظام ~~الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز، ثم ~~عظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين، وتعداد ذلك يطول، فانظر كيف خلق ~~جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة. والقصد أن ينظر في مدبرها وخالقها: كيف ~~قدرها وخالف بين أشكالها وخصصها بعددها المخصوص؛ لأنه لو زاد عليها واحدا ~~لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه، ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا ~~يحتاج إلى جبره. ثم أمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين وعددها ~~ومنابتها وانشعابها أعجب من هذا كله، وشرحه يطول. وكل ذلك صنع الله في قطرة ~~ماء قذرة. فترى من هذا صنعه في قطرة ماء، فما صنعه في ملكوت السماوات ~~وكواكبها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها! . فلا تظنن أن ذرة من ~~ملكوت السماوات تنفك عن حكمة وحكم، بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا وأجمع ~~للعجائب من بدن الإنسان، بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السماوات، ~~ولذلك قال تعالى: (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها) [النازعات: 27 - 29] فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها ~~أولا وما صارت إليه ثانيا، وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا ~~للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما ~~أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك؟ بل لو أرادوا أن ~~يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه. ~~فالعجب منك لو نظرت إلى صورة تأنق النقاش ms345 في تصويرها لكثر تعجبك منه، وأنت ~~ترى النطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب، ثم ~~أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها، وقسم ~~أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة، فأحكم العظام في أرجائها، وحسن أشكال ~~أعضائها، وزين ظاهرها وباطنها، ورتب عروقها وأعصابها، وجعلها مجرى لغذائها ~~ليكون ذلك سبب بقائها، وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة، وخلق لها الظهر ~~أساسا لبدنها، والبطن حاويا لآلات غذائها، والرأس جامعا لحواسها. # ففتح العينين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئتها، ثم حماها ~~بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها، ثم أظهر في مقدار ~~عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها، ~~ثم شق أذنه وأودعهما ماء مرا ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها، وحوطها بصدفة ~~الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها، وجعل فيها ~~تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه من النوم ~~صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم. ثم رفع الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله ~~وفتح منخريه، وأودع فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه ~~وأغذيته، وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة ~~باطنه، وفتح الفم وأودعه # PageV01P314 # اللسان ناطقا وترجمانا ومعربا عما في القلب، وزين الفم بالأسنان ولتكون ~~آلة الطحن والكسر والقطع، فأحكم أصولها وحدد رؤوسها، وبيض لونها ورتب ~~صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم، وخلق الشفتين ~~وحسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام. ثم ~~خلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت، وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات لتقطع ~~الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها، ثم ~~خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة ~~الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان، ~~بل يظهر بين كل صوتين فرقان حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت ~~في الظلمة. ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ، وزين الوجه باللحية والحاجبين، ~~وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس ms346 الشكل، وزين العينين بالأهداب. ثم خلق ~~الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل مخصوص، فسخر المعدة لنضج الغذاء، والكبد ~~لإحالة الغذاء إلى الدم، والمثانة لقبول الماء حتى تخرجه في طريق الإحليل، ~~والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن. ثم خلق اليدين ~~وطولهما لتمتد إلى المقاصد، وعرض الكف وقسم الأصابع الخمس، وقسم كل أصبع ~~بثلاث أنامل، ووضع الأربع في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على ~~الجميع، وبهذا الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء، ثم خلق الأظفار على ~~رؤوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تتقطع وليلتقط بها ~~الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل، وليحك بها بدنه عند الحاجة، ثم ~~هدى إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى ~~طلب، ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل. ثم خلق هذا ~~كله من النطفة وهي في داخل الرحم في ظلمات ثلاث. فسبحانه ما أعظم شأنه ~~وأظهر برهانه. ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنه لما ضاق الرحم عن ~~الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب ~~المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه، ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف ~~هداه إلى التقام الثدي، ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة ~~كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين الفرث والدم سائغا خالصا ~~[النحل: 66] ، وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت منها حلمتين على ~~قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي، ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا جدا حتى لا ~~يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل، ثم ~~كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع. ~~ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه ~~في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن، وإذا كبر لم يوافقه اللبن ms347 ~~السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ، ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له ~~الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها، فسبحانه كيف أخرج تلك العظام ~~الصلبة في تلك اللثاث اللينة. ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في ~~الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه ; فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما ~~لكان الطفل # PageV01P315 # أعجز الخلق عن تدبير نفسه. ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل ~~والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا، ثم شابا ثم كهلا، ثم شيخا إما ~~كفورا أو شكورا، مطيعا أو عاصيا، مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى: (هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا) [الإنسان: 1 - 3] فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة ~~تبهرك عجائب الحضرة الربانية. والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا ~~حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همته إلى التفكر في النقاش والخطاط، ~~وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه، ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول: ما ~~أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته، ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي ~~غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا يدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته. # فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك، ~~وأجلى شاهد على عظمة خالقك، وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك، لا تعرف ~~من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فتنام وتشتهي فتجامع وتغضب فتقاتل، ~~والبهائم تشاركك في معرفة ذلك، وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها ~~معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس، ~~إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين، ويحشر في زمرة النبيين ~~والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين، وليست هذه المنزلة للبهائم ولا ~~لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من البهائم بكثير إذ لا قدرة ~~للبهيمة على ذلك، وأما هو فقد ms348 خلق الله له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة الله ~~فيها، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا [الفرقان: 44] . وإذا عرفت طريق ~~الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك، ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ~~ومعادنها، ثم ارتفع منها إلى ملكوت السماوات. ### | آية الأرض # من آياته تعالى أن خلق الأرض فراشا ومهادا، وسلك فيها سبلا فجاجا، وجعلها ~~ذلولا لتمشوا في مناكبها، وجعلها قارة لا تتحرك، وأرسى فيها الجبال أوتادا ~~لها تمنعها من أن تميد، ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع ~~جوانبها. وقد أكثر تعالى في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها، ~~فظهرها مقر الأحياء، وبطنها مرقد الأموات، قال الله تعالى: (ألم نجعل الأرض ~~كفاتا أحياء وأمواتا) [المرسلات: 25، 26] فانظر إلى الأرض وهي ميتة فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت واخضرت وأنبتت عجائب النبات [الحج: 5] وخرجت ~~منها أصناف الحيوانات، ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات ~~الشوامخ الصم الصلاب، وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار ~~تجري على وجهها، وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب الكدر ماء رقيقا ~~صافيا زلالا، وجعل به كل شيء حي [الأنبياء: 30] فأخرج به فنون الأشجار ~~والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون # PageV01P316 # ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم ~~والصفات والروائح يفضل بعضها على بعض في الأكل، تسقى بماء واحد وتخرج من ~~أرض واحدة. فإن قلت: «إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها» فمتى كان في ~~النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب؟ ومتى كان في حبة واحدة سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة؟ ثم انظر إلى أرض البوادي وفتش ظاهرها وباطنها فتراها ترابا ~~متشابها، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا ~~مختلفة ونباتا متشابها وغير متشابه، لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف ~~الآخر، فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها، ثم اختلاف طبائع ~~النبات وكثرة منافعه، وكيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة: فهذا ~~النبات يغذي، وهذا يقوي، وهذا يحيي، وهذا يقتل، وهذا يبرد، وهذا ms349 يسخن، وهذا ~~يفرح، وهذا ينوم، فلم تنبت من الأرض ورقة ولا نبتة إلا وفيها منافع لا يقوى ~~البشر على الوقوف على كنهها. وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في ~~تربيته إلى عمل مخصوص. ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعه ~~ومنافعه وأحواله وعجائبه لانقضت الأيام في وصف ذلك فيكفيك من كل نبذة يسيرة ~~تدل على طريق الفكر. فهذه عجائب النبات. ### | آية أصناف الحيوانات # اعلم أن من آياته تعالى أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما ~~يمشي، وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى عشر وعلى مائة ~~كما يشاهد في بعض الحشرات، ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال ~~والأخلاق والطباع. فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر وإلى البهائم ~~الأهلية ترى فيها من العجائب ما لا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها ~~وحكمة مصورها، وكيف يمكن أن يستقصى ذلك؟ بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة ~~أو النملة أو النحلة أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها ~~وفي جمعها غذاءها، وفي إلفها لزوجها، وفي ادخارها لنفسها، وفي حذقها في ~~هندسة بيتها، وفي هدايتها إلى حاجاتها لم نقدر على ذلك، وكل يشهد بشكله ~~وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم، ~~فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال ~~قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات. # وهذا الباب أيضا لا حصر له، فإن الحيوانات وأشكالها وطباعها غير محصورة، ~~وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة. نعم إذا رأى حيوانا ولو ~~دودا تجدد تعجبه وقال: «سبحان الله ما أعجبه» ! والإنسان أعجب الحيوانات ~~وليس يتعجب من نفسه، بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها، ونظر إلى أشكالها ~~وصورها، ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها ~~التي جعلها الله لباسا لخلقه، وأكنانا لهم في ظعنهم وإقامتهم، وآنية ~~لأشربتهم، وأوعية لأعذيتهم، وصوانا لأقدامهم، وجعل ألبانها ولحومها أغذية ~~لهم، ثم جعل # PageV01P317 # بعضها زينة للركوب، ms350 وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات ~~البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصورها، فإنه ما خلقها إلا ~~بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه إياها. فسبحان من الأمور مكشوفة في ~~علمه من غير تفكر ومن غير تأمل وتدبر، ومن غير استعانة بوزير أو مشير فهو ~~العليم الخبير الحكيم القدير، فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق ~~الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده، فما للخلق إلا الإذعان لقهره وقدرته، ~~والاعتراف بربوبيته، والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله وعظمته، فمن ذا الذي ~~يحصي ثناء عليه؟ بل هو كما أثنى على نفسه، وإنما غاية معرفتنا الاعتراف ~~بالعجز عن معرفته. فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنه ورأفته. ### | آية البحار # من آياته تعالى البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض، وفيها من عجائب ~~الحيوان، والجواهر أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض، كما أن سعته أضعاف سعة ~~الأرض. انظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء، وانظر كيف أنبت ~~المرجان من صم الصخور، ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي ~~يقذفها البحر وتستخرج منه، ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى ~~على وجه الماء وسير فيها التجار وطلاب الأموال وغيرهم وسخر لهم الفلك لتحمل ~~أثقالهم. # وأعجب من ذلك كله الماء ما هو أظهر من كل ظاهر وهو كيفية قطرة الماء وهو ~~جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع ~~القبول للتقطيع، به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات، فلو احتاج ~~العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في ~~تحصيلها لو ملك ذلك، ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض ~~وملك الدنيا في إخراجها. # فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ونفائس الجواهر ويغفل عن ~~نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ عنها بذل جميع ~~الدنيا فيها. فتأمل في عجائب المياه والأنهار والآبار والبحار ففيها متسع ~~للفكر ومجال، وكل ذلك شواهد متظاهرة وآيات ms351 متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة ~~عن جلال بارئها معربة عن كمال حكمته. ### | آية الهواء وعجائب الجو # ومن آياته تعالى الهواء اللطيف، فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال ~~سبحانه (وأرسلنا الرياح لواقح) [الحجر: 22] فيصل بحركته روح الهواء إلى ~~الحيوانات والنباتات فتستعد للنماء، وإن شاء جعله عذابا على العصاة من ~~خليقته كما قال تعالى: (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع ~~الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) [القمر: 19، 20] . # PageV01P318 # ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم والرعود والبروق والأمطار ~~والثلوج والشهب والصواعق فهي عجائب ما بين السماء والأرض، وقد أشار القرآن ~~إلى جملة ذلك في قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) ~~[الدخان: 38] وهذا هو الذي بينهما، وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال ~~تعالى: (والسحاب المسخر بين السماء والأرض) [البقرة: 164] وحيث تعرض للرعد ~~والبرق والسحاب والمطر. فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو ~~صاف لا كدورة فيه، وكيف يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء، وهو مع رخاوته ~~حامل للماء الثقيل وممسك له في جو السماء إلى أن يأذن الله في إرسال الماء ~~وتقطيع القطرات حتى يصيب الأرض قطرة قطرة، فلو اجتمع الأولون والآخرون على ~~أن يخلقوا منها قطرة لعجزوا، وكل ذلك من فضل الجبار القادر لا إله إلا هو. ### | آية السماوات # ومن آياته تعالى ملكوت السماوات وما فيها من الكواكب، وقد عظم الله تعالى ~~أمر السماوات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في ~~مواضع، وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى: (والسماء والطارق) [الطارق: ~~1] وقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) ~~[الواقعة: 75 و 76] وقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها ~~الأولون والآخرون وما أقسم الله بها، فما ظنك بما أقسم الله تعالى به، ~~وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى: (وفي السماء رزقكم وما ~~توعدون) [الذاريات: 22] وأثنى على المتفكرين فيه فقال: (ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض) ms352 [آل عمران: 191] فارفع رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي ~~كواكبها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها ~~في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في سيرها، بل ~~تجري جميعا في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله ~~تعالى طي السجل للكتب [الحج: 104] وتدبر كثرة كواكبها واختلاف ألوانها ~~وكيفية أشكالها. ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة، ثم هي تطلع ~~في كل يوم وتغرب، ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولم تعرف ~~المواقيت، ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام فكان لا يتميز ~~وقت المعاش عن وقت الاستراحة، وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في ~~الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص، وانظر كيف أمسكها ~~من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها. وعجائب السماوات لا مطمع في ~~إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها، وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر. # وعلى الجملة فما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى فيه حكم كثيرة، وكل ~~العالم كبيت واحد، والسماء سقفه، فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا ~~بالصبغ مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول ~~عمرك، وأنت أبدا تنظر إلى هذا # PageV01P319 # البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه وإلى عجائب أمتعته وغرائب ~~حيواناته، ثم لا تتحدث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه، ليس لك هم إلا شهوتك، ~~اشتغلت بأنواع الغرور وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السماوات والأرض. ~~فاستكثر من معرفة عجيب صنع الله تعالى لتكون معرفتك بجلاله وعظمته أتم ~~والله الملهم. # PageV01P320 ### | كتاب ذكر الموت وما بعده ### | فضل ذكر الموت: # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» ~~وعنه صلوات الله عليه: «أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في ~~الدنيا» وعنه عليه الصلاة والسلام: «كفى بالموت واعظا» وعنه: «أكيس الناس ~~أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له أولئك هم الأكياس ms353 ذهبوا بشرف الدنيا ~~وكرامة الآخرة» . # وعن «مطرف بن عبد الله» قال: «إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم ~~فاطلبوا نعيما لا موت فيه» . # واعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه ~~لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره، وإذا ذكر به كرهه ونفر منه، أولئك هم ~~الذين قال الله فيهم: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) [الجمعة: 8] . ثم الناس ~~إما منهمك وإما تائب مبتدئ وإما عارف منته. # أما المنهمك فلا يذكر الموت، وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل ~~بمذمته، وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا. # وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية ~~فيفي بتمام التوبة. # وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد للقائه لحبيبه، والمحب لا ~~ينسى قط موعد لقاء الحبيب. # ثم إن أنجع طريق في ذكر الموت أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا ~~قبله، فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب، ويتذكر صورهم في مناصبهم ~~وأحوالهم، ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم وكيف تبددت أجزاؤهم في ~~قبورهم وخلت منهم مساجدهم # PageV01P321 # ومجالسهم وانقطعت آثارهم، وأنه مثلهم وستكون عاقبته كعاقبتهم. فملازمة ~~هذه الأفكار مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في ~~القلب فيستعد له ويتجافى عن دار الغرور، ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ~~ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من مفارقته. # نظر «ابن مطيع» ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال: «والله لولا ~~الموت لكنت بك مسرورا، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا ~~أعيننا» ثم بكى رحمه الله تعالى. ### | فضيلة قصر الأمل: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعبد الله بن عمر» : «إذا أصبحت فلا ~~تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك ~~لسقمك» . # وعن «علي» رضي الله عنه رفعه: «إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع ms354 الهوى ~~وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فإنه الحب ~~للدنيا» . # وسبب طول الأمل: حب الدنيا والأنس بها والجهل باستبعاد الموت فجأة، ولا ~~يدري أن ذلك غير بعيد، فإن الموت لا وقت له من شباب وشيب وكهولة، ومن صيف ~~وشتاء وخريف وربيع، ومن ليل ونهار، فلا يقدر نزول الموت به مع رؤياه من مات ~~بين يديه، ولا يقدر أن تشيع جنازته وهو لا يزال يشيع الجنائز، فما أغفله ~~وما أجهله، فسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ~~ويدفن في قبره، ولا علاج لذلك إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم ~~العقاب وجزيل الثواب، فمهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا، ~~فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير. ### | المبادرة إلى العمل وحذر آفة التأخير: # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل ~~هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ~~". # وقال صلى الله عليه وسلم: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ~~والفراغ " أي إنه لا يغتنمهما، ثم يعرف قدرهما عند زوالهما. # وكان " الحسن " يقول في موعظته: " المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو ~~حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل. رحم الله ~~امرءا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: (إنما نعد لهم ~~عدا) [مريم: 84] يعني الأنفاس، آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، ~~آخر العدد دخولك في قبرك ". # PageV01P322 # وسبب التأخير هو الأنس بالدنيا وشهواتها والتسويف، فلا يزال يسوف ويؤخر ~~ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر، وهكذا على ~~التدرج يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تخطفه ~~المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته ; وأكثر أهل النار وصياحهم من ~~" سوف " يقولون: " واحزناه من " سوف " والمسوف المسكين لا يدري أن ms355 الذي ~~يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا، ~~ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا فراغ قط، هيهات فما يفرغ منها إلا ~~من اطرحها. # فما قضى أحد منها لبانته ... وما انتهى أرب إلا إلى أرب # نسأله تعالى أن لا يجعل لنا بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء. ### | بيان سكرة الموت والاعتبار بالجنائز وزيارة القبور: # اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى ~~سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ~~ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده، لا سيما ~~وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء: «كرب بيد سواك لا تدري متى ~~يغشاك» . # واعلم أن الجنائز عبرة للبصير، وفيها تنبيه وتذكير لا لأهل الغفلة، فإنها ~~لا تزيدهم مشاهدتها إلا قسوة؛ لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ~~ينظرون، ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون، أو يحسبون ذلك ~~ولكنهم على القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا ~~يحسبون، فبطل حسبانهم، وانقرض على القرب زمانهم. فلا ينظر عبد إلى جنازة ~~إلا ويقدر نفسه محمولا عليها، فإنه محمول عليها على القرب وكأن قد، ولعله ~~في غد أو بعد غد، قال «ثابت البناني» : «كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا ~~متقنعا باكيا، فهكذا كان خوفهم من الموت، والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون ~~جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه ~~لورثته، ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما ~~خلفه، ولا يتفكر واحد منهم إلى ما شاء الله في جنازة نفسه في حاله إذا حمل ~~عليها. ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب حتى ~~نسينا الله تعالى واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا، فصرنا نلهو ونغفل ~~ونشتغل بما لا يغنينا. # فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة. # فمن آداب حضور الجنازة: التفكر والتنبه والاستعداد ms356 والمشي أمامها على ~~هيئة التواضع، ومن آدابه حسن الظن بالميت وإن كان فاسقا، وإساءة الظن ~~بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح، فإن الخاتمة مخطرة لا يدرى حقيقتها. # PageV01P323 # وأما زيارة القبور: فهي مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار، وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد. وأما ~~النساء فلا يفي خير زيارتهن بشرها، لأنهن يكثرن الهجر على رؤوس المقابر، ~~ولا يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه عظائم، والزيارة سنة فكيف يحتمل ~~ذلك لأجلها ; نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها، ~~وذلك بشرط الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر. # والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا لوجه الميت، وأن ~~يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله، فإن ذلك من عادة النصارى. قال» ~~نافع «:» كان «ابن عمر» رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: ~~السلام على النبي. السلام على أبي بكر. السلام على أبي وينصرف. وكان بعض ~~السلف إذا وقف على باب المقابر يقول: «آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، ~~وتجاوز عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم» . فالمقصود من زيارة القبور للزائر ~~الاعتبار بها، وللمزور الانتفاع بدعائه، فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن ~~الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به، وإنما يحصل له الاعتبار به بأن ~~يتصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه، وكيف يبعث من قبره، وأنه على القرب ~~سيلحق به. ويستحب الثناء على الميت وأن لا يذكر إلا بالجميل قال صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» . ### | بيان المأثور عند موت الولد # حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت ~~منزلة ما لو كان في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه، فإنه ~~لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم ~~وتأخر، وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن ms357 يلحق المتأخر، وإذا ~~اعتقد هذا قل جزعه وحزنه، لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى ~~به كل مصاب، فعن «أبي هريرة» رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «لسقط ~~أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي» وإنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى ~~على الأعلى، وإلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا ~~كانوا له جنة من النار» فقالت امرأة: «أو اثنان يا رسول الله» ؟ قال: «أو ~~اثنان» وليخلص الوالد الدعاء لولده عند الموت فإنه أرجى دعاء وأقربه إلى ~~الإجابة، وقف «أبو سنان» على قبر ابنه فقال: «اللهم إني قد غفرت له ما وجب ~~لي عليه فاغفر له ما وجب لك عليه فإنك أجود وأكرم» ووقف أعرابي على قبر ~~ابنه فقال: «اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من بري فهب له ما قصر فيه من ~~طاعتك» وينبغي أن يتذكر عند موت الولد الفجائع # PageV01P324 # الكبرى ليتسلى بها عن شدة الجزع، فما من مصيبة إلا ويتصور ما هو أعظم ~~منها، وما يدفعه الله في كل حال فهو الأكثر. ### | ذكرى ما بعد الموت من البرزخ وأهوال القيامة # كما أن للموت شدة في أحواله وسكراته وخطرا في خوف العاقبة، كذلك الخطر في ~~مقاساة ظلمة القبر وديدانه، ثم لمنكر ونكير وسؤالهما، ثم لعذاب القبر وخطره ~~إن كان مغضوبا عليه، وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور، ~~والبعث يوم النشور، والعرض على الجبار، والسؤال عن القليل والكثير، ونصب ~~الميزان لمعرفة المقادير، ثم جواز الصراط، ثم انتظار النداء عند فصل القضاء ~~إما بالإسعاد وإما بالإشقاء. فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها، ثم ~~الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق، ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من ~~قلبك دواعي الاستعداد لها. وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم ~~قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم، ويدل على ذلك شدة تشمرهم ms358 واستعدادهم ~~لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من ~~المصاعب والأهوال، بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت ~~عنه قلوبهم، ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذي ~~أخبره صدقت ثم مد يده لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله، وتكذيب العمل ~~أبلغ من تكذيب اللسان. فمثل نفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتا من شدة الصعقة ~~شاخص العين نحو النداء، وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها ~~بلاهم وقد أزعجهم الرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة ~~الانتظار لعاقبة الأمر كما قال الله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون) [الزمر: 68] فتفكر في الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم انتظارا ~~لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم، متحير ~~كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسموات، ~~وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة، وازدحموا ~~في الموقف شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم. فتأمل يا مسكين في طول هذا اليوم، ~~وشدة الانتظار فيه، والخجلة والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار ~~تعالى وأنت عار مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر لما يجري عليك القضاء ~~بالسعادة أو بالشقاوة، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم ~~العظيم شأنه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ~~(وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله ~~شديد) [الحج: 2] يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، والكواكب من هوله قد انتثرت ~~[الانفطار: 2] ، والنجوم الزواهر قد انكدرت، والشمس قد كورت، والجبال قد ~~سيرت، والعشار قد عطلت، والوحوش قد حشرت، والبحار # PageV01P325 # قد سجرت، والنفوس إلى الأبدان قد زوجت، والجحيم قد سعرت، والجنة قد أزلفت ~~[الشعراء: 90، ق: 31، التكوير: 13] . وقد وصف الله بعض دواهي يوم القيامة، ~~وأكثر من أساميه لتقف ms359 بكثرة أساميه على كثرة معانيه، فليس المقصود بكثرة ~~الأسامي تكرير الأسامي والألقاب، بل الغرض تنبيه أولي الألباب، فتحت كل اسم ~~من أسماء القيامة سر، وفي كل نعت من نعوتها معنى، فاحرص على معرفة معانيها. ~~فمن أساميها: " يوم القيامة "، " ويوم الحسرة " [مريم: 39] " ويوم الندامة ~~[يونس: 54 وسبأ: 33] ، " ويوم المحاسبة " [ص: 26 و 53] ، " ويوم الزلزلة " ~~[الحج: 1 والزلزلة: 1] ، " ويوم الصاعقة " [الطور: 45 والزمر: 68] ، " ويوم ~~الواقعة " [الواقعة: 1 والحاقة: 13 و 15] ، " ويوم القارعة " [القارعة: 1، ~~والحاقة: 4] ، " ويوم الغاشية " [الغاشية: 1] ، " ويوم الراجفة " ~~[النازعات: 6] ، " ويوم الحاقة " [الحاقة: 1 و 2] ، " ويوم الطامة " ~~[النازعات: 34] ، " ويوم الصاخة " [عبس: 33] ، " ويوم التلاق " [غافر: 15] ~~، " ويوم التناد " [غافر: 32] ، " ويوم الجزاء " [غافر: 17] ، " ويوم ~~الوعيد " [ق: 20] ، " ويوم العرض " [الكهف: 48] ، " ويوم الوزن " [الأعراف: ~~8 و 9] ، " ويوم الفصل " [الصافات: 21 والنبأ: 17 والمرسلات: 38] ، " ويوم ~~الجمع " [الشورى: 7] ، " ويوم البعث " [الروم: 56] ، " ويوم الخزي " [آل ~~عمران: 192 والنحل: 27] ، " ويوم عسير " [الفرقان: 26 والمدثر: 9] ، " ويوم ~~الدين " [الحجر: 35 والصافات: 20] ، " ويوم النشور " [الملك: 15 والقمر: 7] ~~، " ويوم الخلود " [ق: 34] ، " ويوم لا ريب فيه " [آل عمران: 9 والنساء: ~~87] ، " ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا " [البقرة: 48، 123] ، " ويوم تشخص ~~فيه الأبصار " [إبراهيم: 42] ، و (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه) [عبس: 34 - 36] (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم) [الشعراء: 88، 89] . # فالويل كل الويل للغافلين، يرسل الله لنا سيد المرسلين، وينزل عليه ~~الكتاب المبين، ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين، ثم يعرفنا غفلتنا ~~ويقول: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم) [الأنبياء: 1 - 3] ثم يعرفنا ~~قرب القيامة فيقول: (اقتربت الساعة وانشق القمر) [القمر: 1] (إنهم يرونه ~~بعيدا ونراه قريبا) [المعارج: 6 و 7] (وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا) ~~[الأحزاب: 63] ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا ~~نتدبر معانيه، ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه، ولا نستعد للتخلص ~~من دواهيه. # فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يتداركنا الله بواسع رحمته. ms360 ### | صفة السؤال # ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من ~~غير ترجمان، فتسأل عن القليل والكثير والنقير والقطمير، فبينا أنت في كرب ~~القيامة وعرقها وشدة # PageV01P326 # عظائمها إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماء إلى موقف العرض على الجبار، ~~فيقومون صفا صفا محدقين بالخلائق من الجوانب، وينادون واحدا بعد واحد، فعند ~~ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول، ويتمنى أقوام أن يذهب بهم ~~إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم على ملأ ~~الخلائق. وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش: (وأشرقت الأرض بنور ربها) ~~[الزمر: 69] وأيقن قلب كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد، ويظن كل واحد ~~أنه ما يراه أحد سواه، وأنه المقصود بالأخذ والسؤال دون من عداه، فيبدأ ~~سبحانه بالأنبياء: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا ~~إنك أنت علام الغيوب) [المائدة: 109] فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء ~~من شدة الهيبة، ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله ~~وكثيره، عن سره وعلانيته، وعن جميع جوارحه وأعضائه. فكيف ترى حياءك وخجلتك ~~وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك، وأياديه ومساويك، فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك ~~وأنت بقلب خافق وطرف خاشع وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها، فكم من فاحشة نسيتها فتذكرها، وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف ~~لك عن مساويها، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه. وبأي لسان تجيب، وبأي قلب ~~تعقل ما تقول، وفي الخبر: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه ~~حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ~~ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم» . فأعظم يا مسكين ~~بحياتك عند ذلك وبخطرك. ثم لا تغفل عن الفكر في الميزان وتطاير الكتب إلى ~~الشمائل والأيمان: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت ~~موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه نار حامية) [القارعة: ms361 6: 11] . ### | صفة الخصماء ورد المظالم # اعلم أنه لا ينجو من خطر الميزان إلا من حاسب في الدنيا نفسه، ووزن فيها ~~بميزان الشرع أعماله وأقواله، وخطراته ولحظاته، وإنما حسابه لنفسه أن يتوب ~~عن كل معصية قبل أن يموت توبة نصوحا، ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض ~~الله تعالى ; ويرد المظالم حبة بعد حبة، حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا ~~فريضة - فهذا يدخل الجنة بغير حساب، وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه ~~فهذا يأخذ بيده - وهذا يقبض على ناصيته - وهذا يقول ظلمتني - وهذا يقول ~~شتمتني - وهذا يقول استهزأت بي - وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري - وهذا ~~يقول عاملتني فغششتني - وهذا يقول أخفيت عيب سلعتك عني - وهذا يقول وجدتني ~~مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عني فما راعيتني. فبينما أنت كذلك وقد ~~أنشبت الخصماء فيك # PageV01P327 # مخالبهم وأنت مبهوت متحير من كثرتهم، إذ قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله: ~~(اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم) [غافر: 17] فعند ذلك ينخلع قلبك ~~وتتذكر ما أنذرك الله على لسان رسوله حيث قال: (ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا ~~يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء) [إبراهيم: 42، 43] فما أشد ترحك اليوم ~~بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسراتك في ذلك اليوم إذا ~~وقف بك على بساط العدل وكشف عن فضائحك ومساويك، فاحذر من التعرض لسخط الله ~~وعقابه الأليم. واستقم على صراطه المستقيم. فمن استقام في هذا العالم على ~~الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا، ومن عدل عن الاستقامة في الدنيا، ~~وأثقل ظهره بالأوزار وعصى، تعثر في أول قدم من الصراط وتردى. ### | القول في أهوال جهنم وقانا الله عذابها # يا أيها الغافل عن نفسه، المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة ~~على الانقضاء والزوال، دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه. واصرف الفكر إلى ~~موردك، فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قال سبحانه: (وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما ms362 مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا) [مريم: 71، 72] فأنت من الورود على يقين، ومن النجاة في شك، فاستشعر ~~في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد للنجاة منه، وتأمل في حال الخلائق وقد ~~قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ~~ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب ~~وأظلت عليهم نار ذات لهب وسمعوا لها زفيرا يفصح عن شدة الغيظ والغضب، فعند ~~ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب. حتى أشفق البرآء من سوء ~~المنقلب، فهناك تسوق الزبانية المجرم إلى العذاب الشديد وينكسونه في قعر ~~الجحيم، ويقولون له ذق إنك أنت العزيز الكريم، فأسكنوا دارا يخلد فيها ~~الأسير، ويوقد فيها السعير: وشرابهم فيها الحميم، ومستقرهم الجحيم. شدت ~~أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها ~~ويصيحون في نواحيها وأطرافها. يا مالك قد نضجت منا الجلود. يا مالك أخرجنا ~~منها فإنا لا نعود. فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من ~~دار الهوان، فاخسئوا فيها ولا تكلمون، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم ~~عنه تعودون. فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون. ولا ~~ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف، يدعون بالويل والثبور، وتغلي بهم النار ~~كغلي القدور، وتهشم بمقامع الحديد جباههم، فينفجر الصديد من أفواههم، وهم ~~مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون، فكيف لو نظرت إليهم قد اسودت وجوههم أشد ~~سوادا من الحميم، وأعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وكسرت عظامهم، ومزقت ~~جلودهم، ولهيب النار سار في بواطن أجزائهم، وحيات الهاوية وعقاربها متشبثة ~~بظواهر أعضائهم. هذا بعض # PageV01P328 # جملة أحوالهم، وانظر إلى تفاوت الدركات، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا، فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت، فمنهم منهمك مستكثر ~~كالغريق فيها، ومن خائض فيها إلى حد محدود، فكذلك تناول النار لهم متفاوت، ~~فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في النار ~~كيفما كان، بل لكل واحد حد معلوم على ms363 قدر عصيانه وذنبه، إلا أن أقلهم عذابا ~~لو عرضت عليه الدنيا لافتدى بها من شدة ما هو فيه. فيا لحسرة هؤلاء وقد ~~بلوا بما بلوا به ولم يبق معهم شيء من الدنيا ولذاتها. # فانظر يا مسكين في هذه الأهوال، والعجب منك حيث تضحك وتلهو وتشتغل ~~بمحقرات الدنيا ولست تدري بماذا سبق القضاء في حقك (فإن قلت) فليت شعري ~~ماذا موردي، وإلى ماذا مآلي ومرجعي، وما الذي سبق به القضاء في حقي، فلك ~~علامة تستأنس بها وتصدق رجاءك بسببها، وهو أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك فإن ~~كلا ميسر لما خلق له، فإن كان قد يسر لك سبيل الخيرات فأبشر فإنك مبعد عن ~~النار، وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ~~ويتسير لك أسبابه، فاعلم أنك مقضي عليك، فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة ~~المطر على النبات ودلالة الدخان على النار، فقد قال الله تعالى: (إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) [الانفطار: 13 و 14] فاعرض نفسك على ~~الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين. ### | صفة الجنة وأصناف نعيمها # اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها يقابلها دار أخرى، فتأمل في ~~نعيمها وسرورها، فإن من بعد من إحداهما استقر لا محالة في الأخرى، فسق نفسك ~~بسوط التقوى لتنال الملك العظيم، وتسلم من العذاب الأليم، فتفكر في أهل ~~الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم، يسقون من رحيق مختوم، جالسين على منابر ~~الياقوت، متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل، ~~محفوفة بالغلمان والولدان، مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان، كأنهن ~~الياقوت والمرجان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، ينظرون فيها إلى وجه الملك ~~الكريم وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا ~~يخافون فيها ولا يحزنون، ومن ريب المنون آمنون. فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه ~~صفتها، ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، كيف ~~يأنس ويتهنأ بعيش دونها، والله لو لم يكن فيها إلا سلامة ms364 الأبدان، مع الأمن ~~من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدنيا ~~بسببها، وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته، كيف وأهلها ملوك ~~آمنون، وفي أنواع السرور ممتعون، لهم فيها كل ما يشتهون، وإلى وجه الله ~~الكريم ينظرون، وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم ~~الجنان، ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرآن فليس وراء بيان الله ~~تعالى بيان، واقرأ قوله # PageV01P329 # تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: 46] إلى آخر سورة الرحمن، ~~واقرأ سورة الواقعة وسورة الإنسان وغيرها من السور، ففيها ما يدلك على أن ~~ثمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما ورد في الأثر، ~~ويكفي من الاطلاع على جملتها ما بينا، وقد ورد في تفصيل صفتها كثير من ~~الأخبار المدونة في الأسفار الكبار. # واعلم أن درجة الآخرة متفاوتة، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا، وكما ~~أن بين الناس من الطاعات الظاهرة، والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا، ~~فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر، فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا ~~يسبقك أحد بطاعة الله تعالى، فقد أمرك الله بالمسابقة والمنافسة فيها، وقال ~~تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين) [آل عمران: 133] ، وقال تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ~~ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون) [المطففين: ~~22 - 28] . # اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول أو عمل، ونستغفرك من كل ما زلت به القدم أو طغى به ~~القلم، يا واسع المغفرة يا أرحم الراحمين؟ . PageV01P330 ms365